السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله الأخوات في هذا الصباح المبارك.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا بالحق واجعلنا من أهله ومن جنده، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله في مجلس جديد من مدارس تراث، حيث ما زلنا نتدارس في هذا المصنف المبارك «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» لابن تيمية رحمه الله تعالى. ونحن في المجلد الأخير وفي القسم الأخير من هذا الكتاب، وهو قسم مبارك ذكر فيه ابن تيمية وأسهب فيه بإبداع في ذكر دلائل النبوة؛ في ذكر دلائل النبوة في حياته الشخصية ﷺ، وفي ذكر دلائل النبوة في حال أمته وما آل إليه أمرها، إلى غير ذلك من الدلائل التي حشدها في هذا المكان، وقل إن تجدها عند عالم آخر وعند مصنف آخر جمع وحشد بهذا الترتيب وبهذا الزخم.
لذلك يقولون: هذا الفصل الأخير من كتاب «الجواب الصحيح» هو درة هذا الكتاب، وهو قدره ابن تيمية رحمه الله تعالى على استحضار دلائل النبوة وترتيبها بشكل موسع ومن جهات متعددة، بما فيه تثبيت لهذه النبوة المباركة التي نحن نعيش في أفيائها وفي ظلالها وبركتها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي نبينا عليه الصلاة والسلام عنا خير الجزاء.
وصلنا إلى قوله: وثبت عنه في الصحيحين أنه لا تزال طائفة من أمتي... بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجّ المستضعفين من المؤمنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة».
هذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم، فانتشرت الأمة في مشارق الأرض ومغاربها وكان كما أخبر به، فإن هذه الأمة ولله الحمد والمنة لم يزل فيها طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، لم يصبها ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرهم حيث كانوا مقهورين مع الأعداء، بل إن غلبت طائفة في قطر من الأرض كانت الأمة ظاهرة منصورة، بل إن غلبت طائفة في قطر تظهر طائفة في قطر آخر.
وهذا أيضاً من دلائل النبوة؛ أخبر وهو مستضعف ﷺ في مكة مع الصحابة أنه سيحدث أمور، فكان يخبر عن فتح روم والفارس وهو مستضعف وهو مهاجر من مكة إلى المدينة، يعد سراق بن مالك بسواري كسرى، تخيل أنت في قمة المطاردة والاستضعاف ولكنك موقن بوعد الله سبحانه فتخبر بأمور ستحصل وتحصل كما تقول، أليس هذا من أعظم دلائل النبوة؟
قال: «ولم يسلط على مجموعة عدواً من غيرهم ولكن وقع بينهم اختلاف وفتن». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
وأيضاً هذا الحديث من دلائل النبوة؛ أن النبي ﷺ أخبر أنه سيظهر في هذه الأمة قوم معهم سياط كأذناب البقر، وهؤلاء شرحهم بماذا؟ بأجناد السلاطين الذين كانوا يجلدون الناس في الطرقات على غير وجه الحق. ونساء كاسيات عاريات، يعني هي كاسية عارية، كما يقولون لابسة وكأنها غير لابسة، وهذا للأسف نراه اليوم؛ تجدها تلبس الملابس الضيقة جداً والتي تبين كل عضو من الأعضاء، فهذه وإن كانت كاسية من حيث قطعة القماش لكنها عارية من حيث الفحوى والمضمون.
مائلات هي في نفسها مائلة عن الحق زائغة عن الرشد، مميلات فهي مفسدة في ذاتها ومفسدة لغيرها، تميل الشباب وتغريه، رؤوسهن كأسنمة البخت، وهذا من أقرب ما قيل فيه أنها تصنع على رأسها من موديلات الشعر ما يظهر كأسنمة البخت، واليوم تراهم في الطرقات وللأسف تجعل رأسها كأسنمة الجمل من هذه الموضات في الحلاقة وتصفيف الشعر. قال: «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها»، أسأل الله العافية.
قال: وهؤلاء ظهروا بعد مدة طويلة، وظهر النسب بعد ذلك بسنين كثيرة، وعلى رؤوسهن عمائم كأسنمة الجمال. وفي حديث مسلم عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب مبير». وأيضاً هذا من دلائل النبوة، أن قبيلة ثقيف وهي إحدى قبائل الطائف، قال سيكون فيها رجل كذاب يدعي النبوة وهو كذاب، وهو سيأتي معنا: المختار بن أبي عبيد، والمبير أي مهلك مفسد قتال، وهذا هو حجاج بن يوسف الثقفي؛ أخبر بهم والنبي ﷺ قبل وجودهم.
قال: وظهر الكذاب من ثقيف وهو المختار بن أبي عبيد، أظهر التشيع وانتصار الحسين وقتل عبيد الله بن زياد وغيره من قتلة الحسين، ثم أظهر أنه يوحى إليه وأنه ينزل عليه، حتى قيل لابن عمر وابن عباس عنه، فقيل لأحدهما إنه يوحى إليه والآخر أنه ينزل عليه، فقال أحدهما: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم»، وقال الآخر: «نعم، ويوحى إليه، واسم يوحى إليه من الشياطين مش من الملائكة»، وقال الآخر: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222].
طبعاً هذا المختار، ابن عمر كان متزوجاً لأخته صفية بنت أبي عبيد، فابن عمر كان خبيراً به، صفية بنت أبي عبيد أخت المختار هي زوجة عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه. قال: أما المبير فكان هو الحجاج بن يوسف.
الثقفي إن كان مبيرا سفاكا لدماء بغير حق انتصارا لملك عبد الملك بن مروان الذي استنابه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: «لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يبسط ثوبه فيأخذه من حديثي فيجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئا سمعه، فبسطت بردي علي حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا سمعته منه». وهذا من دلائل النبوة أنه لم ينس شيئا سمعه كما وعده النبي صلى الله عليه وسلم.
قال في الصحيحين عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلهم قريش». وفي لفظ: «إلى اثني عشر أميرا». وفي رواية لأبي داود الطيالسي: «كلهم يجتمع عليهم الأمة». وفي رواية: «فيقولوا ويكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج». قال أبو بكر البيهقي: في الرواية الأولى بيان العدد، وفي الثانية بيان المراد بالعدد وقد بين وقوع الهرج وهو القتل بعدهم. قال: وقد وجد هذا العدد بصفة مذكورة إلى وقت الوليد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظمى، وإنما يزيدون على العدد المذكور إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عُد معهم من كان بعد الهرج.
إذن هم اثنا عشر خليفة من أبي بكر الصديق إلى الوليد بن عبد الملك، بعد ذلك يقولون بدأت الفتن تخرج في بني أمية وبدأ يحدث اقتتال، وبدأت بعض القبائل، وبدأت دعوة بني العباس تشتعل في بعض مناطق العالم الإسلامي البعيدة. قال في الصحيحين عن جابر: «عفنت الوليد بن يزيد بن عبد الملك».
وفي صحيح عن جابر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من أنماط؟» قلت: يا رسول الله، إن يكون لي أنماط فإني أقول لامرأتي: نحي عنك أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون لكم أنماط»؟ الأنماط نوع من الستور، وتعتبر متقدمة فارهة، كانوا يسترون بها الجدران، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر زوجاته بأن لا يضعنها لأنها نوع من الترفه، والنبي صلى الله عليه وسلم يأخذ نفسه بالشدة، ولكن قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من أنماط؟» يعني هذه أثاث يكون في البيوت الفاخرة نوعا ما، فقال: «إنها ستكون لكم أنماط».
قال في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب، ففضعتهما فكرهتهما، فإذن لي فنفختهما فطارا»، وأوّلهما كذابين يخرجان بعدي. قال عبد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة. وفي صحيحنا من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق: «ها هنا، ها هنا، ها هنا، الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان». وفي بعض الطرق البخاري قام خطيبا فأشار بيده نحو مسكن عائشة فقال وذكر الحديث. فالمشرق من مدينته في البحرين، ومنها خرج مسيلمة الكذاب الذي ادعى نبوته. البحرين قديما ليست البحرين المعاصرة، دائما البحرين تطلق على ما يشمل الخليج العربي عموما، يشمل ما بعد عمان للكويت، ويدخل فيها ممكن حتى بعض المناطق الشمالية الشرقية من بلاد الحرمين.
ومنها خرج مسيلمة الكذاب الذي ادعى نبوته، أول حادث حدث بعده واتبعه خلائق وقاتله خليفته الصديق رضي الله عنه. وروى أبو حاتم في صحيحه عن جابر بن عبد الله: «منهم صاحب، منهم الدجال وهو أعظم فتنة، وصاحب اليمامة مسيلمة»، قال: «وأصحابهم قريب من كذابه». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يفيض المال وتظهر الفتن ويكثر الهرج»، قالوا: الهرج يا رسول الله؟ قال: «قتل قتل». وكل هذا وقع.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وأركبني خلفه، ثم قال: «يا أبا ذر، أرايت إن أصاب الناس جوع شديد حتى لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «تعفف»، قال: يا أبا ذر، أرايت إن أصاب الناس موت شديد حتى يكون البيت بالعبد كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: «اصبر يا أبا ذر»، أرايت إن قتل الناس بعضهم بعضا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك»، قال: أرايت إن لم أترك؟ قال: «فما فات من أنت منه فكن فيهم»، قال: فأخذ سلاحي، قال: «إذا تشاركهم فيه ولكن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فاقلب طرف ردائك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه». أي: بخليه يقتلك، حتى لا تفتن ببريق السيف.
وفي صحيح ابن مسعود قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من آدم فيها أربعون رجلا فقال: «إنكم مفتوحون ومنصورون، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينهى عن المنكر، ومن كذب عليه متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وأما الفتوح التي فتحت عليهم والنصرة التي نصروا فقد أخبر به في أوائل مبعثه كما تقدم ذكره ووقع ما أخبر به. وروى أبو حميد صحيح عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فأتته قريش، وأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده عند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه، فشكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يقع في الهتنا، قال: ما شأن؟
«قومك ما يشكون، ما شأن قومك يشكونك يا ابن أخي؟» قال: «يا عم، إنما أردتهم على كلمة واحدة، تدينهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». فقال: «وما هي؟» قال: «لا إله إلا الله». فقاموا فقالوا: «اجعل الآلهة واحدة». ﴿صاد ﴾ نزلت، ﴿صاد ﴿ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْحَقُّ ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجَابٌ﴾ [ص: 44-45].
أين موطن الشاهد في الحديث؟ أحسنت: «وتؤدي إليهم بها العجم الجزية وتدينهم بها العرب». يعني هو كان في أوائل مكة، في وفاة أبي طالب، كان لسه كفار قريش غير مؤمنين به صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يعدهم أن العجم ستدفع الجزية إليهم، وهذا ما حصل فعلاً؛ كذلك تدين لهم بها العرب.
قال في صحيح ابن حبان عن أسعد بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: لما أقبلت عائشة مرة، مرّ بعض بني عمر، طلقتهم ليلاً فسمعت نباح كلام، فقالت: «أي ما هذا؟» فقالوا: «ماء الحواب». قالت: «ما أظنني إلا راجعه». قال: «مه يرحمك الله، تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله بك».
هذا لما خرجت عائشة في الفتنة بعد ما اقتل عثمان رضي الله عنه، خرجت عائشة باتجاه العراق وتريد أن تطلب بثار عثمان، فلما خرجت وفي بعض الطريق نزلت على هذا الماء، نزلت على هذه المياه التي لقبيلة بني عامر، فسمعت عند هذا الماء نباح الكلاب، فسألت: «هذا ماء من؟» قالوا: «ماء الحواب». قالت: «إذاً ما أظنني إلا راجعه»، تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لها في حياتها. ما هو الحديث؟ قال: «كيف بأحدكن ينبح عليها كلاب الحواب؟» وكأنها فهمت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك، يعني التي سينبح عليها هذه الكلاب ليست أو هذه الحالة التي خرجت عليها ليست أفضل الأحوال.
قال فيها أيضاً عن ابن أبي طالب قال: قال لي عبد الله بن سلام، وقد كنت في الغرز وأنا أريد العراق، قال: «لا تِت عراق، فإنك إذا أتيتهم أصابك ذنب السيف». قال علي: «يم الله، لقد قالها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال أبو الأسد: فقلت في نفسي: ما رأيتك اليوم رجلاً محارباً يحدث الناس بمثل هذا، وهذا وأمثاله مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المستقبلات، فوقع بعده كما أخبر.
وأما ما أخبر به مما لم يقع إلى الآن فكثير، فقد أخبر بأشياء من المغيبات وقعت في زمانها ووجدت كما أخبر. كما في الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، فكان كذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنين. بعض المغيبات التي وعد بها وقعت في زمنه وليس بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، هنا قضية خيبر.
قال: فقال لرجل ممن يدعى الإسلام: «هذا من أهل النار». فلما حضرنا القتال، قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار». فكان بعض المسلمين يرتابون على ذلك إذ قيل إنه من أهل النار، لأنه لم يمت، ولكن بعض المسلمين ارتابوا؛ تخيلوا رأوا رجلاً يجاهد ويقاتل قتالاً كبيراً والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: هو من أهل النار، حتى بعض المسلمين شك؛ كيف يكون هذا من أهل النار وهو يقاتل قتال الشجعان؟
قال: فبين لهم وهم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جرح شديد، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله»، ثم أمر بلالاً فنادى في الناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
إذاً فهذا الرجل انتحر، هذا الرجل الذي كان يقاتل قتالاً شديداً وجد به جراح شديدة لم يستطع تحملها فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية، وبعث بلالاً أن ينادي: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». يعني لا ترتاب إذا وجدت رجلاً فاجراً يمكن أن يستفيد منه المسلمون، لا تقل هذا لا أصبح صالحاً. نحن مشكلتنا بتنقلب الموازين، تجد رجلاً فاجراً مثلاً اليوم، يعيش في أمريكا يدافع عن غزة، ويعطيك مثلاً كذا ويقف في الأخبار وكذا وفي المناظرات دفاعاً قوياً، نقول إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، يعني ليس ليصبح الفاجر مثلنا، نحن هذه مشكلتنا؛ هذا فاجر بتلاقيه يستهزئ في الدين، زي هذا -غير ما أحب أن أذكر أسماء- كأن تطلع برامج ساخرة في أمريكا عن الإسلام وعن التدين وعن الحجاب، وفجأة في أمر في حرب غزة تكون له مواقف جيدة في مناظرة الصهاينة أو ما شابه ذلك، فنقول إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
المسلم واضحة عنده الأمور، المسلم العاقل الفاهم الذي يعرف الكتاب والسنة يضع الأمور في موازينها، ما تجده يمين مع الناس، ما يكون إنساناً جمهورياً، يعني لا يكون إمعة، لا يعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا من القدم أن هذا الدين قد ينصر بأناس فجار تكون رحمة من الله عز وجل بالمسلمين، وهذا الفاجر يحاسبه الله على فجوره.
ورواه سهل بن سعد في الصحيح عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرد الغنوي وزبيراً، وكلنا فرسان، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة الخاخ». كلنا فرسان، يعني كلنا نركب فرساً. قال: «فإن بها امرأة معها كتاب من حاطب إلى المشركين»، قال: فأدركناها تسير على بعير لها خبب، فقلنا لها: «أين الكتاب؟» فقالت: «ما معنى الكتاب؟» قال: «أفنخ بها»، فالتمسنا الكتاب في شرح لها، والخبب نوع من أنواع سير البعير.
قال: فلم نَرَ كتاباً، قال: قلنا: «ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك». قالت: فلما رأت أني أهوي إليها حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب وأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين. والعقاص هي المنطقة السفلية التي قد توضع عليها نوع من الرباط أو الحزام، فلما رأت أني صادق أنه سيجردها أخرجته من عقاص شعرها.
قالت: وهذا كله من دلائل النبوة، أنه أخبرهم أن هناك امرأة في روضة معها كتاب، فلما ذهبوا موقنين أن كلام النبي ﷺ حق، أخرجت الكتاب. هذا كله من دلائل النبوة التي وقعت في زمنه عليه الصلاة والسلام.
القصة مشهورة، وقضية حاطب مشهورة؛ فقال عمر: «دعني أضرب هذا المنافق»، إلى آخر قصة حاطب، فكان هذا إخبار المشركين بأن النبي ﷺ يريد غزوهم، وفي الصحيحين نعم.
قال في الصحيحين عن أبي هريرة قال: «أن النبي ﷺ صلى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات». مثل هذه الدلائل النبوية؛ قال لهم النبي ﷺ: «اليوم مات النجاشي»، وبينه وبين الحبشة إريتريا، وكانت مسافات بالآلاف الكيلومترات، كيف عرف هذا؟ هذا من دلائل النبوة أيضًا.
حديث جابر؛ قال في رواية عن جابر قال: «إن رسول الله ﷺ أصحب النجاشي»، وفي لفظ من رواية أبي هريرة قال: «قد مات اليوم العبد عبد الله صالح أصحبكم، فقام فأمّ وصلى عليه». وفي رواية عمران بن حصين قال: «إن أخاكم قد مات، فصلوا عليه».
وهذا كما قيل إنه هو النجاشي الأول، الذي كان عنده الصحابة أول ما هاجروا في هجرة الحبشة، وليس الثاني الذي بعث إليه النبي ﷺ عمر بن أمية الضمري برسالة، والثاني أيضًا مشهور أنه أسلم.
وروى موسى بن عقبة عن ابن شهاب قصة الصحيفة، ورواها عروة بن الزبير ومحمد إسحاق بمعناه، قال: ثم إن المشركين اشتدوا على رسول الله ﷺ كشد ما كانوا. قصة الصحيفة التي هي في أثناء حصار شعب أبي طالب، حتى بلغ المسلمين الجهد وأشد عليهم البلاء، وأجمعت قريش في مكرها أن يقتل رسول الله ﷺ.
فانبرى أبو طالب للعمل القومي، وجمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك، مسلمهم وكافرهم؛ فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا الرسول وأجمعوا على ذلك، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبيعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل.
وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودًا ومواثيق لا يقبلون من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فكان المطلوب من هذه الصحيفة إما أن تسلموا النبي ﷺ للقتل أو يبقى الحصار قائمًا في الشعب.
فلبث بنو هاشم في الشعب ثلاث سنين، وشد عليهم البلاء والجهد، وقضوا عنهم الأسواق، فلم يتركوا طعامًا يقدم مكة ولا بيعًا. قصة حصار الشعب طويلة وأنتم تعرفونها، قرأناها كثيرًا في سيرة ابن هشام وغيرها. موطن الشاهد فيه لما تكلم أبو طالب؛ قال: «قد حدثت أمورًا في الصحيفة»، قالوا: «قد رضينا بالذي تقول».
في النهاية، عندما بدأ النقاش في نقض هذه الصحيفة بعد ثلاث سنوات، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها. فقال أبو طالب: «إنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا فيه عدل بيننا وبينكم، فإن ابن أخي لم يكذبني، إن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحى كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم».
طبعًا هناك روايتان في قضية الصحيفة؛ رواية تقول -وهو المشهور بين الناس- إن الصحيفة جاءت القرضة فأكلت كل شيء إلا اسم الله، لكن هناك رواية أخرى مشهورة أن الصحيفة بالعكس، أكلت كل اسم لله وأبقت فقط الظلم الذي في هذه الصحيفة؛ دلالة على أن الله لا يرضى أن يكون اسمه مع الظلم والفساد، هذه رواية أخرى فقط للفائدة.
فقالوا: «لنأتين الصحيفة وقد رضينا»، فإذا كان فعلاً الصحيفة هكذا حصل فيها، فهذا دلالة على صدق صاحبكم النبي ﷺ. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش، كالعادة في عنادهم المستمر، وعادوا أشر ما كانوا عليه من كفرهم وشدوا على النبي ﷺ والمسلمين وعلى رهطه، قالوا: «والله إن كان هذا سحرًا من صاحبكم»، فقالوا: «إن أولئك النفر من بني عبد المطلب، إن أولى بالسحر والكذب غيرنا، فكيف ترون؟»، فقالوا: «فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم، طمس الله ما كان فيها من اسم له وما كان فيها من بغي، أفنحن السحرة أم أنتم؟».
عند ذلك، النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم، منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير، هؤلاء كانوا سعوا في نقض الصحيفة، وأبو البختري، والمطعم، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عند هشام بن عمرو، ومن بني عامر قالوا: «نحن براء مما في هذه الصحيفة». فهؤلاء الخمسة كانوا مرتبين مع بني هاشم سابقًا أن يخرجوا ويقولوا: «نحن براء».
مرت القصة بطولها معنا في مواطن كثيرة، فقال أبو جهل: «هذا أمر قضي بالليل، إن أنتم الخمسة صرتم براء من هذه الصحيفة، إذاً في ترتيب بينكم سابق مع بني هاشم»، وأنشد أبو طالب يقول في شأن الصحيفة.
فلما أفسد الله صحيفة مكرهم، خرج النبي ﷺ من شعب أبي طالب فعاشوا وخالطوا. وفي صحيح البخاري، قال عن عبد الله بن مسعود: «انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، فنزل على ميت بن خلف، وكان ميت بن خلف إذا انطلق إلى الشام في مرض من المدينة فنزل على سعد بن معاذ، فقال سعد: بنية تنظر لي ساعة؟ خلوه لعلي أن أطوف بالبيت، قال: انتظر حتى تصف». وسعد بن معاذ هو زعيم من زعماء الأوس.
وأراد أن يذهب، طبعاً هو أسلم وكان مع النبي ﷺ في المدينة في السنة الأولى قبل معركة بدر، بالتأكيد لأن أمية بن خلف قتل في غزوة بدر، بالتالي هذا يكون قبل غزوة بدر.
أي سعد ذهب إلى مكة يعمل عمرة، فنزل على أمية بن خلف لأنه كان صديقاً له. أمية بن خلف لما كان يخرج إلى التجارة في الشام يمر بالمدينة كان ينزل على سعد بن معاذ، فسعد لما كان ينزل بمكة عاد ينزل عنده. كيف هيك الشباب؟ كل واحد من كل مسافة منزل عند الصف. فسعد نزل إلى مكة يريد يعمل عمرة وقال لأمية: «يا أمية، أنا وأصحابي الآن لسه ما في بيننا حروب، شوف لي وقتاً مناسباً حتى أطوف بالكعبة». قال سعد لأمية: «انظر لي ساعة، خلّه لي لعلي أطوف بالبيت». قال: «انتظر حتى إذا تصفى النهار وغفر الناس وانطلقوا، فطفت».
قال: فخرج به قريباً من نصف النهار فلقيهم أبو جهل، فقال: «يا أبا صفوان، من هذا معك؟». قال: «هذا سعد». فقال أبو جهل: «ألا أراك تطوف بالبيت آمناً وقد آويتم الصِّبَا؟» (وهم المهاجرون)، «وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً». فقال سعد وقد رفع صوته عليه: «لماذا تعنينا؟ من هذا الذي عنّا كما هو أشد عليك؟ طريقك إلى المدينة، وحطّ عليك الطريق طريق تجارتكم».
فقال له أمية: «لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيدي أهل الوادي». فقال سعد: «دعنا منك يا أمية». أمية بن خلف نصر أبا جهل، قال لسعد: «نحن أصحاب، بس لا ترفع صوتك على أبي جهل، هذا سيد أهل الوادي». فقال سعد لأمية: «دع منك يا أمية، فوالله لقد سمعت النبي ﷺ يقول إنه قاتلك». قال: «بمكة؟». قال: «لا أدري». لقد سمع النبي ﷺ يقول إنه قاتلك، وهذا من مبشرات النبوة. قال: «طيب، وين سيقتلني؟ بمكة ولا في مكان آخر سيقتلني؟». قال: «الله أعلم، أنا ما بعرف وين راح تقتل، لكن ستقتل».
فزع أمية، وفعلاً قتل أمية في غزوة بدر على يد بلال. قال: ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً وقال: «والله ما يكذب محمد». فلما رجع أمية إلى أهله، فقال لأم صفوان: «ألم تري إلى ما قال سعد؟». قالت: «ما قال؟». قال: «زعم محمد أخبرهم أنه قاتلي، فقلت له بمكة فقال لا أدري». فقالت: «والله ما يكذب محمد». فقال أمية: «والله لا أخرج من مكة».
أمية قال خلاص مش طالع من مكة الآن، سيأتي في غزوة بدر ماذا حصل؟ في مكان يا بدر استنفر أبو جهل الناس فقال: «أدركوا عيركم». ففكر أمية أن يخرج، فقام أبو جهل في قريش وقال: «يا أهل قريش، أدركوا عيركم، إن محمداً ﷺ يريدها». أمية بن خلف قال أنا مش طالع، ليه؟ لأن هو عارف أن النبي ﷺ توعده بالقتل، وأن النبي ﷺ لا يكذب.
فقال له أبو جهل: «يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس وقد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي؟». ولم يزل أبو جهل حتى قال: «إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة». فأبو جهل شيطان من الشياطين بقي يغري، وقال: «يا أبا صفوان، إذا أنت ما خرجت للمعركة هذه، قالوا الناس لن تخرج وتخلفت معك». فما زال به يقنعه حتى اقتنع أمية أنه لازم يخرج، وقرر أمية أن يشتري أجود بعير في مكة حتى إذا في الفريلة يعرف يفل، اشترينا أجود بعير حتى إذا اشتد وطيس المعركة وكانت الهزيمة يعرف يهرب.
قال أمية لأم صفوان: «جهزيني». فقالت له: «يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك الأثربي؟». قال: «لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً». قال: «ما نسيت أنا أنه توعدت بالقتل، ولكن بس بدي أمشي معهم نص الطريق». يعني أنا ما بدي أخرج لنهاية المعركة، أنا بس بدي على الأقل أمشي لحتى الناس تمشي، وبعدين أنا في طريقي بدبر حالي وبرجع.
قال لما خرج أمية جعل لا ينزل منزلاً إلا عقل بعيره. فلم ينزل كذلك حتى قتله الله ببدر. يعني حتى كان كلما نزل منزلاً كأنه حريص على بعيره، خايف أن هذا البعير يسرق وبده البعير لأنه لازم يهرب، هو مقتنع أنني لازم أهرب على البعير، فكان كلما هو في الطريق باتجاه بدر كلما نزل منزلاً متمسكاً ببعيره يربطه، ينتبه أنه ما راح يهرب. فمن شدة خوفه كان يفعل ذلك حتى قتل في بدر.
وكان عن كعب بن مالك قال: كان أبي بن خلف -وهو أخو بني جمح- قد حلف بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ. فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته، قال رسول الله ﷺ: «بل أنا اقتله إن شاء الله تعالى عز وجل». فأقبل أبي مقنعاً في الحديث ويقول: «لا نجوت إن نجى محمد»، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ.
هذا شخص آخر، انتبهوا، هذا أبي بن خلف. فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ القوة في أبي بن خلف مفرجة بين سابغة الدرع والبيضة؛ البيضة هي الخوذة، والسابغة هي الدرع، وكانت قوته ظاهرة من بين الخوذة والدرع. فطعنه رسول الله ﷺ فيها بحربته، فقع أبي عن فرسه. طعنه بحربة صغيرة في هذه المنطقة، طبعاً لم يقتل منها ابتداءً، قالوا كان جرحاً يسيراً فسقط بيمين الخوف. ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور. فقالوا: «ماذا يصاحب أجور؟»، قالوا: «إيش صار؟»، يعني هو طعنة خفيفة حتى لا يخرج الدم. قال: «إنما هو خج». فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: «أنا أقتل أُبَيّاً»، ثم قال: «ولذيذ نفس بيده لو كان هذا الذي بأهل».
«...ذي المجاز ماتوا أجمعين فمات إلى النار». سبحان الله، وهذا يدل من أعظم الدلالات على صدق النبي ﷺ، أنه بمجرد خدشة يسيرة يموت خوفًا ورعبًا. ويقول: لو كان هذا الشعور الذي بي الآن بأهل ذي المجاز، طبعًا ذي المجاز أحد أسواقهم الكبرى، لو كان بأهل هذا السوق كاملًا لما أجمعوا، فقال: «فأجمعوا فمات إلى النار» من شدة خوفه سبحانه.
قال: وروى موسى بن عقبة عن شاب الزبير عن سيف بن سيب، وذكره العقدي بإسناده هذا لفظه، وهو مما ذكره عروة بن الزبير فيما في مغازي ابن إسحاق. وذكر في مغازي موسى أن عمير بن وهب الجمحي أيضًا، قصة عمير بن وهب: قال لما رجع الفلول من المشركين إلى مكة وقد قتل الله منهم قتلًا، الفلول الذين هم المتبقون من جيش بدر، لما رجع الفلول الهاربون من بدر إلى مكة وقد قتل الله من قتل منهم، أقبل عمير حتى جلس بتعرفوا قصته مع صفوان بن أمية لما جلسوا في حجر الكعبة.
وقال صفوان: «قبح الله العيش بعد قتلى بدر»، فقال: «أجل، والله ما في العيش بعدهم خير، ولولا دين عليّ -يقول عمير- لاجد له قضاء لذهبت لرحلت إلى محمد ﷺ فقتلته، إن ملأت عيني منه؛ فإن لي عنده علة أعتل بها». أقول: قدمت على ابني أفديه، لأنه ابنه كان أسر في غزوة بدر، فإن لي عنده علة، يعني في مبرر حتى آتيه، أقول: قدمت على ابني أفديه، هذا الأسير، فآتي فأكون وضعت سيفًا في الغمد، فأخرجه فأقتل هذا النبي ﷺ.
فصفوان فرح وقال: «والله كلامك صحيح، خلص دينك عليّ»، قال له عمير: «دينك وأولادك أنا أصرف عليهم طوال حياته، لكن اذهب فاقتل محمدًا ﷺ». فحمل عمر -عمرة- صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير أن يُسقل ويُسم، يعني أمر صفوان بسيف عمير أن يُسقل بإتقان وأن يوضع فيه السم.
قال: فأقبل عمير حتى قدم المدينة، فنزل باب المسجد وعقل رحلته، وأخذ سيفًا فعمد لرسول الله ﷺ، فنظر عمر بن الخطاب إليه وهو في نفر من الأنصار يتحدثون، فقال عمر: «عندكم الكلب هذا، عدو الله الذي حرش بيننا يوم بدر وحذرنا للقوم». ثم قام عمر حتى دخل على رسول الله ﷺ، وذكر الحديث إلى أن قال له الرسول ﷺ: «ما أقدمك؟»، قال: «أسيري عندكم ففادونا في أسرائنا، فإنكم عولت له»، فقال: «فبال السيف في عنقك؟»، قال: «عمّ، قبحها الله، سيوف فلغنت عنا شيئًا، فإنما نسيته في عنقي حين نزلت».
فقال له رسول الله ﷺ: «أصدقني ما أقدمك؟»، قال: «ما قدمت إلا في أسيري»، قال: «فماذا شرطت؟»، قال: «ما قدمت إلا في أسيري، أنا جاي أفدي ابني أدفع الفداء له». قال: «فماذا شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟»، قال: «طيب، أنت وصفوان بن أمية شو كنتوا تحكوا في الحجر؟».
فعمير انصدم أنه من معجزاته ﷺ، يعني ما كان في الحجر في مكة إلا صفوان وعمير، ولم يطلع على هذا المكر، الله سبحانه وتعالى قال: كيف عرف محمد ﷺ وهو في المدينة ويبعد عنا مئات الكيلومترات بما حصل بيني وبين صفوان؟ عندئذ عرف أن إنما هذا كلام نبي.
قال: ففزع عمير وقال: «ماذا شرطت له؟»، قال: «تحملت له بقتله على أن يعول بنيك ويقضي دينك»، يعني تحملت له بمعنى تكفلت له، التحمل معناته تكفلت أنك تقتلني على أنه هو يعول بنيك ويصرف عليهم في حال أنك قتلت. قال: «والله يعول بنيك ويقضي دينك»، قال: «والله حائل بينك وبين ذلك». فقال عمر: «أشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، كنا نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وهذا الحديث، وكان بين صفوان في الحجر لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، فأخبرك الله به». وذكر بقية الحديث، وهذا كله من دلائل النبوة.
قال في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ قوة من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: «أتقدمكم، فإن أمنوني أتقدمكم حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ، وإن لم تكونوا مني قريبًا». فتقدم فأمنوه، فإنما هو يحدثهم عن النبي ﷺ، فبينما هو يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أوماوا إلى رجل منهم، هؤلاء فجرة، أشاروا إلى رجل منهم أن يقتل هذا الرجل، فطعنه فأنفذه.
هذه قصة بئر معونة، القراء السبعون الذين بعثهم النبي ﷺ إلى بني عامر ليعلموهم. بعث النبي ﷺ قومًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين رجلًا من القراء، فلما قدموا قال لهم خالي: «أنا سأتقدمكم»، لما وصل السبعون قال لهم: «أتقدمكم، فإن أمنوني الجماعة كانوا صادقين حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ، وإلا كنتم مني قريبًا». فسمعتم أنني قتلت، فتقدم فأمنوه ابتداءً، أعطوه الأمان، فبينما هو يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أوماوا إلى رجل منهم، هؤلاء فجرة، أشاروا إلى رجل منهم أن يقتل هذا الرجل فطعنه فأنفذه، فقال: «فزت ورب الكعبة»، ثم مالوا على بقية السبعين فقتلوهم، إلا رجلًا أعرج استطاع أن يصعد الجبل، وآخر معه.
فأخبر جبريل النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، رضي الله عنهم فرضي عنهم وأرضاهم. وكنا نقرأ في القرآن -وقيل إن هذه آية نزلت في القرآن ثم نسخت- ﴿أَن بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا﴾، ثم نُسخت بعد هذه الآية، قيل إن مما نزل ونسخ فدعا النبي ﷺ على بني عامر ومن كان معهم من أحلافهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله.
قال: وكان في هؤلاء عامر بن فهيرة، قال عنه عامر بن الطفيل: «وقد رأيته بعدما قتل رُفع إلى السماء حتى إني أنظر إلى السماء بينه وبين الأرض». سبحان الله.
قال في الصحيحين عن حديث أبي حميد الساعدي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فتينا وادي القرى على حديقة امرأة، فقال رسول الله ﷺ: «اخْرِصُوهَا»، فخرصناها، يعني قدروا كم عدد التمر، كمية التمر التي فيها أو الرطب الذي فيها. فالصحابة جلسوا يقدّرون، قال: فخرصنا، خمنّا أنها الحديقة، المزرعة تطلع مثلاً 700 كيلو يا رسول الله؟ النبي ﷺ خرصها بكم؟ قال: «هذه تطلع عشرة أوسق»، قال: «أحصيها حتى يرجع إليك إن شاء الله تعالى». فانطلقنا حتى قدنا تبوك. (طبعًا خمسة أوسق تعادل 620 كيلو).
612 على المذهب عندنا، فإذا كانت 10 أوسق، يعني بنحكي نحن عن كم؟ 600 و600 يعني 1200 وحبة 24، صحيح. النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدرها أنها بتطلع 1224 كيلو.
قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستَهبُ عليكم ليلة ريح شديدة فلا يقوم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله»، فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: كان الذي أُسر العباس بن عبد المطلب، أبو العباس، وهو كعب بن عمر أحد بني سليم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أُسرته يا عباس؟» قال: لقد أعانه عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل، هيأته كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أعانك عليه ملك كريم».
وقال العباس: يا عباس، افدِ نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحنيفة، وعتبة بن جحدم أخو بني الحارث، وهذا في غزوة بدر لما أُسروا في غزوة بدر. قال: فإني قد كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهتموني. قال الله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ اللَّهُ عَلِمَ أَنَّ مِنْكُمْ مَّن يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ ۖ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ أَن لَّمْ يَنقَلِبُوا بِإِثْمٍ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 174].
فطبعاً عباس ماذا قال لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: "افدِ نفسك وولاد أخوك"؟ قال له: "إني كنت مسلما أنا ولكنهم استكرهوني على أن أخرج معهم كفار قريش". فقال: الله أعلم بشانك، أنت مسلم، ما أنت مسلم هذا بينك وبين الله، لكن نحن نتعامل معك على الظاهر؛ أنت كنت في جيش الكافرين، وهيك ومنطق الإسلام؛ واحد بيقاتل مع جيوش الكافرين ما يجي يقول لي أنا، أنت في النهاية هذا بينك وبين الله لكن أنا رح أتعامل معك بالمنطق الظاهر: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ اللَّهُ عَلِمَ أَنَّ مِنْكُمْ مَّن يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ﴾، إن كنت مستكرهاً فالله يجزيك، لكن أنا سأتعامل معك بمنطق الظاهر: ﴿وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا﴾ أن تكن ضدنا، فافدِ نفسك.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه 20 أوقية ذهباً، فقال: يا رسول الله، حسبها لي من فدائي. قال: «لا، شيء أعطاه الله منك». قال: فإنه ليس لي مال. قال: فإن المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل وليس معك أحد غيركما، فقلت: إن أصبت في سفري فهذا فللفضل كذا ولقثم كذا ولقعبد الله كذا. قال: فوالله ما أعلم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك لرسول الله.
طبعاً فائدة حديث أبي حميد الساعدي هو أنه لم يكمل قصة تبوك، قضية أنه هو لما عادوا من المعركة، هذا كان في طريق العودة، كانت المزرعة كما قال صلى الله عليه وسلم 10 أوسق، لكن هو اقتصر على موطن الشاهد، أن موطن الشاهد فيها أنه قال لهم: «ستَهبُ عليكم الليلة ريح شديدة»، فلما جاءت الليلة هبت ريح شديدة. هو اقتصر على موطن الشاهد أن من دلائل النبوة أنه النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتتبع كما اليوم جماعة المناخ ويعرف الرياح شمال، وإنما من دلائل النبوة قال: «ستَهبُ الليلة ريح شديدة»، كيف عرف ذلك؟ وفعلاً جاءت الليلة وجاءت ريح شديدة وطار منها أحد المسلمين حتى سقط في جبال طيء، وجاءت طيء وسلمته للنبي عليه الصلاة والسلام، هذا كله من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال ابن عمر: كنت معهم ففتشته -يعني من رواحة- فوجدنا فيما أقبل من جسده بضعين، بين طعنة برمح ورمية. وروى البخاري عن مالك قال: نعى رسول الله زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يثيب خبرهم.
فأخذ رأي الموطن الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، قبل أن يعود جيش مؤتة، أخبر الناس أنه قتل زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة، كيف عرف عليه الصلاة والسلام؟ هذا أيضاً من دلائل النبوة. الشيخ، كمان لما قالت اليهود إن النبي إذا قال إذا قتل فلان ففلان فهذا يكون صدقاً، كذلك هذا، أنه حدد، يعني إن قصدك أنه قال إن قتل وأنه فعلاً قتل، ممكن أن يقال هذا من دلائل النبوة.
قال: «فأخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وعين رسول الله تذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه». أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بتفاصيل المعركة قبل أن يخدموا، وهذا من دلائل النبوة.
فصل: آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير، أنواع.
طيب الآن بعد أن ننهي ذكر دلائل النبوة المتعلقة بالأخبار بالغيب، هذا جزء من دلائل النبوة أنه كان يخبر بالغيب فيقع، الآن سيعطيك ابن تيمية جمعاً آخر وإحصاءً آخر لآيات النبوة ودلائل النبوة المتعلقة بماذا؟ بالقدرة والفعل والتأثير. لأنهم يقولون عموماً -إذا بتذكروا في الدرس الماضي- أن عموم أدلة النبي صلى الله عليه وسلم تقوم إما على الأخبار بالأمور الغيبية، أو على أمور تتعلق بالقدرة؛ يعني هي الدلائل النبوية إذا أردت حصرها هي قسمين: إما أخبارات وإما قدرات، أخبارات بالغيوب السابقة والماضية أو اللاحقة والقادمة، أو أمور تتعلق بالقدرة والفعل والتأثير، أنه يقوم بأشياء الإنسان الطبيعي لا يقوم بها.
فمثلاً سيقوم بحصر كبير ابن تيمية رحمه الله عليه لما حصل من ذلك، الأول قال: الأول منها ما هو في العالم العلوي، كإنشقاق القمر وحراسة السماء بالشهب. القسم الأول من هذه الدلائل المتعلقة بالأفعال ما يتعلق بأفعال ومعجزات ظهرت له في العالم العلوي، ومراد بالعالم العلوي السماء. فمن ذلك قال: انشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب، له صلى الله عليه وسلم بعث المعراج إلى السماء.
قال: فقد ذكر انشقاق القمر وبين أن الله فعله، وأخبر بحكمتين عظيمتين: إحداهما كونهم من آية النبوة لما سألهم المشركون آية فأراهم انشقاق القمر، وثانٍ أنه دلالة على جواز انشقاق الفلك، وأن ذلك دليل على ما أخبر به الأنبياء من انشقاق السماوات والفلك. ولهذا قال الله.
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 1-7].
فذكر اقتراب الساعة وانشقاق القمر، وجعل آية في انشقاق القمر دون الشمس ووسائل الكواكب؛ لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك، إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر فيه انشقاق لكل من يراه ظهورًا لا يتماهى فيه. وإنه نفسه إذا قبل الانشقاق، فقبول محله أولى بذلك، وقد عاينه الناس.
وقبول محله الذي هو الفلك؛ لأن القمر هو في الفلك، قال: إذا كان القمر يقبل الانشقاق، فقبول محله الذي هو فيه وهو الفلك أولى بذلك، ما قد عاينه الناس وشاهدوه، ولذلك السماء ستنشق؛ السماء التي هي تمثل الفلك ستنشق. إذاً السماء انشقت، فهو لما يقول لك إذا القمر قبل الانشقاق، فالمحل الذي هو فيه وهو السماء يقبل الانشقاق.
شيخنا، في بعض الناس المتكلمين في هذه الحادثة يقولون: لا، هو ما كان انشق، هو كان في فترة زمنية كان الناس فيها نائمين، حتى يقولوا إنه كيف لم تشاهده الكرة الأرضية كلها؟ قالوا لا، إنه لم يره إلا بعض الناس وكان في لحظة، وكانوا يضعون بعض التخريجات.
هذا كلام بعض الأهواء، هذا أصلاً كان يقوله بعض المتكلمين قديمًا الذين يميلون للاعتزال، وبعضهم وللأسف بعض المشايخ المعاصرين ممن تأثروا بالمدرسة العقلية هذه الفاسدة، ما زالوا ينكرون انشقاق القمر ويرون أنه القمر ما انشق ويدافعون عن هذه النظرية، وهذا أعتقد أنه مصادمة للنص الواضح، وهذا من الأهواء.
وما العجيب أن النبي ﷺ وقعت منه معجزات أعلى من انشقاق القمر، لكن هذه المدرسة التي تسمي نفسها عقلانية، وهي مدرسة مليئة بالأهواء، تحاول أن تنفي كل شيء متعلقًا خاصة بهذا النوع، لذلك عادة تجدهم ينفون المعراج أصلاً، وينفون قضية الانشقاق وما شابه ذلك، وماخذهم في ذلك عدم الفهم لمثل هذه الأمور ورغبتهم أن يحملوا مثل هذه النصوص على أمور تتلاءم مع أهوائهم. هذا الكلام دعه منه، فهو ماضٍ على الأعمار والأوقات.
قال: وكان النبي ﷺ يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار مثل صلاة الجمعة والعيدين، ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار ما فيها، وكل الناس تقر بذلك ولا تنكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلومًا عند الناس عامة.
ولذلك من السنة أن يقرأ في صلاة العيد "قاف" و"اقتربت"، سورة ق وسورة القمر، هذا من السنة في صلاة العيد. وهذه فائدة، يقول ابن تيمية: لماذا كان النبي ﷺ يحرص في يوم الجمعة أن يقرأ سورة الجمعة والمنافقين؟ وفي يوم صلاة العيد كان السنة أن تقرأ "قاف" و"اقتربت".
طبعًا هناك أيضًا سنة أخرى أن تقرأ الأعلى والغاشية، لكن من السنن الثابته أنه كما جاء في حديث أبي واقد الليثي أنه كان يقرأ "قاف" و"اقتربت". كانوا يقولون في الجمعة كان يحضر المنافقون، وهي الصلاة الوحيدة التي كان المنافقون في كل المدينة يجتمعون فيها، فكان يقرأ عليهم سورة المنافقون حتى يسمعوا، وفي صلاة العيد أراد النبي ﷺ أن يقيم دلائل النبوة واليوم الآخر، فـ "قاف" تتكلم عن اليوم الآخر، وسورة القمر تتكلم عن دلائل النبوة.
قال في صحيح مسلم: عن أبي واقد الليثي أنه سئل: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق ۞ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1].
معلوم بالضرورة في مطرد العادة، أنه لو لم يكن ينشق لأسرع المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلاً عن أعدائه الكفار والمنافقين، ومعلوم أنه كان من أحرص الناس على تصديق الخلق له واتباعهم إياه، فلو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرأه على جميع الناس ويستدل به ويجعله آية له. النبي ﷺ كان حريصًا أن الناس تؤمن به، فلو كان القمر لم ينشق فعليًا لما قرأ الآيات التي تتكلم عن الانشقاق وكرر ذلك في المواطن الجامعة.
في الصحيحين عن أنس قال: أن أهل مكة سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية، فأراهم شق القمر مرتين. وعنه قال: إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فانشق القمر فرقتين. وهذه الرواية هي الأشهر، أنها ليس مرتين بل فرقتين، ورواية "مرتين" علقنا عليها في تعليقنا على جامع الترمذي أن الرواية وردت عند الترمذي وقالوا لعلها وقعت تصحيف، وهي أن انشقاق القمر فرقتين، وإلا فإن انشقاق القمر لم يقع إلا مرة واحدة في حياته ﷺ.
قال: زاد الترمذي: فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾. ويقول: ذهب في الصحيحين عن أبي مسعود، هذا معنى "سحر مستمر" أي سحر ذاهب.
قال: وفي صحيح عن ابن مسعود قال: شق القمر على هدي رسول الله ﷺ شقتين، فقال رسول الله ﷺ: «اشهدوا». وعن أبي مسعود أيضًا قال: رأيت القمر مشقًا شقتين بمكة قبل مخرج النبي ﷺ، شق شقة على جبل أبي قبيس وشقها على السويداء، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر، سحركم به ابن أبي كبشة. انظر، كانوا يطلقونه على النبي ﷺ، وهذا جد من أجدادهم كان مترهبًا على طريقة العبّاد.
قال: إن يكونوا رأوا وإن لم يكونوا رأوا، ما رأيتم فهو سحر. قال: وسئل السفهاء وقدموا من كل وجه فقالوا رأينا، رواه البخاري ومسلم. وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال: انشق القمر على زمان رسول الله ﷺ. وروى مسلم عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: قد كان ذلك على هدي رسول الله ﷺ، شق القمر في فلقتين، فلقتين.
أيضًا صعود ليلة المعراج في السماء، وهذا مما تواثرت به الأحاديث وأُخبر بالقرآن من المعجزات العلوية؛ الصعود ليلة المعراج إلى السماوات. قال: وأخبر من المسجد الحرام، ومن المسجد الأقصى وهو بيت المقدس في موضع آخر، بصعوده إلى السماوات، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]. فأخبر هنا بنص القرآن.
بين المسجدين، وأخبر أنه فعل ذلك من آياته، ومعلوم أن الأرض قد رأى سائر الناس ما فيها من الآيات، فعلم أن ذلك آيات لم يرها غير الناس، كما قال في السورة الأخرى: ﴿أَفَتَمِرُونَهُ عَلَى مَا يَرَىٰ﴾ [النجم: 12]. ولقد رآه عند سدرة المنتهى، ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ [النجم: 14-16]، وما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آية ربه الكبرى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]، قال: هي رؤيا عين أريتها النبي ﷺ، ليسري به، وهو كل ما رآه في السماوات العلى، فهذه كانت فتنة واختبارًا للناس؛ هل ستؤمن بها أو ستكفر بها؟ للأسف اليوم بعض الناس يكفر بها، حتى من أهل الإسلام، حتى من ينسب نفسه للعلم والدين، تجده يكفر، الله عز وجل يقول لك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾، كل هذه الواقعة إلا لتكون فتنة؛ ننظر من يؤمن بالنبي ﷺ ويصدق فيما أخبر به، ومن الذي يكذب بها ويخترع لها أقوالًا وأباطيل.
قال: فكان في إخباره بالمسرى ليريه من آياتنا بيان أنه رأى من آياته ما لم يره الناس، وقد بين ذلك في سورة أخرى أنه رأى جبريل عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، وأنه رأى ببصره آيات ربه الكبرى. وذكر في تلك السورة بالمسرى لأنه أمكنه أن يقيم عليه برهانًا؛ فإنه لما أخبرهم به فكذبه من كذبه، وتعجب لذلك، سألوه عن النعت والصفة، فنعته لهم لم يغير من النعت شيئًا، وأخبرهم بخبر عيرهم التي كانت في الطريق، فظهر لهم صدقه، وكان صدقه في هذا آية على صدقه فيما غاب عنهم، وكان قطع المسافة البعيدة في الزمان اليسير لأجل ما رآه من الآيات التي تختص برؤية الأنبياء.
وهذا تميز عمن يقطع مسافة كرامة لولي، أو بتسخير الجن كما في قصة بلقيس حيث قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]، وقال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]. فإن قطع الجسم للمسافة البعيدة إنما كان لما أوتي سليمان من الملك، كما كانت الريح تجري بأمره رخاء، حيث سخر له الشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهذا تسخير ملكي. أما قطع محمد ﷺ للمسافة فكان لما أراه الله من الآيات التي ميزه بها على سائر النبيين.
إذًا، التميز في الإسراء والمعراج ليس فقط في قطع المسافة البعيدة في الوقت اليسير، فإن هذا وقع حتى لبعض الأولياء ووقع حتى لبعض الجن، التميز هو فيما رآه ﷺ خلال قطع هذه المسافة مما ميزه به على سائر النبيين.
قال: وكان ذلك فتنة، أي محنة وابتلاء للناس، ليتبين من يؤمن به ممن يكذبه. وأحاديث المعراج وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض عليه الصلوات الخمس حينئذ، لرؤيته لما أراه من الآيات، والجنة والنار، وملائكته، والأنبياء في السماوات، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى، وغير ذلك معروف متواتر في الأحاديث، هذا النوع لم يكن لغير الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]. فالدرجات التي رفعها محمد ليلة المعراج، وسيرفعها في الآخرة، كالمقام المحمود الذي يختص به، ليس لغيره مثلها.
وفي الصحيحين، في حديث أنس بن مالك، وعن صعصعة وأبي ذر، ومن رواية ابن عباس وأبي هريرة الأنصاري وغيرهم، قال: فروى أنس أن الرسول ﷺ قال: «أوتيت البراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار دون البغل، يضع حافره عند منتهى بصره، فركبت حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط به الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاء جبريل في خمر من لبن...». والحديث مشهور، لأننا نتكلم مع طلاب علم متقدمين، حديث الإسراء والمعراج مشهور في الكتب، قرأناه مرارًا وتكرارًا.
أذهب لآخره ماذا سيعلق عليه ابن تيمية؟ حديث الإسراء والمعراج بطوله في صفحة 345، قال: "صعود الآدمي ببدنه إلى السماء قد ثبت في أمر المسيح عيسى ابن مريم، فإنه صعد إلى السماء، وسوف ينزل إلى الأرض"، وهذا مما يوافق النصارى على المسلمين، فإنهم يقولون إن المسيح صعد على اسم بدنه وروحه كما يقول المسلمون، ويقولون إنه سوف ينزل إلى الأرض كما يقول المسلمون، وكما أخبر به النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة. ولكن كثيرًا من النصارى يقولون إنه صعد بعد أن صلب، وكثيرًا من اليهود يقولون إنه صلب ولم يصعد، أما المسلمون -وكثير من النصارى- فيقولون إنه لم يصلب، ولكن صعد إلى السماء بلا صلب.
قال: والمسلمون ومن وافقهم من النصارى يقولون إنه ينزل إلى الأرض قبل القيامة، وأن نزوله من أشراط الساعة كما دل على ذلك الكتاب، وكثير من النصارى يقولون إن نزوله هو يوم القيامة. وكذلك إدريس صعد إلى السماء بدنه، وكذلك عند كثير من أهل العلم أن إلياس صعد إلى السماء بدنه. ومن أنكر صعود الأنبياء إلى السماء بدنًا، من المتفلسفة، فعمدته شيئان.
وكذلك إدريس، يذكر كثير من أهل العلم -ولا أدري هل ابن تيمية هنا يقول ذلك متبنيًا لهذه الفكرة- أنه يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57] في سورة مريم، الله عز وجل ذكر عن إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، فذهب كثير من المفسرين...
إلى أن إدريس أيضًا رُفع إلى السماء ولم يمت مثل عيسى، وبالتالي هنا كان ابن تيمية ينقل هذا، وظاهره أنه إقرار، يقول: «وكذلك إدريس أي صعد إلى السماء». أقول: ظاهره إقرار، لا أدري إذا بحث في مكان آخر. وكذلك عند أهل الكتاب أن إلياس صعد إلى السماء بجسده.
ومن أنكر صعود بدن إلى السماء فهؤلاء عادة كانوا من جنس الفلاسفة، فعمدتهم شيئان. قال أحدهما: إن الجسم الثقيل لا يصعد، وهذا في غاية الضعف؛ لأن صعود الأجسام الثقيلة في الهواء مما تأتي به الأخبار في أمور متعددة، مثل عرش بلقيس الذي حُمِل من اليمن إلى الشام في لحظة لما قال سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 28]، ومثل حمل الريح لسليمان وعسكره لما كان يحمل البساط في الهواء وهو جالس عليه وأصحابه، وكان البساط ينقلهم.
فقضية أن الأجسام الثقيلة لا تصعد في السماء -نحن مش عارفين الفلاسفة من أين أتوا بها- مثل حمل قرى قوم لوط وإلقائها أيضًا لما جبريل رفعها، مثل المسرى إلى بيت المقدس الذي ظهر صدق مخبره ﷺ، ورجال كثير في زماننا وغير زماننا يحملون من مكان إلى مكان في الهواء، شكلهم جماعة الصوفية كما كانوا، وهذا مما تواتر عندنا وعند من يعرف ذلك.
قالوا أيضًا: إن النار والهواء الخفيف يتحرك حركة قسرية فيهبط، وكذلك التراب والماء الثقيلان يتحركان حركة قسرية فتصعد، وهذا مما جرت به العادة. هو يتكلم هنا عن أمور فيزيائية؛ أن النار والهواء الخفيف إذا تحرك حركة قسرية ينزل للأسفل، والتراب والماء الثقيل إذا حركته بطريقة معينة يصعد بخلاف الهواء والنار؛ أنت إذا حركت الهواء حركة قسرية طبيعة مادته أنه ينزل.
الشبهة الثانية لهم: قال ظن بعض المتفلسفة كأرسطو وشيعته أن الأفلاك لا تقبل الانشقاق، وحجتهم على ذلك في غاية الضعف؛ فإنهم قالوا لو كانت تقبل الانشقاق لكان المحدد للأفلاك المحرك لها يتحرك حركة مستقيمة، والحركة المستقيمة تحتاج إلى خلاء خارج العالم، ولا خلاء هنالك. وهذه الحجة، طبعًا لذلك ابن تيمية كان قبل قليل يلمح إلى قضية أنه إذا القمر انشق فمحله يقبل، لأنه كان يريد أن يرد على الفلاسفة في هذه الفكرة.
يقول: «إذا ظن بعض الفلاسفة كأرسطوطاليس وشيعته أن الأفلاك السماوات لا تقبل الانشقاق، وحجتهم على ذلك في غاية الضعف؛ فإنهم قالوا لو كانت تقبل الانشقاق لكان المحدد للأفلاك المحرك لها يتحرك حركة مستقيمة، والحركة المستقيمة تحتاج إلى خلاء خارج العالم ولا خلاء هناك». كأنه يقول إذا السماء انشقت كيف ستنشق؟ تحتاج إلى أن تنشق بشكل مستقيم، وهذا يعني أنه يجب أن يكون هناك فراغ بعد العالم حتى يمكن الانشقاق بهذا الشكل، ويقول لك لا يوجد خلاء بعد العالم حتى تنشق السماء على شكل مستقيم.
قال: وهذه الحجة فاسدة من الوجوه، منها أنها إنما تدعو على ذلك في الفلك الأعلى لا في دون ذلك كفلك القمر، وهذا مما أجابه به الرازي وغيره. ومنها أن وجود الأجسام من خارج الفلك كوجود الفلك في حيزه، فقول القائل إن ذلك يحتاج إلى خلاء كقوله إن وجود الفلك في حيزه يحتاج إلى خلاء، وقوله بنفي الخلاء خارجه كقوله بنفي الخلاء عن حيزه، فإن كان الخلاء عدمًا محضًا فهو منتف في الجانبين، وقيل إنه أمر موجود لازم أن يحتاج إليه في الموضعين وحينئذ يبطل القول بنفيه.
وبهذا يظهر جوابهم عن إنكارهم انشقاق القمر؛ فادعاؤهم أن الفلك لا يقبل انشقاقًا قد عرف فساد ذلك عقلًا، وسمعه وتواتر عن الأنبياء أنهم أخبروا بانشقاق السماوات. وإيضاح الرد عليهم أن ما يثبتونه من أن الحركة لابد لها من جهة ومحدد يحدد الجهات، إنما يدل على الافتقار إلى جنس المحدد، لا يدل على الاحتياج إلى محدد معين؛ فإذا قدر أنه خلق وراء المحدد محددًا آخر وخرق الأول حصل به المقصود.
هكذا أدلتهم إنما تدل على شيء مطلق لكن يعينونه بلا حجة فيغلطون في التعيين، كدليلهم على دوام الفاعلية أو الحركة أو زمانها؛ فإن ذلك على حركة فلكية وإن زمانه هو مقدار الحركة. بل إذا كان الله قد خلق السماوات ما بين ستة أيام كما أخبرت به الرسل، لم تكن تلك الأيام التي خلق الله فيها السماوات هي مقدار حركة الشمس التي هي مما خلق في تلك الأيام. وقد أخبر الله تعالى أنه كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأخبر أنه خلق السماوات دخانًا وهي بخار الماء؛ فإذا كان قبل هذه حركات مشهودة، فهي حركات أخرى لأجسام غير هذه الأجسام المشهودة، ولم يكن هذا مناقضًا لما دل عليه العقل. وكذلك ما يذكرونه في قدم العالم، فليس مع القوم دليل واحد عقلي صحيح يناقض ما أخبر به الرسل، لكن قد يناقض ما يظنه بعض أهل الكلام من دين الرسل كما قد بسط في غير هذا الموضع.
النوع الثاني: الآيات الجوية كاستسقائه ﷺ. بعد أن أنهى الكلام عن الآيات الفلكية العلوية المتعلقة بانشقاق القمر وما شابه، سينتقل إلى الآيات الجوية المتعلقة بالاستسقاء، نزول المطر. إنه كان أحيانًا يدعو بالاستسقاء وأحيانًا يدعو بالاستصحاء، والاستصحاء ما هو إلا طلب زوال المطر.
قال: وطاعة السحاب في حصوله وذهابه بدعائه ﷺ، ونزول المطر بدعائه. في صحيح عن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد في يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا ثم قال: «يا رسول الله هلكت الأموال وقطعت السبل فادع الله يغيثنا». قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا من قزعة، وإن السماء لمثل الزجاجة.
وما بيننا وبين سلع من دار، فهو الذي نفس سلع، هو جبل، جبل كان عنده الخندق. قال: فليذرف من بيده ما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحاذى عن لحيته. وفي رواية أخرى قال: فطلعت من روائه سحاب مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطلت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا.
ثم قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكها عنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا انفرجت حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهراً، ولم يجز أحد من ناحية إلا أخبر بجود.
في هذا الباب نص الله تعالى، في الريح التي قال الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9]. قال مجهد: يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيهم -يعني خيامهم- حتى أضعتهم، أي جعلتهم يرتحلوا، ﴿وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. ولذلك كان النبي ﷺ يقول: «نصرت بالصبا، نصرت بالصبا»، أي بهذه الريح.
قال في صحيح مسلم عن ابن عباس: «نصرت بالصبا وأُهلكت بدبور»، والدبور هي أشد الريح، ريح الجنوب. قال في المغازي والسيري: قصة الأحزاب وكيف أرسلت عليهم الريح والملائكة وانهمزموا بغير قتال، وهو قتال معروف.
النوع الثالث: من آياته المتعلقة بالقدرة والتأثير، تصرفه في الحيوان، والحيوان بالمعنى العام يشمل الإنس والجن والبهائم، كل ما فيه حياة.
روي عن عبد الله بن جعفر أنه قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم، فأسر إليّ حديثاً لا أحدث به من الناس. قال: وكان أحب ما استتر به هدف، أو حائش نخل، أي لقضاء الحاجة. كان إذا أراد أن يقضي حاجته استتر بهدف، والهدف شيء معين، غرض معين، بحيث يكون مثل جبل أو هضبة أو صخرة معينة، أو حائش نخل، يعني مجموعة من النخل المجتمعة، يذهب وراءها ويقضي حاجته ﷺ.
فدخل النبي ﷺ حائط رجل من الأنصار، أي بستان رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه. هذا الجمل لما رأى النبي ﷺ حن إلى النبي ﷺ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح رأس الجمل وذفراه، فسكن. ثم قال: «من هذا الجمل؟»، أي أعلى العين، أعلى الأذنين، الذفر خلف الأذنين بالضبط. قال: لمن هذا الجمل؟ قال: فجاء ابن أنصار فقال: هو لي يا رسول الله. فقال له النبي ﷺ: «ألا تتق الله في هذه الهمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكى إلي أنك تجوعه وتدئبه». الجمل شكى إلى النبي ﷺ وفهم عليه النبي ﷺ، وهذا من معجزاته.
وروى مسلم بعضه وبقيته على شرطه، ورواه داوود وغيره، وروى أحمد ودارمي وغيرهما عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ في سفر، حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بن جار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه. فذكروا ذلك للنبي ﷺ، يعني الجمل كيف الكلب يعوي على الإنسان، هذا الجمل كل واحد يدخل هذا البستان الجمل يلحقه ويشد عليه. فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فجاء حتى أتى الحائط، فدعى البعير فجاء واضعاً مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه. فقال النبي ﷺ: «هاتوا خطاماً»، فخطامه ودفعه إلى صاحبه، ثم التفت إلى الناس فقال: «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس».
وروى الطبراني عن جابر قال: خرجنا في غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بحرة، عرضت امرأة بدوية بابن لها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان. وهذه إشارة منه إلى أن الجمل عرف أن هذا رسول الله، ولذلك شكى إليه، وإنما علق بهذا الحديث هنا يقول لك إنه الجمل عرف أني رسول الله لذلك أتى وشكى إلي، والذي لا يصدق أني رسول الله هم كفار الجن والإنس، وإلا الحيوانات والبهائم كلهم يعرفون أني رسول الله ﷺ.
قال: حتى إذا كنا بـ... عرضت امرأة بدوية بابن لها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني قد غالبني عليه الشيطان. فقال: «أدنيه مني»، فأدنته منه، فقال: «افتح فمه»، ففتحته فبصق فيه رسول الله ﷺ ثم قال: «اخسى عدو الله وأنا رسول الله»، قال ثلاث مرات، ثم قال: «شأنك بابنك ليس عليه بأس، فلن يعود إليه شيء مما كان يصيبه». والمراد غلبني عليه الشيطان أنه يصرع، أنه ممسوس، فالنبي ﷺ عالجه من المس.
ثم خرج فزان زين الصحراء ديمومة ليس فيها شجرة، فقال النبي ﷺ لجابر: «يا جابر انطلق فانظر لي مكاناً للوضوء». فخرج انطلق فلم يجد إلا شجرتين مفترقتين، لو أنهما اجتمعتا سترتاك. فرجعت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ما رأيت شيئاً يسترك إلا شجرتين متفرقتين، لو أنهما اجتمعتا سترتاك. فقال النبي ﷺ: «انطلق إليهما فقل لهما إن رسول الله ﷺ يقول اجتمعا». فخرجت فقلت لهما، فاجتمعتا حتى كانتا في أصل واحد. ثم رجعت فأخبرت النبي ﷺ فخرج.
ثم رجع فقال: ائتيهما فقل لهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكما ارجعا كما كنتما، كل واحدة إلى مكانها. فلما رجعت قلت لهما إن رسول الله يقول لكما ارجعا كما كنتما، فرجعتا.
ثم خرجنا فنزلنا في وادٍ من أودية بني محارب، فعرض لي رجل من بني محارب يقال له غورث بن الحارث، والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد، أعطني سيفك هذا، فناوله إياه، فهزه ثم نظر ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ أقتلك الآن يا محمد! فارتعدت يد هذا الرجل غورث حتى سقط السيف من يده، فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا غورث، من يمنعك مني؟ فقال: لا أحد.
قالت الرواية المشهورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه حين قال له: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال له: «الله يمنعني منك».
ثم قلنا راجعين، فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعش طير يحمله وفيه فراخ، وأبواه يتبعانه ويقعان على يد الرجل، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان معه فقال: «أتعجبون بفعله لهذين الطيرين بفراخهما؟»، زاد في رواية: «فربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفراخه». ثم قلنا راجعين حتى إذا كنا بحرة واقم عرضت لنا المرأة التي جاءت بابنها بوطب من لبن وشاة أهدته له، فقال: «ما فعل ابنك؟»، فقالت: هل أصيب شيء من مكان يصيبه؟ قالت: لا، والذي بعثك بالحق، ما أصيب شيء من مكان يصيبه، وقبل هديتها.
ثم أقبل حتى إذا كنا بمهبط من الحرة أقبل جمل يرقل، فقال: «أتدرون ما قال هذا الجمل؟ قال الله ورسوله أعلم»، قال: هو نوع من السير السريع. قال: «هذا جمل جاءني يستعدي على سيده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، حتى إذا أجربه وأعجفه وكبر سنه أراد أن ينحره»، يا جابر، ائتِ بصاحبه فأتِ به. فقلت: يا رسول الله، ما أعرف صاحبه، قال: «إنه سيدلك عليه». فخرج بين يدي معنقاً حتى وقف به في مجلس بني خطمة، فقلت: أين رب هذا الجمل؟ قالوا: فلان بن فلان، فجئته فقلت: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج معي حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله: «إن جملك هذا يستعدي عليك، زعم أنك حرثت عليه زماناً حتى أجربته وأعجفته وكبر سنه، ثم أردت أن تنحره»، قال: والذي بعثك بالحق إن ذلك لكذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بعني هذا الجمل»، قال: نعم يا رسول الله، فابتاعه منه النبي صلى الله عليه وسلم ثم سيبه في الشجر حتى يصيب سنامه، فكان إذا اعتلى على بعض المهاجرين والأنصار من نواضحهم شيء أعطاه إياه فمكث بذلك زماناً.
وهذا الحديث له شواهد، أخرج أهل الصحيح منه قصة الشجرتين، وقصة الذي شهر سيفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصة الطير التي رواها أبو داود، وقصة الصبي لم يذكرها غير واحد، وروى يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما نحن نسير إذ مررنا ببعير يُسنى عليه، فلما رآه البعير جرجره وضع جِرانه بالأرض، وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صاحبه، فقال: بعنيه، فقال: لا، فقال: بل أهبه، قال: لا، بعنيه، قال: لا، بل نهبه لك هو لأهل بيت ما لهم عيشة غيره، قال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه يشكو إليَّ كثرة العمل وقلة العلف، فأحسنوا إليه»، وفي رواية أنهم أرادوا نحره.
ثم سرنا فنزلنا منزلاً، فقال: «من طلحتين شدتين، فقل لهما إن رسول الله يقول لكما اجتمعا»، فانطلقت فقلت لهما فتزعت كل واحدة منهما من أصلها فنزل كل واحدة من صاحبتها فالتفت جميعاً، فقضى رسول الله حاجته من ورائهما، ثم لما فرغ عادت كل واحدة منهما مكانها بأمره. وأتت هذه قصة الشجرة، يقول: إن جميع القصص السابقة رويت بشواهد وطرق تدل على أنها أحاديث صحيحة وليست أحاديث مكذوبة، كذلك قضية المرأة التي في ابنها لمم كما قلنا، لمم نوع من المس، يقول: قالت يا رسول الله، ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه في كل يوم مرتين -يعني يصرع في الصباح وفي المساء-، فتفل النبي صلى الله عليه وسلم فيه. إذاً القصة لها شواهد، وروى نحو هذه القصة أبو يعلى الموصلي عن أسامة بن زيد، ورواه الحاكم أيضاً: سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت منه عجباً وذكر قصة المرأة، ورواه الدارمي أيضاً، ورواه أبو داود الطيالسي عن سعد بن مسعود: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فدخل رجل غيضة -بستان أو غابة صغيرة- فأخرج منها بيضة الحمرة، فجاءت الحمرة -هذا الطير- ترف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: «أيكم فجع هذه؟»، فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: «ردها رحمة لها».
وأيضاً روى الحاكم عن سفينة قال: ركبت البحر في سفينة فانكسرت، فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني في أجمة فيها أسد، أجمة يعني مثل الغابة، فلم يرعني إلا به، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أبو الحارث هذا كنية الأسد، يا أبا الحارث، لا تقترب، فطأطأ رأسه هذا الأسد وغمز بمنكبه شقي، يعني كأنه بمنكبه شقي، فما زال يغمزني ويهديني -يعني الأسد حاول يدفش سفينة ويهديني الطريق- حتى وضعني على الطريق الذي يوصلني، قال: فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنه يودعني.
وروي عن ابن عباس أن امرأة جاءت بإذن الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، به جنون، إنه يأخذه عند غدائنا وعند عشائنا فيخبت علينا، فمسح الرسول صلى الله عليه وسلم، دعا فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي.
وروى أحمد وأبو يعلى الموصلي عن عائشة قالت: كان لآل رسول الله وحش، فإذا خرج رسول الله اشتد ولعب وأقبل وأدبر، فإذا أحسَّ برسول الله قد دخل، ولم يبرح كراهية أن يؤذيه، ولفظه للإمام أحمد. ورواه أبو نعيم، قال: وروى أحمد عنها أيضاً أن الرسول كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله، تسجد لك البهائم والشجر ونحن أحق أن نسجد لك! فقال: «اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر كان ينبغي لها أن تفعله». قال: لو أن الرجل أمر زوجته أن تنقل الجبل من جبل أسود إلى جبل أبيض أو من جبل أبيض لأسود، وإن كان هذا يعني دلالة أنه شيء لا تعمله المرأة، لا تفعله، يقول: كان ينبغي لها أن تفعل، وهذا يدل على عظيم حق الزوج.
قال أحمد بن عفان وابن ماجه بعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان قال: حدثنا محمد بن سلمة، قال حدثنا المعنى، حدثنا علي بن زيد، قال حدثنا سعيد عن عائشة، وقصة هذا الجمل رواها جماعة من الصحابة أيضاً.
قال أحمد عن سعد الخدري: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلب الراعي فزع منه، فأقع الذئب على ذنبه، فقال: ألا تتقي الله يا راعي؟ تنزع مني رزقاً ساقه الله إليَّ! فقال الراعي، اندهش، قال: سبحان الله، ذئب جالس على ذنبه ويكلمني! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب، يخبر الناس بأنباء من قد سبق بقوم عاد وصالح، أنت لماذا تتعجب مني يا راعي؟ فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زوايا المدينة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في أهل المدينة أن يجتمعوا للصلاة جامعة، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اجتمع الناس فقال للأعرابي: «أخبر الناس بما رأيت»، فأخبرهم أنه قال لي الذئب كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده في المنزل». سبحان الله!
وروى الترمذي آخره وصححه، وقال به قيس صحيح، وشهد له وجه آخر. وروى أحمد عن أبي هريرة قال: وكان الراعي يهودياً فأسلم، وقال فيه: أعجب من هذا رجل في النخلات بين حرتين، يخبركم بما مضى، وما هو كائن بعدكم. يقول: هذه من كلام الذئب، أنه في رواية أخرى أن الذئب قال: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين وهي حرتين المدينة، يخبركم بما مضى وفي الصحيحين عن أنس: كان بالمدينة فزع، فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرساً لأبي طلحة، وكان يُقطف -يعني هذا الفرس ما كان سريعاً بما يقولون-، فلما رجع قال: «إنا وجدنا فرسكم يا أبا طلحة بحراً سريعاً»، وهذا من معجزاته، أنه كان الفرس فعلاً بطيئاً، وببركة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عليه، قالوا: أصبح الفرس بحراً سريعاً في مشيته، وكان بعد ذلك الفرس لا يُجارى، وهذا من بركة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
ومن دلائل النبوة أيضاً قصة سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، أنه أرسل إلى علي وهو أرمد العين، قضية "لأعطين الراية غداً"، وكيف بصق النبي صلى الله عليه وسلم في عين علي فبرئ كأنه لم يكن به وجع قط.
وقالت عن أبيه عن قتادة بن النعمان قال: إنه أصيبت عينه في الغزوة مع النبي فسالت على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا الرسول فقال: لا، ودعا وغمز حدقته براحته -بكفه، غمز حدقة عينه لقتادة بن النعمان- أرجعها إلى مكانها، فكأنه أرجع هذه العين السائلة من العين، نزلت فكأنه براحته عليه الصلاة والسلام أرجعها، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت، من شدة عودتها إلى سلامتها وعافيتها، فكانت تحسن عينيه، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: فرفع حدقته السائلة حتى وضعها موضعها ثم غمزها -يعني ممكن دفشها هكذا براحته عليه الصلاة والسلام-، قال: «اللهم أكسه جمالاً»، فمات ولا أدري من لقيه أي عينيه التي أصيبت.
قال: وأنشد ولده بحضرة عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، وأقره من حضر وينكروه، إلا ابن الذي سالت على الخد عينه، وردت بكف المصطفى أيما رَدِّ، فعادت كما كانت لأحسن حالها، فيا حسن من عين، ويا حسن من يدي! قال: فلولا أنه كان معروفاً عند التابعين لم يقروه، وهم إنما تلقوا هذا عن الصحابة، يعني هذه القصة لولا أنها معروفة وإلا ما حدا أقر الشاعر على شعره، ما أقر أحد ابنه على ما قال، فيدل هذا على أن قصة قتادة بن النعمان ورد العين قصة معروفة بين التابعين أيضاً.
في صحيح البخاري قصة البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي -قصة اغتيال أبي رافع اليهودي-، بعث رجالاً من الأنصار وأمر عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن عتيك، قال: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان له حصن بأرض الحجاز، فلما دنوا منه قد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: مكانكم، إني منطلق.
قال عبد الله بن عتيك لأصحابه لما وصلوا إلى باب الحصن: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل الحصن، فاقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس.
هتف به البواب، وذلك أن أصحاب الحصون كان الناس يخرجون منها في النهار للعمل في الأراضي ورعي الأغنام والإبل، وعند الغروب يرجعون إلى داخل الحصن وينامون. فصنع عبد الله بن عتيك كأنه يقضي حاجته وغطى بثوبه حتى لا يُعرف، فكان البواب يقول للناس: يلا يا جماعة، غربت الشمس، بدنا نسكر باب الحصن. ولم يكن يعلم أن هذا عبد الله بن عتيك، فظنه من المواطنين الذين يسكنون داخل الحصن، فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب.
قال: فدخلت وكمنت حتى جاء الليل وأسدل ستره. فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علّق الأقاليد على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب؛ حتى يدخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو رافع يسمر عنده في علالي له، وكان بالليل عنده جلسات سمر.
فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما دخلت باباً أغلقت عليَّ من داخل؛ حتى لا يخلصوا إليَّ حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئاً، وصاح فخرجت من البيت. فمكثت غير بعيد، ثم دخلت إليه.
لا، القوم لم يخلصوا إلي. قال: فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أنا صرخت لكي يحكي؛ حتى أعرف من هو فأقتله. فقلت: أبا رافع؟ قال: من هذا؟ فلما قلت من هذا، حاولت أحذر من أين جاء الصوت من الغرفة، فأهويت نحو الصوت حتى أضربه. قال: فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهشت، بتعرف هي لحظة سريعة والدنيا معجوقة، فما أغنيت شيئاً، يعني ما ضبطت الضربة. يقول عبد الله بن عتيك: ما ضبطت وصاح، الظاهر أنه جرحه عمل شيئاً بس ما قتلته.
قال: فخرجت من البيت، طلعت مباشرة من الغرفة بعد أن ضربته، فمكثت غير بعيد ثم دخلت إليه. فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلاً ضربني قبل بالسيف، عمل حاله كأنه جاي يطمئن عليه. قال: طلعت بره الغرفة، قال: رجعت جوا الغرفة قلت له: يا أبا رافع إيش في؟ طبعاً عبد الله بن عتيك عم يمثل، قال له: يا أخي في واحد قبل شوي دخل على الغرفة وضربني بالسيف.
قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، يعني قصة ضربته بس ما عرف إيش اللي سواه. قال: نعم، فضربته ضربة، وعرف عبد الله بن عتيك أنه ضربه ضربة بس ما قتلته. قال: ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، يعني يريد أن يقول وضع حده في بطنه حتى خرج من ظهره. قال: حتى أخذ في ظهره، استطعت أن أخرج السيف من الجهة الثانية، فعلمت عندئذ أنني قد قتلته.
فجعلت أفتح الأبواب المغلقة باباً باباً، قال: حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت الأرض. بتعرفوا نحن نكون في الظلام نازل درج، فبتفكر أنك وصلت على الأرض وإذا لسه في درجتين، أو لسه مش قاطعهم. قال: الظاهر أنه لم ينتبه عبد الله بن عتيك فسقط، قد انتهى فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست عند الباب، فقلت: لا أبرح حتى أعلم أقتلته فعلاً أم لا.
جلس عند باب الحصن، قال: فلما صاح الديك -طبعاً الديك يصيح في منتصف الليل هكذا يقولون- قام الناعي على السور، على سور الحصن، فقال: أنعى أبا رافع. قال: فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، قد قتل الله أبا رافع. فانتهينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثناه، فقال: ابسط رجلك، فبسطتها فمسحها، فكأن لم أشتكها قط. في البخاري عن، وهذا موطن الشاهد من الحديث؛ كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على رجله فما اشتكاها قط.
قال في البخاري عن زيد بن أبي عبيد قال: رأيت في ساق سلمة بن الأكوع أثر ضربة، فقلت:
أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة.
أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، تصيب سلمة. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفث فيَّ ثلاث نفثات، فما اشتكيت منها حتى الساعة.
وفي الترمذي وغيره قال عثمان بن حنيف: إن رجلاً ضريراً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادعُ الله تعالى أن يعافيني. قال: «إن شئت صبرت فهو لك، وإن شئت دعوت الله». قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي فتقضيها لي، اللهم فشفعه فيَّ».
وهذا الحديث من الأحاديث التي فيها نقاش كبير في قضية جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث عليه مدار؛ هو الحديث الوحيد الحسن الذي يعتمد عليه في هذا الباب. باقي الأحاديث التي يذكرها من يجيز التوسل بذات النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث ضعيفة لا تقوم بساق، أو أحاديث فهمها واضح من البداية أنه ليس له علاقة بما يريدونه. لكن هذا الحديث نعم حديث صححه أكثر أهل العلم، وهو حديث يشكل على من يريد أن يفهمه بطريقته، لكن من يريد أن يفهمه ضمن السياق العام للأحاديث الأخرى ويرد المتشابه إلى المحكم، سيفهم هذا الحديث. أنت لن تفهمه إلا برد المتشابه إلى المحكم، بدك تمشي على منهج العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل أن يتوضأ ويصلي ركعتين، وقال له: ادعُ بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي، اللهم فشفعه فيَّ».
الآن جمهور المحدثين من أهل السلف والخلف يسير على طريقة أهل السنة، يقول: هذا الرجل إنما توسل إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. إنه يقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك؛ يعني يا رب إني أرجوك أن ترد إلي بصري ببركة دعاء نبيك صلى الله عليه وسلم. فهو لم يتوسل بذات النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما بماذا؟ بالدعاء الذي سيدعوه له؛ لأنه هو رجل أصلاً من البداية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يعافيني. هو ما جاء يقول: يا رسول الله بدي أتوسل بذاتك، قال: يا رسول الله أريد أن تدعو الله لي. فقال: «إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت الله». قال: لا، ادعُ.
طبعاً هذا فرق بينه وبين المرأة التي كانت تُصرع؛ المرأة التي كانت تُصرع قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيكِ» بس بضمن ما بضمن الجنة لكِ، ممكن تدخليها ممكن. تلك المرأة ماذا اختارت؟ لا أصبر، لا أتكشف. نعم، أنا لا أتكشف، طبعاً لكن قضية أنها صبرت؛ الناس متفاوته في مقدار صبرها. هذا الرجل الضرير النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن شئت صبرت فهو خير لك»، وكل نوع من الوعد، «وإن شئت دعوت الله لك». قال: لا، ادعُ يا رسول الله؛ أنا مش قادر أتحمل هذا البلاء.
إذاً لاحظ هو هذا السياق الصحيح، ما بصير تأخذ القصة مجتزأة. قال: يا رسول الله ادعُ. إذاً هو يريد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له، هذا نص الحديث من بدايته، والمشكلة أن بعض أهل الأهواء بيجي بيجيب لك الحديث من الآخر، ما بيجيب لك سياقه العام، أنه الرجل من البداية جاء لا يريد التوسل بذات النبي عليه الصلاة والسلام، جاء يطلب الدعاء منه. قال: ادعُ، قال: إذا بدك إياني أدعو، إذاً اذهب وتوضأ فصلي ركعتين، وادعُ يا أيها الرجل بهذا الدعاء: أنه يا رب إني أسألك وأتوجه إليك بماذا؟ بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، بمعنى أي بدعائه.
ثم بعد ذلك استحضار «يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي، اللهم فشفعه فيَّ». نعم، يا محمد؛ وهذا نوع من الاستحضار وليس هو الدعاء؛ لأنه يقول لك: هو لما يقول يا محمد، هل النبي عليه الصلاة والسلام حاضر أمامه؟ الظاهر من السياق لا، وإنما هو نوع من الاستحضار؛ أنه يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، أتوجه بك أي بدعائك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي، اللهم فشفعه فيَّ. فسأل ربه أن يتقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وفي رواية قال: يا رسول الله، ليس لي قائد، وقد شق عليَّ، وذكر الحديث. فقال عثمان: والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضرر قط، نعم ذهب ما به من العمى.
النوع الرابع من معجزاته صلى الله عليه وسلم: آثار في الأشجار والخشب. قال: في صحيح عن جابر بن عبد الله قال: كان المسجد مسقوفاً على جذوع من النخل، فكان النبي إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع المنبر، صُنع المنبر وكان عليه، سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار، حتى جاء إليه العشار وهي الناقة الحامل، حتى جاء إليه فوضع يده عليه فسكت. وفي رواية: فصاح؛ أي صياح الصبي.
في الصحيح عن جابر قال: إن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه، إن لي غلاماً نجّاراً؟ قال: «إن شئت». فعملت له المنبر. يعني قصة حنين الجذع للنبي عليه الصلاة والسلام من القصص المشهورة في ذلك. نعم أيضاً فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فضم الشجرة، فجعلت الشجرة تئنُّ كأنين الصبي الذي يسكت، كيف طفل بتسكته هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالشجرة حتى استقرت.
أيضاً في صحيح مسلم حديث جابر: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزلنا وادياً أفيح -يعني واسع- فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي حاجته، فاتبعته بـ "إداوة" ماء -يعني زي قربة فيها ماء- فنظر رسول الله فلم ير شيئاً يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادي عليَّ بإذن الله»، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادي عليَّ بإذن الله»، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف فيما بينهما قال: «التئما عليَّ بإذن الله»، حتى جمع. يعني أخذ النبي صلى الله عليه وسلم غصن شجرة وقال لها: انقادي، وأخذ غصن شجرة أخرى وقال لها: انقادي، حتى جمعهما ثم جلس.
بالمنتصف بينهما حتى إذا كان بالمنتصف.
بالمنتصف بين الشجرتين وقد التمتا فلام بينهما حتى جمع بينهما. قال: فأتت عليّ بإذن الله، فأتت عليّ فخرجت، وأنا أحضر مخافة أن يحس رسول الله ﷺ بقربي فيتباعد، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة، فأذهب الرسول ﷺ مقبلاً وتشدان قد افترقت، فقامت كل واحدة منهما على ساق.
ذكر حديث علي بن عباس؛ قال: جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإنني من أطب الناس»، فقال: «ألا أريك آية؟»، قال: بلى. فنظر إلى النخلة فقال: «ادعُ الله أن يدعو لك العذق»، فجاءه العذق حتى قام بين يديه، فقال: «ارجع»، فرجع. فقال العامري: «لأنا من بني عامر، ما رأيت رجلاً أسحر منه»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
إنني من أطب الناس، الذي يظن أنه مرض مثلاً خاتم، هذا أول شيء؛ جاء رجل من بني عامر إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، أرني الخاتم بين كتفيك»، يعني هو يظن أن هذه حالة مرضية، فيريد أن يساعد النبي ﷺ، أن الخاتم كان كقطعة لحم عرفت في كاهله ﷺ، قال: كغدة في كاهله. فقال: «فإني من أطب الناس، أنا أساعدتك، أن أشير لك إياها»، قال: «ألا أريك آية؟»، قال: بلى. قال: «انظر إلى نخلة»، يعني هو يريد الرجل أن يرى هذه الآية حتى يعرف أني رسول الله بدلاً من هذا الكلام الذي تقوله، فنظر إلى نخلة فقال: «ادعُ لك العذق»، العذق هو الذي يكون عليه البلح، الأغصان التي يكون عليها البلح، قال: «ما رأيك العذق الذي فوق النخلة أجلب لك إياه؟»، قال: فجاءه، نزل العذق من النخلة ينقذ أمام الرجل، يعني عرف أنه في حالكم والدنيا في كوم، حتى قام العذق بين يدي الرجل، ثم قال النبي ﷺ للعذق: «ارجع»، مشى العذق وصعد النخلة ورجع إلى مكانه على النخلة، فقال العامري: «يا بني عامر، ما رأيت رجلاً أسحر منه».
شوف، بعض الناس عنده إصرار عجيب، يبقى هذا السحر، لا يفعله السحر، هو يفعل له كم شغلة من الشغلات التي تخدع بها الأبصار والعيون، أو يستعين بها بالجن والعفاريت، هذا أقصى ما يمكن يفعله الساحر.
قال في رواية الترمذي: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: «بما أعرف أنك نبي؟»، فقال: «إن دعوت هذا العذق فتشهد أني رسول الله»، فدعاه الرسول ﷺ فجعل العذق ينزل حتى سقط إلى النبي ﷺ، وقال: «ارجع»، فعاد. وفي اسم الأعرابي عن داود بن عمر قال: كنا مع الرسول ﷺ في السفر، فكلم الأعرابي، فلما قال: «هل لكم من خير؟»، قالوا: «ما هو؟»، قال: «تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله»، فقال: «من يشهد على ما تقول؟»، قال: «هذه السلمة»، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاط الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إليه فقال: «إن اتبعتني أتيك بهم، وإلا رجعت»، فرجع. فالأعرابي ذهب، قال: «يا رسول الله، إذا اتبعوني قومي، وإذا لم يتبعوني أتيت وحدي».
قال في الصحيحين عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقاً: من أذن بالجنه ليلة أُسري به؟ فقال: حدثني أبوك عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أذنت له شجرة. يعني أعلمته بشجرة، سألته مسروقاً: من الذي أعلم النبي ﷺ ليلة حضور الجن؟ أذنته شجرة، أعلمته بشجرة: «يا رسول الله، الجن قد حضر»، وهذا من معجزاته أنه كان يتعامل مع الشجر.
قال في الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض المناهج، فما استقبل شدّاً ولا جبلاً إلا وهو يقول: «السلام عليك يا رسول الله». تسليم الشجر والجبال والأحجار هذا كثير، رواه الحاكم وغيره.
روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزين، وقد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: «مالك؟»، فقال: «فعل هؤلاء وفعلوا»، فقال له جبريل: «أتحب أن أريك؟»، قال: «نعم»، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: «ادعُ تلك الشجرة»، فدعاها فجاءت تمشي حتى قدت بين يديه، فقال: «مرها فلترجع إلى مكانها»، فقال لها: «ارجعي»، فرجعت إلى مكانها، فقال النبي ﷺ: «حسبي، حسبي»، يعني هذا يزيدني يقيناً وثباتاً في طريقه. الآيات والمعجزات والكرامات تزيد الإنسان ثباتاً في طريقه في ساعات الشدة واللأواء، حديث حسن.
النوع الخامس: الماء والطعام والثمار الذي كان يكثر ببركته فوق العادة، وهذا كثير من معجزاته أنه يكثر الماء والطعام والشراب، وحصل كثيراً وفي مواطن كثيرة، لذلك قالوا هذا باب واسع، نذكر منه ما تيسر.
أما تكثيره للماء ففي الصحيحين، عن أنس: أن النبي ﷺ قدع بماء في قدح رحرح، فجعل القوم يتوضؤون فحذوا ما بين ٧٠ إلى ٨٠ في رواية، مجرد قدح، وعاء صغير، توضأ منه ٧٠ رجلاً، ما شاء الله هذا من بركته.
قال: إن النبي ﷺ خرج في بعض مخارجه ومعه أناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون فحضرت الصلاة فلم يجدوا ما يتوضؤون به، فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذ النبي ﷺ فتوضأ، وتوضأوا وكانوا سبعين أو نحو ذلك. حديث أنس أن النبي ﷺ وأصحابه بالزوراء، أي زوراء المدينة عند السوق، دعا النبي ﷺ عند سوق المدينة بقدح فيه ماء يسير، فوضع فيه كفه الشريف ﷺ فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، فقلت: كم كنتم يا أبا حمزة؟ (وأبو حمزة هو أنس بن مالك)، قال: كنا زهاء 300 شخص توضؤوا من قدح، وفي رواية: بماء لا يغمر أصابعه، أو قدر ما يواري أصابعه.
قال في الصحيحين عنه أنه قال: رأيت الرسول ﷺ ليلة صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء في المسجد، فأتي الرسول بوضوء، فجاء فوضع في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه.
فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأ من عند آخرهم. قال في الصحيح جبنا قرايت معوضوا من عند آخرهم يعني إلى آخرهم نعم.
قال: قد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حضرت صلاة العصر ومعنا ماء غير فضلة، فجعل فينا فأتفي فضلة شيء يسير، فوتي فوضع يده أيضاً، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشرب، وجعلت له الـ ما جعلت في بطني منه فعلمت أنه بركة، فتوضأ الناس وشربوا يعني فجعلته لا يعني لا أقصر في شربي من هذا الماء لأنه عرف أنه بركة.
قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا 1400، ولعل هذا في صلح الحديبية وهذا ما يؤكده الرواية الأخرى في حديث جابر: عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يعني زي الوعاء الصغير أو القربة الصغيرة، فتوضأ فجـ جهش الناس نحوه أي يتجهوا نحوه، قال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك في هذه الركوة.
ووضع يده في الركوة صلى الله عليه وسلم، فجعل الماء يفور من بين أصابعه، هذه الحيون أيضاً في البخاري عن البراء بن عازب قال نعم: تعدون أنتم الفتح تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتح ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا معنا بسن 14 ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]، وأكثر مفسرين على أنه صلح الحديبية نعم.
قال: وللحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صب فيها، فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا كنا 1400 أو أكثر من ذلك.
قال في صحيح مسلم عن أنس الأكوعي قال: قدمنا الحديبية مع رسول نحن 14 وعليه 50 شاتاً لا ير 50 وعليها 50، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن أصدرتنا الصدور هو الذهاب عن الماء بعد الورود تمام في عندك الورود في عندك الصدور، فيقول يقول أي صدرنا عنها يعني إحنا وكل ركابنا وقد شربوا من بئر الحديبية.
الحديبية هي أصلاً الحديبية هي في الأصل عين ماء كانت بئر ولكنها كانت يعني ما فيها ماء، فبركة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وتمضمضه فيها نبع منها الماء وارتوى منها الجيش وكانوا 1400 أيضاً في صلح الحديبية.
قصة سلمى الأكوع قدمنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم الأرض، فالنبي صلى الله عليه وسلم قعد حتى جاب الـ ركـ الـ ركـ الـ ركِي ذكرنا عنها، فأما دعا وأما بسق فيها (كأنه نوع من الشك هل هو مجرد دعاء أخرج الماء وإلا أنه بسق فيها بعد أن توضا وتمضمض، والرواية السابقة ظاهرة أنه تمضمض فبَسَقَ فيها) طيب فجاشت يعني فاضت البئر عليهم.
وعن ابن عباس: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً، فطلب بلال الماء ثم جاء فقال: لا والله ما وجدت الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهل من شَنّ؟ (الشَّنّ قربة) فأتاه بشَنّ، فبسط كفيه فيه، فانبعثت يده عيناً، فانبعثت يده عيناً يعني خرج الماء من عند يده عين كأنها عين ماء جارية، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ نعم.
قال عن جابر بن عبد الله قال: غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضعة عشـ وضع مئتين فحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في القوم طهور؟ فجاء رجل يسعى بإداوة في شيء ماماء، قال: ليس في القوم ماء غيره، فصبه الرسول في قدحين كما توضع في أحسن الموضوع، ثم انصرف وترك القدح، فكَبَّ الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا، فقال الرسول: على رسلكم حين سمعهم يقول ذلك.
فوضع الرسول كفه في الماء والقدح فقال: بسم الله، ثم قال: اسبق الطهور، والذي أبتناني ببصري بعد لقد رايت العيون عيون الماء تخرج من ما بين أصابعه فلم يرفعها حتى يرفعهما حتى توضأ أجمعون رواه الدارمي في مسنده.
وفي صحيح البخاري عن أبي مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفة، كنا مع الرسول سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة فضلة من ماء، فجاؤونا بإناء فيه ماء قليل، فادخل يده في الإنائية ثم قال: حي على الطهور المبـ على طهور الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت ماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل سبحان الله نعم.
ابن مسعود الآية تجدون تك وأي نوع يعني أي نوع يحمل كلامه الآيات؟ بالآيات: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تُكَذِّبُونَ﴾ [الإسراء: 59] إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الريح أو المطر أو كذا يخاف أن يكون عذاباً.
(أنا وين أنت نعم المسعود) 380 كنا هو يريد أعطيك شاهد: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلاً من ماء، هو لعله ابن مسعود يتكلم عن نوع معين من الآيات يعني أنتم، نحن بالنسبة لنا إن كنا ننتظر من النبي صلى الله عليه وسلم الآيات لأننا نعلم أنها ستاتي لنا بإيش بالبركة والخير وذكر نموذج من ذلك كيف أن كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاؤونا بإناء فيه ماء قليل.
أما أنتم فلا تفهمون الآيات إلا على أنها إيش الزلاـ الزلازل والبراكين، وهو كأنه يقول لهم إنه الآيات في أنواع في أنواع يعني مش كل الآيات بالمفهوم اللي أنتم تظنونه وتحسبونه، ويخاطب التابعين اللي بيدرسوا على إيديه أنه أنتم دائماً تفهمون الآيات أنها الآيات اللي فيها خوف رعب موت دماء هرج قتل هذه الآيات قال: لا، ونحن كنا نعتبر الآيات ما كنا نراه من بركة الطعام وتسبيح الطعام بين يدي، هذا طبعا هو لا ينفي أنه في آيات تخويفية هذا هو لا ينفي أن هناك لكن هو يتكلم عن نوع آخر من الآيات هم ما كانوا يرونه وغير ملتفتين له نعم.
قال وروى مسلم في صحيح عن معاذ بن جابر قال: خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة وصلى الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، حتى كان يوم أخر الصلاة فخرج ثم خرج الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال: إنكم ستاتون غداً إن شاء الله تبوك، إنكم لن تاتو حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس ماء شيئاً حتى أتي.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: الصباح رح نرد على عين تبوك، ولانكم لن تصلوا إليها حتى يضحي النهار يعني يمضي من النهار شيء، فمن جاءها منكم فلا يمس من ماءها شيئاً حتى أتي، فجئناها وللاسف وقد سبقنا إليها رجلان في رجلين من الصحابه إيه أخطأوا فسبقوا إلى ماذا؟ إلى عين تبوك ولمسوها، ولا عين مثل الشراك طبض بشيء من الماء يعني كيف تقول لك الشراك هيك خيط خيط فقط ينزل منها من الماء.
فسألهما النبي صلى الله عليه وسلم: هل مسما من ماءها شيئاً؟ قالا: نعم، فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (طبعا أنت عارف النبي عليه الصلاة والسلام ما كان فاحشاً ولا متفحشاً فإنما أن سبهما يعني نهرهما نهرهما مش أنا يعني مش أنا قلت لكم أن ما حدا يلمس هذه الماء) وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً.
الآن صار الصحابة يجمعون من هذا الماء كمية قليلة من كما قلنا كان خيط فقط عين هذا، فأرادوا أن يجمعوا شيئاً قليلاً حتى اجتمع شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم غسل في هذه الكمية القليلة يديه ووجهه ثم أعاده في العين، فجرت العين بماء منهمر أو غزير فاستقى الناس.
ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً، ستكون تبوك جنة من جنان الأرض يعني بساتين فيها يعني أشجار وما شابه ذلك نعم.
شيخنا هل ممكن ناخذ من هذا الحديث فضل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على على مثلا أصحاب طالوت جالوت على أصحاب؟ من أي من أي جهة؟ لأن طالوت لما أمرهم بانهم أن لا يقربوا النهر فكلهم شربوا إلا قليل، هنا لما أمر صـ لسلم أصحابه أن لا يقربوا هذا هذه العين لم يثب إلا رجلان مع أن في قصة طالوت كان هناك نهر فالإنسان لا يخاف على حظه من الماء حتى لو رجع أما في هنا هنا كان عين صغيره فالإنسان أصلاً يخاف على نفسه فإن ممكن في أكثر من جهة في تفضيل الصحابة صلى الله عليه وسلم في في إطاعتهم لـ (يعني ملحظ ملحظ يعني أنا صعب بدها تدقيق أكثر أنه هل هذا وجه تفضيل لكن ملحظ ممكن نقول إنه قضية أن العين ليست مثل النهر ومع ذلك الصحابة جلهم سمع وانصاع لكلام النبي عليه الصلاة والسلام وهو صحيح عموماً يعني أن أفضل اتباع الأنبياء هم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم نعم).
قال في صحيح مسلم عن حديث جابر الذي رواه عبادة بن وليد ولقد تقدم أوله في قصة الشجرتين وقيادهما ثم افتراقهما وضع على على الغس وضع الغصنين على القبرين وهذه مشهور أيضاً نعم.
قال في آخره: فتنا عسكر فقال: يا جابر نادي بوضوء، فقال فقلت: ألا وضوء ألا وضوء، قال قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل أضاري يبرد وضوء هو الماء الذي توضأ به، فما كان في كل العسكر قطرة ماء، وكان رجل من الأنصار هو الذي يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له.
قال فقال ينطلق والسقاء (يقول هنا النووي الأشجاب هو سقاء بلي وصار شناع نوع من القرب) طيب، فقال لي انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل في أشجابه (هل هذا الرجل كان بتعرفوا المياه في الحجاز حارة إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب ماء بارداً كان لابد يوضع في قربة حتى يتم تبريده، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر: اذهب إلى فلان الأنصاري اللي عادة برد لي الماء هل بقي في أشجابي في قربتي ولو كمية قليلة؟).
فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب لو أني أفرغه لشرب في عزلاء شجب لو أني أفرغه لشربه يابسة يقول فم القربة كأنها في يعني قطرة ماء في فم القربة ويابسة جداً، فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله نعم.
فقال فقلت: يا رسول الله إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب لو أني لو أني أفرغه لشربه ويابسة، فقال: اذهب فأتني به فدئته به، فأخذه بيده فقال جعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغميزه بيده ثم أعطنيه، فقال جابر: نادي بجفنة الركب، فقالت: يا جفنة الركب فأتت بها تحمل فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه في الجفنة هكذا فبسطها وفرق بين ثم وضعها في قال الجفنة فقال: فقال: خذها يا جابر فصب علي، فصب علي وقل بسم الله، فصببت عليه وقلت بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلات، فقال فقال: يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء، قال: فأتى الناس فاستقوا حتى روه، ثم فق قال: فقلت هل بقي احد لو حاجب فرفع رسول يده من جفنة وهي ملاه نعم.
لذلك يعني كأنه هذه القربة من شدة يابسها ما في إلا قطرة ماء بقول لك يا رسول الله هذه القربة لو بدي أنزل قطرة الماء وهي نازلة رح تنشف رح تشربها القربة نفسها من شدة يابسها يعني ما رح تنزل حتى هذه القطرة نعم.
قال وفي الصحيحين عن عمران بن حسين قال: كنت مع النبي في مسير له فأدلجنا ليلة حتى إذا كان وجه الصبح الرسنا، فعرجنا يعني دخلنا في الليل حتى إذا عرسنا فحتى إذا كان وجه الصبح صبح يعني أدلجنا بالليل يعني سرنا ليلتنا، ما معنى أدلجنا ليلتنا يعني سرنا في الدلجة حتى إذا كان الصباح (بتعرفوا العرب كانت تحب أن تسير ليلا بكون الجوبرات في الصباح بتنام).
قال: حتى إذا كنا على وجه الصبح عرسنا أي نزلنا عشان نستريح، غلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس، فكان أول ما نستيقظ أبو بكر الصديق وكنا لا نوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يكون هو الذي يستيقظ بنفسه عليه الصلاه والسلام لأن لا ندري ما يحدث له حتى في نومه من الأحوال والأمور العجيبة.
قالوا: ونحن ما بنقرب عليه ممكن يكون في رؤيا في شيء، فإن رؤيا الأنبياء حق فكانوا ما يقتربون منه حتى في منامه حتى يستيقظ بنفسه عليه الصلاة والسلام، ثم استيقظ عمر فجعل عمر ايش يكبر بصوت مرتفع حتى يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع راسه وراء الشمس قد بزغت ارتحلوا فصار بنا حتى ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداء.
وهذا يدل على أن صلاة الفجر خرجت عن وقتها لأنهم نزلوا فمن شدة التعب والإعياء ناموا وذهب وقت الفجر، فاعتزل رجل من القوم لم يصلي معنا، فلما صلوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: معك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني الجنابة ولا ما قال: عليك بالصعيد أي بالتراب فإنه يكفيك.
فيكفيَك، فتيمم بالصعيد فصلى، ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء. عجلني يعني قدمني. عمران بن حسين يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قدمه مع مجموعة من الصحابة الشبان حتى يبحثوا عن مياه، وقد عطشنا عطشاً شديداً.
فبينما نحن نسير إذ نحن بامرأة سادل رجلها بين مزادتين. فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: أياه أياه! لا ماء لكم. فقلت: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة. نعم. قلنا: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئاً حتى انطلقنا بها. يعني نقعد نحكي يا رسول الله، ونشرح لها الإسلام، فيش وقت يا حجة، تعالي تعالي. يعني لم نملكها من أمرها شيئاً، بدها تفتح حواراً أنه شكل امرأة، امرأة بس بسيطة يعني في الطريق وجدوها في طريق سفر، فقالوا حتى نشرح لها ما رسول الله، الشباب والصحابة عطشانين وكذا. قال: لم نملكها من أمرها شيئاً حتى انطلقنا بها. نعم.
قال: فاستقبلنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها فأخبرته المثل الذي أخبرتنا، وأخبرتْه أنها مؤتمة لها صبيان أيتام، فامر براويتها فأنيخت، فمج في العزلاوين العليا. براويتها فأنيخت، اللي هو الجمل، الجمل يسمى راوية باعتبار أنهم كانوا يحملون عليه الماء والطعام والشراب. فالنبي صلى الله عليه وسلم نعم، فمج أي النبي عليه الصلاة والسلام كأن تفل عليه الصلاة والسلام في العزلاوين العلياوين. يعني كأن هذه الراوية عليها، كما قلنا، بين مزادتين، مش نحن قلنا إذ نحن بامرأة سادل رجليها بين مزادتين، وكيف هي سادلتيها بين مزادتين؟ هي رأس الجمل، والجمل توضع جرة على السنام الأيمن وجرة على السنام الأيسر، فهي كانت سادة لرجلها، يعني كناية على أنها راكبة على السنام ورجليها بين الجرتين، بين جرتي ماء أو قربتي ماء. فهذا معناه، مش أنه حاطة رجليها جوا المزادتين، لا هي أنه المزادتين على جانبي سنام الجمل، فهي راكبة على الجمل وعلى جانبيه مزادتين تجمع فيهما، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم مج أو تفل عليه الصلاة والسلام في ماذا؟ في هاتين الجرتين أو في هاتين المزادتين.
ثم بعث براويتها، بعث يعني أقام الجمل جعل الجمل يقوم. قال: فشربنا ونحن أربعون رجلاً عطاشاً من هاتين المزادتين حتى روينا، وملأنا كل راوية، وملأنا كل قربه معنا وداوة، وغسلنا صاحبنا. مش صاحبهم كان عليه جنابة؟ غسلنا الشب اللي عليه جنابة. طب ما راض اغتسل لحاله يعني؟ بس غسلنا يعطينا يغتسل، غير أن لم نسق بعيراً، غير أننا لم نسقي بعيراً من الجمال وهي تكاد تضج، أي وهي تكاد تضجر، تدرج من الماء. يعني المزادتين يخرج منها الماء بكثره، تمام، تكاد تتدرج من الماء. نعم.
ثم قالوا: هاتوا ما كان عندكم. فجمعنا لها من ايش؟ من كسر وتمر، وصر لها صرة. هذه امرأة فقيرة الظاهر. النبي عليه الصلاة والسلام قال: اجمعوا لها حتى نعطيها هيك هدية مقابل المعروف اللي استفدنا منها. فجمعنا لها، يعني كسر خبز كانت بين يدي الصحابة، تمر، فصر لها صرة. فقال: اذهبي فاطعمي عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئاً. لا تفكري أنه الماء تبعك قل، ما قل شيء من مائك. فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر الناس، أو أنه نبي كما زعم. يعني هو أحد احتماليه، كان من أمر أذيت، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة. الصرم اللي هي القبيلة، الصرم هنا يطلق على القبيلة. نعم.
ممكن مثلاً يقال إنه حديث الطعام والشراب كان عليه الصلاة والسلام دائماً يكون يفضل بعده ما يزيد على الباقي، أو ما أو شيء، يعني إذا كانت مثلاً أعطوه شيء مليان لا ينقص، أو إنه يكون شيء قليل فيكثره. هل ممكن هذا في إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أراد أن يقطع من الخلْق عنه، أن هو يعني حتى أي شيء ممكن يستفيده منك، فهو يريد، كما كان أفضل؛ لأنه طبيعة الناس إذا رأت أنك أخذت منها شيئاً يبقى لها يعني إما شيء في النفس، أو ترى أنك أخذت شيئاً ليس من حقك. فممكن بالمعنى العام نعم، أن يكون لأحد حظ ويد على النبي عليه الصلاة والسلام بشكل من الأشكال. نعم. أصلاً هذا وارد حديث في غير الماكذا: ما لأحد عندنا إلى وقته. نعم. إلا ما خلا أبا بكر. صحيح، إلا أبا بكر. كل أحد النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه الماء أو كذا أرْجع له إياه، أرْجع له إياه، وأحياناً يكون بزيادة. أحسنت. نعم.
قال: في الصحيحين عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنكم تسيرون عشيتكم هذه وليلتكم فتاتون الماء غدا إن شاء الله». فانطلق الناس لا يلوي أحد، وذكر حديث النوم في الوادي. ثم قال: «ثم دعا بميضاءة كانت معي فيها شيء ماء، فتوضأ منها». الميضاءة أو المكان الذي يجمع فيه ماء الوضوء. نعم. قال: فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء وبقي فيها شيء من ماء. وضوء دون وضوء يعني وضوء خفيف. «فتبدأ بها وضوءا دون وضوء» يعني وضوء لم يسبغ فيه كثيراً، هذا كما هو المعتاد. نعم. قال: ثم قال، وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال لقتادة: «احفظ علينا ميضاءتك، فسيكون لها نبأ». سيكون لها قصة يعني بعد قليل. نعم.
قال: ثم أصبح الناس فقدون بيهم. فقال أبو بكر وعمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدكم لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا. قال: منتهين إلى الناس حتى امتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشنا. فقال: «لا هلك عليكم». ثم قال: «أطلقوا غَمري». قال: ودعا بالميضاءة، فجعل رسول الله يصب وأبو قتادة يسقيهم. قال الغمر هنا يقول هو القدح الصغير. نعم. قال: فلم يعدو أن راى الناس ما في الميضاءة كابوا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحسنوا الملاء، كلكم سيروى». فقال: فعلوا فجعل رسول الله يصب وأسقيه وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم صب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اشرب». فقلت: لا أشرَب حتى يشرب رسول الله. قال: «إن ساقي القوم آخرهم شربة». فشربت وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: فاتى الناس الماء جامين رواء.
قال عبد الله بن رباح: إني لأحدث بهذا الحديث في المسجد الجامع إذ قال عمران بن حسين: انظر كيف تحدث فانا... جامين رواء، أي يعني نشاطاً كانوا خلص نشطوا واستراحوا وشبعوا. نعم، قد ارتووا من الماء. جامين رواء. نعم. قال: فبين قال إني لأحدث بهذا الحديث في مسجد الجامع، إذ قال عمران بن حسين: انظر كيف تحدث فانا أحد الركب تلك الليلة. فقلت: أنت أعلم. فقال: ممن أنت؟ قلت: من أنصار المسجد الجامع. قد يكون هذا في البصرة أو الكوفة يعني. كان عبد الله بن رباح يحدث بهذا الحديث في زمن الخلفاء الراشدين في المسا في في المسجد الجامع في البصرة وفي الكوفة. فقال له عمران: اعرف كيف تحدث، تأكد لأني أنا كنت أحد هذا الركب الذي حصلت معه هذه القصة. فقلت: أنت أعلم إذاً يا عمران. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: فانتم أعلم بحديثكم. تمام، يعني هو يقول من من أنت، مين أنت؟ قال: أنا من عمران بن الحسين بن الأنصار. قال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحداً حفظه كما حفظته.
قال: في مسند الإمام أحمد ورواه أبو يعلى الموصلي عن عمران بن عازب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتينا على ركي ذمة. قال: فنزلنا ستة أنا سابعهم أو سبعة أنا ثامنهم. قال: فدليت إلى دلو، فديت اليه، فادليت إلى يدي. يقول هنا: فأتيتينا على ركي على ركي ذمة. يعني على بئر قليلة الماء. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتينا على ركي ذمة، الركي الذمه هي التي تكون قليلة الماء. نعم، فنزلنا ستة أشخاص أنا سابعهم أو سبعة أنا ثامنهم، فادليت، قال فادليت أو فدليت نعم إلى دلوي نعم.
قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على شفة الركي. ركي يعني جالس على جانب البئر، على طرف البئر، على حِفَتِها. نعم. قال: فجعلنا فيها نصفها وقريب من ثلثيها، فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكددت بانيائي أجد شيئاً أجعله في حلقي فما وجدت. قال: فغمس رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فيها وقال ما شاء الله أن يقول، فاعيدت إلينا وما فيها. قال: فقد رايت آخرنا أخرج بثوب مخافه الغرق. وساحت، ساخت يعني البئر كادت تغرقهم ما شاء الله، ما كان فيها إلا شيء يسير جداً. قال: لقد رايت آخرنا أخرج بثوب مخافة أن يغرق. نعم.
قال: في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه طرف منه عن زياد بن حارث الصدائي قال في آخره: ثم قال يا نبي الله إن لنا بئراً إذا كان شتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان صيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا وكل من حولنا عدو، فادعُ الله.
إذاً، عندنا بئر يا رسول الله هي البئر في الشتاء بتجمعنا فيها مياه، بس في الصيف ما بصير فيها مياه، يقل فبنضطر أنه نذهب إلى قبائل أخرى واماكن أخرى حولنا حتى نجد الماء، لكن يا رسول الله نحن أسلمنا الآن وكل القبائل التي حولنا أعداء لنا، فإذا ذهبنا ما حدا رح ينزلنا على بئره، قال: وكل من حولنا عدو فادعُ الله في بئرنا أن يسعنا ماؤها صيفاً كما وسع لنا ماؤها شتاء فنجتمع عليها ولا نتفرق. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع حصيات فعركهن في يده ودعا فيهن، ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا يعني أتيت البئر فالقوا واحدة واحدة واذكر اسم الله عز وجل. قال الصدائي: فعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها، دائماً البئر مليئة قعرها لا يظهر، وهذا من بركة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.
ما روى الإمام أحمد عن ابن عباس: أصبح النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم نعم، قال وليس في العسكر ماء، فأتاه رجل فقال يا رسول الله ليس في العسكر ماء. قال عندك شيء؟ قال نعم. قال فتني به. قال فأتاه بإناء فيه شيء ماء قليل. فقال فجعلها رسول الله أصابعه على فمنا وفتح أصابعه وقال فانفجرت من من بين من بين أصابعه عيون، وأمر بلالاً فقال نادي في الناس الوضوء المبارك فصل، فصل تكفير الطعام. نعم.
قال: في الصحيح عن جابر قال: لما كل ما مضى كان في المياه رح يحيى يدخل في الاطعمة. نعم. قال لما حفر الخندق رايت رسول رايت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً، فانكف خمصاً، يعني جوعاً. نعم. قال فانكفأت على امراته فقلت هل لك هل فقلت له هل عندك شيء؟ فاني رايت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً. فخرجت لي جِراراً فيه صاع شعير، ولنا بهيمة بهيمة داجن. قال فذعنزه صغيراً، نعم. قال فذبحتها وطحنت، ففرغت إلى فراغي، ففرغت إلى فراغي فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قال فجئت فسررته فقلت يا رسول الله إن ذبحنا بهيمة لنا وطحنت طاعاً من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا اهل الخندق إن جابراً قد صنع لكم سؤرة فحيا هلا بكم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا برمتكم ولا تخ ولا تخبزن.
طبعا ففرغت إلى فراغي شو فرغت إلى فراغي؟ أيوه أحسنت، يعني ففرغت هي يعني هي فرغت من الطحن لما أنا فرغت من الذبح، ففرغت إلى فراغي إنه أنا خلصت لما هي خلصت أو هي خلصت لما أنا خلصت فقطعتها في برمتها. البرمة هي زي صدر البرمة هي نوع من الصدور والأواني، فيقول إنه وضع الشاة والداجل بعد أن ذبحها وجهزها وطبخها في برمة ثم وليت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم، خليها على النار حتى أنا أجيك ولا تعمل الخبز ولا تعجن حتى آجي. نعم.
قال فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امراتي فقالت بك وبك، قلت قد فعلت الذي قلت لي فا بك وبك يعني الله يعني أدرجت لك عملت لنا كذا وكذا وكذا يعني. فقالت أنا فعلت الذي فقلت لي يعني أنا رحت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. نعم. قال فاخرجت لنا عجيناً فبسق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق فيها، ثم قال ادعوا لي خامزة فلتخبز معك واقْدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف أقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا. تركوه وانحرفوا خلص يعني شبعوا، وإن برمتنا لتغط كما هي بالطعام، وإن عجيننا ليخبز كما هو لا ينفذ. وفي رواية قال جابر قال إن يوم الخندق نحضر نعم إذا نفس الحديث السابق قال فانطلق القضية قصة بتفصيلها طيب، ثم أكل وقال في ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم.
وفي فضل فضله فأهديناه لجيراننا. وفي الصحيحين، أنس بن مالك قال: أبو طلحة لأم سليم -وهذه قصة أخرى- قد سمعت صلصة ضعيف، أنا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم.
فخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخذت خمارًا لها فلفّت الخبز ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، فذهبت به فوجدته جالسًا في المسجد معه ناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله ﷺ: «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم. قال: «الطعام؟» فقلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ: «قوموا».
فانطلقت حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء الرسول بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: والله لرسول الله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، حتى دخل فقال رسول الله ﷺ: «هلمي يا أم سليم ما عندك». فأتت بذلك الخبزة ففتتتها، وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدامته، ثم قال ﷺ: «إذا لعشرة، فأذن لهم»، فأكلوا حتى شبعوا.
أكل القوم كلهم وشبعوا، القوم سبعون رجلًا أو ثمانون، وفي رواية ثمانون، ثم أكل الرسول وأبو طلحة وأم سليم، وأهدينا فضل فضله لجيراننا.
وفي صحيح مسلم، عن سلمة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا من التمر، فبسط نطعًا فنثرنا عليه أزوادنا، قال: فتمطيت فطاولت فنظرت، فحزته كربضة شاة ونحن أربعة عشر، قال: فأكلنا.
وفي صحيح عن أبي هريرة وأبي سلمة وأبي سعيد وسلمة الأكوعي، واللفظ لمسلم، عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في المسير، فنفدت أزواد القوم حتى هموا بنحر بعض حمائرهم، قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها؟ قال: ففعل، فجاء ذو البر والتمر بتمره، وذو النواة بنواته -قيل وما كان بنواة؟ قال: يمصونه ويشربون عليه الماء- فدعا عليهم حتى من قوم أزودتهم، فقال ﷺ عند ذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله، إني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة».
وفي لفظ آخر، لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحر نواضحنا فآكل وندهن؟ فقال رسول الله ﷺ: «افعلوا». فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلنا قَلَّ الظهر في روايته ما بقي منهم بعد إبلهم، ولكن يريدون نحر النواضح، والنواضح هي الجمال.
قال: ولكن ادعواهم بفضل أزوادهم، ثم ادعوا الله لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك خيرًا. فقال رسول الله ﷺ: «نعم، وادعُ». قال عمر: يا رسول الله، إذا ذبحوا النواضح ما بقي ظهر نركب عليه؟ فخلهم يأتون بفضل أزوادهم، يعني ما فضل من كسرة خبز أو شوية تمر أو شعير، فادعوا الله لهم بالبركة، هذا أفضل من أن يذبحوا. والنبي ﷺ أعجبه اجتهاد عمر وفكرة عمر، فقال: «نعم، ما قلته صحيح».
فدعا بنطع -يعني كجلد يوضع كسفرة جلدية- فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وجعل الآخر يجيء بكفي تمر، وجعل الآخر يجيء بكسرة، حتى اجتمع على النطع من شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة حيث ما أخذ، قال: «خذوا في أوعيتكم»، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر شيئًا، فأكلوا حتى شبعوا.
وروى البخاري الحديث نحو هذا، قال: خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة فصابنا الجهد حتى أحننا في بعض ظهرنا، فأمر رسول الله ﷺ أن نجمع مزاودنا، فبسط لنا نطعًا فاجتمع زاد القمح على النطع، قال: فتطاولت الأحزمه فحزته كربضة عنز وهي ونحن أربعة عشر، قال: فكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جرابنا، ملأنا حتى جرابنا من هذا الطعام، ثم قال النبي ﷺ: «فهل من وضوء؟» فجاء رجل بأدواته فيها نطفة ماء فأفرغها في قدح فتوضأنا، وكلنا نغترف غرفة، ونحن أربعة عشر، وهذا يدل على أنه كان ماءً كثيرًا بحيث يصب صبًا كثيرًا. ثم جاء ثمانية فقال: «هل من طهور؟» فجاءوا بعد أن فات الأوان.
وفي صحيح مسلم عن جابر، أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمن، فيأتيها بنوها في سنين آدم، فليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه -تست صغير أو وعاء صغير- فتجد فيها سمنًا، فما زال يقيم لها آدم بيتها حتى عصرتها، فأتت النبي ﷺ فقال: «عصرتيها؟» قالت: نعم. قال: «لو تركتيها ما زال قائمًا».
وروى مسلم في صحيحه عن جابر أيضًا أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، وهذه من البركة، حيث كانت أم مالك تهدي إلى النبي ﷺ في وعاء سمن، ويرجع لها الوعاء، فيأتيها بنوها فيسألونها لآدم أي يريدون طعامًا وليس عندها شيء، فكانت كلما جاع أبناؤها تعمد إلى تلك العكة التي كانت تهدي إلى النبي ﷺ فيها سمن، فكلما ذهبت إليها تجد فيها سمنًا، فما زال يقيم لها آدم بيتها هذه العكة، كانت تجد فيها دائمًا إدام بيتها ببركة أن النبي ﷺ وضع يده فيها، حتى عصرتها، وكان هذا شيئًا يقبل العصر، قد يكون مصنوعًا من الجلد، فأتت النبي ﷺ فقال: «عصرتيها؟» قالت: نعم. قال: «لو تركتيها ما زال قائمًا». هكذا دائمًا النبي ﷺ كان ينصح: لا تحصي فيحصي الله عليك، خلص، خلي الشيء يبقى بركته قائمة.
روى مسلم في صحيحه عن جابر أيضًا قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستطعمه، فطعم شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه امرأته وضيفهما حتى استعير بتخوف شيخ. فمثلاً الرجل يأكل منه امرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: «لو لم تكله لأكلت منه ولا قام لكم».
شايف قضية أنك لا تحصي فيحصي الله عليك؟ خلص، خلي الأمور أحيانًا في البركة، حتى مصاريك؛ بقول لك تعدها، خليها ماشية، تظل تصرف منها، إذا عديتها بتروح البركة.
قال في الصحيح عن أنس بن مالك قال: زوج النبي ﷺ زينب، فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سليمان حيسًا، فجعلته في ثور من حجارة، فقالت: يا أنس، اذهب إلى رسول الله فقل: بعثتك صلي وسلم وبارك عليه، قل: بعثتك بهذا أمي إليك وهي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل يا رسول الله.
قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي تقريك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل، فقال: «ضعه»، ثم قال: «اذهب فادعوا لي فلانًا وفلانًا وفلانًا ومن لقيت»، وسمى رجالًا. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت، قال الجعد -وهو الراوي عن أنس-: كانوا زهاء ثلاثمائة.
قال: وكان لي، وقال لي رسول الله ﷺ: «يا أنس، هات التور»، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصّفّة والحجرة، التور هو الوعاء. قال: فقال رسول الله ﷺ: «يتحلق عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه»، قال: فأكلوا حتى شبعوه، قال: فخرجت الطائفة حتى أكلوا كلهم، فقال: يا أنس ارفع، فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون.
ذكر نزول آية الحجاب، وروى البخاري عن أنس قال: وهذا الفصول كلها تعطيك مدى اطلاع ابن تيمية على السنة؛ يعني الرجل يعرف مضان الأحاديث وقادر أن يجمعها، قديماً لا في مكتبة شاملة ولا في شيء، والناس بدها تجمع هذه الأحاديث، بدها يكون بين يديها مسند أحمد والبخاري، ابن تيمية لا أظن أنه كان جالسًا يفتح الكتب يحاول، بل مستحضر مواطن الأحاديث ومتشرب لها ويعرف مضانها، وهذا يشهد بهذا؛ النص هذا واضح أنه يأتيك بمئات الأحاديث سرداً سرداً، ويعرف كل حديث وإيش الفكرة التي ممكن أن يستدل بها على قضية، دلائل النبوة.
روى البخاري عن أنس أيضًا أن أم سليمان عمدت إلى مد شعير جشته وجعلت منه خطفة، وعصرت عكة عندها، فبعثتني فأتيته، قال: فاتيته وهو في أصحابه فدعوته، فقال: «ومن معي؟»، فجئت فقلت إنه يقول: «من معي؟»، فخرج طلحة، فقال رسول الله ﷺ: «إنه شيء صنعته»، فدخل فجاء به وقال: «ادخل عشرة»، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء.
وعن سميرة جندب قالت: كنا مع رسول الله ﷺ نتداول قصعة من غداء من غدوة إلى الليل، يقعد عشرة، قلنا: ما كانت تمد؟ قال: «فمن أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من هنا»، وأشار إلى السماء، قال: ما كانت تمد نحن هنا وأشار إلى السماء، قال: رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه الدارمي والحاكم في صحيحه.
وقال في صحيح البخاري عن ابن عمر أنه كان يقول: والله لذا لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرج منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليستتبعني مرة فلم يفعل، ثم مر عمر فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل، ثم مر بأبي القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: «يا أبا هر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق»، فتبعتُه فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخلت فوجدت لبنًا في قدح، فقلت: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة.
فقال أبو هر: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق أهل الصفة فادعهم لي»، قالوا: أهل الصفة أضياف الإسلام، لا يؤون إلى أهل ولا إلى مال. قال: لا يؤون إلى أهل ولا إلى مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتونها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وشركهم فيها.
فساءني ذلك فقلت: ما هذا اللبن في أهل الصفة؟ يعني أبو هريرة قال راحت علينا، يعني الآن أهل الصفة بيجوا بيشربوا وبياكلوا وأنا ما يطلع لي شيء. قال: كنت أحب من هذا اللبن شربه أتقوى به، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن إذا شربوه؟ أنا انتهيت. قال: ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله، قال: ما في مجال إلا أن أطيع الله ورسوله.
فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. فقال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «فأعطهم»، فأخذت قدحًا فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح علي، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي قوم كلهم، فأخذ قدحًا ووضع في يديه فنظر إليه وتبسم، فقال: «يا أبا هر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «بقيت أنا؟»، فتبسم لأنه عارف أنه أبو هريرة مصدوم أنه يا رسول الله راح خلص الشراب، فتبسم النبي ﷺ لأنه يعرف ما في قلبي. قلت: يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب»، فقعدت فشربت، قال: «اشرب»، فشربت، فما زال يقول: «اشرب»، حتى قلت له: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا. قال: «فأرني»، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضل.
قال في الصحيحين عن عبد الرحمن بن بكر قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «هل مع أحد منكم طعام؟»، فإذا مع رجل صاع طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشعان، طويل مشعان، يسوق غنمًا، فقال النبي ﷺ: «أبيع أم عطية أو قال هبه؟»، قال: بالبيع فاشترى منه شاة، فصنعت...
قال: «وَمَا فِي ٣٠ أَوْ ١٠٠، سَوادُ الْبَطْنِ أَيْشُ هُوَ؟ قَالُوا الْكَبِدُ. أَمَرَ أَنْ تُشْوَ الْكَبِدُ». نعم، قال: «وَمَا فِي ٣٠ وَإِلَّا مَنْ قَدْ حَزَّ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَزًّا مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَّأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَةً فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا فَفَضَلَتْ، فَقَالَ: قَصْعَتَانِ»، فحملناه على البعير كما قال.
وأما الثمار، أما تكثيره للثمار أيضًا؛ لا، ليس لماذا؟ عطيه؟ لا، هذا الشك من الراوي. فقال النبي ﷺ: «بيعًا» أم «عطيةً» أو قال: «هبةً»، فهذا شك من الراوي، ليس أن في فرقًا. قال: أما في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله. أما في الفقه فذكرنا في باب الوصايا، في باب الهبات، تفريق الفقه بين الهبة والهبة والعطية.
قال عن جابر بن عبد الله أن أباه استشهد وترك دينه وترك ست بنات، فلما حضر جَدال النخل، قال: سداد اللي هو قطاف النخل. قال: فقلت: قد علمت أن والديك قد استشهد يوم أحد وترك ديناً كثيراً، وإني أحب أن يؤدي الله عن والديك، قال: اذهب فبيدر.
والد جابر استشهد في غزوة أحد وكان عليه ديون لليهود، واليهود مستعجلين، وبدنا الآن نقضي دين والدك، فجاء إلى النبي ﷺ يتكلم مع اليهود حتى يؤخروا سداد الدين. قال: فبيدر كل نخلة على ناحية، بيدر ضعه في البيدر، كل نوع تمر، التمر السكري يحطه على ناحية، التمر كذا حطه على ناحية.
قال: ففعلته ثم دعوته، فلما نظر إليه الغرماء تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطافوا حول أعظم بيدرين ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: «ادعوا أصحابك». فما زال يكيل لهم. فلما نظروا إليه الغرماء، لما رأوا النبي ﷺ، كأنهم أغروب في تلك الساعة، يعني أصبحوا كأنهم من النوع الذي يشد ويلتصق، كأنه نوع من المناكفة للنبي ﷺ خاصة، كما قلنا إن جابر -بعد رواية- كانوا يهوداً.
قال: فلما رأى النبي ﷺ ما يصنع الغرماء بجابر، وأنهم يشدون عليه وبدك الآن تدفع لنا ووالدك تأخر علينا، قال: طاف النبي ﷺ حول أعظمها بيدراً -مش الآن قسم التمر كما قال على أقسام- فطاف بأعظمها ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: «ادعوا أصحابك» الذين هم أصحاب الدين، فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته. وأنا أرضى أن يؤدي الله عن والدي أمانته، ولا أرجع إلى أخواتي بتمر، يعني أنا ما بدي إلا أسد الدين، أنا ما بدي أزيد شيء، أنا بس إذا أسد الدين بكون راضي. قال: فسلم الله البيادر كلها ولم ينقص شيء بعد سداد كل الدين، حتى إن البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة، هذا ببركة النبي ﷺ.
وفي رواية أن أباه ترك عليه ٣٠ وسقاً كما قلنا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، يعني طلب منه، قال له جابر: أنا ما معي أسدك، فأبى اليهودي أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ يشفع له لليهودي، فجاءه وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخلة بالذي له، فأبى. يعني النبي ﷺ قال لليهودي: انتظر حتى يخرج التمر على النخل فتاخذ مالك من خلال التمر الذي يخرج على النخل، فأبى اليهودي أن ينتظر ساعة، فدخل النبي ﷺ النخل، فلم يشاف النخل، ثم قال لجابر: جد له، فأوفى له. قال: فجد له بعدما أراح رسول الله ٣٠ وسقاً ففضله ١٧ وسقاً، فجاء جابر ليخبره بالذي كان فوجده يصلي العصر، فلما صرف أخبره بالخبر، فقال: «أخبر بذلك ابن الخطاب»، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها النبي ﷺ ليباركن في كن فيها.
وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما حديث مزود أبي هريرة، قال أحمد حدثنا يوسف، قال حدثنا أحمد بن زيد، عن مهاجر، عن أبي هريرة، قال: أتيت النبي ﷺ بتمراته وقال: «ادع الله لي فيهن بالبركة»، فصفهن بين يديه، ثم دعا فقال لي: «اجعله في مزودك وأدخل يدك ولا تنثره». وقال: فحملت منه كذا وكذا، وسكنت في سبيل الله، نأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي. فلما قتل عثمان انقطع، يعني كان زي جراب، نوع من الجراب يضعون فيه التمر، فأبو هريرة قال: يا رسول الله، ادع الله لهن بالبركة، فصفت التمرات بين يدي النبي ﷺ فدعا له، ثم قال: «اجعله في مزودك وأدخل يدك ولا تنثره»، اللي هي قضية لا تحصي فيفيض الله عليك، خلص دخل يدك كل ما حطيت يدك في الجراب رح يطلع لك تمر سنين، وأبو هريرة -الله يرضى عنه- يدخل يده في الجراب تطلع له تمر سنين، ماذا حصل؟ قال: فلما قتل عثمان، هو كان رابطه في حقوه في خصره، فـمات قتل عثمان، فُقد فذهب كل ما فيه.
ورواه الترمذي عن ابن موسى القزاز عن أحمد بن نحو، وقال حديث حسن غريب هذا الوجه، وروى الحافظ عبد الغني وغيره بطريق آخر عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ في غزوات فصاب عوز من طعام، فقال: «يا أبا هريرة، عندك شيء؟»، فقال: شيء من التمر في مزود لي، قال: «ائت به»، فجئت بمزود، وطبعاً القصة الطويلة نفسها، وفي آخرها قال: «يا أبا هريرة، إذا أردت شيئًا فادخل يدك في المزود»، يعني ولا تكلف أنك لا تلقي التمر أمامك، خلص دخل يدك دون أن تلقي، فيكفيك. فما كنت أريد تمرًا إلا أدخلت يدي حتى جاء زمن عثمان، فذهب، انتهى بمقتل عثمان والمزود.
ورواه من طريق يزيد بن أبي حصة عن أبي هريرة، قال: «أصبت بثلاث: بموت النبي ﷺ وكنت صويحبه وخويدمه، وبمقتل عثمان، وبالمزود»، يعني هي ثلاث مصائب أصابت أبا هريرة. قال: وأما المزود، كنا مع النبي ﷺ...
قال الله عليه وسلم، فأصاب الناس مخمصة، وقص الحديث، يعني تفاصيله متقاربة باختلاف الألفاظ. أيضًا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم بحديث عن دكين بن سعيد الموزني، اقرأ هذا:
قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتانا و٤٠٠، أتينا نسأله الطعام، فقال لعمر: «اذهب فأعطهم»، فقال: يا رسول الله ما بقي إلا أصع من تمر، ما أرى أن تقضينا؟ قال: «اذهب فأعطه»، قال: سمع وطاعة. قال: فأخرج عمر المفتاح من حجزته ففتح الباب، فإذا شبه الفصيل الرابض من التمر، فقال: نأخذه، في آخر كمية تساوي كمية الفصيل، الفصيل هو ابن الناقة، يعني كمية مجموعة تساوي كأنه فصيل رابض، بس من تمر، يعني كمية تمر موجودة بكمية فصيل رابض بهذا الحجم، فقال: نأخذه، فأخذ كل رجل منا ما أحب، ثم التفت وكنت من آخر القوم، وكأننا لم نرزأ تمرة واحدة من هذه الكمية.
أيضًا الفصل الخامس، أو النوع الخامس من معجزاته، تأثيره في الأحجار وتصرفه فيها وتسخيرها له صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح البخاري عن أنس قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا ومعه بكر وعمر وعثمان، فقال: «اسكن»، وضرب ضربة برجله، وليس عليك نبي، وليس عليك صديق، وشاهدان، إلا نبي وصديق وشهيدان، والشهيدان هما عمر وعثمان. وقال: وهذا من تأثيره في الجبال، يعني كيف أنه ضرب الجبل وقال له اثبت فثبت.
وفي السنن عن جابر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن». وفي الترمذي عن علي قال: كنت مع النبي بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقر شجر ولا حجر إلا وهو يقول: «السلام عليك يا رسول الله».
روى الحاكم في صحيح مسلم عن سلمة الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمته فاعتل ثنية، فاستقتني رجل من العدو فأرميه بسهم فثور عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فولى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وارجع منهزمًا، وعلي بردي ثاني متزر بإحداهما ومرتد بالأخرى، فاستطلق أزاري فجمعت إزاري، فجمعتهما جميعًا ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا».
انتبه، مش النبي عليه الصلاة والسلام هذا حال أبو سلمة، النبي عليه الصلاة والسلام لم ينهزم في غزوة حنين بل بقي ثابتًا مع ثلة الصحابة، لكن أبو سلمة والصحابة تعرفوا غزوة حنين، اللي صار أنه بدايتها كان في كركبة؛ لأن هوازن استطاعت تعمل كمين، فالصحابة أكثرهم تكركب في البداية وصاروا يذهبون ويلوون، وكان كمينًا محكمًا، النبي عليه الصلاة والسلام لم ينهزم وإنما بقي عليه الصلاة والسلام ثابتًا مع مجموعة قلة من الصحابة.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا»، فلما غشوا النبي صلى الله عليه وسلم نزع —طبعًا ابن الأكوع مع الصحابة الذين فزعوا— فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يهرب، قال: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا»، يعني ابن الأكوع خائف، وإن كان ابن الأكوع أحد الفرسان الكبار، لكن أحيانًا مع العجلة والتوتر والدنيا والسهام الطالعة والرماح مهما كنت قويًا يحدث فزع ويحدث خوف ويحدث ارتباك، هذه حالة بشرية.
قال: فلما غشوا النبي صلى الله عليه وسلم نزل على البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، فلما غشوا —يعني أحاط المشركون بالنبي عليه الصلاة والسلام— أخذ قبضة من تراب الأرض استقبل بها وجوه الكفار وقال: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبطة، هذا موطن الشاهد، المعجزة أنه بقبضة التراب وصل هذا التراب كله إلى أعين المشركين، فولوا مدبرين فهزمهم الله.
وفي صحيح مسلم، أن العباس بن عبد المطلب قال: شتم علي رسول الله يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله، فلم نفرقه ورسول الله على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن أسيد الجذامي، فلما انثنى المسلمون بالكفار، ولى المسلمون مدبرين، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ باللجام بغلة رسول الله أكفها، أراده أن لا تسرع، وأبو سفيان أخذ بركاب رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعباس: «نادِ أصحاب السمرة، فوالله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها»، يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: «يا معشر الأنصار»، ثم قصرت الدعوة على بني حارث بن الخزرج فقال: «يا بني حارث بن خزرج»، فنظر وهو على بغلته كالمتطاول إليهم لقتالهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا حين حمي الوطيس، أي ولعت المعركة الآن، قال: ثم أخذ رسول الله حصيات فرمى وجوه الكفار ثم قال: «انهزموا رب الكعبة»، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته، فوالله ما هو إلا أن رمى بحصياته فما زلت أرى أحد حدهم كليلاً وأمرهم مدراً حتى زمه الله. وقد قال الله تعالى عن يوم بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17].
وروى ابن إسحاق عن عروة وزهري وعاصم بن عمر وغيرهم قالوا: فكان الرسول في العريش، وهو المكان الذي صُمم له ليراقب المعركة منه، وقد طلب الصحابة أن يجلس في هذا المكان. وقد تدانى القوم بعضهم من بعض، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه وعد النصر ويقول: «اللهم»، والحديث بطوله، موطن الشاهد من ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فثبّت أصحابه، جهزهم في غزوة بدر وقال: «لا يعجلن رجل منكم بقتال حتى نؤذنه»، فإذا اقتربكم القوم —يعني قربوا منكم— فانضوهم بالنبال. ثم تزاحم الناس، فلما تدانى بعضهم من بعض خرج النبي صلى الله عليه وسلم، في بداية الغزوة أخذ حفنة من حصباء ثم استقبل بها قريشًا فنفخ بها وجوههم وقال: «شاهت الوجوه»، وهو قريب من موقف يوم حنين.
وقالوا إنه ما من مشرك من أحد إلا وقد أصيب بعينيه ومنخريه وفمه بتراب تلك القبضة، كما جاء في حديث ابن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس.
النوع السادس من آياته: تأييد الله له بالملائكة؛ قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى الآيات الأخرى، ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَكْفِكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * وَمَا جَعَلَهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَكُونُوا فَرِيقَيْنِ فَإِنَّ فَرِيقًا سَيَغْلِبُ ۖ فَإِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
أيضًا ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودًا لم تروها، هذه كلها من دلائله. أيضًا في الغار يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وفي سورة الأنفال: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ إِذْ يُرِيكُمُ اللَّهُ الرُّؤْيَا بِالْإِيمَانِ أَن تُثَبِّتُوهُم ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ تَلْقَوْنَهُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِتَقْضُوا مِنْهُمْ قَضَاءً ۗ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. فالملائكة كانوا حاضرين.
وفي الصحيحين عن ابن عباس، يوم كان بدر، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثة مئة، فاستقبل رسول الله ﷺ من قبل فمد يديه وجعل يقول: «اللهم أجِزِ ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم انتهك»، فاستجاب الله له، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. فالنبي ﷺ استغاث بالله فاستجاب الله دعاءه وأمدّه بالملائكة.
قال في حديث ابن عباس -وروي عن سماك الحنفي أنه راوي الحديث عن ابن عباس-: حدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع صوتاً فوقه وصوت الفارس يقول: «أقدم حيزوم!». المسلم سمع صوتاً بأن هناك من يلحق هذا الفارس، وسمع واحداً يقول له: «أقدم حيزوم»، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً؛ فجأة سقط المشرك أمامه وما أصاب الصحابي، فنظر إليه فإذا قد خُتم أنفه وشُق وجهه كأنما ضُرب بالصوت، فاصفرّ ذلك.
قال: فحدث ذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت، ذلك من مد السماء». فقتلوا يومئذ سبعين من الكفار.
وذكر البخاري في قوله تعالى، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا سعينا مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: «لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة». فلما نزلت الملائكة رآها إبليس، وأوحى الله إليهم: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. إن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل تعرفه وتقول له: «أبشروا، فإنهم ليسوا بشيء والله معكم». فكانت الملائكة تتشكل على صورة رجال وتأتي للرجل من الأنصار أو من المهاجرين، تأتيه على صورة رجل يعرفه، كأن تأتيه على صورة أبي بكر الصديق وتقول له: «اثبت حتى تثبتك، ترى القوم شيئاً وإن كان هو هذا ملكٌ لا أبو بكر الصديق»، وهكذا.
فلما رأى إبليس اللعين الملائكة نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: 48]. وكان إبليس في تلك المعركة على صورة سراقة بن مالك، وأقبل أبو جهل يحضّ أصحابه يقول: «لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك، لكم فإنه على موعد من محمد وأصحابه»، وفكر أنه سراقة، ثم قال: «واللات والuzى لنرجعن حتى نقل محمداً وأصحابه في الحبال»، يعني نربطهم فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا.
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص يوم أحد، قال عن يمين النبي ﷺ: «سار الرجلان على البيض يقتتلان»، عن رسول الله ﷺ، أشد مما كان قبل ذلك، أي جبريل وميكائيل عليهما السلام.
وفي الصحيحين عن عائشة قالت: أُصيب سعد يوم الخندق، ورماه رجل من قريش، ابن البديلة، يرميه في الأكحل، فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعود من قريب، فما حلّ هو عرق في اليد، يقولون عرق في اليد. فلما رجع رسول الله ﷺ ووضع السلاح، فقاتل سعد، فخرج جبريل وينفض عن رسول الله ﷺ غباره، فقال ﷺ: «وضعت السلاح، والله ما وضعناه!»، أخرج إليهم! فقال: «فأين؟»، قال: «فشرب إلى بني قريظة فقاتلهم رسول الله ﷺ»، فنزل حكم سعد على حكم رسول الله ﷺ، فرد رسول الله الحكم على سعد فقال: «فإني أحكم فيهم حكماً»، والقضية أنه نزلت الملائكة وقالت إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، وهذا دلالة على مشاركة الملائكة وهذه الجنود للنبي ﷺ.
أيضًا روى البخاري عن أنس: «كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم، موكب جبريل»، حين سار النبي ﷺ إلى بني قريظة؛ أي في زقاق بني غنم، وغنم هذه فخذ من فخاد الأنصار، كأنه يقول: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في هذا الزقاق، وهو موكب، وهذا الغبار هو جبريل ومن معه من الملائكة ساروا باتجاه بني قريظة.
أيضًا روى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «بدر هذا، جبريل أخذ برأس فرسه عليه عدة الحرب». وأيضاً في المغازي من طرق أن الصحابة رأوا جبريل في صورة دحية الكلبي، وأنه كان معتمًا بعمامة أخيه طرفها بين كتفيه، وقال النبي ﷺ: «بعثه الله إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم».
وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ: «يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟»، قال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، يوم بيعة العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أرد، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب». قالت: فرفعت رأسي فإذا أنا بصحابية قد أظلتني، فنظرت فيها فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: «إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم». قال: فجاء ملك الجبال.
الجبال، وسلم عليه، ثم قال: «يا محمد، إنه قد سمع قول قومك لك وما رد عليك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بما شئت؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين». فقال رسول الله ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».
قال: النوع الثامن في كفاية الله له أعداءه وعصمته له من الناس. قال: وهذا فيه من نبوته من وجوه؛ قال منها: إن ذلك تصديق لقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 94-96]. فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين، وهذا ما حصل، إن الله كفاه وعده بالكفاية، وكفاه، وهذا من دلائل نبوته.
قال: وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 136-141]. هذا موطن الشاهد، فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء المشاقين له من أهل الكتاب.
قال: وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]. فهذا خبر عام، فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبر.
وفي هذا عدة آيات؛ منها أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ومنها أنه نصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وأنه كان وحده جاهرًا بمعاداتهم وسب آبائهم وشتم آلهتهم وتسويد أحلامهم وطعن في دينهم، وهذا من الأمور الخارقة للعادة. والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش، كان وحده عليه الصلاة والسلام يخوض معركة يسفّه فيها أحلامهم وعقولهم وآلهتهم، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يقتلوه.
هذا يقول لك إنه من الأمور الخارجة عن العادة، فإنه عادة الإنسان كقصة صاحب ياسين لما ذهب إليهم ووعظهم وسفّههم فقتلوا، فيقول لك إنه بقي ﷺ مكفيًا لم يقتل مع أنه فعل ما فعل، وهذه من الأمور الخارقة حماية الله له. والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش وعظماء العرب، وكانوا أهل مكة، الحرم، أعز الناس وأشرفهم وأعظمهم جميع الأمم، أما العرب فكانوا يدينون لهم، وأما غيرهم من الأمم فكانوا يعظمونهم، بل إن الروم وفارس كانوا يحسبون لقريش حسابًا، بالتحديد بعد أن عرفوا ما حصل لأبرهة.
كما كانت الأمم تعظم بني إسرائيل لما ظهر فيه من الآيات، وهؤلاء بنو إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، وهؤلاء بنو إسحاق بن خليل الله، وكلاهما مما وعد الله إبراهيم فيه من إنعام الله عليهم النعمة التي لم ينعم الله بها على غيرهم. فكان أهل مكة معظمين لأنهم جيران البيت ولأنهم أشرف بني إسماعيل، فإن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى محمدًا ﷺ من بني هاشم، وكان قد عاداه.
وكما عادى المسيح أشراف بني إسرائيل وبدل هؤلاء وهؤلاء نعمة الله كفرًا، وأحل قومهم دار البوار، وكفى الله المسيح من عاداه منهم ولم ينفعهم نسبهم ولا فضل مدينتهم، وكذلك كفى الله محمدًا ﷺ من عاداه، انتقم منهم ولم ينفعهم أنسابهم ولا فضل مدينتهم؛ فإن الله إنما يعطي بالإيمان والتقوى لا بالبلد والنسب. فحتى لو كنتم أهل مكة ورواد الحرم، هذا لن ينفعكم عند الله إذا لم تكونوا مؤمنين.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَكُلُّ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ۚ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [الأنعام: 66-112].
وقد سمى أهل العلم بعض من كفاه الله إياهم من المستهزئين، هل هناك أشخاص معينون وردت قصص قتلهم أو كيف أن الله كفى النبي ﷺ شرهم؟ نعم، كانوا معروفين مشهورين عند الصحابة بالرياسة والعظمة في الدنيا، فذكروهم ليعرف هذا الأمر العظيم الذي أكرم الله به نبيه. فمن هؤلاء؟ قال أبو جهل: «هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟» قيل: نعم. قال: «واللات والعزى، لأإن رأيته يفعل ذلك لأطعن على رقبته»، يعفر يعني يسجد ويضع جبهته على الأرض. فقالوا: نعم إنه يسجد. فقال: «إذا رأيته يفعل ذلك لأطعن على رقبته». قال: فما فجاهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
فقيل له: مالك يا أبا جهل؟ ذهب أبو جهل ليحاول أن يؤذي النبي ﷺ ويفعل ذلك وهو ساجد، فإذا به يهرب وينكص على عقبيه ويتقي بيديه خائفًا. فقالوا له: ما لك يا أبا جهل؟ خائف؟ لماذا تعمل كذا بيديك؟ قال: «إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة». فقال النبي ﷺ: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضًا عضًا». وأنزل الله عز وجل ما تبقى من سورة العلق: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى آخرها.
وفي الصحيحين من حديث البراء، حديث هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، قال: «واتبعنا سراقة بن مالك». طبعًا قصة سراقة بن مالك وكيف دخلت ساقه الجمل في الأرض قصة معروفة، فحمى الله نبيه من سراقة بن مالك. وفي الصحيحين عن جابر، غزوة مع النبي ﷺ، غزوات قبل نجد، فإذا بأرض كثير العضاضة، وهو شجر من أشجار البادية معروف، فنزل النبي ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها وتفرق الناس في الوادي. وقصة الرجل الذي أتى وأخذ سيف النبي ﷺ وهو نائم فاستيقظ وهو قائم على رأسه والسيف سلط في يده فقال من...
«يمنعك مني يا محمد؟» قال: «فشام السيف»، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ. وفشام السيفه وكان ملك قومه، فانصرف حين عفا عنه فقال: «لا أكون في قوم هم حرب لك»، يعني لا أقاتل معك أحدا بعد ذلك، وهي قريبة من القصة التي ذكرناها قبل قليل، لكن هذا موقف آخر.
وفي صحيح الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: كان فلان يجلس إلى النبي ﷺ، فإذا تكلم النبي ﷺ اختلج بوجهه، فقال النبي ﷺ: «كن كذلك»، قال: فلم يزل يختلج حتى مات. يختلج يعني يتحرك حركة في وجه، نوع من الاستهزاء، كان هذا الرجل إذا جلس مع النبي ﷺ يختلج بوجهه، بعض الناس يعمل حركة المراد بها الاستخفاف بالكلام، فقال له النبي ﷺ: «كن كذلك»، يعني إن شاء الله تظل هذه الحركة في وجهك، فما زال الرجل عنده خلجة وحركة في فمه حتى مات.
وهذا من كفاية الله لنبيه ﷺ، أيضا في الصحيحين عن أنس بن مالك: كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي ﷺ، ثم ارتد وعاد نصرانيا فكان يقول مستهزئا: «ما يدري محمد إلا ما كتبت له»، ترى أنا كنت أكتب له أشياء ولا يعرفها؟ قال النبي ﷺ: «اللهم اجعله آية»، فأماته الله، فأصبح وقد لفظته الأرض، رفضت أن يكون في داخلها مقبورا، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، طبعا مصرين كفار قريش أن هذا فعل ساحر وانه هذا سحر، لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، هم فكروا أن النبي ﷺ والصحابة نبشوا القبر فأطلعوه، فحفروا له مرة أخرى وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا مثل الأول إن الصحابة أصحاب محمد ﷺ أخرجوه من قبره، فحفروا له وأعمقوا المرة هي خلوا قبره يعني خمسة متر ستة متر ومع ذلك لفظته الأرض، فعرفوا إذ ذاك أنه ليس من فعل الناس فتركوه منبوذا، أسأل الله العافية.
أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كان منها عداوة؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: «ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، قد سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا وعبداننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، ولقد صبرنا منه على أمر عظيم»، أو كما قالوا.
قال: فبينما هم على ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فمرة ثالثة غمزوه بمثلها، فقال: «تسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح».
قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك، يعني اللي كان أكثرهم أذية له، لما قال النبي ﷺ: «لقد جئتكم بالذبح» أصبح ليؤلفه، ليقول: «انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فوالله ما كنت جهولا». فانصرف رسول الله ﷺ، وهذا كله من كفاية الله له أنه كان سبحانه وتعالى يلقي الرعب في قلوب أعدائه.
فانصرف النبي ﷺ حتى كان من الغد فاجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: «ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه»، يعني صاروا كأنهم لاموا أنفسهم: نحن ليش امبارح خفنا؟ قال: «ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم» يعني حكى لكم: «لقد جئتكم بالذبح» خلص خفتوا وتركتموه.
فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه، وثب رجل واحد فأحاطوا به يقولون له: «أنت الذي تقول كذا وكذا، تسفه أحلامنا وأصنامنا»، لما كان يبلغهم عنه من عبادهم، فيقول النبي ﷺ: «نعم، أنا الذي يقول ذلك»، قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع رداء النبي ﷺ، وقام أبو بكر دونه يريد أن يحميه وهو يبكي يقول: «أتقتلون رجلا يقول ربي؟»، ثم انصرفوا عنه، وهذا من كفاية الله.
وذكر البخاري أيضا بإسناده، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في المستهزئين، المستهزئون هنا تصدق ابتداء على أول ما نزلت على الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل، هؤلاء شوف كل واحد منهم كيف مات في مكة.
قال: فأما جبريل فأومى إلى أكحل الوليد بن المغيرة، فقال له النبي ﷺ: «ما صنعت يا جبريل؟»، النبي ﷺ يقول لجبريل، فقال جبريل: «كفيته»، وانتهى الرجل، بس أشار إلى هذا العرق، شوف ما أهون الكفار على الله، لا تقابل رجلا زي نتنياهو ولا ترامب ولا غيرهم وتفكر أنه شيء عريض أنه يحكم العالم، لن تكون أنت أعلى من العتاوي لهؤلاء الشياطين، حركة من جبريل وانتهى.
وأومى إلى الأسود بن المطلب إلى عينيه، قال له النبي ﷺ: «ما صنعت يا جبريل؟»، قال: «كفيته»، وانتهى أمره، وأومى إلى رأس الأسود بن عبد يغوث، قال: «ما صنعت؟»، قال: «كفيته»، كل واحد إلى عضو من أعضائه، وأومى إلى الحارث بن عيطل إلى بطنه، فقال: «ما صنعت يا جبريل؟»، قال: «كفيته»، وأومى إلى أخمص رجل العاص بن وائل، قال: «ما صنعت؟».
قال: كفيته، فأما الوليد لاحقًا فمر به رجل من خزاعة، وهو يريش نبله، كيف أصيب في أكحله؟ قال: كان رجل من خزاعة يضبط نبله، أي يبري نبله، فكأنه وهو يريش نبله -وأنا لا أعرف الطريقة التي كان فيها- طار النبل فصابه في أكحله فقطعها.
وأما الأسود بن عبد المطلب، فهل أشار جبريل إلى عينيه؟ ماذا حصل في عينيه؟ قال: فعمي. فمنهم من يقول عمي هكذا، ومنهم من يقول عماه هكذا، أي واحدة بدون شيء حصل معه فجأة فعمي. وقال: من يقول نزل تحت السمرة فجعل يقول: «يا بني ألا تدفعون عني؟»، ويقولون: «ما نرى شيئًا»، فجعل يقول: «هلكت، ها هو ذا!»، أطعن في عيني بالشوك! فجعلوا يقولون: «أطعن في عيني بالشوك؟»، فجعلوا يقولون: «يا أبا، ما نرى شيئًا، من الذي يطعن في عينيك بالشوك؟»، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وكان هذا ملك من الملائكة.
الأسود بن عبد يغوث، ماذا صار به؟ قال: فخرج في رأسه قح فمات. لأن هناك أسودين: الأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وكلاهما كان من المجرمين. وأما الحارث بن عيطل، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات، أسأل الله العافية، خرج من فمه الوسخ.
وأما العاص بن وائل، فركب إلى الطائف على حمار فربض به في شبقة، أي شوكة، فدخلت في أخمص قدمه فمات، وقيل دخلت في رأسه فمات. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بالإسناد، وروى الإسنادي عن ربيع بن أسد، أن صاحب اليمن أراد أن يؤوي النبي ﷺ فأتاه الوليد فزعم أن محمدًا ساحر، وأتاه العاص بن وائل فأخبره أن محمدًا تعلم أساطير الأولين، وأتاه آخر فزعم أنه كاهن، وآخر زعم أنه شاعر، وآخر قال إنه مجنون، فأهلكهم الله، كل منهم أصابه عذاب الله عذابًا سوى عذاب صاحبه، وذكر تفصيل عذابهم.
وروى محمد بن إسحاق بإسناده أن جبريل أتى النبي ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام رسول الله ﷺ إلى جانبه فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات منها، ومر به الوليد بن غيرة فأشار إلى جرح كان أصابه لما مر برجل يريش نبله فخدش رجله وليس بشيء، فانتقض فمات، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه فذكر مثل ما تقدم.
لكن على هذه الرواية، من الذي كان يشير؟ النبي ﷺ وليس جبريل؛ لأنه قال: فالنبي ﷺ رمى ورقة خضراء مثلاً، من الذي رمى ورقة خضراء؟ النبي ﷺ هو الذي رمى ورقة خضراء على عيني الرجل فعمي، إلى غير ذلك. فهذه في اختلاف الروايات، لكن المهم أن الله كفاه هؤلاء المجرمين.
ومن المشهور عند أصحاب السير أن النبي ﷺ دعا على عتيبة بن أبي لهب. عندما عاد أبو لهب، أمر بنيه أن يطلقوا ابنتي النبي ﷺ، رقية وأم كلثوم، قبل الدخول، وقيل إن رقية وأم كلثوم كانتا عند عتيبة وعتيبة وأبناء أبي لهب لكن لم يدخلا بهما بعد، فأبو لهب أمر أولاده أن يطلقا بنات النبي ﷺ، وقال عتيبة لرسول الله ﷺ: «كفرت بدينك وفارقت ابنتك، لا أحبك ولا تحبني». ثم أتى تسلط عليه بالأذى وشق قميصه، فقال النبي ﷺ: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك». فخرج في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: «يا ويل أخي، هو والله أكلي! يا ويل أخي، هو والله أكلي!». كما دعا محمد ﷺ، قتله وهو بمكة وأنا بالشام، فتعشى عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه.
سبحان الله! وفي روايات لما أطاف بهم الأسد تلك الليلة، انصرف عنهم فناموا جميعًا، وجعلوا عتيبة في وسطهم، ظانين أنه يا عتيبة ما تخاف؟ هنا سنضعك في وسطنا وننام حولك، فأقبل الأسد يتخطاهم واحدًا واحدًا؛ لأنه مأمور يتخطاهم حتى أتى رأس عتيبة ففأضغه فعصى.
صحيح عين عبد الله بن مسعود، بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: «أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد ﷺ؟»؛ السلى هو الوسخ، ألبان الفرش والكرشات، فبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك. يقول ابن مسعود: «وأنا قائم أنظر، ولو كانت لي منعة لذهبت فطرحته عن ظهر النبي ﷺ». أحيانًا تصير هذه المواقف، عبد الله بن مسعود ليس قادرًا أن يذهب ليشيل الأذى عن النبي ﷺ لأنه ليس له قبيلة وفزعة، فقد كان عبد الله بن مسعود من قريش ذليلاً.
قال: والنبي ﷺ ساجد ما رفع رأسه حتى انطلق إنسان إلى فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل ثلاثًا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاث مرات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته.
وهذا يدل إخواني أن هذا هو التوازن؛ أحيانًا في غزوة أحد قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، وفي مقام آخر قد يشتد على الكفار فيقول: «اللهم عليك بقريش». هذا التوازن، بعض الناس أخذ أن النبي ﷺ دعا لهم بالهداية والمغفرة وإن آذوه، لكن في مقام آخر الإنسان ممكن فعلاً عندما يرى العدو المجرمين يدعو عليهم: «اللهم عليك بقريش»، «اللهم عليك باليهود»، من شدة أذاهم. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك.
سمعوا صوت الدعاء فخافوا دعوته، ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل، عتبة، شيبة، الوليد، أمية، عقبة»، وذكر السابع لم أحفظه، فهو الذي بعث محمداً بالحق، لقد رأيت الذي صرع يوم بدر وسحبوا إلى القليب وألقوا فيها. وعنه قال: استقبل النبي ﷺ من قبل ودعا على ستة نفر، فذكر الحديث.
ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطها، حتى في وقتنا المعاصر، الأيام الماضية الذين كانوا يحرقون المصاحف، ما نسمع إلا فلان قتل فلان في السويد الذين أحرقوا المصاحف أو سبوا النبي ﷺ، كل سنة أو سنتين نسمع أنه تم قتل واحد أو شنقه، وهذا مما نسمعه فعلاً من حماية الله لدينه ونبيه ﷺ.
وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة التي تبين كمال الله عز وجل، وقيامه بنصرة وتعظيم قدره ورفع ذكره. وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب.
ومن المعروف المشهور المجرب عند عساكر المسلمين بالشام، إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب، أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار، إلى أن يسب العدو رسول الله ﷺ، فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو، فإنه يكون ذلك قريباً كما قد جرب المسلمون غير مرة، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَنَآنَهُمْ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. كل من آذى النبي ﷺ فكونوا مطمئنين وواثقين أن الله سينتقم له. ولما مزق كسرى الكتاب ودعا النبي ﷺ أن يمزق الله ملكه، مزق ملكه كل ممزق. ولما أكرم هرقل والمقوقس كتاب النبي ﷺ بقوا على كفرهم لكن احترموا النبي ﷺ، فبقي لهم ملكهم.
النوع الثامن من معجزاته: إجابة دعوته عليه الصلاة والسلام. قال: وإجابة الدعاء، منها ما تكون إجابته معتادة لكثير من عباد الله كالإغناء والعافية ونحو ذلك، ومنه ما يكون المدعو به من خوارق العادات؛ كتكثير الطعام والشراب كثرة خارجة عن العادة، وإطعام النخل في العام مرتين مع أنه في العادة النخل يخرج في السنة موسماً واحداً، وبرء الأعمى ونحو ذلك مما يأتي.
ومعلوم أن من عادة الله إجابة دعائه لا يكون إلا مع صلاحه ودينه، ومن ادعى النبوة لا يكون إلا من أبر الناس إن كان صادقاً، أو من أبرهم إن كان كاذباً. وإذا عُوِّد الله إجابة دعائه لم يكن فاجراً بل باراً. فإذا كان شخص يدعي النبوة ومع ذلك الله سبحانه وتعالى دائماً عوّده إجابة دعوته، فهذا التأييد دلالة صدقه؛ لأنه لو كان فاجراً مثل المختار بن أبي عبيد أو مثل مسيلمة الكذاب أو الأسود العنسي لما أجيبت دعوتهم.
وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برّ، تعين أن يكون نبياً صادقاً، فإن هذا يمتنع أن يتعمد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالاً يظن أنه نبي وأن الذي يأتيه ملك ويكون ضالاً في ذلك، أو الذي يأتيه الشيطان، فإن هذا حال من هو جاهل بحال نفسه وحال من يأتيه، ومثل هذا لا يكون أضل منه ولا أجهل منه؛ لأن الله جعل بين الملائكة والشياطين وبين الأنبياء الصادقين وبين المتشبهين بهم من الكذابين من الفروق ما لا يعصيه غيره سبحانه وتعالى، بل جعل بين الأبرار والفجار من الفروق أعظم مما بين الليل والنهار.
ولأن ما يأتي به الأنبياء من الأخبار والأوامر مخالف من كل وجه لما يأتي به الشيطان، ومن استقرأ أحوال الرسل واتباعهم وحال الكهنة والسحرة تبين له ما يحقق ذلك وما لا يحقق ذلك. والشيطان الذي يقول لمن ليس بنبي: «إنك نبي صادق والله أرسلني إليك»، يكون من أعظم الناس كذباً، والكذب يستلزم الفجور، فلا بد أن يأمره بما ليس براً بل إثماً، ويخبره بما ليس صدقاً بل كذباً، كما هو الواقع ممن تضلهم الشياطين من جهل العباد، ممن يزين له أنه نبي أو أنه المهدي أو خاتم الأولياء. وكل هؤلاء لا بد أن تأمرهم الشياطين بإثم، ولا بد أن يكذبوا في بعض ما تخبرهم به حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم عَلَىٰ مَن تَتَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَتَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلَّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222].
وهذه الآية وردت في سورة الشعراء، ولذلك فإن سورة الشعراء إنما سميت بهذا الاسم لأن الله أراد أن يبين الفرق بين النبي الصادق وبين الشاعر الكاذب، وهم كانوا يقولون عن النبي ﷺ الشاعر. فأنزل الله سورة الشعراء ليبين الفرق بين من هو نبي ومن هو شاعر كاذب. فالشعراء كثر الذين يزعمون ويتظاهرون بأنهم خاتم الأولياء وأنهم مهديون، ولذلك بماذا ختم الله سورة الشعراء؟
لاحظ سورة الشعراء كلها في قصص الأنبياء؛ قصة سيدنا موسى، بعدين سيدنا إبراهيم، بعدين سيدنا نوح، بعدين سيدنا هود، بعدين سيدنا صالح، بعدين سيدنا لوط، بعدين سيدنا شعيب، ليخبر الله أن هذا هو جنس الأنبياء وهذا كلام الأنبياء. كأن صالحاً يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾، ثم لما تكلم الله عز وجل بعد ذلك عن قصة سيدنا نوح عليه السلام: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ مُّرْسَلِيهِ﴾، ثم كذبت عاد إذ قالوا أخوهم هود، هكذا كانت سورة الشعراء.
ثم بعد أن ذكر قصص الأنبياء وكيف كانت دعوتهم ووضوح كلامهم، ذكر في ختام السورة أن الكذابين هم من تتنزل عليهم الشياطين: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم عَلَىٰ مَن تَتَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَتَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَتَسَمَّعُونَ لِكُلِّ أَفَّاكٍ * سَمَّاعَةٍ لِّلْكَذِبِ ەۙ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 221-226]. فهناك فرق بين الشاعر والمتنبي، وبين كلام الأنبياء وكلام الرسل، فهناك من الفروق الواضحة بينهم الكثير، فشوفوا كلام الشعراء وشوفوا كلام الأنبياء.
سورة الشعراء هدفها أن تعرض لك كلام هؤلاء وكلام الأنبياء، تعرفونه، وكلام الشعراء تعرفون جنسه، والشعراء يتبعهم الغاوون: ﴿إِنَّا كُلَّ فَرِيقٍ بِمَا فِعَلُوا فَرِحُونَ﴾. من ترى أنهم في كل واد يهيمون، تجده في الغزال وفي الحب وفي الذئب وفي فصف الغابة؛ انظر الفرق بين كلام الجنسين. ما أعطاهم كلام الشعراء يعرفونه، فكأنه يريد أن يقول لهم: فرقوا، انظروا الفروق بين من هو نبي وكيف يكون طرحه وكلامه وأسلوبه، وبين الشعراء والكهان وهؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين.
وحينئذ، فمثل هذا لا يكون مع دعوى النبوة من الأبرار الذين عودهم الله إجابة دعائهم إجابة خارجة عن العادات، بل لا يكون مع دعوى النبوة إلا من الأفاكين الفجار. وإذا كان صادقًا في دعوة النبوة عُلم بأنه صادق وثبت أنه نبي، والأنبياء معصومون من الإقرار على خطأ فيما يبلغونه عن الله باتفاق الناس، وحينئذ فكل ما يبلغه عن الله فهو حق وهو المطلوب.
ومن كان يأتيه صادق وكاذب مثل ابن صياد، ومثل كثير من العباد الذين لهم إلهام من الملك ووسواس من الشيطان بأنه نبي ويقول: «أنا أرسلني الله»، فلا بد أن يتبين كذبه ولو ببعض الوجوه؛ مثل أن يخبره بكذب، فإن مثل هذا الشيطان الذي قال له إنه النبي لا بد أن يكذب فيما يخبره به، فيخبره الصادق بأن هذا كذب. بخلاف الإخبار بأمور جزئية، إذ إخباره بأنه نبي صادق مع أنه ليس كذلك يهلكه هلاكًا عظيمًا، ويفسد على الصادق جميع ما يأتيه به؛ لأن ذلك يستلزم أن يصدق ذلك الكاذب في كل ما يخبره به، فيعتقد أنه نبي، حينئذ فلا يكون عنده كاذبًا ولا يعرف أنه كاذب.
فلا يكون مثل ابن صياد ونحوه ممن يعرف أنه يأتيه صادق وكاذب، بل أضل منها؛ من هؤلاء يظن أن كل ما يأتيه فهو صادق. ولهذا كل من كان يأتيه أخبار ملكي صادق وأخبار شياطيني كاذب فلا بد أن يعرف أنه يأتيه كاذب؛ لأنه تبين له الكذب فيما يخبره به الشيطان الكاذب كما هو الواقع. ولهذا يوجد الكهان يعرفون كذب من يخبرهم كثيرًا، وكذلك العباد الذين لهم خطابات ومكاشفات بعضها شيطاني وبعضها ملكي، يتبين لهم الكذب فيما يأتيهم به الشيطان كما هو الواقع. فلا يوجد شيخ عابد له حال شيطاني إلا ولا بد أن يخبره بكذب يظهر له أنه كذب.
وحينئذ، إذا صدق هذا الكذب في إخباره بالنبوة كان مصدقًا للكاذب، ولأن الصادق الذي يأتيه مخبرًا له بصدق ناصح له لابد أن يبين له ذلك، فلا يصر على اعتقاد أن من يأتيه صادق وهو في نفس الأمر كاذب، ولا يعلم أنه كاذب إلا من هو أفّاك أثيم، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَتَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَتَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222].
وأما نزول الشيطان مرة أو مرتين، فقد يكون على من ليس بأفاك أثيم؛ فإن من لم يكن مدعيًا للنبوة لم يكن من هذا الباب، وإن كان مدعيًا للنبوة فيمتنع أن يقرّه الصادق الذي يأتيه على ذلك، بل لا بد أن يبين له هذا إن جاز ذلك. فالناس تنازعوا: هل يجوز أن يلقي الشيطان على لسان النبي ما ينسخه الله ويمحيه؟ قال: أم لا يجوز ذلك؟ وعلى كل حال يمتنع أن يقر على خطأ.
والمقصود هنا ذكر بعض أدعية النبي ﷺ التي شهد إجابتها، وقد تقدم ذكر بعض أدعيته، مثل دعائه على الملا من قريش فقتلوا يوم بدر وألقوا في القليب، ومثل دعائه على عتيبة بن أبي لهب، ومثل دعائه على الذي كذب عليه.
وإن كان مدعيًا للنبوة، فلو نزل الشيطان مرة أو مرتين وحاول أن يلقي في أثناء وحي الأنبياء شيئًا من الكلام، كما ورد في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ﴾ [الحج: 53]، يعني تلا أو ألقى الشيطان في أمنية، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. فإذا كان صادقًا في هذه الدعوة، فلو نزل الشيطان محاولًا لتشويه وحيه، يمتنع أن يقرّه الصادق الذي يأتيه على ذلك؛ لابد أن يأتي الصادق -اللي هو الملك- لا يقرّه على ذلك بل ينبّه أن هذه الكلمة التي قيلت أو دخلت هي من الشيطان.
قال: «إن جاز ذلك»، يعني إن جاز فيها خلاف؛ لأنه قال إن الناس يتنازعوا، هو يقول لك إن المسألة فيها نزاع بين أهل العلم: هل يجوز أن يلقي الشيطان على لسان النبي مرة أو مرتين، ينزل بحيث لا يكون كذبًا وينسخ الله ما ألقاه الشيطان أم لا يجوز أن يحصل ذلك أبدًا بناءً على تفسير سورة الحج؟ وعلى كل حال، حتى لو قلنا وجوزنا أن الشيطان يمكن أن ينزل مرة ومرتين على النبي في أثناء الوحي وحاول أن يلقي بعض الكلمات، هذه الكلمات لا يقرها الملك ويبين النبي ﷺ خطأها.
والمقصود هنا إنما هو ذكر بعض أدعيته التي شهد إجابتها؛ فمن ذلك أنه دعا على الملا من قريش فقتلوه يوم بدر وألقوا في القليب، ومثل دعائه على عتيبة بن أبي لهب أن يأكله أو ينهيه كلب من كلاب الله، وهذا الذي حصل في الزرقاء، ومثل دعائه على الذي كذب عليه، ومثل دعائه لما قل الزاد وجمعوه على نطع فكثره الله ببركة دعوته حتى كفى الجيش، ومثل دعائه في غزوة الخندق فكفى الطعام وكان في البداية لا يصاع من شعير، كفى لألف نفر، وكذلك دعاؤه لما نزحت بئر الحديبية فكثر ماؤها حتى كفر الركب، ودعاؤه للذي ذهب بصره فأبصر، ودعائه في الاستسقاء فما رد يديه إلا والسماء قد أمطرت، ودعاؤه في الاستسقاء أن يرتفع السحاب وأن يقف المطر، وإشارته إلى السحاب فتقطع من ساعتها وتبدد، ودعوته على...
سراقة بن مالك لما تبعهم في الهجرة، فغاضت فرسه في الأرض. ودعاؤه يوم بدر ويوم حنين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9].
وفي الصحيحين عن جابر، لما نزل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: 65]، قال عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بوجهك، أو من تحت أرجلكم»، قال: أعوذ بوجهك، أو يلبسكم شيئًا، فقال: «هاتًا ويذيق بعضكم بعضًا». قال عليه الصلاة والسلام: «هاتان أهون أو أيسر»، على شك من الراوي.
وفي الصحيحين أنه سأل ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سأل ألا يهلك أمتي بسنة عامة، يعني بوباء عام أو طاعون عام، فأعطانيها، وسأله ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيستبيحهم، فأعطانيها، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها؛ فلن يزال الهرج بين هذه الأمة وبين فرقها إلى يوم القيامة.
وفي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع: جعل عمي يرتجز ويقول: تالله لولا الله لولا الله .. لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا .. ونحن بفضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا .. وأنزل السكينة علينا
هذه عن سلمة بن الأكوع قالها أثناء ذهابهم لغزوة خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟»، قالوا: عامر بن الأكوع، قال: «غفر الله لك». وما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لإنسان بعينه إلا استشهد، هكذا كانت العادة. فنادى عمر وهو على جمل: يا نبي الله، لو متعتنا بعامر! خلص، عرفوا أنه استشهد.
فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم، أو أحد زعاماتهم اسمه مرحب، خرج بسيفه وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب .. شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عمي عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر .. شاك السلاح بطل مغامر
فاختلفتا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يريد أن يسل سيفه فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله. أراد عامر أن يسل السيف فبالخطأ جاء السيف في أكحله، وكانت فيها نفسه، فاستشهد عامر رضي الله عنه.
قال سلمة: فخرج في نصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه! يعني كأنهم ظنوا أنه انتحر، كيف يقتل نفسه؟ ما قتل نفسه، والسيف رجع عليه بالغلط. قال: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وأنا أبكي، كان سلمة يبكي على عمي، قلت: يا رسول الله، هل بطل عمل عامر؟ قتل نفسه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من قال ذلك؟»، قال: ناس من أصحابك، قال: «كذب من قال ذلك»، يعني أخطأ، بل له أجره مرتين.
وفي حديث قصة أنس بن مالك، قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». وفي رواية دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم، فأتته بتمن وسمن، فقال: «أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه»، ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم ولأهل بيته.
فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خويصة، يعني مسألة خاصة، قال: «ما هي؟»، قال: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا به لأنس: «اللهم ارزقه مالًا وولدًا وبارك له فيه». فإني الآن أنس يقول عن نفسه: فإني لمن أكثر الأنصار مالًا. وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبه، يعني أولادي الصلبيين، إلى مقدم الحجاج إلى البصرة، دفن أنس بأيده مائة وعشرين ولدًا.
وفي رواية لمسلم: «دع لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين، وأنا أرجو الثالثة في يوم القيامة». وعن أبي خلده قلت لأبي عالية: سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له بستان يحمل في السنة مرتين الفاكهة، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك.
اقرأ في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فتعيتُّها يومًا فسمعتني من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام وتأبى، فدعوتها يومًا فأسلمتني فيما أكره، فادع الله أن يهدي أمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة»، فخرجت مستبشرًا بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرت إلى الباب فإذا هو مغلق، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت قدحها الماء، فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب فقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
فأتيت أنبئك من الفرح، فقلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك وأهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وقال خيرًا. فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى عبادك المؤمنين، ويحببهم إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين». فما خلق الله مؤمنًا يسمع بي ويراني إلا أحبني.
وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: «ما هذا؟»، قال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة، قال: «كم سقت إليها؟»، قال: وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك». وفي الصحيحين أنه لما قدم آخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه سعد أن يناصفه أهله وماله، فقال له عبد الرحمن: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق».
فظهرت بركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ من مال عبد الرحمن ما قاله الزهري أنه تصدق بأربعمائة ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وخمسمائة بعير في سبيل الله. وكان عامه ماله من التجارة. فقال محمد بن سيرين: اقتسم نساء عبد الرحمن بن عوف ثمنهن، فكان ثمنهن الثمن، يعني وزع بين نسائه الأربع. وقال الزهري: ما شاء الله، أوصى عبد الرحمن لمن شهد بدرًا فوجدوا مائة.
لكل رجل منهم 400 دينار. وقال عبد الله بن جعفر: حدثتني أم بكر بنت مسور أن عبد الرحمن باع أرضًا بـ 400 ألف بـ 40000 دينار، فقسمها في فقراء بني زهرة، ثم في المهاجرين، وقال: وأمهات المؤمنين. وقال محمد بن عمر عن أبي سلمة قال: إن عبد الرحمن أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة فقومت 100000.
وفي الترمذي وصححه ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب رجل إليك: عمر بن الخطاب». واستجاب الله عز وجل دعاءه بإسلام عمر. وروي أن الدعوة كانت في يوم الأربعاء فأسلم يوم الخميس، وعز الله به الإسلام. أيضاً ما زلنا نعز منذ أسلم عمر، فقد ظهر عز الإسلام في إمارته شرقًا وغربًا، وفتح الشام والعراق.
ما حصل في السير أن ابن عباس وضع النبي ﷺ لما أتى الخلاء وضوءًا، فلما خرج قال: «من وضع هذا؟» فقيل: ابن عباس. اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وفي رواية: ضمن النبي ﷺ من صدره وقال: «اللهم علمه الكتاب». وفي رواية: «والحكمة». وظهرت إجابة دعوته حتى كان يسمى ابن عباس بالبحر. وقد قال ابن مسعود في ابن عباس: «لو أدرك ابن عباس أسناننا لما عادره أحد منا»، يعني لو ابن عباس كان عمره مثل عمرنا لكان فاقنا بالعلم. ابن عباس لو كان عمره عاش مع النبي ﷺ كما عاش ابن مسعود لكان لا أحد من الصحابة يستطيع أن يجاريه، لكنه كان صغيرًا لما مات النبي ﷺ. وكان عمر يقدمه في المجالس ويدخله حتى مع كبار الصحابة، وعلم ابن عباس مشهور في الأمة.
وفي الصحيحين عن جابر: كنت أسير على جمل قد أعيا، وقررت أن أسيبه أن أطلقه، فلحقني النبي ﷺ فضربه ودعا له، فسار الجمل سيرًا لم يسر مثله. ثم قال بعينيه الرواية المشهورة. وفي الترمذي وغيره قال النبي ﷺ: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك»، فكان سعد مستجاب الدعوة، سعد بن أبي وقاص. وفي اللفظ: «اللهم أجب دعوته وسدد رميته»، فكان سعد لا يرمي إلا أصاب، ولا يدعو إلا أجيب.
وروى الحاكم في صحيحه عن علي قال: مرضت فعادني النبي ﷺ، فقلت: «اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني». فقال: «اللهم اشفه، اللهم عافه»، ثم قال: «قم»، فقمت فما عاد إليّ الوجع بعد. وفي الصحيحين عن أم خالد قالت: أتي النبي ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، والخميصة نوع من الأكسية، فقال: «من ترون نكسوه هذه الخميصة؟» فسكت القوم، فقال: «ائتوني بأم خالد»، فأتيت بالنبي ﷺ فألبسنيها، فقال: «ابلي وأخلقي يا أم خالد». يعني هذه أسأل الله أن تبلى وتخلق، ومعناه أنها تطول لبسها عليك.
«اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعني منزلتي، وإن كان بلاء فصبرني». إن كان أجلي قد حضر أرحني، يعني أجل موتتي. وإن كان متأخرًا فارفعني، والظاهر أنه أن يرفع قدره، وأن يرفع علمه، وأن يرفع مكانته، قد يكون شيء من ذلك والله أعلم.
وعن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ابنِ مني»، فمسح بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: «اللهم جمله وأدم جماله». قال الراوي: فبلغ بضعًا وثمانين سنة وما في لحيته بياض إلا نزر يسير، ولقد كان منبسط الوجه ولم يتقبض وجهه حتى مات، يعني تعرفون الواحد لما يكبر تصبح له تجاعيد، ولم يظهر عليه أي تجاعيد. رواه الإمام أحمد وقال البيهقي إسناده صحيح. ورواه الترمذي وقال: مسح النبي ﷺ يده على وجهي ودعا لي، قال: عُمر أنه عاش 120 سنة وليس في رأسه إلا شعيرات بيض، هذا الصحابي هو عمرو بن أخطب الأنصاري.
وذكر البخاري في تاريخه قال: حذيم يا رسول الله إني رجل ذو سن وهذا أصغر مني، فسميت عليه، قال: «تعال يا غلام». قال حذيم -هكذا عندنا في نسختنا-: قال: «يا غلام»، فأخذ بيدي ومسح برأسي وقال: «بارك الله فيك» أو «بورك فيك». فرأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم فيمسح بيده ويقول: «بسم الله» فيذهب الورم.
ويذكر عن أبي سفيان -واسمه مدلوك- أنه ذهب إلى النبي ﷺ فأسلم، فدعا له النبي ﷺ ومسح رأسه بيده ودعا له بالبركة، فكان مقدم رأسه موضع يد النبي ﷺ أسود وسائر رأسه أبيض لما كبر، أبو سفيان هذا كان شيب شعره أبيض إلا المنطقة التي وضع النبي ﷺ يده عليها. وهذا كله بفضل دعائه له بالبركة، وهذا هو الشاهد، نحن الآن نتكلم عن أدعية النبي ﷺ.
قال: كنت عند قتادة بن ملحان الحنفي في مرضه الذي مات فيه، فمر رجل من ورائنا، فرأيته في وجه قتادة. كان النبي ﷺ قد مسح وجه قتادة، فكان ببركة دعاء النبي ﷺ وجه قتادة كأنه دائما عليه دهان، كأنه عليه زيت عامل مثل المرآة عاكس.
وفي مسند الإمام أحمد عن عروة بن أبي...
عروة قال: عرض للنبي ﷺ جلبٌ فأعطاني دينارًا وقال: «أي عروة، ائتني بالجلب». فاشتريت شاة، فأتيت الجلب فسومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما فلقيني رجل فسومني، فسومني فباعه شاة بدينار، فجئت بديناري وجئت بشاتي، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: «وصنعت؟» فحدثته الحديث، فقال: «اللهم بارك له في صفقة يمينه»، فلقد رأيتني أقيف بكناسة الكوفة فأربح أربعة آلاف قبل أن أصل إلى أهلي.
ورواه الإمام أحمد، وفي لفظ: «فكان لو اشترى التراب لربح فيه». رواه البخاري عن أهل داره عنه. وفي صحيح مسلم عن سلمة بن أكوع أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: «كل بيمينك»، فقال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه؟
وروى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله السلمي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني انمار. قال جابر: فبينما أنا نازل تحت شجرة إذ رسول الله ﷺ، فقلت: هلم يا رسول الله إلى الظل. قال: فنزل رسول الله ﷺ. قال جابر: فقمت إلى غرارة لنا فالتمست فيها، فوجدت فيها جرو قثّة، فكسرته ثم قربته إلى رسول الله ﷺ، فقال: «من أين لكم هذا؟» قلنا: خرجنا به من المدينة، وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا، فجهزته ثم أدبر يذهب إلى الظهر وعليه ثوبان له قد خلقا.
فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «أما له ثوبان غير هذين؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «ثوبان في العيبة كسوته إياهما؟» قال: ادعه في العيبة في المتاع. قال: «فليلبسهما»، ثم ولى يذهب. فقال رسول الله ﷺ: «ضرب الله عنقه، أليس هذا خيرًا له؟».
فسمعه رجل فقال: يا رسول الله، في سبيل الله؟ فقال: «في سبيل الله، ما له ضرب الله عنقه، أليس هذا خيرًا له؟». فسمعه الرجل فقال: يا رسول الله في سبيل الله؟ فقال: «في سبيل الله». فقتل الرجل في سبيل الله. وهذا هو موطن الشاهد؛ أنه دعا له أن تُضرب عنقه فاستجاب الله ذلك، قال: «ما له ضرب الله عنقه»، أليس هذا خيرًا له أن تُضرب عنقه؟ فالرجل قال: يا رسول الله، أنت تدعوني أن تُضرب عنقي في سبيل الله؟ قال: «في سبيل الله»، فهذا الذي حصل، قُتل في سبيل الله.
نكتفي بهذا القدر اليوم إن شاء الله، ونكمل ما بقي في المجلس القادم، وصلوا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل