السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح، مبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشغلنا وإياكم بكل خير.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس برنامج «تراث»، حيث نعيش مع تراث إمام من أئمة الإسلام، نغوص فيه، ننظر في معانيه، نتصفح ما كتب وما صنف في مختلف العلوم. وبدأنا بتراث أبي العباس ابن تيمية الحافظ رحمه الله تعالى، ومن أعظم علماء الإسلام الذين صنفوا وكتبوا وأبدعوا في جوانب شتى، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلومه في الدارين.
واليوم بإذن الله بداية جديدة بهمة طيبة وجديدة، إن شاء الله، بعد أن أنهينا كتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» الذي أخذ منا شوطاً لا بأس به حقيقة، كتاب كان أربع مجلدات تقريباً. اليوم نبدأ مع رسالة جديدة من رسائل ابن تيمية.
وعموماً أيها الشباب وأيها الإخوة والأخوات، مجالس العلم تزيد الإيمان، وهذه قضية ينبغي أن تنتبهوا لها؛ أن الإنسان يحرص على مجالس العلم ليس فقط من أجل الحصول على المعرفة، بل يحرص على مجالس العلم من أجل أن يزيد إيمانه بالله سبحانه وتعالى ويزيد ثباته في مثل هذه الأوقات التي يكثر فيها المشتتات والملهيات والمشغلات.
من أكبر المثبتات على دين الله سبحانه وتعالى قراءة القرآن، والمحافظة على الصلوات والأذكار، وأيضاً منها طلب العلم النافع؛ بقدر ما تقرأ فيما سطره العلماء الربانيون في معاني الكتاب والسنة وفي الأحكام الفقهية، وتتدارس هذه الكتب وتقف على معاني العقيدة ومعاني الشريعة، هذا يعطي بركة في حياتك، ومن بركة هذا العلم أنك تزداد به ثباتاً على هذا الدين وانتماءً لشريعة رب العالمين.
الإنسان يبحث عن أبواب في هذه الأوقات يزيد بها إيمانه، يخشى على نفسه، يخاف أن يتفلت منه الدين. قد يقرأ الإنسان القرآن وحده، وقد يصلي وحده، قد يفعل أشياء كثيرة من الطاعات، لكنه يحتاج في النهاية إلى إخوانه، ويحتاج إلى بيئة علمية، ويحتاج إلى مثل هذه المجالس ومثل هذه اللقاءات. كما قلت في البداية، ليس فقط الهدف أن تختم كتاباً أو أن تحصل على معرفة في مسألة معينة -وإن كانت هذه كلها مقاصد مطلوبة- لكن اجعل دائماً المقصد الأساس هو أن تثبت نفسك على الدين في هذا الوقت، فكلنا نحتاج إلى الثبات على دين الله سبحانه وتعالى، الشيخ والطالب.
ولذلك نحاول أن نخرج من كتاب لندخل في كتاب، نحاول أن ننتقل من فكرة إلى فكرة أخرى، ونتنوع فيما نقدمه حتى نصل إلى الله بأمان. فنسأل الله سبحانه وتعالى، كما جمعنا في هذه الدنيا في مجالس العلم النافع، أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته، وأن يجعل هذه الساعات التي تبذلونها في القراءة والمطالعة والنظر والتحقيق ومكابدة كلام أهل العلم والسعي إلى فهمه، سبباً في الثبات في الدنيا وطريقاً إلى جناته، جنات النعيم.
لأن استحضار مثل هذه المعاني هو الذي يثبت الإنسان على طلب العلم، خاصة مع الكتب العظيمة التي فيها المعاني التي تحتاج إلى مكابدة. قد يتعب الطالب، وقد يشعر أن هذا العلم طويل المسلك ووعر ويحتاج إلى جهود كبيرة، وأنه ليس متهيئاً لبذلها خاصة مع ضغوطات الحياة التي تمر عليه، فينكف عن هذا الطريق وينصرف عنه ويبحث عن شيء آخر.
وهذا كما قلت، بالتالي نحتاج إلى مرطبات، ودائماً إلى تذكر هذه المعاني الأصيلة في بداية كل كتاب، وهو أننا نستحضر إخلاص النية لله عز وجل، وأننا في عبادة. أنت لست فقط في قراءة، أنت في عبادة؛ قبل أن تكون في قراءة أنت تتعبد الله سبحانه وتعالى بفهمك لشريعة الله عز وجل، وبمحاولة تفهمك لمقاصد آياته وسنة نبيه ﷺ من خلال كلام العلماء.
وأنت في رحلة الثبات، مع ما يوجد في مثل هذه الرحلة كما قلنا من متعة المعرفة والوصول إلى الحقائق وزيادة الفهم والذهن، ذلك لأن كثيراً من طلاب العلم يقتصرون فقط على قراءة المتون، وأكثر طلاب العلم في هذا الزمان يقتصرون على المتون الأصيلة، يعني الآجرومية والمقدمة والجزرية في التجويد، أشياء خفيفة كالملح على الطعام. أنا أقول، وهذا حقي، لا يصنع طالب علم ولا يصنع عقلية من يريد أن يصنع عقلاً واسعاً وفهماً ثاقباً، ويوسع مداركه وطريقة معالجته للأمور، وفهمه لكيفية إسقاط الأحكام الشرعية على واقع حياة الأمة؛ لا بد أن يغوص أكثر من ذلك.
بعد رحلة المتون هناك رحلة القراءة، والقراءة لها أبواب شتى ومواضيع مختلفة صنف فيها العلماء، ولذلك لما تقرأ كتباً ليست متنية وإنما كتباً شرعية تعالج مسائل ووقائع وأحوال، هذه تزيد معارفك ومداركك بشكل هائل، فلتشعر أنها هي الناحية التطبيقية للمتون. يعني المتون نظريات وقواعد مع مثال أو مثالين، ولما تغوص إلى الكتب الشرعية الكبرى، تشعر أنك بدأت تطبق، وبدأت تتعامل مع العلم تعاملاً واقعياً يحتك بمسائل الحياة، وأصبحت تتعامل مع الكتاب والسنة على تماس مباشر معها.
وهذه فائدة قراءة مثل هذه الكتب الكبيرة، سواء كتب شيخ الإسلام أو غيرها من الكتب التي تطبق أحكام وقواعد الشريعة، وتنزل الأصول والمقاصد واللغة والفكر على نصوص الكتاب والسنة في وقائع الحياة المختلفة. لذلك لا ينبغي لطالب العلم أن يختصر في دراسته الشرعية على المتون العامة، فتلك تعتبر مدخلاً وبوابة، لكن هنا في مجالس تراث، مجالس المدارسة، المجالس التي نقتحم فيها هذه الكتب الشرعية الكبرى، هذه تعتبر ناحية تطبيقية وتماساً مباشراً مع الواقع.
حتى لا أطيل، موعدنا مع كتاب جديد من كتب شيخ الإسلام رحمه الله بعنوان «صارم المسلول على شاتم الرسول» ﷺ. كما تعلمون عادة تراث شيخ الإسلام ابن تيمية أنه في الغالب يكون جواباً عن فتوى أو تعليقاً على واقعة، ولعل هذه ميزة من جهة؛ من جهة أن الإنسان لما يؤلف تعليقاً على واقعة استفزته، أو جواباً عن فتوى وصلت ورأى أنها جديرة بأن يؤلف فيها، في مثل هذه الأحوال ماذا يفعل؟ يستنفذ كل طاقته من أجل إثبات العقيدة التي يؤمن بها والفكرة التي يريد إيصالها.
هناك من يؤلف دون أن يوجد شيء استفزه، خلاص شخص أحب أن يؤلف في شمائل النبي ﷺ، شخص أحب أن يؤلف في مسائل فقهية تتعلق بالمعاملات دون أن يستفزه شيء، حابب يصدر كتاباً وينزله في الأسواق، هذا جزاه الله خيراً إن ألف كتاباً نافعاً ينفع الناس، لكن الذي يصنف لأن موقفاً معيناً استفزه، أو لأن سؤالاً خطيراً وصله، لا، هذه تكون معنوياته وهمته وذهنه في أثناء...
التصنيف يريد أن يجمع كل طاقته وكل ذكاءه وكل مهاراته من أجل أن يثبت وجهة نظره في المسألة، خاصة لما تكون المسألة حساسة وتم معارضتك فيها؛ فهنا أنت ستشتغل كل الحواس السبعة -إذا كانت مش الستة- من أجل السعي لجمع نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة وطرق الاستدلال الأصولي، وتطبيق كل قواعد أصول الفقه من أجل الوصول إلى النتيجة التي تريد إثباتها. وهذه ميزة تراث ابن تيمية رحمه الله عليه، أن جله خرج بهذه الطريقة الصارمة المسلولة.
الرد على رسالة "الجواب الصحيح لماد لدين المسيح" أربعة مجلدات، على رسالة بولس الأنطاكي الرجل النصراني التي اشتهرت هذه الرسالة وأصبح يتحذلق بها النصارى، فاستفزت ابن تيمية فأخرج لك أربعة مجلدات. وقص على ذلك جل ما قرأناه في الرد على الشاذلي، والرد على الأخنائي وسلسلة الردود الكبيرة، والرسالة الواسطية، والرسالة الحموية، والرسالة التدمرية؛ كلها حتى أسماها هي عبارة عن ردود ومناقشات.
ومن هذه الكتب التي خرجت من هذا الحيز في فكر ابن تيمية رحمه الله عليه، هذا الكتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" ﷺ. قصة هذا الكتاب ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية؛ أن رجلاً من أهل السويداء -أهل مشاكل قديماً وحديثاً- شيخ رجل نصراني من أهل السويداء اسمه غسان النصراني، رجل نصراني من أهل الذمة. وركزوا -إخواني- على قصة الكتاب؛ لأنه كل الكتاب هو لمعالجة حالة هذا الرجل، فبالتالي ستجد الكلام يحوم ويدور حول أهل الذمة في بلاد المسلمين.
هذا الرجل كان يعيش في بلاد المسلمين في زمن ابن تيمية في منطقة السويداء، شتم النبي ﷺ، ثم عرف أن هذا سيؤدي إلى قتله فاحتمى بأحد رجال العشائر. قال: «ما لي إلا أن احتمي بأحد رجالات العشائر في تلك المنطقة». رجل عشيرة احتمى به وذهب إليه لأنه عرف أنه سيتم تصفيته.
وصل الخبر إلى دمشق ووصل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، أن هذا الرجل شتم النبي ﷺ، فخرج شيخ الإسلام ابن تيمية مع مشايخ أهل الحديث في دمشق إلى نائب السلطنة -نائب السلطان المملوكي في دمشق- وطلبوا منه أن ينزل حكم الله على هذا الذمي بأن يُقتل، والناس طبعاً جميعاً مشحونة مع العلماء على هذه الحالة.
جاء الآن تم استدعاء نائب السلطنة في دمشق، سمع من شيخ الإسلام ومن مشايخ أهل الحديث، فقام باستدعاء غسان النصراني من السويداء، فجاء غسان النصراني مع شيخ العشيرة الذي احتم به. شيخ العشيرة الآن يريد أن يثبت رجولته في مكان ليس مكاناً لإثبات الرجولة؛ لأنه هذا مكان تطبيق لشرع الله سبحانه.
فجاء غسان النصراني مع شيخ العشيرة وقدموا إلى دمشق، والناس استقبلوهم بالشتم والسب وحصلت هناك في دمشق ضجة وإشكالية. وشيخ العشيرة واضح أنه كان -فيما يظهر لي- قليل الديانة من جهة تصرفه، وكان يقول للناس: «هذا أفضل منكم»، وفي رواية ابن كثير أن هذا النصراني أفضل منكم؛ فبالتالي هذا زاد الشحن وأصبح هناك إلقاء حجارة.
فنائب السلطنة شعر بشيء من الكركبة في دمشق، وشعر أن الأمور بدأت تتفلت وأن هناك حالة من الهيجان، وأن هذا الرجل العشيرة سيحصل بينه وبين أهل دمشق نوع من الالتحام. فلما وصلت الأنباء إلى نائب السلطنة في دمشق أن هناك فتنة تكاد تحصل، استدعى هذا سريعاً غسان النصراني إلى قصره مع الرجل. فغسان النصراني أظهر الإسلام وأعلن إسلامه، بالتالي نائب السلطنة بطريقة ما تم خداعه، وأظهر أن ابن تيمية ومشايخ أهل الحديث أرادوا أن يحدثوا فتنة في دمشق، فاستدعى ابن تيمية ومشايخ أهل الحديث وجلدهم.
لما شعر نائب السلطنة أن الموضوع عبارة عن فتنة، وأن أنت يا ابن تيمية ومع مشايخ أهل الحديث تريدون عمل بلبلة، قال: «خلص هي الرجل أعلن إسلامه، ولماذا تريدون وأنتم مصرون على قتله؟» فأتى بابن تيمية وبمشايخ أهل الحديث وجلدهما. وهذا النصراني بعد أن أسلم تم إطلاق سراحه وعاد.
ثم بعد ذلك شعر نائب السلطنة أنه أخطأ في حق شيخ الإسلام وبحق مشايخ أهل الحديث، فقام باستدعائهم بعد ذلك وتطيب خاطرهم، وأن الأمور طيبة وسامحونا يا مشايخ الله يكرمكم؛ وأنتم عارفين الأشياء المشحونة، نحن نخاف أن يصير زعزعة أمن، بالتالي اضطررنا أن نقوم بهذه الأمور.
وهذا يعطيك أن مثل هذه الوقائع تحصل قديماً وحديثاً؛ هذه الواقعة ممكن تحصل اليوم في نفس الأحداث، يأتي رجل من أهل السويداء على ما عندهم من الدروز، ويأتي ويفعل فعلاً -أحدهم شتم النبي ﷺ سمعت في الفتنة الأخيرة- ويأتي ويتم غض الطرف عن هذا الموضوع، وبعض المشايخ يخرجون يريدون تطبيق حكم الله عليه ويتم ضبطها بطريقة ما لأنه يشعر أن الفتنة تكبر.
ما يحدث قديماً قد يحصل حديثاً؛ لا تظنوا أن سلاطين ذاك الزمان كانوا ما شاء الله في الهمة والانتقام للنبي ﷺ، بل إن بعض الناس يظن أنه في ذاك الزمان كان نواب المماليك على درجة عالية، لكن كانت تحصل أحياناً خوفاً، وقول لك: «أنا أهم شيء عندي الفتنة ما تحصل»، فيكون مثل أي زمان ومثل أي فترة من الفترات.
فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يرى أن هذا الرجل يجب أن يُقتل على كل الأحوال، وأنه كيف يتم العفو عنه حتى لو أعلن إسلامه؟ فإن هذا يقام عليه حداً؛ إسلامه ينفعه بينه وبين الله، ولكن يجب أن يقام عليه الحد حتى ولو أسلم ويجب أن يُقتل على كل أحواله.
فبعد أن حصلت هذه البلبلة وهذه الإشكالية، قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يصنف كتاباً كاملاً في بيان حكم أهل الذمة إذا شتموا النبي ﷺ؛ ماذا أفتى فقهاء الإسلام في ذلك؟ وما هي نصوص الكتاب والسنة التي تدل على وجوب قتله؟ وأن الذمي إذا شتم النبي ﷺ انتقض عهده ويُقتل دون تراجع حتى لو أظهر الإسلام. حتى لو أظهر الإسلام فإن إظهاره الإسلام ينفعه بينه وبين الله، أما أنا كحد دنيوي تُقتل لا مناص من ذلك. طبعاً هذا الكتاب يعتبر اليوم في الأيديولوجيات من أعنف كتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
لذلك تنظرون في المواقع العلمانية والمواقع العربية التي تحاول أن تكافح فكر شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يعقدون لهذا الكتاب محاكمة لابن تيمية. كيف تصنع مثل هذا الكتاب المليء بالمشاعر الشديدة والعنف وما شابه ذلك؟ وإن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يأتِ بشيء من بنات أفكاره، في النهاية ستجد أن ما يقوله شيخ الإسلام هو مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية، ومذهب المالكية، ومذهب الحنفية، على خلاف تفصيلي خاص مع الحنفية في بعض الأمور، لكن بشكل عام الرجل لم يكن يتكلم من جيبه، كان يتكلم بما ذكره العلماء في القرن الأول والثاني والثالث، هكذا كان يتحدث شيخ الإسلام رحمه الله.
بالتالي ستجدون هذا الكتاب، عقدوا محاكمات فكرية لابن تيمية على تدوينه لهذا الكتاب، وأنك تحرض بهذه الطريقة، وأنا أعتقد أن ابن تيمية من أوسع الناس عذراً، وأوسع الناس فهماً، ومن أوسع الناس عقلاً. وإن شيخ الإسلام ابن تيمية من يقرأ تراثه يعرف مساحة العذر، وإعذار الناس في أفكارهم بالجهل والتأويل والخطأ وأشياء كثيرة يُعذر بها. لكن هذا الكتاب كما قلت خرج لحادثة معينة استفزت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فأراد أن يسجل فيها حكم الله عز وجل.
هذا يعطيك دائماً استحضار هذه الحادثة، وأنها هي التي استفزته للكتابة، يعطيك مساحة أن تفهم أن اللغة التي يتكلم فيها في هذا الكتاب هي نتيجة أنه مستفز. هذا أعتقد أمور يجب أن ينتبه لها؛ لما تكون أنت شاعراً بأن حكم الله يضيع، وأن هناك من يتلاعب في هذه القضية، فهذا يدفعك إلى أن تحشد كل ما عندك من أفكار ضمن هذا السياق. بالتالي قد تظهر اللهجة قوية، لهجة أنه يريد أن ينزل الأمر الآن على أقصى سرعة.
أنا لا أعتقد أن شيخ الإسلام بالغ أو قال كلاماً ليس صحيحاً، إنما أتى بكلام الفقهاء، لكن حشد هذه الأفكار في سياق واحد قد يعطي مظهراً عاماً يتوهم أنه ليس رجلاً، إذا أردت أن تفهم عقليته اقرأ الكتب الأخرى لتعرف توازناته. لكن هذا الكتاب بالتحديد كان عقوبة لهذا النصراني الذي شتم النبي ﷺ، فكان لابد من هذه اللهجة، ومن هذه الصيغة، ومن حشد الأدلة تجاه هذا الموضوع.
حتى لا نطيل نبدأ القراءة والتعليق، لكن كما قلت لكم، هذا الكتاب من أوائل الكتب حقيقة التي قرأتها في الحياة العلمية، وقرأته المرة الأولى واحتجت أن أقرأه المرة الثانية؛ لأن الكتاب ليس سهلاً من حيث تطبيقه لقواعد أصول الفقه. ستجدون أن كل مصادر التشريع سيتم تطبيقها عند ابن تيمية، خاصة القياس، والمناسبة، والعلة المركبة، والعلة المتعددة وكذا، وسيأتي نصوص الكتاب والسنة يحلل لك مصادر التشريع من خلالها.
لذلك هو نافع لمن درس أصول الفقه، حقيقة هو نافع لمن درس أصول الفقه ودرس باب القياس بالشكل الصحيح؛ لأن ابن تيمية سيستعمل المصطلحات الأصولية بمهارة واحترافية معتادة له في تحليل نصوص الكتاب والسنة. لذلك لا تستثقل منه ابتداءً، إن شاء الله سنسعى إلى أن نحلل طرق الاستدلال، كما قلت ستندفع بإذن الله من الناحية التطبيقية الأصولية، أي اعتبار وتطبيق أصولي على القرآن والسنة. ستجد أن القواعد الأصولية التي درستها في المتون تنتفع بها في التحليل، وتفهم كيف يسقط أهل العلم القواعد الأصولية على النصوص الشرعية.
تفضل.
وصلت، حسب 32 سنة، كان ربما كتاريخ كتابته، لم أبحث عن هذه المعلومة أنت تفيدنا فيها.
مكتوب في المقدمة: حصلت 693هـ. نعم، إذا شيخ الإسلام ولد 661هـ، إذن 693هـ يعني أنه في ريعان شبابه، عمر 32 أو 33 سنة تقريباً. فهذه إذاً تكون من أوائل مصنفاته، هو طبعاً شيخ الإسلام بدأ التصنيف في عمر مبكر، فحتى تقول من أوائل نحتاج أن نعرف ما الذي كتبه قبل ذلك، لكن الإنسان في بداية العمر فعلاً يمكن أن نعتبرها من بدايات التصنيف.
نعم، شيخنا المحقق الشيخ عبد الله سليمان الغيثي، شيخ الإسلام قلنا هذا من أوائل ما وصلنا من كتب الشيخ، هذا شيء آخر. نعم، أنه قبل ذلك قال كان عنده كتب عندما كان على عقيدة الأشاعرة وكذا، قال هذه كلها ما وصلت.
هذه كلها ما وصلت. شوف، حقيقة أحد الإخوة كان يذاكرنا في قضية: هل شيخ الإسلام كان على عقيدة الأشاعرة أم على عقيدة والديه وهي عقيدة الحنابلة الأوائل؟ لما يقول "على عقيدة الأجداد"، هذه معلومة حديثاً أحاول أن أنضجها أكثر؛ لما يقولون كان على عقيدة الأجداد، هل هي على عقيدة الأشاعرة فعلاً أم على عقيدة المجد ابن تيمية الذين هم الحنابلة؟ لكن على النمط الآخر، تعرف أن الحنابلة بعضهم سلك مسلك التفويض في صفات الله عز وجل وفي هذه الأمور، فهذه تحتاج إلى تحرير أكثر ربما بالنسبة لي على الأقل.
الشيخ عبد الله ذكر في أوائل الكتب التي وصلت لنا: "المستولى"، و"تنبيه رجل العاقل"، وكمان كتابين. قال هذه التي وُجدت فيها هي أربع مواطن ذكر فيها بعض عقيدة الأشاعرة، موضوع الصفات تحديداً؛ أنه هذه فيها صفات قديمة مش صفات حادثة في المخطوط، ولكنه ترجع عنها. فهو ليس تفويضاً، هو كان في إثبات لصفات قديمة، يعني ليس قديمة النوع، بل قديمة الآحاد.
هو ذاك أربع مواضع، قديمة الآحاد، يعني على طريقة الحنابلة مش على طريقة الأشاعرة، ليست مفوضة يا أستاذ.
لا، ما أنا أقصد طريقة الحنابلة؛ مثلاً كيف صفة الكلام عند الحنابلة؟ صفة الكلام يثبتونها، ليس تفويضاً، يثبتونها لكن يثبتون أن كلام الله ماذا؟ قديم.
نعم، عرفت. فلذلك هذه المسائل من المسائل التي تحتاج إلى تحرير أكثر؛ لما يقال إن ابن تيمية في بداية عمره كان على عقيدة الأجداد، ما المراد بعقيدة الأجداد؟ هل المراد أنه على طريقة الأشاعرة تماماً، أم على طريقة من يثبت الصفات القديمة، طريقة بعض الحنابلة الذين سلكوا في كلام الله عز وجل أنها صفات قديمة ليست قديمة النوع، بل متجددة الآحاد؟ لا، هي قديمة الآحاد مع إثباتها. فهذه الفكرة أحتاج أن أنضجها أكثر، أو بحث أكثر عن جذور شيخ الإسلام ابن تيمية فيها.
نعم، من البحث الذي أتحدث عنه، أن المؤلف ماسك النسخ بالإرازتين، يقول إن الإبراز الأولى كان يكون فيها كلام مشابه لكلام المتكلمين، فلما قلعت على...
ابن تيمية مرة ثانية كان يؤمر أنه يطمئس هذه العبارة ويعدلها بعبارة ثانية بما يوافق طريقة السلف، نذاكر ماذا كانت قبل وماذا كانت بعد، أحسنت، هذا الذي تحتاج إلى أن تحرره.
بقول لك، ولذلك هذه تحتاج إلى خاصة، ما أعرف حتى الشرح الإسباني، كم كان عمره لما صنفه؟ آخر كتاب، نعم، آخر كتاب؛ عرفت، لذلك هو يمثل وجهة نظره الأخيرة في هذه المسائل لشيخ الإسلام، لكن أنت تحتاج حتى تحكم على فكره الأول ماذا كان بالضبط؛ إلى مصادر أكثر وإلى توسع أكثر، حتى لا نقول أيضًا بلا علم. حتى لا نقول بلا علم؛ لأنه إن نقول فعلاً إنه كان أشعريًا في بداية عمره، أعتقد أن في نوع من المجازفة، لأنك لا تملك معلومات يقينية ماذا كان يتبنى الإنسان في بداية عمره، يكون على عقيدة والده وأجداده.
عقيدة المجد، ابن تيمية مثلاً صاحب الملتقى، هي ما كانت عقيدة الأشاعرة حقيقة عندهم، عندهم عقيدة الحنابلة، لكن بنوع من الحنابلة على خلاف بين الحنابلة في مدارسهم. المهم، هذا ليس موضوعنا الآن، دعونا نشرح الكتاب مستعينين بالله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا.
حقيقة الكتاب فيه قواعد عظيمة في العقائد، أنبه عليه من أفضل ما كتب شيخ الإسلام في بعض مسائل العقائد، وزمن الاستضعاف وزمن التمكين وكيف يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، من أفضل الكتب هذا الكتاب حقيقة، فالكتاب إن شاء الله مليء بالنفع لمن يبحث عن النفع، فنسأل الله التيسير.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمؤمنين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.
قال شيخنا وسيدنا الإمام العلامة القدوة، الزاهد العابد الورع الكامل، شيخ الإسلام، مفتي الفرق، ناصر السنة، قامع البدعة، سيد الفقهاء والحفاظ، تقي الدين أبو العباس أحمد، ابن شيخنا الإمام العلامة مفتي المسلمين، شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم، ابن الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي قاسم بن محمد بن تيمية الحراني، جزاه الله عن نصر دينه ونصر سنة نبيه عليه السلام خيرًا.
الحمد لله الهادي النصير، فنعم النصير ونعم الهادي، الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويبين له سبيل الرشاد، كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، والذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق وجمع لهم الهدى والسداد، والذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما وعده في كتابه وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تقيم وجه صاحبها للدين حنيفًا، وتبرئه من الإلحاد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل المرسلين وأكرم العباد، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره أهل الشرك والعناد، ورفع له ذكره فلا يذكر إلا ذُكر معه كما في الأذان والتشهد؛ فلا يذكر الله إلا ويذكر معه النبي ﷺ كما هو في الأذان وفي التحيات لله والصلوات والطيبات وغير ذلك.
قال: الخطب والمجامع والأعياد، وكبت محادة وأهلك مشاقة، وكف وكفى المستهزئين به ذوي الأحقاد، وبتر شنيئته ولعن مؤذيه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد، واختصه على إخوانه المرسلين بخصائص تفوق التعداد، فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، ولواء الحمد الذي تحته كل حماد.
صلى الله وعلى آله أفضل الصلوات وأعلاها وأكملها وأنماها، كما يحب سبحانه أن يصلى عليه، وكما أمر، وكما ينبغي أن يصلى على سيد البشر، والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته، أفضل تحية وأحسنها وأولاها وأبقاها وأطيبها وأزكاها، صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم التناد، باقين بعد ذلك أبدًا، رزقًا من الله ما له من نفاد.
أما بعد، فإن الله تعالى هدانا بنبيه محمد ﷺ، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وأتنا ببركة رسالته ويمن سفارته خير الدنيا والآخرة، وكان من ربه بمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها، وصارت غايتها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان الرجوع إلى عجزها وعجزتها، فاقتضى لحادث حدث أدنى ما له من الحق علينا بـ ﴿وَتَعَزَّرُوهُ وَتَنصُرُوهُ﴾ [الأعراف: 157]، ما أوجب الله من تعزيره ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذن.
وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن نعم، الله سبحانه وتعالى أمرنا أن ننصر النبي ﷺ، وكما ذكر بعضهم في تفسير ذلك: "تعزروه" تعود إلى النبي ﷺ فآمرنا الله سبحانه وتعالى بنصرته. ﴿انصُرُوا اللَّهَ﴾ فقد نصره الله أيضًا في سياق آخر. وهذه نصره كما قال شيخ الإسلام، النبي ﷺ الله عز وجل متكفل بحفظ النبي ﷺ ونصرته، لكن الله يريد أن يبتلينا وينظر في غيرتنا ومحبتنا لمقام النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إنه هناك حادث حصل، وهي القصة التي تكلمنا عنها، قصة غسان النصراني، اقتضت من شيخ الإسلام أن يهب لنصرة مقام النبي ﷺ وجنابه المحفوظ، وهذه النصرة واجبة علينا؛ أن ننصره في المحافل وفي المشاهد ومن كل من يحاول أن يتطاول على المقام الشريف. وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]، فالله كفاه، لكن يبتلينا ليرى ماذا نحن سنفعل تجاه هذا المقام الشريف، كما قال: ﴿وَلِيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ يَنصُرُونَهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [محمد: 31].
قال: ليحق الجزاء على الأعمال كما سبق في أم الكتاب، حتى يجازينا على أعمالنا، فمن نصر فله الثواب ومن تخاذل فعليه العقاب. قال: أن أذكر ما شرع من العقوبة لمن سب النبي ﷺ، فلما رأى شيخ الإسلام أننا مأمورون بنصرة النبي ﷺ حيًا وميتًا، والحادثة وقعت، حادثة غسان النصراني، فهذا اقتضى مني أن أصنف هذا الكتاب.
قال: أن أذكر ما شرع من العقوبة لمن سب النبي ﷺ من مسلم وكافر، سواء كان الساب مسلمًا أظهر مظهر الإسلام، أو كان الساب كافرًا من أهل الذمة أو من أهل الحرب. توابع ذلك ذكر يتضمن الحكم والدليل، ونقل ما حضرني في ذلك من الأقاويل، وإيراد القول بحظه من التعليل، وبيان ما يجب أن يكون عليه التعويل. فأما ما يقدره الله عليه من العقوبات فلا يكاد يأتي عليه التفصيل، أما ما يقدره الله عليه من العقوبات في الدنيا والآخرة، الآن وظيفتي أنا كعالم.
أن نذكر العقوبات الشرعية التي نحن كدولة مسلمة نطالب بأن يقيمها على شاتم النبي ﷺ، أما ما يقدره الله من العقوبات القدرية على شاتم النبي ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، فهذا شيء لا يأتي عليه التفصيل؛ قالوا: أما ما يقدره الله عليه من العقوبات القدرية في الدنيا وفي الآخرة، فهذا شيء لا تسأل عنه، فإن الله عز وجل ينزل أعاجيبه من العذاب بمن يعتدي على المقام الشريف.
أما نحن كعلماء للإسلام، وكذا هذا الإسلام، لما نذكر نذكر الأدلة على الحكم الشرعي الذي ينبغي على النظام الإسلامي أن ينزله. وقال: وإنما المقصود هنا بيان الحكم الشرعي الذي يفتي به المفتي ويقضي به القاضي، يجب على كل واحد من الأئمة والأمة القيام بما أمكن منه، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.
وقد رتبته أربع مسائل؛ المسألة الأولى في أن الساب يقتل سواء كان مسلما أو كافرا. من الجيد أنك تستحضر هذا الكتاب على أربع مسائل. قال المسألة الأولى في أن الساب يقتل سواء كان مسلما أو كافرا، هذه المسألة الأولى في إثبات أن الساب للمقام الشريف يقتل سواء كان مسلما أو كافرا.
قال الثانية: إنه يتعين قتله وإن كان ذميا، فلا يجوز المنفادة له. طبعا لهذا الباب الثاني، لأنه هو طبيعة المسألة، واقعة في رجل ذمي، فكان لابد أن يفرد مسألة ثانية في أنه يتعين قتله وإن كان ذميا يدفع الجزية فلا يجوز المنفادة له، وسياتي بالأدلة على ذلك.
قال الثالثة: في حكمه إذا تاب. المسألة الثالثة في حكم هذا الرجل إذا تاب. قال الرابعة: في بيان السب وما ليس بسب، والفرق بينه وبين الكفر؛ في بيان ما الذي يعتبر سبا وما الذي لا يعتبر سبا، والفرق بين السب للنبي ﷺ وبين الكفر به من حيث العقوبات.
يعني هل العقوبة التي تنزل بمن كفر بالنبي ﷺ هي نفس العقوبة التي تنزل بمن سبه؟ فالكافر في الأصل إذا أسلم خلص، نقبل إسلامه وننسى ما قبله، لكن إذا سبه، هل تقبل منه توبته وإسلامه بمعنى دنيويا؟ يعني هل نقول خلص أنت كنت كافرا وأسلمت، بالتالي حتى لو كنت تسب النبي ﷺ لا نعاقبك أم نعاقبه؟ هذه بعض المسائل التي سيبحثها شيخ الإسلام بالأدلة.
نبدأ بالمسألة الأولى. قال المسألة الأولى: إن من سب النبي ﷺ من المسلمين أو كافر فإنه يجب قتله. قال هذا مذهب عامة أهل العلم. الآن سيذكر القواعد، عامة أهل العلم وهو أن الأصل في من شتم النبي ﷺ من مسلم أو كافر أنه يجب قتله. قال: وهذا مذهب عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: «أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ قتل». وممن قاله مالك وليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. قال: مالك بن أنس، الليث بن سعد فقيه مصر، أحمد بن حنبل، إسحاق راهويه، مذهب الشافعي.
وقالوا حكي عن النعماني لا يقتل، يعني الذمي ما هو عليه من شرك أعظم. أما أبو حنيفة النعمان رحمه الله عليه، فالمنقول يقول عنه إنه إذا كان ذميا لا يقتل؛ لأن ما عليه من الشرك والكفر أعظم من سبه للنبي ﷺ عليه الصلاة والسلام. هذه وجهة نظر، ولاحظ ما هو التعليل، ومن المهم أن تنظر للتعليل حتى لا يأتيك غدا شخص يقول لك الله يسامح أبا حنيفة يعني ما عنده تعليل؛ يا أخي أنت تفهم جهله، انظر لرأي الرجل قبل أن تتطاول على مقام الأئمة، هو يقول لك إن النعمان رحمه الله يقول لا يقتل لأن ما هو فيه من الشرك شرك بالله عز وجل وهذا أعظم، أما إذا كان مسلما فينبعي فيقتل.
وقال قد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ قتل، كما أن حد من سب غيره الجلد. وهذا الإجماع الذي حكاه، هذا محصور على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي ﷺ يجب قتله إذا كان مسلما.
يعني أبو بكر الفارسي لما نقد الإجماع، هل يقصد إجماعهم على أن المسلم إذا سب يقتل، أم يريد إدخال الذمي أيضا؟ فيقول شيخ الإسلام: أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي ﷺ يجب قتله إذا كان مسلما. وكذلك قيده القاضي عياض، فعلا قيده بذلك، فقال: «أجمعت الأمة على قتل متنقص من المسلمين وسابه». وهذا يعطيك أن قتله إذا كان مسلما هذا فيه إجماع، أما قتله إذا كان ذميا، فهذا مذهب عامة أهل العلم بس، لكن ليس فيه إجماع في هذه المسألة.
قضية مهمة، خلص معناتها ما في إجماع، معناتها لا يطلب الصواب فيها. بعض الإخوة يقول لك مسألة خلافية، ما هو لو كانت مسألة خلافية، لكن هدف شيخ الإسلام أن يستقصي الأدلة لصواب مذهب الجمهور. ليست مسألة خلافية معناها خلص كل واحد يعمل ما يريد، المسألة الخلافية عليك أن تبحث عن الأدلة التي تنصر القول الصواب.
قال وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. قال الإمام أبو إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: «أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل، أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل، أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله».
أي أنه كافر بهذا الفعل حتى ولو أقر بكل ما أنزل الله، يعني من سب الله أو سب النبي ﷺ أو قتل نبيا، لو أقر بكل ما أنزل الله، هذا الفعل الذي صدر منه يخرجه من الإسلام، يخرجه من الإسلام، وهنا إجماع على هذا، وأي شيء يخالف هذا فلا يقبل، وإنما يقوم من الأقوال المرجئة ومن سار على نهجهم.
قال الخطابي: «لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله». وقال محمد بن سحنون، وهو أحد السادة المالكية: «أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر».
وتحرير القول فيها أن الساب إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم من حكى الإجماع على ذلك من الأئمة مثل إسحاق بن راهويه وغيره. وهنا ابن سحنون، أحد علماء المالكية، يقول: ومن شك في أن المسلم إذا شتم النبي ﷺ يكفر، فهو الذي يكفر؛ من شك في كفر شاتم النبي ﷺ كفر.
وإذا كان الذمي، فإنه يقتل أيضاً في مذهب مالك وأهل المدينة، وسياتي حكاية ألفاظه، ومذهب أحمد وفقهاء الحديث؛ فقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة. أما مذهب أبي حنيفة فقد مر معنا أن أبا حنيفة لا يقتل، ومذهب الشافعي سيقوم الآن بتحريره في ثنايا الكلام.
سيبدأ الآن بتحرير مذهب الحنابلة، وسوف يستفيض قليلاً، وبالتالي هذا المبحث سيكون مفيداً للحنابلة حقيقة؛ لأنه سيحرر طرائقهم في الكلام عن مسألة شاتم النبي ﷺ. قال حنبل: «سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه، مسلماً كان أو كافراً، فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب».
هذه الرواية الأولى التي نقلها حنبل عن الإمام أحمد، أنه يقول: مسلماً كان أو كافراً فإنه يجب قتله ولا يستتاب. ولذلك، انتبه لهذا؛ إن شاتم النبي ﷺ الصواب وما عليه جماهير الفقهاء أنه لا يستتاب، يعني من وقع في الناقض من نواقض الإسلام الأصل أننا نستتيب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، لكن شاتم النبي ﷺ لا يعطى فرصة للاستتابة أصلاً، وهذا تغليظ عليه لمقام النبي ﷺ.
قال: «وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثاً مثل هذا، رأيت عليه قتلى، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة». لما نحن أعطيناهم العهد والذمة ليعيشوا في بلاد المسلمين، لم نعطِ أهل الذمة أن يعيشوا في بلادنا على أن يشتموا النبي ﷺ ويتنقصوا من أمور الإسلام.
وكذلك قال أبو الصقر: «سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة يُنهى عنه، يقتل». يقتل من شتم النبي ﷺ مسلماً كان أو كافراً، وهذه الرواية واضحة نقلها الخلال. سأله عن من شتم النبي ﷺ من أهل الذمة، فأجابه بوضوح من أحمد أنه إذا قامت عليه البينة والشهادة أنه فعل ذلك قتل، مسلماً كان الشاتم أو كافراً.
وفي رواية عبد الله بن الإمام أحمد وأبي طالب، وهذا أيضاً من أبي طالب وهو أحد تلاميذ الإمام أحمد، قال: «وقد سئل عن من شتم النبي ﷺ قال: يقتل». قيل له: فيه أحاديث؟ قال: «نعم، أحاديث»، منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة، وسوف يسردها ابن تيمية كاملة مستوفاة ويعلق عليها، وهو حديث الأعمى الذي قتل المرأة والنبي ﷺ عنى على فعله.
وحديث حسين أن ابن عمر قال: «من شتم النبي ﷺ قتل»، وعمر بن عبد العزيز يقول: «يقتل»، وذلك أنه من شتم النبي ﷺ فهو مرتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي ﷺ، فلا يتصور أن يكون هناك مسلم يشتم النبي ﷺ.
وزاد عبد الله: «سألت أبي: من شتم النبي ﷺ يستتاب؟ قال: قد وجب عليه قتله ولا يستتاب». قال أحمد: «لا يستتاب»، لا يستتاب ثلاثة أيام. وقال: «خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه»، رواهما أبو بكر في الشافعي. وفي رواية أبي طالب سئل أحمد عن من شتم النبي ﷺ قال: «يقتل قد نقض العهد»، وهنا يتكلم عن الذمة وليس عن المسلم الذي يشتم.
وقال حرب: «سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ قال: يقتل»، رواه الخلال، وقد نص على هذا في غير هذه الجوابات، فأقواله كلها نص في وجوب قتله وفي أنه قد نقض العهد، وليس عنه في هذا اختلاف. إذن، هذا ما يعتقده شيخ الإسلام مذهباً لأحمد، وهذه الروايات كلها تدل على أمرين: على وجوب القتل، وعلى أنه نقض العهد، وليس عنه اختلاف في هذه المسألة في النقل.
وكذلك ذكر عامة أصحابه، متقدمهم ومتأخرهم، لم يختلفوا في ذلك، إلا أن القاضي في «المجرد» ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها، وفيها ضرر على المسلمين، وأحدهم في نفس أو مال، وهي إعانة على قتال. هذه مسألة درسناها، وهي أن الذمي مطالب إذا أراد أن يعيش في بلاد المسلمين أن يترك أموراً، إذا فعلها الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين الأصل أن عهده وذمته تنتقل. ما هي الأمور المطالب الذمي أن لا يفعلها أولاً؟
أعانته على قتال المسلمين؛ لا يجوز أن يعين على قتال المسلمين، أو يتجسس لصالح الكفار. اثنان: قتل المسلم أو المسلمة؛ لا يجوز أن يقتل مسلما أو مسلمة في بلاد المسلمين. ثلاثة: قطع الطريق عليهم؛ ما يصير يشتغل قاطع طريق عندنا في بلاد المسلمين يخوف الناس ويأخذ أموالهم. رابعا: أن يؤوي للمشركين جاسوسا؛ ما يصير أنك تأوي جواسيس المشركين للكفار عندنا في بلاد الإسلام.
قال: وإن يعين عليهم بدلالة؛ مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، ولا يكون جاسوس عندنا يكاتب المشركين ويدلهم على عوراتنا. تذكر في الأندلس في إحدى الفقرات، لما كان المعاهدون في قرطبة أو إشبيلية، كانوا يكاتبون حكام النصارى في الشمال ودلواهم على الفجوات في مدينة قرطبة.
قال: وإن يزني بمسلمة؛ إذا زنى بمسلمة هذا أيضا انتقاض للذمة. في الحنابلة بعضهم قال: يعني أن يستكره مسلمة، فلو استكرهها فمطلق الزنا، والظاهر أنها مطلقة مطلق الزنا. قال: أو يصيبها باسم نكاح؛ يعني يكتب عليها عقدا، كأن يقول أنا ما زنت أنا كتبت عليها العقد. لذلك أنا قلت لك الظاهر أنه حتى لو كتب عليها عقدا، وهذه ليست استكراها، هذا يكتب عقدا، يعتبر نقضا للعهد؛ لأنك عارف أنه ما يصير تتزوج مسلمة ولا أن تعاشرها، لا باسم زنا ولا باسم نكاح.
قال: وإن يفتن مسلما عن دينه؛ أن يصبح يفتن مسلما عن دينه، يأخذ مسلما مثلا يقعد في البيت عنده ويجلس يفتنه عن دينه، ليس بالضرورة بالعذاب، بل بالفكر. فهمتهم: أن يفتن مسلما عن دينه فكريا، يعني يصير يجلس في الأماكن ويطرح شبهات ويبشر في بلاد المسلمين.
قال: فعليه الكف عن هذا. لم يشترط، الآن هذه الأمور عليه أن يكف عنها سواء اشترطناها في العهد وكتبناها كتابة أنه ما يصير تعمل هيك، أو أننا لم نشترطها، لكن هي ضمنيا أنت فاهم أنها مطلوبة منك. فالقول للقاضي أبي يعلى: هذه الأشياء لا يجوز أن يفعلها الذمي في بلاد المسلمين سواء اشترطناها نصا عليها أو لم نشترطها؛ لأنها مقتضى العقد. الآن في البيوع، مش عندنا شروط لو ذكرت أو لم تذكر ما تهم، ليه؟ لأنها مقتضى عقد البيع. كأن أقول والله اشترط عليك أن تسلمني السلعة وأسلمك الثمن، بقول هذا ما في داعي تشترطه، هذا مقتضى عقد البيع أن يسلم البائع السلعة للمشتري ويسلم المشتري الثمن للبائع، فهذه اشترطت أو لم تشترط هي مضمون العقد.
قال: فإن خالف انتقض عهده. وذكر نصوص أحمد في بعضها، مثل نصه في الزنا بالمسلمة، وفي التجسس للمشركين، وقتل المسلم وإن كان عبدا كما ذكره. فهذه الشروط بعضها أحمد نص عليه بنفسه وبعضها قيس على كلامه. هذه الشروط التي ذكرها أبو يعلى.
قال: ثم ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لا ينتقض عهده بل يحد القذف. بعد ما ذكر أبو يعلى تلك الأمور التي ينتق بها العهد، ذكر مسألة القذف فقال: إذا قذف الذمي مسلما، قال له يا زاني يا ابن الزاني، قذفه قذفا، هل يعتبر هذا نقضا للعهد؟ فذكر نص أحمد بن حنبل في أن قذف المسلم على أنه لا ينتقض عهده بل يحد القذف. يعني ذكر أبو يعلى أن أحمد بن حنبل نص على أن مجرد القذف لا ينتقض به العهد، بل نجلد الذمي ونقيم عليه حد القذف وهو ثمانون جلدة مثل حد المسلم.
قال: فتخرج المسألة على رواية. فماذا قال أبو يعلى هنا؟ المشكلة عند ابن تيمية أن أبا يعلى سلك مسلك نحن نسميه في النقل والتخريج؛ أنه الآن صار عندنا مسألة أولى، ما هي؟ مسألة الشروط الثمانية أو الأمور الثمانية التي إذا فعلها ينتقض عهده، في مقابلها عندنا مسألة ماذا؟ القذف. فنص أحمد على أنه إذا قذف لا ينتقض عهده. هي مثل مسألة الصلاة في الثوب النجس والصلاة في المكان النجس، يرى أبو يعلى أنهما متشابهتان.
ففعل نوعا من النقل والتخريج فقال: هذان مسألتان متشابهتان، ما دام في هذه الأمور نصه على نقض العهد، وهنا نص في مسألة القذف على عدم نقض العهد، إذا يمكن أن نقول ماذا؟ أنه فعليا أحمد له وجهتا نظر، وأنه يمكن أن نأخذ هذه الثمانية ونخرج فيها رواية أخرى قياسا على مسألة القذف أنه لا ينتقض العهد. يعني ليست الأمور الثمانية ينتقض العهد بها؛ إذا زنى بمسلمة وقطع الطريق، وعندنا القذف نص أحمد على أنه لا ينتقض به، فإذا أتينا إلى هذه الثمانية نقول: هناك رواية منصوصة أنه ينتقض العهد بها، ورواية مخرجة على مسألة القذف أنه لا ينتقض العهد بها، هذا يسمونها ممارسة النقل والتخريج.
هل ابن تيمية وافق؟ وهل يجوز ممارسة النقل والتخريج بهذه الطريقة؟ ابن تيمية سيخطئ أبا يعلى في ذلك ويقول له: النقل والتخريج هذا لما تكون المسألتان المتشابهتان لا يظهر هناك فرق بينهما، أما أنت هنا مارست النقل والتخريج مع أنه في فرق بين هذه الثمانية وبين مسألة القذف، هذا ما سيسعى ابن تيمية أن يثبته.
فقال أبو يعلى: فتخرج المسألة، مسألة الثمانية الشروط الثمانية السابقة على روايتين: رواية منصوصة ورواية مخرجة. ثم قال أبو يعلى: وفي معنى هذه الأشياء، ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي. أبو يعلى بعد ما ذكر الشروط الثمانية، وهي الإعانة على قتل المسلمين، وقتل المسلم والمسلمة، وقطع الطريق، وأن يؤوي جاسوسا، وأن يعين أو يكاتب المشركين، وأن يزني بمسلمة، وأن يفتن مسلما أو يصيبها باسم نكاح، فصاروا ثمانية، لما ذكر هذه الثمانية أتى بعد ذلك فأدخل في الثمانية أو الحق بالثمانية: شتم الله أو شتم النبي ﷺ أو شتم الكتاب والقرآن.
فقال أبو يعلى: وفي معنى هذه الأشياء الثمانية، أن يذكر الذمي الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي. وهذا نص مهم، لأن هي نقطتنا نحن أصلا: أن يذكر الرسول بما لا ينبغي، فهذه أبو يعلى قال تلحق بالثمانية. طب الثمانية أنت عملت فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة، فأصبح بالتالي عند أحمد كان هناك رواية منصوصة في أنه ينتقض عهده بالشتم في ذكر الله وكتابه ورسوله، ورواية مخرجة في أنه لن ينتقض عهده بذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء. فهذه أربعة أشياء: ذكر الله والكتاب والدين والرسول بما لا ينبغي، فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها، فليس أولا ذكرها شرطا في صحة.
العقد؛ لأنه قلنا ذكرت ولا لم تذكر أنت مطالب بها يا ذمي، لأنها من مقتضى العقد. فإن أتوا، قال: فإنه واحدة منها نقضوا الأمانة. إذا فعلوا أي واحد الآن صارت اثنتي عشرة، ما هي ثمانية زدنا عليها أربعة صارت اثنتي عشرة، فإذا فعل الذمي واحدة من هذه الاثنتي عشرة نقض عهده، قال: سواء كان مشروطًا في العهد أو لم يكن كذلك.
قال في الخلاف، بعد أن الخلاف له شيخ أبو يعلى له كتاب آخر؛ الخلاف الكبير والخلاف الصغير، ويقول: وكذا قال في الخلاف، أشار عندك في الحاشية. قال هو التعليقة الكبيرة أو الخلاف الكبير؛ إذا هو في التعليقة تسمى الخلاف الكبير أو التعليقة الكبيرة.
قال بعد أن ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال، فإذا نص أحمد أنه ينتقض العهد بها، بس الرواية المخرجة التي خرجها المتوسطون، أنه في رواية مخرجة أخرى عدم انتقاض العهد بها. قال: وفيه رواية أخرى لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية أو الامتناع من جريان أحكامنا عليه.
هذه الرواية المخرجة، قال: وهناك رواية أخرى نقول هذه مخرجة؛ أنه لا ينتقض عهده بهذه الأفعال إذا فعلها، وأنه لا ينتقض عهد الذمي إلا بشيئين فقط لا غير عن الرواية المخرجة، يقول: لا ينتقض عهد الذمي إلا بشيئين؛ ما هما؟ الامتناع عن بذل الجزية أو الامتناع عن جريان أحكامنا عليه. إذا امتنع عن أحد هذين فقط ينتقض عهده، هذا على الرواية المخرجة.
قال ثم ذكر نصه على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب، قال: فلم يجعله، هي الرواية المنصوصة في الذمة في مسألة القذف، قال: فلم يجعله ناقضًا للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه.
إذا الآن بدي إياك تفهم طريقة التفكير الفقهي، وهذا قلت لكم في بدايات كتاب في مسائل فقهية؛ بدك تشغل لي دماغك، لأن هذه بتساعدك أنك تفهم كيف تنزل المسائل على الواقع وكيف حتى الفقه يفكر. هو الآن لماذا أبو يعلى عمل رواية مخرجة قياسًا على مسألة القذف؟ يقول لك القذف أليس فيه أضرار بالمسلمين؟ ما دام القذف فيه أضرار بمسلم بهتك عرضه، إذاً الأصل أي حالة من حالات الأضرار تقاس على القذف. فإذا قطع الطريق هذا إضرار، إذا زنى بمسلمة أو ارتكب جرائم، فما دام القذف إضرارًا ومع ذلك لم ينقض أحمد العهد به، فنقيس عليه سائر أشكال الأضرار الأخرى من قطع الطريق أو إعانة على المسلمين.
هذه طريقة الرواية المخرجة؛ أنهم إذا لم نقل في الرواية المخرجة أنك تأتي إلى الرواية المنصوصة في القذف، إما أن يكون أحمد نص على العلة، فنحن نلحق بها مباشرة، أو نحن نستنبط العلة. يعني ماذا؟ فنقول ما دام أحمد رأى أن القذف ضرر لكنه لا يؤدي إلى نقض العهد، فنقيس عليه سائر أشكال الضرر التي تؤذي المسلمين، فنقول إنها لا تنقض العهد.
هذا الذي سيعترض عليه: هل القياس مع الفارق ولا القياس صحيح؟ قال: وتبع القاضي جماعة من أصحابه ومن بعدهم، مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني. هذه الطريقة في حكاية المذهب، الآن فهمنا طريقة أبي يعلى في حكاية مذهب الحنابلة في مسألة الذمي متى ينتقض عهده.
والخلاصة بالتالي في مسألة شاتم النبي ﷺ بالتحديد، أنه أصبح فيها -إذا الذمي شتم النبي ﷺ- أصبح فيها على طريقة أبي يعلى في حكاية المذهب روايتان: رواية منصوصة أنه ينتقض عهده، ورواية مخرجة أنه لا ينتقض عهده، وبه تصبح قريبة من رواية أبي حنيفة أن الذمي ما فيه من الشرك أعظم.
هذه الطريقة من تبعه فيها الشريف أبو جعفر الهاشمي، وهو قريب أبو موسى الهاشمي، هو ليس نفسه، البعض يخطئ بينهما، صاحب الإرشاد هو أبو موسى، لكن هذا الشريف أبو جعفر. قال وابن عقيل وهؤلاء كلهم من تلاميذ أبي يعلى وأبي الخطاب والحلواني. فذكروا أنه لا خلاف أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهدهم، لأن هذه مسألة هي محطة الاتفاق بين الجميع؛ أن إذا امتنعوا من أداء الجزية أو جريان حكم الإسلام عليهم، هذه على كل الأقوال ينتقض العهد بها لا نقاش فيها.
وذكروا في جميع هذه الأفعال والأقوال التي فيها ضرر على المسلمين، وأحدها في نفس أو مال أو فيها غضاضة على المسلمين في دينه مثل سب النبي ﷺ، ذكروا روايتين: الأولى منصوصة وهي أنه ينتقض العهد بواحد من اثنتي عشرة، الثانية مخرجة وهي أنه لا ينتقض عهده وإنما تقام عليهم الحدود الشرعية؛ إذا كان قذف يقام عليه حد القذف، إذا كان زنى نقيم عليه حد الزنا، أما لا نجعلها سببًا لنقض العهد، نطبق عليه الحدود لكن لا نجعلها سببًا لنقض عهده. هذه الرواية المخرجة، مع أنهم كلهم متفقون على أن المذهب -يعني المعتمد- أن الرواية المعتمدة هي الأولى المنصوصة، وأما الرواية المخرجة فهي مجرد رواية أخرى يمكن أن تخرج في المذهب لكنها ليست معتمد المذهب.
ثم القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة، مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف.
الرواية منصوصة، يعني أحمد نصاً واضحاً؛ لأن القذف لا ينقض العهد. خالفوها وجربوا على أنه الرواية المخرجة في هذه المسألة تحديداً.
عفواً، ماذا قلت؟ القذف النص فيه أنه لا ينقض، وخرجوا عليه رواية أنه ينقض بناءً على الشروط الثمانية الأخرى، مع أنها الرواية... لا، هم لم يعدوا، هو لم يعدوا بناءً على التخريج ولا نص أحمد أنه ينقض، الذي مر قبل قليل. لا، القذف نص أحمد في أيش؟ أنه لا ينقض، أنه لا ينقض. فهم قالوا إنه ينقض بناءً على تخريج، ليس بناءً على نص.
أنت تقول إنهم قالوا إن القذف ينقض، رواية مخرجة، مع أن الرواية المخرجة... مع أن هو بالعكس، هو يريد أن يقول: ماذا يا شيخ؟ هو يقول إنهم -يعني جعلوا قذف المسلم- هم القاضي وأتباعه، لم يجعلوه من الضرر بحيث يضر المسلمين بحيث يصل إلى حد القتل، هم أثبتوا ضرراً ولكن ليس الضرر المؤدي إلى القتل، ثم قالت تلك الأنواع كلها عليه فجعلت في القتل، لا، الذي يظهر؛ لأنه ماذا يريد أن يقول؟ يعني ما هذا؟ في ضرر فعلي. عفواً، يعني مش قتل، النقض نقض العهد.
هو يريد أن يقول -والله أعلم- قال: «ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة». مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في ماذا؟ في القذف. أقول والله أعلم، كأنه يقصد أنهم خرجوا في جهة واحدة لكن لم يخرجوا من الجهة الأخرى. يعني، هل جعلوا الآن أنتم نقلتم إلى اثنتي عشرة وأعطيتم رواية مخرجة على القذف، لكن هل عملتم العكس؟ أن خرجت في القذف رواية أخرى أنه ينتقض العهد بها؟ يعني أنتم نقلتم الاثنتي عشرة للقذف تخريجاً، طب هل عملنا العكس؟ أنه برضه القذف حكينا الرواية المنصوصة أنه لا ينقض العهد، لكن كرواية مخرجة أنه ينقض العهد؟
فهمتم؟ وهذا ما فهمته. خليني أقول عقلاً من النص: «ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة». هسا هو نص أحمد في القذف ما هو؟ أنه لا ينقض. طيب، هل أنت عملت لي في رواية مخرجة بالعكس؟ وأنت كما أن نقلت هذه لهون وعملت لي رواية مخرجة -مش نحن الأصل برضه تصير رواية؟- يعني ليس اضطراداً أنك برضه لماذا لم تخرج فيها رواية مخرجة غير المنصوص أنه يعتبر ناقضاً؟ يقول لم يفعلوا ذلك، وكأنهم رأوا أن التخريج سيكون من جهة واحدة، ولم يروا أن القذف يمكن أن يصل بحاله إلى أن ينقض العهد به، فرأوا أنه خلص نبقى على الرواية المنصوصة دون ذكر رواية مخرجة أنه ينقض العهد به. فيقول: «ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة للعهد» بناءً على نص الإمام، خلص التزموا بالنص، لكن ما أعطوا رواية مخرجة أنه ينقض.
مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف. الرواية المخرجة في أيش؟ في الاثنتي عشرة، هي خرجت بناءً على نصه في القذف. نعم، فهمت أنه الأصل التخريج يحصل في حال عدم اقتضاح الفرق وعدم اقتضاح العلة، فنحن في البداية أصلاً خرجنا من القذف وبعدها استثناء للقذف، فأنت استثناؤك للقذف يدل على أنك لمست فرقاً بين المسألتين. فكيف لمست الفرق بين المسألتين؟ هو، أنت عندك أحمد بن حنبل في نصوصه، هو الذي فرق بينهما. نعم، يقول لك أنت في البداية خرجت منها، مش نحن. الأصل قلنا إنه التخريج يكون في حال لم يظهر لي الفرق بين مسألتين.
صحيح. طيب، بقول لك مع أنك خرجت هذه الرواية الأخرى، خرجت الاثنتي عشرة على هذا الوجه، مع ذلك أنت ما التزمت ذلك، وبالتالي قلت في الرواية الأخرى في القذف بأنه ينقض العهد. ركز الكلام على نقض العهد الآن بس. هنا الفكرة، يعني هنا تختلف عن كلامي، بس حتى أفهم، هو أنا فكرت أنك تقدم فهماً آخر للنص، وأنا أقول لك يعني هذا ما أشعر أن ابن تيمية يريد الوصول إليه.
الفقرة الثانية أصلاً معك؛ أنه ما دمت ترى أن القذف من الأمور المضرة ومع ذلك لم ينقض واعتبرتها هي الرواية المنصوصة في مسألة القذف، وقس عليها الاثنتي عشرة، الأصل أنه ما دام هو مضر مثل الاثنتي عشرة، إذاً ينقل فيه أيضاً رواية أخرى مخرجة أنه ينقض، يعني يصير في القذف روايتان بجامع أن القضية كلها مبنية على الضرر، وهذا حاصل هنا وهنا، فيصبح الضرر فيه روايتان: رواية منصوصة ورواية مخرجة. نعم، يمكن أصلاً مش الأولى أصلاً أنه إذا في شيء بده ينقل لشيء يكون القذف ينقل لحكم شتم النبي ﷺ لأن ذلك في نصوص. نعم، هذا سيناقشه ابن تيمية.
هذه قضية، أنت دخلت فيها نقاشاً أنه هل هي الطريقة في سرد المذهب طريقة صحيحة أو لا، بس نحن من الآن نحاول نفهمك هذه الطريقة في حكاية مذهب الحنابلة. ثم قالوا: «أما أبو الخطاب ومن تبعه فنقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم القذف إليها». أحسنت، هذه هي الفكرة. قال القاضي أبو يعلى كأنه نقل وتخريج من جهة واحدة، بس لا، أبو الخطاب هو من تلاميذه، ومن تبعه نقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم القذف إليها، فعمل تخريجاً من جهتين. قال حتى أكون أنا هيك مضطرداً، لازم أعمل رواية منصوصة ورواية مخرجة في كلا الجهتين، حتى أكون أنا... فانقل حكم القذف فأقول إنه ناقض كما أنني نقلت الاثنتي عشرة هناك وقلت إنها مش ناقضة، ليكون النقل والتخريج من الجهتين.
قال: «حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين». ثم إن هؤلاء كلهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي ﷺ في موضع آخر. بعد كل هذا بقول لك الآن، هذا النقاش الحنبلي كان كله في أي باب؟ في باب أهل الذمة وبماذا ينتقد عهدهم؟ نذهب إلى باب الردة. بتعرفوا الآن في كتب الفقه، عندك باب أهل الذمة هذا تبحث مسائله، بعدين بتروح على باب الحدود بتلاقي باب مثلاً حد الردة، صحيح؟ هناك يعاد بحث مسألة شتم النبي ﷺ مرة أخرى. يقول: «ثم إن هؤلاء وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي ﷺ في موضع آخر من كتبهم في مسألة عاد بها باب المرتد»، فذكروا، قال: «وذكروا أن سابه يقتل وإن كان ذمياً وإن عهده ينتقض، وذكروا نصوص أحمد من غير خلاف في المذهب». آه، في باب الردة لما نقروا وحكوا المذهب.
قالوا إن سب النبي ﷺ يقتل وإن كان ذمياً، وإن عهده ينتقض، وذكروا نصوص أحمد التي ذكرناها قبل قليل في البدايات من غير أن يحكوا خلافاً في المذهب؛ يعني في باب أهل الذمة حكيتوا الخلاف بهذه الطريقة، لكنكم في باب المرتد ما حكيتوا خلافاً في مسألة شتم النبي ﷺ بالتحديد، وكان الأمر واضحاً أنكم ترون أن العهد ينتقض قولاً واحداً بدون نقاش، فهناك ما حكيتوا خلافاً، لكن في باب الذمة حكيت رواية منصوصة ورواية مخرجة.
تفضل.
مش ضروري؛ شايفين العهد ينتقض؟ مش شايفين أنه يقتل على الجهتين؟ يقتل.
الخلاف يا شيخ ليس في القتل الآن، كل الخلاف الآن في انتقاض العهد، ركز معي؛ نحن الآن لم نذكر مسألة القتل، الآن في مسألة ما حكاه أبو يعلى في المذهب وما نقلناه، وهذا كله مسألة هل ينتقض عهده أم لا؟ هنا النقاش الآن.
نعم، قال: «ويحتمل ألا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذمياً»، في باب الردة، والذين حكوا هذا الاستثناء قلة، وكأنه عاد إلى الرواية المخرجة.
نعم، بس لاحظ هنا الحلواني قال: «لا يقتل»، ركز على القتل؛ ما هو إذا كان لا يقتل، إذن برضه موضوع العهد نفسه لا ينتقض، لأنه بناها على أنه لا ينتقض العهد.
قال: «وسلك القاضي أبو الحسين في نواقض العهد طريقة ثانية توافق قولهم». القاضي أبو الحسين، هل عندكم تعريف؟ من هو القاضي أبو الحسين من الحنابلة؟
ابن أبي يعلى.
نعم، القاضي أبو الحسين ابن أبي يعلى، وهو صاحب كتاب طبقات الحنابلة.
طبقات الحنابلة، صاحب كتاب طبقات الحنابلة، هو ابن الإمام أبي يعلى. طبعاً أبو الحسين ذكر كتاباً معيناً له، قال: «أو عفواً ليس كتاباً، في نواقض العهد»، يعني في الأمور التي تنقض عهد أهل الذمة. أحياناً القاضي أبو الحسين يطلق عندنا ويراد به القاضي يعقوب.
يعقوب؟
عرفت، وهذا ذكر ابن رجب له ترجمة في ذيل طبقات الحنابلة من علماء القرن الخامس الهجري، لذلك أنا توقفت فيه؛ لأنه لم يظهر لي أنه هو ابن أبي يعلى أو القاضي يعقوب.
هذا أحال إلى كتاب معين، عندكم النسخة القديمة ليست محققة؟
لا، ما أحال.
تمام، لأنه أحياناً المحقق يحتاج أن يكون على دراية أنه يوجد واحد آخر في المذهب اسمه يعقوب، وهذا يذكر عادة في هذه المواطن؛ القاضي يعقوب أبو الحسين، حتى ذكره عبد المؤمن البغدادي في قواعد الأصول ومعقد الفصول القاضي أبو الحسين. فأقول هذه مسألة، لكني لا أريد أن أستعجل في القول إنه ابن أبي يعلى إلا إذا كان هناك كتاب نسب إليه هذا الكلام، أما المشهور في العادة أن القاضي أبو الحسين والقاضي يعقوب، المهم الله أعلم.
نقول: «وسلك القاضي أبو الحسين في نواقض العهد طريقة ثانية». هذه مسألة اسمها مسألة الطرق، وأشار إليها الشيخ لقيمي في كتابه في العبارات والمصطلحات المذهبية؛ نحن عندنا في المذهب عن الأصحاب عبارة "الطريق" و"الطريقة". ما معنى الطريقة؟ أي أسلوبك في حكاية المذهب في هذه المسألة.
فأبو يعلى ماذا كانت طريقته في حكاية المذهب في مسألة نواقض العهد؟ إنه ذكر أنه عندنا اثنتا عشرة مسألة، فيها رواية منصوصة، وأن مسألة العرض والقذف فيها روايات منصوصة أنها لا تنقض، ثم ذكر في الاثنتين عشرة رواية أخرى مخرجة قياساً على رواية القذف. هذا الأسلوب الذي عمله أبو يعلى: ذكر المنصوص، ثم محاولة ذكر رواية مخرجة، وبالتالي أصبح المذهب في وجهة نظر أبي يعلى في الاثنتين عشرة مبنياً على رواية منصوصة ومخرجة، بينما في مسألة القذف بناه فقط على رواية منصوصة. أما أبو الخطاب الكلوذاني فلا جعل رواية منصوصة ومخرجة في كل المسألتين، هذه تسمى طريقة؛ كيف حكيت مذهب الحنابلة؟ هذه طريقتك في حكاية مذهب الحنابلة.
الآن القاضي أبو الحسين سلك طريقة أخرى في حكاية مذهب الحنابلة، فهذا اسمه مصطلح الطريقة، وهذه فائدة أن تقرأ هذه الكتب؛ أن تصبح تتعامل مع هذه المصطلحات وتنظر إليها: كيف حكى أبو الحسين المذهب؟ قال: «طريقة توافق قولهم»، فقال: «أما الثمانية التي فيها ضرر على المسلمين في مال أو نفس فإنها تنقض العهد في أصح روايتين»، الثمانية الأوائل كقطع الطريق، تنقض عهد الذمي في أصح الروايتين، إذاً هو ذكر رواية مخرجة، سماها روايتين: رواية منصوصة ورواية مخرجة.
ثم قال: «أما ما فيه إدخال غضاضة ونقض ونقص على الإسلام، وهي ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي، فإنه ينقض العهد نص عليه». إذن ما هي الطريقة التي حكى بها المذهب؟ لم يجعلهم اثني عشرة، قال: الثمانية الأوائل فيها رواية منصوصة ومخرجة، أما الأربعة التي فيها إدخال غضاضة على الإسلام -والمصطلح الذي يجب أن تحفظه هو "إدخال غضاضة على الإسلام" والتي هي سب الله أو القرآن أو الدين أو النبي ﷺ- فهذه الأربعة لم يذكر فيها إلا رواية واحدة منصوصة، قال: هذه الرواية الوحيدة التي نقبلها في هذه الأمور وهي أن العهد ينتقض بها، ولم يخرج في هذا رواية أخرى، كما ذكرت جماعة أبي يعلى الذين ذكروا روايتين حتى في الأربعة.
قال: «وهذه أقرب من تلك الطريقة». ابن تيمية يعلق على هذا، يقول: طريقة أبي الحسين منطقية أكثر، أقرب.
قال: «وعلى الرواية التي تقول لا ينتقض العهد بذلك، فإنما ذلك إذا لم يكن مشروطاً عليهم في العقد». يعني ابن تيمية يقول وهذا نوع من القيد؛ سيذكر ويقول: الرواية المخرجة التي تقول لا ينتقض العهد بالاثنتي عشرة، وهي التي أخرجها أبو يعلى وأبو الخطاب، تلك الرواية واضحة: إذا لم يكن مشروطاً عليهم ذلك في الصك المكتوب بيننا وبينهم، يعني إذا لم تُذكر الاثنتا عشرة في الصك، نحن مطالبون بها كمقتضى عقد، لكن ما ذكرت عليهم كشرط منصوص عليه، فهنا تُقبل الرواية المخرجة التي أخرجها أبو يعلى وأصحابه أنه لا ينتقض العهد بالاثنتي عشرة، أما إذا كانت مشروطة عليهم ومكتوبة، قال: «ففيها وجهان».
ما هي هذه الوجوه؟ قال: «أحدهما ينتقض»، قاله الخرقي، وقال أبو الحسن الآمدي وهو الصحيح في المذهب الحنبلي، قال: «وهو الصحيح في كل ما شرط عليهم تركه». صحح قول الخرقي بانتقاض العهد، إذا لاحظ أنه عبر بكلمة "وجهان" هنا، هنا لم نكن نتكلم عن روايات.
سنتكلم عن وجوه للأصحاب؛ أنه إذا كانت مشروطة، أما إذا لم تكن مشروطة، ففيها الروايتين: رواية منصوصة ورواية مخرجة. أما إذا كانت مشروطة، فأحمد هنا واضح ما عنده نص حتى نقول في رواية، فأصبح قضية اجتهاد من الأصحاب أن هناك وجهان؛ قاله الخرقي.
قال أبو الحسن الآمدي، وهو الصحيح: «في كل ما شرط عليهم تركه». صحح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئًا مما شرط عليهم. والثاني لا ينتقض، قاله القاضي وغيره، وصرح أبو الحسين بذلك هنا كما ذكره الجماعة، فيما إذا أظهروا دينهم؛ أي أظهروا قراءة كتب التوراة في بلاد المسلمين، أو أظهروا ضرب الناقوس في بلاد المسلمين كذلك، وخالفوا هيئتهم.
كما حكينا لسه، هناك شروط لأهل الذمة، لازم يكونوا على هيئة معينة في اللباس وفي الشكل، فنحن إذا خالفوا الهيئة التي اشترطناها عليهم، واشترطنا عليهم أن لا يلبسوا كذا وكذا، وأن لا يركبوا حصانًا، فإذا خالفوا ما اشترط عليهم.
قال: «وخالفوا هيئتهم من غير إضرار كإظهار الأصوات بكتابهم والتشبه بالمسلمين»، مع أن هذه الأشياء كلها يجب عليهم تركها سواء شرطت في العقد أو لم تشترط. ومعنى اشتراطها في العقد؛ اشتراط تركها بخصوصها، هذا معنى الاشتراط، أنك تشترط عليها بالتخصيص: أن هذا لا تفعل، هذا لا تفعله.
فإذا كان مشروطًا عليه ففيه وجهان؛ عدم الانتقاض قاله الإمام الخرقي، والثاني ينتقض قاله القاضي وغيره، وصرح أبو الحسين بذلك هنا كما ذكره الجماعة فيما إذا أظهروا دينهم وخالفوا هيئتهم من غير إضرار، وهي الأمور التي فيها إضرار بمال أو نفس للمسلمين، هي أمور هيئات تمامًا، ومع ذلك فصرحوا؛ كإظهار الأصوات بكتابهم والتشبه بالمسلمين. فالرواية تقول إن الوجه الثاني يقول لا ينتقض، وإنما يعزر؛ لا ننقض عهده إذا مثلاً قلنا لا تركب الحصان فركبه من هناك، فنحن هنا ما إذا كان مسلمًا أو سفك دمه، فنحن نمسكه ونعزره، يعني بنعاقبه، بس ما بنقض عهده إذا خالف هذه الشروط على الوجه الثاني، مع أن هذه الأشياء كلها يجب تركها سواء شرطت في العقد أو لم تشترط.
الخلاصة يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: إن طريقة أبي يعلى في حكاية المذهب ضعيفة، وطريقة أبي الحسين في حكاية المذهب ضعيفة. طبعًا هو لما ذكر قول طريقة أبي الحسين ما تطرق لمسألة القذف لأنه ليست هامة، هو يهمه مسألة سب النبي ﷺ؛ أبو الحسين ذكر فيها رواية واحدة، وجعل الرواية اثنتين في الثمانية. أما أبو يعلى فذكر روايتين في سب النبي ﷺ: رواية منصوصة أنه ينتقض عهده، ورواية مخرجة أنه لا ينتقض عهده.
قال: «وهاتان الطريقتان ضعيفان»، والذي عليه عامة المتقدمين من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها. وهو قد نص في مسائل سب الله ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنه يقتل، وذلك في من تجسس على المسلمين، وكذلك في من زنى بمسلمة على انتقاض عهده وقتله في غير موضع. وكذلك نقله الخرقي في من قتل مسلمًا، وقطع الطريق أولى.
إذاً ابن تيمية أشار إلى طريقة ثالثة في حكاية المذهب؛ صار عندنا ثلاث طرق في حكاية المذهب. ابن تيمية يرى أنه لا يجوز إخراج رواية مخرجة في الـ ١٢ كلهم، وأنهما روايتان منصوصتان: رواية في الـ ١٢ أنه ينتقض العهد، وما فيها رواية مخرجة، ورواية في القذف منصوصة عن أحمد أنه لا ينتقض العهد. ما يصير إخراج رواية مخرجة، أو على الأقل في الـ ١٢؛ قال ما يصير إخراج رواية مخرجة فيهم كلهم.
الآن أبو يعلى في الـ ١٢ عمل رواية مخرجة، وأبو الحسين قال رواية مخرجة في الثمانية، بس الأربعة فيها رواية مخرجة. ابن تيمية يحكي حكي المذهب بهذه الطريقة، أنه ما يصير تعمل رواية مخرجة في الـ ١٢ كلهم؛ ليه؟ قال نبقي نصوص أحمد على ظاهرها، ليش أنا أعمل رواية مخرجة عن أحمد في ذلك؟ قال: «وقد نص في مسائل سب الله ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنه يقتل»، وكذلك نص على من تجسس على المسلمين، أو أن من زنى بمسلمة ينتقض عهده ويقتل في غير موضع، وكذلك نقله الخرقي أيضًا في من قتل مسلمًا. وقطع الطريق أولى؛ إذا كان الخرقي قال من قتل مسلمًا ينتقض، فقطع الطريق أولى من أن ينتقض عهده بمجرد قتل مسلم واحد. فيقول: كل هذه الروايات يجب أن تبقى دون إخراج رواية مخرجة فيها. وقد نص أحمد على أن قذف المسلم وسحره لا يكون نقضًا للعهد في غير موضع، وهذا هو الواجب.
إذاً كما قلت؛ إذا في نقض العهد في مسألة القذف، هو نص أنه لا ينقض العهد. ابن تيمية الآن سيضع لكم ضابطًا، وهذا يستفيدوا منه أيها الحنابلة؛ ضابط متى تعمل نقل وتخريج: أنه أنت لست أي شيء تقعد تعمل فيه نقل وتخريج، بدك تتأكد هل مساحة النقل والتخريج مسموحة ولا غير مسموحة في هذه الحالة؟
يقول: «لأن تخريج حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، وجعل المسألتين على روايتين مع وجود الفرق بينهما نصًا أو استدلالًا، أو مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندًا للفرق، غير جائز». هذه قاعدة يا ابن تيمية يقول لك إنك تعمل نقل وتخريج وتعمل رواية مخرجة في كل مسألة أو في أحد الجانبين مع وجود فرق بينهما نصًا. وكأن ابن نصر الله الكناني في بلغة الوصول ذكر أنه ما يصير النقل والتخريج من ناحية أصولية، ثم قال: «وعمد الأصحاب على خلافه»، لكن من ناحية أصولية ذكر أنه ما يصير النقل والتخريج. وهذا سبب ما يقول ابن تيمية: أنا إذا عندي روايتين منصوصتين، أحمد نص هنا على شيء ونص هناك على شيء آخر، ما يصير أنا آتي وأخرج فيها رواية وهذه أخرج فيها رواية؛ هذه وجهة نظرهم كما قلت لك الأصولية. ليه؟ قال: في فرق بينهما في النص، أحمد نص هنا على شيء، هنا نص على شيء آخر، أنت كيف تعمل نقل وتخريج وفي فرق في الاستدلال أو مع وجود معنى حتى لو أحمد ما نص.
لكن في معنى يجوز أن يكون هو الفرق بين هذا وهذا، أو مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندًا للفرق بين القذف وبين الـ 12 السابقة، فإذاً هنا غير جائز النقل والتخريج الذي عمله أبو يعلى وأبو الحسين؛ هكذا ابن تيمية يحكي المذهب.
تفضل شيخنا، الفرق ما بينهما هو أنه قال حالتين: قال «مع وجود الفرق بينهما نصًا واستدلالًا»، أو «مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندًا». الفرق بين الاستدلال والمعنى الذي يجوز أن يكون مستندًا: هل الفكرة المقصودة أن الاستدلال مثلاً لما يكون علة محققة أصولية من باب مؤثر أو غريب، أو من باب مثلاً لا بد أن تكون مؤثرة؟ والغريب هي الفكرة أنه يكون أحمد قد نص على الأولى واستدل عليها، ونص على الثانية واستدل عليها، فهنا لست أنت من استدل، بل في نص واستدلال واضح من أحمد على المسألة، ونص واستدلال منه على المسألة الأخرى.
يعني في مسألة مثلاً شتم النبي ﷺ، قيل له: على ماذا اعتمدت؟ فقال: على حديث الأعمى الذي قتل جاريته. صار أحمد يذكر لك الاستدلالات، بالتالي هو ذكر روايتين، استدل للأولى واستدل للثانية، فهذا نص واستدلال منه هو، أحمد أصلاً نص على كل مسألة على حدة وذكر أدلتها على حدة.
الحالة الثانية هي التي منك، وهو أن يذكر مسألتين بدون ما يذكر استدلالات، بس أنت تجد أنه والله نعم في معنى يصلح أن يكون مستندًا؛ ليش هنا لم ينص على انتقاض العهد وهنا نص؟ يظهر لي أن هناك معنى بأن القذف يختلف عن الـ 12 الأخرى. إذن، مع وجود الفرق بينهما نصًا واستدلالًا من الإمام هي الحالة الأولى، أو مع وجود معنى ظهر لك أنت كفقيه يجوز أن يكون مستندًا للفرق، تفهم من خلاله لماذا فرق أحمد بين القذف وبين تلك الـ 12. إذا عرفت معنى يفرق بينهم، فغير جائز أن أعمل نقلًا وتخريجًا.
قال: وكذلك قد وافقنا على انتقاض العهد، بس النبي ﷺ وجماعة لم يوافقوا على الانتقاض ببعض هذه الأمور. يعني يقول لك: وقد وافقنا على انتقاض العهد، بس النبي ﷺ وجماعة من الفقهاء لم يوافقوا على الانتقاض ببعض هذه الأمور؛ يعني في ناس ما وافقوا على انتقاض العهد بالزنا أو بالتجسس، بس وافقونا على انتقاض العهد بشتم النبي ﷺ، وهذا يكفينا؛ لأن هذه هي موطن المسألة أصلاً.
خلص مذهب الحنابلة، نروح على إخواننا الشافعية. قال: «وأما الشافعي فالمنصوص عنه أن عهده ينتقض بسبب...». المنصوص عنه يعني الذي نص عليه بنفسه. قال: «إن عهده ينتقض بسبب النبي ﷺ وأنه يقتل»، هكذا حكاه عنه ابن المنذر والخطابي وغيرهما، وهؤلاء من الشافعية.
قال: «والمنصوص عنه في الأم أنه قال...». في كتاب الأم، قال إنه إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية، كتب وذكر الشروط، إلى أن قال: «وعلى أن أحدًا منكم إن ذكر محمدًا ﷺ أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله». خلص انتقض العهد. «ثم ذمه أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونقض ما أعطي من الأمان، وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤه». خلص، صار زي أهل الحرب، ما له ذمة عندنا.
قال: «وعلى أن أحدًا من رجاله من أصاب مسلمًا بزنا أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلمًا عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده وأحل دمه وماله». إذاً سوّى الشافعي بين تلك وهذه، بين سب النبي ﷺ وبين الزنا بمسلم وما شابه ذلك.
قال: «وإن نال مسلمًا بما دون ماله أو عرضه لزمه فيه». أما إذا نال مسلمًا بما هو أقل من هذه الأمور، لم يصل إلى حد أنه زنى أو تجسس أو شيء أو قتل، فإنه يقام عليه الحكم الشرعي اللائق بهذه المسائل دون أن ينتقض عهده. ثم قال: «فهذه الشروط اللازمة، إن رضيها فبها، وإن لم يرضها فلا عقد له». هذه الشروط إن رضيها فبها، وإن لم يرضها نقول له: أنت لا تريد الموافقة عليها، لا عقد لك، ارجع إلى بلاد الكفار.
قال: «وإن فعل شيئًا مما وصفته نقضًا للعهد وأسلم لم يقتل». إذا كان ذلك قولًا، وكذلك إذا كان فعلًا لم يقتل، إلا أن يكون في دين المسلمين... عندي تختلف قليلًا؛ قالوا: «وإن فعل شيئًا مما وصفته». لأن الأمور التي ينتقض بها العهد عند الشافعي إما أمور قولية زي شتم النبي ﷺ، أو أمور فعلية زي قطع الطريق والزنا وكذا. فإذا ارتكب ناقضًا من نواقض العهد قوليا أو فعليا.
قال: «أسلم لم يقتل». لم يقتل إذا أسلم الذمي إذا كان الناقض قوليا، هذا يدخل في شتم النبي ﷺ؛ أنه إذا أسلم الذمي خلص ما نقتله. «وأما إذا كان الناقض فعليا، قال: وكذلك إذا كان فعلًا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصًا».
قال: «وكذلك إذا كان فعليًا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا زي الزنا إذا كان زنى وهو محصن، أو قصاصًا إذا كان قتل مسلمًا». يعني أنت عائش معه، قتلت مسلمًا ثم قلت أشهد أن لا إله إلا الله، أقول لك: تعال ماشي، إسلامك ينفعك إن شاء الله في الآخرة، بس في الدنيا رح نقتص منك، فيقتل بحد أو قصاص؛ لا نقض عهد، لكن سيبقى سؤال: إلا أن يكون في دين المسلمين...
هل هذه تعود فقط على الفعل؟ وكذلك إذا كان فعلاً لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلم، إن ما فعله قتل حداً أو قصاصاً. هل هذا الاستثناء يعود فقط على الفعل أم يمكن أن يعود على القول؟ هذه تحتاج إلى نظر.
إن من فعل ما وصفنا، وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم، ولكن ماذا قال لنا؟ إذا هو فعل شيئاً من هذه الأمور القولية أو الفعلية ولم يسلم، لكنه قال: أتوب وأعطي الجزية مرة أخرى، هل نجدد له العهد؟ نعم. قال: «عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلاً يوجب القصاص أو الحد».
وإن فعل ما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة لكن لم يسلم، لكنه أعلن أنه يتوب ولن يجدد هذا الخطأ مرة أخرى، فهنا يقول: يعاقب ولا يقتله الإمام إلا إذا كان فعل فعلاً يوجب القصاص أو الحد، فهنا ما في مجال إلا أن نقيم عليه الحد. أما ما دون هذا من الفعل أو القول، فكل قول يعاقب عليه ولا يقتل. فالظاهر كما قلت أن الذمي إذا أسلم يقتل.
قال: «فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفر به، فامتنع من أن يقول أسلم أو أعطي الجزية، قتل وأخذ ماله فيئاً إلى بيت مال المسلمين».
هذه الحالة الثالثة، أنه لا يسلم ولا يقول أتوب وأعطي الجزية من جديد. الحالة الأولى أنه فعل الناقض وأسلم، والحالة الثانية فعل الناقض وقال: لن أسلم لكن أتوب وأعاهدكم أني لن أعيدها مرة أخرى، والحالة الثالثة أنه فعل الناقض لا هو أسلم ولا هو تاب. هنا ماذا يقول الشافعي رحمه الله عليه؟ قال: هذا إذا ظفر به قتل، فقال: «قتل وأخذ ماله فيئاً إلى بيت مال المسلمين».
قال الشافعي في «الأم»: «إن العهد لا ينتقض بقطع الطريق، ولا بقتل المسلم، ولا بالزنا بمسلمة، ولا بالتجسس، بل يحد فيهما، ويعاقب عقوبة منكلة فيهما فيما فيه العقوبة، ولا يقتل إلا بأن يجب عليه القتل». وقال: «ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية».
ونص في «الأم» أيضاً أن العهد لا ينتقد بقطع الطريق، ولا بقتل المسلم، ولا بالزنا بمسلمة، ولا بالتجسس، بل يحد فيما فيه الحد ويعاقب عقوبة منكلة فيما فيه العقوبة ولا يقتل إلا أن يجب عليه القتل.
ولكن ماذا ذكر عنه قبل قليل؟ والمنصوص عنه في «الأم» أنه قال: «إذا أراد الإمام أن يكتب، وعلى أن أحداً منكم إذا ذكر قطع الطريق فقد نقض عهده، وقد نقض عهده وأحل دمه وماله». إذاً فقد نقض عهده وحل دمه وماله، لكن هنا رجع يقول في «الأم» إن العهد لا ينتقد بقطع الطريق.
هنا نوجه: إذا لم يذكر كشرط أن العهد لا ينتقد بقطع الطريق ولا بقتل المسلم ولا بالزنا ولا بالتجسس، فإذا لم يذكر شرطاً؛ الحالة السابقة كان يتكلم إذا كان مشروطاً عليه في العقد، فإذا لم تذكر كشروط فلا ينتقض العهد بها، لكن يقام عليه العقوبة اللائقة بها. فإذا كان شيء منها فيه قصاص يقتص، أو يحد، لكن كنقض عهد لا ينقض العهد إذا لم تكن مشروطة شرطاً.
قال: «ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك». هي في حالة لم تنص أنت على الشروط، فلا ينتقد العهد إلا -كما حكى الحنابلة بالاتفاق- بمنع الجزية أو منع جريان أحكام المسلمين عليه؛ هذا معنى منع الحكم، منع الجزية أو امتناعه من جريان أحكام المسلمين عليه.
قال: «ولو قال أؤدي الجزية ولا أقر بالحكم، نبذ إليه». حتى لو وافق على أحد الأمرين، لو قال أنا أؤدي الجزية بس ما تمشي علي أحكام المسلمين، نقول له: لا، ما بنقبل، لازم الاثنين معاً. قال: «نبذ إليه ولم يقتل على ذلك مكانه»، بل قيل: «قد تقدم لك أمان، فأمانك كان للجزية وإقرارك بها، وقد أجلناك في أن تخرج من بلاد الإسلام، ثم إذا خرج فبلغ مأمنه قتل إن قدر عليه».
يعني أنت الذمي في هذه الحالة إذا قلت: أنا أوافق على دفع الجزية لكن لا أوافق على جريان أحكام الإسلام علي، نقول لك: نحن لن نقتلك مكانك، نحن أعطيناك الأمان على الأمرين معاً. هذا في حال لم تشترط عليه الشروط، الظاهر هذا السياق في حال لم تشترط الشروط السابقة، وإنما كان الكلام عاماً أنه خلاص تريد عقد جزية وجريان أحكام الإسلام دون أن نشترط عليك شروطاً، فإذا قلت: لا، أنا أقبل الجزية بس ما أقبل جريان أحكام الإسلام، نقول لك: اسمع، نحن لن نبدأ بك، أعطيناك الأمان على الأمرين، ما دمت لا تريدهما فإذهب إلى بلاد الكفار، هناك تصبح من أهل الحرب ونتعامل معك كمحارب وليس كذمي.
قال: «فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر بالفعل»، أو يقال: «يقتل الذمي بسبب لسبه وإن لم ينتقض عهده كما سيأتي إن شاء الله»، وأما أصحابه فقال: «فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر بالفعل».
هنا كانت إحدى المشاكل، وأين ذكر هذا الفرق؟ يقول: «فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام»، طبعاً ما فيه غضاضة على الإسلام عرفنا، مثل سب الله أو...
هذا يظهر لي إخواني إذا فسرنا النص الثاني بطريقة أخرى، التي هو فيه نص في "الأم" أيضاً، أن العهد لا ينتقض، أنه ماذا؟ كأنه ينصف الإمام على روايتين في مسألة الأمور الفعلية التي فيها قتل أو زنا أو شيء؛ نص على أنها ناقضة للعهد، والنص الثاني على أنها لا تنقض العهد ولكن يعاقب عقوبتها الشرعية. وأما القول فلم يذكر فيه إلا قولاً واحداً أنه ينتقض العهد به، وهي الرواية الأولى.
فهمتم؟ لأن الآن هنا قال: فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر بالفعل. طيب، في كلامه السابق أين صارت التفريق؟ في اعتقادي في كلامه السابق لم يحصل التفريق إلا في أنه في الأمور الفعلية التي هي الزنا والتجسس، كأنه ذكر قولين في الأم. أحياناً في الأم يكون في أكثر من قول؛ ترى في المسألة قول إنه ينتقض بها، وهذا القول الأول الذي بدأنا فيه، والقول الثاني الذي نحن وجهناه أنه لم يشرط، لا، هو يمكن يجعله قولاً آخر له في المسألة، سواء شرط أو أن هذا لا ينقض العهد ولكن تنزل به العقوبة الشرعية اللائقة به، بالحد أو القصاص أو ما شابه ذلك.
ويبقى في مسألة ذكر النبي ﷺ لم ينقل في الأم إلا وجهاً واحداً وهو انتقاض العهد به، صحيح في المسألة. قال لما قال: «ونص في الأم أيضاً أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل مسلم»، لم يذكر هنا الأمور القولية، فبالتالي الأمور التي فيها غضاضة على الإسلام لم يذكر فيها إلا وجهاً واحداً.
قال: فعله على كلامه المأثور يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام وبين الضرر بالفعل، على هذا القول، أو يقال: يقتل الذمي لسبه وإن لم ينقض عهده، هذا على القول الثاني. هسه على القول الثاني، مش هو يرى أنه لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل مسلم؟ إذا أردنا أن نمشي على أن هذا القول الثاني ليس له علاقة بمسألة مشروط أو غير مشروط، سيكون يجوز على طريقة الشافعي أن نقول إنه لا ينتقض عهده بالأمور القولية أو الفعلية، لكننا سنقتله؛ لأن النبي ﷺ ليس من جهة انتقاض العهد، ولكن من جهة أنه حد.
كأنه ابن تيمية يحاول فهم النص الثاني، محاولة فهم النص الثاني أن النص الثاني في الأم إما أن يحمل على أنه خاص فقط بالأمور الفعلية التي ما فيها غضاضة، أو أنه شامل للأمور المذكورة في النص الأول. فعلى النص الثاني لا ينتقض العهد، لكن تقام العقوبة اللائقة بكل شيء على حسبه، والعقوبة اللائقة بسب النبي ﷺ هي القتل، بالتالي هكذا يكون الشافعي وافقنا على القتل حتى وإن لم يقل بانتقاض العهد كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
نعم، يا شيخ، الممكن في النص الشافعي الأول هنا وكأنه في كلامه فصل بين الأمرين؛ الأول قال: «على أن أحداً منهم منكم إن ذكر محمد ﷺ...» إلى آخره، ثم انتقل قال: «وعلى أن أحداً من رجالهم...»، هذا ابتداء جديد. المسألة الأولى قال: خلص نقض، نقض معطيهم الأمان ويقتل إلى آخره. الآن هذا ما ذكره بعده: «وعلى أن أحداً من رجالهم أن زنوا بمسلمة»، هذا الذي يترتب عليه كل ما بعده. إن شيخ الإسلام حتى في الحاشية عندنا في الإحالات نصوص نقلها بعد ذلك كلها في الصفحات المتتالية.
وكأنه هذه المسألة الأولى من ذكر محمد ﷺ، التي هي موضوع ما فيها غضاضة على الإسلام، قال هذا بريء من...، ثم ذكر الشروط إلى أن قال: «على أن أحداً منكم إذا ذكر...»، فهو كأنهم فقرتان مفصلتان. الفقرة الأولى متعلقة بما فيها غضاضة على الإسلام والمسلمين، فهذا حكمه ثابت. أما ما بقي المتعلق بما ذكره بعدين، ثم قال هذه الشروط اللازمة، وفرق إذا ذكرت لم تذكر، هذا عائد على الثمانية، وعلى أن أحداً من رجالهم أن أصاب مسلمة بزنا للثمانية الباقية، هذه التي فيها التفصيل. أما الأولى كأنه انتهى منها، حتى فاصل بينهم.
لكن إذا في النهاية أنت سترجع لنفس الطريقة التي قلناها، لا يخرج عما قلناه؛ أنه في الأولى لم يذكر فيها إلا رواية واحدة، وأما الثانية فذكر فيها وجهين، أو ذكر الشافعي فيها قولين في كتابه الأم، ولذلك اضطر ابن تيمية أن يحاول الجمع بين النصين عن الإمام الشافعي.
وأما أصحاب الإمام الشافعي، قال: فذكروا فيما إذا ذكر الله كتابه أو رسوله بسوء وجهين: أحدهما ينتقض عهده بذلك، سواء شرط عليه تركه أو لم يشرط، بمنزلة ما لو قاتلوا المسلمين وامتنعوا من التزام الحكم، كطريقة أبي الحسين من أصحابنا، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي. يعني هذه تشبه طريقة أبي الحسين من أصحابنا، أبو الحسين ذكر في الأمور التي فيها غضاضة وجهاً واحداً أو رواية واحدة، صحيح في أصحابنا الحنابلة، فيقول طريقة أبي إسحاق المروزي عند الشافعية تشبه طريقة أبي الحسين عند الحنابلة في أنه الأمور التي فيها غضاضة، سواء شرط عليهم تركها أو لم يشرط، قولاً واحداً ينتقض العهد بها.
قال: ومنهم من صلى الله عليه وسلم فقط بوجوب القتل، تخيل هذه وحده! الطريقة الثانية عند الشافعية: الثاني أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر، من قتل المسلم والزنا بالمسلمة والجس وما ذكر معه، وذكروا في تلك الأمور وجهين، وهذا يؤيد الطريقة الأخيرة التي فهمنا بها نص الشافعي. فذكروا فيها وجهين، يعني منهم من جعل الأمور التي فيها غضاضة مثلها مثل الأمور الثمانية عندنا كالتجسس وكذا وكذا.
فذكر الشافعية وجهين: الوجه الأول قال: أحدهما إنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها لم ينتقض العهد بفعلها، قال: وإن شرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بفعلها وجهان. وبالتالي نص الشافعي صار مفهوماً بهذه الطريقة. والقول الثاني لا ينتقض العهد بفعلها مطلقة. ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالاً، وهي أقوال مشار إليها، فيجوز أن تسمى أقوالاً ووجوهاً. وهذه طريقة العراقيين، وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط انتقاض العهد بفعلها، كما في...، وهذه طريقة العراقيين. أنتم تعرفون العراقيين والخرسانين عند الشافعية، قلت هذه طريقة العراقيين في حكاية المذهب، يعني كيف نحن عندنا طريقة حكاية المذهب كذلك.
الشافعية هذه الطريق، عندهم طرق في حكاية المذهب، فيقول: هذه طريقة العراقيين في حكاية المذهب.
قال: وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها، لا شرط انتقاض العهد بفعلها كما ذكره أصحابنا. يعني لما نشترط عليهم في هذا، إذا بدنا نشترط، أنا أقول لك: أنا أشترط عليك أن تتركها، فإذا لم تتركها، تأتي الوجوه السابقة.
أنه إذا شرط عليهم تركوا بأعيانها، في انتقاض الفعل فيها وجهان، فالمراد هو اشتراط الترك. قال: وذكروا في تلك الأمور وجهين: أحدهما أن لم يشترط عليهم تركها بأعيانها لم ينتقض العهد بها، وإن شرط عليهم تركها... أنا ما في حاجة عندي أن أشترط عليه أنه إذا أنت اشترطت عليك انتقاض العهد بتركها، ما في داعي أحكي له هيك، الشرط المطلوب أن أشترط على أنه يترك هذا الشيء، خلاص أنا أعتبر هيك مشتراً.
تقول لي: لا، أنت اشترطت علي تركها، بس أنت ما اشترطت أنه سينتقض عهدي إذا ما تركتها؟ أقول له: أنا اشترطت تركها، ولا لا؟ تمام؟ يعني كيف أنت تأتي لابنك تقول له: إني أشترط عليك أن ما تعمل هذا الشيء، فإذا عمل هذا الشيء خالفني رحت عاقبته، يطلع لابني يحكي لي: لا، أنت ما اشترطت علي أنك رح تعاقبني إذا تركتها، أنت اشترطت علي أني ما أفعله. أقول له: أنا أشترط عليك تتركه، أنت تركته ولا لا؟ يقول لي: والله ما تركته، إذاً خذ العقوبة، وهي انتقاض العهد.
فعند العراقيين المراد اشتراط وعدم الاشتراط اشتراط الترك دون الحاجة إلى أن تنص على العقوبة، وأشترط عليك انتقاض العهد إذا لم تتركها؛ أنت ما لك دخل في هذا، فهذا هو المراد بالاشتراط كما ذكره أصحابنا الحنابلة. يعني نحن نفس الشيء لما نقول اشترط أو لم يشترط اشتراط الترك، قضية أنه أنا رح أنقض عهدك إذا ما ترك، إذا ترك ما لك دخل فيها على كلا القولين.
قال: وأما الخراسانيون من الشافعية فماذا يقولون؟ يقولون المراد بالاشتراط لا اشتراط انتقاض العهد، أنه حتى أنت تنقض العهد إذا هو ارتكب المخالفة، بدك تشترط هذا الشرط بحد ذاته، وأشترط عليك أن العهد ينتقض إذا فعلتها، بدك تذكر العقوبة، لا مجرد أن تشترط ترك هذه الأمور. قالوا لأن الترك موجب لنفس العقد، ولذلك ذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجه. قال: لأن الترك هو مقتضى العقد، ففي داعي أصلاً تشترط هذه الشروط.
أنت فهمت الخراسانيين؟ يقول لك إن يتركوا الزنا بمسلمة، أن يتركوا مثلاً سب الله، أن يتركوا هذا أصلاً موجب العقد، يعني مقتضى العقد، فليش أنا أقول: والله اشترطت عليهم؟ يعني أنت اشترطت ولا ما اشترطت؟ في طريقة الخراسانيين ما لها أثر لأنها عند الخراسانيين الأمور هي الـ 12 إذا بدنا نحكيها هي مقتضى العقد، فبقول لك الشرط المؤثر هو أن أشترط عليهم انتقاض العهد بفعل هذا الشيء، مش أني أقول له: أشترط عليك ترك هذا الشيء، لأنه أنت ما فعلت شيء زيادة، لأنه هي أصلاً مقتضى العقد أنه أصلاً ما يزني بمسلمة، أنه ما يفعل هذه الأمور.
وبالتالي الخراسانيون لما ذكروا، ذكروا في هذه الخصال المضرة التي حكيناها، سواء الخصال الفعلية أو القولية، ذكروا ثلاثة أوجه عند الشافعية: الوجه الأول أنه ينتقض بفعلها، الوجه الثاني لا ينتقض بفعلها، والوجه الثالث قال: وإن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض، وإلا فلا.
قال: ومنهم من قال إن شرط نقض وجه واحد، وإن لم يشترط فوجهان، وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا، فقالوا حكاية عنهم: إن لم يجرِ شرط لم ينتقض العهد، وإن جرى فوجهان.
الآن، يعني هو لا يعرف ما مدى دقة ابن تيمية هنا في تحليل المشهد، يقول لك إن الخراسانيين فهموا أن قصد العراقيين من الشافعية ماذا بالشرط؟ يعني الخراسانيين مفكرين أن العراقيين موافقينهم في الفهم أننا نحن اشترطنا... مراد شرط انتقاض العهد، وهذا خطأ من الخراسانيين في فهم العراقيين، العراقيون ما يقصدون ذلك. وإذا اشترط عليهم اشتراط انتقاض العهد لا يشترط، مرادهم بالاشتراط اشتراط الترك نفسه، ما له علاقة بانتقاض العهد.
شوف ابن تيمية كيف يدخل في العقل الشافعي، ما أنه هو حنبلي، أن الخراسانيين فهموا العراقيين غلط. العراقيون قصدهم بالاشتراط اشتراط الترك، والخرسانيون ظنوا أن الاشتراط عند العراقيين مثل ما هم فاهمين، اشتراط انتقاض العهد إذا لم يحصل الترك. فيقول: وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا، يعني ما فهموه هم، وهو اشتراط انتقاض العهد وليس فقط اشتراط الترك، فقال الخراسانيون وهم يحكون عن العراقيين، لما الخراسانيون في مصنفاتهم ذكروا قول العراقيين، كيف ذكروا قول العراقيين؟ قالوا ذكروه هكذا: إن لم يجرِ شرط لم ينتقض العهد، وإن جرى ففيه وجهان.
بس هم ماذا يفهم الخراسانيون؟ أن قصد العراقيين إن لم يجرِ شرط يعني شرط انتقاض العهد، بس لا، قصد العراقيين إن لم يجرِ شرط اشتراط الترك، مش اشتراط انتقاض العهد إذا لم يحصل الترك. قال: ويلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إذا لم يجرِ شرط انتقاض العهد بهذه الأشياء لم ينتقض وجهاً واحداً على طريقة الخراسانيين، في حكاية مذهب العراقيين سيصير في خطأ في الفهم.
قال: ومنهم من قال إن شرط نقض وجه واحد، وإن لم يشترط فوجهان. قصدك من هنا؟ أن شرط انتقاض العهد، هذا سنأتي به في مذهب الخراسانيين، يعني كان هذا قولاً رابعاً: إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا.
عفواً، يعني هو يريد أن يقول لك إن الخراسانيين لما حكوا المذهب، منهم من حكى المذهب على ثلاثة أوجه: ينتقض، لا ينتقض، تفصيل. ومن الخراسانيين من حكى مذهب الشافعي بأنه إذا شرط انتقاض العهد فوجه واحد فقط لا غير، وإذا لم يشترط انتقاض العهد فوجهان. ممتاز، فالخراسانيون عندهم طريقتان في حكاية مذهب الشافعي.
ثم ماذا قال لك؟ وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هو اشتراط انتقاض العهد وليس اشتراط الترك، فحكوا عن العراقيين أن العراقيين يقولون: إن لم يجرِ شرط ينتقض العهد وجهاً واحداً، وإن جرى فوجهان. يعني هؤلاء الخراسانيين كأنهم جعلوا قول العراقيين موافقاً لقولهم، صح؟ لأنهم لما حكوا المذهب بطريقة ثانية، الطائفة الثانية من الخراسانيين لم تحكِ...
المذهب أنه إن شرط نقض فوجه واحد، وإن لم يشترط نقض فوجهان، ثم حكوا أن العراقيين يحكون مثلهم، فأتى ابن تيمية فقال لهم: لا، ترى العراقيين لا يحكون مثلكم، العراقيون قصدهم بالاشتراط اشتراط الترك، وأنتم قصدكم بالاشتراط اشتراط انتقاض العهد، فلا تظنوا أن مذهب العراقيين كمذهبكم يا أيها الطائفة الثانية من الخرسانيين.
قال: ولزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إن لم يجرِ شرط الانتقاض بهذه الأشياء، شرط انتقاض العهد فلم ينتقض، فوجه واحد. يعني هذا يلزم من طريق الخرسانيين في فهم العراقيين. قال: وإن صرح بشرط تركها، وإن صرح بشرط تركها حتى لا ينتقض العهد انتقض، وهذا غلط عليهم؛ يعني غلط الخرسانيون في حكاية العراقيين، والذي نصروه في كتب الخلاف. خلاصة ذلك أن سب النبي ﷺ ينقض العهد ويوجب القتل كما ذكرناه عن الشافعي نفسه.
قالوا: أبو إسحاق المروزي، وهي الطريقة الأولى التي تشبه طريقة أبي الحسين على الأقل، أن سب النبي ﷺ ليس فيه إلا وجه واحد. قال: على مذهب أبي حنيفة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: لا ينتقض العهد بالسب ولا يقتل الذمي بذلك، لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات التي ليس لهم فعلها، من إظهار أصواتهم بكتابهم ونحو ذلك. وحكاه الطحاوي عن الثوري من أصولهم، وهذا أيضاً حكاه الطحاوي عن سفيان الثوري أحد أئمة الحديث، وهو نفس قول أبي حنيفة.
قال: ومن أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر، فالإمام أن يقتل. يعني من جامع امرأة في الدبر، من زنى بامرأة في الدبر، ما في قتل أو رجم عند أبي حنيفة في ذلك، وإنما هو تعزير.
الفكرة هي أنه يأتي ويقول لك إن التعزير عند أبي حنيفة قد يصل إلى القتل. التعزير عندنا لا يزيد على عشر صلبات، ولكن في مذاهب أخرى لأهل العلم ترى أن التعزير العقوبية يمكن أن تكون القتل. بالتالي أبو حنيفة رحمه الله من أصوله أننا نعرف أن القتل بالمثقل ليس فيه قصاص، فالقتل بالمثقل يعني بشيء ليس له حد، وإنما يقتل بثقله، والقتل بالمثقل لا قصاص فيه عنده. وكذلك الجماع في غير القبل، من زنى بامرأته في الدبر لا حد زنا عليه، لكنه يرى أن كليهما يقتل.
إذا قال لك شخص: إذا كان القتل بالمثقل ليس فيه قصاص، فهل يترك الناس يذبحون بالصخرات؟ أقول لك: أبو حنيفة عنده عقلية تقول: أنا قلت ليس فيه قصاص، لكن إذا رأى الحاكم أن الناس تستسهل هذه الأمور أو يرى المصلحة، يمكن أن يصدر قراراً تعزيرياً بأن يقتله، تعزيراً لا قصاصاً. وكذلك من قال لك إن الزنا في الدبر ليس فيه رجم، فمعناه أن الرجل يفعل ما يشاء؟ لا، يقول لك أبو حنيفة: سأقتلك، ولكن سأقتلك عقوبة تعزيرية.
قال: وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك. حتى من مذهبه أن الإمام له أن يزيد على الحد المقدر في القذف، وفي الحد المقدر في الزنا إذا كان غير محصن؛ يرى أبو حنيفة يجوز أن تزيد تعزيراً أكثر من مائة، إذا زنى خمس أو ست أو سبع مرات، فتقول: سأعطيه مائتي جلدة، مائة حد ومائة تعزير.
قال: ويحملون ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة. وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي غلظت بالتكرار وشرع القتل في جنسها. لاحظ هذا الضابط عند الحنفية، أنهم لم يفتحوا التعزير بالقتل هكذا بلا ضابط، بل الجرائم التي في جنسها قتل، مثل قتل المسلم للمسلم. فإذا ارتكب شيئاً في وجهة نظر أبي حنيفة ليس فيه قصاص، يمكن أن يعزر بالقتل لأن الجريمة في أصلها من جنس ما فيه قتل. فإذا تكرر الأمر وبدأت تستهين به، يمكن أن أعزرك بالقتل تعزيراً، لأن جنس هذه الجريمة فيها قتل، ويسمى عنده القتل بالسياسة الشرعية.
قالوا: لهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي ﷺ من أهل الذمة، وإن أسلم بعد أخذه. انظر، حتى على أصول مذهب أبي حنيفة، أفتى كثير من علماء الحنفية أن الذمي إذا كرر سب النبي ﷺ يجوز قتله. ولهذا أفتى أكثر الحنفية بقتل من أكثر من سب النبي ﷺ من أهل الذمة حتى ولو أسلم بعد أخذه، أما إذا أسلم قبل أخذه فلا، لكن إذا أسلم بعد أن قبضناه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أفتى كثير من علماء الحنفية أن هذا يقتل تعزيراً لا حداً، ويقال يقتل سياسة، وهذا متوجه على أصولهم وقواعد مذهبهم، وفي تأكيد من ابن عابدين؛ حيث نقل كلام ابن تيمية بنصه.
وبعدين آخر شيء قال إنه أفاد أنه يجوز عندنا قتله إذا تكرر منه ذلك وأظهره. وقوله إن أسلم بعد أخذه لم أرَ أنه صرح به عندنا، لكنه نقل عن مذهبنا وهو ثابت فيُقبل.
انظر إلى ابن عابدين، وهو ثابت في نقد مذهب الحنفية، وهذا يعطيك أن ابن تيمية شهد له. حتى الأشاعرة، ابن عابدين أنا أعلم أنه ليس على طريقة السلف، ومع ذلك يقول لك ابن تيمية في النهاية: «اتفقت معه واختلفت معه في العقيدة»، فهو إمام لا ينازع في ضبطه في حكاية المذاهب. حتى حكاية المذهب الشافعي والخرسانية فيهم العراقيون، هذا شيء جميل أن يكون الإنسان واصلاً من التبحر أنه يفهم حتى أخطاء المدارس مع أنه هو حنبلي الأصل، هو ليس من هذه الطائفة.
نعم، الآن انتهت حكاية المذاهب، جزاه الله خيرًا. نأتي الآن على كلام ابن تيمية، ثم قال: «والدلالة على انتقاد عهد الذمي بسبب الله أو كتابه أو دينه ورسوله وجوب قتله، وقتل المسلم ذات ذلك، الكتاب والسنة، وكذلك قتل المسلم إذا فعل ذلك، ثبت من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، والاعتبار هو القياس».
الآن سيبدأ ابن تيمية الجولة الأولى في ذكر الأدلة الدالة على ماذا؟ على وجوب قتل شاتم النبي ﷺ، مسلما كان أو ذميا. فكان هدفه الأول أن يعمل لك رحلة مع المذاهب، ثم الآن سيبدأ بذكر الأدلة من الكتاب والسنة، ولكن بطبعٍ بترتيب معين. بسم الله.
قال: «أما الكتاب فيستنبط ذلك من مواضع، أحدها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿...وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يُدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]».
هذه الآية، شوف ابن تيمية في القرآن كان عميقًا، عشان هيك بدك تصصحصح معي تمامًا. ليس هناك آية في القرآن نصّت صراحة في أن من سب النبي ﷺ اقتلوه، ولكن انظر كيف سيستقي ابن تيمية هذه المعاني من القرآن. ركز تمامًا في الآية ماذا تقول: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، خاصة في المقطع الأخير: ﴿عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. ابن تيمية من هذه الجملة سيأخذ حكم قتل ساب النبي ﷺ، وهذا ما معناه النظر الفقهي. هذا الكتاب في الحقيقة كان أفضل من التعليق على السبكي في مسألة الطلاق وغيره؛ لأنه يدخلك في مسائل بعيدة قليلاً عن إخواننا الذين يحضرون معنا، لكن هنا أنت تتدرب فقهيًا على طريقة اقتباس الأحكام من نصوص الكتاب بالعمق والتحليل.
قال: «فأمرنا بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية وهم صاغرون». الله عز وجل أمرنا بقتال أهل الكتاب حتى ما هي الغاية التي ينتهي عندها القتال؟ أن يعطي الجزية وهو صاغر. هو يريد الشغلتين؛ لم يقل حتى يعطي الجزية، بل قال: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. في مذهبنا ماذا قلنا؟ إذا رفض الصغار لا يُقبل في مذهب الحنابلة؛ إذا قال لك أنا أدفع لك الجزية ولكن بدون صغار، قال إمام المسلمين لا يقبل منهم ذلك، بل بدك تدفعها وبدك تقبل الصغار. والصغار عندنا كما قالوا أن يقف وينتظر، فالقصة طويلة، الفكرة أنه يجب أن يتحقق الأمران: أن تدفع الجزية وأن تكون صاغرًا.
يقول: «فلا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية». إذا أمرنا الله بقتالهم حتى غاية، متى تنتهي هذه الغاية؟ إذا أعطى الجزية وهو صاغر. مفهومها: إذا أعطى الجزية ولكن لم يرضَ بالصغار، يبقى القتال مستمرًا.
قال: «ومعلوم أن إعطاء الجزية من حين بذلها والتزامها إلى حين تسليمها وإقباضها». ما هو مفهوم إعطاء الجزية؟ يرى ابن تيمية أن مفهوم إعطاء الجزية ليس الساعة التي ستدفع فيها فقط، بل بمجرد أن تلتزم معنا بعقد الذمة فقد بدأ إعطاء الجزية. فمفهوم إعطاء الجزية يبدأ من حين بذلها، أي من حين أن ترضى أن تبذلها، إلى حين تسليمها وإقباضها لنا. بالتالي أنت طوال السنة فعليًا تعطي الجزية؛ صحيح أنك ستسلمنا المال خلال خمس دقائق، ولكن بمفهوم إعطاء الجزية هو مفهوم طوال العام وليس فقط في تلك الساعة الأخيرة.
قال: «وإعطاء الجزية يبدأ من حين قبلت أن تبذلها بموجب العقد إلى حين أن سلمتها في أيدينا وأقبضناها». ما دام هذا هو مفهوم إعطاء الجزية، إذن مفهوم الصغار يجب أن يستمر طوال السنة. ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ما معنى يعطوها؟ يقول يعطوها، أي يبذلها ويقبل ببذلها، وربنا جعل ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ جملة حالية لإعطاء الجزية، فما دام إعطاء الجزية مفهومًا يستمر طوال العام، إذن الجملة الحالية ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يجب أن تكون طوال العام.
قال: «فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء، ووجب الكف عنهم إلى أن يقبضوها فيتم... إلى أن يقبضوها ويسلموها في يدهم». فيتم الإعطاء؛ إذن هناك بداية للإعطاء بالعقد، وهناك تمام للإعطاء وهو وقوع المال في أيدي الحاكم المسلم.
قال: «فيتم الإعطاء، أما إن لم يلتزموها أو التزموها أولًا وامتنعوا من تسليمها ثانيًا، فلم يكونوا معطين للجزية؛ لأن حقيقة الإعطاء لم توجد». وإذا كان حقيقة الإعطاء تكون بالالتزام؛ قال: «لأنه إذا لم يلتزموا بدفع الجزية، أو التزموا بدفعها أولًا ثم امتنعوا ثانيًا، هؤلاء ما عادوا معطين للجزية».
قال: «وإذا كان الصغار حالًا لهم في جميع المدة، فمن المعلوم...». قال "حالًا"؛ ألم نقل إن ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ جملة حالية؟ فإذا كان الصغار هو حال لهم في جميع المدة، فمن المعلوم... هنا دخل في الاستنباط.
قال: «إن من أظهر سب نبينا ﷺ في وجوهنا، وشتم ربنا على رؤوس الملأ منا، وطعن في ديننا في مجامعنا، فليس بصاغر». أكبر ما ينقض الصغار أن يخرج رجل من أهل الذمة خلال السنة ويشتم الله أو يشتم النبي ﷺ. هذا الذي يشتم الله أو رسوله ﷺ في مجامعنا، تقول لي هذا صاغر؟ هذا ليس بصاغر. قال: «لأن الصاغر الذليل الحقير»، وهذا الذي يشتم الله ورسوله هذا فعل متعزز.
هذا ليس واحداً ذليلاً الذي يشتم في المجامع العامة، هذا واحد يراغبنا ويناكفنا، قال: بل هذا غاية ما يكون من الإذلال لنا والإهانة، صرنا إنا الصاغرين؛ يقول هذا نحن الذي نشتم النبي ﷺ في مجامعنا ونحن نسكت، صرنا إنا في صغار، مش هو اللي في صغار.
قال أهل اللغة: الصغار الذل والضيم، يقال صغُر الرجل بالكسر، يصغر بالفتح صغراً وصغاراً، والصاغر الراضي بالضيم. ولا يخفى على المتأمل أن إظهار السب والشتم لدين الأمة الذي به اكتسبت شرف الدنيا والآخرة ليس فعل راضٍ بالذل والهوان، وليس راضياً بالصغار، إذا ما دام يشتمنا وهذا ظاهر لا خفاء به.
إذاً هكذا أخذ أن هذا الرجل إذا انتقض عهده، شوف كيف أخذ أن هذا الرجل انتقض عهده إذا بدأ يشتم. قال: وإذا كان قتالهم واجباً علينا إلا أن يكونوا صاغرين وليسوا بصاغرين، وإذا كان انتهاء الغاية القتال هو دفع الجزية مع الصغار، وثبت أن من شتم النبي ﷺ ليس صاغراً، إذاً عاد وجوب القتال إلى ما كان عليه وبقينا على الحالة الأصلية.
قال: كان قتاله مأموراً به، وكل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتله إذا قدرنا عليه. وأيضاً فإن إذا كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد لهم عهد الذمة بدونها، ونعقد لهم كان عقداً فاسداً فيبقون على الإباحة، وأن الأصل أن إباحة القتال والقتل ما زالت قائمة ولا يقال فيهم.
إذا الشخص قال لك: فهم يحسبون أنهم معاهدون. يعني إذا واحد قال لك: بس هذا الذمي الذي شتم النبي ﷺ هو مش عارف أن عهده، هو يحسب أن هذا الفعل الذي صدر منه وهو شتم النبي ﷺ ما له علاقة بانتقاض العهد، فكيف تقتل رجلاً له شبهة أمان؟ في الإسلام ما يصير تقتل رجل كافر له شبهة أمان، وفهم مني أني أنا أعطيته الأمان، فجأة يلاقيه حاله مأخوذ أو ما بينفع، كيف نجيب عن هذه الشبهة؟
قال: فهم يحسبون أنهم معاهدون فتصير لهم شبهة أمان، وشبهة الأمان كحقيقته؛ ففي مذهبنا شبهة الأمان كحقيقته. يعني يقولون شوف الإسلام العدل، يقول لك إذا فهم الذمي أنه أنت أعطيته أمان، أو الكافر عموماً أنه أنت أعطيته أمان بعبارة منك أو تصرف منك، حتى ولو أنت كنت لا تقصد إعطاءه الأمان لكن هو فهم ذلك، يجب تعطيه الأمان.
فهنا في مشكلة، يقول لك يعني هذا اعتراض على كلام ابن تيمية؛ أنه هذا الذمي الذي شتم النبي ﷺ ولا يظهر له أنه انتقض عهده، فكيف أنت تريد أن تأخذه وتطبق عليه الحد وتقتله وهو يعتقد أن عهده لم ينتقض؟ فيقول: «فإن من تكلم بكلام يحسبه الكافر أماناً كان في حقه أماناً وإن لم يقصده المسلم». كما حكينا، الأصل أن شبهة الأمان تعتبر أماناً، فإن من قال للكافر كلاماً فهم منه الكافر الأمان يعتبر أماناً ولو لم يقصد المسلم إعطاء الأمان.
سيجيب ابن تيمية عن هذه الشبهة، يقول: لا يخفى عليهم أننا لم نرضَ بأن يكون تحت أيدينا مع إظهار شتم ديننا وسب نبينا. هذه الفكرة؛ هل في واحد ذمي يعتقد في قلبه أن المسلمين يرضون مني أن أكون معهم في المجتمعات وعادي أسب نبيهم ﷺ جهاراً نهاراً؟ يقول لك فاش ذنب دمي يعيش في مجتمع مسلم ويعتقد أنه أظن المسلمين ما رح يزعلوا أو ما رح يغضبوا أو ما رح تأخذهم إذا أنا شتمت نبيهم ﷺ بين ظهرانيهم؟ ما في ذمة يفكر بهذه الطريقة.
قال: هم يدرون أن لا نعاهد ذمياً على مثل هذه الحالة، وهم يعرفون أننا لا يمكن أن نعاهد ذمياً يظهر الشتم في مجتمعات المسلمين. قال: فدعواهم أنهم اعتقدوا أن عاهدناهم على مثل هذا مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين تجري عليهم أحكام الملة دعوى كاذبة فلا يلتفت إليها.
هذه الفكرة؛ فإذا جاء ذمي وقال: أنا ما كنت أعرف أن العهد ينتقض بهذا الشتم، وأنا كنت أظن أن الأمور لا تصل بكم إلى هذه الدرجة، نقول له: أنت مش عارف أن من شرط العقد عندنا أن تظهر؟ هذه من بدهيات عقد الذمة، أنت تعطي جزية وأنت صاغر، فمنطقي التصرف المنطقي منك وأنت صاغر، أنت فاهم أنني أريد أن تكون حالتي حالة الصغار، فكيف أصلاً يصل التفكير أن أشتم نبيهم أمامهم؟ فيقول هذه دعوى صار فيها نوع من العبث والكذب واللعب، فلا تقبلوا منهم ادعاءهم أننا لم نعرف أن هذا والله يعمل مشكلة معكم وينقض العهد بيننا وبينكم.
قال: وأيضاً فإن الذين عاهدوهم أول مرة هم أصحاب رسول الله ﷺ مثل عمر، وقد علمنا أنه يمتنع أن يعاهدهم عهداً خلاف ما أمر الله به في كتابه. وأيضاً سنذكر شروط عمر وأنها تضمنت أن من أظهر الطعن في ديننا... سنذكر شروط عمر، يعني يقول لك من أوائل من عقد الجزية كشروط؟ الآن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس لكن كشروط مكتوبة، يقول لك عمر بن الخطاب، وسيأتي ابن تيمية قال سأذكر شروط عمر وهو من أوائل من عقد الجزية معهم، وأنها تضمنت شروط عمر أن من أظهر الطعن في ديننا حل دمه وماله. فأوائل علمائنا من صحابتنا الأكارم كانوا يشترطون أن أي طعن في الدين هو مباشرة انتقاد للعهد.
طيب، هذا دليل موطن أول على أن شتم النبي ﷺ يعتبر نقضاً لعهد الذمي، ولاحظ كيف استدل بقوله «حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون» أن شتم النبي ﷺ ينافي الصغار. ثانياً، الموضوع الثاني قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۖ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 7].
الآية الثانية التي سيستدل بها ابن تيمية على حكم شاتم النبي ﷺ من أهل الذمة هي: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾، وفعلياً سيركز على المقطع الثاني: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. كيف سيأخذ ابن تيمية حكم شتم النبي ﷺ من هذه الجملة؟ قال: نفى سبحانه أن يكون لمشرك عهد مما كان النبي ﷺ قد عاهدهم إلا قوماً ذكرهم، فإنه جعل لهم عهداً ما داموا مستقيمين لله.
هذه في سورة التوبة، ربنا قال عن قبيلتين من المشركين: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ لأن عهدهم كان مؤقتاً، ولكنهم كما قلنا كانوا جيدين ما يتلاعبون. وذكر ابن تيمية أصلاً في السياسة الشرعية بين وجهة نظره في موضوع العهود مع الكفار.
طبعاً هنا لاحظوا العهود التي ذكرت في سورة التوبة في هذا الموطن في أولها هي ليست الجزية وإنما الهدنة، حتى نكون نحن فاهمين السياق؛ حتى يعطوا الجزية هي وردت في سورة التوبة آية 29، الآية الأولى تتكلم عن الجزية، أما في بداية سورة التوبة أول صفحتين كانت تتكلم عن العهود، كانت عهود إيش؟ الهدنة بين النبي ﷺ وبين قبائل جزيرة العرب.
وعرفنا ابن تيمية بين أن الهدنة التي صارت مع النبي ﷺ إما هدى مطلقة وإما هدى مقيدة. فالهدن المطلقة، ربنا عز وجل قال في العام التاسع من الهجرة أعطيهم أربعة أشهر بعدين افسخها، خلص أخبرهم بانتهائها وأننا سنعود إلى حالة الحرب. وأما الهدن المقيدة بزمن معين هي التي ربنا قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، حتى لو تجاوزت الأربعة أشهر، الهدن التي كانت مقيدة بزمن أمر النبي ﷺ بوفائها ما دام المعاهدون مستقيمون عليها.
بعدين ربنا سبحانه وتعالى في الصفحة الثانية قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾، وهذا الكلام عن المهادنين. وسيقيس ابن تيمية الجزية وعقد الذمة على عقد الهدنة، سيحدث قياس في هذه المسألة بالتحديد فيقول: «فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيماً». إذاً فالعهد سواء كان هدنة أو عقد ذمة لا يبقى للمشرك إلا إذا كان ماشياً دغري معنا.
قال: «ومعلوم أن مجاهرتنا بالشتيمة والوقيعة في ربنا ونبينا وكتابنا وديننا يقدح في الاستقامة»، فأكثر شيء يقدح في الاستقامة معنا أن يشتم نبينا ﷺ. قال: «كما تقدح مجاهرتنا بالمحاربة في العهد، بل ذلك أشد علينا إن كنا مؤمنين». يعني كأنه لو حاربنا وحمل السلاح وحاربنا لا نعتبره نقضاً لعهدنا، كذلك إذا شتم نبينا وأظهر شتم إسلامنا نعتبره خرقاً للهدنة.
قال: «فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولا يجهر في ديارنا بشيء من أذل الله ورسوله». فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقدح في أهون الأمرين، فكيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما؟ ما هو أهون الأمرين؟ المحاربة والقتال؛ إذا قاتلنا لا يعتبر مسالماً لنا ومعاهداً ويعتبر مناقضاً للعهد، فكيف إذا شتم نبينا ﷺ وهو أعلى من مجرد قتالنا؟ معقول؟ وهذا ما يسمى "قياس الأولى".
ابن تيمية كثيراً ما يعتمد على قياس الأولى؛ أنه إذا كان مسك السيف وأتى يريد أن يقاتلني يعتبر ناقضاً للعهد، هذا إذا كان، فإذا شتم ربي وديني وهو أعظم الأمرين فمن باب أولى أن يكون نقضاً للعهد، سواء كانت هدنة أو جزية.
قال يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يُظْهِرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾؛ أي كيف يكون لهم عهد ولو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم ولا العهد الذي بينكم؟ فعلم أن من كانت حالته أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا وبينه من العهد لم يكن له عهد.
ومن جهرنا بالطعن في ديننا كان ذلك دليلاً على أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا. قال: «ومن جاء...»، انظر كيف يرتب ابن تيمية الجمل؛ الله عز وجل يقول لماذا أمر النبي ﷺ بإعطاء المعاهدين هدنة مطلقة أربعة أشهر بعدين خلاص؟ الله عز وجل يقول كيف يكون المشركين الذين عهدوا عند الله وعند رسوله، الذين عهدوا عند المسلمين فاستقاموا لكم فاستقيموا لهم، أخبر لماذا لا يصح العهد مع هذه الطائفة؟ قال: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يُظْهِرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، أي كيف يكون لهم عهد وظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم ولا العهد الذي بينكم وبينهم؟
فعلم الآن ماذا تفهم من قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يُظْهِرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُونَ﴾؟ فمن هذه الآية يقول ابن تيمية: «فعلم أن من كانت حالته أنه إذا ظهر على المسلمين وظفر بهم لم يرقب فينا وبينه من العهد لم يكن له عهد». أي أي واحد بيني وبينه هدنة بس أنا عارف أنه غدار، هو إذا قدر يظفر بي سيرنسفها ويقتلني، هذا العهد بيني وبينه منتهي تماماً. أي شخص يعاهد بس أنا عارف أنه غدار وأنه ينتظر الفرصة التي يقفز فيها علي ويثب فيها علي، وأنه إذا تمكن مني ما راح يقول والله لسه الهدنة ما انتهت، راح يجي يقتلني. الذي يكون غداراً ختاراً إذا ظفر بك لن يرقب فيك عهداً، هذا العهد معه منتهي.
صحيح، تدل الآية لماذا؟ قال: «علم أن من كان حاله أنه إذا ظهر عليك لم يرقب ما بينك وبينه من العهد لم يكن له عهد». قال: «فمن جاهرنا بالطعن في ديننا في أثناء فترة المعاهدة كان ذلك دليلاً على أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه». يعني واحد بيني وبينه هدنة، وفي أثناء الهدنة يعم يشتم النبي ويعم يشتم ربي ويعم يشتم ديني، وشايفني أنا أطلع عليه ويشتم ويصر، قال هذا أكبر مؤشر أنه هذا إذا ظفر بك لن يرقب فيك عهداً ولا شيء، ما في احترام للمعاهدات. فإذا كان مع وجود العهد والذمة يفعل هذا ويشتم ويسب، فكيف إذا ملك العزة والقدرة ماذا سيفعل؟
قال: «وهذا بخلاف من لم يظهر لنا مثل هذا الكلام من الشتم والسب، فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد ولو ظهر». يعني هذا الذي لو ظفر بنا نتوقع أنه عنده ديانة في دينه أنه لن يخون العهد، الذي يحترم أخلاقياتنا وليس يشتم نبينا، هذا نتوقع منه إذا ظهر ممكن يراقب العهد وما يفسخه، يعني عنده ديانة في دينه. لكن شخص يسبنا ويشتمنا وتقول لي هذا إذا ظفر به سيرحم العهود؟ هذا ما سيرحم العهود.
يقول ابن تيمية، وطبعاً يبقى في نقاش مع ابن تيمية في النهاية في هذه الجزئية؛ يعني في نقاشات أنه هل أنا بصح لي بالتالي أنقض العهد بمجرد أنه يشتم؟ هذه إحدى المناقشات التي تحصل في هذا السياق، لأن هذا العهد هدنة وليس جزية، الجزية أتفق معك، بس هدنة بينك وبين اليهود أو بينك وبين النصارى كدول، هل ينقض؟
العهد بمجرد أن يشتموا، هذا يناقش فيه، لكن ابن تيمية يرى أن هذا ينقض العهد، الهدنة التي بيننا وبينهم. المهم، قال إن هذه الآية وإن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في ديارهم، فإن معناها ثابت في أهل الذمة المقيمين في ديارنا بطريق الأولى.
فهمت علي؟ بقول لك إن التوبة تتكلم عن أهل الهدنة الذين هم محاربون بيننا وبينهم هدنة، فقال: فنقيس عليها أهل الذمة الذين يعيشون في بلاد المسلمين من خلال قياس الأولى.
الموضوع الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12]. ابن تيمية سيعتمد في الاستدلالات في الأغلب على سورة التوبة، وتحديدًا على هذا المقطع. كيف سيستدل به؟
قال: وهذه الآية تدل من وجوه، أحدها: أن مجرد هذه الآية فيها عدة دلالات. أولاً، انظر إلى العمق الاستدلالي؛ قال: أحدها أن مجرد نكث الأيمان مقتضٍ للمقاتلة. لو أن واحدًا أعطاك اليمين وعاهدك هدنة أو جزية، فمجرد نكث هذا العهد يوجب مقاتلته.
لاحظوا، ركزوا في الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ هذا حكم بني بدلالة الإيماء والتنبيه على علتين، وهي مسلك في أصول الفقه؛ أي أخذ العلة من خلال مسلك الإيماء والتنبيه. إنه يأتي وصفان، ثم يأتي حرف الفاء، ثم يأتي بعده الحكم. مثل «وسارق وسارقة فاقطعوا»، علة القطع هي السرقة، كيف عرفت؟ بالإيماء والتنبيه. ففي باب القياس من مسالك استنباط العلة، أو الوصول للعلة، يوجد مسلك اسمه الإيماء والتنبيه؛ أن يأتي وصفان في النص، بعدهما حرف الفاء، ثم يأتي الحكم. فهذا إيماء إلى أن الحكم الذي بعد حرف الفاء علته الأوصاف التي قبل حرف الفاء.
ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. طبعًا هنا أيضًا عندك الشرط، والشرط أيضًا شكل من أشكال الإيماء والتنبيه. لاحظ هنا عندك شيئان غير الفاء، عندنا أيضًا أسلوب الشرط، وهذا أيضًا يعطيك إيماء وتنبيه.
جعل قتال أئمة الكفر مبنيًا على وصفين: الوصف الأول «نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم»، والوصف الثاني «طعنوا في دينكم». فابن تيمية ماذا يقول؟ أليس الوصف الأول وهو نكث الأيمان كافيًا لأن نقاتلهم؟ واحد كان معاهدًا ونكث يمينه، ألا ينتهي الأمر؟ هذا الوصف وحده كافٍ لأن نقاتل أئمة الكفر، نكث اليمين يعني أقاتله، إلا إذا فعل الشيئين.
هو إذا فعل الوصف الأول وحده، أي الوصف الأول وصف مستقل في إنتاج الحكم، فيقول: مجرد نكث الأيمان يقتضي أن أقاتله، وإنما ذكر الطعن في الدين وأفرده بالذكر تخصيصًا له بالذكر وبيانًا له. قال: وإنما ذكر الوصف الثاني «وطعنوا في دينكم» ليكون عليه تركيز زيادة، ولتخصيصه بالذكر وبيانًا له؛ لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال، وهو الطعن في الدين بالتحديد. ولهذا يغلظ على الطاعنين في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
هذا إذا كان التعليل الأول أو الاحتمالية الأولى، أنه كأنما جعل «وطعنوا في دينكم» من عطف الخاص على العام؛ لأن مجرد نكث اليمين يوجب القتال، فلماذا ذكر الطعن في الدين بعده كوصف آخر؟ قال: ذكره عطف خاص على عام؛ لأن هذا بالتحديد نوعية القتال عليه ستكون أشرس، والعقوبة التي ستنزل به أعلى وأعلى.
أو يكون ذكره على سبيل التوضيح وبيان سبب القتال؛ فإن الطعن في الدين هو الذي يجب أن يكون دافعًا إلى قتالهم لتكون كلمة الله هي العليا، أما مجرد نكث اليمين فقد يقاتل لأجله شجاعة وحمية ورياءً. هذا تحليل آخر؛ أن الأصل أن يكون دافع القتال أن تكون كلمة الله هي العليا في الدين، أي أنه ذكر «وطعنوا في دينكم» حتى يكون الدافع في قتالهم عند نكث العهد أمرًا ديانيًا، لا أن يكون الدافع لنا في قتالهم عند نكث العهد حمية لبلادنا أو شجاعة أو ما شابه ذلك. فذكر الطعن في الدين من باب التوضيح للدافع الذي يدفعنا إلى قتال ناكثي العهد.
شيخنا، يعني ممكن نقول مثلاً: هذا المسلك الثاني مأخوذ باستنباط العلة من مسلك الاقتران، وهو مسلك ضعيف، وهو أن تعلل الأمر بمجرد الاقتران، نكث اليمين تعليله بأنه طعن في الدين. هذا مسلك اقتران، وهو من حيث... إذا قلنا هو ما علل، هو لم يذكر أن علل نكث اليمين بأنه طعن في الدين، بل قال بيان سبب القتال، يقصد به هنا الذي يظهر أنه الدافع لنا؛ أي أنه يجب أن يكون دافعك، إذا نكث يمينه، أن يكون أمرًا دينيًا. هو قلنا نكث اليمين وحده علة، فلماذا اتبعه بهذا؟ ليكون دافعك للقتال أمرًا دينيًا. فالطعن في الدين داخل ضمن «وإن نكثوا أيمانهم»، لكن ذكره بالتحديد دون غيره وخصه ليكون شارحًا أنه لما تقاتل أئمة الكفر يجب أن يكون دافعك دينيًا، ليس وطنيًا أو قوميًا أو ما شابه ذلك. فأنا في اعتقادي هو لا يعلل، وإنما يشرح الدوافع التي ينبغي أن تكون مستحضرة في أثناء قتالك لهؤلاء القوم، لكي لا تكون القضية مجرد قضية شخصية.
أحسنت، مجرد علة واحدة كافية، لكنه يريد أن يعطيك لماذا ذكر الطعن في الدين بالتحديد. قال: أو يكون ذكر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿أَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...﴾ إلى قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين، جاز أن يؤمن ويعاهد.
هنا اختلف الوجه الثالث، فهو يختلف: «وأما من طعن في الدين فإنه...»
يتعين قتاله. شوف الطريقة الثالثة في فهم الآية، أنه هنا اختلف الموضوع؛ الطريقة الثالثة يقول إن الله علق قتال أئمة الكفر على وصفين: وهو نكثوا أيمانهم وطعنوا في دينكم.
علق القتال على الوصفين لأنه في هذه الحالة بالتحديد، إذا حصل الوصفان يتعين القتال. أما إذا حصل الوصف الأول فقط دون الثاني، فالإمام مخير بين القتال وبين تجديد العهد، إذا حصل أن نكثوا أيمانهم فقط دون وطعنوا في دينكم. إذا حصل الوصف الأول فقاتلوها على سبيل التخيير، ستصبح إذا حصل الوصفان، وأن نكثوا أيمانهم بعد وطعنوا، لا هنا تعين القتال ولا يوجد حل آخر سوى القتال.
لذلك فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد الوصف الأول ونكث اليمين، جاز أن يؤمن ويعاهد، وجاز أن يقاتل؛ فالإمام مخير يرى ما هو الأصل. وأما من طعن في الدين، فإن هذا أصلاً تلقائياً أصلاً ناكث للعهد، بس نكثه كان بالطعن، فأصبح ناكثاً طاعناً فيتعين قتله وقتاله، وهذه كانت سنة النبي ﷺ.
شوف إذا بدنا نستقرئ السنة، نجد أنه هذا القول الثالث هو الأقرب، قالوا هذه كانت سنة رسول الله ﷺ، فإنه كان يهدر دماء من آذى الله ورسوله وطعن في الدين، وإن أمسك عن غيره. وإذا كان نقض العهد، وإن أمسك عن غيره، يعني بعض الناس اللي كانوا ينقضوا العهود أحياناً كان يقاتلهم وأحياناً كان يعفو عنهم، إلا من كان يطعن في النبي ﷺ ويطعن في الدين، فهؤلاء ما كان إلا يأمر بقتلهم وإهدار دمهم. ولذلك لما فتح مكة، خلص أعطى الأمان للجميع إلا في ناس معينين، هذول ما قبل أن يعطيهم الأمان.
ليه بعضنا بيقول لك ليش هذول الناس اللي النبي ﷺ ما قبل أن يعطيهم الأمان؟ بينما أمسك عن غيرهم؟ لأنه في ناس كانت طريقة نقضهم للعهود هي أذى بدني، فهؤلاء كان يعفو عنهم، لكن اللي كان يصل أذاه إلى شتم مقامه الشريف ﷺ أو العبث بالقرآن، لا، هؤلاء كان يقتلهم قولاً واحداً.
قال: وإذا كان نقض العهد وحده موجباً للقتال، وإن تجرد رد عن الطعن في الدين، علم أن الطعن في الدين إما سبب آخر أو سبب مستلزم لنقض العهد، فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة وإلا كان ذكره ضائعاً. فالخلاصة، خلاصة هذا الكلام: ما هو وإذا كان نقض العهد وحده موجباً لقتالهم، وإن تجرد عن الطعن في الدين، علم أن الطعن في الدين لما ذكر في السياق إما هو سبب آخر، أو ليس سبباً آخر بل هو مستلزم للأول لنقض العهد.
يعني يقول لك في النهاية لماذا ذكر الطاعن في الدين؟ إما أنه سبب آخر، وعلى الطريقة التي ذكرناها، يكون هو مع النقض في العقد موجب للقتال والقتل ولا يوجد خيار آخر على الطريقة الثالثة، أو أنه ذكر باعتباره سبباً مستلزماً لنقض العهد، ولكن خصه بالذكر للسبب الأول أو الثاني؛ يعني هو يقول لك الآن هو ذكر ثلاثة أوجه: إما ذكره لأنه يستوجب العقوبة أكثر، أو لأنه يوضح سبب القتال، أو لأنه إذا اجتمع مع النقض أصبح القتال متعيناً، وإلا كان مجازاً.
فالآن هو ذكر ثلاثة أوجه، خلاصة الثلاثة أوجه أن ذكر الطعن في الدين إما أنه سبب آخر مع نكث العهد يتعين القتال معه ولا بد، وإما ذكره لأنه مستلزم لنقض العهد ونص عليه بالتحديد للتغليظ فيه أكثر من غيره، أو لاعتباره النية التي تقاتل من أجلها، أنت حماية الدين، سبباً موضحاً. فإنه في النهاية لابد وأن يكون ذكر الطعن في الدين مؤثراً في هذا الموطن، وإلا كان ذكره ضائعاً، شأنه ضائعاً، يعني كان ذكره عبثاً. ولماذا خص ربنا عز وجل قضية الطعن في الدين؟
فإن قيل: هذا يفيد أن من نكث عهده وطعن في الدين يجب قتاله، أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له، بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا الحكم لأن الحكم علق بصفتين لا يجب وجودهما عند وجود إحداهما؛ الآن لو واحد اقترح هذا الاقتراح أو اعترض هذا الاعتراض أنه ربنا عز وجل قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، علق هذا الحكم على وصفين: نكث العهد والطعن في الدين، واحد فيهم بهذه الطريقة، قال إذاً الطعن في الدين وحده دون نكث العهد إذاً لا يستوجب قتاله، الحكم إذا كانت معلقة على وصفين فهذه علة مركبة، فلا ينتج الحكم إلا بوجود كلا الوصفين، فإذا وجد أحدهما دون الآخر فالأصل لا يوجد الحكم.
فماذا ستقول له؟ قلنا لا ريب أنه لابد أن يكون لكل صفة تأثير في الحكم، وإلا فالوصف العديم التأثير لا يجوز تعليق الحكم به، كقاعدة في القياس في باب القياس، أو كقاعدة في باب الأحكام والعلل. أي وصف يذكر في السياق القرآني ويعلق عليه الحكم لابد وأن يكون له أثر، وإلا كان ذكره عبثاً، كمن قال مثلاً: من زنى وأكل جلد. الآن لو واحد قال: من زنى وأكل جلد، هل يصح في اللغة، حتى في السياق اللغوي، أن تقول من زنى وأكل جلد ويكون ذكر الأكل لا قيمة له هنا مش مؤثراً؟ أقول لك إذاً ليش ذكرت الأكل هنا؟ خلص ما دام الجلد هو معلق بالزناء، أصبح ذكر الأكل هنا عبثاً، أليس كذلك؟ فما دام ذكر الأكل الأصل يكون له تأثير، أما أن يذكر وليس له أي أثر فهذا معيب في الكلام.
قال: ثم قد تكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت، كما يقال يقتل هذا لأنه مرتد، وقد يكون مجموع الجزاء مرتباً على المجموع ولكل وصف تأثير في البعض، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية.
الآن يعطيك فلسفة قاعدة في باب التعليل؛ إذا الله سبحانه وتعالى أو النبي ﷺ ذكر حكماً معلقاً على وصفين أو ثلاثة أو أربعة، فإما أن يكون كل وصف مستقلاً في إنتاج هذا الحكم، أو تكون هذه الأوصاف المذكورة يحصل الحكم بمجموعها، يعني إما علل متعددة وإما علة مركبة، هكذا الأمر، وإما أن يكون وصف ذُكر حشواً زائداً لا يقبل. إذا ذكرت أوصافاً وعلق عليها الحكم، فإما أن تكون كل وصف هو علة مستقلة فيكون من باب العلل المتعددة، وإما أن يكون هذا الحكم معلقاً على مجموع هذه الأوصاف، فتكون.
العلة مركبة، ولما ذكر مثال العلة المركبة ذكر الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: 68-69]. فتضعيف العذاب هو بدل من "يلقى"، هذا الفعل بدل من الفعل السابق. تضعيف العذاب هو على ماذا؟ هل هو على كل واحدة من الذين لا يدعون ولا يقتلون ولا يزنون، أم على حصول مجموع هذه الأمور؟
صحيح، من أشرك وقتل وزنى، مجموع هذه الأمور ينتج عنه المضاعفة، أما من فعل كل واحدة على حدة فيحصل له العذاب اللائق بكل خصلة منها. فهذا ما قصده عند ذكر مثال العلة المركبة في القرآن. والعكس هو أن المؤمن هو الذي لا يفعل هذه ولا هذه، فلا يكون من عباد الرحمن إلا إذا تحقق مجموع هذه الأمور.
لقد شعرت من السياق "ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب" أن ابن تيمية يريد التركيز على الصورة الثانية. فذكر في آخر الآية الخلود، والخلود في العذاب يوم القيامة يكفي فيه الشرك وحده، فذكر المضاعفة تكون على الشرك والزنى والقتل، فمجموع هذه الأمور هي علة حصول المضاعفة، والله أعلم.
وقد تكون تلك الصفات متلازمة، كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثراً على سبيل الاستقلال أو الاشتراك. فيذكر إيضاحاً وبياناً للموجب هذا الاحتمال الثالث؛ أن أذكر لك مجموعة صفات وأعلق عليها الحكم، وفي الواقع العملي حصول صفة هو ملازم لحصول الصفة الأخرى. وهذا مهم أن نذكره هنا لأنه بنى عليه إحدى الأفكار السابقة؛ فحصول مثلاً نكث الطاعن في الدين هو ملازم لحصول النكث، فصحيح ذكر وصفين، لكن من الاحتمالات أن تقول إن حصول الطعن في الدين هو أصلاً ملازم لحصول الوصف السابق وهو النكث.
إذن، ذكر صفات متعددة وبناء حكم عليها قد يكون؛ إما لأن تلك الصفات كل واحدة علة مستقلة، أو لأن مجموع تلك الصفات علة مركبة، أو لأن كل صفة منها ملازمة للصفات الأخرى المذكورة معها، فذكرت الصفات الأخرى توضيحاً وبياناً أن هذا ملازم لهذا. وأوعك أن تنسى أن الطعن في الدين هو نكث، حتى لا يظن الطاعن خلاف ذلك، فتكون من قبيل الصفات المتلازمة.
شيخنا ذكر أنه قد تكون تلك الصفات متلازمة، كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثراً على سبيل الاستقلال أو الاشتراك. الاشتراك باعتبار ماذا لو فرض تجردهم؟ هو يقول لك: الفرض هو تجرده، فإما أن يكون مؤثراً مستقلاً، أو يكون بالاشتراك، أي إذا اشترك مع غيره يكون علة موجبة، يكون علة تامة. ما هو مقابل الاستقلال؟ أنه غير مستقل، يعني إما على سبيل الاستقلال بنفسه أو الاشتراك مع غيره ليكمله.
وذكر مثالاً: ﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، فمن كفر بالرسول يلزم تلقائياً أنه كفر بالله، ومن كفر بالله كفر بالرسول. وقد يكون بعضها مستلزماً للبعض من غير عكس. هو يقول إن الصفات لما تُذكر مع بعضها قد يكون التلازم من الجهتين، بحيث يلزم هذا هذا، وهذا يلزم هذا، وذكر مثال كفرهم بالله ورسوله؛ فمن كفر بالله كفر بالرسول ومن كفر بالرسول كفر بالله.
وقد يكون التلازم من جهة واحدة، وهذا الواقع في الآية التي معنا؛ فالتلازم ليس من الجهتين، لأنه من نقض العهد لا يلزم أن يكون طعناً في الرسول، لكن من طعن في الرسول يلزم أن يكون قد نقض العهد. فلذلك ذكر هو جميع الحالات: أن التلازم قد يكون من الجهتين، وقد يكون من جهة واحدة، وقد يكون كما قال بعضهم: بعضها مستلزماً للبعض من غير عكس. وهذا مثال الآية التي معنا؛ فإن نقض العهد لا يستلزم الطعن في الرسول أو الطعن في الدين، لكن الطعن في الدين يستلزم نقض العهد.
وذكر مثالاً آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، فكفرهم بآيات الله لا يستلزم قتل الأنبياء، لكن قتل الأنبياء يستلزم الكفر. وهذه الآية التي معنا: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، من أي الأقسام فرضت؟ سواء فرضتها عللاً متعددة، أو علة مركبة، أو من جهة التلازم؛ ولكن التلازم هنا من جهة واحدة، وهو أن الطعن في الدين يلزم منه نقض العهد.
فيها دلالة من كل الجهات، لأن أقصى ما يقال إن نقض العهد هو المبيح للقتال، والطعن في الدين مؤكد له وموجب له. فنقول: إذا كان الطعن في الدين يغلظ القتال على الوجه الأول الذي ذكرناه، بأن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينه عهد، فإنه يوجب قتال من بيننا وبينه ذمة وهو ملتزم بالصغار أم لا؟ وسياتي تقرير ذلك.
هو ماذا يريد أن يقول هنا؟ إذا قال: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينه عهد، فكأنه حمل أن الطعن في الدين علة أخرى، وجعله في الحالة التي ليس بيننا وبينه عهد؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾.
«وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر». إذاً هنا إذا جعل الطعن في الدين علة مستقلة، صححوا لي إذا كان أحد فيكم عنده رأي آخر، إذا كان الطعن في الدين علة مستقلة توجب قتال من ليس بيننا وبينه عهد أصلاً.
يقول: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينه عهد ويوجبه، قال: فإن يوجب قتال من بيننا وبينه ذمة وعهد، وهو ملتزم بالصغار ودفع الجزية، أو لا؟ يعني إذا كان شخص أنا أصلاً في بيني وبينه عهد وطعنه في ديني يوجب عليّ أن ألاحقه وأقاتله ويضاعف القتال عليه؟ فلان يوجب أن أقتل من هو يقيم عندي ويدفع الجزية وصاغر عندي، ومع ذلك عم بيرفع رأسه وبيتعفرت.
النبي ﷺ من باب أولى وأحرى، وهنا بتشعر أنه جعل الطعن في الدين سبباً مستقلاً، كأنه جعله علة مستقلة مش تابع لموضوع ماذا؟ نكث اليمين. موافقيني ولا لا؟ تفضل.
في البداية الكتاب، فالنقض والطعن مؤكد وموجب. مو هي المشكلة، يقول لك في الفقرة اللي بعدها: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا وبينهم عهد، يعني نحن ما في بالنا عهد أصلاً فالقتال مباح؛ لأن المحارب في الأصل علاقته مع الكافر محارب، فلكن إذا طعن في الدين هذا يغلظ القتال ويؤكده.
ممكن أنت قصدك أنه يقصد إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا عهد، يقصد العهد والجزية بالتحديد مش العهد والهدنة، أنت هيك بدك تحملها. يعني أي عهد، القتال بيننا وبينه أصلاً ما في عهد يمنع القتال، إذاً هو القتال مباح، لكن الطعن يغلظ، يعني الطعن يغلظ يعني بيزيد الغلظة.
ماشي، إذاً ممتاز، إذاً هو جعل الطعن في الدين مغلظاً لقتال المحارب الذي في بينه وبينه عهد، الطعن في الدين هو علة مستقلة تزيد من دافعيتنا لقتال المحارب، فلان يزيد من دافعيتنا لقتال من هو يدفع الجزية وخاضع لنا من باب أولى وأحرى. فهمت؟ يعني ما ربطها بموضوع أنه بينك وبينه عهد ونكث عهده، لا، هو الطعن في الدين يقتضي تغليظ قتال المحارب، فلان يقتضي قتال من يدفع الجزية وهو صاغر من باب أولى وأحرى. عرفت؟ أنت هيك بدك تحكي.
لا، بس في الأصل هو المؤثر في إباحة القتال على هذا القول هو نقض العهد، يعني الطعن بس زاد التأكيد، زاد التبليغ. لا، وإذا أنت ربطت بنقض العهد، مش شخص ليس بينك وبينه عهد، إذا بينه وبينه عهد لكنه كيف نقض عهده؟ بالطعن في الدين.
لأنه لاحظ، أكمل الفقرة. قال: «على أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من دينه الذي لا يؤذينا، والذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئاً من دينه الباطل وإن لم يؤذنا، فحاله أشد».
فلماذا الذمي دائماً أشد من المعاهد؟ الطبيعي؛ لأنه الذي بينه وبينه هدنة ليس مثل الذي بينه وبينه ذمة. الذي بينه وبينه ذمة هذا عايش في بلاد المسلمين، الذي بينه وبينه هدنة هذا عايش في بلده في بلاد الكفار. ففي بلاد الكفار الكفار لهم أن يقيموا طقوسهم زي ما بدهم ويضربوا بالناقوس، أنا ما لي علاقة فيهم، يظهروا أمر دينهم في بلادهم وأنا ما لي علاقة فيهم. بخلاف الذمي، الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين هذا ما له أن يظهر أمر دينه، هذا يتعبد الله في بيته الشخصي وليس له أن يظهر دينه، فأيهما علاقتنا أشد عليه وبنقدر نحن كمسلمين نضغط عليه أكثر؟ الذمي أنا بقدر أضغط عليك أكثر لأنك عايش في أرضي، وأما أنت أيها المهادن أنت عايش في أرضك فانا ما لي علاقة فيك، يعني أنا ما لي كلمة عليك، أنا ما في حكم إسلام يجري على أرضك الآن، فليس لي علاقة بماذا يفعل في أرضه وبين جمهوره كما يقولون.
«فعلى أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من دينه الذي لا يؤذينا»، بس له أن يظهر في بلاده ما شاء الذي لا يؤذينا. يعني ما له أن يسب الله ورسوله، لأنه بناءً على الآية السابقة نحن قلنا إن ابن تيمية بنى على قضية: ﴿لَا يُقَاتِلُكُمْ الَّذِينَ خَالَفُوكُم بِاللَّهِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ عَلَىٰ دِينِكُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَكُمْ فِي دِينِكُمْ﴾ [الممتحنة: 1]، أنه علم أنه إذا كان يشتم النبي ﷺ فهذا يعتبر مباشرة لا هدنة بيننا وبينه، لأنه يظهر من شتمه لنبينا ﷺ وهو في داره أنه لو ظهر علينا لقاتلنا. فابن تيمية يقول: المهادن يظهر ما شاء في أرضه بس بشرط ما يؤذي مقدساتنا.
وهذه قضية مهمة في الوقت المعاصر في التأطير الفقهي؛ أن الآن بني واقعنا المعاصر على أن العلاقات الدولية اليوم علاقات مبنية على الهدنة العالمية. بدي أفرض هذا الافتراض، وإن كنا نحن مظلومين دائماً، بس الفكرة بدي أمشي على هذا الافتراض، يقول لك: حتى لو كان في بينك وبينه هدنة وأمان عالمي، ولكن هذا ليس على أن تسب نبينا ﷺ. شوف هذه قضية مهمة، فيقول ابن تيمية: «فإذا سب النبي ﷺ وسب مقدسات المسلمين فعلياً لا يوجد هدنة»، على هذا الكلام لا يقبل العهد بهذه الطريقة.
المهم قال: «والذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئاً من دينه الباطل حتى ولو لم يؤذنا»، هذا يعني بعكس المهادن؛ المهادن اعمل ما شئت في بلدك بس ما تأذينا، الذمي ما فيك تفعل أي شيء عندنا حتى ولو ما أذيتنا. قال: «فحاله أشد». وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية، كانت علاقة النبي ﷺ معهم في صلح الحديبية، هي الآية بعد صلح الحديبية في العام التاسع، ايش كانت علاقة النبي ﷺ معهم؟ كانت هي، يعني هو فتح مكة أصلاً في العام الثامن، الأصل حتى هي في العام التاسع بس ما بعرف لماذا قال كانوا معاهدين، هسه كانوا معاهدين، هذه قبل فتح مكة.
قال: «وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية»، كانوا معاهدين ولم يكونوا أهل ذمة، فلو فرض أن مجرد طعنهم ليس نقضاً للعهد، لم يكن الذمي كذلك. يعني لو شخص قال لي قياسك ما بيزبط أن تقيس الذمي على المعاهد، بقول له لو فرض أن مجرد طعن المعاهدين أهل الهدنة في الإسلام أو النبي ﷺ لا يعتبر ناقضاً، الذمي ليس كذلك؛ ليه؟ لأنه الذمي حاله أشد. فهمت ايش بده يقول لك هنا؟ يعني لو جاءك شخص اعترض على ابن تيمية قال لك الآية ما فيها دلالة واضحة على أن مجرد الطعن هو نقض لعهد.
المهادن، ونقول له: لو أنت قلت لي الآية ما فيها دلالة على ذلك، وأن الآية جعلت الطعن في الدين مقابلاً لنقض العهد؛ يعني ذكرتها كصورة مستقلة، وأنهم نكثوا أيمانهم وطعنوا في الدين، فذكرت الطعن في الدين شيئاً مستقلاً ولم تذكره على أنه هو ناقض للعهد، فمجرد الطعن لا نعتبره نقداً للعهد، هذه ممكن أسلمها تسليماً في المهادن، لكنها لا تستلزم أن تقاس عليها الذمي؛ لأن الذمي حاله أشد.
لكن بدي أرجع للنص السابق لما قال، اللي هو اختلفنا فيه، لأن أقصى ما يقال إن نقض العهد المبيح للقتال، والطعن في الدين مؤكد له وموجب له؛ فالظاهر أن نقض العهد المبيح للقتال والطعن في الدين مؤكد لهذا القتال وموجب له. فنقول: إذا كان الطعن يوجب قتال من ليس بيننا وبينه عهد، وهذا الظاهر يتكلم عن المحارب الأصلي، فإنه يوجب قتال من بيننا وبينه عهد أو ذمة مثلاً، بدنا نقول وهو ملتزم للعهد أو لا، وسيأتي تقرير ذلك.
يعني هو كأنه بده يقول -زي ما تفضلت-: إذا كان الطعن في أقصى ما يقارن هو يزيد احتمالية قتال المعاهد المحارب الأصلي ويوجب علينا أكثر وأكثر أن نسعى لقتالهم، فإنه يوجب قتال المعاهد المهادن أو الذمي الذي يدفع الجزية من باب أولى وأحرى. فلذلك هو يقول: «وأقصى ما يقال إن نقض العهد مبيح للقتال، فإذا حصل طعن في الدين فهذا مؤكد وموجب لحصول نقض العهد».
كيف ذلك؟ لأنه إذا فرضنا أن الطعن في الدين يزيدنا مطالبة بقتال الحربيين، فلن يوجب علينا مقاتلة المهادنين، ويعتبر نقضاً للعهد أو للمدافعين الجزية ويعتبر نقضاً من باب أولى وأحرى. فكأنه يرى قياس أولوي هنا؛ أنه المحارب أنا أقاتله إذا طعن في ديني، فمن باب أولى المهادن أن أعتبر طعنه نقضاً للعهد، فما بالك بالذمي الذي أصلاً لا يظهر في بلادنا شيء، وحتى ولو كان لا يؤذينا، فمن باب أولى وأحرى أن يُعتبر طعنه في الدين نقضاً للعهد.
فكأنه بدأ بالمحارب ثم انتهى به، ثم انتقل للمعاهد ثم انتقل للذمي، فيريد أن يقول لك: هذا لسه أولى وأولى؛ لأن المحارب الذي أصلاً ليس بيني وبينه أي شيء إذا طعن في ديني أنا أقاتله، فالمعاهد الذي له أن يفعل ما يشاء بشرط ما يؤذينا، إذا طعن في النبي ﷺ مباشرة فإنه ينقض عهده، فالذمي المطلوب منه ألا يفعل أي حاجة حتى ولو كانت لا تؤذينا، هو أولى وأولى أن يُعتبر طعنه في الدين نقضاً لعهده بهذا الموضوع.
الوجه الثاني: أن الذمي إذا سب الرسول أو سب الله أو أهان الإسلام علانية فقد نكث يمينه وطعن في ديننا؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك ويؤدب عليه، فعلم أنه لم يعاهد على ذلك؛ لأنه لو عاهدناه عليه ثم فعله لم تجز عقوبته عليه. وإذا كنا قد عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن في ديننا، فقد نكث يمينه من بعد عهده وطعن في ديننا، فيجب قتله بنص الآية: ﴿فَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 12].
وهذه دلالة الوجه الثاني في الآية؛ أن الذمي إذا سب النبي ﷺ أو سب الله أو أهان الإسلام علانية فقد نكث يمينه وطعن في ديننا، وفعل الشغلتين؛ نكث اليمين وطعن في الدين. والسب هو شغلتان؛ هو قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَطَعَنُوا﴾، فالسب هو نكث لليمين وطعن في الدين، لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك؛ بغض النظر يقتل أو يعزر، ففي خلاف بين المذاهب، لكن لا بد وأن يعاقب وأن يؤدب سواء بالقتل أو بما دونه.
فعلم إذاً ما دام يعاقب على هذا التصرف، أنت بتعاقب مين؟ في أي دولة بتعاقب مين من خالف الأنظمة؟ أنت بتعاقب من خالف الأنظمة، فإنت لماذا عاقبت الذمي بالاتفاق؟ أنت عاقبته لأنه خالف الأنظمة. أي أنظمة؟ إذا علم أنه لم يعاهد على ذلك وأن هذا غير مقبول منه؛ لأننا لو عاهدناه على أن يشتم كما يشاء -والعياذ بالله- لو عاهدته عليه ثم فعله، فلا تجوز عقوبته، ما يصير أعاقبه لو كان هذا ليس مخالفاً لمقتضى العقد.
ونحن اتفقنا أنه يعاقب إذا ثبت أنه مخالف لمقتضى العقد، وإذا كنا قد عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن في ديننا، فإنه فعلياً هنا حصل منه الأمران؛ ما دام عرفنا أن طعنه هو خلاف العهد، فإذا شتم، فما حصل منه فعلياً هو الشغلتان: أنه نكث العهد لأنه بالتأكيد لم يعاهد على ذلك، وطعن في الدين؛ فقد نكث يمينه من بعد عهده وطعن في ديننا، فوجد منه الوصفان: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَطَعَنُوا﴾، فالساب للنبي ﷺ هو فاعل لكلا الأمرين، ولا بد بناءً على التحليل السابق فوجب قتله بنص الآية.
قال: وهذه دلالة قوية حسنة؛ ليه؟ قال لأن المنازع يسلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا وبينه. أي واحد راح ينازعني من الفقهاء وأنت تسلم لي أنه ممنوع أن يشتم النبي ﷺ بمقتضى عقد الهدنة أو الجزية، ولكن يقول: ليس كل ما مُنع منه هو ناقض لعهده، كإظهار الخمر والخنزير ونحو ذلك. فنقول: لو أظهر الخمر أنا ما أجعله مباشرة ناقضاً للعهد.
قال: «قد وجد منه شيئان: فعل ما مُنع منه العهد، وطعن في الدين، بخلاف أولئك؛ فإنه لم يوجد منهم إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالعهد فقط»، اللي هو إظهار الخمر أو إظهار الخنزير؛ هو وجد منهم ما هم ممنوعون منه بالعهد، لكن لم يجد منهم طعن في الدين. أما شاتم النبي ﷺ، فهذا ليس مجرد مخالفة للعهد، بل وجد منه طعن في الدين أيضاً. ويقول: فلو قال المخالف: ليس إظهار كل ما مُنع منه يعتبر نقضاً للعهد، ماذا يقول له؟ ابن تيمية هناك من يخالفه من الفقهاء، فماذا يقول له؟ إنه أنا لو اشترطت شروطاً على أهل الذمة، كأن تركب الحمار بطريقة معينة، أو تركب كذا، أو تركب الحصان وتعمل كذا، فهو ارتكب شيئاً من الأشياء التي أنا مانع منها، هل أي شيء...
ارتكب من الأشياء التي أنا مانع منها، مباشرة أقول له: انتقض عهدك. فمثلاً لو شرب خمراً في الشارع، الآن أنا مانعه من ذلك بعقد الجزية، لكن لو فعل ذلك، أنا لا أقول له: تعال انتقض عهدك، أنا أقول له: أنت ممنوع من هذا، خالفت الأنظمة، بعمل له عقوبة فقط؛ فليس كل شيء منع ينتقض عهده به.
ومن ذلك، الآن ماذا سيصير النقاش في شتم النبي ﷺ؟ هو بالتأكيد باتفاق الأمة ممنوع منه، لكن هل بمجرد أن يفعله نقول انتقض عهدك؟ أم نقيسه على إظهار الخمر والخنزير؟ فكان هناك فقيه يناقش ابن تيمية بهذه الطريقة، فابن تيمية ماذا يقول له؟ يقول له: إن تقيس إظهار الشتم على إظهار الخمر فهو قياس مع الفارق، لماذا؟ قال: لأن الشتم ليس فقط فعل شيء ممنوع منه، بل فيه زيادة طعن في الدين.
هذا لا يصير، لماذا تقيسها على إظهار الخمر؟ قال: فإنه لم يوجد منهم من أظهروا الخمر أو الخنزير إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالقطع دون أن يطعنوا في ديننا بإظهار الخمر والخنزير. والقرآن في هذه الآية بالتحديد يوجب قتل من نكث يمينه من بعد عهده وطعن في الدين، فهذا مجال إلا أن يقاتل. وهذا يرجع للرأي الذي ذكره قبل قليل؛ أنه من نكث عهده بغير الطعن في الدين فأنت مخير فيه، بينما نكث عهده من خلال الطعن في الدين وجب قتله، ولا بد، وهذه إحدى الأوجه السابقة.
فيقول: والقرآن يجب قتل من نكث يمينه من بعد عهده وطعن في الدين، ولا يمكن أن يقال لكنه لم ينكث؛ لأننا اتفقنا قبل قليل، النكث هو مخالفة العهد، هذا مفهوم النكث. فمتى خالفوا شيئاً مما صولحوا عليه فهو نكث، مأخوذ من نكث الحبل، وهذا أصل معنى كلمة النكث، وهو نقض قوته، أن تفك الحبل. ونكث الحبل يحصل بنقض قوّة واحدة، يعني حبل فيه أكثر من عقدة، إذا فكيت عقدة واحدة تسمى أنك نكثت، قال: «ولو بنكث عقدة واحدة» ونقض ونكثون، كما يحصل بنقض جميع القوى، أي جميع العقد.
لكن اقرأ: «قد يبقى من قواه ما يستمسك الحبل به، وقد يهن بالكلية». أحسنت، ولكن قد يبقى من قواه. التفكير العميق أنه يقول لك: خلينا نأتي على تبعة الخمر الذي أظهر الخمر، هل هو نكث أم لا؟ هو نكث. لا تقل حتى الذي شرب الخمر جهاراً في بلاد المسلمين لا تقول لي هو لم ينكث، هو نكث، ولكن نكث أي عقدة؟ صح، ليس كل الحبل، ولكن اسمع، أنت عقدته التي حكيت له: اركب الحصان واركب الحمار، فإذا ركب الحصان هل هو نكث أم لا؟ هو نكث، ولكنه نكث عقدة.
ومن نكث عقدة لا أقول إنك نكثت الحبل كله، ففي أشياء إذا أظهرها الذمي تعتبر قطعاً للحبل تماماً، وفي أشياء إذا فعلها أقول هو شكل من أشكال النكث، لكنه لا يجب أن أقول إنك خرجت عن كل العقد، بل أقول إنك حصل منك نكث جزئي. كان ابن تيمية يقول: هناك نكث جزئي وهناك نكث كلي، فإظهار الخمر والخنزير هو نكث جزئي، لكن إظهار شتم النبي ﷺ أو الطعن في الدين عموماً هو نكث كلي، فلذلك القرآن مباشرة قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.
وقال: وهذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربياً، وقد تشعث العهد حتى تبيح عقوبتهم. فحسب المخالفة، هل هذا انتقاض كلي أم انتقاض جزئي؟ أكمل: «حتى تبيح عقوبتهم، كما أن بعض الشروط في البيع والنكاح ونحوه ما قد يبطل البيع بالكلية كما لو وصفه بأنه فار حرس فظهر بعيراً، وقد يبيح الفسخ كالإخلال بالرهن والضمين».
صحيح، أليس حتى الشروط في البيع؛ هل كل الشروط الفاسدة تبطل البيع؟ نحن عند الحنابلة عندنا شروط فاسدة تبطل البيع وشروط فاسدة لا تبطل البيع. فيقول لك نفس الشيء؛ الهدنة في أنت خالفت مقتضياتها، مقتضيات الهدنة أو الجزية، هناك مخالفات هي مخالفة جزئية، وهناك مخالفة هي كبيرة تفسخ العهد.
قال: هذا عند من يفرق في المخالفة، وأما من قال ينتقض العهد بجميع المخالفات فالأمر ظاهر. إذن، هذا من يرى أن في مخالفات تنقض ومخالفات لا، أما بعض الفقهاء الذين يقولون أي مخالفة تنقض فهذا مريح، وابن تيمية ليس مخالفاً لأنه ماشي معه في هذا الموضوع، وأما من يرى أن أي مخالفة هي نقض للعهد فهذا ظاهر على قوله.
وعلى كلا التقديرين، قد اقتضى العقد ألا يظهروا شيئاً من عين عيب ديننا، وأنهم متى أظهروه فقد نكثوا وطعنوا في الدين، فيدخلون في عموم الآية لفظاً ومعنى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [المائدة: 33]. وقال: فيدخلون في عموم الآية لفظاً ومعنى، ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص.
ماذا يعني هذا؟ ليس من العموم الذي يقبل التخصيص. العموم الأصل عند الجمهور أن دلالته ظاهرة وليس نصاً، ففي عموم ظاهر، لكن العموم أحياناً بالقرائن يصل إلى أن يصبح نصاً لا يقبل التخصيص بشكل من الأشكال. فيقول: هذا العموم ليس ظاهراً فحسب، بل هو نص لا يحتمل إلا المعنى الواحد.
شيخنا، ما ضابط هذا العموم؟ أن كل من فعل مثل هذا الفعل لا يستثنى منه حالة دون حالة، هو عموم معنوي وليس عموماً كلفظ. وقال: ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص، يقصد أن هذا المثال جاءت أدلة وقرائن تدل على أن هذا العموم لا يقبل أن يخصص بشكل من الأشكال، فنقول إنه نص. مثل هذا العموم المتفق عليه، وأن السب هو شكل من أشكال نقض العهد ولم يخالف في ذلك أحد علماء المسلمين، فأنت عندك اتفاق عام على أنه يعتبر شكلاً من أشكال مخالفة العهد، ولا يوجد نص يستثني منه، ولا حديث ولا أثر عن الصحابة، فهذا يقوي هذا العموم ويجعله في مرتبة النص. هم يقولون: العموم الذي لم يأتِ ناقض له بنص أو فعل، واتفقت الأمة على مضمونه، يرقى إلى درجة النص.
قال: الوجه الثالث أنه سماهم أئمة الكفر.
لطعنهم في الدين وأوقع الظاهر موقع المضمر؛ أي أوقع الظاهر مكان المضمر. هذه عبارة بلاغية، فالأصل أن تأتي بالضمير في هذا الموطن: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [المائدة: 14]. الأصل أن تقول: «فاقتلوهم»، وما قال «فاقتلوهم»، بل قال: «فقاتلوا أئمة الكفر».
لقد عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر، رغم أن السياق اللغوي الطبيعي الذي نكث عهده يقتضي أن تقول: «الذي نكث عهده فاقتله»، لا أن تقول: «الذي نكث عهده فاقتل الكافر». والعدول من المضمر إلى المظهر في مكان الأصل فيه ياتي بالضمير، هذا اسمه في البلاغة العدول من المضمر إلى المظهر، ويكون لابد لنكتة بلاغية يراد إيصالها.
فما هي النكتة البلاغية التي يريد إيصالها؟ قال: لطعنهم في الدين وأوقع الظاهر موقع المضمر، لأن قوله «أئمة الكفر» إما أن يُعنى به الذين نكثوا وطعنوا جميعاً، أو يُراد به بعضهم. أنت من كلمة «أئمة الكفر» تأخذ مؤشراً أنه الكلام عن رؤوس الكفار، أئمة الكفر الذين هم زعماء الكفار. فالبعض يقول لك: فقاتلوا أئمة الكفر، أي أن ربنا أمرنا ألا نقاتل جميعهم، بل أمرنا أن نقاتل رؤوسهم، هؤلاء الذين زخرفوا لهم.
فبقوله «أئمة الكفر» إما أن تفهم منها الجميع، بأن كل من نكث وطعن فهو من أئمة الكفر، وإما أن يُراد بها بعضهم، وهم الهوامير الكبار، وهذا ما يمكن أن تفهمه من كلمة «أئمة». وقال: والثاني لا يجوز الفهم الثاني، وهو أن تفهم أن المراد هم الأوامير الكبار فقط. هذا لا يجوز؛ لأن الفعل الموجب للقتال صدر من الجميع، لا من الهوامير فقط.
فلا يجوز تخصيص بعضهم بأن هؤلاء الأوامير هم أئمة الكفر، أما الذين سبوا ونكثوا فليسوا من الأوامير ولا من أئمة الكفر. قال: هذا لا يجوز؛ لأن العلة يجب طردها من شروط العلة، والطرد يعني الاضطراد، أي أن الاضطراد شرط إلا إذا وجد مانع من موانع الاضطراد. وهذا كله أخذناه في الأصول؛ أن الاضطراد عند الحنابلة شرط، يعني كلما وجدت العلة وجد الحكم.
وعكس الاضطراد هو أن توجد العلة ولا يوجد الحكم، فإذا نكث إنسان وطعن ولكن لم يُقل عنه إنه من أئمة الكفر، فهذا يعني أنه قد نُقض الاضطراد؛ حيث وجدت العلة ولم يوجد الحكم. فما دام وجد منه ما قال الله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا...﴾، فإنه يكون إماماً في الكفر إذا وجد منه النكث والطعن، سواء كان عامياً أم من الأوامير، لأنه وجد منه العلة، فالأصل أن يوجد معه الحكم، لأن العلة يجب طردها إلا إذا وجد استثناء شرعي أو ما شابه ذلك.
وعلل ذلك ثانياً بأنهم لا إيمان لهم، قال: ﴿إِنَّهُمْ لَا عُهُودَ لَهُمْ﴾، فارجع وعلل لماذا قاتلوا أئمة الكفر؟ لأنهم لا عهود لهم، ولأنه علل ذلك ثانياً بأنه لا إيمان لهم، والذين لا إيمان لهم ليسوا فقط العوام بل الزعماء والعوام، فذلك يشمل جميع الناكثين والطاعنين.
ولأن النكث والطعن وصف مشتق مناسب لوجوب القتال، أيضاً من باب مسلك المناسبة. هل جعل النكث والطعن سبباً وعلة لقتالهم وصف مناسب؟ تجد فيه هذه المناسبة المصلحية، فيقول نعم هو وصف مناسب، والوصف المناسب هو الذي يرى العقل من تعليق الحكم عليه مصلحة مقصودة للشارع.
فكذلك النكث والطعن؛ لأنه قال: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم وَطَعَنُوا﴾، فهذا وصف مشتق؛ جعلها كأنها أفعال مشتقة لما فيها من الوصف أنهم ناكثون طاعنون، وهو وصف مناسب لنعلق وجوب القتل عليهم، وقد رتب عليهم ذلك بحرف الفاء، ترتيب الجزاء: «وإن نكث فقاتل»، ترتيب الجزاء على الشرط. وذلك نص في أن ذلك الفعل الذي وقع قبل الفاء موجب للثاني الذي وقع بعد الفاء وهو القتال، فثبت أنه عن الجميع، ليس فقط الكبار، بل على جميع من فعل هذا الفعل.
فيلزم أن الجميع أئمة الكفر، فقوله: «فقاتلوا أئمة الكفر» معلق على: «نكثوا وطعنوا»، فإذاً كل من نكث وطعن فهو داخل في الحكم أنه من أئمة الكفر. وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه، هذا أصل كلمة الإمام من الإمام. وما أوهم أن الكلام خاص بالهوامير هو أن الإمام هو الذي يدعو غيره إلى أن يفعله، فكيف صار حتى عوامهم الذين يفعلون هذا أئمة في الكفر؟
إنما صار إماماً في الكفر لأجل الطعن، فإن مجرد النكث لا يوجب أن يكون الشخص إماماً في الكفر. ويريد أن يقول: هل كل ناكث للعهد من أهل الذمة يصبح إماماً في الكفر؟ لا، متى يصبح الذمي الناكض للعهد إماماً في الكفر؟ إذا جمع بين النكث والطعن.
هذا التحليل يوضح أن ربنا عز وجل عدل عن الضمير إلى الظاهر لهذه النكتة؛ وهي أنه يريد أن يقول لك إنه في هذا الموطن بالتحديد الذي يكون فيه نكث وطعن، أنت هنا لا تقاتل ناقضاً طبيعياً، بل أنت هنا تقاتل ناقضاً للعهد اسمه إمام كفر. فالناقض للعهد لا يكون إماماً في الكفر إلا إذا جمع بين النكث وبين الطعن في الدين، وإنما صار إماماً لأجل الطعن، فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك.
وهذا هو المناسب أن يجعل إماماً إذا جمع الوصفين: النكث والطعن؛ لأن الطاعن في الدين يعيب الدين ويذم الدين ويدعو إلى خلاف الدين، فأنت لما تطعن في دين الإسلام فإنك تدعو إلى خلافه، وهذا شأن الإمام أنه داعٍ إلى الكفر، فلذلك سمي كل من يفعل هذا إماماً. ثم قال: وقد يرتب عليه ترتيب الجزاء للشروط، لكن هذا ليس مسلك المناسبة، هو في الأصل إيماء بأن تعليق الحكم على وصف.
على وصف مناسب، أنا أقصد أنه لن ينتقل أصلاً إلى المسلك المناسب؛ فالمسلك المناسب لا يكون إلا في العلل التي لم يشر إليها في النصوص. لكنني أقصد أنه ذهب إلى النظر في المناسبة، ولماذا هذا مناسب لهذا من حيث المناسبة الذهنية.
قال: «فثبت أن كل طاعن في الدين فهو إمام في الكفر، فإذا طعن الذمي في الدين فهو إمام في الكفر، فيجب قتاله لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12]، ولا يمين له؛ لأنه عاهدنا على ألا يظهر عيب الدين وخالف».
لماذا قال: «ولا يمين له»؟ قال بعد ذلك: «لأنهم لا أيمان لهم»؛ لأنه عاهدنا على عدم المخالفة، وخالف بطعنه في ديننا. واليمين هنا المراد بها العهود، لا القسم بالله. كلمة اليمين هنا المراد بها العهود، مش معناه أنه أقسم بالله؛ فكلمة اليمين كما تطلق على الحلف بالله، يطلق على العهد أيضًا. حتى تعليق الطلاق يسمى يمين الطلاق؛ إذا قال لزوجته: «إذا فعلتِ ذلك فأنت طالق»، هذا يسمى في الفقه يمينًا، ولم يقل لها: «والله إن فعلتِ فأنت طالق». فكلمة يمين تطلق على النذر، وتطلق على تعليقات الطلاق، وتطلق على العهود، والحلف يطلق عليه أنه يمين. هذا جيد أن تفهمه في دلالة كلمة يمين.
قال: «وهو كذلك، وقال: والعهود لا قسم بالله فيما ذكره مفسرون، هو كذلك؛ فالنبي ﷺ لم يقاسمهم بالله عام الحديبية، وإنما عقد لهم عقدًا ونسخه الكتاب، معروفة ليس فيها قسم». نسخة الكتاب ذكرها نقال السيرة؛ ما قال إن المشركين أقسموا، هو يريد أن يقول لك إن اليمين يطلق معنا العهد، لكن سريعة أمشِ عليها.
قالوا: «هذا لأن اليمين سميت بذلك لأن المعاهدين يمد كل منهما يمينه إلى الآخر في المعاهدة». ثم غلب هذا المعنى حتى صار مجرد الكلام بالعهد يسمى يمينًا، فأي عهد أصبح يسمى يمينًا حتى ولو لم يتم مد اليد في اليمين فيه.
وقال: «ويقال سميت بذلك لأن اليمين هي القوة والشدة». اليمين من معاني كلمة اليمين القوة؛ كما قالوا: «إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين»، أي عن شدة وقوة. وكما قال الله تعالى: ﴿لَآخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الأعراف: 169]؛ فلما كان الحلف معقودًا مشددًا سمي يمينًا، ولذلك الحلف سمي يمينًا من جهة أنه مشدد مغلظ بذكر الله.
قال: «فاسم اليمين جامع للعهد الذي بين العبد وبين ربه وإن كان نذرًا»، ومنه قول النبي ﷺ -حتى النذر يسمى يمينًا-؛ قال: «منه قول النبي ﷺ: النذر حلفه، وقوله: كفارة النذر كفارة يمين»، وقول جماعة جعل النذر مثل اليمين. وقال جماعة من الصحابة للذي نذر نذر النجاة والغضب: «كفر يمينك»، وهذا جيد أن تفهم أنه أحيانًا «كفر يمينك» المراد بها كفر نذرك، فسمي النذر يمينًا.
طبعًا هذا استطراد، نرجع لموضوعنا. قال: «للعهد الذي بينه وبين مخلوقين»، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]، والنهي عن نقض العهود وإن لم يكن فيها قسم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [التوبة: 7]، وإنما لفظ العهد يعني عاهدنا على ألا يفروا، ليس في صلح الحديبية لما بايع الصحابة، بايعوه على ألا يفروا، سمي هذا عهدًا، قال: «ليس فيه قسم»، وقد سماهم معاهدين لله. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، قالوا معناه: تتعاهدون تتعاقدون؛ لأن كل واحد من المتعاهدين إنما عاهده بأمانة الله وكفالته وشهادته.
فثبت أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدًا يقتضي ألا يفعل ذلك، فهو إمام في الكفر، لا يمين له، فيجب قتله بنص الآية. بهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام، وهو من خالف. وبهذا يظهر؛ نعيد: فثبت أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدًا، هذا العهد مضمونه يقتضي ألا يفعل هذا الطعن، فهذا يسمى إمامًا في الكفر، انتقض يمينه وعهده؛ فوصل إلى نتيجة أن الطاعن في الدين انتقض عهده فيجب قتله بنص الآية. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام في الكفر، وهو من خالف بفعل شيء مما صالحنا عليه لكن دون أن يطعن في ديننا.
الوجه الرابع في هذه الآية؛ قال: «الوجه الرابع أنه قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾».
هل يقصد الوجه الرابع الموضع الرابع، أم الوجه الرابع في الآية نفسها؟ الموضع الثاني كان تعليقه على الآية: كيف يكون المشركون عهدًا عند الله وعند رسوله؟ الموضع الثالث: ﴿وَانكثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، هي كلياتها في نفس السورة، فأنا أقصد أنه لما جاء على الموضع الثالث ذكر وجوهًا؛ ذكر الوجه الأول والثاني والثالث. فالآن لما قال الوجه الرابع في الآية التي بعدها، إذاً هذا الموضع الرابع، لا، هو مسمى مواضع وداخل الموضع الثالث عامل وجوهًا. هو مسمى مواضع: الموضع الأول، الموضع الثاني، الموضع الثالث؛ لما جاء على الموضع الثالث ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ذكر ثلاث وجوه في فهم هذه الآية، ثم انتقل الآن للموضع الرابع فقال: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾.
قال: «وهموا بإخراج الرسول»، فهنا قال الموضع الرابع. حتى الوجه الخامس: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾؛ هذه مواضع، أخشى أن يكون المحقق نفسه... لا، هو يقصدها بوجوه؛ لأن الموضع الرابع جعله بعد صفحة ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَن يُحَادِّ اللَّهَ﴾، فكأنه اعتبرها كلها تابعة لنفس السياق، اعتبرها أوجهًا ولم يعتبرها مواضع. إذاً هذه كلها تابعة للموضع الثالث باعتبارها متناسقة وراء بعضها.
قال: «المهم، الوجه الرابع أنه قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ هم بإخراج الرسول، وهم بـ... أول مرة»، فجعل همهم بإخراج الرسول من المخصصات على قتاله، كما أنه في الآية السابقة قال: ﴿وَانكثُوا أَيْمَانَهُمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾. في الآية التي تليها مباشرة ماذا قال؟ ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، وعلق الأمر على الطاعن في الرسول ﷺ.
خلال إخراجه، وهموا بإخراج الرسول ﷺ، فجعل هذا مما يحض على قتال المعاهدين. قال: وما ذاك إلا لما فيه من الأذى له وسبه، أغلظ من الهم بإخراجه. وأيهما أسوأ: أن تخرج الرسول ﷺ أم أن تشتمه؟ قال: وسبه أسوأ من مجرد إخراجه أو الهم بإخراجه.
قال: بدليل أنه ﷺ عفا عن الذين هموا بإخراجه، ولم يعفوا عن مسٍّ. عفا عن كفار قريش الذين كانوا يريدون منعه. قال: فالذمي إذا أظهر سبه فقد نكث عهده، وفعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول، وبدأنا بالأذى فيجب قتاله. فهذا طريقة أخرى في الاستدلال على أن الذمي يقتل على هذه الفعلة وهي سب النبي ﷺ.
الخامس: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 14-15]. أمر سبحانه باقتال كثير الطاعنين في الدين، وضمن أن إن فعلنا ذلك عذبهم بأيدينا وأخزاهم ونصرنا عليهم وشفى صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم وطعنهم وأذهب غيظ قلوبهم؛ لأنه رتب ذلك على قتالنا ترتيب الجزاء على الشرط، والتقدير: أن تقاتلوهم يكن هذا كله.
قال: فدل على أن الناكث الطاعن مستحق هذا كله، وإلا فالكفار يدالون علينا مرة وندال عليهم الأخرى، وإن كانت العاقبة للمتقين. وهذا تصديق ما جاء في الحديث: «ما نقض قوم عهدًا إلا أُديل عليهم». والتعذيب بأيدينا هو القتل.
قال: فدل هذا على أن الناكث الطاعن مستحق لهذا كله؛ ليعذبهم الله ويخزيهم وينصركم ويشفي، وإلا فالكفار الطبيعيون الذين لم يطعنوا يدالون علينا مرة، أحيانًا هم ينتصرون علينا وأحيانًا نحن ننتصر عليهم، لكن في هذه الحالة بالتحديد، حالة وجود الطعن في النبي ﷺ والدين، هنا لا يقول لك إذا قاتلت في هذه الحالة تنتصرون لا محالة.
وكان من بعض الآثار والقصص أنهم كانوا إذا حاصروا، فإذا أظهروا سب النبي ﷺ قالوا: تفاءلنا بالنصر، لأن الله جعل النصر محتمًا في هذه الحالة. فكأنه يقول: الوضع الطبيعي أن الكفار أحيانًا ينتصرون مرة ونحن ننتصر مرة، فإذا أظهروا -طبعًا في حال أن المسلمين يأخذون بالأسباب- تنتصرون. لا تقول إنه إذا أظهروا الطعن معنا خلص نحن سننتصر ونحن نائمون، لا، أنت ستنتصر إذا أنت أعددت العدة وقاتلتهم على سب النبي ﷺ والطعن في الدين هنا.
قال: والتعذيب بأيدينا هو القتل، فيكون الناكث الطاعن مستحقًا للقتل، والساب لرسول الله ﷺ ناكث طاعن كما تقدم فيستحق القتل. وإنما ذكر سبحانه النصر عليهم، وأنه يتوب بعد ذلك على من يشاء؛ لأن الكلام في قتال الطائفة الممتنعة، فأما الواحد المستحق للقتل فلا ينقسم.
قال: «ويشفي صدور قوم المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء»، من هؤلاء الطاعنين في الدين؟ كيف يتوب الله على من يشاء من هؤلاء الطاعنين؟ يمكن واحد منهم ما يكفر، لأن الكلام قال عن طائفة ممتنعة، نحن قاتلناها فظفرنا ببعضها وقتلناه، وبعضها استطاع أن يهرب من المعركة ولم نظفر به وتاب وأسلم بعدين، ربنا يتوب عليه.
فهذه الآية تتكلم عن الطائفة الممتنعة الذين يظهرون شتم النبي ﷺ من أهل الذمة الذين نحن نقاتلهم، ممكن نظفر ببعضهم وبعضهم يهرب، هؤلاء طائفة ممتنعة نقضت العهد بيننا وبينهم فقاتلناها لأنهم أظهروا الكفر، بعضهم قُتل بأيدينا وبعضهم هرب وتاب وأسلم، فهذا ربنا يتوب عليه. أما من تحت أيدينا من الذمة، فهذا لا ينقسم إلى من سيعذب بأيدينا ومن سيتوب الله عليه، هذا نحن قادرون عليه بين أيدينا، فهذا لا يوجد له حل إلا أن يُطبق عليه القدر.
قال: على أن قوله «على من يشاء» يجوز أن يكون عائدًا إلى من لم يطعن بنفسه وإنما أقر الطاعن، فسميت الفئة الطاعنة طاعنة لذلك، وعند التمييز فبعضهم ردء وبعضهم مباشر. هناك احتمال آخر يقول: إن «يعذبهم الله بأيديكم» الذين باشروا السب بأنفسهم، و«يتوب الله على من يشاء» هؤلاء الذين سمعوا الشتم فسكتوا ولم ينكروا.
قال: فدل على أن التعذيب يكون للناكث الساب، وإنما ذكر النصر عليه وأنه يتوب بعد ذلك على من يشاء؛ كلام في الطائفة الممتنعة. ويجوز أن يكون «على من يشاء» عائدًا إلى من لم يطعن بنفسه وإنما أقر الطاعن على طعنه، فسميت الفئة الطاعنة طاعنة لذلك. وعند التمييز فبعضهم ردء، يعني فزع وناصر، وبعضهم مباشر للطعن بنفسه، ولا يلزم من التوبة على الردء -المناصر الذي لم يطعن بنفسه- التوبة على المباشر الذي باشر الكفر والشتم بنفسه.
شوف كيف يقول لك ابن تيمية: «إن (ويتوب الله على من يشاء) هذا على من يشاء ممن دافعوا عن الطاعنين ووقفوا معهم، وليس عن الطاعنين هؤلاء لا يرحمهم الله، فبعضهم ردء وبعضهم مباشر، ولا يلزم من التوبة على الردء التوبة على مباشر الطعن». ألا ترى أن النبي ﷺ أهدر عام فتح مكة دم الذين باشروه بالهجاء، ولم يهدر دم الذين سمعوه؟ وأهدر دم بني بكر ولم يهدر دم الذين أعانوهم بالسلاح؟ فبالتالي يمكن للحاكم أن يهدر دم طائفة ولا يهدر دم طائفة أخرى على حسب الجرم.
ففي فتح مكة أهدر النبي ﷺ دم الذين باشروه بالهجاء كأبي سفيان (بمعنى المباشرة) والجاريتين وعكرمة وصفوان، لكنه لم يهدر دم الذين كانوا من الكفار يسمعونهم، كانوا قاعدين في مكة ويسمعونهم، ما أهدر دم عامة كفار مكة. وكذلك بني بكر الذين هم أصلاً كانوا سبب فتح مكة بسبب أنهم قاتلوا بني خزاعة، سيأتي معنا أن النبي ﷺ أهدر دمهم ساعة إلى العصر وأعطى لبني خزاعة أن يقاتلوهم إلى العصر يوم فتح مكة، لكن هل أهدر دم الذين أعاروهم السلاح من كفار قريش؟ بالتالي العقوبات تتفاوت.
السادس: أن قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ دليل على أن شفاء الصدور من ألم النكث والطعن، وذهاب الغيض الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمر مقصود للشارع ومطلوب الحصول، وذلك يحصل إذا جاهدوا، كما جاء في الحديث المرفوع: «عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم والغم».
جميل، هذا الحديث: «عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله، يدفع الله به عن النفوس الهم والغم».
ولا ريب أن من أظر سب رسول الله ﷺ من أهل الذمة وشتمه، فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم وأخذ أموالهم؛ فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله، وهذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظاً أعظم منه، بل المؤمن المسدد لله ورسوله لا يغضب هذا الغضب إلا لله، والشارع يطلب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيض قلوبهم، وهذا إنما يحصل بقتل الساب من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن تعزيره وتأديبه يذهب غيض قلوبهم إذا شتم واحداً من المسلمين أو فعل نحو ذلك، فلو أذهب غيض قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من شتمه مثل غيظهم من شتم واحد منهم، وهذا باطل.
أي يقول إنه لو كان الساب للنبي ﷺ يعزر فقط ولا يقتل، فهنا سيستوي حق النبي ﷺ مع حق عوام المسلمين؛ لأن تعزير الساب للمسلمين وتأديبه يذهب غيض قلوب المؤمنين إذا شتم واحداً من المسلمين، فلو كان التعزير والتأديب دون القتل يذهب أيضاً غيض القلوب لمن شتم النبي ﷺ لكان غيظهم من شتمه ﷺ مثل غيظهم من شتم أي واحد من المسلمين، وهذا لا يصح، وهذا باطل؛ كيف تكون عقوبة من شتم واحداً من المسلمين مثل عقوبة من شتم النبي ﷺ؟ إن هذه عقوبة تعزيرية، وهذا باطل.
الوجه الثاني: أن شتمه أعظم عندهم من أن يؤخذ بعض دمائهم؛ فلو قتل واحداً منهم لم يشف صدورهم إلا قتله، فالا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب.
بمعنى: أيهما أعظم، أن يقتل واحد من المسلمين أو مجموعة من المسلمين، أو أن يشتم النبي ﷺ؟ شتمه ﷺ أعلى عندنا من أن يقتل بعضنا، ثم لو قتل هذا الذمي واحداً من المسلمين لم يشف صدورنا إلا أن نقتله، فمن باب أولى إذا شتم النبي ﷺ ألا تشفى صدورنا إلا بقتله.
الوجه الثالث: أن الله تعالى جعل قتالهم السبب في حصول الشفاء، والأصل عدم سبب آخر يحصله، فيجب أن يكون القتل والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا.
نعتمد على قضية ما ذكر، وأن ما لم يذكر مسكوت عنه؛ أن الله جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء ولم يذكر طريقة أخرى لحصول الشفاء، فنبقى على ما هو منصوص حتى تأتي طريقة أخرى إذا وجدتها.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ لما فتح مكة أراد أن يشفي صدور خزاعة، وهم القوم المؤمنون، من بني بكر الذين قاتلوهم؛ لأن بني بكر هم الذين هاجموا خزاعة، فذهب سالم إلى النبي ﷺ وقال قصيدته المشهورة، فقال له النبي ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم».
فالنبي ﷺ في فتح مكة أعطى خزاعة ساعة للعصر لحتى وقت صلاة العصر يقتلوا بني بكر الذين قدروا يقتلوه، فمن بني بكر الذين قاتلوهم أعطاهم إلى نصف النهار أو أكثر قليلاً، مع أنه أمن جميع أهل مكة إلا هؤلاء. النبي ﷺ أعطى مساحة لخزاعة أن تشفي صدورها من بني بكر بالتحديد، مع أنه أمن باقي كفار قريش.
فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيض قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا وطعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس، وماذا يريد أن يقول هنا؟ إنه القتل هو السبيل لشفاء الصدور.
في هذه الحالة أعطى الأمان لجميع الناس، لكن لما كان يريد أن يشفي صدور من بني بكر أذن لهم بالقتال، لأنه لا يوجد طريق لشفاء الصدور إلا هذا. فلو كان أكمل شفاء صدورهم وذهاب غيض قلوبهم يحصل بدون القتل لخزاعة، لو كان شفاء صدور خزاعة يحصل بدون القتل للذين نكثوا معهم من بني بكر وطعنوا، لما فعل ذلك ولما أذن لهم أن يقاتلوا بني بكر، لأنه أمن كل الناس.
لماذا لم يؤمن النبي ﷺ بني بكر؟ لأنه لا توجد وسيلة لشفاء صدور خزاعة إلا أن تعطيهم مساحة يشفوا غيضهم بهذه الوسيلة. هل يعقل النبي ﷺ يؤمن كل الناس وفي وسيلة لأن يشفي صدور خزاعة من بني بكر سوى القتل ويتركها؟ واضح أن مقصده في تلك اللحظة الأمان وأن يعطي الناس أماناً ولا يكون الفتح بهدر الدماء، لكن بالتحديد بني بكر لا توجد طريقة لحل قلوب خزاعة إلا ذلك.
بنو بكر ماذا فعلوا بخزاعة؟ أخذوا من دمائهم، ولكن دماء النبي ﷺ أعظم من دماء خزاعة؛ فلو كانت هناك وسيلة لشفاء الصدور سوى القتل لدلنا القرآن عليها، فبما أنه لا توجد طريقة لخزاعة حتى تشفي صدورها من بني بكر إلا القتل، مع أن كل موضوعهم دماء، فلا تكون هناك طريقة لشفاء صدور المؤمنين من شاتم النبي ﷺ سوى القتل؛ لو كان في طريقة غير القتل لدلنا عليها القرآن، ولم يدلنا إلا على هذه الطريقة، فهي الطريقة الوحيدة.
ونكتفي بهذا، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل