كلمة الصرف والتصريف تدور حول معنى التحويل والتغيير والانتقال، فمثلاً تقول: صرفت الرجل، أي حولته ونقلته عن مكانه. وتأتي بمعنى الصرف بمعنى التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19]. ويقصد بالصرف أحياناً التبيين، مثل تصريف الآيات، أي تبيينها، وتأتي بمعنى التحويل كما في قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: 164]. فالمعاني اللغوية دائماً تبقى أوسع بكثير جداً من معاني الاصطلاح، وأحياناً لا تتعلق بالمعاني الاصطلاحية، لأن المعاني الاصطلاحية وضعية، أي من وضع علماء الفن أو ما اصطلحوا عليه في تصنيف الفن. وأحياناً يكون هناك ارتباط وثيق، فالمعنى الاصطلاحي للصرف هو تغيير بنية الكلمة، وفيه نوع من التغيير والتحويل، ولكن تعلم بنية الكلام ليس على المعنى اللغوي؛ فالاسم العلمي يكون متأخراً عن الوضع العلمي نفسه في الغالب.
هذا دائماً حاصل، فما الفرق بين النحو والبلاغة مثلاً؟ البلاغة أكيد أسبق من علم البلاغة؛ فالبلاغة هي أن يتحدث الناس بشكل فصيح أو بما يتوافق مع المعاني العالية، أما علم البلاغة فهو تدوين القواعد التي تضبط هذا. وكذا النحو، فالعرب منذ أن تكلموا هناك قانون يضبط تراكيب الكلام، ولكن تدوين علم النحو متأخر جداً. وكذا العروض، بحور الشعر خمسة عشر أو ستة عشر، وتدوينها متأخر جداً، ولكن كان العرب ملؤوا الدنيا شعراً قبل ذلك. فدائماً العلوم متأخرة، وتسميات العلوم أحياناً يظل هناك اختلاف فيها، فدائماً يقال العلم يسمى بكذا أو كذا. وخاصة العلوم كلما تقترب في الزمن مع زيادة الرقعة الجغرافية وعدد الناس واختلاف لغات المتناولين للعلوم، تختلف التسمية حتى تصل إلى درجة الكثرة بدون اتفاق. أما العلوم القديمة فمن كثرة التداول والتناول والتصنيف، حتى لو كان هناك خلاف، يقال إن هناك خلافاً في القديم واستقر الاصطلاح على كذا.
فعلم النحو قديماً كان أحياناً يُقصد به كل علوم العربية؛ فهناك أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تعلموا النحو. هل يقصد عمر بن الخطاب نحو ابن جني ونحو سيبويه؟ لا، مش صحيح. هذا ما ذكرناه في أهمية علم اللغة، أن تدرك المعاني الأولى على اللسان العربي وهو فقه اللسان الأول، حتى إذا تغيرت الألفاظ والدلالات التي يستخدمها الناس، يوجد أصل يمكن الرجوع إليه حتى لا تتغير معاني الكتاب والسنة مع تغير استخدام الناس للألفاظ بمعاني مختلفة لغير التي وضعتها لها العرب. فأكيد أسماء العلوم متأخرة عن التصنيف.
علم الصرف، قلنا مباحث علم الصرف موجودة أصلاً في كتاب سيبويه والكتب التي بعده قبل أن يُفرد الصرف، لكن قبل ذلك لم يكن له اسم، كان يُطلق عليه النحو أو علم الإعراب. وأول من أفرد مسائل التصريف بالتصنيف هو أبو معاذ بن مسلم الهراء الكوفي عام 187هـ، بعد وفاة سيبويه بسبع سنوات، هو أول من أفرد مسائل الصرف في تصنيف مستقل. بعد ذلك تعتبر من أكبر كتب الصرف كتاب التصريف للمازني، وهو من كتب العمُد ومن أفضل الشروح له شرح ابن جني لشرح التصريف. ونسبة علم الصرف تدخل في باب العموم والخصوص من الوجوه مع علم الاشتقاق ومع النحو قديماً، ولكن في الاصطلاح المتأخر يتشابه كثيراً جداً في مسائل علم الاشتقاق، حتى إنه في التصنيف يختلط على الناس وعلى المصنفين مسائل الاشتقاق مع علم الصرف؛ لأنها ذات طبيعة متداخلة.
ولكن إذا أردنا التفصيل، فإن علم الصرف يختص بالدلالات الظاهرة للأوزان، أما علم الاشتقاق فيبحث في الدلالات الخفية والباطنة لأصل ارتباط الأوزان مع بعضها البعض. فمثلاً لو أتينا إلى الصرف وأردنا وزن كلمة قرآن، فالصرف يدل مثلاً على أن أصل الجذر قرأ، والقرآن على وزن فعلان، وانتهى الأمر. أما علم الاشتقاق فيبحث في أصل الدلالات الباطنة غير الظاهرة لارتباط كلمة قرآن مع الأصل اللفظي؛ يقول مثلاً: القرآن هناك خلاف في علم الاشتقاق، إما القرآن يأتي من قرأ لأنه مقروء أو مكتوب، وإما من القرائن لأن الصور ومعاني القرآن تأتي من أشباه كأقران، الأشباه والنظائر، كل آيات تشبه بعضها أو كل السور تشبه بعضها مقرونة مع بعضها، فمنهم من يقول إنه من القرائن، ومنهم من يقول إنه من القرن وهو الجمع لأنه مجموع عدة صور. والقرء إما يأتي بمعنى الطهر أو الجمع في اللغة، فيأتي ويقول قرء من جمع الصور بعضها ببعض. فعلم الاشتقاق يبحث في هذه الدلالات.
مثلاً قلب، كلمة قلب في معربيتها على وزن فَعْل، فالصرف يبحث فيه أنه من الجذر القاف واللام والباء ووزنه، أما الاشتقاق فيقول لماذا سُمي القلب قلباً؟ يقول لأنه كثير التقلب، مثلاً. فيبحث في أصل الدلالات الباطنة، دلالة اللفظة على المعنى، وقد يتوسع الناس في الاشتقاق فيربطون ما بين عدة معاني مختلفة لنفس اللفظة، وأحياناً يتوسعون في الاشتقاق الكبير في تقليبات الجذر نفسه، القاف والواو واللام، يقلبون كل التقليبات الممكنة ويزعمون أنها تحمل معنى محوراً. كما قلنا في البحر، الباء والحاء والراء، أي تقليب: بحر، وحرب، وربح، وحُب، وبرح، ورحب، كلها يقول إن كلها تحمل معنى ولا بد، معنى السعة؛ فالبحر هو المساحة الواسعة من الماء، والحبر هو العالم واسع العلم، والرحب هو المكان الواسع المتسع، وهكذا. هو يدعي ذلك وتستقيم بعض المواد العلمية معه ولا تستقيم الأخرى، وأنا في رأيي الشخصي تستحق الدراسة.
وكما قلنا، يشترك العلمان في مناقشة بعض المسائل. وما استمد منه، من أين يؤتى بمسائل علم الصرف؟ من الكلام العربي الفصيح، يُنظر إلى الأوزان التي استخدمتها العرب حتى يقاس عليها. صلب علم الصرف والنحو القياس، أن يؤتى بما سُمِع فيُقاس عليه ما لم يُسمع؛ أي كلام العرب تراكيب العرب يُنقل عنه شيء مسموع أنها ركبت الكلام بشكل معين، فيركب على نفس القانون بقانون النحو كلام لم تقله العرب، وكذا في الصرف؛ يُسمع عن العرب أوزان ولم يُسمع منها أوزان أخرى، فيقاس على ما يشبهها من الأوزان على القانون الأول، هو قانون بنية الكلام التي استخدمتها العرب. الاستمداد يستمد من الكلام العربي الفصيح، وفضل اللسان، حفظ اللسان كالنحو، بل حفظ اللسان في استخدام المفردات. أحياناً يأتي الناس ببعض الأوزان ويقصدون بها وزناً آخر، مثلاً قال البضاعة، الناس تستخدم البضاعة المبيعة، لا، لا تُسترد ولا تستخدم مباعة، ويستخدم كلمة مباعة وهو يقصد التي بيعت، لكن كلمة مُباعة معناها المعروضة، مبيعة، ويستخدم وزن غير الوزن الصحيح، وهو لا يدري أن هذا الوزن لا يريده أصلاً.
مثلاً أحد الأساتذة لدينا يقول: أنا أمشي في الطريق السريع فأجد لافتات مكتوباً عليها: "اذكر الله"، هو يريد "اُذكر الله" أمراً، يأمر الناس بذكر الله، فيكتب الألف مهموزة "أذكر"، فهذه بنية مضارعة، هذه همزة مضارع، فهو يقول "أُذكر" أي أنا أذكر، وأقول له جزاك الله خيراً، هو لم يطلب منه شيئاً، إذا أزال الهمزة فصار في الكلام "اُذكر الله" فصار أمراً، فمن أين يعرف همزة الوصل والقطع في علم النحو والصرف؟ أحياناً يشترك في المسائل، فحفظ اللسان عن استخدام الأوزان الخاطئة، وفي نفس الوقت فهم الدلالات عن الله ورسوله. مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حق الولد: «الولد مجبنة، مبخلة، محزنة، مجهلة». النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، فلا يفهم هذا إلا من لما فهم معنى وزن مَفْعَلَة، ما معنى أن الولد مَجْبَنَة؟ مَفْعَلَة تأتي إذا أردت أن تذكر سبب الصفة، فالولد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد أن الولد أي الأبناء يسببون الجبن لأبيه. كيف ذلك؟ إذا كان الرجل أعزب وأراد أن يجاهد فليس وراءه من يخاف عليهم إذا مات من يعولهم، فلا يجبن عن القتال. فإذا كان لديه ولد يفكر يجاهد أم لا، يحفظ أولاده أم لا؟ ومبخلة: أن يسبب اتصافه للبخل للآخر، فإذا كان يريد أن يتصدق فهو يخشى فيقول الأولاد وكذا، فيبخل عن العطاء. مجهلة: إذا كان أعزب متفرغاً لطلب العلم، وإن كان له ولد يقول الرزق على الأولاد أولى وهو أولى في حقه فينشغل فهو مجهلة. محزنة: إذا أصابه سوء أو مات لا قدر الله حزن عليه ولا بد. فلو لم يعلم الوزن لم يفهم الكلام على مراده صلى الله عليه وسلم.
وهكذا، معظم علوم الوسائل أو علوم الآلات فرض كفاية، إذا قامت بها مجموعة سقط الإثم عن الأمة، ولكن هذا الفرض الكفائي أصلاً قلنا متعلق بماذا بطلب العلم للتعدي، أي من يريد أن يطلب علم الصرف يشرحه للناس أو يعلم للناس. ولكن علم الصرف الجزء الفرض العيني أن يفهم معنى أوزان القرآن، الفاتحة والأذكار التي يتعبد الله عز وجل بها حتى يفهم بما يخاطب الله عز وجل. أحياناً في فهم معاني الكلام، قيل إن الشافعي مَرِض فدخل عليه الربيع، وهو من كبار أصحاب الشافعي، فقال له الشافعي يدعو له، هو يريد الدعاء للشافعي بالشفاء، فقال له: "قوى الله ضعفَك"، فالشافعي قال: والله لو قوى ضعفي لقتلني! فشهق الربيع، أدرك المعنى فقال له: ما قصدت ذلك. فالشافعي من الأدب قال له: والله لو سببتني صراحاً لعلمت أنك لا تقصد، أنا عارف أنك لا تقصد، ولكن هو صحح له ماذا؟ الاستخدام، هو قال له قوى الله ضعفك، فهذا يؤخذ من معاني البلاغة، هل الكلام ده مناسب للحال؟ لا، أنت بتدعي كده، يعني هو لا يدعو له، يدعو عليه، فهذا من الجزء الفرض العيني المتعلق بفهمه فقط، حتى يفهم لا إله إلا الله محمد رسول الله. قلنا الله مثلاً في الاشتقاق سوف نأتي عليها، يجب أن يعلم في الدلالة من أين أتت وما تدل عليه حتى يعلم، حتى لا تصبح كأعجمي، كلمة الله بالنسبة له تساوي God مثلاً بالإنجليزية، كأنهما سواء، وهذا غير صحيح.
أو يدرس في النحو مثلاً باب لا النافية للجنس والاستثناء حتى يفهم لا إله إلا الله، ما معنى لا إله إلا الله ويفهم منها الأذكار. يقال إن أعرابياً سمع رجلاً لحّان يؤذي الرجل، قال: وأشهد أن محمداً رسولُ الله، رسولاً بالفتح، فالأعرابي التفت للرجل وقال: يفعل ماذا؟ وكأنه الكلام مبني على مسند ومسند إليه، يجب أن يتم ركنا الجملة، فهو قال أشهد أن، محمداً اسم، ورسولُ الله ده صفة، طيب ماذا يفعل؟ ماذا فين الخبر؟ أنا قلت محمد ماشي صلى الله عليه وسلم، محمد لهذا يقال في الاستشكال على الصوفية مثلاً، فأحياناً الصوفية يذكرون الله عز وجل بالاسم المفرد يقولون الله الله هكذا، فعلى مستوى النحو، النحو عاصم من الابتداع، فهذا على النحو ليس كلاماً لأن الكلام لا يستقيم إلا بركنين، فالله ماذا؟ يعني أنت تطلب؟ يعني أين الله أكبر في جملة؟ فأنت تتعبد الله عز وجل "الله أكبر"، "استغفر الله".
المهندس أيمن عبد الرحيم