دخولتسجيل الدخول

المحاضرة الاخيرة 1

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أحيانا الوصف البشري يسهل عليك أشياء كثيرة، ويوفر عليك وقتاً، ويوفر عليك جهداً؛ فمثلاً لو مسكت كتاباً، الكتاب معمول على تركيب ما، ومراعٍ فيه مستوى المخاطب، فأحياناً الناس بطبيعة البشر لا يعرفون بالضبط ما يحتاجونه، فالمُدرِّس أو الأستاذ يمكنه أن يخبرك: لا، تجاوز هذه، لا تدرسها، وفي شيء آخر قد يجلب لك شيئاً من آخر الكتاب. في الأصل يجب أن يكون هناك وسيط، ولكن حالياً هناك معلمين، وهناك تسجيلات صوتية وفيديو كثيرة بلغة عربية جيدة؛ فذلك هو الأصل.

في الحالة التي تسألين عنها، المفروض أن أقول لك كتاباً بسيطاً تبدئين به، فالدنيا واسعة جداً على أن أبتدئ وأشوف أبدأ من أين وأين أذهب، وسأقول لك كيف تبدئين وأي كتاب؛ أي شيء فيه، لكن لا ينفع أن تدرسي أي شيء فيه؛ مثلاً العروض، يفترض فيمن يدرسه أن يكون دارساً للنحو والصرف جيداً؛ لأن مسائل العروض مبنية على معرفة الدارس للنحو والصرف، فلا أحد يقول مثلاً: أنا أريد أن أدرس شعراً فأدرس عروضاً، لا، يدرس نحواً وصرفاً أولاً ثم يدرس عروضاً.

النحو، المفترض أن أغلب الناس تبدأ به، وفي رأيي الشخصي لو سأدرس نحواً سأدرسه هو والصرف والمعجم معاً، وسأبدأ بالمسائل اللغوية سواء في متن اللغة أو في الصرف قبل النحو، لكن المعتاد أن الناس تبدأ بالنحو. النحو الذي درستِه آخر سنة، هل كنتِ تحبينه؟ هذا آخر شيء درستِه، هل قرأتِ شيئاً بعد ذلك؟ هل تقرئين شعراً أو قصصاً أو روايات؟

يمكن أن تجدي كتاباً بسيطاً يُعتبر أبسط نحو، وهو كتاب الدروس النحوية؛ أربعة أجزاء في مجلد واحد، وميزته أن الجزء الأول كان مقرراً على الثانية، ومضى عليه 120 سنة فهو حالياً مناسب جداً؛ لأنك جامعية ونسيتِ العربية، ستجدينه في مكتبات كتب التراث، فهو كتاب بسيط، ونفس المجموعة عملوا الدروس البلاغية؛ وهي كتاب صغير جداً، وشرحه بسيط، وأفضل شيء فيه أن شروحاته بسيطة جداً.

هذا لو ستدرسين بالطريقة المعاصرة، أما لو ستدرسين على الطريقة القديمة، فهي التي تعتمد على المتون؛ والمتون نوعان: متن نثري ومتن نظم شعر؛ فمثلاً الألفية نظم، وفي النحو أبسط متن هو متن الآجرومية، وشرح الآجرومية لابن عثيمين بسيط جداً، وهناك أخ مصري هو الذي خادم الكتاب، فطبعة الدار العلمية لطيفة جداً.

إن شاء الله بعد رمضان سنبدأ دورة، وهي دورة هدية، ستكون دورة مجانية ومدخلاً للنحو، لكن لن يكون نحو الطريقة التقليدية، بل سنأخذ الصرف واللغة معاً، وممكن يكون شعراً معها. من خلال الخبرة، العلوم الممتزجة أفضل وأخف على الدارس، ويحس أن الموضوع فيه ارتباط، لكن لو أحد درس فوائد قرآنية أن النحو سيفهمه من القرآن ستختلف.

أنا أذكر كان الدكتور حسن طبل، من أشهر أساتذة البلاغة، كان دائماً كل أمثلته في كتب البلاغة، المعاني والبيان والبديع، كلها من القرآن، فتفرق كثيراً؛ لأن الواحد يحس فعلاً العلم يُطبق عليه، مثلاً كان يفرق بين الآيات المتشابهة، في الترتيب؛ مثلاً في علم المعاني، مستهدفه النهائي أن تعبري بطريقة صحيحة عن المعنى الذي تريدينه، فهو يتجاوز مستوى الصحة النحوية، قد يكون الكلام صحيحاً نحوياً وصرفياً لكنه مغلوط على مستوى المعنى، فالمفروض لو الكلام ينسب المعنى الأحسن يكون ترتيبه مختلفاً.

كان ضرب مثالاً بالفصل بين الآيتين في القرآن: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]، والآية الثانية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151]. نفس النهي، لكن فوق قال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، وتحت قال: ﴿مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾؛ ولما قال ﴿خَشْيَةَ﴾ غير تركيب الكلام، ولما قال ﴿مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ غير ترتيب الكلام.

هذا لا يُدرك إلا بدراسة علم المعاني، ليفهم الواحد أن له ثمرة، فالمعنى الأول: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي في المستقبل، فهو واحد ميسور سيقتل ابنه الذي سيخلفه أو يرزق به حتى لا يفتقر، فهذا خشية الفقر لم يقع؛ فطمأنه الله برزقه أولاً: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. أما لما قال: ﴿مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾؛ فهو فقير فعلاً، خاف على أولاده من الفقر عليهم، فقال الله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.