دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (19) | المجلس الحادي والأربعون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اختفى.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم ثبتنا على طلب العلم وتحصيله، اقطع عنا الشواغل والعوائق، واجعلنا من العاملين يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد عليه رحمة الله، وما زلنا نعيش في القسم الأخير من كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. هذا الكتاب الذي نعيش في أفيائه منذ أشهر هو كتاب ضخم زخم يعلق على قضية شبهات النصارى حول دين الإسلام، ويعتبر كتابا ثقيلا لمن لا يهمه هذا الموضوع، لكن لمن يهتم بهذه القضايا وإثارتها وكيفية إدارة النقاش في هذا الملف، يعتبر هذا الكتاب أحد مصادر الإسلام الكبرى في هذا الموضوع.

وصلنا إلى الكلام عن مكة والحجاز، وذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم فيها في الكتب السابقة، فقالوا: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونج المستضعفين من المؤمنين آمين.

قال رحمه الله تعالى: فصل قالوا: وقال إشعياء النبي عليه السلام مثنيا على مكة تشرفها الله: أرفعي إلى ما حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين؛ من أجل أن الله يصير إليك ذخائر البحرين، وتحج إليك عساكر الأمم، حتى يعم بك قطر الإبل المؤبلة، وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ، ويسير إليك أغنام فاران، ويخدمك رجال مأرب يريد سدنة الكعبة وهم أولاد مأرب بن إسماعيل.

قالوا: فهذه صفات حصلت بمكة، فحملت إليها ذخائر البحرين، وحج إليها عساكر الأمم، وسيقت إليها أغنام فاران، وهي الهدايا والأضاحي التي تساق إلى مكة إلى بيت الله الحرام.

وقال: وفاران هي البرية الواسعة التي فيها مكة، وضاقت الأرض عن قطرات الإبل المؤبلة الحامله للناس ولازواج إليها، واتاها أهل سبأ وهم أهل اليمن.

فصل: قالوا: وقال إشعياء النبي معلنا باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اني جعلت أمرك محمدا يا محمد يا قدوس الرب اسمك موجود من الأبد. قالوا: فهل بقي بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاع مجال؟ وقول إشعياء إن اسم محمد موجود من الأبد موافق لقول داود عليه السلام الذي حكيناه أن اسمه موجود قبل الشمس.

وقوله: يا قدوس الرب، يعني يا من طهره الرب وخلصه من بشريته واصطفاه لنفسه. قال: وقال إشعياء، وشهد لهذه الأمة وفي نسخة وخلصه من شوائب بشريته، لأن هو بشر عليه الصلاة والسلام لكنه خلصه من شوائب بشريته، والمراد عصمته والعصمة من الذنوب والمعاصي نعم.

قالوا: وقال إشعياء شاهدا لهذه الأمة بالصلاح والديانة: سأرفع علما لأهل الأرض بعيدا، فيصف لهم من أقاصي الأرض فيأتون سراعا. العلم المرفوع هو النبوة، وصفيره هو دعاؤهم إلى بيته ومشاعره.

فيصفر لهم من أقاصي الأرض، ما معنى يصفر لهم؟ يعني يدعوهم إلى البيت الحرام: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] كما أن إبراهيم يؤدين في الناس بالحج، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى حج البيت الحرام.

فصل: قال وقال إشعياء النبي - والمراد مكة تشرفها الله -: سري سري واهتزي أيتها العاقرة التي لم تلد - يخاطب مكة - وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي. يعني باهله هي بيت المقدس، وهذا يعني أن مكة ستكون عامرة في آخر الزمان أكثر من بيت المقدس بالحج والعمرة.

قالوا: يعني بالعاقرة مكة تشرف الله لأنها لم تلد قبل نبي قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، يعني لم تكن أرض أنبياء بخلاف بيت المقدس مئات الأنبياء من بني إسرائيل كانوا فيه.

فصل: قال وقال إشعياء النبي، ونص على خاتم النبوة: ولد لنا غلام يكون عجبا وبشره، والشامة على كتفه، أركون السلام إله جبار. والشامة على كتفه التي هي خاتم النبوة بين كتفي النبي عليه الصلاة والسلام، وسلطانه سلطان السلام، وهو ابن عالمه، يجلس على كرسي داود.

قالوا: الأركون هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة المعظمون. ولما أبرأ المسيح مجنونا من جنونه قال اليهود: إن هذا لا يخرج شياطين من الادميين إلا باركون الشياطين، يعني يعانون عظيمهم.

وقال المسيح في الإنجيل: إن أركون هذا العالم يدان، يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشر من الآدميين، وسماه إلها على نحو قول التوراة: إن الله جعل موسى إلها لأهل فرعون، أي حاكما عليه متصرفا فيه. ويدان يعني يحاسب، كما تدين تدان، والمراد باركون الشر هنا. وسماه إلها على نحو قول التوراة إن الله جعل موسى إلها لفرعون، أي حاكما عليه ومتصرفا فيه، وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: إنكم آلهة.

فقد شهد إشعياء بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه بأخص علاماتها وأوضحها ويشامته، فقد لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح. وقد وصفه بالجلوس على كرسي داود، يعني أنه سيرث بني إسرائيل نبوتهم وملكهم ويبتزهم رئاستهم، وهذا معنى أن جلوسه على كرسي داود أنه سيرد ملك بني إسرائيل وتصبح النبوة فيه.

وقال إشعياء في وصف أمة محمد عليه الصلاة والسلام: ستمتلئ الباديه والمدن من أولاد قيدار، يصبحون ومن رؤوس الجبال ينادون، وهم الذين يجعلون لله الكرامة ويسبحونه في البر والبحر. وقيدار من هو؟ هو ابن إسماعيل باتفاق الناس وليس ابن إسحاق، وقيدار من جهة إسماعيل وليس من جهة إسحاق، وربيعة ومضر من ولده، ومحمد صلى الله عليه وسلم من مضر. وهذا الامتلاء والتسبيح في البر والبحر لم يحصل لهم إلا ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جعلت لهم الأرض مسجدا وطهورا، فلذلك هم يسبحون في كل مكان في البر والبحر، أنهم يصلون في السفن، يصلون على الأراضي، فهم يصلون الصلوات الخمس في أي مكان.

فقال إشعياء وهو يخاطب مكة أو يتكلم عن مكة: أنا رسمتك على كفي، وسياتيك أولادك سراعا، ويخرج عنك من أراد أن يخيفك ويحزنك، فارفعي بصرك إلى ما حولك فإنهم سياتونك ويجتمعون إليك. فتسمي باسمي، أني أنا الحي لتلبسي الحلل وتزيني بالاكليل مثل عروس، ولا تضيقن خراباتك من كثرة سكانك والراغبين فيك، ولا يهابن كل من يناوئك، ولا يكثرن أولادك حتى تقولي: من رزقني هؤلاء كلهم وأنا فريدة وحيدة نزور رقوب، فمن ربى لهؤلاء ومن تكفر؟

وأنا فريدة وحيدة - مكة كانت كما قلت لم تكن ذات قيمة تماما، ولم يكن الناس يلتفتون إليها فهي كانت فريدة وحيدة نزور رقوب ما عندها أحد، أولاد ما عندها شيء - فمن ربى لي هؤلاء يعني من أتاني كل هذا الزخم؟ قالوا: وذلك إفصاح من إشعياء بشان الكعبة، فهي التي ألبسها الله الحدن والديباج الفاخرة، ووكل بخدمتها الخلفاء الملوك، ومكة هي التي ربى الله لها الأولاد من حجاجها والقاصدين بها.

قلت: وذلك أن مكة هي التي أخرج عنها كل من أراد أن يخيفها ويخزيها، فلم تزل عزيزة مكرمة محرمة، لم يهنها أحد من البشر قط، بل أصحاب الفيل لما قصدوها عذبهم الله تعالى العذاب المشهور. ولم تزل عامره محجوجه من لدن إبراهيم الخليل، بخلاف بيت المقدس فانه قد اخرب مرة بعد مرة، وخلى من السكان، واستولى العدو عليه وعلى أهله.

وكذلك إخباره بإهانة كل من يناوئها هو للكعبه دون بيت المقدس، كما قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]. والحجاج بن يوسف كان معظما للكعبه، لم يرميها بمنجنيق، وإنما قصد ابن الزبير خاصة. وأما كثرة أولادها وهم الذين يحجون إليها ويستقبلونها في صلاتهم، فهم أضعاف أضعاف أولاد بيت المقدس.

فصل: قال وقال إشعياء حاكا عن الله تعالى: اشكر حبيبي وابني احمد. فسماه الله حبيبا وسماه ابنا، وداود سماه الله حبيبا وسماه ابنا، غير أن الله خصه عليهم بمزية فقال: حبيبي ابني اشكر. ابني وأشكره، فتعبد إشعياء بشكر محمد، ووظف عليه وعلى قومه شكره وإجلاله ليتبين قدره ومنزلته عنده، وتلك منزله لم يؤتها غيره من المرسلين.

وقال إشعياء: أنا سمعنا من أقطار الأرض صوت محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا إفصاح من إشعياء باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليرنا أهل الكتاب نبيا نصت الانبياء على اسمه صريحا سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصل: قالوا وقال حبقوق، وسمى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين في نبوته: إن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران، لقد اضاءت السماء من بهاء محمد صلى الله عليه وسلم، وامتلات الارض من حمده، شعاع منظره مثل النور، يحوط بلاده بعزه، تسير المنايا أمامه، وتصحب سباع الطير أجناده، قام فمسح الارض فتضعضعت له الجبال القديمة وانخفضت الروابي، وتزعزعت ستور أهل مدين، ولقد حاز المساعي القديمة. ثم قال: زجرك في الانهار واختدام صوامع في البحار، ركبت الخيول وعلوت مراكب الإنقاذ، وسينزع في قسيك أعراقا ونزعة، وترتوي السهام بامرك يا محمد ارتواء.

ولقد راتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السبيل، ونعرت المهاوي نعيرا، ورعبت فرفعت أيديها وجلا وخوفا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولامعاني نيازكك، وتدوخ الارض غضبا، وتدوس الامم زجرا، لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك.

قالوا: هذا تصريح بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمد صلى الله عليه وسلم فقد رام ستر النهار وحبس الانهار وأن يقدر على ذلك، وقد سماه باسمه مرتين، واخبر بقوه أمته وسير الملا. ومن رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمد صلى الله عليه وسلم فقد رام ستر شيء واضح.

وقد سماه باسمه مرتين، واخبر بقوه أمته، وسير المنايا أمامهم، واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تصلح إلا له ولا تدل إلا عليه، فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعا.

قلت: وقد ذكر فيها مجيء نور الله من التيمان، وهي ناحية مكة والحجاز، فإن أنبياء بني إسرائيل كانوا يكونون من ناحية الشام، ومحمد صلى الله عليه وسلم جاء من ناحية اليمن، التيمان المراد من جهة اليمن. وجبال فاران هي جبال مكة كما قد تقدم بيان ذلك، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه.

وأما امتلاء السماء من بهاء أحمد، فأنوار الإيمان والقرآن التي ظهرت منه ومن أمته. وامتلاء الأرض من حمده وحمد أمته في صلواتهم فأمر ظاهر، فإن أمتهم هم الحمادون، لابد لهم من حمد الله في كل صلاة وكل خطبة، ولابد لكل مصل في كل ركعة من أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. فهم يفتتحون القيام في الصلاة بالتحميد، ويختمونها بالتحميد، وإذا رفعوا رؤوسهم في الركوع يقول إمامهم: سمع الله لمن حمده، ويقولون الجميع: ربنا ولك الحمد.

قال حزقيال: قالوا قال حزقيال وهو يهدد اليهود ويصف لهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن الله مظهرهم عليكم، وباعث فيكم نبيا ومنزل عليهم كتابه، ومملكهم رقابكم، فيقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال بني قيدار في جماعات شعوب معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين، فيحيطون بكم وتكون عاقبتكم إلى النار نعوذ بالله من النار.

طبعا وباعث فيهم نبيا، وفي نسخة وباعث فيهم نبي، ولعلها اضبط لأنه هي وباعث فيهم نبيا ومنزل عليهم كتاب، الضمير يعود إلى شيء واحد.

قلت: وذلك أن رجال بني قيدار هم ربيعة ومضر كما قلنا، أي عدنان هو أبو ربيعة ومضر وأنمار من ولد إسماعيل باتفاق.

الناس، وأما قحطان فقيل هم من ولد إسماعيل، وقيل هم من ولد هود. العرب العاربة اللي هم القحطانيون، فقيل هم من ولد إسماعيل، وقيل من ولد هود والله أعلم. فتحت في الحاشية ومن قال بأن قحطان اللي هو أبو العرب العاربة نسبته إلى إسماعيل، الإمام البخاري في الصحيح حيث ترجم باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، والعرب العاربة ظهرت في اليمن.

أما العدنانيون هم العرب المستعربة، وهؤلاء هم الذين كانوا في الحجاز وما حولها منهم النبي صلى الله عليه وسلم أولاً من أولاد إسماعيل قطعا. قال ولده إلياس، وإلياس بن مضر، وقريش من ولد إلياس بن مضر وهوازن، مثل عقيل وكلاب وسعد بني بكر وثقيف وغيرهم، كلهم من ولد إلياس بن مضر، وهؤلاء انتشروا في الأرض. قال فاستولوا على أرض الشام والجزيرة ومصر والعراق وغيرها، حتى إنهم لما سكنوا الجزيرة بين فرات ودجلة سكنت مضر في حران وما قارب منها فسميت ديار مضر، وسكنت ربيعة في الموصل وما قارب منها فسميت ديار ربيعة.

وقال تنزل الملائكة على خيل بيض، وهذا مما تواترت به الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل البيض، كما نزلت يوم بدر لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، ونزلت يوم الأحزاب وحاطت ببني قريظة.

فصل: قال وقال دانيال عليه السلام وذكر محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه، فقال: سينزع في قسيك إغراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءه، فهذا تصريح بغير تعريض وتصحيح ليس فيه تمريض، فإن نازع في ذلك مناه فليجدنا. آخر اسمه محمد من هو محمد عليه الصلاة والسلام؟ المقصود في هذه الكلمات وهذه البشارات إلا محمد نبينا عليه الصلاة والسلام. قال فليجدنا آخر اسمه محمد، له سهام تنزع وأمر مطاع لا يدفع. وقال دانيال أيضا حين سأله بخت نصر عن تأويل رؤيا رآها ثم نسيها: رأيت أيها الملك صنما عظيما قائما بين يديك، رأسه من ذهب وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه من النحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من خزف، ورأيت حجرا لم يقطعه يد إنسان قد جاء وصك ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاته ثم نسفته الريح فذهب وتحول ذلك الحجر وصار جبلا عظيما حتى ملأ الأرض كلها، فهذا ما رأيت أيها الملك.

فقال بخت نصر صدقتك فما تأويلها؟ فقال دانيال: أنت الرأس الذي رأيته من الذهب، ويقوم بعدك ولاة، ذانك اللذان رأيت من الفضة هما دونك، ويقوم بعدهما مملكة أخرى وهي دونهما وهي شبه النحاس، وهي المملكة الرابعة تكون قوية مثل الحديد الذي يدق كل شيء. فأما الرجلان اللتان رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وكلمتها مشتتة، وأما الحجر الذي رأيت قد صك ذلك الصنم العظيم ففتته، فهو نبي يقيمه الله إله السماء والأرض من قبيلة بشريعة قوية فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ الأرض منه ومن أمته، ويدوم سلطان ذلك النبي إلى انقضاء الدنيا، فهذا تعبير رؤياك أيها الملك. قلت: فهذا نعت محمد صلى الله عليه وسلم لا نعت المسيح، فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها، وسلطانهم دائم لا يقدر أحد أن يزيله كما زال سلطان اليهود وزال سلطان النصارى عن خيار الأرض وأوسطها.

فصل: وقال دانيال أيضا: سألت الله وتضرعت إليه أن يبين لي ما يكون من بني إسرائيل، هل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث فيهم الأنبياء ويجعل ذلك في غيرهم؟ قال دانيال عليه السلام: فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا دانيال، إن الله تعالى يقول إن بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي وعبدوا من دوني آلهة أخرى، فصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن بعد الصدق إلى الكذب، فسلطت عليهم بخت نصر فقتل رجالهم وسبى ذراريهم وهدم بيت مقدسه وحرق كتبهم، وكذا بخت نصر سلطه الله على اليهود فشردهم شر تشريد، وكذلك فعل من بعده بهم، وإني غير راض عنهم ولا مقيل لعثراتهم، ولا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيح ابن العذراء البتول، فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرها، فأوحى إلى ذلك النبي وأعلمه الأسماء وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره والتقوى ضميره إلى غير ذلك. قال الناقل لهذا الكلام: ثم سرد دانيال قصة النبي صلى الله عليه وسلم حرفا حرفا مما أملاه عليه الملك، حتى وصل إلى آخر يوم أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا. دانيال حكى ما سيصير مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام بالتفصيل حتى النفخة الأولى في الصور، يعني عنده إن صحت طبعا هذه الرواية، وهي الآن في أيدي اليهود والنصارى يقرؤونها، وفيها ما وصفنا من إشادة الله بذكر هذه الأمة.

قلت: فهذه نبوة دانيال فيها بشارة بالمسيح والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيها من وصف محمد ووصف أمته بالتفصيل ما يطول وصفه، وقد قرأها المسلمون لما فتحوا العراق كما ذكر ذلك العلماء، منهم أبو العالية الرياحي ذكر أنهم لما فتحوا تستر وجدوا دانيال عندهم مصحف. قالوا إنه لما فتحوا تستر في زمن عمر بن الخطاب دخلوا على حصن من الحصون، فوجد المسلمون فيه قبرا في تابوت أو شيء من ذلك، فأخرجوه فقيل لهم إن هذا دانيال، وكان رجلا من بني إسرائيل نبيا من الأنبياء، وكان بجانبه مصحف، وأمر عمر بعد ذلك بإخفائه. قال أبو العالية: أنا قرأت ذلك المصحف وفيه صفتكم ولحون كلامكم. وكان أهل الناحية إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيسقون، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه أن يحفر بالنهار ثلاث عشرة قبرا وادفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به.

يعني كان الناس لما عرفت أنه دانيال رجل صالح، ما أسرع الناس إلى البدعة! كان الناس تأتي إلى قبر دانيال وتستسقي في زمن الصحابة جهال الناس، فكان أبو موسى كتب إلى عمر ماذا نفعل؟ قال: احفر 13 قبرا في النهار وفي الليل ادفنه في واحد منها حتى ما يعرف في أي قبر من هذه القبور، وبالتالي تذهب فكرة هذا. ويأتيك اليوم شخص يتكلم لك عن الاستغاثة بالقبور والتوسل بها وأن هذا منهج السلف، نسأل الله العافية، يعني هذه القصص المتواترة عن الصحابة تواترا معنويا بأمثال كثيرة أنهم ما كانوا يستسقون إلا بالالتجاء إلى الله عز وجل مع وجود قبور الصالحين وقبور النبي عليه الصلاة والسلام وقبور كبار الصحابة، وذلك لم يعرفه أحد من الصحابة الكرام فمن بعدهم، يعني كانوا أحسن حالا وأفهم من الصحابة، نسأل الله العفو والعافية.

فصل: وقال يوحنا الإنجيلي قال يسوع المسيح في الفصل 15 من إنجيله: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء. الفارقليط هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم. وقال يوحنا التلميذ أيضا إن المسيح قال لتلاميذه: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يطيق العالم أن يقتلوه لأنهم لم يعرفوه، ولست أدعكم أيتاماً لأني سآتيكم عن قريب. وقال يوحنا إن المسيح قال: من يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه، وإليه نأتي وعنده نتخذ منزلاً، كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كلما قلت لكم، استودعتكم سلامي، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، فإني منطلق وعائد إليكم، يعني في آخر الزمان سيعود المسيح مرة أخرى.

قال: لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضي إلى الأب، فإن أنتم ثبتم في كلامي وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدون، وبهذا يمجد أبي. وقال أيضا: إذا جاء الفارقليط الذي أبي يرسله روح الحق الذي من أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه، يعني بالتالي عيسى إن صحت هذه الروايات أوصى الحواريين باتباع النبي الفارقليط محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضا: إن خيرا لكم أن أنطلق، لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، يخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع الأب. وهذا كله بشارة بالنبي عليه الصلاة والسلام، أن أرقون العالم سيأتي، وليس لي شيء، يعني أنه خلص سيكون الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أرقون العالم وعظيم العالم من الأنبياء. وقال متى التلميذ إن المسيح قال: ألم تقرؤوا أن الحجر الذي أرذله البناؤون صار رأسا للزاوية، من عند الله كان هذا وهو عجيب في أعيننا، ومن أجل ذلك أقول لكم إن ملكوت الله سيؤخذ منكم ويدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها، ومن سقط على هذا الحجر ينشدخ، وكل من سقط هو عليه يلحقه.

قال يوحنا التلميذ في كتاب رسائل التلاميذ المسمى بالفركسيس: يا أحبابي إياكم أن تؤمنوا بكل روح، ولكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها، واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيا فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن يسوع المسيح جاء وكان جسدانيا فليست من عند الله، بل من المسيح الكذاب الذي سمعتم به هو الآن في العالم. وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في كتاب فركسيس: إنه قد حان أن يبتدئ الحكم بيت الله ابتداءه.

قلت: هذا اللفظ لفظ "فارقليط" في لغتهم ذكروا فيه أقوالا: قيل إنه الحماد، ما معنى الفارقليط المذكور في الكتب السابقة في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل الفارقليط معناه الحماد، وقيل الحامد، وقيل المعز، وقد قيل إنه الحمد، ورجح هذا طائفة. قالوا الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد، والدليل عليه قول يوشع: "من عمل حاسة تكون له فارقليطة"، جيد، أي حمد جيد، وقولهم المشهور في مخاطبتهم "فارقليط وفارقليطان" وما زاد على جميع، أي حمد وأمنه كما نقول نحن يد وأيدي وأكثر النصارى على أنه المخلص، وقيل هو الحكيم. والمسيح نفسه يسمونه المخلص، والإنجيل الذي بأيديهم أنه قال: إني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم. والنصارى يقولون في صلواتهم: لقد ولدت لنا مخلصا.

ومن قال معناه المخلص فيحتجون بأنها كلمة سريانية معناها المخلص، وقالوا هي مشتقة من قولنا "راوق"، ويقال بالسريانية "فاروق"، فجعل فارق، وقالوا معنى لي كلمة تزاد للتثبيت والتقدير كما يقال في العربية رجل هو وحجر هو وبدر هو وذكر هو، قال وكذلك يزداد في سريانية "ليط". والذين قالوا هو المعز، قالوا هو في لسان اليوناني المعز، ويعترض على هذين القولين بأن المسيح لم تكن لغته سريانية ولا يونانية بل عبرانية. ويجاب عنه بأنه تكلم بالعبرانية وترجم عنه بلغة أخرى، كما أملوا أحد الأناجيل باليونانية والآخر بالسريانية والآخر بالرومية، وواحد منها بقي عبرانية.

وقد اختلف فيه النصارى؛ من قال هو روح نزلت على الحواريين، وقد يقولون إنه ألسنة نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلت الآيات والعجائب، ولهذا يقول من خبر أحوال النصارى إن اختلف فيه أي في الفارقليط. ولهذا يقول من خبر أحوال النصارى لم ير أحد منهم يحسن تحقيق مجيء هذا الفارقليط الموعود به، ومنهم من يزعم أنه المسيح نفسه لكونه جاء بعد الصلب أربعين يوما وكونه قام من قبره.

وتفسيره بالروح باطل، وأبطل منه تفسيره بالمسيح لوجوه منها: أن روح القدس ما زالت تنزل على الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]، فتفسير الفارقليط بالروح باطل لأن الروح نزلت على الصالحين والأنبياء قبل النبي عليه الصلاة والسلام وبعده، وقال عليه الصلاة والسلام "حسان ثابت، اللهم أيده بروح القدس"، وقال "روح القدس معك"، يعني يعطيك أن روح القدس هذا موجود قديما وحديثا، وإذا كان كذلك ولم يسمِّ أحد هذه الروح فارقليطا دل هذا على أن الفارقليط ليس هو روح القدس بل هو أمر غير هذا، وأيضا مثل هذه ما زالت يؤيد بها الأنبياء، يعني هذه روح القدس، وما بشر به المسيح أمر أعظم من روح القدس، وأيضا فإنه وصف الفارقليط بصفات وصف...

الفارقليط في البشارات السابقة بصفات لا تناسب هذا، وإنما تناسب رجلاً ليس مالكاً، رجلاً يأتي بعده نظيراً له، فإنه قال: «إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب أن يعطيكم فارقليطاً آخر» يعني غيري رجلاً آخر. فقول «فارقليط آخر» دل على أنه ثانٍ لأول كان قبله، ولم يكن معهم في حياة المسيح إلا هو، ولم تنزل عليهم روح؛ فعلم أن الذي يأتي بعده نظيراً له ليس أمراً معتاداً يأتي للناس. وأيضاً فإنه قال: «يثبت معكم إلى الأبد»، وهذا إنما يكون لما يدوم ويبقى معهم إلى آخر الدهر، ومعلوم أنه لم يرد بقاء ذاته؛ فعلم أنه بقاء شرعه وأمره، يعني أنه ليس الفارقليط بذاته سيبقى النبي عليه الصلاة والسلام، بل سيبقى شرعه وأمره. فعلم أن الفارقليط الأول لم يثبت معهم شرعه ولا دينه إلى الأبد، وهذا يبين أن هذا الثاني هو صاحب شرع لا يُنسخ بخلاف الأول، وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم.

قال وأيضاً فإنه أخبر أن هذا الفارقليط الذي أخبر به يشهد له، يعلمهم كل شيء، وأنه يذكرهم كل ما قال المسيح، وأنه يبخ العالم عن الخطيئة، فقال: «والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء، هو يذكركم كل ما قلت لكم». وقال: «إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد لي. قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه. لكم انطلق؛ لأني إن لم أذهب لم يأتيكم فارقليط، فإذا انطلقت وأرسلته إليكم فيبخ العالم على خطيئتي».

فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على شيء في قلب بعض الناس ولا يراه أحد ولا يسمع كلامه، وإنما ينطبق على من يراه الناس ويسمعون كلامه؛ فيشهد للمسيح، ويعلمهم كل شيء، ويذكرهم كل ما قال لهم المسيح، ويبخ العالم على الخطيئة، ويرشد الناس إلى جميع الحق، وهو لا ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبرهم بكل ما يأتي، ويعرفهم جميع ما لرب العالمين.

قوله: فهذه الصفات والنعوت لا تنطبق على شيء في قلب بعض الناس، يعني روح القدس؛ لأنه ليس هو تثبيت الله لعباده المؤمنين في هذا السياق. فهذه الصفات والنعوت لا تنطبق على شيء في قلب بعض الناس، يعني على روح القدس، شيء معنوي إيماني اسمه السكينة، ما ذكر هو وصف لشيء حقيقي موجود يراه الناس ويسمعوه؛ فلا يمكن تفسير الفارقليط بروح القدس، هذا الذي أراد أن يحكيه. وهذا لا يكون ملكاً لا يراه أحد، ولا يكون هدىً ولا علماً كما قيل في قلب بعض الناس، بل لا يكون إلا إنساناً عظيم القدر يخاطب الناس بما أخبر به المسيح، وهذا لا يكون إلا بشراً رسولاً، فكونه أعظم من المسيح؛ فإن المسيح بين أنه يقدر على ما لا يقدر عليه المسيح من خطاب الناس بأمور عظيمة لا تحملها عقول أولئك، ويعلم ما لا يعلمه المسيح بكل ما يأتي وبما يستحقه الرب، حيث قال: «إن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله له، ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عندي بل يتكلم بما». وهذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم.

وذلك أن الإخبار عن الله بما هو متصف به من الصفات، وعن ملائكته وملكوته، وعما أعده في الجنة لأوليائه والنار لأعدائه، أمر لا تحتمله عقول كثير من الناس معرفته على التفصيل؛ ولذلك قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.

قال وسأل الرجل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12]، قال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت، وكفرك بها تكذيبك بها. فقال له المسيح عليه السلام: «إن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله». وهو صدق المصدوق في هذا، وليس في الإنجيل من صفات الله وصفات ملكوته ومن صفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة، وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أن موسى كان قد مهد الأمر للمسيح، ومع هذا فقد قال المسيح: «إن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله»، ثم قال: «ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق»، وقال: «إنه يخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع الرب».

قال دل هذا على أن هذا الفارقليط هو الذي يفعل هذا دون المسيح. وكذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى جميع الحق حتى أكمل الله له الدين وأتم به النعمة، ولهذا كان خاتم الأنبياء؛ فإنه لم يبق شيء يأتي به غيره. وأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما يأتي من أشراط الساعة والقيامة والحساب والصراط ووزن الأعمال والجنة وأنواع نعيمها والنار وأنواع عذابها، فلهذا كان في القرآن من تفصيل أمر الآخرة وذكر الجنة والنار وما يأتي من ذلك أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الإنجيل، وذلك تصديق قول المسيح أنه يخبر بكل ما يأتي. ومحمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله بين يدي الساعة كما قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بأصابعه السبابة والوسطى، وكان إذا ذكر الساعة علا صوته، واحمر وجهه، واشتد غضبه كأنه منذر جيش، وقال: «أنا نذير العريان»، وقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فأخبر من الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يخبر به نبي من الأنبياء كما نعته به المسيح، حيث قال: «إنه يخبركم بكل ما يأتي»، ولا يوجد قط مثل هذا عن أحد من أنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن أن يوجد عن شيء ينزل في قلب بعض الحواريين.

وأيضاً فقال: «ويعرفكم جميع الرب»؛ فبين أنه يعرف الناس جميع أعمال الله، وذلك يتناول ما له من أسمائه وصفاته، وما له من حقوق، وما يجب من الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله، بحيث يكون ما يأتي به جامعاً لكل ما يستحقه الرب، وهذا لم يأت به أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم حيث تضمن ما جاء به من الكتاب والحكمة هذا كله. ومعلوم أن ما نزل على الحواريين لم يكن فيه هذا كله ولا نصفه ولا ثلثه، بل ما جاء به المسيح أعظم مما جاء به الحواريون، وهذا الفارقليط الثاني جاء بأعظم مما جاء به المسيح.

قال وأيضاً فإن المسيح قال: «إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه»؛ فبين أنه أخبرهم به ليؤمنوا به إذا جاء ولا يشكوا فيه، وأنه يشهد له، وهذه صفة من بشر به المسيح وشهد المسيح كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6].

وأخبر أنه يوبخ العالم على الخطيئة، ولم يوجد أحد وبخ جميع العالم على الخطيئة إلا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أنذر جميع العالمين من أصناف الناس، ووبخهم على الخطيئة من الكفر والفسوق والعصيان، وبخ المشركين من العربي والهندي والتركي وغيرهم، وبخ المجوس وكانت مملكتهم أعظم من الممالك، ووبخ أهل الكتابين اليهود والنصارى. وقال في الحديث الصحيح عنه: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»، لم يقتصر على مجرد الأمر والنهي، بل وبخهم وقرعهم وهددهم.

وأيضاً فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمعه، هذا إخبار بأن كل ما يتكلم به فهو وحي يسمعه، ليس هو شيء تعلمه من الناس أو عرفه باستنباطه، وهذه خاصة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن المسيح ومن قبلهم من الأنبياء كانوا يتعلمون من غيرهم مع ما كان يوحى إليهم، فعندهم علم غير ما يسمعونه من الوحي، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم ينطق إلا بما يسمعه من الوحي فهو مبلغ لما أرسل به، ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67].

فضمن الله له العصمة إذا بلغ رسالاته، فلهذا أرشد الناس إلى جميع الحق، وألقى إلى الناس ما لم يمكن غيره من الأنبياء إلقاءه خوفاً أن يقتلوه كما يذكرون عن المسيح وغيره، وقد أخبر المسيح بأنه لم يذكر لهم جميع ما عنده وأنهم لا يطيقون حمله، وهم معترفون بأنه كان يخاف منهم إذا أخبرهم حقائق الأمور. ومحمد صلى الله عليه وسلم أيده الله تعالى تأييداً لم يؤيده لغيره، فعصمه من الناس حتى لم يخف من شيء يقوله، وأعطاه من البيان والعلم ما لم يؤته غيره، فالكتاب الذي بعث به فيه من بيان حقائق الغيب ما ليس في كتاب غيره، وأيد أمته تأييداً أطاقوا به حمل ما ألقاه إليهم، فلم يكونوا كأهل التوراة الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح: «إن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله لكم ولكن لا تستطيعون حمله»، أي فهمه والقيام بحقوقه. وروي أن المسيح قال: جئتكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل.

ولا ريب أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل عقولاً وأعظم إيماناً وأتم تصديقاً وجهاداً، ولهذا كانت علومهم وأعمالهم القلبية وإيمانهم أعظم، وكانت العبادات البدنية لغيرهم أعظم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 285-286]، هذا موطن الشاهد: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، ما كان على اليهود والنصارى، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال له: «قد فعلت».

أيضاً فإنه أخبر عن الفارقليط، أي عيسى أخبر عن الفارقليط أنه يشهد له، يشهد لعيسى، وأنه يعلمهم كل شيء، وأنه يذكرهم كل ما قال المسيح، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا إذا شهد له شهادة يسمعها الناس، لا يكون هذا شيئاً في قلب طائفة قليلة، ولم يشهد أحد للمسيح شهادة سمعها عامة الناس إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أظهر أمر المسيح وشهد له بالحق حتى سمع شهادته له عامة أهل الأرض، وعلموا أنه صدق المسيح ونزهه عما افترته عليه اليهود من أنه ولد زنية، وعما غلت فيه النصارى، فهو الذي شهد له بالحق. ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمد صلى الله عليه وسلم للمسيح، قال لهم: ما زاد عيسى على ما قلتم.

وجعل الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الناس يشهدون عليهم بما علموهم الحق إذ كانوا وسطاً عدلاً يشهدون بباطنه، فإن الشهيد لا يكون إلا عدلاً، بخلاف من جار في شهادته فزاد على الحق حقاً أو نقص.

منه كشهادة اليهود والنصارى في المسيح. وأيضا في معنى "فارقليط"؛ إن كان هو الحامد أو الحماد أو الحمد أو المعز، فهذا الوصف ظاهر في محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أمة الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، وهو صاحب رواية الحمد، والحمد مفتاح خطبهم وصلواتهم، ولهذا لما كان حماداً جوزي بوصفه، فإن الجزاء من جنس العمل، فكان اسمه محمداً وأحمد.

أما محمد فهو على وزن مكرم ومعظم ومقدس، هو الذي يحمد حمداً كثيراً مبالغاً فيه، فمحمد على وزن مكرم ومعظم سمي به صلى الله عليه وسلم لأنه يحمد حمداً كثيراً مبالغاً فيه ويستحق ذلك طبعاً، والمبالغة التي لا تستحق لا، بل هو مبالغة في شيء كثير وهو يستحق ذلك، فلما كان حماداً لله كان محمداً. قال حسن بن ثابت في شعره: «وشق له من اسمه ليجله .. فذو العرش محمود وهذا محمد».

وأما أحمد فهو أفعل التفضيل، أي هو أحمد من غيره، أي أحق بأن يكون محموداً أكثر من غيره، يقال هذا أحمد من هذا، أي هذا أحق بأن يحمد من هذا، فيكون فيه تفضيل له على غيره في كونه محمداً. وطبعاً في قول آخر أنه أحمد من غيره لله، يعني ابن تيمية هنا فسر اسم أحمد بأنه أحق أن يكون محموداً من غيره، لكن هناك من يفسر اسم أحمد بأنه أحمد من غيره لله، فهذا شيء وهذا شيء آخر، وكلاهما مقبول وكلاهما صحيح.

إذاً لفظ محمد يقتضي فضله في الكمية، ولفظ أحمد يقتضي فضله في الكيفية. كيف يعني شيخنا؟ لفظ محمد هو كثير الحمد، هو في الكمية أكثر من حيث الحمد، ولفظ محمد يقتضي فضله في كمية الحمد والثناء على النبي عليه الصلاة والسلام، بحيث تفوق كمية الثناء على غيره. أما أحمد تقتضي فضله في الكيفية، أي يحمد بأشياء لا يحمد بها غيره، يحمد بأمور وقضايا وهيئات لا يحمد بها غيره.

ففي الأول نتكلم عن كمية الحمد والثناء على النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الثاني نتكلم عن الأمور التي يحمد عليها، أي أحق بأن يكون محموداً أكثر من غيره، فنقول هذا أحمد من هذا، أي هذا يستحق الحمد أكثر من هذا لما له من الصفات ولما له من الخلال وما شابه ذلك. وقال من يقول أحمد أي أكثر حمداً من غيره، وهو المعنى الثاني الذي ذكرته، أنما سمي أحمد لأنه عليه الصلاة والسلام أكثر حمداً من غيره لله، فعلى هذا يكون بمعنى الحامد، أنه حامد لله أكثر من غيره.

وقال من رجح أن معنى "فارقليط" في لغتهم الحمد كما تقدم، وإذا كان كذلك فهو ما جاء في القرآن: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. فكلمة "فارقليط" يناسبها في القرآن قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ لأن "فارقليط" بمعنى الحمد، ولا شك عنده أنه اسم مشتق من الحمد مثلما نقول في لغتنا ضارب ومضروب، وأحمد هو اسم مشتق من الحمد.

وأما اسم المعز، قال: أما اسم المعز فلم يعرف قط نبي أعز أهل التوحيد لله والإيمان كما أعزه محمد صلى الله عليه وسلم، فهو حق باسم معز من كل هذا. إذا قلنا إن "فارقليط" بمعنى المعز، فأيضاً عليه الصلاة والسلام قد أعز أهل الإيمان. وأما إذا قلنا إن معناها المخلص، فهو أيضاً ظاهر فيه، فإن المسيح هو المخلص الأول كما ذكر في الإنجيل، وما هو معروف عند النصارى أن المسيح صلوات الله عليه سمي مخلصاً، فيكون المسيح هو "فارقليط" الأول، وقد بشر بـ "فارقليط" آخر، فإنه قال: «وأنا أطلب من أبي أن يعطيكم فارقليطاً آخر يثبت معكم إلى الأبد». فهذه بشارة بمخلص ثانٍ يثبت معكم إلى الأبد، هو المسيح هو المخلص الأول، وأما ما ينزل في القلوب فلم يسمه أحد مخلصاً ولا فارقليطاً، ما نزلت القلوب من روح القدس.

فلا يجوز أن يفسر كلام المسيح إلا في لغته ومعانيه المعروفة في لغته التي خاطب بها، وكذلك سائر الأنبياء، بل وسائر الناطقين، لا يفسر كلام ناطق إلا بما تدل عليه لغته. قال: وقد وصف هذا الثاني، هذا المخلص الثاني، بأنه يثبت معهم إلى الأبد، ومحمد هو المخلص الذي جاء بشرع باقٍ إلى الأبد لا ينسخ.

وأيضاً ما في إنجيل يوحنا، المسيح قال: «إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء»، وقد ذكروا أن "الأركون" بلغتهم على عظيم القدر، والأراكين العظماء، وقد كانوا يقولون إن على المسيح أن أركون الشياطين يعينه، أي عظيم الشياطين، ومن افتراء اليهود على المسيح قولهم هذا؛ كانوا يقولون عن المسيح إن إبليس يعينه في إبراء الناس، وهذا طبعاً من اتهام اليهود وافتراءهم على المسيح.

فقول المسيح "أركون العالم" إنما ينطبق على عظيم العالم وسيد العالم وخبير العالم، وقد أخبر أنه سيأتي، فامتنع أن يكون هذا الأركون هو المسيح، لأن المسيح يقول سيأتي، فكيف يكون هو المسيح ولم يأتِ بعد؟ المسيح من ساد العالم وأطاع العالم وأطاعه العالم غير محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا من بشارة المسيحي به.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان أول أمرك؟» قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورؤيا أمي رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام». وبالجملة فمعلوم بالاضطرال واتفاق أهل الأرض أنه لم يأت بعد المسيح من ساد العالم باطناً وظاهراً، ونقدته له القلوب والأجساد، وطيع في السر والعلانية، في محياه وبعد مماته في جميع الآصار.

وقال: وأفضل الأقاليم شرقاً وغرباً أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الملوك يطاعون ظاهراً لا باطناً، ولا يطاعون بعد موتهم، ولا يطيعهم أهل الدين طاعة يرجون بها ثواب الله في الدار الآخرة ويخافون عقاب الله في الدار الآخرة، بخلاف الأنبياء ومحمد صلى الله عليه وسلم، أظهر دين الرسل قبله وصدقهم ونوه بذكرهم وتعظيمهم، فبه آمن الأنبياء والرسل مثل موسى والمسيح وغيرهما، وأمم عظيمة لولا محمد لم يؤمن بها، ومن كان يعرف هؤلاء من أهل...

الكتاب كانوا مختلفين فيهم كاختلاف أهل الكتاب في المسيح، وكانوا يقدحون في داوود وسليمان وغيرهما بما هو معروف عندهم، وأيضا أنه ذكر له من الرسل ما لم يكن يعرفونه مثل هود وصالح وشعيب وغيرهم ومحمد ﷺ.

صدق المسيح بإخباره بأنه اركن العالم، فقال: «أنا سيد ولد آدم، وأنا فخر آدم، فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا». وهذا يدل على أنه اركون العالم، أنه هو أعظم الأنبياء وأعظم البشرية، فهو صاحب لواء الحمد وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون يوم القيامة، فهو سيد العالمين حقا، وهذا مطابق لقول المسيح إنه اركون العالم، فهو اركون الآخرين في الدنيا والآخرة، وهو اركون الأولين والآخرين في الآخرة.

قول المسيح إن اركون العالم سيأتي وليس له شيء وليس لي شيء تضمن الأصلين: إثبات الرسول وإثبات التوحيد، وأن الأمر كله لله، هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. هو اركون الآخرين لأن أمة محمد ﷺ جاءت آخر الأمم، فيكون عظيم الآخرين التي هي أمته في الدنيا والآخرة، وهو اركون الأولين والآخرين في الدار الآخرة.

وقوله إن اركون العالم سيأتي وليس لي شيء تضمن إثبات النبي ﷺ وإثبات التوحيد وأن الأمر كله لله، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فقول المسيح «ليس لي شيء» تبرئة له مما نُسب إليه من الربوبية، وهذا النفي يشترك فيه جميع الخلق. قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لَكُمْ غِنًى وَلَا ضَرًّا﴾، ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، وإلى قول: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.

وفي نبوة إشعياء أنه وصف محمدا ﷺ بأنه اركون السلم، والسلم والسلام هو الإسلام، فيبين أنه سيد دين الإسلام، ولا ريب أن الأنبياء كلهم بعثوا بدين الإسلام، لكن لم يظهر هذا الدين واسمه وانتشر ذكر دين الإسلام في الأرض كما ظهر بمحمد ﷺ؛ فمحمد ﷺ هو اركون الإسلام الذي يجمع كل خير وبر، كما أن إبليس اركون الشر.

قال تعالى عن نوح: ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ۖ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غَامَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَن أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 71-72]. هذا هو أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، يذكر أنه أمر أن يكون من المسلمين.

وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَأَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال لموسى: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾. وقال السحرة: ﴿تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. وقالت بلقيس: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال: ﴿أَن زَلَّلْنَا التَّوْرَاةَ فَيُحَكِّيهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. وإذا بالحواريين آمنوا به وبرسوله، قالوا: «آمنا وأشهد بأننا مسلمون».

فإن قيل فقد سمى المسيح الفارق والروح القدس، قيل: قد قال يوحنا في كتاب أخبار الحواريين المسمى إفركسيس: «إياكم أن تؤمنوا بكل روح، لا تميزوا أرواح التي من عند الله من غيرها، واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء فكان جسديا فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمنوا بأن المسيح جاء وكان جسدا فليست من عند الله بل من المسيح الكذاب، هو الآن في العالم». وإذا كان كذلك عُلم أن الروح عندهم هو الآن الذي هو المسيح الدجال موجود في العالم.

قال: علم أن الروح عندهم يتناول النبي ﷺ بشريا، وجبريل الذي نزل بوحي محمد ﷺ وهو روح القدس، روح الحق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾، وقال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وهذا الروح إنما جعله بمجيء محمد ﷺ، والكلام الذي نزل به هو الذي بلغه محمد ﷺ.

ولهذا قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ فصف الله جبريل من ملائكته، ومحمدا ﷺ من البشر. ولهذا يضاف القول الذي هو القرآن إلى نزول هذا تارة وإلى نزول هذا تارة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21-23]. فهذا الرسول جبريل؛ لذا أضيفت نسبة القرآن إلى جبريل في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.

وقال في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾؛ فالرسول الكريم في سورة الحاقة هو محمد ﷺ. ويخبرك أن الله يرسل رسلا من الملائكة ويرسل رسلا من البشر، ولذلك جاز إضافة القرآن إلى جبريل باعتباره مبلغا له إلى النبي ﷺ، وجاز إضافة القرآن إلى النبي ﷺ باعتباره مبلغا إلينا. وأضيف إلى كل منهما بلفظ الرسول لتضمنه أنه بلغه عن مرسله، لم يقل إنه لقول ملك، ولم يقل إنه لقول نبي، بل كفر من قال إنه قول البشر كما ذكر ذلك عن الوليد.

قال: وقد قال تعالى في القرآن: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولًا﴾. الوليد هو الذي قال إن هذا قول البشر، فربنا كفر الوليد بن المغيرة وقال إنه فكر وقدر: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. فتوعد الله الوليد بن المغيرة على قوله إن القرآن هو قول البشر، وإنما القرآن قول الله، وجبريل والنبي ﷺ كانوا مبلغين مرسلين به، رسولا يتلو عليكم وآتيا مبينات.

وعلم أن الرسول نفسه لم ينزل، بل أبدل الرسول من الذكر؛ لأن الرسول جاء بالذكر، ولما كان الرسول الملكي والرسول البشري والذكر منزل أمورا متلازمة، يلزم من ثبوت واحد ثبوت الآخرين، ومن الإيمان بواحد الإيمان بالآخرين. فيلزم من كون القرآن حقا كون جبريل ومحمد حقا، وكذلك يلزم من كون محمد حقا كون جبريل والقرآن حقا. ويعلق على الآية السابقة: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولًا﴾؛ أي رسولا بدل من الذكر.

مش هيك إعرابها، فأقول لك كيف؟ يا ربنا أنزل رسولاً. يقول: «ومعدلوم أن الرسول نفسه لم ينزل بل أبدل الرسول من الذكر أبدل»، يعني إعرابه بدل؛ لأن الرسول جاء بالذكر، فهذه وجه البدلية هنا.

زمزم من كون القرآن حق، كون جبريل محمد عليه الصلاة والسلام حق، وكذلك كون محمد حق، كون جبريل والقرآن حقه، فهذه البدلية كأنها تشير إلى التلازم. فتعليم محمد وتذكيره وشهادته هو تعليم روح القدس وروحه، والإخبار بأن الملك ينطق على لسان البشر، أو أن الجني ينطق على لسانه كثير، كما في حديث ابن عمر؛ كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر. فتعليم محمد وتذكيره وشهادته هو نفسه ما تعليم روح القدس، والإخبار بأن الملك ينطق على لسان البشر أو أن الجني ينطق على لسان البشر كثير، كما في حديث ابن عمر؛ كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر ويقال: «ما ألقى هذا على فيك إلا الشيطان». فالملك يمكن ينطق على لسان البشر، والشيطان يمكن ينطق على لسان البشر، ويكون مع هذا البشر يتكلم بقدرته واختياره، ليس هو كالمصروع الذي يتكلم الجني على لسانه وهو لا يدري ما يقول. فلهذا يقال: هذا قول الرسول البشري، وهو قول الرسول الملكي.

قال: ويقال فرقيه روح القدس، روح الحق وروح القدس يشهد لي ويعلمكم ويذكركم، نحو ذلك؛ فإن "فارق" يتضمن ذكر جبريل ومحمد جميعاً وقول أحدهما وقول آخر، ومعروف في اللغة بدل الاشتمال، كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]، والشهر ليس هو نفس القتال، لكن لما اجتمع القتال أبدل أحدهما من الآخر.

قال: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولًا﴾ [النساء: 163]، ومن هذا النمط أبدل الرسول من الذكر. والاجتماعي عليه، وهنا الثاني اجتمع على الأول بالرسول البشري، كان الرسول الملكي يتصل به في الباطن فيثقل عليه الوحي حين ينزل. في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله، كيف يتلقى الوحي؟ قال: «أحياناً في مثل صلة الجرس هو أشده علي، فيفصم عني»، وقد دعيت. قال: «أحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني»، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصل عرقه.

والفصم: الفك، والفصل في الأمور اللينة كما قال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256]، بالقاف، وهو الكسر الذي يكون في الأمور الصلبة. الفصم هو الكسر الذي يكون في الأشياء الصلبة.

قال: فبين أن الملك حين نزول الوحي يتصل به يلتبس به، ثم بعد ذلك ينفصل عنه وينفك عنه، وهذا الاشتمال والاتصال أبلغ من غيره، فيحسن معه أن يكون آخر أحسن من غيره، يقال: هذا القرآن بلغة الرسول النبي، بلغة جبريل. ونظائر هذا متعددة في جميع بشارات المسيحي، يذكر أن الآب هو في لغته هو الله هو الذي يرسل "البارقليط"، وفي بعضها قال: «أنا أطلب من أبي أن يعطيكم بارقليطاً آخر يثبت معكم للأبد».

أما قوله في بعض الألفاظ: «فإذا انطلقت وأرسلته إليكم»، فيكون معناه أني أرسله بدعاء أبي وطلبي منه أن يرسله، كما يطلب الطالب من ولي الأمر أن يرسل رسولاً أو يولي نائباً، أو يعطي أحداً ويقول: أنا أرسلت هذا، أو وليت هذا، أو أعطيت هذا؛ أي كنت سبباً في ذلك.

مما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى إذا قضى أن يكون شيء فإنه يقدر له أسباباً يكون بها، ومن تلك الأسباب دعاء طائفة من عباده به، فيكون في ذلك من النعمة إجابة دعاء هذا. ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا به الخليل عليه السلام فقال: ﴿رَبَّنَا ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: 129]. هذا معنى لما سئل: ما بادئ أمرك يا رسول الله؟ قال: «إن دعوة أبي إبراهيم». يعني دعوة أبي إبراهيم كانت سبباً في إرساله، باعتبار أن الله سبحانه وتعالى استجاب دعوة إبراهيم في إرسال محمد عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿رَبَّنَا ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾.

فهذا معنى قوله لما سئل عليه الصلاة والسلام: كيف بدأ أمرك؟ يعني ما هي الأسباب التي أوجدتك؟ خلينا نقول الله عز وجل شاء في القدر أن يوجده، لكن المراد هناك أسباب حصلت منها، دعاء سيدنا إبراهيم وطلب هذا من الله، مع أن الله قد قضى بإرساله وأعلن باسمه قبل ذلك، كما قيل له يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: «وأدم بين الروح والجسد»، يعني هو من الأزل منذ أن كان آدم بين الروح والجسد، وقال: «إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته».

وهذا كما أن الله قضى بنصر يوم بدر، ومن أسباب ذلك استعانته بالله، يعني انتصار يوم بدر كان مقضياً في الأزل، ولكن حصل بأسباب معينة، استعانته بالله ودعاؤه لله، عليه الصلاة والسلام استجاب الله دعاءه فحصّل انتصاره في يوم بدر، وكذلك ما يقضيه من إنزال الغيث، فيكون من أسبابه دعاء عباده له، ونظائره كثيرة. فلا يمتنع أن يكون المسيح سأل ربه بعد صعوده أن يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ويكون هذا من أسباب إرساله، لكن إبراهيم سأل في الدنيا فذكر الله تعالى في ذلك، بخلاف ما سأل المسيح؛ فإنه كان بعد صعوده إلى السماء سأل الله أن يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم.

قال: فص قد أبان القرآن نفسه من آيات نبوة إبراهيم رسالته أنواعاً متعددة، مع اشتمال كل نوع على عدد من الآيات والبراهين. الآن سينتقل ابن تيمية لفصل جديد، بعد أن ذكر في الفصل السابق البشارات التي ذكرت في الكتب السابقة وعلى ألسنة الأنبياء السابقين، سواء من ثبتت نبوته يقيناً أو من ثبتت نبوته ظناً، ما يدل على بعث النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا أراد أن يأتي في...

هذا الفصل بماذا؟ بذكر علامات وبراهين في القرآن نفسه. قال القرآن نفسه قد بين من آيات نبوة النبي ﷺ وأبراهين رسالته أنواع متعددة، مع اشتمال كل نوع على عدد من الآيات والبراهين، يعني القرآن بين من الآيات والبراهين أنواعاً وكل نوع يشتمل تحته على صور.

مثال ذلك: إخباره لقوم بالغيب الماضي الذي لا يمكن لمباشرة أن يعلمه إلا أن يكون نبياً، أو يكون ممن تلقاه عن النبي، وقومه يعلمون أنه لم يتعلم ذلك من بشر؛ لا من أهل الكتاب ولا من غيرهم. أولاً: وجود في القرآن تفاصيل قصص ماضية؛ مثل قصة يوسف عليه السلام، ربنا عز وجل ماذا ختم القصة؟ ﴿وَمَا كُنتُمْ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُم مَّكْرُونَ﴾ [يوسف: 10]، يعني أنت ما كنت جالساً مع إخوة يوسف وهم يتحاورون ماذا سنفعل بيوسف؟ كيف عرفت هذه التفاصيل لولا أنك نبي يوحى إليك؟ قالوا هذا نوعاً.

نعم، ومنه ما كان يسأله عنه المشركون أو أهل الكتاب لينظر هل هو نبي أم لا، وكان قومه يرسلون إلى أهل الكتاب البعيدين عنهم، مثل من كان بالمدينة وغيرها من أهل الكتاب، يطلبون منهم أن يسألوه عما يسألونه، فيرسلون إليه يسألونه عن ذلك ويمتحنون به هل هو نبي أم لا، مثل ما سألوه عن أصحاب الكهف: «أخبرنا عن فتية ذهبوا في الكهف»، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ساجيبكم» ولم يقل إن شاء الله، فتأخر الوحي عنه. فبعض الغيب الذي كان يخبر عنه مما مضى كان بناءً على طلب المشركين، وطبعاً المشركون ليس بذاتهم المشركون كانوا يسألون أهل الكتاب، وأهل الكتاب كانوا يعطونهم الأسئلة.

ومنه ما كان ليس بطلب أحد، بل كان يخبر به ﷺ ابتداءً كقصة يوسف وغيرها، ويجعله علماً وآية لنبوته وبرهاناً لرسالته، فكان كل من هذين النوعين دليلاً وعبرة على نبوته من طريقين: فكان عبرة ودليلاً على نبوته من جهة إخباره بغيب لا يعلمه إلا نبي، وكانت عبرة بما فيها من أحوال المؤمنين والكافرين التي توجب على سبيل المؤمنين الذين تبووا مثله تجنب سبيل الكافرين الذين خالفوا مثله. وحكم الشيء حكم غيره؛ إذا كان من كان مثله ومثل من اتبعه سعيداً، وكان من خالف مثله ومثل من اتبعه شقياً، فكان في هذا دلالة وعبرة توجب اتباعه وتنهى عن مخالفته.

وهذا أيضاً دليل على نبوته من قبل من قبله من الأنبياء من الوجهين؛ من جهة أنهم أخبروا به قبل أن يبعث بسنين كثيرة فكان الأمر كما أخبروا به، وهذا آية لنبوتهم، وإخبارهم بنبوته دليل على نبوته؛ فصار ما في الكتب المتقدمة من خبره دليلاً على نبوته وما قبله، وكما أن إخباره هو أيضاً عنهم مع بعد العهد خبر لم يتعلمه من بشر، فكان دليلاً على نبوته، وقد أخبر بنبوتهم فثبتت نبوتهم أجمعين.

الوجه الثاني: أنه أخبر بمثل ما أخبروا به من غير مواطأة بينه وبينهم، هم لم يأخذوا عنه ولم يأخذ عنهم، وكل منهما أخبر عن الله بأخبار مفصلة يمتنع الاتفاق عليها عادة إلا بتواطؤ، فإذا لم يكن تواطؤ وتشاعر امتنع اتفاق ذلك من غير مواطأة، عُلم أن كلا من المخبرين صادق.

وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7]، وقص قصته في السورة إلى أن قال: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 104]، إلى قوله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتب السابقة وتفصيل كل شيء.

وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 83]، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9].

وقال تعالى لما قص قصة نوح في سورة هود، وهي أطول ما قصه في القرآن من قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]. فذكر سبحانه أن هذا الذي أوحوه إليه من أنباء غيره ما كان يعلمه هو ولا قومه من قبل هذا، فإذا لم يكن قومه يعلمون ذلك، لا من أهل الكتاب ولا من غيرهم، وهو لم يعاشر إلا قومه وقومه يعلمون ذلك منه، ويعلمون أنهم لم يكونوا يعلمون ذلك، ويعلمون أيضاً أنه هو لم يكن يعلم ذلك وأنه لم يكن يعاشر غيرهم، وهم لا يعلمون ذلك، صار هذا حجة على قومه وعلى من بلغه خبر قومه.

ومثل ما أخبرهم عن قصة آدم وسجود الملائكة له وتزيّن إبليس له حتى أكل من شجرته وهبط هو وزوجه، وأخبر مع نوح ودعاءه لقومه ومكثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهذا في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب، مقدار مكثه في قومه قبل الغرق وبعده. وأخبرهم عن قصة الخليل وما جرى له مع قومه وإلقائه في النار، وذبح ولده، ومجيء الملائكة إليه ضيفان وتبشيره بإسحاق ويعقوب، وذهاب الملائكة إلى لوط وما جرى للوط مع قومه وإهلاك الله مدائن قوم لوط.

وقصة إسرائيل ويعقوب مع نبيه، ومثل قصة يوسف وما جرى له بمصر، ثم قصة موسى مع فرعون وتكريم الله إياه مرة بعد مرة وآياته كالعصا واليد والقمر والضفادع والدم وفلق البحر وتضليل الغمام على بني إسرائيل، وإطعامهم من المن والسلوى وانفجار الماء من حجر اثني عشر عيناً لزقهم وعبادتهم العجلة وقتل بعضهم بعضاً لما تاب الله عليهم، وقصة البقرة ونطق الجبل فوقهم، وقصة داود وقتله لجالوت، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، وغير ذلك من أحوال بني إسرائيل، إلى أن ذكر قصة زكريا وابن يحيى وعيسى بن مريم وأحوال المسيح وأيامه ودعائه لقومه والآية التي بُعث بها وتفاصيل ذلك، وذكر قصة أصحاب الكهف؛ فمن أين أتى بها النبي ﷺ؟

قال: وغير ذلك من قصص الأنبياء والصالحين والكفار مفصلة مبينة بأحسن بيان وأتم معرفة، مع علم قومه الذين يعرفون أحواله من صغره إلى أن ادعى النبوة، أنه لم يتعلم هذا من بشر، بل لم يجتمع هو بأحد من البشر يعرف ذلك، ولا كان عندهم مكة من يعرف ذلك؛ لا يهودي ولا صابئي ولا نصراني ولا غيرهم، فكان هذا من أعظم الآيات.

والبراهين لقوة بأن هذا إنما أعلمه به وأنباه به الله، مثل هذا الغيب لا يعلمه إلا نبي أو من أخذ عن نبي، فإذا لم يكن هو قد أخذه عن نبي وتعين أن يكون نبياً، فما سائر أهل الأرض يعلمون أنه لم يتعلم ذلك من بشر من طرق:

أحدها: أن قوم المعادين له، الذين هم أحرص الناس على القدح في نبوته مع كمال علمهم، لو علموا أنه تعلم ذلك بشيء لطعنوا عليه ذلك وأظهروه، فإنه مع علمه بحاله يمتنع أن لا يعلموا ذلك، ولو علموا ذلك -مع حرصهم على القدح فيما فيه- يمتنع أن لا يقدحوا فيه ويمتنعوا أن يظهر ذلك.

ثانياً: أن قوم النبي ﷺ كانوا حريصين على إفشال دعوته، فلو علموا خبراً علمياً صحيحاً أنه عليه الصلاة والسلام تلقى هذه القصص عن أحد لفضحوا ولتكلموا، فلما لم يستطيعوا أن يثبتوا شيئاً من ذلك، دل ذلك على أنه لم يأتِ بها من عنده ولا من بشر.

ثالثاً: أنه قد تواتر عن قومه أنهم كانوا يقولون إنه لم يكن يجتمع به من يعلمه ذلك.

رابعاً: أنه لو كانت هذه القصص المتنوعة قد تعلمها من أهل الكتاب مع عداوته لهم، لكانوا يخبرون بذلك ويظهرونه، ولو أظهروا ذلك لنُقل وعرف، فإن هذا من الحوادث التي تتوفر الهمم والدواعي على نقله.

خامساً: أنه حين بعث كان الناس إما مشركاً وإما كتابياً، فلم يكن هناك أحد على الدين الذي دعا إليه، وقد علم الناس بالتواتر أن المشركين من قريش وغيرهم لم يكونوا يعرفون هذه القصص، ولو قدر أنهم كانوا يعرفونها فهم أول من دعاهم إلى دينه فعادوه وكذبوه، فلو كان فيهم من علمه أو يعلم أنه تعلمه من غيرهم أظهر على ذلك.

سادساً: أن مثل هذا لو كان فلا بد أن يعرفه ولو خواص الناس، وكان في أصحابه الذين أمروا بهم أن يعرف ذلك، وكان ذلك يشيع ولو تواصوا بكتمانه كما شاع ما كتم من أمر الدول الباطنية، ولكان خواصه في الباطن يعلمون كذبه، وكان علمهم بذلك يناقض تصديقه في الباطن كما عرف في نظائر ذلك، فكيف وكان أخص أصحابه أعلمهم بحاله أعظمهم محبة وموالاة، بخلاف حال من يبطن وخلاف ما يظهر، فإن خواص أصحابه لا يعظمونه في الباطن.

فإذا علم الناس أن الذين كانوا معادين له غاية العداوة وكانوا يطلبون القدح في نبوته بكل طريق، يخبرون أنه لم يكن عندهم بشر يعلمه مثل هذا، وأنه لم يكن في قومه ولا بلده من يعرف هذا، علم الناس ما علمه قومهم من أن هذا إنما أنباه به الله، وكان هذا من أعلامه وآياته وبراهنه.

وهذا مما بين الله في القرآن بأنه من آياته، وأنه حين أخبر قومه بهذا مع تكذيبهم وعداوتهم له لم يمكن أحداً منهم أن يقول له: بل فينا من كان يعلم ذلك، أو أنت كنت تعلم ذلك وقد تعلمته منا أو من غيرنا، فكان إقرارهم بعدم علمه وعلمهم مع فرط عداوتهم له آية بينة لجميع الأنام أنه لم يكن هو ولا هم يعلمون ذلك.

ولهذا لما كان بعضهم يفتري عليه فرية ظاهرة كانوا كلهم يعلمون كذبه، وإذا اجتمعوا وتشاوروا في أمره يعرفون أن هذا كذب ظاهر عليه، كما كان بعضهم يقول إنه مجنون، وبعضهم يقول إنه كاهن، وبعضهم يقول إنه ساحر، وبعضهم يقول إنه معلم من البشر، وبعضهم يقول أضغاث أحلام، فحكى الله أقوالهم مبيناً ظهور كذب من قال ذلك وأنه قول ضال جائر، قد بهره حال الرسول فحار فلم يدري ما يقول.

ثم ذكر آيات سورة الفرقان التي تبين كيف كانوا يتهمون النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]. فقد جاءوا ظلماً وزوراً في هذا الادعاء، وقال بعضهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5].

أخبر عن من قال ذلك وهم يعلمون أن هذا من أظهر الكذب، فإن هذه القصص المذكورة في القرآن لم يكن بمكة من يعرفها فضلاً عن أن يمليها، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا﴾ [القصص: 7 la]. ولهذا قال: ﴿أَنزَلَهُ﴾ هو الذي يعلم السر، أي الغيب، فأخبر أن هذا من علم من يعلم السر والبشر لا يعلمون ذلك إلا من جهة إخبار الأنبياء، وليس بمكة من يعلم ما أخبرت به الأنبياء.

ثم ذكر ما اقترحوه فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۖ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: 7-8]. فهذه اقتراحات ليست أخبارها.

ثم قال: ﴿وَالظَّالِمُونَ يَقُولُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 9]. انظر كيف ضربوا له الأمثال فضلوا، فلا يستطيعون سبيله، أي الصفات، فمرة قالوا عنك مسحور، ومرة قالوا عنك كذا، ومرة قالوا عنك كذا، وهذا كله من كثير.

فقوله: انظر كيف ضربوا الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيله، أمر بالنظر في كيفية ما ضربوه من الأمثال حيث شبهوه بمن يظهر الفرق بينه وبين من يشبهه ظهوراً لا يخفى على ناظر، شبهه هنا بالساحر، قالوا: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، انظر كيف ضربوا له مثل الرجل المسحور مع أن الفرق بينك وبين المسحور ظاهر، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، إذ كان ظاهراً أن هذا ضلال عن طريق الحق فلا يستطيع الضال عن طريق الحق سبيلاً إليه.

وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۚ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103]. تكلموا عن واحد رومي كان يسكن في مكة، وأن النبي ﷺ كان يتعلم منه، فالله عز وجل يبين لهم الفرق، لسان الذي تلحدون إليه أي تومئون إليه أعجمي، وهذا الذي يخبر به محمد ﷺ لسان عربي مبين.

فأخبر عما افتروا من قوله إنما يعلمه هذا القرآن بشر، وكان بمكة مولى أعجمي، قيل إنه عبد لبني الحضرمي، والنبي لا يحسن بلسان العجمي وذاك لا يحسن التكلم بلسان العربي، فلما قالوا إنه افترى هذا القرآن وأنه علمه إياه بشر، قال تعالى: الإنسان الذي يلحدون، أي يضيفون إليه هذا التعليم وينسبونه إليه، وعبر عنه بلفظ الإلحاد لما فيه من الميل، فقال: لسان هذا الشخص الذي قالوا إنه يعلمه القرآن لسان أعجمي، هم لم يمكنهم أن يضيفوا هذا التعليم إلى رجل عربي، بل إلى هذا الأعجمي لكونه كان ربما يجلس أحياناً.

إلى النبي ﷺ، وذلك الأعجمي لا يمكنه التكلم بهذا الكلام العربي، بل هو أعجمي، ومحمد لا يعرف بالعجمي. لكن غاية ذلك، كعبد بني الحضرمي، أن يكون يعرف قليلاً من الكلام العربي الذي يحتاج إليه في العادة، مثل الألفاظ التي يحتاج إليها في غالب الأوقات كلفظ الخبز والماء والسماء والأرض، ولا يعرف أن يقرأ سورة واحدة من سور القرآن.

فبين سبحانه ظهور كذبهم فيما افتروه، ولم يقل أحد منهم ما يمكن أن يكون شبهه في تعلمه أنباء الغيب من علماء الكتاب ونحو ذلك، وإنما قالوا ما ظهر بطلانه لكل أحد. ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال قولاً يخفى بطلانه، بل ما يظهر كذبه فلكل أحد، فتبين أنه لم يمكنهم أن يقولوا إنه تعلم أخبار غيوب من أحد.

وهذه القصة قصة نوح، لا سيما قصة نوح المستفيضة في سورة هود، لا يعلمها إلا نبي أو من تلقاها عن نبي، فإذا عُرف أنه لم يتلقاها عن أحد عُلم أنه نبي، ولهذا قال تعالى في آخرها: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].

والقول في سائر القصص كالقول فيها، وكما قال في سورة يوسف: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 102]. وقال في سورة آل عمران لما ذكر قصة مريم وزكريا: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]. وقال في قصة موسى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَمْرَهُ * وَمَا كُنْتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 17-18]، ﴿وَلَٰكِنْ أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ وَمَا كُنْتَ تَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 53].

فمن أين أتى النبي ﷺ بكل قصص مدين وقصص موسى؟ والقرآن يشير دائماً إلى هذه العلامة من علامات نبوته، والإنسان إنما يعلم مثل هذا إما بمشاهدة أو خبر، فنبه بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾، على أنكما علمت ذلك بأخبارنا وإيحائنا وإعلامنا لك بذلك، إذ كان معلوماً عند كل من عرفه أنه لم يسمع ذلك من بشر، وأنه لم يكن هو ولا قومه يعلمون ذلك.

قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]. بين ذلك أن تلاوته عليهم هذا الكتاب وإدراهم به هو بمشيئة الله وقدرته لا من تلقاء نفسه كما قال قبل هذا: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۖ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: 15].

قل له شاء الله، بين أنه ما تلوت عليكم، ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾، فبين أنه لبث فيهم عمراً من قبله وهو لا يتلو شيئاً من ذلك ولا يعلمه ولا يعلمهم به، فليس الأمر إذاً من جهته ولكن من جهة الله الذي لو شاء ما تلوه عليهم ولا أراهم به. وتلاوته عليهم وإدراهم به هو إعلام بغيوب لا يعلمها إلا نبي، فبين أن ذلك من الإرسال الديني الذي يحبه الله ويرضاه، لا من الكون الذي قضاه الله وقدره.

نعم، قال ولهذا كانوا يعرضون عليه أن يصير ملكاً عليهم، وأن يعطوه حتى يكون من أغناهم، وأن يزوجه شاة من نسائهم، فيقول: لو وضعتهم شمساً في يمين القمر في شماله، على أن أدعي هذا الأمر ما لم أستطع أن أدعه. وهذه الثلاث هي مطالب النفوس في الدنيا: السلطان، والمال، والنساء؛ فيعرض عن قبول الدنيا التي هي غاية أمان طالبها، ويبين أنه لا يقدر على أن يدع ما أمر به من تبليغ رسالته.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا اتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَذَاقْنَاكَ ضَعْفَ الْحَيَاةِ وَضَعْفَ الْمَمَاتِ * ثُمَّ لَا تَجِدَ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * مِنْ بَعْدِ إِرْسَالِنَا إِلَيْكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدَ لِسَنَتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 73-77].

بين سبحانه أنهم طلبوا أن يمنعوه بكل طريق، فإن الإنسان إنما يتم عمله بإرادته وقدرته، فمع الإرادة الجازمة والقدرة التامة يجب وجود المقدور، وإذا تعذر أحدهما امتنع. فطلبوا تغيير إرادته ليركن إليهم فيغير ما أوحي إليه، فأعظمه الله وثبته. ثم طلبوا تعجيزه بأن يستفزوه ويخرجوه حتى يعجز عن تبليغ رسالة ربه، ولو كان ذلك لعاجله الله بالعقوبة أسوة من تقدمه من الرسل، فإن الله كان إذا أراد إهلاك أمة أخرج نبيها منها ثم أهلكها، لا يهلكها وهو بين ظهرها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. وهذا بعد قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32]. فلما خرج من بينهم بالهجرة أتاهم الله بعذاب أليم وبدر وغيره.

فقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إشارة إلى سعيهم إلى إفساد إرادته، وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى سعيهم في تعجيزه، وهذا إفساد لقدرته.

نعم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]. بين سبحانه من حاله ما تعلمه الخاصة والعامة، وهو معلوم لجميع قومه الذين شاهدوه، متواتر عند من غاب عنه بليغ أخباره من جميع الناس، أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب؛ لأنه لا يقرأ كتاباً ولا يحفظ كتاباً من الكتب، لا المنزلة ولا غيرها، ولا يقرأ شيئاً مكتوباً، ولا يكتب بيمينه كتاباً ولا ينسخ شيئاً من كتب الناس.

ربي، إن بعض الإخوة يذكر لي هذ المرة أن بعض الناس يرسل على الواتساب رسائل أنه لا يجوز القول بأن النبي ﷺ أمي بمعنى أنه لا يقرأ ولا يكتب، وأن هذا من الانتقاص بحقه وما شابه، ويؤلفون قصصاً عن معنى كونه أمياً، هذا كله كلام فاسد إخواني. الله عز وجل جعل أميته من علامات نبوته ومن براهينها القاطعة الجازمة، فلا يحرف كلام الله سبحانه وتعالى والأمور المتواترة عما وضعت عليه. فهذا ليس عيباً ولا نقصاً فيه ﷺ، بل هذا من كمالاته، أنه أتى بقرآن معجز وبالحكمة العظيمة في سنته مع أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب.

يكتب، فهذه من علامات الكمالات وليست من علامات النقص في حقه ﷺ، فلا حاجة لتأليف قصص وأخبار وتراهات حول معنى الأمي غير ما هو معلوم، كما قال شيخ الإسلام للعامة والخاصة: إنه كان أميا، أي لا يقرأ كتابا ولا يحفظ كتابا من الكتب، لا المنزلة ولا غيره، ولا يقرأ شيئا مكتوبا لا كتابا منزلا ولا غيره، ولا يكتب بيمينه كتابا، ولا ينسخ شيئا من كتب الناس المنزلة ولا غيرها.

يمكن الإشكال للناس أن المعاصر الذي لا يقرأ ولا يكتب يكون جاهلا، وهذه مشكلة؛ ترى كثير من العرب الذين كانوا في أعلى درجات المعرفة ويقولون الشعر الكبير، وكانوا لا يقرؤون ولا يكتبون، يعني الذين أتوا بشعر الحكمة وشعر الدهاء وشعر الذكاء، فحالهم ذاك لم يكن بالنسبة لهم حال منقص، ولو كان حال منقص لذمته كفار قريش ولذمه أهل الكتاب، قالوا: كيف تتبعون رجلا أميا؟

هذه من الدعاوى التي كان ينبغي أن يصدروها؛ أن كيف رجل أمي لا يعرف جاهل كذا يتبع؟ لكنهم كانوا يعلمون أن هذا ليس نقصا في أهل ذاك الزمان، وأن هذه طبيعة تلك المناطق، يعتمدون على الحفظ وعلى الرواية وليس على القراءة من صحف ولا الكتابة، هكذا طبيعة العرب كانت في تلك المناطق، فمثل هذا ما كان علامة جهل بالنسبة لهم، وإلا وسارع كفار أهل الكتاب للاستنقاص من باعتبار هذه الجهة.

قال معلوما أن من تعلم من غيره إما أن يأخذ أخذا تلقينا وحفظا، وإما أن يأخذ كتابه وهو لم يكن يقرأ شيئا من الكتب من حفظه ولا يقرأ مكتوبا، والذي يأخذ من كتاب غيره إما أن يقرأه وإما أن ينسخه وهو لم يكن يقرأ ولا ينسخ.

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةٌ أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 192-197]، إلى قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ * وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ * فَلَا تَدَعْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: 192-265].

ثم خطب فقال: ﴿وَالشَّاعِرُ يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: 224-225]. لأنه في زمن النبوة أو في زمن النبي ﷺ الطبقة المثقفة كانت تعتبر الشعراء، مع أنهم كانوا عادة لا يقرؤون ولا يكتبون، إلا من كانوا يقرأ ويكتب، فلذلك كانت مقارنة النبي ﷺ بالشعراء، فأراد الله عز وجل في سورة الشعراء أن يخبر أن النبي ﷺ ليس كالشعراء؛ فالشعراء تتنزل عليهم الشياطين، والشعراء يتبعهم الغاوون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، وطبيعة أفكارهم تختلف عن طبيعة ما أتى به النبي ﷺ من الهدى والنور والأخبار عن مغيبات ماضية ومستقبلية وما شابه ذلك.

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةٌ أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وعلماء بني إسرائيل يعلمون ذكر إرسال محمد ﷺ ونزول الوحي عليه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ وَهُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 51-53].

ويعلمون المعاني التي فيه أنها موافقة لأقوال الرسل قبله في الخبر والأمر؛ فإنه أخبر عن توحيد الله وصفاته وعرشه وملائكته وخلقه السماوات والأرض وغير ذلك بمثل ما أخبرت به الرسل قبله، وأمر بتوحيده له وعبادته وحده لا شريك له، وبالعدل والصدق والصلاة والزكاة، ونهى عن الشرك والظلم والفواحش كما أمرت ونهت الرسل قبله.

والسور المكية نزلت بالأصول الكلية المشتركة التي اتفقت عليها الرسل والتي لابد منها، وهي الإسلام العام الذي لا يقبل الله تعالى من أحد من الأولين والآخرين دينا غيره، وأما السور المدنية ففيها هذا وفيها ما يختص به محمد، ففيها القضايا الكلية وفيها أيضا التفاصيل الجزئية التي خاصة بشريعة محمد ﷺ، فإن دين الأنبياء واحد.

كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن معاشر الأنبياء ديننا واحد». قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53].

وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].

وأما الشرعة والمنهاج فقد قال عن أهل التوراة والإنجيل والقرآن: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنَاَسِكَ﴾. أما القبلة فلم يجعل ما ابتدعه أهل الكتاب من قبلته، فلذلك قال: ﴿وَلِكُلٍّ وَجَّهْنَا مِنْهُ وِجْهَةً﴾، لم يقل إنّا جعلنا لكل وجهة، كما قال في المنسك والشرعة والمنهاج.

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يُؤْتَىٰ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَاتُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾ [طه: 132]، فإنه إذا أتاهم بيان بما في الصحف الأولى مع علمهم بأنه لم يعاشر أحدا من أهل الصحف الأولى ولا استفاد منهم علما، كان هذا من أعظم الآيات، من أعظم آيات الله.

وكما أن أخباره عن أمور الغيب تدل على نبوته، فإنه يدل على أن النبوة أنباء من الله، ليس ذلك كما يقوله بعض المتفلسفة كابن سينا وأمثاله؛ أنه فيض فاض عليه من النفس الكلية أو العقل الفعال، ويقولون إن النفس أو العقل هو اللوح المحفوظ، وأن من اتصلت به نفسه علم ما تعلمه الأنبياء، ويقولون النبوة مكتسبة لأن هذه صفتها، وأن سبب علمه بالغيب هو اتصال نفسه بالنفس الفلكية، يزعمون أنها اللوح المحفوظ، وأن تحريك أهل الفلك هو سبب حدوث الحوادث في الأرض، فتكون عالمة بما يحدث في الأرض لأن العلم بسببه وجب العلم بالمسبب، فإن هذا مبني على مقدمات باطلة.

بطلانها في مواضع أخرى؛ قال منها إثبات العقل الفعال، ومنها دعواهم أنه لا سبب للحوادث إلا حركة الفلك، ومنها أن المحرك له هو النفس، ومنها اتصال نفوسنا بتلك النفس. ومقصود هنا أن هذا لو كان حقا فإنما يفيد علما بالمستقبل الذي تكون الحركة الحاضرة سببا فيه، أما ما قد مضى قبل ذلك بمئين أو ألوف السنين فليس شيء من حركات الفلك حين بعث الرسول كان سببا له، وإنما تكون الحركة الموجودة في زمانه سببا للمستقبل لا للماضي.

وحينئذ فلا يكون تحريك النفس للفلك سببا للعلم بهذه الأمور، ولا يكون ذلك هو اللوح المحفوظ، بل القرآن المجيد في اللوح المحفوظ، وهو في أم الكتاب، في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون. وأخبر سبحانه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون في آية أخرى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾، وفي موضع آخر: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَاِنَّهٗ نَزَّلَهٗ عَلٰى قَلْبِكَ﴾. وقال تعالى: ﴿اِنَّهٗ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِيْ قُوَّةٍ عِنْدَ الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾.

ويتكلم عن إنزال جبريل للقرآن، وقال تعالى: ﴿اللّٰهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، فذكر أنه قول رسول اصطفاه من الملائكة، ونزل به على رسول اصطفاه من البشر؛ فنزه كلا من الرسولين عما قد يشتبه به. نزه الملك أن يكون شيطانا لأنه قال: ﴿اِنَّهٗ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، وهو قول شاعر، وفي الآية السابقة: ﴿اِنَّهٗ لَقَوْلُ رَسُولٍ ذِيْ قُوَّةٍ عِنْدَ الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، فنزه إذا الملك أن يكون شيطانا، ونزه البشر أن يكون كاهنا أو شاعرا، وبين برهان ذلك.

﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * اِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. فبين أنه ما يصلح لهم النزول به، بل هم نهيون عن ذلك وهم ممتنعون عن ذلك، لا يريدونه لمنافتهم لمقصدهم، وإنهم لو أرادوا ذلك لعجزوا عن ذلك فلم يستطيعوه؛ إذ كانوا معزولين عن أن يسمعوا الملأ الأعلى، وهم إنما يقدرون على أن ينزلوا بما سمعوه لا بما لم يسمعوه، وذلك أن الفاعل للفعل إنما يفعله إذا كان مريدا له قادرا عليه.

فبين بقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أنهم لا يريدون تنزيله، وبقوله هذا إشارة إلى أن القرآن ينافي مقاصدهم؛ أن الشياطين لا تريد التوحيد ولا إيمان الناس بالدار الآخرة ولا ما شابه ذلك من المعاني الشريفة التي أتى بها القرآن، فقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أي أن هذا القرآن لا يليق بطبيعة دعوتهم، فما ينبغي لهم أن ينزلوا بمثل هذه المعاني، فهذا معنى أنهم لا يريدون تنزيله.

وأما ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، فإنهم لو أرادوا إنزاله لعجزوا لأنهم معزولون عن الاستماع للملأ الأعلى. قال: أما كونهم لا يريدون فلأنه لا ينبغي لهم، و«ينبغي» مضارع للفعل بغى يبغي أي طلب وأراد، فالذي لا ينبغي للفاعل هو الذي لا يطلبه ولا يريده، إما لكونه ممتنعا من ذلك أو لكونه ممنوعا منه. والشيطان إنما يريد الكذب والفجور، لا يريد الصدق والفلاح، وما جاء به الرسول مناقض لمراد الشياطين في غاية المناقضة، فلم يحدث في الأرض أمر أعظم مناقضة لمراد الشياطين من إرسال محمد ونزل القرآن؛ فيمتنع أن تفعل الشياطين ما لا يريدون إلا نقيضه، هم أيضا ممنوعون من ذلك بحيث لا يصلح لهم ذلك ولا يتأتى منه.

كما أن ساحرا لا ينبغي له أن يكون نبيا، والمعروف بالكذب والفجور لا ينبغي له مع ذلك أن يكون نبيا، ولا أن يكون حاكما ولا شاهدا ولا مفتيا؛ إذ الكذب والفجور يناقض مقصود الحكم والشهادة والفتيا، فكذلك ما في طبع الشياطين من إرادة الكذب والفجور يناقض أن تتنزل بهذا الكلام الذي هو في غاية الصدق والعدل، لم يشتمل على كذبة ولا حزن ولا ظل ولا ظلم لأحد.

ثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ فإنهم عن سمع هذا الكلام معزولون بما حرست به السماء من الشهب، كما قال عن الجن: ﴿وَاَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاۤءَ فَوَجَدْنٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَاَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾. فهذا السمع الآن يجده شابر الصدى، وقد ذكرنا تواتر هذا الخبر، وأن السماء حرست حرسا لم يعهده الناس قبل ذلك، ورأى ذلك الناس بأبصارهم، فكانوا قد عاينوا ما أخبرهم به من الرمي بالشهب التي يرمى بها لطرد الشياطين، فعزلوا بذلك عن سمع الملأ الأعلى.

وما عينه الكفار من الرمي الشديد العام الذي انتقضت به العادة المعروفة من رمي الشهب، دليلا على سبب خارق للعادة، ولم يحدث إذ ذاك في الأرض أمر لم تجر به العادة إلا دعاة الرسالة، فلم يعرف قبله ولا بعده من نزل عليه الكلام كنزوله عليه. إذ كان موسى عليه السلام إنما أنزلت عليه التوراة مكتوبة، لم تنزل منجمة مفرقة ملقاة إليه حفظا حتى تحتاج السماء إلى حراستها عن استراق سمعها. والزبور تابع لشرع التوراة، وكذلك الإنجيل فرع على التوراة، لم ينزل كتاب مستقل إلا التوراة والقرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾.

ولهذا يقرن سبحانه بين التوراة والقرآن كثيرا، كما في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. لذلك الكتب الأساسية هي التوراة والقرآن، والزبور والإنجيل إنما هو تبع للتوراة.

قال سعيد بن جبير: «والأحزاب هي آل موسى»، وهذا تصديق لقول النبي ﷺ: «ليسمعن به يهودي ونصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار»، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وقالت الجن: «إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى»، قالت من بعد موسى؛ لأنه كانوا يعتبرون التوراة هو الكتاب الأساس والإنجيل إنما هو تبع له، وكذلك النجاشي لما قال: «إن هذا هو الذي جاء به موسى»، وكذلك ورقة بن نوفل: «يا ابن أخي هذا ناموس الذي كان يأتي موسى»، فقضى لماذا ما كان يتطرق إلى عيسى كما قلنا.

الإنجيل هو تكميل للتوراة وليس استقلالاً، وليس رسالة مستقلة. وأيضاً فقد كان معروفاً عندهم أخبار عن الشياطين التي تسترق السمع، فلما رأوا أن السماء قد حُرست حراساً شديداً خلاف العادة، وأن الشياطين مُنعوا استراق السمع، علمت الجن ذلك، وقد قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8] إلى آخر الآيات التي قرأناها.

وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب أمراً خارقاً للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالشهب هو رمي بالكواكب التي في الفلك، فلما رأوه بالشهب علموا أنه لأمر حدث وليس لخراب العالم. هم حاولوا ينظروا هل الرمي هو رمي كواكب أو رمي شهب؛ لأنه إذا كان رمي كواكب معناتها الأرض عم تخرب، فلما شافوه رمي شهب قالوا: إذاً مش تلف للأرض، وإنما هو لأمر حدث. وأُرسلت الجن تطلب سبب ذلك حتى سمعوا القرآن، فعلموا أنه كان لأجل ذلك، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس.

قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامداً إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث. فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينها وبين خبر السماء. قال: فانطلقوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، ويصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 1-2]. فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 1].

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون بها عشرة، فيكون ما سمعوه حقاً وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبي ﷺ كان أحد لا يقعد مقعده إلا رُمي بشهاب يُحرق ما أصاب، فشكى ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبثت جنوده، فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه. فقال: هذا الحدث الذي حدث.

وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن السدي قال: إن السماء لم تكن تُحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يسمعون ما يحدث في السماء من أمر، حتى لما بعث الله محمداً ﷺ نبياً، رُجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء؛ لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم. فقال لهم عبد ياليل بن عمرو: يا معشر ثقيف، فأمسكوا عن أموالكم، وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة -يعني محمداً ﷺ- وإن لم تروها فقد هلك أهل السماء، فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم. وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه فشم فقال: صاحبكم بمكة. وبعث سبعة نفر من جن نصيبين قدموا مكة، فوجدوا نبي الله ﷺ قائماً يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا، فأنزل الله شأن أمرهم على نبيه ﷺ. وهذا من عالم النبوة ودلائلها.

وقبل ذلك وبعده كان رمي خفيفاً لم تمتلىء به السماء كما مُلئت حين نزول القرآن، وقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: 221-223]، والأفاك الكذاب، والأثيم الفاجر، كما قال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15-16]. وقال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «عليكم بالصدق». الشياطين تتنزل على من يحصل مقصودها بنزولها عليه، وهو المناسب لها في الكذب والإثم، فأما الصادق البار فلا يحصل به مقصود الشياطين، فإن الشيطان لا يطلب الصدق والبر، وإنما يطلب الكذب والفجور. محمد ﷺ ما زال قومه يعرفونه بينهم بالصادق الأمين، لم تُجرب عليه كذبة واحدة، ولما جاءه الروح بالوحي لم يخبر بخبر واحد كذب، لا عمداً ولا خطأً. نزلت عليه الشياطين لابد أن يخبر بالكذب، فإن الشياطين يلقون إليهم السمع ولا يلقون إليهم ما سمعوه على وجهه، بل يكذبون فيه كثيراً.

إذ كان أكثر الشياطين الذين ينزلون عليهم كاذبين فيما ينزلون به عليهم، فإن الشياطين وإن كان كلهم كاذباً، فليس كل من ألقى السمع يكذب فيما يلقيه، بل قد يصدق أحد فيما يلقيه من سمع ولا مرة، ولكن أكثرهم يكذبون، والذي يصدق منهم مرة يكذب مرات، والذي ينزل عليه الشياطين أفاك أثيم. في صحيح البخاري عن عائشة قالت لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قُضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم». فالفرق بين الصادق البار الذي يأتيه الملك الكريم، والكاذب الأثيم الذي يأتيه الشيطان الرجيم، فرق مبين يُعرف بأدنى معرفة بحال الاثنين. ولما كان الكاهن شيطان قد يخبر ببعض الأمور الغائبة، بين سبحانه أن هذا يكون، وإن صدق في بعض الأخبار كاذباً فاجراً، والذي يأتيه أيضاً يأتيه بالكذب، فلا يشتبه بمن لا يكذب ولا يفجر. وهذا مما يبين أن النبي لا يكون إلا باراً معصوماً.

وقد ذكرنا أن قومه معادين له غاية العداوة، ما زالوا معترفين بصدقه، وأنهم لم يجربوا عليه كذباً قط، ومعترفين بأن ما يقوله ليس بشعر، وأنه ليس بساحر. وكان في أول أمره يُرسل إلى البلاد التي فيها علماء أهل الكتاب يسألونهم عنه؛ لأن مكة لم يكن بها ذلك. في الصحيحين عن ابن عباس أن سفيان بن حرب حدثه قال: انطلقت إلى الشام في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ -قال: بين صلح الحديبية-. قال: إن الشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. قال: فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، فدعا بترجمانه فقال لهم: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي كذب لكذبت عليه، ثم قال لترجمانه: اسأله كيف نسبه فيكم؟ قال قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل كان في آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. وذكر الحديث.

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمراً، فنزل على أمية بن خلف، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام ومر بالمدينة ينزل على سعد. فقال لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت. فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالبيت؟ فقال سعد: أنا سعد. فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمناً وقد آويتم محمداً وأصحابه؟ قال: نعم. فتلاحيا بينهما، وقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمداً ﷺ يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد. أمية قال: محمد عليه الصلاة والسلام ما كان ليكذب، ولم يكذب.

فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخوك اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أن محمداً يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما يكذب محمد. فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ وجاء الصريخ الذي بعثه أبو سفيان يصرخ في مكة: الحقوا تجارتكم يا كفار قريش، فتجهزوا للمعركة. فامرأة أمية بن خلف قالت له: لا تطلع، ترى محمد عليه الصلاة والسلام قال سيقتلك. وفعلاً أمية أراد ألا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي -أبو جهل دمره لأمية بن خلف- فسار يوماً أو يومين، فقتله الله. وفي رواية أنه قال: والله ما يكذب محمد. وعزم ألا يخرج خوفاً من هذا، حتى قال له أبو جهل: إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي يتخلفوا معك. فقال: أما إذ غلبتني فلاشترياً أجود بعير بمكة، وذكرته امرأته بقول سعد، فقال: ما أريد أن أكون معهم إلا قريباً، لكن ما كان يتوقع أمية أن المعركة أقرب مما يتصور.

قال: وكذلك ما ذكر أهل المغازي وغيرهم أن أُبي بن خلف لما بلغه أن النبي ﷺ قال: أنا أقتله، ثم طعنه رسول الله ﷺ فخدشه، وجعل أصحابه يجزعونه يقولون: إنما هو خدش، فقال: والله لو كان بمضرة لقتلهم، أليس قال: لأقتلنك؟ وعن مجاهد قال مولاي سعد بن يزيد: وكنت فيمن بنى البيت، وإن قريشاً اختلفوا في الحجر حين أرادوا أن يضعوه حتى كاد يقع بينهم قتال بسيوف، فقالوا: اجعلوا بينكم أول يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله ﷺ وكان يسمونه الأمين، فقالوا: يا محمد قد رضينا بك. هو يأتي بهذه القصص ليخبرك أنهم كانوا يعلمون صدقه، يعني أمية بن خلف لما يقول لك رح يقتلني، وقال إذاً أمية ورجالات مكة زعماء كلهم كانوا يعرفون أنه صادق ولم يُجربوا عليه كذبة قط. وقال مجاهد في قصة بني آدم باختلاف قريش في من يضع الحجر، وأنهم مكثوا على ذلك أربع ليالٍ أو خمسة، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، تحاكموا فيما تختلفون فيه إلى أول من يدخل من هذا الباب من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا الأمين. وهذا دلالة على أنهم كانوا يعرفون أمانته وصدقه. وأيضاً قصة عقيل بن أبي طالب: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يأتينا في كعبتنا ونادينا ويسمعنا ما يؤذينا، فإن رأيت أن تكفّه عنا فافعل، فقال لي يا عقيل: التمس ابن عمك. فاخرجته من أكباس شعب أبي طالب، فأقبل يمشي حتى انتهى إلى أبي طالب، فقال له: يا ابن أخي، والله ما علمتك إلا مطيعاً، وقد جاءني قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وناديهم فتسمعهم ما يؤذيهم. والكبس هنا يقول البيت الصغير، يعني مثل جحر صغير أو شيء.

قال: فإن رأيت أن تكف عنهم؟ قال: فحلق ببصره السماء، فقال: والله ما أنا بأقدر على أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من النار. فقال أبو طالب: إنه والله ما كذب قط، فرجعوا راشدين. ورواه البخاري في تاريخه، وأبو زرعة في الدلائل.

وروى محمد بن إسحاق قريباً من هذا اللفظ قال: فأخرجته من حفش وبيت صغير، وقال فيه: فظن الرسول أن قد بدا لعمه، وأنه خذله وأسلمه، وضاعف عن القيام معه، فقال: يا عم، لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه.

وفي الصحيحين عن عبد الله بن الصامت قال: أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليك أنيس، فجاء خالنا فنثى علينا الذي قيل له، فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد قدرناه، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبه يبكي، وانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس رجلاً عن صرمتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهن، فخُيِّر أنيساً، فأتى بصرمتنا ومثلها معها، وقال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين تتوجه؟ قال: أتوجه حيث وجهني ربي، وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث عليّ ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد.

أقراء الشعر يعني بحور الشعر. قال بعضهم: وهذا يدل على أنهم كانوا يعرفون أن الشعر له بحور، قال: حطيت القرآن على أقراء الشعر يعني طرائقه وأوزانه، ما كان على طريقة الأوزان الشعرية. قال: فما يلتئم على لسان أحد قبلي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإن الكاذبون. قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر، قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجاهَموه. قال: فأتيت مكة فضعفت رجلاً منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إليّ، فقال: صابئ! فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خَررت مغشياً عليّ. وذكر الحديث وصفة إسلامه رضي الله عنه بلفظ مسلم.

وفي حديث البخاري عن ابن عباس أن بدرياً أرسل أخاه، وقال: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه خبر السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الآخر حتى قدم مكة، ثم سمع قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: ما رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد. وذكر الحديث.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال الملأ وأبو جهل: لقد غلبنا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالمًا بالشعر والكهنة والسحر، فأتاه فكلمه، فأتانا ببيان ما من أمره. فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت سحر الكهان والسحرة، وما علمت من ذلك علماً، فما يخفى علي إن كان ذلك. فأتاه، فلما خرج إليه قال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبما تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك الرئاسة، وإن كنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباه زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعد. والرسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، فلما فرغ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: 1-4] إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: 13].

فأمسك عتبة على فيه، وناشد بالرحم أن يكف، وراجع إلى أهله فلم يخرج إلى قريش، فاحتبس عنهم عتبة، فقال أبو جهل لعشر قريش: والله ما عتبة إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلق بنا إليه. فجاء، فقال عتبة: ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما نغنيك عن طعام محمد. فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فأمسكت فيه وأناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب.

هذا موطن الشاهد، وقد علمتم أن محمداً عليه الصلاة والسلام إذا قال شيئاً لم يكذب، فإذا قال: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، معناته هذا سيقع. إذاً كفار قريش كانوا يعرفون صدقه يقيناً. روى أبو بكر أيضاً ابن مردويه في كتاب التفسير.

قال: وفي بعض الطرق: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع. وقال ابن إسحاق بإسناده عن محمد بن كعب قال: حدث عتبة بن ربيعة، وكان سيداً حليماً، ذكر الحديث إلى أن قال: لما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا كهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. ثم ذكر شعر أبي طالب يمدح عتبة فيما قال.

في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قدم ضِماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح. ضِماد الأزدي رحمه الله عليه، نعم، قال: فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي. كان يرقي ضِماد الأزدي كان يرقي من الريح، والريح هو كأنه نوع من الصرع أو نوع من الجنون، فلما دخل ضِماد الأزدي مكة قالوا له: ترى في رجل مجنون والعياذ بالله، ويقصدون بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أروني إياه، ممكن أنا أرقي، وربنا يشفي على يدي، طيب.

قال: فلقيت محمداً فقلت: إني أرقي من هذه الريح، فإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل؟ فقال محمد: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه». النبي عليه الصلاة والسلام أمام ضِماد قرأ خطبة الحاجة. نعم، قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت بمثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قاموس البحر شو يعني؟ وسطه، يعني كلماتك هذه أصابت وسط البحر، إشارة إلى أنها كلمات عظيمة، أول مرة ضِماد الأزدي بيسمع مثل هذا الخطاب. قال: هات أبايعك على الإسلام، فبايعه، قصة إسلام مشهورة.

وعن ابن عباس نعم، قال: جاء الوليد بن المغيرة فقال: اقرأ علي، فقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. قال: أعد، فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر. في بضع ابن عباس أن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أهلي القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك بعدين، فقال ابن عم: فقال يا عمي إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. فقال: ولما؟ قال: يعطوك، فإنك أتيت محمداً لتعوض مما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له. قالوا: ماذا أقول؟ قال: فوالله ما فيكم رجل أعلم بأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، شباط إشارة لبحور الشعر. وقالوا: إن الرجز ليس كغيره من البحور. قال: والله ما يشبه الذي يقول شيء من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وعليه طلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. الوليد خلص قال: أسميه سحراً، مع أنه يعني هذا أقرب ما يمكن أن يقال بالنسبة للوليد مع أنه يعلم أنه رئيس كذلك، فلذلك لعنه الله، لأنه يعرف الحق وقال بخلافه، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ خليني أنا أتفاهم معه. طيب، وأيضاً روى عبد الرزاق وفي رواية الأخرى أن الوليد بن المغيرة اجتمع نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، فقال: فقد سأغلب عليكم.

كان ذا سن فيهم يعني كبير فيهم له منزلة، نعم، قال: وقد سمعتم بصاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً. كان خايف أنه كل كفار قريش كل واحد يصف النبي عليه الصلاة والسلام بوصف، فواحد يحكي ساحر، واحد يحكي شاعر، إذا اختلفوا سيظهر أمام الناس أنكم أنتم مش فاهمين شو تصفون، فقال: خلونا نتفق على وصف واحد نصف به محمد عليه الصلاة والسلام. قال: فأنت يا أبا عبد شمس قل أنت إيش رأيك؟ فقال: بل أنتم فقولوا، فقالوا: نقول كاهن، فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن. فقالوا: نقول مجنون، فقال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر، فقال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر برجزه وهجزه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، ما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر، فقال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحره، فما هو بنفثه ولا عقده، فقولوا ما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه، فجعلوا يجسون للناس حين قدم الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في المغيرة من ذاك من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.

وروى ابن إسحاق عن شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم النضر بن الحارث، قال: يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله، وقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغه الشيب. تمام، الصدغ هي هذه المنطقة، حتى إذا رأيتم في صدغه الشيب، أنه صار عمره 40 سنة، وجاءكم بالإسلام، صرتم تقولون إنه كذا وهو عاش فيكم 39 سنة قبل الأمر، وكان من أكثر وكان أعلاكم صدقاً وأمانة، الآن لما كبر أصبحتم تتهمونه. قال: وجاءكم ما جاءكم به، قلتم ساحر؟ لا والله ما هو بسحر، وقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن؟ لا والله ما هو بكاهن، وقد كهنا وسمعنا ساجعهم، وقلتم شاعر؟ والله ما هو بشاعر، لقد روينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه وقريضه، وقلتم مجنون؟ والله ما هو بمجنون، وقد رأينا المجنون فما هو بخنقه ولا تخليطه. يا معشر قريش، انظروا في شأنكم، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم.

يعني هو كان شيطاناً هذا كما قال، وكان النضر من شياطين قريش، لكنه كان يعلم أنكم يجب أن تؤلفوا سيناريو مختلف عن قضية أنه كاهن أو ساحر أو ما شابه. طيب، وحدث الزهري قال: حدثت أنا بأبي جهل وأبي سفيان.

خرج ليسمع من الرسول ﷺ وهو يصلي في الليل في بيته، وأخذ منهم مجلساً ليسمع فيهم، وكلٌ يعلم بمكان صاحبه؛ كل واحد من الثلاثة جالس في زاوية من البيت، حابب يسمع القرآن بس ما بده حدا يشوفه، فكان كل واحد ماخذ زاوية.

فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فكل واحد بيحكي للثاني: أنت من متى قاعد هون؟ تلاوموا أنه كيف أنتم عملتوا هذا الكلام، وغداً المستضعفون من أهل مكة يرونكم أنتم زعماء مكة تسمعون، فيعني يتأثرون. وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، ما بدنا نرجع مرة أخرى، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في أنفسهم شيئاً؛ قال: ليش أبو جهل بيسمع القرآن؟ لأنه بيتأثر فيه. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية أعاد كل رجل منهم إلى مجلسه.

قال فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر وتفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. فلما كانت الليلة الثالثة فعلوا ذلك، ثم جمعتهم الطريق، فعاهدوا ألا يعودوا. فلما أصبح الأخنس أخذ عصاه ثم أتى أبا جهل في بيته، فقال: أخبرني يا أبا الحكم عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، فقال: أخسأ، أنا والذي حلفت به! ثم خرج من عنده حتى أتى أبا سفيان، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، ثم إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرس رهان، قال: حتى لما استوينا في الشرف قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ كيف نحن بدنا نجيب نبي؟ هي ما بتزبط. فقال: والله إذاً لا نؤمن به ولا نصدقه ولا نؤمن عادياً. شوف البعد، إذاً ليست بعد تكذيب حقيقي، هم كانوا يعلمون صدقه؛ واضح، وكذلك روي عن المغيرة أن أبا جهل قال له مثل ذلك، وقال: إني لأعلم أن ما يقوله حق، ولكن بنو قصي قالوا فينا الندوة قلنا نعم، فينا الحجاب قلنا نعم، فينا السقاية قلنا نعم. قال وذكر نحوه.

وقد كانوا يرسلون إلى أهل الكتاب، كفار مكة كانوا يرسلون إلى أهل الكتاب محاولة منهم ليعرفوا صدق، يعني كيف يحرج النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليسألوهم عن أمر النبي عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس: بعثت قريش النضر بن الحارث -اللي مر معنا قبل- وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود المدينة، فقالوا لهم: اسألوا. طبعا فقالوا لهم يعني كفار مكة، قالوا لهذا البعث: اسألوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجوا حتى قدموا المدينة، خرج عقبة والحارث، فسألوا أحبار اليهود عن النبي ﷺ ووصفوا له أمره وبعض قوله، وقالوا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقال لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، يعني غير صادق، فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ اللي هم مين؟ أهل الكهف، فإنه قد كان لهم حديث عجيب. واسألوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ اللي هو ذو القرنين. واسألوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبي فاتبعوه، وإن هو لم يخبركم فهو رجل متقول.

فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش، وقالوا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد عليه الصلاة والسلام، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها. فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به عن الفتية وعن الرجل الطواف، فقال لهم النبي ﷺ: أخبركم. فجاءه جبريل من الله بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: 85]، هذه مش في الكهف نزلت، نزلت في الإسراء، فهذه قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فنحن لا نملك إجابة عنها.

قال ابن إسحاق: وبلغني أن النبي ﷺ افتتح السورة فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، عبده هنا يعني محمد عليه الصلاة والسلام، تأكيد لرسوله في تحقيق ما سألوا عنه من نبوته، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾، أي أنزله قيماً أي معتدلاً لا اختلاف فيه. وذكر تفسير السورة إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9]، وما قدروا من قدرتي، وفيما صنعت في أمر الخلائق وما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعظم من ذلك، يعني لما يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يعني تظن أنها أعجب الآيات؟ هناك ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف، لكن هؤلاء ما قدروا الله حق قدره، وفيما صنعت في أمر الخلائق وما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعظم من ذلك وأكثر. وقال مجاهد: ليسوا بأعجب آياتنا، من آياتنا ما هو أعجب من أهل الكهف. وفي تفسير العوفي: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف.

والأمر على ما ذكره السلف، فإن قصة أصحاب الكهف هي من آيات الله، فإن مكثهم نياماً لا يموتون ثلاثمائة سنة آية ذلك على قدرة الله، شيء يخلق ما يشاء، ليس كما يقوله أهل الإلحاد، وهي آية على معاد الأبدان، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: 21]، وكان الناس قد تنازعوا في زمنهم: هل تعاد الأرواح دون الأبدان أم الأرواح والأبدان؟ وجعل الله تعالى أمرهم آية لمعاد الأبدان، وإخبار النبي ﷺ بقصتهم من غير أن يعلمه بشر آية على نبوته، فكانت قصتهم آية على أصول الإيمان الثلاثة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والإيمان بأصوله ومعاده. فليسوا من آيات الله بعجب، بل من آيات الله ما هو أعجب، ذلك قد ذكر الله تعالى سؤالهم له عن الآيات التي كانوا يسألونه عنها ليعلموا هل هو صادق، هل هو نبي صادق أم كاذب؟ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 102] إلى قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105].

وقال تعالى ما ذكر قصة في أهل الكهف التي سألوه عنها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 83]، أي يسألونك عن ذاك، ويسألونك عن هذا، والقرآن مملوء من إخباره عن الغيب الماضي، الذي لا يعلمه أحد من البشر إلا من جهة الأنبياء الذين أخبرهم الله بذلك، وليس هو الشيء الذي تزعمه من حذاقة المتفلسفة، فإن هذه الأمور الغيبية المعينة المفصلة لا يؤخذ خبرها قط إلا عن نبي كموسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فليس أحد يستطيع أن يصل لها بالمكاشفات ولا بالرياضة؛ كما يقول الفارابي: تكتسب النبوة بالرياضة، يعني لو جلست بكل أنواع التزكية والزهديات والرقائق لن تستطيع أن تخبر عن قصة ماضية. هذه أمور لا تؤخذ إلا من طريق الوحي، لا من أولياء الله ولا من غير أولياء الله من يستطيع أن يخبر بشيء من ذلك، ولهذا كان هذا من أعلام الأنبياء وخصائصهم التي لا يشركون فيها غيرهم.

وأهل الملل متفقون على ما دل عليه العقل الصريح من أن هذا لا يعلم إلا بخبر النبي، فإذا كان محمد قد أخبر من ذلك ما أخبر به موسى وغيره من أنبياء، وأخبر ما يعلمونه مما لا يعلمه أحد إلا بالتعلم منهم، وقد عرف أن محمداً ﷺ لم يتعلم هذا من بشر، كان هذا آية وبرهاناً قاطعاً على نبوته، ثم العلم بأن محمداً ﷺ لم يتعلم هذا من بشر يحصل بوجوه.

أما قومه المباشرون له الخبيرون بحاله، فكانوا يعلمون أنه لم يتعلم هذا من بشر، فقامت عليهم الحجة بذلك. وأما من لم يعرف حاله، كالأمم التي جاءت بعد وفاته ﷺ، فيعلم ذلك بطرق: منها تواتر أخباره، وكيف كان من حين ولد إلى أن مات، كما هي مستفيضة مشهورة متواترة، يعلمها من كان له خبرة بذلك أعظم مما يعلم به حال موسى وعيسى، فإن محمداً ﷺ أمره وانتشرت أخباره وتواترت أحواله أعظم من جميع بني آدم، فما بقي ما دون هذا من أحواله يخفى على الناس، فكيف مثل هذا؟

ومنها أنه أخبر في القرآن بما لا يوجد عند أهل الكتاب، مثل قصة هود وصالح وشعيب، وبعض التفاصيل التي في قصة إبراهيم وموسى وعيسى، مثل تكليم المسيح في المهد، ومثل نزول المائدة، فإن هذا لا يعرفه أهل الكتاب، ومثل إيمان امرأة فرعون وغير ذلك، فيمتنع أن يقال إن هذا تعلمه من أهل الكتاب، وقومه لم يكونوا يعلمون ذلك. بل قد أراهم وغيرهم آثار المنذرين الذين عاقبهم الله لما كذبوا الرسل، كقوم عاد وثمود وغيرهم، فيستدل الناس بالآثار الموجودة على صدق الرسل وعقوبة الله لمن يكذبهم، ويستدل قومه وغيرهم على صدقه فيما أخبر به من هذه الأمور التي لم يتعلمها من أهل الكتاب بتصديق أهل الكتاب له فيما وافقهم فيه مع علمهم أنه لم يتعلم ذلك منهم، ويكون هذا مما يدل على أنه لم يتعلم من أهل الكتاب شيئاً كما قد يظنه بعضهم، وذلك من الوجهين كما تقدم.

ومنها أن أكثر قومه كانوا من أعظم الناس عداوة له وحرصاً على تكذيبه والطعن فيه، وبحثاً عما به يقدحون فيه، فلو كان قد تعلم هذه الأخبار من بشر لكانوا يعلمون ذلك ويقدحون به ويظهرونه، ولكان هذا مما يظهر أعظم مما ظهر غيره، فلم يقع ذلك، دل على أنهم لم يكونوا يعلمون ذلك، ولم يتمكنوا من القدح به فيه مع علمهم بحاله ورغبتهم في القدح به مع كمال الداعي والقدرة. لما يكون أنت عندك دافع حتى تكذب شخص وتجد القدرة على ذلك فإنك رح تفعل هذا مباشرة، فكفار قريش كان عندهم الدافع لتكذيب النبي ﷺ وإظهار كذبه، كان عندهم دافع بس ما وجدوا القدرة، فلذلك لم يفعلوا، وهذا يؤكد أنهم كانوا يعلمون أنه لم يعلمه بشر، فلما كان داعيهم تاماً ولم يقدحوا، عُلِم أن ذلك لعدم القدرة للعجز.

وعجزهم عن القدح مع علمهم بحاله دليل على أنهم هم علموا أنه لم يتعلمه من بشر. ومنها أن يقال: مثل هذا لو وقع لكان من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل كان المتبعون له المؤمنون به إذا اطلعوا على ذلك فلا بد أن يشيعوه ويعلنوه، فكيف المخالفون له المكذبون له؟ فإن القوم المتفرقين الذين لم يتواطؤوا كما لا يجتمعون على تعمد الكذب، فلا يجتمعون على كتمان مثل ذلك، بل يجتهد الملوك والرؤساء في إخفاء ما يبطنونه من أمر ملكهم الذي بنوه عليه، ويحلفون أولياءهم على كتمان ذلك، ويبذلون لهم الرغبة والرهبة في ذلك، ثم يظهر ذلك مع كل الجهد. الملوك إذا أرادوا كتمان شيء بيشتروا ذمم الحاشية وذمم حاشية الحاشية ويفعلون كل شيء، بعدين بتلاقي بكرة تسريبات وكليكس يسموها طالعة. فمثل هذه الأمور لو كان عليه الصلاة والسلام تلقى أي خبر عن بشر أو عن أهل الكتاب أو شيء، هذا يظهر؛ مستحيل في العادة أن تكتم مثل هذه الأمور، فلما لم يظهر شيء من ذلك عرف أنه عليه الصلاة والسلام كان يوحى إليه فيما أخبر به.

مثل كما فعل القرامطة الباطنية من أهل البحرين، وبني عبيد الله بن ميمون القداح الباطنية الذين حكموا في هذه المناطق، وكما عرف الناس أن النصيرية لهم خطاب يسرونه إلى أوليائهم في السر، وإن لم يعلم أكثر الناس ما ذلك الخطاب، لكن على الأقل وصلت معلومة، وصلت لنا كخبرية، لا سيما والذين آمنوا بمحمد ﷺ واتبعوه أولاً من المهاجرين كانوا مؤمنين به باطناً وظاهراً، هجروا لأجل الأوطان والأهل والمال وصبروا على أنواع المكاره والأذى، طائفة كبيرة ذهبت إلى الحبشة مهاجرة بدينها لما عذبها المخالفون له حتى يرجعوا عن دينهم، وطائفة كانوا في مكة يعذبون، هذا يُقتل وهذا يُخرج به.

إلى بطحاء مكة في الحر، وتوضع الصخرة عليه. بلال يأبى حتى يكفر، فلا يكفر، وهذا يمنع رزقه؛ فيترك جائعاً عرياناً. ثم إنهم هجروا أحب البلاد إليهم وأفضلها عندهم مكة، أم القرى، إلى المدينة، فكانوا فيها، والله عز وجل سماهم الفقراء المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم. ثم أذن لهم بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39]، وسماهم بالمهاجرين، فالذين هاجروا أخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي. وجميع المهاجرين والأنصار آمنوا به طوعاً واختياراً قبل أن يؤمر أحد بقتال. فالمكث بمكة بضعة عشر سنة لا يقاتل أحداً، ولم يؤمر بقتال، بل كان لا يكره أحداً على الدين، كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].

وكانوا خلقاً كثيراً، ومعلوم أن الخلق الكثير الذين اتبعوا شخصاً قد جاء بدين لا يوافقه عليه في زمانه أحد، وطلب منهم أن يؤمنوا به ويتبعوه ويفارقوا دين آبائهم، ويصبروا على عداوة الناس لهم وإذاهم، ويهجروا لأجل ذلك ما ترغب النفوس فيه من الأهل والمال والوطن، وهو مع ذلك لم يعط أحداً منهم مالاً، ولا كان له مال يعطيه إياه، ولا ولى أحداً ولاية، ولم يكن عنده ولاية يوليها، ولا أكره أحداً ولا بقرصة في جلده -على مستوى أنه يقرصك في جلدك عشان تؤمن ما قرص أحداً- فضلاً عن سوط أو عصا أو سيف. وهو مع ذلك يقول عما يخبر به من الغيب: الله أخبرني به، لم يخبرني بذلك بشر.

فلو كان مع ذلك يعلمون أنه تعلمه من بشر، لكان هذا مما يقوله بعضهم لبعض، ويمتنع في جبلة بني آدم وفي فطرهم أن يعلموا أنه كاذب، وأنه قد تعلم هذا من بشر، وليس فيهم من يخبر بذلك، مع أنهم كانوا كثيرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب والكتمان، بل ولا داعي لهم يدعوهم إلى ذلك، ويمتنع ألا يعلموا ذلك وهم بطانته المطلعون على أحواله، وهم يسمعون كلام أعدائه المطلعين على حاله. والقرآن كان ينزل شيئاً فشيئاً، لم ينزل جملة، بل كانوا يسألونه عن الشيء بعد الشيء من الغيب بين الذين آمنوا به وباطنوه واطلعوا على أسراره، وهو لا يعلم شيئاً من ذلك ثم يخبرهم به، وهم مطلعون على أمره خبراً بعد خبر، وسؤالاً بعد سؤال، وهذا كان بمكة وليس بها أحد من علماء أهل الكتاب لا اليهود ولا النصارى. ثم هاجر إلى المدينة وبها خلق كثير من اليهود، قينقاع والنضير وقريظة، ولعلهم كانوا بقدر نصف أهلها أو أقل.

قال: وهم أيضاً يسألونه عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي فيخبرهم بها، ويتلو عليهم ما سأله عنه المشركون من الغيب، وما أخبرهم به، ويتلو عليهم هذا الغيب الذي أوحاه الله إليه، ويبين أن الله أعلمه ذلك، لم يعلمه إياه بشر، فآمن به طائفة من أهل الكتاب وكفرت به طائفة أخرى، والطائفتان ليس فيهم من يقول إن هذا تعلمه منا أو من إخواننا أو نظرائنا، ولا أنك قرأته في كتبنا. مع أنه لو كان قد تعلم ذلك منهم لكان شيوخه منهم، وشيوخهم إذا علموا أنه كاذب تعلمه منهم يمتنع أن يصدقوه باطناً وظاهراً، بل تصديقهم للكتاب الأول وعلمهم بكذب من ادعى نزول كتاب ثانٍ وقد تعلم منهم سيدعوهم إلى أن يكشفوا هذه القضية ويظهروا كذبه، ويقولوا للناس: ترى هذا الرجل تعلم منا ونحن أخبرناه بذلك.

يعني معقول ولا واحد فيهم حكى؟ لو كان هذا حصل، لا سيما مع ما فعله أصلاً عليه الصلاة والسلام باليهود من قتل وسبي وحصار، ما أحد فيهم ادعى أن النبي عليه الصلاة والسلام تعلم منه. انظر هنا ابن تيمية يعلمك كيف تفكر في الأمور، كيف تنظر وتوازن الأمور، وهذا فصل مهم لمن يريد أن يبحث عن دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام بدون السلوك في طريقة المتكلمين الذين لا يعتقدون أن إثبات النبوة لا يكون إلا بطرق كلامية معينة، وإثبات صدق المعجز إلى غير ذلك من الأمور التي يذكرونها في كتب الكلام. ابن تيمية هنا يطرح لك وسائل كثيرة لو فكرت فيها تستطيع أن تعرف صدق النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذا لو وقع لكان من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ينقله الموافق والمخالف. يعني الآن يقول لك لو وقع، طيب ممكن واحد اليوم من المستشرقين يقول لك: شو الدليل أن اليهود ما حكوا أنه تعلم منا؟ افرض أنه لا بعض اليهود قال إن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يتعلم منا بس ما وصل إلينا اليوم في القرن الحادي والعشرين. أقول لك: لو حصل أن يهودياً قال ذلك، لهذا تتوافر فيه الهمم والدواعي أن تنقل هذه القصة ولا يمكن أن تكتم، ففرضية في علم الخبر أنه خبر مهم والكل يهتم به ومؤثر في العالم تأثيراً واضحاً، بين أن يكون وحصل ما ينقضه في الزمن الغابر ولم ينقل الخبر الناقض له، قال هذا لا يمكن أن يحصل، أنت تحكي عن خبر سيغير وجه التاريخ! الخبر خبر تافه تجد الناس اليوم تنقله على السوشيال ميديا، خبر يغير وجه التاريخ والله لم ينقل إلينا ولم يصل إلينا للقرن العشرين.

قال: فلم يقل ذلك أحد، ولم ينقله أحد، مع ما أظهره من الأخبار المستفيضة المتواترة التي علمها الخاص والعام بأن هذا إنما أنبأني الله به. كان هذا إذاً دليلاً قاطعاً بأن هذه الأخبار الغيبية التي لا يعلمها إلا نبي أو من تعلمها من نبي هي مما أنبأه الله به ولم يعلمه بذلك بشر. وهذا من الغيب الذي قال الله تعالى فيه في السورة التي ذكر فيها استماع الجن للقرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. آخر السورة ايش قال سبحانه وتعالى؟ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]. فالرسل هم الذين يطلعون على الغيب، فقوله تعالى ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ يبين أنه غيب يضاف إليه سبحانه ويختص به سبحانه، لا يعلمه أحد إلا من جهته سبحانه، بغير خلاف ما يغيب عن بعض الناس ويعلمه بعضهم، فإن هذا قد يتعلمه بعضهم من بعض؛ زي مثلاً يكون في شيء خلف هذا السور أو خلف هذا الباب يعرفه من هو واقف خلف الباب لكن لا أعرفه أنا لأنه غائب عني، فهناك الغيب النسبي وهناك الغيب المطلق، فالغيب المطلق لا يعرف إلا من جهة الله، أما الغيب النسبي لا، اللي هو غائب عني بس مش غائب عنك، أنت شايفه.

قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ فهذه أنباء الغيب التي أوحى الله إليه من الغيب الذي لا يظهر الله عليه أحداً إلا من ارتضى من الرسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً يرصدون من يأتيه من إنس وجني، فيدفعونه ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم.

فمما سأله عنه أهل الكتاب في المدينة مسائل، وهي غير المسائل التي كان يسأل عنها وهو بمكة. كما كان مشركو قريش يرسلون إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فيرسل اليهود بمسائل يمتحنون بها نبوته. يعني كما كان كفار مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم مسائل يمتحنون نبوته، كذلك اليهود في المدينة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن مسائل غيبية وأمور غيبية يمتحنون نبوته. فمن ذلك ما ورد في كتب السنة، ما هو في صحيح البخاري.

قال عن أنس قال: جاء عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أمه تارة وإلى أبيه تارة؟ فسألوا عن أمور غيبية: أشراط الساعة، ايش أول طعام يأكل أهل الجنة، والولد ليش أحياناً بيشبه أبوه وأحياناً بيشبه أمه؟ فقال: أخبرني جبريل آنفاً. فقال عبد الله بن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. اليهود بحبوه جبريل نعم.

قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه. طبعاً معنى سبق، ربما اليوم العلوم الحديثة قد تفسر بشكل يتلاءم مع فهمنا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بقضية عامة، أنه إذا مني الرجل سبق مني المرأة فإن الولد سينزع في الشبه إلى أبيه، وإذا مني المرأة سبق مني الرجل فإن الولد ينزع الشبه إلى أمه، لكن ما معنى السبق هنا؟ هذا يحتاج إلى ما يفسر فيه العلوم الحديثة.

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك. فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وعليمنا وابن عليمنا. القصة مشهورة.

وروى مسلم في صحيحه أيضاً عن ثوبان قال: كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود وقال: السلام عليك يا محمد. قال: فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لِمَ تدفعني؟ قلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال: إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله. قال صلى الله عليه وسلم: إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد. فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. فنكت بعود معه فقال له: سل.

فقال اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين. فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد نون. قال: وما غذاؤهم على أثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة. طبعاً هنا زيادة كبد الحوت هم يقولون هو شيء في طرف كبد الحوت، يعتبر ألذ نقطة فيه، شو هي زيادة كبد الحوت؟ قالوا الزيادة هنا هي جانب من جوانب كبد الحوت، الله أعلم بها ولست خبيراً بها، جانب وطرف في كبد الحوت تعتبر هذه الزيادة ألذ شيء فيها، فهذا أول ما يأكله أهل الجنة من فقراء المهاجرين حين يدخلونها.

قال: فما شرابهم عليه؟ طب بعد ما يأكلوا هذه الطرف ايش راح يشربوا عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلة. قال: صدقت. هذا كان موجود في التوراة.

قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: أينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنث بإذن الله. هنا إذا ظاهر الكلام أنه مش الكلام عن الشبه، الكلام عن الجنس، أنه ذكر أو أنثى. صحيح، فهنا ماذا يقول: قال فإذا اجتمعا فعلا -يعني كان أعلى- في البويضة المخصبة، بس برضو هذا العلو يحتاج أن نستعين هنا في العلوم الحديثة لنصل إلى توصيف دقيق له، فإذا اجتمع فعلا مني الرجل مني المرأة سيكون الولد ذكراً، وإذا علا مني المرأة مني الرجل يكون الولد أنثى. قال له: صدقت، وإنك لنبي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سألني عن هذا الذي سألني عنه وما أعلم شيئاً منه، أنا ما كنت أعرف هذه المعلومات حتى أتاني به الله تعالى عن طريق جبريل. وروى أبو داود الطيالسي بإسناده عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود يوماً.

إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا عن خلالٍ نسألك عنها، لا يعلمها إلا نبي. قال: «اسألوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه، إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقاً لتتابعوني على الإسلام». نعم، في نسختنا لتُبايعوني، فقالوا: لك ذلك.

قال: «فاسألوني عما شئتم». قالوا: أخبرنا عن أربع، أخبرنا عن الطعام الذي حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكراً، وكيف يكون الأنثى حتى يكون أنثى، وأخبرنا كيف هذا النبي في النوم، قال: ومن وليك من الملائكة؟ قال: «فعليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا حدثتكم لتتابعوني»، فأعطوه ما شاء عهد وميثاق. قال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً طال سقمه فيه، فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحوم الإبل؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد عليهم. قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان الولد وشبهه له بإذن الله؟» قالوا: اللهم نعم. فقال: «اللهم اشهد». قال: «أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وأنزل التوراة على موسى، تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «اللهم اشهد».

قالوا: أنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: «ولي جبريل عليه السلام، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه». قالوا: فعندها نفارقك، لو كان غيره لتبعناك وصدقناك. قال: «فما يمنعكم أن تصدقوا؟» قالوا: إنه عدونا من الملائكة. فأنزل الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 97-98].

ففي هذه الأحاديث أن علماء اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كانوا يسألونه عن مسائل يقولون فيها لا يعلمها إلا نبي، أي ومن تعلمها من الأنبياء، فإن السائلين كانوا يعلمونها. نعم، لا يعلمها إلا نبي أو من تعلمها من الأنبياء، فكانوا يمتحنونه بهذه المسائل ليتبين هل يعلمها، وإذا كان يعلم ما لا يعلمه إلا نبي كان نبياً. ومعلوم أن مقصودهم بذلك إنما يتم إذا علموا أنه لم يعلم هذه المسائل من أهل الكتاب ومن تعلم منهم؛ وإلا فمعلوم أن هذه المسائل كان تعلمها بعض الناس، لكن تعلمها هؤلاء من الأنبياء. وهذا يبين أن هؤلاء السائلين لهم من أهل الكتاب كانوا يعلمون أن أحداً من البشر لم يعلمه ما عند أهل الكتاب من العلم، إذ لو جوزوا ذلك عليه لم يحصل مقصودهم من امتحانه هل هو نبي أم لا. فإنهم إذا جوزوا أن يكون تعلم ما لا يعلمه إلا نبي من أهل الكتاب كان من جنسهم، فلم يكن في علمه بها وإجابتهم عنها دليل على نبوته، فلا بد أن يكون هؤلاء السائلون يقطعون بأنه لم يتعلم من أهل الكتاب.

وهذا كان بالمدينة بعد أن أقام بمكة بضع عشرة سنة، وانتشر أمره وكذبه قومه وحرصوا على إبطال دعوته بكل طريق يقدرون عليه. فلو كان بمكة أو بالمدينة أحد من أهل المدينة يتعلم منه، أو لقي أحداً من أهل الكتاب في طريق فتعلم، لكان ذلك يقدح في مقصود هؤلاء السائلين. فتبين أنه كان معلوماً عند أهل الكتاب أنه لم يتعلم شيئاً من الغيب من بشر، لاسيما ولو كان قد تعلمه من أهل الكتاب وقد كذبهم وحاربهم، لأظهروا ذلك ولشاع في أهل الكتاب، فكان إذا أجابهم قالوا: هذا تعلمته من فلان وفلان منا، أو هذا علمك بعض أهل ديننا. وهذا كما كانوا يرسلون إلى قومه من قريش ليسألوه عن مسائل ويقولون: إن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فهو متقول، ويقولون سلوه عن مسائل لا يعلمها إلا نبي. فهذا من أهل المدينة ومن قريش قومه يبين أن قومه المشركين وأهل الكتاب كانوا متفقين على أنه لم يتعلم شيئاً من ذلك من البشر، إذ لو جوزوا ذلك لم يحصل مقصودهم بذلك، ولم يجز أن يقولوا لا يعلمها إلا نبي؛ فإنهم كانوا جميعاً يعلمون أن من أهل الكتاب من يعلم هذه المسائل، وبذلك يعرف هل يجيب فيها بما قالته الأنبياء أو بخلاف ذلك، ويعلمون أن من كان تعلمها من أهل الكتاب ومن تعلم منهم لا يدل جوابه عنها على نبوته.

فكما لو أجاب عن تلك المسائل بعض أهل الكتاب، وكما لو سأل في زمننا بعض الناس بعض المسلمين عن تلك المسائل أو غيرها من أنباء الغيب التي لا يعلمها إلا النبي، فإن ذلك لا يدل على نبوته لأنه قد تعلم ذلك من الأنبياء. فدل على أن مرادهم بقولهم لا يعلمها إلا نبي، أي لا يعلمها ابتداءً بدون تعليم بشر إلا نبي. ويدل على أن المشركين وأهل الكتاب كانوا جميعاً متفقين على أنه لم يتعلم من بشر، مع انتشار أخباره ومع اطلاع قومه على أسراره ومع ظهور ذلك لو وجد، ومع أنهم لو جوزوا تجويزاً أن يكون قد تعلمها من بشر في الباطن لم يجز أن يستدل بها على نبوته، فدل على أنهم كانوا قاطعين بأنه لم يتعلم ذلك من بشر لا في الباطن ولا في الظاهر، وهذا طريق بين يدل على أنه لم يتعلم ذلك من بشر سوى الطرق المذكورة هنا.

فصل: ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى جميع الثقلين جنهم وإنسهم عربهم وعجمهم، وهو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، كان من نعمة الله على عباده ومن تمام حجته على خلقه أن تكون آيات نبوته وبراهين رسالته معلومة لكل الخلق الذين بعث إليهم. وقد يكون عند هؤلاء من الآيات والبراهين على نبوته ما ليس عند هؤلاء. فمن أعظم المسائل العقدية التي قامت عليها البراهين مسألة صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله، وكان يظهر لكل قوم من الآيات النفسية والآفاقية ما يبين به أن القرآن حق كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].

أخبر سبحانه سيري عباده الآيات في أنفسهم وفي الآفاق حتى يتبين أن القرآن حق، فإن الضمير عائد إليه إذ هو الذي تقدم ذكره في الآيات ﴿أَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ فَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 52]. والضمير في كان عائد إلى معلوم، ورأيتم إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به، فإنه على هذا التقدير يكون الكافر في شقاق بعيد، قد شاق الله ورسوله، ولا أحد أضل ممن هو في مثل هذا الشقاق حيث كان في شق والله ورسوله في شق آخر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 137]. فبين أن من تولى عن ذلك لم يكن متبعاً للحق قاصداً له، فإن هذا الذي قلتموه لا يتولى عنه من أهل الكتاب من قصد الحق، وإنما يتولى عنه من قصد المشاقة والمعاداة، يقال: ﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، فهذا التولي هو لمن يقصد المضادة والمشاقة وليس لمن يبحث عن العلم.

وهذا يكفيك الله أمره، والقرآن إن كان من عند الله ثم كفر به من كفر، فلا أحد أضل ممن هو في مثل حاله إذ هو في شقاق بعيد، وإن قدر أنه لم يعلم أنه حق فهو ضال، والشقاق قد يكون مع العناد وقد يكون مع الجهل؛ فإن الآيات إذا ظهرت فأعرض عن النظر الموجب للعلم أيضاً كان هذا مشاقاً، ولهذا قال عقب ذلك: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فأخبر سيري عباده من الآيات الآفاقية والنفسية ما يبين أنه حق. ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فإن شهادته وحده كافية بدون ما ينتظر من الآيات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: 43].

وشهادته للقرآن ولمحمد تكون بأقواله التي أنزلها قبل ذلك على أنبيائه، كما قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140]. وتكون بأقواله التي أنزلها على محمد مباشرة عليه الصلاة والسلام؛ فإن القرآن نفسه آية بينة ومعجزة قاهرة. وتكون بأفعاله وهو ما يجريه من الآيات والبراهين الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صدقهم بها فيما أخبروا به عنه، أي بالمعجزات وشهد لهم بأنهم صادقون. والقرآن نفسه هو قول الله وفيه شهادة الله بما أخبر به الرسول، وإنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم وتأتي محمد صلى الله عليه وسلم به هو آية وبرهان، وذلك من فعل الله؛ إذ كان البشر لا يقدرون على مثله، لا يقدر عليه أحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا سحرة ولا غيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

ومحمد صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا في أول أمره، إذ كانت هذه الآية في سورة سبحان وهي مكية، صدرها بذكر الإسراء، سورة سبحان للإسراء، نعم، صدرها بذكر الإسراء الذي كان بمكة باتفاق الناس، وقد أخبر خبراً وأكده بالقسم عن جميع الثقلين إنسهم وجنهم أنهم إذا اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، بل يعجزون عن ذلك. وهذا فيه آيات لنبوته؛ منها إقدامه على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة بأنهم لا يفعلون هذا بل يعجزون عنه، هذا لا يقدم عليه من يطلب الناس أن يصدقوه إلا هو واثق بأن الأمر كذلك. يعني أنه لن يستطيعوا أن يأتوا مثل القرآن، أنت ما بتحكي هذا القرآن لن تأتوا بمثله إلا إذا كنت أنت واثق أنهم لن يأتوا بمثله، مش ممكن تحكي هذا وأنت متردد.

قال: إذ لو كان عنده شك في ذلك لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر فيفسد عليه ما قصده، وهذا لا يقدم عليه عاقل مع اتفاق الأمم المؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والكافر به على كمال عقله ومعرفته وخبرته، إذ ساس العالم سياسة لم يسسهم أحد بمثلها. ثم جعله هذا في القرآن المتلو المحفوظ إلى يوم القيامة، الذي يقرأ به في الصلوات ويسمعه العام والخاص والولي والعدو، دليل على كمال ثقته بصدق هذا الخبر، وإلا لو كان شاكاً في ذلك لخاف أن يظهر كذبه عند خلق كثير بل عند أكثر من اتبعه ومن عاداه. وهذا لا يفعله من يقصد أن يصدقه الناس، فمن يقصد أن يصدقه الناس لا يقول مثل هذا ويظهر هذا الإظهار ويشيع هذه الإشاعة ويخلد هذا التخليد إلا وهو جازم عند نفسه بصدقه، ولا يتصور أن بشراً يجزم بهذا الخبر إلا أن يعلم أن هذا مما يعجز عنه الخلق. إذ علم العالم بعجز جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة هو من أعظم دلائل كونه معجزة وكونه آية على نبوته، فهذا من دلائل نبوته في أول الأمر عند من سمع هذا الكلام وعلم أنه من القرآن الذي أمر ببلاغه إلى جميع الخلق، وهو وحده كافٍ في العلم بأن القرآن معجز.

ما سوى ذلك من الدلائل الكثيرة على أنه معجز، مثل عجز جميع الأمم عن معارضته مع كمال الرغبة والحرص على معارضته وعدم الفعل مع كمال الداعي يستلزم عدم القدرة؛ فلما كانت قاعدة عدم قيامك بالفعل مع كمال وجود الدافع يستلزم أنك عاجز، فلما كان داعي العربي وغيرهم على المعارضة تاماً عندهم، أكبر دافع كانوا ليكذبوا النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعلوا ذلك؛ علم عجز جميع الأمم عن معارضته. وهذا برهان ثانٍ يعلم به صدق هذا الخبر، وصدق هذا الخبر آية لنبوته، غير العلم بأن القرآن معجز، فإن ذلك آية مستقلة لنبوته، وهي آية ظاهرة باقية إلى آخر معلومة لكل أحد، وهي من أعظم الآيات؛ فإن كونه معجزاً يعلم بأدلة متعددة، والإعجاز فيه وجوه متعددة، فتنوع دلائل إعجازه وتنوعت وجوه إعجازه، وكل وجه من الوجوه هو دال على إعجازه، وهذه جمل لبسطها تفصيل طويل. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 50-51].

في ذلك لآيات وذكرى لقوم يؤمنون. فهو كافٍ في الدلالة والبيان، وهو كافٍ في الحجة والبرهان.

إذا أردنا أن نفرق بين مسألتين؛ عادة ما يحصل خلط بينهما: بين كون القرآن معجزاً، ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فهذا عليه أدلة كثيرة، وبين معرفة أوجه الإعجاز وما هو سر الإعجاز في ذات القرآن؛ فهذا يخفى على كثير من الناس. صحيح أن هناك أدلة كثيرة تدل على أن القرآن معجز، منها أنه تحداهم أن يأتوا بمثله ولم يأتوا بمثله؛ خلص، هذا دل أنه معجز، انتهت. لكن أين أوجه الإعجاز داخل النص؟ فهذه قد تخفى على كثير من الناس، ومن أجل ذلك صنّف العلماء كتب إعجاز القرآن، مثل الباقلاني والخطابي، محاولة لاكتشاف الإعجاز البياني في القرآن. ففرق بين أن يثبت لك أصل أن القرآن معجز، فهذا عليه أدلة كثيرة سهل أن تفهمها، لكن أن تعرف سر الإعجاز في القرآن داخل النص، وأنه في وين نقطة الإعجاز في بيانه وأسلوبه، هذه نعم، لا يقوى عليها إلا المتضلعون في اللغة العربية، وحتى المتضلعون ما زالوا يحاولون ضبط هذه الأوجه.

والآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، ويسميها من يسميها من النظار معجزات، تسمى دلائل النبوة وأعلام النبوة. لذلك كثير من الكتب صنفت في الإسلام تحت اسم دلائل النبوة؛ لأبي نعيم، وللبيهقي، وأعلام النبوة، والمعجزات. وهذه الألفاظ إذا سُميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات؛ ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجوداً في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان. كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 32] في العصا واليد. وقال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: 174].

إذاً لفظ المعجزة لم يرد في القرآن، استعمل لفظ البرهان، البينات، الآيات؛ هذه الألفاظ الشائعة في القرآن. أما لفظ المعجزة لم يرد في القرآن، وإنما استعمله المتكلمون. وقال تعالى في مطالبته أهل الدعوة والكاذب بالبرهان: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، ومثل الآية التي بعدها: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

لفظ الآيات أيضاً مستعمل في القرآن؛ ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124]. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101]. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: 12]. وقول فرعون له: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 106]. وهذه ناقة الله لكم آية، أيضاً صالح يقول: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 73]. وقال في حق محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: 4]. ثم قال: ﴿وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 25].

فالآن استقرأ ابن تيمية النصوص التي فيها استعمال لفظ الآيات الدالة على صدق النبي عليه الصلاة والسلام. لما ذكر قصص الأنبياء في سورة الشعراء كان يقول في كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: 8]. ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7]. ذلك أنباء الغيب نوحيها إليك، وقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. ثم ختم الآية: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 37]. وجعلنا ابن مريم وأمه آية.

وأما لفظ المعجز فهو إنما يدل على أنه أعجز غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [التوبة: 2]. لكن هذه ما كانت تتكلم عن سياق البراهين والآيات، وإنما تتكلم عن كلمة معجز بدلالتها اللغوية، أي أنكم لن تعجزوا الله، ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: 22]. ومن لا يثبت فعلاً إلا لله يقول: المعجز هو الله، وإنما يُسمى غيره معجزاً على وجه المجاز. يعني الذي يعجز حقيقة هو الله، فالله هو المعجز لغيره، وتسمية القرآن معجز هذا نوع من التجوز. مثلاً الدليل، ما هو حقيقة هو الذي يقوم بعملية الاستدلال، يقول لك: أنا دليلك، والأشياء التي أُتي بها ووسائل تسمى دليلاً على سبيل التجوز؛ فإنه يقول لك: إنها دليلك. ثم سأعطيك أشياء أدلك بها، هذه الأشياء تُسمى دليلاً أيضاً لكن على سبيل التجوز. فالمعجز حقيقة هو الله، وما يأتي به من الأشياء التي تعجز الناس تسمى هذه الأشياء، سواء القرآن أو غيره، معجزاً على سبيل المجاز والنقل.

يقال: ليس أهل السنة، من لا يثبت فعلاً إلا لله، شيخ الإسلام، يعني هناك الفاعلون هم الناس ولكن لا خالق إلا الله. هذا ليس إثباتاً للكلام، لكن حتى يقول إنه استقصاء لمناحي المسألة. حتى لو قلنا إنه هو معجز على سبيل التوسع، زي ما قالوا في الدليل؛ حتى نحن على قول أهل السنة لو قلنا إن تسمية القرآن معجز هو باعتبار أن الله عز وجل أعجز به الناس، فالمعجز حقيقة هو الله، وإطلاقها على القرآن جائز، ما في مشكلة، لكن على سبيل التوسع أو السببية.

وهذا اللفظ لا يدل على كون ذلك آية ودليلاً إلا إذا فُسِّر المراد به وذُكِرت شرائطه. ولهذا كان كثير من أهل الكلام لا يسمي معجزاً إلا ما كان للأنبياء فقط، وما كان للأولياء إن أُثبت لهم خرق عادة سموه كرامة. وأحمد وغيره كانوا يسمون هذا وهذا معجزاً. ويقولون حتى لخوارق الأولياء أنها معجزات، إذ لم يكن في اللفظ ما يقتضي اختصاص الأنبياء بذلك، بخلاف ما كان آية وبرهاناً على نبوة النبي، فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات أيضاً آيات، ما عندنا مشكلة. هل الكرامات لو سُميت آيات؟ قال: ما في مشكلة؛ كونها تدل على نبوة من اتبعه الولي، لأنه كل كرامة لولي هي معجزة لنبي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوت الدليل بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهاناً وهو الدليل والعلم على نبوة النبي يمتنع أن يكون لغير النبي. وبسط هذا له موضوع آخر، بس هنا الفائدة أنه يجوز أن يُطلق؛ يقول شيخ الإسلام إن أحمد والسلف ما كان عندهم مشكلة في أن يطلقوا على كرامات الأولياء لفظ المعجزات باعتبارها أنها خارقة للعادة، خاصة أن لفظ المعجزات ليس لفظاً متعبداً به، يعني مش لفظ قراني، سماها آيات الأنبياء، براهين الأنبياء، ما سماها معجزات الأنبياء، فبالتالي إطلاق لفظ المعجزات على الكرامات يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن أحمد والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزاً.

والمقصود هنا أن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة متنوعة، كما قد تكلمنا على ذلك في غير هذا الكتاب، وبيّنا أن من يخصص دلائل النبوة بنوع فقد غلط، بل هي أنواع كثيرة. لكن الآيات نوعان: منها ما مضى وصار معلوماً بالخبر، كمعجزات موسى وعيسى، ومنها ما هو باقٍ إلى اليوم، كالقرآن الذي هو من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكالعلم والإيمان الذي في أتباعه؛ فإنه من أعلام نبوته وشريعته التي أتى بها، فإنها أيضاً معجزة، ومن أعلام نبوته. والآيات التي يُظهر الله وقتاً بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، ووقوع ما أخبر بوقوعه، كقوله: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك»، وقوله: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز»، فوقوع هذه القضية هي معجزة، وقد خرجت هذه النار سنة 55 و600 هجري، وشاهد الناس أعناق الإبل في ضوء النار ببصرائهم لجهة تيماء، وظهور دينه وملته بالحجة والبرهان وباليد والسنان، ومثل المولات والعقوبات التي تحيق بأعدائه، وكنعته الموجود في كتب الأنبياء قبله، وغير ذلك.

والقرآن كلام الله وفيه الدعوة والحجة، فله به اختصاص على غيره، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أُوتي من الآيات ما أُمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة». والقرآن يظهر كونه آية وبرهاناً له من وجوه جملة وتفصيلاً. أما الجملة فإنه قد علمت الخاصة والعامة من عامة الأمم علماً متواتراً أنه هو الذي أتى بهذا القرآن، وتواترت في ذلك الأخبار أعظم من تواترها بخبر كل أحد من الأنبياء والملوك والفلاسفة وغيرهم. والقرآن نفسه فيه تحدي الأمم بالمعارضة، والتحدي هو أن يحدوهم أي يدعوهم، فيبعثهم إلى أن يعارضوه. فيقال: حَداني على هذا الأمر أي بعثني عليه، ومنه سُمي حادي العيس، لأنه بحُدائه يبعث الإبل على السير.

وقد يريد بعض الناس بالتحدي دعوة النبوة، ولكنه أصله الأول. قال تعالى في سورة الطور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 33-34]. فهنا يقال: فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين، فإنه إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قادراً على أن يتقوله كما يقدر الإنسان على أن يتكلم بما يتكلم به من نظم ونثر، كان هذا ممكناً للناس الذين هم من جنسه، فأمكن الناس أن يأتوا بمثله. ثم إنه تحداهم بعشر سور مثله، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]. ثم تحداهم بسورة واحدة منه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: 37-38].

فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات هم وكل من استطاعوا من دون الله، ثم تحداهم بسورة واحدة هم ومن استطاعوا. قال: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: 14]. وهذا أصل دعوته، وهو الشهادة بأنه لا إله إلا الله، والشهادة بأن محمداً رسول الله. وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: 14]، كما قال: ﴿لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: 166]، أي هو يعلم أنه منزل، لا يعلم أنه مفترى، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: 37]، أي ما كان لأن يُفترى، يقول: ما كان ليفعل هذا لأن يفتري.

فلم ينفِ مجرد فعله، بل نفى احتمال فعله، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع، بل يمتنع وقوعه، فيكون المعنى ما يمكن ولا يحتمل ولا يجوز أن يُفترى هذا القرآن من دون الله، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق، والمخلوق لا يُقر على ذلك. وهذا التحدي كان بمكة، فإن هذه سور مكية: سورة يونس وهود والطور. ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال في البقرة وهي سورة مدنية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24]. فذكر أمرين: أحدهما قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾، يقول: إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حق، فخافوا الله أن تكذبوه، فيحيق بكم العذاب الذي وعد به المكذبين، وهذا دعاء إلى سبيل ربه بالموعظة الحسنة بعد أن دعاهم بالحكمة، وهو جدالهم بالتي هي أحسن. والثاني قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾، لنفي المستقبل، فثبت الخبر أنهم فيما يستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله كما أخبر قبل ذلك، وأمره أن يقول في سورة سبحان وهي سورة.

مكية افتتحها بذكر الإسراء، وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر، وذكر فيها من مخاطبته للكفار بمكة ما يبين ذلك بقوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. قال: فعمَّ بالخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك.

وهذا التحدي والدعاء لجميع الخلق قد سمعه كل من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه ولا أتوا بسورة مثله، ومن حين بُعِث إلى اليوم الأمر على ذلك، مع معلوم من أن الخلق كلهم كانوا كفارًا قبل أن يُبعث، ولما بُعِث إنما تبعه قليل، وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكل طريق يمكن. تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور من الغيب حتى يسألوه عنها، كما سألوه عن قصة يوسف وأهل الكهف وذي القرنين كما تقدم، وتارة يجتمعون في مجمع بعد مجمع على ما يقولونه فيه، وصاروا يضربون له الأمثال فيشبهونه بمن ليس مثله لمجرد شبه ما مع ظهور الفرق؛ فتارة يقولون مجنون، وتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون شاعر، إلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وكل عاقل سمعها أنها افتراء عليه. فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة وهي تطول دعوته، فمعلوم أنهم لو كانوا قديرًا عليها لفعلوها، فإنهم مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض. فهذا القدر يوجب علمًا بينًا لكل أحد بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وغير حيلة، وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها كإحياء الموتى، فإن هذا لم يأتِ أحد بنظيره.

وكون القرآن آية معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط؛ بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة. من جهة اللفظ، واختيار المفردات وفصاحة الألفاظ، ومن جهة النظم الذي هو الأساليب والتراكيب البلاغية بما فيها من تشبيه واستعارة، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، والتناسب بين الألفاظ والمعاني، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، فمعانيه نفسها ومضمونها أيضًا معجز، ومن جهة ما أخبر به عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: 89]. فلا يستطيع أحد أن يأتي بأمثال أكمل وأتم من أمثال القرآن، لا يستطيعون؛ هذا أيضًا من الأدلة نفسها، دلائل القرآن والأقيسة العقلية؛ طريقة صياغتها في القرآن طريقة مبهرة، لا يستطيعون الإتيان بمثلها.

وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن هو حجة على إعجازه ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له. ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي مع قيام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة، وهو قول كثير من المعتزلة، ويسمونها مذهب الصرفة، وهو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضة القرآن مع قيام المقتضي التام، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا. فلاحظ أن القول بالصرفة له طريقتان: منهم من يقول إنه سلبهم الداعي والإرادة، ومنهم من يقول إنه سلبهم القدرة والاستطاعة. وهذا كله خطأ، فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، كما قال في قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]؛ فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قُدِّر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله، فامتناع جميعهم عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادات. من منزلة من يقول: إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم وأضربهم جميعًا وأجوِّعهم، وهم قادرون على أن يشكوا إلى الله أو إلى ولي الأمر وليس فيهم مع ذلك من يفعل هذه الشكوى؛ فهذا من أبلغ الأعاجيب الخارقة للعادة.

ولو قُدِّر أن واحدًا صنَّف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا يقدر أمثاله على أن يقولوا مثله، وتحداهم كلهم فقال: عارضوني وإن لم تعارضوني فأنتم كفار وماواكم النار ودمائكم لي حلال، امتنع في العادة ألا يعارضه أحد. فإذا لم يعارضوه كان هذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة، والذي جاء بالقرآن قال للخلق كلهم: أنا رسول الله إليكم جميعًا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أُبيح لي قتل رجالكم وسبي ذراريكم وغنائمكم، ووجب عليهم كلهم طاعتي، ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق. ومن آيات هذا القرآن أنه لا يُقتل أحد على أن يأتي بمثله، وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله، فيقال: لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين؛ فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه، بل صرف الله دواعي قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل التحدي؛ فإن سلب القدرة المعتادة -أن يقول الرجل معجزة: إنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب- فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد، فهذا من أبلغ الخوارق. وإن كانوا عاجزين، ثبت أنه خارق للعادة، فثبت كونه خارقًا على تقدير النقيضين النفي والإثبات، فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر.

فهذا غاية التنزل، وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد صلى الله عليه وسلم نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر، كما قد أخبر الله به في قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. وأيضًا فالناس يجدون دواعيهم إلى المعارضة حاصلة، لكنهم يحسون من أنفسهم العجز عن المعارضة، ولو كانوا قادرين لعارضوه. وقد انتدب غير واحد لمعارضته لكن جاء بكلام فضح به نفسه، وظهر به تحقيق ما أخبر به القرآن من عجز الخلق عن الإتيان بمثله، مثل مسيلمة الكذاب كقوله: يا ضفدع بنت ضفضعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدِّرين ولا الشاربة تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين.

وكذلك أيضًا يعرفون أنه لم يختلف حال قدرتهم قبل سمعه وبعد سمعه، فلا يجدون أنفسهم عاجزين عما كانوا يقدرون عليه كما وجد زكريا عجزه عن الكلام بعد قدرته عليه. وأيضًا فلا نزاع بين العقلاء المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم والمكذبين له أنه كان قصده أن يصدقه الناس ولا يكذبوه، وكان مع ذلك من أعقل الناس وأخبرهم وأعرفهم بما جاء به ينال مقصوده، سواء قيل إنه صادق أو كاذب؛ فإن من دعا الناس إلى مثل هذا الأمر العظيم ولم يزل حتى استجابوا له طوعًا وكرها وظهرت دعوته وانتشرت ملته، هذا الانتشار هو من عظماء الرجال على أي حال كان، فإقدامه مع هذا القصد في أول الأمر وهو بمكة وأتباعه قليل على أن يقول خبرًا يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، لا في هذا العصر ولا في سائر الأعصار المتأخرة، لا يكون إلا مع جزمه بذلك وإتيقانه له، وإلا فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فيفتضح فيرجع الناس عن تصديقه. وإذا كان جازمًا بذلك متيقنًا له لم يكن ذلك إلا عن إعلام الله له بذلك، وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزة، فإنا نعلم ذلك وإن لم يكن علمنا بذلك خارقًا للعادة، ولكن يلزم من العلم ثبوت المعلوم، وإلا كان العلم جهلًا، فثبت أنه على كل تقدير يستلزم كونه خارقًا للعادة.

وأما التفصيل فيقال: نفس نظم القرآن وأسلوبه، ولو قال مفترٍ بل أنا أقول الذي أخبر بهذه الغيوب وأتى بهذه العجائب كان جاهلًا آخر لا يدري ما يقول، قيل له: فهذا أبلغ طرف الإعجاز وخرق العادة، أن يكون مجنونًا قد أتى بهذه الغيوب والأعاجيب التي لا يقدر عليها أحد من العقلاء والمجانين.

هذا المفتري إذا قال لك هذا، بل أنا أقول: الذي أخبر بهذه الغيوب وأتى بهذه العجائب كان جاهلاً آخر والعياذ بالله، لا يدري ما يقول. نقول ترى هذا من حيث المنطق العقلي يكون أبلغ في الإعجاز، أنه كيف استطاع آخر فيما تزعم أن يأتي بمثل هذه الأعاجيب والأمور التفصيلية التي لا عاقل ولا مجنون يقدر يتكلم فيها.

أما التفصيل في بيان أوجه إعجاز القرآن وكيف يدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا نتركه للدرس القادم إن شاء الله. نحن هنا اقتصرنا على الوجه الإجمالي، ونقتصر على التفصيل في الدرس القادم. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.