السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. اللهم يسر وأعن، صوت جيد إذا نبدأ مستعينين بالله، بسم الله.
الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهج أختفى. اللهم يسر لنا كل عسير، اللهم ارزقنا الفهم والعلم النافع والعمل الصالح، ولا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا يا أرحم الراحمين.
اللهم نج المستضعفين من عبادك في السودان، ونج المستضعفين من عبادك في غزة، ونجهم في كل مكان يا أرحم الراحمين من هذا الظلم والاستبداد والغطرسه والفجور الذي يعم الأرض. اللهم يا رب سخر لهذه الأمة وأبرم لها من يقودها إلى كل خير، واجعلنا من جنده يا أرحم الراحثين.
حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة يوم الخميس، وفي مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه. وما زال ابن تيمية يجول بنا في أفكار كثيرة وفي معاني عظيمة وفي أمور يحسن بطالب العلم الباحث عن المعرفة الوصول أن يقف عليها وأن يصبرها وأن يخبرها. وهذه فائدة مجالس العلم المطولة والمستمره، وأن تستديم حضور مجالس العلم وأن تكتسب الخبرة دائماً.
اكتساب الخبرة العلمية هذا لا يكون بقراءة مجموعة من الكتب القصيرة والصغيرة أو بالجلوس نصف ساعة أو ساعة. الخبرة مثل أي علم من العلوم وأي تخصص من التخصصات في الدنيا، متى يصبح الشخص خبيراً به؟ إذا أطال مجالسته سنوات ويقرأ الكتب والمصنفات ويتأمل المعاني ويناقشها مع إخوانه وخلانه ومشايخه وأساتذته. هذه المجالسه الطويلة هي التي تفتح باب الفهم، ويصبح الإنسان بعد مدة لديه ملكة يحسن فيها أن يعرف هل هذا القول الفقهي أو العقدي أو في السياسة الشرعية أو هل هذا له والله جذور في الشريعة ينتسب لها؟
سياتيك إنسان عامي صغير مبتدئ في طلب العلم تجده يبت ويقطع قطعاً بأن ما يراه هو الصواب، وأن هذا الشيخ وهذه الطريقة وهذا الطائفة بالتأكيد خالفت الشريعة وخرجت عن أصولها. وتستعجب من هذا الحماس ومن هذه القوة والدافعية للمبتدئ في طلب العلم أو الناشئة فيه، أو لمن لم يجلس أصلاً في محاضن ولم يقرا إلا الفتات، أن يحسمها ويعطي قطعيات وحتميات وحسميات يراها العالم الفذ والعالم المتمرس وطالب العلم الخبير يراها لا ليست بهذه الحتمية، وأن هناك تفاصيل في هذه الأمور وتفرعات لها.
وهذا دائماً ما أخشى ممن يتصدر سريعاً على السوشيال ميديا حتى من الدعاة الأفاضل، يعني بعضهم أن هو يتسرع في إعطاء حتميات وقطعيات وأمور يخالها هي شرعاً هي المشكلة، وأنه ليس هو غير صادق، يعني الصدق شيء وقضية الخبرة شيء، أن هو يكون صادق ومحب لهذه الأمة ومحب للدين وما شابه ذلك، يأتي يريد أن يقدم نصائح للناس وتوجيهات لكن هو ما عنده الزاد الكافي ليعطي هذه القطعيات وهذه الحتميات.
القطعيات والحتميات أو المتغيرات والأمور التي فيها مساحة، من يفهمها؟ ومن لديه الخبرة الطويلة؟ حتى ما أسميه مثلاً المحكمات والمتشابهات؛ يعني تصنيف الشيء أنه محكم أو أنه متشابه، هذا كله يتولد مع الخبرة. يعني في أمور يسيرة من المحكمات والمتشابهات قد يدركها المبتدئ، لكن في مساحة كبيرة لا لا يدرك المبتدئ.
فالمبتدئ قد يرى جميع المتشابهات محكمات بالنسبة له، ويرى أنها ما في مجال للنظر فيها، بينما المتعمق لا، يصبح مع الوقت ما أنت بدأت به في بداية العشرين في طلب العلم وكنت بزاوية واحدة، تصبح في الثلاثين إذا استمررت في طلب العلم ومجالسة الكتب تصبح تراه بأكثر من وجه وأكثر من احتمال، وأن الشيء الواحد كنت أنظر إليه أنا من زاوية، الآن اصبحت أنظر أنه لا، له عدة زوايا، لكنني ما كنت أراها الزوايا الأخرى، كانت عيني فقط على الزاوية الأولى.
وهذا يسبب إشكالاً دوماً في تصدر هؤلاء، وهذا ما سيحصل في آخر الزمان في حديث قبض العلماء قال: فيصدر الناس رءوساً جهالاً، لأنه هذا الرجل جاهل هو لم يرى الدين إلا من زاوية واحدة أو بطريقة معينة أو بفهم معين هو فهمه، فبالتالي يصبح يفتي بغير علم فيضل ويضل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر، يعني بعض الناس يقول لك يعني ما فائدة أن تبقى تتعب في طلب العلم طب وتقرا، اقرا طب قرات كتاب وكتابين وثلاث وأربع وعشر، وقرات تراث ابن تيمية وتراث ابن حزم وتراث الطوفي وتراث هؤلاء، يعني ما الفائدة؟
لا، هي الفائدة أصلاً لن تنبغ حتى تصبح حتى تقرا هذا التراث، تراث العلماء عموماً، لن تنبغ ولن تصبح فعلاً إنسان يشار إليك -وليس الهدف أن يشار إليك- فعلاً إنسان يفهم متطلبات الشريعة إلا بكثره هذه القراءة وهذه المعاركه وهذه المزاحمة لمعاني كلام العلماء. فاصبر واحتسب عند الله سبحانه وتعالى ما أنت فيه، فإنك في يوم من الأيام سيحمد القوم السرى، اللهم بلغنا منازل السائلين.
الوجه الثاني، طبعا الوجه الثاني هو تكملة الوجه الأول، والوجه الأول هو إجابة عن الفقرة كما قلنا شبه الأخيرة من كلام بولس الأنطاكي في قضية أن شريعة موسى جاءت بالعدل وأن شريعة عيسى جاءت بالكمال والفضل، وبالتالي انتهت، ما في حاجة لشريعة بعد ذلك. يعني أن شريعة موسى أتت بالعدل وأن الكمال كان بشريعة عيسى الذي جاء بأعلى الفضائل وانتهت القضية، وبالتالي شريعة محمد عليه الصلاه والسلام ما في داعي أن يعني لا يوجد حاجة لها وكأنها حشو.
في هذا السياق بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الكلام غير صحيح. أولاً، أن شريعة القول بأن شريعة موسى فقط جاءت بالعدل وأن شريعة عيسى جاءت بالفضل بهذه الطريقة، هذا فيه غضاظة من شريعة موسى، لأن شريعة موسى نعم ذكر فيها العدل أكثر فكانوا يعاملوا بالعدل بنو إسراء يعني يعامل عملوا أي بنو إسرائيل بالعدل أكثر من تعاملهم بالفضل في زمن موسى أو في شريعة موسى. شريعة عيسى نعم، لأنه ماذا قال عيسى ومصدقاً لما بين يدي من التوراة وليش، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، فكان فيها مساحة من العفو أكثر، تمام، كان فيها مساحة من العفو أكثر من شريعة موسى.
لكن شريعة موسى ما كان فيها فضل؟ كان فيها بعض مساحات الفضل ولا بد. وأما شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهي التي جاءت على ماذا؟ على كمال الجمع بين العدل والفضل، هي التي جاءت على كمال الجمع بين العدل والفضل؛ لأنه شريعة عيسى يقول الفضل فيها توسع فيه في بعض المساحات، فحتى أن المظلوم لا يقتص من الظالم، تمام، مش دائماً يقول لك إذا أعطاك كذا لا تعطه، يعني توسع فيه.
فجاءت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام خاتمة الشرائع ماثلة في الجمع بين العدل والفضل، فالقول بأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حشو وزيادة وأنه نكتفي بشريعة عيسى لأنها حققت كل ما يحتاج إليه البشر، هذا كلام من لا يعرف. طب كمال القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]، لكنه ايش ومهيمناً عليه؛ لأنه جاء بفضائل ما في التوراة والإنجيل وأكملها وأتمها بما خصه الله به عليه الصلاة والسلام.
الوجه الثاني نعم، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنه. اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونج المستضعفين من المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: الوجه الثاني أن يقال لهم، الناس لهم في أمر الله ونهيه قولان مشهوران؛ أحدهما: أنه يرجع إلى محض المشيئة، لا يعتبر فيه أن يكون المامور به مصلحة للخلق وإن اتفق أن يكون مصلحة، وإن كان الواقع كونه مصلحة. وهذا قول من يقول: لا يفعل ولا يحكم لسبب ولا لحكمة ولا لغرض، وهذا عادة ما يعني ينسب إلى الأشعرية والماتريدية وشابه هذا الطريق.
طبعا الماتريدية ما بدي أضعهم في هذه النقطه عموماً، لأنه الماتريدية شوي بفصلوا في هذا الكلام، لكن الأشعرية عموماً هذا هو مذهبهم، وهي قضية أن الأمر والنهي يرجع إلى محض المشيئة ولا يعتبر فيه في الأصل أن يكون الفعل المأمور به مصلحة أو أن يكون المنهي عنه مفسدة، وإنما أمر بكذا مشيئة ونهى عن كذا مشيئة، وهذه طريقتهم طبعا هذه طريقتهم زي ما قلنا في تقريراتهم في العقيدة في اصول الدين.
لكن لما ينزلوا إلى ميدان أصول الفقه لا، حقيقة تجد أن هذا ليس مذهب يعني ليس طريقتهم الفقهية، وهذه من الإشكالات في القراءة للمذهب الاشعري، وهو قضية التعارض بين أصول الدين وأصول الفقه في هذه المسالة، أنهم يعللون وتجد الغزالي وكذا يتكلمون عن المصالح والمناسبات وما شابه ذلك، لكن في أصول الدين لا يتكلمون إلا بماذا؟ بأنه أمر لمحض المشيئة ونهى لمحض المشيئة.
طبعا هم لهم تبريراتهم يعني أنا حتى ما أطيل عليك في هذا الكلام، هم لهم تبريراتهم في ذلك، وأنهم يعتبرون هذه العلل التي يذكرونها في أصول الفقه أنها أمارات، أنها أمارات وعلامات وليست بواعث، ولذلك لما جاء بعضهم ليعبر عنها بأنها بواعث مثل الآمدي وغيرهم، جاء البعض اعتراض على الآمدي أنه أنت لما تعبر عن العلل والاسباب أنها بواعث للحكم الشريعي أنت خالفت مذهبنا اللي هو مذهب الأشاعرة، والبعض يحاول أن يعتذر للآمدي وما شابه ذلك. يعني ستجد إشكالات في بطون الكتب عند تحقيق كيف سيحاول الأشاعرة الجمع بين تقريرهم الأصولي في أصول الدين أن الأمر والنهي لمحض المشيئة وبين تقريرهم في أصول الفقه بوجود العلل والأمارات.
المهم، والقول الثاني، والقول الثاني وهو قول جمهور الناس أن الله إنما أرسل الرسل ليامروا الناس بما يصلحهم وينفعهم إذا فعلوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. نعم، فالقول الثاني وهو قول أهل السنة والجماعة وعامة حتى المعتزلة يعني يقولون بهذا القول في الجمله، وهو أن الله سبحانه إنما بعث الرسل بشرائع لمصالح العباد، تمام نعم هو يفعل كل شيء لمشيئته، لكن هذا لا يتعارض مع أن نقول إنه إنما أمر بكذا لمصلحة كذا وكذا، ونهى عن كذا لمصلحة كذا وكذا. طبعا ليش الأشاعرة اعترضوا على هذه الفكرة؟ هذا مكانة في اصول النقاش نعم.
قال: وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123-124]. لاحظ ومن أعرض عن ذكري، وهنا الذكر يشمل الأحكام الشرعية، فان له معيشة ضنكا. إذاً الأحكام الشرعية بالأوامر والنواهي هي تصرف عنك ماذا؟ الضنك، تعطيك الحياة الطيبة فيها مصالح الخيرات نعم.
قال: فإن قيل بالأول لم يسأل عن حكمة إرسال الرسل، وإن قيل بالثاني ففي إرسال محمد صلى الله عليه أعظم كان في موسى. نعم، فإن قيل بالأول -يعني إذا أنت تسير على طريقة الأشعرية- لن تسأل لماذا أرسل الله الرسل؛ لأنها محض مشيئة انتهت على طريقته، وأما إذا أنت تؤمن بالتعليل والمصالح والمفاسد فإنك ستقول نعم.
قال: ففي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم من حكم المصالح أعظم مما كان في إرسال موسى والمسيح، والذي حصل به من صلاح العباد في المعاش والمعاد أضعاف ما حصل بإرسال موسى والمسيح من جهة الأمر والخلق؛ فإن في شريعته من الهدى ودين الحق أكمل مما في الشريعتين المتقدمتين، وتيسير الله من اتباع الخلق له واهتدائهم به مما لم يتيسر مثله لمن قبله، فحصل فضيلة شريعته من جهة فضلها في نفسها من جهة كثره من قبلها، نعم، من قبرها وكمال قبولهم لها.
بخلاف شريعة من قبله، فإن موسى صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني إسرائيل، وكان فيه من الرد والعناد في حياة موسى وبعد موته ما هو معروف، وقد ذكر النصارى في كتابهم هذا من ذلك ما تقدم، في كتابهم هذا يعني كتاب بولس الأنطاكي نعم.
قال: ولم تكن شريعة التوراه في الكمال مثل شريعة القرآن؛ فإن القرآن فيه من ذكر المعاد وإقامة الحجج عليه وتفصيله وصف الجنة والنار ما لم يذكر مثله في التوراة، وفيه من ذكر قصة هود وصالح وشعيب وغيرهم من الأنبياء ما لم يذكر في التوراة، وفيه من ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته وصف ملائكته وأصنافهم وخلق الانس والجن ما لم يفصل مثله في التوراة، وفيه من تقرير التوحيد بأنواع الأدلة ما لم يذكر مثله في التوراة، وفيه من ذكر أديان أهل الأرض ما لم يذكر مثله في التوراة، وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل الكتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة.
وفي الشريعة وفي شريعة القرآن تحليل الطيبات تحريم الخبائث، وشريعة التوراه فيها تحريم كثير من الطيبات عليهم وحرم حرمت عليهم عقوبة لهم، وفي شريعة القرآن من أما تحليل الخبائث فلا يعرف في التوراة، وفقط التشديد جاء في جهة تحريم الطيبات عقوبة لهم لكثرة مناكفتهم نعم.
قال: وفي شريعة القرآن قبول الدية في الدماء ما لم يشرع في التوراه، وفيها من وضع الآصار والأغلال التي في التوراه ما يظهر به أن نعمة الله على أهل القرآن أكمل. وأما الإنجيل فليس فيه شريعة مستقلة، ولا فيه الكلام على التوحيد وخلق العالم وقصص الأنبياء وأممهم، بل أحالهم على التوراة في أكثر الأمر، ولكن أحل المسيح بعض ما حرم عليهم، وأمرهم بالإحسان والعفو عن المظالم واحتمال الأذى، وزهد في الدنيا وضرب الأمثال لذلك وضارب الأمثال لذلك. فعامة ما امتاز به الإنجيل على التوراة بمكارم الأخلاق المستحسنة والزهد المستحب وهذا.
كلّه في القرآن؛ هو في القرآن أكمل، فليس في التوراة والإنجيل والنبوات ما هو أعظم من العلوم النافعة والأعمال الصالحة، إلا وهو في القرآن. وما هو أفضل منه في القرآن من العلوم النافعة والأعمال الصالحة من الهدى ودين الحق ما ليس في الكتابين، لكن النصارى لم يتبعوا لا التوراة ولا الإنجيل، بل أحدثوا شريعة لم يبعث بها نبي من الأنبياء؛ كما وضعوا لقسطنطين الأمانة، ووضعوا له أربعين كتاباً يسمونها القوانين، فيها بعض ما جاءت به الأنبياء، وفيها شيء كثير مخالف لشرع الأنبياء، وصاروا إلى كثير من دين المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى وكذبوا رسله، فصار في دينهم من الشرك وتغيير دين الرسل ما غيروا به شريعة الإنجيل.
ولهذا التبست عند عامتهم شريعة الإنجيل وغيرها، فلا يعرفون ما نسخ المسيح من شريعة التوراة مما أقره، ولا ما شرعه مما أحدث بعده. فالمسيح لم يأمرهم بتصوير الصور وتعظيمها، ولا دعاء من صورت تلك التماثيل على صورته، ولا أمر بهذا أحد من الأنبياء. طبعا تصوير الصور، تعرفون أن النصارى يكثيرون من الرسومات على الجدران وفي الكنائس وما شابه ذلك ويعبدونها، فيقول: هذا لم يأمرهم به المسيح عليه السلام، ولا أمرهم أن يسجدوا ولا يعبدوا هذه الصور التي في الكنائس؛ ألم ذكر أم حبيبة وأم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم صوراً راتها في كنائس الحبشة؟ نعم، فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا من طريقة دينه.
نعم، قال: لا يوجد قط عن نبي أنه أمر بدعاء الملائكة والاستشفاع بهم، ولا بدعاء الموتى من الأنبياء والصالحين والاستشفاع بهم، فضلاً عن دعاء تماثيلهم والاستشفاع بها؛ فإن هذا من أصل الشرك الذي نبهت عليه الرسل، وهذا كان أصل الشرك في بني آدم من عهد نوح. قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]، وقد أضلوا كثيراً. قال كثير من العلماء؛ منهم ابن عباس وغيره: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم. وقد ذكر ذلك المسيح علماء النصارى.
والمسيح عليه السلام لم يأمرهم بعبادته ولا قال إنه الله، ولا بما ابتدعوه من التثليث والاتحاد. والمسيح لم يأمرهم باستحلال كل ما حرمه الله في التوراة من الخبائث كالخنزير وغيره، فاستحلوا الخبائث المحرمة وغيروا شريعة التوراة والإنجيل. والمسيح لم يأمرهم بأن يصلوا إلى المشرق، ولم يأمرهم أن يعظموا الصليب، ولم يأمرهم بترك الختان ولا بالرهبانية ولا بسائر ما ابتدعوه بعده. ولهذا لما ظهر فساد دين النصارى صار بعض الناس؛ كأبي عبد الله الرازي؛ يقول: لم يظهر الانتفاع بدين المسيح إلا في طائفة قليلة كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الدين الذي كان عليه جمهور النصارى ليس هو دين المسيح.
ونبين هذا بالوجه الثالث، وهو أن يقال: هب أن شريعة الكتابين كانت كافيه.
الوجه الثالث في الرد على قضية بولس الانطاكي وأن شريعة موسى وعيسى تكفيان؛ يقول له: هب أن شريعة الكتابين كانت كافية؛ يعني بدنا نفترض أنه فعلاً شريعة موسى مع شريعة عيسى تحقق الكفاية للبشرية جمعاء. قال: فإنما ذاك إذ كانت محفوظة معمولاً بها؛ يعني إذا كنا فعلاً لليوم هي موجودة فعلاً شريعة موسى وعيسى ومعمول بها ممكن نتناقش احنا وياك، ولم يكن الأمر كذلك، ولكن الواقع ليس كذلك، فإن أكثر هاتين الشريعتين درس وطمس كثير من معالمه. وقد اختلف اهل الكتاب في المسيح وغيره اختلافاً عظيماً، ومن الذين قالوا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 14]، فلاحظ أنهم أصلاً مختلفون فيما بينهم النصارى على فرق وشعب وما شابه ذلك، فأغر الله بينهم العداوة والبغضاء. وقد قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213] الآية، فاختلفوا فبعث الله نبينا مبشرين ومنذرين.
قال الوقت الذي بعث الله فيه نعم.
قال: والوقت الذي بعث الله فيه محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن قد بقي أحد مظهراً لما بعث الله به الرسل قبله، فبعثه على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، أحوج ما كان الناس إلى رسول؛ كما في صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب». وكان الناس حين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إما أميين لا كتاب لهم يشركون بالرحمن ويعبدون الأوثان، وإما أهل كتاب قد بدلوا معانيه وأحكامه، وحرفوا حلاله وحرامه، ولبسوا حقه بباطله، كما هو الموجود. فلو أراد الرجل أن يميز له أهل الكتاب ما جاءت به الأنبياء مما هم عليه مما احدثوه بعدهم لم يعرف جمهورهم ذلك، بل قد صار الجميع عندهم ديناً واحداً.
فبعث الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بالكتاب الذي أنزله عليه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا، فميز به الحق من الباطل والهدى من الضلال والغيب من الرشاد. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّه نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة: 15-16]، إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: 19].
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام جاء على فترة من الرسل، يعني على بعد انقطاع من الرسل، حتى لا تقول: ما جاءنا من بشير ولا نذير.
الوجه الرابع.
قال الرابع: أن شريعة التوراة تغلب عليها الشدة، وشريعة الإنجيل يغلب عليها اللين، وشريعة القرآن معتدلة جامعة بين هذا وهذا؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. وقال في وصف أمته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. فإن التوسع حتى في الأخلاقيات والتسامح فيها يسبب جزءاً من اللين، وهذه قد تسبب مشكلة أحياناً تماماً، أنه بعض الناس يعتبر دائماً التوسع في الأخلاقيات والتحسينيات هو دائماً الخير؛ لا، هذا قد يسبب نوعاً من الرخاوة في الإنسان. فشريعة محمد عليه الصلاة والسلام اخذت من كمالات شريعة موسى ومن كمالات شريعة عيسى على وجه الوسط والاعتدال، وكذلك جعلناكم أمة وسطاً.
وقال أيضاً فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فوصفهم برحمة المؤمنين والذل لهم، وشدة على الكفار والعزة عليهم. هذا اعتدال تماماً، هذا اعتدال، ففي شريعة عيسى مثلاً يغلب عليها جانب الرحمة، حتى مع الكافر خلص لا تقاتل لا تتعامل معه سلم أمورك وانتهي من هذه القضية؛ لا، جاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أن الكافر يقاتل.
نعم، شيخنا المسيحيين حذف في نقاش النصارى، نعم؛ أنه هذا كان في شريعة المسيح، أما في المسيحيين أنفسهم فهم من أجرم الخلق؛ آه، طبعا يعني من حيث الواقع الذي حصل هم خالفوا كل شيء، حتى اليوم نصارى هم من أكثر من اشد الناس بأساً وقتلاً وسفكاً.
نعم، قال: وكذلك كانت صفة محمد صلى الله عليه وسلم نبيهم، أكمل النبيين وأفضل الرسل، بحيث قال: «أنا محمد وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة ونبي الملحمة، وأنا نبي التوبة، وأنا الضحوك القتال». فوصف نفسه بأنه نبي الرحمة والتوبة ونبي الملحمة وأنه الضحوك القتال، وهذا أكمل ممن بعث بالشدة والبأس غالباً، أو باللين غالباً. وقد قيل بسبب ذلك إن بني اسرائيل كانت نفوسهم قد ذلت لقهر فرعون لهم واستعباد فرعون لهم، فشرعت لهم الشدة لتقوى أنفسهم ويزول عنهم ذلك الذل، ولهذا لما أمروا بالجهاد نكلوا عنه. وقال لهم موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخْلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 21-24].
وما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال له قائلهم يوم بدر: والله لنقول لك كما قال قوم موسى لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقاتل أمامك ووراءك وعن يمينك وعن يسارك. والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسيرنا معك. وكان الكلام قريباً من بدر، والبحر من جهة الغرب، وبرك الغماد مكان من يمن مكة بينه وبين مكة عدة ليالٍ، والكفار كانوا إذ ذاك بمكة، وأصحابه من ناحية المدينة شامية مكة، فمكة جنوبهم والبحر غربهم. يقول: لو طلبت أن ندخل بلد العدو ونذهب إلى تلك الناحيه لفعلناه.
قال: فلما قسوت بني إسرائيل وأظهرهم، ظهرت فيهم الأحداث بعد، فيهم أحدثوا بعد ذلك وتجبروا وقست قلوبهم وصاروا شبهاً بآل فرعون، فبعث الله المسيح باللين والصفح والعفو عن المسيح واحتمال اذاه ليلين أخلاقهم وتزول ما كانت فيهم من الجبرية والقسوة، فأفرط هؤلاء في اللين حتى تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وتركوا الحكم بين الناس بالعدل وإقناع الحدود وتركها، وعبد عبادهم منفردين؛ مع أن في ملوك النصارى من الجبرية والقسوة والحكم بغير ما أنزل الله سفك الدماء بغير حق مما يامرهم به مما يامرهم به علمائهم وعبادهم مما لم يأمرهم ومما لم يأمروا به وما شاركوا فيه اليهود.
فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالشريعة الكاملة العادلة وجعل أمته عدلاً خياراً لا ينحرفون إلى هذا الطرف ولا إلى هذا الطرف، بل يشتدون على أعداء الله ويلينون لأولياء الله، ويستعملون العفو والصفح فيما كان لنفوسهم، ويستعملون الانتصار والعقوبة فيما كان حقاً.
وهذا كان خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو ما كان يضرب ولا يؤذي في حق نفسه، ولكنه كان إذا غضب غضب لله.
نعم، قال كما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً ولا امرأة ولا دابة ولا شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله؛ إذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. قال في الصحيح عن أنس أنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان بعض أهله إذا عاتبوني على شيء يقول: دعوه، لو قدر شيء لكان هذا. مع قوله في الحديث الصحيح لما سرقت امرأة كانت من أشرف قريش بن مخزوم فأمر بقطع يدها: «من يكلم في حد من حدود الله؟» فقالوا: من يجتري عليه إلا أسامة بن زيد؟ فكلمه فيها، فقال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
ففي شريعته صلى الله عليه وسلم من اللين والعفو والصفح ومكارم الأخلاق أعظم مما في الإنجيل، وفيها من الشدة والجهاد وإقامة الحدود على الكفار والمنافقين أعظم مما في التوراة، وهذا هو غاية الكمال؛ ولهذا قال بعضهم: بعث موسى بالجلال، وبعث عيسى بالجمال، وبعث محمد بالكمال.
جميل نعم.
الوجه الخامس: أن نعم الله على عباده تتضمن نفعهم والاحسان إليهم، وذلك نوعان؛ أحدهما: أن يدفع بذلك مضرتهم ويزيل حاجتهم وفاقتهم، مثل رزقهم الذي لولاه لما جوعوا، ونصرهم الذي لولاه لأهلكهم عدوهم، مثل هداهم الذي لولاه لضلوا ضلالاً يضرهم في آخرتهم. وهذا النوع من النعمة لا بد له منه، وإن فقدوه حصل لهم ضرر؛ إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وإما فيهما. ولهذا كان في سورة النحل؛ وهي سورة النعم في أولها؛ أصول النعم، وفي اثنائها كمال النعم.
والنوع الثاني: النعم التي يحصل بها من كمال النعم وعلو درجة ما لا يحصل بدونها؛ كما أنهم في الآخرة صنفان؛ أبرار؛ أصحاب يمين ومقربون وسابقون، ومن خرج عن هذين كانوا أصحاب الجحيم. وإذا كانت النعمة نوعين، فالخلق كانوا محتاجين إلى ارسال محمد صلى الله عليه وسلم من هذين الوجهين، وحصل بارساله هذان نوعان من النعمة، فإن الناس بدونه كانوا جهالاً ضالين، أميهم وأهل الكتاب منهم، ولم يكن قد بقي من أهل الكتاب اتباع المسيح من هو قائم بالدين الذي يوجب السعاده عند الله في الآخرة، بل كانوا قد بدلوا وغيروا.
وايضاً فلو قدر أنهم لم يبدلوا شيئاً، ففي إرساله من كمال النعم وتواصلها وعلو الدرجات في السعادة ما لم يكن حاصلاً بالكتاب الأول، فكان إرساله أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الارض من نوعي النعيم. ومن استبرأ أحوال العالم يتبين له.
إن الله لم ينعم على أهل الأرض استقراء، نعمة أعظم من إنعامه بإرساله صلى الله عليه وسلم، وأن الذين ردوا رسالته ممن قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28]. يعني سمى الله من ترك شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه بدل نعمة الله. فهذا يدل على أنها نعمة، فالقول بأنه لا حاجة إليها هذا من الكلام الفاسد. قال ولهذا وصف بالشكر من قبل هذه النعمة فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولوا أَهَاؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]، وهذا مر معنا التعليق عليها في تفسير سورة الأنعام. قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
الوجه السادس: أن يقال قولهم أنا نعجب من هؤلاء القوم إلى آخر الفصل، قول جاهل ظالم يستحق أن يقال له بل العجب من هذا، العجب هو الواجب، أن نتعجب من تعجبك هذا هو الواجب. كيف تتعجب من هذه الشريعة؟ بل هو الذي لا ينقضي منه العجب، وإن كل عاقل ليعجب ممن عرف دين محمد صلى الله عليه وسلم وقصده الحق ثم اتبع غيره، يعلم أنه لا يفعل ذلك إلا مفرطاً في الجهل والضلال أو مفرطاً في الظلم واتباع الهوى. وذلك أن أهل الأرض نوعان: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وغير أهل الكتاب كالمشركين من العرب والهند والترك وغيرهم، كالمجوسي من الفرس وغيرهم، وكالصابئة من المتفلسفة وغيرهم. وأهل الكتاب يسلمون لنا أن من سوى أهل الكتاب انتفع ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم منفعة ظاهرة.
إذن لو جتنا بدنا نقسم أهل الكرة الأرضية الآن، أهل الكرة الأرضية هم إما أهل الكتاب يهود ونصارى، وإما غير أهل الكتاب -طبعا هذا كان قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام- مشركو العرب، هند، ترك، مجوس، صابئة، متفلسفة. بدنا نقسمهم قسمين: الآن أهل الكتاب يسلمون لنا أن القسم الآخر من أهل الكرة الأرضية من الفلاسفة والصابئة وما شابه ذلك انتفعوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم انتفاعاً عظيماً ظاهراً لا اشكال فيه، وأنه دعا جميع طوائف المشركين والمجوس والصابئين إلى خير مما كانوا عليه هؤلاء المجوس والصابئة وما شابه ذلك، بل كانوا أحوج الناس إلى رسالته.
وأما أهل الكتاب فاليهود مسلمون لنا حاجة النصارى إليه وأنه دعاهم إلى خير مما كانوا عليه، والنصارى تسلم لنا حاجة اليهود إليه وأنه دعاهم إلى خير مما كانوا عليه. فاليهود يسلمون أن دين محمد عليه الصلاة والسلام يحتاجه النصارى، والنصارى يسلمون أن دين محمد عليه الصلاة والسلام خير مما عليه اليهود. فما من طائفة من طوائف أهل الارض إلا وهم مقرون بأن محمدا صلى الله عليه وسلم دعا سائر الطوائف غيرهم إلى خير مما كانوا عليه، وهذه شهادة من جميع أهل الأرض بأنه دعا أهل الأرض إلى خير مما كانوا عليه. فإن شهادة جميع الطوائف مقبولة على غيرهم إذ كانوا غير متهمين عليهم، فإنهم معادون لمحمد وأمته ومعادون لسائر الطوائف. واما شهادتهم لانفسهم فغير مقبولة فانهم خصوم، وشهادة الخصم على خصمه غير مقبولة؛ يعني فشهادتكم علينا ما تقبل أنه أنتم لا حاجة لشريعة محمد عليه الصلاة والسلام لأنكم خصوم لنا، فشهادتك علي أنا ما بقبلها، أما شهادتك وأنت خصمي أن ما عندي خير مما عند الآخرين فهذه تقبل، أنه أنت أصلاً عدوي وعم تشهد أن الذي عندي افضل مما عند الآخرين، فأقبل شهادتك لي على الآخرين ولا أقبل شهادتك ضدي على ما عندي لأنك خصم لي في هذا.
وقد اعترف الفلاسفة بأنه لم يقرأ العالم ناموساً أفضل من ناموس موسى -الناموس قانون والشريعة- اعترفوا بأنه افضل من ناموس موسى والمسيح عليه الصلاه والسلام، بل لهم من الطعن في نواميس غيره ما ليس في هذا الموضع ذكره. بخلاف ناموس محمد صلى الله عليه وسلم، أنه لم يطعن فيه أحد منهم إلا من كان خارجاً عن قانون الفلسفة التي توجب عندهم العدل والكلام بعلم، وأما من التزم منه الكلام بعلم وعدل فهم متفقون على أن ناموس محمد صلى الله عليه وسلم افضل ناموس طرق شريعته، افضل شريعة طرقها العالم. فكيف يعجب من مثل هذا الناموس؟
الوجه السابع: أن يقال لأهل الكتاب خصوصاً، فيقال لليهود: أنتم أذل الأمم فلو قدر أن ما أنتم عليه دين الله الذي لم يبدل فهو مغلوب مقهور في جميع الأرض، فهل تعجبون من أن يبعث الله رسولاً يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم فيبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، حتى يصير دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه منصورا ظاهرا بالحجه والبيان والسيف والسنان؟ يعني يجب على اليهود نقول لهم: إذا أنتم تعتقدون أن ما أنتم عليه هو أفضل حالة، طيب أنتم مقهورون مذلولون -طبعاً هو يتكلم عن زمن ابن تيمية، إحنا زماننا علوا في الأرض، لكن في زمان الأئمة ابن تيمية وغيره وما قبله وعبر تاريخهم كانوا مقهورين مذلولين- فيقول: لو كان هذا الدين هو الدين الصح، بدنا نفترض هذه الفرضية، دينكم يا ايها اليهود فانتم مذلون مقهورون، فلماذا تعجبون من أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فيكمل ويأتي بالكمالات، ويصبح دينه ظاهراً بيناً، وهكذا تكتمل الأمور ويصبح دين الله منتصراً غالباً أنتم تحكون يا يهود إذا صفوا على ذلك؟
نجي على النصارى، أنتم لم تخلصوا دين الله الذي بعث به رسله من دين المشركين والمعطلين، بل اخذتم من اصول المشركين والمعطلين من فلاسفه وغيرهم ما ادخلتموه في دينكم، وليس لكم على أكثر الكفار حجة علمية ولا يد قهرية، بل للكفار في قلوبكم من الرعب والخوف والتعظيم ما أنتم به من أضعف الأمم حجة، وأضيقها محجة، وأبعادها عن العلم والبيان، وعجزها عن إقامة الحجة والبرهان. تارة تخافون من كفار فلاسفة وغيرهم من المشركين والمعطلين، فإما أن توافقوهم على أقوالهم وإما أن تخضعوا لهم متواضعين، وتارة تخافون من سيوف المشركين فإما أن تتركوا بعض دينكم لأجلهم وإما أن تذلوا لهم خاضعين. لذلك دائماً اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، صحيح، لأن النصارى أهل جهالات ما عندهم معرفة علمية متينة أصلاً تماماً، يعني اليهود أعلم من النصارى وأقعد، أما النصارى فدينهم كله مأخوذ من المعطلة ومن المشركين شوي يعني كوكتيل يعني من الأديان، وفساد في العلم، وفساد في طريقة التفكير، وفساد في الحجاج. وأظن ما ذكرناه في المجلدات الثلاث يظهر لك حجم التناقض وعدم الوضوح في الأفكار والغموض الذي عند النصارى في كثير من مبادئهم كالاقانيم والتثليث وما شابه ذلك. ففيكم من ضعف سلطان الحجة وضعف سلطان حتى النصرة والجهاد ما يظهر به حاجتكم إلى قيام الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. فالعجب منكم كيف تعدلون عما فيه سعادتكم في الدنيا والاخره إلى ما فيه شقاكم في الدنيا والاخره؟
هذا هو العجب، وليس العجب ممن آمن بما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وفي خلافه شقاوة الدنيا والآخرة، ومثل هذا لا يرد عن المسلمين، فإن لم يزل ولا يزال فيه طائفة قائمة بالهدى ودين الحق، ظاهرة الحجة والبيان واليد والسنان، إلى أن يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضر من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة».
الوجه الثامن: أن يقال لأهل الكتاب لليهود: أنتم لما كنتم متبعين لموسى عليه السلام كنتم على الهدى ودين الحق وكنتم منصورين، ثم كثرت فيكم الاحداث التي تعرفونها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرًّا مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 59-60]. وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ معطوف على من لعنه الله، أي من لعنه الله وغضب عليه وعبد هو الطاغوت، ليس هو داخلاً في خبر جعل حتى يلزم أشكال كما ظن بعض الناس. وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عابدوا الأصنام مرات وقتلوا الأنبياء.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4]. فعبادة الطاغوت من الأحداث التي نشأت في بني إسرائيل أو في اليهود، وشوهوا بها شريعة التوراة، هذا الذي يريد أن يقوله. قال وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 4-8]. وهم معترفون بأن بيت المقدس خرب مرتين؛ فالخراب الأول لما جاء بختنصر وسباهم إلى بابل وبقي خراباً سبعين سنة، والخراب الثاني بعد المسيح بنحو سبعين سنة، وقد قيل هذا تأويل قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78]. بعد الخراب الثاني تفرقوا في الأرض ولم يبق لهم ملك، وبين الخرابين كانوا تحت قهر الملوك الكفار، وبعث المسيح عليه الصلاة والسلام وهم كذلك تحت قهر اليهود.
ويقال للنصارى: أنتم ما زلتم مقهورين مغلوبين مبددين في الأرض، حتى ظهر قسطنطين وأقام دين النصرانية بالسيف وقتل من خالفه من المشركين واليهود، لكن أظهر ديناً مبدلاً مغيراً ليس دين المسيح عليه السلام. ومع هذا فكانت أرض العراق وفارس كفار المجوس وغيرهم، مجوساً ومشركين، وكان في بعض الأزمنة يقرون النصارى على بلادهم، وأاما أرض المشرق والمغرب ففيهما من أنواع المشركين أمم، وكان الشرك والكفر ظاهراً في أرض اليمن والحجاز والشام والعراق. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أظهر به توحيد الله عبادته وحده لا شريك له، ظهوراً لم يعرف في أمة من الأمم، ولم يحصل مثله لنبي من الأنبياء، وأظهر به من تصديق الكتب والرسل والتوراة والإنجيل والزبور وموسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من الرسل ما لم يكن ظاهرا لا عند اهل الكتاب ولا غيرهم.
فأهل الكتاب وإن كانوا خيراً من غيرهم فلم يكونوا قائمين بما يجب من الايمان بالله ورسله ولا باليوم الآخر ولا شرائع دينه، ولا كانوا قاهرين أكثر الكفار. هذه النتيجة النهائية التي يريد أن يصل إليها في هذا الوجه، وهو أن أهل الكتاب وإن كانوا نحن نعترف أنهم أفضل من الصابئة والفلاسفة وما شابه ذلك، لكنهم لم يكونوا قائمين بما يظهر دين الله سبحانه وتعالى في الأرض، بل كانوا مقهورين مذلولين، فالقول بأنه لا يحتاج إلى شريعة بعد ذلك من أين تتعجب يا أبلس الأخطاك وأنتم لم تنصروا دين الله سبحانه، فضلاً بالطبع عن التشوهات والشكيات التي دخلت والبدع التي دخلت في دينكم.
أما اليهود ففيهم من التنقص من الأنبياء وسبهم وذكر عيوب تنزههم الله عنها ما هو معروف، حتى إن منهم من يقول إن سليمان كان ساحراً وداوود كان منجماً لم يكن نبياً، لذلك مما يقول ويسوقونه فيه من الكفر بالأنبياء من جنس ما كان في سلفهم الخبيث. وأما النصارى فمع الغلو في المسيح واتباعه يستخفون بغيره، فتارة يدعون الحواريين مثل إبراهيم وموسى أو افضل منهم، وتارة يقولون كما قال اليهود إن سليمان لم يكن نبياً بل سقط من النبوة، وتارة يجعلون ما خاطب الله به داود وغيره من الأنبياء إنما أريد به المسيح مع أن اللفظ لا يدل على ذلك، بل يتاولون كتب الله بمجرد هوى أنفسهم، وتارة يقولون إن الواحد منهم إذا أطاع الله بما يزعمون أنه طاعة صار مثل واحد من الأنبياء وأفضل منه، وجبت طاعته كما تجب طاعة الأنبياء، ويسوغون لمثل هؤلاء أن يغيروا شرائع على الأنبياء ويضعوا ديناً ابتدعوه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].
محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أقاموا توحيد الله الذي كان عليه إبراهيم وموسى وسائر الرسل، وآمنوا بكل كتاب أنزله الله وكل رسول بعثه الله، وأقاموا دين الرحمن إقامة لم يقيمها أحد من الأمم. فعامة أهل الأرض مع محمد صلى الله عليه وسلم إما مؤمن به باطناً وظاهراً وهم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، وإما مسلمون له في الظاهر تقية وخوف من أمته وهم منافقون، وإما مسالمون له بالعهد والذمة والهدنة هم أهل الذمة والهدنة في جميع الأرض، وإما خائفون من أمته. وحيث كان الواحد والطائفة من أمته متمسكاً بدينه كان له ظاهراً وبرهان وقهره معظماً منصوراً، يعرف فضله على كل من.
سواه، وهذا أمر يعرفه الناس في أرض الكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ لما خص الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته من الهدى ودين الحق. وقد أظهروا دين الرب في مشارق الأرض ومغاربها بالقول والعمل، فليقولن من عنده علم وعدل إنه لا فائدة في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يستغنى بما عند أهل الكتاب عن رسالته.
الوجه التاسع: أن يقال هم معتلون بانتفاع المشركين به غاية الانتفاع؛ فانه أقام توحيد الله ودينه فيهم، وأنه عظم المسيح، ورد على اليهود قولهم فيه واهانهم، وحينئذ فهذا من أعظم الفوائد وأجر القصد وأعظم نعم الله على عباده، ثم هو مع ذلك قال إن الله أرسله وأمره بذلك.
فإن كان كاذباً في قوله حاشا عليه الصلاة والسلام، قال فالكذاب المفتري على الله من شر الكفار الملاعين، من يكون كذلك لا يحصل منه هذا الخير العظيم الذي ما حصل مثله من أحد من الأنبياء؛ فإنه أزال دين المشركين ودين المجوس وقمع اليهود، وكل واحد من هذه الثلاث لم يقدر عليها أحد قبله من الأنبياء والمرسلين. وإن كان صادقاً فهو قد أخبر أنه رسول الله إلى النصارى وغيره من الأمم، وأخبر عن الله بكفر كل من لم يؤمن به.
نعم، وهذا الوجه مما يخاطب به كل صنف، فيقال لكل صنف من الأمم: انتم معترفون بأن من سواكم إذا تبعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم كان خيراً لهم مما هم عليه؛ فاليهود معترفة بأن النصارى إذا اتبعوه كان خيراً لهم من دين النصارى، والنصارى معترفون بأن اليهود إذا اتبعوه كان خيراً لهم من دين اليهود، وأهل الكتاب واليهود والنصارى معترفون بأن من سواهم إذا اتبعوا محمدا كان خيرا لهم مما هم عليه، اللهم صل وسلم وبارك.
فالمجوس والمشركون من العرب والسودان والترك وأصناف الخزر والثقالبة إذا اتبعوه كان خيراً لهم مما هم عليه، وسائر أصناف الكفار معترفون بأن اتباعه خير من غيرهم، ومن ليس من أهل الكتاب عامتهم معترفون بأن دين المسلمين خير من دين اليهود والنصارى. حينئذ فيقال: من جاء بهذا الدين الذي يفضله جميع أهل الأرض على غيره يمتنع أن يكون من أكثر الناس وأحقهم بغضب الله وعقابه، وكل من قال إنه رسول الله فإن كان صادقاً كان من خير أهل الأرض وأحقهم برضوان الله وثوابه، وإن كان كاذباً كان من شر أهل الأرض وأحقهم بغضب الله وعقابه. ومن حصل منه هذا الخير والعلم والهدى وما فيه صلاح الدنيا والآخرة أعظم مما حصل من جميع الخلق؛ يمتنع أن يكون من أكثر الناس المستحقين غضب الله وعقابه، فيجب أن يكون من خير أهل الأرض وأحقهم برضوان الله وثوابه.
الوجه العاشر: أن الله سبحانه وتعالى كانت سنته قبل إنزال التوراة إذا كذب نبي من الأنبياء ينتقم له من أعدائه بعذاب من عنده، كما أهلك قوم نوح بالغرق، وقوم هود بريح الصرصر، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالظلة، وقوم لوط بالحاسب، وقوم فرعون بالغرق.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ﴾ [القصص: 43]، يعني هذا هو موطن الشاهد، كيف أن الله أهلك القرون الأولى المكذبة بالرسل تهليكا عاما، فلما أنزل التوراة أمر أهل الكتاب بالجهاد، بدأت قضية الجهاد تشرع، قبل كذا ما كان إلا إهلاك عام من خلال العذاب الشديد نعم.
قال: فمنهم من كفر ومنهم من أطاع، وصار المقصود بالرسالة لا يحصل إلا بالعلم والقدرة كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28]. فقول هؤلاء إن التوراة جاءت بالعذابي والانجيل جاء بفضل فلا حاجة إلى غيرهما، لو قدر انه حق إنما يستقيم إذا كان الكتابين لم يبدلا بل كانا متبعين علما وعملا، وكان أهلهما مع ذلك منصورين مؤيدين على ما خالفهم، فكيف وكل منهما قد بدل كثير مما فيه؟
قال وأهلهما غير منصورين على سائر الكفار، بل الكفار ظاهرون عليهم في أكثر اهل الأرض، في أكثر الأرض كأرض اليمن والحجاز وسائر الجزيرة العرب وأرض العراق وخرسان والمغرب وأرض الهند والسند والترك، وكان بأيدي أهل الكتاب الشام وس غير ذلك، ومع هذا فكانت الفرص قد غلبتهم على ذلك، ثم إن الله أظهر النصارى عليهم فكان ظهورهم توطئة وتمهيدا لإظهار دين الاسلام. فإن الفرس المجوس لما غلب الله أظهر النصارى عليهم اللي هي غلبت الروم؛ لأن الأرض هم بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، ثم بعد ذلك نصر الله الروم على الفرس فكان هذا إيذانا وتوطئة لانتصار الإسلام بعد ذلك نعم.
قال: فإن الفرس المجوس لما غلب الروم ساء ذلك النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين به وفرح بذلك مشركو العرب وكانوا أكثر من المؤمنين في تلك الفترة نعم.
قال: لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمن من المجوس، والمجوس أقرب إلى المشركين منهم إلى أهل الكتاب، وهذه إخوان هذه قضية مهمة بس يشير إليها هي قضية أن يفهم المؤمن أي القرب والبعد بين الديانات والمذاهب، لأنه نحن مشكلتنا في الواقع السياسي حتى اليوم أن بعض الناس يظن أن الكل على مسافه واحدة وهذا غير صحيح تماما، وبالتالي أن يفرح الإنسان لانتصار من هو أقرب إليه وإن كان كافرا أو أقرب إليه وإن كان مبتدعا هذا هو الصواب والمنطق والسياسة. وهكذا فرح النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه في انتصار الروم على الفرس مع أنه هذا كافر وهذا كافر.
فقضية أن يفهم المؤمن أن الكفر ليسوا بمسافه واحدة أنت منهم بل هناك من هو أقرب إليك من ذاك، وأن كذلك في دائرة أهل الإسلام أن أهل البدع ليسوا على مسافه واحدة بل هناك من هو قريب منك وهناك من هو أبعد وهناك من هو أبعد، وبالتالي يفرح بانتصار الأدنى على الأبعد هذا شيء طبيعي، أنه لما تصبح معارك اليوم بين دول ويكون هذا مثلا وذاك يهودي وما شابه ذلك، أنت لا تستطيع أنه تجعل الكل في سلة واحدة، هذا ليس ميزانا عدلا صحيحا علميا، لكن الناس هنا تأخذها العواطف، تأخذها الانطباعات، تأخذها المواقف، تأخذها أشياء معينة هي التي تجعلها تحكم، يغلب الحكم بالهوى وليس بميزان العدل نعم.
قال: لأن أهل الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، والجلوس أقرب المشركين منهم إلى أهل الكتاب، ووعد الله المؤمنين المؤمنين أن تغلب الروم بعد ذلك وأنه يومئذ يفرح يفرح المؤمنون بنصر الله نعم.
فاضاف النصرة إلى اسم الله ولم يقل بنصر الله إياهم؛ وذاك أنه حين ظهرت الروم على فارس كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ظهروا على المشركين واليهود نعم.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم آنذاك يدعو ملوك النصارى بالشام ومصر إلى الإيمان به، فعرفوه وعلموا أنه نبي مبشر به، وكان ذلك أول ظهور دينه. ثم أرسل طائفة من أصحابه لمؤتة، ثم خرج بنفسه بالمسلمين عامة تبوك إلى الشام ثم فتح هذه البلاد أصحابه، فكان تأييد دين الله وظهوره وإذلال المشركين والمجوس وغير وغيرهم على يديه ويدي أمته لا على يد اليهود والنصارى. فلو قدر أن شرع أولئك كامل لا تبدل فيه لكان مغروبا مقهورا، وكان الله قد أرسل من يؤيد دينه ويظهره، فكيف وهو مبدل؟
فكيف وهو أصلا مبدل دين يعني هذا في حال كون دين اليهود والنصارى مش مبدل، لكانت فائدة ارسال محمد عليه الصلاه والسلام هو إظهار هذا الدين المقهور على يد الكافرين الفاجرين، فكيف ودينكم أصلا مبدل يا أيها اليهود والنصارى؟ طيب ثم قال: ولو لم يبدل فدين أحمد عليه الصلاة والسلام أكمله وأفضل منه، فذاك مفضول مبدل وهذا فاضل لم يبدل، وذاك مغلوب مقهور وهذا مؤيد منصور، وبهذا تحصل الفائدة في إرساله، فكان من أجل الفوائد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال إنه لا فائدة في إرساله؟ نعم.
قال الوجه الحادي عشر: قولهم لما كان الباري عدلاً جواداً أوجب أن يظهر فضل الله ينصر الله واف وين النقطة هذه الآية يعني هذا هو نصر لمنهج الله وأنه يومئذ يفرح المؤمنون، فاضاف النصرة إلى اسم الله ولم يقل بنصر الله إياهم وذلك أنه حين ظهر طرب على فارس كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه قد ظهروا على المشركين واليهود.
اه سند شيخنا هو يمكن يقول إنه في نفس الوقت التي غلبت الروم ظهر محمد وأصحابه على المشركين، فقال: غلبت الروم ويوم ويوم عف عفوا ويوم ستغلب الروم سيفرح المؤمنون بنصر الله على بنصر الله المؤمنين على الكفار مش بنصر الروم، يعني هم بعد غلبهم سيغلبون، ويوم يغلبون سيفرح المؤمنون بنصر الله للمؤمنين يعني مش مش للروم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهروا على المشركين واليهود إذ كان أصحاب وقد ظهروا على المش إلى اسم الله وبعد الله أن تغرب على يفرح المؤمنون بنسع النصرة إلى اسم الله ولم يقل بنصر الله إياهم تخيلت وذلك أنه حين ظهرت الروم عن فارس نعم.
نصرة عز وجل للدين لا لشخصه، هو ما نصر دينه المحرف، لأنه هذا هو نصر قصة الرسالة سويا كلام ابن تيمية زي ما قال سند فصل إلى اسم الله ولم يقل بنص بعده اغسل النبي يروح الناس في بتا سنين الله الأول ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وذلك أنه حين ظهرت الروم على فارس كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ظهروا على المشركين واليهود، هو يعني زي ما قال وهو بده يعني هو لما علل: وذلك أنه حين ظهرت الروم على فارس كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ظهروا في جزيرة العرب على المشركين واليهود يعني في الوقت الذي غلبت فيه الروم الفرس، كان هذا يعني عند صلح الحديبية أو ما بعدها، وعندئذ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ظهروا على المشركين واليهود.
لكن يبقى برضه إشكال يعني هو لماذا قال: فاضاف النصرة إلى اسم الله ولم يقل بنصر الله إياهم؟ يعني هل أراد عموم نصرة الله سبحانه وتعالى؟ يعني من النصر يعني فاليئذ يفرح المؤمنون بنصر الله مش بنصر الله للروم على الفرس هيك بده يفهمها ابن تيمية؛ ليس بنصر الله الروم على الفرس وإنما بنصر الله المؤمنين على المشركين أو المؤمنين على اليهود، يعني ويومئذ يعني وفي اليوم الذي سينتصر فيه الروم على الفرس ستفرحون أنتم أيضا بنصر الله لكم.
لكم بس هنا ما إنه ما أشار إليه غير نصر الله لكم وفقط كان هدفه فاضاف النصرة إلى اسم الله ولم يقل بنصر الله إياهم، تمام يعني بدها بدها بحث حتى في النسخه، يعني مش عارف حاسس أنه في شيء هيك ناقص تكملة تحت يعني وأغسل النبي إداك يدعو هذا كله من نصر الله في في ذاك الوقت.
يعني هو كأنه يريد أن يقول: كان هذا يعني كان توطئة إذا بدنا نمشي على الكلام السابق، أن هذا اصلا كان توطئة، مش قال انتصار الروم على كان توطئ لانتصار صار النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، وأنه أخذ يدعو ملوك النصارى بالشام ومصر إلى الإيمان فعرفوه وعرفوا أنه نبي بشر به وكان ذلك أول ظهرين، ثم أرسل طائفة إلى مؤتة ثم خرج من نفسه بالمسلمين عامة تبوك إلى الشام ثم فتح هذه البلاد أصحابه، فكان تأييد دين الله وظهوره وإذلال المشركين والمجوس وغير وغيرهم على يديه ويدي أمته لا على يد اليهود والنصارى نعم الله أعلم نعم.
قال الوجه الحادي عشر: قولهم لما كان الباري عدلا جوادا اوجب أن يظهر عدله وجوده، فيقال لهم: جود الجواد غير إلزام الناس بترك حقوقهم؛ فإن الجواد هو الذي يحسن إلى الناس ليس هو الذي يلزم الناس بترك حقوقهم.
وهؤلاء يزعمون أن شريعة الإنجيل ألزمت الناس بترك حقوقهم وأنه لا ينصف المظلوم من ظالمه، ولهذا ليس عندهم حكم عدل يحكمون به بين الناس، بل الحكم عندهم حكمان: حكم الكنيسة وليس فيهم إنصاف من الظالم.
والثاني: حكم الملوك، وليس هو شرعاً منزل؛ بل هو بحسب آراء الملوك، ولهذا تجدهم يردون الناس إلى الحكم الشرعي الإسلامي في الدماء والأموال ونحو ذلك، حتى في بعض بلادهم يكون الملك والعسكر كلهم نصارى وفيهم طائفة قليلة مسلمون لهم حاكم، فيردون الناس في الدماء والأموال إلى حكم شرع المسلمين.
وذلك أن الدماء والأموال، وإن كان يستحب للمظلوم أن يعفو فيها عن ظالمه، فالحاكم الذي يحكم من الناس متى حكم على المظلوم بترك حقه كان حاكماً بالظلم لا بالعدل. ولو أمرنا كل ولي مقتول أن لا يقتس من القاتل، وكل صاحب دين أن لا يطالب غريمه بل يدعه على اختياره، وكل مشتوم مضروب أن لا ينتصف من ظالمه، لم يكن للظالمين زاجر يزجرهم، وظلم الأقوياء الضعفاء وفسدت الأرض، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]. فلا بد من شرع يتضمن الحكم بالعدل، ولا بد مع ذلك من ندب الناس إلى العفو والأخذ بالفضل، وهذه شريعة الإسلام.
كما تقدم ما ذكرناه من الآيات، مثل قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92].
وقال وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]. وقال أنس: ما رفع أمر في قصاص إلا أمر فيه بالعفو، فكان يأامر بالعفو ولا يلزم الناس به. ولهذا لما عتقت بريرة جارية عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كان لها أن تفسخ النكاح، وطلب زوجها أن لا تفارقه وشفع إليها أن لا تفارقه، فقالت: تأمرني؟ قال: «لا، إنما أنا شافع»، فلم يوجب عليها قبول شفاعته صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني عشر: قولهم ولما كان الكمال الذي هو الفضل لا يمكن أن يضعه إلا أكمل الكمال. فيقال لهم العدل والفضل لا يشرعه إلا الله، فشرعة التوراة لم يشرعها إلا الله، وشرعة الإنجيل لم يشرعها إلا الله عز وجل. ويبين ذلك أن الله كلم موسى بشجرة تكليمه، وهم غاية ما قروا به إلهية المسيح إن زعموا أن الله كلم الناس من نسوة المسيح كما كلم موسى من شجرة، ومعلوم عند كل عاقل لو كان هذا حقاً أن تكليمه لموسى من الشجرة أعظم من تكليم كلمة الله لعباده، فكيف يقال أن شريعة العدل لم يشرعها الله عز وجل؟
ثم قالوا لهم بل شريعة العدل أحق بأن تضاف إلى الله من شريعة الفضل، فإن الأمر بالاحسان والعفو يحسنه كل أحد، وأما معرفة العدل والحكم بين الناس به فلا يقدر عليه إلا أحد الناس، ولهذا يوجد الذي يصلح بين الناس بالاحسان خلق كثير، وأما الذي يحسن أن يفصل بينهم بالعدل فناس قليل، فكيف يقال أن الذي يامر بشرع الفضل هو الله دون الذي يامر بشرع العدل؟ والله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
وأمر المسيح عليه السلام لمظلوم بالعفو الظن ليس به ما يدل على أنه من الواجب الذي من تركه استحق الذم والعقاب، بل هو من المرغب فيه الذي من فعله استحق المدح والثواب، وموسى عليه السلام أوجب العدل الذي من تركه استحق الذم والعقاب. وحينئذ فلا منافاة بين العدل وبين استحباب الفضل، لكن إيجاب العدل يقترن به الترهيب والتخويف في تركه، واستحباب الفضل يقترن به الترغيب والتشويق إلى فعله، فذاك فيه رهبة مع ما فيه من رغبة، وهذا فيه رغبة بلا رهبة.
ولهذا قال المسيح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117-118]. ولهذا قيل إن المسيح عليه السلام بعث لتكميل التوراه في أن الوافية تكون بعد الفرض، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: من عاد لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبه يبصر، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه».
والا فلو قيل أن المسيح عليه السلام أوجب على المظلوم العفو عن الظالم بمعنى أنه مستحق الوعيد والذم والعقاب إن لم يعفو عنه، لازم من هذا أن يكون كل من انتصف من الظالم ظالماً مستحقاً لذم العقاب. من انتصف من الظالم يعني أخذ حقه من الظالم سيكون ظالماً على دين المسيح، وهذا ظلم ثان للمظلوم، يكون ظلم أولاً وبعدين لما اجا اخذ حقه قلنا له أنت ظالم، فبقول لك أنا ظالم، أنا مظلوم في الحالتين، أصبحت هكذا مظلوم ابتداء ومظلوم لما أردت أن أخذ حقي. قال: فإن الظالم ظلمه أولاً، فلما انتصف منه ظلم ظلماً ثانياً، فهو ظلم لعادل انتصف من ظالمه.
قال: ما أحسن كلام الله حيث يقول: ﴿فَمَا أُوتِيكُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: 36]. هو الآن قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 39-40].
فإذاً هذه من صفات أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنهم إذا أصابهم البغي ينتصرون، فينصفون المظلوم ويعطونه حقه، ولكنهم لما يعاقبون الظالم فيعاقبونه بالعدل ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] فلا نتجاوز في القصاص، ثم بعد ذلك يأمرك بالفضل إن أحببته: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: 40]. فلذلك هذا هو الكمال في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]. ما عليه حرج الذي ينتصر بعد أن ظلم هذا لا حرج عليه، أما أنتم في شريعتكم تعتبرون المظلوم يجب أن يتنازل عن حقه للظالم، وهذا ليس بصح، هذا ليس هو الكمال.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60].
قال: فهذا من أحسن الكلام وأعدله وأفضله حيث شرع العدل، فقال: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ثم ندب إلى الفضل فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]. ولما ندب إلى العفو ذكر أنه لا على المنتصف، لئلا يظن أن العفو فرض، فقال: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]. ثم بين أن السبيل إنما يكون على الظالمين، فقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42]. ثم لما السبيل هنا بمعنى العقوبة والظلم أو اللوم أو العتاب زي كده.
قال: ثم لما رفع عنهم السبيل ندبهم مع ذلك إلى الصبر والعفو فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]. فهذا أحسن شرع وأجمعه، يرغب في الصبر والغفر والعفو والاصلاح بغاية الترغيب، ويذكر ما فيه من الفضائل والمحاسن وحميد العاقبة، ويدفع عن المنتصف ممن ظلمه الملام والعدل، ويبيّن أنه لا حرج عليه ولا سبيل إذا انتصر بعد ما ظلم. فلمكن أن تأتي شريعة أن تجعل على المنتصف سبيلاً مع عدله، وهي لا تجعل على الظالم سبيلاً مع ظلمه؟
فعلم أن ما أمر به المسيح من العفو لم يكن لأن تاركه مستحق لذم العقاب؛ بل لأنه محروم مما يحصل للعافي المححسن من الأجر والثواب، وهذا حق لا يناقض شرع التوراة. فعلم أن شرع الإنجيل لم يناقض شرع التوراة إذ كان فرعاً عليها ومكملاً لها. حينئذ فزعمهم أن شرع الإنجيل شرعه الله دون شرع التوراة، كلام من هو من أجهر الناس وأضلهم، ولهذا كان هذا فرعاً على قولهم بالاتحاد وأن المسيح هو الله، فذاك الضلال أوجب هذا القول المحال.
قال: فصل، وجميع ما احتجوا به من التوراه والإنجيل وغيره من كلام الأنبياء عليهم السلام، إنما تكون الحجة فيه علمية برهانية إذا أقاموا الدليل على نبوة من احتجوا بكلامه، بأن بيّنوا إمكان النبوة ثم تبينوا وقوعها في الشخص المعين بالطرق التي يستدل بها على نبوة النبي. هم لم يفعلوا شيئاً من ذلك؛ بل يحتجون بذلك بناء على أنها مقدمة مسلمة يسلمها المسلمون لهم، وهذا لا ينفعهم لوجوه:
أحدها: أن في من ذكروه لم يثبت عند المسلمين أنه نبي كميخا وعاموص.
الثاني: أن من ثبت عند المسلمين نبوته كموسى وعيسى وداوود وسليمان لم يثبت عندهم أنهم قالوا جميع ما ذكروه الكلام، وأن ترجمته بالعربية هو ما ذكروه، وأن مرادهم به ما فسروه.
قال الثالث: أن جمهور المسلمين لا يعلمون نبوة أحد من أنبيائهم قبل محمد إلا بأخبار محمد صلى الله عليه وسلم بنبوتهم، فلا يمكنهم تصديق بنبوة أحد هؤلاء إلا بعد التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا طلب هؤلاء من المسلمين أن يسلموا بنبوة هؤلاء دون نبوة محمد لم يمكن للمسلمين أن يسلموا لهم ذلك، ولا يسوغ ذلك للمسلمين لا عقلاً ولا نقلاً، وحينئذ لم يقيموا الأدلة على نبوة أولئك، لم يكونوا قد ذكروا لا حجة برهانية ولا حجة جدلية.
الرابع: أن المسلمين لم يصدقوا هنا لاحظ أنه هنا انتهى الكلام السابق وناقش قضية عامة متعلقة بهذا الكتاب كتاب ورد الانطاكي، قضية عامة وهو أنه كان يستدل بكلام أنبياء مثل ميخا وعاموص وكذا، ويستدل بها على عدم مصداقية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أنها ليست موجهة إليهم، فنحن بنقول له انتهى في في أنبياء أنت عم بتجيب عنهم كلام نحن مش عارفين من هم هذول الأنبياء أصلاً ولا هم موجودين أصلاً فعلاً في الوجود ولا لا مثل ميخا وعاموص.
ثانياً: الأنبياء الثابتين اللي أنت بتنقل عنهم مثل عيسى وداوود وسليمان عليهم السلام، الكلام الذي تنقله عنهم في هذه الرسالة لم يثبت لنا بنقل صحيح أنهم قالوه، فنحن يعني مطلوب منا أن نقول والله أنت فعلاً أقمت الحجة علينا يا بولس الانطاكي، وأنت لم تثبت لنا أن الكلام الذي تنقله على لسان داوود وسليمان مروي عنهم، ليش ما تكونوا أنتم الفتموه إذا بدك نقاش علمي، يعني نقاش علمي يقوم على أدلة.
الثالث: أن جمهور المسلمين لا يعلمون نبوة أحد من الأنبياء قبل محمد عليه الصلاة والسلام إلا من خلال ايش اخبار محمد بنبوتهم، فلا يمكنهم التصديق بنبوة أحد من كل هؤلاء الأنبياء إلا حتى سليمان وداوود، إلا بعد التصديق بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.
طيب الرابع:
قال الرابع: أن المسلمين لم يصدقوا بنبوة موسى وعيسى إلا مع إخبارهما بنبوه محمد صلى الله عليه وسلم والسلام. فان سلموا انهما اخبر بنبوه محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته ونبوتهما، وان جحدوا ذلك جاهد المسلمون نبوة من يدعون أنه موسى وعيسى الذين لم يخبرا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
يعني أن موسى وعيسى اللذين لم يخبرا بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام نحن لا نعرفهما، نحن نعرف موسى وعيسى اللذين أخبرا بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام. فالاستدلال بكلام موسى وعيسى علينا وأن محمد عليه الصلاة والسلام لم يرسل هذا ليس فيه حجة، لأننا لا نؤمن بهذه الشخصية، نؤمن بشخصية موسى وعيسى لنعرف أنهم بشروا.
قال خامساً: أن المسلمين وكل عاقلين يمتنع بعد النظر التام أن يقر بنبوة موسى وعيسى دون محمد صلى الله عليه وسلم إن كانت نبوته أكمل وطرق معرفتها أتم وأكثر. وما من دليل يستدل بها على نبوة غيره إلا وهو على نبوته أدل، فإن جحد نبوته يستلزم جحد نبوة غيره الطريق الأولى، ولكن من قال ذلك هو متناقض كما يتناقض سائر أهل الباطل، ولهذا قال تعالى في الكفار: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّؤْتَفِكٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 8-9].
فصل، قد ذكرنا في جواب أول كتابهم بيان امتناع احتجاجهم بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام على ما يخالف دين المسلمين من دينهم، ونحن نبسط هنا هذا فنقول لا ريب أن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح لا شرعياً ولا عقلياً، سواء كان من الخبريات أو الطلبيات. فإن الدليل الصحيح يستلزم صحة المدلول عليه، فلو قام على الباطل دليل صحيح لازم أن يكون حقاً مع كونه باطلاً، وذلك جمع بين النقيضين، مثل كون الشيء الموجود معدوماً.
وأهل الكتاب معهم حق في الخبريات والطلبيات، ومعهم باطل وهو ما بدلوه في الخبريات سواء كان المبدل هو اللفظ أو معناه، وما دعوه وما نسخ من العمليات، منسوخ الذي تنوعت فيه الشرائع قليل بالنسبة إلى ما اتفقت عليه الكتب والرسل؛ فإن الذي اتفقت عليه هو الذي لابد للخلق منه في كل زمان ومكان هو الإيمان.
بالله واليوم الآخر وعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69]. وعامة السور المكية، كالانعام، والأعراف، والحوَّاميم، وطس، والم تن، هي من الأصول الكلية التي اتفقت عليها شرائع المرسلين، كالامر بعبادة الله وحده لا شريك له، وصدق القلب والإخلاص، وتحريم الظلم والفواحش والشرك والقول على الله بغير علم. وعامة ما عندهم من النقول الصحيحة عن الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور ونبوة الأنبياء، توافق المنقول عن محمد صلى الله عليه وسلم، شهد هذا لهذا وهذا لهذا، وذلك من دلائل نبوة هؤلاء الأنبياء ومن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولهذا يذكر الله ذلك بيانا لإنعامه بمحمد صلى الله عليه وسلم ودلالة لنبوته، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 42-44]، وقال تعالى.
إذاً الله عز وجل يمن على النبي عليه الصلاة والسلام بنعم تامة وبدلائل النبوة، ومنها أنه أخبره بتفاصيل ما حصل مع مريم وكيف تم تبنيها وكذا، وهذا شيء لم يطلع عليه النبي عليه الصلاة والسلام إلا من جهة الوحي نعم.
وقال تعالى لما قص قصّة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]، فذكر آلاءه ونعمته وآيته بكونه لم يكن يعلمها هو ولا قومه أيضاً كانوا يعلمونها. في نسخة يعني في حاشية رقم اثنين: «ولذا يذكر الله ذلك بيانا لإنعامه بمحمد» في نسخة «على محمد» وأنا أعتبر أنه «على محمد» أظهر، لأن هي «ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك» هذه نعمه على محمد يعني أنعمت عليك يا محمد مش نعمة بمحمد، فلذلك النسخة التي فيها حرف الجر «على» أوضح من النسخه التي هي حرف الجر «باء» نعم.
شيخنا ممكن يعني «بمحمد» في وجه أنه لا أنت ولا قومك فيعني أن يصل إلى قومه كذلك، ولهذا يذكر الله ذلك بيانا لأنه بايش؟ بممحمد صلى الله عليه وسلم على قومه بأنه لولا وجود محمد صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى قومه الأخبار منقولة عن الأمم السابقة. هو كان الطريق يعني.
أنا فاهم بس «ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك»، في الآية الثانية: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ يعني هو يمنّ على النبي عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة، قال: فذكر آلاءه ونعمته وآياته بكونه لم يكن يعلمها هو ولا قومه أيضاً كانوا يعلمونها، لئلا يظن أن تعلم أنه تعلم ذلك من قومه، فإن قومه لم يكونوا يعلمون ذلك. هي ممكن يعني أن يفكر بهذه الطريقة أيضاً ممكن.
وقد علم بالنقل المتواتر أن محمدا صلى الله عليه وسلم ولد بمكة، بها نشأ بعد أن كان مسترضعاً في بادية سعد بن بكر عند حليمة السعدية وهو صغير، ثم حملته حليمة السعدية بمكة لا يعلم شيئاً من ذلك ولا هناك من يتعلم منه شيء من ذلك. وأهل مكة يعلمون حاله وأنه لم يتعلم ذلك من أحد، ثم أخبرهم بالغيب الذي لا يعلمه أحد إلا بتعليم الله له، فكان هذا من أعلام رسالته ودلائل نبوته، عليهم أولاً؛ عليهم يعني على كفار قريش أولاً، وعلى غيرهم من كفار اليهود والنصارى آخراً، فإنه فإنهم كانوا مشاهدين له يعلمون أنه لم يتعلم ذلك من أحد نعم.
قال: وغيرهم يعلم ذلك بالأخبار المتواترة، ويعلم أن قومهم كاذبون له مع حثهم على الطعن فيه، ومع علمهم بحاله لو كان قد تعلم أهل الكتاب لقالوا هذا قد تعلمه منهم. قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]. والمقصود أنه نفي علم قومه بما أخبره فيه بيانا لآلاء الله التي هي آياته ونعمته، فإن ذلك يدل على أنه لم يتعلم ذلك من قومه، وفيه إنعام الله على الخلق بذلك.
وقال تعالى لما ذكر قصة يوسف: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 102]. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَا كُنتَ بِالْجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43-46]. فنفي سبحانه شهوده لهذه الأمور الغائبة وحضوره لها، تنبيها للناس على أنه أخبر من الغيب الذي لم يشهده ولم يعرفه من جهة أخبار الناس، فإن قومه لم يكونوا يعلمون.
شهوده يعني شهود النبي عليه الصلاة والسلام نعم.
قال: فإن قومه لم يكونوا يعلمون ذلك ولا عاشروا غير قومه، وكل من عرف حاله يعلم أنه لم يتعلم شيئاً من ذلك ولا من أهل الكتاب ولا ممن نقل عن أهل الكتاب. فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أخبر بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده وملائكته وأوليائه وأعدائه، مع العلم بأن في هذه الأمور مع من التفاصيل الكثير ما يمتنع اتفاق اثنين عليه إلا عن مواطأة بينهما، ومحمد وموسى صلوات الله عليهما وسلامه لم يتواطآ، بل لم يواطئ محمد صلى الله عليه وسلم أحد من الرسل قبله ولا واطؤوه، وأخبر الخبر يعني ماتوا قبله جميع الرسل نعم.
قال: والخبر الكذب إما أن يتعمد صاحبه الكذب فيه وإما أن يغلط، فالكاذبان المتعمدان للكذب لا يتفقان في القصص الطويلة والتفاصيل العظيمة؛ يعني مستحيل أن أكذب في قصة وأنت تكذب في قصة وأنا وياك نعرف بعض وتكون كذبتي وكذبتك نفس الكذبة مع أن القصة طويلة وتفاصيلها مستحيل نعم.
قال: ذلك الغالط لا يتفق وغالطتهما نفس الشيء في القصص الطويلة، بدل الاثنان من آحاد الناس إذا أخبر كل واحد عن حال بلده رآها، وأخبر الآخر بمثل خبره عن نفس البلدة من غير مواطأة؛ ستجد أنه ما دام هذا وصف وهذا وصف عرف صدقهما، أليس كذلك؟ لو واحد قال لك أنا شفت مكة وكذا وكذا وكذا وجا واحد ما بيعرف، هذا واحد من المغرب ووصف مكة وكذا وأعطاك نفس المواصفات رح تقول إذا في صدق، هذا ما بيعرف هذا هذا من المشرق وهذا من المغرب ووصفها بنفس الوصف، عرف صدقها. فكيف بالامور الغائبة هذه؟ وهذا في الأمور المحسوسة، هذا في الأمور المحسوسة فكيف بالأمور الغائبة؟ شيء لم يشاهده النبي عليه الصلاة والسلام ووصفه وصفاً دقيقاً كما وصفه موسى الذي شاهده وعايشه، هذا بيعطيك مصداقية أكثر وأكثر نعم.
قال: فكيف بالأمور الغائبة التي لا يمكن العلم بها إلا من جهة الله تعالى؟ فهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام نعم.
وأما القدر الذي يخالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مما ينقلونه عن الأنبياء، فهو نوعان؛ أحدهما: ما وقع فيه النسخ من الشرائع، وهذا لا يمنعه، لكن المنسوخ مثل هذا بالنسبة إلى ما لم ينسخ من الكتاب نظير المنسوخ من القرآن وأحاديث نبوية فإنه قليل جداً بالنسبة إلى ما لم ينسخ، وكذلك عامة ما أمر به موسى وداود والمسيح وغيرهما من الأنبياء إذا اعتبر بما جاء بما أمر به محمد صلى الله عليه وسلم وجد عامة ذلك متفقاً لم ينسخ منه إلا قليل.
والثاني: الخبريات، وهذه قد ادعى بعض أهل الكتاب أن محمداً خالف بعض ما أخبرت به الأنبياء قبله، وهذا باطل؛ فإن اخبار الأنبياء لا يجوز أن تتناقض إذ كلهم صادقون مصدقون، ومن علم أن محمداً رسول الله وأن موسى رسول الله وأن عيسى وأن المسيح رسول الله، علم أن أخبارهم لا تتناقض، لكن قد يخبر هذا بما لم يخبر بهذا، فيكون في أخبار أحدهما زيادات على أخبار غيره لا ما يناقض خبر غيره وما يذكرها الكتاب مما يناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم فهو عامته مما حرفوا معناه وتأويله وقليل منه حرف لفظه.
وأهل الكتاب اليهود والنصارى مع المسلمين متفقون على أن الكتب المتقدمة واقع التحريف إما عمداً وإما خطأ في ترجمتها وتفسيرها وشرحها وتأويلها، وإنما تنازع الناس هل وقع التحريف في بعض ألفاظها؟ فكل ما يدعي فيه مدع أن محمداً صلى الله عليه وسلم قضى فلا بد له من أن يثبت المقدمتين؛ إداهما: ثبوت ذلك اللفظ عن ذلك النبي، والثانية: ثبوت معناه. وكل من احتج بنقل عن نبي فلا بد له من هاتين المقدمتين؛ الإسناد والمتن، فلا بد له من ثبوت اللفظ ولا بد له من ثبوت معنى ثبوت اللفظ والمتن ثبوت المعنى نعم ولا بد من ثبوت معنى اللفظ نعم.
قال: وإذا كان النقل ليس بلغة النبي، بلغة أخرى، فلا بد من الترجمة الصحيحة؛ هذه الثالثة اللي كنا دائما نحكيها لابد إذا كان هذا مترجم عن لسان عيسى أو مترجم عن لسان موسى نتاكد من دقة الترجمة نعم.
قال: وعامة النصارى ليس عندهم كتب الأنبياء بلغة الأنبياء في الناموس والمسيح، ومن بينهم الأنبياء من أنبياء بني إسرائيل إنما كانوا يتكلمون باللغة العبرانية، والمسيح كان عبرانية لم يتكلم بغير العبرانية، وإنما تكلم بغيرها كالسريانية واليونانية والرومية بعض اتباعه نعم.
وجمهور النصارى لا يعرفون بالعبرانية فلا يحسنون أن يقرأوا بالعبرانية لا تورات ولا إنجيلاً ولا غير ذلك، وإنما يتكلمون بذلك باللغة الرومية السريانية وإن كان فيهم قليل ممن يتكلم بالعبرانية بخلاف اليهود فإن العبرانية فاشية فيهم. وحينئذ فمن احتج من أهل الكتاب بشيء من كلام نبي منقول بالرومية السريانية والعربية، فانه يحتاج مع إثبات النقل إلى إثبات الترجمة وصحتها فإنه كثيراً ما يغلظون في الترجمة ويختلفون في معناها. هذه مقدمات ثلاث لابد لهم منها في كل ما يحتجون من كلام الأنبياء، ولو لم يدعوا أنه معارض لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا ادعوا بما تناقض لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟
فإذا قدر أنه ثبت أن نبيا أخبر بشيء امتنع قطعا أن يخبر محمد عليه الصلاة والسلام بنقير هذا الشيء، فإن فيما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً ما ليس بثابت لفظه مثل بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفيما ثبت لفظه ما ليس معناه صريحا في المناقضة بل لا يدل على ذلك، فكم من نعم.
قال: فكم من يفسر القرآن بما لا يدل عليه لفظ القرآن بل ولا قاله أحد من الصحابه ولا التابعين، كمن يقول إن شعيباً النبي كان حمو موسى وليس القرية؛ حمو يعني حماة في قصة سوره القصص لما أنه زوج بنته لموسى عليه السلام، وليس في القرآن والسنة ولا كلام الصحابة إلا ما يدل على نقيض ذلك نعم.
قال: وليس في القرآن والسنة وكلام الصحابة إلا ما يدل على نقيض ذلك، وكمن يقول إن الرسل الذين أرسلوا إلى قرية كانوا من اتباع المسيح، وليسوا وما المقول عن الصحابة إلا ما يدل على نقيض ذلك.
وأما ما علم أن محمد صلى الله عليه وسلم أخبر به فقد قامت الأدلة القاطعة اليقينية على صدقه وصدق ما أخبر به أعظم مما قامت على صدق غيره وصدق ما جاء به، فمهما عارض ذلك علم أنه كذب على الأنبياء ولا يمكن أحد من الخلق أن يذكر دليلاً قطعياً على صحة ذلك النقل، بل غايتهم أن يذكروا طريقاً ظنياً لا يفيدهم إلا الظن والظن لا يعارض اليقين، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يمكن صاحب النظر والاستدلال أن يعلمه علماً لا يقينياً لا يرتاب فيه، وما يناقضه لا سبيل لأحد إلى العلم به ولا يتصور أن يقوم بقلبه منه إلا الظن أو التقليد وكلاهما لا يناقض العلم، فهذا أصل جامع.
ثم العارف يعبر عنه مع كل إنسان بحسب ما يوصل معناه إلى ذلك المخاطب، والمقصود هنا أن يققال كل ما يحتجون به على مخالفة ما ثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقوم عليهم دليل شرعي ولا عقلي، وهذا نعلمه مجملاً ونحن نبين ذلك مفصلاً.
فنقول: ما يحتجون به إما أن يكون حجة عقلية وإما أن يكون سمعية. أما العقليات معلومة أن الحجة العقلية دلت على فساد ما يتقوله النصارى أظهر مما يحتجون به على صحة دينهم، وإن احتج منهم أو من اليهود بحجه عقلية على مخالفة شيء من دينه فلها أجوبة؛ أحدها: أن يبين أن ذلك يلزم غيره من الأنبياء فإنهم جاؤوا بذلك أو بأعظم منه، فلا يقدح أحد بحجه عقلية بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا كان ذلك قدحاً بطريق الأولى في غيره من الأنبياء كما بينا في الرد على الرافضة أنه لا يقدح أحد في الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان إلا أمكن أن يقدح بمثل ذلك أعظم منه في علي، فامتنع أن يكون علي سليماً من القوادح في إمامته إلا الثلاثة أسلم منه مما يقدح في إمامتهم، وامتنع أن يكون موسى وعيسى وداود براء مما يقدح في نبوتهم إلا ومحمد أبرأ مما.
يقدح في نبوته. وهذا كما لو احتج محتج بما في القرآن من آيات الصفات، فيقال له في التوراة وغيرها من كتب الأنبياء مثل ذلك وأعظم. وإذا احتج بإنزال المتشابهات، فيقال له في الكتب المتقدمة من المتشابهات أعظم مما في القرآن. وقال: وهل ضلت النصارى إلا باتباع متشابه من كلام الأنبياء وترك المحكم؟
والثاني: أن يبين أن مثل تلك الحجة لا تصلح أن يعارض بما بها ما جاءت به الأنبياء، كما إذا أخذ بعض الناس يطعن في شيء من الشرائع بالرأي، بين له أن ما ثبت عن الأنبياء لا يعارض برأي ولا قياس.
يحتاج الصفة المثبت ولا المنكر؟ وهذا كما لو احتج محتج في القرآن بما في الصفات، يققال في التوراة وغيرها من كتب الأنبياء مثل ذلك وأعظم. يعني من يلوم القرآن على إثبات الصفات لله عز وجل، اليهود والنصارى يقولون: أنتم أصلكم تجسيم، فيقول: ترى إذا أنت بدك تطعن في القرآن من جهة أنه يورد الصفات الخبرية، ترى في كتاب اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ما هو أعلى من ذلك، في آيات الصفات في نسختنا نحن صحيح.
قال الثالث: أن يبين فساد تلك الحجة العقلية إن كانت من باب الخبريات، بين فسادها كما قد بسطنا القول في ذلك في كتاب تعارض العقل والشرع، طبعا هي نسختك مش بتعارض مع نسختنا يعني بتؤدي نفس المعنى بس هي نسختنا من آيات... قال: وذكرنا أن جميع ما يحتج به على خلاف نصوص الأنبياء من العقليات فإنه باطل. ذكرنا ما يعتمد عليه النفاة في هذا الباب، وإن كانت من باب الطلبيات فهي من باب الأمر والنهي، فمن كان من مذهبه أنه لا يعلل أحكام الله، ولا يقول إن حسن الأفعال وقبحها يعلم بالعقل، ولا ينزه الله عن فعل الحكم بل يجوز عليه كل شيء، وإنما ينفي ذلك بالأخبار السمعية والعادة، فهذا يجاوب بهذا الجواب، ولكن عامة القلوب والعقول لا تقبل هذا.
لا تقبل هذا، اللي هو قول الأشاعرة في أن الأفعال هي محض المشيئة، فبالتالي ما في داعي أن تضيع وقتك معه. واما على قول الجمهور الذين يقولون زي ما حكينا بداية المجلس اليوم إن أفعال الله معللة. قال: فيبين ما في مأموراته من الحكم والمصالح، وما في منه من فساد وضرر، ويبين رجحان ما جاء به على ما يعارض به، بل ويبين رجحان شرع الأنبياء على سياسات سائم، بل يبين رجحان شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الشرائع، وهذا مبسوط في مواضع.
وأما إذا احتج أهل الكتاب في مناقضة محمد صلى الله عليه وسلم بحجه سمعية، سواء كانت من كلامه أو كلام غيره من الأنبياء عليهم السلام، كان الجواب من وجوه: أحدها أن يقال لهم لا يمكنكم أن تصدقوا بنبوة نبي من أنبيائه مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنكم لا يمكنكم أن تحتجوا بكلام أحد من الأنبياء حتى تثبت نبوته، والطريق التي بها ثبتت نبوة الأنبياء تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها وبأعظم منها، بل نحن نبين أن تصديق من نبوته أولى من تصديق بنبوة غيره، لأن كل ما يستدل به على نبوة نبي فمحمد صلى الله عليه وسلم أحق بجنس ذلك دون غيره، وما يعارض به نبوة نبي فالجواب عن محمد صلى الله عليه وسلم أولى من الجواب عن غيره، فهو مقدم فيما يدل على النبوة وفيما يجاب به في مقام المعارضة.
قال: وهو أكمل في ذلك، فيمتنع مع العلم والعدل أن يصدق بنبوة غيره مع التكذيب بنبوته، كما يمتنع مع العلم والعدل في كل اثنين أحدهما... بتتكلم يعني إذا أنت بدك تتكلم بعلم وعدل فعلا تبحث بالإنصاف يمتنع أن يصدق بنبوة غير محمد عليه الصلاة والسلام مع التكذيب بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كما يمتنع مع العلم والإنصاف في كل اثنين أحدهما أكمل من الآخر في فن أن يقر بمعرفه ذلك الفن للمفضول دون الفاضل، صح ولا لا؟ أنت مش رح تقر لأن المزني والله إمام في الفقه الشافعي إلا أنك تقر أن الشافعي أفقه، هكذا هي.
قال: وقولنا مع العلم والعدل، أن الظالم يفضل المفضول مع العلم بأنه مفضول أحسن، إذا كان البحث ما في إنصاف، فالظالم في أثناء البحث الظالم هنا الظالم في البحث ممكن يقدم المفضول على الفاضل.
قال: إن كثيرا من الناس يعلمون فضيلة المتبوع إما في العلم أو في العبادة ولا يعرفون أخبار غيره. قال حتى يوجد... فضيلة متبوعهم يعني. قال: حتى يوجد أقوام يعظمون بعض الأتباع دون متبوعه الذي هو أفضل منه عند السامع وغيره يعرفونه، فهؤلاء ليس عندهم علم، ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء يرجح المفضول لعدم علمه بأخبار الفاضل.
ولهذا موجود في جميع الأصناف حتى في المدائن، يفضل الإنسان مدينته يعرفها مدينة يعرفها على مدينة هي أكمل منها لكونه لا يعرفها. مثلا حتى تطبيقا هنا على الأئمة تجد ممكن بعض الناس يعني يفضل ابن تيمية على بعض أصحاب المذاهب الأربعة الشافعي والأحمد، لأنه هو يعرف كثير من فضائل ابن تيمية ويقرا كثير في مصنفاته، ولا يعرف فضائل الشافعي ولم يقرأها ولم ينبغ في فقه الشافعي، فيظن أن ابن تيمية أكمل من الشافعي وأحمد وكذا في العلم، ولكثرة ما يرى عنده من العقليات والنقاشات وما شابه ذلك، لكن من يعرف عقل الشافعي وفضيلته ومالك والأئمة الكبار رضوان الله عليهم ويسبرهم يعرف أن ابن تيمية إنما هو بركة من بركاته وفضيلة من فضائله ليس أكثر.
قال: والحكم بين الشيئين بالتماثل أو التفاضل يستدعي معرفة كل منهما معرفة متصف به من الصفات التي يقع بها التماثل والتفاضل، من يريد أن يعرف أن البخاري أعلم من مسلم وكتابه أصح، أو أن سيبويه أعلم من الأخفش ونحو ذلك.
قال: وقد فضل الله بعض النبيين على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. والكلام في شيئين أحدهما في كون مفضول يستحق تلك المنزلة دون الفاضل، وهذا غاية الجهل والظلم، كقول الرافضة الذين يقولون إن عليا كان إماما عادلا، والثلاثة لم يكونوا كذلك، وكذلك اليهود والنصارى الذين يقولون إن موسى كان رسولا ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك، فإن هذا في غاية الجهل والظلم. بخلاف من اعترف باستحقاق منزلة اثنين منزلة لكن فضل المفضول، فهذا أقل جهلا وظلما، ومعلوم أنك تعترف لمحمد عليه الصلاة والسلام ولموسى بالرسالة ثم تفضل موسى على محمد عليه الصلاة والسلام، هذا وإن كان خطأ لكنه أفضل حالة ممن يثبت الرسالة لموسى وينكرها لمحمد عليه الصلاة والسلام.
قال: ومعلوم أن المرسلين يتفاضلون تارة في الكتب المنزلة عليهم، وتارة في الآيات والمعجزات الدالة على... قال: تارة في الشرائع وما جاؤوا به من العلم والعمل، وتارة في أممهم. فمن عنده علم وعدل فيفضل القرآن وغيره من الكتب التوراة والإنجيل، أو في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزات غيرها، وفي شريعته وشريعة غيرها، أو في أمته وأمة غيره، وجد له من التفضيل على غيره ما لا يخفى إلا على مفرط في الجهل والظلم، فكيف يمكن مع هذا أن يقال هو كاذب مفتر وغيره نبي صادق؟
كثير من أهل الكتاب لم يعرفوا من أخباره ما يبين لهم ذلك، كما أن كثير الروافض لم يعرفوا من أخبار الثلاثة... أخبار الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، لم يعرفوا ما يبين لهم فضيلتهم على علي رضي الله عنه فهو في الجهل. وطالب العلم عليهم فرض، خصوصا أمر النبوة، فإن النظر في أمر من قال إني رسول الله إليكم مقدم على كل شيء، إذ كان التصديق بهذا مستلزما لغاية السعادة، والتكذيب به مقتضيا لغاية الشقاوة، فبالرسول يحصل الفرق بين السعداء والأشقياء، وبين الحق والباطل والهدى والضلال، وفرق بين أوليائه وأعدائه، وكما أهم مسألة تبحث فيها في الحياة مسألة إذا جاء رجل فقال: إني رسول الله إليكم. يعني بحث مسألة الرسالة وأنه هذا رجل صادق ولا لا، هذه من أهم هذه مسألة عظيمه لأنه إذا كان صادق إذا أنت تتكلم عن سعادة الدنيا والآخرة، فتحقيق صدق الرسل وإقامة الأدلة عليها من أهم القضايا في حياة الإنسان، قضية مش هامشية.
قال: وكما يسلك هذه الطريق العقلية في القياس، باعتبار أن يعتبر حال محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وشرعه وأمته بحال غيره وكتابه وشرع أمته، وينظر هل هما متماثلين أو متفاضلين، أو أيهما أفضل؟ وإذا تبين أن حاله أفضل وكان صدقه أولى، امتنع أن يكون غيره صادقا وهو كاذب. بل لو كانا متماثلين وجب كون صادقا، بل وكذلك لو كانا متقاربين وغيره أفضل، فإن النبي الكذاب لا يقارب الصادق، بل بينهما من التباين ما لا يخفى على أعمى الناس. فكذلك يسلك التطريق في جنس الأنبياء عليهم السلام مطلقا وأممهم، بأن تعرف أخبار من مضى من الأنبياء وأممهم وترى آثار... وترى آثار هؤلاء وهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّن أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلنَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَكِن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدًى ورحمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 109-111].
وقال تعالى لما ذكر فرعون: ﴿وَأَتْبَعْنَا هَٰؤُلَاءِ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42]. وكذلك قال تعالى عن عاد: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: 60].
يعني هو يريد أن يقول: كما أننا نقارن يعني كما أننا نسلك طريق الاعت... تسلك هذه الطريقة العقلية في القياس والاعتبار، أن يعتبر حال محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وشريعته وأمته ويقارن بحال غيره من الأنبياء السابقين وشراعته وأمته، وينظر ماذا حصل هؤلاء وماذا حصل هؤلاء، فيستدل بهذا على كرامة محمد عليه الصلاة والسلام أعلى من كرامة غيره، فكذلك يسلك هذا الطريق في النظر بين الأنبياء والكفار.
فينظر كيف كان حال الأنبياء جنس الأنبياء، لذلك قال نفس الأسلوب من الاعتبار، أن ينظر في جنس الأنبياء وطريقتهم وأتباعهم وأممهم، وكيف أن الله سبحانه أهلك عدوهم، وكيف كان حال عدوهم في الخزي والعار وما شابه ذلك، فنستدل على صدق هؤلاء وعلى كذب هؤلاء. ويريد أن يقول لك: إنه أصل طريقه التفكير نفسها، أنك لما نظرت في أحوال محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وأموره وحال أمته، ثم نظرت في الأنبياء ومعجزاتهم، ماذا ظهر لك؟ أن كل ما يكون للأنبياء فمحمد عليه الصلاة والسلام أولى وأعلى وأفضل، من خلال النظر والاعتبار بما حصل.
فيقول: فهذا المسلك يسلك أيضا في المقارنة في جنس الأنبياء مطلقا مع وأممهم، مع الكافرين الذين واجهوهم مع أممهم، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أعز هؤلاء ورفعهم عبر التاريخ، وكيف أن الله أذل خصومهم، فتتعرف به صدق هؤلاء وتقدمهم على الطرف الآخر. بس يعني هذه مقاربة ما أعرف لماذا هو الآن أتى بها هنا.
أكمل قال: وقالت عن قوم شعيب: ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: 95]. وإذا ذكر الأنبياء عليهم السلام قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 78-79]. وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 109]. وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: 120]. وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50]. ومثل هذا في القرآن كثير، فيذكر من حال الأنبياء وأتباعهم وما حصل... ما حصل للكفار به من الخزي والعذاب في المقابل، ما حصل للكفار المعاندين لهم من الخزي والعذاب، ما بين حسن حال هؤلاء اللي هم الأنبياء مع أتباعهم، وقبح هؤلاء اللي هم الكفار مع أتباعهم.
قال: مما يوضح ذلك أن من اعتبر حال أهل ملل من المسلمين واليهود والنصارى، وحال غيرهم في العلوم النافعة والعمال الصالحة، تبين له أن حال أهل الملل أكمل بما لا يحصى، أكملوا من حال الفلاسفة والصابئة وغيرهم ممن ليسوا من أصحاب الكتب السماوية بما لا يحصى من الفوارق.
وإذا نظر ما عند غيرهم إلى من الحكم العلمية والعملية، حكمة الهند والعرب في الجاهلية والفرس وغيرهم، وجد من عندهم بعض من عند أهل... الحكمة العلمية والعملية، فامتنع أن يكون علماء اليونان والهندي ونحوهم على حق وهدى، وعلماء المسلمين واليهود والنصارى على باطل وضلال، وكذلك امتنع أن تكون تلك الأمة لها علم نافع وعمل صالح، وأهل الملل ليسوا كذلك.
يعني إذا نظرت أنت في كل الحكم الصحيحة عند الفرس والهند وما شابه ذلك، وجدتها مجرد نقطة أو بعض مما عند أهل الملل من الحكمة والخير، فلا يمكن أن تكون إذا بالتالي هذه الأديان من الصابئة والمجوس خير، وتكون الأديان الملل السماوية سيئة. طب ما هو الحكم اللي عند الفرس، وما هي جزء فقط مما عند الملل من الخير، فهي أولى هذه الملل أن تكون على صواب من أديان الفلاسفة والصابئة، كما أن ما عند الأنبياء يوجد أعلى منه عند محمد صلى الله عليه وسلم.
فيمتنع أن يكون ما عند الأنبياء حق، ثم تجي تنكر رسالة محمد عليه الصلاة والسلام؛ ما هو ما عند الأنبياء هو فيض، نقطة، أو جزء مما عند النبي عليه الصلاة والسلام. نعم.
قال: لا يوجد في غير أهل الملل من علم أو عمل صالح أو حكمة علمية أو عملية إلا وذلك في أهل الملل، ولا يوجد في أهل الملل شر إلا وهو في غيرهم أكثر. وهؤلاء فلاسفة اليونان الذين قد شهروا عند كثير من الناس باسم الحكمة، وحكمتهم كحكمة سائر الأمم نوعان: نظرية وعملية، والعملية في الأخلاق والسياسة وسياسة المنزل وسياسة المدائن.
وكل من تأمل ما عند اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل من سياسة الأخلاق والمنزل والمدائن وجده خيرا مما عند أولئك بضعاف مضاعفة، فإن أولئك عمدة أمرهم الكلام على قوة النفس الشهوية والغضبية وقوة العلم والعدل كامور من جنس آداب العقلاء، ليس عندهم من معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله ومن عبادته وحده لا شريك له شيء له قدر.
والذي عندهم من العلوم الطبيعية والحسابية ليس مما ينفع بعد الموت إلا أن يستعان به على ما ينفع بعد الموت، والذي عندهم من العلم الإلهي قليل جدا مع ما فيه خطر كثير. وكل ما عندهم من علم نافع أو عمل صالح فهو جزء مما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، فيمتنع أن يكون هؤلاء المسمون بالحكماء وأتباعهم على حق وصدق في الأقوال وخير في الأعمال كما هو مطلوبهم، والأنبياء وأتباعهم ليسوا كذلك.
واعتبر ذلك بمن تعرف من خاصة هؤلاء وعمتهم، فإن كان بينهم من الفوت كما بين أهل الجنة وأهل النار، فاعتبار مثل ذلك مما جاء به التنزيل؛ قال تعالى: ﴿ءَأللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]. والمقصود أنه باعتبار والقياس العقلي والموازنة، يوزن الشيء بما يناظره ويعتبر به قياس الطرد وقياس العكس، فيظهر لكل من تدبر ذلك أن أهل الملل أولى بالحق والصدق والخير من غيرهم، وإن كان لأولئك من الحكمة ما يناسب أحوالهم، وحكماءهم أفضل من عوامهم، وهم خير من الكفار بالرسل الذين ليس فيهم خير أصلا.
وهذا مما استفادوه أتباع الأنبياء منهم، فيكون هذا من دلائل نبوتهم وعلامات رسالتهم استدلالا بالأثر على المؤثر وبالمعلول على علته، وكذلك من تدبر حال المسلمين وحال اليهود والنصارى تبين له رجحان حال المسلمين، فيكون هذا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأعلم رسالته. وقد ذكرنا في غير موضع أن النبوة تعلم بطرق كثيرة، وذكرنا طرقا متعددة في معرفة النبي الصادق والمتنبي الكاذب غير طريق المعجزات، فإن الناس كلما قويت حاجتهم إلى معرفة الشيء يسر الله أسبابه كما ييسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد.
فلما كانت حاجتهم إلى هذه قاعدة: كلما كان الناس أشد إلى شيء، الله عز وجل يقيم عليه من الدلائل والحجاج ما هو أعلى وأعظم، وبالتالي دلائل صدق النبي عليه الصلاة والسلام ليست فقط المعجزات، وهذا حتى في سورة الأنعام ونحن نمدارسها تلاحظون أن دائما تجد أهل الباطل والمخاصمين يبحث عن معجزة حتى يصدق الشيء؛ لا أنا ممكن أصدق الشيء بدليل طبيعي عادي، يعني أنت خذ دليل طبيعي يدل على المدلول، أنت هل لابد الدليل يكون خارق معجز؟ لكن هي المعجزات هذه تكون من باب العذر، من باب أن الله يحب إعذار الناس فيقيم لهم أعظم أنواع الأدلة وهي الخارقة للعاده والمعجزات، وإلا فالأدلة على صدقه من كان يعرف حاله وصدقه وأمانته في الجاهلية عليه الصلاة والسلام، ومن يعرف قرائن الأحوال، أعرف أنه صادق فيما قاله دون أن يحتاج إلى شيء مبهر. نعم.
قال: فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهواء أعظم منها إلى الماء كان مبذورا لكل أحد في كل وقت، ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت كان وجود الماء أكثر، وكذلك لما كانت حاجته إلى معرفة الخالق اعظم كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته ومشيئته أعظم من غيرها، ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك، أقام الله سبحانه بدلال صدقه وشواهد نبوتهم وحسن حال من اتبعهم وسعادته ونجاته وبيان ما يحصل لهم من العلم النافع والعمل الصالح وقبح حال من خالفه من شقاوته وجهله وظلمه، ما يظهر لمن تدبر ذلك ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُوراً فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40].
هذا الذي ذكرناه من اعتبار الشيء بنظرائه وموافقيه وأشباهه واعتباره بأضداده ومخالفيه حتى يعرف في المتشابهين أيهم أكمل وأفضل، وفي المختلفين أيهم أولى بالحق والهدى والعدل؛ موجود في سائر الأمور علمها وعملها كعلم الطب والحساب والنحو والفقه وغير ذلك، تمتنع مع العلم والعدل أن يقال جريجس كان طبيبا وأبو ققراط لم يكن طبيبا -صحيح؟ نعم- وأن هذا الشخص الذي ذكره كان فيلسوفا وأرسطو لم يكن فيلسوفا، ومن يعرف يعرف أنه بالعكس أن أرسطو أولى بالفلسفة من هذا الثاني. نعم.
قال: أو أن يقال الأخفش كان نحويا وسيبويه لم يكن نحويا، ويقال زفر والحسن بن زياد ومحمد بن الحسين كانوا فقهاء وأبو حنيفة لم يكن فقيها -إن هو شيخهم هم تلاميذه يعني-. نعم.
قال: أو أن أشهب وابن القاسم وعبد الملك بن وهب كانوا فقهاء ومالكا لم يكن فقيها، مع أن هؤلاء تلاميذ لمالك! أو أن المزني والبويطي وحرملة كانوا فقهاء وشيخهم الشافعي لم يكن فقيها -طيب كيف صاروا هم فقهاء؟ يعني هيك بقول لك منطقية الأشياء-. أو أن: نعم.
قال: أو أن أبو داود وإبراهيم الحربي وأبو بكر الأثرم كانوا فقهاء وأحمد لم يكن فقيها، وأن عليا كان إمام عدل وأبا بكر وعمر لم يكونا إمام عدل، أو أن نور الدين الشهيد كان عادلا وعمر بن عبد العزيز لم يكن عادلا -نور الدين الشهيد اللي هو نور الدين زنكي كان عادلا وعمر بن عبد العزيز لم يكن عادلا؟-. نعم.
قال: أو أن كوشار كان يعرف هيئة بطليموس وبطليموس لم يكن يعرف الهيئة، أو أن أبا علي بن الهيثم كان يعرف علم الهندسة وأقليدس لم يكن يعرف ذلك، أو أن النابغة الجعدي كان شاعر والنابغة الذبياني لم يكن كذلك، أو أن يقال إن النابغة الذبياني أعلى وأفخم وأقدم. نعم.
قال: أو أن يقال إن القمر مستنير والشمس ليست مستنيرة، أو أن عطارد نجم ثاقب وزحل ليس كذلك، فهذه الطريقة واضحة في الاستدلال والمنطق السوي في النظر في الأشياء، فكما تكون في الأمور العلمية تكون في الأمور العملية. نعم.
قال: أو أن مسلما كان عالما بالحديث والبخاري لم يكن كذلك، أو أن كتابه أصح من كتاب البخاري ونحو ذلك مما يطول عداده.
فصل: والنصارى لهم سؤال مشهور بينهم، وهو أن منهم من يقول: محمد صلى الله عليه وسلم لم تبشر به النبوات بخلاف المسيح فإنه بشرت به النبوات، وزعموا أن من لم تبشر به فليس بنبي، وهذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما أنه لا يكون نبيا حتى يبشر به، فالمقدمة الأولى أنه هل صحيح أن كل من لم تبشر به النبوات لا يصح أن يكون نبيا؟ هذه مقدمة نقاش؛ شو التلازم بين هذا وهذا؟ ثانيا.
قال الثاني: إن من بشر به أفضل أو أكمل ممن لم تبشر به، وأن هذا طريق به نبوة المسيح اختص به، وأنتم قد قلتم ما من طريق ثبتت به نبوة نبي إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم ثبت نبوته بمثل تلك الطريق وأفضل. فأما هذا الثاني فيستحق الجواب، وأما الأول فنحن نجيبهم عنه أيضا، ولكن هل تجب الإجابة عنه؟ فيه قولان بناء على أصل وهو: أنه هل من شرط النسخ الإشعار بالناسخ؟ ولنظار المسلمين فيه قولان.
هل من شرط النسخ أنه إذا أنا بدي أنسخ هاي الشريعة أشعرك أنه ستنسخ وأعطيك هيك إشارة مبدئيا ستنسخ بشريعة نبيها وبالتالي يبشر به؟ نعم.
قال: ولنظار المسلمين فيه قولان: أحدهما أنه لابد إذا شرع حكما يريد أن ينسخه فلا بد أن يشعر المخاطبين بأنه سينسخه لئلا يظن دوامه فيكون ذلك تجهيلا لهم. والثاني: لا يشترط ذلك أيضا، فمن بعث بعد موسى بشريعة هل يجب أن يكون مبشرا به؟ فيه قولان بكل حال.
فينبغي عند علماء المسلمين المسيح عليه السلام بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَىٰ بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: 6]. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157].
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146] في موضعين القرآن؛ أحدهما في التوحيد والقرآن، والآخر في القبلة والقران ومحمد صلى الله عليه وسلم. فقال في الأول: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مع اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشهدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 19-20]، وهذا في سورة الأنعام مكية.
وقال في سورة البقرة مدنية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. وموضع الشاهد: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 146-147].
وقال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]. وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 114]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]. وقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 43].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخَرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخَرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء: 107-109].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 52-53]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: 94]. وإذا كان كذلك فيقال معلوم باتفاقهم، لأنه ليس بشرط النبوة كل نبي أن يبشر به من قبله، إذا النبوة ثابتة بدون ذلك.
نعم، إذا هذه أول قاعده: ليس من شرط النبوة وجود التبشير السابق بها، هذه أولا. نعم.
قال: إذا النبوة ثابتة بدون ذلك، لا سيما ونوح وإراهيم وغيرهما لم يعلم بأن أنه بشر بهما من قبلهما، فكذلك عامة الأنبياء الذين قاموا في بني اسرائيل لم تتقدم بشرات إذ كانوا لم يبعثوا بشريعة ناسخة كداود وأشعياء وغيرهم، وإنما قد يدعى هذا فيمن جاء بنسخ شرع من قبله، كما جاء المسيح بنسخ بعض الأحكام والتوراة، كذلك محمد صلى الله عليه وسلم في مثل هذا يتنازع المتنازعون من علماء المسلمين وغيرهم: وهل يشترط أن يكون قد أخبر بذلك قبل النسخ؟ وعلى قوله حينئذ فالمسلمون يقولون: شريعة التوراة والإنجيل لم تشرع شرعا مطلقا بل مقيدا إلى أن يأتي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مثل الحكم المؤقت بغاية لا يعلم متى يكون، كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 15].
ومثل هذا جائز باتفاق أهل الملل، وهل يسمى هذا نسخا؟ فيه قولان؛ قيل لا يسمى نسخا كالغاية مؤقت ابتداء: فاعفوا واصفحوا حتى يأتي. فالحكم الذي جاء من البدايه مقيدا هل إذا انتهى وقته وجاء وقت القيد هل يسمى هذا نسخا أم هذا تخصيص؟ نحن بنسميه إيش؟ تخصيص أنه ذكرت الغاية ابتداء مع الحكم: فاعفوا واصفحوا حتى. فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض؛ فهذا تخصيص وليس نسخ، لكن هو قال في خلاف، وهذا يسمى نسخا في قول؛ قيل يسمى نسخا كالغاية المعلومة هي: وكلوا واشربوا حتى يتبين. فإن ارتفاع وجوب الصيام -نعم الصيام، نعم-.
قال: في ارتفاع الصيام، ارتفاع وجوب الصيام بمجيء الليل سمى نسخا باتفاق الناس، فقيل إن الغاية المجهولة المعلومة قيل هذا يسمى نسخا ولكن هذا النسخ جائز باتفاق أهل الملل اليهود وغيرهم، وعلى هذا فثبوت نبوة المسيح محمد صلوات الله عليهما وسلامه لا تتوقف على جواز النسخ المتنازع فيه، فإن ذلك إنما يكون في الحكم المطلق، والشرائع المتقدمة لم تشرع مطلقة، وسواء قيل إن الإشعار بالنسخ واجب أو قيل.
لانه غير واجب فعل القولين قد اشعر اهل الشرع الاول بانه سينسخ، فان موسى بشر المسيح، وكذلك غير انبياء، وموسى والمسيح وغيره من الانبياء يبشروا محمد صلى الله عليه وسلم. واذا كان هذا هو الواقع، فهل نبوة المسيح ومحمد عليهما السلام تتوقف على ثبوت النسخ المتنازع فيه حينئذ؟ فنقول: نعم.
الان اذا بدك ان النبي عليه الصلاه والسلام اخبرنا ابتداء ان هذا الموضوع سيرفع في اخر الزمان، هذا لا يعتبر نسخ، يعني هذا بغاية إلى متى سينتهي مفعول هذا الامر، أنا خبرتك بذلك ابتداء، والله اعلم نعم.
قال وحينئذ فنقول العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم نبه المسيح فص، وحين اذا فنقول نعم.
نعم قال: فالعلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوة المسيح لا يتوقف على العلم بان من قبلهما بشر بهما، بل طرق العلم بالنبوة متعدده، فاذا عرفت نبوته بطريقه بطريق من الطرق ثبتت نبوته عند من علم ذلك، وان لم يعلم انه قبله ان من قام به يعني هذه قاعده علميه يعني، ثبوت نبوه محمد عليه الصلاه والسلام ليس مرتبطا بحصول التبشير به ممتاز.
فاذا انت ثبتت لك نبوة النبي عليه الصلاه والسلام بطريق من الطرق، حتى ولو لم تعلم ان عيسى بشر به، أنت يلزمك أن تؤمن به، يعني فلا تربط بين موضوع البشارة وموضوع النبوة نعم.
قال: لكن يقال: اذا كان الواجب او الواقع لانه لابد من اخبار من قبله بمجيه، وأن الاشعار بنسخ شراعه من قبله واجب او واقع، صار ذلك شرط النبوة، ومن علم نبوته علم ان هذا قد وقع ولم ينقل اليه.
اذا قال المعارض: عدم اخبار من قبله به قد يقدح نبوته، فانه اذا قدر انه لم يخبر به من قبله والاخبار شرط نبوته كذلك كان ذلك قادحا، قدحا في النبوه.
قيل: الجواب هنا من طريقين؛ احدهما أن يقال: اذا علمت نبوته بما قام عليه من علام النبوة، فاما أن يكون تبشير من قبله به لازما لنبوته واجبا او واقعا، واما أن لا يكون لازما؛ فلم يكن لازما لم يجب وقوعه، وان كان لازما علم انه قد وقع، وان كان ذلك منكون قد وقع ولكن لم ينقل الينا.
فهمتم كيف الجواب؟
فاذا قال معارض: عدم اخبار من قبله به قد يقدح في نبوته، فانه اذا قدر أن من قبله لم يخبر به من، فانه اذا قدر أنه لم يخبر به من قبله، وقلنا أن الاخبار والتبشير به شرط في النبوة، فان فلم فاذا لم يحصل هذا، صار ذلك قادح في نبوة هذا الشخص.
نقول: الجواب هنا من طريقين؛ اذا علمت نبوة لهذا الشخص بما قام عليه من دلائل النبوة واعلامها، فاما أن يكون التبشير به ليس لازما، واما أن يكون لازما.
اذا كان مش لازم خلصنا، اذا كان لازما فهنا سنعلم انه هذا الرجل قامت الدلائل كلها على نبوته، فاذا بالتاكيد حصل التبشير به ممن قبله، ولكن لم يصل الينا بطريق صحيح نعم هكذا يفكر نعم.
ليس كل ما قالته الانبياء علمناه ووصل الينا، وليس كل ما اخبر به المسيح ومن قبله من الانبياء وصل الينا، وهذا مما يعلم بالاضطرار نعم.
قال: ولو قدر أن هذا ليس في الكتب الموجوده التي لم ينزل ان المسيح من قبله لم يذكروه، بل بل يمكن أنهم ذكروه وما نقل، ويمكن انه كان في كتب غير هذه، ويمكن انه كان في في نسخ، نسخ غير هذه النسخ التي فازيل من بعضها ونسخت هذا التبشير، وتكون تلك النسخ التي هو موجود فيها غير هذه النسخ التي بين ايدي هؤلاء، فكل هذا احتمالات ممكنه في العادة لا يمكن الجزم بنفي شيء منها.
فانا مش ممكن شخص ثبتت عليه كل دلائل النبوة اقول: لا بس هو مش نبي؛ لانه لم يثبت التبشير به، طب ما هو من قال لك انه لم يبشر به؟ على فرضيه ان التبشير به لازم اصلا نعم.
قال: فلو قدر انه ليس بهذه الكتب الموجوده اليوم بايدي اهل الكتاب لم يقطع بان الانبياء لم يبشر لم يبشروا به.
فاذا لم يمكن لليهود أن يقطعوا بان المسيحيه لم تبشر بالانبياء، ولا يمكن لاهل الكتاب أن يقطعوا بان محمد لم تبشر به الانبياء، لم يمكن معهم علم بعدم ذلك، بل غاية ما يكونوا عند احدهم ظن كونه طلب ذلك فلم يجده.
أنا هو ظن أنه انتحاول تبحث من بشر فلم تجد، فقط ظن، لكن انت لا تستطيع أن تلزم بذلك.
طيب، ودلائل نبوة المسيح ومحمد عليه الصلاه والسلام قطعية يقينية لا يمكن أن يقدح فيها بمثل هذا الظن الوارد، فإن الظن لا يدفع اليقين، لا سيما مع الآثار الكثيرة المخبرة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا باسمه الصريح فيه هو منقول عن الأنبياء، كما في صحيح البخاري أنه قيد لعبد الله بن عمرو: أخبرنا بعض صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، طبعا عبد الله بن عمرو كان قارئا، فقال: قال أنه موصوف في التوراة بعض صفاته في القرآن: يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفَظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يدفع بالسيئة الحسنة، يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملّة العوجاء، فيفتُح به أعْيُنا عُمْيَا، وآذانا صُمًّا، وقلوباً غُلْفاً، بأن يقولوا: لا إله إلا الله.
ولفظ التوراه والنجيل والقران والزبور قد يراد به الكتب معينه، وقد يراد به الجنس، يعبر بلفظ القران عن الزبور وغيره، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ»، فكان ما بين أن تُسْرَج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن، والمراد به قرآن وهو الزبور وليس مراد به القرآن الذي يزل إلا على محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ما جاء في صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم: أنجيلهم في صدورهم، فسمى الكتب التي يقرونها هي وهي قرآن إنجيل.
وكذلك في التوراة: إني ساقيم لبني اسرائيل نبيا من اخوتهم، انزلوا عليه توراه مثل توراه موسى، فسمى الكتاب الثاني توراة.
فقوله: اخبرني بصفه اخبرني بصفه الرسول في التوراه قد يراد بها نفس الكتب القادمه كلها، وكلها تسمى التوراه، فيكون يعني نقول أن كلمة قرآن توجيل أي وحتى الإنجيل أن هذه يمكن أن يعبر بها عن كل الكتب السماوية على سبيل التجوز، وليس فقط عن الكتاب المقصود طيب.
بسم الله.
وقد يرد به التوراه المعينه، وعلى هذا فيكون هذا في نسخه لم تنسخ من هذه النسخ، فان النسخ الموجوده بالتوراه التي وقفنا عليها ليس فيها هذا -لاحظوا ابن تيميه واقف على نسخ التوراه- لكن هذا عندهم في نبوة اشعياء قال فيها نعم.
بسم الله قال: عبدي الذي سرت به، الذي سرت به نفسي، أي أنزل عليه وحي فيظهر في، فيظهر في الأم فيظهر في الأم عدل، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، قال: والاذان الصم، ويحي القلوب، فيضحك يعني لا يكون ضحكه إلا تبسماً، يعني كان هذا نفي الضحك الذي هو كثرة الضحك أو الضحك على غير طريقة الأدب نعم.
قال: ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه، لا أعطي أحدا، يحمد الله حمداً جديداً، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البرية وسكانها، يهللون الله على كل شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، قال مشقح ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة بل، بل يكون.
مشقحنا عندنا في نسختنا.
طيب مش قال بل بل يقوي الصديقين وهو ركن المتواضعين.
قال وو مشقح كمحمد يعني مع وزنا ومعنى، يعني هو بمعنى كلمة محمد مشقح يعني محم محمد، اللهم صل على نبينا محمد.
قال: وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفى، قال: أثر سلطانه على كتفيه.
قال: وهذه صفات منطبقه على محمد صلى الله عليه وسلم وامته، وهي من اجل بشارات الأنبياء المتقدمين به.
قال: ولفظ التوراة قد عرف انه يراد به جنس الكتب التي يقر بها أهل الكتاب، فيدخل في ذلك الزبور ونب ونبوة اشعيا وسائر النبوات غير الإنجيل.
قال: فان كان المراد بلفظ التوراة والإنجيل في القرآن هذا المعنى، فلا ريب أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة كثير متعدد ظاهر، كما سنبين بعضه، وحينئذ فتكون التوراة في قوله: يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل متناولا لجنس الكتب التي يقر بها أهل الكتاب، ولفظ الإنجيل يختص بما عند النصارى، ولهذا لم يذكر كونه في الزبور مع أنه مذكور فيه، إذ كان مندرجا في لفظ التوراة، فهون كانت التوراة بالمعنى العام يعني الذي يشملت الكتب السابقة نعم.
الطريق الثاني من الجواب أن نبين أن الأنبياء قبله بشروا به، وهذا هو دليل مستقل على نبوته وعلم عظيم من أعلام رسالته، وهذا أيضا يدل على نبوة ذلك النبي إذ أخبر بأنباء بأنباء من الغيب مع دعوة النبوة، وإذ يدل على نبوة يدل على نبوة ذلك النبي السابق يقصد؛ لأنه أعطى علما من أعلام النبوة اللاحقة نعم.
ويدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاخبار من ثبتت نبوته بنبوته، هذا اذا وجد الخبر ممن لا نعلم نحن نبوته.
تمام يعني اذا في شخص من الاقدمين بشر بالنبي عليه الصلاه والسلام، فهذا نستدل به على نبوة ذاك الشخص، هذا اذا كانت نبوته ليست معروفه لدينا، اما اذا كان مشهوره زي داوود وسليمان فيعني ليس هذا يعني هو الدليل الابرز على نبوته نعم.
قال: واما من ثبتت نبوته بطريق اخرى كموسى والمسيح عليهم السلام، هذا مما تظاهر فيه الادله، يعني مما يعني دليل على دليل، يعني خير على خير، ولكن ليس هو الدليل الوحيد، وايضا يتضمن أن كل ما ثبتت به نبوة غيره فانه تثبت به نبوته، وهو جواب ثان لمن جعل ذلك شرطا لازما لنبوته نعم.
قال: فصل، ثم العلم بأن الأنبياء قبله بشروا به يعلم من وجوه؛ أحدها ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب من ذكره.
الثاني: اخبار من وقف على تلك الكتب وغيرها من كتب أهل الكتاب ممن أسلم ومن لم يسلم، بما وجدوه من ذكره فيها، وهذا مثل ما تواتر عن الانصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه، وأنه رسول الله وأنه موجود عندهم، وكان هذا من اعظم ما دعا الانصار الى الايمان به، لما دعم الى الاسلام، حتى امن الانصار به وبايعوه من غير رهبة ولا رغبة، ولهذا قيل إن المدينة فتحت بالقرآن لم تفتح بالسيف كما فتح غيرها.
ومثل ما تواتر عن اخبار النصارى بوجوده في كتبهم، مثل اخباره رقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصر صاحب الاسكندريه، والنجاشي ملك الحبشة، والذين جاؤوه بمكة، وقد ذكر الله ذلك في القرآن في قوله عن اليهود: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89].
وقال عن النصارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83].
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: 52-53].
وقال ابن اسحاق باسناده: قال ان اليهود كانوا يستفتحون عن ابن عباس، أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه.
فقال معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداوود بن سليمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن اهل شرك وتخبرونا بانه مبعوث وتصفونه بصفته.
فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا شيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فانزل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89].
وقال أبو العليه وغيره: كانوا يعني اليهود إذا استنصروا، إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشرك العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم.
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وراوا انه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون انه رسول الله، فانزل الله هذه الآيات: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89].
وقال وروى ابن اسحاق باسناده عن رجال من، قال باسناده قالوا: ومما دعانا الى الاسلام مع رحمة الله وهداه، انا كنا نسمع من رجال يهود، كنا كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثام، وكانوا اهل، وكانوا أهل الكتاب عن، وكانوا أهل الكتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فاذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يب يبعث الآن نتبعه فنقتل فنقتلكم معه قتل عاد و إرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسوله، فلما بعث الله رسول رسوله صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله، اجبنا حين دعانا الى الله، وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفرنا وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 89] الآية.
قال ابن اسحاق قال باسناده عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: والله اني لغلام يفعة، يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين، أعقل كل ما أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يقول على أطم يثرب يصرخ: يا معشر
لما اجتمعوا عليه قالوا: ما لك ويلك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة.
وروى أبو زرعة: حسان بن ثابت عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، فهو من الأقدمين في المدينة، يعني كان كبيراً أصلاً عندما جاء الإسلام. وقال وروى أبو زرعة بإسناده عن زيد بن حارثة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردف، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقيه زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن عمرو، ما لي أرى قومك قد شنفوك؟ قال: أما والله إن ذلك لغير ثائرة كانت مني فيهم، لكني أراهم على ضلال فخرجت أبتغي هذا الدين.
قال: فخرجت أبتغي هذا الدين، فأتيت إلى أحبار يثرب فوجدتهم يعبدون الله ويشركون، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي. فخرجت حتى أتيت أحبار خيبر، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغيه. فقال لي حبر من أحبار الشام: إنك لتسال عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخاً بالجزيرة. فخرجت فقدمت عليه فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كل من رأيت في ضلالة فمن أنت؟ قال: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرض، يعني المنطقة التي يظهر فيها هذا النبات. فقال: إنه حجاز. فقال: إنه قد خرج في بلدك نبي أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه وآمن به. فرجعت فلم أحس شيئاً بعد.
قال: فئاخ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره، فقدمنا إليه سفرة، فقال زيد: ما آكل شيئاً ذبح لغير الله. فتفرق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت، قال زيد: وأنا معه، وكان صنمان من نحاس يقال لهما إساف ونائلة مستقبل الكعبة، قال: يتمسح بهما الناس إذا طافوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسهما ولا تمسح بهما. قال زيد: فقلت في نفسي وقد طفنا: لأمسنهما حتى أنظر ما يقول. قال: فمسستهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تنه؟ قال: فلا والذي أكرمه ما مسستهما حتى أنزل الله عليه الكتاب. ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يبعث أمة واحدة.
فهؤلاء يسمون بالموحدين في أناء أزمنة الفترات، هؤلاء الموحدون كانوا قلة، ومنهم ورقة، ورقة ممكن يعتبر البعض أنه لحق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن زيداً كان باحثاً عن التوحيد وعن تطبيقه، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن شاء الله من أهل الجنة. وموطن الشاهد في القصة هو أن زيد بن عمرو بن نفيل لما ذهب إلى الأحبار أخبروه أنه سيخرج من أرض الجزيرة نبي، وهذا موطن الشاهد، والتبشير الذي حصل.
وقال ابن إسحاق بإسناده عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان بين أبياتنا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان. فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثاً كائن بعد موت، وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك يا فلان أو ويلك، وهذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون في أعمالهم؟ قال: نعم، هكذا كان الأوس والخزرج يعني كانوا يعبدون الأصنام وما كانوا يؤمنون بالبعث مثل عامة أهل الجزيرة. قال: نعم، والذي يحلف به لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم التنور في داركم فتحمونه ثم تقذفوني فيه ثم تطينون عليه واني أنجو من تلك النار غداً. فقيل: يا فلان فما علامة ذلك؟ قال: نبي يبعث.
هذا اليهودي بيقول: وددت لو أنكم عملتم ناراً في الدنيا وعملتم تنوراً وحطيتوني فيه وسكرتم علي بس أهم شيء أني ما أفوت نار الآخرة، يعني اليهودي عم بيبين أن نار الآخرة مرعبة. فقيل: يا فلان فما علامة ذلك؟ قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن، لأن مكة واليمن هي في الجنوب، جنوب المدينة، وهذه هي موطن الشاهد من القصة، التبشير الذي حصل.
قالوا: فمتى تراه؟ فرمى بطرفه فرآني وأنا مضجع بفناء باب أهلي وأنا أحدث القوم، فقال: نظر إلى سلمة بن سلامة كان جالس على دكة البيت فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدرك، يعني هذا الغلام إذا مكتوب له يعيش رح يدرك زمن هذا النبي. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وانه لحي بين أظهرهم، فآمنا به وصدقناه، وكفر به بغياً وحسد. فقلنا له: يا فلان لست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا؟ فقال: ليس به، يعني مش هو النبي الذي قلت لكم عنه.
وعن أنس بن مالك أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمريض، فآتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي، أنشدك بالله الذي أنزل التوراه على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله. وهذا موطن الشاهد أن التوراة هم أنفسهم أخبروا أنها بشرت به، واني أشهدا أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أقيموا هذا من عند رأسه. ثم قال: ولُّوا أخاكم، يعني تولوا تغسيله وتكفينه ودفنه، نعم لأنه مات هذا الغلام.
وقال ابن إسحاق بإسناده عن شيخ من بني قريظة قال: هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد؟ هؤلاء ثلاثة نفر من يهود العرب فيما أعلم أنهم من يهود العرب، لم يكونوا من بني قريظة وبني النضير بل كانوا فوق ذلك. فقلت: لا. قال: فانه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس خيراً منه. فقدم علينا قبل مبعث النبي بسنين، وكنا إذا أُقحطنا وقل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان أخرج فاستسقي لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة. فنقول: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر أو مدين من شعير فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه فنستسقي، فوالله ما يقوم بمجلسه حتى تمر السحاب وتنزل مطر.
قال فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. فحضرته الوفاة واجتمعوا إليه، فقال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ الخمر والخمير الشام إلى أرض البؤس والجوع عندكم أرض الحجاز كانت فقر. قالوا: أنت أعلم. قال: فانه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أضل زمانه، وهذه البلاد مهاجر، فاتبعوه ولا تستبقن إليه إذا خرج، يعني ما حدا يسبقكم إليه أنتم اسبقوا يا معشر يهود، فانه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه. ثم مات.
فالنبي عليه الصلاة والسلام بعث بالسيف. فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة في غزوة الأحزاب بعد انتهاء غزوة الأحزاب، كان هؤلاء الثلاثة الفتية وكانوا شباناً أحدثا، يا معشر يهود، والله أنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان. هم اليهود في ليلة الفتح التي فتحت فيها قريظة، هؤلاء الثلاث شبان قالوا لجماعة يهود من بني قريظة: يا جماعة هذا النبي هو الذي بشركم به ابن الهيبان، بتذكروا زمان لما اجانا في الجاهلية؟ فقالوا: ما هو به. بتعرفوا اليهود وعنادهم. قالوا: بلى والله. هذول الشباب الثلاث قالوا: لا، هو بصفتهم. ثم نزلوا فاسلموا وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم. قال ابن إسحاق: فلما فتح الحصن، فتح حصن بني قريظة، النبي عليه الصلاة والسلام رد ذلك على هؤلاء الثلاثة.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما حدثه عن هرقل، وقد تقدم حديثه في أول الكتاب. إذاً كل هذا الفصل هو استقراء للأحاديث والقصص التي وردت في السيرة والتاريخ من تبشير اليهود والنصارى بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: وذكر فيه أن هرقل لما سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ما تقول حقاً، إنه نبي، قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحبت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال وزاد البخاري في حديثه وقال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاء ينظر في النجوم، فنظر فقال: إن ملك الختان قد ظهر. النبي عليه الصلاة والسلام هكذا قيل لقب في كتبهم، إنه يأمر بالختان، شريعته تأمر بالختان. قال: فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: تختتن اليهود فلا يهمنك شانهم، وابعث إلى من في مملكتك من اليهود فيقتلوهم. ثم وجد إنسان من العرب فقال: انظروا أَمُخْتَتَنٌ هو؟ فنظروا فإذا هو مختتن، وسأله عن العرب فقال: يختنون. وقال: طلع مش اليهود بس اللي يختنون، طلع برضه العرب عندهم يختنون.
وقال فيه: وكان برومية صاحب له كان هرقل نظيره في العلم، فأرسل إليه وسرى إلى حمص، فلم يرم من حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي وأنه نبي. وكذلك النجاشي ملك الحبشة لما هاجر الصحابة إليه لما آذاهم المشركون وخافوا أن يفتنوهم عن دينهم وقرأوا عليه القرآن، قال: فاخذ عوداً بين أصبعيه وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، يعني ما تجاوزت في وصفه هذا العود، معناه وصف القرآن له دقيق.
قال: فتنخرط بطريقته، فقال: وإن نخرتم اذهبوا فانتم سيوم بأرضي، يعني أنتم آمنون. وقال هذا لأن قريشاً أرسلوا هدايا إليه وطلبوا منه أن يرد هؤلاء المسلمين، وقالوا: هؤلاء فرقوا ديننا وخالفوا دينك.
وقال في الصحيح حديث ورقة بن نوفل الذي ترويه عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، قال: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد ليالي ذوات العدد، إلى أن قالت: فاتت به خديجة ورقة بن نوفل وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، فقالت: اسمع من ابن أخيك. فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني فيها، ليتني كنت جذعاً أنصرك إذ يخرجك قومك ومخرجيهم. قال ورقة: نعم، لم يأت أحد مثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي بعد أيام.
وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلاً أو قريب من ذلك وهو بمكة من النصارى حين ظهر خبره بالحبش، فواجدوه في المجلس، فكلموه وسالوه ورجال من قريش في أنديتهم، فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لترتادوا لهم فتاتونهم خيبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم، أو كما قالوا لهم.
فقالوا: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا عملنا ولكم عملكم. ويقال فيهم نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مَن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 52-53].
وبالإسناد عن جبير بن مطعم قال: سمعت ابن جبير يقول: لما بعث الله نبيه وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرة أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمين الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قالوا: فأخذوا بيدي فادخلوني ديراً لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظر هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته. فادخلوني ديراً أكبر من.
ذلك الدير فيه صور أكثر مما في ذلك الدير. فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا لي: انظر هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا، وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: اللهم نعم أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده.
شوف هذا التبشير كان صورته موجودة عندهم مرسومة. قال رواه البخاري في تاريخه، وقال فيه: قال الذي أراه الصور: لم يكن نبي إلا كان بعده نبي إلا هذا النبي. ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة.
قال وروى موسى بن عقبة أن هشام بن العاص ونعم صاحب كتاب المغازي ونعيم بن عبد الله ورجلاً آخر قد سماه، بعثوا إلى ملك الروم زمن أبي بكر. قال: فدخلنا على جبلة بن الأيهم وهو بالغوطه. فذكر الحديث وانه انطلق بهم إلى الملك، وأنهم وجدوا عنده شبه الربعة العظيمة مذهبة، وإذا فيها أبواب صغار، ففتح فيها باباً فاستخرج منها خرقة حرير سوداء فيها صورة بيضاء، وذكر صفة آدم. ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة وفيها صورة نوح ثم إبراهيم ثم أراهم. طبعا الربعة هي مثل الوعاء الذي توضع فيه الأشياء.
ثم أراهم حريرة فيها صورة محمد صلى الله عليه وسلم وقال: هذا آخر الأبواب ولكني عجلته لأنظر ما عندكم. ثم فتح أبواباً أخر وأراهم صورة بقية الأنبياء موسى وهارون وداود وسليمان وعيسى بن مريم عليهم السلام، وصفة لوط وصفة إسحاق. وذكر أن هذا عندهم قديماً من عهد آدم وأن دانيال صورها بأعيانها، أنه هذه كل الصور هي صنعها دانيال صور الأنبياء ووضعها جوة هذه الربعة جوة هذا الوعاء، وكان صور الأنبياء محفوظة قبل أن يأتي الأنبياء وهذا من التبشير بهم.
قال وروي مثل هذا عن المغيرة بن شعبة أنه لما دخل على المقوقس ملك مصر والأسكندرية ملك النصارى قال: أخرج له صور الأنبياء وأخرج له صورة النبي عليه الصلاة والسلام على شكل تمثال أو على شكل صورة فعرفها. وهذا كله من التبشير.
والوجه الثالث نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجوداً في كتبهم؛ فانه لا ريب عند كل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم من مؤمن وكافر أنه كان من أعقل أهل الأرض. فإن المكذبين له لا يشكون في أنه كان عنده من الخبرة والمعرفة والحفظ ما أوجب أن يقيم مثل هذا الأمر العظيم الذي لم يحصل لأحد مثله لا قبله ولا بعده. فعلم ضرورة أنه لا يفعله ولا يخبر به -وهو من أحرص الناس على تصديقه وأخبرهم بالطرق التي يصدق بها، وأبعدهم عن أن يفعل ما يعلم أنه يكذب به- فلو لم علم أنه مكتوب عندهم بل علم انتفاء ذلك لامتنع أن يخبر بذلك مرة بعد مرة ويستشهد به ويظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه.
فإن هذا لا يفعله إلا من هو أقل الناس عقلاً، لأن فيه إظهار كذبه عند من آمن به منهم وعند من يخبرونه، وهو ضد مقصوده. وهو بمنزلة من يريد إقامة شهود على حقه فيأتي إلى من يعلم أنه لا يكذب، ويعلم أنه ليس بشاهد ولا حضر قضيته، ويقول: هذا يشهد لي وهذا يشهد لي، فإنهم كانوا حاضرين هذه القضية. فيقول أولئك: لسنا نشهد له ولا حضرنا هذه القضية. فهذا لا يفعله عاقل يعلم أنهم لم يكونوا حاضرين وأنهم يكذبونه ولا يشهدون له.
الرابع أن يقal لما قامت الأعلام على صدقه فقد أخبر أنه مكتوب في الكتب المتقدمة، وأن الأنبياء أبشروا به، علم أن الأمر كذلك. لكن هذا لا يذكر إلا بعد أن يقام دليل منفصل على نبوته، والطريق الأول هو من أظهر الحجج على أهل الكتاب وأظهر الأعلام على نبوته. وقد استخرج غير واحد من العلماء من الكتب الموجودة الآن في أيدي أهل الكتاب من البشارات بنبوته مواضع متعددة وصنفوا في ذلك مصنفات، وهذه البشارات في هذه الكتب من جنس البشارات بالمسيح.
واليهود يقرون باللفظ لكن يدعون أن المبشر به ليس هو المسيح عيسى بن مريم وإنما هو آخر ينتظرون، وهم في الحقيقة لا ينتظرون إلا المسيح الدجال وينتظرون أيضاً مجيء المسيح عيسى بن مريم إذا نزل من السماء كما بسط في موضع آخر. ويحرفون دلالة اللفظ ويقولون إنها لا تدل على نبي منتظر، كما قالوا في قوله: ساقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك يا موسى أنزل عليه مثل توراة موسى أجعل كلامي على فيه.
قال بعضهم: ليس هذا إخباراً بل هذا استفهام إنكاري، وقدروا ألف استفهام وليس في النص شيء من ذلك. فاليهود يحرفون الدلالات المبشرة بالمسيح، وذلك عند المسلمين والنصارى لا يقدح في البشارات بالمسيح بل تبين دلالة النصوص عليه وبطلان تحريف اليهود. وكذلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة لا يقدح فيها تحريف أهل الكتاب اليهود والنصارى بل تبين دلالة تلك النصوص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبطلان تحريف أهل الكتاب؛ يعني وظيفتنا نحن أن نبين دلالة تلك النصوص الصحيحة وأن أهل الكتاب يتلاعبون بها.
الوجه الخامس أن يقال معلوم أن ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم في مشرق الأرض ومغاربها أعظم حادث حدث في الأرض. لم يعرف قط دين انتشر ودام كانتشاره ودوامه؛ فإن شرع موسى وإن دام لم ينتشر انتشاره ودوامه بل كان غاية ظهوره ببعض الشام. وأما شرع المسيح فقبل قسطنطين لم يكن له ملك بل كانوا يكونون ببعض بلاد روم وغيرها، وكانوا مستضعفين تقتل أعيانهم أو عمتهم في كثير من الأوقات، ولما انتشر تفرق أهله فرقاً مبينة يكفر بعضها بعضاً.
ثم إن شرع محمد صلى الله عليه وسلم ظهر في مشارق الأرض ومغاربها وفي وسط الأرض المعمورة الإقليم الثالث والرابع والخامس. وظهرت أمته على النصارى في أفضل بلادهم وأجلها عندهم كأرض الشام ومصر والجزيرة وغيرها، ودام شرعه فله اليوم أكثر من سبعمائة سنة.
ومعلوم أن هذا المدعي للنبوة -سواء كان صادقاً أو كاذباً- لابد أن يخبر به الأنبياء، فإنهم أخبروا بظهور الدجال الكذاب تحذيراً للناس مع أن الدجال مدته قليلة. فلو كان ما يقوله المكذب لمحمد صلى الله عليه وسلم حقاً وأنه كذب ليس برسول لكانت فتنته أعظم من فتنة الدجال من وجوه كثيرة، لأن الذين اتبعوه أضعاف أضعاف من يتبع الدجال، فلو كان كاذباً لكان الذين افتتنوا به أضعاف أضعاف من يفتتن بالدجال. فكان التحذير منه أولى من التحذير من الدجال، إذ ليس في العالم من زمن آدم إلى اليوم كذاب ظهر ودام هذا الظهور والدوام، فكيف تغفل الأنبياء التحذير عن مثل هذا لو كان كاذباً؟
وإذا كان صادقاً فالبشارة للإيمان به أولى ما يبشر به الأنبياء من المستقبلات فيخبرها وتخبر. فعلم أنه لابد أن يكون في الكتب ذكره. ثم قد وجد مواضع كثيرة في الكتب السابقة تزيد على مائة موضع استدلوا بها على أنه مذكور، وتواتر عن خلق كثير من أهل الكتاب أنه موجود في كتبهم، وتواتر عن كثير ممن أسلم أنه كان سبب إسلامهم أو من أعظم أسباب إسلامهم أنهم وجدوه في علمهم بذكره في الكتب المتقدمة؛ إما بأنه وجد ذكره في الكتب كحال كثير من أسلم قديماً وحديثاً، وإما بما ثبت عندهم من أخبار أهل الكتاب كالأصار فإن كان من أعظم أسباب إسلامهم ما كانوا يسمعونه من جيرانهم أهل الكتاب من ذكره ونعته وانتظارهم إياه، وأن من خيارهم من لم يسكن أرض يثرب مع شدتها ويدع الشام إلا لانتظاره لهذا النبي العربي الذي يبعث به من ولد إسماعيل.
ولم يكن أحداً قط أن ينقل عن شيء من الكتب أنه وجد فيها ذكره بالذم والتكذيب والتحذير، كما يوجد ذكر الدجال في الكتب السابقة بالذم والتكذيب والتحذير. وعند أهل الكتاب من ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كعمر بن الخطاب موجود في كتبهم، وذكر عدله وسيره عن المسيح وغيره ما هو معروف عندهم؛ يعني مش فقط النبي عليه الصلاة والسلام موجود بل حتى عمر.
فإذا كان الذين استخرجوا ذكره من كتب أهل الكتاب والذين سمعوا خبره من علماء أهل الكتاب إنما يذكرون نعته فيها بالمدح والثناء، علم بذلك أن الأنبياء المتقدمين ذكروه بالمدح والثناء ولم يذكروه بذم ولا عيب. وكل من ادعى النبوة ومدحوا الأنبياء وأثنوا عليه لم يكن إلا صادقاً في دعوة النبوة، إذ يمتنع أن الأنبياء يثنون على من يكذب في دعوة النبوة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93].
وهذا مما يبين أنه لابد أن يكون الأنبياء ذكروه وأخبروا به وأنهم لم يذكروه إلا بالثناء والمدح لا بالذم والعيب. وذلك مع دعوة النبوة لا يكون إلا إذا كان صادقاً في دعوة النبوة، فتبين أنهم بشر بنبوته وهو المطلوب.
يبين ذلك أن الأنبياء أخبروا أهل الكتاب بما سيكون منهم من الأحداث وما يسلط عليهم من الملوك الذين يقتلونهم ويخربون بلادهم ويسبونهم كبختنصر وسنحاريب. ولكن هؤلاء الملوك لم يدعوا أنهم أنبياء ولم يدعوا إلى دين، فلم تحتاج الأنبياء إلى تحذير من اتباعهم. وقد حذر من اتباع من يدعي النبوة وهو كاذب. ومحمد صلى الله عليه وسلم قد قهر أهل الكتاب وقتل من قتل وسب من سب وأخرجه من ديارهم، فلا بد أن يذكروه ويذكروا الأحداث التي تجري عليهم في أيامه، وإذا كان كذباً مدعياً لنبوة فلابد أن يحذرهم من اتباعه.
ومعلوم أن عامة هذا الكتاب ومن نقل عنهم إما أن يقول: ليس موجوداً في كتبنا، أو يقول: إنه موجود بالمدح والثناء، فلا يمكن أحد أن ينقل عن الكتب المتقدمة أنه موجود فيها بالذم والتحقير. ولو كان مذكوراً عندهم بالذم والتحقير لكان من أعظم ما يحتجون به عليه في حياته وعلى أمته بعد مماته.
ويحتج به من لم يسلم منهم على من أسلم، فإنه معلوم أن كثيراً من أهل الكتاب كان عندهم من البغض له والعداوه وتكذيبه والحرص على إبطاله والحرص على إبطال أمره ما أوجب أن يفتروا أشياء لم توجد وينسب إليه أشياء يعرف كذبها كل من عرف أمره؛ حتى آل الأمر ببعضهم إلى أن فسروا قول المسلمين الله أكبر بأن أكبر صنم، وأن النبي أمرهم بتعظيم هذا الصنم. وقال بعضهم في أنه أوجب الزنا على المرأة المطلقة ثلاثاً عقوبة لزوجها بأنه لا ينكحها حتى يزني بها غيره. وقال بعضهم إنه تعلم من بحيرة الراهب -مع علم كل من عرف سيرته أنه لم يجتمع ببحيره وحده ولم يره إلا بعض النهار مع أصحابه لما مروا به لما قدموا الشام في تجارة، وأن بحيره سالهم عنه ولم يكلمه إلا كلمات يستخبره فيها عن حاله ولم يخبره بشيء- ومع طعن بعض أهل الكتاب فيه بأنه بعث بالسيف حتى قد يقول قد إنما قام دينه بالسيف، وحتى يهم الناس أن الذين اتبعوه إنما اتبعوه خوف من السيف، وحتى يقولوا إن الخطيب إنما يتوكأ على سيف يوم الجمعة إشارة إلى أنه إنما يقوم الدين بالسيف، إلى أمثال هذه الأمور التي هي من أظهر الأمور كذباً عليه يعرف أدنى الناس معرفة بحاله أنها كذب.
وهم مع هذا يتشبثون بها، فلو كان عندهم أخبار على الأنبياء توجب ذمه والتحذير من متابعته لكان إظهارهم لذلك واحتجاجهم به أقوى وأبلغ، وكان ذلك مما يجب في العادة اشتهاره بين خاصتهم وعامتهم قديماً وحديثاً، وكان ظهور ذلك فيهم أولى من ظهور خبر الدجال فيهم وفي المسلمين. فإن هذا الأمر من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله واشتهاره، فاذا لم يكن كذلك علم أنه ليس في كتب الأنبياء ما يوجب تكذيبه. وقد قام دليل على أنه لابد أن تذكره الأنبياء وتخبر بحاله، فإذا لم يخبروا أنه كاذب علم أنهم أخبروا أنه نبي صادق كما شاع ذلك وظهر واستفاض من وجوه كثيرة.
الكتاب الذي بعث به مملوء بشهادة الكتب له، والكتب الموجودة فيها مواضع كثيرة شاهدة له من وجوه متعددة، والأخبار متواترة عمن أسلم لأجل ذلك، وهذا مما يوجب القطع بأنه مذكور فيها بما يدل على صدقه في دعوة النبوة وليس فيها ما يخبر بكذبه وتحذير منه، وهذا هو المطلوب.
وفي الجملة أمره أظهر وأشهر وأعجب وأبهر وأخرق للعادة من كل أمر ظهر في العالم من البشر. ومثل هذا إذا كان كاذباً فلكذبه لوازم كثيرة جداً تفوق الحصر متقدمة مقارنة متاخرة، فإن من.
هو أدنى دعوة منه إذا كان كاذباً لزم كذبه من اللوازم ما يبين كذبه، فكيف بمثل هذا؟ فإذا انتفى المكذوب انتفى الملزوم.
قال: وصدقه لازم لأمور كثيرة، فكلها تدل على صدقه، وثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم مقارنة ومتأخرة. قال: ومدعي النبوة لا يخلو من الصدق أو الكذب، وكل من الصدق والكذب له لوازم، فأدلة الصدق مستلزمة له، وأدلة الكذب مستلزمة له.
فصدقه يعرف بنوعين؛ بثبوت دلائل الصدق المستلزمة لصدقه، وبانتفاء لوازم الكذب الموجب انتفاؤها انتفاء كذبه، كما أن كذب الكذاب يعرف بأدلة كذبه المستلزمة لكذبه، وبانتفاء لوازم الصدق المستلزم انتفاؤها لانتفاء صدقه.
قال والشيء يعرف تارة بما يدل على ثبوته، وتارة بما يدل على انتفاء نقيضه، وهو الذي يسمى قياس الخلف، فإن الشيء إذا انحصر في شيئين، لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، ومن انتفاء أحدهما ثبوت الآخر.
ومدعي النبوة إما صادق وإما كاذب، وكل منهما له لوازم يدل انتفاؤها على انتفائه، وله ملزومات يدل ثبوتها على ثبوته، فدليل الشيء مستلزم له كأعلام النبوة ودلائلها وآيات الربوبية وأدلة الأحكام وغير ذلك.
وانتفاء الشيء يعلم بما يستلزم نفيه كانتفاء وازمه؛ مثل صدق الكاذب، يقال: لو كان صادقاً لكان متصفاً بما يتصف به الصادقون، وكذلك كذب الصادق يقال: لو كان كذاباً لكان متصفاً بما يتصف به الكذاب، فإنه قد عرف حال الأنبياء الصادقين والمتنبئين الكاذبين، فانتفاء لوازم الكاذب دليل على صدقه، كما أن ثبوت ما يستلزم الصدق دليل صدقه.
وكذلك الكذاب يستدل على كذبه بما يستلزم الكذب وبانتفاء لزوم صدقه، وهكذا سائر الأمور.
قال فصل: ومما ينبغي أن يعرف مما قد نبهنا عليه غير مرة، أن شهادة الكتب المتقدمة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إما شهادتها بنبوته، وإما شهادتها بمثل ما أخبر به هو من الآيات البينات على نبوته ونبوة من قبله، فهو حجة على أهل الكتاب وعلى غير أهل الكتاب من أصناف المشركين والملحدين.
كما قد ذكر الله هذا النوع من الآيات في غير موضع من كتابه؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]، وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: 94]، وقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 43].
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 83-84].
وقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِم يَخِرُّون لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّون لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109].
قال: وذلك مثل قوله في التوراة ما قد ترجم بالعربية: جاء الله من طور سينا، وبعضهم يقول: تجلى الله من طور سينا، وأشرق من سعير، واستعلن من جبال فاران.
قال كثير من العلماء واللفظ لأبي محمد بن قتيبه: ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سينا انزاله التوراة على موسى من طور سينا، كالذي هو عند اهل الكتاب وعندنا.
وكذلك يجب أن يكون اشراقه من سعير انزاله الانجيل على المسيح، وكان المسيح من سعير أرض الخليل بقرية تدعى ناصرة، وباسمها يسمى من اتبعه نصارى، وكما وجب أن يكون إشراقه من سعير بالمسيح، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله التوراة على محمد صلى الله عليه وسلم، وجبال فاران هي جبال مكة.
قال: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة، فإن ادعوا أنها غير مكة فليس ينكر ذلك من تحريفهم وأفكهم، وإلا فهي معروفة منذ القدم أنها تسمى فاران.
قلنا: أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي انزل عليه كتاباً بعد المسيح؟
قال: أو ليس استعلن وعلنهما بمعنى واحد، وهما ما ظهر وانكشف؟ فهل تعلمون ديناً ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشرق الأرض ومغربها فشاء؟
وقال ابن ظفر: سعير جبل بالشام منه ظهرت نبوة المسيح. قلت: وبجانب بيت لحم القرية التي ولد فيها المسيح قرية تسمى إلى اليوم سعير، ولها جبل يسمى سعير، وفي التوراة أن نسل العيص كانوا سكاناً بسعير، وأمر الله موسى ألا يؤذيهم، وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقاً.
أي جبل حراء الذي ليس حول مكه جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وحوله من الجبال جبال كثيرة، حتى قد قيل إن بمكة اثني عشر ألف جبل، وذلك المكان يسمى فاران إلى اليوم، والبرية التي بين مكة وطور سينا تسمى برية فاران.
ولا يمكن أحد أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه، وقال في الأول: جاء أو ظهر، وقال في الثاني: أشرق، وفي الثالث: استعلن.
وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس زاد به النور والهدى، وأما نزول القرآن فهو بمنزله ظهور الشمس في السماء.
ولهذا قال: واستعلن من جبل فاران؛ فإن النبي عليه الصلاه والسلام ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، كما يظهر نور الشمس إذا استعلت في مشرق الأرض ومغاربها، ولهذا سماه الله سراجاً منيراً، وسمى الشمس سراجاً وهاجاً، والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت وكما قيل، وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلاً ونهاراً سرًّا وعلانية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها».
وهذه الاماكن الثلاث أقسم الله بها في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 1-8].
فأقسم بالتين والزيتون وهو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح، قال: وأنزل عليه فيها الإنجيل.
وأقسم بطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة.
وأقسم بالبلد الأمين وهي مكة، وهو البلد الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه، وهو الذي جعله الله حرماً آمناً يتخطف الناس من حولهم خلقاً وأمراً قدراً وشرعاً؛ فإن إبراهيم حرمه ودعا لأهله فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
جعل البيت الحرام آمناً من حيث الخلق والقدر، ومن حيث الأمر والشرع؛ لأنه أمر ألا يقاتل فيه وألا تسفك فيه الدماء، فهو من حيث الشريعة أمر بذلك، ومن حيث القدر شاء ذلك هذا الذي يقصد.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125].
فاخبر الله أن إبراهيم دعا الله بأن يجعل مكة بلداً آمناً، واستجاب الله دعاء إبراهيم وذكر ذلك في غير موضع، وبها بنى إبراهيم البيت كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]، وإذ يبوء الناس إلى الذي ببكة فيه آيات بينات مقام إبراهيم.
طيب فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وحرماً آمناً يجب إليه ثمرات كل شيء، وأيضاً في العنكبوت: حرماً آمناً، وهذا البلد الأمين.
وهذه كلها أقسام منه بالأمكنة الشريفة العظيمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، كما ذكر في التوراة: جاء من طور سيناء، يعني ما ورد في التوراة أنه جاء من طور سينا وأشرق من سعير، يشابه في القرآن والتين والزيتون وطور سينين، لأن التين والزيتون أرض الشام، وطور سينين مصر.
ولما كان ما في التوراة خبراً عنها، أخبر بها على ترتيبها الزماني، فقدم الأسبق فالأسبق؛ أنه بدأ أولاً بطور سيناء لأن دعوة موسى قبل عيسى بعدين عيسى، واما في القرآن فانه أقسم بها تعظيماً لشأنها، وذلك تعظيم لقدرته سبحانه وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه تدرج درجة بعد درجة، فختمها بأعلى الدرجات وهي البلد الأمين، وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فقسم أولاً بالتين والزيتون ثم بطور سينا ثم بمكة؛ لأن أشرف الكتب الثلاثة القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل.
وكذلك الأنبياء، فأقسم بها على وجه تدريجي، كما في قوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: 1-4].
فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة، فأقسم بالرياح الذاريات، ثم بالسحاب الحاملات المطر فإنها فوق الرياح، ثم بالجارية يسراً، وقيل إنها السفن، والأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: 15-16]، فسماها جواري كما سمى الفلك جوارية في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: 32].
والكواكب فوق السحاب، ثم قال: فالمقسمات أمراً، وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله.
جميل؛ يعني هذه طريقة التفكير في الأمر، يعني هذه من بدائع تفسير ابن تيمية رحمه الله عليه، والذاريات أن الذاريات هي الرياح، فالحاملات هي السحب، فالجاريات هي الكواكب، فالمقسمات هي الملائكة، فبدأ بأدناها من الأرض ثم انتهى بأعلاها.
وما ذكره ابن قتيبه وغيره من علماء المسلمين من تربية إسماعيل في برية فاران، فهكذا هو في التوراة؛ قال فيها: وغدا إبراهيم إسماعيل عليه السلام تربى في بريه فاران، وهذا في الحجاز.
قال فهكذا قال: وغدا إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزاً وسقاءً من ماء ودفعها إلى هاجر وحملها عليها، وقال لها: اذهبي.
فانطلقت هاجر فضلت في برية سبع، ونفد الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست في مقابلته على مقدار رمية بسهم لئلا تبصر الغلام حتى حين يموت، ورفعت صوتها بالبكاء، وسمع الله صوت الغلام، فدعا ملك الله هاجر وقال لها: مالك يا هاجر؟ لا تخشي؛ فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث كان، فقومي فاحملي الغلام وشدي يديك به، فإني جاعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت ماء زمزم هذا، فسقت الغلام وملأت سقائها، هكذا جاءت قصة هاجر وإسماعيل في التوراة.
فهذا خبر الله في التوراة أن إسماعيل سكن وربى في برية فاران، طبعا هي ختام القصة موطن الشاهد لاسماعيل تربى وسكن في برية فاران هكذا نهاية القصة في التوراة إذاً.
قال: فهذا خبر الله في التوراة أن إسماعيل ربي وسكن في برية فاران بعد أن كاد يموت من العطش، وأن الله سقاه من بئر ماء، وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما تربى بها.
ربي بمكة هو وأبوه، هو وأبوه إراهيم بني البيت، فعلم أن أرض مكة فاران، وهذه البشارة في تورات لهاجر بإسماعيل، وقول الله: إني جاعل لأمة عظيمة ومعظمة جداً جداً، وأن هاجر فتحت عينيها فرأت بئر ماء فدنت منها إلى آخر الكلام.
وفي موضع آخر قال عن إسماعيل إنه يجعل يده فوق يده للجميع، ومعلوم باتفاق الأمم والنقل أن إسماعيل تربى بأرض مكة، فعلم أنها فاران، وأنه هو وأبراهيم بني الذي ما زال محجوجا من عهد إراهيم تحج العرب وغير العرب من الأنبياء وغيرهم، كما حج إليه موسى بن عمران ويونس ابن متى، كما في الصحيح من رواية ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال: «أي واد هذا؟». فقالوا: هذا وادي الأزرق. فقال: «كأنني أنظر إلى موسى هابطاً من الثنية واضعاً أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية ماراً بهذا الهادي». قال: «ثم سرنا حتى أتينا على ثنية». فقال: «أي ثنية هذه؟». قالوا: هرشة. فقال: «كأنني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف خطام ناقته ليف خلبة ماراً بهذا الوادي ملبياً».
وفي رواية: «أما موسى فرجل آدم جعد». وهرشة هنا يقول في الحاشية: وجبل بقرب الجحفة على طريق مكة.
قال: وفي رواية: «أما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مختوم بخلبه». قال: ولما بعث الله محمدا أوجب حجه على كل أحد، فحجت إليه الأمم من مشرق الأرض ومغاربها، والبئر التي شرب منها إسماعيل وأمه هي بئر زمزم، وحديثها مذكور في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت المنطق -اللي هو يوضع على الخاضرة- اتخذت منطقاً ليعفي أثرها على ساره، ثم جاء بها إلى -ليعفى أثرها على ساره طيب أو ليعفي عندك- أي لتخفي أثرها على ساره.
أكمل قال: ثم جاء بها إراهيم وابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزمة في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ليس فيه أنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا.
قال: ثم رجعت، فانطلق إراهيم حتى إذا كان عند ثنيته حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات فقال: ﴿رَبِّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل قالت: وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء وعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو طلقت كراهية أن تنظر إليه- فوجدت الصفا -أقرب جبل في الأرض يليها- فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى من أحد فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلذلك سعى الناس بينهما».
فلما أشرفت المروة سمعت صوتاً فقالت: صه -تريد نفسها- فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غياث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، قال: فبحث بعقبه أو قلب جناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا تغرف من الماء في سقائها وهو يخور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو لم تغرف من الماء- لكان عيناً معيناً». قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كرابية تأتيه السيول فتأخذه عن يمينه وشماله، وذكر تمام الحديث: وأن بئر زمزم قد عميت ثم أحياها عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وصارت السقاية في ولده في العباس وأولاده -عميت اختفت في الأرض- يسقون منها ويسقون أيضاً الشراب الحلو، والشرب من ذلك سنة، والله تعالى قال: الشرب من الماء زمزم سنة في الحج.
والله تعالى قال في إسماعيل: إني جاعل لأمة عظيمة ومعظمة جداً جداً، وهذا التعظيم المؤكد بجدا جداً يقتضي أن يكون تعظيماً مبالغاً فيه، فلو قدر أن البيت الذي بناه لا يحج إليه أحد، وأن ذريته ليس منهم نبي -كما يقوله كثير من أهل الكتاب- لم يكن هناك تعظيم مبالغ فيه جداً جداً، إذ أكثر ما في ذلك أن يكون له ذرية، ومجرد كون الرجل له نسل وعقب لا يعظم به إلا إذا كان في ذرية مؤمنون مطيعون لله، وكذلك قوله: أجعله لأمة عظيمة، إن كانت تلك الأمة كافرة لم تكن عظيمة، بل كان يكون أباً لأمة كافرة، فعلم أن هذه الأمة العظيمة كانوا مؤمنين وهؤلاء يحجون البيت، فعلم أن حج البيت مما يحبه الله ويأمر به، وليس في أهل الكتاب إلا المسلمون من يحج إليه، فعلم أنهم هم الذين فعلوا ما يحبه الله ويرضاه.
قال: وأنهم وسلفهم الذين كانوا يحجون البيت أمة أثنى الله عليها وشرفها، وأن إسماعيل عظمه الله جداً جداً بما جعل في ذريته من الإيمان والنبوة، وهذا هو كما امتن الله على نوح وإراهيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: 26]، وقال في الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: 27]، وقال في نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]، فععلم بذلك أن في إسماعيل وذريته معظمون عند الله ممدوحون، وأن إسماعيل معظم جداً جداً كما عظم الله نوحاً وإراهيم وإن كان إراهيم أفضل -وإن كان إراهيم أفضل من إسماعيل- لكن المقصود أن هذا التعظيم له ولذريته إنما يكون إذا كانت ذريته معظمة على دين حق، فهؤلاء يحجون إلى هذا البيت، ولا يحج إليه بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم غيرهم، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
أيضاً فهذا التعظيم المبالغ فيه الذي صار به ولد إسماعيل فوق الناس لم يظهر إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنها حق ومبشر بها، فهذا نعت محمد صلى الله عليه وسلم لا نعت المسيح، فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق ملوك الأرض وأممها حتى امتلت الأرض منه ومن أُمته من مشرق الأرض ومغاربها وسلطانه دائم لم يقدر أحد -فهذا نعت محمد صلى الله عليه وسلم نعت المسيح، قال هذه مكانها المناسب عند بشارة دانيال أخفز عنها بالله-.
ومثل هذا بشارة أخرى بمحمد صلى الله عليه وسلم من كلام شمعون بما رضوه من ترجمتهم، وهو: جاء الله بالبينات من جبال فاران، وامتلات السماء والأرض من تسبيحه وتسبيح أُمته، قال: فهذا تصريح بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالنبوة من جبال فاران وامتلات السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته، ولم يخرج أحد قط وامتلات السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته مما يسمى فار سوى محمد صلى الله عليه وسلم، والمسيح لم يكن في أرض -يعني لم يخرج أحد قط امتلات السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته عبر التاريخ إلا محمد عليه الصلاة والسلام- فتعتبر هذه بشارة به، فإن المسيح لم يكن بأرض فاران البته، موسى إنما كل من الطور، والطور ليس من أرض فاران، وإنما كانت البرية التي بين الطور وأرض الحجاز -هذه المنطقة بين مصر والحجاز تسمى فاران- فلم ينزل الله فيها التوراه، وبشارة التوراه قد تقدمت بجبل الطور، وبشارة الإنجيل بجبل سعير.
ومثل هذه أيضاً أي من البشارات -كما نقل في نبوة حبقوق أنه قال- جاء حبقوق عندنا، جاء الله من التيمن وظهر القدس على جبال فاران وامتلات الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر.
ومن ذلك ما في التوراه التي بأيديهم في السفر الأول منها وهي خمسة أسفار في الفصل التاسع في قصة هاجر لما فرقت ساره وخاطبها الملك فقال: يا هاجر من أين أقبلتِ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحالة قال: ارجعي فإني أكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون، وأنتِ تحبلين وتلدين ابناً سميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك، وولدك يكون وحشي الناس، ويكون يده فوق الجميع ويد الكل به، ويكون على تخوم جميع إخوته.
هون مكتوب يعني في نسخة باء: أخشى الناس، وما ثبت من باقي الأصول ما في المصادر وسفر التكوين: وانه يكون إنساناً وحشياً، أحياناً الوحشي كيف الحيوان الوحشي الذي لا يُؤتانس بالناس يعني بحب الخلوات زي ما بتحكي وحدة.
قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن فوق أيدي بني إسحاق، بل كان في بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد، ثم خرجوا منها لما بعث موسى وكانوا مع موسى أعز أهل الأرض لم يكن لأحد عليهم يد، ثم مع يوشع بعده إلى زمن داود، وملك سليمان الذي لم يؤتى أحد مثله، وسلط عليهم بعد ذلك بخت نصر -زي ما مر معنا على اليهود- فلم يكن لبني إسماعيل عليهم أمر أيضاً، حتى في هذه الحالة لما بعث المسيح وخرب بيت المقدس الخراب الثانية حيث أفسدوا في الأرض مرتين من حينئذ زال ملكهم، فقط الله في الأرض أمامه وكانوا تحت حكم الروم والفرس، لم يكن للعرب عليهم حكم أكثر من غيرهم، ولم يكن لولد إسماعيل سلطان على أحد من الأمم، ولم تكن يد ولد إسماعيل فوق الجميع حتى بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا به إبراهيم لولد إسماعيل حيث قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129].
فلما بعث صارت يد ولد إسماعيل فوق الجميع، فلم يكن في الأرض سلطان أعز من سلطانهم، وقهروا فارس والروم وغيرهم من الأمم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين، فظهر بذلك تحقيق قوله في التوراه وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به، وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر.
فإن قيل: هذه بشارة بملكه وظهوره. قيل: الملك ملكان؛ ملك ليس فيه دعوة نبوة وهذا لم يكن لبني إسماعيل على الجميع، وملك صدر عن دعوة نبوة، فإن كان مدعي النبوة كاذباً قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93]، وقال: وهذا من شر الناس وأكذبهم وأظلمهم وأفجرهم، وملكه شر من ملك الظالم الذي لم يدعي نبوة كبخت نصر وسنحاريب، هو دعى النبوة كذباً وحكم بها.
وقال: ومعلوم أن الأخبار بهذه لا يكون بشارة ولا تفرح ساره وإبراهيم بهذا، كما لو قيل: يكون جباراً طاغياً يقهر الناس على طاعته -لو هكذا قالوا لساره هل ستفرح به؟ ويقتلهم ويسبي حريمهم ويأخذ أموالهم بالباطل- فهذا ليس بشارة يبشر بها ولا يُسر المخبر به، وإنما يكون بشارة تسره إذا كان ذلك بعدل، وكان علو محموداً لا إثم فيه، وذلك من مدعي نبوة لا يكون إلا وهو صادق لا كاذب.
قال فصل: وقال داود في الزبور في قوله: سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أُرفته وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة بايديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم به من الأمم الذين لا يعبدون.
وهذه الصفات إنما تنطبق على صفات محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في أذانهم الصلوات الخمس، وعلى الأماكن العالية -كان مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا، وفي صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قفل من على الجيش كبر ثلاثاً إذا علا على ثنية أو فدفد وفي صحيح البخاري-.
قال عن أنس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعة والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر -لما إذا علا على راحلته-.
وعن أبي هريرة: إني أريد أن أُسافر فأوصني يا رسول.
الله قال بتقوى الله والتكبير على كل شرف على كل جبل أو منطقة مطلع وصك بتقوى الله والتكبير على كل شرف في سنن ابن ماجه وعن ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم جيوشه إذا علوا الثنا يكبرون، وهم يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في أعيادهم عيد الفطر وعيد النحر.
يعني بدأ ابن تيمية يستقرئ مواطن التكبير بصوت مرتفع وأنه كان يكبر في قُبَّته بمنى في أيام الحج، وكان ابن عمر وابن عباس يخرجان إلى الأسواق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبرون على قرابينهم على الأضاحي فنقول: بسم الله والله أكبر. ويكبرون إذا رموا الجمار، ويكبرون في الطواف عند محاذاة الركن (الله أكبر) لما تأتي إلى الركن الأسود، وكل هذا يجهرون به فبالتكبير غير ما يسرونها يعني سوى ما يسرونه.
قال تعالى من ذكر صوم رمضان: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. وقال في الهدي: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: 37]. والنصارى يسمون عيد المسلمين عيد الله أكبر لظهور التكبير فيه، وليس هذا لأحد منهم لا أهل الكتاب ولا غيرهم غير المسلمين، وإنما كان موسى يجمع بني إسرائيل بالبوق، والنصارى يجمعونهم بالنواقيس، وأما تكبير الله بأصوات مرتفعة إنما هو شعار المسلمين.
فإذا الأذان شعار المسلمين في الصحيح: أنه كان إذا غزا قوماً لم يُصبح حتى يُصبح، فإن سمع أذانًا اللي هو التكبير أمسك، وفي لفظ مسلم: كان يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا من القرية أمسك عن غزوهم؛ لأن هذه إشارة إلىسلامهم وإلا أغار. وحديث عصام المزني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال: إذا رأيتم منزلاً وسمعتم مناديًا -والمنادي هو الذي يكبر ابتداء (الله أكبر الله أكبر)- فلا تقتلوا أحدًا.
وكذلك قولهم با وكذلك قوله داوود بأيديهم سيوف ذات شفرتين، وهي السيوف العربية التي بها فتح الصحابة وأتباعهم البلاد، وقوله: يسبحونه على مضاجعهم. بيان للناس المؤمنين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويصلي الفرض أحدهم قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب، فلا يتركون ذكر الله في حال، يذكرونه حتى في هذه الحال، ويصلون في البيوت على المضاجع، والصلاة أعظم التسبيح كما في قوله تعالى: ﴿فسبحان﴾ سبحان الله حين تنسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيًا وحين تظهرون ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]. وفي الصحيحين: اقرا عن جرير بن عبد الله قال كنا جلوسًا تفسير التسبيح بأنه صلاة.
هذا تفسير صحيح، يريد يقول لك إن داوود لما قالوا يسبحون على مضاجعهم، تفسير التسبيح بأنه الصلاة تفسير صحيح لا يعني إشكال فيه، نعم. قال عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوه». ثم قرأ قال تعالى: ﴿وسبح﴾ وسبح بحمد ربك. فاستدل بالتسبيح على الصلاة ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ قالوا هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ هي صلاة العصر، نعم.
قال: وهذا معنى قول داوود: سبحوا الله تسبيحًا جديدًا. والتسابيح التي شرعها الله جديد جديدة قالك: الصلوات الخمس التي شرعها للمسلمين جديدًا يعني شيء جديد ليس مما كان قبلهم، نعم. قال: ولما أقامها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك. قال: فكان الأنبياء يسبحون في هذه الأوقات كما يدل تسبيح كما يدل التسبيح المقدم وتسو وذلك هو التسبيح المقدم هكذا في نسختنا فكان الأنبياء يسبحون الله وذلك هو التسبيح القديم، والتسبيح الجديد للمسلمين بصورته وهيئته التي نزل بها أخيرًا، نعم.
قال: ولا يمكن أن يكون ذلك للنصارى؛ لأنهم لا يكبرون الله بأصوات مرتفعة ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم الله به من الأمم، بل أخبارهم تدل على أنهم كانوا مغلوبين مع الأمم لم يكونوا يجاهدونهم بالسيف، بل النصارى قد تعبوا من يقاتل الكفار بالسيف، ومنهم من يجعل هذا من معيب محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ويغفلون ما عندهم من أن الله أمر موسى بقتال الكفار فقاتلهم بنو إسرائيل بأمره وقتلهم يوشع وداوود وغيرهما من الأنبياء وإبراهيم الخليل قتل لدفع الظلم عن أصحابه.
قال فصل: وقال داوود في مزاميره وهي الزبور: من أجلي هذا بارك الله عليه إلى الأبد عليك فتقلد أيها الجبار السيف؛ لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك اركب كلمة الحق وسمت التأله؛ لأن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك. قالوا: ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داوود سوى محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرجت الأمم تحته وقرنت شرائعه بالهيبة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «صرت بالرعب مسيرة شهر». وقد أخبر داوود أن له ناموسًا وشرائع، وخاطبه بلفظ الجبار إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، وهو صلى الله عليه وسلم نبي رحمة ونبي والمحمة ومته وأشد وعد الكفار رحماء وبينهم أدلة على المؤمنين عزت عن الكافرين إلى آخرة.
قالوا: وقال داوود في مزمور: إن ربنا عظيم محمود جدا وفي ترجمة إلهنا قدوس ومحمد قد عم الأرض كلها فرحًا. قالوا: فقد نص داوود على اسم محمد وبلده وسماها قرية الله، وأخبر أن كلمته تعم الأرض كلها. قلت: قد تقدم الحديث الصحيح لما قيل لعبد الله بن عمر وروي أنه عبد الله بن سلام وروي لعبد الله بن سلام: أخبرنا بعض صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: إنه الموصوف في التوراة بعد صفته في القرآن. وذكر صفته موجودة في نبوة أشعياء وليست موجودة في نفس كتاب موسى، طيب.
وتقدم أن لفظ التوراة يقصدون به جنس الكتب التي عند جنس الكتب السابقة، نعم. قال: وإذا كان هذا معروفًا عندهم في التوراة والإنجيل، يراد بالتوراه جنس الكتب التي عند اهل التوراه عند أهل الكتاب عندنا، وكذلك ما يوجد كثيرا من قول كعب الأحبار وغيره مما ينقل عن أهل الكتاب: قرأت في التوراة أنما يريدون به جنس الكتب السابقة لا يخصون بذلك كتاب موسى. وإذا كان هذا معروفًا عندهم وقد غُطُّوا بهذه اللغة كان قوله: يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يراد بالتوراة عموم جنس الكتب التي عند أهل الكتاب، فيتداول ذلك كتاب موسى وزابور داوود وصحف سائر الأنبياء سوى الإنجيل؛ لأنه نص عليه بالتحديد يعني، فإنه ليس عند أهل الكتاب وإنما هو عند النصارى خاصة، طيب.
وأما سائر كتب الأنبياء فالأمتان فالأمتان فالأمتان تقر بها. قال: ويؤيد ذلك أن الله كثيرًا ما يقَرِن في القرآن بين التوراة والإنجيل وبين القرآن، وإنما يذكر الزبور مفردًا كقوله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 2-4]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: 111]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].
قال: وأهل الكتاب يجدونه مكتوبًا في الكتب التي بايديهم، وهو في كثير منها أصرح مما هو في كتاب موسى خاصة. فإذا أريد بالتوراه جنس الكتب فلا يستعاقل في كثرة ذكره ونعته ونعتلك الكتب ومعلمًا أن الله أراد بذلك الاستشهاد بوجوده في تلك الكتب وإقامة الحجة بذكره فيها. فإذا كان ذكره في غير كتاب موسى أكبر وأظهر عندهم كان الاستدلال بذلك أولى من تخصيص الاستدلال بكتاب موسى، فإذا حمل لفظ التوراه في هذا على جنس الكتب كما هو موجود في لغة من تكلم بذلك من الصحابة والتابعين كان هذا في غاية البيان والمدح للقرآن والكتب المتقدمة وتصديق بعضها بعضًا.
وقد أمرنا أن نؤمن بما أوتي النبيون مطلقًا كما قال تعالى: ﴿قُولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]. وقال: والزبور ذكر مفردًا في موضعين من القرآن. قال في قوله في قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]. وفي الآية الثانية: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: 55]. فذكر مفردًا، وذكر كتاب موسى بهذه الإضافة لا بلفظ التوراة في غير موضع وقبله كتاب موسى، نعم.
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: 10]. الشاهد ومن قبله كتاب موسى يعني أحيانًا التوراة التي نزلت على موسى أحيانًا يعبر عنها في القرآن بأنها كتاب موسى. وقال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أُنْزِلَ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ﴾ [الأنعام: 91]. قال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 154].
وإذا كان لفظ التوراه يتناول الكتب التي عند أهل الكتابين، وفي نسخة: عند أهل الكتاب جميعًا والزبور وغيره وغيره داخل في هذا الاسم وكان ظهور اسمه ونعته في التوراة ووجودهم ذلك فيما عندهم وتكرره في غاية القوة، وكان معرفتهم ذلك كما يعرفون أبناءهم واضحًا بينًا، وإن قدر هذه الكتب التي يعترف بها عامتهم لم يكتم منها شيء بل هي باقيه كما كانت، وإن قدر أن هذه الكتب التي يعترف بها عامتهم لم يُكتم منها شيء يعني ما تم كتمان أشياء منها بل هي باقية كما كانت في احتمال أنه يكون أصلاً في جزء من هذه الكتب كُتِم فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني نحن لسه كل الذي يأتي به ابن تيمية من كتب الأنبياء السابقين هذا الذي وصلنا هسه، في احتمال أصلاً أنه في جزء محذوف أو مطموس لم يصل إلينا فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا مما قال داوود في مزموره، نعم. قال: لترتاح البوادي وقراها، ولتصر لتصر أرض قيذار مروجا، وليسبح سكان الكهوف ويهتف من قلل الجبال بحمد الرب، ويذيع تسابيحه في الجزائر.
قال: فمن البوادي من الأمم سوى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن قيذار سوى ابن إسماعيل جَدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سكان الكهوف وتلك الجبال سوى العرب؟ قال فصل: قال داوود في مزمور: ويحوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض ويخر أهل الجزائر بين يديه ويلحس أعداؤه التراب، ويسجد له ملوك ملوك الفرس وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، ويخلص البائس المضطهد ممن هو أقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالمساكين والضعفاء ويصلى عليه ويبارك في كل حين.
وهذه الصفات منطبقة على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لا على المسيح؛ فانه حاز من البحر الرومي إلى البحر الفارسي ومن لدن الأنهار بجيش، بحر الرومي اللي هو البحر الأبيض المتوسط، نعم. بحر الفارسي بحر عند إيران وما حول الخليج العربي ماذا يسمى؟ نعم. قال وملاد الأنهار بجيحون وسيحون إلى منقطع الأرض بالمغرب، كما قال: «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وهو يصلى عليه وبارك في كل حين في كل صلاة في الصلوات الخمس وغيرها يقول كل من أمته: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد، فيصلى عليه وبارك.
قال: ومنه خرت أهل الجزائر بين يديه أهل جزيرة العرب وأهل الجزيرة التي بين الفرات الجزيرة الفراتية التي فيها الموصل وما حولها، وأهل جزيرة قبرص وجزائر الأندلس، نعم. وخضعت لهم ملوك الفرس فلم يبق منهم إلا من أسلم أو أدى الجزية عن يد وهم صاغرون، بخلاف ملوك الروم فإن فيهم من لم يسلم ويؤدي الجزية. قال: فلهذا خص ملوك الفرس ودانت له الأمم التي تعرفه وتعرف عامة الأمم التي تعرفه وتعرف أمته كانت إما مؤمنة به أو مسلمة له منافقة أو مهادنة مصالحة أو خائفة، وأنقذ الضعفاء من الجبارين، وهذا بخلاف المسيح فإنه لم يتمكن هذا التمكن في حياته ولا من اتبعه بعد موته تمكنوا هذا التمكن ولا حازوا ما ذكر.
وفي نبوة أشعياء قال أشعياء: قيل لي قم نظارة فانظر ماذا ترى، فقلت: أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصحابها للمنخر، للمنخر، نعم. قال: قالوا فراكب الحمار هو المسيح، وراكب الجمل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار، وبمحمد صلى الله عليه وسلم فذكر الجمل إشارة إلى نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ومما ينبغي أن يعلم، نعم.
قال فصل: ومما ينبغي أن يعرف أن الكتب المتقدمة بشرت بالمسيح كما بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أنذرت المسيح الدجال والأمم الثلاثة المسلمون واليهود والنصارى متفقون على أن الأنبياء أنذرت بالمسيح الدجال وحذرت منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما من نبي إلا وقد أنذر أُمّته المسيح الدجال، حتى نوح أنذر أمته، وسأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته: إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر فق كفاره يقرأه كل مؤمن قارئ وغير». قال: حتى الأم والأمم الثلاثة متفقون قال: إن الأنبياء بشر بمسيح من ولد داوود، فالأمم ثلاثة متفقون على الأخبار بمسيح هدى من نسل داوود، ومسيح ضلال وهم متفقون على أن مسيح ضلالة لم يأت بعد ومتفقون.
على أن مسيح الهدى سيأتي أيضاً. ثم المسلمون والنصارى متفقون على أن مسيح الهدى هو عيسى بن مريم، واليهود ينكرون أن يكون هو عيسى بن مريم مع إقرارهم بأنه من ولد داود، قالوا إن المسيح المبشر به تؤمن به الأمة كلها، وزعموا أن المسيح ابن مريم إنما بعث بدين النصارى وهو دين ظاهر البطلان، والنصارى تقر بأن المسيح.
ولهذا عندنا في نسختنا، ولهذا إذا خرج المسيح اتبعوه، يعني اليهود سيتبعون أي مسيح؟ مسيح الدجال، فيخرج سبعون ألفاً من يهود أصفهان -يهود إيران- ويسلط المسلمون على اليهود فيقتلونهم حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. والنصارى تقر بأن المسيح مسيح الهدى بعث ومقرون بأنه سيأتي مرة ثانية، لكن يزعمون أن هذا الثاني هو يوم القيامة ليجزي الناس بأعمالهم، وهو في زعمهم هو الله، والله الذي هو اللاهوت يأتي في ناسوته كما زعموا أنه جاء قبل ذلك.
وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه، وهو موافق لما أخبر به خاتم الرسل حيث قال في الحديث الصحيح: «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً»، وأما مقسطاً «فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية». وأخبر في الحديث الصحيح أنه إذا خرج مسيح الضلالة الأعور الكذاب نزل عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، قال: واضعاً يديه على منكبي ملكين، فإذا رآه الدجال انماع كما ينماع الملح في الماء، فيدركه فيقتله بحربته عند باب لد الشرقي.
بين مهرودتين يقول: بين ثوبين مصبوغين، يعني عليه ثوبين مصبوغين، عليه ثوبان مصبوغان. نعم وهذا تفسير قوله: ﴿وَإِن مِّن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: 159]. نعم، قال: أن يؤمن بالمسيح قبل أن يموت حين نزوله إلى الأرض، وحينئذ لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا يبقى إلا دين الإسلام، وهذا موجود في نعته عند أهل الكتاب، ولكن النصارى ظنوا مجيئه بعد قيام القيامة وانه هو الله، فغلطوا في ذلك كما غلطوا في مجيئه الأول حيث ظنوا أن من البداية غلطانين فيه.
واليهود أنكروا مجيئه الأول وظنوا أن الذي بشر ليس هو هذا المسيح ابن مريم وليس هو الذي يأتي آخراً، وصاروا ينتظرون غيره، وإنما هو بعث إليهم أولاً فكذبوه، وسياتيهم ثانيا فيؤمن به كل من على وجه الأرض نصراني إلا من سيقتل أو يموت، ويظهر كذب هؤلاء الذين كذبوه ورموه أمه بالفرية وقالوا إنه ولد زنا والعياذ بالله ذيمة اليهود، ويظهر كذب هؤلاء الذين غلوا فيه وقالوا إنه الله وهم النصارى.
ولما كان المسيح نازلاً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم صار بينه وبين محمد عليه الصلاة والسلام من الاتصال ما ليس بينه وبين غير محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «أولى الناس بابن مريم أنا، لأنه ليس بيني وبينه نبي». وروي: «كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها؟» وهذا مما يضرب به مناسبة اقترانهما فيما رآه إشعياء حيث قال: راكب الحمار وراكب الجمل، أنه راكب الحمار عيسى، بعديه راكب الجمل محمد عليه الصلاة والسلام.
نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل