السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح المبارك. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا على آله وصحبه ونهج من اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اشغلنا بالحق واجعلنا من أهله، اللهم أعنا على طلب العلم النافع والعمل الصالح، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، واجعلها إلى خير يا أرحم الراحمين.
حياكم الله في مجلس جديد من مجالس تراث، حيث نعيش في تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد عليه رحمة الله، وما زلنا نعيش في آخر كتابه الكبير "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". في هذه الجولة إن شاء الله اليوم سيكون الكلام ماتعاً نافعاً في ذكر دلائل معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، أو دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة حسنة فائقة تميز بها ابن تيمية.
لكن قبل أن ندخل في هذا الفصل بقي صفحتان من الفصل السابق والذي يتكلم فيه بالتفصيل عن إعجاز القرآن. هو تكلم بشكل مجمل، والآن سيقول واما التفصيل، لكن حتى التفصيل هو مختصر. قال: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ولجميع المستضعفين من المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: وأما التفصيل فيقال: نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الخطابة ولا الرسائل، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم. القرآن أيها الكرام لما أتى العرب، هم قطعوا أنه ليس شعراً، فإن سادتهم قالوا: عرفنا الشعر وبحوره وقريضه ورجزه وغير ذلك، فهو ليس على بحورهم، ولكنه في نفس الوقت ليس من طبيعة نثرهم، ليس على طريقتهم في النثر والخطب، فلذلك قال: هو ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة. هي نقطة مهمة، هو ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، هو نفس الأحرف يعني هو من الأحرف، أحرف عربية، الكلمات كلمات عربية، لكن طريقة التركيب أبهرتهم، فهم حتى في خطبهم ونثرهم لا يعتادون هذا النوع من التركيب العالي.
وقال: ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل يعرفه من له نظر وتدبر. ونفس ما أخبر به القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته أمر عجيب خارق للعادة.
تلاحظون هنا ابن تيمية فرق، وهذا لمن يهتم بعلوم القرآن، فرق بين نظم القرآن وأسلوبه وبين فصاحة القرآن وبلاغته؛ يعني هذا شيء وهذا شيء. نظم القرآن وأسلوبه: هو طريقة القرآن في بناء الجمل والعبارات والألفاظ والتركيبة النهائية للسورة، هذا أمر. الأمر الآخر: فصاحة القرآن، وهو يقصد بها الألفاظ التي يختارها؛ نفس اللفظة من حيث علوها في الفصاحة، وكذلك البلاغة: تطبيق قواعد البلاغة أو ممارسة القواعد البلاغية. قال: فهذا أيضاً عجيب خارق للعادة.
ننتبه أن علماء الإعجاز لما يتكلموا في كتب دلائل الإعجاز ويتكلموا عن أنواع الإعجاز الموجودة في القرآن، يتكلمون عن النظم، والمراد بالنظم كما قلنا ترتيب الجمل إلى نهاية السورة من أولها إلى آخرها، يعتبرون هذا الشكل من أشكال الإعجاز النظم والأسلوب، ويتكلمون عن فصاحة القرآن وبلاغته من جهة أخرى، فهذا الشيء الآخر من صور الإعجاز.
قال: ونفس ما أخبر به القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته أمر عجيب خارق للعادة. هذا النوع الثالث من الإعجاز في القرآن: المعاني. معاني القرآن من حيث التطرق لها وتركيب هذا المعنى على هذا المعنى، وبناء الألوهية على الربوبية، وبناء بعد ذلك اليوم الآخر على معاني أسماء الله والصفات، يعني هذه الطريقة في الدليل والمدلول، وأن يقودك من معنى إلى معنى. نحن هنا لا نناقش الألفاظ، لا نحن نناقش المعاني نفسها، كيف تم تركيب الدليل مع المدلول، والمعنى يسوق إلى معنى، ثم يخرج من معنى فيدخلك في معنى آخر تجد أنه مناسب جداً للارتباط بالمعنى السابق، هذه الطريقة أيضاً معجزة.
قال: لم يوجد مثل ذلك في كلام بشر، لا نبي ولا غير نبي، وكذلك ما أخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والجن وخلق آدم وغير ذلك. ونفس ما أمر به القرآن من الدين والشرائع كذلك، ونفس ما أخبر به من الأمثال وبينه من الدلائل هو أيضاً كذلك، هو أيضاً كذلك خارق للعادة، فأمثال القرآن صعب أن يأتي الشخص بدقتها. كذلك الكلام عن الأمور المغيبة قبل وقوعها، كذلك التشريع، التشريع نفسه الذي أتى به القرآن كتشريع في حياة الناس معجز، حيث أعطى كل ذي حق حقه بإنصاف وعدل دون شطط.
قال: ومن تدبر ما صنفه جميع العقلاء في العلوم الإلهية والخلقية والسياسية، وجد بينه وبين ما جاء في الكتب الإلهية التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء تفاوتاً عظيماً، ووجد بين ذلك وبين القرآن من التفاوت أعظم مما بين لفظه ونظمه وبين سائر ألفاظ العرب ونظمهم. فالإعجاز في معناه أعظم وأكبر من الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجز عن الإتيان بمثل معانيه، أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه.
جميل، إذاً فالإعجاز في معنى القرآن أعظم وأكبر من الإعجاز في ألفاظ القرآن. فمعاني القرآن كما قلت، طريقة طرح الأفكار خلينا نسميها، ومعالجة القضايا وبناء التشاريح، الإعجاز في منظومة المعاني، وهذا كرره ابن تيمية في أكثر من كتاب لسه أعلى من الإعجاز في الألفاظ. ولذلك لما يأتي شخص اليوم يقول لك القرآن معجزة كان فقط للعرب الأوائل، يعني الذي استفاد من معجزة القرآن من هم؟ العرب الأوائل، لأن هم الذين يفهمون البلاغة فعرفوا الإعجاز، أما المتأخرون منا وفي العصور الحديثة هم فقط يعرفون أو سيؤمنون إيماناً عاماً أن القرآن معجز، لكنهم لن يصلوا إلى تحديد صور الإعجاز أو إدراك الإعجاز.
انظر أنت عن أي إعجاز تتكلم؟ إذا كنت تتكلم عن إعجاز الفصاحة والبلاغة نعم نتفق معك أننا اليوم -للأسف لضعف لغتنا وابتعادنا عنها- لن ندرك هذا النوع من الإعجاز، لكن هناك إعجاز أو وجوه أخرى من الإعجاز ما تسمى إعجاز المعاني، قال هذه قائمة إلى قيام الساعة، هي تقوم على فهمك للمعنى وإدراكك للمعنى، وفهمك ترابط المعاني بالطريقة العجيبة، هذا أنت لن تستطيع أن تدركه، ويبقى هذا قائماً حتى لمن لم يكن قوياً في العربية. فهو بمجرد أن يدرك تشريعات القرآن وكيف أعطى كل ذي حق حقه بعدل، سيرى شيئاً مبهراً البشر لا يستطيعون وضعه، فلذلك ابن تيمية يركز على إعجاز المعاني، أنه يجب أن لا نحصر إعجاز القرآن فقط في إعجاز الألفاظ، لأن إعجاز المعاني يعطي ديمومة لواقعك المعاصر، حتى لا تبقى كما قلنا معجزة القرآن فقط لليوم، بس الناس تكررها على الألسن لكن هي غير مدركة لأبعادها.
كما قلت إعجاز الألفاظ أغلبنا لا يعرفه، يعني حتى نكون فاهمين، نحن أغلبنا ضعيف في البلاغة وفي اللغة وأساليبها وما شابه ذلك، فأنت تقول القرآن والله معجز من حيث البيان، لكنني لا أعرف كيف ذلك، بس أنا مؤمن بذلك، جزاك الله خيراً، لكن هناك نوع لا تستطيع أن تدركه حتى لو كنت ضعيفاً في اللغة ولست من أساتذتها، وهو إعجاز المعاني.
قال: وما في التوراة والإنجيل، قال: وما في التوراة والإنجيل لو قدر أنه مثل القرآن لا يقدح في المقصود، فإن تلك كتب الله أيضاً، ولا يمتنع أن يأتي نبي بنظير آية نبي، كما أتى المسيح بإحياء الموتى، وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره، فكيف وليس ما في التوراة والإنجيل مماثلاً لمعاني القرآن، لا في الحقيقة ولا في الكيفية ولا الكمية.
قال لو فرضنا أن التوراة والإنجيل جاء معجزاً في ألفاظه ومعانيه مثل القرآن، هذا لن يضر، صح ولا لا؟ لأنه أحياناً قد تحصل معجزة لنبي وتكرر لنبي آخر، لكن في الواقع أن القرآن من حيث الألفاظ والمعاني يفوق التوراة والإنجيل، فيقول: فكيف وليس ما في التوراة والإنجيل مماثلاً لمعاني القرآن لا في الحقيقة ولا في الكيفية ولا الكمية؟ لأنه نحن مر معنا، هو يقارن بين التوراة والإنجيل، إذا بتذكروا أنه قال إن القرآن جمع بين العدل والفضل، بخلاف الإنجيل، التوراة ركزت على العدل والإنجيل ركز على الفضل.
قال: بل يظهر التفاوت لكل من تدبر القرآن وتدبر الكتب السماوية السابقة. قال: وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه، ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله، كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي وإخباره بعجزهم، فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد.
يعني العامة، العامة يكفيهم هذا السقف، يقول يعني من لم يستطع أن يفهم أوجه إعجاز القرآن يكفيه السقف العام، ما هو السقف العام؟ أننا رأينا أن هذا القرآن نزل على عرب أوائل كانوا من أهل اللسان وتحدّاهم ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، هذا بالنسبة لنا خلص، يعني إدراك هذا المعنى بالنسبة للعامة يكفي في إيمانهم بإعجاز القرآن. قال: ومن لم يظهر له ذلك فالمطلوب منه من العامة أن يكتفي بالأمر الظاهر، ما هو الأمر الظاهر؟ وهو عجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي وإخباره بعجزهم، هذه فائدة جيدة هنا.
قال: ودلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر البين لكل أحد كالحوادث المشهودة مثل خلق الحيوان والنبات والسحاب وإنزال المطر وغير ذلك، وفيها ما يختص به من عرفه مثل دقائق التشريح ومقادير الكواكب وحركاتها وغير ذلك.
طيب فهذه أيضاً نفيسة، أن ينتبه الإنسان لهذا الموضوع أن دلائل النبوة ليس شرطاً أن تكون واضحة للجميع في نفس الرتبة، يعني هناك دلائل نبوة يدركها الأذكياء والعقلاء، وهناك دلائل نبوة يدركها العامة والذي هو غير متخصص، مثلاً قال كما أنه مثلاً علم تشريح جسم الإنسان وكذا تجد هناك مثلاً أساتذة في الأحياء وكذا إحنا لا نجاريهم في ذلك، فكذلك مسائل دلائل النبوة.
قال: فإن الخلق كلهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار برسله، وما اشتدت الحاجة إليه في الدين والدنيا فإن الله يجود به على عباده جوداً عاماً ميسراً. قال: وما اشتدت الحاجة إليه في أمر الدين أو أمر الدنيا فإن الله يجود به يعني بمعرفته ودلائله على العباد جوداً عاماً ميسراً، وبالتالي معرفة النبوة وصدق النبي هذا من الأمور المهمة وتشتد الحاجة إليه أم من الأمور الثانوية؟ من الأمور المهمة معرفة صدق الأنبياء، وبالتالي فإن الله يجود بهذه الأدلة، فهمتم هو هذا السياق.
ولما قال لك دلائل النبوة كثيرة فمنها ما يعرفه العامة ومنه ما يدركه الخاصة، أعطاك القاعدة العامة التي هو أصلاً يذكرها في جميع كتبه عموماً شيخ الإسلام، أن كل أمر كلما اشتدت الحاجة إليه أقام الله عليه من الأدلة ما لا يقيم على غيره، فلما كانت مسائل التوحيد أعظم ما يحتاجه العبيد أقام الله عليها من الأدلة ما لم يقم على غيرها، فكذلك مسائل صدق النبي وأنه ظاهر بين وأنه صادق فيما أتى به أقام الله عليها من الأدلة الشيء الكثير، عرفه من عرفه وجهله من جهله.
قال: فلما كانت حاجتهم إلى النفس أكثر من حاجتهم إلى الماء، وحاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى الأكل، كان سبحانه قد جاد بالهواء جوداً عاماً في كل مكان وزمان لضرورة الحيوان إليه، ثم الماء دونه ولكنه يوجد أكثر مما يوجد القوت وأيسر لأن الحاجة إليه أشد؛ يعني فأكثر شيء تجد في حياتنا الهواء ثم الماء ثم الطعام، هذا يعني من حيث العلوم الدنيوية.
قال: فكذلك دلائل الربوبية حاجة الخلق إليها في دينهم أشد الحاجات، ثم دلائل النبوة، فلهذا يسرها الله وسهلها أكثر مما لا يحتاج إليه العامة، مثل تماثل الأجسام واختلافها وبقاء الأعراض أو فنائها، وثبوت الجوهر أو انتفائه، مثل مسائل المستحاضة أو فانت في العقائد لا تدوش العامة في مسألة هل الأجسام متماثلة أو الجواهر متماثلة أو لا؟ وهل الأعراض تبقى زمانين ولا لا تبقى زمانين؟ وهل ثبت الجوهر الفرد ولا في شيء اسمه جوهر الفرد؟ أنتم لما تستعمل هذه الأمور في الاستدلال على الخالق أنت بتتعب العامي المسكين، ترى دلائل التوحيد أجلى وأعظم من هذه القضايا التي تطيش فيها العقول.
قال لك: وكذلك في الفقهيات مثل مسائل الاستحاضة ومسائل فوات الحج، من فاته الوقوف بعرفة، وكم واحد بيفوت الوقوف بعرفة؟ بقول ابن تيمية حتى يعني في للمسائل تجدها من المسائل التي ليس أدلتها كأدلة المسائل الشهيرة وجوب الحج ووجوب الصلاة ونحكم فيها.
ثم قال: فصلاً.
هذا الفصل ابن كثير رحمه الله عليه كما قال ذكر في "البداية والنهاية" أنه من محاسن الكتاب، هذا الفصل الأخير الآن يعتبر من كتاب ابن تيمية هذا يعتبر قال من محاسنه، فإن شيخ الإسلام أبدع في إقامة دلائل النبوة. الآن هو كانما سبق وتوطئة لهذا، الآن سيعطيك دلائل النبوة بطريقة حقيقة حسنة ميسرة فائقة بذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأخباره وأيامه ومعجزاته الدالة على صدقه، دون الحاجة إلى أن تعتقد أن هذه القضية قضية معقدة أن تعرفها صدقه عليه الصلاة والسلام ولم يقم عليها إلا الأدلة العميقة التي نحتاج فيها إلى كد الذهن وإتعابه، ولذلك لنفاسة هذا الفصل أورده ابن كثير في "البداية والنهاية".
سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من آياته، وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته ودينهم من آياته، وكرامات صالح أمته من آياته. فهذه كقاعدة عامة سيرته الحسنة عليه الصلاة والسلام هي آية؛ كيف كان يستحمل الناس ويصبر عليهم ويتعامل معهم ويتوازن في كل علاقاته، أخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته عليه الصلاة والسلام آية. أمته وما حصل بها من التغيرات والتقلبات والانتصار خلال فترة قليلة؛ أسقطوا الروم وأسقطوا الفرس ووصلوا إلى الأندلس، هذه آية ما حصل فيها. علم أمته ودينهم من آياته، ما أنشأه الله وخلقه الله في هذه الأمة الإسلامية من العلوم والديانة وأحوال الوجود الصالحين والأولياء؛ ترى هذا كله يعود إلى آيات وصدق النبي عليه الصلاة والسلام. كرامات الصالحين، مش نقول نحن كله كرامه لنبي هي معجزة، معجزة كل كرامه لولي هي معجزة لنبي، وهكذا.
وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حيث بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبرده وأصله وفصله؛ فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسباً من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأتِ نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته، وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام. وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به نبواته غيره.
فلم يأتِ نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته؛ هذا يفيدنا في موضوع سورة الأنعام، لما قلنا وإسماعيل واليسع ويونس أنه إذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية محرر هذه العبارة تماماً، إذاً اليسع ويونس لا بد أن يكون لهما علاقة بإبراهيم، كما قلنا لا بد أن يكون لهما علاقة بسيدنا إبراهيم؛ هل هو من جهة إسحاق؟ ممكن، هذا الذي يظهر، ويبقى بالتالي دراسة لماذا ذكروا بعد إسماعيل ولم يذكروا مع جنس أنبياء بني إسرائيل؛ هذه المسائل كلها تتعلق في النسب. هذا الكلام نبي إلا من ذريته، فنحن كنا نتناقش البارحة في سورة الأنعام أنه الله عز وجل ذكر ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: 84]، فذكر قالوا بعضهم الأنبياء الذين جاؤوا من طرف إسحاق وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلهم من طرف إسحاق، ثم لما ذكر الطرف الآخر قال ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: 86]. هؤلاء ليش ذكرهم آخر شيء وحدهم؟ الآن إسماعيل معروف أنه هو الطرف الآخر بعد إسحاق، ولوط هو ابن أخو سيدنا إبراهيم هذا هو المشهور، بقينا اليسع ويونس أنه هل هم ما علاقتهم، كيف وصلوا إلى سيدنا إبراهيم؟ فلذلك كان في نقاش لماذا فصل هؤلاء عن أنبياء بني إسرائيل اليسع ويونس.
ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به نبواته غيره. ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولاً منهم، ثم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم، ودعا الناس إلى حجه، ولم يزل محجوجاً من عهد إبراهيم، مذكوراً في كتب الأنبياء بأحسن وصف، وكان من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل ومكارم الأخلاق وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة ممن آمن به وممن كفر بعد النبوة، لا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط ولا ظلم ولا فاحشة.
تخيل خلال 40 سنة سبقت البعثة لم يوجد أي مثلب وأي نقيصة في حياته عليه الصلاة والسلام، تخيل شخص 40 سنة فيش خطأ عليه، دائماً نحن للاسف اليوم نشوف السوشيال ميديا بتلاقي الشخص صار زلمه منيح وبيدرس وكذا دين بيطلع لواحد عدو بيروح بيجيب له غلطة غلطها قبل 30 سنة وعمره 20، تذكر لما طب ما خلص هي مشت الحياة تمام. هذا النبي عليه الصلاة والسلام كان الكفار شديدي الحرص على وجود مثالب، حتى أصلاً لم يجدوا أي مثلب خلال 40 سنة قبل النبوة، هذا آية من آياته.
وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أمياً من قوم أميين، لا يعرف لا هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئاً من علوم الناس ولم يجالس أهلها، ولم يدع نبوة إلا أن أكمل الله له 40 سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبرنا بأمر لم يكن في بلده وقومه أن يعرف مثله، والعرب ما كانت تعرف النبوات عموماً إلا سماعاً في جنسها في العرب، وكانوا يعرفون إبراهيم وأن إبراهيم أتى بإسحاق وكذا ونشأ، لكن فيهم أنفسهم كعرب ما كانوا يعرفون هذا.
ولم يعرف قبله ولا بعده، لا في مصر من أمصاره ولا في عصر من أعصاره من أتى بمثل ما أتى به، ولا من ظهر كظهوره، ولا من أتى من العجائب والآيات بمثل ما أتى به، ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته، ولا من ظهر دينه على الأديان كلها بالعلم والحجة وباليد والقوة كظهوره. ثم إنه اتبعه ضعفاء الناس وهم أتباع الأنبياء، وكذبه أهل الرئاسة وعادوه وسعوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم، والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة؛ فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم عليها، ولا كان له سيف بل كان السيف والمال والجاه مع أعدائه في الفترة الأولى.
وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة. وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فتجتمع في الموسم قبائل العرب، فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاهم من تكذيب المكذب وجفاء الجافي وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب، وكانوا جيران اليهود قد سمعوا أخباره منهم وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به يهود، وكانوا قد سمعوا من أخباره ما عرفوا به مكانته، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضعة عشرة سنة، فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم وعلى الجهاد عنه، فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم.
ثم أذن له في الجهاد ثم أمر به، ولم يزل قائماً بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والوفاء، لا يحفظ له كذبة واحدة ولا ظلم لأحد ولا غدر لأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليهم من حرب وأمن وخوف وغنى وفقر وقلة وكثرة، وظهوره على العدو تارة وظهور العدو عليه تارة، وهو على ذلك كله لازم أكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق وسفك الدماء المحرمة وقطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة ولا معاداً، فصاروا به أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم، حتى إن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا ما كان الذين صاحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء، وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم، يعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين.
وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له على الأنفس والأموال مات ولم يخلف درهماً ولا ديناراً ولا شاةً ولا بعيراً إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على 30 وسقاً من شعير ابتاعها لأهله. وكان بيده عقار ينفق منه على أهله والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئاً من ذلك. وهو في كل وقت يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بخبر ما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرع الشريعة شيئاً بعد شيء حتى أكمل الله دينه الذي بعث به. وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبقَ معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، ولم يأمر بشيء فقيل ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقيل ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات لم يحرم شيئاً منها كما حرم في شرع غيره، وحرم الخبائث لم يحل منها شيئاً كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم.
فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخير عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في هذه الكتب. فليس في تلك الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفصل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه. وإذا نظر لبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع، وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهاداً وأشجع قلوباً، وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة أنفسهم بغيرهم تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم.
وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وهو الذي أمرهم بها؛ لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة وبعضها من الزبور وبعضها من النبوات وبعضها من المسيح وبعضها ممن جاء بعده كالحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا لما غيروا دين المسيح في دين المسيح أموراً من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح. وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرون كتاباً، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداوود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته؛ فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى.
كان سبحان الله، كان القرآن لما نزل على عرب أميين كأنه نزل على ناس خلص مش مطلعين على كل الثقافات السابقة ولا على شيء من الكتب السابقة، فنزل فيهم أولاً خلاص كيف حتى يكون النظام واحد، فش بقايا متداخلة من هنا وهنا. كيف تلقى واحد أنت صفحة بيضاء، فتلقى نظاماً واحداً بدون أن يتأثر هذا النظام العظام الذي حل في قلبه في أي موروث، سواء من كتب سابقة أو من فلاسفة، فكان نقياً صافياً تشعر أنه نقي صافي، بخلاف هو كما يقول لك مثلاً النصارى؛ فإنه كان عنده معرفة شوية من التوراة وشوية من كلام الأنبياء السابقين من داوود وسليمان وشوية كلام حواريين، فتشعر أن القضايا شوي مختلطة عندهم التي شكلت عقليتهم وفكرهم. أما النبي عليه الصلاة والسلام فكان حريصاً، حتى لما رأى في الحديث الذي حسن ابن حجة لما رأى في يد عمر صحيفة من التوراة قال: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أوعك، خلي النبعة صافية، لا، يعني نحن أمة أمية، فنشأنا على فكر جديد ومنظومة متكاملة تملأ تجمع بين العدل والفضل، لا حاجة لأن تكدر بعلوم أخرى.
ولذلك الخطأ التاريخي الذي حصل كما قال الجويني نفسه في غياث الأمم أن صحيفة هذه الأمة ما حصل فيها من الخلافات الفكرية والعقدية في صحيفة المأمون الذي هو ابن الرشيد، قال إنه هو الذي أدخل علوم الفلاسفة، وبالتالي ضاعت الأمة وحارت بين أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وأفكار الفلاسفة الإسلاميين ابن سينا وغيرهم، كل هؤلاء ضاعوا لما خلط النبع ودخل فيه من أفكار الفلاسفة وتأثروا به. ممكن نقول إنه من إنعام الله سبحانه وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صل وسلم وبارك، أنه جعله المصدر الوحيد للعلم وغيره من مصادر فهو ليس مصدراً أصلياً، خلينا نحكي ممكن هو والله من الحكم وكذا هذه أمور جانبية، ولكن من الأصل أن تأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم.
فمثلاً يهود والنصارى كان عندهم من الحكم والأمور وكذا والتجارب ما أخذوه من غير المسيح، فكان العلم الذي لديهم الأمور التي أخذوها من علمهم لم يكن خالص المسيح عليه الصلاة والسلام، نعم كانت معكرة يعني مخلطة كما يقولون.
تكن صافية، لكن في الإسلام بالنسبة لبناء منظومة الفكر، نحن في العلوم الدنيوية مش مشكلة تأخذ من غيرك تكنولوجيا وما شابه ذلك، لكن المراد في بناء منظومة الفكر والإيمان أنت عندك نبعة صافية لا تكدرها.
قال: وأما أمة محمد فلم يكونوا يقرؤون كتابًا قبله، بل عامتهم ما آمنوا أصلًا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهة الإسلام؛ لما أخبرهم الإسلام بذلك، فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء السابقين، ويقرؤوا بجميع الكتب المنزلات من عند الله، ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من رسله. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136-137].
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. هذا موطن الشاهد.
قال: وأمته لا يستحلون أن يأخذوا شيئًا من الدين من غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله. لكن ما قص عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به، وما حدثهم به أهل الكتاب موافقًا لما عندهم صدقوه، وما لم يعلموا صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا أنه باطل كذبوه. ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند أو الفرس أو اليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع، وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذمومًا مدحورًا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة الظاهرون إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة».
وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عمومًا ودين محمد خصوصًا صلى الله عليه وسلم، من خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدًا مذمومًا، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينًا قام به أكابر علمائهم وعبادهم، وقاتل عليهم ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء. والله سبحانه وتعالى أرسل رسله بالعلم النافع والعمل الصالح، فمن يتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علمًا وعملًا. ولما بعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون أمته، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذوه عن نبيهم، مع ما يظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المعلم.
نعم، كل كمال في الفرع هو كمال للأصل، فنحن فرع عن أصل وهو النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وهذا يقتضي أنه كان أكمل الناس علمًا ودينًا. وهذه الأفكار لماذا هذا كمال أمته؟ دليل على أو آية من آياته أنه كما يقول لك كمال الفرع يدل على كمال الأصل.
هذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقًا عليه الصلاة والسلام في قوله: «إني رسول الله إليكم جميعًا»، لم يكن كاذبًا مفتريًا؛ فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم إن كان صادقًا، أو هو من شر الناس وأخبثهم إن كان كاذبًا، وما ذُكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزم أنه كان صادقًا في قوله: «إني رسول الله إليكم جميعًا».
قال: لأن الذي لم يكن صادقًا إما أن يكون متعمدًا للكذب أو مخطئًا؛ والأول يوجب أنه كان ظالمًا غاويًا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلًا ضالًا، وكمال علمه ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن متعمد الكذب ولم يكن جاهلًا يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقًا عالمًا بأنه صادق. وهذا نزاهة الله عنها هذين الأمرين بقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 1-4]. وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 19-21]. ثم قال عنه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: 22-24]، أي لم يكن بخيلًا كالذي لا يعلم إلا بجعل أو لمن يكرمه، أو لا يعلم إلا من يكرمه، إذا ما بتكرمني أنا ما بعلمك؛ في ناس لا تعلم إلا بمقابل، لكن الأنبياء يعلمون مجانًا للجميع. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 25-27]. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 192-195].
وصف جبريل بأنه أمين.
قال إلى قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: 221-223]. بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، ومن يناسبه هم الكهان.
قال: فإن الشيطان يقصد الشر وهو الكذب والفجور، لا يقصد الصدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب -إما عمدًا وإما خطأً- وفجور، فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضًا، كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. فالرسول بريء من تنزل الشيطان عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد يخطئ ويكون خطؤه من الشيطان، وإن كان خطؤه مغفورًا له؛ فإذا لم يعرف له خبر أخبر به كان فيه مخطئًا، ولا أمر أمر به كان به فاجرًا؛ فعلم أن الشيطان لم يتنزل عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما ينزل عليه ملك كريم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
فصل.
قال: وقد نقل الناس صفاته الظاهرة الدالة على كماله، ونقلوا أخلاقه من حلمه وشجاعته وكرمه وزهده وغير ذلك، ونحن نذكر ما جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنه خُلقًا، ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت قط شيئًا أحسن منه.
هذا كلام عن كماله من حيث الخَلْق، سيبدأ بالكمال من جهة الخلْق والصورة.
وقع في البخاري وسُئل البراء، قال: كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القمر؟ قال: لا، بل مثل السيف. قال: لا، بل مثل القمر. طبعًا مثل السيف المراد مثل السيف للمعان مش في الحدة، هل كان وجهه مثل السيف في البريق؟ فقال: لا، بل مثل القمر في البريق عليه الصلاة والسلام.
في الصحيحين من حديث كعب بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه فلقة قمر.
في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس والقدمين، لم أر قبله ولا بعده مثله، وكان بسط الكفين ضخم اليدين. وسئل عن شعره فقال: كان شعرًا رَجِلًا، ليس بالجعد ولا بالسبط، بين أذنيه وعاتقه.
في الصحيحين عن سماك بن حرب عن جابر: ضخم الرأس، هي كان ضخم الكراديس كما جاء في الأحاديث، والمراد أن عظامه كانت قوية بارزة عليه الصلاة والسلام، مش المراد بضخامة الرأس يعني أن الرأس كبير حجمًا بصورة مؤذية، لا، أن عظامه عظام الرأس وشكله قوي متين، فيفسر هذا بماذا؟ بالضخامة، وليس لأنه كانوا العرب تتألم من يكون رأسه صغير وعظامه صغيرة، يعني لما ترجل وعظمه صغير يقول لك حبته قليلة، هذا ليس من كمال الجسد.
وفي الصحيح عن سماك بن حرب عن جابر سمرت، قال: كان رسول الله ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين، وفسرها سماك بن حرب فقال: واسع الفم. منهوس العقبين يعني لحم العقب قليل، قليل لحم العقب، في الصحيح، العقب اللي هو بتعرفه العقب في الرجل، ﴿وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ﴾.
في الصحيحين عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، فقد كان ربعة، أميل إلى الطول عليه الصلاة والسلام، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط. ليس شعره جعدًا وليس أيضًا مسترسلًا كشعر النساء، وإنما رَجِلًا، الرَّجِل هو وسط بين المسترسل وبين الجعد.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسَّ ديباجة ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكًا ولا عنبرًا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى الدارمي عن ابن عباس قال: كان رسول الله أفلج الثنيتين، الثنيتان يعني هناك فواصل بين الثنايا، وهذا من مستحسنهم عند العرب، قال: إذا تكلم رُؤي النور يخرج من ثناياه. وروى عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدًا أنجد ولا أجود ولا أشجع ولا أضوأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه صفات خَلْقية.
أنْجَد من النَّجْدَة بفزعه يعني.
وعن أنس قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عندنا، فقال يعني نام عندنا -قال يعني نام قيلولة- فعرق، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تُسلت العرق فيها، يعني تجمع العرق وتدخله في داخل القارورة، استيقظ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو أطيب من الطيب. أخرجاه.
وروى الدارمي عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلك طريقًا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، من طيب عرقه رائحته الزكية.
وفي حديث أم معبد المشهور لما مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة هو وأبو بكر ومولاه ودليلهم، وجاء زوجها فقال: صفي لي يا أم معبد، فقالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، حلو المنطق، فَصْلًا، لا نزر ولا هَذَر، كان منطقه خرزات نظم يتحدرن، ينزلن من فمه، كلماته هذا وصف لكلماته عليه الصلاة والسلام.
وروى أبو زرع بإسناده عن محمد بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: يا بني، لو رأيته رأيت الشمس طالعة.
وفي الصحيحين عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أشجع الناس، وقال: قد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عَرِيّ، في عنقه السيف وهو يقول: «لم تراعوا»، وقال: وجدناه بحرًا، وكان الفرس قبل ذلك بطيئًا فعاد لا يُجارى.
على فرس لأبي طلحة عَرِيّ، عري يعني الفرس ما عليه سرج، فهذا وصف للفرس، في عنقه السيف هي جملة أخرى لأنه كان السيف في عنقه صلى الله عليه وسلم.
فقال: «لم تراعوا»، وهذا دلالة شجاعته أنه هو الذي سبق الناس إلى الصوت وعرف شو الموضوع، ورجع والناس رايحة تعرف شو الموضوع، وجدت النبي عليه الصلاة والسلام عرفه وانتهى الأمر.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. وفي الصحيح عن البراء بن عازب قال: كنا إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا الذي يحاذي به النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يكون ملاصقًا به.
وعن علي بن أبي طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان أشهد الناس بأساً، وما كان أحد أقرب إلى العدو منه، وذكره البيهقي بسند صحيح. وفي الصحيح عن أنس قال: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي: أف قط، ولا قال لي لشيء لما فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟». وفي رواية في الصحيحين أيضاً قال: «خدمته في السفر والحضر، والله ما قال لشيء صنعته: لِمَ صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لم تصنع هذا هكذا؟».
وكان أحسن الناس خلقاً. ففي الصحيحين عن جابر قال: «ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قط فقال: لا». وفي الصحيحين عن أنس قال: «ما سئل رسول الله عن الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة». وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه».
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، وذكر رسول الله ﷺ قال: «لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً». وروى البخاري عن أنس قال: «لم يكن رسول الله ﷺ سباباً ولا فاحشاً ولا لعاناً، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ماله تربت جبينه». وهو من الكلام الخفيف عند العرب.
وفي صحيح مسلم عن عائشة أنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تُنتهك حرمة الله». وعنها قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً بيده قط، ولا امرأة، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن تُنتهك شيئاً من محارم الله فينتقم لله». وروى مسلم في صحيحه عنها وقد سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «كان خلقه القرآن».
وروى أبو داود عن شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق قال: حدثنا أبو عبد الله الجدلي قال: سمعت عائشة وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر». وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن هشام وقد سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ قالت: «أتقرأ القرآن؟»، قال: بلى، قالت: «فإن خلق نبي الله القرآن».
في صحيح الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت لأتمم صالح الأخلاق». وفي صحيح مسلم قالت: سألت عائشة: كيف كان عمل رسول الله؟ هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: «لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله يستطيع».
وفي الصحيحين عن شعبة قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل: يا رسول الله، أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط؛ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه».
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي ﷺ فقال: جيراني على ما أخذوا، فأعرض عنه النبي ﷺ، فقال: إن الناس يدعون أنك نهيت عن البغي ثم تستفتي به؟ فقال: «لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي، وما هو عليهم، خلوا له جيرانه».
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك». ورواه عن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عنه، ورواه أبو داود والترمذي.
وروى أبو الشيخ وأبو نعيم وغيرهما عن ابن عباس أن الله أرسل إلى نبيه ﷺ ملكاً من الملائكة معه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبداً نبياً، وبين أن تكون ملكاً نبياً، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «لا، بل أكون عبداً نبياً». رواه النسائي والبخاري في تاريخه.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: «تشهد أن لا إله إلا الله»، فنظر لأبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقال النبي ﷺ: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار». وعن قيس بن أبي حازم أن النبي ﷺ كلم رجلاً فأرعد، فقال له رسول الله ﷺ: «هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد». رواه ابن الجوزي من طرق بعضها متصلة عن ابن مسعود، وقال ابن الجوزي: روي متصلاً والصواب إرساله.
وفي الصحيح عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، قال: «يا أم فلان، خذي في أي طرق المدينة شئتِ حتى أقوم معك»، فخلا معها حتى قضت حاجتها. رواه مسلم. وعن أنس قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتدور به في حوائجها حتى تفرغ ثم يرجع. رواه البخاري في الأدب.
وروى عن ابن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته. وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشي مع العبد ولا مع الأرملة حتى يفرغ من حاجتهم. رواه البيهقي والحاكم في صحيحه.
وقال وروى أبو داود الطيالسي عن أنس قال: كان رسول الله يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، وأنا قد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف. وروى مسلم في صحيحه عن أنس قال: ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ. وروى البخاري عنه قال: مر رسول الله ﷺ على صبيان فسلم عليهم.
وروى ابن عباس قال: كان رسول الله يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك. وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ على بغلة شهباء، لا ضرب ولا طرد ولا: إليك إليك. رواه أبو الشيخ.
وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم. وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرِف في وجهه، فقلت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِف في وجهك الكراهية؟ قال: «يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ قد عُذِّب قوم بالريح، وقد أتى العذاب قوماً»، وتلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24].
وأخرجها في الصحيحين أيضاً عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر بعطاء. في صحيح مسلم.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وفي رواية أخرى صحيحة: كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الشعر وشيئاً من أمورهم فيضحكون ويتبسم.
في صحيح البخاري عن عائشة؛ سألها الأسود: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في أهله؟ فقالت: «كان يكون في مهنة أهله»، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج. وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة قال: سئل رجل عائشة: هل كان يعمل في بيته؟ فقالت: «كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته».
وروى الطيالسي قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أنس يقول: كان رسول الله يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف.
في صحيح مسلم عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاث أيام خبز بر تباعاً حتى مضى لسبيله. وعنها قالت: كنا آل محمد ﷺ يمر بنا الهلال والهلال والهلال، ما نوقد بنار لطعام؛ لا نطبخ، إلا أنه تمر والماء. إلا أنه حولنا أهل دور من الأنصار فيبعث أهل كل دار بغزيرة شاتهم إلى رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ يشرب من ذلك اللبن. أخرجه في الصحيحين.
في صحيح البخاري عن أنس قال: ما رأى رسول الله ﷺ رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط. في صحيح البخاري عنه قال: ما أكل رسول الله على خوان، ولا في سكرُّجة، ولا خُبز له مرقق. فقيل له: على ما كان يأكلون؟ قال: على السفر.
في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: إنه خطب وذكر ما فُتح على الناس، وقال: لقد رأيت رسول الله يلتوي يومه من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. وفي صحيح البخاري عن أنس قال: إنه مشى إلى رسول الله بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن درعه عند يهودي فأخذ لأهله شعيراً.
كان يأكل الذراع من الشاة ويحب الذراع، وكانت تكون مشوية؛ فقضية أنها تذبح شاة سمينة بعينها تحتاج إلى تأويل؛ حتى تكون صحيحة. هناك شيخ، ممكن المراد شاة كاملة مشوية؟ كان مثلاً جزءاً من كذا أو قال: وهو من في علم أحدهما أن المبادرة إلى ذبح ما لو أبقي لشوي بجلده أو يطبخ، وإنما يذبح صغير السن الطري، أو من فعل مترفين من وجهين: دون ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه. يعني تذبح الشاة الصغيرة، الشاة السمينة تقول لك هي شاة صغيرة السن، وثاني يعني أن مسلوخاً ينتفع بجلده في اللبس وغيره. لكن هو السؤال: هل هو فعلاً لم يأكل من هذا النوع؟ هذا السؤال؛ لم يأكل ضمن حياته وسيرته من هذا النوع؟ بتكون أطرى، نعم صغير بكون أطرى عادة.
يعني أنا يقول لك: قد يحمل هذا أنه في حاله، هو يعني هو ما كان يفعل هذا، عرفت، هو ما كان يفعل هذا. بس مثلاً حديث أنه كان عليه الصلاة والسلام له مئة شاة لا يريد أن تزيد، فكان يأتي من جاءه الضيف فقال لغلامه، وقال: أتى عليه، أنه شوف لنا هل كان هناك نتاج؟ إذا كان نتاج يروح يذبح الكبيرة ممكن، يعني هذا يحمل كان يذبح الكبيرة وليس الصغيرة التي نتجت، مش بس الصغيرة. نعم، هو قصد شيئاً معيناً، ما تسوى طريقة معينة أنها فقط يزال الشعر عنها إذا يعني قصدك طريقة شواء معينة ممتازة، يعني هذه الجلد الجلد.
ذكر فرق بينها وبين المسلوخ، هو يقول لك: المصموط الذي أزيل شعره وشوي بالجلد، فقط ما تسلخ، ما يتم إزالة الجلد أصلاً. آه بقول لك مع الجلد بس يزال الشعر. بالضبط، بلوز يعني أحياناً كان بعضهم، في ناس كانت فعلاً تشويها مع الشعر، فبالتالي هذا يعتبر يعني. لا هو الأصل إما أنها تكون بهذا الطريق أو تكون مسلوخة بدون جلد زي ما نحن بنساوي. آه، وكأنه هذه درجة أفضل أنها ممكن، الله أعلم. نعم، قال: وفي صحيح البخاري عن أنس أنه مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن درعه عند يهودي فأخذ لأهله شعيراً. ولهذا السنخة هي الدهن، كما قلنا الدهن، يعني كيف تحكي لي أنت فيها شوية زنخ، نعم سنخة نعم، نعم.
قبل الدقل، الدقل هو رديء التمر، الدقل هو نوع من كالحشف يعني رديء جداً نعم. قال: ولقد رهن درعه عند يهودي فأخذ لأهله شعيراً، ولقد سمعته يقول: «ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب»، وإنهم يومئذ تسعة أبيات، تسعة أبيات لأنه كان عنده تسع زوجات عندئذ صلى الله عليه وسلم. نعم، قال: فيه عن عائشة قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه ليف. في الصحيحين عن حديث عمر بن الخطاب لما ذكر اعتزال رسول الله نساءه قال: ودخلت على رسول الله في خزانته فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى إليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثر بجنبه، وقلبت عيني في بيته فلم أجد شيئاً يرد البصر غير قبضة من شعير وقبضة من قرظ، نحو صاعين، وإذا أفيق معلقة، فابتدرت عيناي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» فقلت: يا رسول الله، ومالي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته من خلقه، هذه خزانتك! فابتدرت عيناي، يعني بكت، هذا معنى ابتدرت عيناي نعم.
قال: وهذه الأعاجم في رواية كسرى وقيصر في الثمال والأنهار، فقال: «أوفي شك يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، أو ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» قال: بلى. قال: «فاحمد الله عز وجل». قال: فقلت أستغفر الله. قال: في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً». هكذا كان دعاؤه، يعني اللهم اجعل رزقنا الكفاف، القوت هو الطعام الذي تحتاجه هذا هو القوت، فهذا الذي كان دعاؤه، لا نريد زيادة ولا نحتاج إلى غيرنا في نفس الوقت، اجعله قوتاً نعم.
قال وروى الطيالسي بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ألا آذنتنا فنبسط لك شيئاً يقيك منه تنام عليه؟ فقال: «مالي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». قال: ورواه الحاكم في صحيح عن ابن عباس أن عمر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. في الترمذي عن أنس بن مالك قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم على رحل رث وقطيفة. وروى البخاري عن القطيفة هي قطعة يعني أكسية، نوع من الأكسية كان يوضع فوق الجمال نعم. قال: ورواه البخاري عن أنس أيضاً في كتاب الحج فقال: حج أنس على رحل، ولم يكن صحيحاً، وحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته. نعم.
قال في صحيح الحاكم عن أنس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خشناً وأكل خشناً، ولبس صوفاً واحتدى المخصوف، قيل للحسن: ما الخشن؟ قال: غريض الشعير، ما كان يسيغه إلا بجرعة ماء. فصل فيما يبين فضل أمته على جميع الأمم، وذلك مستلزم لكونه رسولاً صادقاً كما تقدم، وآية برهان على نبوته، فإن كل ملزوم فإنه دليل على لازمه. إن الأمم نوعان: نوع لهم كتاب منزل من عند الله كأهل الكتاب والنصارى، ونوع لا كتاب له كالند واليوناني والتركي وكالعربي قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وما من أمة إلا ولا بد لها من علم وعمل بحسبهم يقوم به ما يقوم من مصالح دنياهم، وهذا من الهداية العامة التي جعلها الله لكل إنسان، بل لكل حيوان، كما يهدي الحيوان إلى جلب ما ينفعه كالأكل والشرب وذبح ما يضره في اللباس والسكن، وقد خلق الله فيه حباً لهذا وبغضاً لهذا. قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 1-3]. وقال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50]. وقال الخليل: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 78]. وقال في أول ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10].
ثم الأمم متفاضلون في معرفة الخالق تعالى، وفي الإقرار بمعاد بعد الموت، أما للأرواح فقط، وأما للأبدان فقط، وأما لمجموعيهما كما هو قول سلف المسلمين وأمتهم وعامتهم أهل السنة والجماعة. وهم متفاضلون فيما يحمدونه ويستحسنونه من أفعاله وصفاته، وما يذمونهم ويستقبحون من ذلك، لكن عامة بني آدم على أن العدل خير من الظلم، والصدق خير من الكذب، والعلم خير من الجهل، وأن المحسن إلى الناس خير من الذين لا يحسن إليهم. وأما المعاد، أما للأرواح أو للأبدان، وأن الناس بعد الموت يكونون سعداء وأشقياء، فيقر به كثير من الأمم غير أهل الكتاب، وإن كان على وجه قاصر كحكماء الهند واليونان والمجوس وغيرهم. وذلك أن أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال.
أهل الأرض في الإيمان باليوم الآخر على أربعة أقوال: القول الأول: قال أحداً، وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيره من أئمة أهل الحديث والفقهاء والصوفية والنظار؛ هو إثبات معاد الروح والبدن جميعاً. أن المعاد يوم القيامة للروح والبدن جميعاً نعم. قال: وإن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة أو معذبة، ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى؛ ولهذا يذكر الله في كثير من السور أمر القيامتين: القيامة الصغرى بالموت، والقيامة الكبرى حين يقوم الناس من قبورهم وتعاد أرواحهم إلى أبدانهم. كما ذكر الله قيمتين في سورة الواقعة حيث قال في أولها: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 1-11]. ثم ذكر سبحانه حال الأصناف الثلاثة في القيامة الكبرى.
وقال في آخر السورة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 83-91]. هذا كلام في القبر أن الناس في القبر على ثلاثة أحوال في القيامة الصغرى، أما من المقربين فروح وريحان، وأما في قبره من أصحاب اليمين، وأما من أصحاب الشمال. في سورة القيامة أيضاً قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 1-2]. بدأ بذكر يوم القيامة وهي القيامة الكبرى، ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 6]. ثم في آخر السورة ماذا ذكر؟ ذكر الموت وهو القيامة الصغرى لما قال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: 26-28].
قال: فإن ذكر ما ينال الروح عند فراق البدن من النعيم والعذاب كثير في النصوص النبوية، وأما وصف القيامة الكبرى في الكتاب والسنة فكثير جداً؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وقد بعث بين يدي الساعة، فلذلك وصف القيامة بما لم يصف به غيره. كما ذكر المسيح في صفته فقال: إنه يخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع الحق. قال الشيخ: المسيح قال في بشارته بالنبي عليه الصلاة والسلام أن محمداً عليه الصلاة والسلام سيخبركم بكل ما يأتي، ومن ذلك إخباره لنا عليه الصلاة والسلام بالتفصيل بيوم القيامة.
القول الثاني: من يرى، نعم قال: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين، الجهمية والمعتزلة والمبتدعين في هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين، وذلك غلط، فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول لطائفة من متكلميهم المبتدعة الذين ذمهم السلف والأئمة. أن البعث يكون للأبدان، وكان هناك أرواح جديدة ستنشأ لنا يعني ما الأرواح التي كنا فيها في الدنيا خالص راحت، وإنما سنبعث يوم القيامة أبداننا تبعث، نعم، ولكن يخلق لها شيء من الأرواح الجديدة نعم.
القول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد، وهذا القول الثالث عكس القول الثاني؛ أن المعاد هو فقط للأرواح، وأن الأبدان لا تعاد. نعم، قال: وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى، بل هؤلاء كلهم متفقون على إعادة الأبدان وعلى القيامة الكبرى. ولكن من يفلسف من هؤلاء، فوافق سلفه من الصابئة والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، ثم يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة، وخاطبوهم بإثبات الصفات لله وليس له حقيقة، وأن الأنبياء لم يظهروا الحقائق للخلق، وأنه لا يستفاد من أخبارهم معرفة شيء من صفات الله ولا معرفة شيء من المعاد. وهذا كلام ابن سينا، أن الأنبياء إنما أخبروا بأمور ظاهرة ولكنها ليست هي التي ستحصل، فحتى أخبارهم بمعاد الأبدان هذا أخبروا به لكن لن يحصل، وإنما الذي سيحصل هو الأرواح، وهذا كفر؛ ذلك الغزالي نفسه كفر ابن سينا وغيره عن هذا الكلام. طيب، وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، هذه حقيقة قول ابن سينا والعياذ بالله نعم.
قال: هؤلاء الملاحدة كفار، هؤلاء ملاحدة كفار عند المتبعين للأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى، وإن كان هؤلاء كثيرين موجودين في من يتظاهر بأنهم من أهل الملل لظهر أديانهم وهو في الباطن على هذا الرأي. وهؤلاء قائلون بمعاد الأرواح فقط، منهم من يقول بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين أو أبدان الحيوان مطلقاً أو في جميع أجسام النامية، ومنهم من يقول بالتناسخ إلى أنفس الشقية فقط، وكثير من محققيهم ينكر التناسخ أصلاً في الحياة الدنيا نعم.
القول الرابع: إنكار المعادين فقط، إنكار المعادين جميعاً، كما هو قول أهل الكفر من العربي واليوناني والهندي والتركي وغيرهم. والمتفلسفة أتباع أرسطو، الفارابي وأتباعه، لهم في معاد الأرواح ثلاثة أقوال. القول الرابع من ينكر كل البعث؛ بعث الأرواح وبعث الأبدان، وهذا كان حال العرب قبل الإسلام نعم. قال: والمتفلسفة أتباع أرسطو، الفارابي وأتباعه، لهم في معاد الأرواح ثلاثة أقوال: قيل بمعاد النفس العالمة والجاهلة، وقيل بمعاد العالمة دون الجاهلة، وقيل بإنكار الاثنين. والفارابي نفسه قد قال الأقوال الثلاثة، وبسط الكلام على هذه الأمور له موضوع آخر وكلام. والمقصود هنا أن كل ما عند أهل الكتاب بل وسائر أهل الأرض من علم نافع وعمل صالح، وعند المسلمين لما ليس عند غيرهم في جميع المطالب التي تنال بها سعادة ونجاة وعقلاء.
جميع الأمم تأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، وتنهى عن الظلم والفواحش، ولهم علوم إلهية وعبادات بحسبهم، ويعظمون أهل العلم والدين منهم. والهند واليونان والفرس في ذلك أكمل من كفار الترك والبربر والحبش، مع أن هؤلاء أيضاً فيهم قسم من ذلك بحسبه. معلوم عند الاعتبار أن الأمم الذين لهم كتاب كاليهود والنصارى أكبر من الأمم الذين لا كتاب لهم في الفضائل العلمية والعملية، فإن ما لم يأخذه الناس عن الأنبياء لا يعلمه العقل بالمنام والإلهام أو أخبار الجن.
نعم، قال نحو ذلك من طرق الأمم، وكل طريق صحيح من الطرق العقلية والإلهامية وغيرها ما يشارك فيه أهل الكتاب من لا كتاب له، ويمتاز أهل الكتاب بعلوم وأعمال أخذوها عن الأنبياء ليس في قوة من ليس بنبي أن يعلمها، وهذا ظاهر في الأخلاق والسياسات المنزلية والمدنية، فإن جنس أهل الكتاب ولو كان منسوخاً وبُدل، أحسن حالاً ممن لا كتاب له. وأما في العبادات والإيمان بالله واليوم الآخر، فحال أهل الكتاب ولو كانت كتبهم محرفة يبقون أفضل من الهند وغيرهم، ولذلك أنت روح اليوم انزل على الهند ولا على نيبال ولا هذه الدول وشوف كيف أحوالهم وأنماطهم، بتعرف أن اليهود والنصارى على ما عندهم من السيئات والخبث، أفضل حالاً في العقل والدين والسياسة من هؤلاء.
قال: أما في العبادات والإيمان بالله واليوم الآخر، فرجحان الكتابيين واضح، فرجحانهم ظاهر، أما علوم وأعمال يكون ضررها راجحاً كالسحر والطلسمات وما يتوسل به من الشرك إلى استخدام الشياطين، فهذا وإن كان غير أهل الكتاب أقوم به، فإنما ذاك لاستغناء أهل الكتاب عنه بما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة.
قال: لما ذكر الله سبحانه في قصة سليمان براءته من ذلك، وكانت الشياطين قد كتبت كتب كفر وسحر ودفنت تحت كرسي سليمان، فلما مات أظهر ذلك، وقالوا إنما كانوا يستسخرون الجن بهذه الأسماء. وكيف كان الجن يحكي لما مات سليمان أنه سليمان إنما قاد الجن من خلال السحر الذي كان تحت عرشه، بس فعلياً السحر الذي تحت عرشه مين اللي وضعه؟ نفس الجن هم اللي وضعوه ودسوه وسكروا عليه. فصدقهم فريقان، فريق قدحوا في سليمان بل كفروه من أهل الكتاب وقالوا كفر سليمان، وربنا عز وجل قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]. ما استخدم السحر وقال من فعل السحر فهو كافر، وفريق قالوا نحن نقتدي إذاً بسليمان، وفريق من اليهود قالوا نحن نقتدي بسليمان ونفعل إذاً كما يفعل، ما دام سليمان استعمل السحر فنحن نصير نستعمل السحر مثله، وهؤلاء هم أهل العزائم والطلاسم الذين يستخدمون بها الجن، ويقولون إن سليمان كان يستخدمهم بها، حتى يقولوا إن هذه الأسماء كانت مكتوبة على تاجه، هذه الطلاسم كانت مكتوبة على تاج سليمان، وهذا صورة خاتمه وهذا كلام مين آصف بن برخيا، إلى أمثال ذلك مما يضيفونه إليه، وهو كله كذب على سليمان عليه السلام. وقد ذكر ذلك علماء المسلمين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]. فذم سبحانه من عدل عن اتباع كتاب الله ورسوله واتبع ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان وهو السحر، وبين سبحانه أن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا، وأنهم يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وأن الملكين ما يعلمان من أحد حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102].
قال: أخبر سبحانه أنهم لا يضرون به أحداً إلا بإذن الله، وأنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102]، أي من نصيب، أي هؤلاء يعلمون أن صاحبه لا نصيب له في الآخرة، وأنهم يطلبونه لأنهم يقضون به أغراضهم الدنيوية لما لهم في ذلك من الهوى، وذلك ضار لهم لا نافع، كما قال في المشرك: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ [الحج: 13]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 103]. بين سبحانه أنه بالإيمان والتقوى يحصل من ثواب الله ما هو خير له من هذا، فإنهم إنما يطلبونه لما يرجون به من الخير لهم، وهذا خير لهم، وهذا كقوله: ﴿وَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة: 9]. فإن ما تطلبه النفوس فيه لها لذة، اجعلوه خيراً بذلك الاعتبار، لكن إذا كان الألم زائداً على هذه اللذة كان شره أعظم من غيره، والشرائع جاءت في تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تأمر بما ترجح مصلحته وإن كان فيه مفسدة مرجوحة كالجهاد، وتنهى عن ترجح مفسدة وإن كان فيها مصلحة مرجوحة كتناول المحرمات من الخمر وغيره.
ولهذا أمر تعالى أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالأحسن إما واجب وإما مستحب، قال تعالى: ﴿خُذُوهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145]. وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]. فأمر باتباع الأحسن والأخذ به، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: 17-18]. فاقتضى أن غيرهم لم يهده الله، وهذا يقتضي وجوب الأخذ بالأحسن وهو مشكل، وقد تكلم الناس فيه نظراً لقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]، وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96] مع قوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: 22]. وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]. وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] في موضعين. وقد يقال هذا كقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة: 9]، وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59].
وقوله: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 73]، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 17]. وقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. وقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]، إلى قولهم: ﴿أَحْسَنُ ثَرِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]. والنظائر لهذا كثيره مما يذكر فيه أن المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه، وإن كان الأول واجباً والثاني محرماً، وذلك أن المأمور به قد يشتمل على مفسدة مرجوحة، والمنهي عنه يشتمل على مصلحة مرجوحة، فيكون باعتبار ذلك في هذا خير وحسن، وفي هذا شر وسيئ، لكن هذا خير وأحسن وإن كان واجباً.
شيخ الإسلام دائماً بشكل عام يرجح جنس المأمورات على جنس المنهيات، هذه قاعدته، أيُّهما أعظم؟ وبالتالي أيُّهما يُقدَّم؟ هو كان حتى ينتقد من يرى أن جنس المنهيات راعته الشريعة أكثر من جنس المأمورات، لا، هو ابن تيمية يرى أن جنس المأمورات راعته الشريعة أكثر من جنس المنهيات، فيقول: ونظائر هذا كثيرة مما يذكر فيه أن المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه، وإن كان الأول واجباً والثاني محرماً.
هو يتكلم عن الجنس، يعني كأنه بس يقارن أنه كيف هذه الآيات كلها فيها اسم تفضيل، أنه والله هذا أحسن، اللي هو يقصد أنه المأمور في آية معينة يقال إنه أحسن من المنهي عنه، أو كيف يستعمل اسم التفضيل، ويقتضي أنه حتى في المنهي عنه فيه مصلحة فيه أنه راجحة.
وذلك لأن المأمور به قد يشتمل على مفسدة مرجوحة، والمنهي عنه يشتمل على مصلحة مرجوحة، فيكون باعتبار ذلك في هذا خير وحسن، وفي هذا شر وسيئ، لكن هذا خير وأحسن وإن كان واجباً.
يعني في برضه منطقية في كلامه، نعم، إنه يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾، قضية أبقى، ﴿أَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، إلى ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ﴾، لماذا يأتي بأفعل التفضيل في كل الآيات السابقة؟ لماذا أتى بأفعل التفضيل في الآيات السابقة؟ هل المفضول -وإن كان محرماً- يمكن أن نقول إنه الواجب أفضل من الحرام؟ طيب كيف هو أفضل ما دام هذاك حرام الأصل إنه يكون لا فضل فيه؟ فكيف يقال إنه هذا أفضل أو هذا خير؟ فيقال في إجابة هذا: إن المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه، وإن كان المأمور به واجباً والمنهي عنه محرماً، من جهة أن المأمور يشتمل على مفسدة مرجوحة في كثير من الأحيان، والمنهي عنه يشتمل على مصلحة مرجوحة، كما قال في الخمر: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. ففيه مصلحة الخمر لكنها مرجوحة، ومفسدته راجحة، فبالتالي من هنا تصلح المفاضلة بينهما، فيكون باعتبار ذلك في هذا خير وحسن، وفي هذا شر وسيئ، لكن هذا خير وأحسن وإن كان واجباً.
عموماً السياق مفهوم أنه يقول: فيكون باعتبار ذلك أن المنهي عنه فيه جانب من الحسن، تمام، وإن كانت الشريعة لم تعتبره، مرت معنا المسألة في أصول الفقه، أنه يبقى هذا الحسن معترفاً به وإن كان الإثم أكبر من الحسن، وبالتالي حُكِم بتحريمه، فيكون باعتبار ذلك حتى المنهي عنه فيه جانب من الخير والحسن، لكن طغت عليه المفسدة فلذلك الشريعة حرمته، فيكون المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه حتى ولو كان المأمور به واجباً والمنهي عنه محرماً، فأنت جهة المقارنة من جهة ما في هذا من الخير والحسن وما في هذا من الخير والحسن.
لازم نقر بضرورة حفظ الشر، أنه في جانب من الخير، ولذلك في قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، لو كان شراً محضاً ما أجزت حتى في الضرورات، بعض الأمور اللي هي شر مثلاً مطلق لا تجوز حتى مثلاً في الضرورة، بينما بعض الأمور التي جازت في الضرورة لوجود جانب من الحسن فيها.
قصدك أن الضرورات تبيح المحظورات، فهي بالتالي أشياء محرمة، لكن في وقت الضرورة أنت تلجأ إليها، مما يدل على أنها تخدم في مثل هذه الحالات.
نعم، وإن كان مرجوحاً في الحالة الطبيعية، لكن يمكن الاستفادة منه في جانب الضرورة. جميل، وهذا أصلاً ما قرره علماء المقاصد، يعني أن حياة الدنيا قائمة على وجود المصالح الراجحة والمفاسد الراجحة، وليس المصالح الخالصة والمفاسد الخالصة، طبيعة الحياة تقوم على هذا، وأنك إذا بتيجي تبحث عن شر محض، ستجد يكاد يكون المثال حتى في خلق إبليس فيه مصالح، حتى في خلق إبليس فيه مصالح، وهو وجه مكابدة الشيطان ومنافحته ومجاهدة أوليائه، وهذه كلها مصالح نشأت من خلق هذا الكائن الذي هو أكبر مؤذٍ في هذا الوجود.
قال: فقوله ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55] هو أمر بالأحسن من فعل مأمور أو ترك محظور، وهو يتناول الأمر بالواجب والمستحب، فإن كلاهما أحسن من المحرم والمكروه، لكن يكون الأمر أمر إيجاب وأمر استحباب، كما أمر بالإحسان في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، والإحسان منه واجب ومستحب.
فصل: إذا كان جنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب له، فعلمنا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من طائفة أهل الكتاب اليهود والنصارى وأعدل، وقد جمع لهم محاسن ما في التوراة وما في الإنجيل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية ولا عملية إلا وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل منهم فيها. فما أحذق في جميع العلوم من جميع الأمم حتى العلوم التي ليست بنبوية ولا أخروية كالطب مثلاً والحساب ونحو ذلك، هم أحذق فيها من الأمتين، ومصنفاتهم فيها أكبر من مصنفات الأمتين، بل هم أحسنوا علماً وبياناً لها من الأوائل الذين كانت غاية علمهم، وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين منبوذ بنفاق وإلحاد ولا قدر له عندهم، ولكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من عقل وبيان ما علمه على الحق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبياناً لهذه العلوم من أولئك المتقدمين.
وما العلوم الإلهية والمعارف الربانية وما أخبرت به الأنبياء من الغيب كالعرش والملائكة والجن والجنة والنار وتفاصيل المعاد، فكل من نظر في كلام المسلمين فيها وكلام علماء اليهود والنصارى، وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن علم أهل الكتاب والملل بذلك أتم من علم غيرهم. وأما العبادة والزهد والأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية، فالكلام فيها مبني على أصل هو معرفة المقصود بها، وما به يحصل المقصود، فنقول: للناس في مقصود العبادات مذاهب، منهم من يقول المقصود بها تهذيب أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك العلم، وليست هي مقصودة في نفسها، يجعلونها من قسم الأخلاق، وهذا قول متفلسفة اليونان وقول من اتبعه من ملحدة الإسماعيلية وغيرهم.
المتفلسفة الإسلاميون كالفرابي وابن سينا وغيرهما، ومن سلك طريقهم من متكلم ومتصوف ومتفقه، كما يوجد مثل ذلك في كتب أبي حامد، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وابن عربي، وابن سبعين؛ لكن أبا حامد يختلف كلامه، تارة يوافقهم وتارة يخالفهم، وهذا القدر فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء وبين فلسفة المشائين، أرسطو وأمثاله؛ ولهذا تكلموا في الآيات وخوارق العادات، وجعلوا لها ثلاثة أسباب: القوة الفلكية، والقوة النفسية، والقوة الطبيعية.
إذ كانت هذه المؤثرات في هذا العالم عندهم، وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات وما للسحرة من العجائب، هو قوى النفس، لكن الفرق بينهم أن ذلك قصده بالخير وهذا قصده بالشر؛ وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء كما قد بُسط الكلام عليه في غير هذا الموضع؛ فإنه مبني على إنكار الملائكة وإنكار الجن، وعلى أن الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم. ثم إن هؤلاء لا يقرون من المعجزات إلا بما جرى على هذا الأصل، وأمكن أن يقال فيه هذا مثل نزول المطر وتسخير السباع وأمراض الغير وقتله ونحو ذلك؛ فأما قلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإخراج الناقة من هضبة، وانشقاق القمر، ومثل ذلك فلا يقرون به. وقد عُلم بطرق متعددة ما يكون من الخوارق بسبب أفعال الجن وبسبب الملائكة، وأحوال الجن معلومة عند عامة الأمم مسلمهم وكافرهم، لا يجحد ذلك إلا من هو من أجهل الناس، وكذلك من فصلها بقوة الأنفس، وهذا غير إخبار الله عنهم فيما أنزله من الكتب.
وقد يكون الحادث فيها من العلوم التجريبية من هو عند المسلمين منبوذ بنفاق وإلحاد، مثل ابن سينا، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له ما تعلمه من المسلمين؛ فمجرد أنك تعودت على العلوم الإسلامية صار عندك عقل وفكر، ما أفادك في العلوم الإسلامية لكنه أفادك في العلوم التجريبية. نعم، أحسنت؛ لأن الإسلام بركته وخيره حتى في صياغة العقل وترتيبه وهندسته، حتى ولو لم ينتفع صاحبه به في جهة الدين.
قال: وأما الملائكة فأمرهم أجل، هم رسل الله في تدبير العالم، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 5]، وقال في المقسمات أمراً؛ وقد ذكر الله تعالى في كتبه من أخبارهم وأصنافهم ما يطول، وصورهم موجودة في العالم، يعرف ذلك باعتباره كما قد بُسط في موضعه. إذاً المقصود هنا ذكر مذاهب الناس في العبادات، وهؤلاء غاية ما عندهم في العبادات والأخلاق والحكمة العملية أنهم رأوا النفس لها شهوة وغضب من جهة القوة العملية، ولها نظر من جهة القوة العلمية، فقالوا: كمال الشهوة في العفة، وكمال الغضب في الحلم والشجاعة، وكمال القوة النظرية في العلم، والتوسط في جميع ذلك بين الإفراط والتفريط والعدل. وما ذكروه من العمل متعلق بالبدن، لم يثبتوا خاصية النفس التي هي محبة الله وتوحيده، بل ولا عرفوا ذلك، كما لم يكن عندهم من علم بالله إلا قليل مع كثير من الباطل كما قد بُسط الكلام عليه في موضع آخر.
والأعمال التي ذكروها في العبادات هي عبادات عملية بدنية، العبادات القلبية التي نسميها نحن أعمال القلوب هذه لا يعرفها هذا الصنف؛ فهم بالنسبة لهم رياضات بالكد والتعب والتقشف وكذا حتى تصلح النفس؛ ما دامت العبادة بالنسبة لهم ليست مقصودة بذاتها. العبادة عند القسم الأول يرى أن العبادات المقصود بها تهذيب وأخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك للعلم؛ فهم يركزون على أي نوع من العبادات؟ وما ذكروه من العمل من الأمور العملية التي أنت لازم تأخذ نفسك بها هي أمور بدنية، هذه العبادات التي يفكر فيها هؤلاء، قال: لم يثبتوا خاصية النفس التي هي محبة الله وتوحيده، ومحبة الله وتوحيده هو الغاية التي فيها صلاح النفس، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فلا صلاح للنفس ولا كمال لها إلا في ذلك، وبدون ذلك تكون فاسدة لا صلاح لها كما قد بُسط الكلام في ذلك في موضع آخر.
بالتالي هم لذلك لو وقعوا في الشركيات ترى ما عندهم كثير إشكال، لأنه بالنسبة له هو ليس العمل العبادي الذي يهمه، هو العمل الذي يوطن النفس على الصبر، يوطن النفس على الكد، ما ينظر إلى قضية أنه ما وقر في قلبك من محبة الله وتوحيده؛ هذه المعاني في العبادات ليست كثيرة الأهمية لهؤلاء الذين يرون أنه فقط فائدة العبادات هو إعداد النفس والجسد لاستقبال العلم، حتى العلم كلمة العلم واسعة وفضفاضة بكل ما تحمله.
ولهذا كان هذا هو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، وهو جماع دعوة المرسلين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53].
وقال لما ذكر قصص الأنبياء: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 92-93]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، وبهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتكمل وتزكو إلا بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 6-7]، أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد والإيمان؛ وهذا أحد المعاني في معنى الزكاة في الآية، فإنه هناك معناه البعض قال: الزكاة هي بمعنى الزكاة المعروفة، وبعض قال: الزكاة في آية فصلت هي التوحيد.
وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] في موضعين من كتابه. وهذه أول الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى، حيث قال: إن الله لا إله إلا أنا إلهك الذي أخرجتك من أرض مصر من التعبد، لا يكون لك إله غيره، لا تتخذ صوراً ولا تمثالاً مما في السماوات من فوق، ومن الأرض، ومن في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن إني أنا ربك العزيز. ولذلك قلنا البارحة في سورة الأنعام أيضاً قضية أن البشر لجأوا إلى قضية تمثيل الآلهة؛ يعني ما أكثر البشر ضلوا في هذا أنهم قضية أن يسجد ويتعبد لإله غيبي استصعبوها، فكانوا يريدون تجسيد الإله في صورة صنم، في صورة شمس، في صورة شيء حتى يقتنع؛ ماشي ممكن يؤمن بإيمان الغيب، بس لازم يشرك معه شيء حسي يراه، وهنا فشل أكثر البشر.
وقد شهد المسيح أن الله هو أعظم وصية في عبادة الله وحده لا شريك له، أن يكون الله أحب للعبد من كل ما سواه، وأعظم وصية وكلمة جاء بها المرسلون كموسى والمسيح ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين؛ وضد هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. وقد بُسط الكلام على هذا في غير موضع، وبين أن النفس ليس لها نجاة ولا سعادة ولا كمال إلا أن يكون الله معبودها ومحبوبها الذي لا أحب إليها منه؛ ولهذا كثر في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده، ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلا بد أن يكون العابد محباً للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلاً له كمال الذل، فمن أحب شيئاً ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا هو، وذلك يتضمن كمال الحب والذل والإجلال والإكرام والتوكل.
والنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها ومنتهى مرادها وبغيتها، ومن حيث هو ربها وخالقها، فمن أقر بأن الله رب كل شيء وخالقه، والنفوس محتاجة إلى الله معبوداً كما أنها تحتاج إليه رباً ومدبراً، بحيث يكون الله أحب إليهم مما سواه، وأخشى عنده من كل ما سواه، وأعظم عنده من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه؛ بل من سوى بين الله وبين بعض مخلوقاته في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله، ويخشاه مثل ما يخشى الله، ويرجوه مثل ما يرجو الله، ويدعوه مثل ما يدعوه، فهذا فهو مشرك، فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله من أشرك في الألوهية. ولو كان مع ذلك عفيفاً في طعامه ونكاحه، وكان حليماً شجاعاً؛ شو ما كانت أخلاقه منيحة وإنسان ممتاز ورائع وراقي وبيشتغل في جمعيات إنسانية وكذا، في النهاية راح يدخل النار.
فما ذكره المتفلسفة من حكمة عملية ليس فيها من الأعمال ما تسعد به النفوس وتنجو من العذاب، كما أن ذكرهم للحكمة النظرية؛ فالحكمة العملية عندهم كما قلنا هي مجرد أعمال بدن. هنا ما زال يبين طبيعة القول الأول في العبادات أنها هي أعمال بدن، ليست أعمالاً تهتم بأعمال القلوب وتحقيق التوحيد ونبذ الشرك وما شابه ذلك؛ فكل ما يذكره المتفلسفة من العبادات البدنية ليس فيها من الأعمال التي تسعد بها النفوس حقاً بحيث تنجو بها من العذاب، كما أن ما ذكروه من الحكمة النظرية، كل كلام ابن سينا والفرابي وغيره في الحكمة النظرية من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ليس عندهم من العلم فيه ما تهتدي به النفوس، ولا من الأخلاق ما هو دين الحق؛ ولهذا لم يكونوا داخلين في أهل السعادة في الآخرة المذكورين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].
وهذه الفضائل الأربع التي ذكرها المتفلسفة لا بد لها في كمال النفس وصلاحها وتزكيتها، والمتفلسفة لم يحدثوا ما يحتاج إليه بحيث يبين مقدار ما تحصل به النجاة والسعادة، ولكن الأنبياء بينوا ذلك؛ وقد قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. فهذه الأنواع الأربعة هي التي حرمها تحريماً مطلقاً، لم يبح منها شيئاً لأحد من خلقه، ولا في حال من الأحوال، بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وغير ذلك فإنه يحرم في حال ويباح في حال، ومن أباحه في غير حال فهو محرم مطلقاً.
فالفواحش متعلقة بشهوة، والبغي بغير الحق يتعلق بالغضب، والشرك بالله فساد أصل العدل؛ فإن الشرك هو ظلم عظيم، والقول على الله بلا علم فساد في العلم؛ فقد حرم سبحانه هذه الأربعة: فساد في الشهوة والغضب، وفساد في العلم والعدل. وقوله: ﴿وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ تضمن تحريم أصل الظلم في حق الله، وذلك يستلزم إيجاب العدل في حق الله تعالى وهو عبادته وحده لا شريك له؛ فإن النفس لها القوتان العلمية والعملية، وعمل الإنسان عمل اختياري، والعمل الاختياري إنما يكون بإرادة العبد، وكل إنسان له إرادة وعمل بإرادته.
الإنسان حساس ومتحرك بالإرادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث وهمام». والإرادة لابد لها من مراد، وكل مراد فإما أن يراد لنفسه وإما أن يراد لغيره، والمراد لغيره لابد أن ينتهي إلى مراد لنفسه؛ فالقوة العملية تستلزم أن يكون للإنسان مراد يقصده، وذلك المراد لنفسه والمحبوب لنفسه الذي يقصده الإنسان لنفسه هو الله، وكل ما يقصده الإنسان سوى الله فإنما يقصده لغيره. إذاً فالمراد لنفسه والمقصود لنفسه بالنسبة للإنسان هو الله الذي يستحق أن يكون محبوباً لذاته، وهو العلة الغائية سبحانه وتعالى، الذي هو علة فاعلة للعلم الفاعلية.
قال: لهذا قيل العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه، والعارفون يقولون: قيمة كل امرئ ما يطلب. وفي بعض الكتب المتقدمة: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته. وهؤلاء المتفلسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس، وإنما جعلوا كمالها العملي في تعديل الشهوة بالغضب لعفة وحلم، وغايته ترك الإسراف في الشهوة. والغضب والشهوة هي جلب ما ينفع البدن ويبقي النوع، والغدف دافع ما يضر البدن، وما يتعرض لمراد الروح الذي يحبه لذاته، فكأنهم إنما تكلموا فيما يعود إلى البدن، وجعلوا ذلك إصلاحاً للبدن لا للنفس، وجعلوا كمال النفس في مجرد العلم، وقد استبان غلطهم في هذا الأصل من وجوه في غير هذا الموضوع.
وبيّنا أن النفس لها كمال في العمل والإرادة كما أن لها كمالاً في العلم، وأن العلم المجرد ليس كمالاً لها ولا صلاحاً، ولو كان كمالاً لم يكن ما عنده من العلم ما هو كمال النفس. وبينا غلط الجهمية الذين قالوا: الإيمان هو مجرد العلم، وأن الصواب قول السلف والأئمة أن الإيمان قول وعمل، أصله قول القلب وعمل القلب المتضمن علم القلب وإرادته. وإذا كان لابد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصح إلا به ولا تكمل إلا به، وذلك إلهها، فليس لها إله يكون به صلاحها إلا الله، ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وليس ذلك للإنسان فقط، بل للملائكة والجن؛ فإنهم كلهم أحياء عقلاء ناطقون، لهم علم وعمل اختياري.
هنا الفائدة: كيف الله عز وجل ذكر أنه علة غائية لكنه في نفس الوقت علة فاعلية؟ من أي جهة هو علة فاعلية؟ هو من جهة الربوبية؛ هو الذي خلقك، فأنت الآن حين تفعل شيئاً تبتغي به الله سبحانه، أنت نفسك وأفكارك ووجودك من الذي فعله؟ الله؛ فهو من جهة الربوبية علة فاعلية للعلم الفاعلية التي عندك التي أنت بها تريد أن تقصده، فيكون هو علة غائية لديك؛ فالمبدأ والمنتهى هو الله، فهو العلة الفاعلة للعلم الفاعلية التي لديك، فأنت تفعل وهو الذي خلق فيك القدرة على الفعل، ثم تقصده بعد ذلك وتحبه وتريده وتعبده فيكون أيضاً العلة الغائية.
والإنسان ما غايته من هذه الأعمال؟ غايته الله، فهذا معنى أن الله علة غائية، أي هو المقصود. وهذه العلة الفاعلية حتى يكون هناك علة غائية لابد من فعل، فمن خلق الفاعل والفعل؟ الله، فالله هو المبدئ وهو الغاية، وهذا معنى قوله إنه هو العلة الفاعلة للعلم الفاعلية، وهو في نفس الوقت العلة الغائية التي يقصدها الإنسان؛ بسم الله الأول والآخر. وإن كانت "الأول والآخر" فسرت في الحديث: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»، لكن من تجلياتها ما ذكرنا.
قال: وليس ذلك للإنسان فقط، بل للملائكة والجن؛ فإنهم كلهم أحياء عقلاء ناطقون، لهم علم وعمل اختياري، ولا صلاح لهم إلا بمرادهم المحبوب لذاته، وهو معبودهم، ولا يجوز أن يكون معبوداً محبوباً إلا الله، فلو كان في السماوات والأرض إله إلا الله لفسدتا. ولهذا كان دين جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له. وهؤلاء المتفلسفة لا يعرفون ذلك، فليس عندهم من صلاح النفس وكمالها في العلم والعمل ما تنجو به من الشقاء، فضلاً عما تستعد به للسعادة.
ومما يبين ذلك أن أرسطو، معلمهم الأول، وأتباعه إنما أثبتوا العلة الأولى بالحركة الفلكية، فقالوا: الحركة الدورية حركة اختيارية نفسانية، فقوامه بحركته الاختيارية وفساده بعدمها، وقوامه حركته بمتحرك لأجله؛ فإن الفاعل بالاختيار إنما قوامه بالعلة الغائية التي يتحرك لأجلها، وغايته التي يتحرك لأجلها هو العلة الأولى فيتحرك للتشبه بها، فجعلوا قيام العالم كله بالعلة الأولى من حيث هو متشابه به، لأن متحرك باختياره لابد له من مراد، ومعلوم أن الحركة الإرادية تطلب مراداً محبوباً لنفسه، وتستلزم ذلك أعظم استلزام تشبهاً بها.
فإن كل متحرك لابد له من مراد محبوب لنفسه، فإن الإرادة لابد لها من مراد، والمراد يكون إما مراداً لنفسه وإما لغيره، والمراد لغيره إنما يراد لذلك الغير، فلا بد أن يكون ذلك الغير مراداً لنفسه أو ينتهي إلى مراد نفسه، ولا يلزم تسلسل في العلة الغائية، وذلك باطل كبطلان التسلسل في العلة الفاعلية بصريح العقل واتفاق العقلاء. فكل شيء تفعله هو مراد لغيره، والمراد لغيره لابد أن يصل في النهاية إلى مراد لنفسه، والمراد لنفسه للإنسان الذي يجب أن يكون هو الله سبحانه. فكل الأشياء التي تفعلها في الحياة الدنيا من طعام أو شراب أو زواج أو غايات، هي كلها مرادات لغيرها، وينبغي أن تصل للنقطة الأخيرة وهي المراد لنفسه؛ لأنه لا يصح أن يكون كل شيء مراداً لغيره لأن هذا سيؤدي إلى تسلسل في العلل الغائية.
بالنسبة للملائكة، كونهم عقلاء ناطقين لهم علم وعمل اختياري، فمعناه أنهم مختارون، لكن نزع منهم الموانع التي تجعلهم يميلون للشهوات إلى خلاف مراد الله سبحانه وتعالى. فحتى جبريل له عمل اختياري، يذهب ويأتي، مش كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له؟ فهذا معناه أنهم ليسوا مسلوبي الإرادة تماماً، كما يتصور، لهم اختيارات في أقوالهم وأفعالهم، لكن عندهم الإرادة الجازمة والقدرة التامة، تستلزم أن يقع المطلوب الذي هو العبادة، ليس هناك شيء يدفع هذه الإرادة، لا توجد موانع كما في حال البشر يمكن أن تعرض له من شهوة، وهذه الأمور غير موجودة لديهم، ووجود شهوات وميولات لا يعني عدم وجود اختيار أصلاً.
قال: إذا كان الفعل بالاختيار يستلزم مراداً محبوباً لنفسه، فلا بد أن يكون لما يتحرك بمراده، سواء كان هؤلاء ملائكة أو غيرهم، محبوباً مراداً لذاته، يكون هو الإله المعبود المراد بتلك الحركات. وكذلك نفس الإنسان وحركتها بالإرادة من لوازم ذاتها، فلا بد لها من محبوب مراد لذاته وهو الإله، وهذا المحبوب المراد لذاته هو الله تعالى، لا يمكن أن يكون غيره؛ كما قد وضح في غير هذا الموضع، وبينا أنه كما يمتنع أن يكون موجوداً بغيره بل هو واجب الوجود بنفسه، فيمتنع أن يكون مراداً لغيره، بل هو مراد لنفسه. فالله عز وجل كما لا يمكن أن يكون موجوداً لغيره، يمتنع أن يكون مراداً لغيره، بل هو الموجود بذاته واجب الوجود، وهو المقصود بذاته سبحانه.
قال: كما يمتنع أن يكون للعالم ربان قادران، يمتنع أن يكون للعالم إلهان معبودان؛ فإن كون أحدهما قادراً يناقض كون الآخر قادراً، لاجتماع القادرين على مقدور واحد، وامتناع كون أحدهما قادراً على الفعل حين يكون الآخر قادراً عليه، وامتناع اتساع قدرة أحدهما بقدرة الآخر مع التكافؤ، كذلك أن يكون هناك إلهان معبودان محبوبان لذاتهما، لأن كون أحدهما هو المعبود لذاته يناقضه أن يكون غيره معبوداً لذاته، فلذلك يمتنع أن يكون بعض المحبة والعمل لهذا وبعض ذلك لهذا، وذلك يناقض كون الحب والعمل كله لهذا، فإن الشركة نقص في الحب؛ لما تشرك بالله ستتوزع المحبة.
قال: فلا تكون حركة المتحرك بإرادته له، فلا يكون أحدهما معبوداً معمولاً له إلا إذا لم يكن الآخر كذلك؛ العمل لهذا يناقض أن يكون له شريك، فضلاً عن أن يكون لغيره. وكل من أحب شيئين فإنما يحبهما لثالث غيرهما، وإلا فممتنع أن يكون كل منهما محبوباً لذاته، إذاً المحبوب لذاته هو الذي تريده النفس وتطلبه وتطمئن إليه بحيث لا يبقى لها مراد غيره، وهذا يناقضه أن يكون له شريك سبحانه.
القول الثاني في مقصود العبادات: قول من يقول إن الله عوض الناس بالتكليف بالعبادات ليثيبهم على ذلك بعد الموت، فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف، لما فيه من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف؛ كما يقول ذلك القدرية كالمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة وأهل الكتاب من المسلمين واليهود وغيرهم. وهؤلاء يقولون إن الواجبات شرعية لطف في الواجبات العقلية، وقد يقولون إن الغاية المقصودة هي التي يحصل بها الثواب، والعمل والعلم ذريعة له، حتى يقولوا مثل ذلك في معرفة الله تعالى.
القول الثالث: قول من يقول إن الله تعالى أمر بذلك فلا لحكمة مطلوبة ولا لسبب، بل لمحض مشيئة، وهذا قول الجبرية مقابل القدرية، وهذا هو قول الأشاعرة عموماً، أن الله أمر بالعبادة ليس لحكمة مطلوبة ولا لسبب، بل لمحض المشيئة فقط، أمرك تعبد لأنه يريدك أن تعبد وأنت ما عندك خيار. دائماً تجد أن الجبرية بأصنافهم، الجهمية والأشعرية، يميلون إلى هذه التفاسير؛ سلب موضوع الحكمة والسببية، وأن الله طلب العبادة فقط لأنه شاء، دون أن نبحث عن العلل الغائية؛ لأنهم بشكل عام لا يؤمنون بهذا في أصول الدين، وإن كانوا في أصول الفقه تختلف مسالكهم ومذاهبهم.
القول الرابع: قول سلف الأمة وأئمتها، هو أن نفس معرفة الله سبحانه وتعالى ومقصوده ومحبته مقصودة لذاتها، أن الله سبحانه محبوب مستحق للعبادة لذاته.
طبعاً ما الفرق بين القول الثاني والثالث؟ القول الثاني هو قول المعتزلة عادة، المعتزلة يرون أن أصلاً الثواب هو عوض عن العمل، ليسوا يرون أن الباء هنا باء السببية بل باء العوض، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]. المعتزلة ترى أنه ثمن، ولا يؤمنون بقضية: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة»، بل يرون أن دخول الجنة حصول الثواب هو عوض عن العمل، فلذلك قال: "عوض الناس بالتكليف بالعبادات ليثيبهم على ذلك".
حتى في النسخة المطبوعة هنا يقول: "عوض الناس بالتكليف بالعبادات ليثيبهم على ذلك بعد الموت"، فهي فكرة أن الله أمرك بالعبادات حتى يعطيك ثواباً بعد الموت فقط. الفكرة ليست أن العبادات في الدنيا فيها صلاح للقلب وتوازن في الحياة، لا، هؤلاء حصروا فكرة العبادات في أن هذه العبادات أنت ستتحصل مقابلها عوضاً يوم القيامة؛ فهي قضية عوض ومعوض، دون أن يلتفتوا لما في هذه العبادات من الخير والاستقامة والكمال على المستوى الدنيوي، لذلك قالوا: "فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف"، لما فيه من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف. يعني أن الإنعام والثواب فيه إجلال وتعظيم لهذا المكلف؛ فالمكلف هو الذي يستحق هذا الثواب لأنه قام بالعمل الذي كلف به.
فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف؛ لما في التكليف من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف. إن الله عرض الناس بالتكليف بالعبادات ليبهم على ذلك بعد الموت. إذا كان الضمير يعود على التكليف، لما في التكليف من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف.
حتى لو كانت على الإنعام باعتبار الإنعام صدر من الله سبحانه وتعالى أو الثواب، يمكن اللي بعدها لو كان هذا الإنعام عندما يصدر من الله سبحانه وتعالى بمقابل تكليف فيكون في إنعامه إجلال يستحقه المكلف. نحن عادة كلمة الإجلال والتعظيم نستعملها لله، فعشان هيك نحن شوي مستصعبين أن تكون مكلف، بس السياق إذا أنعم بالجنة بمقابل تكليف فهذا فيه إجلال وتعظيم لهذا المنعم.
فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف؛ لما في التكليف من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف. وهو يعلل، الآن في سياق تعليل، يعني لماذا الانعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف؟ لما في التكليف، خاصة أنه أقرب مذكور، يعني كمان من الإجلال والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف.
هذه المسألة فيها احتمالات، أنا فاهم عليك، تقول لي الإنعام بالثواب مقابل التكليف، هذا فيه إجلال وتعظيم لا يستحقه إلا مكلف. ممكن تعود إلى الإنعام؛ لأنه لا يستحقه إلا مكلف، إن الإنعام فيه إجلال وتعظيم للعظيم، لا يستحقه إلا المنعم بتكليف للمكلف.
يعني هو ممكن أنا بتخيل المعنى أن الإنسان لما ينعم على إنسان، شوف أنا أميل أن الضمير يعود على التكليف، مش عارف ليه، يعني هي آخر كلمة مذكورة. فان الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف، لما في التكليف نفسه، هذا التكليف أصلاً ماذا يتضمن؟ يتضمن إجلالاً وتعظيماً الذي لا يستحقه إلا المكلف، والمكلف هو الله.
ولو كانت تعود للإنعام لكان لا يستحقه إلا منعم، مش إلا مكلف. هو الآن في سياق تعليل، يعني لما في هذه الحالة التي ذكرها، يعني ممكن عندك احتمالات. وأيضاً كان معناها أصلاً أنه في إنسان ممكن ينعم بدون مقابل، وفي إنسان ينعم لكن بعد أن يكلف، فالذي ينعم لكن بعد تكليف اللي أمامه هذا فيه نوع من التعظيم. أنا ممكن الإنسان ينعم على آخر مع ضعفه، أما لما أنا أنعم وما أنعمت غير لما كلفته بإنجاز شيء، هذا فيه نوع من الإجلال الذي ذكره. يعني ممكن، أنا صعب نجزم بشيء معين حالياً، لكن هي محتملة لأكثر من فكرة.
أما الفقرة الثانية، قال: وهؤلاء يقولون إن الواجبات الشرعية لطف في الواجبات العقلية. شو المعنى؟ أن الواجبات الشرعية لطف في الواجبات العقلية، وقد يقول الغاية المقصودة التي يحصل بها الثواب هو العمل، والعلم ذريعة إليه، حتى يقول مثل ذلك في معرفة الله تعالى، يقول ما وجبت لأنها لطف في أداء الواجبات العقلية العملية.
هي الطريقة اللطيفة في تحصيل المقاصد العقلية، هي لطف، نوع من الوسيلة، كيف تقول لك هي كأنها تدرج؟ يعني كأن الواجبات الشرعية لطف في تحصيل الواجبات العقلية التي هي أهم، تمام؟ يعني كأن الواجبات الشرعية هي لطف، نوع من التوطئة والتمهيد والتسهيل في الأداء.
حتى لاحظ العبارة الأخيرة، قال: إنما وجبت لأنها لطف في أداء الواجبات العقلية العملية. فكأنك يعني تعرف المعتزلة وتعظيم العقل، والأمور بالنسبة لهم هي الأمور الأساسية، فكأنهم اعتبروا أن الواجبات التي ربنا أمرك فيها من الصيام من الزكاة من هذه العبادات البدنية هي نوع من الوسائل التي تساعدك على ماذا؟ على القيام بالواجبات العقلية التي بها يحصل الثواب يوم القيامة.
هسه العقلية المفروض تكون العلم، لا، هو يقول لك والعلم ذريعة، كأنه في هناك واجبات عقلية أنت يجب أن تقوم بها، وكان الواجبات الشرعية هي نوع من التوطئة والتمهيد والتوسل لهذه الواجبات العقلية التي يجب أن تقوم بها، هذا ظاهر الكلام من كان يحتاج إلى تأمل أكثر.
قال: والقول الرابع قول سلف الأمة وائمتها، وهو أن نفس معرفة الله سبحانه وتعالى ومحبته مقصودة لذاتها، وأن الله سبحانه محبوب مستحق للعبادة لذاته، لا إله إلا هو، ولا يجوز أن يكون غيره معبوداً محبوباً لذاته، وأن سبحانه يحب عباده الذين يحبونه ويرضى عنهم، ويفرح بتوبة التائب، ويبغض الكافرين ويمقتهم ويغضب عليهم ويلعنهم.
وأن في ذلك من الحِكَم البالغة، ولذلك من الأسباب ما يطول وصفه في هذا الخطاب كما قد بُسِط في موضعه. إذاً المقصود هنا هو تنبيه على أن المسلمين أكمل من غيرهم في العلوم النافعة والأعمال الصالحة. وإذا عُرِف مذاهب الناس في مقاصد العبادات هم أيضاً مختلفون في صفاتها.
فمن الناس من يظن أن كلما كان أشق على نفسه وأشد إماتة لشهوتها فهو أفضل، وهذا مذهب كثير من المشركين، والهند وغيرهم، وكثير من أهل الكتاب يهود ونصارى، وكثير من مبتدعة المسلمين. والقول الثاني: قول من يقول إن أفضلها ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية. والثالث: يقول فضل بعضها على بعض لا علة، بل يرجع إلى محض المشيئة. ورابع هو الصواب: أن أفضلها ما كان لله أطوع وللعبد أنفع.
فما كان صاحبه أكثر انتفاعاً وكان صاحبه أطوع لله به من غيره فهو أفضل، كما جاء الحديث: «خير العمل أنفعه». على كل قول، فعبادات المسلمين أكمل من عبادات غيرهم. أما على الأول، فأولئك يقولون كلما كانت الأعمال أشق على النفس فهي أفضل، وفي ذلك في الهند تجد الناس يذهبون يفعلون أموراً عظيمة، ويمشي الرجل 15000 كيلو عشان يطلع على جبل، ويعمل أشياء، ويحرق الجثث وكذا، ويقتلون الرجل مع المرأة بعد زوجها، يعتقدون أنه هكذا هي العبادات، كل ما كانت العبادات أشق فهذه أفضل، وهذا خطأ هذا الإطلاق.
على كل قول في عبادات الثاني، إن أفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية، وهذا قول المعتزلة، زي ما حكينا قبل قليل، أنهم يعتقدون أن الواجبات الشرعية والعبادات الأفضل منها ما كان أدعى وأقرب إلى تحصيل الواجبات العقلية.
أما على قول من يجعل العبادات الشرعية لطفاً في الواجبات العقلية، فلاشك أن عبادات المسلمين كصلاتهم وصيامهم وحجهم أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غير المسلمين التي ابتدعوها، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل.
فلذلك هو دائماً عم يقول لك أقوال الفرق الأربعة، وأما على قول نفاة التعليل وهم الأشعرية والجبرية والذين ردوا العبادات أصلاً كلها فقط إلى المشيئة، فيكون الأمر في ذلك راجعاً إلى محض مشيئة الله وتعبده إلى الخلق، وحينئذ فمن تكون عبادته تابعة لأمر الله الذي جاءت به الرسل يكون متعبداً بما أمر الله به، بخلاف من تكون عبادته قد ابتدعها أكابرهم من غير أن يأتيهم بها رسول من عند الله، هذا على طريقة الأشاعرة.
قال: فإن ما عُلِم أن الله أمر به يتضمن طاعة الله، وهذا إنما يكون في عبادات أمر الله بها، وهي عبادات المسلمين، دون من ابتدع كثيراً من عباداتهم وأكابرهم. وأما انتفاع العبادة بها فهذا يُعرَف بثمراتها ونتائجها وفوائدها، ومن ذلك آثار في صلاح القلوب، فليتدبر الإنسان عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق بينهم وبين غيرهم.
ثم صفات عباداتهم فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف والركوع والسجود واستقبال بيت إبراهيم الذي هو إمام الخلائق، وإمساك فيها عن الكلام، وما فيها من خشوع وتلاوة القرآن وسمعه، الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره مما كتب لكل معتبر منصف.
إذاً بس هي التنبيه، الفرق بين القول الرابع والثالث أن القول الثالث، أي الأشاعرة، هم يرون أن العبادات لمحض المشيئة ولا يركزون على قضية النفع الذي يُرجى للعبد من هذه العبادات، وأما أهل السنة والجماعة السلف الصالح، فإنهم يقولون إن عبادات الله بمشيئته، لكنها أيضاً فيها من الحِكَم والمنافع والغايات التي يحتاج الإنسان إليها.
قال: ثم صفات العبادات فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة قبل الصلاة والاصطفاف والركوع والسجود واستقبال بيت إبراهيم، والإمساك عن الكلام، وما فيها من خشوع وتلاوة القرآن. وأما حكم المسلمين في الحدود والحقوق فلا يخفى على عاقل ما فيها من الفضل، حتى أن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشريعة المسلمين.
يقول لك النصارى لما يرون فيها شريعة الإسلام من العدل، وليس في الإنجيل حكم عام، بل عامته، يعني عامة ما في الإنجيل هي زهديات ومكارم أخلاق، ما فيه حدود وتطبيق عقوبات، وهو مما يأمر به المسلمون أيضاً، يعني الزهد ومكارم الأخلاق نحن نأمر به، لكننا جمعنا بين الفضل والعدل كما قلنا. وقد ذكرنا في كون المسلمين معتدلين متوسطين بين اليهود والنصارى في التوحيد والنبوات والحلال والحرام ما يبين أنهم أكمل من الأمتين، مع أن دلائل هذا كثيرة جداً، وإنما المقصود التنبيه على ذلك، وحينئذ ففضل الأمة يستلزم فضل متبوعها وهو محمد صلى الله عليه وسلم. هذه خلاصة هذا الفصل.
قال رحمه الله تعالى: ومما يبين أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن من دعا إلى مثل ما دعا إليه لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون نبياً صادقاً مرسلاً من الله كما أخبر عن نفسه، بمنزلة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وداوود وسليمان وغيرهم من الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: 163-165].
قال الله تعالى: ﴿...بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166].
قال: وأما أن يكون ملكًا مسلمًا عادلًا، وضع ناموسًا سياسيًا وقانونًا عدليًا ينفع به الخلق ويحملهم به على السيرة العدلة بمبلغ علمه، كما أن للأمم من يضع لهم النواميس. والنواميس هي القوانين، مثل واضعي النواميس من اليونان والهند والفرس وغيرهم.
قال: وإن كان واضع الناموس مختصًا بقوة قدسية ينال بها العلم بسهولة، وقوة نفسية يتصرف فيها تصرفات خارجة عن العادة، ويكون له قوة تخييلية تمثل له في نفسه أشكالًا نورانية وأصواتًا يسمعها من داخل نفسه، فإن هذه الخواص الثلاثة هي التي يقول بها ابن سينا وأمثال من المتفلسفة إنها خواص النبي، ومن قامت به كان نبيًا، والنبوة مكتسبة عنده. يعني النبوة عند الفارابي وابن سينا مكتسبة، ممكن الواحد على سير النبي إذا شد حيله شوية.
سأل شيخ: كيف يعني يكون مسلمًا عادلًا وهو وضع ناموس؟ حين قال: «وأما أن يكون ملكًا مسلمًا عادلًا»، فكلمة مسلم عندنا ليس لها وجود، ولكن لما كانت هذه موجودة لكثير من الخلق ولم يصل بها إلى قريب من درجات الصديقين كالخلفاء الراشدين وحواري عيسى وأصحاب موسى، جعلناها من هذا القسم. قال: إذ صاحب هذا قد يكون فيه عدل وسياسة بحسب ما معه من العلم والعدل، فهذا القسم الثاني.
قال: وأما أن يكون رجلًا كاذبًا فاجرًا أفاکًا أثيمًا، يتعمد الكذب والظلم، أو يتكلم بلا علم فيخطئ خطأ من يتكلم بلا علم، ومن يظن الكذب صدقًا، والباطل حقًا، والضلال هدى، والغير رشدًا، والظلم عدلًا، والفساد صلاحًا، وكل من دعا الخلق إلى متابعته وطاعته على سبيل الحتم والإيجاب بأن يصدقوه بما أخبر، ويطيعوه بما أمر به وأوجبه باطنًا وظاهرًا، من غير أن يخير أحدًا في اتباعه وتصديقه وطاعته، ولا يسوغ له مخالفته بوجه من الوجوه، لا في الباطن ولا في الظاهر، لم يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة.
قال: وذلك لأنه إما أن يكون قصده الإثم والعدوان، أو قصده البر والعدل، فإن كان قصده الأول فهو ظالم فاجر، ومثل هذا لا يكون إلا كاذبًا عمدًا أو خطأ. وإن كان قصده البر والعدل، فلا يخلو مع ذلك إما أن يكون عالمًا بكل ما يخبر به من الغيوب جازمًا بصدق نفسه، جازمًا لا يحتمل النقيض، علمًا بأن ما يأمر به العدل لا يجوز لمن أمره أن يعصيه بوجه من الوجوه، وإما أن لا يكون جازمًا بذلك.
فإن كان جازمًا بذلك، كان هذا هو النبي المعصوم الذي لا يخبر إلا بحق، ولا يأمر إلا بعدل، ﴿تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]. بخلاف القسم الذي يتحرى العدل والصدق باجتهاده ورأيه، فإن هذا قد يأمر بأشياء يجوز أن تكون المصلحة والعدل والصدق في خلافها، ويخبر بأشياء باجتهاده يجوز أن يكون الأمر فيها بخلاف ذلك، ولا بد أن يغلط في بعض ما يخبر به من العلميات.
قال: وما يأمرهم به من العمليات فإنه لا معصوم إلا الأنبياء، ولهذا لم يجب الإيمان بكل ما يقوله بشر إلا أن يكون نبيًا، فإن الإيمان واجب بكل ما يأتي به النبي. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالْمَاوُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177].
وإذا كان الأمر كذلك، فمعلوم بالتواتر أن محمدًا ﷺ ذُكر أنه رسول كإبراهيم وموسى وعيسى، بل أخبر أنه سيد ولد آدم، وأن آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وأنه لما أُسري به عرج إلى ربه على الأنبياء كلهم، على إبراهيم وموسى وهارون ويحيى وعيسى وغيرهم، وأخبر أنه لا نبي بعده، وأن أمته هم الآخرون في الخلق السابقون يوم القيامة، وأن الكتاب الذي أنزل إليه أحسن الحديث، وأنه مهيمن على ما بين يديه من الكتب، مع تصديقه لذلك.
وحينئذ، فإن كان عالمًا بصدق نفسه فهو نبي رسول، ومن قال هذا القول وهو يعلم أنه كاذب فهو من أظلم الناس وأفجرهم، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93]. وإن كان يظن صدق نفسه وليس كذلك فهو مخطئ غالط ملبوس عليه، وإذا كان كذلك فلا بد أن يخطئ فيما يخبر به من الغيوب، ويخطئ فيما يأمر به من العدل. ولا يتصور استمراره على هذا، بل لا بد أن يتبين له ولغيره أنه صادق أو كاذب، فإن من ظن صدق نفسه في مثل هذه الدعوة وليس بصادق يكون من أجهل الناس وأظلمهم وأبعدهم عن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب والخير والشر.
فإن هذا بمنزلة من اشتبه عليه النبي الصادق بالمتنبئ الكذاب، وهذا من أجهل الناس إذا اشتبه عليه حال غيره، فكيف بمن اشتبه عليه حال نفسه؟ الذي أصلاً يشتبه عليه من النبي الصادق والمتنبئ الكذاب هذا جاهل، لأن الأمور تتضح في النهاية، فما بالك بشخص يدعي أنه نبي ويظن نفسه صادقًا وهو لا يعرف حاله؟ فإذا كان هذا في حق غيره يكون جاهلًا، فما بالك إذا كان جاهلًا بحال نفسه ولم يعلم هل هو صادق فيما يقول إنه نبي أم كاذب؟
قال: التي لم يدعِ بشر مثلها، ومع كثرة ما يخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة، ويأمر به وينهى عنه من الأمور الكلية والسنن العامة والشرائع والنواميس، فلا بد أن يكون فيها من الضلال والغي ما يبين لأكثر الخلق. فلا بد أن يظهر في هذه الغيوب التي يخبر بها، وفي هذه الأوامر والتشريعات، من الخلل ما يظهر لعامة الناس. فإذا كانت أخباره عن الماضي والمستقبل يصدق بعضها بعضًا، والذي يأمر به هو طريق الأقوام، والكتاب الذي جاء به كتاب متشابه...
مثاني يشبه بعضه بعضا في الصدق، كقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. فإنه لو كان من عند غير الله، أوجب أن يكون فيه، على الأقل، معلومة واحدة فيها تناقض؛ أي نص واحد فيه إشكال. فإنه لو كان من غيره لوجب أن يكون فيه تناقض، لامتناع قدرة البشر على أن تخبر بهذه الأخبار الغيبية وما فيها من الغيوب، ويأمر بكل هذه الأوامر، مع سلامة كل أخباره من أولها إلى آخرها من التناقض؛ هذا لا يوجد في بشر إلا في نبي يسلم من ذلك.
وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد علم بالاضطرار من سيرته أنه كان يتحرى الصدق والعدل، وأنه لم تُجرب عليه كذبة، قطع علم أنه كان جازما بما يخبر به مع عظم الأخبار وكثرتها، وهو وحده قام يدعو الناس إلى ما جاء به. ومن عادته طالب الملك والرئاسة، ولو كان عادلا لأن استعان بمن يعينه كأقاربه وأصدقائه ونحوهم، وأن يبذل للنفوس من العاجل ما يرغبها به كالمال والرئاسة ويرهبها من خالفه. ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا الناس وحده وهو بمكة، فآمن به المهاجرون، فتعين أن أمة محمد قد ثبتت، ثم آمن به الأنصار بالمدينة، ثم آمن به أهل البحرين، ولم يعطِ أحدا منهم درهما ولا كان معه ما يخيفهم، لا سيف ولا غيره في مكة، بل مكث بمكة بضع سنين هو والمؤمنون به مستضعفين، لم يكن له مال يبذله لهم ولا سيف يخيفهم به.
وكان أعظم من آمن به أبو بكر الصديق، مع كمال عقله وخلقه ودينه في قومه ومحبتهم له وعلو قدره فيهم، فقد أنفق ماله كله في سبيل الله حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت لأهلك؟» قال: «تركت لهم الله ورسوله». ولم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم درهما واحدا يخصه به، ثم تولى الأمر بعده وترك ما كان معه للمسلمين. وتولى بعده عمر بن الخطاب، ففتح أعظم ممالك العالم؛ مملكة فارس والروم، فقهر الروم على بلاد الشام والجزيرة ومصر.
وأمينه الكبير أبو عبيدة، أزهد الخلق في الأموال، وأعبدهم للخالق، وأرحمهم للمخلوق، وأبعدهم عن هوى النفس، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». وأميره على فارس سعد بن أبي وقاص، الذي كان مستجاب الدعوة، وكان من أزهد الناس، وكان آخر من بقي من أهل الشورى الذين وضع عمر رضي الله عنه الشورى فيهم الستة. وكان سعد رضي الله عنه معتزلا في قصره بالعقيق، لا يزاحم أحدا، فقال له ابنه: تركت الناس يتنازعون الملك وجلستها هاهنا؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب العبد التقي الغني النقي الخفي». والخفي يعني الذي يكون في حالة معتزل وتارك للناس في وقت الفتنة.
ومن آيات محمد صلى الله عليه وسلم دلائل نبوته التي في القرآن قصة الفيل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1-5]. وقد تواترت قصة أصحاب الفيل؛ وأن أهل الحبشة النصارى ساروا بجيش عظيم معهم فيل ليهدموا الكعبة، لما أهان بعض العرب كنيستهم التي باليمن، فقصدوا إهانة الكعبة وتعظيم كنائسهم، فأرسل الله عليهم طيرا أهلكهم، وكان ذلك عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى كان خيرا من دينهم؛ لأن كفار قريش كانوا وثنيين. ومع ذلك هزم الله النصارى وهم أبرهة، ونصر البيت الذي جواره الوثنيون. فعلم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، فما نقول إنه نصر الوثنيين، بل بقولنا نصر البيت، وإن كان جيرانه وثنيين؛ بل كانت لأجل البيت أو لأجل النبي صلى الله عليه وسلم الذي في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما.
وإذا قيل إنما كانت آية للبيت وحفظا له وذبا عنه لأنه بيت الله الذي بناه إبراهيم الخليل، فقد علم أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلي إليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي فرض حجه والصلاة إليه. فإذا كان هذا البيت عند أهل الكنائس لما أرادوا خيرا من الكنائس التي للنصارى، حتى إن الله أهلك النصارى أهل الكنائس لما أرادوا تعظيم الكنائس وإهانة البيت، علم أن دين أهل هذا البيت خير من دين النصارى، والمشركون ليسوا خيرا من النصارى، فتعين أن من هم دين هذا البيت؟ أهل التوحيد. فتعين أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي حفظ البيت من أجلها خير من النصارى، وذلك يستلزم أن نبي هذه الأمة التي حفظ البيت من أجلها نبي صادق. شوف كيف الاستدلالات التي يأتي بها ابن تيمية، وإلا فمن كانوا متبعين لنبي كاذب فليسوا خيرا من النصارى، بل هم من شرار أتباع مسيلمة.
وقال في القرآن: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، والأبابيل جماعات في تفرقة، فوجا بعد فوج، ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي من طين مستحجر، وهي كلمة معربة، البعض يقول إنها من الكلمات المعربة التي دخلت من اللغة الفارسية وأصبحت في كلام العرب. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ أي كالتبن الذي أُكل. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام في معنى التقرير، وهذا يقتضي أن هذا قد وقع وعلم بها الناس ورأوه، وقد قررهم على ذلك لما فيه من الدلالة والبيان والإنعام على الخلق.
ومن آياته الظاهرة التي في القرآن ما ذكره من أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا بخلاف ما كانت العادة جارية به عندما بعث. قال تعالى في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا كُنَّا نَحْسَبُ أَن لَّن تُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نَّجِدَ فَارًّا مِّنَ اللَّهِ﴾ [الجن: 8-10]. وقال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: 210-211]، إنهم عن السمع لمعزولون. وهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأه على الناس وهم يقرأونه.
لم ينكره أحد، ولا ارتاب به مؤمن، ولا احتج به عليه كافر؛ فدل أن الناس علموا صدق ما أخبرت به الجن من أن السماء كانت تُرْمى بالشهب، وأنهم لم يتمكنوا حينئذ مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك من الاستماع. ومعلوم أن هذا أمر يراه الناس بأبصارهم، فإن امتلاء السماء بالشهب أمر يراه الناس كلهم، فلو لم يكن كذلك لكان الناس يكذبون بهذا، أو لقالوا السماء ما رُميت شهب.
ولكن ورد في الآثار أنه عندما بعث النبي ﷺ رأى الناس أن الشهب تنزل حتى ذهبوا إلى الكهان، كما في سيرة ابن إسحاق، وأصبحوا يسألونهم عن سبب انتشارها، فقالوا: انظروا فإن كان كذا وكذا. فإِن الجماعة العظيمة الذين لم يتواطئوا -يمتنع اتفاقهم على الكذب وعلى التصديق بما يعلمون أنه كذب، وعلى كتمان ما يعلمونه، وعلى ترك إنكار ما يعلمون أنه كذب- وقد سمع القرآن وفوف مؤلفه أدركوا مبعثه وشاهدوا أحوال السماء؛ فلو لم يكن هذا موجودًا -مع أن عامتهم كانوا مكذبين له- لكانوا طوائف متباينة، ويمتنع اتفاقهم على كذب أو كتمان أو سكوت.
فلما لم ينكر ذلك أحد، بل تظاهرت الأخبار بمثل ما أخبر به القرآن من الرمي العظيم بالشهب الذي لم يعهد مثله، حتى صاروا يشكون: هل ذلك في الكواكب التي في الفلك أو في غيرها؟ وقالوا: إن كان في كواكب الأفلاك فهو خراب العالم. فصار النقاش مع الكهان: إذا كان في الكواكب فهي تسقط، فلما رأوه ليس في الكواكب وإنما هو فيما دونها من الشهب، علموا أنه ليس خراب العالم، وإنما لأمر حدث في العالم.
في الصحيح من حديث ابن عباس: «انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عاملين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قعد حيل بيننا وبين السماء وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فنظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهي بنخل طبعًا- عاَمِدِينَ إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه ﷺ صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: إنا سمعنا قرآنًا عذبًا، فإن الله أنزل على نبي يقول أوحي إليه». وفي لفظ البخاري: «بنخلة»، وهي قريبة من مكة، منطقة اسمها نخلة.
وقد ظن بعض الناس أن الشهب لم يكن يرمى بها قبل ذلك بحال، وصوابها أنه كان يرمى بها كما هو الآن أحيانًا، لكن ليس بتلك الكثافة التي حصلت في وقت المبعث، كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس. وقال ورواه أيضًا أحمد في مسنده: «أن رسول الله ﷺ بينما هو في نفر من الأنصار إذ رُمي بنجم فاستنار، فقال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟» -أي كانوا يعرفون الشهب في الجاهلية، وهذا موطن الشاهد-. قالوا: «كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك عظيم، أو ولد مولود عظيم». فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرًا يسمعه أهل العرش، فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لما سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا، فيسبحون بتسبيحهم، فيقولون: لا، تسألون من فوقكم مما سبحوا؟ فيسألونهم، فيقولون: إن الله في خلقه كذا وكذا، الأمر الذي كان، فهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيتحدثون به فتسترق الشياطين السمع على توهم منهم».
واختلاف الشياطين حتى عندما تسمع الخبر من السماء كانت تضيع شويًا؛ الذي يسمع له نصف الجملة، والذي يسمع له خمس الجملة، ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون. وفي حديث عائشة قلت: يا رسول الله، إن الكهان كانوا يحدثوننا بشيء فيكون حق؟ قال: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه الكاهن، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة». وكذلك روى البخاري من حديث عائشة أن سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الملائكة تنزل في العنان، فإذا ذكر الأمر في السماء، تسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتعيد إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من أنفسهم».
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن نبي الله ﷺ قال: «إذا قُضي في السماء ضربت ملائكة بأجنحتها خضوعًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق، وهو العلي الكبير». فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، يعني الجن كانوا يكونون راكبين فوق بعضهم البعض حتى يصلوا إلى السماء، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى الساحر والكاهن، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: صدق، قال لنا يوم كذا وكذا كذا، الكلمة التي سمعت من السماء، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء؛ يعني الكاهن كان يصدق من كلمة أو كلمتين ضبطت معه من كل هذه الكلمات والكذبات التي أتى بها.
قال ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وقال في آخره: «ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم، فانقطعت الكهانة، فلا كهانة». وقال ورواه معمر عن الزهري وقال: فقلت للزهري: أو كان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: يقول الله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9]؟ قال: غلظت واشتد أمرها حين بعث النبي ﷺ.
وروى الطبري عن علي بن داود قال بإسناده عن ابن عباس قال: كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي، وكان الوحي إذا أوحي، إذا أوحي، سمعت الملائكة كهيئة الحديد رُمي به على الصفوان، فإذا سمعت الملائكة ﷺ الوحي خروا لجبهاتهم من في السماء من الملائكة، فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي قالوا: ماذا قال ربكم؟ فينادون، قالوا: قال ربكم الحق وهو العلي الكبير. قال: فإذا نزل إلى السماء الدنيا، قالوا: يكون في الأرض كذا وكذا من موت، وكذا وكذا من حياة، وكذا وكذا من جدوبة، وكذا وكذا.
يريد أن يبتدي تبارك وتعالى فنزلت: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْإِنْسِ فَيَكُونُوا مَعَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن: 21]. فبينما هم كذلك إذ بعث النبي ﷺ فزجرت الشياطين، قال: ورموهم بالكواكب فمنعوا، فجعل لا يصعد أحد إلا احترق. وفزع أهل الأرض لما رأوا في الكواكب، ولم يكن قبل ذلك، فقالوا: هلك من في السماء.
وكان أهل الطائف أول من فزع، فينطلق الرجل إلى إبله فينحر كل يوم بعيرا لإلهته، وينطلق صاحب الغنم فيذبح كل يوم شاة، وينطلق صاحب البقر فيذبح كل يوم بقرة. فقال لهم رجل: ويلكم لا تهلكوا أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها، لم يسقط منها شيء، فاقلعوا. وقد أسرعوا في أموالهم، وقال إبليس: حدث في الأرض حدث، فتوني من كل مكان في الأرض بتربة، فجعل فلا يؤتى بتربة أرض إلا شمها. فلما أوتي بتربة تهامة قال: ها هنا حدث الحدث، فصرف الله إليه نفرا من الجن وهو يقرأ القرآن، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] حتى ختم الآية، فولوا إلى قومهم منذرين.
قال وذكر أسانيده، فقد تبين أنه لما كان في زمن المبعث ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وقبل ذلك لم يكن الحرس شديدا ولا كانت السماء مملوءة حرسا وشهبا كما هي الآن، يرمى بها أحيانا. وكانوا يقعدون بها مقاعد للسمع، أي يسترق أحدهم ما يسمعه كما يستمع المستمع إلى حديث غيره مختفيا بسماعه مسترقا له، فكانت الشياطين تسترق أي تستمع ما تقوله الملائكة. فلما بعث محمد ﷺ صار أحدهم إذا سمع وجد الشهاب قد أرصد له، فلم يستطع أن يقعد ويستمع كما كان قبل ذلك.
قال: فقد ذكرنا بعض آياته التي في القرآن، لأن من أهل الكتاب من يقول: لا نصدق إلا بما في القرآن، كما في التوراة والإنجيل من آيات موسى والمسيح، إذ كان نقل القرآن عنه متواترا لا يرتاب فيه أحد، فنبهنا على بعض ما في القرآن مع أن آياته التي ليست في القرآن كثيرة جدا. لأنه يقول: لماذا ذكر قصة الفيل وقصة الشهب وذكر آيات النبوة التي في القرآن؟ لأن بعض اليهود والنصارى يقول لك: نحن إذا أردنا أن نؤمن نؤمن بآيات النبوة الواردة فقط في القرآن.
لا، ممكن السنة، ليه؟ قالوا إن القرآن هو المتواتر فقط عنه، فهنا ابن تيمية يقول: وليس من شرط المنقول المتواتر أن يكون في القرآن، بل كما تواتر عنه من شريعته ما ليس في القرآن، كذلك تواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القرآن. يعني هو يقول الفكرة غلط، يعني في أشياء متواترة عنه ﷺ من دلائل النبوة وليست مذكورة في القرآن، وهي من آياته وبراهينه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]، والحكمة كما ذكر الشافعي في الرسالة هي السنة، وهي منقولة في غير القرآن، ومنها ما نقل نقلا متواترا.
فقد تواتر عنه كون الصلوات خمسا، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثا، والباقي أربعا، والرباعية في السفر ركعتان، وتواتر عنه سجود السهو كذلك، وتواتر عنه أنواع من المعجزات والأخبار المتواترة في أصناف آياته وبراهينه كثيرة لا يمكن إحصاؤها، وهي مجتمعة على جنس العلم والقدرة.
وهي على أنواع من الأخبار بالغيوب المستقبلية مفصلة، كأنما رآها بعينه، لم يأت منها خبر إلا كما أخبر به، وهذا أمر لم يكن قط إلا لنبي. أما الكاهن والمنجم نحو ذلك، فيكذبون كثيرا كما يصدقون أحيانا، ويخبرون بجمل غير مفصلة. وأما أهل الولاية والصلاح، فأعظمهم كشفا يخبر عن ذلك بأمور قليلة لا تبلغ عشر معشار ما أخبر به النبي ﷺ، ولا يخبرون مفصلا كخبره، وعلى أنواع من القدرة والتصرف.
لو فرضنا رجلا صالحا عنده كشوفات، هذا الرجل الصالح الذي عنده كشوفات لو أراد أن يخبر عن أمور في المستقبل، سيحكي لك خبرين، لن يكون بكمية الأخبار الصادقة التي أخبر عنها النبي ﷺ في المستقبل.
قال: والآيات إما من باب العلم والخبر والمكاشفة، وإما من باب القدرة والتأثير والتصرف. وفي القرآن من الأخبار بالمستقبلات، يعني هو يقول لك إن طبيعة آيات النبي ﷺ إما آيات علمية تدل على كشوفات الله كشفها له في المستقبل أو الماضي، وإما آيات تتعلق بالقدرة، يريد أن يقسم لك المعجزات؛ معجزات النبي ﷺ متعلقة إما بالعلم وإما بالقدرة. لذلك قال في الصفحة السابقة: إن المعجزات مشتملة على جنس العلم والقدرة.
المعجزات من جهة العلم، كأن يقدر على أمور في القرآن من الأخبار بالمستقبل، مثل قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ فَغَلَبُوا﴾ [الروم: 2-3]، فقد غلبت الروم فارس فعلا في بضع سنين، وقد ذكرنا تفصيل هذه القصة فيما مضى. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55]. وقد وقع هذا.
فروي عن أبي بن كعب في مسند الدارمي لما قدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة وآبائهم الأنصار، ورأتهم العرب من قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، لا ينام واحد وجنبه سلاحه، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أننا نعيش حتى نبيت آمنين؟ كان الأمان بالنسبة للصحابة حلما، أن يتوقعوا أن يعيشوا حتى يسيروا نائمين بدون سلاح لا يخافون إلا الله. فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]، فوعدهم بالأمن وكان كذلك، استخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن لهم، وأصبح الصحابة هم سادة الجزيرة.
وكذلك أيضا من الأمور التي أخبر بها: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]، وحصل كما قال الله فظهر دينه الإسلام. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا مِثْلَ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88]، وحصل فلم يستطيعوا أن يأتوا مثل القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، ثم أخبر في آخر الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 24]، فأخبر أنهم لن يفعلوا وكان كما أخبر. وقال لدى المسيح: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
إلى يوم القيامة، وكان كما أخبر: ﴿وَسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]. وقال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَاصِرًا﴾ [آل عمران: 168]. وكان كما أخبر.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ النَّصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14]. وكان كما أخبر؛ فانقسمت النصارى إلى ملكية ويعقوبية ونسطورية، وذبح بعضهم بعضًا، وكفر بعضهم بعضًا، فأغرينا بينهم العداء.
وقالت اليهود: «يد الله مغلولة»، قلت: أيديهم ليست مغلولة، بل مبسوطتان، ثم قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14]، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارَ الْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64]. فكان كما أخبر، حتى حرب غزة، ربنا يطفئ حروب اليهود.
وقال تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۙ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 119-120]. وقال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾، وقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾، وكان كذلك؛ فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون، وما زال الإسلام في عز وظهور حتى ظهر على أهل المشرق والمغرب.
وقال تعالى خطابًا لليهود: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 94-95]. ﴿وَلَا تَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾. وقال: ﴿وَقُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 6-7].
فأخبر عن اليهود أنهم لن يتمنوا الموت أبدًا وكان كما أخبر، فلا يتمنى اليهود الموت أبدًا، وهذا من وجهين: من جهة بأنه لا يكون أبدًا، ومن جهة أن الله صرف دواعي اليهود عن تمني الموت مع أن ذلك مقدور لهم، وهذا من أعجب الأمور الخارقة للعادة؛ وهم مع حرصهم على تكذيبه لم تنبعث دواعيهم لإظهار تكذيبه بإظهار تمني الموت.
وقال في سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * ثُمَّ أُمْلِي لَهُ ۙ ثُمَّ أَحْبِطُهُ الْعَذَابَ الْعَسِيرَ * إِذَا قِيلَ لَهُ آمِنْ قَالَ مَا أَنَا بِمُؤْمِنٍ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ اسْتَكْبَرَ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا الْتَفَتَ سَعَىٰ لَهُمْ عَذَابًا ثَقِيلًا * فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۘ مَّا صَاحِبُهُم مِّن مَّجْنُونٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّنتَظِرُ لَهُ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ إلى قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: 11-43].
وقال عن أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 1-3]. وكان كما أخبر به؛ مات الوليد كافرًا، ومات أبو لهب المقصود في هذه السورة (سورة المسد) كافرًا.
وقال في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27-29]. وقال: ﴿قُل لِّمَن فِي الْأَرْضِ مَنَ الْعِزَّةُ ۖ قُل لِّلَّهِ ۖ هُوَ﴾، وقال للمخلفين من الأعراب: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 9-11].
ففتح خيبر، ومع أنه بعديها كانت فتح مكة، فواعدهم بفتح خيبر وكذا وبعدين فتحوا مكة، فكان هذا كل هذا حصل مع أنه أخبر به قبل أن يقع. وهذا كله وقع كما أخبر وحصلت لهم الغنائم الكثيرة، ودخلوا المسجد الحرام آمنين، ودعيت العرب إلى قتال الروم والفرس يقتلون أو يسلمون، فلا بد من القتال أو الإسلام، ليس هناك هدنة بلا قتال كما كان يقول قبل نزول الآية.
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. فدخل الناس في دين الله أفواجًا بعد الفتح لما مات صلى الله عليه وسلم، وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخل الإسلام.
وقال تعالى عن المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر: 11-12].
لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون. وكذلك كان؛ فروا أهل التفسير والمغازي والسير أن هذه الآية نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي، وعبد الله بن أُبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت ونحوهم، كانوا يقولون لبني النضير وهم اليهود حلفائهم: «لئن أخرجوا لا يخرجون معهم»، فأخبر الله عنهم أنهم لن يفعلوا ذلك، وكذلك كان. وضرب الله لهم مثلًا بالشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الممتحنة: 4]، كذلك المنافقون وبنو النضير.
فآيات النبي صلى الله عليه وسلم قد استوعبت جميع أنواع الآيات الخبرية والفعلية، وأخباره عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل بأمور باهرة، وأخباره لا يوجد مثلها لأحد من النبيين قبله، فضلًا عن غير النبيين. ففي القرآن من أخباره عن الغيوب شيء كثير كما تقدم بعض ذلك، وكذلك في الأحاديث الصحيحة مما أخبر بوقوعه فكان كما أخبر.
ففي الصحيحين عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا ما ترك شيئًا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به؛ حفظه من حفظه، ونسي ومن نسيه. يعني أخبرهم كل ما سيحصل إلى قيام الساعة. قال: «قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه شيء قد نسيته فأرني فاذكره يا حذيفة»، بيقول كانت أشياء خبرنا فيها وأنا شفتها لما شفتها تذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حكيمًا أن هذا سيحصل. قال: «كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه».
وفي صحيح مسلم عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى بنا، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى بنا، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، وقال: «فأخبرنا بما كان وهو كائن». النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمنا أيامًا يوم كذلك، صحيح من الصبح للمغرب، ومع ذلك الصحابة كانوا جالسين يسمعون، فهذا ليس بدعة، ما نفعله. قال: «فاحفظنا أعلمنا».
وفي صحيح البخاري عن علي بن حاتم قال: بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فشكى إليه الإفلاس، ثم أتى آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: «فإن طالت بك حياة لترينَّ الضيعة ترتحل من الحيرة حتى تطوف».
«بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله». قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار الذين سيعرون البلاد؟ وهم قطاع الطرق، دعار يعني حرامية.
قال: «ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى ابن هرمز». قلت: كسرى ابن هرمز؟ قال: «ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله عنه فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليقين الله، أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فلا يقول: لِمَ لم تبعث إليك رسولًا فيبلغك فيقول: بلى؟ فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم».
قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». قال عدي: فرأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، «ولئن طالت بكم حياة لترون» ما قال رسول الله ﷺ: «يخرج الرجل ملء كفه». قلت: وهذا الذي أخبر به من خروج الرجل بملء كفه من ذهب أو فضة فلا يجد من يقبله، ظهر كما أخبر في زمن عمر بن عبد العزيز، أنه كانت الصدقات والأموال ما عاد حد يقبلها لأن الناس أثرت على الكفاية.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة، عن نافع بن عتبة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأتى النبي ﷺ قوم من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمة، فإنهم لقيام ورسول الله ﷺ قاعد. قال: فقلت في نفسي: أيتهم؟ فقمت بينهم لا يقتلونه. قال: ثم قلت: لعل ينجو معي معهم؟ فأتيتهم فقمت بينهم وبينه. قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون روما فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله».
وروى البخاري عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة آدم، فقال: «أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلتها، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، كل غاية ثمانون راية». وهذا في آخر الزمان، سنقاتل الروم بعد الهدنة التي بيننا وبينهم، وكل غاية اثنا عشر ألفًا.
قلت: ففتح بيت المقدس بعد موته في خلافة عمر بن الخطاب، ثم بعد ذلك وقع الطاعون العظيم بالشام، طاعون عمواس في خلافة عمر أيضًا، ومات فيه معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن جراح وخلق كثير، وكان ذلك أول طاعون وقع في الإسلام، فكان مما أخبر به حيث أخذهم طاعون كقعاص الغنم. ثم استفاض المال في خلافة عثمان بن عفان حتى كان أحدهم يعطى مائة دينار فيسخطها، وكثر المال حتى كانت الفرس تشترى بوزنها. ثم وقعت الفتنة العامة التي لم يبق بيت من العرب إلا دخلته لما قتل عثمان ووقعت الفتنة بين المسلمين، يوم الجمل ويوم صفين.
وفي الصحيحين عن خب بن الأرتى قال: كانت الفرس تشترى بوزنها الذهب، حط فرس على القبان ويطلع بوزنها. قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ قال: فجلس محمرًا وجهه ثم قال: «والله إن من كان قبلكم، لا يؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويؤخذ له الحفرة فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه عن دينه. وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل، أو يذب على غنمه، ولكنكم تعجلون».
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتل تركًا صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة. ولا تقوم الساعة حتى تقاتلون قومًا يعلوهم الشعر». قلت: وهؤلاء الطوائف كلهم قتلهم المسلمون كما أخبر ﷺ، وأمر هذه الطوائف معروف؛ فإن قتال ترك من التتار وغيرهم الذين هذه صفتهم معروف مشهورة، وحديثهم في أكثر من مائة نسخة، كبارًا وصغارًا من كتب المسلمين، قبل قتال هؤلاء الذين ظهروا من ناحية المشرق الذين هذه صفتهم هم المغول التتار إذا هجموا على بلاد الإسلام. قال: التي لو كلف من رآهم بعينه أن يصفهم لم يحسن مثل هذه الصفة، الصفة التي ذكرت في الحديث أنهم كالمجان المطرقة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرها». وقدرت هذه النور سنة خمس مئة وستين. قال: وراها الناس، وراوا أعناق الإبل قد أضاءت ببصرها، وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد وأسماء أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباقية». وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر، لا يهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولا تنفقن كنوزهما في سبيل الله». وفي الصحيحين عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». هو الصحيح عينه.
سأل أحدهم: شيخنا، كيف في وجه أنه الدولة الرومية بقيت؟ وهو يتكلم عن هذا: «هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر لا يهلكن ثم لا يكون قيصر بعده». كان المراد تجتمع عليه الروم أو يجتمع عليه البيزنطيون، لكن هل ستبقى النصارى ودول ولها قائمة؟ ستبقى قائمة كدولة، لكن لا يجتمع أمرهم والله أعلم.
وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتفتحن عصابة من المسلمين -أو قال المؤمنين- كنز كسرى الذي في الإيوان». والإيوان قصر كان لكسرى، وفتح هذا الكنز سعد في خلافة عمر بن الخطاب، سعد بن أبي وقاص.
«إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فوقع هذا كما أخبر به بعد موت رسول الله ﷺ بنحو ثلاثين سنة، وهو في سنة أربعين من الهجرة، لما أصلح الله بالحسن بين الفئتين العظيمتين اللتين كانتا متحاربتين بصف عسكر علي وعسكر معاوية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إني رأيت الليلة في المنام ظلة سحابة، تنطف السمن والعسل، ينزل منها السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فمنهم مستكثر ومنهم مستقل».
قال: «ثم إذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، يعني حبل، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل بعدك فعلو، ثم أخذ به رجل آخر فعلو، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له». قال أبو بكر: «يا رسول الله، بأبي أنت وأمي لا تدعني». ثم وصل له بعدما انقطع.
قال: «فأعبره؟» قال: «أعبر». فقال أبو بكر: «أما الظلة فظل الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فهو القرآن، حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف فالمستكثر والمستقل من القرآن، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذت به فعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو، ثم يأخذ به رجل آخر الرابع فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به. فأخبرني يا رسول الله، أصبت أم أخطأت في تأويل الرؤيا؟» فقال: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا». قال: «فوالله يا رسول الله لا تخبرني بالذي أخطأ». قال: «لا تقسم».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرية من الناس ينزع مثل نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطنه». وفي رواية: «فاستحالت الدلو غربا في يد عمر».
قال الشافعي: «رؤيا الأنبياء وحي». وقوله "استحالت غربا" يعني أصبحت الدلو كبيرة جدا، وهذا يعني أن عمر سيوطد دولة الإسلام ويحصل على يده في زمنه من الخير والتوسعة على المسلمين ما لم يحصل في زمن أبي بكر، وإن كان أبو بكر معذورا فجزاه الله خيرا على أنه خاض حروب الردة. وقوله "في نزعه ضعف" قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب مع أهل الردة، ليس أنه ضعيف الشخصية، بل يفهم أن أبا بكر مدته قصيرة فما استطاع أن يحقق ما حققه عمر رضي الله عنه.
وفي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: «أرأيت إن جئت فلم أجدك؟» فقال: «فأتي أبا بكر»، والإشارة أن الخليفة بعده أبو بكر سيكون.
وروى أبو داود الطيلسي بإسناده عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: «إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وسيكون خلافة ورحمة، وسيصبح بعدي ملكا عضوضا». سيكون ملكا مثل الخلافة الأموية والعباسية، ثم بعد ذلك سيكون عنوة وجبرية، ليس ملكا فيه هدوء، وإنما السيوف التي تعمل في الناس وفسادا في الأمة، وهذا يعني يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى.
وروى أبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: «يا رسول الله، إني رأيت كان دلوا من السماء، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منه شيء»، وهذا دلالة الفتنة التي حصلت والدماء التي سيلت في زمن علي رضي الله عنه.
وعن سفينة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «تكون الخلافة النبوية ثلاثين سنة ثم تصير ملكا». وهذا كله وقع، هو يخبرك عن الأخبار كلها وقعت، فكانت هذه الثلاثون سنة من الموتية ودخل في ذلك خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
وفي الصحيحين أنه قال: «زويت لي الأرض»، يعني طويت لي الأرض أمامي فرأيت مشارقها ومغاربها، «وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منه». وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منه، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم»، يعني المجتمع، «وإن ربي قال لي يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأنا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا».
إننا كمسلمين نقتتل فيما بيننا هكذا يهلك بعضنا بعضا، وهذا أخبر به في أول الأمر ﷺ، وأصحابه كانوا في غاية القلة قبل فتح مكة. لعل ابن تيمية رصد أن هذا الحديث كان قبل الهجرة أصلا إلى المدينة، مستضعف خبره منكم أنتم ستقتتلون فيما بينكم، وكان كما أخبر، فإن ملك أمتي انتشر في الشرق والغرب، ولو انتشر في الجنوب والشمال لكان انتشارا في الشرق والغرب، هذه أول فائدة؛ أنه قال إنكم ستنتشرون شرق وغرب، لا شمال الكرة الأرضية وجنوبها.
ما وسط المعمور من الأرض؛ من العراق إلى شرق الأرض، من جهة الصين وما شابه ذلك، ومن ما وراء النهر وما قبل النهر إلى جهة الأندلس، وليس في شمالها باتجاه القارة الأوروبية والاسكيمو وما شابه ذلك، أو جنوبها باتجاه أستراليا. وما إذا كانت أمته أعلى للأمة، فانتشرت في الأقاليم التي هي أعدل للأقاليم، وأنتم تعرفون على طريقتهم أن أعدل الأقاليم هو الإقليم الثالث والرابع والخامس.
وقد تقدم قوله: «هلك كسرى فلا يكون كسرى بعده»، وذاك كسرى بن هرمز آخر الأكاسرة، ثم ولي بعده ولاة ضعفاء فكان آخرهم يزدجرد. وإلى هذا يُشار باللفظ الآخر: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعد، وهلك قيصر فلا قيصر بعده»، وهو الذي نفسي بيده لتنفقن كل في سبيل الله، وهذا أخبر به ملك كسرى وقيصر، أعز ملك في الأرض، وصدق الله خبره في خلافة عمر وعثمان. فالكسرى وهو آخر كسرى في خلافة عثمان، ولم يقصر ولم يقدم المجوس والفرس ملك، وهلك قيصر الذي بأرض الشام وغيره، ومن هو ملك على الشام ومصر والجزيرة من النصارى؟ وهو الذي يدعى قيصر.
وهذه فكرة ثانية، يقول ابن تيمية إن قيصر كأنه في عرفهم هو الذي يحكم في الشرق الأوسط، يعني كما يسمونه اليوم، أو على الجزيرة. فقال الشافعي: كانت قريش تنتاب الشام بإياب كثير، وكان كثيراً من المعاش وتأتي العراق، فيقال لما دخلت في الإسلام ذُكرت للنبي صلى الله عليه وسلم خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذ فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، وخلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام.
فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»، فلم يبقَ بأرض العراق كسرى يثبت له أمر بعده. وقال: «وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده»، فلم يكن بأرض الشام قيصر، فأجابهم على ما قالوا، وكان كما قال: قطع الله الأكاسرة عن أوقاف فارس، وقيصر عن الشام. وقال في كسرى: «مزق الله ملكه»، فلم يبق للأكاسرة ملك، وقال في قيصر: «ثبت ملكه»، فثبت ملكهم ببلاد الروم وتنحى عن الشام. وكل هذا يصدق بعضه بعضاً.
إذ يقول ابن تيمية: وقال في قيصر «ثبت ملكه»، فثبت ملكه لما قيصر لم يتعامل مع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بسوء الأدب الذي يتعامل به كسرى. كسرى النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله أن يمزق ملكهم فلم تقم لهم دولة بعد ذلك، بخلاف قيصر، قال: «ثبت ملكه» لأنه تعامل بأدب وباحترام، فثبت ملكهم لكن فقط في بلاد الروم، ولكنه تنحى عن الشام والجزيرة، وكل هذا يصدق بعضه بعضاً.
في الصحيح عن سفيان بن أبي زهير قال: قال صلى الله عليه وسلم: «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهاليهم، ومن أطاعهم... والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». ثم «تفتح الشام فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهلهم، ومن أطاعهم والمدينة خير لهم وكانوا يعلمون». وفي رواية: «فيخرج من المدينة».
فخبر صلى الله عليه وسلم بفتح اليمن والشام والعراق قبل أن يكون، وأخبر أنه يخرج من المدينة أقوام يتحملون بأهلهم ومن أطاعهم إلى هذه الأمصار ويطلبون الريف وسعة الرزق، وقال: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، هو إخبار أنه لما تفتح اليمن سيخرج أناس من أهل المدينة باتجاه اليمن، «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، وكذلك ثم ستفتح الشام، فإن ناساً ستخرج من المدينة باتجاه الشام، «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، ثم تفتح العراق فيأتي قوم وهكذا.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تفتح مصر وهي أرض يسمى فيها القيرات، فاستوصوا بأهلها خيراً»، وفي رواية: «بأهلها فإن لهم ذمة ورحمة». فإذا رأيتم رجلين يختلان على موضع لبنة فاخرج منها. فمر أبو ذر بعد فتح مصر بمدة بأبني شرحبيل بن حسنة وهما يتنازعان في وضع لبنة فخرج منها.
وفي صحيح البخاري عن سليمان بن صرد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجل الأحزاب عن الآن: «نغزوا ولا يغزون»، وكذلك كان. وفي صحيح مسلم عن أبي عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فتحت عليكم فارس والروم -أي قوم أنتم؟- قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتتنافسون؟ ثم تتحاسدون؟ ثم تتدافعون؟». فقلنا: نكون كما أمرنا، نتمسك بالكتاب والسنة يا رسول الله.
وقال عبد الرحمن بن عوف: مشكل راح يصير؛ قال: «ستتنافسون وتتقاتلون وتختلفون». يعني لا تظن أن أنت الآن في وقت الشدة وفي وقت المدينة، مش زي لما تفتح عليكم الدنيا، تجعلون بعضهم على رقاب بعض.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه لما أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: 2-3]، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الآخرين، فقال: «لو كان الدين معلقاً بثرية لناله رجال من أبناء فارس»، وفي لفظ: «لو كان الإيمان»، وفي لفظ: «العلم». وكان كما أخبر، فإنه حصل في التابعين وتابعيهم، وهل جرى من أبناء فارس مثل حسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن عباس، ومجاهد بن جبر، وأضعاف هؤلاء من نالوا ذلك.
ولما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّىٰ ۗ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [المائدة: 54]، سئل عنهم فقال: «هم قوم»، وهذا أشار إلى أبي موسى الأشعري، وقال: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن». وفي الصحيحين عنه أنه قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمانٍ والفقه يمانٍ والحكمة يمانية». فلما ارتد من ارتد عن الإسلام، أتى الله بهؤلاء الذين يحبهم ويحبونه، فقتل الصديق بهم أهل الردة وغلب بهم أبو بكر وعمر وكسر وقصر، وقال لعثمان: «إن الله مخصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلع»، وهي الخلافة.
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط من حوائط المدينة ومتكئ يركز بعود في الطين، إذا استفتح رجل فقال له: «افتح»، وبشره بالجنة، فإذا هو أبو بكر، ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر فقال له: «افتح له وبشره بالجنة»، فذهبت فإذا هو عمر، ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر.
فقال له: افتح له وبشر بالجنه على بلوة تصيبه، فذهبت فإذا هو عثمان، ففتحت له وبشرت بالجنه، فقلت له الذي قال، فقال: «اللهم صبراً، وأنت المستعان».
وفي الصحيحين حديث حذيفة عن النبي ﷺ في الفتن التي تموج موج البحر، وقال لعمر: «إن بينك وبينها باباً مغلقاً، يشرك ذلك الباب أن يكسر»، فسأل مسروق من الباب؟ فقال عمر. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «إذا فتن الناس فالقاعدة فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به». ورواه أبو بكرة وقال: «ومن وجد ملجأ ما كان يهرب إليه في زمن الفتنة فليعذ به».
وقال ﷺ: «فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». فقال رجل: يا رسول الله، رأيت من لم يكن له ابن ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، يجيب حجراً يدق على حده حتى يبطل، حتى يصير السيف لا يجيب ولا يقتل، ثم لينجو حتى لا يقتل أحداً، ثم ينجو إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟».
قال رجل: أرايت يا رسول الله، إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه أو جاء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار». وفي صحيح أبي حاتم، قال النبي ﷺ: «ويل للأعراب من شر قد اقترب، أو فتنة عمياء صماء بكماء، القاعدة فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، وبيل للساعي فيها من الله يوم القيامة».
وفي الصحيحين عنه أنه قال: «إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كما ينزل القطر من غير وجه»، يعني تنزل بين منازلكم بين المسلمين كما ينزل القطر بين المنازل من غير وجه.
أنه لما قال له ذو الخويصرة: يا محمد، اعدل فإنك لم تعدل! فقال: «ويحك، قد خبت وخسرت إن لم أعدل». فقال بعض أصحابه: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي ﷺ: «إنه يخرج من ضئ هذا أقوام، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، آياتهم فيهم رجل مخدج».
هذا الموطن الشاهد أنه ذكر الرجل المخدج فيهم، اليد مخدجة، اليد على عضده مثل البضعة، قطعة اللحم تدردر، وفي رواية في الصحيحين: «تمرق فِرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين»، يعني أقرب الطائفتين إلى الحق. وهؤلاء ظهروا بعد موته ﷺ ببدع وسنن في أواخر خلافة علي لما افترق المسلمون، فكانت الفتنة بين عسكر علي وعسكر معاوية، وقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه، وكان علي هو أقرب الطائفتين إلى الحق في الفتنة، والطائفة الأخرى قتلوا عمار بن ياسر، وهي طائفة معاوية رضي الله عنه، فبالتالي عرفنا بذلك أن الأولى بالحق هو علي رضي الله عنه. وكان علي قد أخبرهم بهذا الحل وبعلامة هذا الرجل، فطلبوا هذا المخدج لما قاتلوا الخوارج جيش علي، فقال: «اطلبوا هذا الرجل المخدج»، فلم يجدوه حتى قام علي بنفسه ففتش في الخوارج الذين قتلوا، فوجد هذا الرجل مقتولاً فسجد شكراً لله على تحقق نبوءة النبي ﷺ.
وفي الصحيح عنه أنه قال: «سيكون بعد أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معافلة»، وهؤلاء ظهروا بعده بمدة، فكانوا بنو أمية عموماً يؤخرون الظهر ويصلونها قريباً من وقت العصر، ويؤخرون العصر فرار الشمس.
وفي الصحيحين أنه قال للأنصار: «إنكم ستلقون بعد كثرة دنيا وتصبّروا»، يعني أن الناس ستقبل على الدنيا وتتمسك بها وشح عليها، قال: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». فلقوا بعده من استأثر عليهم ولم يعطهم حقهم. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «ستكون بعد أمراء يطلبون منكم حقهم ويمنعونكم حقكم»، قال: ما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم».
وفي الصحيح أنه سار إلى فاطمة، فقال لها في مرضه الذي توفي فيه: «إني أقْبض في مرضي هذا»، ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقاً به، وفي رواية أخبرها أنها سيدة نساء المؤمنين. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ، وبالتألي فعلاً فاطمة هي أول من ماتت بعده بستة أشهر، فكان هذا مصداق قوله وقوله: «أسرعكن بي لحاقاً أطولكن يداً من زوجاته»، فكان كل واحدة يتطاولن أي من أطول يداً، فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، فكروا طول اليد بالشبر، وإنما كان طول اليد بالإنفاق أيضاً، وهذا الذي حصل أن زينب أول من ماتت.
وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «أول جيش يغزو قسطنطينية مغفور لهم». وفي صحيح البخاري عن أم حرام أيضاً قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبهم»، قالت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: «أنتِ فيهم»، أوجبوا الجنة.
ثم قال النبي ﷺ: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»، فقلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: «لا»، وغزاها المسلمون في خلافة معاوية وكان يزيد أميرهم، وكان في العسكر أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي ﷺ في بيته لما قدم المدينة المهاجرة ومات ودفن تحت سورها، وذكروا أنهم كانوا إذا وجدوا جدبًا كشفوا عن قبره فيسقون. ثم غزاها المسلمون مرة ثانية في خلافة عبد الملك، غزاها ابنه مسلم وحاصروها عدة سنين وبنوا فيها مسجداً.
وفي الصحيحين عن أنس قال: كان النبي ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن صامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته وجعل تفلي رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: مما تضحك؟ فقال: «عُرض عليَّ ناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسر، أو مثل الملوك على الأسر»، فقالت أم حرام: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها. ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: لما تضحك؟ فقال: «عُرض عليَّ ناس من أمتي كما قال في الأولى».
«رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم»، قال: «أنت من الأولين». قال أنس: فركبت البحر زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها لما خرجت من البحر فماتت. وهذا كان في خلافة عثمان، ومعاوية نائبه، وكان المسلمون في خلافة عمر لم يغزوا في البحر، وأول ما غزوا البحر في خلافة عثمان، وفتحوا جزيرة قبرص، وجاؤوا بسباياها إلى دمشق.
وكان أبو الدرداء يحيا بدمشق، فجعل يبكي. فقيل له: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟ قال: هذا يوم قد أعز الله فيه الإسلام، فقال: إنما أبكي؛ إني رأيت هذه الأمة كانت قوية ظاهرة فأضاعت أمر الله فيه، فأصارها الله إلى ما ترون. ما أهون العبادة على الله إذا ضيعوا أمره.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها، وسألته ألا يهلكهم بسنة عامة، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني إياها».
نكتفي اليوم بهذا القدر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل