دخولتسجيل الدخول

الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ (2) | المجلس السادس والأربعون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. مع هذا الشتاء القارص نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا صيباً نافعاً يغيث به البلاد والعباد، وأن يرحم المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يفرج عن أهل الخيام ما حل بـخيامهم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يخفف عن إخواننا في غزة ما هم فيه من البلاء الشديد في مثل هذه الأمطار وهذه الأحوال الجوية، وأن يجدوا من يعينهم على السترة، وأن يجدوا من يعينهم على قضاء أمور دنياهم، وأن يهيئ لهم من العباد والبلاد ما يأويهم ويحميهم، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

أيضاً أدعو لإخواننا في السودان وهم يعانون المعاناة القاسية الشديدة على أبشع أشكالها على يد هؤلاء الفاجرين. وندعو لإخواننا المستضعفين أينما حلوا وارتحلوا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطعمهم من جوع، وأن يؤمنهم من خوف، وأن يكون لكل ضعيف وشريد ومسكين. يا رب اللهم آوِ إخواننا في مشارق الأرض وفي مغاربها يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم، واستكمال لما نحن فيه من قراءة تراث هذا الإمام العظيم الذي امتن الله عز وجل به على هذه الأمة أحبه من أحبه وكره من كرهه، لكن هذا هو الواقع أن الله سبحانه وتعالى يحيي هذه الأمة بعلمائها الأكابر الذين يأتون على حين فترة فيحيون ما درس من معالم هذه الملة، ويجري الله عز وجل على أيديهم من الخير العميم والنفع الكبير ما تغاث به البلاد والعباد.

شيخ الإسلام ابن تيمية، كما قلنا عن قصة هذا الكتاب، هذا الكتاب صدر نتيجة أن هناك رجلاً نصرانياً اسمه غسان من أهل السويداء شتم النبي صلى الله عليه وسلم، رجل من أهل الذمة شتم النبي عليه الصلاة والسلام ثم أوى إلى رجل من رجال العشائر في تلك المناطق وفزع له هذا الرجل، وهذه فزعة في غير محلها. وجاء شيخ الإسلام ابن تيمية ومشيخة دار الحديث إلى سلطان أو نائب السلطنة في دمشق يطلبون منه إقامة الحد والشرع على هذا الشاتم للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن تعرفون دخلت فيها الجهات العشائرية ودخلت فيها العطوات، فشعر نائب دمشق أن فتنة ستحدث إذا تم تطبيق الحد. فطبعاً غسان أظهر الإسلام وأنه خلاص تاب وأنه لن يبقى نصرانياً وسيصبح مسلماً، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه أصر على إقامة الحد عليه. وقلت لكم باختصار كيف أن نائب السلطنة آذى شيخ الإسلام وحمى جانب ذاك الرجل، وأن شيخ الإسلام بعد ذلك تم استدعاؤه وإكرامه، لكنه بقي في نفسه شيء أن حكم الله عز وجل لم يُنفذ، فخرج كأنه من هذه المعركة فاراد أن يثبت شرع الله عز وجل في أمثال هؤلاء الشاتمين للمقام الشريف، وما الذي تدل عليه الآيات وسنة النبي عليه الصلاة والسلام في حكم الله فيهم.

فجاءت هذه التحفة، هذا الكتاب الذي شحنه شيخ الإسلام ابن تيمية بالاستدلال على كفر من يقوم بهذه الممارسة، وعلى أن من كان كافراً أصالة وقام بهذه الممارسة فلا عهد له ولا ذمة، وأنه يجب إقامة شرع الله عز وجل عليه. وأراد أن يستدل على ذلك باستدلالات كثيرة وكبيرة وعميقة أصولية يحرر فيها الأمر من كتاب الله سبحانه وتعالى ثم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة الكرام. وبدأ بالقسم الأول وهو بيان أن الذمي ينتقض عهده ويقتل إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم، استدل طبعاً بمجموعة من الآيات في هذا الفصل.

كانت الآية الأولى التي استدل بها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. فبين أن هذا الذي يشتم النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فانتفت الغاية حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، انتفت الغاية فعاد الأمر إلى وجوب القتال، قال قاتلوا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فإذا شتم النبي عليه الصلاة والسلام هذا انتقض عهد الذمة له، طبعاً وناقش المذاهب الفقهية مناقشة طويلة.

أيضاً الموضع الثاني كان في قوله تعالى في سورة التوبة وهي التي ستستغرق معه مساحة كبيرة اليوم، حتى في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12]. بين أن الطعن في الدين إما أن يكون علة أخرى، وإما أن تكون مؤكدة أو مستلزمة للنكث، وعلى كلا الحالتين الطعن في الدين نكث للذمة وموجبة للقتال، فقاتلوا أئمة الكفر. ومن الطعن في الدين الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يجب أن يقاتل هؤلاء، هذا كان هو الموضع الثاني والثالث لأن الآية من أولها كيف يكون المشركين عهد عند الله جعل الموضع الثاني بعدين فقاتلوا أئمة الكفر الموضع الثالث.

نذهب اليوم إلى الموضع الرابع من كتاب الله سبحانه. طبعاً ابن تيمية كما قلت هو يستدل بالمفاهيم والمضامين. الآن هل هناك آية قرآنية تقول اقتلوا من شتم النبي عليه الصلاة والسلام أو قاتلوا من شتم الأنبياء؟ ما لكن مفاهيم الكتاب والسنة عند العلماء الراسخين هي تؤكد هذا وتشير إليه، لكن بنوع من الاستدلال الذي يحتاج إلى طالب علم يفهم هذا النوع، وهذه وظيفة ابن تيمية.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجِّ المستضعفين من المؤمنين. آمين.

قال رحمه الله تعالى: الموضع الرابع قوله سبحانه: ﴿وَمَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 63]، فإنه يدل على أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم محادة لله ولرسوله، لأنه قال هذه الآية عقب قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: 61].

ممتاز، الآن طبعاً هو ابن تيمية يتكلم سريعاً ربما الإخوة الذين لا يحفظون الآية ما يعرفون وجه الاستدلال. يقول سبحانه وتعالى -طبعاً سورة التوبة تسمى سورة الفاضحة لأن فضحت المنافقين بأشكالهم وممارساتهم- ومن ممارسات المنافقين أنهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسهم الخاصة، ويشتمونه ويقعون فيه ويستهزئون به عليه الصلاة والسلام. فربنا عز وجل في الآية رقم 61 من سورة التوبة، ومنهم.. أنا أصلاً كل سورة التوبة هي ومنهم ومنهم ومنهم، فيقول ربنا سبحانه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾. وركز كلمة الأذى؛ أذن يعني بيسمع، وكل الناس بتعرف، يعني كيف تستخب الشخص تقول هذا أي واحد بيجي بيحكي معه بيسمع له ويقولون هو أذن. الله عز وجل دافع عن المقام الشريف فقال: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: 61-63].

الآن إذا لاحظوا ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ جاءت أين؟ بعد آية ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾. فابن تيمية بده يقول لك هذا سياق واحد مشتبك؛ إذا جعل محادة الله ورسوله، أو محادة الرسول بالتحديد التي تهمنا هنا، جعلها في سياق الذين يؤذون النبي، فكأنه جعل الأذى محادة؛ لأنه قال ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هذا جاء عقب قوله ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، فإذاً أذى النبي عليه الصلاة والسلام هي من محادة النبي عليه الصلاة والسلام. وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾، إذا جعل من يحاد.. هكذا أنت بدك تعملها قياس منطقي؛ أن مؤذي النبي عليه الصلاة والسلام محاد، والمحاد في نار جهنم خالداً فيها، إذاً الذي يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم في نار جهنم وخالداً فيها، إذاً هو الخلود في النار يدل على الكفر، إذاً هو كفر بذلك.

طيب، قال: ثم قال ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن للمحاد نار جهنم، لأنه يمكن حينئذ أن يقال قد علموا أن للمحاد نار جهنم لكنهم لم يحادوا وإنما آذوا، فلا يكون في الآية وعيد لهم، فعلم أن هذا الفعل لابد أن يندرج في عموم المحادة. فعلم أن هذا الفعل وهو أذى النبي صلى الله عليه وسلم لابد وأن يندرج في عموم المحادة، أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم شتماً أو بأي طريقة هو مندرج تحت عموم المحادة. لماذا؟ قال ليكون وعيد المحاد وعيداً له ويلتئم الكلام.

إيش يعني يلتئم الكلام؟ يعني يكون السياق منسجم. الآية تقول: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ ثم تختم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، بعد الآية التي بعدها ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فإذا ذكر المحادة في سياق أذى النبي عليه الصلاة والسلام، سياق الكلام حتى يلتئم يدل على ماذا؟ أن الأذى هو المحادة هنا، وأن ما دام المحادة صاحبها في نار جهنم خالداً فيها، إذاً مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم كافر في نار جهنم وخالداً فيها. نعم.

قال: ويدل على ذلك أيضاً ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه". فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟". فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: 18]. ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فعلم أن هذا داخل في المحادة.

تمام، إذاً أراد ابن تيمية أن يستدل على موضع التوبة بموضع سورة المجادلة، قال لك نفس الفكرة بسورة المجادلة. قال: ويدل على ذلك ما روى الحاكم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالساً مع أصحابه قال رح يجي لكم رجل بمعنى ينظر إليكم بعين الشيطان وهي العين الزرقاء، اليوم الناس تستعمل العين الزرقاء مشان ترد العين عن نفسها، والعين الزرقاء هي عين الشيطان هنا كانت، طيب المهم فهذا الرجل جاء الرجل هذا المنافق الذي عينه فيها زراق، فالنبي صلى الله عليه وسلم وجه كلامه إلى هذا المنافق قال: "علام تشتمني أنت وأصحابك في مجالسكم الخاصة؟". فالمنافق هذا جعل يستعتذر ويقول، فانطلق الرجل فدعاهم، يعني دعا أصحابه فحلفوا بالله: يا رسول الله والله ما تكلمنا وما شتمنا، كعادة المنافقين. فأنزل الله عز وجل فيهم آية سورة المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ إلى آخر الآيات. الآن بعد هذه الآية في سورة المجادلة ماذا ورد؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 20-21]. فبده يقول لك حتى في سورة المجادلة ذكر الذين يحادون، والمحادة جاءت بعد قضية ﴿يَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾، طيب هذه آية ﴿يَحْلِفُونَ وَكَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ نزلت في إيش؟ في شتم النبي صلى الله عليه وسلم. فإذاً في موضعين من القرآن جاء ذكر المحادة بعد ذكر أذى النبي عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على نفس الفكرة أن أذى النبي عليه الصلاة والسلام بالتحديد من أعظم أشكال المحادة للنبي عليه الصلاة والسلام ويتوعد عليه. نعم.

إذاً فعلم أن هذا داخل في المحاد، ما هو هذا؟ أذى النبي صلى الله عليه وسلم وشتمه، بناءً على أن سبب نزول آية المجادلة هي شتم النبي صلى الله عليه وسلم. نعم.

قال: وفي رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ وقد قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ ثم قال عقبه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فثبت أن هؤلاء الشاتمين محادون، وسياتي إن شاء الله زيادة في ذلك.

لعله يشير إلى ما أخرجه الطبري في تفسيره، وفيه أنه نزل قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74]، على أن الرواية الأولى أصح لاتفاق أكثر الروايات عليها. والموضوع فيه حديث عن النبي ﷺ، وفي حديث آخر ورد أنه نزل في آية أخرى ليس في نفس الآية. هل نزلت القصة في سورة المجادلة أم في آية أخرى؟ هي نفس قضية القصة السابقة، أنها ليست سبب نزول آية المجادلة بل سبب نزول آية التوبة.

الذي يظهر أنه يتكلم عن القصة السابقة، وهي قصة الرجل، هل نزل فيها قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: 96]، أم نزلت فيها آية المجادلة؟ ثم يرجح أن الرواية الأولى، وهي أن آية المجادلة هي التي نزلت في تلك القصة، أصح. المهم قال: فثبت أن هؤلاء الشاتمين محادون. وسيأتي إن شاء الله زيادة في ذلك، وإذا كان الأذى محادة لله ولرسوله، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 20-21].

والأذل أبلغ من الذليل، ولا يكون أذل حتى يخاف على نفسه وماله إذا أظهر المحادة؛ لأنه من كان دمه وماله معصوما لا يستباح، فليس بأذل. يدل عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]. فبين سبحانه أنه أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد، فعلم أن من له عهد وحبل لا ذلة عليه، وإن كانت عليه المسكنة، فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة.

وقد جعل المحادين في الأذلين، فلا يكون لهم عهد، إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية. وهذا ظاهر؛ فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء، فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره ومنعه فليس بأذل. فثبت أن المحاد لله ولرسوله لا يكون له عهد يعصمه، والمؤذي للنبي ﷺ محاد، فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه، وهو المقصود.

وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: 5]. والكبت هو الإذلال والخزي والصرع؛ قال الخليل: الكبت هو الصرع على الوجه. وقال النظر: الكبت هو الغيظ والحزن، وهو في الاشتقاق الأكبر من كبده، يلتقيان في الاشتقاق الكبير؛ كان الغيظ والحزن أصاب كبده. وقد قال أهل التفسير: كبتوا أي أهلكوا وأخذوا وحزنوا.

فثبت أن المحاد مكبوت مخزٍ ممتلئ غيظاً وحزناً هالك، وهذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحادة أن يقتل، وإلا فمن أمكنه إظهار المحادة وهو آمن على دمه وماله فليس بمكبوت، بل مسرور جذلان. ولأنه قال: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، والذين من قبلهم ممن حاد الرسل إنما كبتهم الله بأن أهلكهم بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين.

والكبت وإن كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه، كما قال سبحانه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: 127]، لكن قوله: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني من محادي الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى. ويبين ذلك أن المنافقين هم من المحادين، فهم مكبوتون بموتهم بغيظهم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قتلوا، فيجب أن يكون كل محاد كذلك.

يتكلم ولكنه ليس قادراً على الحكي، كأنه كابت على نفسه. فالأذى الذي في داخلك تجاه النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، أنت لست قادراً على إخراجه، هذا كبت. فهذا فيه دليل على الهلاك، أو أن كتم الأذى يبين ذلك، فالمنافقون هم أصلاً من المحادين فهم مكبوتون، كبتوا بغيظهم. أقول لك مات بغيظه لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قُتلوا. فكل محاد يجب أن يكون مكبوتاً، ومؤذي الرسل سواء النبي عليه الصلاة والسلام أو الرسل من المحادين، فكيف يكون كبتهم؟ بأنه لا يستطيع إظهار الأذى، هذه الصورة الأولى. إذا أظهر الأذى يعلم أنه مهدور الدم، وهكذا أيضاً أنا كبدته.

نعم، قال لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قُتلوا، فيجب أن يكون كل محاد ذلك. وأيضاً فقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21] عقب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: 20]، دليل على أن المحادة مغالبة ومعاداة، حتى يكون أحد المتحادين غالباً والآخر مغلوباً، وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم.

جميل، هذا من الاستدلالات أيضاً الأخرى. الآن في سورة المجادلة نرجع للآية رقم 20، 21: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾، ثم كتب الله مباشرة الآية التي بعدها: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. التئام الآيتين مع بعض يعطيك سياقاً أنه نحن في معركة، وأن من يحاد الله ورسوله هؤلاء مغالبون، لأنه كتب الله ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾. طب ما سياق ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾؟ ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾ المحادين، سنغلب أولئك المحادين. إذاً نحن شو علاقتنا بالمحادين؟ علاقة سلم ولا علاقة حرب؟ علاقة حرب. والشاتم للنبي عليه الصلاة والسلام محاد ولا مش محاد؟ إذاً علاقتنا معه علاقة حرب، لا تقل لي هذا عهد قائم، انتفى العهد، وهذه هي النقطة التي يريد أن يصل إليها دائماً. قلت لك لأن المعاهد إذا شتم انتقض عهده، وهذه هي مسألة الكتاب أصلاً، هي كل مسألة الكتاب في غسان النصراني الذي كان معاهداً وأظهر الشتم. عرفتم ماذا يفعل ابن تيمية؟ هو يريد أن يعطيك أن آيات القرآن تنفي المعاهدة وترفعها عن كل شاتم مؤذٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، وما حدا يقول لا هذا بس شتم بس ما نقض العهد، ما هو شتمه للنبي صلى الله عليه وسلم جعله من المحادين، والمحاد علاقتك معه علاقة حرب وليست علاقة سلم، فإذاً لا عهد له.

نعم، قال: وهذا إنما يكون بين أهل الحرب، والغلبة للرسل بالحجة والقهر. فمن أُمر منهم بالحرب نصر على عدوه، ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه، وهذا أحسن من قول من قال إن الغلبة للمحارب بالنصر، ولغير المحارب بالحجة. فعلم أن هؤلاء المحادين محاربون مغلوبون.

طب ماذا يريد أن يقول هنا؟ يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. فهنا طرأ نقاش: هل كل الرسل أُمروا بالجهاد؟ مش كل الرسل أُمروا بالجهاد. يقول الجهاد كان في موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن مثلاً في إبراهيم ونوح وهود وصالح، فبالتالي كيف يكون ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ مع أن كلمة ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾ تدل على جهاد؟ تدل على أنه في جهاد وسينتصر الرسول وجيشه. طب بالنسبة للأنبياء الذين أُمروا بالجهاد هذا مفهوم، كيف سيغلبهم الله على عدوهم؟ من خلال الجهاد. طب الأنبياء الذين لم يُؤمروا بالقتال كيف سينصرهم الله على عدوهم؟ بالإهلاك. يقول وهذا التفسير أولى من قول من يقول إن الرسول الذي أُمر بالجهاد غلبته تكون بالجهاد، والرسول الذي لم يُؤمر بالجهاد غلبته تكون بالحجة. يقول لك ابن تيمية: لا، أنا شايف أن غلبته تكون بإهلاك قومه، مش هذه هي الغلبة وليس فقط بالحجة؟ فهمتم؟

يعني الخلاف هو في الرسول الذي لم يُؤمر بالجهاد مثل صالح وهود عليهما السلام، هؤلاء كيف غلبهم الله؟ غلبهم الله على عدوهم بالإهلاك، أن أهلك عاداً وأهلك ثموداً، ليس فقط بالحجة. بقول لك أنا غلبته بالحجة، لا، بقول لك ابن تيمية الأمر أعلى من مجرد أن يغلبوا بالحجة، بل غلبوا أقوامهم الذين حادوهم بإهلاكهم، فأهلك الله عاداً وأهلك الله ثموداً. أنتم عرفتوا أين يناقش ابن تيمية هنا؟ تفضل.

ممكن تأخذ مؤشراً على هذا أنه سينزل به ما نزل، فقضية أنه يغلبه الله لا يعني أنه لن يستشهد مثلاً أو لن يصيبه أذى، فكل الأنبياء أصابهم أذى، ما بين أنبياء بني إسرائيل الذين قُتلوا أو حصل بهم ما حصل، لكن كل من يمس جناب الأنبياء سيهلك، كل من يمس جناب الأنبياء سيهلك.

نعم، قال: وأيضاً في أن المحادة من المشاقة، لأن المحادة من الحد والفصل والبينونة. وأيضاً كل هذه، شايف وأيضاً وأيضاً وأيضاً هو يريد أن يؤكد أن المحاد، هو يريد كل في هذا الموضع كامل أن يؤكد أن المؤذي للنبي عليه الصلاة والسلام محاد، وأن المحاد عهده انتهى، فكل هذه الآيات يستدل بها على أن المحاد لا عهد له، وأن المحاد يجب أن يكون مكبوتاً، وأن المحاد علاقتنا معه علاقة حرب وليست علاقة سلم. أيضاً هنا مثلاً يقول لك: المحادة أيضاً جاءت في القرآن بمعنى المشاقة، المحادة من الحد والفصل والبينونة، وكذلك المشاقة من الشق، وهو بهذا المعنى. نعم المحادة من الحد، صح، مشتقة من الحد أن نضع حداً بين طائفتين، والمشاقة من الشق، والشق يكون بينك وبين شخص، انشقاق وهو في جهة وأنت في جهة.

قال فهما جميعاً بمعنى المقاطعة والمفاصلة، ولهذا يقال إنما سُميت بذلك لأن كل واحد من المتحادين والمتشاقين في حد وشق من الآخر، وذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضاً، فلا حبل لمحاد لله ورسوله. نعم هذه فكرة، بما أن المحاد والمشاق أصل المحادة مأخوذة من الحد كما قال لك، فهذا في حد وهذا في حد، إذاً لا يمكن أن يكون بيني وبينه عهد ما دام هو في جهة وأنا في شق آخر وجهة أخرى وحد آخر، إذاً لا يوجد بيني وبينه عهد، فكل من آذى النبي صلى الله عليه وسلم صنف محاداً، والمحاد مأخوذ من الحد وأن كل شخص في جهة مستقلة وفي عدوة مستقلة، إذاً لا يوجد بيننا وبينهم أي عهد، فهم ليسوا معاهدين من يشتمون النبي عليه الصلاة والسلام.

وأيضاً قال: وأيضاً فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إذاً أمر الله بضربهم بضرب الأعناق بسبب المشاقة، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾، ذلك تعليل، ما هو؟ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 13]، والمشاقة بمعنى المحادة، إذاً من حاد الله ورسوله يدخل تحت ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.

نعم، قال فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم ومحادتهم، فكل من حاد وشاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة، والعلة إذا وُجدت وُجد معلولها وهو الحكم الشرعي. نعم، ومؤذي النبي صلى الله عليه وسلم حاد، إذاً يجب أن توجد فيه العلة، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.

نعم، قال وأيضاً في أنه تعالى قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: 3-4]، والتعذيب هنا والله أعلم القتل، لأنهم قد عُذِّبوا بما دون ذلك من الإجلاء وأخذ الأموال. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء، يعني لولا أننا خلاص قدرنا أن يتم إجلاؤهم، لعذبناهم في الدنيا، كيف سنعذب في الدنيا؟ ما عاد للعذاب معنى هنا في الدنيا إلا القتل. إذاً والتعذيب هنا يكون بالقتل، طب لماذا؟ لماذا سيقتلون؟ أكمل الآية: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فجعل أن تعذيبهم بالقتل علته أنهم شاقوا الله ورسوله، والمحاد مشاق، هم بنفس المعنى، نوع من الترادف، فإذاً محاد الله ورسوله يستحق القتل.

نعم، قال لأنهم قد عُذِّبوا بما دون ذلك من الإجلاء وأخذ الأموال، فيجب تعذيب من شاق الله ورسوله، ومن أظهر المحادة فقد شاق الله ورسوله، بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد ولا مشاق.

نعم، من كتم ما في قلبه ولم يظهر لنا شيئاً. على المعنى الأول الآن، شوف ابن تيمية راح يعمل يعني على التفسير هذا، إذا قلنا إن المحادة والمشاقة بنفس المعنى، إذاً من كتم ما في قلبه، لا نعتبره محاداً. يعني واحد ذمي يعيش في الدولة المسلمة، كتم ما في قلبه من الحقد على الإسلام والمسلمين، لا نعتبره محاداً، متى يعتبر محاداً ومشاقاً؟ إذا أظهر هذا على الطريقة الأولى.

قال وهذه وهذه الطريقة أقوى في الدلالة، هذه الطريقة التي تجعل المحاد والمشاق بنفس المعنى، ثم قال: قال يقال هو محاد وإن لم يكن مشاقاً. أظن هذه الآن بدأ في الطريقة الثانية، وقد يقال أظن كلمة وقد تقدر في السياق، أو قد تكون ساقطة، وقد يقال.

الآن الطريقة الثانية، أيوه. قال وقد يقال هو محاد وإن لم يكن مشاقاً، ولهذا جعل، وقد يقال، تقول هنا بدأ بالفقرة الثانية. قال وقد يقال هو محاد وإن لم يكن مشاقاً، ولهذا جعل جزاء المحاد مطلقاً كان يكون مكبوتاً كما كُبت من قبله، وأن يكون في الأذلين.

الطريقة الثانية أن يقال المحاد أعم من المشاق، جعل جزاء المحاد مطلقاً أن يكون مكبوتاً كما في سورة المجادلة: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وأن يكون ايش؟ ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾، لأنك عندك موطنين في سورة المجادلة ذكر فيها المحادة، في الموطن الأول قال ﴿كُبِتُوا﴾، في الموطن الثاني قال ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾، وجعل جزاء المشاق القتل والتعذيب فقط. يعني المحاد جعل الله له كبت، وأنه أذل، وأنه قد يقتل. إذاً المحاد له عدة احتمالات، أما المشاق لم يُذكر في القرآن له إلا شيء واحد أن يقتل، فدل هذا على أن المحاد قد يكون مفهوماً أوسع، قد يكون مفهوماً أوسع، فيقول وجعل جزاء المشاق القتل والتعذيب في الدنيا، ولن يكون مكبوتاً كما كُبت من قبله في الأذلين، إلا إذا لم يمكنه إظهار محادته. فعلى هذا تكون المحادة أعم. ولهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] أنها نزلت في من قتل من المسلمين أقاربه في الجهاد، في من أراد أن يقتل لمن تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذى من كافر ومنافق قريباً له، فعلم أن المحاد يعم المشاق وغيره، ويدل على ذلك أنه قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: 14]، الآيات إلى قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وإنما نزلت في المنافقين الذين تولوا اليهود المغضوب عليهم، وكان أولئك اليهود أهل عهد من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يودون من حاد الله ورسوله، فلا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود وإن كانوا أهل ذمة.

جميل، الآن هو كيف سيثبت على الوجه الثاني أنه لا، على الوجه الثاني أن المحاد يطلق على كل مبغض للإسلام أظهر ذلك أو أخفاه، بقول لك الآن في سورة المجادلة شوف كيف الإنسان لما يكون عميق التحليل.

للنص القرآني العمق. يقول الله عز وجل في الآية رقم 14 في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: 14]. الآية تكلمت عن المنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان يتولى اليهود، وهم قوم غضب الله عليهم. ثم أراد الله أن ينهى عن موالاة اليهود، فقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. فسمى الله اليهود محادين لله ورسوله، وإن كانوا لا يزالون على عقد الجزية.

صحيح، هو ذم المنافقين أنهم لماذا يتولون اليهود؟ والمؤمن لا يجوز أن يواد من حاد الله ورسوله. فاليهود الذين في المدينة، ألم يكونوا في البداية معاهدين؟ لم ينقضوا العهود، فسماهم الله محادين مع أنهم ما زالوا على عقد الجزية وعلى عقد الذمة، ما خرموه قبل أن يخرموه. فدل هذا على أن المحادة تطلق حتى على من كان على عقد الجزية ولم يظهر بعد أذى الله ورسوله؛ فالمحادة أعم من المشاقة، فالمشاقة هي من أظهر الأذى، أما المحاد فقد يكون أظهر وقد يكون لم يظهر بعد.

لذلك قال: إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يوادون من حاد الله ورسوله، فلا بد أن يدخل في عدم المودة اليهود، وإن كانوا أهل ذمة بعد لم ينقضوا عهدهم. وذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله ورسوله، وإن كانوا معاهدين، وهذه نقطة النقاش. قالوا: ويدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم والكافر وإن كان له عهد وذمة.

وعلى هذا التقدير، فيقال: عاهدنا أهل الذمة على ألا يظهروا المحادة ولا يعلنوا بها بالإجماع كما تقدم. شوف التدقيق من ابن تيمية: أنا لما أعاهد أهل الذمة، أنا لا أعاهدهم على ألا يكونوا محادين، لأنه في الوضع الطبيعي سيكون محادًا؛ أنا أعاهدهم على ألا يظهروا المحادة. أنا لا أطالبهم في عقد الجزية ألا يكونوا محادين لأنهم في الوضع الطبيعي محادون؛ أنا أطالبهم ألا يظهروا هذه المحادة.

فإذا أظهروا صاروا محادين مظهرين للمحادة، وهؤلاء مشاقون، فيستحقون الخزي في الدنيا من القتل ونحوه وعذاب الآخرة. فإن قيل: إذا كان كل يهودي محادًا لله ورسوله، فمن المعلوم أن العهد يثبت لهم مع التهود، وذلك ينقض ما قدمت من أن المحاد لا عهد له. فالآن اعتراض على هذا الوجه: إذا كنت ترى يا ابن تيمية أن كل يهودي محاد سواء أظهر ذلك أو لم يظهر، فمن المعلوم أن العهد عقد الجزية يثبت لهم على يهوديتهم، فإذا ينتقض ما أصلته سابقًا من أن المحاد لا عهد له.

فما هو الجواب؟ من سلك هذه الطريقة -أي أن المحاد أعم من المشاق- يقول: المحاد لا عهد له على إظهار المحادة، فأما إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد. فاصحاب هذه الطريقة سيقيدون أن المحاد الذي لا سلم معه هو المحاد الذي يظهر.

وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]، يقتضي أن الذلة تلزمه فلا تزول إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وحبل المسلمين معه على ألا يظهر المحادة بالاتفاق. فليس معه حبل مطلق، بل حبل مقيد بشرط ألا تظهر المحادة. فهذا الحبل لا يمنعه أن يكون ذليلًا إذا فعل ما لم يعاهد عليه وأظهر المحادة. أو يقول صاحب هذا المسلك: الذلة لازمة لهم بكل حال كما أطلقت في سورة البقرة، وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 61]، لم يتم استثناؤهم في سورة البقرة.

أما في سورة آل عمران لما استثنى من الذلة، فقال: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾، يجوز أن يكون تفسيرًا للذلة، أي ضرب عليهم أنهم أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس. فالحبل لا يرفع الذلة من أصلها، وإنما يرفع بعض آثارها وموجباتها وهو القتل فقط. فإن من كان لا يعصم دمه إلا بعهد فهو ذليل، حتى وإن عصم دمه بالعهد.

لكن على هذا التقدير تضعف الدلالة على الدلالة الأولى، والطريقة الأولى أجود؛ فابن تيمية يرجح أن المحاد الأصل يطلق على المشاق، وهو من أظهر المحادة فقط. وأما من كتم فهو وإن كان كافرًا لكنه لا يسمى محادًا إلا إذا أظهر، ورأى أن هذا أقوى في الدلالات القرآنية.

أحسنت، هو الكاتم كبته يكون على الطريقة الثانية؛ بأنه مش قادر يحكي، وأنه في قلبه غيره ومش قادر يحكيه، ما هو كبت على نفسك، فهو نوع من أنواع الكبت، فهي تصلح. يعني إذا هي تصلح، تصلح، لكن هو يرى أن تلك أظهر؛ يعني أن تلك تبقى أظهر وأقوى، بس نعم.

قال: الموضع الخامس قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: 57]. وهذه توجب قتل من آذى الله ورسوله كما سيأتي إن شاء الله تقريره، والعهد لا يعصم من ذلك، يعني عقد الذمة لا يعصم لك من ذلك، نعم. قال: لأننا لم نعاهدهم على أن يؤذوا الله ورسوله، ويوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، سيأتي معنا بالتفصيل قصة كعب بن الأشرف في أدلة ما يأتي؛ الاستدلال بالسنة على قتل شاتم النبي صلى الله عليه وسلم، نعم.

قال: فندب المسلمين إلى يهودي كان معاهداً لأجل أنه آذى الله ورسوله، فدل ذلك على أنه لا يوصف كل ذمي بأنه يؤذي الله ورسوله، وإلا لم يكن فرق بينه وبين غيره. نعم، هل كل ذمي يوصف بأنه مؤذٍ لله ورسوله؟ لا، فإن كعب بن الأشرف كان ذمياً، لماذا نُدب لقتله؟ لا لأنه ذمي، بل لأنه آذى الله ورسوله، فدل هذا على أنه ليس كل ذمي فيه هذا الوصف أنه مؤذٍ لله ولرسوله، فالذي يُقتل ويُنقض عهده هو من حقق هذا الوصف، والوصف هو أذى الله ورسوله.

نعم، قال: وإلا لم يكن فرق بين كعب بن الأشرف وبين غيره، إذا كانت القضية أنه ذمي فكلهم كانوا ذميين في المدينة، نعم. قال: ولا يصح أن يقال اليهود من العالين في الدنيا والآخرة مع إقرارهم على ما يوجب ذلك، لأننا لم نقرهم على إظهار أذى الله ورسوله، وإنما أقررناهم على أن يفعلوا بينهم ما هو من دينهم، يعني يفعلوا بينهم الأمور التي من دينهم؛ مثلاً هم يرون مثلاً جواز شرب الخمر، يرون كذا، افعلوا من أمور دينكم بينكم، لكن لا تظهروا شتم الله ورسوله، هذا نحن ما عاهدناكم عليه.

بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، لعنهم في الآخرة مفهوم، لكن لعنهم في الدنيا بالقتل؛ هذه لعنهم في الدنيا بأن يُقتلوا، هذا يقول هذا موطن الشاهد، ويوضح ذلك ما سيأتي من قصة كعب بن الأشرف.

لو قلنا لا يوصف كل ذمي بأنه يؤذي الله ورسوله، قد يقول الإنسان يجوز موادة الكافر الذي لم يحادَّ الله ورسوله، يجوز موادة من حادَّ الله ورسوله هنا؟ لا، مودة من حادَّ الله ورسوله لا يجوز. الإنسان إذا يجوز؟ لا، المودة المطلقة لا، لكن أن تبروهم وتقسطوا إليهم، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، فالبر والإقساط هو سُمح فيه، لكن النفي المطلق للعلاقات بكل أشكال يوادون بأي شكل من الأشكال، هذا نفيه من كل جهاته، إنما يكون لمن حادَّ، أما من لم يحادَّ فيمكن أن تعطيه جزءاً من البر والقسط وما شابه ذلك، لكنك طبعاً تكره ما فيه من الكفر وتتبرأ مما فيه من الكفر وما شابه ذلك، فيمكن أن تُبنى فلسفة على هذه الطريقة بهذا التفصيل.

بالعادي الاستدلال عن قضية ولو بهذه الآية، من باب أحكام الاستدلال في هذه الآية، هل يقال إن البر والقسط هو فرض من أفراد المودة؟ كلاهما ينتفيان مع المحارب، وأما مع الذمي، مع الذمي لم يثبت من المودة إلا هذا، نعم تستطيع أن تقول هذا نوع من أنواع البر والإحسان، وليس الميل والموالاة المطلقة التي تقتضي أن أظهر له المحبة والألفة، لا، وإنما هو القسط الذي أُمرنا بإظهاره من أن تبروهم وتقسطوا إليهم فقط، وإقامة العدل معهم وحماية أمرهم وعدم ظلمهم، فهذا قسط مأذون به، عرفت نعم.

قتل بأنفسهم أينما ثُقفوا وأُخذوا وقُتلوا تقتيلاً، وإن كانت تلك في المنافقين، طبعاً لكن هذه، نعم كلام صحيح، كلامك صحيح. طيب الآن فصل عندك شيء؟ ممكن كلام شو كذلك أنه مثلاً في بعض أنواع المودة مثل إذا كانت الزوجة نصرانية مثلاً، في تحب من جهة، من كان؟ يعني هذا الكلام صحيح، يعني برضه هذه من أشكال أو من مظاهر وآثار المودة، إذا لم تظهر المحادة أنك تحب مثلاً إذا رجل متزوج ذمية فإنه سيظهر لها الحب، وإلا كيف يتزوجها أصلاً؟ يعني هو كارهها؟ تمام، فهذا قد نقول شكل أُذن به في هذه المساحة، مع بقاء البراءة مما هو فيه من الكفر وأحواله وما شابه ذلك، هذا لا بد وأن يُذكر.

طبعاً ابن تيمية أيضاً سيناقش هذه الآية بعد قليل في الفصل الثاني. قال: فصل، وأما الآيات الدالة على كفر الشاتم وقتله أو على أحدهما إذا لم يكن معاهداً وإن كان مظهراً للإسلام فكثيرة. طيب الآن إذا انتهينا من خمس مواطن، هو أراد أن يستدل في المواطن الخمسة الأولى على ماذا؟ على أن المعاهد الشاتم ينتقض عهده ويجب قتله، هذه هو لأنه هي أصلاً الكتاب كله مشان هذه الفكرة، لأنه سبب ورود الكتاب تمام، وغسان النصراني.

فالموطن الأول يعني حتى تفهم أنت الآن شو سوى، هو الموطن الأول الأدلة التي تدل على أن المعاهد ينتقض عهده بالشتم ويستباح دمه، الآن سيأتي إلى الأدلة العامة على أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم كفر حتى ولو كان مسلماً، الآن موطن عام سيستدل به؛ الآيات والأحاديث التي تدل على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم كفر ولو كان مسلماً، وأن حده القتل كقاعدة عامة في الشريعة.

قال: مع أن هذا مجمع عليه كما تقدم حكاية الإجماع غير واحد. أقول لك غير الإجماع الآن بده يستدل بنصوص الكتاب والسنة، قال: منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 63].

رجع لنفس الآية التي في سورة التوبة، جعلها أول آية بس الآن بده يستدل باستدلال عام؛ أن ذيك الآيات هي الآية استحضرها قبل شوي من أجل قضية أن المعاهد خلص أصبح محاداً بالشتم فينتقض عهده، كان هذا وجه الاستدلال الذي يهمه منها، الآن رح يجي لها من جهة أخرى، أنه يريد أن يثبت عموماً، غض النظر مين اللي شتم، أنه محادّ يجب قتله، مسلماً أو كافراً. نعم.

قال: فعلم أن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم محادّة لله ولرسوله، لأن ذكر الأذى هو الذي اقتضى ذكر المحادّة، نعم كما قلنا حتى يلتئم السياق قبل قليل، قال: فيجب أن يكون داخلاً فيه، فيجب أن يكون الأذى داخلاً في مفهوم المحادّة. نعم، قال: ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً إذا أمكن أن يقال إنه ليس بمحادّ، ودلّ بيكون الكلام غير متناسق إذا قلنا إن المؤذي للنبي عليه الصلاة والسلام ويقول هو أذن لا يعتبر محاداً، إذاً نقول إذا فما فائدة إعقاب آية الأذى بأنه من يحادد الله ورسوله إذا كان يمكن أن يقول شخص إن المؤذي للنبي عليه الصلاة والسلام ليس بمحادّ.

نعم، قال: دلَّ ذلك على أن الأذى والمحادّة كفر؛ لأنه أخبر أن له ناراً. هذه موطن الشاهد، أن المحادّة كفر؛ كيف عرفنا؟ لأنه قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: 63]، وهذا لا يكون إلا لكافر. نعم، قال: إنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها، ولم يقل هي جزاؤه، بين الكلام فرق، فرق بين أن أقول نار جهنم جزاؤك وبين أن أقول لك فإن له نار جهنم خالداً فيها. لما أقول لك النار جزاؤك ممكن تطلع منها.

لما أنا أقول لك إن النار هذه جزاء أنك فعلت كذا، نعم، أحسنت، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] شيخ ربنا قال. لكن لما أقول لك هذا جزاؤك لا يعني أنك ستبقى فيه، هذه فكرة بخلاف لما أقول لك أنا أنه من يحادّ فإن له نار جهنم خالداً فيها، له كأنه نوع من أنواع الحصرية؛ هي لك دون غيرك، وهذا ليس حصراً طبعاً، يعني هذا حصر كأنك أكثر، كأنك أنت من تستحق النار، فإن له نار جهنم، كأنه نوع من التمليك، خلص نار جهنم لك، يعني لك هي هذه ملك لك أصبحت، طبعاً هي مش المراد أنك أنت من ستجلس فيها ولا تخرج أبداً، فيقول هذا أبلغ في الدلالة على ماذا؟ على الكفر والخلود.

نعم، قال: بل المحادّة هي المعاداة والمشاقة حقة، وذلك كفر ومحاربة، فهو أغلظ من مجرد الكفر، فيكون المؤمن. بل ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، المحادّة ما هي؟ قال هي معاداة ومشاقة، صح كلمة محادّ تشعر فيها دلالة على العداء، صح؟ محادّ إذاً أنا وإياك متعاديين، مشاقة، وهذا أبلغ من مجرد الكفر، يعني في واحد كافر، وفي واحد كافر محارب، صح؟ فبيقول لك المحادّ هو كافر وزيادة، كافر ومحادّ، لذلك قال فهو وذلك كفر زائد محاربة، عفواً وذلك كفر زائد محاربة، قال لك وذلك كفر زائد محاربة؛ يعني لفظ محادّ يدل على مش فقط كفر، كفر زائد محاربة فهو أغلظ من مجرد الكفر. ها لفظ المحادّ يقول ابن تيمية أعلى من لفظ الكفر؛ أنه كفر مع محاربة. نعم.

قال: فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كافراً، عدواً لله ورسوله، محارباً لله ورسوله؛ لأن المحادّة اشتقاقها من المباينة، بأن يصير كل واحد منهما في حدّ، كما قيل المشاقة أن يصير كل منهما في شق، والمعاداة أن يصير كل منهما في عدوة. وفي الحديث أن رجلاً كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يكفيني عدو؟ سماه عدواً له اللهم صل وسلم وبارك عليه.

قال: وهذا ظاهر قد تقدم تقريره، فحينئذ يكون كافراً حلال الدم، خلص، وما دام هو كافر محارب، ها ما دام المحادّ شو تعريف المحادّ؟ كافر زائد محارب، إذاً هو حلال الدم، مش كافر معاهد، كافر محارب.

نعم، قال: وحينئذ فيكون كافراً حلال الدم لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: 20]، ولو كان مؤمناً معصوماً لم يكن أذلّ، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، وقوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: 5]، والمؤمن لا يُكبت كما كبت مكذب الرسل قط، ولأنه قد قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، فإذا كان من يوادُّ المحادَّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحادّ نفسه؟

نعم، في قوم لا كما في القتل هذا شرعاً وقدراً، ولا بس شرعاً؟ هو يتكلم شرعاً هنا. نعم أنه لا يجوز، يجوز إنزال هذا، أما قدراً قد يحصل عنده من الاستضعاف أو ما شابه ذلك. نعم، قال: وقد قيل إن من سبب نزولها... قال: فإذا كان من يوادُّ المحادَّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحادّ نفسه؟ لا تجد قوماً يؤمنون يوادّون؛ يعني لا يكون مؤمناً من يوادُّ المحادَّ، طيب فالمحادّ نفسه شو وضعه؟ إذا كان من يودُّ المحادَّ ليس مؤمناً، فالمحادّ نفسه أولى أن يكون كافراً. وإذا كان المحادّ كافراً، وذكرت المحادّة بعد أذى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه بدك ترجع أنت لأصل الآية: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾... ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ﴾، إذاً المحادّ سيكون كافراً.

هو يريد أن يصل إلى أن المؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم يكون ما دام سُمي محاداً، فهذا ما يسميه ابن تيمية استقراءً وتتبعاً لهذه اللفظة في القرآن، دائماً بيعملها ابن تيمية، هي أنه الآن بقول لك المؤذي محادّ، طيب خلينا نشوف لفظة المحادّ في القرآن كيف تم التعامل معها، فبيجي بيعطيك المواطن المختلفة، في سورة المجادلة، في سورة كذا، في سورة كذا التي ذُكر فيها المحادّ، عرّف القرآن في استعمال لفظ المحادّ أنه ماذا؟ أنه كافر، هيك بده يقول لك، وإذا كان شاتم النبي صلى الله عليه وسلم في سورة التوبة اعتبر محاداً، والمحادّ لا بد أن يكون كافراً، هذه استدلالات إخواني تعلّم الإنسان طرق الفهم، كيف تفهم القرآن، مش أي شخص يستطيع أن يصل إلى هذه الطريقة في الاستدلال، نعم.

قال: وقد قيل إن من سبب نزولها أن أبا قحافة شتم النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد الصديق... قحافة، والد أبي بكر الصديق، نعم، قال: فأراد الصديق قتله، وأن ابن أبي تنقص النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ابنه النبي صلى الله عليه وسلم في قتله، لذلك فثبت أن المحادّ كافر حلال الدم. وأيضاً فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين المحادّين لله ورسوله والمعادين لله ورسوله، فقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1] فعلم.

إنهم ليسوا من المؤمنين، وأيضًا فإنه قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 3-4]. فجعل سبب استحقاقهم للعذاب في الدنيا ولعذاب النار في الآخرة هو مشاقة الله ورسوله، والمؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم مشاق لله ورسوله كما تقدم، لأنه محاد.

قال: والعذاب هنا هو الإهلاك بعذاب من عنده أو بأيدينا، وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذهاب الأموال وفراق الأوطان. وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 12-13]. فجعل إلقاء الرعب في قلوبهم والأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم لله ورسوله، فكل من شاق الله ورسوله يستوجب ذلك، والمؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم مشاق لله ورسوله كما تقدم، لأن المؤذي محاد، والمحاد مشاق.

ابن تيمية بنى فلسفته أن المؤذي محاد بناءً على سورة التوبة، وهو نفس المشاق. هو اعتبر أن هذا هو الأولى أن نجعل المحاد بنفس معنى المشاق، فالمؤذي للنبي عليه الصلاة والسلام مشاق، فكل حكم في القرآن أُعطي للمشاق فيستحقه المؤذي للنبي صلى الله عليه وسلم، سواء الحكم عليه بأنه كافر، أو بأنه يُقذف في قلبه الرعب، أو أنه يُقتل، فكل هذه الأحكام التي أُعطيت للمشاق وللمحاد، فمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم داخل في مفهوم المحاد والمشاق.

وقولهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، قال مجاهد: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يقولون: سنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا. والآن تفسيران عاد إلى الآية التي هي أصل الاستدلال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾. كلمة هو أذن هل هي شتم؟ هي كانت استهزاءً، والشتم أعلى منها، قال: هي نوع من الاستهزاء والشتم أعلى منها. ما معنى ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾؟ قال مجاهد: يقولون سنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا. وقال بعض أهل التفسير: كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا، فإنما محمد أذن، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن إسحاق: كان نبتل بن الحارث -الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث»- ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إن محمداً أذن، من حدثه شيئاً صدقه، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، فأنزل الله هذه الآية. وقولهم أذن قالوه ليبينوا أن كلامهم مقبول عنده، فأخبر الله أنه لا يصدق إلا المؤمنين، وإنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه أذن خير، لا لأنه صدقهم. فهو أذن خير كما قال في الآية: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾، أي: أنه يعفو عنكم وليس أنه صدقكم.

قال سفيان بن عيينة: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ يقبل منكم ما أظهرتم من الخير ومن القول ولا يؤاخذكم بما في قلوبكم ويدع سرائركم إلى الله. وربما تضمنت هذه الكلمة نوع استهزاء واستخفاف، بل هي يقينًا نوع استهزاء واستخفاف.

فإن قيل: فقد روى نعيم بن حماد، حدثنا محمد بن ثور، عن يونس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يداً ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ». قال سفيان: يرون أنها أنزلت فيمن يخالط السلطان. وظاهر هذا أن كل فاسق لا ينبغي مودته فهو محاد لله ورسوله، مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدم.

قيل: المؤمن الذي يحب الله ورسوله ليس على الإطلاق بمحاد لله ورسوله، كما أنه ليس على الإطلاق بكافر ولا منافق، وإن كانت له ذنوب كثيرة، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعيمان -وقد جُلد في الخمر غير مرة- إنه يحب الله ورسوله؟ لأن مطلق المحادة يقتضي مطلق المقاطعة والمصارمة والمعاداة، والمؤمن ليس كذلك، لكن قد يقع اسم النفاق على من أتى بشعبة من شعبه، ولهذا قالوا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

المؤمن لا يحاد الله ورسوله محادة مطلقة؛ فإنه إذا حاده مطلقاً ما يكون مؤمنًا أصلاً، بل يكون كافرًا، لكن قد يحاد محادة جزئية في بعض الأمور، ويكون بذلك فاسقًا وفاجرًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق»، وهذا كفر أصغر وليس الكفر المخرج من الملة. وقال: «ومن حلف بغير الله فقد أشرك»، وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه. فوجه هذا الحديث: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بالفاجر المنافق فلا ينقض الاستدلال، أو يكون عنى كل فاجر؛ لأن الفجور مظنة النفاق، فما من فاجر إلا يخاف أن يكون فجوره صادراً عن مرض في القلب أو موجباً له، فإن المعاصي بريد الكفر، فإذا أحب الفاسق فقد يكون محباً للنفاق باعتبار أن الفسق مظنة النفاق. فحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر لا يواد من أظهر من الأفعال ما يخاف معها أن يكون محاداً لله ورسوله، فلا ينقض الاستدلال أيضاً.

أو أن تكون الكبائر من شعب المحادة لله ورسوله، فيكون مرتكبها محاداً من هذا الوجه، وإن كان موالياً لله ورسوله من وجه آخر. بالتالي لا أوده من هذا الوجه، وأوده من جهة إيماني بالله ورسوله، ويناله من هذا -المحاداة الجزئية- ما يناله من الذلة والكبت، حيث يهجر، والهجر شكل من أشكال الذلة بقدر قسطه من المحادة، كما قال الحسن البصري عن الفجار: وإن طقطقت بهم البغال وهمجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. إن ذل المعصية هو شكل من أشكال الكبت والمذلة، أما من كانت محادته كلية فكبته كلي ومذلته كلية بالقتل وما شابه ذلك، فيجب أن نفارق بين المحادة الجزئية بالمعاصي والذنوب وبين المحادة الكلية.

هذا الكلام كله إظهار، لكن هو حسب شو مظهر؛ هل هو أظهر الشتم؟ يقول لي: أظهر معاصي. هون كله مظهر، لكن شو أظهر؟ ففي واحد أظهر الشتم والأذى للنبي عليه الصلاة والسلام، وفي شخص أظهر المعاصي والفجور لكن ما أظهر الشتم للنبي عليه الصلاة والسلام. فيقول لك: من أظهر الشتم هذا داخل تحت المحادة الكلية، وأما من أظهر المعاصي والذنوب فهذا داخل تحت المحادة الجزئية، فهنا نحن ما دخلنا في موضوع أنه أظهر أو أضمر في هذا المقام. نعم.

قال: فالعاصي يناله من الذلة والكبت بحسب معصيته، وإن كان له من عزة الإيمان بحسب إيمانه، كما يناله من الذم والعق. وحقيقة الإيمان أن لا يواد المؤمن من حاد الله بوجه من الوجوه من وجوه المودة المطلقة. وقد أحسنت، فبالتالي يكون النفي أن المؤمن لا يود المؤمن من حاد الله بوجه من الوجوه، سواء كانت محادة مطلقة؛ إذا كان -عفواً- إذا كانت المحادة مطلقة فيجب المودة مطلقاً، وإذا كانت المحادة جزئية فيجب أن ننفي المودة الجزئية. فالمؤمن لا يواد من حاد الله بوجه من الوجوه المودة المطلقة، إذا في واحد عنده بعض المعاصي فلا يجوز أن أوده وداً مطلقاً؛ صح الفاجر والفاسق لا يجوز أن أوده وداً مطلقاً. وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، هذه رجع للحديث؛ فإذا اصطنع الفاجر عليك يداً أحببته المحبة التي جبلت القلوب عليها، فيصير مواداً له مع أن حقيقة الإيمان توجب عدم مودته من ذلك الوجه وهو وجه الفجور. وإن كان معه هذا الفاجر من أصل الإيمان ما يستوجب به أصل المودة التي تستوجب أن يخص بها دون الكافر والمنافق، فهذا لا يستحق شيئاً من أشكال المودة أبداً؛ لا أصل المودة ولا فروعها.

وعلى هذا فلا ينتقد الاستدلال إذا أن المحادة الأصل في أنه كافر، ولكن بدنا نفرق بين المحادة الكلية وبين المحادة الجزئية؛ فإذا لأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أظهر مش محاد جزئية، قال: هذا اللي شتم النبي عليه الصلاة والسلام هذا أظهر حقيقة المحادة ورأسها، الذي يوجب كامله ويوجب جميع أنواع المحادة؛ فاستوجب الجزاء المطلق وهو جزاء الكافرين. أما من أظهر النفاق ورأسه استوجب ذلك، وأما من أظهر شعبة من شعب النفاق فلا يستحق العذاب المطلق. إذاً هذه خلاصتها، التفريق بين المحادة الجزئية والمحادة الكلية في هذا الاعتراض اللي اعترض فيه على ابن تيمية. طيب.

قال الدليل الثاني على ذلك قوله سبحانه، الآن أنت من الدليل الأول على كفر شاتم النبي عليه الصلاة والسلام وخلاصته أن المؤذي والشاتم محاد، والمحاد في عرف القرآن كافر. هذه خلاصة الدليل الأول، دائماً نكتب الخلاصات، أنه ابن تيمية إذا ما بتكتب الخلاصات معها بتضيع؛ لذلك هذا الكتاب اختصر، هذا صارم اختصر، اختصر الإمام البعلي أنه ابن تيمية إذا ما بتختصر وراه وبتعطي الخلاصات بتضيع؛ لأنه هو بيعطيك فكرة بعدين بروح بيستطرد بجيبك هون بعدين بيدخلك تحت؛ لأن كلها ردود سريعة قد لا يكون مرتب الأفكار كثيراً، فلازم أنت تفهم خلاصة هذه العقلية. الدليل الثاني على كفر شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم، نعم.

قال الدليل الثاني على ذلك قوله سبحانه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 64-66].

وهذه الآية واضحة حقيقة في دلالتها، ليست مركبة زي الدليل الأول مركب شوي، أما هذه واضحة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم﴾ انتهت، يعني الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم كفر. نعم.

قالوا: هذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بالطريق الأولى. هذا نص، يعني قاطع. مش لأنه بعض الإخوة غير أصوليين ممكن يقول لك: هذا نص، فكر أنه هذا نص، لا هو مش قصده نص أنه هذا نص النص الآن في أصول الفقه، في عندنا النص والظاهر والمجمل؛ النص هو الذي دلالته قطعية، فهنا كلمة نص بمعنى وهذا دلالة قطعية في أن الاستهزاء بالرسول كفر. نعم.

قال: وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جاداً أو هاذياً فقد كفر. وقد روي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل من بين المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنةً، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. في غزوة تبوك كان بعض المنافقين خرج مع الجيش وهم ماشيين هؤلاء المنافقين مع بعضهم والعياذ بالله، إيش كانوا بسولفوا؟ لا ما رأينا مثل قرائنا، مثل فقهائنا، ويقصدون بهم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، أرغب بطوناً يعني بحبوا ياكلوا، ويكذبون، وأجبن عند اللقاء، بهرب من العدو. أنت بتتكلم عن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، طيب ماذا حصل؟

فقال له عوف بن مالك، عوف بن مالك كان ماشي معهم، فقال لهذا المنافق: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك كان القرآن قد نزل بما قاله المنافقون قبل أن يصل عوف إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنا كنا نلعب ونتحدث حديث الركب. فاجأ هذا المنافق يركض؛ لأنه عارف أنه ممكن يقتل، فجاء يركض إلى النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله والله كنا بنمزح وأنت شايفها سفرة طويلة لتبوك وهذا حديث الركب، تعرف واحد بيكون في سيارة مسافر بيسولفوا. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال لهم؟ نعم، فقال رسول الله: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. تلعب بشتم الله ورسوله والمؤمنين؟ أنت ماذا تتكلم؟ هذا عذر أقبح من ذنب. نعم.

قال: ما يلتفت إليه وما يزيد عليه. وقال مجاهد: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقيل: يعني هذا سبب آخر لنزول هذه الآية، رجل كان يقول: النبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا بأشياء من عنده، من عند كيسه، أنه في ناقة مخفية هناك، اذهبوا ستجدونها، كيف عرف أنه في ناقة مخفية؟ يعني يستهزئ. نعم.

وقال معمر عن قتادة: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: أيظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها؟ هيهات. نفس الشيء، هذا سبب آخر قيل لنزول الآية، أنهم كانوا يستهزئون أن يظن محمد صلى الله عليه وسلم أنه سيفتح قصور الروم ورايح على غزوة تبوك. نعم.

قال: فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علي بهؤلاء النفر، فدعا بهم فقال: أ قلت كذا وكذا؟ فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب. قال معمر: وقال الكلبي كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم، يعني في اللي هو عوف بن مالك هو رجل كان يسمع بس هو ما شاركهم، اللي هو عوف بن مالك؛ إذاً على الرواية الأولى. نعم قال: فنزلت ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾.

فالذين عفا الله عنهم منهما عوف بن مالك اللي كان ماشي بس ما شاركهم. نعم. قال: فسمي طائفة وهو واحد، سبحان الله عوف بن مالك سمي طائفة، وهذا يدل على أن الطائفة تطلق على الواحد، وليشهد عذابهما طائفة، طائفة من المؤمنين في الزاني والزانية، الله قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والفقهاء يقولون: ما الطائفة هنا واحد فأكثر؟ فالطائفة تطلق على الواحد فأكثر. نعم.

قال: فهؤلاء لما تنقصوا النبي صلى الله عليه وسلم حيث عابوه والعلماء من أصحابه واستهانوا بخبره، أخبر الله بأنهم كفروا بذلك، وإن قالوه استهزاء، فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ يعني هم لو قالوها استهزاء وعبثاً كفروا، فما بالك لو قالوها تنقصاً من الإسلام وتنقصاً من مقام النبي عليه الصلاه والسلام؟ فيكون الكفر أعلى وأعلى. نعم.

قال: وإنما لم يقم الحد عليهم لكونه -هذا سؤال دقيق كثير اليوم بيسألوه في السياسة الشرعية- طيب لماذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاه والسلام؟ مش أنتم بتقولوا أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم حده القتل ولا يستتاب؟ مش هيك الحكم؟ سياتي معنا. طيب لماذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاه والسلام؟ قال: لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أمر به إذ ذاك، بل كان مأموراً بأن يدع أذاهم ولأنه كان له أن يعفو عمن تنقصه. وإذا الآن هو وضع احتمالين؛ إما لأن جهاد المنافقين وإقامته لم يؤمر به إذ ذاك، وأنا لا أميل إلى هذا الرأي عموماً، أو لأنه كان له هو صلى الله عليه وسلم أن يعفو عن حقه، يعني إذا كان شخص شتمه عليه الصلاة والسلام هو له أن يعفو عن حقه، لكن بعد وفاته نحن ليس لنا أن نعفو بالنيابة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك لا يستتاب. أما النبي عليه الصلاة والسلام كان الله معطيه أحقية: أنه بدك تقتله اقتله وبدك تعفو عن حقك يا محمد صلى الله عليه وسلم لك أن تعفو. هذا احتمال، أو احتمال السياسة الشرعية؛ لا يقال أن محمداً عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه، وأنا أميل إلى هذا.

يعني إما الثاني أو الثالث الذي أنا أضفته أنه حق شخصي وهو له أن يعفو، أو أنه من باب السياسة الشرعية أنه أنا في وقت اللي برا المدينة ما راح يعرف إيش سبب إني قتلت هؤلاء، فقد تخرج دعاية إعلامية أن محمد صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فأوقف إقامة الحد عليهم مراعاة لتلك المصلحة، أوقف إقامة الحد عليهم مراعاة لا يقال أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. فهذا محتمل، أو كما قال: أن يعفو. أما قضية أنه لم يكن أمر بأذى أنت بتتكلم عن غزوة تبوك، غزوة تبوك يعني هي آخر غزوات، صح؟ آخر غزوة ما باقي شيء بعدها من الغزوات، فهذا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، فقوله أنه لم يكن قد أمر بقتال المنافقين إذ ذاك، طيب متى أمر عليه الصلاة والسلام؟ من خلال نحن بنتكلم عن العام التاسع هجري، يعني أمر ما ظل بعديه إلى العام العاشر، وما كان في هناك شيء في العام العاشر تجاه هذا. تفضل، الآية اللي قبلها يوجد الكفار والمنافقين، بعدها مباشرة، بعدها بصفحتين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فأنا يعني زي ما تفضلت أعتقد أنه بعيد هذا الموضوع قضية أنه لم يكن أمر بهذاك.

لو النبي صلى الله عليه وسلم عنقه صلى الله عليه وسلم، ألم يكونوا ارتدوا؟ يعني هو أصلاً الأصل يطبق عليهم حد، ممكن ما يكون طبق عليهم مشان السياسة الشرعية. أحسنت، وما طبق عليهم سياسة شرعية، وهذا الذي قلته أنه هو عفى عن حقه، فلذلك لم يقتله مباشرة. طب هم كفروا بذلك، هو قال أصلاً مش هو، الآية قالت: ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. طيب لماذا لم يقتلهم كما قلت؟ سياسة شرعية، وهذا يدل على قاعدة إخواني مهمة: أن السياسة الشرعية لها نظر واعتبار في إقامة الحدود، وليس كما يفهمه البعض أنه الموضوع حدي بمعنى إذا لم تقم حداً أنت تبدل شريعة رب العالمين، هذا غير صحيح، هذا فهم ظاهري للشريعة، لكن ليس فهم لفحوى الشريعة التي تتعامل مع الموضوع باعتبار معطيات الواقع، أن الحدود قاطعة حاسمة لكن آليات التطبيق تخضع لظروف الواقع، آليات التطبيق تخضع لظروف الواقع وما يترتب على التطبيق من مصالح أو مفاسد، وأما ما سوى ذلك وقضية هذا رجم بالغيب اللي بيتكلم ما سوى ذلك، أنا في اعتقادي هذا لم يقرأ سيرة النبي عليه الصلاه والسلام ولا عرف فقه المسألة، وإنما يجادل بشيء بهواه، يجادل بهواه. نعم.

قال الدليل الثالث قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ واللمز العيب والطعن، قال مجاهد: يتهمك، يسألك، يرزاك، وقال عطاء: يغتابك، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآية، وذلك يدل على أن كل من لمز أو آذاه كان منهم، لأن كان منهم أي من مين؟ من المنافقين. أنه هي.

ومنهم من يلمزك ومنهم الذين يؤذونك. لما نقول: الذين يلمزونك من المنافقين، ومنهم الذين يؤذونك، أعطيهم حكم أنهم منهم؛ إذا هذا من حيث الصناعة الأصولية يدل على ماذا؟ على أن الأذى واللمز علة الحكم عليك بالنفاق، هذا الذي يريد أن يصل إليه. لما أقول: الذين يلمزونك من المنافقين، من حيث الصنعة الأصولية هذه علة ومعلول، إذا يدل على أن هذا الوصف المشتق "الذين يلمزونك" و"الذين يؤذونك" علة للحكم الذي صدر عليه؛ صحيح، تعليق الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق.

فلما تقول الآن: أين الوصف المشتق؟ نقول: ما هو اسم الموصول مع الصلة في حكم المشتق هكذا يقول النحويون. فلما تقول: "ومنهم الذين يلمزونك"، بمعنى: ومنهم اللامزون، هي في قوة: ومنهم اللامزون. فكأني قلت: "منهم اللامزون من المنافقين". إذا أنت علقت هذا الحكم، وهو النفاق، على اللامزون؛ إذاً اللمز يورث النفاق، ونفس الشيء: "ومنهم الذين يؤذون".

شيخنا، القاعدة في الاسم الموصول إذا كانت الصلة غير معهودة أما إذا كانت معهودة فـ.. طبعاً الكلام عن الاسم الموصول الذي يطبق عليه الأحكام والعلل، وبالتأكيد حتى هو أصلاً الاسم الموصول يتكلم عنه الأصوليون حقيقة أنه عموم وما شابه ذلك، هو الاسم الموصول الذي صلته عامة ولا تتكلم عن شخص معين، وهذه أشرت لها في أصول الفقه.

قال: "والذين" و"من" اسمان موصولان، وهما من صيغ العموم، والآية وإن كانت نزلت بسبب لمز قوم وأذى آخرين، فحكمها عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب. يأتي إلى قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. يعني ما يطلع أحد يقول لي: لا بس ما هي الآية كانت تتكلم عن شخص معين، النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكلم معه، نقول: هي ما بتتكلم عن شخص معين فقط. صح هذا الشخص المعين هو كان سبب نزول الآية، لكن باتفاق الجميع كل من فعل مثل ما فعل هذا الشخص المعين تصدق عليه هذه الآية؛ وإلا هكذا أنا أبطل عمومات القرآن ويصير القرآن فقط لمن خول. العبرة بعموم اللفظ وبالاتفاق، إن من فعل مثل ما فعل هذا الرجل داخل في العموم.

ولذلك هو بالاتفاق أن نوع السبب داخل، لكن الخلاف هل جنس السبب يدخل ولا لا؟ هنا الخلاف. ولذلك هذه مسألة نبهنا عليها أن البعض يخطئ في مسألة، يقول لك: في هناك خلاف في العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الخلاف في إيش؟ في الجنس وليس في النوع. يعني من فعل مثل ما فعل هذا الشخص بالضبط هو قطعا باتفاق الأمة يصدق عليه حكم الآية، لكن الخلاف أنه من فعل من جنس ما فعله، يعني هذا الرجل لمز، جاء شخص آخر ما لمز لكن فعل من جنس الأذى، هل نقول أيضاً الآية تصدق عليه بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالخلاف الأصولي في جنس السبب وليس في نوع السبب، نوع السبب بالاتفاق.

قال: فحكمها عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب. وخلاف نعمة أنها تعم الشخص الذي نزلت، ومن كان حاله كحاله. من كان حاله كحاله الذي هو نوع السبب، يعني اللي عمل زيه بالضبط، بالتأكيد اتفاق لا خلاف. هذه قاعدة أصولية ممكن تأخذها أنت وتضعها على هامش الكتاب؛ ابن تيمية يثبت أنه لا خلاف نعلمه بين أهل العلم أن الآية تعم كل من فعل مثل ما فعل هذا الرجل بالضبط.

قال: ولكن إذا كان اللفظ أعم من ذلك السبب فقد قيل إنه يقتصر على سببه، والذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل يوجب القصر على السبب. هذا الخلاف في جنس السبب، يعني من فعل ليس كما فعل ذلك الرجل لكن فعل شيئاً من جنس ما فعله، فهو فهنا يقول ابن تيمية وقع خلاف، والجمهور على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من فعل من جنس ما فعله هذا الشخص ولو لم يفعل عين ما فعله، كل من فعل من جنس ما فعله فهو داخل في العموم.

قال أيضاً: فإن كونه منهم حكم معلق بلفظ مشتق من اللمز والأذى، وهو مناسب لكونه منهم. مناسب أي وصف مناسب لأن يبنى عليه حكم؛ الوصف المناسب هو الذي نرى أن ترتيب الحكم عليه ينبني عليه مصلحة. فكما قلنا اللامز والمؤذي جعل من المنافقين، إذاً اللمز والأذى هو علة الحكم عليه، علة أنه منافق.

قال: هو مناسب لكونه منهم، فيكون ما منه الاشتقاق، هو المصدر الذي منه الاشتقاق؛ فيكون ما منه، يعني المصدر الذي اشتق منه اللامز وهو اللمز، والمصدر الذي اشتق منه المؤذي وهو الأذى، هو علة للحكم عليه بالنفاق. والنفاق هنا هو النفاق الأكبر، فبالتالي يثبت هذا أن اللامز والمؤذي منافق نفاقاً أكبر فهو كافر، وهذا موطن الشاهد.

قال: فيكون ما منه الاشتقاق هو علة لذلك الحكم، فيجب اضطراده. فاضطراده يعني كلما وجد اللمز وجد النفاق، كلما وجد الأذى وجد النفاق. قال: وأيضاً فإن الله سبحانه إن كان قد علم منهم النفاق قبل هذا القول، لكن لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه، فكان ظهور الشتم هو علامة للنبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا منافق؛ يعني هو ليس شرط أن يكون النفاق حصل بسبب هذا، ممكن يكون هو منافق من أول، لكن هذا الفعل كان هو الدليل القاطع للنبي عليه الصلاة والسلام أنه هذا منافق، لأنه هل الله عز وجل أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على كل منافق موجود في المجتمع المدني؟ يقول: ليس شرطاً أن يكون الله أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام على كل منافق موجود في المدينة، وبالتالي أعطاه مؤشرات وعلامات إذا وجدتها فاعلم بذلك أن هذا من المنافقين الذين لم أخبرك سابقاً أنه من المنافقين.

قال: بل قال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101]. ثم إنه سبحانه ابتلى الناس بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعني الله عز وجل أراد بواسطة علمه أن يقيم لنا علامات ودلائل نعرف بها المنافق من المؤمن على حسب طاقتنا؛ أراد الله أن يقيم لنا علامات ودلائل، وذلك لأن الإيمان والنفاق أصله في القلب، وإنما الذي يظهر هو القول والفعل الدال على ما في القلب، فالأقوال والأفعال هي الدلائل التي تدل على ما في قلوب هؤلاء من النفاق أو الإيمان.

قال: فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم والذين يؤذونه من المنافقين، فثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له. ومعلوم أنه إذا حصل الفرع، وهو النتيجة، دل ذلك على وجود الأصل. فحصل أصله المدلول عليه، فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً، سواء كان منافقاً بهذا القول.

أحسنت، يعني بغض النظر كان هو منافق قبل وهذا القول اللي هو اللمز والأذى كان دليلاً على النفاق السابق، أو في فرضية أخرى لا أن يكون النفاق حصل فعلاً عند هذا الرجل بدءاً من هذا القول؛ ممكن، النفاق قد يكون سابقاً وهذا القول وهو اللمز والأذى دليل على النفاق السابق، والاحتمال الثاني أن يكون لا النفاق نشأ الآن بسبب هذا القول ممكن.

قال: فإن قيل: لما لا يجوز أن يكون هذا القول دليلاً للنبي صلى الله عليه وسلم على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم، وإن لم يكن دليلاً لغيرهم، وليس دليلاً لنا نحن، ما بيصير نستدل؟ قلنا: إذا كان دليلاً للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يمكن أن يغنيه الله بوحيه عن الاستدلال، فإن يكون دليلاً لمن لا يمكنه معرفة البواطن أولى وأحرى. يعني بيقول لك بالعكس، فهمت إيش؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام هو مش محتاج لأدلة باعتبار أنه يتصل بجبريل بوحي السماء، فجبريل ممكن يخبره أنه هذا منافق وهذا منافق وانتهى، نحن الأولى والأحرى أن نحتاج إلى أدلة؛ فإن يكون دليلاً لنا أولى وأحرى.

قال: وأيضاً لو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول لم يكن في الآية زجر لغيره. يعني هو يركز على الدلالة المطردة، ايش يعني؟ ما يجي شخص يقول: لا، هو اللمز والطعن كان دليل فقط في هذه الحالة لهؤلاء الأشخاص المعينين، بنقول لهم: لا، اللمز والطعن دليل مستمر إلى يوم القيامة أن هؤلاء منافقون. إنه بعض يقول لك: "ومنهم الذين يلمزونك"؛ أقول لك لا، هنا اللمز كان دليلاً على النفاق في حق هؤلاء اللي كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو ليس دليل مطرد أن كل لامز للنبي عليه الصلاة والسلام منافق، نقول: لا، مش صحيح، كل لامز منافق، هذا دليل مطرد، والأصل في العلة الاطراد أصلاً، مش هيك بيقولوا؟ لأن لا تنقض، إنه كلما وجدت العلة وجد المعلول. فيقول: لو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول وهو اللمز والأذى لم يكن في الآية بالتالي فائدة؛ لأنه لن يكون فيها زجر لغيرهم، إنه كل واحد بيقول لك: لا، ما هو اللمز كان دليل على النفاق فقط لذاك الرجل، فلو أنه شخص آخر لمز أو طعن لا يعتبر منافق، إذا ذهبت الفائدة من الآية وهي الزجر عن ارتكاب مثل ذلك الصنيع.

قال: ولا كان في الآية تعظيم لذلك القول بعينه؛ فإن الدلالة على عين منافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمراً مباحاً، كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحب الثوب الأسود ونحو ذلك. فلما دل القرآن على ذم عين هذا القول والوعيد لصاحبه، علم أنه لم يقصد به الدلالة على المنافقين بأعينهم فقط، بل هو دليل على نوع من المنافقين. إذاً في الآية دليل على نوع من المنافقين وليس على عين.

قال: وأيضاً فإن هذا القول مناسب للنفاق؛ فإن لمز النبي صلى الله عليه وسلم وإيذاءه.. هذا القول اللي هو اللمز والطعن هو مناسب لأن يحكم على صاحبه بالنفاق، هذا استدلال بمسلك المناسبة، يعني هو استدل أولاً بمسلك الإيماء لما قال: الاشتقاق يدل على ترتيب الحكم على المشتق، يدل على علية الاشتقاق، هذا مسلك إيماء وتنبيه، وهنا سيستدل بمسلك المناسبة، أنه هل من المناسب أن نحكم على الإنسان بالنفاق لصدور اللمز والطعن منه بمقام النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول لك: نعم، هذا وصف مناسب للحكم عليه بالنفاق، ليه؟ قال: فإن لمز النبي صلى الله عليه وسلم وإيذاءه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقاً، وأنه أولى به من نفسه، وأنه لا يقول إلا الحق، ولا يحكم إلا بالعدل، وأن طاعته طاعة لله، وأنه يجب على جميع الخلق تعزيره وتوقيره. وإذا كان دليلاً على النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق.

قال: وأيضاً فإن هذا القول لا ريب أنه محرم؛ فإما أن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفراً. يعني بده يعمل سبر وتقسيم، يقول لك سب النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه محرم باتفاق العقلاء مش بس العلماء، أما أن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفراً، نعمل سبر وتقسيم. الأول باطل، ليه؟ قال: لأن الله سبحانه قد ذكر في القرآن أنواع العصاة من الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن، ولم يجعل ذلك دليلاً على نفاق معين ولا مطلق؛ كل المعاصي اللي وردت في القرآن لم يحكم الله على معصية منها أنها نفاق، مع أنها من الكبائر مثل الزنا والسرقة وما شابه ذلك.

قال: فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين، علم أن ذلك لكونها كفراً لا لمجرد كونها معصية، لأن تخصيص بعضها دليلاً على النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك. صح أن تجعل معصية معينة نفاق دون باقي المعاصي، هذا يجعل لها هناك مرجح كما يقول، جعلها نفاقاً دون غيرها، وإلا أن تجعلها نفاقاً دون غيرها سيكون ترجيحاً بلا مرجح.

قال: لأن تخصيص بعض المعاصي بجعلها دليلاً على النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك، ولا كان ترجيحاً بلا مرجح، فثبت أنه لا بد أن تختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلاً على النفاق، وكل ما كان كذلك فهو كفر. وأيضاً فإن الله سبحانه لما ذكر...

النفاق هو النفاق الأكبر. قال: وأيضًا في أن الله سبحانه لما ذكر بعض الأقوال التي جعلهم بها من المنافقين، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُونَ لَئِنْ أَمَرَنَا الْأَمْرُ دُونَهُ لَنَرْوַحَنَّ مِنْهُ وَلَنَكُونُنَّ مِنَ الرَّادِحِينَ﴾ [التوبة: 59]، وأيضًا قوله: ﴿إِذْ يَقُولُونَ لَئِنْ أَمَرَنَا الْأَمْرُ دُونَهُ لَنَرْوַحَنَّ مِنْهُ وَلَنَكُونُنَّ مِنَ الرَّادِحِينَ﴾ [التوبة: 59].

تكلم القرآن عمومًا عن النفاق الأكبر والشرك الأكبر والكفر الأكبر، والسنة هي التي أشارت إلى الكفر الأصغر والنفاق الأصغر والشرك الأصغر. هذا جيد أن تفهمه؛ فإسقاط بعض العلماء آيات معينة ورد فيها لفظ الكفر أو الشرك أو النفاق على النفاق الأصغر أو الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر، هذا من الاستدلال بما ورد في الكفر الأكبر على الكفر الأصغر، أو ما ورد في الشرك الأكبر وإسقاطه على الشرك الأصغر. أما أن القرآن استعمل لفظ الكفر أو الشرك ابتداءً وقصد به الشرك الأصغر أو النفاق الأصغر أو الكفر الأصغر، فهذا غير موجود.

أحسنت، المحادة يمكن أن تُحمل على المحادة المطلقة وتُسقط على المحادة الجزئية، فهذه قضية انتبه لها؛ لأن بعض الملبسين اليوم يأتيك بلفظ الكفر ويقول لك: لا، المراد بها الكفر الأصغر. نقول: القرآن لم يستعمل الكفر بهذا المعنى، وهذا يحتاج منك أن تفهم أسلوب القرآن؛ فليس كل شخص يتكلم في القرآن وتفسيره وإسقاطه، هذه قضية فيها عبث كثير.

انظر ماذا يعلمك ابن تيمية؛ يعلمك أن تستقرئ الكلمة في القرآن وكيف تُستعمل حتى تفهم العرف القرآني ولا تستعمل القرآن عبثًا. وعليك أن تفهم مقاصد الصحابة في إسقاط آيات الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الأكبر على صور من الكفر الأصغر أو الشرك الأصغر، فهذا هو الاستدلال بما ورد في الأكبر على الأصغر، وليس أن الآية وردت ابتداءً في الأصغر. فهمتم؟ هذا مهم جدًا أن تنتبه له؛ فممكن واحد يقول لك هذا الكلام عن النفاق الأصغر، فتقول: لا يا أخي، القرآن يتكلم عن النفاق الأكبر، والنبي ﷺ في السنة هو الذي أشار إلى النفاق الأصغر، من هناك تعلمنا ذلك.

قال: وأيضًا فإن الله سبحانه لما ذكر بعض الأقوال التي جعلهم بها من المنافقين، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُونَ لَئِنْ أَمَرَنَا الْأَمْرُ دُونَهُ لَنَرْوַحَنَّ مِنْهُ وَلَنَكُونُنَّ مِنَ الرَّادِحِينَ﴾ [التوبة: 59]، وفي عقب ذلك: ﴿لَا يَسْتَأْذِنْكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 53] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنْكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 53].

فجعل ذلك علامة مرضهم على عدم الإيمان وعلى الغيب. أنه لما يقول لك: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنْكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يستأذنونك في عدم الجهاد؛ فجعل الاستئذان في عدم الجهاد دلالة على عدم الإيمان بالله واليوم الآخر. قال: "يستأذنك اللي ما يؤمن بالله واليوم الآخر"، إذاً جعل عدم الاستئذان في عدم الجهاد دليلاً على أن هذا الشخص لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فلعل ذلك -أي الاستئذان في عدم الجهاد- علامة مرضهم على عدم الإيمان، وجعله علامة مضطردة على الريب؛ لأنه قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، عشان كذا يستأذنونك في عدم الجهاد.

قال: "مع أنه رغبة عن الجهاد مع رسول الله ﷺ بعد استنفاره وإظهار من القاعد أنه معذور بالقعود وهو في الواقع ليس معذورًا، وحاصله هو عدم إرادة الجهاد". أي أنه رغب عن الشيء يعني كرهه، أي رفض كره الجهاد مع النبي ﷺ بعد أن استُنفر، ومع ذلك أظهر أنه معذور بالقعود وهو في الواقع ليس معذورًا، وحاصله عدم إرادة الجهاد؛ هذا الاستئذان هو استئذانك ألا تجاهد، أي أنك لا تريد الجهاد مع أنك لست معذورًا وتظهر أنك معذور، فيقول: وحاصله عدم إرادة الجهاد هو دليل على عدم إيمانك بالله واليوم الآخر.

فسؤال: أيهما أشد، عدم إرادة الجهاد أم لمز النبي ﷺ وأذاه؟ يقول: "فلمزه ﷺ وأذاه أولى أن يكون دليلاً مضطردًا على عدم الإيمان بالله واليوم الآخر"؛ لأن الأول هو ترك الجهاد مع النبي ﷺ وهو خذلان، أما الشتم فهو محاربة له. فعدم جهادك معه هو خذلان له، أما شتمك له فهذه محاربة للنبي ﷺ، فهي أولى من أن يجعل صاحبها كافرًا. فهو يقول: إذا كان عدم الجهاد وعدم رغبته مع النبي ﷺ في الجهاد علامة من علامات أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر -مع أن هذا مجرد خذلان- فمن باب أولى أن يكون شتم النبي ﷺ علامة مضطردة على عدم الإيمان بالله واليوم الآخر.

ثم قال: "وإذا ثبت أن كل من لمز النبي ﷺ أو أذاه فهم منهم"، فالضمير عائد على المنافقين والكافرين، عائد على المنافقين؛ لأنه سبحانه لما قال: ﴿قُلْ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَتَبِعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يَهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42]. وهذا الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور، هم الذين حلفوا: "لو استطعنا لخرجنا معكم"، غير مذكور في السياق لكن معلوم، على من يرجع الضمير؟ على الذين حلفوا: "لو استطعنا لخرجنا معكم"، ﴿يَهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

قال: "هؤلاء هم المنافقون بلا ريب ولا خلاف". فما أعاد الضمير عليهم إلا لقوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 54]، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]. فثبت أن هؤلاء الذين أضمروا كفروا بالله ورسوله.

قال: "كفروا بالله ورسوله وقد جعل منهم..."، هؤلاء الذين أضمروا يقصد الذين وردوا في الضمير "منهم". فثبت أن هؤلاء الذين أضمروا في داخل الضمير "منهم"، هؤلاء قوم كفروا بالله وبرسوله، وقد جعل الله منهم من يلمز، ومنهم من يؤذي، ومنهم من يلمزك في الصدقات، ومنهم الذين يؤذون النبي، ومنهم من يقول: ﴿إِذْ يَقُولُونَ لَئِنْ أَمَرَنَا الْأَمْرُ دُونَهُ لَنَرْوַحَنَّ مِنْهُ وَلَنَكُونُنَّ مِنَ الرَّادِحِينَ﴾ [التوبة: 59]. ما هي كل سورة التوبة؟ سورة فاضحة.

قال: "كفروا بالله ورسوله وقد جعل منهم من يلمز ومنهم من يؤذي"، وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ بِأَخْرَاجِينَ﴾ [التوبة: 65]، أي إخراج لهم عن الإيمان، يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يُفَرِّقُونَ﴾ [التوبة: 67].

يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً. قال: «وما هم منكم يعرفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم»، إذا هم ليسوا مؤمنين بل كفار.

وقد نطق القرآن بكفر المنافقين في غير موضع، وجعلهم أسوأ حالة من الكافرين، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم يوم القيامة يقولون للذين آمنوا: ﴿انظُرُونَا نَكْسِبْ طَرِيقَتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وأمر نبيه في آخر الأمر بأن لا يصلي على أحد منهم، وأخبر أنه لن يغفر لهم، وأمره بجهادهم والإغلاظ عليهم، وأخبر أنهم إن لم ينتهوا ليغرين الله نبيه بهم حتى يقتله في كل موضع.

الدليل الرابع على ذلك أيضًا قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا.

فأستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ووجه الدلالة أن الله أقسم سبحانه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه، بل يسلموه لحكمه ظاهرًا وباطنًا.

وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾. فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقًا.

وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقول: "سمعنا وأطعنا". فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول: "سمعنا وأطعنا".

فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره -مع أن هذا ترك محض وقد يكون سببه قوة الشهوة- فكيف بالآذى الحقيقي للنبي ﷺ؟ فإذا كان ترك التحاكم إلى النبي ﷺ يورث النفاق وعدم الإيمان، فما بالك بمن يفعل فعلًا وهو الأذى الحقيقي للنبي ﷺ؟ فهذا من باب أولى أن يزول عنه اسم الإيمان.

ويؤيد ذلك ما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره، حدثنا شعيب بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا عتبة بن ضمرة قال: حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق.

فذهبوا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه. فقال أبو بكر: فأنت ما على ما قضى به النبي ﷺ؟ فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب فتاهيه. فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، فأتَيْنا أبا بكر الصديق فقال: أنتما على ما قضى به النبي ﷺ فأبى أن يرضى، فأتَيْنا عمر فقال: كذلك.

