يعتبر علم الصرف دائمًا أشرف ركني العربية. وكما قلت، الشائع دائمًا أن الناس يقدمون النحو على الصرف، وهو في الأصل الترتيب المنطقي أن يراعى الصرف أولًا، والاشتقاق، وعلم اللغة على النحو؛ لماذا؟ لأن النحو هو دراسة تركيب الكلمات، فيجب أن تدرس الكلمات المفردة أولًا.
مثلاً، هي بمثابة القوالب داخل المبنى، فيجب أن يأتي القالب قبل الحائط، والنحو ترتيب القوالب -الكلمات- في حائط. فصرف وعلم اللغة والاشتقاق يعنى بالألفاظ المفردة، فيفضي إلى أشرف فائدتين: حفظ اللسان عن الخطأ، وحفظ الفهم حتى يفهم الكلام على وجهه.
ومسائل علم الصرف يعنى بترتيبها في الميزان الصرفي، كما قلنا في النحو؛ فهو معني بالكلام، فيبدأ بتقسيم الكلم إلى اسم وفعل وحرف، وبعد ذلك علامات الاسم، علامات الفعل، علامات الحرف، وبعد ذلك العوارض التي تعرض عليه؛ الرفع والنصب والجر والتسكين وهكذا.
والصرف أصلًا يبدأ مباحث أو مسائل كبار فيه، منها مثلًا: ما الذي يدخله الصرف أصلًا؟ هل كل الكلام؟ يستطيع مثلًا ما وزن إبراهيم؟ لا توزن أصلًا، هذه أصلًا غير داخلة في علم الصرف. فالسؤال أدل أول مسألة في مسائل الصرف؛ البنى التي يعنى بها علم الصرف هي الأسماء المتمكنة في الاسمية فقط.
يعني هو لا يعنى بالأفعال الجامدة، كـ "كان" و"كاد" و"بئس" أو "نعم" مثلًا؛ "بئس" أو "نعم" ليس لها وزن، لأنها أفعال جامدة. والأسماء المتمكنة؛ يعني لا يدخل الصرف هذا، والذي هو أسماء الإشارة، الأسماء الموصولة، كل هذه ليست أسماء متمكنة فقط، يعني يوزن مثلًا "محمد"، ممكن يوزن محمد، لكن الأسماء الأعجمية والأسماء غير المتمكنة في الاسمية لا تدخل في الصرف. فهذه أول مسألة.
يعني ما هي المتمكنة في الاسمية؟ يعني لا تخرج، علماء العربية يتصورون الأسماء كدوائر والأفعال كدوائر، ثم الكلام خلاص، ولكن يقولون: تصور أن هذه الدوائر تقترب مع بعض حتى تصير وكذا. فالذي على حرف دائرة في الاسم أحيانًا يقترب جدًا من الفعل، من الحرف مثلًا؛ يعني مثلًا "هذا" اسم إشارة، ولكن هي الأسماء أصلًا من خصائص الأسماء أنها تقع في مواقع إعرابية مختلفة، تأتي فاعل وتأتي مفعول وتتغير الحركة، وهذا التغير يشترك مع الاسم في بعض الأشياء، يعني أقول: هذا رجل، فهذا مثلًا كان في موقع مبتدأ، فهذه تشبه الأسماء، ولكنها تتشابه في البناء مع الحروف، فهي تقع في المساحة البينية ما بين الأسماء والحروف؛ فهو اسم ولكن يقترب جدًا جدًا من الحرف، فهو ليس متمكنًا في الاسم، يعني ليس لديه كل خصائص الاسم، وهكذا.
الأفعال من صفات الأفعال أصلًا أنها يتصور عليها الأزمنة المختلفة، يعني أقول مثلًا من الجذر "ض ر ب"، الجذر الصحيح، أقول: ضرب، فيفهم أنها وقوع فعل الضرب في الزمن الماضي عن الكلام، وأقول: يضرب، فيفهم منه أنه في الحال، وأقول: نضرب، فيفهم منه الاستقبال. لكن أفعال مثل "بئس" و"نعم" جامدة، لا يمكن أن يؤتى منها غير هذه البنية، وهو فعل، ما زالت دلالته فعلًا، ولكن انتقص من فعليته أنه لا يتصرف أو لا يؤتى منه بأزمنة، فهو ما زال في دائرة الفعل، ولكن يتشابه في الجمود مع الحروف؛ لأن الحرف دائمًا تظل طول عمرها لا يتغير، لا يأتي منها شيء؛ لماذا؟ لأنها حرف، فلا يتغير المعنى الإعرابي فيها، وكذا "بئس"، مشابهة لها، فهو الفعل نفسه يقال إنه غير متمكن في الفعل، يعني يصح، لكن دائمًا نحن نستخدم الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة؛ لأنه تستخدم في أدوار نحوية أخرى، زي الصرف والمنع من الصرف، المصروف والممنوع من الصرف.
يعني هذا ما قصدت بالأسماء المتمكنة؛ الأسماء أنها تتميز بكل خصائص الاسم. إذا اقتربت من الحرف أو الفعل في صفة من الصفات، فقدت مزية أن تبحث في مسائل الصرف؛ فهذا والذي وكذا، وقربها من الحرف منعتها أو حرمتها من أن تنظر في مسائل العلم.
يبحث أيضًا في مسائل علم الصرف حروف الزيادة، الحروف الأصلية؛ يعني أنا مثلًا "استكتب"، فعلم الصرف يأتي فيقول إن هذه الكلمة على "استفعل"، يعلم من علم الصرف أن الألف والسين والتاء حروف زيادة، وأن أصل البنية هي الكاف والهاء والباء؛ فيدرس كل حروف دخول حروف الزيادة على الكلام العربي، وهي تجمع في حروف كلمة "سألتمونيها"، هي حروف الزيادة في العربية، هي ممكن تدخل بزيادة على العربية زي السين، الألف، كل الحروف.
بالإضافة أيضًا النقص والزيادة، الإعلال والإبدال؛ يعني مثلاً أقول: "قال"، ما أصل كلمة "قال"؟ "قال" في أصلها "قول"، علم الصرف هو الذي يستطيع أن يقول إن هذه الألف منقلبة عن أصل، لماذا؟ يأتي بتغييرات مختلفة، يعني مثلًا "قال" أريد أن آتي من المضارع أو المصدر "قول"، يأتي بتغييرات مختلفة على المادة فيجد أن الحرف المتردد الكثير هو الواو، فيقول إن الألف أصلها واو، لكن لما آتي بالصرف فأوزن "قال" أكون على وزن "فعل". لماذا؟ في الميزان الصرفي تدرس هذه المسائل، لأن التغير في حروف الإعلال لا يغير في الميزان؛ فيأتي على الوزن الأصل، وهكذا.
فدي من المسائل التي تذكر دائمًا في ذكر المسائل، نسرد المسائل بالجملة فقط حتى يتصور الناس ماذا بداخل هذا العلم: تقسيم الأسماء ما الذي يدخله، التصريف، حروف الزيادة والنقص، الإعلال، الإبدال، الحذف، القلب. أحيانًا الكلمات يقع فيها القلب، مبحث القلب داخل الصرف، يقال إن هذه الكلمة مثلاً هي أصل، وهذه هي نفس الكلمة، ولكن هناك قلب، قلب صرفي، أتوا بالباء قبل الذال والدال قبل الباء، هذا يحدث كثيرًا جدًا في العربية، في العامية المصرية، يعني مثلاً كلمة "زوج" -رجل المرأة- ما اسمه "زوج"، لكن في العامية يقال: "جوز". طيب هو إيه اللي جاب الجيم في الأول؟ هو ده قلب صرفي، هو الناس من كثر الاعتياد، هو طبعاً لها قانون صوتي، الناس تميل دائمًا لقانون الاقتصاد اللغوي، أن دائمًا مثلًا الأطفال -ليه الأطفال دائمًا معظم الأطفال- ينطقون الحروف الظاهرة؛ يعني فيها إظهار، مثلًا بدون إظهار، الثاء "س" والظاء "ظ"، ليه؟ لأن قانون الاقتصاد اللغوي بيخلي الإنسان يختار المجهود الأقل، اه، فالمجهود الأقل في النطق أن هو يختار إيه؟ أن هو لا يبذل مجهودًا، فتطليع اللسان ده مجهود، فما يقولوش، ونفس الكلام مثلًا "زوج"، ممكن لو حد بحث فيها صوتياً يدرك إيه سبب أن الناس بتستسهل تخليها "جوز"، لو تتبعت لوحدكم تجدوا كلمات كثيرة جدًا في العامية هي أصلًا فيها قلب صرفي، دي المسائل الكبار التي تبحث في علم الصرف.
طيب نأتي إلى علم الاشتقاق، خلصنا النحو وعلم اللغة والصرف. طيب برضو نبدأ بالترتيب؛ علم الاشتقاق هو علم يبحث فيه دلالات كلام العرب حتى يعرف بها أصل الألفاظ، يعني كما قلنا مثلًا: القرآن، من أين أتى القرآن؟ فيبحث فيه أصل اللفظ، وهكذا.
يعني مثلاً من طرائف علم الاشتقاق، قال مثلاً: الإنسان لماذا يسمى الإنسان "إنسان"؟ لأنه نسي ما كلف به، مثلاً لماذا يسمى البشر "بشر"؟ لأن أبشاره ظاهرة، البشرة التي هي البشرة، وبقي "حيوان"، هو يعني كلمة حيوان كما قلنا إن كل حي مش حيوان، باقي الحيوان في الغالب مغطى إما بريش أو فروة أو كذا، أما البشر فبشره ظاهر، فتسمى، فالاشتقاق لا يكتفي فقط -يعني مثلاً ممكن توزن بشر "فعل" في الصرف-، الاشتقاق يقول لك إيه؟ يبحث في أصل الدلالة، أصل الدلالة في الحد الموضوع في محاولة جمع المعاني المشتركة أو المعاني المختلفة للفظ، أو أصل معاني، هذا موضوع أصلًا علم الاشتقاق.
الواضع أول من ألف بشكل مفرد وكبير في هذا ابن دريد، ابن دريد له كتاب "الاشتقاق"، وأوسع من ألف بعده، وهو التعويل في هذا الفن، مقاييس اللغة لابن فارس، فهو الموضوع، برضو الموضوع، الموضوع يدرس في المعاني المختلفة للألفاظ أو أصل الدلالات؛ يعني دلالات الألفاظ وارتباطها، يعني أنا خلاص أنا عارف الدلالة إيه، ارتباط بقى هذه اللفظة بهذه أو المعنى باللفظ أو أصل المعنى بأصل اللفظ، ده الموضوع.
الواضع ومش هو يعني دائمًا أحيانًا الواضع بيكون أول من صنف أو أول من صنف تصنيفًا جامعًا فيه، فابن دريد هو من ألف فيه كتاب الاشتقاق، كتاب مقاييس اللغة كتاب يعني ضخم، فخم في هذا العلم لابن فارس، كتاب يعني غاية في الجودة والإتقان، وهو من الأمهات في علم الاشتقاق. وعلم الاشتقاق من أكثر العلوم، هو وعلم الصرف، من العلوم المظلومة في علوم العربية. أحيانًا الناس تهتم بالعربية فيحفظون الشعر، تعلمنا الشعر والأدب، العلوم الحديثة في علوم العربية، يعني مثلًا الصرف كل ما يخرج من الأدب، يعني إذا أرادوا البدء في علوم العربية، بدأوا بالنحو، من الناس من يغرم بالبحث في المعاني، التقاط المعاني الغريبة أو كذا، هو يكون شاعر، زي ما كما قلنا أن هناك معاني قوافي، فهو يبحث، يريد كلمات للقوافي، فعايز قافية آخرها راء، فيفتح المعجم يبحث عن كلمات تنتهي بالراء وهكذا، لكن الاشتقاق والصرف قليل من يتعلم أو قليل من يبحث، رغم أنني أرى الشخص المفترض هو الصرف والاشتقاق وعلم اللغة، يبدأ بهم قبل النحو أو يعطى مقدمة خفيفة، أو يدرسه بشكل ممتزج، حتى يخرج من التقسيمة الباردة، تقسيم النحو ثم الصرف.
وواضع ونسبة الاشتقاق كما قلنا، نسبته بالنسبة للعلوم المختلفة علوم العربية يتقاطع مع الصرف أحياناً في كثير من المسائل، وأحياناً كثير يخلط أصلًا بين الصرف والاشتقاق، كما كان يجمع الصرف والنحو في أول الأمر، الاشتقاق والصرف كثير من الناس يصنف كتبًا تشترك بين الاشتقاق والصرف. من أشهر كتب الاشتقاق المؤلفة خليط، أو معظمها مسائل صرفية، ولكن هو باسم الاشتقاق، كتاب الاشتقاق لعبد الله أمين، طبعًا طبعًا كتاب جيد جدًا، كتاب عالٍ جدًا، ولكن يغلب عليه مسائل اشتقاق وصرف، ولكن اسمه الاشتقاق.
وواضع ونسبة ومستمد، طبعًا ككل كل علوم العربية مستمد كلام العرب، ولكن هناك أحيانًا استمداد إضافي فقط، يعني مثلاً النحو والصرف دلالته واضحة، هو يأتي بالكلام ويحدد، الاشتقاق أحيانًا محتاج إلى أعمال عقل حتى يدرك الارتباط بين المعاني، يعني لا يأتِ فقط ألفاظ وفقط، يريد إعمال عقل في إدراك الارتباط بين الدلالات، ده يعني في مبحث يحتاج تركيب، سوف نورد بعض الأمثلة في تتبع العلماء للمعاني تحتاج إلى جهد كبير جدًا، يعني مثلاً حتى يدرك أحد الباحثين أن مثلًا "بحر" فيها تقريبات، داع الاشتقاق الكبير، ده مش اشتقاق، ده مش اشتقاق كبير، ده محتاج أصلًا لإعمال عقل كبير، تأتي إليه الفكرة ويبحث عن المعاني ويأتي بالمعنى المحوري؛ لأن كل كلمة تحتمل عدة معاني، يعني "بحر" قد تكون عدة معاني، و"حبر" قد تكون عدة معاني، كيف يجمعهم؟ يجمعها كلها ثم يبحث عن المعنى المرتبط، لا محتاج؛ يعني ليس لدي فقط المادة العلمية وأستخرج منها مباشرة ما يريد.
المهندس أيمن عبد الرحيم