السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعًا في هذا الصباح المبارك. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى على آله وصحبه ومن نهجه اقتفى.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من أهل العلم المنشغلين به، المعلمين له، والمتعلمين العاملين به، اللهم لا تقطعنا عنه بالشواغر والعوائق والعلائق. اللهم اجعلنا محبين لهذا الطريق مقبلين عليه، اللهم فهمنا، اللهم يا رب العالمين تقبل منا سعينا إليك.
حياكم الله أيها الأكرام في مجلس جديد من مجالس تراث، حيث نعلق على تراث أبي العباس بن دمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه. واليوم بإذن الله، لعل الله يسر لنا أن ننهي كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح في مجلده الرابع، ويكون هذا ختام تاريخنا على هذا الكتاب، اللهم يسر.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبعه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين. آمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فصل في الطرق التي تبين بها أن هذه الأخبار تفيد العلم". وهذه الأخبار منها ما هو في القرآن، ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة. هو الآن يعلق على ما مر من ذكر معجزات النبي ﷺ، فيقول: هذه المعجزات وهذه الأخبار التي تنقل لنا هذه المعجزات كيف نستفيد منها علماً يقينياً بالنبوة؟
قال: «كنب الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع، ونحو ذلك، إن كلا من ذلك تواترت به الأخبار واستفاضت، ونقلته الأمة جيلاً بعد جيل، خلفاً عن سلف، فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستبيدة فيها، ينقلها أكثر ممن ينقل كثيراً من القرآن، وقد سمعها ونقلها من الأمة أكثر ممن سمع ونقل كثيراً من آيات القرآن».
وأكثر ممن سمع ونقل أنه كان يسجد في صلاة سجدتي السهو، ومن سمع ونقل نصب الزكوات وفرائضها، بل مواقيت الصلاة وأعدادها؛ إن مواقيت الصلاة وأعدادها مشاع نقلها للعمل الدائم بها، وأما هذه الآيات فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة من جهة الإخبار، وليس من جهة العمل. يعني يقول لك مواقيت الصلاة وأعداد الصلوات، أن الظهر أربع والعصر أربع، صحيح هي مستفيضة أكثر منها لكن من جهة العمل، أما هذه الأخبار كقضية نبع الماء من بين أصابعه ونحو ذلك من المعجزات، فهي مستفيضة أكثر من جهة الخبر.
قال: «وذلك أن آيات الرسول كانت كثيراً منها يكون بمشهد من الخلق عظيم، فيشاهدون تلك الآيات، كما شاهد أهل الحديبية ألفاً وخمسمائة نبع الماء بين أصابعه، وظهور الماء كثيراً من بئر الحديبية لما نحوها ولم يتركوا فيها قطعة فكثر حتى روى العسكر. وكما شاهد العسكر في غزوة تبوك ذرء الماء اليسير لما صبه جابر في الجفنة فامتلأت كما شاهد الجيش في رجوعهم من غزوة خيبر المزادتين مع المرأة وقد ملأوا كل وعاء معهم وشربوا وهي ملاه كما هي. وكما شاهد أهل خيبر الطعام الذي كان كربضة شاة فأشبع الجيش كلهم. وكما شاهد الجيش العظيم وهم نحو ثلاثين ألفاً في غزوة تبوك العين لما كانت قليلة ماء فكثرت حتى كفاهم، وشاهدوا الطعام الذي جمعوه إلا نطعاً فأخذوا منه حتى كفاهم».
تخيل أن ثلاثين ألفاً شاهدوا معجزة تبوك، تخيل ثلاثين ألفاً رأوا كيف النبي ﷺ كثر الماء، فهؤلاء الثلاثون لو كل شخص نقل اثنين هي ستون ألفاً، وهكذا. فيقول: هذه المعجزات نقلها متواتر مستفيض، ليس خبراً آحاداً بسيطاً لا أحد يدري عنه.
قال: «وكما شاهد أهل الخندق، وهم أكثر من ألف، كثرة الطعام في بيت جابر بعد أن كان صاعاً مشراً وعناقاً، فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا فضلت فضلة. وكما شاهد ثمانون نفساً كثرة الطعام لما أكلوا في بيت أبي طلحة. وكما شاهد ثلاثمائة كثرة الماء لما توضوا من قدح والماء ينبع من بين أصابعه حتى كفاهم الوضوء. وكذلك وليمة زينب وكانوا ثلاثمائة فأكلوا من طعام من تور من حجارة هو باق، فظن أنس أنه أزيد من مكان».
فكانت استفارة آياته وشهرتها وتواترها في الأمة أعظم من تواتر سجود السهو في الصلاة، فإن هذا إنما كان مرات قليلة ولم يحضره إلا المصلون خلفه لتلك الصلاة. وكذلك نقل الزكاة وفرائضها، فإن هذا إنما سمعه منه طائفة قليلة ونقلوه. وكذلك حكمهم بالشفعة فيما لم يقسم، وقضائه بأن الدية الخطأ على العاقلة، وقضائه بأن الولد للفراش، ونهيه عن نكاح الشغار، وتحريمه لطلاق الحائط، إلى غير ذلك من المسائل الفقهية التي سمعها الواحد والاثنان، فأمثال ذلك.
ثم أمثال ذلك إنما سمعها طائفة من الأمة، وهم بأقل بكثير ممن شاهد آياته. ثم إن الأمة متفقة على نقل متواتر عنه معلوم بالاضطراب دينه. فإذا كان مثل هذه الأمور تواتر في الأمة واتفقت على نقله، فكيف بما كان أشهر وأظهر عند من عاينه؟ وكان علم الذين رأوه به أظهر من علمهم بهذه الأحكام، وقد نقلوا ذلك إلى من غاب عنهم، فإنه قطعاً يجب أن يكون تواتر هذه الآيات في الأمة أعظم وأشهر وأوضح.
ولهذا لا يكاد يوجد مسلم إلا وقد عرف كثيراً من هذه الآيات وسمعها ونقلها إلى غيره، بخلاف كثير من الأحكام المتواترة عنه، المتفق على نقله عند العلماء أن كثيراً من الناس لا يعرفها ولا سمعها. وإذا قال القائل هذه مما تتوفر الدواعي على نقلها، فلو كانت موجودة لتوفرت الدواعي على نقلها، ولو كان كذلك لتواترت؛ قلنا: وكذلك هو ولله الحمد.
قال: «توفرت الهمم والدواعي على نقلها أكثر مما توفرت الهمم والدواعي على نقل أكثر آيات الأنبياء قبله، وأكثر مما توفرت على نقل الأخبار العجيبة من سير الملوك والخلفاء، فإنه من تدبر نقل هذه الآيات وجد شهرتها في كل زمان وظهورها».
ظهور الأخبار بها أعظم من شهرة ما ينقل من آيات الأنبياء وأخبار الملوك والدول التي جرت العادة بتوفر الهمم والدواعي على مثل هذا. ولا يجب في كونه متواتراً أن يتواتر عند كل أحد؛ فإن أكثر ما تواتر عند كل أمة من أحوال متقدميها قد لا يسعه كثير من الأمم، قد لا يسمعه كثير من الأمم من غيره.
بعض أخبار الأنبياء السابقين وأخبار الملوك والأمم السابقين قد تتواتر أخبارهم في جهة ما في منطقة ما، لكن قد لا يسمعه كثير من الأمم، فضلاً عن تواتره عند الأمم الأخرى. قال: حتى إن كثيراً من الأمم الذين لا يعرفون الأنبياء قد لا يكونون سمعوا بأسماء الأنبياء ولا بأخبارهم، فضلاً عن تواترها عندهم. وأكثر أتباع الأنبياء لم يتواتر عندهم من أخبار الملوك وسيرهم ما يتواتر عند غيرهم.
حتى إن أكثر المسلمين لم يسمعوا بأسماء خلفاء بني أمية وبين العباس، وأسماء وزرائهم ونوابهم وقواتهم، وبالحروب التي جرت بينهم، ولا يعرفون الوقائع العظيمة من الحروب التي كانت بين المسلمين وأعدائهم؛ مثل يوم أجنادين، ويوم مرج الصفر، ويوم فحل، ويوم اليرموك، ويوم جسر أبي عبيد، ويوم القادسية، بل وحربه مع أهل الردة مع أتباع فريحة الأسدي ووفد بزاخة، ومثل حديقة الموت مع أتباع مسيلمة الكذاب. ولا يعرفون أن المسلمين فتحوا قبرص، ولا حصلوا قسطنطينية مرتين، مرت في زمن معاوية ومرت في زمن بني مروان.
وكذلك الفتن التي كانت بين المسلمين؛ مثل يوم الحرة، ويوم مرج راهط، وفتنة ابن المهلب في سجستان، وفتنة ابن الأشعث في القراء مع الحجاج، وحرب مصعب بن الزبير مع المختار بن أبي عبيد، وفتنة المنصور مع محمد بن عبد الله الحسن بن الحسن بالمدينة، ومع أخيه إبراهيم ببصرة. هذه الوقائع حصلت، لكن كم عدد المسلمين اليوم لو جئت عملت استقراءً للشباب من يعرف هذه التفاصيل؟ يقول لك الشباب والعوام في هذه الأجيال لا تعرف هذه التفاصيل إلا النادر من المثقفين.
لكن معجزات النبي ﷺ الكل يعرفها، إن النبي ﷺ في الجملة يعرفون كانت له معجزات كثيرة في تكثير الطعام والشراب، وإن لم يعرفوا الوقائع بالضبط، لكن يعرفون أن جنس هذه المعجزات كانت واقعة له ﷺ. قال: بل أكثر العامة لم يسمع بأبي مسلم الخراساني الذي هو صاحب الدعوة العباسية، وما جرى من الحرب والعساكر مع عساكر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولم يسمع أيضاً بدخول عبد الرحمن بن هشام إلى الأندلس وما جرى له بها، ولا بالفتنة التي بين الأمين والمأمون، مع أن هذه الأمور هي متواترة عند أهل العلم بالسير وأخبار الناس والتواريخ.
وظهور هذه الآيات مشهورة بين الأمة عامتها وخاصتها في كل زمان، أعظم من ظهور هذه الأخبار المتواترة، فهي أحق أن تجعل متواترة من هذه. ونقل هذه الآيات من الخاصة؛ أهل العلم وكتب الحديث والتفسير والمغازي والسير وكتب الأصول والفقه التي توجد فيها هذه الأخبار، أصح نقلاً باتفاق أهل العقل والعلم من كتب التواريخ المرسلة؛ فإن تلك كثير من أخبارها منقطع الإسناد، وفيها من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، وإن كان أصل القصة قد يكون متواتراً. وهذه الآيات المشهورة في الأمة كثير من أجناسها متواتر عند العامة، وكثير من آحادها متواتر عند الخاصة من أهل الحديث وما شابه ذلك.
قال: الكثير من الفقهاء والمتكلمين، أو أكثرهم، لا يعرفون عدداً من غزوات رسول الله ﷺ التي قاتل فيها أعداءه، وهي وقائع مشهورة كل منها متواتر ظاهر عند العلم؛ مثل يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق، وغزوة بني المصطلق، وغزوة خيبر، وفتح مكة، ومؤتة، وحصار الطائف. وكثير من أهل العلم، فضلاً عن العامة، إن كان سن الأسماء أو بعضها فلا يعرفون أيهما كانت قبل الآخر، ولا يعرفون بأي بقعة كانت تلك الغزوات، بل ولا يعرفون من كان العدو فيها، ولا كيف كانت. بل أكثر العامة لا يميزون بين بدر وحنين، بل يقول قائلهم: يوم بدر وحنين، ويظنون أن ذلك يوم واحد وأنها غزوة واحدة.
حتى إن بعض أكابر أئمة الفقهاء مشهورين، قال له صاحبه لما أنكر عليه طلب علم السير: «تسكت وإلا سألتك قدام الناس؛ أيهما كانت قبل بدر أو أحد؟» [ضحك]؛ يعني يقول له: أنت لا تعرف بدر كانت قبل أحد أو لا؟ قال: «فإني أعلم أنك لا تعلم ذلك»، مع أنه من المتواتر الذي لا يستريب فيه من له أدنى معرفة بالأخبار أن أحدًا كانت بعد بدر، وفي بدر انتصر المسلمون، والكفار يوم أحد استمروا.
بل وكثير من علماء المسلمين الأكابر لا يعلمون ما هو متواتر عند أهل الكتاب بل وعند غيره من علماء المسلمين؛ مثل خراب بيت المقدس، وكان الأولى أنه كان بعد سليمان، وكانت الثانية بعد زكريا ويحيى، لما قتلوا يحيى بن زكريا الذي يسميه أهل الكتاب يوحنا المعمداني. وكثير من المذكورين بالعلم يظن أن بختنصر هو الذي قدم الشام لما قتل يحيى بن زكريا، وهذا عند أهل الكتاب وعند من له خبرة من علماء المسلمين باطل. والمتواتر أن بختنصر هو الذي قدم في المرة الأولى.
وكذلك كون شعيب النبي كان حمو موسى عليه السلام، كما تقول طائفة من الجهال، والمتواتر عند أهل الكتاب وعلماء المسلمين والصحابة والتابعين وغيرهم خلاف ذلك. لذلك القصة المشهورة أنه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، هذا هو المشهور. الناس يقول لك هذا شعيب هو والد الفتاتين، وهذا ابن تيمية يقول: هذا من كلام الجهال، ما في علاقة بين شعيب وموسى عليه السلام. وكذلك كون شعيب هو حمو موسى، وأن موسى تزوج ابنة شعيب، يقول كما يقول طائفة من الجهال، هذه معلومة غير صحيحة، والمتواتر عند أهل الكتاب وعلماء المسلمين والصحابة والتابعين خلاف ذلك، وأنه لم يحصل أي لقاء زمني أصلاً كفترة تاريخية بين شعيب وموسى. قالوا: إذا كان شعيب ورد في بعض كتب الإسرائيليات فهو ليس شعيب النبي، وإنما شعيب رجل صالح كان في تلك الحقبة وليس هو النبي المعروف.
قال: عند النصارى من أخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يفهم المسلمون واليهود، وعند المسلمين من أخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يعرفها أكثر الأمم. هل عند كل طائفة من المسلمين من...
أخبار شيوخهم وأمرائهم وبلادهم المتأثرة، ما لم يسمع بهم من غيرهم، وليس هذا بمنزلة من ادعى خبراً لم يكن يُعرف في الذين شاهدوا تلك القصة.
كما لو ادعى مدعٍ أن النبي ﷺ حج بعد الهجرة أكثر من حجة، أو أنه كان يصوم شهر رمضان بمكة، أو أنه كان بمكة أذان، أو أنه كان في عساكره وعساكر خلفائهم بوقاتم، أو أنه كان يؤذن العيدين، أو كان يخطب العيدين قبل الصلاة، أو أنه كان يصلي بالمدينة أكثر من عيد، أو أنه كان يصلي في الصفوف الأربعة، أو أنه بمكة تصلى صلاة العيد يوم النحر، وأنه نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره بالخلاف في نص ظاهر مشهور، أو أنه عزل أبا بكر عن الإمارة في الحجة، أو أنه صلى في مرض موته غير أبي بكر، ونحو ذلك من الأخبار التي يُعرف أنها كذب وباطل لتواتر نقيضها، ولأنها لو كانت صحيحة لكانت مما تتوفر الدواعي على نقله واجتهاده، مع أنه لم يكن له ذكر في الزمن المتقدم.
وكذلك ما يقوله كثير من أهل الجهل مما يجعلونه من معجزات الرسول ﷺ أو غيره، ولا يجد منقولاً عند أهل العلم بأحواله، بل يكذبون ناقله؛ مثل قول كثير من العامة إن الغمام كان يظله دائماً، فهذا لا يوجد في شيء من الكذب المعروف عند علمائهم، ولا نقله عالم من علمائهم، بل هو عندهم كذب وإن كان كثير من الناس ينقله، وإنما نُقل أن الغمامة أظلته لما كان صغيراً وقدم مع عمه إلى الشام تاجراً ورآه بحير الراهب، ومع هذا فهذا لا يجزم بصحته؛ لأن خبر بحير الراهب خبر عام، تفاصيله بالضبط وهل وقع هذا وعُلِق مظنونه وليست مقطوعة.
وكذلك ما ينقله بعضهم أنه كان إذا وطئ أثر قدميه في الحجر وفي الرمل لم يكن يؤثر، فهذا لم يقله أهل العلم بأحواله ولا واحد منهم، بل هو كذب عليه. وكذلك مما ينقله طائفة من الناس من كثرة القتل وبحور الحرب أو المغازي الكثيرة، الذي يذكر مثلها صاحب الكتاب الذي سماه "تنقلات الأنوار" ويقال له البكري، فهذه مما كان أكثرها لا يوجد في كتب المسلمين المعروفة ولا نقلها علماؤهم، بل قد تواتر ما يخالفها ظاهراً عند أهل العلم بأحواله، وإن كان كثير من الناس الجهال بأحواله قد يصدق بها.
مثل ما ينقله طائفة أنه كان في غزوة نصب علي بن أبي طالب يده ليمر الجيش عليها، وإن البغلة مرت عليها فقال لها: «عليه قطع الله نسلك»، وانقطعت نفسها، فهذا ليس في شيء من كتب أهل العلم بأحواله، ولا نقل ذلك واحد منهم، وإنما ينقل ذلك ممن هو معروف بالكذب أو جاهل. ولهذا كان هذا من الكذب الذي يقطع بكذبه علماء المسلمين، ويعلمون أنه تواتر نقضه؛ أنه لم يكن في غزوة خيبر بغلة، ولم يكن بمدينة ولا بمكة بغلة إلا بغلته التي أهداها له المقوقس ملك مصر والإسكندرية، وإنما أهداها له بعد فتح خيبر لما كتب النبي ﷺ إلى ملوك الواقعين. ويعلمون أن البغلة المقطوعة النفس لم يكن لها سقط.
وكذلك ما يقوله بعض الكاذبين من أن طائفة من أهل البيت سبوا وأركبوا جمالاً فنبت لها سنامان، وأنها البخاتية، فهذا من التخرّف؛ أن الجمل البخاتي هذا له سنمان كان نتيجة أهل البيت ركبوا على جمل فصار له سنمان فنشأ الجمل البخاتي وإلى اليوم موجود، هذه من تخاريف الرافضة والله أعلم.
هذا مما تبقى، المعرفة بالأخبار على أنه لم يسب المسلمون قط في أوقاتهم أحداً من أهل بيت النبي ﷺ، لا في خلافة بني أمية ولا بني عباس. والجمال البخاتية ما زالت هكذا لم يتجدد لها السنام في الإسلام، كما قال النبي ﷺ لما ذكر ما يحدث النساء بعده: «على رؤوسهن كأسنمة البخت». وتأملوا الاستدلال الجميل؛ أصلًا النبي ﷺ ذكر الجمال البخاتية قبل هذا «كأسنمة البخت»، إذاً هذا معروف عند النبي ﷺ قبل انتهاء حياته.
وكذلك مغازي حمزة الشائعة بين كثير من جهال الترك وغيرهم، لا توجد في شيء من كتب العلم، وقد تواتر عند أهل العلم أن حمزة لم يشهد غزوة إلا غزوة بدر ثم غزوة أحد واستشهد يوم أحد. وكذلك ما يقوله ضعفاء من أن الشمس ردت لما فاتت عليه صلاة العصر لكون النبي ﷺ نام في حجره، فجعل بعضهم هذا من المعجزات، فليس هذا في شيء من كتب المسلمين التي يعتمدون على ما فيها من منقولات الصحيح والمسانيد والتفسير والمغازي والسير ولا غير ذلك، بل بين أهل العلم بالحديث أن هذا ليس له إسناد واحد صحيح متصل، بل غايته أن يروى عن من لا يعرفه ولم يره إلا هو، مع توفر الهمم والضد، فعلموا أنه كذب.
وهذا باب واسع يبين أن علماء المسلمين يميزون بين منقولات الصدق والكذب، فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم وأعلامه وفضائل أصحابه وأمته ما هو عظيم، ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة وإشكال، وقد يحتج بهم ونازعون لهم. وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، أما أهل الجهل فلا يكتبون إلا ما لهم، أما أهل العلم فيكتبون كل ما لهم وما عليهم؛ الحجة ونقيضها.
وما كان من آيات النبي ﷺ، بل وكثير مما لم يخرجه البخاري ومسلم، فهذه عامة مما يقطع أهل الحديث بصحتها ويقرون ذلك، وهذا عندهم صحيح ومتواتر، وإن كان بعض ذلك قد لا يتواتر ويستفيض عند غيرهم؛ فإن الأخبار قد تستفيض وتتواتر عند قوم دون قوم بحسب عنايتهم بها وضبطها وعلمهم بمن أخبر بها وصفاتهم ومقاديرها وما دل من دلائلها على صدقه. هذا مهم جداً في نظرية المعرفة؛ يؤكد أن التواتر ليس شيئاً واحداً يحصل للجميع بنفس النسبة، بل هو التواتر شيء نسبي، فالخبر يتواتر عند قوم لا يتواتر عند قوم، يتواتر عندي لمعرفتي بأن هذا الجمع لا يتواطئ على الكذب، أن هذا الجمع من كبار...
النقلة أن هذا الجمع الذي فيه شعبة وسفيان وما شابه ذلك، هؤلاء في قمة الإتقان، لكن شخصًا عاميًا لا يعرف شعبة ولا السفيانين لن يحصل عنده من التواتر ما حصل للعالم المتخصص في علم الحديث. فدائمًا هذه النقطة مهمة جدًا لأنه كثيرًا ما يتم القدح فيها؛ في نظرية المعرفة، التواتر شيء نسبي وليس شيئًا يأتيك شخص يقول لك: هذا الحديث ليس متواترًا لماذا؟ لأنه لم يتواتر عندي. نقول لك: ما لم يتواتر عندك، لكنه عندي تواتر. لا يشترط إذا لم يتحصل التواتر عندك أن تنفي حصول التواتر عند أهل الاختصاص، هذا ما يحاول ابن تيمية أن يؤكد في هذه النقطة.
فإن الأخبار قد تستفيض وتتواتر عند قوم دون قوم، هي قاعدة بحسب عنايتهم بها وطلبهم لها وعلمهم بمن أخبر بها وبصفات النقلة. يعني ما هي معرفتك بالسفيانين والأعمش وما شابه ذلك، ومقاديرهم في العلم، وما دل من الدلائل على صدق هؤلاء النقل؟ وأهل العلم بحديث رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وسيرته وأسباب نزول القرآن ومعانيه وغير ذلك، لهم بهذا من العلم وعندهم به من اليقين ما لا يوجد مثله لغيرهم. فلا يخرج لك شخص من المدرسة العقلانية اليوم يقول لك: أنا هذا ليس متواترًا وأنا لا أؤمن أنه صحيح، وأنتم أهل الحديث تزعمون أنه متواتر. تقول له: المشكلة عندك وليس عند أهل الحديث، لأنك لا تعرف ما يعرفونه هم.
قال: كما أن أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وداوود وغيرهم، عند كل طائفة من أقوال متبوعهم ونصوصه وأخباره ما يقومون به، وإن كان غيرهم لا يحفظه. والطباء عندهم من كلام أبقراط وجالينوس ومحمد بن زكريا وانفراده ما يقومون به، وغيرهم لا يعلم ذلك. وأهل الهيئة عندهم من كلام بطليموس والرفض والرصد الممتحن المأمون وثابت بن قرة وأبو الحسين الصوفي ونحوهم ما يعلمونه هم، وغيرهم لا يعلم ذلك، بحيث يجزم هؤلاء وهؤلاء بكثير من مذاهب أهل الطب.
وعند أهل الكتاب، وكل من أخبار هلال وهلال وسما وغيرهما من شيوخهم، ما لا يعلمه غيرهم من أخبار الحواريين. وأهل العلم بأيام الإسلام يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر وعثمان ومغازيهم، كوقعة أجنادين ومرج الصفر وغيرهما في خلافة أبي بكر، ووقعة اليرموك وجسر أبي عبيد، وفتح مصر. وكذلك ما كان بعد هؤلاء من سير الملوك وحوادث الوجود.
بل أهل العلم بالرجال يعلمون من حال آحاد الصحابة والتابعين، كعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم، ما لا يعلم غيرهم. وأهل العلم بالنحو يعلمون من حال سيبويه والأخفش والمبرد ما لا يعلم غيرهم. والقراء يعلمون من حال أهل القراءة كابن كثير والكسائي ما لا يعلم غيرهم. فإذا كان آحاد أهل الفقه أو الطب أو الحساب أو النحو أو القراءات، بل حتى الملوك الذين تعلم الخاصة من أمورهم ما لا يعلمه غيرهم، يقطعون بذلك؛ فكيف بمن هو عند اتباعه أعلى قدرًا وأرفع منزلة من كل مالك؟
هم أرغب الخلق في معرفة أحواله، وأعلى الناس صدقًا فيها، ولأحرصهم على رد الكذب منها، حتى قد صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئًا من أخباره، وذكروا في أحوال نقل حديثه وما يتصل بذلك من جرح وتعديل، ودققوا في ذلك فبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها لأحد من الأمم ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث. فهذا يعطي أنهم أعلم بحال نبيهم من كل أحد بحال متبوعه، وأعلم بصدق الناقل وكذبه من كل أحد بصدق من نقل عن متبوعهم وكذبه. فإذا كان أولئك بصدق ما نقل عن متبوعهم، فإن أهل الحديث أعلم بصدق وكذب الناقلين عن النبي ﷺ، هم أعلم من غيرهم بصدق من نقل عن متبوعهم وكذبه.
قال: فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم، وإن لم يكن إلا صدقًا، فالمجمع والاتفاق على تصديقهم أولى من الجزم بصدقهم. وعامة أخبار الصحيحين اتفق علماء الحديث على التصديق بها والجزم في ذلك، وإنما تنازعوا في أحاديث قليلة منها. وعمته هذه كانت من آيات النبي ﷺ التي في الصحيح، هي من موارد إجماعهم التي يجزمون بصدقها، وليست من موارد نزاعهم.
هذا الطريق وسك من عرف العلماء، ويعلم خبره، أهل من كان خبيرًا بهم، فهذان طريقان في تصديق هذه الآيات: التواتر العام والتواتر الخاص. والتواتر الخاص هو الأحاديث التي تواترت عند أهل الاختصاص من المحدثين وأهل السيرة المنشغلين بنقد الأخبار، وهذه كلها تدل على يقينية تلك المعجزات ودلالتها على صدق النبوة.
والطريق الثالث: التواتر المعنوي. وهذا أظنه معروف؛ فإن الناس قد يسمعون أخبارًا متفرقة، لكن يشترك مجموعة في أمر واحد، كما سمعوا أخبارًا متفرقة تتضمن شجاعة عنترة وخالد بن الوليد وأمثالهما، وتتضمن سقاء حاتم وعمرو وأمثالهما. إذاً، التواتر المعنوي هو أن يكون كل خبر في حده ذاته آحادًا، لكن هذه الأخبار الآحاد تتفق في نقطة معينة، فتصبح هذه النقطة المعينة التي تتفق فيها أخبار الآحاد متواترة تواترًا معنويًا.
تتضمن حلم أحمد بن قيس وعبد بن أبي سفيان وأمثالهما، وتتضمن شعر امرئ القيس والنابغة والبحتري وأمثالهم من المتقدمين، وشعر جرير والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة وأمثالهم من المولدين، وشعر أبي نواس والمتنبي وتمام، بل يسمعون أقوالًا وفتاوى متفرقة تتضمن فقه مالك والثوري والليث بن سعد وأبي حنيفة والشعبي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من العلماء. وأخبارًا متفرقة تتضمن العدل وحسن السيرة من عمر بن الخطاب وغيره.
بالتالي، أحمد بن حنبل هل تواتر أنه فقيه؟ نعم، كيف عرف ذلك؟ أنه عنده آلاف الفتاوى، كل فتوى منها آحاد وصلت إلينا، لكن آلاف الفتاوى هذه في نقطة مشتركة تدل على أن الرجل منشغل بالفقه، فكونه من أهل الفقه هذا تواتر. التواتر ثلاثة: خاص، ومعنوي.
قال وعمر بن عبد العزيز وغيره: إن الأمور وسمع أخبار تتضمن الزهد، عن مثل حسن البصري وعامر بن عبد الله ومالك بن دينار وصبي بن عياض وإبراهيم أدهم وغيره من الزهاد، وسمعوا. فيحصل مجموع الأخبار علم ضروري بأن الشخص موصوف بذلك النعت، وإن كان كل من الأخبار لو تجرد لم يفد العلم لكونه ظني الطريق.
وإن كان كل من الحكايات ليست وحدها منقولة التواتر، من هذا الباب العلم القطعي بالإيمان والموت، ونحو ذلك مما يحصل به استفاضة توجب العلم في علم الناس بأن خديجة وعائشة ونحوهما من أمهات المؤمنين، وأن فاطمة وزينب من بنات النبي ﷺ، وأن عائشة بنت أبي بكر، وإن أبا بكر وعمر وعثمان خلفوه بعده، وإن أبا بكر وعمر دُفنا في حجرتها.
أنا هنا في الحاشية يقول: «لعله أظنه الأنساب والموت مش الإيمان»، ومن هذا الباب العلم القطعي بالأنساب والموت، هكذا يقول المحقق عندنا، لأنه كلمة الإيمان ليست واضحة كثيرا في المخطوط.
وإن فاطمة وزينب من بنات النبي ﷺ، وإن عائشة بنت أبي بكر، وإن أبا بكر وعمر وعثمان خلفوه بعده، وإن أبا بكر وعمر دُفنا في حجرتها. وإذا عُرف هذا، فكيف يقصد أن من التواتر المعنوي الأنساب والموت؟ معروف من أبوه وعائلته، كذلك من مات ومن لم يمت.
أحسنت، كيف تريد أن تعرف أن فلاناً مات؟ فكرة الموت كفكرة أنها وجدت، أن فلاناً مات وهذا خبر موته، وفلان مات وفلان مات، فبتصير أنت تتأكد أن الموت حقيقة تواتراً لا ريب فيه لكثرة من وقع منه الموت، وإن كان كل خبر موت لشخص بحد ذاته قد يكون آحاداً، لكن هذا مات وهذا مات، بأخبار الآحاد نحصل أن الموت متواتر تواتراً قطعياً.
ونحو ذلك بما يحصل به استفاضة توجب العلم القطعي، كعلم الناس بأن خديجة وعائشة من أمهات المؤمنين، وأن فاطمة وزينب من بنات النبي ﷺ، وإن عائشة بنت أبي بكر، وإن أبا بكر وعمر وعثمان خلفوه بعده. فإن هذا أيضاً من التواتر المعنوي؛ لأنه بتيجي ودخل فلان على الخليفة أبي بكر، ودخل شخص كذا وأبو بكر فعل كذا في خلافته، فمن خلال كل هذه الأخبار تعرف أنه هو كان الخليفة هكذا، العقل يفكر.
وإذا عُرف هذا، فهذه الأحاديث وأضعاف أضعافها ينقل عن الواحد من هؤلاء. وهذه الأحاديث يقصد بها أحاديث المعجزات والدلائل، أحاديث معجزات النبي ﷺ ودلائل النبوة هي أضعاف أضعاف ما ينقل عن الواحد من هؤلاء، ونقلها أجل وأكثر وأفضل من نقل أخبار هؤلاء، وهي كلها تتضمن أن محمداً بن عبد الله ﷺ كان يجري على يديه من الآيات الخارقة للعادة والعجائب العظيمة ما لا يعرف نظير له من أحد من الناس.
قال: وعلم المسلمين بهذا أعظم من علم أهل الكتاب بما ينقلونه من آيات موسى وعيسى وغيرهم؛ فإن نقلات محمد ﷺ غير القرآن، أضعاف وأضعاف نقل التوراة والإنجيل، فإن تراكم جميعها محفوظ كما يحفظ القرآن عامة المسلمين. قال: من يحفظها جداً حتى تنازع الناس في تواتر نقلها، وكذلك الإنجيل نقله أقل بكثير من نقل من نقل آيات محمد ﷺ.
إذاً النصارى يقولون هؤلاء كانوا صالحين وكان لهم كما يذكرون من آيات الحواريين وأصحاب عيسى، فأصحاب محمد ﷺ أتابعة له من الآيات أعظم ممن حولهم وغيرهم من الأمم. فيهم من كان يحمل العسكر على الماء، ومن كان يشرب الماء سماً قاتلاً، ومن يحيي الله الموتى بدعوته، ومن يكثر الطعام والشراب والكرامات، فالأولياء فيها من ذلك أعظم مما عند أهل الكتاب.
هم ينقلون أخبار صالحيهم من كتب عندهم مثل كتاب أخبار الحواريين وكتاب سيف الملوك ونحو ذلك، وما يذكرون من حجة في صحة نقلها، بخلاف أهل الإسلام؛ دائماً عندنا مجالس السماع التي فيها يتصل السند من الراوية الكابر عن كابر إلى أصحاب المصنفات ثم إلى النبي ﷺ.
قال: وما يذكرون من حجة في صحة نقلها إلا وحجة المسلمين فيما يقولونه عن نبيهم وأصحابه والتابعين أظهر. وأفقر أن يقال: هذه الآيات التي ذكرنا بعضها كانت لتكون بطريق التواتر العام، ثم التواتر الخاص، ثم التواتر المعنوي.
والطريق الرابع في إثبات يقينية هذه الأخبار أن يقال: هذه الآيات التي ذكرنا بعضها كانت لتكون محضر من الخلق الكثير؛ كتكثير الطعام يوم الخندق فإنه كان أهل الخندق رجالاً ونساءً وآلافاً مؤلفة، وكذلك نبع الماء بين أصابعه، وفيضان الماء من البئر يوم الحديبية كان يوم ألف وخمسمائة كلهم صالحون، لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة على النبي ﷺ، وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر، وفي تبوك كانوا آلافاً مؤلفة.
وكان بعد من حضر هذه المشاهد ينقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضرها، وينقلها العوام لأقوام، فيقولونها لأولئك فيصدق بعضهم بعضاً، ويحكي هذا مثل ما حكى هذا، ينقلها بنفس الطريقة التي نقلها صاحبه من غير تواطؤ أو تشاور، وأدنى أحواله أن يقره ولا ينكر عليه روايتها.
ونحن نعلم بموجب العادة الفطرية التي جبل الله تعالى عباده عليها، وبموجب ما كان عليه ﷺ في الأمة من اعتياد وصف وتحرير واعتقادهم أن ذلك بعد شدة توقيم الكذب على نبيهم، إذ قد تواتر عنه أنه قال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». فنحن نعلم أنهم لم يكونوا يكذبون، ولم يعلموا أنه يكذب عليهم من أخبر عنهم بما كانوا مشاهدين له وكذب عليه، فقد علم أنه كذب عليه. فلما اتفقوا على نقل ذلك وتناقله بينهم من غير إنكار أحد منهم لذلك، علم قطعاً أن القوم كانوا متفقين على نقل ذلك كما هم متفقون على نقل القرآن، وإن كان جمهورهم ليس متلقناً للقرآن، بل هذا يلقنه وهذا يسمعه من هذا، متلقن ينكر بعضهم على بعض قراءته، وهذا يعلم هذا الصلاة، أن الظهر في الحضر أربع ركعات والمغرب ثلاث.
فلما كان بعضهم يقر بعضاً عن نقل ذلك، فاتفاقهم على نقل ذلك هو غاية التواتر. وكذلك ما نقلوه من شرائعه ومن آياته، يبين ذلك أن ما أنكره بعضهم رده على الآخر ولم يوافقه عليه، وإن كانوا متأخرين عن زمن الصحابة، فكيف بالمتقدمين؟
كتنازعه: هل كان يجهر بالبسملة أم لا يجهر بها؟ وهل كان يقام عليه قنوت الفجر، أم كان يقنت أحياناً، أم قنت مرة، أم تركه؟ فهذه من أهل الأمور وأسئلها كلهم متفقون على صحة الصلاة ممن قنت، وعلى صحة صلاة من لم يقنت، ومن جهر، ومن خفت. ولكن لما تنازعوا فيما فعله الرسول ﷺ، تنازعوا في الحكم، وإنما كان مشهوراً في الأمة عن النبي ﷺ ولم ينكره أحد من علمائها.
كانت الأمة متفقة على نقله للقرآن وللشرائع الظاهرة المشهورة، وإن نقل ذلك أعظم من نقل سائر الأخبار من سائر أخبار الأنبياء والعلماء والملوك والزهاد. وكذلك حجه؛ فإنهم كلهم متفقون على ما تواتر عنه من أنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي التي تسمى حجة الوداع، وإنما عاش بعدها نحو ثلاثة أشهر.
إنه لما حج، أمر أصحابه كلهم -إلا من ساق الهدي منهم- إذا طاف بالبيت وبين له أن يحل من عمرته، ويتحول إلى التمتع؛ لأنهم كانوا خرجوا قارنين، فأمر كل من لم يسق الهدي أن يتحول من القران إلى التمتع. قال إنه لم يعتمر هو ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه بعد الحج إلا عائشة وحدها، وإنه هو نفسه لم يحل في حجته، ولا أحد ممن ساق الهدي معه، وإنما اشتبه على بعض ألفاظه أو بعض الأمور التي تخفى على أكثر الناس. فهو ﷺ ما أحل من العمرة، وهذا متفق عليه.
قال وكان الصحابة يقرون بتمتع رسول الله ﷺ، أي أنه قارن بين عمرة الحج، وهذا ذكرناه سابقاً في بعض كتب الفقه؛ أن السلف بعضهم كان يقول إن النبي ﷺ تمتع، ويقصون بالتمتع القران، فكلمة التمتع كانت أحياناً تستعمل بمعنى حج القران. فضل بعضهم وبعض الناس أنهم أرادوا أنه أخر الإحرام بالحج إلى أن قضى العمرة، اللي هو التمتع المشهور. وقال بعض الصحابة إنه أفرد الحج، فظن بعض أنه حج واعتمر بعد الحج، وهذا لم ينقله أحد من العلماء، بل اتفقوا على أنه لم يعتمر بعد الحج كما يروى عن بعضهم. وروى بعض الصحابة أنه قرن، فظن بعض الناس أنه قرن، يعني أنه طاف طوافان وسعى سعيين، وهذا لم ينقله أحد عنه.
قال وكان من أسباب غلط كثير من الناس أنهم كانوا يستعملون في تلك الألفاظ معانٍ غير ما استعملته فيها الصحابة، فقد غلط بعض الناس على بعض الصحابة. وما فعله في الحج مشهور، فهو متواتر لم يختلف فيه النقل ولا علماء النقل. ومن تدبر هذه الطريق أفادته علماً يقينياً قطعياً بصحة هذه الآيات عن محمد ﷺ، وكذلك الطرق المتقدمة؛ فإن قد ذكرنا أن ما كان الناس أحوج إلى معرفته، يسر الله دلائله للناس، أعظم من تيسير غيره. حاجة الخلق إلى تصديق الرسول أشد من حاجتهم إلى جميع الأشياء؛ إذ بذلك تحصل سعادتهم في الآخرة ونجاتهم من العذاب، وبه يحصل صلاح العباد في المعاد والمعاش.
الطريق الخامس أن نقول: ما من صنف من أصناف العلماء إلا وقد تواتر عندهم من الآيات ما فيه كفاية؛ فكتب التفسير مشحونة بذكر الآيات المتواتر ذلك فيها، وكتب الحديث مشحونة بذكر الآيات المتواتر ذلك فيها، وكتب السير والمغازي والتواريخ مشحونة بذكر الآيات المتواتر ذلك فيها، وكتب الفقه مشحونة بذكر الآيات المتواتر ذلك فيها، وإن لم يكن هذا مقصوداً منها، وإنما المقصود الأحكام، لكنه في ظن ما يرونه من الأحكام يروون ما في الآيات مما هو متواتر عندهم، وكتب الأصول والكلام مشحونة بالآيات المتواتر ذلك فيها.
هو يريد أن يقول في الطريق الخامس إن معجزات النبي ﷺ وآياته مبثوثة في مختلف العلوم الشرعية، ليس في علم واحد؛ فتجد في كتب السيرة ذكراً لمجموعة من الآيات، وفي كتب التفسير ذكراً لمجموعة من الآيات، وفي كتب أصول الفقه ذكراً لمجموعة -مع أن أصول الفقه أصلاً ليست من اختصاصه ذكر المعجزات ومع ذلك تجد فيها جزءاً من ذلك- فهذا انبثاث الآيات والمعجزات عند جميع أصناف العلماء مما يؤكد صحة هذه الأخبار ودلائلها.
قال نقل كل طائفة من هذه الطوائف يفيد العلم، فكيف بما ينقله كل طائفة من هذه الطوائف؟ وهذه الطريق وغيرها، مثل طريق الإقرار والتصديق، وطريق التواتر المعنوي، وطريقة تصديق أهل الحديث والعلم بها، وغير ذلك، يستدل بها تارة على تواتر الجنس العام للآيات الخارقة للعادة، وهذا أقل ما يكون. ويستدل بها على تواتر جنس منها؛ كتكثير الطعام مثلاً، تجده منقولاً في كتب التفسير والسير والأصول وكذا وكذا، وكذلك تكثير الطهور والشراب. وعلى تواتر نوع منها؛ كتواتر نبع الماء من بين أصابعه بالتحديد، وتواتر إشباع الخلق العظيم من الطعام القليل. فهو ذكر التواتر العام لوجود المعجزات، ثم التواتر في جنس، ثم التواتر في نوع.
وكلما أمعن الإنسان في ذلك النظر، واعتبر ذلك بأمثاله، وأعطاه حقه من النظر والاستدلال، ازداد بذلك علماً ويقيناً، وتبين له أن العلم بذلك أظهر من جميع ما يطلب من العلم بالأخبار المتواترة؛ فليس في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات النبي ﷺ وشرائع دينه أظهر من ذلك.
قال ما من حال لأحد من الأنبياء والملوك والمشايخ من المتقدمين، وما من أقواله وأفعاله وسيرته، إلا والعلم بأحوال محمد ﷺ به أبين، ونقله أكمل وأتم. ما من علم يعلم بالتواتر مما هو موجود الآن، كالعلم بالبلاد البعيدة؛ كعلم أهل الشام بالعراق وخرسان والهند والصين والأندلس، وعلم أهل المغرب بالشام والعراق وخرسان والهند، وعلم أهل خرسان بالشام والعراق ومصر، وعلم أهل الهند بالعراق والشام، وأمثال ذلك من العلم.
أهل البلاد بعضهم بحال بعض، إلا وعلم الإنسان بحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ما هم عليه من الدين وما يقولونه عن النبي ﷺ وشرائعه، أظهر من علمه بهذا.
علمنا كل شخص كان يعيش في المغرب ومزار الشام كان يعرف وجود الشام علماً متواتراً، وكل شخص كان في الشام وعمره ما زار المغرب والأندلس كان يعلم بوجود المغرب والأندلس علماً متواتراً. فعلمنا بأخبار النبي ﷺ وأحواله تواتره أعلى من تواتر علم الشام بالنسبة للمغربي وعلم المغرب بالنسبة للمشرقي، وهذا مما يبين أنه ليس في الوجود أمر يعلم بالنقول المتواترة إلا وأيات الرسول وشرائعه عليه الصلاة والسلام تعلم بالنقول المتواترة، أعظم مما يعلم ذلك الأمر تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28].
وظهوره على الدين كله بالعلم والحجة والبيان إنما هو بما يظهر من آياته ﷺ وبراهين نبوته، وذلك إنما يتم بالعلم مما ينقل عن محمد ﷺ من آياته التي هي الأدلة، وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالآدلة. إظهار الله دين محمد ﷺ هو إظهار لأمرين: للدليل والمدلول؛ أظهر أدلة النبوة وأظهر مدلولاتها وهي الشرائع التي أتى بها النبي ﷺ. فالله أظهر كلا الأمرين: أدلة النبوة والتشريعات التي هي المدلول والمقصود، فهذا قد أظهره الله علماً وحجة وبياناً على كل دين كما أظهره قوة ونصراً وتأييداً بالسيف.
وكما أنه ما من دليل عقلي يستدل به على مدلول إلا والأدلة على آيات الرب أكبر وأكثر، ففي باب الحجاج العقلي ستجد أن أكثر الأدلة العقلية تدل على الله سبحانه، فكذلك في جنس النبوة أكثر الأدلة النقلية تدل على صحة النبي ﷺ، كما أنه في الأدلة العقلية أكثر الأدلة تدل على الله عز وجل ووحدانيته.
قال: إن العلماء قد صنفوا مصنفات كثيرة في الأخبار وجردوا لذلك؛ كتب في ذلك الحبر البيهقي، وقبله دلالت شيخ الحبر ابن عُمَيَد الأصاني، وقبل دلالابي الشيخ الأصاني والباقسم الطبراني، وقبلهما دلال البوت الإمام الحبر وزع الترازي، شيخ المصنف بكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، والإمام ابن أبي إسحاق، وإبراهيم الحربي، والمصنف الحافظ جعفر الفريابي، ومصنف الشيخ العالم أبو فراس بن جوزي كتاب مسمى بالوفا في فضاء المصطفى، والحافظ أبو عبد الله المقرئ في دلائل النبوة. وهؤلاء كلهم وغيرهم يذكرون ما يذكرون من الأسانيد المعروفة والطرق المتعددة في كثيرات متواترة.
منهم من يميز فيما يذكره من الحديث ما في صحيح البخاري ومسلم وما في غيرهما، وإن كان صحيحاً أيضاً كالبيهقي وابن الجزر، يحكمون على الأحاديث ويبينون الفرق بينها. ومنهم من يذكر ذلك مجملاً بإسناده، وقد يتكلم على أسانيد الطرق ويذكر تعددها من غير أن يحتاج منه أن يذكر ما رواه البخاري ومسلم. الأوائل كالبيهقي وابن الجوزي يميزون ما بين ما ورد في البخاري ومسلم وما في غيرهما، أما الآخرون فهم الذين يحكمون كأبي زرعة شيخ مسلم، وأبي الشيخ وأبي نعيم، لهم أحكام على الأحاديث.
وآخرون يذكرون ما يذكرونه معزوًا مسنداً إلى من رواه وإن لم يذكروا إسناده، كما يفعل القاضي عياض في كتابه الشفاء، ومنهم من يقرر ذلك بشهرته وطرق أخرى تبين صحته، كما يفعل كثير من النظار الذين تقل خبرتهم في علم الحديث كالقاضي عبد الجبار المعتزلي، والقاضي الماوردي، والجاحظ، والفقيه الرازي وأضعاف هؤلاء وغيرهم.
قالوا: هذه الكتب فيها أحاديث دلت على نبوته، يذكرون ما هو متواتر عنه مثل: بيعة أصحابه له في الحديبية، ورجوعهم ذلك العام، وفتح خيبر، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة. هؤلاء يذكرون دلائل النبوة أكثر من ذكرهم لتفاصيل حياته عليه الصلاة والسلام، مثل حجة الوداع، وعمرة الحديبية، وحصار أهل الطائف، وفتح مكة، وغزوة النصارى، ورسالة جيش مؤتة، وإرسال بكر الأمير عن الحسن سنة تسع، وهجرته مع أبي بكر.
ومثل ما تواتر عنه أنه كان يصلي بالمسلمين يومي العيدين: الفطر والأضحى بالمصلى خارج المدينة، لم يكن يصلي العيد في مسجده إلا مرة، نقل عنه أنه صلى في المسجد لأجل مطر، ولم يكن في عهده يصلي أحد بالمدينة صلاة العيد إلا خلفه، ولم يكن يصلي صلاتي عيد في عهده وإنما كانت صلاة واحدة، وعهد أبي بكر وعمر وعثمان. وأول من فعل صلاتي عيد علي بن أبي طالب لما كثر الناس، وضعوا أقواماً عن الخروج إلى الصحراء فاستخلف من يصلي بهم في المسجد.
وكما تواتر أنه كان يصلي الجمعة بأذان وإقامة، لا يؤذن لها إلا إذا قعد على المنبر، وكذلك الأمر على عهد أبي بكر وعمر، فلما كان في أثناء خلافة عثمان كثر الناس وأمر بالنداء الثالث على دار قريبة من المسجد من جهة المشرق يقال لها الزوراء، والأذان الثالث هو الأذان الثاني الذي نسميه اليوم. وكما تواتر أن مسجده بناه باللبن وسقفه بجذوع النخل، وكانت حجرات أزواجه قبل المسجد وشرقية، فلما كثر الناس زاد فيه عمر ثم زاد فيه عثمان وبناه بالقصب والحجارة، ثم في إمارة الوليد بن عبد الملك أمر نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري الحجر ويزيد في المسجد، فدخلت حجرة عائشة التي دفن فيها هو وأبو بكر وعمر في المسجد، وإنما كانت في حياته خارج المسجد، وقال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وكما تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، بل تواتر عند أهل العلم تروكه المشهورة كما تواترت أفعاله المشهورة، أي التواتر في الأفعال والتروك. ولكن التواتر في الآيات -يريد أن يقول- أعلى من تواتر كل هذه الأمور، يعطيك أن هناك أفعالاً مشهورة متواترة وطرقاً مشهورة وصلت للتواتر، لكن تواتر آياته ومعجزاته أعلى من كل هذه التواترات.
المشهورة كما تواترت أفعاله؛ فتواتر عنه أنه لم يكن يؤذن للعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء، وأنه صلى في كسوف الشمس في المسجد صلاة طويلة، الركعتين في كل ركعة ركوعان، وأنه كان يطوف بالبيت سبعة، ويصلي ركعتين عقب الطواف، وأنه كان يسعى بين الصفا والمروة سبعاً إلى آخره.
وتواتر أنه كان يواصل الصيام وينهى أصحابه عن الوصال ويقول: «إني لست كهيئتكم»، وأنه لم يفرض صوماً إلا شهر رمضان، وأنه لم يفرض الحج على المستطيع إلا مرة في العمر، وأنه فرض الصلوات الخمس على كل بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء، وأنه منع الحائض والنفساء من الصوم والصلاة، وكانت الحائض تؤمر بقضاء الصوم وتؤمر بقضاء الصلاة. وأمر بالاغتسال من الجنابة للصلاة، وأمر بالوضوء لمن بال أو تغوط أو خرج منه ريح أو مذي، ورخص في الاستجمار بثلاثة أحجار إلى آخره.
وأنه لم يجمع المسلمين لا على سماع كف ولا دف ولا رقص ولا صعق كما يفعله الصوفية، لا هو ولا أصحابه عند سماع القرآن، بل كانوا توجل قلوبهم وتقشعر جلودهم وتدمع أعينهم. وأنه لم يكن على عهده ولا عهد خلفائه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي امرأة مطلقة تعاد إلى زوجها بنكاح يقصد به التحليل ظاهراً، بل لعن المحلل والمحلل له؛ لأن ذلك ربما فعل سراً. وأنه أمر بعيادة المريض وتشييع الجنائز، وأنه كان يصلي على الميت وكان يكبر عليه أربع تكبيرات. وأنه حرم كل مسكر، وحرم بيع الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين، وأنه أمر بصدقة الفطر صاعاً من تمر وصاعاً من شعير، وأنه أباح الدواء وقال: «تداووا عباد الله».
وكذلك ما تواتر عنه من أحاديث سوى ما في القرآن من صفة الجنة والنار، وذكر العرش والملائكة والجن، وإرساله إلى الثقلين، وما ذكر من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وما أخبر به من فتنة الإنسان في قبره ومن عذاب القبر ونعيمه، ومن دخول من يدخل النار من أهل الكبائر وخروجهم من النار بشفاعته وشفاعة غيره، وما ذكر من حوضه، وما أخبر به من رؤية الله يوم القيامة. وما تواتر عنه من أنه كان يرسل رسلاً إلى الملوك يدعوهم إلى الإيمان بالله وبما جاء به، كما أرسل إلى ملوك اليمن والشام ومصر والعراق، وإلى ملوك المشركين واليهود والنصارى.
وما تواتر عنه من أنه كان يركب الخيل والإبل والبغال والحمير، وأنه رجم الزاني المحصن مرة بعد مرة، وأنه كان يصلي في السفر الرباعية ركعتين ركعتين، وأنه بعرفة ومزدلفة يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وأنه كان بمنى يصلي ركعتين ركعتين، وأنه في حجة الوداع أمر المسلمين كلهم أن يحلوا من إحرامهم، كما ذكرنا بأن شهر رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة.
وأنه كان له أربع بنات وثلاث بنين، وكان يكنى بكنية أولاده أبي القاسم فيدعى بأبي القاسم صلى الله عليه وسلم، وأنه تزوج ابنتي أبي بكر وعمر، وزوج عثمان ابنتيه، وزوج علياً ابنته، وأنه آمن به من أعمامه حمزة والعباس، ولم يؤمن أبو لهب ولا أبو طالب مع أن أبا طالب كان يحوطه ويذب عنه، وأنه استخلف أبا بكر أن يصلي بالناس لما مرض وثقل عن الصلاة، إلى غير ذلك.
وأنه كان من خواص أصحابه العشرة المبشرون بالجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأنه بايعوا تحت الشجرة ألف وأربعمائة، وأن لما قدم المدينة بنى مسجده وكان في شماله صفة يأوي إليها العزاب، وأن المهاجرين والأنصار كلهم أسلموا، وأن المهاجرين آذاهم الكفار أذى عظيماً. يريد أن يقول لك: كل هذه الأخبار متواترة بالنسبة لنا. وأنه كان يخطب يوم الجمعة قبل الصلاة، ويخطب في العيد بعد الصلاة، وكان يؤذن للجمعة والصلوات الخمس ولا يؤذن للعيدين. وكما تواتر عنه وعن خلفائه أنهم لم يكونوا بمنى يصلون صلاة العيد بل يرمون جمرة العقبة وينحرون، كما أمر أهل الأمصار أن يصلوا ثم ينحرون. إلى أمثال هذه الأمور مما هي متواترة عند كل من كان عالماً بأحواله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو متواتر عند جميع الأمة، ومنها ما هو متواتر عند جمهورها.
قال: ليس من شيء إلا وتواتر آياته وبراهينه التي لم تكن في القرآن أعظم من تواتر هذه الأمور. كتبت مصنفة في آيات وبراهين خارج القرآن فيها من الحديث أضعاف وأضعاف ما وجدت فيه هذه الأمور، بل في كل صنف من أصناف آياته من الأحاديث أضعاف ما يوجد في مثل ذلك، تواتر إخباره بالغيوب المستقبلة، وتواتر تكثيره الطعام والشراب. فالأحاديث متواترة في مثل هذه الأنواع أكثر من الأحاديث المتواترة في مثل تلك الأمور التي هي متواترة، ولهذا كانت شهرة هذه الأمور في الأمة عند أهل العلم بأحواله أعظم من شهرة كثير من الأمور. المقصود هنا أن تواتر أنواع آيات مستفيضة في الأحاديث أعظم من تواتر أمور كثيرة يذكرها العلماء، أو علماء أهل الحديث، وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن، لأن الآيات المتواترة في القرآن؛ يعني آيات النبوة المتواترة في القرآن هذه تواترها أعظم شيء.
وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن؛ فإن تلك قد تجرد لها طوائف من المسلمين، ذكر أنواعها وصفاتها ما هو مبسوط في غير هذا الموضع. حتى بين العلماء في القرآن من آياته تزيد على عشرات الألوف من الآيات، وهذا غير ما في كتب أهل الكتاب من الأخبار به، وهذه الأجناس الثلاثة غير ما في شريعته التي بعث بها، وغير صفات أمته، وغير ما يدل من المعرفة في سيرته وأخلاقه وصفاته وأحواله، وهذا كله غير نصر الله وإكرامه لمن آمن به وعاقبته وانتقامه ممن كفر به، كما فعل الأنبياء متقدماً في تعداد أعيان النبوة مما لا يمكن بشراً أن يحافظ به؛ إذ كان الإيمان به واجباً على كل أحد.
قال: فيبين الله لكل قوم، بل لكل شخص، آيات، لما لا يبين لقوم، كدلالات وآياتها أعظم وأدعى على كل مدلول، ولكل قوم بل لكل إنسان من دلائل معينة التي يريد الله إياها في نفسه وفي الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. والضمير في ذلك عائد إلى القرآن عند المفسرين والسلف وعلماء عامة الأمة وعامة العلماء.
تجد مثلاً، زي ما حكينا في درس البارحة في الأنعام، تجد مثلاً عند علماء الأحياء من أدلة وجود الله ما لا يعرفه علماء الفيزياء، وعند علماء الفيزياء من أدلة وجود الله ما لا يعرفه علماء الشريعة حقيقة، ومن علماء الشريعة عندهم الأدلة؛ لذلك يقول الله عز وجل جعل لكل قوم من أصناف الأدلة الدالة على وحدانيته ما لا يعرفه من لا يشتغل بصنعتهم، فكذلك في هذه البراهين.
قال: قيل إن الضمير عائد إلى الله، والصواب الأول كما قال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ﴾ [فصلت: 52]. والصواب الأول أن الضمير في ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يعود على القرآن، هكذا يرى شيخ الإسلام. قال: والصواب الأول كما قال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ﴾ وهذا هو القرآن، ثم قال بعد ذلك: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]، فأخبر أنه سيري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العيانية المشهودة المعقولة ما يبين أن الآيات القرآنية المسموعة المتلوة حق، فيتطابق العقل والسمع، ويتفق العيان والقرآن، ويتصدق المفعولات بالخبر، وإذا كان القرآن حقاً، لازم يكون الرسول الذي جاء به صادقاً، وأن الله أنزله، وأنه يجب تصديق ما أخبر به والطاعة لما أوجبه وأمر به، وذلك تضمن إثبات الصانع وتوحيده وأسمائه وصفاته، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، وهذه هي أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة.
فصل: وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول، لا تخص فضلاً عن أن تختص بحال دعوة النبوة أو حال التحدي كما ظنه بعض أهل الكلام، بل لا بد من آيات في حياته تدل على صدقه تقوم بها الحجة وتظهر بها المحجة. هذه قاعدة جميلة يقول لك: آيات النبوة ودلائلها ليست فقط خاصة بفترة البعثة، بل آيات النبوة ودلائلها منها ما كان قبل مولده، ومنها ما كان في حياته قبل بعثته، ومنها ما يكون بعد مماته عليه الصلاة والسلام، فهي دائرة واسعة جداً.
قال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة». وقد قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 1-2].
طبعاً هو الآن يذكر الشاهد الذي يريده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: 5-6]. نعم، موطن الشاهد: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [إبراهيم: 9].
هذا هو الشاهد للحديث: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر»، وهنا أيضاً سورة إبراهيم تؤكد ذلك أن كل الأنبياء السابقين لا يعلمهم إلا الله وكلهم جاءتهم رسلهم بالبينات، بالآيات الدالة على صدقهم. هذا موطن الشاهد. ابن تيمية الله يرضى عنه جاب الصفحة كاملة، صفحة ونصف.
قال: ﴿فَأَخْبَرُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فعلم أنهم جاءوا بالبينات. قال: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [فاطر: 25] أيضاً في الآية التي بعدها. وكلاً ضربنا له الأمثال، فأخبر سبحانه بضرب الأمثال لجميع هؤلاء الذين أرسل إليهم وأهلكهم، فلم يعاقبهم إلا بعد أن أقام عليهم الحجة، وكأنه جعل الأمثال هي الحجج التي يقيمها الله. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 109]. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، فأخبر أنه لم يرسل إلا رجالاً يوحى إليهم، لم يرسل إليهم ملائكة ولا نساء، وأنه أرسلهم بماذا؟ بالبينات.
أيضاً في الآية التي: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [فاطر: 25]. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، ثم أخبر أن الذين من قبلهم جاءتهم رسل بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. وهذا من عطف الخاص على العام، اختصاصه بوصف يختص به، كقوله: ﴿مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، فإن الزبر هي أصلاً من البينات، عطف الخاص على العام يقصد به في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، فالزبر عطفها على البينات من عطف الخاص على العام لأنها من جملة البينات، والكتاب المنير هو أيضاً من الزبر، ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ كله عطف خاص على عام، وهو كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8]، فإن الهدى من جنس العلم والكتاب المنير من جنس الهدى.
قال: بين أنه أهلك الذين كفروا بهم، وهذا بين الفعل للفاعل فقال: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، وهذه سورة مكية، ثم أنزل في آل عمران في سورة مدنية في سياق الآيات التي فيها تسلية الرسول المؤمنين بها وتثبيتهم وتعزيتهم بما أصابهم من المكذبين أحد وغيره، فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 172-175]، أي يخوفكم أولياءه كما قال جمهور العلماء.
ثم قال: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 176]، وسياق الكلام يبين أن الكفار لا يضرون الله ولا عباده، بل ضرهم على أنفسهم، وأن ما حصل لهم من نعمة إنما هم استدراج وإملاء من الله لهم. ثم قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] إلى آخر الآيات، ثم أتبعها بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: 183].
قل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]. فإن كذبوك فقد كُذِّب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير. هو يريد أن يحكي لك أن هذه الآية «جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير» وردت في سورتين: في سورة مكية وهي فاطر وذاك سياقها، وفي سورة مدنية وهي آل عمران وهذا كان السياق السابق لها. وقضية أنه بالبينات، فبيّن سبحانه أن هذا القول منهم مع أنه كذب، فلم يقولوه إلا دفعاً للحق؛ قولهم إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، والعياذ بالله.
قال: لا ليؤمنوا بمن جاءهم بذلك، إذ قد جاءهم الرسل من قبل بالآيات البينات والقرآن الذي تكره النار. مع هذا، قولهم إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، هذا القول مع أنه كذب فلم يقولوه إلا دفعاً للحق، لا ليؤمنوا بمن جاءهم بذلك. قل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183].
وكان في مثل هذا الجنس الذي يوالي بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً كاليهود الذين هم على دين سلفهم الذين فعلوا ذلك، ولهذا ذم صيغة الإخطار قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 50]، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]. فالخطاب لجنس بني إسرائيل وإن كان الذين عاينوا ذلك ماتوا، ثم قال: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]، فحذف هنا الفاعل، بين الفعل والمفعول، إذ المقصود هنا تعزية الرسول.
من آيات الأنبياء إهلاك الله للمكذبين ونصره للمؤمنين بهم، فهذا من عالم نبوتهم ودلائل صدقهم، كإهلاك الله تعالى قوم نوح لما كذبوه، وإهلاكه قوم عاد بالريح الصرصر، وإهلاك قوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالظلة، وهلاك قوم لوط بقلب مدائنهم ورجمهم. وقد ذكرت هذه القصة في القرآن في غير موضع؛ بين أنها من آيات الأنبياء الدالة على ما ذكر لما ذكر قصصهم، فانتصارات الأنبياء هي أيضاً من دلائل النبوة؛ هي من علامات نبوتهم ودلائل صدقهم.
قرأنا في ذلك الآية، لذلك كان الله عز وجل في نهاية قصة كل نبي من الأنبياء في سورة الشعراء لما يعطيك الختام الذي حصل مع قومهم، يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: 8]، كذلك في قصة إبراهيم وفي قصة نوح. ومن ذلك ما جعله من اللعنة الشائعة لمن كذبهم ومن لسان الصدق بالثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم، ومن ذلك من أعلام النبوة ومن دلائل النبوة أن الله سبحانه وتعالى جعل اللعنة على المكذبين على ألسنة الناس، وجعل لسان الصدق والثناء على الرسل وأتباع الرسل، كما قال تعالى في نوح: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: 78]. أي تركنا عليه الثناء الحسن، كما ذكر ذلك بعض المفسرين، وكما قال في قصة إبراهيم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: 108]، أي تركنا هذا القول الذي يقوله المتأخرون. وكذلك في قصة موسى وهارون: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الصافات: 120]، ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]. وكذلك قصة إبراهيم قال: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 49-50]. لسان الصدق الذي هو الثناء عليهم المستمر. وقال في قصة فرعون في المقابل: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42].
واليوم تجد بعض الناس تعمل لهم متاحف، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]، فأخبر أن العاقبة للمتقين، النصر والثناء الحسن وما شابه ذلك. ثم إنه ما وقع لهؤلاء ولهؤلاء تارة يعلم بالسمع والنقل، ويعلم بالعقل والاعتبار بآثارهم تارة. كما قالوا عن أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10].
فما ذكر من انتصارهم في قوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41]. ثم قال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ ۖ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 42-45]. فهذا دليل النقل على ما وقع لأهل الإيمان وما وقع لأهل الكفر. ودليل العقل قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ۖ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 36-37]. فهذا كلام عن العقل.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9]. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: 21]. شوف كيف ربنا عز وجل يأمرنا أن نستدل بهذا.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: 82]. أيضاً وقال لما قص قصص نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهَا عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [هود: 100-101]. ولما ذكر قصة لوط قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137]. كل هذا أمر بالاعتبار والاستدلال بهذا على مصير المكذبين وعلى مصير المؤمنين. وفي سورة الحجر: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ [الحجر: 75-76]. وفي قصة صالح: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: 78-79]. قال كثير من المفسرين أي في طريق واضح لكم يا قريش، وأنتم تذهبون في رحلة الشتاء والصيف ترون قوم لوط وترون قوم صالح، فهذه كانت معروفة لديهم أماكنهم. فبيّن سبحانه أن هذه وهذه كلاهما بسبيل الناس، أي بطريقهم يرونها بأبصارهم فيعلمون بذلك ما فعل الله بمن كذب رسله وعصاهم.
ودلائل نصر الله للمؤمنين وانتقامه من الكافرين على صدق الأنبياء هي من جنس دلالة الآيات والمعجزات على صدقهم، هذه مثل هذه. فكون هذا فعل لأجل هذا، وكون ذاك سبب هذا هو مما يعلم بالاضطرار عند تصور الأمر على ما هو عليه، كانقلاب العصا حية عقب سؤال فرعون الآية، وانشقاق القمر عند سؤال مشركي مكة. فكون نزلت صيحة على قوم ثمود ونزلت ريح على قوم عاد، يعلم أن هذا بسبب كفرهم، وأن بالتالي هوداً كان نبياً وصالحاً كان نبياً، هكذا يفكر العقل الإسلامي.
والسؤال المشهور الذي يرد في هذا الموضع على قول من ينفي التعليل في أفعال الله أو يجوز على الله فعل كل شيء، اللي هو على طريقة الأشاعرة، حيث قيل لهم: على أصلكم لا يفعل الله شيئاً لأجل شيء، على أصل الأشاعرة ينبغي أن يكون أن الله لا يفعل شيئاً علة لشيء، وإنما يفعل هكذا لأنه يريد أن يفعل هكذا يقولون. وحينئذ فلم يأتِ بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسل -هكذا سيكون على أصلكم- ولا عاقب هؤلاء الكافرين لتكذيبهم بالرسل، ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم بالرسل؛ إذ كان لا يفعل شيئاً لشيء عندكم وعلى معتقدكم أيها الأشاعرة. وقالوا لهم أيضاً: إذا جوزتم على الرب كل فعل أن يفعله، حتى لو كان فيه ظلم بحجة أنه يفعل ما يشاء، جاز أن يظهر الخوارق على أيد الكاذبين. ويقال لهم أيضاً: أنتم لا تعلمون ما يفعل الرب إلا بعادة أو خبر الأنبياء.
فقبل العلم بصدق النبي لا يعلم شيء بخبره، والعادة إنما تكون فيما تكرر كطلوع الشمس ونزول المطر ونحو ذلك، والإتيان بالخارق للتصديق بالنبوات ليس معتاداً، فبالتالي لن يحصل عندكم العلم. يقول لهم: أنتم لا تعلمون ما يفعل الرب إلا من خلال عادة أو خبر الأنبياء، فقبل العلم بصدق نبي لا يعلم شيء بخبره لأنه لسه ما ثبت صدقه، فأصبح الأمر متوقف على العادة، والعادة كيف تكون بشيء يتكرر حصوله مرة بعد أخرى كطلوع الشمس ونزول المطر، والإتيان بالخارق للتصديق هذا ليس معتاداً، فبالتالي كيف ستعرفون صدق النبوة؟
هذا سؤال كان متوجهاً فيما يقدح في قول هؤلاء الذين يقولون لا يفعل شيئاً لأجل شيء، ويجوزون عليه فعل كل شيء، ولا ينزهونه عن فعل من الأفعال وليس بقبيح أو ظلم إلا ما كان ممتنعاً مثل جعل الشيء موجوداً معدوماً أو جعل جسم في مكانين. ولهذا ذكر ذلك مخالفوهم في حجة في إبطال مذهبهم؛ قالوا قولكم يقدح في العلوم الضرورية ويسد باب العلم بصدق الأنبياء. قالوا إذا جوزتم أن يفعل كل شيء فجوزوا أن تكون الجبال انقلبت ياقوتاً والبحار لبناً ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة بطلانه، وجوزوا أن يخلق المعجزات على يد الكاذبين. وليس المقصود هنا الجواب عن هؤلاء ولا بيان فساد قولهم، ولكن المقصود أن هذا السؤال إن كان متوجهاً فإنما يقدح في قولهم، لا يقدح في علمنا بالقرآن ودلالات الآيات المذكورة على حال هؤلاء وهؤلاء، والله عز سبحانه وتعالى نجى موسى ونصره لصدقه ونبوته وإيمانه وأهلك فرعون لتكذيبه، وكذلك نصر محمداً ومن اتبعه على من كذبه من قومه، ونصر نوحاً على من كذبه، ونصر المسيح على من كذبه، ونصر الرسل وأتباعهم المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
كما لا يقدح فيما عُلم بالاضطرار أن الله ينزل مطراً في إبانه لسقي المزارع، وأنه يسوق النيل لسقي أرض مصر، وأنه جعل أعضاء الإنسان لما فيها من منافع كالبطش باليدين والمشي بالرجلين والنظر للعينين وسمع الأذنين ونطق اللسان، وجعل ماء العين مالحاً لكونه شحمة والملوحة تمنعها من أن تذوب، وماء الأذن مراً ليمنع الذباب من أن يلج في الدماغ. وماء الفم عذباً ليطيب الطعام والشراب، وجعل ماء البحر مالحاً لبقاء الأنام؛ فإنه لو كان عذباً لأنتن ما يموت فيه من الحيوان العظيم فيفسد الريح فيموت الآدميون والبهائم بهذه الريح. هذا إلى ما لا يحصل من حكمة ما شهد في خلقه وفات عليه. يقولون نحن نعلم أن هذا مقال لهذا بحكم العادة التي أجراها الله، ولم يخلق شيئاً إلا شيء، وكذلك ما نفى الأسباب مع نفس التعريف أيضاً يقولون نحن نعلم أنه يخلق هذا عند هذا، نبيه فاقتران المعجز للتصديق من هذا الباب عند الأشاعرة، هم يقولون إن الله يخلق الشيء عند هذا الشيء وليس به؛ لأنهم ينفون السببية. فاقتران المعجز من هذا الباب عندهم، لكن يبقى عليهم أن هذا لا يعلم إلا بالعادة، ولا عادة لاقتران المعجز بالتصديق، تمام من هذا الباب عندهم.
إن الله يخلق التصديق فيك عند حصول هذا الشيء، لا به. وكذلك من نفى الأسباب مع نفي التعليل يقول: نحن نعلم أنه يخلق هذا عند هذا لا به. فاقتران المعجزة بالتصديق بالنبي من هذا الباب عندهم، لكن يبقى عليهم أن هذا لا يعلم إلا بالعادة.
بالعادة، حصول هذا الشيء الخارق للعادة يدل على صدق النبي. حصول هذا الشيء الخارق يدل على الصدق، هل هذا شيء معتاد ولا نادر؟ يقولوا هذا الشيء نادر أن تحصل مثل هذه الأمور، فلا عادة عندكم. كون السكين إذا عملت كذا بتقطع هذا بالعادة، كون النار إذا حطيتها على شيء بتحرق هذا له آلاف الشواهد فأصبح عادة، لكن كون خروج ناقة من الصخر تدل على صدق صالح عليه السلام هذا مش شيء معتاد، مش شيء مشاهد إلا لكل فترة زمنية طويلة جدا لتراه مرة، فبالتالي ما عاد في عادة، فهذا الذي سيشكل على قولكم هنا.
من ينفي التعليل لا ينفون تأثير الأسباب. هو قال نعم في نفي التعليل وفي نفي الأسباب، وفي التعليل؛ هذا لا أعرف، قد يكون بعض الأشاعرة، بعض الفرق، بعض الرجال لهم فرقة معينة بهذه الطريقة، أنا حالياً لا أعرف. لكن هو كما تفضلت ذكر فرقتين: من ينفي التعليل لكن يثبت الأسباب، ومن ينفي الأمرين معاً، قد يكون هذا قول لبعضهم.
قال: «فلا جرم رجعوا إلى فطرتهم؛ لأن هذا أمر معلوم بالطرائق وإن كان مناقضاً لأصلهم الفاسد». ضرب ذلك مثلاً بالملك الذي أظهر ما يناقض عادته لتصديق رسوله. وهذا كثير ما يحصل في الفكر الأشعري عموماً. ولذلك أنا قلت لكم دائماً في أصول الفقه؛ مش جاي أقول لكم أنه في التأصيل ايش يقولوا لك ما في علل، لكن لما يجي لباب القياس، ما هو كله علل، ما هو شو بتعمل أنت في القياس؟ بقول لك لا هي مش علل، هي إمارات وكذا، وهو نوع من الفذلكة شوي في اعتقادي، وفي النهاية هو نوع من الأقيسة، وأنت بتقول لي قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه، وأنتم أساتذة هذا العلم، الغزالي والرائهم أساتذة هذا العلم، علم القياس، من أكابر من تكلم فيه.
فبقول لك في النهاية إذاً لا جرم أن الأشعرية سيرجعون إلى فطرتهم لما ينظروا في المعجزة وأنها تدل على صدق النبي، يعني سيتركون أصلهم الفاسد الذي يؤصلونه في باب العقائد وهو أنه نفى التعليل والسببية، سيتركون أصلهم الفاسد ويعودون إلى ما تشهد به الفطرة، أن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، بغض النظر عن أي فذلكة تأصيلية أخرى. وضربوا لذلك مثلاً بالملك الذي أظهر ما يناقض عادته لتصديق رسوله.
طبعاً هنا بشكل عام ابن تيمية عادة ما كان يرد على الباقلاني؛ لأن كتابه في المعجزة والفرق بين المعجزة والسحر، فكان مهتماً ابن تيمية يرد على الباقلاني في كتابه في الفرق بين المعجزة والسحر لأنه لم يحرر المسألة إلا على طريقة الأشاعرة الباقين.
قال: «لكن يقال الملك يفعل فعلاً مقصوداً، فأمكن أن يقال إنه قام يصدق رسوله وأنتم عندكم لا يفعل شيء لشيء، فلم يبقَ المثل مطابقاً لهذا». صاروا المطالبين في هذا الموضوع يقولون: المعجزة دلت على الصدق، وإلا لا يفضي إلا أن يعجز الرب، فإنه لا دليل على صدق إلا خلق المعجزة، فلو لم يكن دليلاً لزم أن يكون الرب غير قادر على تصديق الرسول الصادق. وهذه طريقة أشعرية في كتب أصحابهم، وسلك القاضي أبو بكر -يقصد الباقلاني- أحياناً هذا المسلك.
قال: أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكر أبو محمد اللبان، وأبو عري بن شذان، والقاضي أبو يعلى وغيرهم. والثاني قالوا: نحن نعمل بالاضطراري، يعني هو فعل هذا لأجل التصديق كالمثل المضروب، وهذا هو القول الآخر وهي طريقة أبي الحسن الأشعري في إمالته، هي طريقة أبي المعالي واتباعه كالرازي وغيره. وتنازعوا هل يمكن خلق ذلك على يد كذاب؟ فقيل: لا يمكن، إنه لو أمكن لجاز وقوعه. وقيل: بل هو مقدور لكن نعلم أنه لا يفعله، كما نعلم أنه لا يفعل كثيراً خوارق ولا مقدورات كقلب الجبل ياقوتة والبحر زئبقاً. فقالوا: نحن نجوز أشياء أو نعلم بضرورة أنه لا يفعلها، فلا يلزم من كونها مقدورة ممكنة إلا أن نعلم انتفاء وقوعها، بل قد نعلم عدم وقوعها بالضرورة، وإن كنا نقول إنها ممكنة مقدورة. وظهور المعجزات على يد الكذاب في دعوى النبوة من هذا الباب عندنا.
وقالوا: «المعجزة علم على صدق الأنبياء»، فين يكون الدليل غير مستلزم للمدول عليه؟ وهذا القول حق، لكن منازعهم يقولون: هو يستلزم نقيض ما نفوه من كون الله يخلق شيئاً لشيء، ويخلق شيئاً بشيء. يعني يستلزم نقيض ما أصلتموه في أصولكم العقدية من كون الله يخلق شيئاً لشيء.
قال: وما قالوا من كونه يجوز عليه فعل كل شيء، وما ذكروه من الحق دليلاً على أن الخلق يعلمون ما يعلمونه من حكمة الرب، ومراده بما يخلقه لأمر آخر. قولنا سبحانه على أن يفعل أشياء لا يجوز كل شيء؛ هم يقولون هنا قد يكون شيء ممكناً جائزاً ما أنه غير واقع، كقلب الجبل ياقوتاً، وموت أهل البلد كلهم في لحظة، ومصير الأطفال علماء وحكماء في لحظة واحدة.
وعلى هذا الجواب يعتمدون كثيراً، كما يذكرون القاضي أبو يعلى والرازي وغيرهم، ثم إنهم يقولون في العقل إنه علوم ضرورية. لاحظ هنا كأنه ذكر أبو يعلى معهم، خاصة أبو يعلى، أنتم تعرفون اضطراباته من مرحلة إلى أخرى.
قال: فمنهم يقولون في العقل إنه علوم ضرورية، كالعلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات وجواز الجائزات. فالممتنعات كقلب نهر دجلة دماً، وأمثل ذلك من الأمور العادية، يفجرون العادات. واجبة وامتنعة، مع أنه لا سبب يوجب ولا هذا ولا هذا، يقولون نعلم أن هذا جائز ممكن لا يتوقع. فلاحظ أنه يقول لك لما يمثل الأشياء الممتنعة يمثل بانقلاب نهر دجلة دماً، يقول هذا مش ممتنع عقلياً. يعني هم لما يجي يعرف العقل شو يقول لك العقل، هي العلوم الضرورية، من أحد تعريفات العقل أنه العلوم الضرورية تسمى عقلاً. طيب شو قصدكم بالعلوم؟
الضرورية يقولون هي الأمور الواجبة عقلاً والممتنعة عقلاً. قال: العلم بوجوب الواجبات عقلاً، وامتناع الممتنعات، وجواز الجائزات. ثم يمثلون للممتنعات عقلاً بماذا؟ قال: فالممتنعات كانقلاب نهر دجلة دماً.
فهل قول ابن تيمية: «هل هذا مثال الممتنع عقلاً؟» لا، ما هو إيش قال؟ «وأمثال ذلك من الأمور العادية، فيجعلون العادية -العادات- واجبة تارة وممتنعة أخرى»، مع أنه لا سبب يجعلها واجبة ولا هذا ولا هذا. فهو يعتقد أن هناك مشكلة في هذا التمثيل.
ففي الأعلى يقولون: قد يكون الشيء ممكناً جائزاً مع العلم أنه غير واقع، كانقلاب الجبال ياقوتاً، وانقلاب البحر زئبقاً. فماذا يجعلون هذا؟ قال: قد يكون الشيء ممكناً جائزاً مع العلم بأنه غير واقع. إذن انقلاب دجلة دماً إذاً من الجائزات وليس من الممتنعات. ويقولون: نحن نعلم أن هذا جائز ممكن، لا يتوقف على سبب ولا له مانع، ثم إن هذا واقع وهذا غير واقع لمجرد العادة.
مع أن خرق العادة ليس له عندهم ضابط، بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء، ويجوز أن يكون عندهم للولي وللساحر، والفرق بينهما عندهم التحدي وعدم المعارضة. بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء، مع أن خرق العادة ليس له عندهم ضابط، بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء، فيجوز أن يكون عندهم للولي وللساحر، والفرق بينهما عندهم التحدي أو عدم المعارضة.
أنا أظن أن المقصود بالكل: كل ما يجري من خرق العادات. المهم هو ماذا يريد أن يقول؟ أنه المشكلة في طرح أبي بكر الباقلاني للمعجزة؛ ما هي؟ أن أبا بكر الباقلاني يرى أن ما يحصل للأنبياء هو نفس ما يحصل للساحر وللولي، ما يجري على أيديهم هو نفس ما يجري على يد الولي والساحر في خرق العادات.
طيب، شو الفرق إذاً عندك بين ما يجري على يد الولي، وما يجري على يد النبي، وما يجري على يد الساحر؟ قال: الفرق عنده التحدي وعدم المعارضة. أن النبي لما أتى بخرق العادة تحدى بها ليستدل على نبوته، بخلاف الولي؛ فإنه لما خرق العادة لم يتحدَّ بها، وإنما شيء حصل للولي في خلوته في علاقته مع الله، وكذلك الساحر. وهذه مشكلة كبيرة؛ أنك جعلت معجزات الأنبياء من جنس ما يحصل للسحرة ومن جنس ما يفعله الأولياء.
ممكن نحن نحكي إن كرامات الأولياء هي تابعة لمعجزات الأنبياء، لكن المشكلة هي: هل هناك فعلاً تشابه في جنس ما يحصل للساحر وما يحصل للنبي؟ هل فعلاً ما يحصل للساحر هو نفس ما يحصل للنبي والفرق بينهما أن النبي فقط يتحدى به لادعاء النبوة وأنهم لا يعارضونه، بخلاف الساحر فإنه لا يتحدى به للنبوة ويمكن معارضته؟ فهذا الذي يناقشه ابن تيمية مع الباقلاني.
فيقول: «مع أن خرق العادة ليس له عندهم ضابط، بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء»، أنا أعتقد هذا النص ليس صحيحاً بهذه الطريقة. يعني: «بل كل ما يجري من خرق للعادات هكذا ينبغي أن يكون معجزات للأنبياء، فيجوز أن يكون عندهم أيضاً للولي وللساحر». والفرق بين النبي والولي والساحر ما هو؟ هو التحدي أو عدم المعارضة؛ أن النبي يتحدى، لذلك إيش يعرف الأشاعرة المعجزة؟ «أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي يجريه الله على يد نبي من أنبيائه ليدل على صدقه».
قيد "مقرون بالتحدي" قيد خاطئ في تعريف المعجزة. المعجزة ليس شرطاً أن يتحدى بها، كثير من معجزات النبي ﷺ مثل قضية الأكل يوم تبوك ويوم الخندق وتكثير الطعام، ما تحدى بها أحداً. هل تحدى بها النبي ﷺ أحداً كان مع الصحابة ويأكلون فيكثر الماء لهم؟ هل كل أمر كان يفعله النبي أو يحصل معه خرقاً للعادة كان يتحدى به؟ فهذا القيد مشكل.
وإضافة الأشاعرة في تعريف المعجزة -وهو قيد غير صحيح- "المعجزة أمر يدل على صدق النبي دون الحاجة إلى قيد مقرون بالتحدي". لماذا أضافوا قيد مقرون بالتحدي؟ لكي يفرقوا بين معجزة النبي وسحر الساحر، لأنهم جعلوا معجزة النبي من نفس جنس سحر الساحر، وهذه مشكلة.
ممكن أيضاً الإشكالية أنهم اعتمدوا في كل المعجزات في نفس الوقت، هم قالوا "خرق في العادة" وما لها ضابط، يعني واضح كما ذكر؛ متى نعتبر العادة خرقت؟ هذه الخرق متى نعتبر هذه عادة أصلاً خرقت، وإلا أنها أصلاً ليست عادة؟ لأن حتى الأمثلة التي مثلتم بها عندكم تخبط؛ فأحياناً انقلاب نهر دجلة دماً مرة اعتبرتموه من الممتنعات العقلية ومرة تعتبرونه من الجائزات، لكنه ليس معتاداً. إذن يقول لهم إن في لخبطة في الأمور العقلية وفي ضبط الضوابط عندكم، فما هو ضابط خرق العادة؟
قال إنه خلص تعريف المعجزة بالحديث، وإن كان ليس حداً جامعاً مانعاً: «أمر يدل على صدق النبي دون الحاجة لربط الأمور بالطريقة هذه». ممكن هو أراد أن يفهم النص: "مع أن خرق العادة ليس لهم عندهم ضابط"، أي لا يوجد فرق عندهم واضح ما بين العادة وخرق العادة، إيش الشيء الذي هو عادة وما هو خارق للعادة؟ ما في فرق، بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء.
إنه لا يوجد عندكم ضابط أصلاً، فما وضعتموه من العادات قد نجعله من خرق العادة، ما أنت ليس عندك ضابط أصلاً. العبارة هي أن كل ما يجري من خرق العادات يكون معجزات للأنبياء، فيجوز أن يكون للولي وللساحر، والفرق بينهما عندهم التحدي أو عدم المعارضة. بناءً على عدم الانضباط في تحديد العادة، بناءً عليه كل العادات ستكون تصلح أن تكون معجزات للأنبياء. كيف يعني؟ لأنكم أصلاً خرق العادة مش منضبط عندكم، فتصبح الأمور...
ما أستطيع أن أدعو في أي عادة، أنا إذا خرقت عنها معجزة، أي عادة؟ هل أدعو بأن هذا عندي ضرب؟ هذا مش موجود، فإذا كان الشيء تحته مثلاً هو من العادات، أنا أدعو أنه من خرق العادات مع أنه في العادة عادي.
يعني قصدك أنه أي شيء هو ضمن العادات أنتم رح تصنفوه خرق عادات وبتجعلوه من معجزات الأنبياء فقط لعدم وجود ضابط لما خرق أو لم يخرق؟ أنت بتفكر بهذه الطريقة؟ شيء قريب، لأنه إذا اعتبرناها قدرة، زي ما قلت، خرق العادة هو أصلاً خرق العادة، هو يصلح أن يكون معجزة أم لا؟ وهذا هو، هو يقول لك إن أي خرق للعادة -لأنه ما في ضابط لخرق العادة- صار أي خرق للعادة سيكون هو نفسه معجزة للأنبياء، وسحر الساحرين، وولاية الأولياء، ويضبط للجميع، ورح يكون في النهاية الفرق ما هو إلا أنه هذا تحدى وهذا ما تحدى.
ما دام ليس هناك فرق عندكم، وأن كلياتها من نفس الجنس، لن يستطيع الأشعري أن يفرق بين ما يحصل على يد الساحر وبين ما يجري على يد النبي؛ لأنك أصلاً ليس عندك ضابط لخرق العادة، وبالتالي أي شيء خلاف المعتاد بالنسبة لك ستجعله من معجزات الأنبياء، ومن نفسه أصلاً كرامات الأولياء، ونفسه سحر الساحرين، والفرق بينهما عندهم التحدي وعدم المعارضة. هذا سيكون الفرق فقط، لأنك لا تملك ضابطاً. أنا أشعر أن الكلام اتجه نحو هذا الاتجاه.
ثم قال: «وكذلك متفلسفة الملحدة الذين يقولون أسباب الآيات هي القوى الفلكية، هؤلاء فلاسفة ابن سينا والفارابي، قال: والقوى النفسانية والطبيعية، وهذه كلها مشتركة عندهم بين الأنبياء والسحرة، لكن النبي يقصد الخير والعدل، والسحر يقصد الشر والظلم. وكذلك أولئك الذين وفقوا على أصل في القدر، لا فرق عندهم بين كرامات الأولياء وخوارق السحر، ولكن ولي مطيع لله وساحر غير مطيع لله، وهذه عمدة هؤلاء، فآلوا بحكمتهم والأسباب في أفعال الله تعالى، وجمهور الناس يخالفونهم، يقولون هذا قول فاسد، بل نفس تطوره كافر في العلم بفساده، فإنه إذا تماثل هذا وهذا من كل وجه فمن أين يعلم وجود هذا أو وجوبه أو عدمه؟ إذا قيل: معي مستند، قيل له: منازعوك يقولون هذا ماطئ، أحدهما أنك أنت تجوز انتقاض العادة وليس لانتقاضها عندك سبب تختص به ولا حكمة انتقضت لأجلها، بل لا فرق عندك بين انتقاضها للأنبياء والأولياء والسحرة وغير ذلك، ولهذا قلت: ليس بين معجزات الأنبياء وبين الكرامات وسحر فرق إلا مجرد اقتران الدعوة والنبوة والتحدي بالمعارضة».
قال: «مع عدم المعارضة، مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك بل ومن الساحر، فلم يثبت فرقاً يعود إلى جنس الخوارق المفعولة، ولا إلى قصد الفاعل والخالق، ولا قدرته ولا حكمته. الثاني أن العادة لابد لها من أسباب وموانع يعلم بها اضطرادها تارة وانتقاضها أخرى».
نعم، هذا من كل الوجوه. الأول أنه كذلك، على الأقل عند الأشاعرة، يكون تأليف العادة تنقض بسبب أن الله عز وجل مثلاً هنا لم يخلق المسبب بناءً على السبب. طيب، هذا يعني إذا أرادوا أن يجعلوا الله عز وجل ينقض العادة للنبي مع التحدي ولا ينقضها للولي، هذا رجع للتعليل أنه في حكمة في الموضوع، وهم ينفون التعليل في الله.
يقول لك على طريقتك يا أيها الأشعري: ما لها سبب لأنك أنت تنفي التعليل والسببية، ولا حكمة انتقضت لأجلها؛ لأنك أنت في أصلك العقدي الله يفعل لأنه يريد، فلما نقض الله العادة لفلان أو لفلان على أصلك، انتقضت دون سبب تختص به ولا لحكمة انتقضت لأجلها، بل لا فرق عندك بين انتقاض العادة للأنبياء أو انتقاضها للسحرة. ولهذا قلتم: ليس بين معجزات الأنبياء وبين الكرامات للأولياء والسحر فرق إلا مجرد اقتران دعوة النبوة والتحدي بالمعارضة.
مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك، صحيح، يعني ممكن شخص مشرك يفعل شيئاً خارقاً للعادة ويحصل عنده شيء خارق للعادة ويتحدى به. ففعلياً أنت لم تثبت فرقاً جوهرياً يعود إلى جنس الخوارق المفعولة؛ يعني الشيء الذي انتقض للنبي صلى الله عليه وسلم كاشقاق القمر وما شابه ذلك، أنت لا ترى أنه في فرق بين جنس ما يحصل على يد الأنبياء وبين ما يحصل على يد السحرة، أنت ترى ما يحصل هنا هو الجنس من حيث هو، وإنما صارت فقط القضية أنه هنا هذا ادعى وهذا ما ادعى، وهذا فرق بين الساحر والنبي، فلا فرق يعود إلى جنس الخوارق المفعولة، ولا إلى قصد الفاعل والخالق؛ لأنك أصلاً لا ترى التعليل، فلا ترى أن ما يجريه الله على يد محمد صلى الله عليه وسلم له قصد.
لأنك لا تملك تعليلاً لهذا، فأنت لا تفسر أن هذا فعل لأجل هذا، فلذلك يقول: «فلم يثبتوا فرقاً يعود إلى جنس الخوارق ولا إلى قصد الفاعل والخالق سبحانه وتعالى»؛ لأنهم عندهم الله لا يفعل شيئاً لشيء، وإنما خرق العادة للنبي عليه الصلاة والسلام فقط لأنه يريد أن ينقضها، ونقض العادة لساحر مثلاً يريد أن ينقضها، فلا فرق بين جنس ما يفعله هذا وهذا، ولا في قصد الخالق سبحانه وتعالى بين هذا وهذا، ولا في قدرته ولا في حكمته. هي المشكلة، فهم لا يؤمنون بالتعليل في أفعال الله.
بما أنه لا يوجد فرق جوهري، وبما أنه لا يوجد تعليل ولا سبب، فإنه يترتب على أصلهم أن لا فرق فعلياً بين هذه الأمور. وهذا هو الذي يريد أن يقوله: إنه لن يكون عندكم فرق، لأنه حتى الفرق الذي ذكرتموه باختصار، وهو التحدي والمعارضة، قد يفعله المشرك وقد يفعله الساحر. هل فعلاً الفرق بين معجزة النبي وسحر الساحر هو أن هنا تحدياً ومعارضة وهنا لا يوجد تحدٍ ومعارضة؟ هذا ممكن، فأفرض أن المشرك تحدى وعارض، فقد انتهى الأمر؛ فالمسيح الدجال في النهاية ماذا سيفعل؟ سيتحدى ليس على أنه نبي، بل على أنه إله. فلا، أنت في النهاية لم تصل إلى شيء، وأصبحت كلها من نفس الجنس.
قال: الثاني أن العادة لا بد لها من أسباب حتى تحصل وموانع تمنع منها، يعلم بها اضطرادها تارة وانتقاضها تارة. بهذا يظهر الجواب عما قالوه من أن انقلاب الجبل ذهباً أو البحر زئبقاً أو الناس قروداً ونحو ذلك ممكن، معلوم الجواز مع العلم بأنه لم يقع. فإنهم يقال لهم: جمهور الناس لا يسلمون لكم أن هذا ممكن إلا مع وجود أسباب وانتفاء أضداده. وحينئذ يقال لهم: لما قلتم إن هذا لا يستلزم أسباباً تكون قبله وموانع ترتفع كسائر ما خلقه الله من أمور خارقة للعادة؟ فإنه لا يحدث شيء إلا باحداث الله له بثلاثة: وجود أسباب، ودفع موانع.
مثال ذلك قال: قوم نوح لم يكن ماء وجد بلا سبب، بل أنزل الله ماء من السماء وأنبع ماء الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 11-13]. وكذلك عاد، لما أهلكهم أرسل الريح صرصراً سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6-8].
وكذلك ثمود، قال لهم صالح: ﴿يَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ [هود: 64-68].
وكل ما وجد في العالم من الخوارق والآيات وغيرها لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته، كآيات موسى مثل مصير العصا حية، كانت بعد إلقائها إما عند أمر الله بذلك لما ناداه عند رؤية النار خارقة للعادة، وإما عند طلبه لهم الآتي، وإما عند معارضة السحرة ليبطل أفاعيلهم. وكذلك سائر آياته حتى إغراق فرعون بعد مسير الجيش وضربه البحر بالعصا، وكذلك تفجر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه واستسقاء قومه وهم في برية لا ماء عندهم.
وكذلك آيات نبينا صلى الله عليه وسلم، مثل تكثير الماء، كان بوضع يده فيه حتى نبع الماء بين أصابعه، كم أي تفجر الماء بين أصابعه لم يخرج من نفس الأصابع. وكذلك البئر كان ماؤها يكثر، إما بإلقائه سهماً من كنانته فيها، وإما بصبه الماء الذي بسق فيه فيها. وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين فينفخ فيه فتطير بإذن الله، فما جبل طين يصير ياقوتاً بلا أسباب تقدم ذلك، فهذا لا كان ولا يكون. وكذلك نهر مضطرب يصبح لبناً بلا أسباب تتقدم ذلك يخلقها الله، فهذا لا كان ولا يكون. ومن قال إن شيئاً ممكن، فهذا يعنى به شيئاً؛ يعنى به الإمكان الذهني والإمكان الخارجي.
أريد أن أصل لفكرة قضية أن الشيء الممكن عقلاً، حتى الإمكان الذي تتكلمون عنه، يتوقف في نظامه على وجود أسباب. حتى المعجزات، الأشياء الممكنة لا بد لها من أسباب تحصل وموانع تنتفي حتى تحصل، وبدون هذا لم تحصل ولن تحصل. يقول حتى معجزات الأنبياء كانت أيضاً بالأسباب؛ انقلاب العصا حية ألم يكن لازماً أن يلقيها موسى حتى تصير حية؟ وكذلك تكثير الماء، حتى هذه مؤتسبة. يقول لك النظام كله يقوم على الأسباب، وأما أن تأتي وتقول لي لا، الجبل يصبح ذهباً هكذا فجأة بدون أي أسباب، أقول لك حتى معجزات الأنبياء كانت بأسباب، حتى المعجزات كانت بأسباب. فلتأتِ أنت وتقول لي لا، ما هو من الممكن في العلوم العقلية عندكم تقولون من الممكن أن يصبح الجبل ذهباً، وأن يصبح النهر لبناً فجأة هكذا بدون أسباب، أقول له ما في هذا الكلام، هذا الكلام غير موجود.
لذلك هو الآن أراد أن يعطيهم في نظرية المعرفة قضية الفرق بين الإمكان الذهني، الإمكان الذي تتخيله في ذهنك، والإمكان الخارجي، الإمكان الذي له وجود في الواقع الخارجي. يقول: فالإمكان الذهني هو فقط عدم العلم بالامتناع، أن هذا الشيء.. ماذا يعني ممكن ذهناً؟ أنني لا أعلم أنه يمتنع، عدم العلم بالامتناع، وهذا ليس فيه إلا عدم العلم أنني لا أعلم أنه ممتنع. وعدم العلم بالامتناع غير العلم بالإمكان؛ ألا تعلم الامتناع هذا شيء، وأن تعلم الإمكان هذا شيء آخر. فكل من لم يعلم امتناع الشيء في ذهنه كان عنده ممكناً بهذا الاعتبار الذهني فقط، لكن هذا ليس بعلم بإمكانه من حيث الواقع.
ومن استدل على إمكان الشيء بأنه لو قدر وجوده لم يلزم منه محال من غير بيان انتفاء لزوم كل محال، كما يفعله طائفة من أهل الكلام كالآمدي، لم يكن فيما ذكره إلا مجرد دعوى. يعني هنا قال: ومن استدل على إمكان الشيء بماذا؟ بأنه لو قدر وجوده لم يلزم منه أمر محال، من غير بيان أن يبين انتفاء لزوم كل محال. أي يريد أن يقول: ما دام كيف إنه ممكن؟ يقول: إذا قدر في الخارج لا يلزم منه محال، لكن هذا يلزم منه إذا أراد أن يقول هذا الكلام، أن يجزم أنه لا يوجد ولا محال في الخارج يترتب على الوجود. طيب أنت كيف عرفت كل المحالات؟ لا تستطيع أن تدري أنك عرفت كل المحالات وأنه كلها منتفية، أنت نفيت ما تصورتَه في ذهنك، تقول بأنه لو قدر لم يلزم منه محال، مع أنك لم تبين انتفاء لزوم كل محال، وإنما فقط اعتمدت على ذهنيتك المحدودة، قال: لم يكن فيما ذكره إلا مجرد دعوى.
وأما الثاني وهو الإمكان الخارجي، ويعطي الفرق بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي، قال: وأما الثاني هو الإمكان الخارجي، هو العلم بإمكان الشيء في الخارج. هذا يعلم بأن يعلم وجوده أو وجود نظيره أو وجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه. فهذا يعلم بأن يعلم وجود الشيء فعلاً الذي يدعي وجوده أو وجود نظير له؛ فلما آتي وأقول لك والله ممكن وجود سيارة من نوعية كذا وكذا، لأنني رأيت نظيرها فما دمت رأيت نظيرها في الشارع عرفت أنه ممكن واحد يعمل زيها. أو وجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه؛ لما أقول لك أنا ممكن أعمل سيارة بحجم صغير تمشي، أقول لك آه لأنه أصلاً أنا شفت سيارة بحجم كبير، وهي أقرب إلى الامتناع، فلما يوجد الشيء الأقرب إلى الامتناع، فالشيء الأدنى إلى الواقعية أولى وأحرى أن يوجد.
قال: فإذا كان حمل البعير لتسعين رطلاً ممكن، فإذا كان حمل البعير لتسعين رطلاً أولى بالإمكان لأنها أخف. وبهذه الطريقة يبين الله في القرآن إمكان ما يريد بيان إمكانه، كإحياء الموتى والمعاد، فإنه يبين ذلك تارة ببيان وقوع نفس الشيء، كما أخبر أن قوم موسى ماتوا وعاشوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 55-56]. وكما أخبر عن المقتول الذي ضربوه بالبقرة كيف أحياه الله بعد موته، وكما أخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت قال لهم الله موتوا ثم أحياهم. وأخبر سبحانه بنظير ذلك في قصة إبراهيم لما أراه كيف العصافير خرجت حية مرة أخرى، واستدل سبحانه بأعظم من ذلك وهو النشأة الأولى، طريقة الاستدلال بالنظير الذي هو أقرب إلى الامتناع، ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 81]، وقضية أن البعث أهون عليه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]، إذا أهون عليه أن يفعل ما هو أقرب إلى الامتناع، ألا يستطيع أن يفعل ما هو أسهل؟ هكذا طريقة القرآن في الاستدلال على الإمكان.
القرآن لما يستدل على الإمكان، إمكانية البعث، يستخدم هذه الطريقة: إما أن يستدل على وجود نفس الشيء في حياتكم، فكان مثال عزير وأمثلة كثيرة، أو على حصول ما هو أصعب وأقرب إلى الامتناع، فهذا يدل على وجود ما هو أسهل، كقضية نشأة الخلق. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: 5]. أعطاهم تفاصيل النشأة الأولى وهي أصعب في المنطق العقلي، طبعاً الله عز وجل لا يعجزه شيء، لكن هي في المنطق العقلي أصعب، فيقول: إذا أنتم في شك في البعث شوفوا كيف أنا عملت لكم الأصعب، فالبعث سيكون أسهل، فمن حيث الإمكان البعث ممكن.
إلى قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، فتدل على إمكان الإحياء في خلق الحيوان بخلق النبات، وذكر ذلك في القرآن في غير موضع، وبسط هذا موضع آخر. والمقصود أن قول القائل: هذا لا يحتاج إلى دليل، لا يكفي في العلم بإمكانه عدم العلم بامتناعه، والله سبحانه على كل شيء قدير.
لا يكفي في العلم بإمكانه مجرد عدم العلم بامتناعه، لما تقول هذا ممكن لا يحتاج إلى دليل، لما تأتي لتطلق أنت هذه العبارة أن هذا شيء ممكن، أقول لك لا، لا يكفي في العلم بإمكانه مجرد عدم العلم بامتناعه، مجرد أنه أنا لا أعلم أنه ممتنع، فبالتالي أستدل أنه ممكن في الواقع الخارجي، أقول لك لا، أنت هذا الإمكان الذي استدللت به ليس إمكان في الواقع الخارجي، هذا مجرد إمكان ذهني، هذا نسميه نحن في علم المعرفة أنك فقط ما وصلت إليه هو الإمكان الذهني؛ عدم العلم بالامتناع. لكن هل في الخارج سيستلزم عنه محالات وأشياء وكذا؟ أنت لم تصل بعد إلى ذلك، فلا، فقولك هذا ممكن لا يحتاج إلى دليل، لا يكفي في العلم بإمكانه عدم العلم بامتناعه.
حتى تقول لي لا، إنه ممكن فعلاً، ستستدل بإما بوجوده هو؛ لما تريد أن تقول لي هذا ممكن، وتستدل لي على العلم بإمكانه، يا بدك تستدل بوجوده هو، أو بوجود نظيره، أو بوجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه. أما عدم وجود واحد من هذه الثلاثة، فقط لأنه أنت عقلك يراه ممكناً، بمعنى أنه لا يعلم امتناعه، عقلك لا يعلم امتناعه، تقول إذاً هذا الشيء ممكن، أقول لك هذا غير صحيح، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
والممتنع ليس شيئاً باتفاق العقلاء، نحن نقول الله على كل شيء قدير، هل الأشياء الممتنعة.. الشيء الممتنع ليس شيئاً لأنه هو عدم، وكل ما خلقه الله لذلك يقولون الممتنعات أو المستحيلات العقلية ليست متعلقة أو مناط القدرة الإلهية، وكل ما خلقه الله فلا بد أن يخلق لوازم، لوازمه، الأسباب المؤدية له ويمنع أضداده، وإلا فيمتنع وجود الملزوم بدون لازمه، بدون وجود الأسباب والشروط وانتفاء الموانع، ويمتنع اجتماع الضدين.
وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق، ولا أضداده المنافية لوجوده؛ هي الفكرة التي حكيناها قبل قليل، أنه أنت يمتنع، يقول لك كل ما خلقه الله قطعا يخلق بلوازم وامتناع أضداده، وإلا فيمتنع عقلاً، هي من الممتنعات أصبحت، وجود الملزوم دون لوازم، ويمتنع عقلاً وجود الشيء مع ضده. إذاً هي عبارة جملة مستقلة وأظنها محكمة، كل ما خلقه الله، هي تعطيك خلاصة واضحة لفكرة ابن تيمية هنا، كل ما خلقه الله لا بد أن يخلقه مع وجود لوازمه ويمنع أضداده وإلا سيكون ممتنعاً عقلاً. لماذا؟ لأنه يمتنع عقلاً وجود الملزوم دون لوازم، ويمتنع عقلاً وجود الشيء مع ضده. إذاً ما النتيجة التي يريد الوصول إليها أو المقدمة الثانية؟ وليس للعباد اطلاع على كل لوازم وجود هذا الشيء، ولا اطلاع على أضداد وجوده، فبالتالي لما تريد أن تحكي لي أن هذا الشيء ممكن، إذا تتكلم عن الإمكان الذهني فهذا سهل، بس.
تتكلم عن الإمكان الخارجي، بدك تعرف أنه هذا مش سهل، فبده يقول لك: «وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق ولا على أضده المنافية لوجوده». فلو رجعنا للصفحة السابقة، لما كان يتكلم عن الإمكان الذهني؛ فالإمكان الذهني هو عدم العلم بماذا؟ أنت بس ما عندك علم بالامتناع، بس هل أنت تعرف وجود هذا الشيء كاملاً وأضده كاملاً من حيث الوجود الخارجي؟ لا، فيقول لك: أنت عندك عدم العلم بالامتناع، وهذا ليس فيه إلا أن لا أعلم أنه ممتنع، وعدم العلم بالامتناع هو غير العلم بالإمكان، فكل من لم يعلم امتناع الشيء كان عنده إمكان بهذا الاعتبار الذهني فقط.
كل من لم يعلم امتناع الشيء، يعني أنا مش شايف أن في شيء ممتنع، فكان عندك إمكان بهذا الاعتبار الذهني، ولكن هذا ليس علماً بإمكانه. ومن استدل على إمكان الشيء، الذي يريد أن يستدل على إمكانه في الخارج بأنه لو قُدِّر في الذهن لم يلزم منه محال من غير بيان انتفاء لزوم كل محال، لم يكن فيما ذكره إلا مجرد دعوى تدعيها.
وأما الإمكان الخارجي فهو العلم بإمكان الشيء في الخارج، فهذا يعلم بوجوده، أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أقرب إلى امتناعه. نعم، أنت هنا صرت تحكي بعلم، صرت تتكلم عن إمكان خارجي، أما مجرد الإمكان الذهني الذي لا تستدل فيه على وجود الشيء بوجوده هو، أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أقرب منه، فنحن نقول أنت ما زلت في حيز الإمكان الذهني وأنت لم تعلم جميع اللوازم التي تلزم وجوده في الخارج، وجميع الممتنعات التي ينبغي ألا توجد؛ فترجع لهذه الصفحة فتقول: «وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق ولا على أضده المنافية لوجوده». فمجرد الإمكان الذهني لا يعني الوجود الخارجي.
ولذلك ابن تيمية كان يقول: إن طريقة القرآن في الاستدلال على البعث والجزاء أعلى من طرائق المتكلمين؛ لأن المتكلمين يستعملون الإمكان الذهني، وقول الإمكان الذهني ليس دليلاً صحيحاً، أما القرآن فيعتمد في إقناعك على الإمكان الخارجي، بأن يستدل على الشيء إما بوجوده هو، كالإحياء؛ حيث وجد ربنا أحيا الرجل بعظام ميتة في قصة البقرة، أو وجود نظيره مما هو من جنسه، أو وجود ما هو أبعد منه في الامتناع.
قال: فالجزم بإمكان وجوده بدون العلم بلوازمه وإمكانها وأضده وانتفائها جهل. فالجزم بإمكان الوجود، شوف الكلام هذا، هذا كلام مهم إخواني في نظرية المعرفة؛ فالجزم بإمكان وجود شيء بدون العلم بجميع اللوازم التي ينبغي أن تكون، وإمكانها، والعلم بأضادها، وانتفائها، جهل. والله سبحانه قادر على تغيير ما شاء، ﴿السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ﴾، ويبها هباء منبثة، ذلك ما خلق الله به كما يخلق، وما يخلقه بما يسبب، وهذا مبسوط في موضوع آخر.
مقصود هنا أن آيات الأنبياء ودلائل صدقهم متنوعة؛ قبل البعثة، وحين البعثة في حياتهم، وبعد موتهم. فقبل البعثة مثل الإخبار ممن تقدم من الأنبياء به، مثل الإرهاصات الدالة على التبشير بالأنبياء السابقين به، وهذا مثال قبل المبعث. أما حين البعثة، فظاهر أنها في حياته، فمثل النبوة وإنجائه وإهلاك أعدائه، وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه وإهلاك أعدائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: 171-172].
ومحمد ﷺ آياته بينات قبل بعثته، وحين بعثه، وفي حياته، وبعد موته إلى قيام الساعة؛ فإن ذكره إلى الساعة وذكر كتابه والبشارات ذلك موجود في الكتب المتقدمة كما قد في موضعه. وقد دعا به ﷺ فقال في دعائه ولذريته: «ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم». ولما ولد، اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف، وجرى ذلك العام، قصة أصحاب الفيل مشهورة، وكان يحصل في الآيات ودلائل النبوة أمور كثيرة، وقد ذكر طرف منها في كتب دلائل النبوة وغيرها، مثل الآيات التي حصلت في موضعه، وما شهد من أحواله في صغره، وما انتصار الله له واتباعه وإعلاء ذكره ونشر لسان صدق له وإهلاك أعدائه، وذلك من يحادّه شاقه وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان والدليل والبرهان، فهذا مما يطول وصفه وتفصيله.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۗ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
والأنبياء صلوات الله عليهم وأتباعهم مؤمنون، كانوا يبتلون في أول الأمر، فالعاقبة لهم، كما قال تعالى لما قص قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]. والحديث متفق على صحته، لما أرسل النبي ﷺ الرسول إلى من يكتب، فطلب من يخبره بصيته، وكان المشركون حينئذ أعداءه لم يكونوا يعلمون به، فقال: «كيف حرب بينكم وبينه؟» فقال: «حرب بيننا وبينه سجال، ندال عليه مرة ويدال علينا مرة»، فقال: «كذلك تبتلون وتكون لكم العاقبة». إنه كان يوم بدر فابتلى المؤمنين، ثم يوم أحد ابتلى المؤمنين، ثم لم ينصر الكفار بعدها حتى أظهر الله الإسلام.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قُتل، كما أخبر الله بأن بني إسرائيل يقتلون، يقولون نبينا بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ملكاً وسلطاناً ويسلطه على مذنبين كما سلط على بني إسرائيل، وكما يسلط الكفار المشركين أو أهل الكتاب أحياناً على المسلمين؛ قيل: أما من قتل الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيداً، قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: 147].
أقدمنا وانصرنا على قوم الكافرين، فأتاهم الله ثباتًا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين. معلوم أن من قتل شهيدًا في القتال كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرْتَبُونَ بِنا إِلَّا أَحَدَ الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [النساء: 75]، أي إما النصر أو الظفر، وإما الشهادة؛ إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. ثم الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر، فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، فمن قتل منهم كان شهيدًا، ومن عاش منهم كان منصورًا سعيدًا، وهذا غاية ما يكون النصر، إذ كان الموت لابد منه، والموت على الوجه الذي يحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل.
بخلاف من يهلكه هو وطائفته، فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة. والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم، فهو على الأسباب التي بها قتلوا؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم اختاروا هذا الموت؛ إما أنهم قصدوا الشهادة، وإما أنهم قصدوا به ما يصيرون به شهداء، عالمين بأن لهم سعادة في الآخرة وفي الدنيا بانتصار طائفتهم، وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء، بخلاف من هلك من الكفار فإنهم هلكوا بغير اختيارهم، هلاكًا لكن لا يرجون معهم سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل اتبعوا في ذلك لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقيل فيهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 25-27]، ونعم كان فيها فاكهين. كذلك قوم آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا من المنظرين.
وقد أخبر سبحانه الأنبياء أن معه كثيرًا من الأنبياء، وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك، ولا استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم في الدنيا وحسن ثواب الآخرة. فإذا كان هذا قتل الأنبياء، فما الظن بقتل أتباعهم؟ ففيهم لهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح.
وظهور الكفار على المؤمنين أحيانًا هو بسبب ذنوب المسلمين، كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا على الكفار، وكانت العاقبة لهم، كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة أحوالهم مع الكفار. وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها؛ فإن النبي إذا قاموا بعهوده وصاياه نصره الله وأظهرهم على المخالفين له، وإذا ضيعوا عهده وظهروا في كفرهم عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي، وجودًا وعدمًا، من غير سبب يزاحم ذلك. ودوار الحكم مع الوصف وجودًا وعدمًا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار علة للدائر. وقولنا من غير مزاحمة وصف آخر يزيل النقوض الواردة؛ فهذا الاستقراء وتتبعه يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي، وأنه سبحانه يدعم كلمته وينصر أتباعه على من خالفه، ويجعل لهم سعادة ولمن خالفهم شقاء، وهذا يثبت نبوته، وأنه من اتبعه كان سعيدًا ومن خالفه كان شقيًا.
ومن هذا الظهور بختنصر على بني إسرائيل، لكنه من دلائل نبوة موسى؛ إذ كان ظهور بختنصر إنما كان لما غيروا عهود موسى وتركوا التبعية وتباعه، فكلفوا بذلك، وكانوا إذ كانوا أتباع موسى منصورين مؤيدين كما كانوا في زمن سليمان. فهذا من جنس ما ذكره أبو الحسن قبل قليل في قضية أنه لماذا أحيانًا يكون المسلمون في انهزام؟ فهذا يكون مما كسبت أيدينا وعدم قيامنا بالواجب تمامًا، تمامًا كما أن بني إسرائيل لما لم يقوموا بعهود موسى تسلط عليهم الكفار. فكان ظل بني إسرائيل على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة، من دلائل نبوة موسى وآياته.
وكذلك ظهور أمة محمد ﷺ على عدوهم تارة وظهور عدوهم عليهم تارة، من دلائل رسالته؛ يعني حتى ظهور عدونا علينا هو من دلائل النبوة، أن نحن لن ننتصر إلا إذا عدنا إلى ديننا. وكان نصر الله لموسى ولقومه على عدوهم في حياته وبعد موته كما جرى من دعوة موسى، وكذلك انتصار المؤمنين لرسول الله ﷺ بعد موته مع خلفائه، من أعلام نبوته.
وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانًا؛ فإن أولئك لا يقال مطاعهم إنه نبي. يعني الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب، لما بختنصر انتصر على اليهود، هل هذا من دلائل نبوة بختنصر؟ أقول لك: لا؛ لأنه هو أصلاً مطاعهم الذي ملكهم، وبختنصر ما حكى عن حاله أنه نبي حتى نقول والله انتصاره من دلائل نبوته، هو نفسه ما حكى عن حاله أنه نبي.
أنت ليش تريد أن تلبسه أنه نبي؟ قال: ﴿وَلَا يُقَاتِلُونَ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَىٰ دِينِهِمْ وَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَهُمْ عَلَىٰ دُنْيَاهُمْ﴾ [النساء: 75]. ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم أصلاً على دينهم؛ بل لقد يصرحون بأن إنما نصرنا عليكم بسبب ذنوبكم، وإنكم لو اتبعتم دينكم لم ننصر نحن عليكم. تخيل! وأيضًا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم ثم يهلك الظالمين جميعًا، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا.
وكذلك لا يطلب قاتلهم بقتله سعادة بعد الموت، ولا يختارون القتل أصلاً ليسعدوا بعد الموت؛ فهذا مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وبين ظهور بعض الكفار على المؤمنين، أو ظهور بعض الكفار على بعض. ويبين أن ظهور محمد ﷺ وأمته على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جنس ظهورهم على المشركين عباد الأوثان، وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ليس كظهور بختنصر على بني إسرائيل وظهور الكفار على المسلمين.
وهذه الآية مما أخبر بها موسى، وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، وأنه إنما يتم أمر الصادق. قال في كتابه: يقول محمد سُلط علينا بذنوبنا مع صحة الدين الذي عليه، كما سلط بختنصر وغيره من الملوك، وهذا قياس فاسد؛ فإن بختنصر لا يدعو للتوحيد، ولا يقاتل على الدين، ولا طلب من أن ينتقل عن شريعة موسى إلى شريعته، فلم يكن في ظهوره إتمام لمن دعاه من النبوة والدعوة إلى الدين، بل كان بمنزلة المحاربين وقطاع الطريق إذا ظهروا على القوافل.
بخلاف من دعا لنبوة المدينة، دعا إليها وعدّ أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد المخالفين بشقاء الدنيا والآخرة، ثم نصره الله وتم دينه وعلى كلماته، وجعل عاقبة المخالفين الذل؛ فإن هذا من جنس خلق عادات المقتر بدعوته ونبوته، فإنه يذل عليها. وذلك من جنس العادات التي لم تقتضِ دعوة النبوة، فإنه ليسين عليها، وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يكون ذلك على نبوة نبي، بخلاف غرق فرعون وقومه؛ لأنه كان آية تبينه لموسى.
والسلام لما أخبر به موسى عليه الصلاة والسلام من الكذاب، لأن أمره وذلك أن الله حكيم لا يلقي به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يتبين كذبه؛ لهذا أعظم تجال في الكذاب لما اقترن بدعواه الإلهية بعض الخوارق، كان معها ما يدل على كذبه من وجوه، منها دعواه الإلهية وهو أعور.
إنه أعور، هذا أول شيء؛ فالكاذب والفاجر لو ظهر على يديه بعض خوارق العادات يكون معه من العلامات ما يدل على أنه كذاب، فمثلاً المسيح الدجال ما الذي يدل على أنه كذاب أو أنه أعور؟ والله ليس بأعور، إنما مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ، حتى الأمي بصير يقرأ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت. وكما حكينا بالأمس، المسيح الدجال متحيز يعني داخل مخلوق تمامًا، والله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات في الأحاديث الصحيحة.
فأما تأييد الكذاب ونصره وإظهار دعوته دائمًا بحيث لا يظهر كذبه بشكل من الأشكال، فهذا لم يقع قط. فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه وتعالى بالعادة والسنة فهذا هو الواقع، ومن يستدل على ذلك بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك؛ إذ الحكيم لا يفعل هذا.
سواء كنت أشعريًا ولا سنياً، إذا كنت أشعريًا فأنت تستدل بالعادة؛ فالعادة المتكررة أن الله لم يبعث أنه لا يوجد إنسان كذاب يدعي النبوة ويأتي إلا ويظهر كذبه. إذاً أنت لست من جماعة التعليل ولا جماعة الأسباب كونك أشعريًا. فمن يستدل على ما يفعله الرب مجرد العادة والسنة المتكررة، فهذا هو الواقع في العادة أن الكذاب لابد أن يظهر كذبه. ومن يستدل على ذلك بالحكمة ويقول إن أفعال الله لها حكم ومقاصد، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك، إذ الحكيم لا يفعل هذا ولا ينصر الكاذب.
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَلَّوْا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [إبراهيم: 3]. سنة الله أن الله عز وجل يهزم الكافرين والكذابين، فأخبر أن سنته التي لا تبديل لها هي نصر من على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك تضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم غزوة أحد.
وقال تعالى: ﴿أَقْسَمُوا لَهَا جَدًّا ۙ لَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مِّنْ أَحَدِ الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مِّنْ عِندِهِمْ إِذَا هُم مِّنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 29-30]. فأخبر عن الكفار أنهم لا ينظرون إلا سنة الأولين، ولا يوجد سنة تبديل تستبدل بغيرها ولا تتحول، فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون هذا الاسم؟ هذا لا يمكن أن يكون مستمرًا دائمًا إلا بسبب نقص حصل عند المؤمنين.
وكذلك قال عن المنافقين وهم كفار في الباطن: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: 60]، ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: 62]. والسنة هي العادة، فهذه عادة الله المعلومة.
فإذا نصر من ادعى النبوة، أي من ادعى النبوة واتباعه على من خالفه، إما ظاهراً وباطناً وإما باطلاً كالمنافقين نصراً مستقراً، كان ذلك دليلاً على أنه نبي صادق؛ إذ كانت سنة الله وعادته المتكررة أن ينصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه من الآيات البينات.
ومن ادعى النبوة وهو كاذب فهو من أكفر الكفار، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ وَقَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الزمر: 32]. ومن كان كذلك كان الله يمهله ويبغضه ويعاقبه، ولا يدوم أمره. بل هو كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: «إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلت».
وقال في الحديث الصحيح عن أبي موسى: قال ﷺ: «مثل المؤمن كمثل الخشبة من الزرع، تفيئها الريح تقوّمها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق مثل شجرة الأرز، لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون اجتثاثها مرة واحدة». فالكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها بالكلية في يوم من الأيام، وبقاء ذمة ولسان السوء له في العالم، وهو يظهر سريعاً ويزول سريعاً. هكذا الكفار كدولة الأسود العنسي ومس الكذاب والحارث الدمشقي وباب الرومي.
وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيراً ليمحصوا بالبلاء؛ فإن الله إنما يمكّن العبد إذا ابتلى، ويظهر أمره شيئاً فشيئاً كالزرع. محمد رسول الله والذين معه، الذين معه هو جداً، الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً، فضلهم الله ورضوانه، ثم شبههم الله بأيش؟ بالزرع: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: 20]. ومثل في الإنجيل كزرع أخرج شطأه، فاستوى على سوقه يعجب الزارعين ليغيظ بهم الكفار. وذاك كان أول من يتبع الأنبياء هم الضعفاء.
فاعتبار هذه الأمور وسنة الله في أوليائه وأنبيائه الصادقين، وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين، مما يوجب الفرق بين النوعين، وبين دلائل النبي الصادق ودلائل المتنبئ الكذاب. وقد ذكر الله ابتلاء المؤمنين ثم كون عاقبتهم، ثم كون العقبة لهم في غير موضع.
فقوله تعالى، فبيقول لك أنت، حتى كأشعري معك مجال تستدل على النبوة بالعادة والسنن، لو أنت لست من جماعة الحكم والتعليل فكل هذه هي سنن الله المتكررة التي حتى لو أنت لا تؤمن بالحكمة والتعليل تستطيع أن تستدل بها. نعم، حتى نقول إن الطريق الأشعري في هذا يكون أضعف من طريق السنة أو حتى المعتزلة، هو أنه سيستدل على العادة بأنه لم يظهر كذاب إلا وقُسم، فهو أمر عدمي أنه يستدل به، أي أنه لم يظهر كذبه؛ فالأصل أنه لم يظهر. بل يستدل على المؤمن أنه انتصر، وكل نبي أيد وكل مؤمن انتصر في الأمر، فيكون من كلا الجانبين؛ نعمة السنة وتحدي سنة الله، وأحسنت، سنة الله مع الحكمة والتعليل.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. أيضاً الآية التي بعدها: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
ومما سبق ينبغي أن يعرف أن الأدلة نوعان: نوع يدل على مجرد الخبر، ونوع يحض مع ذلك على الرغبة فيه أو الرهبة منه. فالأول من جنس الخير المجرد، والثاني من جنس الحث والطلب والإرادة والأمر بالشيء والنهي عنه.
وذلك من علم أن في المكان فلاني جمادات أو حيوانات وذبات ليس له فيها غلط ولا حد ولا بغض، من علم أن في المكان فلاني صديقه وولده ومحبوبه وأهله أو أهل دينه، وعدوه الله ومن يقطع عليه الطريق ويقتله ويأخذ ماله، فكذلك دلائل نبوته كلها تدل على صدق النبي، ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر والنهي بعد البعثة؛ لأنه أخبر عن الله بذلك فهو صادق فيما يخبر به، فهذا طريق صحيح.
وأما إثبات نبوة الأنبياء بما فعله بهم من إتباعهم من النجاة والسعادة والنصر وحسن العاقبة وما جعله لهم، وما يفعله بمكذبيهم ومخالفيهم من هلاك وعذاب وسوء عاقبة واتباعهم من اللعنة في الدنيا مع عذاب الآخرة، فهذا يدل على الترغيب في اتباعهم والترهيب من مخالفتهم، ففيه العلم بصدقهم والموعظة للخلق، والبعض هو أمر عليهم بالترغيب والترهيب.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَلَوْ آتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * لَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْأَسْبَابِ صَعِيدًا﴾ [النساء: 60-62]، أي أنهم فعلوا ما يؤمرون به. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَعْنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا قَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ وَعَذَّابُهُمْ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 104]، أي أن الله ينهاهم عن قول مثل هذا.
وهذه الطريقة أكمل وأبلغ في حصول المقصود؛ فإنها تفيد العلم بصدقهم والرغبة في اتباعهم والنفور من خلافهم، وتفيد ثبوت صحة الدين الذي دعوا إليه.
إذن، هو يريد أن يقول إن هناك طريقتين للاستدلال على صدق الأنبياء: هناك طريق صحيح بس عام، وهناك طريق صحيح ولكنه يؤدي أيضاً إلى الرغبة في أن تكون مع هذا الجنس، جنس الأنبياء واتباعهم، وينفرك من الجنس الآخر. فيقول: فكذلك دلائل النبوة هي كلها تدل على صدق النبي.
دلائل النبوة عموماً كلها تدل على صدق النبي، ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ لأنه أخبر عن الله بذلك وهو صادق فيما يخبر به، فهذا طريق صحيح عام.
وأما إثبات نبوة الأنبياء بما فعله بهم من إتباعهم من النجاة والسعادة والنصر وحسن العاقبة، وما فعله بمكذبيهم من هلاك وعذاب وسوء عاقبة، فهذا يدل مع صدق الأنبياء على الترغيب في اتباعهم. هو يرد هنا على المتكلمين الذين لما أرادوا إقامة دلالة صدق الأنبياء استعملوا الطريق العام الفضفاض؛ الذي هو مجرد أنه هذا نبي ودلالة المعجز على صدقه، فيقول: هذا طريق وإن كان صحيحاً لكنه ما فيه ترغيب وترهيب.
لكن طريقة القرآن في إثبات صدق الأنبياء وإقامة الدلائل ليست فقط هدفها إثبات صدق الأنبياء، بل هي في نفس الوقت تريد أن ترغب في أن تكون من جنس أتباع الأنبياء، وتريد أن تلعن الكافرين وتكون عدواً لهم، فهذه أكمل من هنا طريقة القرآن في الاستدلال على هذا الموضوع.
وهذا كلام ترى عميقاً من ابن تيمية هنا؛ أنا قرأت له شيئاً من هذا في التوحيد، أن طريقة القرآن أنها تركز على القضايا الجزئية، كأن الله فلق الحب والنوى، وليس على قضية العالم حادث وكل حادث يحتاج إلى محدث؛ فالعالم له محدث، هذا كلام صح لكنه عام فضفاض لا يورث اليقين.
ولو تكلمت مع الإنسان في أمر جزئي يراه في حياته اليومية، كفلق الحب والنوى، وكفلق الإصباح، فالكلام في الجزئيات يجعلك أكثر شهودية لمشهد التوحيد؛ فلذلك يقول: طريقة القرآن في دلائل التوحيد أعلى من دلائل المتكلمين؛ لأنهم يركزون على العموميات والقرآن يعطيك الخصوصيات.
نفس الشيء فيما يخص النبوات، فإن طريقة القرآن والسنة في إثبات النبوات هي طريقة لا تكتفي فقط بالعموميات بأن الأنبياء ثبتت معجزاتهم، ثم نأتي لنأخذ منهم الأوامر والنواهي باعتبارهم صادقين فيما أخبروا عن الله. أقول لك: هذا طريق عام، لكن القرآن أو السنة لا؛ أنت لما تثبتها من خلال: انظر ماذا فعل ربنا في قوم نوح، وكيف نجى الله نوحاً وكيف لم يهلك، انظر قوم صالح ماذا فعل الله بهم وكيف نجى صالحاً. لما تتكلم عن جزئيات، تصبح غير أنك ثبت لديك صدق النبي، أصبحت تحب أن تكون من جنس أتباعه، فهذا طريق أعلى.
لذلك يقول: وهذا الطريق أكمل وأبلغ في حصول المقصود؛ فإنها تفيد العلم بصدقهم مع الرغبة في اتباعهم.
قال جعفر: «يأمرون بصلة الأرحام وكذا، وينهانا عن الزنا»، فأعطاه دلائل النبوة ودلائل صدق النبي فيما أخبر من خلال الأمور التفصيلية التي تجعل النجاشي يرغب في مثل هذا الدين.
قالوا: لهذا كان النبي ﷺ يقرأ في مجامع الكبار سورة قاف، ولما فيه من بيان ذلك؛ فإن سورة قاف جامعة لإثبات النبوات والمعاد، وما فيها من توحيد ووصول الشرائع، وبيان حال أتباع الأنبياء ومخالفيها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105].
فصل: ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى إذا جاء نبياً وآتاه آية دالة على القيامة، فيها حجة، فمن طال بالآية آية ثانية لم تجب إجابته، بل وقد لا ينتهي ذلك؛ أنه إذا جاء بآية ثانية طلب الثالثة، وإذا جاء بالثالثة طلب الرابعة، وطلب المتعنتين لا يُجاب لهم.
ولذلك في سورة الأنعام ماذا قالوا؟ ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 118]. فالله عز وجل في قبلها عاتب النبي ﷺ، أو خلينا نقول بين له أن هؤلاء دعك منهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فافعل، كل ما يقولون: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجرها من خلالها تفجيراً.
بعدين أقسم بالله جاءهم الإيمان لأن جاءتهم آية، ليكون أهدى من أحد الأمم. أي آية واحدة تكفيكم، أما إذا أردت أن أسترسل معهم كلما طلبوا آية أخرى؛ فمن طالبهم بآية ثانية لم تجب إجابته، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. بل وقد ينبغي ذلك، أنه إذا جاء بآية ثانية سيقولون...
معلوم أنه إذا قامت عليه الحجة في مسألة علم، أو حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها، لو قال: لا أقبل حتى تقوم حجة ثانية وثالثة، كان ظنّه متعنتاً ولم تجب إجابته لذلك. ولا يمكن الحجج كامل الخصوم من ذلك، بل إذا قام ما يتبين به حق المدعي حُكم. خلص بدليل واحد؛ إذا المدعي أثبت حقه انتهى.
قبل قال: المطلوب بينة ثانية وثالثة ورابعة، لم يُجب إلى ذلك؛ فحق الله الذي أوجبه على عبده من توحيده وإيمانه به وبالرسل أولى. إذا أقام بينة أوجبت على الخلق الإيمان برسله، ألا تجب إجابة الطالب إلى ثانية وثالثة.
ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة، فيتابع تعالى بين الآيات كما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم آيات متعددة لعموم دعوته وشمولها في الأدلة. كلما كثرت وتواردت على مدلول واحد كان أوكد وأظهر وأيمن من معرفة الحق. لكن الله يتابع الآيات فضلاً منه وليس طلباً منهم. هي الفرق أن الله تابع الآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فضلاً منه وليس طلباً منهم.
قد يعرف دلالة أحد الأدلة من لا يعرف الآخر، وقد يبلغ هذا من يبلغ هذا. فالآن بدأ يقول لك لماذا يفعل الله ذلك؟ أن بعض الآيات يختص بعلمها جنس معين من الناس، والأخرى يختص بها جنس آخر. قالوا: قد يرسل الله الأنبياء بآيات متتابعة ويقسي قلوب الكفار عن الإيمان لتتابع الآيات آية بعد آية لينتشر ذلك ويظهر ويبلغ ذلك قوماً آخرين، فيكون ذلك سبباً لإيمانهم، كما فعل في آيات موسى وآيات محمد صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في التوراة.
أنه لما أصر الكفار على عنادهم، هذا يكثر من نزول الآيات، وكثرة نزول الآيات تنتشر أكثر عند الناس، وهذا يساعد أو يظهر آية النبي بشكل أكبر لو كانت آية واحدة. هو قال: ويقسي قلوب الكفار؛ كان هذا تعليل لماذا قسى قلوب الكفار. هو يقول لك: وقد يرسل الله الأنبياء بآيات متتابعة ويقسي قلوب الكفار عن الإيمان، ليه؟ لتتتابع الآيات آية بعد آية، فينتشر الإيمان بصدق النبي أكثر وأكثر. يعني كان تنزل آيات فتكون قلوبهم أقسى الكفار تجاه هذه الآية، فيأتي الله بآية أخرى فتقسى قلوب الكفار، فيكون نزول آية بعد آية أدعى لانتشار هذا الأمر. وهذا ما حصل مع موسى لما كان يواجه فرعون؛ أن موسى كان يعطي آية، فرعون يزداد عناده، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع، وكان كلما وقع رجل قال: يا موسى ادع ربك ما حدا عندك، بعدين بروحوا ينكثون. فكان كأنه هذه القسوة في قلوب الكفار كلما ازدادت مع الآيات، هي أدعى لانتشار الآيات ومعرفة الناس بصدق موسى أكثر وأكثر.
قال فيبلغ ذلك قوماً آخرين؛ هسة الكفار هذول انتهوا قوم فرعون، لكن استفاد من هذه الآيات وكثرتها قوم آخرون، مش قوم فرعون. كما ذكر في التوراة أنه قسى قلب فرعون، شوف سبحان الله، لتظهر عجائبه وآياته؛ أن الله قسى قلب فرعون تجاه هم موسى لتكثر العجائب والآيات. وكما صد المكذبين عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يعارضوه ويمانعوه ويسعوا في معارضته والقدح في آياته، فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن وغيره من آياته، فيكون ذلك من تمام ظهور آياته وبراهينه بخلاف ما لو اتُبع ابتداء. تخيلوا أن الكفار جاءتهم أول معجزة، كلهم آمنوا وخلص المشهد، ستأتي معجزة واحدة وانتهينا، يعني الكل آمن. لكن كانت قسوة قلوب الكفار زادت من ورود الآيات؛ ما لو اتُبع ابتداء بدون ذلك فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على معارضته، شايف؟ لو اتبعوه من البداية لجاء الجيل الثاني فإيش فكر؟ يعني تخيل أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بشيء معجزة، والكفار المباشر كلهم آمنوا، الجيل الثاني ماذا سيعتقد؟ قول أصلاً الكفار هم ما عاندوا، فالظاهر أنه هي ما كانت معجزة، كانوا قادرين على أن يأتوا بمثلها بس هم آمنوا. فلما ظهرت المعاندة، هذا الذي أكد لنا كأجيال لاحقة أنهم ما كانوا قادرين على أن يعاندوا القرآن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن. فيقول: فإنه لو لم تحصل المعاندة قد كان يظن أو يظن جيل آخر أو قوم آخرين أن هؤلاء كانوا قادرين على المعارضة بس هم ما حبوا يعارضوا وخلص أسلموا طوعاً دون معارضة. وكذلك أيضاً يكون في ذلك على يقينه وصبره وجهاده، ويقين من آمن به وصبره وجهاده، ما ينالون به عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة، وقد تقتضي هذه الحكمة.
الآيات التي توجب عذاب الاستئصال؛ كما ذكر الله في كتابه من أهل الكفار كانوا يقترحون على الأنبياء الآيات التي جاءوا بها، فتارة يجيبهم الله إلى ذلك لما فيه من حكمة والمصلحة، وتارة لا يجيبهم لما فيه من ذلك من مظلات المفسدة عند جمهور أهل ملة المسلمين وغيرهم، الذين يقولون إنه هذه الحقيقة من لم يعلل أفعاله يرد ذلك إلى محض المشيئة. ويقول: اقترن بالمراد المصلحة والمفسدة عادة وسنة من الله، وليس لأن ذلك سبب، وإن لم يفعل هذا لهذا اليوم جماعة الأشاعرة من كان على هذه الطريقة. كان الرسول صلى الله عليه وسلم ربما طلب تلك الآية رغبة منه في إيمانه بها، فأُجيب بأن الآيات لا تستلزم الهدى، بل تستلزم إقامة الحجج وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب. ليس إرسال الآيات تستوجب هداهم، الآيات هي تزيد فقط من حجج الله عليهم.
والله تعالى قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر، كما فعل فرعون وأبيّ وغيره، ما في ذلك الحكمة دل على ذلك القرآن والتوراة وغيرها، وقد بين الله إظهارها الحكمة فيها أو لوجود المفسدة. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 109-110]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59]. فلما كان يكذب بها كان الله يستأصلهم، فلذلك كان من رحمة الله بكفار قريش أنه لما طلبوا الآيات الله عز وجل لم يجب. ﴿وَلَا لَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9]، مش قال سبحانه وتعالى؟ نعم، بين سبحانه أن ما منعه أن يرسل بالآيات تكذيب الأولين بها الذي استحقوا بسببه الهلاك. فإذا كذب بها هؤلاء استحقوا ما استحقوا، وإذا كذب بها قومك هذه الآيات يا محمد عليه الصلاة والسلام سيستحقون ما استحقه السابقون من الإهلاك والاستئصال، وهذا المعنى مذكور في عامة كتب التفسير والحديث وغيره من كتب المسلمين، وهو معروف بالثبت عن الصحابة والتابعين بإحسان.
فذكر مفسر ما رواه التفسير وحديث المسلم وغيره من حديث الأعمش عن جعفر حديث ابن عباس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يرعد لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا، لأن مكة ما كانت أرض زراعية، فقيل له: إن شئت نستأن بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كمائدة المائدة. مش ربنا إيش توعدهم؟ رح ننزل مائدة من السماء بس إذا حدا كفر بها ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أستأني بهم». يعني كأنه يخاطب جبريل هنا: بل أستأني بهم. فأنزل الله ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59]. الحديث. وكذلك روى الإمام أحمد عن ابن عباس قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن تجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن لك. قال: «وتفعلون؟» قالوا: نعم. فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام يقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبت عذاباً لا أعذب أحداً من العالمين، إلى آخر الحديث.
كذلك رواه ابن أبي حاتم بإسناد عن مالك بن دينار سمعت الحسن البصري يقول في قوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59]: قال رحمة لكم أيتها الأمة، أن لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم. وفي الإنجيل، اليهود طلبوا من المسيح آية من السماء فقال لهم المسيح: الأمة الفاجرة تطلب آية، ولا تُعطى إلا مثل آية ذي النون. يعني آية ايش ذي النون؟ قال: لأنه كما كان ذو النون -اللي هو يونس عليه السلام- في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. قصد أن المسيح يموت ويدخل في الأرض ثم يقوم إلى الناس مرة أخرى.
وقد كانت الآيات يُؤتى بها محمد صلى الله عليه وسلم آية بعد آية فلا يؤمنون بها، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: 4]. وهذا قد فسرناه. ممكن يكون قصد الشيخ مثلاً القصة أنه لما سيدنا يونس خرج من إنيته، جاءت ال... خاف قومه من العذاب، الله سبحانه وتعالى فخرجوا يتضرعون أنه أتاهم العذاب مباشراً، هم لم يكذبوا، فرج كشف عنهم العذاب، فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي؛ كانه مستثنى. فلما طلب اليهود من المسيح عليه السلام الآية قال: لا تأتيكم آية إلا مثل آية ذي النون؛ يعني إذا لم تؤمنوا عذبكم مباشرة. ممكن يكون هذا سياق الشيخ أو العكس، أنه يريد آية لا يأتيكم بعدها الاستئصال؛ كما أن قوم يونس لم يستأصلوا. يعني أنتم أمة، فإذا جاءتكم آية كبيرة سيكون بعدها الاستئصال، فكأنه ممكن رحمة بهم يريد آية مثل آية ذي النون، أنه لم يحصل بها الاستئصال. أن يونس هو الوحيد الذي لما جاءت آياته حصل بها نوع من العقاب لكن لم يحصل بها الاستئصال، فكان عيسى من رحمته بهؤلاء يريد آية مثل آية ذي النون لا يحصل بها الاستئصال لهم بعكس آيات الأنبياء؛ لأنه إذا كانت مثل آيات الأنبياء سيكون هناك استئصال، والله أعلم.
كان الله سبحانه يخبر بأن الآيات تأتيه وما تأتيه من آيات إلا أعرض عنها، وأنهم بتكذيبهم الحق سوف يرون صدق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام كما أهلك من قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسول. فإن الله تعالى يقول ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 59]. وأخبر عن قوة كفرهم أنه نزل عليهم، وقال إن هذا الذي حكم به سبحانه أنه لو جعل رسولاً ملكاً لكن لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم، وحينئذ فكان اللبس يقع أنهم أن الرسول بشر لا ملك.
ورجعنا لنفس القصة وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: 90-91] إلى آخره، كان اقتراحهم الآيات، فلو لذلك قال سبحانه -طبعاً هو موطن الشاهد في آخرها-: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 95]، لأنه هي الآية التي قبلها ومنع الناس يؤمنوا جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً؟ عشان هيك بدهم ايش ملك؟ وبدا الشيخ يعلق على آية الأنعام أنه ايش قالوا؟ قالوا: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ... لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: 111]. وهذه الآيات التي اقترحوها لو أُجيبوا بها ولم يؤمنوا، أتتهم عذاب الاستئصال كما تقدم أيضاً، فهي مما لا يصلح الإتيان بها، فإن قولهم ﴿حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ يقتضي تفجير الينبوع بأرض مكة لتصير وادياً ذا زرع، والله تعالى من حكمته جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه.
من أمر الدنيا فيكون حجهم للدنيا لا لله. اليوم صار بعض الناس يروح لمكة مشان الدنيا، الله عز وجل أراد أن تبقى مكة يقصدها الناس فقط للعبادة، لا يشوفوا أبراجاً ولا مشان يشوفوا ساعات ولا مشان يشوفوا مطاعم. لكن سبحان الله، قال: ﴿وَإِذَا كَانَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ فَجَرَّرْنَا خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾، كان هذا فيه في هذا من التوسيع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته وانخفاض منزلته. وكذلك إذا كان له بيت من زخرف، والزخرف الذهب.
وأما إسقاط السماء كسفاً فهذا لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة، فقولهم "كما زعمت" كذب عليه؛ إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس فاسداً. التمثيل يعني أن يقيسوا هذا على شيء آخر مما أخبر به، "أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً"؛ بس شاعر إنه النص قلق شوي. و"أما إسقاط السماء كسفاً فهذا لا يكون"، ربما الأولى "إلا"، فهذا لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة.
اعتبروا هذا من كلام شيخ الإسلام، يعني ذاك يعني نقول هو لم يخبرهم أن هذا لا يكون، ولكن سيكون يوم القيامة، أو "تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً"، فإسقاط السماء كسفاً هذا لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون، لكن يوم القيامة هم حكى لهم هذا ما راح يصير، حكى لهم رح يصير، لكن يوم القيامة استثناء. يعني أنا ماشي معك هو يخبر أن هذا لا يكون، استثناء منقطع، إلا يوم القيامة لكن يوم القيامة. وهذا الذي ينبغي أن يكون، يعني هو يريد؛ فبالتالي هنا سيكون التمثيل الفاسد أنه هو يقول، هو أخبرهم أن السماء ستسقط عليهم كسفاً فهو قالوا: يلا أسقط السماء علينا كسفاً في الدنيا كما زعمت. طيب هو متى قال ستسقط السماء كسفاً؟ يوم القيامة. فلا تجوا تقيسوا الدنيا على يوم القيامة وتقول والله أنت حكيت أن السماء ستسقط لنا كسفاً وهذا سيكون يوم القيامة مش في الدنيا، فلا تجوا تقولون لي كما زعمت، فهذا الأنسب للسياق. بس وإن كان هيك شوي الاستثناء بده إيضاح أكثر.
وأما إسقاط السماء كسفاً فهذا لا يكون، أنا أعتقد إلى الأولى مش صحيحة، إلى الأولى هي إلا، وأما إسقاط السماء كسفاً فهذا لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون بس بقيت كلمة هي إلا يوم القيامة كيف بدك، لو في الأخيرة ما لم، هو أن هذا لا يكون، هو لم ينفي هذا يوم القيامة، ولكنه لا يكون إلا يوم القيامة. نعم، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة، يعني أنه أخبرهم أنه سيكون يوم القيامة. مش ضابطة لأن مشكلة في أنه "إلا"، يعني وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة صار معناها أنه هذا سيكون في الدنيا، صار معناه أنه أخبرهم أنه سيكون في الدنيا على كلامك، وتقول وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة، مش تزبط هو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة. طيب وبإيش أخبرهم؟ سيكون العكس المعنى، بعرف نحن شابكين مع بعض ماشي الأمور، طيب مش مشكلة، المهم بس نحن يعني فهمنا الكلام واضح في سياقه أصلاً، أنا فاهم عليك الخلاصة بس أنه حتى كاستثناء منقطع هسه السياق يأبى ذلك فيه نفور شوي.
طيب حتى ما كناش نطلع غير نسخة خطأ، وأما إنزال الكتاب فقد قال تعالى: ﴿إِن تُنَزِّلُ عَلَيْهِم كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، فبين سبحانه أن المشركين سألوه إنزال الكتاب، وأن أهل الكتاب سألوه ذلك أيضاً، وبين سبحانه أن الطائفتين لا تؤمن حتى إذا جاءهم ذلك، وإنما سألوه تعنتاً. فقال عن المشركين: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك وهو رؤية الله جهرة، ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وأنهم عبدوا العجل كما قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فعفونا عن ذلك، وأن الله آتى موسى سلطاناً مبيناً ورفع الطور فوقهم، وقال لهم لا تعدوا في السبت، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً، طيب إلى غير ذلك من الآيات، وأنهم مع هذا نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين بغير حق إلى أمثال ذلك، وأنه بسبب ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله حرم عليهم طيبات أحلت لهم، فكان في هذا من الاعتبار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة المكذبة بالنبي الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة التي اقترحوها لم يكن في مجيئها نفع لهم بل فيها مما يوجب استحقاقهم عقوبة الاستئصال إذ جاءتهم فلم يؤمنوا بها وتغليظ الأمر عليهم، فكما أنه لا ينزل مثل هذه الآيات الموجبة لعذاب الاستئصال، أو فكان أن ينزل مثل هذه الآيات الموجبة لعذاب الاستئصال أعظم رحمة وحكمة.
قالوا قد عرض الله على محمد صلى الله عليه وسلم أن يهلكهم لما كذبوه، فقال: بل أستأني لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً. صحيح عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ طبعاً قضية ملك الجبال وأنه قال له: لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله. ولهذا آيات المسيح كانت من آيات موجبة لمن كفر بها عذاب لم يعذبه أحداً من العالمين، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾. كان نزول التورات يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب استئصال عذاب معاجلاً يهلك الله به جميع المكذبين، كما أهلك قوم نوح وكما أهلك عاداً وثمود وأهل مدين وقوم لوط وكما أهلك قوم فرعون. وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكره الخير إذ كان بعد لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ﴾، بل كان بنو إسرائيل لما يفعلون ما يفعلون من كفر ومعاصٍ يعذب بعضهم ويبقي بعضهم إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر، ولهذا لم يزل في الأرض أمة بني إسرائيل باقية، قال تعالى لما ذكر بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ﴾، هذا دلالة على أنهم أقسام.
فكان من حكمته ورحمته سبحانه وتعالى لما أرسل محمداً بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم، بل عذب بعضهم بدون ذلك من أنواع العذاب ما عذب غيره ممن كذبه من أنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون، فعذب الله كل واحد بعذاب معروف، وكذي دعا عليه فقال اللهم عليك بفلان وهو ابن أبي لهب، فكان جاءه الأسد فأكله، طيب الكفار قل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون، فكان يعذب الكفار تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين بالجهاد. وقامت حدود كانت تعذب بمثل هذه الأسباب مما يجمع بين الأمرين كما جرى لقريش وغيرهم، فإنهم كذبوه، لو أهلكهم كما أهلك قوم فرعون ومن قبلهم لبادوا وانقرضوا مما فعلت بهم عنهم ولم يبق لهم دليل تؤمن به، بخلاف ما إذا عذب بعضهم يرتدع عن العذاب ولو بالهزيمة والأسر وقتل بعضهم، كما عذبوا يوم بدر، فإن في هذا من إذلالهم وقهرهم ما يوجب عجزهم مع بقائهم، والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها فلا تك تنصرف عنها، بخلاف ما إذا عجزت عن كمال أغراضها فإن ذلك مما يدعوها إلى التوبة، كما يقول من العصمة ألا تقدر، فكان من وقع بهم تعزيزاً وزاجراً وداعياً إلى التوبة. ولهذا أمن عامتهم بعد ذلك ولم يقتلهم إلا قليل هم صناديد الكفر الذين كان أحدهم في هذه الأمة كفرعون، مثل أبي جهل. نعم، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أبي جهل هذا فرعون هذه الأمة.
تعالى في موسى أني فرعون فلا يؤمن به بك لتظهر آياته، وبين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق نبيه في الأرض، إذ كان موسى قد أخبر بتكليم الله بكتابه توراته له فأظهر الله له من الآيات ما يسخرها الأرض، وكان في ذلك تقلب فرعون ما أوجب أهلكه الله وقومه أجمعين، فرعون كان جاحد الصانع لربوبيته، فلذلك أتى من الآيات ما يناسب حاله. وأما بنو إسرائيل مع المسلمين الكتاب الأول فلم يحتج إليه موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن محتاجاً إلى تقلي جنس الآيات إذ كانت الرسل قبله جاءت ما يثبت ذلك، وقومه كانوا مقرين بالصانع، وإنما كانت الحاجة داعية إلى ما يثبت نبوته، ومع هذا فأظهر الله عليه من آيات مثل آيات من قبله أعظم، ومع هذا فلم يأتِ بآيات الاستئصال التي يستحق أن يكذبها العذاب العام العاجل، كاستحقاق فرعون وهود وصالح وشعيب وغيرهم. فلهذا يبين الله تعالى في القرآن أن هذه الآيات إذا جاءت لا تنفعهم إذ كان بها ولكن تضرهم إذ كانوا يستحقون على الاستئصال إذا كذبوا حينئذ، ومع وجود المانع وعدم المقتضي للفعل نعم لا يصلح الفعل على قول جمهور القائلين بالحكمة، ومن لم يعلل فلا يطلب سبباً بالحكمة، بل يرد الأمر إلى محض مشيئته، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، هو يعلم أن قلوب هؤلاء كقلوب الأولين فيكذبون بها فيستحقون بها ما استحق قوم فرعون ونوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم.
قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، أتواصوا به هم قوم طاغون، فتولَّ عنهم فما أنت بملوم، وذكر أن ذكر تنفع المؤمنين، وقال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، وقال تعالى أهل الكتاب يضاهئون قول الذين من قبل، وقال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَم لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. ثم ذكر في سورة القمر إعراضهم عن الآيات وقبلهم هذا السحر وتكذيب واتباع أهوائهم، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وآية يعرضون يقول سحر مستمر، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي أنباء الغيب وما أخبر بهم، ما فيه مزدجر أي ما يزجرهم عن الكفر، إذ كان في تلك الأنباء بيان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنذار لما كذبه بالعذاب كما عذب المتقدمون، ولهذا يقول عقب القصة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي كيف كان عذابي لمن كذب رسلي وكيف كان إنذاري بذلك قبل مجيئهم.
ثم ذكر قصة المكذبين لنوح وهود وصالح ولوط، إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، فإن قوم فرعون كذبوا بجميع آيات موسى وجميع آيات الأنبياء قبله، وكذبوا بالآيات الدالة على وجود الرب وقدرته ومشيئته، إذ كانوا جاحدين للخالق منكرين له، فكذبوا بآياته كلها. ثم قال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيتها الأمة يا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ﴾ الذين كذبوا نوحاً وهوداً وصالحاً، وذلك أن كونكم لا تعذبون مثل ما عذبوا إذا كذبتم، إما أن يكون لكونكم خيراً منهم فلا تستحقون مثل ما استحقوا، أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم فتكون لكم براءة في الزبر أي في الكتب السابقة، فتعلمون ذلك بخبره، فإنما يفعله الله تارة يعلم بخبره وتارة يعلم بسنته وحكمته وعدله، فإما أن تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه أو من هذا الوجه، هذا إن نظر إلى فعل الله الذي لا طاقة للبشر به. وإن نظر إلى قوة الرسول وأتباعه، فيقولون نحن جميع منتصر، فإنه أكثر وأقوى من محمد وأتباعه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، فقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، أخبر بهزيمتهم وهو بمكة في قلة من الأتباع وضعف منهم، ولا يظن بأحد بالعادة المعروفة أن أمره يظهر ويعلو قبل أن يهاجر إلى المدينة وقبل أن يقاتلهم.
وكان كما أخبر بالضبط، فإن يوم بدر وغيره هزم جمعهم وولوا الأدبار، وتلك سنة الله في المؤمنين والكافرين. قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: 22]، ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 23]. وحيث ظهر الكفار فإن ذلك إنما لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا فكملوا إيمانهم نصرهم الله. فكان من تمام الرحمة ألا يهلكهم هلاك استئصال كما أهلك المكذبين السابقين، وكانت الآيات التي اقترحوها موجبة لعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم.
كما قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: 43]، كان لا يأتي بموجب عذاب الاستئصال؛ يعني لو أنزلت عليكم هذه الآيات كما أنزلت على من قبلكم لاستأصلتكم. يعني أنتم أحسن منهم لكن رحمة بكم لم تنزل عليكم هذه الآيات؛ لأنه إذا وجد المقتضي سيوجد العذاب. هذا معنى الكلام: إذا وجد المقتضي سيوجد العذاب؛ ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ﴾، هؤلاء نزلت عليهم الآيات فكذبوها، فوجد المقتضي فأنزل عليهم العذاب. فيقول: فكان من رحمة الله ألا يأتي بموجب، أي بمقتضي عذاب الاستئصال، مع إتيانه بما يقيم الحجة عموماً ويوضح المحجة.
أكمل في الحكمة وفي الرحمة إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير والمنفعة والهدى والبيان والحجة على من كفر، وما امتنع منه وهو إنزال الآيات دفع به من عذاب الاستئصال والهلاك والعذاب العام ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يتوبوا ويؤمنوا ويهتدوا. فكان في إرسال محمد ﷺ من الحكمة البالغة والمنة السابقة ما لم يكن في رسالة رسول قبله، والحمد لله رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فصل. بسم الله، قال رحمه الله تعالى: فصل، جمع الكلام في النبوة متصل بالكلام في جنس الخبر؛ فإن قول القائل: "إني رسول الله إليكم"، خبر من الأخبار، وكذلك وصول كلامه وفعله وآياته إلينا هو بالأخبار. الخبر تارة يكون مطابقاً لمخبره، كصدق المعلوم أنه صدق، وما تارة لا يكون مطابقاً لمخبره كالكذب المعلوم الكذب. وغير المطابق مع التعمد كذب، ومع الاعتقاد أنه صدق إن لم يكن معذوراً كالمفتي بلا اجتهاد، والمحدث بلا علم يسمى كذباً أيضاً، كقوله ﷺ: «كذب أبو السنابل»؛ لأن الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع حتى لو كنت تعتقد صدقه أو لم تعتقد صدقه.
قال: وقد تكون المطابقة في عناية المتكلم، وقد تكون في إفهام المخاطب. فإذا كان اللفظ مطابقاً لما يعنيه المتكلم لكنه لم يطابق ما يفهمه المخاطب، فهذا قد يسمى كذباً مع أنه مطابق لما أعنيه لكنه ليس مطابقاً لما أنت فهمته، فهذا قد يسمى كذباً وقد لا يسمى، ومنه ما يسمى عندنا "المعاريض". فالمعاريض بالنسبة للسامع قد تكون كذباً، بس بالنسبة لي أنا صادق، فهو مطابق لما عنيته وليس مطابقاً لما فهمته.
لكنه يباح للحاجة، وإن كان الخبر لم يحصل به المقصود، بل يكون مأموراً بالسكوت عنه إلا مع البينة، فقد يسمى كذباً لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]. المقصود هنا أن يعلم وهذه حالة أخرى؛ إذا كان الخبر لا يحصل به المطلوب بل أنت مأمور بالسكوت عنه إلا مع اكتمال البينة، فقد يسمى صاحبه كاذباً صحيحاً. فالذي يشهد بالزنا إذا معه ثلاثة مأمور بالسكوت، فإذا شهد بالزنا مع عدم اكتمال البينة فقد يسمى كاذباً أيضاً بدليل: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
المقصود هنا أن الخبر قد يعلم أنه حق، وقد يعلم أنه كذب، وقد لا يعلم واحد منهما. والعلم بأنه حق أحدها أن يعلم أنه مطابق لمخبره من غير جهة المخبر، كما أخبرنا بأمور يعلم أنها حق بدون خبره. والثاني أن يعلم أن المخبر به صادق فيه، وقد يجتمعان أن يعلم ثبوت ما أخبر به ويعلم أنه صادق فيه، وقول محمد: "إني رسول الله"، من هذا الباب كما سنبين إن شاء الله.
وكذلك يكون كذباً قد يراد أنه على خلاف مخبره وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب، وقد يعنى به أن قائله يتعمد الكذب. ولهذا كانت الأحاديث فمعلوم بطلانها على نوعين: تارة يعلم أن صاحبها تعمد الكذب، وتارة قد غلط، فلم يعرف فيه من يتعمد الكذب على النبي ﷺ. وإذا وقوله ﷺ: "إني رسول الله"، اجتمع فيه الأمران: يعلم ثبوت ما أخبر به من غير جهة المخبر، ويعلم من جهة ماذا أنه صادق؟ يقول لك: العلم بأن الخبر صدق له معنيان؛ أن يعلم أنه مطابق للواقع من غير جهة المخبر أنه فعلاً هو مطابق للواقع، وأن يعلم أنه واقع من جهة صدقه هو، أن يعلم أنه صادق فيما يقول. والنبي ﷺ في قوله: "إني رسول الله"، اجتمع فيه الصدق من الأمرين في هذه الجملة؛ أنه رسول الله من غير جهته تأكدنا من ذلك، وكذلك من جهة صدقه أن هو معلوم صدقه فيما يخبر به الناس.
وكذلك كونه كذباً قد يراد به أنه على خلاف الواقع وإن كان صاحبه لم يتعمد، وقد يعنى به أن قائله يتعمد الكذب هو نفسه، شخص يكذب يتعمد مثل هذه الأمور، ولهذا كانت الأحاديث المعلوم بطلانها، تارة يعلم أن صاحبها تعمد الكذب، الأحاديث الموضوعة من أحاديث تعمد صاحبها وضعها، ومن أحاديث موضوعة خطأ، والصحابة لم يعرف فيه من يتعمد الكذب على النبي ﷺ. وكذلك جمهور التابعين لم يعرف فيه من كان يتعمد الكذب، ولكن طائفة قليلة من الشيعة عرف أنهم كانوا يتعمدون الكذب، بخلاف غيرهم من أهل الأهواء كالخوارج؛ فإنه لم يكن فيهم من يعرف بالكذب، بل يقال هم من أصدق الناس حديثاً. والرجل الفاسق المعروف أنه يكذب لا بد أن يصدق في بعض أخباره، فلا يكون في الناس من لا يخبر إلا بالكذب يعني هذا ليس موجوداً.
قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وفي القراءة الأخرى فتثبتوا، فأمر بالتبين والتثبت إذا أخبر الفاسق بخبر، لم يأمر بتكذيبه لمجرد إخباره لأنه قد يصدق أحياناً. فلما أمر سبحانه بالتبين والتثبت بخبر الفاسق دل ذلك على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره إن كان فاسقاً، قد يكذب ولا يجوز أيضاً تكذيبه قبل أن يعرف أنه قد كذب، وإن كان فاسقاً فإن الفاسق قد يصدق. هذا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94].
فأمرهم بالتبين والتثبت في الجهاد ولا يقول لمجهول الحال لست مؤمناً تبتغون عرض الدنيا، فيكون إخبارهم عن كونه ليس مؤمناً إخباراً بلا دليل، بل يلوون أنفسهم ليأخذوا مالك إن كان ذلك في دار الحرب. إذا ألقى السلام، وفي القراءة الأخرى نَفَس السلام، يكون مؤمناً يكتم إيمانه، كما كنتم أنتم من قبل مؤمنين يكتمون إيمانكم؛ فإذا ألقى إليكم السلام فذكر أنه مسالم لكم لا محارب فتثبتوا وتبينوا، لا تقتلوه ولا تأخذوا ماله حتى تكشفوا أمره هل هو صادق أو كاذب.
وهذا خبر يتضمن الدعوة له؛ فإن المدعي مخبر، والمنكر مخبر، والشاهد مخبر. وكما نهاهم عن تكذيب المدعي بلا علم، نهاهم عن تصديق المنكر المتهم ورمي البريء بلا حجة، وتبرئة وتزكية بلا علم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 105-106].
ثم قال: هات جل تعالى في الحياة الدنيا، قصة ابن الأبيرق وكيف النبي عليه الصلاة والسلام تعامل معه؛ فالنبي ﷺ يقول: كما نهاهم عن تكذيب المدعي بلا علم، نهاهم عن تصديق المنكر المتهم، المتهم الذي يرمي البريء بلا حجة. ولذلك ابن الأبيرق مش اليهودي قال: أنا مش أنا اللي سرقت، هؤلاء اللي سرقوا، والنبي ﷺ كانه مال ابتداءً لتصديق رواية اليهودي، فهنا أتى بمثال على أن الله نهانا أن نصدق المنكر المتهم الذي يرمي البريء بلا حجة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كأنه أراد أن يتهم ابن الأبيرق بناءً على كلام اليهودي، وكذلك نهاهم عن تصديق القاضي في الرامي لمن عرف منه الخير، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: 12].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وهذا نهي عن التكلم بلا علم، وهو عام في جميع أنواع الأخبار، وهو يتناول ما أخبر به الإنسان وما قد يعتقده بغير الأخبار من الدلائل والآيات والعلامات. ليس له أن يتكلم بلا علم، فلا ينفي ولا يثبت إلا بعلم، ذاك العامل العلماء النافي عليه دليل، عليه الدليل على ما ينفيه. وذلك أن أهل العلم يقولون إن النافي لشيء عليه الدليل على نفيه كما أن المثبت عليه الدليل على ثبوته، وهذا مرت معنا في "بلغة الوصول".
قال: كما قال وحكي عن بعض الناس أنه قال: النافي ليس عليه دليل، وفرق بعضهم بين العقليات والشرعيات، فوجد في العقليات دون الشرعيات، ولا اشتباه عليهم النافي بالمانع المطالب؛ فإن من أثبت شيئاً فقال آخر: أنا لا أعلم هذا ولا أوافقك عليه ولا أسلمه لك، بالمانع المانع المطالب غيره بالدليل. وهؤلاء اشتبه عليهم النافي بالذي يمنع الشيء ويطالب غيره بالدليل؛ لأن من أثبت شيئاً فقال له الآخر: أنا لا أعلم هذا ولا أوافقك عليه حتى تأتي بالدليل، كان هذا مصيباً، ولم يكن على هذا المانع المطالب بالدليل أن يقوم هو بالدليل، وإنما الدليل هنا على المثبت.
بخلاف من نفى هو الشيء، لأنه أنا لما أنا أنت تدعي شيئاً أنا أقول لك: إيش دليلك؟ أنا هنا سأسمى نافياً صح، بس أنا لا أطالب بالدليل ليه؟ لأنه أنا ما نفيت الشيء، أنا فقط لا أعلم وجوده، فأقول لك: أثبت لي وجوده بس. لكن النافي الذي يطالب بالدليل هو الذي ينفي وجوده ويثبت نفيه، فأنت هنا ستطالب بالدليل لأنك أنت لا تكتفي بعدم العلم، بل هنا أنت تزعم أنك تعلم بعدمه. فلذلك يقول: وإنما الدليل على المثبت، بخلاف من نفى ما أثبته غيره فقال له: قولك خطأ، والصواب نقيض هذا، ولم يكن هذا الشيء؛ فإن هذا عليه الدليل على نفيه كما على ذلك المثبت الدليل على إثباته.
وإن لم يأتِ واحد منهما بالدليل كان كلاهما متكلماً بلا علم ولا حجة. ولهذا كان من أثبت شيئاً أو نفاه وطلبت منه الحجة فلم يأتِ بها كان منقطعاً في المناظرة، وإذا اعترض المعترض عليه بممانعة أو معارضة فأجاب عنها انقطع المعترض عليه. صحيح، يعني هذا القياس نحن شغالين فيه في الأصول؛ إذا اعترض المعترض على المستدل بمنع أو معارضة، والآن القوادح ترجع أما إلى منع أو معارضة، فأجاب عنها المستدل انقطعت أنت كمعترض، انقطع المعترض عليه؛ لأنه هو أجاب وثبت قول الأول، وإن لم يجب عن المعارضة انقطع المستدل؛ إذ كان الدليل الذي يجب اتباعه هو الدليل السالم عن المعارضة المقاوم، ولو أقام دليلاً قطعياً فعارض بما لا يفيد القطع، كان له أن يقول له: ما ذكرته أنا يفيد العلم، والعلم لا يعارض بالظن، إلا الذي أتيت به حضرتك؛ والبينات لا تعارض بالشبهات التي هي مجلس كلام السفطائية.
فهو سبحانه نهى عن الكلام بلا علم، بلا يقين بلا علم مطلقةً، خص الكلام على الله تعالى، فهو سبحانه نهى عن الكلام بلا علم مطلقاً، خص الكلام على الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ثم قال: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأخبر أنه يأمر بالقول على الله بلا علم: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]. وكذلك من يجادل ويحاج بلا علم، والناس يجادلون في الله بغير علم: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: 66].
وقوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] يتناول خبر كل فاسق، وإن كان كافراً لا يجوز تكذيبه، حتى لو كان كافر هل الكافر يكذب مطلقاً؟ ولا نفس الشيء؟ لا يكذب إلا ببينة، كما لا يجوز تصديقه إلا ببينة. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ عن أبي هريرة: كانوا أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية.
ويفسرونها بالعربية لا الإسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وفي رواية: «فإما أن يحدثوكم بحق فتكدبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». وهكذا نتعامل مع الإسرائيليات؛ هل نحن نصدقها؟ لا، لكننا في الواقع هل نكذبها؟ لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من إمساك الإنسان عما لا يعلم انتفاءه وثبوته، أن تمسك وتسكت.
والمأثور عن المسيح أنه قال: الأمور ثلاثة، أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه. نعم، وعامة عقلاء بني آدم على هذا، ولهذا لا يجوز أن يصدق بخبر من قول على بصير أو غيره إلا بدلالة تدل على صدقه، ولا يجوز أن يكذبه إلا بدلالة تدل على أنه كذب، نعم. وعلى هذا أهل العلم والدين؛ فقد تكلم العلماء وصنفوا كتباً كثيرة في الجرح والتعديل في الرجال والأحاديث، فمن الناس من يعرف بالصدق والضبط، هذا هو العدل المقبول وخبره، ومنهم من يكون صدوقاً لكنه قد لا يحفظ ولا يضبط، فيقولون هذا صدوق، ومنهم من عرف بالكذب، وإذا روى لم يحدث ولم يثبت، ثم تكثر كذباته وتتوقفون فيه، لا يعلم أصدق هو أم كذب؟ ومثل هذا لا يعتقد ولا يثبت ولا يحتج به.
كالشاهد الذي شهد للمدعي وليس بعدل مرضي، أو هو خصم أو متهم ظني، فهذا إذا ردت شهادته ولم تقبل، لم يكن معنى ذلك الحكم بكذبه أو خطئه، معنى ذلك أنه لا تقوم به الحجة، ولا يحكم به لعدم العلم بصدقه، لا للعلم بكذبه. أنا لم أعلم صدقك لا يعني أنني أحكم بكذبك، صح؟ نعم.
والمدعى عليه إذا كان صاحب يد أو ذمته بريئة فهو حجة ترجح جانبه، وقد ضم إليه الشارع اليمين، كما في صحيح البخاري: «اليمين على المدعى عليه». فإذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد دعوى، فجانب المنكر أقوى من جانبه؛ لأن معه أن الأصل في الأيدي أنها محقة. لما تكون أنت يدك على الشيء فالأصل أنه لك حتى يثبت الآخر أنه ليس لك، والأصل براءة الذمة، ولكن قد يكون المدعي صادقاً ولا يكون له حجة، فلا يدفع بمجرد الأصل؛ بل يحلف المنكر فيكون يمينه مع الأصل حجة.
فلا تدفع دعوى المدعي بمجرد أن الأصل براءة المدعى عليه، بل يطالب المدعى عليه مع الإنكار باليمين ليقوي جانبه، فيكون إنكار هذا مقابلاً لدعوى هذا، كلاهما خبر لم يعلم صدقه، فتعارضا وترجح المنكر بأن معه الأصل براءة الذمة، فيبقى ما كان على ما كان. لا يسلم للمدعي ما ادعاه بمجرد دعواه، ولا تنقطع مطالبته للمدعى عليه لأنه يمكن أن يأتي بحجة بعد ذلك تدفع، فإذا حلف المنكر كانت يمينه حجة فصلت الخصومة وقطعت الدعوى. وإذا لم يأت المنكر باليمين بل نكل عنها، ولا أتى المدعي بحجة، وقف الأمر عند أكثر العلماء، وعند بعض العلماء يقضى على المنكر بالنكول، فيجعل نكوله إما بدلاً عما طلب وإما إقراراً به. والأكثرون يقولون: بل ترد اليمين، لا نقضي عليه بمجرد النكول، بل نرد اليمين على المدعي، فإذا حلف المدعي مقابل عدم حلف المدعى عليه علمنا أو ترجح جانب صدق الذي يقول إن جانب الصدق نفس مدعاه وأنه عالم بمدعاه، فيقال احلف وخذ، فإن حلف أخذ وإلا دفع.
ثم من العلماء من يرد اليمين في عامة الدعاوي عند نكول المدعى عليه في كل الدعاوي، ومنهم من يحكم بالنكول، وكل من الطائفتين يذكر آثاراً عن الصحابة. والمنقول عن الصحابة يدل على تفصيل، وهو أظهر الأقاويل، هو أنه إن كان المنكر هو العالم دون المدعي، كما إذا ظهر في المبيع عيب وقد بيع بالبراءة، فقال المشتري: أنا لم أعلم به، فإنه هنا يقال له كما قال عثمان لابن عمر: احلف أنك بعته وما به داء تعلمه، فإن حلف، وإلا قضي عليه بالنكول كما قضى عثمان على ابن عمر بالنكول.
وقد اتفقوا على أن القائل هو المشتري، المشتري هو الذي يعلم العيب ويدعيه، ولذلك جاءت العبارة في نظام موافقة بين القائل والمقول، أما على فرض أن يكون: أنا لم أعلم به هو البائع، يعني هو المنطق يقول: أنا لم أعلم به البائع مش المشتري، قال: إن كان المنكر هو العالم دون المدعي، كما إذا ظهر في المبيع عيب وقد بيعت هذه السلعة بالبراءة من العيوب، فقال البائع: أنا لم أعلم به، فإنه هنا يقال له كما قال عثمان لابن عمر: احلف أنك بعته وما به داء تعلمه، يعني فان حلف المدعى يعني البائع أنه باعه ولم يعلم به عيباً، فعلى رأيهم أن ما به عيب تعلمه، يعني فان حلف المدعى عليه البائع أنه باعه ولم يعلم به عيباً يعلمه، فعلى رأي بعضهم يكتفى بهذا، وهذا إذا باعه بشرط البراءة من العيوب، لأنه بتعرف هذا هل يجوز البيع بشرط البراءة من العيوب؟ إني أنا كبائع أبيعك السلعة بس أقول لك: أبيعك إياها بشرط إذا طلع فيها عيب أنا لا أعرف به بترجع لي. بعض الفقهاء يجوز هذا، ويقول إذا باع البائع سلعة وقال للمشتري: بعتك إياها بشرط البراءة من العيوب، فالمشتري أخذها، واليوم الثاني يجد المشتري عيباً فرجع للبائع كذا وكذا طلع فيها عيب، البائع شو بقول له؟ يا أخي أنا بعتك بشرط البراءة من العيوب وأنا لا أعلم عيباً، فهنا إذا اختلفا برئا على القاضي، فالقاضي يحلف البائع: احلف أنك بعته وأنت لا تعلم وجود هذا العيب، فإذا حلف الأصل قول قوله حتى يأتي المدعي وهو المشتري بدليل على أن البائع باعه وهو يعلم وجود هذا العيب فيها.
وإن كان المدعي يقول إنه يعلم ما ادعى به، كما ادعى ديناً أو عيناً، فقال: أنا لا أعلمها، احلف وخذ، فإنه يقال له كما قال عمر بن الخطاب: أنصفك خصمك، احلف وخذ، فإن لم يحلف لم يعطَ شيئاً. البينة في الدعاوي عند أكثر العلماء هي ما يبين الحق ويظهره ويوضحه كالدليل والآية والعلامة، فمتى ترجح جانب أحدهما حلف، مثل أن يقيم المدعي شاهداً، فإنه يحلف مع شاهده ويقضي له بشاهد ويمين، كما قالت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قول أكثر العلماء. وكذلك لو كان في دعوى للقتل لوث وشبهة، وهو علامات ترجح جانب المدعي، فإن أولياء المقتول يحلفون خمسين يميناً فيقضى لهم، هذه تسمى القسامة في الفقه الإسلامي.
وكذلك في اللعان، إذا حلف الزوج أربع شهادات بالله من الصادقين وأكدها بالخامسة فقد أقام بينة، فإذا تعنتت المرأة وشهدت أربع شهادات مؤكدة بالخامسة أنه كاذب، تعارضت البينتان والشهادتان، فلم يحكم بقبول واحد منهما، لا يحكم عليه هو بأنه قاذف، ولا يحكم عليها هي بأنها زانية، وإن نكلت فلم تعرف. أكثر ما يقولون: يحكم بأنها زانية وتعذب على ذلك، ما دل عليه القرآن؛ لأنه اجتمع بينة الزوج ونكولها عن المعارضة، وكما اجتمع في القسامة العلامة والأيمان، تمام العلامة التي هي اللوث مع الأيمان في القسامة، وكما اجتمع الشاهد واليمين، وكما اجتمع في جانب المنكر الأصل مع اليمين، فهذا ونحوه ما جاءت به الشريعة، وبسطه له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الخبر إذا قام دليل، هذا هو المقصود، إذا قام دليل على صدقه أو كذبه، وإلا بقي ضمن حد المسكوت عنه، لا نصدق ولا نكذب، هكذا فلسفة المعرفة. أهل العلم بالحديث إذا قالوا: هذا الحديث رواه فلان ومجروح أو ضعيف أو سيئ الحفظ لم تقبل روايته، ونحو ذلك كقول قائل: هذا الشاهد مجروح أو سيئ الحفظ أو ممن لا تقبل شهادته، وهذا لا يفيد أنه لا يحكم به، لا يفيد الحكم بأنه كاذب.
هذا يفيد أنه لا يحكم به، نعم أحسنت، أنه نحن لما يحكم رواة الحديث أو علماء الحديث أن السند فيه راوٍ سيئ الحفظ، هل معناته أنه 100% الحديث لم يقله النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، هذا حكم على الظاهر، إني أنا لن آخذ به لأني مش مطمئن، لكن ليس حكماً على الكذب، أنا ما حكمت أنه كذب الحديث، لكنني لا آخذ به لوجود سيئ الحفظ، بل قد يمكن أنه صادق، فلا يقال إنه كاذب إلا بحجة. قالوا: إن قالوا عن الحديث إنه ضعيف فهذا مرادهم، أي أنه لم يثبت ولا يحتج به، ولا يجوز الحكم بصدقه، ليس مرادهم أنه بكذب ما نقله، ويقول إن هذا لم يكن من غير علم منا بهذا النفي، بل إن قام دليل على انتفاء ما أخبر به حكمنا بذلك، وإلا سكتنا، لم ننفِ ولم نثبت، نقول الحديث مسكوت عنه، هذا الحديث الضعيف.
قال: فهذا أصل يجب على كثير من الناس، لا يميزون بين ما ينفونه لقيام الدليل على نفيه، وبين ما لم يثبتوه لعدم دليل إثباته، ينفون ما لم يعلموا إثباته فيكونون قد نفوا ما ليس لهم به علم، وقالوا بإخوانهم ما ليس لهم به علم. هذا كثير من أهل الاستدلال والنظر، أهل الإسناد والخبر، فمن الأولين قوم يطلبون دليلاً على ثبوت الشيء، فإذا لم يجدوه نفوه، ومعلوم أن عدم العلم ليس علماً بالعدم، وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، إلا إذا كان الطالب ممن يمكنه ذلك، أما بعلم أو ظن غالب. فمن هؤلاء من يقول في صفات الله ما لم يقم دليل قطعي على إثباته، فإنه واجب القطع بنفيه؛ لأن صفات الله لا تثبت إلا بالقطع، وخالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: كما لا يجوز القطع في الإثبات إلا بدليل قطعي، فلا يجوز القطع في النفي إلا بدليل قطعي على النفي. فلما لم يجز أن يثبت إلا بعلم، فلا ننفي إلا بعلم، والنافي عليه الدليل كما على المثبت الدليل، وقال هؤلاء هذه المسائل مبناها على القطع، فإنه لا يجوز لنا التكلم فيها إلا بالظن، فإذا لم يقم القاطع قطعنا بالنفي. فقيل لهم: هذا حجة عليكم، فإنكم إذا نفيتم ما لم تعلموا نفيه تكلمتم بالظن، وإذا قطعتم من غير قاطع كنتم قد تكلمتم.
هذا باطل عليكم، نفياً كان الكلام أو إثباتاً، وليس يعلم في الأدلة الشرعية أو العقلية أن كل ما لم يقم دليل سمعي أو عقلي على إثباته فإنه يجب عليكم نفيه وقطع بنفيه، قل: تكلمكم بهذا تكلم بلا علم. يعني فبالتالي لو أنك بحثت عن صفة من الصفات لله لم تجد عليها نصاً قطعياً، هل هذا بقولك إنك تنفي الصفة عن الله؟ إذا لم تكن تستلزم النقص، ما بقولك تبقى مسكوت عنها، الصفات الخبرية نحن أثبتناها لقيام الأدلة على وجودها، وما سوى ذلك نقول: مسكوت عنه. فليس لعدم وجود دليل على صفة معينة أنت تستدل بذلك على عدم وجودها.
حيث لم يعلم وكانت في نفس الأمر، وقد يكون عند غيرك دليل قطعي يثبتها، ولو قدر عدم علم الناس كلهم بها، فلله علم لم يعلمه العباد، ولله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده لم يعلمها الناس، وليس إذا لم يعلم ثبوت الصفة يجب أن يعلم انتفاؤها، بل قد يظن ثبوتها أو انتفاؤها وقد يشك في ذلك، فلا يعلم ولا يظن واحد منهما، الواجب على الإنسان أن يقول لما يعلمه أعلمه، ولما يظنه أظنه، ولما أشك فيه أشك فيه. والله تعالى لم يوجب على الإنسان أن يقطع بانتفاء شيء إن لم يعلم أنه منتفٍ، فمن قال: وجب علينا القطع بانتفاء ما لم يقطع بثبوته ولا انتفائه، فقد غلط، وهذا بخلاف ما يناقض صفات الإثبات، فإن هذا يجب.
نعم، أما ما يناقض صفات الإثبات وهو الذي فيه نقص كالنقص فهذا نعم يجب نفيه، فقد علمنا بالأدلة القطعية أن الله موصوف بصفات الكمال المناقضة للنقص، مثل أنه حي قيوم، لكل شيء عليم، على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه غني عن كل ما سواه بكل وجه، فكل من قال قولاً يناقض هذا سيعلم مباشرة أنه باطل، كالذين يقولون إن له شريكاً أو ولداً، أو أنه يشفع عنده الشفاعة بإذنه، ونحو ذلك مما يناقض الكمال المعلوم، وما كان من الأمور مستلزماً للوازم لو كان موجوداً، فإنه يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم.
الانتفاء الملزوم كالأمور التي لو كانت موجودة لوجب أن تُنقل نقلاً متواتراً شائعاً، وهو يقرب على مقصوده في هذا الباب. فالأمور التي لو كانت موجودة لاستلزمت أن تُنقل نقلاً متواتراً شائعاً، فإنه يُستدل بانتفاء اللازم -وهو النقل الشائع المتواتر- على عدم وجود هذه الأمور. كما لو قال القائل: إنه بُني بين العراق والشام أو بين الحجاز والشام مدينة أعظم من بغداد وأعظم من الموصل وأصفهان ومصر، دورها ثلاثة أيام ونحو ذلك؛ فإنه يُعلم كذبه؛ فدورانها ثلاث أيام معلوم أنه كذب، فإن هذا مما تتوفر الناس على نقله لو كان موجوداً، فإن لم يستفض هذا وينتشر عُلم أن المُخبِر به كاذب.
وكذلك ادعاء مُدّعٍ أنه يوم الجمعة أو العيد قُتل الخطيب ولم يُصلِّ الناس يوم الجمعة، ولم يستفض هذا وينتشر، أو ادعى أنه قُتل بعض ملوك الناس علانية بين الناس ولم يستفض هذا وينتشر، أو ادُّعي أنه بُعث نبي بين المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم، أو بعد محمد جاء بكتاب مثل القرآن أو الإنجيل اتبعه خلق كثير وكتبه خلق كثير؛ فإنه يُعلم كذب هذا، إذ مثل هذا لابد أن يستفيض. انظر كيف طريقة فلسفة الخبر، هذا كله كلام ممتاز في كيفية تعامل الإنسان مع الأخبار؛ فالخبر الذي يلزم لو كان موجوداً استفاضته، عدم وجود اللازم يدل على عدم وجود الخبر، وأنه كل القصة غير موجودة.
وكذلك لو ادعى أن قريشاً وغيرهم عارضوا القرآن وجاؤوا بكتاب يماثل القرآن وأظهروا ذلك وأبطلوا حجة محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا مما يُقطع بكذبه، صح أنا ما عندي نص على ذلك، لكن لو وُجد هذا لانتشر؛ لأن مثل ذلك لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. نعم، هذه فلسفة أنه لما يكون أمامنا خبر يتوافد إليه طلاب كثيرون ويتفرد راوٍ ضعيف بحديث، فإنه هذا حديث لو كان فعلاً حدث به الإمام لانتشر، صح كلامك صحيح 100%.
وكذلك لو ادعى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أمر بحج بيت غير، حتى في قضية أبي حنيفة وغيره من الأمور التي كان يعتمد عليها ابن تيمية هي فلسفة منطق الأخبار؛ أنه رجل مثل أبي حنيفة لو الأخبار التي وُجدت من أنه كان يقول بكذا وكذا لو وُجدت، للزم من ذلك أن يُستتاب أمام الناس في مجلس عام. فمجرد أنها تُنقل عن بعض الأفاضل من العلماء الثقات هذا خبر كان يقتضي -يلزم منه- الاستفاضة؛ الاستفاضة بمعنى أن يعلم الناس جميعاً في أماكن عامة أن الرجل استُتيب. معقول هذا الرجل وُلد 80 هجري في وقت قوة الإسلام وعزة الإسلام وقوة أئمة التابعين ولم تحصل مثل هذه الاستفاضة والتواتر فيما يُنقل عنه والكوفة مليئة وما شابه ذلك؟
هذه طريقة نقد الأخبار، للأسف بعض إخواننا الذين يريدون التعامل مع النص كحرفي، ما عنده قواعد عقلية صحيحة في فهم أن هذا الخبر ماذا يستلزم لو كان صحيحاً؟ فمعقول الرجل لم يُستتب أمام سلاطين الزمان في تلك الفترة، وأنت تتحدث في قوة الإسلام وأوائل عصر التابعين؟ فابن تيمية وغيره لما يجيء مثل هذه الأخبار يقول لك: في شيء ليس بصحيح، هذه الأخبار إما نقلها حساد إلى العلماء الأفاضل، أو سوء تفاهم، أو لم يفهموا الكلام على وجهه. وحتى لو كانوا ثقاتاً، البعض يلزمك: لا، أنت هكذا تشكك في رواة الحديث مثل سفيان الثوري! لا، ما أحد شكك، هؤلاء من الأثبات، لكن في عوامل معينة قد تسبب مثل هذا. لكن أنا في المقابل عندي ما هو أعلى، أنه مثل هذه الأخبار لو كان أبو حنيفة بهذا السوء الذي تقولونه لكانت الأمور هذه تستلزم في لوازم الخبر الاستفاضة وشهرته في مناطق في العراق وما حولها، بحيث إن الرجل يُستتاب ويُقام عليه حد وأمور كثيرة أُقيمت على من هو دونه في الشهرة.
نعم، ليس كلهم أخبروا أنهم عاينوه، أي رأوه، أحسنت، وإنما نُقل لهم ووصل إليهم. نعم، أو أوجب صوم شهر من غير شهر رمضان، أو أوجب صلاة سادسة وقت الضحى، أو أمر بالأذان والإقامة لغير الصلوات الخمس، أو أنه قال علانية بين الناس لأبي بكر أو العباس أو علي أو غيرهم: هذا هو خليفة من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، أو أن علياً دعا إلى نفسه في خلافة الثلاثة، أو أمثال هذه الأمور التي لو وقعت لكان لها لازم يُستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم.
ثم هذه اللوازم منها جليها وخفيها يعرفه الخاصة، ولهذا كان أهل العلم بأحوال الرسول يقطعون بكذب أحاديث لا يقطع غيرهم بكذبه؛ المتخصصون في علم الحديث، لعلمهم بلوازم تلك الأحاديث وانتفاء لوازمها. كما يقطع من يعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يقاتل في غزوة القد، وأن غزوات القتال إنما كانت تسع مغازي، وأنه لم يغزُ بنفسه إلى اليمن ولا العراق، ولا جاوز تبوك بعد النبوة، وأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، ولم يصم إلا تسع رمضانات، وهكذا يعلمون أن فلاناً أخطأ في هذا الحديث على فلان، وقد عُلم من وجوه ثابتة أن ذلك الحديث إنما رُوي على صورة معينة، فإذا روى غير ثقة ما يناقض ذلك، عُلم أنه أخطأ أو تعمد الكذب.
مثل ما يعلمون كذب من زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ»، فزاد بعض الناس: «أو جناح»، مشان ينصر الحاكم تبعه؛ كان بيشتغل في الحمام، الحاكم تبعه قال له: «أو جناح»، سيدي الحاكم زاد على الحديث: «لا سَبَقَ إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناح». وكما يعلمون كذب من روى أن مسيلمة وقومه كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإنما قاتلهم الصديق لأنهم لم يعطوا الزكاة؛ فإنه قد عُلم بالتواتر أن مسيلمة ادعى النبوة، ويعلمون أنه كان له مخاريق، وأنه ظهر كذبه من وجوه متعددة، أن الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة، وقاتله قومه على ردتهم عن الإسلام.
وكذلك الأسود العنسي الذي ادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقُتل في حياته، وكل منهما عُرف بكذبه بتكذيب النبي الصادق المصدوق لهما لما أخبر عنهما، وربما ظهر من دلائل كذبهما مثل الأخبار الكاذبة التي تناقض النبوة، ومثل الإتيان بقرآن مختلق يعلم من سمعه أنه لم يتكلم به الله، وإنما هو من تصنيف الآدميين، كما قال أبو بكر الصديق لهم لما تابوا من الردة وعادوا إلى الإسلام: أسمعوني شيئاً من قرآن مسيلمة، فأسمعوه شيئاً، تمام أن هذا كلام لم يخرج من رب، كل كلام مسيلمة كاذب، فارغ، ومثل ما كان يفعله ويأمر به من الفجور والكذب، مثل اطلاع أخص الناس به على أنه كان يكذب ويستعين بمن يختلق له الكذب، ولكن كان يقول: والله كذاب حنيفة خير من صادق مُضر، مش كانوا يقولون؟ ومثله أنه كان يعدهم بأن جبريل أخبر أنه سينصر، فلما حقت الحقائق قال لهم: إنه لا جبريل لكم فقاتلوا عن أحسابكم، لما وقعت المعركة قال لهم: ما في جبريل اليوم، فقاتلوا عن أحسابكم وفروا، إلى أمثال هذه الأمور التي تدل على كذب الكاذب.
فالصدق له دلائل مستلزمة له تدل على الصدق، والكذب له دلائل مستلزمة تدل على الكذب، ولا يجوز الحكم بصدق مُخبر ولا بكذب مُخبر إلا بدليل، وما لم يُعلم بصدقه ولا كذبه ولا ثبوته ولا انتفائه يجب الإمساك عنه، ويقول القائل: هذا لم أعلم، ولم يثبت عندي، ولا أُذن به، ولا أحكم به، ولا أستدل به، ولا أحتج به، ولا أبني عليه مذهبي واعتقادي وعملي، ونحو ذلك. لا يقول هذا أقطع بكذبه وانتفائه، وإن كنت أقطع أن من أثبته تكلم بلا علم، فالقطع بجهل مُثبته المُعتقد له غير القطع بانتفاء نفس الخبر، فمن قطع بشيء بلا دليل يوجب القطع قطعنا بجهله وضلاله وخطئه.
أو إن لم يقطع بانتفاء ما أُثبت في نفس الأمر كمن حكم بشهادة من زكاه فاسق، أمر الله بالتثبت في خبره، حكم وقطع بخبره غير دليل يدل على صدقه؛ حكمنا بأنه هذا متكلم حاكم بالعين، وإن لم نحكم بكذب الشاهد المُخبر. لكن لا يجوز للإنسان في علم غيره وقطع غيره من غير علم منه بالأسباب التي بها يُعلم ويُخبر؛ فإنه كثيراً ما يكون للإنسان دلائله الكثيرة تدل على صدق شخص معين وثبوت أمر معين، وإن كان غيره لا يعرف شيئاً من تلك الدلائل، وهذا أيضاً مما يغلط فيه كثير من الناس، ينظرون في أنفسهم ومبلغ علمهم، وإذا لم يجدوا عندهم ما يوجب العلم بذلك الأمر، جعلوا غيرهم نفس الشيء، هذا لا يجب أن يعلموا، طيب لغير علم منهم بانتفاء أسباب العلم أن ذلك غيره، وقد يحكمون حجة ضعيفة على أن غيرهم لا يعلم ذلك.
ذلك ما يفعل كثير من الناس بالنظر والاستدلال والاعتبار، ومن لم يُساوهم في نظرهم وأدلتهم وقوة أذهانهم لا يعلم ما يعلمون، وكثير من الناس يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أموراً كثيرة، ومن لم يشاركهم فيما سمعوه وفيما عرفوه من أحوال المخبرين والمُخبر به وكمال معرفة ذلك لا يعلم ما علموه، فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار، ولأهل الأخبار السمعية طرق لا تُعرف بمجرد العقول، ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم واعتدال على ذلك أمور كثيرة لا يعرف أهل الحديث والأخبار هؤلاء لأهل العقل، وعند هؤلاء أهل الحديث من الأحاديث المتواترة والآيات المستفيضة ما يعلمون بها صدق الرسول، وإن كان أولئك لا يعرفونها.
كلام كله ممتاز، هذا الفصل ممتاز كتأصيل في نظرية الخبر، كيف يتم نظر الأخبار، والذي يُورث اليقين وما لا يورثه، بل طرق معرفة الصانع وتصديق رسوله قد يكون لكل قوم فيها طريق أو طرق لا يعلمه آخرون، وهم مشتركون في النتيجة النهائية في الإقرار بالله وبرسوله، ولكل قوم طرق وأدلة غير طرق الآخرين وأدلتهم. بل ما تواتر عندهم من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم، قد يكون المخبرون لهؤلاء الذين تواتر عندهم ما أخبروهم به من آياته وشرائعه غير المخبرين لأولئك؛ كما كان الصحابة المخبرون لأهل الشام بآيات الرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وشرائع الإسلام غير الصحابة المخبرين لأهل العراق، فبيكون خبر ما أخذه أهل العراق وخبر آخر ما أخذه أهل الشام، كل قوم اجتمع عندهم من آيات ما ليس عند غيرهم، ولكن خبر هؤلاء يصدق خبر هؤلاء، فخبر أهل الشام يصدق خبر أهل العراق وإن كان كل من الطائفتين لا يعلم أعيان الذين أخبروا أولئك، وهكذا سائر العلوم؛ قد يكون الذي علم هؤلاء الفقه أو النظر أو النحو أو الطب غير الذي علم هؤلاء، وإن اشترك الجميع في جنس الفقه والنظر والنحو والطب.
وعلم هؤلاء أي ما علمه هؤلاء من الأعيان والأنواع، أن طريق هؤلاء ليس طريق أولئك وإن اشتركوا في النوع تماماً. وعامة ما يعلمه الناس بالحس هو من هذا، فإن الإنسان يحس بأحوال نفسه من جوعه وعطشه وشبعه وريه وحبه وبغضه ونقته وألمه ولذته، ولا يُحس بأحوال غيره، ولكن يشتركان في الجنس العام، فيشتركون في جنس الإحساس بجوعهم وشبعهم، وقد يشتركون في غير ما يحسون، كاشتراكهم في رؤية الشمس والقمر والهلال والكواكب. وقد غلط في مثل هذا طائفة من المتكلمين في المنص اللبناني؛ فزعموا أن العلوم التجريبية والتواترية والحدسية جعلوها قسماً، هذا الحدس هو شيء غير العلوم التجريبية، ولا الحدس هو نفس العلوم التجريبية، إن جعلوها الحدسية قسماً غير التجريبية، فإن فيه من يجعل الأمور الحدسية هي نوع من العلوم التجريبية، وفيهم من يجعلها جنساً آخر، طيب زعم هؤلاء أن هذه العلوم مختصة لا تقوم بها الحجة على من يعلمها دون الحسيات والضروريات والعقليات، ليس ذلك، فإن فبلاً كما أن هذه تكون مشتركة تارة ومختصة أخرى، فكذلك الحسية، فإن كل أهل زمان ومكان يعلمون بالحس من أحوال ذلك المكان والزمان وأحوال أهله ما لا يشركهم فيه غيرهم، وكذلك الوجديات، فإن من ابتلي بالغرائب في الأمور العلمية والبدنية يعلم منها ما لا يشرك به غيره، قال: وكذلك العقليات، فإن من الناس من يكون له أصل يقيس به الفرع فيعلم القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط، ويعلم من تعلم الحكم به ما لم يعلم غيره، فتنوع العلوم بطرقها منها ما هو مختص ومنها ما هو مشترك، ومنه ما يشترك فيه جنس بني آدم، ومنه ما يشترك فيه نوع منهم أو طائفة، فهذا أصل جامع ينبغي معرفته؛ يعني فحتى الأمور الحسية ليست مشتركة بين الجميع، فحتى الأمور الحسية قد تكون طائفة معينة أحست بها وطائفة معينة لم تحس بها، ومن لم يحس به لا تقوم عليه الحجة، فلا نقول إن التجريبية والتواترية والحدسية، فمنهم فزعم هؤلاء أصحاب أن هذه العلوم، العلوم التجريبية والتواترية والحسية...
مختصة لا تقوم بها الحجة على من لم يعلمها دون الحسيات والوجدانيات والعقليات التي هي الضرورات العقلية، فهذه ليست كذلك. فيقولون: بل حتى الحسيات والوجدانيات والعقليات، منها ما يكون من أحس بها قامت عليه الحجة بها، ومن لم يحس لم تقم به عليه الحجة؛ فمن قال إن هذه أيضاً مشتركة للجميع؟
قال: وإذا كان قد يكون كاذباً وقد يكون صادقاً، فقد علم أنه ليس كل واحد أخبر بخبر يصدق مطلقاً ولا يكذب مطلقاً، فلم يقل أحد من العقلاء إن كل خبر واحد أو خبر كل واحد يكون صدقاً ويفيد العلم، ولا أنه يكون كذباً. بل الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبر واحد، وقد يقوم دليل على كذبه فيعلم أنه كذب وإن أخبر به ألوف. وإذا كان خبرهم على غير علم منهم بما أخبروا به أو عن تواطؤ منهم على الكذب، مثل أخبار أهل الاعتقادات الباطلة بالباطل؛ كقول النصارى إن المسيح صلب، قاله ألوف لكن قامت الأدلة على كذبه.
وأما إذا أخبروا به عن علم منهم بما أخبروا به، فلا يكونون في نفس الأمر مصدقين، تارة يوافق أخبارهم على غير مواطأة، ولو كان اثنين؛ فإن الاثنين إذا أخبر بخبر تطرق إليه علم، وقد علم أنه ما لم يتواطأ عليه، ولا هو مما قد يتفق في العادة تأثرهما فيه في الكذب والغلط، علم أنه صدق.
قال: وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلالات تدل على صدقه، ويعلم صدق الخبر الواحد بقرائن تقترن بخبره. يعلم تلك الدلالات والقرائن، وقد تكون صحة في المخبر من علمه ودينه، كإخبار الثقات بحيث يعلم قطعاً أنه لا يتعمد الكذب؛ كما يعلم أهل الحديث علماً يقينياً أن ابن عمر وعائشة وأبا سعيد وجابراً لم يكونوا يتعمدون الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود. يعلمون علماً يقينياً أن الثوري ومالكاً والشعبي ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم كانوا لا يتعمدون الكذب، لما علموا من صفاتهم الشخصية أن هؤلاء لا يتعمدون الكذب. وقد تكون الدلائل صفات في المخبر به؛ إذ الدلائل التي تدل على صدق الخبر إما دلائل في المخبر، وإما دلائل في المخبر به مختصة بذلك الخبر أو بنوعه، يعلم بها أن ذلك المخبر لا يكذب في مثل ذلك الخبر؛ كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم في الانصراف، أو أمركم أن تركبوا غداً، أو قد أمر عليكم كذا؛ فإنهم يعلمون أنه لم يتعمد الكذب في مثل هذا، وإن لم يكن بحضرته فكيف إذا كان بحضرته، وإن كانوا قد يكذبونه في غير هذا الموضع.
وقد تكون الدلائل سمع ما شارك في العلم بذلك الخبر وأقر عليه؛ فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب، فإنها قد تمنع التواطؤ على الكتمان وإقرار الكذب والسكوت على إنكاره. فما توافرت الهمم والدواعي على ذكره والخبر به يمتنع أن يتواطأ أهل التواتر على كتمانه، كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوفر الهمم والدواعي على نقلها في الحج أو الجامع أو العسكر، وحيث توجد العادة نقل الحاضرين معين، ثم لا ينقل ذلك أحد؛ وإقرار الكذب والسكوت على رده أعظم امتناعاً في العادة من الكتمان. فإن الإنسان في العادة قد تدعوه نفسه إلى أن يسكت عما رآه وسمعه يعني الكتمان لما تتوفر الدواعي إلى نقله ممتنع، فما بالك بإقرار الكذب والسكوت على شيء أنا أعلم أنه لم يحصل ويعلم أنه لم يحصل؟ هذا من باب أولى أن الناس لا تتواطأ على إقرار الكاذبين في الخبر. فإن الإنسان في العادة قد تدعوه نفسه إلى أن يسكت عما رآه وسمعه فلا يخبر به، لكن لا تدعوه نفسه إلى أن يكذب عليه ويخبر عنه بما يعلم أنه كذب عليه فيقره ولا ينكره، إذ كانت عادة الناس إلى تكذيب مثل هذا أبلغ من عادتهم في الإخبار بما رأوه.
وكذلك إذا كذب في قصة وبلغ من شهدها، فتوفر الهمم على تكذيب هذا أعظم توفر عليه؛ يعني واحد كذب في قصة وأنا شاهدت هذه القصة، يعني واحد حكى للناس اليوم خطب في مسجد كذا وكذا، وأنا كنت موجوداً في المسجد ما خطب فلان وكان فلان موجوداً، فإذا بلغنا أن فلاناً يحكي للناس أنه اليوم خطب في مسجد كذا وكذا، هل تتوفر هممنا أن نسكت مع أنه بلغنا؟ سنحكي لا يا جماعة هذا خطأ، شو بيحكي عنه هذا؟ خبر كذب؛ فمعقول كلياتنا نسكت على شيء نعرف أنه كذب؟ قال: هذا لا تتوفر الدواعي إذا عرفنا أنه كذب، لا يمكن أن يسكت الجميع إلا واحد فينا يقول ترى الذي قاله بقصة كاذبة، والذي خطب ليس من قال بل رجل آخر. فتوفر الهمم على تكذيب هذا أعظم من توفرها على إخبارها بما وقع ابتداء؛ يعني أنا بوز ما يهمني أني أحكي أنه وقع، بس بيجيني هم أني أكذب من أخبر بخلاف الواقع. فإذا كانت من القضايا التي يمتنع السكوت عن إظهارها، فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد امتناعاً.
وقد تكون الدلائل في خبره؛ فإن الإنسان قد يرى حمرة في وجهه فيميز بين حمرته من الخجل والحياء، وبين حمرته من الحمى وزيادة الدم، وبين حمرته من الغضب. وكذلك يميز بين صفرته من الفزع والوجل، وبين صفرته من الحزن والخوف، وبين صفرته من المرض. فكما أن سحنته ووجهه يعرف بها أحواله الطبيعية من أمراض مختلفة حتى إن الأطباء الفجار يعلمون حال المريض من سحنته فلا يحتاجون مع ذلك إلى نظر وقارورة، وكذلك تعرف أحواله النفسانية: هل هو فرح مسرور أو محزون مكروب؟ ويعلم هل هو محب صديق مريد للخير أو مبغض عدو مريد للشر؛ كما قيل: "تحدث العينان كاتب ولا الشحناء والنظر الشزر"، وكما قيل: "والعين تشهد من عين محدثها إن كان من سميع أو من أيدها". "ولا تعرفنهم في لحن القول" فأخبر أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول، وأن معرفتهم بالسيما معلقة على المشيئة، ولو نشاء لأريناكم فلعرفتم بسيماهم. إن معرفتهم بالسيما معلقة على المشيئة، والمنافق كاذب يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فبين أنه في لحن القول يعلم أنه كاذب.
وقال في حق المؤمنين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]. وقال في حق الكافر: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 13] أي له ذمة من الشرع علامة يعرف بها. وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.
سبحان الله قد بسطنا الكلام على مسألة في الإيمان، وبين أن ما يوقر بالقلب من تصديق لا بد أن يكون هناك تلازم بين الباطن والظاهر في الإيمان، ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن؛ شخص لم يعمل أي عمل، لم يقم بجنس العمل في الظاهر، نستدل بذلك على كفر الباطن، كما في الحديث الصحيح: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله». كما قال عمر لمن رآه يعبد في الصلاة: لو خشع قلب فلان لخشعت جوارحه؛ من هذا الباب ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ جعل المودة علامة على وجود إشفاق في الباطن، ﴿وَكَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ فاتخاذ الأولياء دليل على عدم الإيمان بالله ورسوله، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ فجعل الظاهر دليل على عدم الإرادة في الباطن؛ فإن الإرادة التي في القلب مع القدرة توجب فعل المراد، والسفر في غزوة بعيدة لا يكون إلا بعدة.
قال: ومن هذا الباب قال عمر لما زورت المرأة التي إني أراها تستهل به استهلالاً، يوضح القران، فإنه لما رآها تجهر به بما فعلته وتحكيه من غير اكتراث، تبين له أنها لم تفعله تحريماً، وأنه لم يزنت جهلاً؛ هي مش عارفة عفواً أنه الفعل حرام، لما عثمان شافها بتحكي في الموضوع بكل بساطة آه والله قعدت مع فلان وصار اللي صار، وشافها بتحكي بكل يسر قال: هذه في شيء، هي بتحكي في موضوع كلام من لا يعرف أنه حرام. والرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه وبهجة وجهه سيما يعرف بها، وكذلك الفاجر والكاذب. وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه؛ حتى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه فإذا كان من أهل الفجور يظهر على ذلك عمره؛ ولذلك كان يقول عن الشيعة ابن تيمية دائماً إنه لما يكبر ليش بيطلع وجهه شكله غريب تشمئز من الجلوس معه؟ لأنه هكذا في بداية شبابهم بتلاقيهم ماشي ممكن ناس مميزين في الشكل، لكن بخليه ختير الرافضي ترى من تجعدات وجهه ما يقبح النظر فيه، هذا يقول من علامات الكذب التي يظهرها الله على وجوه الرافضة. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إن للحسنة نوراً في القلب وضياء في الوجه.
وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب لكن يعتقد اعتقادات باطلة كاذبة في الله أو في الرسل وفي دين وعبادة الصالحين وتكون له زهادة وعبادة واجتهاد في ذلك، فيؤثر ذلك الكذب الذي ظنه صدقاً وتوابعه في باطنه، ثم يظهر ذلك على وجهه فيعلوه من القتامة والسواد ما يناسب حاله، كما قال بعض السلف: لو ادهن صاحب البدعة كل يوم بدهان، حط بودرة على وجهه زيت، إن سواد البدعة لفي وجهه. وهذه الأمور تظهر يوم القيامة الظهور التام، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] كما قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدع.
والمقصود أن ما في القلوب من قصد الصدق والمحبة والبر ونحو ذلك قد يظهر على الوجه حتى يعلم ذلك علماً ضرورياً من أبلغ العلوم الضرورية، وكذلك ما فيها من قصد الكذب والبغض والفجور يظهر على الوجه. والإنسان يرافق في سفره من لم يره قط إلا تلك الساعة، فلا يلبث مدة إذا رآه وسمع كلامه أن يعرف هل هو مأمون يطمئن إليه أو ليس كذلك، وقد يشتبه عليه ذلك في أول الأمر وربما غلط، لكن العادة الغالبة أنه يتبين ذلك بعد لعامة الناس، وكذلك الجار يعرف جاره والمعامل يعرف معامله. ولهذا لما شهد عند عمر رجل فزكاه آخر، قال: هل أنت جاره الأدنى تعرف مساءه وصباحه؟ قال: لا. قال: هل عاملته في الدينار والدرهم؟ قال: لا. قال: هل رافقته في السفر؟ قال: لا. قال: أنت لست تعرفه. وروي أنه قال: لعلك رأيته يركع ركعات في المسجد؛ وذلك أن المنافق قد يظهر الصلاة في من لم يخبره لا يعرف باطن أمره.
فإذا كان كذلك من نباه الله واصطفاه لرسالته كان قلبه من أفضل القلوب صدقاً وبراً، ومن افترى على الله الكذب كان قلبه من شر القلوب كذباً وفجوراً؛ كما قال ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فما رآه المؤمنون عزاً وعند الله حسناً إلى آخره. وقال ابن مسعود: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم.
وإذا كان من أعظم بل أعظم أهل الزمان صدقاً وبراً فإنه لا بد أن يظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه ما يناسب ذلك، كما أن الكاذب الكافر لا بد أن يظهر على وجهه وفلتات لسانه ما يناسب ذلك. وهذا يكون إخباري بما وتر موجوداً في غير تلك الحال؛ فإن الرجل إذا جاء وقال: إن سلطاناً أو أميراً أو حاكماً أو الشيخ أو فلاناً أرسل إليكم بكذا، فإنه قد يقترن بنفسه كيفية وحالة ما يعلم به أنه صادق أو كاذب، وإن كان معروفاً قبل ذلك بالصدق أو الكذب، وكان ذلك دلالة أخرى. وقد يكون من يكذب ولكن يعرف أنه صادق في ذلك الخبر، دعماً يستمر على خبر واحد بضع عشرين سنة مع اختلاف أحوال الناس؛ ما ينبغي أن يعلم أن الناس أحوالهم في معرفة الخبر والنظر وسد ذلك في جميع المعارف، وقد يتفطن الإنسان لدلالة لا يفطن لها غيره، وقد يتبين له ما خفي على غيره حتى.
الأنبياء يتفضلون كما قال تعالى: ﴿وَداوُودَ وَسُلَيمانَ إِذ يَحكُمانِ فِي الحَرثِ إِذ نَفَشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكمِهِم شاهِدينَ * فَفَهَّمناها سُلَيمانَ وَكُلًّا آتَينا حُكمًا وَعِلمًا﴾ [الأنبياء: 78-79]. والمقصود أن العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات؛ قد يكون ضروريًا وقد يكون كسبياً نظريًا، يحتاج إلى نظر واستدلال. وهو ليس من الضروريات الكلية الأولية؛ حتى الضروري هنا ليس الضروري الأولي، بل الضروري الناتج عن مقدمات، لأن هناك ضرورات أولية تنشأ مع الإنسان بغض النظر عن القضية التي يشخص فيها.
لكن هناك ضرورات تنشأ مع الوقت، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، بل من العلم بالأمور المعينة؛ كالعلم بحمرة الخجل، وصفرة الوجل، وعدل العادل، وظلم الظالم، ونحو ذلك مما يعرفه الخبير بذلك علمًا ضروريًا. وإذا كان استدلاليًا، فالعلم لا يحصل بمجرد وجود الدليل في نفسه، بل لا بد من معرفة القلب به تمامًا. الناس متفاوتون في ذلك، والدليل أبدًا هو ما استلزم المدلول، فكل ما كان مستلزمًا لشيء كان دليلاً عليه، لكن لا بد من معرفته ومعرفة أنه مستلزم. ثم إذا حصل العلم بالدليل وبما يستلزمه، صار عندئذ ضروريًا. وقد يكون ضروريًا بواسطة دليل معين؛ وليس العلم بالمعينات كالعلم بصدق هذا وكذب هذا مما يحتاج فيه إلى القياس الشمولي، فإن ذلك إنما يفيد بتوسط قضية كلية، والمعينات قد لا يحتاج فيها إلى ذلك.
وإذا كان لا بد فيها من خبرة بحال ذلك المعين، فقد يصبح العلم ضروريًا دون أن أستعمل دليلاً معينًا بحد ذاته، وإنما من خلال الخبرة وكثرة التعامل مع الشيء. لا أقول إن هناك دليلاً معينًا أوصلني إلى هذا، بل من مجموع أمور عامة وخبرة صار عندي بالضرورة علم بأنه صادق، وإن كنت لا أملك دليلاً معينًا هو الذي بنى هذه القضية. ليس العلم بالمعينات كالعلم بصدق هذا وكذب هذا مما يحتاج فيه إلى القياس الشمولي، فإن ذلك القياس الشمولي إنما يفيد بتوسط قضية كلية. والمعينات؛ يعني أن أتكلم عن شخص بعينه أنه صادق أو شخص بعينه أنه كاذب، لا يحتاج فيها إلى قياس شمولي، وإن كان لا بد فيها من خبرة بحال ذلك المعين، كأن أنظر إلى حمرة وجهه فأعرف صدقه أو سافرت معه كذا. يريد القول إن من المنطق أنه ليس كل شيء يجب أن تجلب لي فيه قياسًا شموليًا؛ وهذه مشكلة الفكر اليوناني والمتاثرين بالمنطق الأرسطي، أن أي قضية صدق النبي ﷺ اعمل لي قياسًا شموليًا، توحيد الله سبحانه وتعالى اعمل لي قياسًا شموليًا؛ لا، أنت لما تتكلم عن قضية معينة أستطيع أن أستدل عليها بأدلة وقرائن دون الحاجة إلى استحضار القياس الشمولي والمقدمة الكبرى. لقد استدللنا بـ ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، والأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، وخلصنا.
فإذا قال القائل: إني رسول الله؛ إما أن يكون من خيار الناس وأصدقهم وأبرهم وأفضلهم، وإما أن يكون من شر الناس وأكذبهم وأفجرهم. والفرق بين هذين يكون من وجوه كثيرة لا تكاد تنضبط، كل منها يعرف به صدق هذا وكذب هذا. وكانت معرفة ذلك قد تحصل عند سماع خبر هذا وخبر هذا، ورؤية وجهه وسماع كلامه، وما يلزم ذلك ويقترن به من بهجة الصدق ونوره، ومن ظلمة الكذب وسواده وقبحه. تبين بذلك أن كثيرًا من الناس قد يحصل لهم علم ضروري بأن هذا نبي صادق، وهذا متنبئ كاذب، من قبل أن يروا خارقًا للعادة؛ لا توجد حاجة أصلاً ليروا معجزة، بمجرد أن يعرف صفاته يعرف أن هذا صادق وهذا كاذب.
وقول بعض المتكلمين: ما يمكن خرق العادة اختصاص للنبي به فلا يدل؛ فيقولون: المشكلة أن بعض المتكلمين يقول كل شيء ليس خارقًا للعادة لا يختص بالنبي فبالتالي لا يدل على صدقه؛ هذا مشكل، لا، هناك طرق كثيرة للدلالة على صدق النبي حتى ولو لم تكن خارقة للعادة. فيقال له: لفظ خرق العادة لفظ مجمل، وادعاء النبوة صدقًا وكذبًا ليس هو أمرًا معتادًا، ولم يقع هذا إلا في أفراد من العالم، وهو أقل بكثير من الأخبار بالمغيبات؛ لأن هذا أكثر في الوجود من دعوة النبوة، إذ كل نبي يخبر بالمغيبات وليس كل من أخبر بها كان نبيًا. وهؤلاء الذين يقولون هذا، يقول أكثرهم أو كثير منهم إن دعوى النبوة والتحدي والمعجزة مجموعها هو المختص بالنبي، وإلا فهم يقولون: إنما كان معجزة لنبي، جاز أن يظهر على يديه ولي أو ساحر، وإنما يفرق بينهما التحدي وعدمه. هو يقول لهم: تجون تحكون لنا إنه لا نحن ما بنستدل على النبوة إلا بالخوارق، لأنه يقول أصلاً شو تعريف الخارق عندكم؟ الخارق عندكم نفسه يظهر على يد الساحر وعلى يد الولي. فهو يقول يعني كلامكم متخبط، أنتم تقولون لا يمكن إثبات صدق النبوة إلا من خلال المعجز، صح؟ مش هذا دائما دليلهم حتى في أصول الفقه لما تقرأوا كيف تثبت النبوة من خلال المعجز؟ فيقول لهم: يعني ما في طريقة أخرى لإثبات صدق النبوة غير المعجز؟ ثم تعالوا، أنت شو المعجز عندكم؟ لا بد من وجود أمر خارق مع التحدي، فجنسه كجنس ما يطلع على يد السحرة وعلى يد الأولياء.
فأصلاً عندكم مشكلة في ما هو المعجز، فما بدي أناقشكم في هذا؛ فلا تيجي تقول لي آخر شيء إن صدق النبوة لا يثبت إلا من خلال المعجز. أنتم أصلاً عندكم مشكلة في بيان ما هو المعجز، وشو الفرق بين جنس المعجزات وجنس ما يظهر على يد السحرة. زي الدور، لا هو مش دور؛ يعني أنت تقول لي لا يثبت صدق النبوة إلا من خلال المعجز، ثم أرى أن المعجز عندك شيء يشترك به النبي مع الساحر مع الولي، وأن مفرق الطريق هو مجرد دعوى المعارضة والتحدي، وهي دعوى المعارضة والتحدي كما قلنا قد يفعلها المشرك، ممكن، وقد فعلها المسيح الدجال فيما هو أعلى وأعظم؛ فعدنا إلى مربع أنه ما في معجز عندك بالمعنى الحقيقي. ومنهم من ينكر خرق العادات أن يظهر على يد غير النبي، ومنهم من لا؛ اللي هم هذول المعتزلة الذين ينكرون الكرامات. ومنهم من لا يفرق بين الولي والساحر إلا ببر هذا وفجور هذا، وأنه ما يظهر على يد الولي مثل ما يظهر على يد الساحر.
ومنهم من يطري ذلك في النبي، لا سيما متفلسفة اليونان، فإنهم من أجل الناس بأمر النبوة؛ وإذ كانوا لم يأخذوها مع من العلم بصدق الأنبياء وما جاءوا به من الآيات والبراهين والعلم بصفاته، وإنما أخذوها من خلال القياس على المنامات، فجوزوا النبوة فيها مثل ما يجوز على النائم من الأحلام والتخييل وما يصيب أهل المرار السوداء، مما يشبه ذلك أو شيء من ذلك. المهم وهذا موجود في عامة أتباع أرسطو الشراحين، ولكن متأخريهم كابن سينا ضم إلى ذلك تصرفه في هيولى العالم، أن النبي ممكن يتصرف في هيولى العالم لما بلغه من خوارقهم الفعلية التي لم يكن يعرفها أولئك؛ يعني كان ابن سينا أحسن شوي من أرسطوطاليس شوي. إذ كان علم أرسطو بما كان يعلمه قومه من اليونان، وهم أمة من أولاد يافث، لم يكن فيهم ما في أولاد سام كهود وصالح وغيرهما، ثم أولاد إبراهيم الخليل الذي وعده أن يجعل في ذريته النبوة والكتاب، حتى يكون علم النبوة مشهورًا فيهم، والله تعالى من زمن الخليل جعل في ذرية إبراهيم النبوة والكتاب كما أخبر بذلك في القرآن؛ وهم أي اليونان ليسوا من ذرية إبراهيم، لذلك كانوا ضعيفي الخبرة بأحوال الأنبياء.
وقد ذكر طائفة منهم؛ كمحمد بن يوسف العامري وصاعد بن صاعد الأندلسي، أن أساطينهم أربعة: ابن قليس، ثم فيثاغورس، ثم سقراط، ثم أفلاطون، قدموا الشام واستفادوا من بني إسرائيل. ولهذا لم يكن في هؤلاء من قال بقدم العالم، بخلاف أرسطو فإنه لم يقدم الشام فلم يطلع على علم الأنبياء. وذكر هؤلاء أن أول من لقب بالحكمة لقمان، وأن ابن قليس استفاد من لقمان ومن أتباع داوود، فإنه كان في زمن داوود. وإن كان هذا قول هؤلاء النظر من أهل الكلام والفلسفة؛ فمجرد خارق العادة عندهم، لاحظ ليس وحده مستلزمًا للنبوة، ليه؟ لأنه عندهم هذا قد يكون للفلاسفة وقد يكون لغيرهم. وإن النبوة تكتسب أصلاً حتى يكون وحده دليلاً، بل لا بد حتى نقول إنه نبي أن ينضم إلى ذلك التحدي وعدم المعارضة.
وهذا لما اختلف قول طائفة منهم كأبي الحسن وأتباعه: هل يجوز ظهور الخارقة على يدي الكاذب؟ فقيل: لا يجوز؛ لأنه علم النبوة يتخلف عنه مدلوله كسائر الأدلة. وقيل: بل يجوز ولكن الله لا يفعله. ثم قيل: لأنه يستلزم عجزًا، مع قولين عند الأشاعرة؛ قول إنه لا يجوز أن يظهره الله لأنه علم النبوة، وقول آخر أنه يجوز يعني ممكن عقلاً ولكن الله لا يفعله؛ إذ لا طريقة إليه إلا المعجز عندهم. وقيل: بل هو مقدور ممكن، ولكن نحن نعلم ضرورة أنه لا يفعله، مثل مما يمكن في العادة، ونحن نعلم أن الله لا يفعله. جميع من جمع بين القولين وقال: مجموع ما يدل على النبوة؛ الخارق سالم المعارض مع التحدي يمتنع أن يكون لغير نبي، بخلاف جنس الخارق. فقيل له: هذا الامتناع إما أن يكون عن دين، وإما يكون لاستلزامه العجز عن تصديق النبي، وذلكم ممتنع. فإذا كان ممتنعًا لاستلزامه أمرًا ممتنعًا، وإذا كان انقلاب العادة ليس عندك ممتنعًا، فلا بد لك من ذلك الجواب؛ وهو القول بأن نعلم ضرورة أن ذلك لم يكن.
ثم إذا علمت أن هذا علم ضروري أن الأئمة بدلالته على الصدق أمر ضروري، مثل الذي ضربته في إرسال الملك رسولاً، وقول رسوله: إن كنت صادقًا فغير عادتك بقيامك ثم قعودك، فعلى ذلك عقب سؤال الرسول؛ فإن ذلك يوجب العلم الضروري بصدق الرسول. وقيل لك الملك يعلم عادته، ويعلم أن فعل ذلك للتصديق. والرب عندك لم يخلق شيئًا لأجل شيء، فقلت: بل يخلق شيئًا مقارنًا لشيء كالعاديات وهذا منها. فقيل لك: العادات قد تكررت، فقلت: قد نعلم ذلك بلا تكرر، وجعلت ذلك من باب الدلالة الوضعية كدلالة اللفظ على قصد المتكلم، وقلت: قد نعلم قصده اضطرارًا من غير سبق مواضعة. وهذه العلوم الضرورية التي ذكرت أنه يعلم بها صدق الرسول، وإن كانت حقًا، فجمهور الناس يقولون إنك لم تقر بلوازمها من كونه يفعل لأجل كذا. ويقولون: القول بأنه خلق المعجزة لقصد التصديق، مع القول بأنه لا يخلق شيئًا لأجل شيء، تناقض. فقلت: لا يشترط في العلم الضروري العلم بأنه يفعل كذا لأجل كذا. فقيل لك: هب أنه كذلك، لكن لا يحصل العلم الضروري مع العلم بما يناقضه.
والمقصود أن ما يذكره هؤلاء وأمثالهم من النظارة بل وعامة الناس، هم فيما يثبتونه من العلم والحقائق المعلومة أسد منهم وأصوب فيما ينفونه؛ فإن الإنسان لم يثبته أعلم منه بما ينفيه، وشهادته على الإثبات أقوى من شهادته على النفي، وإن كان النفي قد يكون معلومًا؛ لكن غلط الناس فيما ينفونه ويكذبون به أكثر من غلطهم فيما يثبتونه ويصدقون به. ولهذا قال تعالى: ﴿بَل كَذَّبوا بِما لَم يُحيطوا بِعِلمِهِ وَلَمّا يَأتِهِم تَأويلُهُ﴾ [يونس: 39].
ولهذا تجد من سلك طريقًا من الطرق، إما في إثبات العلم بالصانع، وإما في العلم بالنبوة، أو العلم بالمعاد، أو غير ذلك، واحد يقول لا طريقة إلا هذا الطريق، يخطئ في النفي أكثر من خطئه في الإثبات. ومنهم هؤلاء، فإنهم قد ينفون من العلم والطرق ما يعلمه غيرهم، لا طريقة إلا هذا الطريق؛ أنت أخطأت في نفيك لا في طرق أخرى، أما تحصر أنه لا طريقة للعلم بالصانع إلا هذا الطريق، فنفيك خطأ، يخطئ في النفي أكثر من خطئه في الإثبات. وهؤلاء الذين اتفقوا على أنه لا طريق إلا المعجزات، تنوعوا في وجه دلالتها، فيثبت هؤلاء وجهًا يستدلون به وينفون طريق غيرهم.
وبالعكس، فإذا قالوا ما سوى الخارق للعادة ليس يختص بالنبي، فلا يدل على نبوته؛ قيل لهم: الدليل هو الذي يكون مستلزمًا للمدلول، يلزم تحقق المدلول. ولفظ الخارق للعادة فيه إجمال كما تقدم، فحينئذ فنفس أنباء الله للنبي واصفًا فهم فيها إجمالًا، واختلفوا في ضابط الخارق للعادة.
وهنا إذاً في نفس النبي واصطفاء رسالته وأقداره على التلقي من الملك، وذلك من المعجزات التي أعجز الله الخلق أن يفعلها، هو مختص بالأنبياء، وهذا الوصف أجل أعظم قدرًا من غيره من الخوارق. والمستلزم لهذا الخارق لا يكون إلا خارقه هو الدليل؛ إذ يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم، ومن انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. والمعتاد الذي يوجد بدون نبوة لا يكون دليلاً، وأما ما لا يوجد إلا بوجود نبوة فهو دليل.
فقد تبين أن كل ما يدل على صدق الرسول وهو خارق للعادة، يكون آية ونبوة على صدقه، وأما ما كان خرقًا للعادة ولا يستلزم النبوة فليس دليلاً. وقد يكون الشيء معتادًا بدون النبوة، ومع النبوة يكون خرقًا للعادة؛ فحيث يكون وجوده مع النبوة خرقًا للعادة، وما يدل على صدق الرسول زائد وهو خارق للعادة، يكون آية ونبوة على صدقه. وأما ما يكون فقط خارقًا للعادة ولا يستلزم النبوة فليس دليلاً على النبوة.
وقد يكون الشيء معتادًا بدون النبوة ومع النبوة يكون خرقًا للعادة، بحيث يكون وجوده مع النبوة بالتحديد خرقًا للعادة، بخلاف وجوده مجردًا عنها؛ لأن النبوة هي بحد ذاتها أصلاً خرق للعادة، فلا يكون مستلزمًا لها إلا ما هو خارق للعادة. فقول القائل: لا يعلم صدق إلا بالمعجزة، وهي الخارق للعادة، إن أراد به المعنى العام وما يستلزم صدقه بطل، وتخصيص ذلك بما يخلقه منفصلاً عنه من الآيات. وإن أراد بذلك نوعًا مخصوصًا مع اشتراك الجميع في الدلالة التي ظهرت بالنفي، وأما ما يوجد بدونها كما يوجد معها من الأمور التي تكون الصادق فيها في دعوى النبوة والكاذب في دعوى النبوة، فهذه لا تدل.
وما يظهره الله على يد النبي من أنواع التي يعرف بها، ليس فيها شيء يكون الكاذب، بل الكاذب لا يكون له من الأدلة إلا ما يستلزم الكذب. كل ما يدل على الكذب لا يدل على الصدق، بل العكس؛ فإن دليل الكذب مستلزم له ودليل الصدق مستلزم له، وهما ضدان يمتنع أن يكونا في شيء واحد؛ فيمتنع أن يكون المرء نبياً صادقاً وتنبئه كذباً، فهما ضدان لا يجتمعان، فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين. فتبين أن دليل الصدق يمتنع أن يدل على الكذب، ودليل الكذب يمتنع أن يدل على الصدق.
وهذه القاعدة ينتفع بها في مواضع، منها أن كثيرًا من الناس إذا رأوا الكاذب وسمعوا كلامه تبين لهم كذبه تارة بعلم ضروري، وتارة بعلم استدلالي، وتارة بظن قوي. وكذلك النبي، إذا رأوه وسمعوا كلامه فقد يتبين أنهم صدقوا بعلم ضروري أو نظري، وقد يكون أولاً بظن قوي ثم يقوى الظن حتى يصير يقيناً كما في المعلوم بالأخبار المتواترة والتجارب؛ فإن الخبر الأول يفيد نوعًا من الظن، ثم يقوى بخبر الثاني والثالث حتى يصير يقيناً، وهذا الطريق سلكه ألوف من الناس.
ثم نبه على ذلك القاضي، قال القاضي: «إذا تأمل المتأمل منصب ما قدمنا من جميل أثره، وحميد سيره، وبراءة علمه، ورجحة عقله وحلمه، وجمال وجملة كماله، وجمع أصالة وشاهد حاله وصواب مقاله، لم يمتل في صحته بوجه وصف دعوته». وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به، فرو عن الترمذي وابن قانع وغيرهما.
كثير من الناس أسلموا فقط من خلال الخصال، كعبد الله بن سلام. وأيضاً أبي رَمثة الذي أتى النبي ﷺ، فقال: «أتيت النبي ﷺ، فلما رأيته قلت: هذا نبي الله». وأيضاً قصة ضماد، وكان من الجنون وكان يرقي لهم من الريح، وقصة إسلامه معروفة.
وكذلك قال جابر بن شداد: «كان منا رجل يقال له طارق، فأخبر أنه رأى النبي ﷺ بالمدينة، فقال: هل معكم شيء تبيعونه؟ وقلنا: هذا البعير، قال: بكم؟ والنبي كذا وكذا، وسقى من التمر، فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة، فقلنا: إن هذا رجل لا ندري من هو، ومعنا ضينة، فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر». فكيف استدلوا على النبوة من خلال وجهه؟ فجاء رجل من التمر فقال: «أنا رسول الله إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا»، ففعلنا.
وفي خبر الجُلندى ملك غسان، لما بلغه رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام، قال: «والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له». انظر كيف الاستدلال على النبوة عندهم! وقال في قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: 35]، قال: هو مثل ضرب الله لنبيه، يكاد منظره يدل على نبوته.
وكذلك إيمان خديجة وأبي بكر وغيرهما من السابقين، كان قبل انشقاق القمر وقبل أخباره بالغيوب وقبل تحديه بالقرآن، لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية مستلزمة لصدقه، ونفس كلامه وأخباره بأنه رسول الله مع ما يعرف من أحواله مستلزم لصدقه. بل خديجة قالت له: «كلا والله لا يخزيك الله أبداً»، فاستدلت على صدقه بأنه يصل الرحم، ويصدق الحديث، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويساعد المعدوم، إلى غير ذلك. وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخبرهم، وكان معظماً في قريش لعلمه وإحسانه وعقله، فلما تبين له حاله علم علماً ضرورياً أنه نبي صادق.
وكذلك هرقل، لما عرف من حاله ما عرف، وكان تحية الكلب جُي به فدُفع إلى عظيم بصرى، فقال هرقل: «ألا إن هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي»، إلى آخره. وقصة أبي سفيان التي تعرفونها؛ قال: «ثم دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأه، فقال: فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى عظيم الروم، أما بعد، فإني أدعوك إلى الإسلام يا أهل...».
ومما استدل به هرقل من العلم بصفاته هو استدلال على عينه، فإن الناس في النبوة على درجات؛ منهم من يحتاج إلى أن يعلم جنس النبوة، فيصدق بجنس الرسل من البشر ولا يكذب بالجنس، كما كذب بذلك من كذب به من قوم نوح وعاد وثمود، كذبوا أنه أصلا في رسل، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، لم يقل المرسل، بل كذبوا المرسلين، كذبوا جنس الرسل، فلذلك جاءهم العذاب؛ لأن تكذيبهم لم يكن لشخص واحد، بل كانوا مكذبين لجنس الرسل، وهؤلاء يخاطبهم الله في سور المكية في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]، فاحتج بإنزال كتاب موسى لما تواتر من خبره من الآيات الباهرات.
الحالة الثانية من الناس: من يقر بالرسل في الجملة، لكن لا يؤمن بما يجب من حقيقة إرسالهم، كالملاحدة وأهل البدع الذين يعظمون الأنبياء مع اعتقادهم في الباطن ما يناقض بعض ما جاؤوا به، لشبهات انعقدت في قلوبهم ظنوها علما، وهي مناقضة لما أخبرت به الرسل، فيحتاجون إلى أن يوفقوا بينهما. وهؤلاء يشبهون الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وأنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، إلى جهة أخرى، وقد أخبر الله أنه جعل الأنبياء من يعاديهم من الإنس والجن، وكذلك: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].
وهؤلاء الذين عندهم ما يناقض بعض ما أخبرت به الرسل هم ثلاثة أصناف: الصنف الأول أهل التخييل من الملاحدة والفلاسفة والباطنية، الذين يقولون إن الرسل أخبروا من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر بما يخالف الحق في نفس الأمر، لكن ليُخيروا الجمهور ويقربوا إلى الناس الدين، ويعدون هذا من فضائل الرسل، لكن يعتقدون أن الحق خلاف ما أخبرت به الرسل.
النوع الثاني أهل التحريف والتأويل الذين يؤولون كلام الرسل على ما يخالف مرادهم، ويزعمون أنهم أرادوا ذلك المعنى، مع أنه ليس في كلام الرسل ما يدل على إرادة ذلك المعنى، وهؤلاء هم أهل التأويل من الجهمية والمعتزلة، وشيء مما وقع فيه الأشاعرة والماتريدية وأهل التجهيل الذين يقولون ذلك الكلام ليس له معنى يعلمه الرسول ولا غيره، وإنما يعلم الله وحده، وهؤلاء هم المفوضة.
وهذان القولان يقول بكل منهما طوائف معظمة؛ من أهل التأويل والتأويل، وأهل التفويض والتجهيل، وقد بينت نفسها دوما في غير هذا الموضع. أما من قال إن الرسل وغيرهم يعلمون المعنى الذي بينه الله لهم بكلامه، ولكن استأثر الله بعلم أمر آخر لا يعلمونه، كما استأثر بعلم غيب الساعة، فهذا قول السلف والأئمة. وأما من قال إن الرسل وغيرهم يعلمون المعنى الذي بينه الله لهم بكلامه، ولكن استأثر الله بعلم أشياء أخرى، وليس كلامه، فهؤلاء هم المفوضة، وبسطت هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الكلام في النبوات إما تارة في جنس النبوة، وتارة في شخص نبي معين. هرقل لما استدل لم يكن محتاجا إلى الإيمان بجنس النبوات؛ لأنه كان مؤمنا بجنس النبوات عموما، وأهل الكتاب يقرون بجنس النبوات، فإنهم يقرون بنبوة نوح وإبراهيم وموسى وأنبياء بني إسرائيل. والذي يحتاج إلى معرفة النبي المعين نوعان: نوع عرفوا أنه يبعث نبي، وقد يعرفون بعض نعوته، فيحتاجون أن يعرفوا عينه هل هو هذا الشخص أم لا، وهرقل وأمثاله من أهل الكتاب كانوا من هذا النوع، فقد كانوا يعلمون أن نبيا سيبعث، وإنما كانت حاجتهم إلى أن يتأكدوا هل هو هذا النبي المذكور أم غيره، فيكون ما يحتاجون إليه من دلائل صدقه أيسر مما يحتاج إليه من لا يؤمن بالرسل أصلا ولا يعرف نبيا سيبعث كجنس.
ومن كان يعلم جنس الرسل ولا يدري هل يبعث نبي أم لا، يعني هل هناك نبي قادم أو لا، يحتاج أن يعلم هل هذا المعين هل هو من جنس الأنبياء الصادقين أو من جنس المتنبئين الكاذبين، وهذا يعرف بما يخصه من آيات صدقه، وباعتبار ما جاء به الأنبياء قبله؛ فإن أصول ذلك مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه، وهي الأمور التي لا تقبل النسخ: الإخبار عن الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر. فهذا مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه، إذ كان كل ما يخبر به النبي فهو صدق، والإخبار الصادقة لا تتناقض ولا تقبل النسخ.
ولكن قد يكون بعض الأنبياء أعلم ببعض ذلك من بعض، وفي كلام بعضهم من الأخبار ببعض ذلك ما ليس في كلام البعض، وما أخبر به محمد ﷺ هو أكمل وأكثر مما أخبر به موسى والمسيح. وقد يظن بعض الغالطين تناقض بعض أخبار الأنبياء، كما يظن بعض الغالطين معارضة العقل لما أخبر به الأنبياء، وهذا ممتنع، فلا بد أن يكون المعارض العقلي هو الخطأ، أو السمعي هو الذي لم يثبت لفظه أو دلالته، وكذلك في الأخبار لا بد أن يكون أحد الخبرين كذبا أو غير دال على مناقضة الخبر الآخر.
وأما الأصول الجامعة كالامر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، والصدق والعدل، وتحريم الأصناف الأربعة في الربا، أو عفوا تحريم الأصناف الأربعة وهي الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله وأن يقول عليه غير الحق، وذلك مثل ما ذكره سبحانه في سور الأنعام والأعراف وبني إسرائيل؛ هذه الأمور الأربعة، وقد تنازع الناس في مثل هذا: هل يمكن نسخه وتنوع الشرائع به؟ على قولين:
فمن جوز أن الله يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء، رد ذلك إلى بعض المشيئة لا إلى صفات تقتضي الأمر بهذا الشيء دون هذا، فإن على هؤلاء وعلى طريقتهم جوزوا دخول النسخ حتى في هذه الأمور على مقتضى أصلهم، وإن كان لا يسلم بذلك منطقا، وتنوع الشرائع فيه كما يقول ذلك الجهم بن صفوان والأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وإن كانوا قد يقولون إنه لم يقع فيه نسخا، هم يقولون هذا ممكن عقلا أن تنسخ هذه الأمور الأربع: الفواحش والإثم والإشراك، لكن لم يقع ذلك.
شوف كيف أحيانا العقيدة الفاسدة تؤدي بصاحبها إلى لوازم خطيرة؛ التحسين والتقبيح. شايفين هذا قبيح في نفسه؟ نعم، هم شايفين هذا قبيح في نفسه؛ قبيح لأن الشرع فعله. هذا أصلا ناتج عن فكرة، وله ارتباط بقضية أن الله يأمر بالشيء لأنه أراد، وليس لأنه حسن في ذاته أو قبيح في ذاته. وأما جمهور الناس من السلف والخلف، فإنهم لا يجوزون دخول النسخ حتى تجويزا عقليا في هذا، ولا تنوع الشرائع فيه، ولهذا كان دين الأنبياء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معاش الأنبياء دين واحد». وهذا في موضع آخر قال: «هذا آخر النسخ كلها». والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
هذا نهاية تعليقنا على كتاب الجواب الصحيح، وحقيقة المادة الأخيرة هي من أنفع المواد التي يحتاجها طالب العلم أن يراجعها، وأن يجلس معها ربما جلسة أكثر هدوءًا فيما يتعلق بقضية الأخبار وفلسفة قبولها، وقضية دلائل النبوة، وكيف ابن تيمية في هذا ينقض طريقة الأشاعرة والمتكلمين الذين يحصرون إثبات النبوة من خلال فقط المعجز، ثم الورطة أنهم لم يضبطوا ما هو المعجز.
يعني هذه مشكلتان: حصر دلائل النبوة في المعجزات، وعدم اتفاقكم على تعريف المعجزة. كلاهما مشكلة في علم الكلام، فابن تيمية يبين أن دلائل النبوة أعلى بكثير وأوسع بكثير، خلينا نقول من المعجزات، ثم إن المعجز يحتاج إلى ضبطه بشكل واضح حتى يظهر الفرق بينه وبين السحر.
فجزا الله شيخ الإسلام ابن تيمية عنا خير الجزاء على هذا الكتاب، وهذه المعلومات، وهذا البحث العميق، والنظر الدقيق في العلوم. وباذن الله في مجلس آخر أو في وقت آخر نعلن عن كتاب آخر من كتب التراث نتدارسها ونعيش في أفنائها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا الجهد، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم القيامة.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل