دخولتسجيل الدخول

مدارسة سورة الأحزاب | الرباط العلمي | المجلس الثالث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترا، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى. أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر يا ربي، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة اليوم الثالث من أيام هذا الرباط العلمي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا اليوم مليئاً بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا ويمدنا بالهمة والقوة، وأن يصرف عنا ضعف النفوس وتململها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما زلنا نعيش في أفياء سورة الأحزاب في صبيحة هذه الأربطة، وهذه السورة التي تتحدث عن ثبات المؤمن في وجه التحديات والعقبات التي ستواجهه لا بد وهو في رحلة الإصلاح أو في رحلة التغيير، وكيف يثبت ولا يطيع الكافرين والمنافقين في إملاءاتهم وتخويفاتهم، وأن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن يستند إليه، وأن يأخذ منه العون، ويعرف أن في رحلة الإصلاح وفي رحلة الثبات على دين الله سبحانه وتعالى السند الحقيقي والركن الشديد هو الله سبحانه وتعالى؛ فتقول: اللهم إني ألجأت ظهري إليك، وأسندت أمري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، سبحانك.

ومن أعظم المشاهد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أن من التجأ إلى الله سبحانه وتعالى حق الالتجاء أعانه الله عز وجل بمدد من عنده، كانت قصة الأحزاب؛ لأن قصة الأحزاب النصر فيها جاء مع عدم وجود الأسباب، بل ضد الأسباب المادية والأسباب الحقيقية. العدو أحاط بالمدينة من كل مكان، وبلغت القلوب الحناجر، مع قلة العدة والعتاد، ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل جنوداً لم تروها وأرسل ريحاً لم تروها، فكان قدر الله يعمل ولا يراه المؤمنون فضلاً أن يراه الكافرون، حتى ألحقت الهزيمة النكراء بقريش وأحلافها. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب كان دائماً يستشهد بالانتصار فيقول: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب». لماذا لم يقل هازم قريش في بدر؟ ولماذا هازم الأحزاب؟ لأن النصر في الأحزاب جاء بدون وجود الأسباب المادية، كانت تجلياته وطريقته غير معتادة. الآن النصر دائماً من عند الله، ليس كذلك سواء في بدر ولا في الأحزاب ولا في غيرها، إنما النصر من عند الله، لكن لما ترى النصر يتجلى أمامك مع معرفتك بأنك لم تكن تملك شيئاً من الأسباب؛ لا أنك قاتلت القتال، ولا أنك تستطيع أن تواجه هذا العدد الكبير، وفي أي لحظة تجرأ فيها يهود بني قريظة على الإقدام من الخلف واقتحام المدينة، كانت الأمور العسكرية متاحة لهم، لكن من الذي ألقى الرعب في قلوب يهود بني قريظة مع أنهم خانوا؟ من الذي يسر نعيم بن مسعود في اللحظات الأخيرة ليفل جمعهم ويضع بينهم المكيدة؟ من الذي أتى بكل هذه التفاصيل التي ما كانت في حساب النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه؟ لكن الله سبحانه وتعالى سخرها، فكان نصراً عجيباً مدهشاً؛ لذلك دائماً أنت تقول «وهازم الأحزاب» لأنك تعلم أن هذا النصر ليس كأي نصر، هذا النصر جاء بريح وجنود لم تروها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].

معركة الأحزاب هي قمة الهرم في الأحداث الشديدة أو المواجهات الصعبة التي كانت لإقامة الدولة؛ النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأحزاب قال: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». نعم، الآن نغزوهم ولا يغزوننا، اجتمعت فيها أقوى المواجهات والمشاكل الخارجية والداخلية على مستوى المنافقين والكفار واليهود، على جميع الأصعدة وفي جميع المناطق، اجتمع فيها مختلف أنواع الأعداء؛ تآلب الأحزاب بمختلف أنواعهم، هي المعركة الوحيدة التي كان فيها هذا التآلب الكبير والاتفاق بين الوثنيين المشركين وبين اليهود الغاصبين، كيف كانوا كلهم في هذه المعركة بالتحديد يداً واحدة، ومع ذلك الله جمعهم وأحبط مكائدهم، فهذا أيضاً ملحظ جميل، بارك الله فيك.

انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. الله عز وجل عندما يتحدث عن الغزوات في القرآن، سواء غزوة بدر أو أحد أو الأحزاب أو تبوك، تجد الاحتفاء القرآني بذكر ما في النفوس؛ الاحتفاء القرآني في رصد المعارك هو رصد المشاعر؛ كيف كانت المشاعر في غزوة بدر؟ كيف كانت في غزوة أحد؟ كيف كانت في غزوة تبوك؟ لأن هذا هو المهم في النهاية. وهذه قضية قرآنية مهمة إخواني؛ أن الله سبحانه وتعالى يريدك أن تفهم قضية أن الأمور الظاهرة البدنية هذه في النهاية تذهب وتأتي، وإنما المكتسبات الحقيقية في المعارك والميادين هي أن يهدي الله سبحانه وتعالى قلبك؛ كيف تتصرف؟ هذه المكتسبات الحقيقية. أستبقي على قيد الحياة، ابتليت، فقدت لم تفقد، كان النصر على يدك أو النصر على يد غيرك؛ كل هذه الأمور البدنية الظاهرة ليست هي الأهمية الكبرى في المقاصد الإلهية. ولذلك أعود فأقول دائماً نتذكر سورة الصف: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الصف: 13]، الله عز وجل يقول وأخرى تحبونها نصر من الله، لكن ليست هي الأساس؛ الأساس في المقصد الوجود الإنساني انتصار المؤمنين هذا جزء من استخلافهم على الأرض، لكن الأساس والمقصد هو الأحاسيس والمشاعر. ولذلك دائماً سورة آل عمران بما فيها من الجماليات وهي تصف لك القلوب في غزوة أحد، قلوب الجميع، وفي تبوك الفاضحة، سورة التوبة تسمى الفاضحة لأنها فضحت ما في قلوب المنافقين، أظهرت ما في ضغائنهم؛ نفس الشيء هنا في سورة الأحزاب، تفضح لك أيضاً وتكشف ما في القلوب.

قال سبحانه وتعالى عن المنافقين ومواقفهم المخزية لهذه الغزوة: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾؛ بخلوا بأنفسهم وأموالهم عن نصرة الإسلام، الشح؛ حريصون على الدنيا، حريصون على البقاء على لذائذهم، لا يريدون أن يتألموا، لا يريدون أن يدفعوا ثمناً، لا يريدون أن يضحوا من أجل هذا الدين، ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. ومن دلائل هذا الشح قال سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: 19]. انظر الوصف القرآني البديع لحال هؤلاء المنافقين؛ شدة الخوف وعدم ثبات القلوب عندهم وصل لمرحلة تدور أعينهم، كيف تدور الأعين؟ اضطراب الحركة من شدة الخوف، ودائماً يقولون بؤبؤ العين، حتى في القصص يقولون لك أفلام تصوّر كيف العين يصير البؤبؤ تبعها كأنه يدور، شدة البحلقة هذه في لحظة المفاجأة المليئة بالخوف والرعب، يشخص بصره وتشعر كأن بؤبؤ عينه يتحرك؛ فهذا وصف لحال العرب هكذا تصف حال الخائف الذي بلغ منه الخوف أشده، كيف يكون شكل عينيه وشخوصها، وكأن هذه المادة السوداء بؤبؤها في الداخل يتحرك حركة شديدة من شدة الخوف: ﴿كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.

هذا حالهم في قمة الخوف والهلع والجزع، فإذا ذهب الخوف، انظر الفرق: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. ولاحظ أن هذا هو المنافق؛ في إنسان إخواني يحترم إمكانياته، في بعض الناس مؤمن بس ربنا عز وجل ما رزقه الشجاعة، فهو يعرف حجمه الطبيعي، أنه أنا والله لما جاء الخوف لست فارس الفرسان ولا أشجع الشجعان وكنت خائفاً، فإذا ذهب الخوف وحصل الانتصار، لا يقعد يلوح أمام الناس: ترى الحمد لله، شفتوا شو عملت أنا في المعركة؟ يا شيخ، أنت رايناك تبحلق عينيك كالذي يغشى عليه من الموت! ليعرف حجمه الطبيعي هذا صادق، حتى ولو كان ضعيف المشاعر؛ في إنسان يعرف أنه ليس بذاك الرجل القوي، فما يجلس في ساعات الانتصار يظهر للناس: ترى أنا أحد المؤثرين والمبرزين وكنت معكم وأحتاج أن تعطوني من الغنيمة. فإذا ذهب الخوف ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾؛ ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.

ما معنى سلقوكم؟ كما تسلق البيضة، سلقوكم يعني ذاؤوكم وشغبوا عليكم وآذوكم؛ الأذية ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. وهنا صاحب مفاتيح الغيب يقول: آذوكم بألسنة حداد أي أكثروا من إظهار أنهم هم المؤثرون في النصر، وأننا شاركناكم فيه، وأننا نريد أن نقتسم معكم هذه الانتصارات، وتلاحظون اليوم مثلاً كما حصل في الحالة الشامية، كيف أن كثيراً ممن أسميهم أنا من المنافقين، لما كان الخوف غادروا البلد وراحوا بريطانيا وأمريكا وأخذ جوازه وقال لك السلام عليكم، إذا ترجع البلد ترجع، ما ترجع لا، جاء الخوف هرب، فإذا ذهب الخوف عادوا؛ الآن يريدون اقتسام الحق وحق الأقليات، واحنا كنا معكم واحنا صناع الثورة، وأخي وين أنت كنت؟ كنت قاعد هناك، في اللحظة التي كان الناس تصل النار والحميم، أنت كنت جالس في بريطانيا وأمريكا بتأكل وتشرب وعايش حياتك وآمن على نفسك وأولادك والناس تدفع الثمن، الآن يأتي سلقوكم إذا صار، ياتي الآن ويقول لك أنا جزء من المعركة وهذه المعركة بجهد الجميع! أي جهد الجميع؟ لكن هكذا هو المنافق في كل زمان ومكان؛ يأتي يؤذيك بلسانه، وينظر عليك، ويسمعك الكلام والديباجات وأحقيته في المشاركة في الحكم، وأنه لنا قسم أيضاً منك، ما أنتم لكم قسم؟ طيب كيف أحقية؟ أنت تأتي، أنه على الأقل ماشي قلت له: أنا والله خفت وهربت من البلد، أنا قد إمكانياتي، والله يا شيخ ماني قد المواجهة. بس لما يذهب الخوف ويأتي الانتصار، يا أخي استحي، لا تجي تتبجح ولا تجي تطالب وكان لك حق وكان لك الأيادي البيضاء، ما نحن رايناك أنت لم تفعل شيئاً ولم تقدم شيئاً وكنت خائفاً وجلاً فزعاً هارباً، الآن تأتي تسلق إخوانك بألسنة حداد!

فهذه حالة نفاق؛ هذه من صفات المنافق، أنه يعود فأقول يريد أن يكون كاسباً على كل الجهات؛ فهمت هذه الشخصية في المنافق، يريد دوماً أن يكون هو الكاسب في المعركة، أنه في احتمالية قتل بده يهرب، وفي الانتصار لأنه فيها غنيمة بده يكسب، ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ إن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم، وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ المنافق يحاول أن يكسب على كل الجهات، وهذا لا يصلح، القاعدة الإلهية الغنم بالغرم، كما الذي يضحي بنفسه ويكون على أي احتمالية الشهادة في سبيل الله ويدفع الثمن، هو الذي إذا انتصر وهذا يكون له الحق في أن يطالب وأن يحكم وأن يعز؛ أليس كذلك؟ هكذا هي القواعد السوية، الغنم بالغرم والخراج بالضمان، أما أن تحاول أن تكسب على كل الجهات فهذا دلالة ضعف القلوب ودلالة النفوس غير السوية.

طيب ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، في مطلع الآية قال ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ثم هنا يقول ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ايش في عند الزمخشري يا أبو الحسن؟ لماذا هنا قال ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في أولها ثم هنا قال ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾؟ الأخوة الذين حضروا وقرأوا، ماذا قال الطبري؟ قال يا شيخ أشحة على الغنيمة إذا ظفر؛ إذا الخير فسروها بالمال، وهكذا قال صاحب مفاتيح الغيب إن خير المال؛ أي حريصون على الخير. كما قلنا أنهم في حال الخوف أشحة بأنفسهم وأموالهم لا يريدون البذل، وفي حال الانتصار وذهاب الخوف شحيحون على المال، أي يريدون أن يشاركوكم ويقاسموكم المال والغنيمة، عرفتم الفرق بين الشح الأول والشح الثاني؟ الشح الأول في بداية المعركة والشح الثاني في نهاية المعركة؛ الشح الأول شح بالنفس والمال ما بده يبذل، والشح الثاني هو حرصه على أن يأخذ ويحصل في ختام المعركة الغنيمة والمال والثروة، فهو يريد أن يكون كاسباً على كل الجهات. فالمنافق من صفاته الشح، وهذا الشح يتجلى كما قلنا في البدايات بالهروب وعدم بذل النفس، وفي النهايات بالحرص على المال والغنيمة والمناصب وأن يشارك الفاتحين الحقيقيين والمنتصرين الحقيقيين ويزاحمهم، مش يزاحمهم يبقى يدوشهم ويتعبهم وينظر ويطلع عليهم وكذا؛ وأنتم قصرتوا وما أعطيتوني وما شابه ذلك، فهمتم هذا الفرق بين أشحة الأولى وأشحة الثانية؟ ممكن أيضاً جميل؛ يمكن يلحظ بهذا الملحظ أنه في البداية خصص أنه ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ لا يريدون مساعدتكم، لا يريدون الخير لكم، ثم بعد ذلك ذكر شحهم عموماً في كل ميادين الحياة، سواء عليكم ولا على غيركم، هو نفس الشح؛ تكون من قبيل العام بعد الخاص.

الآن الله سبحانه وتعالى يخبرك ما هي الحقيقة في هؤلاء؛ قال: ﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الواقع والحقيقة، هؤلاء ما عندهم إيمان حقيقي بالله سبحانه وتعالى، إيمان شكلي، ﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وإحباط العمل الأصل في التعبير القرآني أنه إذا عبر بإحباط العمل فهذا يدل على الكفر، أن هؤلاء قوم كفار؛ فلذلك أحبط الله أعمالهم، إحباط العمل وإهلاك الأعمال.

أحبط الله أعمالهم؛ أي الصالحة في الظاهر على الأقل، فليسوا كانوا يصلون معكم ويزكون من أجل أن يظهروا أنهم ضمن المجتمع المسلم؟ كل هذه الأعمال الصالحة أحبط الله ثوابها وأجورها. فلذلك يقول العلماء في العادة في التعبير القرآني إذا عبر بالإحباط فهذا إنما يكون في حالة الكفر والردة. أما في حالة ضعف الإيمان ووجود بعض الخلل لا يعبر بالإحباط؛ فالإحباط دلالة على الإهلاك والإفساد التام لهذه الأعمال، وهذا لا يكون إلا لمن وصل إلى مراتب الكفر والردة عن دين الإسلام.

فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً. إحباط أعمال هؤلاء وإفساد كل ما فعلوه من شكليات ظاهرة في الخير هذا لا يعجز الله سبحانه وتعالى؛ أن ينهي أمور هؤلاء. الله سبحانه وتعالى يخبر المنافقين أن أمركم هين على الله؛ لا تفكروا أن هذه طريقة في أذية المؤمنين والتشويش على الصف المسلم، وأن بقاءكم دائماً يجعل الكلام يدور، لا تظنوا أن الله عز وجل عاجز عن إنهاء هذا الملف وإغلاق وجودكم. الله سبحانه وتعالى يسير عليه كل شيء، لكن جعل بقاءكم في داخل المجتمع المسلم هو نوع من البلاء للموحدين، نوع من البلاء لأهل الإيمان؛ كيف سيتعاملون مع هذا الملف؟ وإلا أمركم سهل جداً على الله سبحانه وتعالى أن ينهيه.

لاحظ الاستفاضة القرآنية في بيان حال هؤلاء، لأنني أعود فأقول دائماً: المشاكل في النفاق داخل المجتمع المسلم. فتجد أن سورة الأحزاب ما اشتغلت بذكر مثلاً بعض وقائع المعركة التي ليست ذات أهمية قلبية، أنه مثلاً بعض الصحابة تناوشوا مع المشركين بالنبال وما شابه ذلك، ونزل علي بن أبي طالب وقاتل في الخندق؛ هذه التفاصيل تبقى أموراً ظاهرة، لكن المهم النفوس. قال: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، لم يذهب استفاضة النص القرآني في معالجة القلوب، ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: 20].

الآن الله سبحانه وتعالى يخبر عن نفسية هؤلاء المنافقين أيضاً؛ كيف يحسبون الأحزاب لم يذهبوا؟ لما انتهت المعركة بطريقة عجيبة، المنافقون هم آخر ناس صدقوا أن المعركة انتهت. آخر ناس صدقوا أنه معقول أبو سفيان ومن معه غادر؟ معقول فقط هكذا المشهد انتهى؟ هم طبعاً لأنهم ضخموا الخوف في أنفسهم في البداية، «وأن بيوتنا عورة» وكذا كذب، لما ضخموا الخوف في أنفسهم ما صدقوا؛ طبعاً مع عدم وجود الإيمان الحقيقي ما صدقوا أنه معقول هؤلاء الأحزاب -هم طبعاً أعود فأقول إذا بتذكروا في الصفحة السابقة كان المشهد عندهم: لا مقام لكم فارجعوا- خلص هم نفضوا أيديهم، ما في داعي أنكم تظلكم، خلص مسلمين وترى انتهت القضية محسومة لكفار قريش القضية.

فلما جاء الانتصار بطريقة مدهشة وبجنود لم تروها، ما كان في مخيلتهم أبداً أنه معقول هكذا انتهت المعركة وانتصرنا؛ مش قادرين يفهموا أن القدرة الإلهية فوق كل الموازين الأرضية، فبقوا متشككين؛ لا أكيد أبو سفيان ما انسحب، وربما في تكتيك عسكري هو بده يروح يرجع يلف من مكان آخر، معقول الهوازن مسكت نفسها وعادت؟ لشدة أولاً ضعف النفوس، عدم الإيمان بالله وبقدرة الله على التغيير، كل هذا الذي هم فيه جعلهم آخر من صدق بهزيمة الأحزاب، يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وأن الموضوع فقط تغيير وتكتيك عسكري.

أما أهل الإيمان فهم مصدقون: نعم المعركة انتهت، والله ألقى في قلوبهم الرعب وغادروا، والله قادر على كل شيء. فهم آخر الناس تصديقاً بالانتصارات؛ لأن قلوبهم ضعيفة وثقتهم بالله مهزوزة، فلا ينظرون إلا إلى الأسباب المادية، فيبقى دوماً يفسر لك الأمور ويهول لك الأمور؛ لا أخي، أنه هذه حتى في سبحان الله حتى في واقعنا المعاصر مع ضعف الإيمان الشديد، أي حالة انتصار جزئية -لسه ما في عنا انتصارات كبرى، الكبرى أسأل الله أن يأتي بها- بس أي حالة انتصار جزئي، تجد من صفات المنافق أنه دوماً يقول: هذه مؤامرة، هؤلاء أصلاً عملاء لهؤلاء، فهذول عشان هيك انتصروا.

يعني دائماً يريد أن يعلل الأمور بماذا؟ أنه في أسباب مادية فقط، وأنه هذا تكتيك عسكري بين فلان وفلان وكذا، ما في شيء اسمه انتصار، معقول انتهي من المجرمين المستبدين في مكان من الأماكن؟ لا هو مش قادر يصدق أن الله سبحانه وتعالى يعين ويهيئ الأسباب. طبعاً هذا لا يعني عدم تدخل أسباب من هنا وهناك وبعض التحالفات المنطقية التي قد يكون فيها مصالح، أنا أقصد أن الذين في قلوبهم مرض والمنافقون عموماً صعب أن يصدق بانتصار المسلمين؛ لأن عادة المسلم العدة والعتاد محدود، والكفار بكل طاقتهم يحاربوننا وبكل أجهزتهم، فيصبح التصديق بالانتصار وأنك تخلي الشخص يصدق أنه نعم ممكن ننتصر ولو انتصار جزئي عملية مضنية تحتاج إلى إيمان حقيقي.

نعم، أنا أؤمن أن الله سبحانه وتعالى يهزم بني صهيون ويهزم أمريكا وحزبها، وأن الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: 15-16]، وأنهم يخططون ليلاً ونهاراً بكل أجهزتهم وطاقتهم وما شابه ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى أيضاً يدبر لعباده من المكائد والحيل ما يفتّ بعض هؤلاء الكافرين والمنافقين، وأيضاً أن تستغل الفجوات وأن تستغل مراحل الضعف والأزمات لتحدث ولو انتصار جزئي، وهذا من تمكين الله سبحانه. فالمهم دائماً المنافق هو الذي يستصعب انتصار الله للمؤمنين، دون أن يرى هو الأسباب المادية، بقول لك: أنا مش شايف شيئاً حقيقياً أنكم تنتصروا، مش ضابطة معي، ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾.

وإذا رأى الأعداء؛ يعني هو آخر الناس تصديقاً بالانتصار، وفي البدايات ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾؛ شو هذا التعبير القرآني الذي هو في واقعنا المعاصر؟ مش قلت لكم قبل قليل في بداية المعركة أخذ جواز سفره وطلع؟ هي هي: بادون في الأعراب، مسافر والله خبرني شو صار في الشباب الإخوة؟ الأمور في انتصار في المعركة؟ ما بظله قاعد في أرض المعركة، ما عنده حيل وهم أن يبقى يقاتل؛ رجل يثبت مع أهل بلده ووطنه؟ لا، بيمسك جواز سفره وبيهرب، ما عنده عذر إلا أنه خائف، فهو بادون في الأعراب خارج البلد، يسألون عن أنبائكم؛ بتابع الأخبار، آه والله الشباب لا إيه والله انهزموا، الأمور طيبة لا خلص راحت، لا مقاومة لكم فارجعوا. بتابع من بعيد الأخبار والأنباء، ما يبقى يجلس يقاتل ويدافع ويطلب الموت مظانه، لاحظ ما يذكر في القرآن دقيق إخواني من كلام ربي العظيم، لأن هذه القصص هي التي تتكرر في كل زمان وفي كل مكان.

يسألون عن أنبائكم؛ زي ما قلت لك، وبعد ما يصير انتصار حضرته بيحزم وبيرجع عندك وبيوجع رأسك، وتعال شو بدك تعطيني من هذه الكعكة والغنيمة هذه سنقتسمها معاً؟ طب أنت كنت في الأعراب، كنت بادياً؛ يعني أنت كنت خارج، ما كنت معي، لماذا تأتي الآن تزاحمني وتريد أن تأكل معي؟ هذا هو النفاق الذي يتعب، المنافق بيتعبك في المعركة وبيتعبك بعد المعركة. فلذلك الكافر التعامل معه أيسر من المنافق، ولذلك استفاضة القرآن في معالجة موضوع المنافقين لأنه هو الثقل الكبير على المجتمعات المسلمة.

أنا في اعتقادي وما أفهمه من كلام ربي أن الثقل الكبير في المنافق لأنه عايش معك وبيأكل معك وأنت محتك فيه، وإذا هو اللي بيأذيك نفسياً ويفل عضدك، وإذا رجع بعدين بده يشاركك وأنت مش عارف تتخلص منه؛ حتى لا يقال إن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولا تشمخ أنوف، هو المتعب. أما الكافر خلص العلاقة بينك وبينه واضحة، أنا وإياك بنتقاتل، يا أنت بتقتلني يا أنا بقتلك، انتهت القضية، هو عايش في مكانه وأنت عايش في مكان؛ يعني ما في الاحتكاك داخل البلد. فلذلك سبحان الله النفاق متعب، وفعلاً النبي عليه الصلاة والسلام وكل ثم بعد ذلك كل المصلحين، التعب الكبير والهم الكبير من التعامل معه النفسيات.

﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أيش ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً؟ يعني وإذا أحدهم ما استطاع أن يكون بادياً في الأعراب، بعض الناس ممكن ما معه جواز سفر يؤهله أن يهاجر، صح ولا لا؟ ما عنده قدرة أن يغادر، خلص هو يريد المغادرة بس ما صحت له الفرصة؛ فلما بقي في المجتمع مع استحياء من الناس بيجي على مواطن الصفوف المعركة، بيرمي له فشكتين كذا وبيظله راجع لبيته، يعني هو ما بده يقاتل، ما بده يواجه، لك فيأتي ليعمل مواجهات شكلية، أنه هيني قاتلت معكم شوي، هيني شاركتكم في فشكتين ثلاث، لكن ما عنده جلد حقيقي للثبات على طول المعركة. لذلك ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُم﴾؛ أي مقيمين معكم لم يخرجوا إلى الأعراب، ﴿مَّا قَاتَلُوا﴾ ما رح يقاتل، فبالتالي أنت لا يمكن أنك تعتمد عليه في المعركة، هذا بدك تضلك تطعمه وتشربه وكذا بس، وخليه أنه في بيته حتى ما يشوش عليك ولا يرجف ولا يخذل، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.

شوف كلمة قليلاً التي هي الشكليات العامة، أنه بجوز بجرح شوي من عشيرته ما بده يقال أنه فلان جبان، بقول لك بطلع معهم شوي، على الأقل إثبات وجود، بقول لك يعني بثبت وجودي وبعدين بروح وأتسلل بهدوء بدون أن ينظروا أنني انسحبت من المعركة. فهذا رصد القرآن رصد عجيب لتلك النفوس وضعفها.

هل ممكن نقول إن موضوع المنافقين هم حسبوا الأحزاب لم يذهبوا مش فقط لأنهم جبناء بل إن الله عز وجل كافأهم على نفاقهم بأنهم أروا الناس إيمانهم على غير ظاهره لأنه لبس عليهم، فأراهم أموراً على غير ظاهرها؟ أنا فهمت كلامك جيد بس أنه بدي أحاول أستشعره؛ يعني بدي فترة استشعار حتى أقول إن النص يتجه بهذا الاتجاه؛ لما هم لبسوا فأظهروا شيئاً خلاف باطنهم، لبس الله عليهم فأراهم الأمور على غير حقائقها، يعني كفكرة إيمانية عامة جميل، لكن يبقى استشعار داخل النص.

أظن من السياق هذا في ذكر المنافقين، يمكن ننظر أنه تقريباً أهم صفتين ذكرتها، صفة الجبن والشح في المنافقين. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن»، الجبن والبخل. صحيح، خصلتان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لا تجتمعان في مؤمن، الجبن والبخل؛ لأنه إذا اجتمعت دلالة أنه في نفاق، بغض النظر هو ليس شرطاً يكون نفاقاً ينقلك عن الملة، لكن على الأقل أنه فيك خصلة من خصال المنافق إذا اجتمعت فيك هاتان الأمور. كذلك شيخنا أذكر الحديث الآخر: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع»، فكذلك الأحاديث وردت بهذا، وهذه الثنائية.

وأيضاً يمكن صفة ذكرتموها المادية؛ يعني أنه هو لا يرى إلا الأسباب المادية، يعني لا يرى إلا خلاص تحالفات وكذا، الأمر الذي ذكرتموه. سبحان الله كلامك صحيح 100%، ضعف الإيمان بالغيب من صفات المنافق، أن المنافق لا يؤمن بشيء اسمه جنود الله التي تعمل في الخفاء، ما عنده هذا البعد. الله عز وجل ينبهنا أن هناك جنوداً التي تعمل في الخفاء ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، مش هيك قال ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]؟ جنود الله التي تعمل في الخفاء. الإنسان المادي المتشبع بالروح الغربية المادية اليوم بيجي يقول لك: يا مشايخ أنتم بتحكوا لنا عن آيات الله وكرامات وكذا وأنه هذا المجاهد... خلص سيبونا من هذه القضايا، ترى القضية واضحة، هذا العدو عنده أسلحة مادية وأنتم ما عندكم، مش أي ماشي. أنا لست مع الاستفاضة الكبيرة في خلق القصص العجيبة، نعم لمرحلة معينة، لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن تلغي جنود الله التي تعمل في الخفاء، ما بيطلع لك، هذا دلالة ضعف كبير في الإيمان وهشاشة في تصورك لما مدى قدرة الله العظيمة.

الإنسان المادي هو إنسان لا يؤمن بعالم الغيب، إنسان غلبت عليه فكرة العدة والعتاد فقط، وأن الأمور الظاهرة هي التي تنصر. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25]. يعني لو بدك تجي نحسب الأمور المادية يوم حنين كنتم الكثرة، ومع ذلك -فلجمع المسلمين كانوا هم الأكثر من العدو الحقيقي من الهوازن وثقيف- كانوا الأقل من غطفان، كانوا أقل من غطفان، ومع ذلك كانت الهزيمة في بداية المعركة. الله سبحانه وتعالى دائماً ما ينبهنا أن المطلوب منكم يا أيها المسلمون: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ما استطعت أنت اعمل ما تستطيع من الأسباب، ثم ما بعد ذلك دع الأمور للعامل الغيبي، دع الأمور لله سبحانه وتعالى، فإن لله جنوداً تعمل في الخفاء تسد هذا النقص في أعداد المسلمين، تسد هذا النقص في فرق القوة، وتجعل الكفة تميل لصالح المسلمين؛ لا بد أن يؤمن المؤمن بهذا البعد.

في المقابل المؤمنون كيف كانت مشاعرهم؟ أهل الإيمان الحقيقي، الاستفاضة السابقة كلها في مشاعر المنافقين والذين في قلوبهم مرض. ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. إذاً الله سبحانه وتعالى يخبرنا هنا أين البوصلة الصحيحة؟ بعد أن ذكرت المسالك الخاطئة والنفوس الخبيثة والأحوال الرديئة، الله سبحانه وتعالى يريد يقول لك: تريد تتجه إلى البوصلة الصحيحة؟ تريد أن تتخلص من حالة النفاق وأن تكون من أهلها؟ عليك أن تأتسي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. القدوة الحسنة إنما هي في منهج محمد ﷺ، في شخصه، في سيرته، في أحواله، في كلماته، في همساته؛ هي أسوة حسنة. ولكن من يستفيد من هذه القدوة؟ بل حتى من يستفيد من الاقتداء بالعلماء والمصلحين؟ ليس كل شخص سيستفيد، بدليل أن النبي ﷺ كان بين أظهر المنافقين ولم يستفيدوا منه شيئاً، ولم يستفيدوا من الاقتداء به شيئاً.

قد يكون العالم الصالح أو الذي يُقتدى بصلاحه حاضراً بيننا، وكثير منا لا يستفيد من وجوده، ويذهب ويموت هذا العالم أو النبي وأهل زمانه أكثرهم لم يستفد من وجوده. من الذي يستفيد من وجود العلماء والمصلحين؟ من كان يرجو الله واليوم الآخر، من كان يرجو القرب من الله والوصول إلى الله، من كان يرجو ويلهج بذكر الدار الآخرة. الإنسان الذي قلبه ليس معلقاً بالدنيا، بل معلق بالدار الآخرة، وذكر الله كثيراً.

الإنسان الذي حافظ على أذكاره، لاحظوا في فضيلة الذكر: أذكار الصباح، وأذكار المساء، وأذكار الصلوات، والأذكار في الصلوات، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]. فالله سبحانه وتعالى أعلى ما يُذكر على ألسنتهم، وأعلى ما يُذكر في حياتهم. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. من تجليات ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أن يكون الله سبحانه وتعالى، كما هو عالم بذاته، أن يكون أيضاً هو أعلى شيء في حياتك، وأن يكون هو أعلى مقاصدك ومطالبك؛ الأعلى مطلوباً، والأعلى ذاتاً، والأعلى قهراً، والأعلى في كل مجالات العلو.

من كان الله سبحانه وتعالى هو أعلى شيء في حياته، هذا الشخص هو الذي يستفيد من سيرة النبي ﷺ ويوظفها التوظيف الحقيقي، ويقتدي بها للوصول إلى معالي الأمور، سواء في لحظات الشدة أو في لحظات الرخاء. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. وهذا حث واضح على ضرورة أن يكون المؤمن لسانه لهجاً بذكر الله. لذلك في المنافقين ماذا قال الله في سورة النساء؟ ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. عدم ذكرك الله كثيراً دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس أعلى شيء في حياتك.

وبالتالي شيء طبيعي في لحظات البلاء أن تضعف وتهتز كثير من قناعاتك ومبادئك؛ فكان الله يقول: أعدوا لساعة البلاء بإكثار الذكر لله. أنت في الرخاء أكثر ذكر الله، اجعل الله أكثر شيء على لسانك، تثبت بإذن الله في ساعة الشدة، وتستفيد من القرآن والسنة ومواقف النبي ﷺ وتوظفها. أما إذا كان الله آخر الحاضرين لديك في العقل والذهن واللسان، فمعناه شيء طبيعي أنك في ساعات البلاء والمحن تكون من الضعف الشديد والهلع الشديد والفزع الشديد ما لا تقوى على الثبات.

﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. المؤمن الحقيقي الذي ذكر الله كثيراً في الرخاء، لما جاءت ساعة الشدة تذكر الله أيضاً. شوف كيف لما ذكروا الله كثيراً في الرخاء جاءت ساعة الشدة فماذا قالوا؟ ولما رأى المؤمنون الأحزاب مباشرة تذكروا الله، ما كان الملف الإيماني هو آخر الملفات حضوراً، كان أول الملفات حضوراً.

الآن شوف الفرق بين استقبال المؤمنين واستقبال المنافقين. المنافقون: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: 19]. المؤمنون لما جاء الخوف هم الأحزاب، كيف كانت المشاعر؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22]. أيش اللي وعد الله ورسوله؟ هذا ما وعدنا الله؛ يعني الله سبحانه وتعالى أخبرنا أننا سنبتلى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. هذا ما وعدنا الله ورسوله، وفعلاً صدق الله ورسوله. فلم يروا البلاء شيئاً غريباً، شيئاً على خلاف المعهود.

ما قالوا: والله كان محمد ﷺ يوعدنا بقصور الشام وقصور العراق وقصور اليمن، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته! ما تزعزعت ثقتهم بالمبادئ الإيمانية؛ لأنهم من البداية فاهمين القضية، هم درسوا، في ساعات الرخاء كانوا يتدارسون القرآن ويعرفون أن القرآن يقول لهم: ستبتلون، وستكون هناك معارك، وستكون هناك تضحيات، وسيكون هناك أثمان. فلما جاءت المعارك حقاً والتضحيات ما تعجبوا منها وما تفاجأوا منها، وقالوا: كيف هيك يصير يا أخي؟ أنا مؤمن لماذا نبتلى؟ يا أخي مش نحن المؤمنين؟ لسنا على الحق؟ لماذا يسلط العدو علينا؟ لا، هو فاهم القضية.

اليوم كثير، مع طول حرب غزة وكثرة التضحيات والثمن الباهظ، كثير من الناس تتزعزع ثقته بالله وتتزعزع عقائده، ويقول لك: يا أخي مش هذول قاوموا؟ يا أخي مش هذول أعدوا العدة لليهود؟ يا أخي لماذا الله سبحانه وتعالى ما ينصرهم؟ بعض الناس يلحد، بعض الناس يشك بالله والعياذ بالله، بعض الناس يقول: لو كان الله موجوداً ما حصل ما حصل، وتتغير مبادئه. ومن هو في واقع المعركة ويصطلي بنارها تجده أكثر ثباتاً من هذا المقيم في الغرب، ويكفر ويسيء ظنه بالله، مع أنه ليس هو المعذب؛ يعني يا أخي أنت ما صابك شيء على مستواك الشخصي وتسيء الظن بالله وتشك بالله، والذي هو يبتلى ويفقد أهله وزوجته وأولاده مؤمن بالله وثابت! هذه عجيبة الحالة؛ يعني الذي لم يفقد هو الذي يسيء الظن، والذي فقد فعلياً وتألم ألم وكذا، هو الثابت، هو الذي عم بصبر الناس، هو الذي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لأنه في إيمان وفي نفاق، هكذا الحياة.

إذاً: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22]. وعدنا الله بالبلاء، وأن التمكين لا يكون إلا بعد البلاء: ﴿لَن تُمَكَّنُوا حَتَّىٰ تُبْتَلَوْا﴾. وصدق الله ورسوله، ولذلك حتى الراهب ماذا قال للغلام؟ خذوك: أنك ستبتلى، يعني الكل متفق على هذه الكلمة، في اتفاق عام بين المؤمنين عبر تاريخ الإنسانية أن هذا الطريق، طريق الإيمان، طريق فيه بلاء، أنك ستبتلى، قال: فإذا ابتليت فلا تخبر عني. يعني تمام زي ما قلت لكم، تخبر الله يرضى عليك.

إيش كمل؟ ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً؛ يعني طول البلاء زادهم إيماناً بالطريق. شوف العجب في الموقف، طول البلاء ما كان سبباً في زعزعة الإيمان، لا، كان ازدادوا ثقة أننا نحن صح. كلما طال البلاء أكثر المؤمن يزداد ثقة بصحة طريقه، وما زادهم هذا البلاء وشدته إلا إيماناً وتسليماً، إيماناً بأنهم على الحق، وتسليماً لقضاء الله وقدره، وانتظاراً للفرج.

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: 23]. مشان هيك جاءت بعديها مباشرة: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]. ولاحظ لماذا قال: من المؤمنين رجال؟ «من» هذه للتبعيض، أليس كذلك؟ لأنه ليس كل المؤمنين رجالاً. تمام، فليس كل مؤمن رجلاً؛ في مؤمن رجل، وفي مؤمن... طبعاً هنا الرجولة استُحضرت بمعناها السامي، الرجولة هنا ليست بمعناها البيولوجي الذكر البالغ من بني آدم، لا، هنا الرجولة بمعناها القيمي، بمعناها القيمي؛ الرجولة التي تعني الشموخ، القوة، الثبات؛ هنا معنى الرجولة. وإلا بالمعنى البيولوجي المؤمنين والكافرين رجال، ولا لا؟ لأنهم كلهم ذكر بالغ، لكن بالمعنى القيمي لا؛ حتى المؤمنين ليس كلهم رجالاً.

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، رجال يعني ناس تظهر معادنهم عند المحن. في من المؤمنين ناس رجال، في المحن تظهر معادنهم، تظهر بطولاتهم، يظهر ثباتهم، تجده هو ثابت ويثبت إخوانه. كثير من المقاطع التي رأيناها خلال الفترة الماضية في حرب غزة كيف تجد الرجل يفقد ابنه، وتجد هذا الرجل الشيخ الذي يعني كان يقول لهم: لا تبكوا، ترى هذه شهادة، هذه طريق الرجال، هذا طريق الكذا، ويثبت الناس في المعركة. هذه الطبيبة آلاء النجار تفقد عشرة من أبنائها، شيء مذهل والله! الإنسان يعني حتى من النساء رجال؛ يعني شيء عجيب تمام. كلمة المؤمنين ترى هي تشمل الرجال والنساء هنا في هذا السياق بالمعنى العام، يعني أنه ما قال من الذكور، لا، قال من المؤمنين، وصحيح جمع مذكر سالم، لكن القرآن يدخل النساء في جمع المذكر السالم. في بعض النساء بنقول: بنت رجال؛ يعني هيك نحن بنقول في عرفنا.

تخيل أن يأتيك خبر أنه عندك عشرة أبناء، وأن كلهم استشهدوا بصاروخ واحد! طبعاً اللي شعر مشاعر الأبوة -أنتم كلكم عزابية أموركم صعبة شوي- بس اللي شعر بمشاعر الأبوة وتربي ابنك على عينك، تفكر به في مرضه وهمه وطعامه وسروره، وتتذكر لحظات الحياة التفصيلية معه، وكيف أنه كبر، وكيف لما... مشاعر الأبوة ترى تختلف إخواني -وإن شاء الله بكره تتزوجوا على خير وتشوفوا- مشاعر الأب تختلف عن من لم يذقها. تخيل عشرة أبناء أنت ربيتهم على عينك، وأعطيتهم عمرك وزينة حياتك، مش أنهم يموتوا واحد بعد الآخر، لا، في لحظة واحدة انتهى كل شيء! هذا ألم لا يمكن الصبر عليه إلا بالإيمان، لا يمكن أن يفسر الصبر في هذه الميادين إلا بالرجولة، الإيمان: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]. هم عاهدوا الله على الثبات، وعاهدوا الله على التضحية في هذا من أجل هذا الدين، وعاهدوا الله أننا لا نبدل ولا نغير المبادئ، رغم الآلام ورغم التضحيات ورغم كل ما سيدفع.

﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23]. نحبه يعني عهده، منهم من قضى عهده؛ يعني فعلاً وفى إلى آخر لحظة. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: 23]. ومنهم من ما زال على قائمة الانتظار، ومنهم من ينتظر أن يسلم الروح لباريها ثابتاً شامخاً لا يبدل ولا يغير، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. فالله عز وجل يثني على هذه الحالة الإيمانية المليئة المفعمة بمعاني الرجولة والثبات؛ هذه الآية وحدها تجد أنها بتشحنك وتجعلك تتشوف وتتطلع أن تكون من هذا الصنف، ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. ولولا ضيق الوقت لأسهبنا في بعض معانيها.

﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ﴾ [الأحزاب: 24]. ليجزي، التعليل هنا لأيش يا مشايخ؟ يعني وما بدلوا تبديلاً، بعدين أيش قال؟ ليجزي. ليجزي يعني هذه متعلقة بماذا؟ اه خلينا هون، هذه متعلقة بفعل مفهوم من السياق السابق، يعني ابتلاهم أو سلط عليهم أو وضعهم في مثل هذا المأزق بجملته، أحسنت، ليجزي، هذا تعليل، صح؟ ليجزي فعلتها هذا لكذا. الفعل هو السياق الكامل، كل هذا البلاء لماذا كان؟ ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ﴾ [الأحزاب: 24].

المحن التي تمر بأهل غزة وبغير أهل غزة وستمر على كل المؤمنين والمواقع، لماذا؟ يعني الله سبحانه وتعالى، يسموها معضلة الشر، صحيح اليوم لماذا يكون هناك بلاء وشر في هنا وفي الوجود الإنساني، ويكون هناك موت وآلام أطفال وآلام؟ لأن هناك سنة من سنن الكون الراسخة، لا بد أن يكون بلاء ليعرف الصادق من المنافق، ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ﴾. المنافق، كيف يتاب على المنافق؟ مش المنافق كافر يا شيخ؟ والكافر خالد مخلد في نار جهنم، كيف يتوب عليهم؟ نعم، أحسنت، أن يرزق التوبة والإنابة في هذه الحياة؛ فتوبة الله عليه بأن يوفقه أولاً للتوبة فعندئذ يتوب الله عليه، تمام، وليس المراد أن المنافق الذي مات كافراً في نار جهنم سيتاب عليه، لا، لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. إذاً: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 24].

طيب ورد الله في أفلح وفشل فيه من فشل، أفلح فيه من أفلح وفشل من فشل، ورد الله الذين كفروا بغيظهم. الله سبحانه وتعالى لم يجعل الكافرين يظفروا بالنبي ﷺ وبصحبه وبمشاريعهم، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: 25]، وهم مغيظون أنهم لم يستطيعوا استئصال شأفة الإسلام، هو كان هذا مشروع أبي سفيان قبل ما يسلم الله يرضى عنه، كان أيش مشروعه؟ خلاص، نريد أن نستأصلهم من المدينة، كيف اليوم بدهم يستأصلوا المقاومة، استأصلهم وننتهي من هذا الملف ينتهي، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: 25]، ما حصلوا بغيتهم، ومشروعهم لم ينجح.

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25]، كما قلنا، الانتصار في الأحزاب انتصار بدون وجود العناصر المادية، يعني مش أن المسلمين أجهزوا على الكفار، لا، هي الريح التي قلبت قدورهم وخيامهم وأذبت الرعب فيهم وانسحبوا؛ فالله سبحانه وتعالى لم يحوج المؤمنين أن يقاتلوا، لذلك كم استشهد من المؤمنين في غزوة الأحزاب؟ قالوا اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة؛ يعني على ما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، من خلال شيء من رمي النبال ما بين الخندق، يعني فقط ما كان في هناك شهداء بالمعنى الحقيقي الكبير في هذه المعركة، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.

إذاً يا رب كل هذا البلاء لماذا كان؟ الله حتى يخرج أضغانكم وتظهر أحوالكم، هذا كان الهدف من هذا البلاء. كيف أجي أقول لك بعد الامتحان مثلاً -لله المثل الأعلى- أنه بعد الامتحان خلص الكل ناجح، طيب ليش شيخي عملت امتحان؟ أنا بس بدي أشوف مين محضر، مين مش محضر، مين مهتم، مين مش مهتم، تمام؟ مين كان عنده لكن في النهاية خلص سيذهب الامتحان، وكل إنسان سيحصد ما كان في ساعة الامتحان. ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]. الله قوي، الله عزيز؛ غالب لا يُغلب.

فالله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً مفتقراً إلينا لنصرة الدين؛ فالله ينصر دينه ويعلي كتابه بدوننا. هي الفكرة أنك فقط تحدثني عن قلبك، هذا هو المراد، أما ما بعد ذلك؛ ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].

وأنزل الذين ظاهروهم؛ اللي هم يهود بني قريظة الذين ظاهروهم يعني عاونوا الوثنيين، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم من حصونهم وقلاعهم. النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مباشرة بعد غزوة الأحزاب وحاصر بني قريظة وأعدمهم، 700 يهودي تم إعدامه، وسبي النساء والذراري. هذا كان حكم سعد بن معاذ، وقال: «لقد أصبت فيهم حكم الله من فوق سبع سماوات».

وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب؛ لأنه كثير من الناس يسألون: طيب يهود بني قريظة ليش ما هجموا على المدينة مع أنهم خانوا العهد؟ لكن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلوبهم الرعب، فما تجرأ يهود بني قريظة على أن يغزوا المدينة؛ مع أن الأمور الأرضية كانت متاحة، خلص يعني ما في شيء ما في خندق، هم كانوا في الخلف، فكان سهل أن ينزلوا ويدخلوا المدينة ويستأصلوا، لكن هناك شيء أوقفهم، ربنا أعطاك إيش اللي أوقفهم: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: 26].

كأنهم أصبحوا لعبة في أيديكم، أنه تعملوا اللي بدكم إياه فيهم؛ تقتلون فريقاً وهم الرجال، وتأسرون فريقاً اللي هم مين النساء والذراري، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 26-27].

وأورثكم الآن الغنائم الأرضية، أرضهم أخذها المسلمون وأرضهم وديارهم وأموالهم، ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ وهذا قالوا بشارة من الله أنهم سيفتحون خيبر وسيفتحون كل أراضي اليهود الذين كانوا في جزيرة العرب. أورثكم في هذه المعركة أرضهم، وستورثون في المستقبل؛ هؤلاء اليهود تجمعوا في النهاية في منطقة خيبر، وبعدها بسنتين سنة سبعة هجري النبي صلى الله عليه وسلم وصل لخيبر وورثها أيضاً، فهذا فيه كان إخبار لهم بشيء سيقع؛ ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 27].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على فهم كتابه وتدبره واقتباس معانيه، وأن نمتثله في حياتنا وأن ننزله في قلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر. بارك الله فيكم.