دخولتسجيل الدخول

مدخل إلى مذهب الإمام أحمد | معهد ملكة | المحاضرة الثانية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

حَيَّاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْأَكَارِمُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ الثَّانِي، أَوْ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ هَذَا الْمَعْهَدِ الْمُبَارَكِ؛ مَعْهَدِ مَلَكَةٍ لِلتَّأْسِيسِ وَالتَّأْصِيلِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَهَذَا الْيَوْمُ يُعْقَدُ أَيْضًا فِي يَوْمٍ مُبَارَكٍ؛ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ عِبَادِهِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَهَذَا يُنَبِّهُنَا إِلَى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَآيَةٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي نَصْرِ الْمَظْلُومِينَ، وَإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِبَادَةِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، كَمَا نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. وَهَذَا هُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ؛ الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِبَرَكَةِ هَذَا الْيَوْمِ أَيْضًا أَنْ يُنْجِيَ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي السُّودَانِ وَالشَّامِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً، وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ نَصْرًا عَزِيزًا مُؤَزَّرًا.

فَهَذَا الْيَوْمُ يَتَذَكَّرُ فِيهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ لِذَلِكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ الْيَهُودَ عَنْ صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ لِمَاذَا تَصُومُونَهُ؟ فَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ صِيَامِهِ هُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ النَّجَاةِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ». فَبَقِيَ هَذَا الْيَوْمُ آيَةً وَعَلَامَةً فَارِقَةً فِي التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ لِيَوْمٍ أَنْجَى اللَُّ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ حَيْثُ فَرَقَ الْبَحْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَرَقَ الْبَحْرَ وَغَرِقَ آلُ فِرْعَوْنَ وَأَنْجَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الِاسْتِضْعَافِ ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]. فَيَتَذَكَّرُ فِي كُلِّ عَامٍ يُؤْتَى فِيهِ هَذَا الْيَوْمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَعَ طُولِ الْبَلَاءِ تَتَزَعْزَعُ ثِقَتُهُمْ بِرَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا، فَأَمَّا الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ فَيَقِينُهُمْ بِاللَّهِ يَبْقَى عَالِيًا أَنَّ هَذَا النَّصْرَ -وَإِنْ كَذَّبَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَتَضَعْضَعَتْ ثِقَتُهُمْ بِاللَّهِ- فَإِنَّ الْأَمَلَ بَاقٍ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا يُؤَخِّرُ لِحِكْمَةٍ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ.

وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَلْقَاهُ إِخْوَانُنَا فِي غَزَّةَ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَنْ يُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَأَنْ يَجْعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَهْضَةً جَدِيدَةً نَحْوَ الرُقِيِّ وَاسْتِعَادَةِ مَكَانِهَا الْحَضَارِيِّ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

وَصَلْنَا فِي الدَّرْسِ الْأَوَّلِ الْمُخَصَّصِ لِمَدْخَلٍ إِلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، نَحْنُ بَدَأْنَا بِذِكْرِ مَفْهُومِ الْفِقْهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا. تَمَامٌ، طَبْعًا أَرْجُو الِانْتِبَاهَ إِخْوَانِي إِلَى هَذَا الدَّفْتَرِ؛ هَذَا الدَّفْتَرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مَعَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَأْتِي لِلْمَعْهَدِ، لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ مَتَى سَآخُذُهُ مِنْكَ، وَمُمْكِنٌ آخُذُهُ مِنْ بَعْضِ الْإِخْوَةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، يَعْنِي صَعْبٌ رُبَّمَا أَلُمُّهُ مِنْ مِئَتَيْ شَخْصٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ مُمْكِنٌ آتِي لِفُلَانٍ، خَلَاصٌ فُلَانٌ فُلَانٌ أَعْطِنِي الدَّفْتَرَ نُعْطِيكَ إِيَّاهُ الْمَرَّةَ الْقَادِمَةَ. فَهَذَا كُلُّ يَوْمٍ يَأْتِي مَعَكَ، أَعُودُ فَأَقُولُ: أَهَمُّ مِنْ حُضُورِكَ أَنْتَ أَنْ يَأْتِيَ الدَّفْتَرُ قَبْلَكَ حَتَّى نَعْرِفَ مَنْ أَنْتَ فِي الْمَعْهَدِ، وَأَرْجُو -يَعْنِي- هُوَ إِجْبَارِيٌّ عَلَى الْجَمِيعِ أَنْ يُعَبِّئَ الدَّفْتَرَ وَأَنْ يَنْتَبِهَ لَهُ، لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لَنَا هُوَ الْمِقْيَاسُ الَّذِي سَنَقِيسُ مِنْ خِلَالِهِ أَعْدَادًا كَبِيرَةً مَا شَاءَ اللَّهُ؛ سَوَاءٌ حُضُورٌ وِجَاهِيٌّ أَوْ أَوْنلَايْنٌ، وَيَصْعُبُ أَنْ نَتَكَلَّمَ مَعَ كُلِّ شَخْصٍ بِجَلْسَةٍ وَنُرَتِّبَ مَعَهُ مَوْعِدًا، يَشُقُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، وَلَكِنَّ هَذَا الدَّفْتَرَ سَيَحْكِي لِي كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ؛ سَيَحْكِي لِيَ الْهِمَّةَ، سَيَحْكِي لِيَ الِاهْتِمَامَ، سَيَحْكِي لِيَ مَدَى اهْتِمَامِكَ بِالْمَعْهَدِ وَبِالدِّرَاسَةِ أَوْ أَنَّكَ كَسُولٌ، هَذَا كُلُّهُ سَنَعْرِفُهُ مِنْ خِلَالِهِ. فَفِي كُلِّ يَوْمٍ تَأْتِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ، وَأُذَكِّرُكُمْ طَبْعًا جَمِيعًا بِكِتَابَةِ الْأَسْمَاءِ فِي الصَّفْحَةِ الْأُولَى -يَعْنِي- الْمَعْلُومَاتِ وَكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا ضَاعَ هَذَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَوَاصَلَ مَعَكَ وَيُخْبِرَكَ أَنَّ الدَّفْتَرَ مَعِي، فَأَرْجُو الِاهْتِمَامَ مِنَ الْجَمِيعِ، وَنَحْنُ أَخْبَرْنَا الْإِخْوَةَ أَيَّ أَخٍ -يَعْنِي- مَا عِنْدَهُ هَذَا الدِّينَارُ سِعْرُ الدَّفْتَرِ يَعْتَبِرُهُ هَدِيَّةً مَجَانًا مَا هِيَ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ أَهَمُّ كِتَابٍ يَصْحَبُنَا فِي هَذَا الْمَعْهَدِ.

طَيِّبٌ، إِذَا تَكَلَّمْنَا عَنْ مَعْنَى الْفِقْهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا، ثُمَّ بَدَأْنَا نَتَكَلَّمُ بِمُقَدِّمَةٍ يَسِيرَةٍ طَبْعًا مُخْتَصَرَةٍ تَلِيقُ بِهَذَا الْمَعْهَدِ عَنْ تَارِيخِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ وَكَيْفَ نَشَأَتِ الْمَذَاهِبُ، وَعَرَفْنَا كَيْفَ كَانَ الْفِقْهُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ كَيْفَ كَانَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَمَنْ هُمْ فُقَهَاءُ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّنَا عَرَفْنَا لَيْسَ كُلُّ الصَّحَابَةِ كَانُوا فُقَهَاءَ وَلَكِنَّهُمْ كُلَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ، فَفَهِمْنَا إِخْوَانِي الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ وَلَكِنْ مِنْهُمُ الْعَالِمُ، وَمِنْهُمُ النَّجَّارُ، وَمِنْهُمُ الْحَدَّادُ، وَمِنْهُمُ الْمُجَاهِدُ، وَمِنْهُمُ الْمُقَاتِلُ، مُهِمٌّ جِدًّا أَنْ تَعْرِفَ هَذَا التَّصَوُّرَ عَنْ طَبِيعَةِ ذَاكَ الْجِيلِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَظُنُّ أَنَّنَا تَكَلَّمْنَا أَيْضًا عَنْ عَصْرِ التَّابِعِينَ، وَعَنْ بِِدَايَةِ نُشُوءِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا لَيْسَ -يَعْنِي- كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ الْكَاتِبِينَ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ تَقْسِيمَ أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ هَذَا مِنْ أَفْكَارِ الْمُعَاصِرِينَ، لَا، هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَلْدُونَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَيْضًا، ذَكَرَ ابْنُ خَلْدُونَ فِي مُقَدِّمَتِهِ فِي تَارِيخِ الْفِقْهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ وُجِدَتْ، نَعَمْ بَعْضُ الْمُبَالَغَاتِ فِي ابْتِعَادِ أَهْلِ الرَّأْيِ عَنِ الْحَدِيثِ نَعَمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ غَيْرِ الْمَقْبُولَةِ وَالْمَجَازِ فِي حَقِّهِمْ، وَفِي شَيْءٍ مِنْ إِظْهَارِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُلْهٌ فَقَطْ يَهْتَمُونَ بِالظَّاهِرِ وَمَا عِنْدَهُمْ أَيُّ فِقْهٍ وَاسْتِنْبَاطٍ، أَيْضًا هَذِهِ مُبَالَغَاتٌ، فَالْأُمُورُ تَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ التَّعْدِيلِ فِي طَرِيقَةِ فَهْمِ هَاتَيْنِ الْمَدْرَسَتَيْنِ وَالتَّحْقِيقِ التَّارِيخِيِّ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ.

وَصَلْنَا أَزْعُمُ إِلَى عَصْرِ تَابِعِ التَّابِعِينَ أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ طَيِّبٌ، نَقْرَأُ، بِسْمِ اللَّهِ.

بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِشَيْخِنَا وَلِلْحَاضِرِينَ وَنَجِّ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آمِينَ. قَالَ: ثُمَّ فِي عَصْرِ تَابِعِي التَّابِعِينَ نَشَأَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَتْبُوعَةِ؛ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَسَارُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي رِكَابِ مَنْ سَبَقَهُمْ بِالتَّفَقُّهِ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ دُونِ تَعَصُّبٍ فِي عَصْرِ تَابِعِي التَّابِعِينَ عَلَى وَجْهٍ تَقْرِيبِيٍّ؛ تَمَامٌ لِأَنَّ -يَعْنِي- أَبَا حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ هَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ أَوْ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ كِبَارِهِمْ؟ وَذَكَرْنَا هَذَا الْخِلَافَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَهُوَ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ هِجْرِيَّةٍ، وَمَتَى تُُوُفِّيَ؟ 150 هِجْرِيَّةً. وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ مَتَى وُلِدَا؟ 93 أَوْ 94 عَلَى خِلَافٍ، وَتُوُفِّيَ 179، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ -يَعْنِي- يُمْكِنُ يُعْتَبَرُ -يَعْنِي- فِي الْمَرْحَلَةِ -يَعْنِي- فِي دَرَجَةٍ ثَانِيَةٍ أَوْ رُتْبَةٍ ثَانِيَةٍ فِي هَذَا الْعَصْرِ، يُمْكِنُ يُعْتَبَرُ فِي دَرَجَةٍ ثَانِيَةٍ، وَأَحْمَدُ خُصُوصًا أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُمْ فِي النَّشْأَةِ 164 كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا، فَيُمْكِنُ يُعْتَبَرُ مِنْ أَتْبَاعِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ -يَعْنِي- لَكِنَّ هَذَا كَمَا نَقُولُ تَقْرِيبِيٌّ لَمَّا نَقُولُ عَصْرَ تَابِعِي التَّابِعِينَ وَمَنْ لَاصَقَ وَدَانَاهُمْ، حَتَّى يُفْهَمَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ حَدِّيَّةً.

نَعَمْ، قَالَ: وَسَارُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي رِكَابِ مَنْ سَبَقَهُمْ بِالتَّفَقُّهِ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ دُونِ تَعَصُّبٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْحَى الْفِقْهُيُّ لِلْمَدْرَسَةِ الَّتِي نَشَأُوا فِيهَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي التَّفَقُّهِ؛ نَعَمْ فَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ نَشَأَ فِي مَدْرَسَةِ الْعِرَاقِ يَظْهَرُ هَذَا فِي طَرِيقَتِهِ فِي التَّفَقُّهِ وَاهْتِمَامِهِ بِالْأَقْيِسَةِ وَالْفِقْهِ الْفَرْضِيِّ مَثَلًا، مَالِكٌ لِأَنَّهُ نَشَأَ فِي الْمَدِينَةِ يَظْهَرُ اهْتِمَامُهُ الْكَبِيرُ بِالْآثَارِ وَرَفْضُهُ عُمُومًا لِلْفِقْهِ الْفَرْضِيِّ وَالتَّوَسُّعِ فِي الِاسْتِنْبَاطَاتِ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَازِلَةٌ، الشَّافِعِيُّ حَاوَلَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَدْرَسَتَيْنِ، أَحْمَدُ كَانَ خُلَاصَةَ مَا تَوَصَّلُوا إِلَيْهِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ هُوَ آخِرُهُمْ زَمَنًا، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَلَكِنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

نَعَمْ، قَالَ: فَأَبُو حَنِيفَةَ مَثَلًا تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ فِي التَّوَسُّعِ فِي الْقِيَاسِ وَاسْتِنْبَاطِ عِلَلِ الْأَحْكَامِ وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ النَّصِّ، بِخِلَافِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ مَدْرَسَةِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَةِ الِاطَّلَاعِ عَلَى النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُوِ النَّاسَ لِمُتَابَعَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلْ كَانَ الْأَمْرُ فِي عَصْرِهِمْ عَلَى سُنَنِ مَنْ سَلَفَ. نَعَمْ، لِأَنَّهُ فِي عَصْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ يُوجَدُ أَيْضًا مَذَاهِبُ أُخْرَى أَوْ أَئِمَّةٌ آخَرُونَ قَائِمُونَ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ الَّذِي يُسَمَّى الْيَوْمَ بِإِيشِ؟ بِالْمَذَاهِبِ الْمُنْدَرِسَةِ. وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ لَمْ يُضْبَطْ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ وَالثَّابِتَةِ كَمَا ضُبِطَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَقْبَةِ لَمْ تَسْتَقِرَّ بَعْدُ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُوجَدُ فُقَهَاءُ آخَرُونَ لَهُمُ اجْتِهَادَاتُهُمْ وَآرَاؤُهُمْ مِثْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي مِصْرَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الشَّامِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْعِرَاقِ، وَمَثَلًا إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ.

نَعَمْ، قَالَ: يُسْأَلُ الْمَرْءُ مَنْ يَجِدُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَنَحْوِهِمْ، إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةَ ظَهَرَ فَضْلُهُمْ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ لِمَا حَبَاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذِهْنٍ مُتَّقِدٍ وَفَهْمٍ دَقِيقٍ وَقُدْرَةٍ مُمَيَّزَةٍ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَفَهْمِ طَرِيقَةِ الشَّارِعِ فِي تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ، فَاحْتَفَوْا لِتَدْوِينِ آرَائِهِمْ -يَعْنِي- احْتَفَوْا بِهِمْ وَاحْتَاطُوا بِهِمْ -نَعَمْ- لِتَدْوِينِ آرَائِهِمْ وَحِفْظِ عُلُومِهِمْ وَاسْتِفْتَائِهِمْ، فَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعِنَايَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِمْ، فَهَذَا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ إِخْوَانِي الْكِرَامَ طَلَبَةَ الْعِلْمِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ لَهُمْ قَدَرٌ إِلَهِيٌّ، سَتَقُولُ: لِمَاذَا الْأَرْبَعَةُ؟ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرَادَ أَنْ تُحْفَظَ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ بِقَدَرٍ سَابِقٍ وَعِلْمٍ مُحِيطٍ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ هُنَاكَ قَدَرًا اُخْتِيرَ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68]. فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا حَتَّى فِي النِّقَاشِ الْعِلْمِيِّ مَعَ الَّذِينَ يَرْفُضُونَ التَّمَذْهُبَ: لِمَاذَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ؟ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ هُنَاكَ قَدَرٌ، وَهَذَا الْقَدَرُ وَضَحَتْ دَلَالَتُهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالِاهْتِمَامِ الَّذِي ظَهَرَ بِمَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَالْآنَ طَبْ، هَلْ هَذَا الْقَدَرُ يُمْكِنُ أَنْ نَطَّلِعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حِكْمَتِهِ؟ نَعَمْ، يُمْكِنُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حِكْمَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ أَقْدَارِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسِعَةِ عُلُومِهِمْ وَدِقَّةِ أَنْظَارِهِمْ وَفَهْمِهِمْ.

نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، اهْتَمَّ تُلَّابُهُمْ بِتَدْوِينِ عُلُومِهِمْ وَجَمْعِهَا وَتَصْنِيفِهِمَا وَتَنْقِيحِهِمَا وَاسْتِنْبَاطِ مَنَاهِجِهِمُ الْأُصُولِيَّةِ وَالتَّخْرِيجِ عَلَيْهَا، فَانْصَبَّ هَمُّ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى تَحْرِيرِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَتْبُوعِينَ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَمِنْ حِينِهَا بَدَأَ يَظْهَرُ مَفْهُومُ التَّمَذْهُبِ الْفِقْهِيِّ. إِفْذاً فَالتَّمَذْهُبُ إِنَّمَا ظَهَرَ بَعْدَ وَفَاةِ الْأَئِمَّةِ حَقِيقَةً بَعْدَ وَفَاةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِفَتْرَةٍ عِنْدَمَا بَدَأَ يَظْهَرُ الِاسْتِقْرَارُ فِي فَتَاوَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالتَّأْصِيلُ لَهَا فِي دَاخِلِ مُصَنَّفَاتٍ، لِأَنَّ فَتَاوِيَهُمْ كَانَتْ عَامَّةً فَمَا كَانَ مَفْهُومُ التَّمَذْهُبِ لِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ ظَاهِرًا عِيَانًا، وَلَكِنْ مَتَى بَدَأَ يَظْهَرُ؟ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ فَصَاعِدًا، عِنْدَمَا بَدَأَتْ فَتَاوِيهِمْ تُؤَطَّرُ ضِمْنَ مُصَنَّفَاتٍ وَأَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يَحْتَفِي بِتَنْقِيحِهَا وَتَصْوِيبِهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَاسْتِنْبَاطِ أُصُولِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ لِلتَّخْرِيجِ عَلَيْهَا، لَمَّا ظَهَرَ هَذَا الِاحْتِفَاءُ بِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَدَأَ يَنْبُتُ مَا يُسَمَّى بِمَاذَا؟ أَوْ يَظْهَرُ مَا يُسَمَّى بِالتَّمَذْهُبِ الْفِقْهِيِّ فِي أُوَاخِرِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فَصَاعِدًا.

نَعَمْ، كَانَ لِحَرَكَةِ التَّمَذْهُبِ الْفِقْهِيِّ وَالِاهْتِمَامِ بِتُرَاثِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ آثَارٌ إِيجَابِيَّةٌ عَلَى سَاحَةِ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ وَآثَارٌ سَلْبِيَّةٌ كَذَلِكَ. نَحْنُ نَعْتَرِفُ أَنَّ التَّمَذْهُبَ خِلَالَ مَسِيرَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ لَهُ آثَارٌ إِيجَابِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي يَنْبَغِي التَّرْكِيزُ عَلَيْهَا، وَنَعْتَرِفُ بِوُجُودِ بَعْضِ الْأُمُورِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نُعَالِجَهَا وَلَا نَجْعَلَهَا سَبَبًا فِي تَرْكِ التَّمَذْهُبِ؛ فَحَرَكَةُ التَّمَذْهُبِ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ لَهَا إِيجَابِيَّاتٌ تُذْكَرُ وَيُثْنَى عَلَيْهَا وَهِيَ الْأَصْلُ، وَظَهَرَتْ بَعْضُ الْمُمَارَسَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُعَدَّلَ وَتُنَاقَشَ وَتُنَقَّحَ وَتُصَوَّبَ وَلَيْسَ أَنْ يُرْفَضَ التَّمَذْهُبُ بِسَبَبِهَا كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ الْيَوْمَ.

نَعَمْ، فَمِنْ أَهَمِّ الْآثَارِ الْمَحْمُودَةِ لَهَا: ضَبْطُ مَنَاهِجِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ وَوَضْعُهَا فِي قَوَاعِدَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْعُلَمَاءُ مِنَ التَّخْرِيجِ عَلَيْهَا وَاسْتِنْبَاطِ النَّوَازِلِ الْجَدِيدَةِ عَلَى ضَوْئِهَا، خَاصَّةً مَعَ بِدَايَةِ ضَعْفِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ الَّذِي أَثَّرَ بِشَكْلٍ سَلْبِيٍّ عَلَى حَرَكَةِ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ وَنُمُوِّهِ. هَذِهِ أَهَمُّ فِكْرَةٍ إِيجَابِيَّةٍ إِخْوَانِي فِي التَّمَذْهُبِ؛ أَنَّ هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ مَنَاهِجِ تَفَقُّهٍ أَرْبَعَةٍ، عَنْ مَدَارِسَ فِقْهِيَّةٍ أَرْبَعَةٍ شَكَّلَتْ مَنْهَجًا مُنْضَبِطًا مُقَعَّدًا مُؤَسَّسًا يُمُمكِنُ مِنْ خِلَالِهِ الِاسْتِنْبَاطُ لِلنَّوَازِلِ وَالْمُسْتَجَدَاتِ بَعِيدًا عَنِ الْفَوْضَى وَالتَّشَتُّتِ وَدُخُولِ الْأَذْوَاقِ وَالْآرَاءِ الشَّخْصِيَّةِ؛ هَذَا أَهَمُّ صَنْعَةِ الْمَذَاهِبِ: ضَبْطُ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ أَيَّ عِلْمٍ لَيْسَ لَهُ مَنْهَجٌ أَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَنْ فَوْضَاهُ، أَيُّ عِلْمٍ لَيْسَ لَهُ مَنْهَجٌ أَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ فَوْضَى عَارِمَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ سَيُصْبِحُ يَتَكَلَّمُ بِذَوْقِهِ وَمَا يَشْتَهِيهِ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ: مَا أَصْلُكَ الَّذِي رَدَدْتَ إِلَيْهِ قَوْلَكَ؟ مَا فِي مَنْهَجٍ! وَهَذَا أَنْتُمْ تَرَوْنَهُ فِي الْحِقَبِ الْمُعَاصِرَةِ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُفْتِي وَهُوَ لَا يَنْتَسِبُ لِمَذَهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ لَا يَمْتَلِكُ رُؤْيَةً وَاضِحَةً، وَيَمْتَلِكُ فَوْضَى فِي الْإِنْتَاجِ الْفِقْهِيِّ، وَتَجِدُ أَحْيَانًا اضْطِرَابًا وَتَدَاخُلًا، وَإِذَا سَأَلْتَهُ: مَا هُوَ الـ... مَا هِيَ الْأُصُولُ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ أَوْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا شَيْخُكَ؟ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ قَوَاعِدِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ، قَوَاعِدِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ السُّنَّةِ، قَوَاعِدِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ.. أَوْ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ، مَا هِيَ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ عِنْدَكُمْ؟ مَا هِيَ أَوْجُهُ الْأَقْيِسَةِ عِنْدَكُمْ؟ كَيْفَ تَنْقُضُونَ الْأَقْيِسَةَ؟ لَمَّا تَسْأَلُهُمْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ يَبْهَرُونَ -يَعْنِي- يَنْظُرُ إِلَيْكَ: إِيشِ -يَعْنِي- كَيْفَ تَسْتَنْبِطُ الْأَقْيِسَةَ وَنَوْعَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَقِيَاسِ الدَّلَالَةِ وَقِيَاسِ الشَّبَهِ وَمَسَالِكَ الْعِلَّةِ؟ وَهُنَاكَ اسْتِنْبَاطٌ لِلْعِلَّةِ بِالنَّصِّ، وَهُنَاكَ بِالْإِيمَاءِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالْمُنَاسَبَةِ وَالدَّوَرَانِ! تَقُولُ، يَقُولُ لَكَ: إِيشِ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي بِتَتَكَلَّمُ فِيهِ أَنْتَ؟ طَبْ أَنْتَ، تَقُولُ لَهُ: كَيْفَ إِذَا أَنْتَ تُفْتِي فِي دِينِ اللَّهِ وَأَنْتَ لَا تَمْلِكُ مَنْهَجًا بِنَاءً عَلَيْهِ تَسْتَنْبِطُ؟ أَنْتَ تَظُنُّ الْفَتْوَى هِيَ فَقَطْ تَفْتَحُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَخَلَاصٌ وَاللَّهِ أَنَا شَايِفٌ أَنَّ الْحُكْمَ هَذَا..

جائز. والله أنا الذي يظهر لي أنه حرام.

وأنت إيش يظهر لك؟ هذه ما هي فتوى، هذه حسبة، وهذا تلاعب، وهذا كما قال سبب في تسلق العلمانيين والحداثيين العرب على الإسلام، أنهم وجدوا هذه الفجوة أن بعض من ينتسب يتكلم باسم الدين هو يخرج عن المذاهب ومناهج منضبطة فيتكلم بدون منهج. فإذا أصبحت القضية متاحة للجميع ما دام يجوز الكلام بدون منهج إذا فليتكلم من شاء بما شاء، وهذه أكبر قضية خطيرة في ترك التمذهب، فقد المنهج. فالْمَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ هِيَ مَنَاهِجُ، إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ تَخْرُجُ عَنْهَا مَعْنَاتَهُ أَعْطِنِي مَنْهَجَكَ وَعَلَيْكَ أَنْ تُزَاحِمَ بِمَنْهَجٍ خَامِسٍ. إِذَا كُنْتَ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ تَضَعَ مَنْهَجًا يُزَاحِمُ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ فَاحْتَرِمْ ضَعْفَكَ؛ إِذَا أَنْتَ لَا تَمْلِكُ مِنَ الْقُدُرَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ مَا يُؤَهِّلُكَ لِتَضَعَ مَنْهَجًا كَمَا وَضَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَدْرَسَتُهُ، وَمَالِكٌ وَمَدْرَسَتُهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَمَدْرَسَتُهُ، وَأَحْمَدُ وَمَدْرَسَتُهُ. إِذَا كُنْتَ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ تَضَعَ مَنْهَجًا فَاحْتَرِمْ ضَعْفَكَ وَالْتَزِمْ بِهَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَالْمَنَاهِجِ.

طبعاً ليس التزاماً كحد السيف بحيث يعني كل إشكال الاجتهاد الجزئية مرفوضة، لا، ما هو يعني الأمر بده سعة وتفاهم مع العصر الحديث ومستجداته، لكن الأصل أن انطلاقك في التعلم، وهذا الذي يهمني، أن انطلاقك في عملية التعلم يكون ضمن دائرة مدرسة من هذه المدارس، وإلا فأنت لا تتعلم الفقه، أنت تضيع وقتك لأنك لا تمتلك منهجاً.

نعم، قال: فكان للتمذهب الفقهي أثر طيب في منع الشذوذ في الفتوى، ومنع تجاسر من لم يتمكن بعد من آلة الاجتهاد أن يتكلم في أحكام الشرع من غير توثق وضبط لمناهج الفهم والاستنباط. أما الآثار السلبية -هذه أهم أثر إيجابي، طبعا هناك آثار إيجابية أخرى لكن ما أحببت أن أطيل في هذا المختصر- نعم، قال: أما الآثار السلبية فتمثلت في التعصب المذهبي عند بعض الطوائف لمذاهب وطرقها وازدراء بالمذاهب الأخرى.

الذين يرفضون التمذهب من أكثر الأمور السلبية التي يذكرونها صور التعصب المذهبي، والتعصب المذهبي عليك أن تفهم أنه لم يخرج من علماء المذاهب، وإنما خرج من الأتباع من الحواشي الذين هم عادة يعني يكونون ضعافاً في العقول وضعافاً في التصرفات. يعني علماء المذاهب عبر التاريخ هل سمعت أن مثلاً ابن حجر الهيتمي والله عمل مشكلة مع واحد حنبلي وبدؤوا يتباكسون مع بعضهم البعض، أو هل سمعت أن القرافي المالكي بدأ مع رجل حنفي وتهاوشا؟ لا، ما سمعنا بهذا.

وإنما صور التعصب المذهبي التي نشأ بسببها الاقتتال أو شيء من الخروج عن السكة والتعصب المذموم، إنما خرجت من ماذا؟ من الأتباع ضعاف في العقول، اللي بيقولوا احنا حنابله وهم مش دارسين المذهب، واللي بيقولوا احنا شافعية وهم لا يعرفون إلا القشور. هؤلاء حتى اليوم في الجماعات المعاصرة جماعات الإسلام السياسي وغيره، هم دائماً يعملون مشاكل، في السواد الأعظم هم عادة أصحاب المشاكل وأصحاب النزاعات والخصومات. وإلا فالعقلاء الكبار، الذي رزقه الله العلم على مذهب من المذاهب، لا يمكن أن يناوش ويناكس ويحقر مذاهب أخرى ويتعصب بشكل مذموم ويحرم الزواج منهم وما شابه ذلك، وإنما هذه ممن صغر عقله ممن اتبع هذه المذاهب.

فعيب أن تقول والله نترك المذاهب، لماذا؟ لوجود التعصب المذهبي. هل هذا كان ديدن كبارهم وعلمائهم أم صغارهم الذين لا يحسبون حقيقة ضمن أئمة المذاهب؟ هم لا يحسبون هؤلاء ضمن أئمة المذاهب حتى تؤثر على فكرة المذهبية. ولو كان تعصب حتى من بعض الأكابر لو فرضا، الأصل أن يذم تعصبه ولا يذم المذهب كفكرة يعني، لو أثبت لي نعم يمكن بعض الأكابر صدرت منه هفوة هنا أو هناك في تعصبه لمذهبه، كيف يعالج هذا الموقف؟ بترك التمذهب مطلقاً؟ لا، وإنما تترك ماذا؟ هذا التعصب أو تذم هذا الفعل الذي صدر من ذلك الشخص بعينه. أما أن أترك فكرة صحيحة لأن بعض من يمارسها يمارسها بشكل خاطئ، هذا ليس من شأن العقلاء ولا الفاهمين.

نعم، قال: بل بلغ الحال ببعض الجهال أن قاموا بسفك الدماء المعصومة لأجل التعصب الأعمى وضيق الأفق وعدم فهم مقاصد المذاهب وسبب وضعها وتدوينها. لكن مع وجود هذه السلبيات لم نرى العلماء المحققين يتركون التمذهب في طلبهم الفقه في الدين أو يدعون إلى نبذ المذاهب ومصنفاتها، بل استمروا في اتباع هذا المنهج لأهميته في البناء العلمي المتزن لطالب العلم، مع تحذيرهم من التعصب الأعمى في نفس الوقت، ودعوتهم إلى أن يكون التمذهب سلماً يتوصل به إلى فقه الدليل.

وكرد فعل قاسية وسلبية على التمذهب، إذاً التمذهب وسيلة أو غاية إخواني؟ وسيلة، التمذهب سلم حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد. إذا لم تصل إلى مرتبة الاجتهاد تبقى ملتزماً بمذهب. احنا من حيث التاطير والتنظير نحن نقر أن التمذهب وسيلة وليس غاية في نفسه، وأن من وصل إلى مرتبة ابن تيمية وابن القيم والقرافي وهؤلاء والمازري فليجتهد، بس توصل لمرتبتهم! أوصل لمرتبتهم وأنا معاك اتبع فقه الدليل. وأنت لم تصل إلى عشر معشاره، وأنت ما زلت تخطئ في أساسيات العلوم، فعيب أن تدعي منصباً ليس لك! عيب -مش فق- يعني عيب من ناحية مروءة وحرام من ناحية شرعية أن تدعي منصباً لم تصل إليه.

نعم، قال: وكرد فعل قاسية وسلبية على التمذهب، ونتيجة للجهل السائد، نشا في العصور المتأخرة أقوام قاموا بلمز المذاهب الفقهية ودعوا إلى نبذها عودة للاستنباط المباشر من غير اعتبار لما حققه علماء المذاهب عبر العصور في مذاهبهم. وأصبح يطرق السمع عبارات غريبة ممن لم يعلو كعبه في العلم يقولون نحن رجال وهم رجال. ومثل هذه الدعوات لو صدرت من أئمة بمرتبة الإمام أحمد بن حنبل أو مالك أو الشافعي فلها حظ من النظر، لكنها ومع الأسف تصدر من انصاف المتعلمين وممن لم يحمل إلا النزر اليسير من العلم، بل دعك أن يقاس علمه بعلم الأوائل، هو حتى في أساسيات العلوم غير متمكن فضلاً أنه أنا أصبح أقيسه بالعلماء الأوائل. لا، هذا لسه بدي أقيسه بأهل زمانه هو غير متمكن، وعم يحاول يستنبط من البخاري ومسلم مسائل الطهاره والزكاة والصلاة والصيام فيفتات على حاله، وتعرف أن هذا الرجل هو جسر للعلمانية، هذا الرجل يهدم الإسلام! هذا كلام ليس فيه مجازفة. صغار طلاب العلم الذين يريدون أن يستنبطوا بأنفسهم مسائل الصلاة والطهارة والزكاة والبيوع، أنت هنا جسر للعلمانية! ليه؟ لأنه أنت لا تمتلك الأدوات مثل أحمد ولا مثل الشافعي، أنت لا تمتلك الأدوات.

طيب، كيف تبيح لنفسك التجاسر على الاستنباط؟ إذا لو جاء شخص حداثي وقال أنا بدي أستنبط مثلك، ترى أنا ممكن أكون أقوى منك، ممكن الشخص الحداثي أقوى من طالب العلم ذاك المسكين اللي بده يستنبط من البخاري ومسلم، أقوى منه ذهنياً وعقلياً. فيقول: لماذا تبيح لنفسك هدم المذاهب الأربعة والتجاسر عليها ولا تبيح لي؟ لذلك كثير من العلمانىة والحداثة تسلقت على النصوص الشرعية على قنطره ترك المذهبيه. المذهبيه إخواني ضابط وحامي لسياج الأمة، أننا لا نبيح لأحد أن يتجاوزها إلا لمن وجدت فيه شروط الاجتهاد.

لا نجوز لأحد أن يتجاوز قنطرة المذهبيه إلا لمن وجدت فيه شروط الاجتهاد، هكذا كان ابن تيمية وغيرهم من المتأخرين. لم توجد فيك شروط الاجتهاد ولا آلته، احترم ضعفك والتزم بأدب العلماء المتأخرين. وجدتني أنا ما عندي مشكلة، استنبط، اعمل مذهب خامس وسادس، لكن أقنعني أنك تمتلك الأدوات. أما أن أكتشف أنك لا تحفظ أكثر من 50 حديث، وأكتشف أنك ما زلت أصول الفقه تخطئ فيها، وأن مقاصد الشريعه أنت لم تقرأ كتاب كتابين من الكتب العظيمة، وأعرف أنك لم تتبحر في المذاهب الفقهية القديمة لتبني مذهباً جديداً بناء على ماذا أنت تصارع الكبار وتزاحم الكبار؟ هذا كله ناشئ من الجهل بحرمة العلم وعظمته وحرمة الكلام في دين الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال: والحق أن الإنسان ينبغي أن يكون متزناً في مواقفه، متبعا لهدي الأئمة المحققين كابن تيمية وابن القيم والنووي وابن حجر والقرافي وابن دقيق العيد وغيرهم من أعلام المحققين في الفقه والعلم الذين نشأوا على المذاهب الفقهية، وكان منهم الحنبلي ومنهم الشافعي ومنهم المالكي ومنهم الحنفي، ومع ذلك لم يمنعهم تمذهب من القول بالحق الموافق لأدلة الكتاب والسنة متى لاح لهم. إذاً التمذهب لا يمنعك أن تقول بالحق ولو كان في غير مذهبك، بشرط أن تكتمل فيك الآلة التي تعينك على ترجيح غير مذهبك على مذهبك، أن تكتمل فيك الآلة التي تجعلك تقول والله مذهبي خطأ ومذهب الحنفي أو الشافعي هو الصواب. إذا اكتملت فيك الآلة ما عندي مشكلة، الأمر سهل بإذن الله، لكن بدون اكتمال الآلات هذا تجاسر.

نعم، قال: وهم مع ذلك متبعون لأئمة المذاهب الذين كانوا يعلمون تلاميذهم: إذا صح الدليل فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. فلا التعصب المذموم واغلاق باب الاجتهاد موافق للصواب، نعم نحن نرفض ما يقوله أيضاً بعض المعاصرين ممن يناصر فكرة المذهبيه بطريقة أيضاً فيها زياده عن الحد المقبول وهو كان إذا خرج الإنسان المجتهد الذي أفنى عمره في دراسة المذهب، إذا خرج عن شيء من المذهب كان هناك سيف ينزل على رقبته وكأنه بدل دينه بدين آخر. لا اخي الله يرضى عنك، يعني شخص أفنى عمره في دراسة المذهب والتعلم ثم لاح له ضعف مسالة فاختار مسالة من مذهب آخر، يعني هو لم يغير دين الإسلام، لم يخرج من دين الإسلام، لم يرتد على عقبيه وإنما هو له الأحقية في مثل هذا الاجتهاد.

أيضاً لو كان الإنسان في واقعة معينة ضمن نوازل الأمة، وهو متمسك على مذهب الحنابلة، لكن لاح له في واقعة ونازلة أن الأنسب هنا لهذه الواقعة تطبيق مذهب آخر، حتى ولو لم أكن أنا في مراتب ابن تيمية وغيرهم مجتهد، معقول يعني ضمن عصري والفئة التي أنا موجود فيها لاح لي أن مصلحة الأمة هنا اتباع مذهب معين. مثل هذا الخروج المنضبط المحكوم السهل الذي يراد فيه مصلحة الأمة أيضاً لا حرج فيه إذا صدر من طلبة العلم المتمكنين أو العلماء المتمكنين. لكن احنا نقدنا على فكرة واحدة فقط، فهمت أنني لا أتمذهب ابتداء وأنني من البداية لا أقبل فكرة المذهبية وتتجاهل الكتاب والسنة، هذا الذي نرفضه من الطرف الآخر.

أما غير ذلك فمقبول على طريقة العلماء المحققين. نعم، قال: ولا ترك التمذهب لطالب العلم والتقليل من بنائها الضخم والازدراء به صحيح شرعاً أو عقلاً. وبناء على ذلك فلا بد لطالب العلم أن يأخذ مذهباً في بداية تفقهه يدرسه دراسة محررة، لا مناص من هذا الطريق، أي إنسان بده يدرس الفقه إخواني بده يدرسه على مذهب. ولا تقول لي سمعت من الشيخ الفلاني أو كذا أن هناك طريقة أخرى، هذه الطرق إخواني غير منطقية ضمن الواقع المعاصر لطلبة العلم، غير منطقية تماماً يعني الكلام النظري شيء والواقع شيء، كل من جربناهم لم يفلحوا إلا بعد أن تمذهبوا بمذهب، فهذه قضية لا تناقش فيها ولا تضيع وقتك، وإذا جاءك شخص ليناقشك ناقشه بالقدر المطلوب، فإن أبى دعه وشأنه واستمر حتى تتعلم لأن ذاك الشخص سيفوته القطار.

نعم، قال: يدرسه دراسة محررة ينمي بها ملكته الفقهية وقدرته على الاستنباط، وينظم بها فكره ويرتب من خلال دراسته المسائل ترتيباً واضحاً، ثم إذا رسخت قدمه في المذهب وعرف أدلته ومآخذه وعلله ارتقى بعد ذلك لنظر في الاقوال الأخرى المخالفة للمذهب وفي أدلتها، فإن أصبح بعدها من العلماء الراسخين في اصول الفقه والترجيح المتقنين لعلوم الحديث فعليه أن يختار ما هو الأقرب لدليل الشرعي وإن خالف مذهبه الذي نشا عليه. وهذه كما قلت مرتبة متقدمة جداً نحن نذكرها لأنها علم، لكن متى أتاهل لها؟ بعد سنتين ثلاث في دراسة المذهب؟ لا، ربما لا أصل إليها أصلاً، وهذا هو الأكثر من الشباب أنه لا يصل إلى هذه المرتبه التي يخطئ فيها الشافعي -متخيليندي!- يخطئ الشافعي ويخطئ أحمد ويخطئ مالك! اه أنت لم تتعلم، هذه المرتبة عالية عالية ليست لأنهم معصومون بل لأنك أنت الضعيف في العلم. ليس لأنهم معصومون بالتاكيد لو كان رجل بمرتبته يخطئ، لكن لأنك أنت الضعيف الذي لم تمتلك الآلة، فإذا رزقك الله وفتح عليك -وما ذلك على الله بعزيز- لكن هذه الأفراد، إذا رزقك الله فتح عليك حلق عالياً ونحن معك، وبدون ذلك ابقى فيما أنت فيه.

نعم، قال: فبدايه الطريق تمذهب ونهايته في ظل الدليل، أما من لم يبلغ النهاية فلا يتجاسر على بلوغها ولا يدعي شيئاً لم لم يمتلك، فيكون كلابس ثوبي زور. نعم النبي عليه الصلاه والسلام قال: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور»، يعني الذي يتصنع أنه من أهل الاجتهاد والترجيح مع أنه كما قلنا ضعيف اللغة، ضعيف الأصول، لا يمتلك معرفة في الحديث ولا الرجال ولا التعديل، هذا متشبع بشيء لم يعطه الله إياه، «ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب».

نعم، قال: بل عليه أن يتمسك بما تمذهب عليه إلا أن يتبين له فساد مأخذه بياناً لا يحتاج معه إلى كبير علم. والله الهادي إلى سواء السبيل.

نعم المقدمة الثالثة: تعريف المذهب لغة. بعد أن عرفنا تاريخ الفقه بالمعنى المختصر بهذه الوريقات وكيف نشات المذاهب الفقهية وما هو موقف الطالب من التمذهب، دعونا الآن نتكلم عن تعريف المذهب، ما معنى كلمة المذهب لغة واصطلاحاً؟

نعم، قال: المذهب لغة مصدر ميمي للفعل ذهب، يقال ذهب.

ذهاباً وذهاباً ومذهباً، فهو مصدر، هو ذهب يذهب مذهباً فهو مصدر، ويجوز أن يستعمل عنه اسم مكان أو اسم زمان عند بعضهم؛ لأن المصدر الميمي واسم الزمان واسم المكان يعني يصح هنا أن يكون على وزن مفعل، على وزن مذهب، على وزن ايش مفعل؟ ذهب يذهب مذهب مفعل، ففعل يصح أن يكون إما مصدراً ميمياً أو اسم زمان أو اسم مكان، ونحن هنا اخترنا جعل مصدر ميمي، فهو بمعنى المصدر الطبيعي، كيف تقول ذهب محمد ذهاباً؟ أقول: ذهب محمد مذهبا، فالمذهب بمعنى الذهاب، باختصار المذهب بمعنى ايش؟ الذهاب، فمذهب الشافعي شو يعني؟ ذهاب الشافعي، مذهب أحمد يعني ذهاب أحمد في مسائل الفقه، مذهب أبي حنيفة يعني ذهاب أبي حنيفة في مسائل الفقه.

نعم قال: «يقال ذهب ذهاباً وذهباً ومذهباً إذا نحى نحو شيء وقصده».

واصطلاحاً قال أبو الخطاب الكلوذاني الحنبلي -وهذا من أئمة المتوسطين من الحنابلة الإمام أبو الخطاب الكلوذاني رحمه الله عليه-: قال رحمه الله الكلوذاني الكلوذاني نعم الكلوذاني الحنبلي: «مذهب الإنسان ما قاله أو دل عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه أو غيره، فإن عدم ذلك لم يجز إضافته إليه».

الآن أبو الخطاب رحمه الله عليه أراد أن يعرف المذهب بالمعنى الاصطلاحي، شو يعني الاصطلاحي؟ يعني في العلوم الشرعية ما معنى المذهب؟ طب هل هناك مذهب بالمعنى الشرعي؟ لا؛ لأنه في الشريعة الإسلامية لم تستعمل كلمة المذهب بمعنى خاص، فلذلك لم نقل لغة وشرعاً واصطلاحاً زي ما عرفنا الفقه، لا، هنا مباشرة لغة واصطلاحاً؛ لأنه هل الشريعة استعملت كلمة المذهب بمعنى خاص؟ لا، أبقت على المعنى اللغوي، فلذلك انتقلنا مباشرة إلى المعنى الاصطلاحي، قال أبو الخطاب: مذهب الإنسان -طبعا هنا يعرف المذهب بالمعنى العام: مذهب عقدي، مذهب فقهي، مذهب سلوكي، حتى المذاهب الفكرية المعاصرة مش يسموها؟- ما معنى أن لي مذهب بالمعنى العام العلمي في العلوم؟ قال: المذهب الإنساني هو ما قاله بلسانه أو دل عليه بما يجري مجرى القول، أحياناً أنت قد تفهم أقوالي بدون أن أصرح بها، ممكن من خلال حركة عين فهمت شو رأيي، من خلال تصرف معين فعلته في الحياة فهمت شو رأيي في المسألة، فليس شرطاً حتى تفهم مذهبي أن أصرح بالقول، فالمذهب إذاً هو ما قاله الإنسان أو دل عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه بإشارة أو غيره، مثلاً كفعل فعله فعرفت أنه والله مذهب فلان جواز هذا لماذا؟ لأنه يفعل هكذا تماماً.

قال: «فإن عدم ذلك لم يجز إضافة المذهب إليه»، وهذا كما قلنا -أقرأ- وهذا الذي ذكره قال: «وهذا الذي ذكره أبو الخطاب وغيره هو المذهب الحقيقي للإمام». نعم، هذا هو المذهب الحقيقي؛ لأنه سياتي معنا الآن في هناك مصطلح المذهب الحقيقي وفي مصطلح المذهب الاصطلاحي، المذهب الحقيقي لأبي حنيفة الحقيقي هو ما قال أبو حنيفة أو نبه عليه بشكل من الاشكال، المذهب الحقيقي لأحمد هو ما قاله أحمد بلسانه أو نبه عليه بشكل من الأشكال، أما بإيماءة الأصحاب على اصول الإمام وفتاويه وقياسه عليها وهو ما يسمى المذهب اصطلاحاً.

أه الآن إذاً في عندنا مصطلحين: المذهب الحقيقي والمذهب الاصطلاحي، المذهب الحقيقي لأي شخص لأحمد، لمالك، لسفيان، للأوزاعي هو ماذا؟ أقواله أو ما يقوم مقام أقواله من أفعاله وتنبيهاته، لكن المتأخرون وسعوا كلمة المذهب لتشمل أمرين، لتشمل أقوال الإمام وتنبيهاته اللي هي المذهب الحقيقي، ولتشمل تخريجات الأصحاب في المستجدات والنوازل على قواعد الإمام، فقالوا: ما يستخرجه الأصحاب في القرن الخامس والسادس والسابع على قواعد الإمام، أليست هذه مذهب أيضاً؟ هذه مذهب ويجب أن تدخل فيه، فإذاً المذهب عند المتأخرين ما يسمى المذهب الاصطلاحي يشمل أمرين: ما ينسب إلى الإمام مباشرة أنه قاله أو فعله وهذا يسمى المذهب الحقيقي، ويدخل تحت كلمة المذهب تخريجات الأصحاب المتأخرين على قواعد الإمام ونصوصه؛ لأنه كل عصر في نوازل، في القرن الخامس الهجري، في القرن السادس، السابع، الثامن، طب هذه النوازل كيف سندخلها في المذهب؟ لازم نوسع دائرة المذهب لتشمل هذين الأمرين، فلذلك المذهب الاصطلاحي أوسع من المذهب الحقيقي، هي الخلاصه، المذهب بالمعنى الاصطلاحي أوسع من المذهب بالمعنى الحقيقي، فهمنا يا إخواني؟

أكمل المقدمة الرابعة، لذلك حتى هنا وضعنا لكم مخطط في صفحة 23 يعطيك الخلاصة بين التفريق بين المذهب بالمعنى الحقيقي وبالمعنى الاصطلاحي.

المقدمة الرابعة: أنواع المسائل المدونة في كتب المذاهب. جميل، الآن لما أفتح كتاب من كتب المذهب سواء المذهب الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو غيرها، ما هي أنواع المسائل التي سأجد في كتب المذاهب؟ ما هي أنواع المسائل التي سأجدها داخل هذا الكتاب؟ طبعا تتفاوت كتب المذهب فيما تتضمنه من مسائل، لكن عموماً الآن سنذكر أبرز عناوين المسائل التي توجد داخل كتب المذهب.

أولاً قال: أنواع المسائل التي تدون في كتب المذاهب خمسة بالاستقراء: أولاً أحكام التوحيد؛ فيدون ما يتعلق بتوحيد الربوبية والالوهية والاسماء والصفات والمعاد وعلامات الساعة، وهذا النوع من المسائل لا ينسب إلى مذهب معين، بل هو لكل الأمة وعمومها، ولا يصح نسبته لإمام معين دون غيره، وتدوينه في كتب الفقه قليل بشكل عام. هذا النوع الأول من المسائل الذي ستجده في بعض كتب الفقه، احنا دقيقين في بعض كتب الفقه بل في أقلها، أحياناً ستفتح كتاب فقهي على مذهب الحنابله تجد مقدمة عقدية، أو تفتح كتاب فقهي على مذهب المالكية تجد مقدمة عقدية، مثل ايش؟ مين يذكر لنا؟

أيوه، أحسنت، ابن أبي زيد القيرواني في رسالته الكبيرة وضع أول الكتاب مسائل في العقيدة، أدخل مسائل العقيدة في باب أو في كتاب فقه على مذهب المالكية، عند الحنابله عندنا من مثلاً فعل ذلك؟ ابن أبي موسى الشريف، ابن أبي موسى الهاشمي في الإرشاد بدأ كتابه بمقدمة عقدية، فهذا تصرف من بعض المتمذهب أنه يبدأ كتابه بذكر شيء من مسائل الاعتقاد.

الآن مسائل الاعتقاد هل تننسب إلى مذهب معين؟ يعني هل نقول والله ما كتبه ابن أبي زيد هذا مذهب المالكية في الاعتقاد والحنفية لهم رأي آخر؟ لا، العقيدة للجميع، فحتى لو ذكرت مسائل الاعتقاد في بداية كتب المذاهب فهذا لا يعني أنها مسائل خاصة بهذا المذهب، بل هي عامة لجميع المسلمين، طب لماذا أدخلها في كتب الاعتقاد الفقه إذا هي عامة لجميع المسلمين؟ يعني هذا كتاب فقهي مذهبي، لماذا ذكر مسائل الاعتقاد؟

أيوه، أحسنت، هو ربما من باب التبرك، قال الفقه بالمعنى العام يدخل فيه الفقه الأكبر فتيمناً بالمعنى العام للفقه وأنه يدخل فيه الفقه الأكبر: سأبدأ بذكر العقائد باعتبار أن العقائد هي الفقه الأكبر، وليس مراده بالتأكيد أن هذه العقائد هي عقائد إمام ومذهبه فقط، بل هي عقائد للجميع، هي عقائد للجميع، يمكن أن يكون فيها إشارة إلى أن ما نقل عن إمامنا في العقيدة أيضاً هذه هي العقائد المنقولة عن إمامنا، لا مانع أن تكون هذه اشاره من إلى أنه مثلاً ابن أبي زيد القيرواني لما ذكر رسالته في بداية الرسالة المقدمة قد تكون إشارة منه إلى أن هذه المقدمة العقدية هي رأي مالك في العقيدة، كما أن المسائل الفقهية هي رأي مالك في الفقه، فهي إذاً إشارة أيضاً إلى رأي إمام المذهب في مسائل الاعتقاد، وليس لأن هذه تختص بهذا المذهب، هذا الذي يريدك أن تفهمه، ليس لأنها خاصة بهذا المذهب بل إشارة إلى ما يعتقده إمام المذهب في الاعتقاد، وإن كان هذا الأصل ليس خاصاً به بل لجميع المسلمين.

قال: ومن أهم المؤلفات المذهبية التي دونت في مسائل الا فيها مسائل الاعتقاد: كتاب الإرشاد إلى سبيل الرشاد لابن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، كتاب عند الحنابلة، نعم، له مقدمة عقدية. وكتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني المالكي، الذي أصبحت مقدمته في العقيدة متناً مستقلاً يدرس في علم الاعتقاد، نعم، وجعلوها كتاباً مستقلاً بعد ذلك.

النوع الثاني، ثانياً، ثانياً أحكام اتب... ثانياً؛ لأن ظاهر الأخ الذي كتب نسي أن يضع ثانياً وثالثاً وحط أولاً، هو بس نسي أن يضع لي ثانياً وثالثاً.

طيب، أولاً أحكام التوحيد، ثانياً أحكام فقهية قطعية مصدرها النصوص القطعية في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، كوجوب الصلاة ووجوب الزكاة ووجوب الحج وغيره من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة. نعم المسائل المعلومة من الدين بالضرورة أيضاً تكتب في كتب الفقه، فيمكن تجد في كتاب الفقه وجوب الصلاة والأدلة على وجوبها مع أن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وجوب الزكاة والأدلة على وجوبها مع أنه معلوم من الدين بالضرورة، للأسف بعض المتكلمين من الفقهاء حاولوا أن يخرجوا هذه المسائل من حيز الفقه وقالوا: هذه مسائل تدخل تحت اصول الدين ولن ندخلها تحت الفقه، وهذا ليس بصواب، فالصواب أن المسائل المعلومة من الدين بالضرورة حتى ولو كانت قطعية هي تبقى من مسائل الفقه أيضاً، ما في مشكلة أنك تجعلها اصول الدين مثلاً إذا كانت معلومة من الدين بالضرورة من جهة هذا، لكن هل هي تبقى مسائل فقه؟ نعم؛ لأن البعض كما قلنا -هذا ربما تكلمنا فيه في مدارج- البعض أراد أن يحصر الفقه في كل المسائل الظنية فقط، وأن الفقه لا يوجد فيه قطعيات، وهذا كلام خطأ، الفقه يوجد فيه مسائل قطعية ويوجد فيه مسائل ظنية.

قال: وهذه أيضاً لا يجوز نسبتها لمذهب معين، فلا يقال مذهب الشافعي أو أحمد وجوب الصلاة، نعم، هذه مثل مسائل العقيدة، كما أن العقيدة لا تنسَب إلى إمام معين فكذلك المسائل القطعية المجمع عليها لا تنسَب إلى مذهب معين، فهل عمرك سمعت واحد بيقول لك والله مذهب أحمد وجوب صيام رمضان؟ هذا مش مذهب أحمد هذا مذهب المسلمين، فلو قال شخص مذهب أحمد وجوب صيام رمضان شو بتقول له؟ هذا العزو غير صحيح، والله مذهب أحمد وجوب الصلوات الخمس، تقول: هذا مش مذهب أحمد هذا مذهب كل الإسلام والذي يقول غير ذلك كفر، فهذه المسائل لا تنسَب وإن ذكرت في كتب المذاهب، هذه المسائل المعلومة من الدين بالضرورة وإن ذكرت في كتب المذاهب لكنها لا تنسَب إلى المذهب بل هي إجماعات للمسلمين عموماً، حرمة الزنا هل نقول مذهب أحمد حرمة الزنا؟ طيب مذهب الشافعي شو باقي فيه؟ فهذه كلها معلومة من الدين بالضرورة تذكر في كتب المذاهب لكنها ليست مذهباً معيناً لينسب إليه، نعم، قال: بل كل الأمة مجمعة على هذه المسائل.

ثالثاً: أحكام فقهية اجتهادية استنبطها الإمام من النصوص الشرعية وبالقياس المعتبر والقواعد الأصولية التي توصل إليها بالاجتهاد والنظر، وهذه المسائل هي المذهب الحقيقي كما تقدم. إذاً ثالثاً المذهب الحقيقي للإمام وهي آراء الإمام نفسه، مش تخريجات أصحابه، آراء الإمام نفسه الاجتهادية، فهذه نعم بالتأكيد هي من أهم ما يذكر في كتب المذهب، وهي تنسب له، فيقال مذهب أحمد في حكم المسح على الجوربين كذا، وحكم رأيه في الموالاة كذا، فهذه مبنية على استنباطات واجتهادات وليست قطعيات، استنباطات واجتهادات لإمام المذهب أشار إليها إما بقوله أو بفعله أو إيماءه، وهذه تسمى المذهب الحقيقي للإمام.

رابعاً: أحكام فقهية اجتهادية استنبطها اتباع الإمام تخريجاً على أقوال الإمام وآرائه، تخريجاً ممكن نسميها قياساً، يعني تخريجاً يعني قياساً على أقوال الإمام وعلى آرائه، وهذه هي ماذا؟ هذه مع السابق تعتبر المذهب الاصطلاحي كما تقدم.

خامساً: أحكام فقهية اجتهادية استنبطها أصحاب الإمام باجتهادهم الخاص لعدم وجود نص مشابه للإمام يمكن تخريجه عليه، هذه أيضاً مسألة استخراج الأصحاب.

استخراج الأصحاب في النوازل لبعض الآراء الفقهية لهم دون أن يقولوا أننا استخرجنا أو قسنا على رأي الإمام، الآن هذه على نوعين حقيقة؛ منها ما يكون استنباط خاص من أحدهم بعيداً عن قواعد المذهب مثل ما يفعل ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه أحياناً أحياناً أنه له بعض الاستنباطات الخاصة التي يعلم أنها ليست على اصول أحمد ولا على نصوصه، وإنما على قواعد غيره، لكن ابن تيمية مجتهد مطلق فيحق له أن يفعل ذلك، كذلك ما يفعله حتى ما كان يفعله أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وما شابه ذلك يعني في بعض الاجتهادات الخاصة، ما يفعله بعض أئمة المالكية هو شيء من ذلك وهو أن المسألة لا يجد فيها نصاً للإمام يقيس عليه، لا يجد فيها نصاً للإمام يقيس عليه ولا قاعدة يمكن أن تندرج تحتها فيجتهد فيها باجتهاده الخاص.

الآن هذه الاجتهادات الخاصة إذا هو قال إنه هي لا تخرج عن قواعد المذهب، خلص هذه ضمن المذهب وتعتبر من الوجوه عند الحنابلة، بس إذا هو قال لا هذه مثلاً لا تسير على قواعد أحمد، لكنها تسير على قواعد غيره، تسير على قواعد أبي حنيفة أو هذا يسير على قواعد مالك هنا نعرف أن هذا الرجل المجتهد المتأخر في هذه المسألة خرج عن حتى اصول وقواعد المذهب؛ لأنه يحق له ذلك لوصوله لمرتبة الاجتهاد، وهذا ليس أي متمذهب يفعله، ولهذا بده يكون بمرتبة المازري، مرتبة ابن دقيق، مرتبة ابن تيمية، مرتبة ابن القيم، هؤلاء الذين يحق لهم أن يخرجوا عن قواعد إمامهم لأنهم وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، فيخرجون المسألة على رأي إمام آخر أو باجتهاد خاص خارج قواعد المذهب.

الآن إذا هو صرح أن هذه المسألة وصل إليها وهي خارج قواعد المذهب، هذا لا ينسب إلى المذهب، وإنما نقول: وهناك اختيارات لابن تيمية في كذا، وسمي بعد ذلك كتاب الاختيارات أو اختيار للمازري أو لابن دقيق، واما إذا قال: اجتهادي في هذه المسألة وإن لم أجد فيه نصاً أقيس عليه لكنه لا يخرج عن قواعد المذهب، إذاً تبقى هذه الفتوى التي وصل إليها ضمن أوجه.

المذهب وإن لم تكن مخرّجة على رواية منصوصة عن الإمام، فهمتم إخواني التفصيل؟ هي المسألة بعض نازع فيها، خاصة في ابن تيمية؛ كون الآن حنابلة، هل آراء ابن تيمية التي تفرد بها تنسب إلى مذهب الحنابله ولا لا؟ هذا سؤال مهم أنه يذكرها ضمن شروحه تعليقاته، هل آراء ابن تيمية التي ذكرها اختياراته الآن هي قد لا تكون هي ليست المعتمدة في الفتوى عند المتأخرين، ولكن هل تنسب إلى المذهب؟ يعني نقول: ومن أوجه المذهب عندنا قول شيخ الإسلام، ولا هذا اختيار شخصي له؟

هذا فيه تفصيل كما ذكرته لكم؛ إذا هو شيخ الإسلام اجتهد في مسألة معينة، وقال إن هذه المسألة الحكم فيها كذا على قواعد الإمام أو على قواعد المذهب، إذاً هي أوجه من أوجه المذهب؛ لأن ابن تيمية هو أحد أصحاب الوجوه عندنا. أما إذا لا، قال ابن تيمية: «وأنا أذهب في هذه المسألة إلى قول أبي حنيفة أو إلى قول مالك وأختار كذا وكذا»، هل يعد قوله هنا من أوجه في المذهب؟ لا، هو بنعرف أنه خرج عن قواعد أحمد، لأنه يحق له ذلك لبلوغ هذه المرتبة، إلى قواعد أبي حنيفة؛ والله ظهر له رجحان أصل أبي حنيفة هنا أو شيء من ذلك في مسألة معينة، أو رجحان قول مالك هنا فاختاره، هنا نقول هذا الرأي خلاص من آراء ابن تيمية الشخصية ولا نعتبره وجهاً من أوجه المذهب في الفتوى.

فهذه مهم أن نفرق بين آراء ابن تيمية؛ لأن هو أكيد من أئمة المتوسطين، وبالتالي بعض آرائه واجتهاداته هي أوجه يذكرها المرداوي في الإنصاف وغير المرداوي، وبعض اختياراته ليست أوجه داخل المذهب، بل اختيارات شخصية خرج بها عن المذهب في هذه المسألة تماماً.

اقرأ: قال: وهذا هو فقه النوازل، وفيه يستنفد متبع الإمام وسعَهُ في الوصول للحكم الشرعي للمسألة، متلمساً المنهج العام المذهبي وقواعده. إذا كان متلمساً للمنهج العام للمذهب وقواعده يبقى ضمن دائرة المذهب وتعتبر وجهاً من أوجه المذهب، لكن كما قلنا إذا خرج عن قواعد المذهب إلى قواعد مذهب آخر -وهذا مش أي شخص طبعا بيقدر لها، بمرتبة هؤلاء الكبار-، عندئذ نقول: هذا ليس من أوجه المذهب، هذا فقط من باب التفصيل والتنبيه.

نعم، قال: وهنا تبرز أهمية التمذهب في تنمية الملكة الفقهية للطالب، وترتيب قواعد الاستنباط في ذهنه بصوره لا يمكن أو يصعب تكوينها بدون تمذهب على مذهب إمام. نعم هذه أهمية أن يدرس الطالب كتب المذهب؛ المذهب يعطيك منهجاً، يعطيك طريقة في النظر، يعطيك ترتيباً في الدماغ، فتصبح صاحب نظر علمي في أي مسألة، حتى من المسائل المعاصرة، والذين لا يتمذهبون لا يمتلكون ترتيب منهجية نظره معينة من خلالها يتم ترتيب المسائل في أذهانهم قبل أن يصدروا الأحكام عليها.

نعم المقدمة الخامسة: المراحل التي مر بها المذهب الحنبلي. لذلك إخواني الكرام، يعني أنا أظن أنه يعني سامحوني قضية، يعني أنا حتى أريحكم من هذا الموضوع؛ البقاء في النقاش أنه تمذهب ولا ما تمذهب، هذه قضية عفا عليها الزمن. يعني بعض الشباب ما زال يناقش في قضايا مسلّمة، تمام؟ مثل شخص يدخل كلية الطب، بده يأخذ سنة أولى وثانية اللي فيها ترتيب للأفكار والمنهج، لا لا بقول لك: خلاص أنا بدي أروح للسنة السادسة في كلية الطب، شو بتقول له أنت؟ ما بضبط، أنت بدك تدخل على مواد سنة سادسة كلية طب وأنت مش ماخذ مواد السنة الأولى والثانية، مباشرة رح تقول له: علمياً ما بضبط علمياً ومنهجياً، أنت تضيع نفسك وطاقتك. بس أنا إذا هو مقتنع، لا لا بدي أروح على السنة السادسة، خلص الله يسهل عليك، أنا ما راح أظنني أضيع وقتي معك.

نفس الشيء إخواني في هاي الحالة؛ لأنه بعض الشباب يذهب سنتين من عمره ثلاثة وما زال يناقش هذه القضية، يا أخي أنت قربت تموت وأنت ما أنت دارس مذهب، يعني لا درست الفقه ولا استخرجت، خلص شد حيلك وادرس وتعلم، أما تبقى أربع خمس سنوات حتى نقنعه بأهمية المذهب، بعدين يجي شخص يعطي شبهة: آه والله لسه ترددت، معناته أخي الكريم شوف لك شغلة ثانية غير العلم الله يكرمك، يعني لا تتعبنا ولا تعب الحالة العلمية معك، أنت شخص عندك مشاكل في ترتيب دماغك وفي القواعد الصحيحة في التفكير، وإلا أي إنسان يفهم أهمية المذهب والطريقة الصحيحة في تناوله بعيداً عن السلبيات، أنا أعتقد أي إنسان يفهم ذلك يعرف أن الشباب المعاصرين لا يمكنهم أن يسلكوا طريقة الأقدمين، طريقة البخاري وأبو داود وكذا في الاستنباط المباشر، من يعرف طبيعة الشباب المعاصر وضعف القدرات وضعف طلب العلم وضعف الحاجات وضعف الحالة العلمية يعرف أن أي قول خلاف التمذهب هو تدمير لهذا الطالب وإضاعة لوقته وإخراجه تماماً عن السكة الصحيحة في التعلم.

فهذه نصيحة لكم ولكل من يسمعنا: لا تضيع وقتك في سجال انتهى وعفا عليه الزمان، ولا يوجد إنسان الآن منضبط بطرائق أهل العلم يفكر بطريقة أخرى. طيب أكمل المقدمة الخامسة، المراحل التي مر بها المذهب الحنبلي، لا سنبدأ ندخل في المذهب الحنبلي من حيث مراحل تأسيسه، ندخل أكثر وأكثر فيما هو موضوع معهدنا.

نعم، المراحل التي تمر بها المذاهب بشكل عام، ومنها مذهب الحنابلة: أربعة؛ طور التاسيس والنشأة، طور النمو والانتشار، طور التحرير، طور الاستقرار. يعني هذه عادة أطوار نشأة المذاهب عموماً، وبدك تطبقها على مذهبك خصوصاً. نعم قال: وتحديد زمن بداية ونهاية كل مرحلة من المراحل ربما يدخلها شيء من التحكم، لكنها تقديرات تقريبية بشكل عام.

نعم فلما نقول إن طور التأسيس يبدأ سنة كذا وينتهي سنة كذا، يعني هي مش يعني حد فاصل أن العلماء قاسوه بالمسطرة، وإنما هو حد إيش؟ تقريبي؛ يعني هذا الإمام تقريباً تقريباً، ونهاية مرحلة وبداية مرحلة، لكن ليس حدّاً فاصلاً مئة بالمئة. نعم قال: ولا بأس بمرور سريع على ملامح كل مرحلة من هذه المراحل في مذهب الحنابلة.

المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والنشأة؛ يبدأ هذا الطور من إمام المذهب، إمام المذهب أحمد بن حنبل. هذا الطور التاسيس والنشأة للمذهب، هذا الطور الأول، أكيد التأسيس والنشأة تبدأ دائماً في أي مذهب بمن؟ برأس المذهب، إمام المذهب أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله عليه. ويعني عيب عيب أنك الآن بدك تدرس في مذهب أحمد ولا تعرف متى ولد ومتى توفي، يعني هذا لا يقبل أن شخصاً يدرس على مذهب إمام ولا يعرف المعلومات الأساسية عن هذا الإمام.

فالإمام أحمد رحمه الله عليه ولد سنة 164 هجري، وتوفاه الله عز وجل سنة 241 هجري. طبعا أنت الآن التفاصيل الدقيقة أنه 20 ثلاث ما بتهمني كثير، بهمني تعرف الخلاصه: ولد 164 هجري وتوفي 241 هجري، هذه معلومات أساسية. نعم قال: وهو آخر أصحاب المذاهب الأربعة زمناً، لكنه كان أوسعهم رواية وأثراً. نعم هو المتأخر زمناً بالتاكيد، آخرهم، لكنه الأوسع الاطلاع على الرواية والأثار بالتاكيد، بحكم أن المتأخر يكون عنده يعني جمع سعة قبله كثير من المسانيد والأحاديث، فاستطاع أن يطلع على كمية من الآثار والروايات لم يطلع عليها أول الأئمة الأربعة.

وهو من أبي حنيفة بحكم تاخر الزمان، أنت بتحكي أبو حنيفة 150 هجري توفاه الله، أحمد 241، يعني بنحكي تقريباً قرن أو نحكي 90 سنة 91 سنة بين وفاة أبي حنيفة ووفاة أحمد، هذه والله فيها كثير من العلوم جمعت، وكثير من الآثار ظهرت، وكثير من المسائل رتبت، فشيء طبيعي في حركة العلوم والتاريخ أن يكون أحمد بن حنبل هو الأكثر اطلاعاً على الروايات والآثار بعد جمعها من المتقدمين.

نعم قال: وله أعظم ديوان من دواوين السنة في الإسلام، وهو مسند الإمام أحمد، وهو الذي... وهذا أكيد من مزايا الإمام أحمد، أعظم كتاب من كتب السنة في الإسلام من حيث طبعا السعة والضخامة والزخم هو كتاب الإمام أحمد: مسند الإمام أحمد. نقول أعظم دواوين من حيث ماذا؟ لاحظوا الحيثية، مش من حيث الصحة؛ لأننا نعرف بعد القرآن أعظم كتاب من حيث الصحة البخاري ثم مسلم، لكن من حيث الزخم والكم الهائل من الأحاديث يأتي مسند الإمام أحمد بن حنبل كأكبر مدونة إسلامية في السنة النبوية والآثار.

نعم قال: وهو الذي دفعه لابنه عبد الله وقال له: احفظه فانه سيكون للناس إماماً. وقال عنه: جمعته من 750 ألف حديث. احنا عرفنا ما معنى 700 ألف حديث؟ هل الأحاديث أصلاً تصل لهذا الرقم؟ لا، وإنما المراد بالسبعمائة ألف يعني باعتبار الطرق والأسانيد، وإلا الأحاديث النبوية لا تصل بأدنى إلى هذا الكم الهائل.

نعم قال: ولسعة اطلاعه قصده الطلاب من الآفاق متعلمين ومستفيدين، حتى جلس في مجلسه آلاف الطلبة، منهم 500 صاحب محبرة. ولاجل لما تقول 500 صاحب محبرة جالس أمامه يكتبون هو المجلس، إخواني قديماً مثلاً كان يجلس في مجلس أحمد عشرات الآلاف يحضرون المجلس والدرس 10 آلاف طالب، بس الآن هل كلهم طلاب علم بالمعنى الدقيق؟ لا، منهم أخونا الدكنجي اللي خالص شغلة جاي يتبرك بالجلوس مع الإمام أحمد، منهم أخونا عامل وحابب هيك يسمع شيء من الأحاديث والفقه يتعلم أساسيات دينه، منهم موظفين، منهم مجتمع عادي مجتمع طبيعي، ليس كل من يحضر كان متخصصاً بالعلم الشرعي.

فالمتخصص بالعلم الشرعي هذول الـ 500، يعني أصحاب المحابر، هذول المتخصصين اللي جايين يتعلموا ويبنوا، وباقي الآلاف قالوا: كانوا يحضرون مجلس أحمد ليتعلموا من سمته وأدبه. تخيلوا وقار هذا الرجل، طبعا مش بهذه الدقة أكيد برضه تعلموا من فقهه ولكن يقولون: كنا نحضر مجلس أحمد لا غاية لنا في الكتابة، مش طلاب علم، لكننا نحضر لنتعلم من سمته وأدبه؛ كيف يتكلم مع الطلاب، كيف يعظم الله ورسوله، كيف يتحدث، كيف يؤثر، قال هذه السمت والآداب كنا نتعلمها بالنظر إليه.

نعم قال: ولأجل ذلك كثر رواة مذهبه والنقّال لفتاويه، ومن أبرزهم ابنه عبد الله وابنه صالح وأحمد. الآن أبرز نقلة فتاوى الإمام أحمد بن حنبل -طبعاً الذي روى عنه قالوا أكثر من 500، احنا حكينا في 500 محبرة، فعدد الرواة عنه كثر كثر-، لكن من أبرزهم أو الرعيل الأعلى فيهم هم هؤلاء: ابنه عبد الله، عبد الله بن الإمام أحمد وهو عالم مشهور صاحب كتاب السنة في العقائد، أيضاً ابنه صالح، صالح بن الإمام أحمد أيضاً مشهور، وهناك روايات اليوم مطبوعة روايات صالح عن والده، أيضاً الإمام الأثرم، أيضاً أبو بكر المروذي، أيضاً حرب الكرماني وغيرهم والكوس وغيرهم. يعني حتى هنا نحن لم نذكر حتى الأبرز، قصرت حتى في ذكر الأبرز، وإلا فهناك عدد كبير من البارزين غير هؤلاء.

نعم قال: ولم يترك الإمام أحمد كتاباً مصنفاً في الفقه، لكنه ألف 30 كتاباً ورسالة. جميل، الآن بدنا نتفق: هل أحمد بن حنبل له كتاب مجموع في الفقه ألفه هو أو أملاه زي ما أملى للشافعي الأم؟ لا، أحمد ليس له كتاب في الفقه من الطهارة إلى الزكاة إلى الصيام إلى الحج، وإلا طيب كيف جمع فقهه؟ له فتاوى وصلت إلى 30 ألف مجلد جمعت، فوصفت إلى 30 ألف فتاوى ضخمة جداً جداً، كان الناس ينتابون بغداد؛ لأنه هي كانت العاصمه بغداد، وشيء طبيعي العاصمه عاصمه الخلافة الناس والعلماء ووفره كبيره. فالمهم كان له فتاوى ضخمة نشرت وكتبت ووزعت، ثم كما سياتي معنا جاء الخلال هو الذي جمعها ورتبها.

ولكن هل له مؤلفات؟ ماشي، هو ليس له كتاب في الفقه مؤلف في الفقه من أوله إلى آخره، لكن هل له مؤلفات متعدده؟ نعم، فله 30 كتاباً ورسالة ومن اضخمها المسند، وله كتاب الزهد، وله بعض الكتب المتفرقة يميناً وشمالاً في مسائل في العقيدة، بعض المسائل الفقهية الجزئية، بعض المسائل في السلوك والأخلاق وبعض المسائل في الأحاديث، فهي كتب ورسائل قصيرة، لكن ككتاب فقهي كامل ليس له ذلك.

طيب قال: وترك آلاف الروايات في كتب تلاميذه في الفقه والعقيدة والحديث وغيره.

المرحلة الثانية: إذاً المرحلة الأولى مرحلة أحمد وتلاميذه، أصحاب المحابر هؤلاء دونوا كتبوا ما يسر الله عز وجل. المرحلة الثانية هي مرحلة نمو وانتشار هذا المذهب، قال: قام تلاميذ الإمام بنقل فتاويه لمن بعده من الطلبة الذين اهتموا بجمعها وترتيبها، وحاز قصب السبق في ذلك الإمام أحمد بن محمد الخلال، والذي قام بجمع أغلب ما روي عن الإمام أحمد في كتابه الجامع لعلوم أحمد.

الآن سؤال: هل الخلال -هنا حتى الكلام قد يشكل أو يشبه أن الخلال من تلاميذه- هل الخلال أدرك الإمام أحمد بن حنبل؟ الآن هو متى ولد الخلال؟ الإمام أحمد متى توفي؟ احنا قلنا 241، الخلال قال ولد 234 أو 35، بالتالي لما توفي أحمد كم كان عمره؟ 6، 7 سنوات، لذلك البعض يقول ممكن يكون رآه، بس أكيد يعني ما تلمذ على أيديه عمره 6 سنين، فصعب تقول هذا من تلاميذ أحمد. الآن يمكن يكون رآه ممكن، لكن هو بالدقة ليس من تلاميذ الإمام، بل من تلاميذ تلاميذه، وخاصة الخلال لازم المروذي، لازم المروذي سنوات طويلة، والمروذي من أبرز تلاميذ أحمد بن حنبل، فمن ملازمة الخلال للمروذي وثم نقله أيضاً عن التلاميذ الآخرين استطاع هذا الإمام العظيم أن يجمع فقه الإمام أحمد بن حنبل.

حقيقة بعد أحمد بن حنبل في المذهب إذا بدك تحكي مين أسس المذهب؟ الخلال؛ هي معلومة لازم تفهمها؛ لأن الخلال نقل المذهب من كونه فتاوى مبعثرة إلى أنه مذهب حقيقي مجموع، فلا يصح لحنبلي أن يعرف يدرس المذهب وهو لا يعرف...

نعم، قال: والذي قام بجمع أغلب ما روي عن الإمام أحمد في كتابه الجامع لعلوم أحمد، فلعل هذا الكتاب موجود الجامع لعلوم الإمام أحمد، بس ما بيهمك أنت في هذه المرحلة، ما رح تستفيد منه الآن في التعلم كتاب روايات، يعني أنت في النهاية العلماء نقحوا وزادوا وعرفوا كيف يجمعوا، لكن جيد يعني في يوم من الأيام جاك واحد أعطاك إياه هدية خذه تمام، لكن وفر مالك الآن للكتب المتأخرة فهي الأولى لك.

قال: فلفت به الانظار وصار مطلباً للعلماء، ومن هنا بدأ الخلال بعد أن جمع هذا الكتاب هو الذي جلس في مساجد بغداد يدرس هذا الكتاب وفقه أحمد، فلذلك نقول: الخلال حول مسائل أحمد لمذهب، يعني إذا نريد أن نعزل فضلاً بعد الله سبحانه وتعالى هو حوله إلى أنه مذهب وإلا كان أبو مذاهب مذهب أبو حنيفة كان هو المنتشر مذهب مالك الشافعي، اللي أطر وجسم المذهب هو الخلال.

نعم، قال: ومن هنا بدا ظهور الانتساب لفقه الإمام أحمد وبدا ظهور العلماء الأفاضل الذين ينتسبون لطريقته في التفقه، من الخلال بدأ يسمى الحنابله، يعني متى بدأ يسمى شي اسمه الحنابله؟ من عند الخلال، هذا كان له الفضل في ظهور هذه النسبة.

نعم، قال: وبدأت أصول المذهب وخططه العريضة تظهر بشكل واضح جميل. مر هذا الطور حتى وفاه الحسن بن حامد سنة 403، طيب إذا مرحلة النمو والانتشار نستطيع نقول تنتهي بوفاه من؟ ابن حامد 403، وهو يعني أول كتاب أصولي في المذهب وجد أو وجدناه كان لابن حامد تهذيب الأجوبة تمام.

أول كتاب طبعا هو لما تقول كتاب أصولي لا تفكر أن على طريقة المتأخرين لا، وهذا الكتاب فسر فيه كثير من ألفاظ أحمد وطرقه في الفتوى وعباراته، إذا قال أحمد: أعجبني، ماذا يقصد؟ وإذا قال: لا ينبغي، ماذا يقصد؟ فهو يعني مشروع كتاب أصولي نسميه مشروع كتاب أصولي، فهو من بدايات الكتابات الأصولية.

والحسن بن حامد كما سياتي معنا بعد قليل هو يعتبر نهاية المتقدمين من الحنابلة، المتقدمون من الحنابلة يدخلون تحت الطور الأول والثاني؛ طور التأسيس وطور النمو والانتشار، هؤلاء يسمون المتقدمون يبتدئون من أحمد بن حنبل وينتهون بالحسن بن حامد، هذا تاريخ مهم؛ الحسن بن حامد 403.

طبعا هذا هو المشهور، هناك آراء أخرى في تقسيم طبقات الحنابلة، لكن هذا هو المشهور الذي عليه الآن العمل، أن الطبقة الأولى ما يسمى طبقة المتقدمين تنتهي بهذه الشخصية الحسن بن حامد 403 هجري.

نعم، قال: ويعتبر هذا الطور والذي قبله ممثلاً لطبقة المتقدمين من علماء المذهب والتي تمتد من موت الإمام أحمد سنة 241 إلى وفاه الحسن بن حامد سنة 403 كما قلنا قبل قليل.

طيب، نجي الآن مرحلة تحرير المذهب، الآن أي عملية نمو لأي فكرة حتى الأفكار المعاصرة والتحيرات الفكرية المعاصرة أو المرحلة الأولى؛ مرحلة التأسيس، بعدين بتيجي مرحلة الجمع، بعدين تبدأ مرحلة التحرير والتنقيح والتقييد المطلق وتخصيص العام وربط المسائل ومعرفة الأصح من الضعيف من الأصح من الصواب، هكذا وهكذا طبيعة نمو المذاهب عبر التاريخ، فأكيد مذهب أحمد تعرض لهذه المرحلة وهذا اللي يجعلك أو يجعل هذا المذهب يكتسب ثقة، أي مذهب حتى يكتسب ثقة لازم يكون مر بفتره تحرير وإلا ما رح تعرف ما هو الصحيح وما هو الضعيف، ما هو الثابت عن الإمام، ما هو غير الثابت، يعني حتى الروايات عن الإمام بعض الروايات تنقل عنه لكنها مش صحيحة، بعض الروايات قد يكون فهم خاطئ من أحد طلاب أحمد، بتصير ولا ما بتصير؟ لذلك حنبل بتعرفوا حنبل كثير ما يخطئ في تفردات في الرواية.

قالوا: أخطأ حنبل في النقل عن الإمام، طيب كيف يعرفوا أن حنبل في هذه الرواية عن الإمام أخطأ؟ لما يشوفوا باقي التلاميذ نقلوها بصيغة وحنبل هو الوحيد اللي نقلها بصيغة، بيعرف أنه في مشكله في رواية هذا الشخص، فيرجح رواية أكثر تلاميذه وهذه عملية مضنية؛ تتبع الروايات ومعرفة المتعارض ومحاوله الجمع وأيهما، وإذا ما أمكن الجمع طب مين الصح مين الخطأ؟ طيب إيش المتقدم إيش المتأخر يعني عفواً كيف يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة بالجمع والنسخ والترجيح والتوقف، يتعامل هكذا مع نصوص الإمام، يحاول يجمع بين فتاويه المتعارضة فإن لم يمكن نحاول نعرف ما هو المتأخر من فتاويه تعتبر ناسخة لمتقدم فتاويه، فإن لم يمكن ذلك نحاول نرجح، اه والله حنبل هنا تفرد الباقي لم يقل ذلك، إذاً اه ممكن حنبل هو اللي أخطأ، وهكذا.

وهذه تسمى مرحلة التحرير، والله ما استطعنا ممكن نتوقف نقول: والله لم يظهر لنا القول الفصل للإمام في هذه المسالة، فالتحرير مرحلة مهمة جداً وهي التي تجعل المذهب يكتسب ثقة، هذه المرحلة ما تعرضت لها المذاهب المندرسة؛ جمع نسخ ترجيح توقع وهكذا.

نعم، وتخريج الأحكام للمسائل التي لم ينص عليها الإمام، فظهر في هذا العصر مجموعة من أهم وأبرز علماء المذهب وعلى رأسهم القاضي أبو يعلى الفراء، أبو يعلى الفراء، أبو يعلى الفراء شيخ المتوسطين، بدك تحفظ هذا الاسم لأنه نقطة فاصله أيضاً في المذهب، يعني كيف الخلال هو منشئ المذهب بالمعنى الحقيقي العلمي؟ أبو يعلى هو شيخ المتوسطين وكل من جاء في هذه المرحلة إما من تلاميذه أو من تلاميذ تلاميذه، كل من جاء في هذه المرحلة إما من تلاميذه أو من تلاميذ تلاميذه.

لذلك حتى شيخ الإسلام كان كثيراً ما يعتني بكتب أبي يعلى، أنه هو خلينا نسميه العقل المدبر والعقلية المفكرة اللي استطاع أن يطور المذهب ويحلله وينتصر له بالادله والنقاشات وينصره على المذاهب الأخرى في كتبه ورسائله، فلذلك كانوا يحرصون في زمنه أن يتعلموا منه وياتون إلى بغداد من أجل أبي يعلى بالتحديد، فأبو يعلى أيضاً نقطة فاصلة في مذهب أحمد بن حنبل.

نعم، قال: وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وابن قدامة، المق... أبو الخطاب، أبو الوفاء، كلهم هؤلاء يعتبروا تلاميذ لأبي يعلى.

نعم، قال: وابن قدامة المقدسي وله أربعة كتب مهمة عليها مدار المذهب، ابن قدامة، يعني أنا الآن بحاول أركز على الأسماء الأساسية؛ أحمد بن حنبل، الخلال، أبو يعلى.

الآن لما بعد أبو يعلى من الشخصية المحورية في المذهب؟ ابن قدامة الذي يسمى الشيخ، إذا لقب عند الحنابلة بالشيخ فالشيخ هو ابن قدامة، طبعا إلا ابن مفلح في الفروع إذا قال الشيخ يقصد ابن تيمية، لكن الأصل إذا قال الحنابلة وقال الشيخ هذه يسمونها مصطلحات لازم تعرفها إذا بدك تصير حنبلي وأنت بكره بتنظر في كتب الحنابلة اللي بعد ابن قدامة فتجد قال الشيخ قال الشيخ، بتقول مين هذا الشيخ؟ الشيخ هو إذا أطلق عند الحنابلة الشيخ فالاصل أنه ابن قدامه، وإذا قيل الشيخان مين يعرف؟ اه إذا قيل الشيخان فابن قدامة والمجد ابن تيمية وهو جد شيخ الإسلام.

إذاً الشيخ ابن قدامة، وإذا قيل الشيخان فهما ابن قدامة زائد المجد ابن تيمية، وهذان الشخصان؛ ابن قدامة والمجد ابن تيمية عليهما بنى المرداوي بيان الراجح من المذهب، يعني بيان الراجح من المذهب أساسه عند المرداوي كما سياتي معنا أساسه الشيخان ابن قدامة والمجد؛ لأنه بعد أبي يعلى أكثر من حرر المذهب ونقح ابن قدامة المقدسي، ابن قدامة له أربعة مؤلفات أو أربعة مؤلفات من الصغير إلى الكبير دعونا نراه.

نعم، قال: الأول العمدة على قول واحد في المذهب، عمدة الفقه؛ لأنه له كتاب آخر أيضاً تحت اسم العمدة، بس خلينا نركز الآن على عمدة الفقه، أول كتاب كتبه أو من أوائل الكتب اللي كتبها كتاب العمدة، وهذا الكتاب على أيش؟ على قول واحد في المذهب لا يذكر فيه الروايات الأخرى عن الإمام؛ لأنه كما هو معلوم كثير من مسائل الإمام أحمد بن حنبل تجدون فيها أكثر من رواية عن الإمام والعلماء دائماً يقولون: طالب العلم إذا أراد أن يتعلم في المرحلة الأولى لا يجوز له أن يأخذ أكثر من رأي في المسالة.

ليه؟ شو رايكم ليش خطا تتعلم عند شيخ بيعطيك أكثر من رأي في المسالة من البدايه؟ التشتت، وهذا ذكره حتى الغزالي في إحياء علوم الدين قال: واحذر أن تدرس عند معلم يخلط عليك يعني يذكر لك أكثر من قول في المسالة ليه؟ لأنه هذا يضعف ذهنك ويجعلك تفقد تصور المسائل، احنا الآن في مرحلة تصور المسائل فخلينا على قول واحد بعدين بعرف الاقوال الاخرى وبناقشها وبعرف ادلتها هذا مرحله ثانيه.

فإذاً ابن قدامة عبارة عن مدرسة تعليمية، ألف أول كتاب على قول واحد؛ عمده الفقه.

اثنين: المقنع على قولين في المذهب، بعدين ألف لنا الكتاب الثاني المقنع، الآن هذا المقنع حط تحتيه دائرة لأنه حقيقة جل كتب الحنابلة بعد المقنع هي تعتمد على المقنع، المقنع كتاب أساسي جداً جداً، ولذلك ما جاء بعد ابن قدامة كثير من كتب الحنابلة إما اختصار للمقنع أو شرح للمقنع أو تعليقات عليه أو تهذيب أو ما شابه ذلك، فجل ما فعله الحنابلة العكوف على هذا الكتاب بالتحديد من حيث تصحيح ما هو القول الراجح، اختصار، شرح، تعليق، وهكذا.

طيب، لذلك مثلاً زاد المستقنع في اختصار، إيش مش هيك اسمه؟ اختصار المقنع للإمام ابن قدامة، هذا الكتاب على كم رواية بنى؟ على قولين فقط، بناه على قول يعني المسالة الفقهية إذا للإمام أحمد فيها قولين بذكر قولين، طيب له فيها ثلاث أربع خمس أقوال ما بذكرهم، بذكر أهم قولين له في المسالة حتى يعلم الطالب التدرج في البناء العلمي.

ثم الكافي يجمع الاقوال التي قيلت في المسالة على المذهب، بعدين ألف كتاب الكافي، كتاب الكافي، اه هنا جمع كل أقوال أحمد في المسالة سواء كان له قولين فيها ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، في الكافي قال هذا الطالب بده يقرا الكافي هذا وصل للخطوة الثالثة في التعلم، إذاً هو قادر الآن أن يقرا كل روايات وأقوال أحمد في المسالة.

ثم بعد ذلك -طبعا لسه مرحلة ابن قدامة لم يستقر فيها معتمد الفتوى، كان في محاولات بس لسه معتمد الفتوى سياتي معنا في مرحله المتأخرين هي مرحلة جمع للأقوال جمع لروايات الإمام أحمد وترتيب أكثر من ترتيب الخلال- أخيراً جاء المغني، بتعرف كثير المغني هو أشهر كتب الإمام ابن قدامة المقدسي وهذا سموه دخل فيه في الخلاف العالي أو ما يسمى اليوم في الجامعات الفقه المقارن، وهو أن يققارن بين قول الحنابلة وقول المذاهب الأخرى من الشافعية والمالكية والحنفية، بل حتى المذاهب المندرسة يذكرها وينصر قول المذهب بالادله والبراهين والقواعد، فالمغني كتاب فقه مقارن استوعب كل هذه التفصيلات.

وقلت لكم مرة: دخل علينا دكتور الله يكرمه وبدا فينا أنه بدي إياكم تلخص جزء الطهاره والصلاة من كتاب المغني، أنا بحكي يعني أنت ابن قدامة الله يرحمه بلش مع الطلاب بالعمده ثم بالمقنع ثم بالكافي ثم بالمغني، أنت طلاب سنة أولى بلشت معهم بالمغني، هذا يدل على فساد منهجية التعليم، طلاب سنة أولى مش ضابطين أساسيات الطهارة تبدأ معهم بالمغني! هذا خلل كبير في التعليم يدل على عقلية غير منظمة وغير مرتبة في المدرس مباشرة، لأنه الأئمه لهم طرق في تعليم الناس، التعليم مهاره إخواني وطرق بناء الفكرة في الطالب مش عملية سهلة ومش عملية فوضوية، هي عملية تدرج وإلا سيفقد الطالب حبه للتعلم وزخمه للتعلم لما يفتح المغني ويلاقي ست سبع أقوال في المسالة وهو لساته مش عارف أركان الوضوء! بقول لك: أنا يا شيخ والله ما أنا عارف أركان الوضوء لسه بغلط فيها هي ستة ولا خمسة ولا أربعة؟ والشيخ بدو إياني أعرف في كل مسألة ست سبع أقوال وأبلش ألخص أدلة كذا وارجح وأحياناً وأبين رأيي؟ هذا إخواني كله ضعف وضياع للحالة العلمية، وهذا ما يفسر كثير من المخرجات الرديئة للجامعات.

المهم، إذاً المغني إخواني هذا لا تقرا فيه أنت الآن ماشي ممكن مسألة بحثية طلبها منك الدكتور والله بدي أشوف شو أدلة الحنابلة في مسألة برجع للمغني فقط من باب الاطلاع على أدلة، ماشي يعقل، لكن أنه تبدا تتثقف فيه وتدرس من خلاله فأنت تضيع وقتك وعمرك.

كتاب المغني كتاب عظيم جداً، العز بن عبد السلام الشافعي قال: ما طابت لي الفتيا حتى حصلت كتاب المغني لابن قدامة المقدسي، هذا العز بن عبد السلام الشافعي يقول: ما طابت لي الفتيا حتى قرات المغني أو حصلت المغني لابن قدامة المقدسي، هذا يدلن على أن الكتاب مهم، وحقيقة المغني من أجود أجود كتب الفقه المقارن التي كتبت في التاريخ، مش فقط عند الحنابلة، في التاريخ من أجود كتب الفقه المقارن ترتيباً وتنسيقاً ونقلاً للأدلة ومناقشة وقواعد وفهم المغني، وهذا بشهادة حتى المذاهب الأخرى.

نعم، قال: ويستمر هذا الدور حتى وفاه الإمام برهان الدين بن مفلح سنة 884، إذا هذا الدور؛ التحرير للمذهب تحرير الروايات والأقوال وهذا يستمر، إذا هو متى بدأ؟ من وفاه الحسن بن حامد ومتى ينتهي؟ بوفاه برهان الدين، برهان الدين صاحب هذا الكتاب؛ صاحب كتاب المبدع شرح المقنع، كتاب المبدع شرح المقنع لبرهان الدين ابن مفلح، طبعا في اثنين ابن مفلح في المذهب؛ في ابن مفلح صاحب كتاب الفروع وفي ابن مفلح صاحب كتاب المبدع، ولاحظوا المبدع على ايش رجعنا؟ قلت لكم كل أو بدي أقول كل هو مش صحيح، أغلب كت... أشغال الحنابلة بعد المقنع لابن قدامة على المقنع، أكثر أشغال الحنابلة بعد ابن قدامة على كتاب المقنع لابن قدامة والمحريات الثانية فصاحبها.

برهان الدين يعتبر نهاية مرحلة المتوسطين أو أسميها كذلك مرحلة تحرير المذهب في 884 هجري. وتمثل هذه المرحلة طبقة المتوسطين في المذهب من سنة 403 إلى سنة 884. إذا واحد سألك اليوم أنت طالع طبقة المتوسطين من الحنابلة من إلى شو بتقول له؟ من 403 إلى 884، يعني من الحسن بن حامد بوفاته بدات، وتنتهي بوفاة برهان الدين ابن مفلح. هذه معلومات أساسية إخواني في المذهب، يعني المذهب مش فقط تدرس كتاب ومسائل، المذهب برضه معارف لازم تكون أنت محيط بها حول مذهبك، أسماء الشيوخ، أسماء الأعلام، أبرز الكتب، التاريخ الذي مر به، هذه كلها معلومات مهمة ولا يقبل يتمذهب بدونها.

المرحلة الرابعة: مرحلة الاستقرار. الاستقرار يعني المرحلة التي ظهر فيها المعتمد في الفتيا عند الحنابلة. مش دائما أقول لك شو المعتمد عندكم في المذهب؟ ايش المعتمد عند الشافعية؟ شو المعتمد عند الحنفية؟ مرحلة الاستقرار هي المرحلة التي ظهر فيها ما يسمى بمصطلح المعتمد في الفتوى، لأنه الإمام أحمد وحتى أصحاب الوجوه يذكرون في المسألة ثلاث أربع أقوال. طب ما بدي نفتي الناس؟ أنا بدي أصير قاضي على مذهب الحنابلة، بايش بدي أفتي؟ بأي قول من أقوال الإمام في المسألة؟ فلاحظوا أن هناك مشكلة وهذه مرت بها كل المذاهب، أنه كثير من القضاة والمفتين أصبحوا يعانون من مشكلة تعدد الاقوال في المسألة الواحدة، وأكثرهم لم يصل إلى مرتبة الترجيح، فكيف سنعين أصحاب الفتوى والقضاء في القرن التاسع والعاشر وما بعد ذلك على الفتوى بالمذهب حتى يعيش المذهب؟ لابد من بيان المعتمد فيه، فهذه مرحلة مهمة، ما هو الأعلى في الفتوى عندنا أو المقدم؟ فنشات هذه المرحلة.

بدأت هذه المرحلة تسمى مرحلة المتأخرين من الحنابلة، وبدات بعلاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى عليه، شيخ المتاخرين. المرداوي أيضا من الأسماء التي لا يجوز أن تغيب عن ذهنك في طلبك لمذهب الحنابلة 885، لا يغيب لا باسمه ولا بوقت وفاته. يبدأ هذا الطور تقريبا بالشيخ علاء الدين المرداوي سنة 885 الذي يلقب بمحقق المذهب، هذا لقبه محقق المذهب. ليه؟ لأنه هو الذي رسم المنهجية في المعتمد من المذهب، لأنه أنت بدك تسألني كيف توصل الحنابلة إلى المعتمد؟ مش هذا السؤال الذي يخطر في ذهن الكثيرين؟ ما دام الإمام في عنده ست سبع روايات في بعض المسائل، كيف عرفتم أن هذه هي الفتوى المعتمد عليها؟ فلا بد من وضع منهجية الآن.

قبل علاء الدين المرداوي حاول البعض أن يضعوا منهجيات، لكن سبحان الله لم يكتب لها النجاح، والذي وضع المنهجية التي كتب لها النجاح وسار عليها الحنابلة إلى اليوم هو علاء الدين المرداوي. وعلى يديه بدأت أقوال المذهب المعتمدة تستقر وتظهر نتيجة الجهود الكبيرة التي بذلها الإمام في التنقية والتصفية لأقوال المتقدمين والمتوسطين من علماء المذهب، ووضع منهجا واضحا لاختيار القول الراجح الذي عليه الاعتماد في الفتوى.

هذا الأمر نبهنا إخواني أهمية التخصصية في مرحلة معينة متأخرة من حياتك. المرداوي ربما لا تعرفونه في التفسير، وقد لا نعرفه في علم العقائد ولا في علم اللغة، إذا أنت في علم التفسير عادة لا يستحضر اسمه أو في علم العقيدة أو اللغة، لكن أين يستحضر اسمه؟ عند الحنابلة في بيان المعتمد. الرجل غاص في حياته غوصة فقط، قال لك أنا حتى ينجح المذهب بدي أأتخصص فيه وحده، فعاش حياته من أجل مذهبه، فأصبح اسما ليس شرطا أن تكون إمام في كل العلوم، ومش رح تكون أنت أفضل من المرداوي وغيرهم إلا أن يشاء الله. فبدي اياك تفهم هذه الطريقة، أنه الإنسان إذا أراد أن يقدم أثرا طيبا ممييزا بدك تتخصص النهاية في وجهة معينة حتى يعمق أثرك، أما الذي يبقى تائها بين العلوم يبقى على السطح.

المرداوي حقق هذا اللقب وهو محقق المذهب لما عاش من أجل تنقيح المذهب، خلص بيقول لك كل العلوم الأخرى أنا فهمتها وشاركت فيها بس مش تخصصي، تخصصي هنا، عبر نفسه أنه مبدع في هذا المكان، قدم فيه، بذل فيه، اجتهد فيه، فاستحق الجدارة وأن يصبح إماما في مذهب إمام. فهذه قضية مهمة حتى في حياتك العلمية، ليس شرطا أن تكون إماما في كل العلوم، مش شرط تكون بهذا هو الوضع الطبيعي أصلا، غلط، غلط أن تقتنع أنه ممكن أكون إمام في التفسير، إمام في العقيدة، إمام في كذا.

رح تقول لي طيب يا شيخ هذا ورد، يعني زي ابن تيمية كان؟ يا اخي أنت تضلك تقيس على النماذج النادرة؟ نحن لما نخاطب الناس يجب أن نخاطبهم على المتوسط. تقول لي ابن تيمية في نماذج نادرة، إذا أنت من النادر النادر لحالك رح تكتشف ذاتك، بس إذا ظل كل واحد يفكر حاله أنه هو رح يكون النادر ما راح تصير شيء، خليك واقعي في طموحاتك، واقعي في دراستك للعلم حتى تغادر الدنيا وأنت قدمت أثرا معرفيا لأمتك. ركز في جانب من الجوانب المعرفية الشرعية وأبدع فيه، طبعا بعد مشاركتك واطلاعك على الجوانب الأخرى.

أخيرا، ويستمر هذا الطور حتى زمننا الحاضر، وقد ظهرت في هذا الدوري أهم المتون التي تقوم عليها دراسة المذهب في الوقت الحاضر. الآن كل الكتب التي نحن رح ندرسها في معهد ملكي أو غيرها كدراسة هي كلها من طور المتاخرين، لأنه التاسيس المذهبي والتعلم يكون على الكتب التي تعلمك المعتمد في الفتوى وعلى قول واحد. أما قضية أنك تبدأ تدرس الروايتين والثلاث والأكثر هذا لا تحتاج فيه إلينا، وإنما خلاص أنت إذا أصبحت متقنا لمذهب الحنابلة حلق وحدك. فكل المعاهد اليوم المعاصرة أو التدريس هو يعتمد على ماذا؟ أن يععلمك القول الواحد في مذهبك وما هو دليله، يمكن الإشارة في بعض المراحل الدراسية لأقوال أخرى، لكن نحن في معهد ملكي وكل المعاهد التي تدرس الوقت المعاصر الهدف هو في التعليم التاسيس على القول الواحد، ثم معرفة دليله وفكرة المذهب وأصولها وقواعدها، قضية أنك تتبع في الروايات وتعرفها هذا يصير جهدك الشخصي واطلاعك في مراحل متقدمة.

أبرز الكتب التي ظهرت: أخصر المختصرات لابن بلبان الدمشقي، وفي هذه الفترة هو 1083 توفي ابن بلبان، ودليل الطالب لنيل المطالب للشيخ مرعي الكرمي، وزاد المستقنع للشيخ موسى الحجاوي، ومنتهى الإيرادات للفتوحي المصري، وبدايه العابد الذي أيضا ندرس فيه، كل هؤلاء يعتبروا متاخرين جاؤوا بعد المرداوي ويسيرون على طريقته في التنقيح.

وهذا الدور يمثل طبقة المتاخرين من علماء المذهب والذي يبدأ من عام 885 سنة وفاة المرداوي رحمه الله ويستمر إلى الوقت الحاضر، فالمتاخرون إلى يومنا، البعض ممكن يضيف فترة المعاصرين فيدخل آخر 100 سنة بقول لك هذول مش متاخري الحنابلة، هذول المعاصرون من الحنابلة، مش مشكلة يعني الأمور سهله إن شاء الله بس نحن بنسميه متاخرين حتى نخفف التقسيمات.

خلال هذه المراحل الأربعة التي أسلَفنا الحديث عنها كان مذهب أحمد بن حنبل ينتشر في الأمصار الإسلامية، فبدأ مذهبه بالظهور في بغداد أولا لوجود الإمام أحمد في أول ظهور لمذهب أحمد أين كان كمذهب؟ في بغداد، ليه؟ مين يتذكر لي بناء على كلام حكيته؟ أحسنت، لأنه الخلال بدأ في جامع الهداية، قالوا في بغداد إذا ما خانتني الذاكرة مسجد الهداية كان جامع كبير وفيه تعقد الدروس، هو عمل حلقة لمذهب أحمد في بغداد وفي هذا المسجد، فأول ظهور لنا كان في بغداد الحمد لله، ثم انتشر في البصرة وغيرها من مدن العراق، بدأ ينتشر رويدا رويدا في البصرة ومدن العراق.

وفي القرن السابع الهجري ظهر في مصر، ظهر في القرن السابع الهجري أيضا وجود للحنابلة في مصر، ثم المرحلة الأخيرة لاستقرار الحنابلة كانت في الشام، فالحنابلة وجودهم في الشام -طبعا نخص الشام: الأردن، فلسطين، سوريا ولبنان- هذا هو الوجود الحقيقي للحنابلة. ابن قدامه المقدسي وكل جماعتهم هذول من نابلس، ابن قدامه المقدسي، عبد الغني المقدسي اللي أخذنا الاقتصاد في الاعتقاد له، هذول كلهم حنابلة، هؤلاء كلهم من نابلس وذهبوا إلى دمشق، وفي دمشق صارت المدرسة الصالحية وهي أبرز المدارس التي نشرت مذهب الحنابلة في الشام، فالحنابلة حتى ابن تيمية والحراني وهم كلهم شاميون، أليس كذلك؟ فالوجود التاريخي لنا هو في الشام، ولذلك سيعود إلى الشام إن شاء الله تمام.

لكن وجوده في بلاد الحرمين هو وجود كما قلنا قدري بعد ظهور الحركة النجدية وتبنيها لعقيدة الإمام أحمد بن حنبل، ثم بعد ذلك بدأت تنتشر كتب الإمام أحمد بن حنبل في الجزيرة بعد ذلك، طبعا أي مذهب تتبناه دولة ينتشر فيها هو شيء طبيعي عبر التاريخ، أي مذهب تبنته دولة زي المذهب الحنفي تبنته الدولة العثمانية فأصبح متطورا بشكل هائل، فحقيقي تبني الدول للمذاهب يساعد في تطويرها، تطوير مصورات، منشوراتها، لذلك مذهب الحنابلة اليوم أقوى الكتب تحقيقا تحقيقا وطباعة هي كتب الحنابلة، ليه؟ لأنه ختم ضمن دولة معينة، وهذا الواقع أكثر كتب معاصرة جوده من حيث أوراق الطبع ومن حيث كميات التحقيق هي كتب الحنابلة، طبعا جهود إخواننا الشافعية والمالكية والحنفية قائمة، بس سبحان الله مع أن الحنفية أكثر انتشارا وأكثر كتبا كموسوعات وعلم وكذا، لكن الحنابلة اليوم هم أكثر تحقيقا وجودة في الإخراج وحسن الطباعة، ليه؟ تبني الدول، هي هكذا العلوم الاجتماع إذا تبنى نظام معين لمذهب يصبح فيه اهتمام وحركة في هذا المذهب وحركة علمية تنشا فيه، فهذا الذي جعله وإلا فهو أصله كما قلنا في بغداد وكانت نهايته في الشام.

لم يكن انتشار مذهب أحمد بن حنبل يضاهي انتشار المذاهب الأخرى في الواقع لقله اشتغال أصحاب المذهب وأعلامه بالقضاء وتولي المناصب، جيد هذا سؤال قد يساله كثير من الناس خاصة اللي عاني من ضعف أمام المذاهب الأخرى، بقول لك يا شيخ دائما من المذاهب الأخرى بتقول إنه مذهب أحمد أصلا مش مذهب كبير، مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك هم الكبار، يعني مذهب أحمد كلهم كم شخص عبر التاريخ وأنتم كلكم كم كتاب، لماذا الاعتناء بمذهب أحمد؟

فهنا سؤال حقيقة محتاج لدراسة، لماذا عبر التاريخ الحنابلة كانوا الأقل عددا؟ للفكره التي ذكرتها قبل شوي، وهي ماذا؟ أن الحنابلة عبر التاريخ كانوا الأبعد عن القضاء والفتيا والورع عن هذه المناصب، فلم يستطيعوا الاقتراب من دوائر الحكم، هم أنفسهم رفضوا الاقتراب من دوائر الحكم عبر الدولة الأموية والعباسية والمماليك والعثمانية وكل هذه الدول المفرقة والزنك، لم يكن عندهم اقتراب من دوائر الحكم فلم تتبنى الدولة الإسلامية مذهبهم، وبالتالي شيء طبيعي أي مذهب لا تتبناه الدولة، حجم ما في قضاء ما في مؤسسات ترعى سيضعف من حيث الانتشار والقوة.

كانوا موجودين في كل الأزمنة والأحايين لكن ابتعدوا عن القضاء، مين اللي رصد هذه الظاهرة؟ أبو الوفاء ابن عقيل، أحد -ذكرنا قبل قليل في طبقة المتوسطين- أحد كبار علماء المذهب، رصد هذه الظاهرة وأراد أن يبرر لماذا الحنابلة هم الأقل عددا في التاريخ القديم. قال: هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، شوف ابن عقيل شو بيحكي، هذا المذهب اللي ظلموه أصحابه، الحنابلة هم ظلموا مذهبهم. ليش أنتم ظلمتم مذهبكم؟ قال: لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع أحدهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات، فكانت الولاية سببا لتدريسه واشتغاله بالعلم. هكذا هي الدنيا، الشافعية، الحنفية إذا أتقن أحدهم مذهبه مباشرة ينافس عند الحكم أنه اعطيني قضاء، اعطيني ولاية، اعطيني مسجد أدرس فيه، طلبة من الولاية والقضاء ساعد بماذا؟ بانتشار المذهب وتدريسه.

قال: فأما أصحاب أحمد فإنه قل فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والزهد لغلبة الخير على القوم. قال لك حنابله حبايب، كل واحد بصير إمام عندهم في المذهب بيترك الدنيا وينقطع وبزهد وبقعد لي ببيته، قال: يعني هكذا أنتم ظلمتم مذهبكم، يعني قل أحد فيهم يبرز إلا وانقطع عن الدنيا لغلبة الخير على الجماعة. شو يعني غلبة الخير؟ هم يقولوا كثير من الحنفية والشافعية -طبعا كل المذاهب فيها خير بس فيما يقوله الغزالي حتى وغيره- كانوا يحبون القضاء، يعني كان في حب للدنيا عند بعضهم، حب للدنيا أنه يصير قاضي، يصير مفتي، يصير عنده حظوة عند السلطان، كان هذا موجود عند بعض علماء الشافعية والحنفية والتزلف من السلطان. كان منهج الحنابلة لا، كانوا جماعة طيبين وقاعدتهم العامة زي ما بيحكي ابن الجوزي في صيد الخاطر: ابتعد عن السلطان وتزهد وانقطع عن مجالس السلاطين، فهذا معنى لغلبة الخير، يعني يا جماعه حبايب طيبين ما بدهم مشاكل ولا بدهم ينافسوا على مناصب وزارية ومناصب إفتاء.

هذه الحالة بالتاكيد كان لها آثار سلبية عن انتشار المذهب، يعني أنتم طيبين حبايب شيء بس قضية أن المذهب بهذه الطريقة عمره ما راح ينتشر بشكل أقوى من المذاهب، هذا شيء طبيعي، فهذه فكرة مهم نفهمها، أن عدم انتشار المذهب بقوة انتشار الحنفي والشافعي هذا لا يعود إلى طبيعة المسائل أبدا ولا يعود إلى طبيعة الأدلة أبدا، بل مذهب الحنابلة الأقوى أدلة، أو الأكثر -بديش أقول الأقوى حتى ما حدا يمسكها علي- من أكثر النظر في الأدلة والآثار ومعرفة بها، ثانيا من أكثر المذاهب نظرا في المصلحة المرسلة والتعايش مع الواقع لذلك.

الزركشي في البحر المحيط عندما تكلم عن المذاهب التي تنظر في المصالح عند قراءتها للنص وتبتعد في النظر الفقهي، قال: المالكية ثم الحنابلة، يعني قدم الحنابلة حتى على الشافعية في قوة النظر المصلحي في الواقع فالمذهب.

ثم المذهب الحنبلي أيضاً هناك فكرة مغلوطة عنه، وهو أنه مذهب أصعب شيء من المذاهب، والعادة احنا في بلادنا بقول لك: لا تحملها يا شيخ. طيب شو يعني لا تحملها؟ خلص صار عرف دارج، لا تحملها يعني إشارة إلى أن المذهب الحنبلي عقد الأمور، لكن حقيقةً بواقع التجربة والدراسة والتعليم أن المذهب الحنبلي من أيسر المذاهب ومن أكثرهم واقعية وانسجاماً مع الناس.

وهذا ناشئ من ماذا؟ من كثرة اطلاعه على النصوص والآثار، لأن النصوص والآثار واقعية، وبالتالي أحمد بن حنبل جمع بين النص والأثر وبين المصلحة والعقل، فخرج مذهبه واقعياً عملياً في جل المسائل، وهذا الشيء اتحداكم بعد مرور شوط في هذه الدراسة ستعرف أن مذهب الحنابلة من أسهل المذاهب وأيسرها على الأمة، وأن كثيراً من المسائل التي يعتمدها الناس اليوم في حياتهم بيعرفوش أن الحنابلة فقط هم من أجازها وبس، يعني ماشيين عليها.

سواء في مسائل الطلاق؛ بتعرفوا لولا بعض فتاوى ابن تيمية في الطلاق لكان نص ثلاثة أرباع أهل الأردن مطلقين من زمان، لولا اعتماد هيئة الإفتاء عندنا في البلد لبعض أوجه اختيارات ابن تيمية في الطلاق، لكان أنا بقارن ثلاثة أرباع الشعب الأردني مطلق من زمان؛ لأنه كل واحد حكى: إذا طلعت من الدار أنت طالق، هذا على المذاهب كلها يعتبر طلاق، إذا طلعت! وكم من الشعب يتكلم في هذه الأمور؟ إذا طلعت أنت طالق، وإذا أكلت أنت طالق، وإذا شربت، وإذا زعلتوها، ماهو كل الشعب كلي تلفوني أصلاً شغال أنا غير هيك أحلو هل القضايا تمام.

الفتوى تأخذ برأي ابن تيمية أن مثل هذا لا يعتبر طلاق، يعتبر كفارة يمين. ولو أنهم لم يعتمدوا بعض أوجه تخريجات الحنابلة لأكثر الشعب كان عنده مشكلة في مسائل الطلاق ولا كانت العلاقات محرمة، وقص على ذلك مثلاً المسح على الجورب؛ المذهب الوحيد الذي يبيح المسح على الجوارب الحنابلة، وإلا كل المذاهب الأخرى لابد يكون خفاً من الجلد، لازم يكون خفاً من الجلد هذه كل المذاهب إلا الحنابلة أجازوا الجورب، طبعا وبشروط حتى نكون دقيقين؛ لأنه الحنابلة ما أجازوا المسح على أي جورب بمواصفات عالية، بل أغلب الجوارب اليوم لا تتحقق فيها.

المهم أن أصحح النظرة؛ أن كثيراً من الناس يعتقد أن المذهب هو الأصعب، لكن حقيقة -طبعاً بدك تفهم شيء- الذي يتمذهب يبتليه سبحانه وتعالى بماذا؟ أنه بتيجي مسائل صعبة وبتيجي مسائل سهلة، حتى ربنا يختبر إيمانك، هو أنت عم تتبع الأسهل ولا بتتبع المذهب؟ أنه بعض الناس بيجي بدرس معنا، بحضر معي أول درس درسين، طيب في مسألة طلعت صعبة عند الحنابلة: لا لا لا، بدي أصير حنبلي، بدي أصير شافعي، بروح على معهد ثاني بدرس شافعي شوي شوي، إيه طب في مسألة صعبة عند الشافعية: والله صعبة يا شيخ، بروح بيترك بده يصير مالكي، بروح بدرس فقه مالكي، بلاقي إيه مسألة صعبة، آە، معناته أنت ما بتعبد الله، أنت بتتبع هواك!

ما من مذهب من المذاهب إلا وفي مسائل سهلة ميسورة وفي مسائل صعبة، هذه المسائل الصعبة هي محط اختبار لك من الله حتى يعرف هل أنت تدرس لتتعبد الله بهدايه ونور أم تتعبد الله بالتشهي والهوى؛ اللي شفته سهل من المذاهب اخذته واللي شفته صعب تركته؟ هذا لا يعقل.

فدائماً ما تتصور لما أقول إن المذهب هو الأسهل تتصور أنه كل المسائل، لا، في مسائل رح تصدم أنه لا، هذا صعب شوي. والحلو في مذهب أحمد أنه في مسألة صعبة صعبة بتلاقي رواية أخرى في المذهب أسهل، ويفتى بها داخل أروقة المذهب رواية أسهل. لكن عموماً، ما من مذهب إلا وفيه صعوبات وفيه سهولات، لكن الحنابلة فقههم واقعي لدرجة عالية جداً.

أكتفي اليوم بهذا القدر، ونصلي العصر إن شاء الله ونعود للمحاضرة الثانية. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.