فدخل عمر منزله، ثم خرج وسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. هذه القصة عن عمر بن الخطاب من حيث الإسناد فيها ضعف، وابن تيمية يعرف ذلك، لذلك قال: «وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار».

إذن ابن تيمية يعرف أن هذا الحديث ليس في درجة عالية من الصحة. وهذه القصة عن عمر، والبعض اعترض عليه أنه كيف لعمر أن يقتل دون أن يراجع النبي ﷺ في ذلك؟ ابن تيمية الذي ذكرها لم يعترض عليها، بناءً على أنه ممكن نقول إن عمر رضي الله عنه عرف من القرائن أن النبي ﷺ سكت عن قتلهم اختيارًا منه وليس إلزامًا، فبالتالي اجتهد عمر في ذلك.

هل نبني عليه الأحكام مع معرفتنا بأن الحديث مرسل؟ هذه قضايا تناقش في سياقات معينة، مثل: هل يجوز لرجل في الدولة المسلمة أن يفعل كما فعل عمر، يرى مثلا أن الحاكم لم يتخذ قرارًا في شخص معين فيذهب ليقول: "أنا سأتخذ القرار لحالي"؟ لذلك في إشكال في النقاش حول هذه القصة، لكن ابن تيمية ذكرها استئناسًا ولم يذكرها في أصل الاستدلال، قال: «ويؤيد ذلك»، فهي استئناسيّة يمكن أن يستأنس بها، قال: «وتصلح للاعتبار عمومًا».

وقال ابن دحيم: حدثنا الجوز الجاني قال: حدثنا أبو الأسود قال: حدثنا ابن الهيعه عن أبي الأسود عن عروة بن زبير قال: اختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان فقضى لأحدهما، فقال الذي قضي عليه: ردنا إلى عمر. فقال رسول الله ﷺ: «نعم، انطلقوا إلى عمر». فانطلقوا، فلما أتوا عمر قال الذي قضي له: يا ابن الخطاب، إن رسول الله ﷺ قضى لي، وإن هذا قال: ردنا إلى عمر، فردنا إليك رسول الله ﷺ. فقال عمر: كذلك للذي قضي عليه؟ قال: نعم. قال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما. فخرج مشتملاً على سيف، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتل عمر صاحبي، ولولا ما أعجزته لقتلني.

قال رسول الله ﷺ: «ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن»، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. كان النبي ﷺ أنكر على عمر، فأنزل القرآن يؤيد عمر؛ فما كنت أظن عمر يجترئ على قتل مؤمن، فنزلت الآية لأن هؤلاء ليسوا مؤمنين، وهذه من الآيات التي وافق فيها القرآن حكم عمر، فبرأ الله عمر من قتله، أي أن عمر لم يخطئ في قتله.

طبعًا هذه قصة في إسنادها ابن لهيعة، إذا لاحظتم السند فيه ابن لهيعة، وهو سيعلق ابن تيمية على هذا. قال: «وقد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين». قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما كنت أكتب حديث ابن لهيعة إلا لاعتبار واستدلال، وقد أكتب حديث الرجل على هذا المعنى كأني أستدل به مع غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد».

قوله إن ابن لهيعة هنا لم ينفرد بهذا، فقد رويت القصة بالإسناد السابق، وبالتالي لها ما يشد أصلها، ولابد أن نحملها على معنى صحيح إذا أردنا الاستدلال بها على واقع أن عمر اجتهد، وكان يعلم أن مثل هذا حكمه أنه يقتل؛ كان هذا اجتهاد عمر أن مثل هذا يجب أن يقتل. لكن تبقى قضية: هل اجتهاده في حضرة النبي ﷺ كان سائغًا؟ هذا هو السؤال.

البعض يقول لك: لا، الصحابي لا يجتهد في حضرة النبي ﷺ، أما إذا كان غائبًا -كما قلنا في الأصول- فممكن يجتهد، لكن إذا كان النبي ﷺ موجودًا فالصحابة لا يجترئون. وقد يقال: لا، الصحابة ممكن، وخاصة عمر؛ لأنه يعرف أن النبي ﷺ يعطيه المساحة في بعض أنواع الاجتهاد. قد يكون عمر يعلم من سياق حاله مع النبي ﷺ أنه يأذن له بأنواع من الاجتهاد، يعرف هذه المكانة له، عشان هيك النبي ﷺ ما أنكر عليه الاجتهاد، لكن أنكر عليه النتيجة؛ أنه كيف قتلت مؤمنًا، فنزل القرآن يوافق أن اجتهاد عمر صحيح. وهذا قد يستدل به على قول من يقول من الأصوليين إن الصحابة كانوا يعطون مساحة من الاجتهاد حتى ولو كانوا بحضرة النبي ﷺ.

تفضل عبد الرحمن، النبي ﷺ مش هو الذي أحاله عليهم؟ مش أحالهم على سيدنا عمر بن الخطاب في القصة؟ حين اعترض الرجل فقال إنه يروح لعمر، قال له: «روح عند عمر بن الخطاب» ﷺ. في الرواية الثانية، أنت تقصد في الرواية الثانية؟ النبي ﷺ في هذه الرواية قد يساعد، ردنا إلى عمر، هم استأذنوا، فلما قالوا في الرواية الثانية: «انطلقوا إلى عمر»، إذاً هذا إذن بأنه عمر يقضي بينكم، فصار عمر قاضيًا بإذن النبي ﷺ. هذا تفكير صحيح على الرواية الثانية.

ممكن هذا يساعد على فهم المشهد؛ لأنني أقول لك هذه قضية عين، أنا ما يصير أعممها أو آخذ منها؛ لأن هذه قضية عين فيها أشياء تبقى محل استشكال، فلا بد أن نجمع الروايات جمعًا كاملاً ونحملها على معنى مفهوم صحيح يستقيم مع ما نعرفه من طبيعة الشريعة. فبالتالي الرواية الثانية -زي ما تفضلت- قد تساعد على هذا الفهم، أنه عمر أُعطي حق القضاء فقضى، وليس أنه تجرأ. فنحمل الرواية الأولى على الرواية الثانية؛ لأنه دائمًا قضايا الأعيان إذا لم يُفهم سياقها أو كان فيها عدة احتمالات، ما يصير تأخذ منها حكمًا. والله يجوز لأحد الرعية إذا رأى الحكم أن يأخذه بدون أن يرجع إلى السلطان؟ هذه مشكلة، هذه فوضى! تخيل كل واحد يقول: الحاكم ما حكم، يلا أمسك سيف واقتله! هذا لا تستقيم الدول به، الأصل أن الأحكام تطبقها الهيئات القضائية الرسمية أو الحاكم. فإذا شخص اجتهد وطبق هو الحكم وحده، فهذا فيه إشكال. فلذلك كما قلنا، لا بد أن نفسرها ونحملها على معنى صحيح، وأعتقد أنه كما تفضلت، ما ورد في رواية «انطلقوا إلى عمر» هو نوع من التفويض لعمر، فأصبح عمر قاضيًا مفوضًا، وبالتالي لما اتخذ قرارًا أن يقتل ذاك الرجل، كان بناءً على التفويض الذي عرف أنه حصل عليه، والله أعلم.

قال الدليل الخامس مما استدل به العلماء على ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا...﴾ [الأحزاب: 57-58] الآية. ودلالتها من وجوه: أحدها أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنهما: «ومن آذى الله فهو كافر، حلال الدم».

يبين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئًا واحدًا؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 24]. وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في مواضع متعددة، وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فوضع الضمير للطرفين، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، وقال أيضًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ورسوله شيئًا واحدًا؛ فقال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال: ﴿وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.

في هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله. إن جهة الله ورسوله واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله. إن الأمة لا يصير ما بينها وبين ربها إلا بواسطة الرسول ﷺ، لا يصلون ما بين ربهم إلا بواسطة الرسول ﷺ، ليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه ﷺ.

قال: وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يُفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.

وثانيها أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل هذا قد يحتمل بهتانًا مبينًا وجعل على ذلك لعنته في الدنيا والآخرة وعدله العذاب المهين؛ لأنه في الآية الأولى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فالنتيجة أعدلهم عذابًا مهينًا، لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدلهم عذابًا مهينًا. وأما الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، فقد فرق بين النتيجتين أو العذابين.

قال: ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل. أذى المؤمنين قد يصل أحيًا إلى الجلد، أليس كذلك؟ فما بعد الجلد إلا الكفر والقتل. يقول لك في بيته، طبعًا هذا كلام فيه نوع من التتميم الزائد، لكن عمومًا ماشي.

قال الثالث: إنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة، وعد لهم عذابًا مهينًا. واللعن هو الإبعاد عن الرحمة والطرد منها في الدنيا والآخرة، ولا يكون إلا كافرًا؛ لأن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات، ولا يكون إلا مباح الدم؛ لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله.

هذا المفهوم القراني في اللعن في الدنيا والآخرة لا يطلق إلا على كافر، لأن المؤمن يقرب من رحمة الله في بعض الأوقات؛ أي إنسان عنده ولو ذرة من الإيمان يقرب من الرحمة بشكل من الأشكال في بعض الأوقات. فمن طُرد عن رحمة الله لا يكون إلا كافرًا، ولا يكون إلا مباح الدم؛ لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله.

يقول صاحب النسخة: "ولا يكون مباح الدم"، توهم أنها عن مؤمن، لكن الكلام مفهوم؛ اللعن هو الطرد من الرحمة، والطرد من الرحمة في الدنيا والآخرة في الاستعمال القراني لا يكون إلا لكافر، لأن المؤمن يقرب من رحمة الله في بعض الأوقات.

يقول تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61].

فإن أخذهم وتقتيلهم -والله أعلم- هو بيان لصفة لعنهم وذكر لحكمته، فلا موضع له من الإعراب، وليس بحال ثانية؛ لأنهم إذا جاوروه ملعونين ولم يظهر أثر ذلك عليهم. قال: بل تلك اللعنة ثابتة قبل هذا الوعيد وبعده، فلا بد أن يكون هذا الأخذ والتقتيل من آثار اللعنة التي وعدوا بها، فيثبت في حق من لعنه الله في الدنيا والآخرة.

ويؤيده قول النبي ﷺ: «لعن المؤمن كقتله» [متفق عليه]. فإذا كان الله قد لعن هذا في الدنيا والآخرة فهو كقتله، فعلم أن قتله مباح. وقيل: اللعن إنما يستوجبه من هو كافر، لكن ليس هذا جيدًا على الإطلاق.

ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 51-52].

ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا، ونصير هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي أي نصير؛ فهذا يوجب عدم عصمة الدم، فلو كان معصوم الدم لوجب على المسلمين أن ينصروه ويحموه على الأقل.

ويوضح ذلك أنه قد نزل في شأن كعب بن الأشرف، وكان من لعنته أنه قتل لأنه كان يؤذي الله ورسوله. الآية التي تتحدث عن الإيمان بالجبت والطاغوت نزلت في قصة كعب بن الأشرف، وكعب بن الأشرف ما كان حكمه؟ أن يقتل، قال النبي ﷺ: «اقتلوا كعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله».

تفضل، بيان صفة لعنهم وذكر لحكمه، جملة تفسيرية، وليس بحال ثانية؛ لأنهم إذا جاوروه ملعونين ولم يظهر أثر هذه اللعنة في الدنيا، فلن يكون في ذلك وعيد لهم. بل تلك اللعنة ثابتة أصلاً قبل هذا الوعيد وبعده، فلا بد أن يكون هذا الأخذ والتقتيل من آثار تلك اللعنة التي وعدوا بها.

تفضل شيخنا، هل جملة "أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا" تكون في محل نصب صفة للملعونين؟ - يا شيخنا، سياق الصفة لا بد أن تكون جملة الصفة إذا أرادت أن تكون نعتًا أن تكون جملة خبرية، لكن "أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا" ليس سياق تقييد بنعت، هو سياق بيان وإيضاح؛ لذا أميل إلى أنها جملة تفسيرية.

- هل يمكن أن تكون جملة صفة؟ - والله صعب أقول لك خطأ، لكن السياق يميل إلى أنها تفسيرية، ومع ذلك يجوز وجه آخر، فمشكلات وجوه الإعراب كثيرة.

لا تستعجل في نفي وجه منها، الله أعلم. نعم، قال: «واعلم أنه لا يرد على هذا أنه قد لعن من لا يجوز قتله لوجوه».

أحدها: أن هذا قيل فيه لعنه الله في الدنيا والآخرة، فبين أنه سبحانه أقصاه عن رحمته في الدارين. وسائر الملعونين إنما قيل فيهم: لعنه الله، أو عليه لعنة الله.

قد يعترض على هذا أنه يا ابن تيمية: هل كل من لعن فعلاً في نصوص الكتاب والسنة وجب قتله؟ قال: قد يرد على هذا أنه قد جاء لعن أناس مع أنه لا يجوز قتلهم، فكيف تأخذ أن هؤلاء يجوز قتلهم لأنهم سبوا؟ يعني هل سب النبي ﷺ ومؤذيه بالسب ملعون، يعني يساوي يجب قتله؟ هناك كثير من الناس لعنوا على أفعال في الكتاب والسنة، لعن الله الواصلة، هل نقول إنها تقتل؟ ما أحد يقول تقتل، إلا واحد عنده تشدد فيقول لك: هل كل ملعون على معصية يقتل؟ فقال: لا، ما تعترض علي بهذا الاعتراض.

ليه؟ قال: لي وجوه، أحدها: أن هذا قيل فيه لعنه الله في الدنيا والآخرة؛ جاء فيه عموم كبير، لعن في الدنيا والآخرة، مش لعن مطلق، كأن تقول: لعن الله من فعل كذا، لا، بل جاء بصيغة: لعنوا في الدنيا والآخرة، فبين أنه سبحانه وتعالى أقصاه عن رحمته في الدارين. وسائر الملعونين في المعاصي والذنوب التي لا يقتل صاحبها، إنما يقال: لعن الله الواصلة، أو لعن الله الواشية مثلاً، أو عليه لعنة الله، وذلك يحصل بإقصائه عن الرحمة في وقت من الأوقات، ويكفي لحصول هذا. وفرق بين من لعن في الدنيا والآخرة، أو عليه لعنة مؤبدة عامة، ومن جاءت لعنته لعنة مطلقة وليست لعنة على وجه العموم؛ فاللعنة المطلقة هي: لعن الله الواصلة، لكن: لعن الله فلاناً في الدنيا والآخرة، هذا لعن عام فيدل على شيء أوسع وأعلى.

ثانياً: أن سائر الذين لعنهم الله في كتابه، مثل الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ومثل الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله يبغونها عوجاً، ومثل من يقتل مؤمناً متعمداً، إما كافر وإما مباح الدم، بخلاف بعض من لعن في السنة.

الوجه الثاني: أن العرف القرآني، إذا أردت أن تفهم لغة القرآن، فإن القرآن يتكلم عن الكفر الأكبر، والشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، يتكلم أيضاً عن اللعن الأكبر. سائر الذين لعنهم الله في كتابه إما كافر أو مباح الدم؛ لأنه ممكن واحد يقول لك: طب والقاتل؟ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾. عشان كذا ابن تيمية احترز، ابن تيمية ذكي هنا، قال: إما كافر أو مباح الدم؛ لأن القاتل عمداً ليس كافراً بل مباح الدم، فهو يقول لك: كل من لعنه الله في القرآن إما كافر أو أقل أحواله أنه مباح الدم، بخلاف بعض من لعن في السنة؛ فقد لعن في السنة أناس ليسوا كافرين وليسوا مباحي الدم.

ثالثاً: من الترجيح أن هذه الصيغة خبر عن لعنه الله له، ولهذا عطف عليه وأعد له عذاباً مهيناً. وعامة الملعونين الذين لا يكفرون إنما لعنوا بصيغة الدعاء، مثل قوله ﷺ: «لعن الله من غير منار الأرض»، و«لعن الله السارق»، و«لعن الله آكل الربا وموكله» ونحو ذلك. إذاً فرق بين صيغة الخبر وبين صيغة الدعاء؛ أن هذه الصيغة جاءت صيغة خبرية عن لعنه الله له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، فهي جملة خبرية، بخلاف الملعونين الذين لم يصل اللعن بهم إلى الكفر أو القتل، فتكون لعنتهم على صيغة دعائية: لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله السارق.

لكن الذي يرد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ إذاً يقول لك هي الآية ترد على كلام ابن تيمية، آية القذف في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، المحصنات يعني العفيفات، الغافلات المؤمنات، لعنوا في الدنيا والآخرة، طب هذول الذين يرمون المحصنة يكفرون؟

والجواب عن هذه الآية من طريقين: مجمل ومفصل. فما المجمل: هو أن قذف المؤمن -القذف المجرد- هو نوع من أذاه، وإذا كان كذباً فهو بهتان عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. والقرآن قد نص على الفرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. فلا يجوز أن يكون مجرد أذى المؤمنين بغير حق موجباً للعنة الله في الدنيا والآخرة، إذ لو كان كذلك لم يفرق بين أذى الله ورسوله وأذى المؤمنين، ولم يخصص مؤذي الله ورسوله باللعنة المذكورة ويجعل جزاء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، كما قال في موضع آخر: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.

العليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة يأتي زاجراً عنها، فلا بد أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها، فإذا ذكر الخطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى متوعداً عليهما زاجراً عنهما، ثم ذكر في إحداهما جزاءً وذكر في الأخرى ما هو دون ذلك، ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعداً عليها بالعذاب الأدنى بعينه، عُلم أن الجزاء الأكبر لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها. فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا والآخرة وإعداده العذاب المهين لا يستوجب بمجرد القذف الذي ليس فيه أذى الله ورسوله، هذا كافٍ في اضطراد الدلالة وسلمته عن النقد.

وما الجواب المفصل؟ فمن ثلاثة: صار الدليل، شيخ، الله عز وجل ذكر نفس هذا الإثم، أو نفس هذا الشيء الذي يستحق العقوبة بعقوبتين مختلفتين، إحداهما أكبر من الأخرى، فهذا يبين أن أقل حالات هذا الفعل أن يكون صاحب العقوبة الأدنى، ولكن العقوبة الكبرى قد يصل إليها إذا احتف بقراء أو بأمور معينة. أحسنت، أن الإنسان قد يصل إلى العقوبة.

الأعلى إذا احتفى بقرائن، فما بالك أنه واحد يقذف عائشة رضي الله عنها وتكون أم المؤمنين؟ فهذا يصل إلى ماذا؟ يصل إلى أنه لعن في الدنيا والآخرة؛ الذي يؤذي المؤمنين.

في سورة الأحزاب قال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بِهَتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. لكن هل يمكن أن يصل إلى ما هو أعلى من ذلك؟ في سورة النور لما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فذكر ماذا؟ العذاب الأشد لهم. في سورة النور يقول، فهذا دليل بلك أن لعنه الله في الدنيا والآخرة وإعداد العذاب المهين لا يستوجب مجرد القذف، طبعاً الذي ليس فيه أذى لله ورسوله.

هذا كافٍ في اضطراد العلة وسلامتها عن النقد. وما يريد أن يقوله هنا، حتى أضيف، أنه كان هناك كلام في أن الذين يرمون المحصنات لعنوا في الدنيا والآخرة، هذا هنا قد يكون له علاقة بمقام عائشة؛ أنها هنا قضية في سورة النور، ليست مجرد قذف قذفه لمن؟ عائشة. وبما أن عائشة رضي الله عنها لها تعلق بجناب النبي ﷺ، فاستوجبت العذاب الأعلى هنا، وهذا دليل يبين لك أن لعنه الله في الدنيا والآخرة وإعداد العذاب المهين لا يستوجب بمجرد القذف الذي ليس فيه أذى لله ورسوله.

وهذا كافٍ في اضطراد الدلالة؛ أن اللعن في الدنيا والآخرة لا يكون إلا لمن وصل به الحال إلى درجة الكفر أو استحلال الدم. المشكلة هي أنك خرجت بقاعدة من أن اللعن في القرآن إنما يكون على من هو كافر أو مباح الدم، فهل القاذف بحد ذاته كافر ومباح الدم؟ لا، بالتالي صارت الآية تنقضك. فهو يقول لك لا، الآية على هذا الوجه الجملة لا تنقضني؛ لأن هؤلاء لم يستوجبوا اللعن في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم على مجرد القذف، بل لما ارتبط به أن الشخص المقذوف له ارتباط أيضاً بالنبي ﷺ، وبالتالي هذا يدل على استحقاقه للقتل، وبقيت دلالة مستقرة لم تنتقض.

كذلك لو كان الفعل مساوياً، لو كان من يسب الله ورسوله ﷺ في الدنيا والآخرة، لكان هناك تسوية بين هذا وهذا، فالمسلم لا بد أن يكون الكلام عن أن ليس مجرد القذف هو الذي استوجب لعنه الله في الدنيا والآخرة، بل لا بد أن يكون جعل يستحق أن يقال فيه إنه لعن الله في الدنيا والآخرة، وهي الأذى لله ورسوله، وقذف عائشة رضي الله عنها بالتأكيد ليس مجرد قذف، هو قذف زائد عليه أذى لله ورسوله.

أخي، ممكن يشكل عليه أن يقال: إن من قذف عائشة رضي الله عنها لم يقتلوا، مع أنهم كانوا يؤذون رسول الله ﷺ واستوجبوا اللعن بهذه القرائن. قضية لماذا لم يقم عليهم الحد نرجع فيها إلى القضية السابقة في حق النبي ﷺ وله أن يعفو عنه، وسوف يأتي في اضطراد ابن تيمية أن النبي ﷺ حقه وغضبه لذلك. الآن من سب عائشة أو من طعن فيها يقتل، ويقول يقام عليه حد القذف؛ لعدة جهات: من جهة أنه مس الجناب الشريف، ومن جهة أنه كذب القرآن. الفكرة هي: لماذا لم يقم فعلياً؟ هذه لها مساحة من التفكير في السياسة الشرعية، لا يستدل بها بحد ذاتها.

أما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه، أحدها أن هذه الآية في أزواج النبي ﷺ خاصة، في قول كثير من أهل العلم. كما قلنا، أن أن يصل به الأمر أن يلعن في الدنيا والآخرة، هذا يدل على أن القضية ليست مجرد قذف، بل قذف مع أذى للمقام الشريف.

ورواه هشيم عن العوام بن حوشب قال: حدثنا شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة النور، فلما أتى على هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية، قال: «هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف الله له توبة»، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة. قال: فرح رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر.

وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش، وهذا هو كما قلت، هذا يوافق الوجه الإجمالي الذي وصل إليه في أن هذه الآية ليست خاصة فقط بأنه قذف، بل قذف مع كون المقذوفة هي عائشة رضي الله عنها.

وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش عن عوام عن سيد بن جبير عن ابن عباس، أن: «الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة، واللعنة في المنافقين عامة». فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت في من يقذف عائشة وأمهات المؤمنين، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ وعيبه. فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها؛ لأنه نسبه له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه، فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيماً، ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت دون أن يحدها باللعان، ولم يبح لغيره أن يخذ امرأة بحال.

ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف. ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالآمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن، حُد لقذفها لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين، والرواية الأخرى عنه وهي قول الأكثرين أنه لا حد عليه؛ لأنه أذن لهما، لا قذف لهما، وإنما يجب القذف في جانب النبي ﷺ وأذاه كقذفه، ومن يقصد عيب النبي ﷺ بعيب أزواجه فهو منافق، وهذا معنى قول...

ابن عباس، اللعنة في المنافقين عامة. وقد وافق ابن عباس على هذا جماعة، فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال: سألت سعيد بن جبير، فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ فقال: لا، بل الزنا. قلت: فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23]؟ فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة.

وعن أبي الجوزاء في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، قال: هذه لأمهات المؤمنين خاصة. وروى الأشج بإسناد عن الضحاك في هذه الآية قال: هنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقال معمر عن الزهري: إنما عُنِي بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال الله تبارك وتعالى.

قال: وجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف، فتكون لهن في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتعريف المعهود، والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ هنا ليست للعموم بل للعهد الذهني أو العهد الذكري، يعني بنظر العهد الذهني إذا أريد عموم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: إن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك، أو نقول إن هذا من العام الذي أريد به الخصوص، والسبب مش قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إذا جاءت قرينة تدل على خصوص السبب؟

قال: ويعضد هذا القول أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول السورة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، فترتب الجلد والرد والشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بد أن تكون المحصنات غافلات مؤمنات، لهن مزية على مجرد المحصنات العفيفات.

قال: ذلك والله أعلم، لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين، هن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة، وعوام المسلمات إنما يُعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان. ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11]، فتخصيصه بمتولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بعذاب أليم. وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14]، فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف، وإنما يمس متولي كبره فقط.

وقال هنا: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى كبر الإفك، وهذه صفة المنافق. وقال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أين وردت؟ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يعني هي مشابهة لما ورد في ابن أبي في بداية السورة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فلأن الكلام عن عائشة، ثم هنا الكلام عن عموم أمهات المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهم لكل من يرمي أي أم من أمهات المؤمنين، ليس فقط عبد الله بن أبي، كل من يرمي أي أم من أمهات المؤمنين لهم عذاب عظيم.

قال: واعلم أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضًا موافقة لتلك الآية؛ لأنه لما كان رمي أمهات المؤمنين إذ أذى النبي صلى الله عليه وسلم، لعن صاحبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ابن عباس: ليس فيها توبة لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته، أو يريد إذا تاب... واعلم أن هذا القول بناء على هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضًا موافقة لتلك الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آذَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: 57]، يعني بتصير هي الآية موافقة لآية سورة الأحزاب.

أو يريد إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلامًا جديدًا، وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أذى بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة، فإنه ما بغت امرأة نبي قط.

وما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجه في الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول»، استعذر يعني من يعذرني بالتالي يعني من يعاقب أو يصرفه عني.

ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه. وطبعًا هذا سيشكل عليه التفسير الذي ذكره ابن طبري في سورة نوح في قصة نوح أنه «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ» [هود: 46]. الآن ذكر المفسرون تفسيرين؛ ذكر بعضهم أنه ولد زنا، وأن «امرأتك أتت به على غير رشده» فهو ليس من ولدك أصلًا، طبعًا هذا قول ذكره الطبري ومجموعة من المفسرين، أنه لما قال «يا رب إن ابني من أهلي»، قال «إنه ليس من أهلك»، كأنه عمل غير صالح. المعنى المشهور طبعًا عند الناس أنه هذا ابنك فعل فعل غير صالح وهو الشرك فلا تعد من أولادك، لكن هناك قول آخر ذكروه وهو قضية «إنه عمل غير صالح» أنه نشأ من غير نكاح وإنما من سفاح.

وذكر هذا القول، يعني لم يعترض الآن أحد الاعتراضات على هذا القول، وهي الفكرة: هل يقر الله نبيًا من أنبيائه على امرأة كانت بغيًا فعلت الزنا؟ فيقول: ما زنت امرأة نبي قط، مسلمة كانت أو كافرة. هذا ظاهر الكلام، زنت امرأة نبي قط مسلمة كانت أو كافرة؟ فهذا كان أحد الإشكالات التي ترد على هذا القول الثاني. البعض يقول: لا، إنه الكافرة، يعني هذا متعلق بالزوجات المؤمنات، أما الزوجات الكافرات قد يصدر منهن ذلك، وهو هذا طبعًا زوجات الكافرات؛ زوجة نوح وزوجة لوط. وهذا ورد فيما نعلمه والله أعلم. الطبري نفسه أورد هذا، أقول لك هو الطبري ذكر كلا القصتين وذكر هذا من الاعتراضات على القول الذي يقول إن «إنه عمل غير صالح» أنه جاء عن طريق زنا.

قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا»، اللي هو صفوان بن المعطل.

قالوا: ما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري قال: «أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك». فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال سيد معاذ: «والله لا تقتله ولا تقتل على قتله».

فقام أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة رجل صالح لكن خلص، حتى ما أحد يستنقص من قدر سعد بن عبادة، أنه سعد بن عبادة أي زعل من أسيد؛ لأنه أنت كيف تقتل عبد الله بن أبي وهو من عشيرتنا؟ يعني كانت تيجي أحيانًا هذه النخزات، لكنها لم تكن عن نفاق بل كانت عن ماذا؟

ولعل هذا قد يكون أحد أسباب أن النبي ﷺ -زي ما تفضلت أنت بتقول- إذا كان قذف عائشة يعني يعتبر يستوجب القتل، لماذا لم يقم الحد على حسان وعلى حمنة؟ قد يكون علم أنه إنما أخذتهم الحمية وليس المراد أذى النبي ﷺ. الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، على طريقة عبد الله بن أبي الذي أراد أذى النبي ﷺ.

لكن حسان وحمنة بنت جحش رضي الله عنهم ومسطح، هؤلاء الثلاثة لما دخلوا في هذا لم يدخلوا ولم يخطر في ذهنهم أذى النبي ﷺ، فلذلك يكون النبي ﷺ غض الطرف عنهم؛ لأنه علم من حالهم أنه لم يقصدوا أذاه، فليس حالهم كحال من قذف أمهات المؤمنين بقصد الأذى. لذلك قبل قليل قال بعد أن علم الواقع والحال.

قال: فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال سعد بن عبادة: «كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجذر عن المنافقين». فقامت الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فظل رسول الله ﷺ يخففهم حتى سكتوا.

وسكت، وفي رواية أخرى صحيحة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر، قام رسول الله ﷺ في خطبته فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، أشير علي في أناساً أبوا أن يبنوا أهلي، ويم الله ما علمت على أهلي سوءًا قط، وأبناؤهم بمن، والله ما علمت عليهم سوءًا قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا كنت في سفر إلا غاب معي».

فقام سعد بن معاذ فقال: «مرني يا رسول الله أن أضرب أعناقهم». فقوله: «من يعذرني» أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه. قال: لما بلغني من أذاه في أهل بيتي وأبنائهم، فثبت أنه ﷺ قد تأذى بذلك تأذي نستعذر منه. المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية قالوا: «مرنا نضرب أعناقهم». فإن نعذرك إذا متنا بضرب أعناقهم، ولم ينكر النبي ﷺ على سعد استئماره في ضرب أعناقهم وقوله: «إنك معذور إذا فعلت ذلك».

يبقى أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح وحسان وحمنة، ولم يرموا بالنفاق. هذا سؤالك: لماذا؟ مع أنهم للأسف شاركوا في الإفك وأقيم عليهم الحد، لكنهم لم يرموا بالنفاق ولم يقتل النبي ﷺ أحدًا بذلك السبب، بل قد اختلف رواة السيرة هل جلدوا أو لم يجلدوا، حتى اختلف رواة السيرة هل قام بجلدهم أو لا.

فالجواب أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي ﷺ، وهذا هو الذي قلناه؛ أن هؤلاء لم يقصدوا. حسان ومسطح وحمنة لم يكن في ذهنهم أن يؤذوا المقام الشريف، لم يظهر منهم دليل أذى بخلاف عبد الله بن أبي الذي كان إنما كان قصده أذاه.

وقد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، وكان وقوع ذلك من أزواجه ممكناً في العقل، ولذلك توقف. قال ابن تيمية: إذا ثبت أن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، فإن هؤلاء حتى ولو لم تقصد أذى النبي ﷺ بقذفهم، فإن قذفك لهم يوجب استحلال الدم.

فهو جعل علتين لاستحلال الدم في قذف الزوجات: أن يقصد أذى النبي ﷺ، وأن يكون ذلك بعد علمه بأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة. فإذا قذف بقصد الأذى، أو قذف بعد علمه بأن أزواجه في الدنيا وأزواجه في الآخرة، كفر مبيح للدم.

بخلاف حسان ومسطح وحمنة بن جحش، فهؤلاء لما قذفوا لم يقصدوا أذى النبي ﷺ، إنما حمنة غضبت حمية لزينب أختها، كانت تريد أن ترفع أرصدتها عند النبي ﷺ. وحسان لعله قال ذلك كلام الشيب؛ لأنه كما يقولون سيدنا حسان رضي الله عنه كان كبيراً في السن، كان طاعناً في السن، فكان قال ذلك ونقله، وطبعاً هو خطأ في النهاية وغفر الله له، ولكن ليس يظن في حسان الذي نافح عن النبي ﷺ منافحة شديدة أن يقصد أذاه، هذا لا يتصور في حسان رضي الله عنه.

وكذلك مسطح قد يكون حديثاً جاء عرضاً، فلذلك قال: بخلاف عبد الله بن أبي الذي كان إنما قصد أذى. وقد ثبت أن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، وكان وقوع ذلك من أزواجه، فوقف النبي ﷺ في القسط حتى استجار عليه وزيد حتى فاق.

من لم يقصد أذى النبي ﷺ، لإمكانية أن يطلق المرأة المقذوفة، أما بعد أن ثبت أنهن أزواج في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين، فقذفهن إذًا بكل حال؛ لأن الله عز وجل لا يمكن أن يجعل أمهات المؤمنين وتكون إحدى أمهات المؤمنين تفعل الزنا مثلاً، هذا أنت تطعن في شريعة رب العالمين. فبعد أن ثبت أنهن أزواج في...

الآخره، إذاً هذا يعني التزكية العامة لهن، فلا يقع منهن مثل هذا، لا يمكن. فإذا ادعيت أن واحدة فعلت، أنت تطعن كأنك في كتاب الله.

قال: ولا يجوز مع ذلك أن تقع من هنا فاحشة؛ لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة، بغيت أم المؤمنين موسومة بذلك وهذا باطل، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِن يَأْتِكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الَّذِينَ يَزُmmُونَ النِّسَاءَ فَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23]. وسنذكر إن شاء الله في آخر الكتاب كلام الفقهاء في من قذف نساءه، وأنه معدود من أذاه.

قال: الوجه الثاني أن الآية عامة. قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، يعني به أزواج النبي ﷺ خاصة، ويقول آخرون يعني أزواج المؤمنين عامة. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: «وإثم المحصنات من الموجبات»، كما قرأ «من الموجبات»؛ يعني من الموجبات للهلاك. يقول أبو سلمة بن عبد الرحمن: قذف المحصنات من الموجبات للهلاك، وهذا عام سواء زوجات النبي ﷺ أو غيرهن. وعن عمر بن قيس قال: «قذف المحصنة يحبط عمل 90 سنة»، رواهما الأشج، وهذا قول كثير من الناس ووجهه ظاهر؛ الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على وجهه.

ودليل هذا العموم الظاهر أنه الاستغراق، فالمحصنات يشمل كل محصنة وليست خاصة بزوجات النبي ﷺ. قال: فإنه عام يجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصاً بنفس السبب بالاتفاق؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. نحن نتكلم هنا عن نوع الحكم وعن نوع السبب وليس عن جنس السبب؛ فبالاتفاق العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بالنسبة للنوع، لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم، وليس هو من السبب.

والذي يؤكد أن غير عائشة يأخذ حكم عائشة، أن باقي زوجات النبي ﷺ مش داخلات في الآية مع أنهم ليسوا السبب في هذه الآية، فإذا كان بالاتفاق غير عائشة من الزوجات داخلة، فهذا يدل قطعاً أن المراد هنا ليس عين عائشة، بل المراد الأصل والنوع. قال: ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة، ولأن قصرها على عائشة باطل؛ فالمحصنات جمع، مع أن السبب كانت واحدة وهي عائشة، فهذا يؤكد أن العبرة بالعموم.

إن القول بأن القرآن على أسباب نزوله باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئاً منها لم يقصر على سببه. والفرق بين الآيتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق، وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهي اللعنة في الدارين والعذاب الأليم. فإذا قيل: في أول السورة ذكر أن عذاب القاذف هو الجلد 80 جلدة ولا تقبل له شهادة أبداً، وهنا في الصفحة الثالثة ذكر أن القاذف لعن في الدنيا والآخرة؛ فقد أراد في الصفحة الأولى أن يذكر عذابه الذي تقيمه الحكومة المسلمة والدولة، وهنا أراد أن يذكر عذابه الذي يقيمه الله عليه، فلذلك نوع بين العذابين فلا اعتراض.

وروي عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن أصحابه، أن قذف المحصنات من الكبائر، وفي لفظ في الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، ثم اختلف هؤلاء، فقال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة، إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرة، فقدفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر، أعوذ بالله.

فعلى هذا تكون فيمن قذف المؤمنات قذفاً يصدهن به عن الإيمان، ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفض الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف، وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو الكافر، وهو بمنزلة من سب النبي ﷺ.

على هذا الرأي، إذا كانت الآية عامة ليست خاصة بزوجات النبي ﷺ، فنقول: الوجه الأول إذا قلنا الآية عامة، فنقول إنما جاءت في سياق من قذف المحصنات الغافلات المؤمنات بقصد ذم الدين والإسلام، بأنه يقول: هؤلاء المسلمون نساؤهم بغايا. فمن يحكم هكذا، هذا ليس فقط قذفاً، هذا طعن في الإسلام ضمنياً، وبالتالي هو كفر، فتبقى الآية إذاً تدل على اللعنة في الدنيا والآخرة؛ لأنه شكل من أشكال الكفر، أنه يقصد بقذف جنس المؤمنات بالفجور انتقاص الدين وليس فقط مجرد القذف.

وقوله: «إنها نزلت زمن العهد»، يعني زمن صلح الحديبية، قال: «أعان به -والله أعلم- مثل أولئك المشركين المعاهدين». وإلا فهذه الآية نزلت في الإفك، وكان الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق، والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين.

قال أبو حمزة: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينه وبين النبي ﷺ عهد. عن أي عهد يتكلم أبو حمزة الثمالي؟ يقول هنا ابن تيمية: والله أعلم إنه عني بها مثل أولئك المشركين المعاهدين، المعاهدين الذين وردوا في سورة التوبة الذين بينه وبين النبي ﷺ عهود عموماً، مش صلح الحديبية، ممكن والله أعلم أنه عُني بها مثل أولئك المشركين المعاهدين، وإلا فهذه الآية أصلاً نزلت في الإفك، والإفك كان قبل صلح الحديبية، والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين. ومنهم من أجراها على ظاهرها، لكن يبقى الإشكال في أن تكون هي نزلت في...

العهد في صلح الحديبية، ولأنه هي المرأة كانت تخرج مهاجرة في صلح الحديبية، ونقول إنه هي الآية بالتحديد تأخر نزولها. يعني لماذا لا نقول إنه آيات الإفك نزلت في بني المصطلق، وهذه كانت قبل صلح الحديبية، وبقيت هذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية وبعد ما ساروا النساء يهاجرن من مكة إلى المدينة، ووُضعت في هذا الموطن في سورة النور لانسجامها مع السياق؟

ابن تيمية يريد أن يعترض: كيف تكون نزلت في صلح الحديبية وسورة النور نزلت قبل صلح الحديبية قبل العهد؟ فنقول في اعتقادنا إنه في مشكلة أن تقول إنه هي الآية بالتحديد نزلت بعد صلح الحديبية في فترة العهد، وسورة النور نزلت قبل ذلك، أو هذا المقطع نزل قبل ذلك، وإنما أمر النبي ﷺ بوضع هذه الآية في هذا الموطن من سورة النور لانسجامها مع السياق. وفي احتمال فعلاً أن يكون المراد لها العهد، ومنهم من أجرى الآية على غيرها وعمومها.

قال: لأن سبب نزولها قذف عائشة، وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق، فسبب نزولها لابد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب لتخصيصها. والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ على بناء الفعل للمفعول ولم يسمِّ اللاعن. وقال هناك: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، وإذا لم يُسمَّ الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله.

ثم اختلف هؤلاء؛ فمنهم من قال إن المقصود أهل الإيمان، ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها؛ لأن سبب نزولها قذف عائشة وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق، وسبب النزول وهو المنافق لابد وأن يندرج في العموم لأنه لا موجب لتخصيصها.

والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ على بناء الفعل للمفعول ولم يسمِّ اللاعن، وقال هناك: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وهي فائدة طيبة؛ أنه هنا قال ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، أي أن الذين يلون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا بصيغة المبني للمجهول، لكن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سورة الأحزاب، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، فصرح باللاعن أنه الله. هذا التفريق لابد أن يكون له أثر، فيقول: وإذا لم يُسمَّ الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله في وقت، ويلعنهم بعض خلقه في وقت. وجاز أن يتولى الله لعنه بعضهم ومن كان قذفه طعناً في الدين، ويتولى خلقه لعنه الآخرين.

وإذا كان اللاعن مخلوقاً، فلعنه قد يكون بمعنى الدعاء عليهم، وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله. وإذا كان اللاعن مخلوقاً فلعنته قد تكون بمعنى الدعاء عليهم، أي أن الله يلعنه، وقد تكون بمعنى أنهم يبعدون عن رحمة الله، أي إخبارٌ لا دعاء.

أنا لست متأكداً تماماً، ولكن أشعر أن السياق إذا كان المخلوق لعن مخلوقاً، فقال: لعن الله فلاناً، فإما أن نحمله على الدعاء، أي: يا رب اطرده من رحمتك، أو يكون بمعنى الإخبار، أي: أخبرك أن الله أبعد فلاناً عن رحمته، أنا لا أدعو عليه بل أخبرك. وقد تكون بمعنى أنهم يبعدون عن رحمة الله، أي إخباراً أن هؤلاء الذين يقذفون يبعدون عن رحمة الله، قصد أن اللاعن يبعد الملعون عن رحمة الله.

ولكن، أعتقد أن اللغة تحتمل؛ فالمخلوق إذا لعن فإما أن يكون داعياً أو مخبراً. قال: ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعن، وقال الزوج في الخامسة: «إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين»، فهو يدعو على نفسه إن كان كاذباً في القذف أن يلعنه الله، كما أمر الله رسوله أن يباهل، فجعلوا لعنة الله على الكاذبين.

فهذا مما يلعن به القاذف، وأما يلعن به أن يُجلد وأن ترد شهادته ويفسق، فإن هذه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن والقبول، وهي من مواطن الرحمة. وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا والآخرة، فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين.

سأعود لقولي: "وقد تكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله"، وليس المعنى الإخبار فقط؛ لأنه قد يعني يبعدونهم عن رحمة الله. لاحظ ماذا قال: "ومما يلعن به أن يجلد وإن ترد شهادته ويفسق"، وهذا من مواطن الرحمة، فأنت هكذا تبعده عن رحمة الله، فالمراد ليس الإخبار، بل المراد أنك تلعنه، أي أنك فعلاً تبعده من خلال جلدك له وتفسيقك له.

إذاً نعود فنقول: إذا كان اللاعن مخلوقاً، فلعنته لهذا الملعون قد تكون بمعنى أن أدعو عليك، وقد تكون لعنته أن أبعدك عن الرحمة. كيف أبعدك أنا عن الرحمة؟ هل يخرج لي أن أبعدك عن رحمة الله؟ نعم، من خلال جلدك الذي أمرني الله به، ومن خلال حرمانك من الشهادة التي أمرنا الله بها، أنا أكون هكذا قد أبعدتك عن جزء من رحمة الله.

«كنت من الكاذبين»؛ هو دعاء على نفسه إن كان كاذباً أن يلعنه الله كما أمر، فهذا مما يلعن به؛ أن يُجلد وتُرد شهادته ويُفسق، فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن، وهي من رحمته سبحانه، فأنت إذا جلدته ورددت شهادته فقد أقصيته عن مواطن الأمن، وهذا شكل من أشكال اللعن.

وهذا بخلاف من أخبر الله أنه هو سبحانه لعنه في الدنيا والآخرة؛ فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه، وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين. فما هو حل ابن تيمية؟ إذا قلنا إن آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23]، وأن هذه الآية ليست خاصة بأمهات المؤمنين بل هي على عمومها، كيف يضطرد ذلك في نظريته؟

يقول ابن تيمية في نظريته عن الاضطراد: إن نقول إن ما جاء في القرآن أنه «لعنه الله» -أي أخبر الله أنه هو اللاعن فيه غيره- فهذا يعني الكفر أو إباحة القتل، مثل غضب الله عليه ولعنه في القاتل المتعمد. وأما ما جاء فيه بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله: «لُعِنوا»، هنا لم يُذكر من الذي لعن، فهذا يجوز أن يكون الله هو الذي لعن، أو يكون المخلوق هو الذي لعن، وإذا كان المخلوق هو الذي لعن فهذا لا يعني بالضرورة الكفر أو استباحة الدم.

وبالتالي تكون الآية هكذا لا تدل بالضرورة على الكفر أو استباحة الدم، ويبقى كلامنا مضطرداً: أن من لعنه الله في القرآن فهذا كافر أو مباح الدم، ومن لُعن بالمبني لما لم يُسمَّ فاعله فهذا لا يعني بالضرورة أنه مباح الدم، وهكذا يكون ابن تيمية قد وصل إلى قناعته.

ومما يؤيد الفرق بين «لعنه الله» و«لُعنوا» قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، ولم يأتِ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الفتح: 39]، وكقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 71]، وكقوله: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]، وكقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 61]، وكقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الأعراف: 176]، وكقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: 9]، وكقوله: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحديد: 25]، وكقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المنافقون: 2].

وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14]، فهي -والله أعلم- فيمن جحد الفرائض واستخف بها، على أنه لم يُذكر أن العذاب أُعد له. أما العذاب العظيم فقد جاء وعيداً للمؤمنين في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 54]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14]، وفي المحارب: ﴿ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 41]، وفي القاتل: «وغضب الله عليه ولعنه»، وقد عُدَّ له عذاباً عظيماً. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

وابن تيمية يفرق أيضاً بين «أعدَّ له عذاباً» وبين «له عذاب مهين»؛ لأنه يقول: ولم يأتِ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار. وقد قال سبحانه: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 64]، وذلك لأن الإهانة إذلال وتحقير وخزي، وذلك قدر زائد على ألم العذاب، فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان. فلما قال في هذه الآية «وعد لهم عذاباً مهيناً» علم أنه من جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين، ولما قال هناك «عذاب عظيم» جاز أن يكون من جنس العذاب في قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

ومما يبين به الفرق أيضاً أنه سبحانه قال هنا «وأعد لهم عذاباً مهيناً»، والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خُلقت، ولا بد أن يدخلوها وما هم منها بمخرجين، وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز ألا يدخلوها إذا غفر الله لهم، وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها بعد حين. قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]، فأمر سبحانه المؤمنين ألا يأكلوا الربا وأن يتقوا الله وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين، فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي، مع أنها معدة للكفار لا لهم. وكذلك جاء في الحديث: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يذنون فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم الله منها». وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، وإن كان يدخلها الأبناء بعمل آبائهم، ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة.

وسأقول لك أصل الإعداد: أصل جهنم كإعداد للكافرين وكونه يدخلها المؤمنين العصاة كأصحاب الكبائر هذا فرع، وكذلك الجنة أصلها للمؤمنين العاملين، وكونه يدخلها أطفال المسلمين والمشركين -إذا قيل على قول أنه مثلاً يدخلون- فهذا يكون حاله فرعياً. قال: «وين شاء الله لما فضل منها خلقاً آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها»، وذلك لأن الشيء إنما يُعد لمن يستوجبه ويستحقه.

شايف هذا الكلام إذا لفظ الإعداد: «أعدَّ له»، «أعددتُ للمؤمنين ما لا عين»، وذلك لأن الشيء إنما يُعد لمن يستوجبه ويستحقه، ولمن أولى الناس به، ثم قد يدخله معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر. هي فكرة أن لفظ «أعدَّ» يكون هو الأصل لمن هو أولى الناس بالشيء، وإن كان قد يدخل معك في هذا الشيء تبع؛ تقول والله هذه الدار أعددتها للمتميزين، أو هذه مدرسة أعددناها لأصحاب كذا، وإن كنت ممكن أدخل فيها واحداً متأخراً قليلاً لكن تمشي أموره.

تفضل، خلص، نقف اليوم عند هذا القدر. استدل بشيئين: استدل بالعذاب المهين، واستدل بالإعداد. قد يبدو أنهما دليلان، لكن هو يريد أن يقول لك: الدليل على أن لعنهم الله تستوجب الكفر هناك، أنه ربطها به «وأعد لهم عذاباً مهيناً». هو رجع لأصل الآية، لأن كل هذا الدليل يقوم على آية سورة الأحزاب؛ هو يريد أن يقول لك إن آية سورة الأحزاب تدل على كفر المؤذي من جهتين: من جهة لعنهم الله في الدنيا، وأن هذا بالاستقراء للقرآن لا يكون إلا لكافر أو مباح الدم، ومن جهة «وأعد لهم عذاباً مهيناً».

إن الإعداد لا يكون إلا لمن هو أهل لهذا الشيء.

شيخ، أنا فهمت من سياق قوله أولًا: "ومما يؤيد الفرق أنه قال هنا: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ولم يقل: إعداد العذاب المهين". إذا قال: "مما يؤيد الفرق أيضًا"، هو ممكن تقوي، بس أنا أعتقد أنه أراد أن يكمل، يعني يقول لك: مما يؤكد أنه لعنة في الدنيا والآخرة. ولعنة الله تختلف زي ما تفضلت؛ أنه هنا قال: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، بينما هون إيش قال؟ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، لعنوا في الدنيا والآخرة، ما قال: "واعد لهم عذابًا عظيمًا"، إيش قال؟ ﴿لَهُمْ﴾.

ولهم مما يدل على أنه مش شرط يكون هذا العذاب العظيم دائمين فيه، بس "لهم" بخلاف هنا قال: "واعد"، فالإعداد غير؛ لأنه أكمل في قضية، ففرق بين "ولهم عذاب عظيم" و"أعد لهم عذابًا مهينًا". فهذا من الفوارق، لكن هو تطرق إلى هذا وأراد أن يكمل أن العذاب المهين إعداده يدل على أن أي شخص في مفهوم القرآن يقال إنه أعددت له، كذلك هذا يدل على أنه كافر ومباح الدم.

وهذه كلها كما قلت استقراءات جيدة من ابن تيمية للاستعمال القرآني؛ أنه القرآن إذا قال: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، إذاً هذا لا يكون إطلاقه إلا على كافرين، أما إذا قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، هذا ممكن يكون للكافر وممكن يكون برضه لبعض أهل الكبائر من المؤمنين.

فهذا يعني تتمة للاستدلال، ونكتفي عند هذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.