دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (17) | المجلس التاسع والثلاثون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله بدأنا، صحيح، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى كل خير، أسأل سبحانه وتعالى أن يغفر الذنب ويستر العيوب، وأن يعيننا على قضاء هذا الطريق إليه بما يرضيه عنا، وأن يختم بالصالحات أعمالنا وبالشهادة آجالنا، وأن لا يحرمنا خير ما عنده بسوء ما عندنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا نعيش أيها الكرام في أفياء كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح مع أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عليه. وصلنا إلى فصل اعترض فيه النصارى على أهل السنة فقالوا: إذا كنتم تلوموننا على إثبات وجود ثلاثة آلهة مركبة الأب والابن وروح القدس وما يتعلق بهذه الإثباتات، فانتم أيضا مثلنا تثبتون إلها له وجه ويدان وعينان ومركب من أجزاء مع أنكم تقولون بأنه أيضا في ذات الوقت ليس بجسم، فقد تعارضتم وتناقضتم؛ كيف تقولون أنه ليس بجسم ثم تقولون أن له الصفات؟ هذا كان هو محور النقاش في ختام الدرس الماضي، وشيخ الإسلام ابن تيمية يبين كم بهذا الكلام من التخليط والتلبيس على المتلقي والسامع.

وكعادة ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه يقسم أجوبته إلى وجوه في بيان فساد هذا الاعتراض وتحليل هذا الفساد. فوصلنا إلى الوجه التاسع في بيان فساد هذا الاعتراض، فيقول ابن تيمية عليه رحمه الله تعالى: وذلك يتبين بالوجه التاسع، وهو أنكم إنما ضللتم بعدولكم عن صريح كلام الأنبياء وظاهره إلى ما تأولتموه عليه من التأويلات التي لا يدل عليها لفظه لا نصا ولا ظاهرا. فعدلتم عن المحكم واتبعتم المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فلو تمسكتم بظاهر هذا الكلام لم تضلوا؛ فإن الابن ظاهره في كلام الأنبياء لا يراد به شيء من صفات الله بل يراد به وليه وحبيبه ونحو ذلك.

وانتم فسرتم الابن بأنه أي صفة من صفات الله وأنه كلام الله إلى غير ذلك، وأحيانا فسروه بأنه علم الله -إذا بتذكر في خلال قرائتنا لهذا الكتاب فسروا الابن بأنه ماذا؟ علم الله وإرادة الله- وأحيانا يفسر أنه كلام الله. قال: وروح القدس لا يراد بها صفته، بل يراد به وحيه وملكه ونحو ذلك. فعدلتم عن ظاهر اللفظ ومفهومه إلى معنى لا يدل عليه اللفظ البتة، فكيف تدعون أنكم اتبعتم نصوص الأنبياء؟

الوجه العاشر: خلاف أهل السنة لما يثبتوا هذه الصفات، إنما تمسكنا بظاهر كلام الأنبياء لما أثبتنا صفة الوجه وغيره لله عز وجل، أما أنتم لما أثبتتم الابن بالطريقة التي أثبتموها بها وما شابه ذلك، انتم فسرتم هذه الأمور بخلاف ظاهر كلام الأنبياء. قال الوجه العاشر: أنكم بالغتم في ذم المسيح وأنجيله كما بالغتم في سب الله وشتمه -وإن كنتم لا تعلمون أن ذلك ذنب- فلم ترضوا أن تجعلوا ظاهر كلام المسيح ما أنتم عليه من الكفر، حتى جعلتم ظاهره كفرا لا ترضونه مثل ثلاثة آلهة متفقة أو متفرقة، أو ثلاثة أجسام مؤلفة، أو ثلاثة أجزاء مفرقة، أو ثلاثة أشخاص مركبة.

فهذا ونحوه هو الذي دعيتم أنه ظاهر كلام المسيح عليه السلام، وأنتم لا تقولون بهذا الظاهر بل تكفرون بل تكفرون قائله كما يكفر المسلمون من يقول بالظاهر الذي هو التجسيم والتمثيل. وهذا ما يتضمن أن كلام المسيح ظاهر في إثبات ثلاثة آلهة وثلاثة أشخاص مؤلفة وثلاثة أجزاء متفرقة وثلاثة أشخاص مركبة، كما زعمتم أن ظاهر القرآن تجسيم وأنكم عدلتم عن هذا الظاهر إلى إثبات الأقانيم الثلاثة التي جعلتم فيها كلمة الله يا ابنه وهو جوهر خالق يساويه في الجوهر، وأن المسيح هو هذا الابن المساوي للآب في الجوهر خالق العالمين وديان يوم الدين والجالس فوق العرش عن يمين الرب وأنه إله حق من إله حق والروح أيضا إله ثالث والآلهة الثلاثة إله واحد.

وهذا الذي ذكرتموه فيه من عيب المسيح وذمه ما ينتصر الله به للمسيح ممن افترى عليه منكم ومن غيركم؛ فإن المسيح عليه السلام على قولكم لم يفصح لكم بأمانة تعتقدونها ولا بتوحيد تعرفون به ربكم عز وجل، بل تكلم بما ظاهره إبات ثلاثة آلهة وثلاثة أجسام مركبة وثلاثة أجزاء متفرقة، وأنكم انتم أصلحتم ذلك حتى جعلتموه ثلاثة أقانيم ووضعتم تلك الأمانة المخالفة لعقول ذوي العقول ولكل كتاب جاء به رسول، مع أن المسيح لم ينطق بتثليث قط ولا باتحاد ولا بما يدل على ذلك، وعمدتم على ما نقله متى عنه دون الثلاثة أنه قال: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس».

وهذا الكلام -إذا هي خلاصه ما يريد أن يقوله- أنه انتم جعلتم ظاهر كلام المسيح كفر لا ترضونه، فتاولتم كلام المسيح لتاتوا بمعني انتم تظنونه صحيح لكنه هو كفر أيضا، بس هو مشكلته في اعتقادكم أنه كفر، هو يريد أن يقول انتم كما سببت الله وشتمتموه انتم شتم المسيح وذممتموه وإن كنتم لا تعلمون أنكم ذممتموه ضمنيا. كيف انهم ذموا المسيح؟ لما توهمتم أن ظاهر كلام المسيح كفر لا يرضى، هذا الذي دفعكم إلى أن تأولوا كلام المسيح بطريقة أخرى، فهذا ذم للمسيح من حيث لا تدرون.

أن يكون ظاهر كلام المسيح كفر كما تزعمون أن ظاهر القرآن تجسيم وما شابه ذلك وأنه يجب أن يؤول، فإذا انتم تعتبرون أن ظاهر كلام الأنبياء عبارة عن كفريات وتمثيلات يجب أن يؤول. وهذا الكلام ظاهره بل نصه حجة على خلاف قولكم، وانه أراد بالابن نفسه وهو الناسوت ولم يرد به صفة الله، وأراد بروح القدس ما أيده الله به أو روح القدس الذي نفخ في أمه حتى حبلت به ولم يرد به صفة الله تعالى.

فتأولتم كلامه على خلاف ظاهره تأويلا يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول، فكيف تدعون أنكم تمسكتم بظاهر كلامه؟ ولما كان قول النصارى في التثليث متناقضا في نفسه لا حقيقة له، صار مجرد تصوره التام كافيا في العلم بفساده من غير احتياج إلى دليل، وإن كانت الأدلة تظهر فساده. ماذا يريد أن يقول؟ قول النصارى بمجرد أن تتصور وتصور تام مباشرة بتعرف أنه خطأ بدون الحاجة أن تستدل على خطأه، أحيانا بعض الباطل لوضوح أنه باطل تكلف البحث عن أدلة لتفسده، هو فقط مجرد أن تتصور خلاص بتعرف أنه متناقض بالتالي هو باطل لا أحتاج أن أبحث وأتعمق وأدرس حتى أعرف أن هذا هو على خلاف الحق.

ولهذا سلك طائفة من العلماء في الكلام معهم هذا المسلك، وهو أن مجرد تصور مذهبهم كاف في العلم بفساده، فانه غير معقول. وقالوا إن النصارى ناقضت في اللفظ وأحالت في المعنى، فلا يجوز أن يعتقد ما يدعون انتِحاله لتناقضه، وذلك أنهم يزعمون أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، وهذا لا يصح اعتقاده لأنه لا يجوز أن يعتقد المعتقد في شيء أنه ثلاثة مع اعتقاده فيه أنه واحد؛ لأن ذلك متضاد.

وكذلك فليس يخلو من أن يعتقد أنه ثلاثة أو أنه واحد ويحتاج أن يعرف بدليل بطلان قول من ادعى أن الواحد ثلاثة وأن الثلاثه واحد، لأن ذلك أصلا لا يعقل، يعني مش تحتاج انت إلى دليل الدليل لا يحتاج إليه في الضروريات. فما كان ضروريا صحته أو ضروريا فساده لا يطلب له دليل، لأن ذلك لا يعقل، وهو كمن ادعى في الشيء أنه موجود معدوم أو قديم محدث، أو في الجسم أنه قائم قاعد متحرك ساكن، يعني كل من ادعى اجتماعا عن نقيضين هذا لا يحتاج إلى دليل لبيان فساد قوله؛ لأنه من بدهيات العقول أن النقيضين لا يجتمعان.

وإذا كان كذلك فتناقضهم أظهر من أن يحتاج فيه إلى دلالة. وإذا قال النصارى أنه أحدي الذات ثلاثي الصفات قيل: لو اقتصرتم على قولكم أنه واحد له صفات متعددة لم ينكر ذلك عليكم جمهور المسلمين، بل ينكرون تخصيص الصفات بثلاث، فإن هذا باطل من وجوه متعددة؛ منها أن الآب عندكم هو الجوهر ليس هو صفة، فلا يكون له صفة إلا الحياة والعلم فيكون جوهرا واحدا له صفتان أصلا مش ثلاثة على طريقتكم يعني، حتى قولكم أحادية الذات ثلاثية الصفات ما راح تزبط أنه شو هي الثلاثية عندكم؟ آب، روح القدس الذي تفسرونه بالصفة هو الابن وروح القدس فقط، أما الآب انتم لا تفسرونه بصفة تفسرونه بجوهر، فحتى قولكم ثلاثي الصفات مش ضابط معكم يعني.

فيكون جوهرا واحدا له أقندان -وانتم جعلتم ثلاثة أقانيم- ومنها أن صفات الرب لا تنحصر في العلم والحياة؛ لأنه كما قلت فسروا الابن بالعلم وفسروا روح القدس بالحياة، فيقول صفات الله لا تنحصر في العلم والحياة بل هو موصوف بالقدرة وغيرها. ومنها أنكم تارة تفسرون روح القدس بالحياة وتارة بالقدرة وتارة بالوجود، وتفسرون الكلمة تارة بالعلم وتارة بالحكمة وتارة بالكلام. فبطلان قولكم في إثبات ثلاث صفات كثير، وانتم مع هذا تجعلون كل واحدة منها إلها، فتجعلون الحياة إلها والعلم إلها، وهذا باطل.

وأما من لم يثبت الصفات من المسلمين وغيرهم فيردون عليكم من وجوه أخرى، كقول بعضهم: إذا قيل ألستم تقولون أن الأبعاد الكثيرة تكون إنسانا واحدا، والآحاد الكثيرة عشرة واحدة، والأجسام الكثيرة دارا واحدة ومدينَة واحدة، وما جرى هذا المجرى مما هو أكثر من أن يحصى وأظهر من أن يخفى، فكيف عبتم ذلك من النصارى ولما أنكرتم أن يكون ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا؟

قيل إن قولنا انسان واحد ودار واحدة وعشرة واحدة وما يجري هذا المجرى أسماء تنبئ عن الجمل لا عن آحاد. وإذا قلنا انسان واحد فكأن قلنا جملة واحدة، وكذلك إذا قلنا عشرة واحدة لا أنا نثبته واحدا في الحقيقة، وكيف ونحن نقول أن أبعاد الإنسان متغيره فكل بعض منها غير سائرها، وكذلك كل واحد من العشرات غير سائرها. فنحن وإن قلنا انسان واحد فلسنا نثبته شيئا واحدا في نفسه، ولو أثبتنا ذلك لتناقضنا مناقضة النصارى، وإنما قلنا هي جملة واحدة.

ولو قالت النصارى مثل ذلك لم تتناقض حتى يزعموا أنها ثلاثة أشياء جملة واحدة، فيكون مرادهم في ذلك بوصفهم الأقانيم الثلاثة بأنها جوهر واحد مما نريد بقولنا الأبعاد الكثيرة أنه انسان واحد، فيكون وصفهم لها بأنها جوهر إنما ينبئ أنها جملة، وليس هذا مما يذهبون إليه ولا يعتقدونه ولا يجعلون له معنى؛ لأنهم لا يعطون حقيقة التثليث فيثبتون الأقانيم الثلاثة متغيرة، ولا حقيقة التوحيد فيثبتون القديم واحدا ليس باثنين ولا أكثر من ذلك.

وإذا كان ذلك كذلك فما قالوه هو شيء لا يعقل ولا يصلح اعتقدوه، مشكلتهم قال لأنهم لا يعطون حقيقة التثليث، يعني وين التناقض في كلامهم؟ أنه انتم لا أعطيتو حقيقة التثليث وهي ثلاثة أشياء متغايرة؛ لأنكم تثبتون الأقانيم الثلاثة متغايرة تماما، ولا حقيقة التوحيد فيثبتون القديم -يعني هم لا يعطون حقيقة التثليث فيقولون الأقانيم الثلاثة متغايرة لأنهم بيجوا بقولوا لك أنها في النهاية واحد، ولا حقيقة التوحيد فيثبتون القديم واحدا ليس باثنين ولا أكثر لأنهم بيجوا يفسروه في مقامات أخرى بأنه مركب من ثلاثة أشياء آب وابن وروح قدس-.

أنت لا أنت أعطيتني تثليث حقيقي ولا توحيد حقيقي، أنت بدك الثلاثة تكون ثلاث وفي نفس الوقت بدك إياها تكون واحد، فهذا الكلام هو عامل تناقض. قال: وإذا كان ذلك كذلك فما قالوه هو شيء لا يعقل ولا يصلح اعتقاده، ويمكن أن يعارضوا على قولهم بكل حال، فيقال لهم: إذا جاز عندكم أن تكون ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا، فلما لا يجوز أن تكون ثلاثة آلهة جوهرا واحدا، وثلاثة فاعلين جوهرا واحدا، وثلاثة أغيار جوهرا واحدا، وثلاثة أشياء جوهرا واحدا، وثلاثة قادرين جوهرا واحدا وكل ثلاثة أشياء جوهرا واحدا وكل ما يجري هذا المجرى من المعارضة فلا يجدون الفصل أصلا.

الوجه الحادي عشر: أن غلاة المجسمة الذين يكفرهم المسلمون أحسن حالا منكم شرعا وعقلا، وهم أقل مخالفة للشرع والعقل منكم. فإذا كان هؤلاء خيرا منكم فكيف تشبهون أنفسكم بمن هو خير من هؤلاء من أهل السنة من المسلمين الذين لا يقولون لا بتمثيل ولا بتعطيل؟ وبيان ذلك أن التوراة والإنجيل وسائر كتب الله وغير ذلك مما هو مأثور عن الأنبياء فيه نصوص كثيرة صريحه ظاهرة واضحة في وحدانية الله وأنه لا إله إلا غيره. قال: وأنه لا إله غيره، وهو مسمى فيها بالأسماء الحسنى.

غلاة المجسمة بيطلعوا احسن من النصارى من أي جهة؟ من جهة أنهم غير متناقضين، خلص هم لهم قول كفري كفر بس بقول لك إنه هو منسجم مع قوله على الأقل، أما أنت يعني مجسم وغير مجسم وتثبت الشيء ونقيضه. فمن هذه الجهة يقول: المجسمة الذين يكفرهم المسلمون حالهم احسن من أحوالكم عقلا واستدلالا. قال: موصوف بالصفات العلى، وأن كل ما سواه مخلوق له، ليس فيه تثليث ولا اتحاد ولا اتحاد الخالق بشيء من المخلوقات لا المسيح ولا غيره، وفيها ألفاظ قليلة مشكلة متشابهة وهي مع ذلك لا تدل على ما.

ذكرتموه من التثليث والاتحاد، لا نصاً ولا ظاهراً، ولكن بعضها يحتمل بعض ما قلتم، وليس فيها شيء يحتمل جميع ما قلتم، فضلاً عن أن يكون ظاهراً فيه أو نصاً. بل بعضها يحتمل بعض قولكم، فأخذتم ذلك المحتمل وضممتم إليه من الكفر الصريح والتناقض القبيح ما صيرتموه أمانة لكم، أي عقيدة إيمان لكم. ولو كانت كلها تحتمل جميع ما قلتم، لم يجز العدول عن النص والظاهر إلى المحتمل، ولو كان بعضها ظاهراً فيما قلتم، لم يجز العدول عن النصوص الصريحة إلى الظاهر المحتمل. ولو قدر أن فيها نصوصاً صريحة قد عارضتها نصوص أخرى صريحة، لكان الواجب أن ينظر بنور الله الذي أيد به عباده المؤمنين، فيتبعون أحسن ما أنزل الله، وهو المعنى الذي يوافق صريح المعقول وسائر كتب الله، نعم. وذلك النص الآخر إن فهموا تفسيره، وإلا فوضوا معناه إلى الله تعالى إن كان ثابتاً عن الأنبياء.

وهؤلاء عدلوا عما يعلم بصريح المعقول، وعما يعلم بنصوص الأنبياء الكثيرة، إلى ما يحتمله بعض الألفاظ لموافقته لهواهم، فلم يتبعوا إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. ولذلك أكثر ما ضل من ضل من البشر أيها الإخوة لعدم تطبيق قواعد فهم الكلام، مع وجود الهوى في النفس. يعني أكثر اتباع الأنبياء حتى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفرق الضال، أكثر من ضل إنما ضل من جهة عدم تطبيقه لقواعد فهم الكلام، وهي قاعدة تقديم المحكم على المتشابه، ورد المتشابه المحتمل إلى المحكمات. وأنه إذا وجد متشابه مش مفهوم بالنسبة لي معناه ولم يتضح لي، أتوقف فيه خلص وأفوض معناه إلى الله كما قال، وأبقى متمسكاً بالمحكمات. أكثر من ضل إنما هو من اتباع المتشابه والوقوف عنده ومحاورة الفتنة والأخذ حوله بمساحة أكثر من مساحة التمسك بالمحكم. عود نفسك دوماً في حياتك التمسك بالمحكمات، خلص في أشياء واضحة فعلاً، وأي نص في الكتاب أو السنة وحتى في كلام العلماء في احتمالات وأشكالات وكذا، لا تجعل هذا النص أصلاً وتجعله هو أساس انطلاقك في التفكير، ما بصير. بل يبقى هذا النص إما أن يضم إلى المحكم فيفهم في ضوئه، وإما أن يفوض معناه إلى خالقه سبحانه وتعالى، نعم.

وهؤلاء عدلوا عما يعلم بصريح المعقول وعما يعلم بنصوص الأنبياء الكثيرة إلا ما تحمله بعض الألفاظ لموافقته لهواهم، فلم يتبعوا إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى. عدلوا عما يعلم بصريح العقل وما يعلم بالنصوص الكثيرة المحكمة، عدلوا إلى إيه؟ إلى ما تحتمله بعض الألفاظ فقط، إلى ما تحتمله بعض الألفاظ لموافقة هذا المعنى المحتمل لهواهم. وهيك اللي بصير أنه هذا معنى يحتمله النص، هو لا يتوافق مع المحكم، لكنه يتوافق معك، هيك فانت اخترته لأنه يتوافق مع شيء في الهوى والنفس. فلذلك قال سبحانه هذا التوصيف الدقيق: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]. يعني إيش يعني يتبعون ما تشابه منه؟ يعني بيجي على النص اللي له عدة معاني محتملة، يأخذ المعنى اللي بوفق هواه، هذا معنى أنه يتبع المتشابه، أنه يأتي إلى المعنى الموافق هواه يأخذه ولا يرد معنى المتشابه إلى المحكم تماماً. فالمتشابه هو نص يحتمل عدة معاني، لكن هذا ما الذي سيختار أو سيحدد المعنى الصحيح منها؟ ربطه بالمحكم، هو راح يعرفك المعنى الصحيح من مجموع المعاني. فإذا أنت اخترت المعنى الذي لا يتوافق مع المحكم، لكنه يتوافق مع هواك، فعندئذ أنت ممن في قلوبهم زيغ. فالذين في قلوبهم الزيغ هوى، فيتبعون ما تشابه منه، هذا معنى اتباع المتشابه، أن تختار المعنى الذي يتوافق مع هواك بمعاني الألفاظ المحتملة وليس الذي يتوافق مع المحكم، نعم.

وابتغاء تأويله، التأويل هنا على أي معنى؟ هنا التأويل قال بعضه يعني لها عدة معاني، أنه التأويل يأتي بمعنى التفسير، التأويل يأتي بمعنى معرفة حقيقة الشيء في الخارج، والتأويل يأتي بمعنى العمل بالشيء. فهنا إذا فسر بمعنى معرفة حال الشيء في الخارج وحقيقته، وبعض هذه الأمور حقائقها لا يعلمها إلا الله، وما يعلم تأويله إلا الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله. قال: وأما كفار المجسمة، فهؤلاء أعذر وأقل كفراً من النصارى، فإن هؤلاء يقولون كما يَقُولُهُ معهم النفاة ظواهر جميع الكتب هو التجسيم. ففي التوراة والقرآن من الآيات التي ظاهرها التجسيم ما لا يحصى، وليس فيها نص بما يقوله النفاة من أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا هو فوق العرش ولا يشار إليه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يدنو من شيء ولا يدنو إليه شيء، إلى نحو ذلك من النفي الذي يقوله نفات الصفات. فمعلوم أنه ليس في الكتب الإلهية لا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن ولا غير ذلك من النبوات من هذا حرف واحد، وكلها مملوءة مما يقول هؤلاء إنه تجسيم. فيقول هؤلاء: نحن اتبعنا نصوص الأنبياء ولم نعدل عنها إلى غيرها، ولم نجد في نصوصهم نصاً محكماً صريحاً بالنفي الذي يقوله نفاة الصفات، ووجدنا نصوصهم كلها بالإثبات الذي يقولون إنه تجسيم، فكان على قولنا وقولهم نصوص الأنبياء ظاهرة في التجسيم، وليس لهم نص يناقض ذلك، فاتبعنا نصوصهم. وكلما عارض إثبات الصفات لم يعارضها بنصوص صريحة على الأنبياء، لكن بحجج عقلية. فيقول هؤلاء إن النصارى خالفوا صريح المعقول وصريح كلام الأنبياء، واتبعوا قليلاً من متشابه كلامهم، ونحن اتبعنا نصوص الأنبياء ولم نخالف شيئاً من صريح نصوصهم. ولكن مخالِفنا يقول: أنا خالفنا العقل، ونحن ننازعه في ذلك، وندعي أن العقل معنا لا علينا، وأن ما يدعيه من المعقولات التي تعارض كلام الأنبياء فهي باطلة. أو يقولون: نحن والنصارى متفقون على أن لا نعارض كلام الأنبياء بالشبه العقلية، لكن نحن تبعنا كلامهم المحكم الظاهر الكثير الذي لا مخالف له من كلامهم، وهم خالفوا كلامهم الكثير المحكم واتبعوا قليلاً من المتشابه.

ويقول الغلاة من هؤلاء الذين يكفرهم أئمة المسلمين وجمهورهم الذي يحكى عنهم، أن الله ينزل إلى الأرض عشية عرفه فيعانق المشاة ويصافح الركبان، وأنه يتمشى في الأرض ويكون موطئ أقدامه مروجاً ونحو ذلك. قال: ليس هذا القول باعجب من قول النصارى ونحو ذلك، ماذا يقول هؤلاء يعني غلاة المشبهة اللي بيكفرهم عموم المسلمين غلاة المجسمة؟ ماذا يقولون أو كيف يمكن لهم أن يردوا على النصارى؟ يقولوا: ليس هذا القول الذي نقوله كغلاة مجسمة بأعجب من قول النصارى الذين يقولون إنه هو المسيح سبحانه وتعالى وأن اللاهوت والناسوت اتحد. يعني هذا قولنا ليس أسوأ من قول هؤلاء، نعم. فنحن نقول أيضاً إنه حل في بعض الأجساد المخلوقة كما يقوله النصارى، طيب. قال: أو نقول إنه تجسد كما تتجسد الملائكة والجن، وهذا أقرب من قول النصارى إنه اتحد بجسم المسيح، فإنا قد عهدنا لطائف من الملائكة تتصور في صورة بشرية، ولم نعد ملكاً صار هو والبشر شيئاً واحداً، فاذا لم يجز أن يتحد الملك بالبشر فكيف يجوز أن يتحد رب الخلائق كلهم بالبشر؟ قالوا: وقد يحل الجني في بدن الإنسي ويتكلم على لسانه، إلا أنهما جوهران ومشيئتان وطبيعتان ليس بينهما اتحاد، ولكنه دخل فيه وتكلم على لسانه. والنصارى يقولون إن رب العالمين اتحد بالبشر، فمنهم من يقول جوهر واحد، ومنهم يقول شخص واحد، ومنهم من يقول مشيئة واحدة. فلا بد لكل منهم من نوع اتحاد، وهذا أبعد من حلول الجني في الإنسي، فإذا كان ما يقولونه ممتنعاً في الجن والملائكة فكيف برب العالمين؟

ومن غلاة المجسمة اليهود من يحكى عنه أنه قال إن الله بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، وانه ندم حتى عض يده وجرى منه الندم، وهذا كفر واضح صريح. ولكن يقولون: قولنا خير من قول النصارى، فإن النصارى يقولون إنه أخذ وضرب بالسياط وبصق في وجهه، ووضع شوك على رأسه كالتاج، وصلب بين لصين، وفعل به من أقبح ما يفعل باللصوص قطاع الطرق. وقد صرح كثير منهم بأن هذا فعل باللاهوت والناسوت جميعاً، وشريعة إيمانهم تدل على ذلك، وهو لازم لمن أنكر ذلك منهم، فانه مع القول بالاتحاد الذي لابد لطوائفهم الثلاثة منه يمتنع أن تحل هذه العقبات في هذا دون ذاك. فلا يمكن في هذا، يعني في الناسوت دون اللاهوت، نعم. قال: فلا يمكن أن يحل في الناسوت دون اللاهوت، فإن هذا إنما يتصور إذا كان اثنين، ومن قال بالاتحاد امتنع عنده أن يكون هناك اثنان.

وفي الجمله، فالنصارى المثلثة إما أن يصرحوا بالاتحاد من كل وجه كاليعقوبية، وهؤلاء يصرحون بأن الآلام حلت باللاهوت. وإما أن يقولوا بالاتحاد من وجه كقول الملكية أنهما شخص واحد، وقول النسطورية هما مشيئة واحدة. وحينئذ فما قالوه من التعدد الذي يجب المباينة، وأنه لا يتصف أحدهما بما يتصف به الآخر ولا يحل به ما حل به، فيكون متناقضاً لهذا فاحسن. لأنك لما تقول إنه شخص واحد أو مشيئة واحدة أو اتحاد تام، يتناقض هذا مع قولك بماذا؟ بالتعدد والتباين. يعني أنت قولك بالتعدد والتباين بين اللاهوت والناسوت لا يتناسب مع قولك بأنه مشيئة واحدة أو شخص واحد أو اتحاد تام، نعم. فاحسن أحوالهم أن يتناقضوا في الاتحاد كما تناقضوا في التثليث، وهذه حقيقة، نعم.

وهذا حقيقة قول خيار هؤلاء، يتكلمون بالكفر وبما يناقضه، وبالتوحيد وبما يناقضه. ومعلوم أن ما يفعله بنفسه من ندم وبكاء وحزن، هو دون ما يفعله أعداؤه به من ضرب وصفع وجعل شوك على رأسه وصلبه بين اللصين. وأن استغاثته بمن يخلصه من ذلك أشد نقصاً من ندمه وحزنه، وإن قالوا فعل هذا حتى يعلم عباده التشبه به، أمكن أولئك المجسمة الكفرة أن يقولوا بكى وندم وعض يده ندماً حتى جرى الدم حتى يعلم عباده التوبة من الذنوب.

ففي الجملة، ما قال قوم من أهل الملل قولا في الله إلا وقول النصارى أقبح به، ولهذا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: لا ترحموهم، فلقد سبوا الله مسبه ما سبه اياها أحد من البشر. ولهذا يعظم الله فريتهم على الله في القرآن أشد من تعظيم افتراء غيرهم، كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَد جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 88-89] إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك. فأما شتمه فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد. وما تكذبه فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته». قال: ورواه البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. فأما تكذبه فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولداً». وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل، إنه يشرك به ويجعل له ند، وهو يعافيهم ويرزقهم ويدفع عنهم».

الوجه الثاني عشر: أن كل من يعتقد في التجسيم ما يعتقد يمكنه أن يقول كما يقوله النصارى، فإن النصارى عمدوا إلى ما هو جسد من جنس سائر أجسام بني آدم، قالوا إنه إله تام وإسان تام وليس فيه من الإلهية شيء، فما بقي مع هذا يمتنع أن يعتقد في نظائره ما يعتقد فيه. فلو قال القائل إن موسى بن عمران كان هو الله، لم يكن هذا أبعد من قول النصارى، فإن معجزات موسى كانت أعظم وانتصاره على عدوه أظهر، وقد سماه الله في التوراة إلهاً لهارون ولفرعون. فإذا قيل فيه ما قالوه في المسيح، إنه أظهر المعجزة بلاهوته وأظهر العبودية بناسوته، لم يكن بطلان هذا أظهر من بطلان قول النصارى، بل متى جوزوا اتحاد اللاهوت بالناسوت لم يمكنه دفع ذلك عن أحد ممن يدعى فيه إلا بدليل خاص. بل إذا قيل لهم: حل في كثير من الأنبياء والقداديس، لم يمكنهم نفي ذلك.

وإذا قالوا: لم يخبر بذلك أحد ولم يبشر به نبي، وهذا غير معلوم خلالهم، غاية هذا كله أنكم لا تعلمون ذلك ولم يقم عندكم دليل عليه، وعدم العلم ليس علما بالعدم. فعدم علمكم وعدم علم غيركم بشيء ليس علماً بعدم ذلك الشيء، وكذلك عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول عليه، فإن كل ما خلقه الله دليل عليه. ثم إذا عدم ذلك لم يلزم عدم الخالق، فلا يجوز نفي الشيء لعدم الدليل الدال عليه إلا أن يكون عدم الدليل مستلزماً لعدمه، كالامور التي تتوفر الهمم على نقلها إذا لم ينقل علم انتفائها. والمقصود أنكم مع العدم لا يمكنكم.

النفي العام عن غير المسيح لعدم الدليل الدال عليه، فانه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول في نفس الأمر، لا سيما وهو كان متحدا بالمسيح عندهم أكثر من ثلاثين سنة، ومع هذا فكان يخفي نفسه ولا يظهر إلا للعبودية.

فإذا قيل لهم هكذا كان متحدا بغيره من الأنبياء والصالحين ولكن أخفى نفسه لحكمة الله في ذلك، أو أظهر على نفسه بعض خواص عباده، أو أظهر طائفة لم ينقل إلينا خبره ونحو ذلك، لم يمكن مع تصديق النصارى فيما يدعونه الجزم بكذب هؤلاء، بل من جوز قول النصارى جوز أن يكون متحدا بغير ذلك من الأجسام، فيجعل كثيرا من الأجسام المخلوقة هي رب العالمين إذ كانت ليس هو متحدا بها في نفس الأمر.

فاذا اعتقدوا الاتحاد فيها كما اعتقدته النصارى في المسيح، لم يكن ثم إله في الحقيقة إلا ذلك الجسم الناسوت المخلوق، لكن ظن الضال أنه رب العالمين كما ظن عباد العجل أن العجل إله موسى.

فإذا جاز أن يتحد الرب عز وجل ببعض الأجسام، لم ينكر على أصحاب العجل إذا جوزوا أن يكون رب العالمين اتحد بالعجل وقد رأوا منه نوع خرق عادة، فليس للنصارى أن ينكروا على عباد العجل ولا عباد شيء من الأصنام إذا أمكن أن يكون الرب عز وجل حل فيها عندهم إن لم يقيموا دليلا على أن الرب لم يحل في ذلك.

فإذا قيل إن موسى عليه السلام أنكر على عباد العجل، قيل: نعم، وموسى ينكر على كل من عبد شيئا من المخلوقات، حتى لو عبد أحد الشجرة التي كلمه الله منها لأنكر عليه، فانكاره على النصارى أعظم.

وموسى عليه السلام لم يقل قط إن الله يتحد بشيء من المخلوقات ويحل فيه، بل أخبر من عظمة الله عز وجل بما يناقض ذلك، ففي التوراة من نهيه عن عبادة ما سوى الله، ومن تعظيم أمره وعقوبة المشركين به، وبما أخبر به من صفة الله عز وجل ما يناقض قول النصارى.

ولهذا كان من تدبر التوراه وغيرها من كلام الأنبياء عليهم السلام من النصارى تبين له أن دينهم يناقض دين الأنبياء كلهم، وأن ما هم عليه من التثليث والاتحاد والشرك لم يبعث به أحد من الأنبياء عليهم السلام.

وما يفعلونه من دعاء المخلوقين كالملائكة أو كالأنبياء والصالحين الذين ماتوا مثل دعائه مريم وغيرها وطلبه من الأموات الشفاعة لهم عند الله، لم يبعث به أحد من الأنبياء، فكيف وقد صوروا تماثيلهم ليكون تذكيرا لهم بأصحابها ويدعون تلك الصور؟ وإن قصدوا دعاء أصحابها فهم إذا صرحوا بدعاء أصحابها وطلبوا منها الشفاعة وهم موتى وغائبون كانوا مشركين، فكيف إذا كان الدعاء في الظاهر لتماثيلهم المصورة؟ وهذا مما يعترف حذاق علمائهم بأنه مخالف لدين الأنبياء كلهم، ولهذا وقع بينهم تنازع في اتخاذ الصور في الكنائس لما ابتدعه بعضهم كما هو مذكور في أخبارهم، ولم يأت من ابتدع ذلك بحجة شرعية.

والمجسمة يعتقدون أن الله قديم أزلي وأنه عظيم جدا، لا يقولون إنه متحد بشيء من الأجسام المخلوقه ولا يحل فيها، فمن قال باتحاده وحلوله فيها كان قوله شرا من قول هؤلاء المجسمة، كما أن المتفلسفة الذين يقولون إن الأفلاك أجسام قديمة أزلية واجبة بنفسها أو لها علة تتشبه بها كما يقوله أرسطو وذووه، أو يثبتون لها علة فاعلة لم تزل مقارنة لها كما يقوله ابن سينا وأمثاله، وهؤلاء قولهم شر من قول اليهود والنصارى ومشركين العرب الذين يثبتون للسماوات والأرض خلقا خلقها بمشيئته وقدرته.

ولو قال من قال منهم إن ذلك جسم فغايته أن يثبت جسما قديما أزليا موصوفا بصفة الكمال، فمن اثبت جسما قديما أزليا ليس موصوفا بصفات الكمال كان قوله شرا من قوله هذا.

فتبيّن أن المجسمة الذين يثبتون جسما قديما أزليا واجب الوجود بنفسه عالما بكل شيء قادرا على كل شيء مع قولهم إنه تحله المخلوقات وتقوم به الحركة والسكون، خير من قول الفلاسفة الذين يقولون إن الأفلاك أجسام قديمة أزلية واجبة الوجود بنفسها كما يقوله أرسطو وذووه، وخير من النصارى أيضا.

الوجه الثالث عشر: قولهم من قال ثلاثة آلهة مختلفة أو متفقة أو ثلاثة أشخاص مركبة أو غير ذلك مما يقتضي الاشتراك والتكثير والتبعيض والتشبيه فنحن نلعنه ونكفره.

فيقال لهم: وأنتم أيضا تلعنون من قال إن المسيح ليس هو إله حق من إله حق ولا هو مساو الأب في الجوهر، ومن قال إنه ليس بخالق، ومن قال إنه ليس بجالس عن يمين أبيه، ومن قال أيضا إن الروح القدس ليس برب حق محيي، ومن قال إنه ليس أقانيم، وتلعنون أيضا مع قولكم إنه الخالق من قال إنه الأب والأب هو الخالق، فتلعنون من قال هو الأب الخالق ومن قال ليس هو الخالق، فتجمعون بين النقيضين فتلعنون من جرد التوحيد بلا شرك ولا تثليث ومن اثبت التثليث مع انفصال كل واحد عن الآخر، وتجمعون بين النقيضين.

فمن أثبت أحدهما منفكا عن الآخر لعنتموه، كمن قال عندي واحد عندي ثلاثة، فمن قال هو واحد ليس بثلاثة كذبتموه، ومن قال بثلاثة ليس واحد كذبتموه، لازم يحكي هو واحد وهو ثلاثة في نفس الوقت إذا جمع بين النقيضين وافقتموه.

ومن قال عندي شيء موجود معدوم فمن قال هو موجود ليس بمعدوم كذبه، ومن قال معدوم ليس بموجود كذبه، ومن قال عندي شيء هو حي ميت، هو عالم جاهل، هو قادر عاجز، فمن قال هو حي ليس بميت كذبه، ومن قال هو ميت ليس بحي كذبه، فهكذا أنتم تجمعون بين قولين متناقضين أحدهما حق والآخر باطل، فمن قال الحق ونافى الباطل لعنتموه ومن قال الباطل ونافى الحق لعنتموه.

فلازم يجمع بين الحق والباطل فيثبت التوحيد ويثبت معه التثليث، الحق هو التوحيد الباطل هو التثليث، فانتم إذا أثبتم الحق وحده كذبتموه، وإذا أثبتم الباطل وحده كذبتموه، لا بد أن تجمع الحق مع الباطل هيك تكون أمورك جيدة.

وأنتم تشبهون الملاحدة من الجهمية والفلاسفة والباطنية الذين يسلبون عنه النقيضين أو يمتنعون عن إثبات أحد النقيضين، فيقولون لا نقول هو حي ولا ليس بحي، ولا هو عالم ولا ليس بعالم، ولا قادر ولا ليس بقادر، بل منهم من يقول لا نقول هو موجود ولا معدوم ولا نقول هو شيء ولا نقول ليس بشيء، ومنهم من يقول ليس بحي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز، ومنهم من يقول لا نطلق لا هذا ولا هذا.

فيققال لهم: رفع النقيضين كجمع النقيضين، والامتناع عن إثبات أحد النقيضين كالامتناع عن نفي أحد النقيضين، وكذلك من وصفه بأنه موجود واجب الوجود لذاته ثم وصفه بصفات تستلزم عدمه فقد جمع بين النقيضين، وكل قول يتضمن جمع النقيضين وإثبات شيء ونفيه أو رفع النقيضين الإثبات والنفي فهو باطل.

والنصارى في هذا الباب من أبلغ الناس تناقضا يقولون الشيء ويقولون بما يناقضه ويلعنون من قال هذا ومن قال هذا، وأيضا فكل طائفة منكم تلعن الأخرى، فان أهل الأمانة تلعن الأريوسية وغيرهم من طوائف النصارى وهم يلعنونكم، وكل من الفرق الثلاثة النسطورية واليعقوبية والملكية تلعن الطائفتين الأخريين، فانتم واليعقوبية تلعنون من يقول إن مريم لم تلد إلها، ويقولون إن مريم ولدت إنسانا تاما إلها تاما، وأنتم النسطورية تلعنون من قال إنهما جوهر واحد بمشيئة واحدة وطبيعة واحدة، ومن قال إن اللاهوت تألم مع قولكم إن اللاهوت مولود من مريم ومع قولكم المسيح الذي ولدته مريم مات وصلب، وفي أقوالكم من العجائب المتناقضة التي توجب أنكم ملعونون ما يطول وصفه، فما منكم من أحد إلا وهو لاعن ملعون، فلعنكم من قال بهذه المقالات لا يوجب أنكم على الحق، بل يجب أن يكون من جملة ملعونين عندكم كطائفة من طوائفكم، ونصارى طوائف كثيرون مختلفون اختلافا كثيرا، والطوائف الثلاثة المشهوره في الأزمان المتاخرة هي بعض طوائفهم، وإلا فهم طوائف كثيرون مختلفون في التثليث والاتحاد.

وتجد كل صنف منهم أو غيرهم في مقالاتهم يحكي أقوالا غير الأقوال التي حكاها الآخرون، ومن أجل من جمع أخبارهم عندهم سعيد بن البطريق الإسكندري في أسباب المئة الرابعة من دولة الاسلام، وقد بحث لهم بحثا استقصى فيه بزعمه نصر مذهبهم وهو ملكي، وقد ذكرت كلامه في غير هذا الموضع.

وفيهم من يقول إن مريم زوجة الله، وفيهم من يجعلها إلها آخر كالمسيح، وفيهم من يثبت أن المسيح ابن الله الولادة المعقولة المعروفة من الحيوان، والأمانة التي جعلوها عقيدتهم وأصل إيمانهم في زمن قسطنطين بعد المسيح بأكثر من ثلاثمئة سنة هي وغيرها من أقوالهم الظاهرة تدل على هذه الأمور المنكرة القبيحة دلالة بينة.

لكن علمائهم يتأولونها بتأويلات تناقض مدلولها مع فساد تلك المعاني التي يحملونها عليها عقلا وشرعا، وليست تلك ألفاظ الأنبياء حتى يققال حكمهم في ذلك حكم سائر الطوائف من المسلمين وغيرهم الذين يقولون ما يرونه متشابها من كلام الأنبياء ويقولون إن الأنبياء تكلموا بما لا يعرف أحد معناه أو أنهم خاطبوا الجمهور بما أرادوا به تفهيمهم أمورا ينتفعون بها وإن كان ذلك كذبا باطلا في نفس الأمر.

وهذا قول الفلاسفة أن الأنبياء قالوا كلاما أرادوا به فقط تفهيم الناس أشياء وإن كانوا في الباطن كذبا باطلا، فإن لا يزعمون أن الأنبياء لما تكلمت عن الجنة والنار إنما أرادت التخويف أو الترغيب وليس هناك جنة ونار حقيقية وما شابه ذلك، المهم فإن هؤلاء الطوائف وإن كان فيهم من الضلال والجهل ما قد بسط في غير هذا الموضع، فقد فعلوا ذلك في ألفاظ الأنبياء.

بخلاف النصارى فإنهم وضعوا عقيدة وشريعة ليست ألفاظ نفسها عن الأنبياء.

الوجه الرابع عشر: قولهم ويراد بالاب والابن غير أبوه وبنوة نكاح، ومن أراد ولادة زوجة لعناه.

فيقال: لفظ الولادة المعروفة إنما يكون من أصلين وإنما يكون بانفصال ذكر وأنثى، وإنما يكون بانفصال جزء من الأصلين، وإنما يكون بحدوث المولود سواء اريد ولادة الحيوان أو غيرها، كما تتولد النار من الزنادين فإذا قدحا بالاخر خرج منهما جزء لطيف فاستحال نارا ثم سقط على الحراق.

وقد توسع بعض الناس في الولادة حتى عبر به عما يحدث عن الشيء وإن لم يكن بانفصال جزء منه كتولد الشعاع عن النار والشمس وغيرها، لأن هذا يحدث بشيئين: أحدهما ما يصدر عنه من الشمس والنار، والثاني المحل القابل له الذي ينعكس عليه وهو الجرم المقابل له الذي يقوم به الشعاع.

فأما ما يحدث عن شيء واحد فلا يعرف أنه يسمى ولادة، إن قدر وجود ذلك، وكذلك لا يعرف ما يلزم الشيء الواحد أن يسمى ولدا، فأما ما يقوم بالموصوف من صفاته اللازمة له فهذا أبعد شيء عن أن يسمى هذا الملزوم ولادة، بل لا تكون ولادته إلا عن أصلين، وكل من قال إن لله ولدا لزمه أن يكون له صاحبة بأي وجه فسر الولادة، وأن يكون له ولد، وأن يكون له ولد حادث.

ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 100-101].

من أين يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟ هسّ ممكن البعض يعترض فيقول يعني لماذا هكذا جاء الاستدلال والان الله عز وجل ايش يقول كيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبه فممكن الواحد يفكر ايش طيب شو المشكلة ان يكون ولد بدون صاحبه، بطل ولد، ليش؟ هيك معنى الولادة في اللغه أنه لابد من الأصلين.

ابن تيمية عم بيعطي مفهوم أن الولادة لا بد لها من أصلين، ما في ولادة من اصل واحد فإذا قلتم ولد إذا انت بتحكي عن اصلين والله عز وجل لا يوجد له زوجة، يعني هذا هو التلازم، ممكن البعض يقول يعني لماذا الله عز وجل يستدل بهذا الاستدلال كيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟

يقول: مشكلة أن يكون له ولد وليس له صاحبة، أنتم فهمتم كيف يعني محاولة الربط بين هذا وهذا؟ فيقال إذا بناءً على كلام ابن تيمية أن الولادة المعروفة لا تكون إلا من أصلين، هكذا الولادة لابد فيها من تدخل أصلين، فمجرد قولكم إن له ولد هذا يدل على أنه لابد أن هناك أصلاً آخر شارك في الموضوع، والله ليس له صاحبة ولا ما شابه ذلك.

فاستفهم تعالى استفهام إنكار ليبين امتناع أن يكون له ولد إذ لم تكن له صاحبة، فإن الولد لا يكون إلا من أصلين، وهذا مما ينبغي أن يُتفطن له؛ فإن جعل ما يلزم الشيء الواحد متولداً عنه لا يُعرف، لا سيما الصفات القائمة به اللازمه له كعلمه وحياته، لا سيما الصفات القديمة الأزلية اللازمة لذات رب العالمين الذي لم يزل، ولا يقول إن شيئاً واحداً ولد شيئاً، هي نظرية التولد.

يقول لك: هذا لا يُعرف أن تقول إن هذا الشيء بسبب صفة ملازمة له، فإن الولد لا يكون إلا من أصلين، وهذا مما ينبغي أن يُتفطن له. يقول ابن تيمية: قاعدة عقلية ينبغي أن يُنتبه لها، فإن تسمية ما يلزم الشيء الواحد -هناك شيء يلزمه شيء- أن نقول إن ما يلزم الشيء متولد عن هذا المصطلح وأن يُعبر به بعض المتكلمين من المتأخرين، لكنه لا يُعرف في اللغة، والعبرة بكلام العرب الأوائل.

قال: هذا لا يُعرف في اللغة تسمية أن والله هذا الشيء نتج عن شيء واحد، تسمية هذا النتاج ولد أو تولد ولادة، قال: هذا لا يُعرف في استعمال لفظ الولد لغةً، نعم. قال: فإن صفات العبد اللازمة له كحياته وقدرته ونحو ذلك ليست متولدة عنه عند جميع العقلاء، ولا يقول عاقل يعقل ما يقول إن لون السماء وقدرها متولد عنها، ولا إن قدر الشمس وضوءها القائمة بها اللازمة لها متولد عنها، ولا يقول أحد إن حرارة النار وضوءها القائمة بها متولد عنها، وإنما يقال إن قيل فيما ليس بقائم بها بل قائم بغيرها، أو فيما هو حادث بعد أن لم يكن كشعاع قائم بالأرض والحيطان، وهذا ليس بقائم بها بل قائم بغيرها وهو حادث متولد عن أصلين لا عن أصل واحد.

فأما صفات الموصوف، وإنما يقال الولدية إن قيل -حتى كابن تيمية يقول على سبيل التنزل-: وإنما تقال الولدية إن قيلت فيما ليس بقائم بالموصوف بل ما هو قائم بغيره، أو فيما هو حادث بعد أن لم يكن كالشعاع القائم بالأرض والحيطان، فإن هذا ليس قائماً بالشمس مثلاً بل قائم بغير الشمس، وهو حادث عنها متولد عن أصلين، حتى هذا متولد عن أصلين: الشمس والمحل الذي يسقط عليه الشعاع؛ لأن الشعاع إنما يظهر بوجود الشمس مع وجود سطح معين ينعكس عليه فيظهر لك الشعاع، نعم.

فأما صفات المخلوق القائمة به اللازمة له فلا يقول أحد من العقلاء إنها متولدة عنه. والنصارى يزعمون أن كلمة الله التي يفسرونها بعلمه أو حكمته، وروح القدس التي يفسرونها بحياته وقدرته هي صفة له قديمة أزلية لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، ويقولون مع ذلك إن الكلمه هي مولودة منه فيجعلون علمه القديم الأزلي متولداً عنه، ولا يجعلون حياته القديمة الأزلية متولدة عنه، وقد أصابوا في أنهم لم يجعلوا حياته متولدة عنه، ولكن ظهر بذلك بعض مناقضاتهم وضلالهم أنهم يجعلون حياة روح القدس ما بيجعلوها الابن، نعم.

فإنه أنواع كثيرة، فإنه إن كان صفة الموصوف القديمة اللازمة لذاته يقال إنها ابنه وولده ومتولد نحو ذلك، فيجب أن تكون الحياة أيضاً ابنة وولداً؛ ليش فقط جعلتم العلم هو الابن والولد؟ إذا كان كل صفة ملازمة لموصوف هي ابن وولد، إذاً اجعلوا كل الصفات ابناً وولداً، مش فقط العلم، حتى الحياة اللي انتم بتجعلوها روح القدس، هذا تحكم، نعم.

فتكون حياته أيضاً ابنة وولداً ومتولداً، نعم، وإن لم يكن كذلك فلا يكون علمه، وإلا لم تكن الصفة القائمة بالموصوف تُسمى ولداً وابناً. فإذا علم الله لا يجوز أن يكون ولداً ولا ابناً له، وأفظع من ذلك.

قال: وأبلغ من ذلك أن روح القدس المنفصلة عنه القائمة الأنبياء والصديقين لا يقولون إنها ولده ولا أنها متولدة، بل يخصون ذلك بالكلمة، فلا ينقلون عن أحد من الأنبياء أنه سمى شيئاً من صفات الله ابناً ولا ولداً، ولا قال إن علم الله أو كلامه أو حكمته ولده أو ابنه أو هو متولد عنه. فعلم أن القوم في غاية التناقض في المعاني والألفاظ، وأنهم مخالفون للكتب الإلهية كلها ولما فطر الله عليه عباده من المعقولات التي يسمونها نواميس عقليّة، ومخالفون لجميع لغات الآدميين، وهذا مما يظهر به فساد تمثيلهم، فإنهم قالوا: تولدت الكلمة عنه كما تولدت الكلمة والحكمة فينا عن العقل. فيقال لهم: لو قدر أن الأنبياء سموا ذلك تولداً، فما يتولد فينا حادث بعد أن لم يكن، وحدوثه يتسبب من فعلنا وقدرتنا ومشئوتنا.

فأما صفاتنا اللازمة لنا التي لا اختيار لنا في اتصافنا بها ولم نزل متصفين بها فلا يقول عاقل إنها متولدة فينا وعنا، وأنتم تجعلون صفة الله القديمة اللازمة له التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها متولدة عنه! فلو قدر أن ما ذكرتموه من التولد العقلي كان أمراً معروفاً في اللغة والعقل والشرع، لم يكن لكم أن تجعلوا علم الله وحكمته التي فسرتم بها كلمته ابناً له ومولوداً له لم يزل مولوداً منه؛ لأن هذا باطل عقلاً وشرعاً ولغةً.

أما العقل، فإن صفة الموصوف اللازمة له وإن كان مخلوقاً ليست متولدة عنه، فكيف الصفة القديمة للموصوف القديم؟ ولو جاز هذا جاز أن يجعل ما كان لازماً لغيره ولداً له مولوداً منه، فيجعل كيفيات الأشياء وكمياتها متولدة عنها وأمثالها، ويقال: إن طول الجسم وعرضه وعمقه متولد عنه، وإن حياة الحي متولد عنه، وإن القوى والطبائع التي جعلها الله في المخلوقات متولدة عنها.

وأما الشرع، فإن هذا لو كان متولدا وهو في بعض اللغات يسمى ولداً، لم يجوز أن يحمل على ذلك كلام الأنبياء إلا أن يكون في لغتهم يسمى ولداً، وكل من نظر في كتب الأنبياء من علماء النصارى وغيرهم لم يجد أحداً من الأنبياء يسمي علم الله وكلمته وحياته ولداً له ولا ابناً له ولا قال إن ذلك يتولد عنه. فقولهم عن المسيح -عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس- أنه أراد بالابن كلمة الله القديمة الأزلية وأنها متولدة عنه، وأنه أراد بالروح القدس حياة الله القديمة الأزلية، كذب محض على المسيح عليه السلام، لا يوجد قط في كلامه ولا كلام غيره من الأنبياء أنهم سموا علم الله وحكمته ولا شيئاً من صفاته القائمة به ابناً، ولا سموا حياته روح القدس.

وأما اللغة، فإن هذا التعبير الذي ذكروا، وهو تسمية صفات الموصوف اللازمة له ولداً وابناً ومتولداً، لا يُعرف في لغات بني آدم المعروفة. وقد يتمنى الرجل ولد غيره فيتخذه ولدا ويجعله بمنزلة المولود وإن لم يكن متولداً عنه، كما كانت تفعله أهل الجاهلية من العرب وغيرهم، ولهذا نزه الله تعالى نفسه عن الولادة وعن اتخاذ الولد، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: 151-152]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّ يَكُون لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 100-101]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4].

وأما اتخاذ الولد مواضع متعدده تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: 111]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 88-89] إلى آخر الآيات.

يذكرون أن في كتبهم تسمية عباد الله الصالحين ابناً، وتسمية الله أبًا، وتسمية المصطفين أبناءً، وهذا إذا كان ثابتاً عن الأنبياء فإنهم لا يعلمون به إلا معاني صحيحة، واللفظ قد يكون له في لغة معنى وله في لغة أخرى معنى غير ذلك، والمراد بهذا الولد والابن لا ينافي كونه مخلوقاً مربوباً عبداً لله عز وجل. وأما تسمية شيء من صفات الله ابناً أو ولداً فهذا لا يُعرف عن أحد من الأنبياء ولا الأمم أهل لغات سوى مبتدعة النصارى.

ولم يبقَ للتولد إلا معنيان: أحدهما أن ينفصل عنه جزء، والثاني أن يحدث عنه شيء إما باختيار وإما بغير اختيار وقدرته، كحدوث الشعاع عن النار والشمس، وكل من الأمراض لا يكون إلا عن أصلين، ولا بد أن يكون حديثاً، لا يكون من صفاته اللازمة له، فيمتنع أن يتولد عنه شيء إن لم يكن معه أصل آخر يتولد عنهما. والتولد عنه بغير قدرته ومشئومته ممتنع عند أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وسائر الأمم، سوى طائفة من المتفلسفة يقولون إنه موجب بذاتهم مستلزماً لما يصدر عنه، فهؤلاء قولهم يناسب هذا التولد، والنصارى تكفر هؤلاء، لكن قد ضاهوهم في القول كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]. وهذا قاله طائفة من اليهود، وهو معروف عن شخص يقال له فنحاص بن عازوراء واتباعه، وقال أبو محمد بن حزم والصدوقية طائفة من اليهود نسبوا إلى رجل يقال له صدوق، وهم يقولون من بين سائر اليهود إن العزير ابن الله، وكانوا بجهة اليمن.

ولكن المتفلسفة الذين يقولون بصدور العقول والافلاك عنه، وإن سموا ذلك تولداً، فهم يجعلون ولدهم منفصلاً عنه، لكن يثبتون ولداً قديماً أزلياً صدر عنه بغير اختياره، ويجعلون شيئاً واحداً متولداً عنه، وسائر الطوائف الذين اثبتوا لله ولداً جعلوه حادثاً منفصلاً عنه. فأما جعل صفته القائمة به ولداً له ومولوداً فهذا لا يُعرف عن غير النصارى.

فإذا اثبتوا له ولدا وابناً غير مخلوق، والصفة القائمة به اللازمة له لم تتولد عنه ولا تسمى ابناً ولا ولداً عند أحد من الأنبياء وغيرهم، تعين أن يكون الولد إما جزءاً منفصلاً عنه، وإما معلولاً له صادراً عنه بغير قدرته ومشئومته. وأي القولين قالوه فهم فيه كفار مضاهئون لقول الذين كفروا من قبل، وبعض علمائهم وإن أنكر ذلك لكنهم يقولون ما يستلزم ذلك، ويشبهونه بشعاع من الشمس، ويقولون عن الروح هو منبثق من الله خارج منه، وهذا كله يناسب الولادة التي هي خروج شيء منه أو حدوث شيء عنه بغير اختياره ومشيئته، ولا بد له مع ذلك من محل يقوم به، فإن الشعاع لا يقوم إلا بالأرض، والامر المنبثق الخارج من غيره إما أن يكون جوهراً قائماً بنفسه أو صفة قائمة بغيرها، فإن كان جوهراً فقد انفصل من الرب جزء، وإن كان عرضاً فلا بد له من محل فيكون متولداً عن أصلين.

وتشبيههم بتولد الكلام عن العقل تشبيه باطل؛ فإن ذلك يحصل بقدرة الإنسان ومشئومته، وهو حادث بعد أن لم يكن، هذا إذا عرف أن ما يقوم بقلب الإنسان من علم وحكمة يقال إنه يتولد عنه ويقال إنه ابنه، مع أن هذا أمر غير معروف في اللغات، ولو كان معروفاً في لغة بعض الأمم لم يجوز أن يفسر به كلام الأنبياء إذ لم يكن معروفاً في لغتهم. وأما ما يدعونه، فإنهم يقولون إن الكلمة لازمة لذات الله أزلاً وأبداً وهي مولودة منه مع أنها غير مصنوعة، فهذا كلام متناقض باطل من وجوه؛ فإن المتولد عن الشيء لا يتولد إلا عنه وعن غيره، وأما الشيء الواحد فلا يتولد عنه وحده شيء.

وايضاً فإن ما تولد عن غيره لم يكن إلا حادثاً، وأما الصفة القديمة اللازمة لذات الرب فليست مولودة له ولا متولدة عنه، بل هي قائمة به لازمة لذاته. وأيضاً فإن المولود اسم مفعول يقال ولده يلده فهو مولود، وهذا لا يقال إلا في الحديث المتجدد، فانه مفعول فعل الوالد، والقديم الأزلي لا يكون مفعولاً مولوداً. وأيضاً فتسمية الصفة القديمة الأزلية مولوداً وابناً لا يوجد في كلام أحد من الأنبياء عليهم السلام.

قال: فهب أن هذا مما يسوغ لنا في اللغة أن نقوله، لكن لا يجوز أن نحدث لغة غير لغة الأنبياء ونحمل كلام الأنبياء عليها، فإن هذا كذب عليهم، وهكذا تفعل النصارى وأمثالهم من أهل التحريف بكلام الأنبياء، يحدثون لهم لغة مخالفة للغة الأنبياء ويحملون كلام الأنبياء عليه.

مثال ذلك أن الأنبياء أخبروا أن الله إله واحد، وكفروا من أثبت إلهين اثنين، وأمروا بالتوحيد ودعوا إليه وحرموا الشرك وكفروا أهله، وأخبروا أن الله واحد أحد وكان مرادهم بذلك توحيداً وأنه لا يجوز أن يُعبد إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو، ليس مقصودهم بذلك نفي صفاته، فلم يقصدوا بلفظ الأحد والواحد أنه ليس له علم ولا...

قدره ولا شيء من الصفات. فجاء طائفة من أهل البدع ففسروا لفظ اسم الواحد والأحد بما جعلوه اصطلاحاً لهم فقالوا: الواحد الذي ليس فيه تركيب ولا ينقسم، ولو كان له صفات لكان مركباً، ولو قامت به الصفات لكان جسماً، والجسم مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة، فلا يكون أحداً ولا واحداً، وهذا هو كلام الجهمية نعم.

فيقال: هذا الذي قالوه لو قدر أنه صحيح في اللغة في العقل واللغة فليس هو لغة الأنبياء التي خاطبوا بها الخلق نعم. تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] الأحدية هنا لا تعني عدم وجود صفات لله كما تقول الجهمية. الجهمية فسر الواحد بأنه الذي لا يوجد غير مركب من صفات هكذا بده يفسر الواحد، الواحد هو الذي ليس له صفات، فيقول ابن تيمية: لو قدر أن هذا المعنى للواحد أولاً الأحادية أنه ذات التي ليس لها صفات، لو قدر أنه معنى صحيح، لكنه قطعا ليس هو المعنى الذي قصد به الأنبياء معنى الواحد والأحد. فأنت هذا طبعا تنزلاً فقط فليس لك أن تفسر كلام الانبياء بما تهوى أنت، بل ينبغي أن يفسر كلام الانبياء بما قصدوهم نعم.

قال: فكيف إذا لم يكن هذا الواحد من لغة أحد من الأمم؟ فكيف إذا لم يكن هذا الواحد بالطريقة التي تفسرونها من كلام أحد من الأمم نعم؟ بل جميع الأمم تسمي ما قام به الصفات واحداً، بل يسمونه وحيداً، وقد يسمونه في غير الإثبات أحداً كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدرس: 11] وأمثال ذلك. وأما البحث العقلي في هذا فقد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا أن ما يسميه هؤلاء المتفلسفة تركباً كقولهم إن شيء.

كلمة التركيب أيضاً من الكلمات اللي وقع فيها تلاعب نعم، كقولهم إن الشيء مركب من وجود وماهية، وقولهم إن الأنواع المركبة من الأجناس والفصول هو باطل عند جميع جمهور العقلاء، وليس في الخارج إلا ذات متصفة بصفات، ليس في الخارج وجود القائم ليس في الخارج وجود القائم بنفسه وماهية أخرى غير هذا الشيء الموجود القائم بنفسه مثلاً. قال: ولكن قد يعنى بلفظ ماهية بلفظ ماهية ما يتصور في الأذهان، وبالوجود ما يوجد في الأعيان، وحينئذ فهذه الماهية غير هذا الموجود، وحينئذ فيقال هذه الماهية غير هذا الم غير هذا الوجود يعني أحياناً قد يطلق الماهية على ما يتصوره الذهن تمام، والوجود يطلق على ما هو في الواقع فعندئذ نعم يكون الماهية غير الوجود؛ لأن الماهية تدل على ما في الذهن والموجود يدل على ما في الواقع، فعندئذ يتصور الانفكاك نعم.

وكذلك قولهم إن الإنسان الموجود في الخارج مركب من الجنس والفصل، فإن الإنسان الموجود هو ذات متصفة بصفات هو وغيره بصفات هو وغيره من الموجودات، ولكن يتصور في الذهن ما هو مركب من الحيوان والناطق، كما يتصور ما هو مركب من الحيوان والضحك، وهذا تركيب ذهني لا تركيب في الخارج، الإنسان في الخارج في الخارج هو مش مركب من حياة ونطق، أنت في الخارج بتشوفه كشيء واحد كوحدة واحدة، لكن هذا التركيب أنه حيوان ناطق هذا التركيب أنت تحليل داخل ذهنك ليس أكثر نعم.

وتبين أن ما جعلوه من الصفات داخلاً في الماهية وما جعلوه خارجاً عنها لازماً لها وما هو مجموع أجزاء الماهية يرجع عند التحقيق إلى ما هو مدلول عليه بالتضمن والالتزام والمطابقة، ومن ذلك تركيب الجسم من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة، وأكثر العقلاء ينكرون تركيب الجسم من هذا وهذا كما قد بسط في موضع آخر. والمقصود هنا أن كلام الأنبياء لا يجوز أن يحمل إلا على لغتهم التي هي من عادتهم أن يخاطبوا بها الناس، لا يجوز أن يحدث أحد لغة غير لغتهم ويحمل كلامهم عليها نعم.

بل إذا كان لبعض الناس بل إذا كان لبعض الناس عادة ولغة يخاطب بها أصحابه وقدر أن ذلك يجوز له، فليس له أن يحمل ذلك فليس له أن يحمل أن يجعل ذلك لغة نبي ويحمل كلام النبي على هذه اللغه نعم. قال ومن هذا أخبر الأنبياء بأن الله يقول ويتكلم وينادي ويناجي وأنه قال كذا وتكلم بكذا ونادى موسى ونحو ذلك، والمعروف في لغتهم ولغة سائر الأمم أن المتكلم من قام به الكلام، وإن كان متكلماً بقدرته ومشيئته، لا يعرف في لغتهم أن المتكلم من أحدث كلاماً منفصلاً عنه، ولا أن المتكلم من قام به الكلام بدون قدرته ومشيئته، فليس أحد إذا جعل اسم المتكلم لمن يحدث كلاماً بائناً عنه أو من قام به دون قدرته ومشيئته.

كما يدعي المعتزلة وغيرهم أن الكلام كلام الله هو عبارة عن شيء يخلقه الله في شجرة فكلمت موسى هذا هو يعني يضرب على هذا الوتر في هذه الجملة فنقول: هذا ليس معنى مفهوم الكلام في لغة الأنبياء، أن تخلق شيئاً في شجرة فتتكلم بالنيابة عنك فيسمى هذا كلامك، هذه مش لغة الأنبياء هذا شيء أنت اخترعته نعم. بل المتكلم عند الإطلاق من تكلم بقدرته ومشيئته مع قيام الكلام به قيام الكلام بذاته نعم.

وهذا هو المعروف في لغة الأنبياء وسائر الأمم عند الإطلاق والنظائر هذه متعددة، فمن فسر كلام الأنبياء بغير لغته المعروفة فهم ممن بدل كلامه وحرفه، والنصارى من هؤلاء، وكذلك اسم العادل والظالم ونحوها، فإن المعروف من كلام الأنبياء وغيرهم أن العادل من قام به العدل وفعل العدل بمشيئته وقدرته، والظالم من قام به الظلم وفعله بقدرته ومشيئته، لا يسمون من لم يقم به ظلم، ولكن قام بغيره ظالماً لكونه قد جعل ذلك فاعلاً له، ولا يسمون من لم يفعل الظلم ولكن فعله غيره فيه ظالماً صحيح نعم. من جعل الظالم والكافر والفاسق من لم يفعل شيئاً من ذلك، ولكن فعله غيره فيه أو جعل الظالم من لم يقم به ظلم فعله هو ولكن جعله غيره متصفاً به، فمن جعل هؤلاء هم الظالمين فقد استعمل كلمة الظالم والكافر والفاسق في غير سياقها المعروف نعم.

وأبلغ من ذلك أن المحدث والحادث في لغة جميع الأمم لا يسمى به إلا ما كان بعد أن لم يكن، والمخلوق أبلغ من والمخلوق أبلغ من المحدث والحادث، فليس لأحد إذا أحدث اصطلاحاً سم إذا أحدث اصطلاحاً سمى به القديم الأزلي الذي لم يزل موجوداً، ولكنه زعم أنه معلول لغيره فسماه محدثاً بهذا الاعتبار، أن يقول: أنا أحمل كلام كلام الأنبياء الذي أخبروا به أن السماوات والأرض وما بينهما مخلوق أو مصنوع أو معقول أو محدث أو نحو ذلك من العبارات على أن مرادهم بذلك أنه معلول مع كونه قديماً أزلياً لم يزل.

وأما لفظ القديم فهو في اللغة المشهورة التي خاطبنا بها الأنبياء يراد به، لا يجوز أن يوصف الله بأنه قديم تمام هذه كثيرة موجودة والمسألة متكررة، هل يجوز وصف الله بالقدم يقول: لفظ القديم هو في اللغة المشهورة التي خاطبنا بها الأنبياء ماذا يراد بالقديم؟ يراد به كل ما كان متقدماً على غيره تقدماً زمانياً، سواء سبق بالعدم أو لا، هذا معنى القديم صحيح. طيب كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] هي مسألة ترى مهمة إخواني خاصة الأخوة بتابعونا أونلاين؛ لأنه كثير ما تجد في كتب العلماء وصف الله بالقديم، فهل هذه صفة من صفات الله أو هل يجوز الإخبار عن الله بأنه قديم؟

الإخبار عن الله بأنه قديم هي مسألة يعني يعلق عليها فيقول: القديم في كلام العرب هو ما تقدم على غيره، سواء تقدم على غيره مع أنه هو مسبوق بالعدم، أو تقدم على غيره مع أنه هو لم يسبق بالعدم كما قال تعالى أيوه: ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] وقال تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] وقال الخليل قال سيدنا سيدنا إراهيم نعم: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77].

الأقدمون لاحظ نعم فإنهم عدو لي إلى رب العالمين، فلهذا كان القديم الأزلي الذي لم يزل موجوداً ولم يسبقه عدم أحق باسم القديم من غيره، وليس لأحد أن يجعل القديم والمتقدم اسماً لما قارن غيره في الزمان لزعمه أنه متقدم عليه بالعله، ويقول إنه متقدم على غيره وسابق له بهذا الاعتبار، وأن ذلك المعلول متاخر عنه بهذا الاعتبار، ثم يحمل ما جاء من كلام الأنبياء واتباع الأنبياء وعموم الخلق على هذا الاصطلاح لو كان حقاً فكيف إذا كان باطلاً قول الفلاسفة نعم.

وبده ايش هو قول الفلاسفة أن القفد المقارن المعلوم نعم، هو يريد يقول: وليس لأحد أن يجعل القديم والمتقدم معناه اسماً لما قارن غيره في الزمان، يعني هل يجوز الآن إذا تفسير القديم، ما هو القديم في اللغة العربية هو كل ما تقدم على غيره صحيح؟ القديم كل ما كان متقدماً على غيره في الوجود تقدماً زمانياً في الوجود الزماني، سواء هذا المتقدم على غيره في الوجود مسبوق بالعدم أو غير مسبوق بالعدم، فاذا جاء شخص وقال: لا اسمعوا أنا بدي أعطي للقديم معنى آخر، قلنا: شو المعنى الآخر بدك تعطيه للقديم؟ يقول: أنا بدي أسمي كل شيء قارن غيره زمانياً لكنه عله له، بدي أسمي العلة هي القديم والمعلول ليس قديماً بسميه حادث.

الان هل يجوز أن أسمي شيئين تقارنا زمانياً تقارنا زمانياً في الوجود أسمي أحدهما قديم باعتباري أنه عله والثاني أسميه حادث باعتباره معلول؟ يقول: هذا اصطلاح أنت حطيته دبر حالك معاه، لكنه ليس معنى كلام العرب، فالعرب لا تسمي هذا قديم وهذا حادث إلا باعتبار أن هذا وجد قبل هذا زمانياً، أما إذا كان متقارنين زمانياً فلا تسمي هذا قديم باعتباره فقط لأنه عله وهذا معلول، تمام أن العلة والمعلول نعم قد تقترن زمانياً، فنجعل العلة تسمى قديماً لأنها عله، يعني باختصار كأنك أعطيت القديم مفهوم جديد أن القديم هو العلة ها نقول: تسمية العلة قديماً والح والمعلول الذي ارتباط بها في الزمان مع حادث قال: هذا مفهوم أنتم اخترعتموه يا فلاسفة نعم.

قال: وما ذكره من التقدم والسبق والتأخر بغير الزمان أمر غير موجود ولا معقول، ولا يعرف في الوجود من فعل شيئاً وكان عله فاعلة له إلا وهو متقدم عليه سابق له ليس مقرناً له في الزمان البته، بل متقدم عليه تقدماً زمانياً، وكل من يعرف وكل من يعرف أنه سبب أو علة فاعلة فانه وكل ما يعرف أنه سبب أو عله فاعلة فانه متقدم على مسببيه ومعلوله، لكن قد يكون متصلاً به ليس بينهما زمان آخر فيقال ليس هذا متأخرا عن هذا أي هو متصل به ليس بينهما فصل، ويقال ليس ذلك متقدماً على هذا أي ليس بينهما ليس بينهما زمن، بل هو متصل به؛ إذ قد يراد بلفظ تقدم هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الجنازة متبوعة وليست بتابعة، ليس منها تقدمها أي من كان قد تقدمها حتى لم يكن قريبا منها لم يكن تابعاً لها، كما جاء في الحديث الآخر: الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها ووراءها وعن يمينها ويسارها قريبا منها، رواه أبو داود وغيره وهو أبين حديث روي في هذا الباب في هذا الحكم.

ومنه قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: 40] لا يتقدم عليه بحيث يكون بينهما انفصال بل كل منهما متصل بالآخر، والمقصود هنا أن معرفة اللغة التي خاطبنا بها الأنبياء وحمل كلامهم عليها أمر واجب متعين، ومن سلك غير هذا المسلك لك فقد حرف كلامه عن مواضعه وكذب عليه، هذه قاعدة عامة مهمة في تأصيل علم الاعتقاد، أنه يفسر كلام الأنبياء بناء على عرف كلامهم، وليس لك أن تحدث أنت مصطلح أو مفهوم جديد للمصطلح وتفسر به بعد ذلك كلام الأنبياء نعم.

ومثل هذا التحريف والتبديل قد اتفق المسلمون واليهود والنصارى على أنه وقع فيه خلق كثير من أهل الكتب الثلاثة، وأن القرآن والإنجيل والتوراة نعم، وأن التوراة والإنجيل حرف بهذا الاعتبار، وكذلك كذلك القرآن حرفه أهل الإلحاد والبدع بهذا الاعتبار، فأهل الكتاب نقلوا عن الأنبياء أنهم تكلموا بلفظ الأب والابن ومرادهم ومرادهم عندهم بالأب الرب وبالابن المصطفى المختار، هذا معنى كلمة أب وابن عند الأنبياء، فكيف فسرها اليهود والنصارى؟ أعطوا الأب معنى آخر وأعطوا الابن معنى آخر نعم.

ولم ينقل ولم ينقل أحد منهم عن الأنبياء أنهم سموا شيئاً من صفات من صفات الله ابناً نعم، ولا قالوا عن شيء من صفاته أنه تولد عنه ولا أنه مولود له، فاذا وجد في كلام المسيح عليه السلام أنه قال: عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، ثم فسروا الابن بصفة الله القديمة الازلية كان هذا كذباً بيناً على على المسيح، حيث لم يكن في لغته أن لفظ بصفة من صفات الله طيب.

وكذلك إذا لم يكن في كلام الأنبياء أن حياة الله يسمى روح القدس، وإنما يريدون بروح القدس ما ما ينزله الله تبارك وتعالى على الأنبياء والصالحين به من السكينة، كان تفسير قبل المسيح روح القدس بأنه الحياة كذب على المسيح نعم. وهذا من بعض الوجوه أفسد من من قول بعض المتفلسفة أن العقول والنفوس والأفلاك معلولة له متولدة عنه لازمة له أزلاً وأبداً، وإن كان هذا أيضاً باطلاً في صريح العقل كما هو كفر بما أخبرت به الأنبياء كما قد بسط في موضع آخر، فإنه لا يصدر شيء عن فاعل الأشياء عن فاعل الأشياء بعد شيء، لا يتصور أن يكون المفعول مقارناً للفعل لا يتاخر عنه، ولا يكون التولد إلا عن أصلين قال.

والواحد من كل وجه الذي ليس له صفة ثبوتية لا وجود له، ولو كان له وجود لم يصدر عنه وحده شيء، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع أخرى. ومما يوضح ذلك؛ أن خواص النصارى وعلمائهم مع تجويزهم أن يقال إن المسيح ابن الله، يلزمهم أن تكون مريم صاحبة الله وامرأته، كما قال ذلك من يغلو منهم، ومنهم من يجعل مريم إلها مع الله كما جعل المسيح إلها.

فإن قالوا بذلك جعلوا لله صاحبة وولدا، وجعلوا المسيح ابن مريم وأمه إلهين من دون الله، كما فعل ذلك من فعله منهم؛ فإنهم يعبدون مريم ويدعونها بما يدعون به الله سبحانه والمسيح، ويجعلونها إلها كما يجعلون المسيح إلها، فيقولون يا والدة الإاله، اغفر لنا، اغفري لنا، وارحمني، ونحو ذلك، فيطلبون منها ما يطلبونه من الله عز وجل، ومنهم من يقول عن مريم أنها صاحبة الله سبحانه وتعالى.

وبيان لزوم ذلك؛ أن المسيح عندهم انسان تام وإله تام ناسوت ولاهوت، فناسوتهم من مريم، ولاهوتهم الكلمة القديمة الازلية وهي الخالق عندهم، فالمسيح بين أصلين ناسوت ولاهوت، فإذا كان الاب هو الله عندهم، والكلمة المولودة عن الاب ابن الله، فمعلوم أن اللاهوت لما التحم بالناسوت ليصير منهما المسيح ازدوج به وقرنه، وهذا معنى الزوجية؛ فكما أنهم قالوا إن الولادة عقلية لا حسية، فكذلك الازدواج والنكاح عقلي لا حسي، فإن اللاهوت على قولهم ازدوج بناسوت مريم ونكحها نكاحا عقليا، وخلق المسيح من هذا وهذا.

وهم يقولون في الأمانة إن المسيح تجسد من مريم ومن روح القدس، فإن فسروا روح القدس بجبريل كما يقولهم المسلمون فهو الحق وبطل قولهم، لكنهم يقولون روح القدس هو الاقنوم الثالث كما يقولون في الكلمة وهو اللاهوت عندهم، فهم قد ذكروا أنه تجسد من الناسوت واللاهوت فيلزمهم على هذا أن يكون المسيح هو الابن وروح القدس وهو روح القدس، فيكون أقنومين لا أقنوما واحدا، وقد تقدم تناقضهم في هذا.

والمقصود هنا أنهم إذا قالوا إن الرب أو بعض صفاته اتحد بما خلق من مريم، فلا بد أن يحصل له اتصال بمريم قبل اتصاله بما خلق منها، وذلك هو معنى النكاح والازدواج، وعند جمهور النصارى أن مريم ولدت اللاهوت كما ولدت الناسوت وهي أم اللاهوت، ويقولون في دعائهم يا والدة الإله، واللاهوت الذي ولدته مريم هو عندهم رب العالمين، واللاهوت اتحد بالناسوت عندهم من حين خلق الناسوت في بطن مريم لم يحدث بعد الولادة، فإذا جاز أن يكون لرب العالمين عندهم أم ولدته بوجه من الوجوه، فإمكان أن يكون له صاحبة وزوجه أولى وأحرى، وليس في ذلك ما يحيله العقل والشرع إلا وهو لكونها أما للاهوت أشد إحالة، فإن جاز أن يكون للاهوت أم والأم أصل، فلأن يكون له صاحبة وزوجه نظير أقرب وأولى.

فإن من معلوم أن ولد الشيء المتفرع المتولد عنه أنقص بالنسبة إليه من نظيره؛ فإذا جعلت أن مريم ولدت اللاهوت هذا أسوأ من أن تجعل مريم زوجة اللاهوت، أيما أسوأ أن تجعل مريم ولدت اللاهوت ولا تجعل مريم زوجة اللاهوت؟ أن تجعلها ولدته، ليه؟ قال: فان من المعلوم أن ولد الشيء المتفرع المتولد أنقص بالنسبة إليه من نظيره، فاللاهوت إذا جعل ابنا لمريم سيكون أنقص من لو جعل زوجا لمريم، فاذا قالوا إن لرب العالمين ولدا اتحد بالناسوت هو نظيره المساوي له في الجوهر، وقالوا أن الناسوت أم هذا المسيح الذي هو الله وهو ابن الله، وقالوا أن الناسوت هو مريم ولد اللاهوت كما ولد الناسوت، ولم يكن هذا عيبا ينزه الرب عنه، فلأن يجعلوا أم هذا الولد الذي حبلت به واتحد به اللاهوت وهو منها وولدت اللاهوت صاحبة وزوجه للاب أولى وأحرى، وإلا فكيف تلد ابنه الذي هو اللاهوت ولا تكون صاحبته وامرأته؟

وهم يقولون: نحن سمينا علمه مولودا عنه لكونه تولد عنه، تولد الكلمه عن العقل، وهذا الولد اتحد بالناسوت فسمينا المجموعة ولدا، وبهذا يفرقون بين كون المسيح ابن وغيره من الانبياء.

فانهم يقولون: هؤلاء أبناء بالوضع والمسيح ابن بالطبع، أي أولئك سموا أبناء بمشيئة رب وقدرته لأنه اصطفاهم، والكلمة التي جعلوها متحده في المسيح هي عندهم متولدة عن الله تولدا قديما أزليا لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ولهذا قالوا مولود غير مصنوع، فإن القديم الأزلي مع كونه قائما بذاته لا يكون مصنوعا عند أحد من العقلاء ولا القائلين بقدم العالم، فاذا كانت الكلمة اتحدت بالمسيح المخلوق من مريم والتحمت به، فاذا قيل مع ذلك أن القديم مس المحدث أو لاصقه أو بشره كان أيسر من هذا كله، والمسيح ولد ولادة حادثة عندهم غير الولادة القديمة التي للكلمة، فيلزم أن تكون مريم قد صارت زوجة امرأة، بل نكحت نكاحا حادثا يناسب تلك الولادة المحدثة.

قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 101]. ولهذا كان الحلول أسهل من الاتحاد، فمن قال إنه حل في جسد المسيح وماسه وباشره كما يحب كان أهون ممن يقول إنه اتحد به والتحم به، فإذا قيل إن مريم امرأة القديم وصاحبته وزوجته، كان ما في هذا من إثبات مباشرته لها ومماسته لها واتصاله بها مهما قدر من اتصال الزوج بزوجته، فيكون هذا كله أهون مما قالوه من اتحاد القديم بالمحدث ومصيره وإياه أما جوهرا واحدا وأما شخصا واحدا وأما مشيئة واحدة، ولهذا كان كل عاقل يعلم أن النكاح الحسي أسهل من الولادة الحسية، فالذكر من الحيوان إذا نكح الأنثى فإنما مس الذكر الأنثى، لم تصر الأنثى متولدة عنه، فإذا جوزوا أن يكون للرب القديم الأزلي ما يتولد عنه ويتحد به وهو محدث المخلوق، فلأن يكون له ما يمسه أولى وأحرى.

وإذا قالوا أن المسيح إنما كان ابنا لأن الكلمة القديمة التي هي ابن اتحدت به قبل، فقد يسمى الناسوت الذي اتحد به القديم أبنا عندكم باسم القديم وجعلتموه إلها خالقا، فما المانع من جعل أم ذلك الناسوت الذي جعلتموه ابن الله صاحبة لله وزوجه باعتبار أن القديم الأزلي حصل منه ومنها ما هو ابن القديم الأزلي؟

الوجه الخامس عشر أن يقال: لفظ الابن وروح القدس قد جاء في حق غير المسيح عندكم، حتى الحواريين عندكم يقولون أن المسيح قال لهم إن الله أبى وأبيكم وإلهي وإلهكم، ويقولون إن روح القدس تحل فيهم. وفيما عندكم من التوراة أن الرب قال لموسى: اذهب إلى فرعون فقل له يقول لك الرب: إسرائيل ابني بكري، أرسله يعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك. فلما لم يرسل فرعون بني اسرائيل كما قال الله قتل الله أبكار فرعون وقومه من بكر فرعون الجالس على السرير إلى الأول من الأولاد الآدميين إلى ولد الحيوان، فهذه التوراة تسمي بني إسرائيل كلهم أبناء الله وأبكاره، وتسمي أبناء أهل مصر أبناء فرعون، وتتوسع بتسمية سخال الحيوان أولاد المالك للحيوان.

وفي مزامير داوود يقول: أنت ابني، سلني أعطك. وفي الانجيل يقول عن المسيح: أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم. وقال: إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء، قدوس اسمك، افعل بنا كذا وكذا. ويقولون عن القديسين أن الروح القدس يحل فيهم، وكذلك حلت في داوود وغيره من الأنبياء، بل عندهم أن الله يحل في الصديقين كلهم.

فإن كان الابن وروح القدس يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، وجب أن يكون كل من الحواريين لاهوتا وناسوتا، وكذلك الأنبياء، فيكون النبي لاهوتا وناسوتا لأنه قد سمي عندكم ابن الله ونطقت فيه روح القدس، لا سيما وأنتم قلتم في الأمانة إنه روح ممجد مسجود له ناطق في الأنبياء، فإن كان هذا يوجب حلول اللاهوت في الناسوت أو اتحاده، لزم أن يكون غير المسيح من الأنبياء بل والحواريين بل وابناء إسرائيل لاهوتا وناسوتا، إن كان الذي جعلتموه اللاهوت حل بغير المسيح واتحد به أو سكن فيه أو احتج به أو ما قلتم من الألفاظ التي استدللتم بها على أن اللاهوت حل في المسيح كلفظ الابنية وروح القدس موجودا عندكم في غير حق المسيح.

والمعجزات التي احتججتم بها للمسيح قد وجدت لغير المسيح، ولقد إن المسيح أفضل من بعض أولئك، فضيب أن المسيح عليه السلام أفضل من جمهور الأنبياء، أفضل من داوود وسليمان وأصحاب النبوة الموجودة عندكم وأفضل من الحواريين، لكن مزيد الفضل يقتضي الفضيلة في النبوة والرسالة كفضيلة إراهيم وموسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وذلك لا يقتضي خروجه عن جنس الرسل، كما قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، إلى قوله سبحانه: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]. وجماع هذا الجواب أن ما يصف به المسيح عندهم من كونه ابن الله وكون الله حل فيه أو ظهر أو سكن وكون روح القدس أو روح الله حلت فيه وكونه مسيحا، كل ذلك موجود عندهم في حق غير المسيح، فليس للمسيح اختصاص بشيء من هذه الألفاظ، وإنما يوجد اختصاصه بلفظ الكلفة وكونه تجسد من روح القدس، وهذا هو الذي خصه به القرآن، فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].

وفي الصحيحين عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل».

فهذا الذي خصه به القرآن وهو الذي خصته به الكتب المتقدمة؛ إذ كان القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهمينا عليه، وأما سائر من يوصف به ويدعون اختصاصه به من كونه ابنا لله وكونه مسيحا، فغيره أيضا في كتب الله يسمى ابنا لله ومسيحه، ولذلك ما يذكر من هذه الألفاظ التي يحتجون بها على الحلول مثل الرب ظهر فيه أو حل أو سكن، فإن هذه الألفاظ موجودة عندهم في حق غير المسيح، بخلاف لفظ الاتحاد فانه لا يوجد عندهم عن الأنبياء لا في حق المسيح ولا غيره، كما لا يوجد عندهم عن الأنبياء لفظ الاقانيم ولا لفظ التثليث ولا اللاهوت والناسوت ولا تسمية الله جوهرا، بل هذا كله مما ابتدعوه، كما ابتدعوا أيضا تسمية صفات الله ابنا وروح القدس، فهم ابتدعوا ألفاظا لم ينطق بها الأنبياء أثبتوا لها معاني، وابتدعوا استعمال ألفاظ الأنبياء في غير مرادهم وحملوا مرادهم عليها.

والألفاظ المشابهات التي يحتجون بها على اتحاد اللاهوت بالناسوت موجودة عندهم في حق غير المسيح، فليس للمسيح خاصية في كلام الأنبياء توجب أن يكون هو الله أو ابن الله، وتلك الألفاظ وقد عرف باتفاقهم واتفاق المسلمين أن المراد بها حلول.

الإيمان بالله ومعرفته وهداه ونوره ومثاله العلمي في قلوب عباد الله الصالحين، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وقد تقدم.

ومن قال من ضلال المسلمين إن الرب يتحد أو يحل في الأنبياء والأولياء، وأن هذا من السر الذي لا يباح به؛ فقوله من جنس قول النصارى في المسيح. وهذا كثير في كلام كثير من المشايخ والمدعين المعرفة والتحقيق والتوحيد، فيجعلون توحيد العارفين أن يصير الموحد هو الموحد. ومنهم يقول: إن الله يحل في قلب العارف ويتكلم بلسانه، كما يتكلم الجني على لسان المصروع. ويقول الأول: ما وحد الواحد واحد عن واحد، إذ كل من وحده جاحد، توحيد من ينطق عن ذاته، عريّة أبطالها الواحد. توحيده إياه توحيده، وذات من يتهلاحد.

ومنه من هؤلاء من يقول إن هذا هو السر الذي باح به الحلاج وغيره. هذه عندهم الأسرار التي يكتمها العارفون فلا يبوحون بها إلا لخواصهم. ومنهم من يقول: إنما قتل الحلاج لأنه باح بهذا السر. ويشدون: من باح بالسر كان القتل شيمته بين الرجال ولم يؤخذ له ثار، وأمثال ذلك. وهؤلاء في دعواهم الاتحاد والحلول بغير المسيح شر من النصارى؛ فإن المسيح صلوات الله عليه أفضل منكم، كل من ليس بنبي بل هو أفضل من جماهير الأنبياء والمرسلين. فإذا كان من ادعى أن الله اتحد به كافراً، فكيف من ادعى ذلك فيمن هو دونه؟

وهذا الاتحاد الخاص غير الاتحاد والحلول العام لقول الذين يقولون إنه حل بذاته في كل مكان أو متحد بكل شيء. غلاة هؤلاء ومحققوهم يقولون: إنه عين الوجود والوجود واحد، فيجعلون الوجود الخالق القديم الواجد هو عين الوجود المخلوق المحدث الممكن.

قال ابن عربي وجماعته نعم، وصاحبه صدر القونوي، وصاحب العفيف التلمساني، وابن سبعين وصاحبه الششتري، وعبد الله البلياني، وعامر البصري، والطوائف وغير هؤلاء. هؤلاء يقولون إن النصارى إنما كفروا لأنهم خصوا ذلك بالمسيح.

حقيقة قول هؤلاء: وجه الخلق تعطيله، كما قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]. فإن فرعون ما كان ينكر هذا الوجود المشهود، لكن ينكر أن له صانعاً مبايناً له خلقه. وهؤلاء موافقون لفرعون في ذلك، لكن فرعون أظهر الجحود والإنكار فلم يقل وجود المخلوق هو الخالق، وهؤلاء يظنون أنهم يقرون بالخالق أو أن وجود المخلوق هو الخالق. وقد بسط الكلام على هؤلاء في آخر هذا الكتاب.

وهؤلاء لهم شعر نظم قصائد على مذهبهم، كابن الفارض في قصيدته المسمى بنظم السلوك، حيث يقول: لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلتي، كلان مصلّ مصلٍّ واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة. وما كان لي وما كان لي صلّى سواي، ولم تكن صلاتي لغيره. لأنه بيصلي لنفسه، ليش بيصلي لنفسه؟ لأنه يعتقد أنه والله والله حل فيه واتحد به. فبيقول: صلاتي ليست لشيء غيري، فأنا أصلي لذاتي وأسجد لذاتي وأعبد لذاتي؛ فإن الله حل في ذاتي والعياذ بالله نعم.

إلى أن قالوا: ما زلت وما زلت إياها وإيابي لم تزل ولا فرق بالذاتي لذاتي أحبتي. وقوله: إليّ رسولاً كنت كنت مني مرسلا، وذاتي بآياتي علي استدلتي. لأنه هو خلص، ما هو الله هو ابن الفارض، وابن الفارض هو، فبيقول الآيات التي استدل بها استدل بها علي، وذاتي بآياتي علي استدلتي. فان دعيت كنت المجيب، وأن أكون إن دعوت يا رب فانا بدعو ذاتي، إنه الرب حل في هكذا، يعني قول ابن الفارض. وهذا كله من ارتياب هؤلاء جماعة الاتحادية والحلولية.

وكذلك لابن إسرائيل في شارقة له قوله: وما أنت غير الكون بل أنت عينه. يعني أنت يا رب لست شيئاً سوى الكون بل أنت عين الكون، ويفهم هذا السر من هو ذائق.

قالسان الملقب بالعفيف كان من أفجر الناس، وكان أحذق هؤلاء الملاح واحده، يعني أشطر واحد في هذول في جماعة منهج ابن عربي. ولما قرئ عليه كتاب فصوص الحكم لابن عربي، قيل له: هذا كلام يخالف القرآن، فماذا يقول هذا الفاجر الكافر العفيف التلمساني؟ يقول: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، أن القرآن لا يعطيك إلا الشرك، ولا يعطيك لأنه يعطيك إلهاً خالقاً ومخلوقاً، أما نحن في كلامنا ففيش عنا معادلة خالق ومخلوق كله هو نعم.

فقيل له: إذا كان الوجود واحداً يعني ما فيش خالق ومخلوق، فلماذا تحرم علي أمي وتباح امرأتي؟ إذا كان كل شيء واحد حتى المخلوقات هي ما في تعدد فيها، كله واحد، كل الوجود عبارة عن شيء واحد، فليش بتكون أمي حرام أعقد عليها زواج وزوجتي يجوز أن أعقد عليها الزواج؟ فأيش قال ابن العربي هذا الفاجر هذا العفيف التلمساني هذا الفاجر؟ يقول: مين قال لك إنه قال كله حلال لك؟ قال: الجميع عندنا حلال، لكن هؤلاء المحجوبون -اللي هو نحن بنعتبر الفقهاء- قالوا إن هذا حرام تنكح أمك وبيصير تنكح زوجتك، فقلنا حرام عليكم بس من باب يعني التنزل، واللي هو في الواقع كله شيء واحد، كانت أم أو اخت أو زوجة. هذا هو لقب العفيف، آه مش عارف كيف لقب العفيف قلت.

وكلام هؤلاء كله متناقض، قد ينقض بعضه بعضاً نعم. قال فإن قوله هؤلاء المحجوبون وقوله قلنا حرام عليكم يقتضي الفرق بينه وبين المحجوبين وبين المخاطب، أحسنت إذا قلت حرام عليك إذا صار في حجبان نعم. وهذا يناقض وحدة الوجود.

وإذا قالوا هذا مظاهر الحق والمجالى، فإن كان الظاهر غير المظهر والمجلى غير المتجلي فقد... يعني هو قلب الدليل عليه، قلب الدليل عليه: مش أنت بتحكي في فرق بين الأم والزوجة؟ إذا في فرق بينا وبينك فم المحجوب، إذا قلت هؤلاء المحجوبون قال وحرام عليكم، احنا وياك شيء واحد إذا أنت محجوب زينة. هذا دائماً يسمى قلب الأدلة، كثير زي قضية النسبية، الذين يقولون إن كل شيء نسبي، نقول: كيف عرفت هذا؟ مش هي مبدأ إذا هي نسبية نظريتك نفسها؟

وإذا قالوا هذا مظاهر للحق ومجالى، يعني هذا إظهار للحق، فإن كان الظاهر غير المظهر والمجلى غير المتجلي فقد ثبت التعدد وأنه في الوجود اثنين، ولو على الأقل ظاهر ومظهر نعم. وإن جعلوهما واحداً فقد بطل جوابهم نعم.

قال فصل قال الحاكم عنهم: فقلت: فإنهم ينكرون علينا قولنا إن الله تعالى جوهر. قالوا إننا نسمع من هؤلاء القوم أنهم ذو فضل وأدب ومعرفة، ومن هذا هذا صورته، وقد قرأ شيء من كتب الفلاسفة والمنطق، فما حقهم ينكرون هذا علينا؟ وذلك أنه ليس في الوجود شيء إلا وهو إما جوهر وإما عرض، لأن أي أمر نظرناه وجدناه إما قام بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره فهو الجوهر، وإما مفتقر في وجوده إلى غيره لا قيام بنفسه هو العرض. ولا يمكن أن يكون لهذين القسمين قسم ثالث. فأشرف هذين القسمين القائم بذاته غير المفتقر في وجوده إلى غيره وهو الجوهر.

ولما كان الباري تقدست أسماؤه اشرف الموجودات، إذ هو سبب سائرها، أوجب أن يكون أشرف الأمور وعلاها، الجوهر. لهذا قلنا إنه جوهر لا كالجواهر المخلوقة، كما نقول إنه شيء كالأشياء المخلوقة، ولا لازم أن يكون قوامه بغيره مفتقر في وجوده إلى غيره. وهذا من القبيح أن يقال على الله تعالى ف... فإذا قلنا إن الله ليس بجوهر هذا يعني أنه قائم بغيره وليس قائماً بذاته، وهذا قبيح.

طيب فقلت لهم وقال إنهم فقلت لهم: إنهم يقولون إنما أنما نمنع من تسمية من نسميه جوهراً؛ لأن الجوهر ما قبل عرض وشغل حيزاً ولهذا ما يطلق عليه القول بأنه تعالى جوهر نعم. قالوا: إن الذي يقبل عرضاً ويشغل حيزاً هو الجوهر الكثيف، أما الجوهر اللطيف فما يقبل عرضاً ولا يشغل حيزاً، مثل جوهر النفس وجوهر العقل وجوهر الضوء وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة المخلوقة. فإذا كانت الجواهر اللطيفة المخلوقة لا تقبل عرضاً ولا تشغل حيزاً، فيكون خالق الجواهر اللطائف والكثائف ومركب اللطائف بالكثائف يقبل عرضاً ويشغل حيزاً؟ كلا. والجواب من وجوه أحدها أن يقائم... وانتهى كلام هذا الرجل نعم.

فالآن ابن تيمية سيجيب عن كل كلام فقال: أحدها أن يقال: أما تسمية الباري جوهراً فهو من أهون ما ينكر على النصارى، يعني هذه أخف شغلة يعني هي نتناقش فيها نعم. قال: ولهذا كان من الناس من ينكره من جهة الشرع فقط أو اللغة، ومنهم من ينكره من جهة العقل أيضاً. من جهة الشرع أنه نن فقط ننكر ذلك؛ لأن الله لم يسمِ نفسه جوهراً ولم يصف نفسه بأنه جوهر، فنفي أن يسمى أو يوصف الله بالجوهرية فقط من جهة أن الشرع لم يأتِ بذلك، مش من جهة أن العقل يمنع ذلك، لا من جهة أن الشرع واللغة فقط هي التي تمنع نعم، أما في العقل لا أستطيع أمنع نعم.

ومنهم من يراه نزاعاً لفظياً، وطائفة من المسلمين يسمونه جوهراً وجسماً أيضاً، وذلك أن المسلمين في أسماء الله تعالى على طريقتين. فكثير منهم يقول إن أسماءه تسمية شرعية، إن أسماء الله الحسنى يجب أن تكون ثابتة بالسمع الشرعي فقط، فلا يسمى إلا بالاسماء التي جاءت بها الشريعة، فإن هذا عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع نعم.

منهم من يقول: ما صح معناه في اللغة وكان معناه ثابتاً له لم يحرم تسميته به، فإن الشارع لم يحرم علينا ذلك فيكون عفواً. والصواب القول الثالث وهو أن يفرق بين أن يدعى بالاسماء أو يخبر بها عنه. فاذا دعي... يفرق بين باب التسمية وباب الإخبار، باب الأسماء هنا الصفة، فأيضاً يدخل فيها طبعاً أن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء نعم.

فإذا دعي لم يدع إلا بماذا؟ إلا بالأسماء الحسنى، قلت: يا رب، يا رزاق، يا كريم، لا تدعو إلا بالاسماء الحسنى نعم أو الصفات نعم. قال: وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتج في تفهم الغير غير المراد إلى أن يترجم أسماءه بغير العربية أو يعبر عنه باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرماً نعم.

وأما الذين منعوه من جهه العقل فكثير منهم يقولون إن الجوهر ما شغل الحيز وحمل الأعراض والله سبحانه وتعالى... أما الذين يمنعون أن الله جوهر من جهة العقل فما علتهم؟ علتهم أنه ما هو الآن، علتهم هو تفسير الجوهر؛ إذا قلنا الجوهر هو ما شغل حيزاً نعم وحمل الأعراض. فهؤلاء الذين يرفضون تسمية الله يفرقون، الله ليس كذلك لا يشغل حيزاً ولا يحمل أعراضاً، بس هذا في مشكلة: كيف لا يحمل الله أعراضاً لا يحمل صفات نعم؟ وهذا قول من نفى ذلك من أهل الكلام، ومن هذا قول إيش أهل الكلام الذين ينفون الصفات عن الله نعم.

ومنهم يقول: الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع، وهذا إنما يكون فيما وجوده زائد على ذاته، واجب الوجود وجوده عين ذاته فلا يكون جوهراً، وهذا قول ابن سينا وأمثاله من متأخر الفلاسفة. أما قدماء الفلاسفة كأرسطو وأمثاله فكانوا يسمونه جوهراً، وأنها أخذت النصارى هذه التسمية؛ فإن أرسطو كان قبل المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة ولهذا فقال هؤلاء في كتابهم نعم.

أعجب مما ينكر ذلك هو قد قرأ شيئاً من كتب الفلاسفة والمنطق، وأما اللغة فإن لفظ الجوهر ليس من العربية، ولهذا لا يعرف في كلام العرب المحض، وإنما هو معرب كما ذكر الجوهر وغيره. قال الجوهر: الجوهر معرب، هي كلمة جوهر في الأصل مش كلمة عربية فصحى، هي أصلاً كلمة معربة مأخوذة من الأمم السابقة ثم عربت وخضعت لقواعد العربية نعم.

قال لا من العربية الأرباء كلفظ سجيل واستبرق وأمثال ذلك من الألفاظ المعربة من... وهذا اللفظ ليس موجوداً في القرآن، ومع هذا فلما عرب كان معناه في اللغة هو الجوهر المعروف وتسمية القائم بنفسه أو الشاغل للحيز جوهراً فهو أمر اصطلاحي. هذا أمر اصطلاحي متأخر ليس هو من الأوضاع اللغوية ولا العرفية العامة، بل حتى الأسماء الشرعية نعم.

قال: ليس هو من الأسماء اللغوية ولا العرفية العامة ولا الأسماء الشرعية، وقد قيل إنه مأخوذ من كلام الأوائل. الأوائل... الأوائل هنا يعني الفلاسفة الاقدمون كأرسطو نعم. قال: فإنه يوجد في كلامهم في تسمية القائم بنفسه جوهرات.

فالجوهر إذاً في اللغة العربية ما هو؟ الجوهر هو الجواهر المعروفة هذه هو الجوهر في اللغة، هي الجواهر المعروفة الحجارة والمعادن النفيسة. هذا معناه أن يسمى الشيء القائم بنفسه جوهراً، هذا اطلاق فلسفي ليس من اطلاقات العرب، يعني امرؤ القيس وطرفة بن العبد والأعشى لو سالتم عن الجوهر في ما هي الجوهر؟ سيقول لك الجوهر هي الأشياء النفيسة وليس كل شيء يقوم بنفسه يسمى جوهراً في أذهانهم نعم.

قال: وقد قيل سموه بذلك لأن جوهر شيء أصله القائم بنفسه الأصل، وقد يسمون عرض القائم بغيره جوهراً، وقيل لأن لفظ الجوهر فوعل من الجهر وهو الظهور والوضوح والقائم بنفسه يظهر ويعرف قبل أن يعرف ما قام به من الأعراض، والناس متفقون على إثبات الأعيان القائمة بنفسها التي تسمى جواهر أو أجسام، وتنازعوا في ثبوت الأعراض القائمة بها والنزاع عند محققهم لطيف؛ فإن عاقلاً لا ينازع أن الجسم يتحرك بعد سكونه، لكن منهم من يقول حركته ليست زائدة على ذاته، ومنهم من يقول هي زائدة على ذاته، وهو نظير نزاعهم في الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟ ليس زائدة على الذات نعم. والتحقيق أن مسمى الإنسان إذا أطلق دخل

فيه صفاته، وإذا بين هذا وهذا قيل الذات والصفات. ومن الناس من يخص بلفظ الأعراض ما لم يكن من الصفات لازماً للموصوف، والصفات اللازمة يسميها صفات ذاتية أو جوهرية. ومنهم من يقول من يخص بالعرض ما لا يبقى عنده زمانين، ويقول صفات المخلوق تسمى أعراضاً لأنها لا تقبل زمانين، بخلاف صفات الله فإنها عنده باقية فلا تسمى أعراضاً. ومن المسلمين من يسمى صفات كل موصوف أعراضاً، وإذا كان كذلك فلا يدخل في أسماء الله التي تذكر في أصول الإيمان التي يجب اعتقادها؛ من الأسماء ما هو اصطلاح طائفة من الناس مع أنه يوهم معنى باطلاً. وهذا الوضع مما اضطرب فيه مع النصارى كثير من الناس، منهم من يجعل الصفات أعياناً قائمة بنفسها وجواهر قائمة بنفسها، أن بعضهم يجعل الصفات هي نفسها أعيان وجواهر.

وهذا خطأ طبعا. ومنهم من يجعل الأعيان القائمة بنفسها صفات، والصفات لا تقوم بأنفسها بل لابد من موصوف تقوم به. والأولون نوعان؛ منهم من نفى الصفات وقالوا: لو أثبتنا له حياة وعلماً وقدرة لزم أن تكون هذه آلهة، فإن القدم أخص صفاته، فلو أثبتنا قديماً ليست هي الذات لزم أن يشارك الذات في أخص وصفها فتكون ذاتا أخرى قائمة بنفسها. وهذه طريقة كثير من نفاة الصفات من المبتدعة المسلمين واليهود والنصارى، احتجوا على نفي الصفات بأن لو أثبتناها لزم أن تكون آلهة.

وقال من قال من المتسمين إلى الإسلام: أن لو أثبتنا الصفات لقلنا بقول النصارى حيث أثبتوا لله الأقانيم. وحجة هؤلاء قائمة على النصارى، وهم النوع الثالث؛ فإنهم أثبتوا لله صفات جعلوها جوهراً قائماً بنفسه، وقالوا إن الله موجود حي ناطق، ثم قالوا حياته جوهر قائم بنفسه، ونطقه هو الكلمة جوهر قائم بنفسه، وقالوا في هذا إنه إله وهذا إله من إله، فأثبتوا صفات لله وجعلوها جواهر قائمة بنفسها، ثم قالوا الجميع جوهر، فكان في كلامهم أمور كثيرة من الباطل المتناقض. ومنهم من جعل الصفات جوهراً، ومنهم من جعل الجواهر المتعددة تجوهراً واحداً.

والذين قالوا من نفاة الصفات كالمعتزلة والجهمية: إن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، هو متوجه على من جعل الصفات جواهر. كيف يكون الآن المعتزلة؟ إيش تقول المعتزلة؟ من تقول؟ من أثبت الصفات فقد ضاها النصارى، جيد أن تفهم كيف يكون ضاها النصارى؛ لأن النصارى تجعل الصفات جواهر هنا. هون كشف لي هذا الموضع لماذا يقول المعتزلة بأن من أثبت الصفات فقد قال بتعدد القدماء؟ أليس هكذا يقول المعتزلة؟ يقولون: من أثبت لله الصفات العلى فقد قال بتعدد القدماء. أنت تقول: كيف يعني قال بتعدد القدماء؟ يعني إذا قلت إن الله عنده موصوف بالعلم والرحمة والحكمة، فهل هنا أنا أقول بتعدد الآلهة؟ ناه، إذا هذا يرجع لأي شيء؟ لأن المعتزلة ماشية على رأي النصارى الذين يقولون إن الصفات هي أصلاً جواهر، فإذا قلت إن الصفات جواهر مش أعراض، ففعلاً سيصبح إثبات الرحمة والحكمة وما شابه ذلك إثبات لجواهر متعددة في جوهر الذات، فكأنك تقول بتعدد القدماء، هذا كلام جيد.

والذين قالوا من نفاة الصفات كالمعتزلة والجهمية إن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، هذا متوجه على من جعل الصفات منهم إيش؟ جواهر، على المعتزلة الذين يرون أن الصفات جواهر. قال: ثم قال هؤلاء -وهؤلاء هم النصارى- يزعمون أن الصفات جواهر آلهة. ثم قال هؤلاء: لا إله إلا الله فلا صفات له. وقالت النصارى: بل الآب جوهر إله، والابن جوهر إله، وروح القدس جوهر إله، ثم قالوا والجميع إله واحد. ونفس تصور هذه الأقوال التصور التام يوجب العلم بفسادها.

وأما رسل الأتباع فنطقوا أن لله علماً وقدرة وغير ذلك من الصفات، وأثبتوا أن الإله إله واحد. فإذا قال القائل: عبدت الله ودعوت الله، فإنما دعا وعبد إلهاً واحداً هو ذات متصفة بصفات الكمال، لم يعبد ذاتا لا حياة لها ولا علم ولا قدرة، ولا عبد ثلاثة آلهة ولا ثلاثة جواهر، بل نفس اسم الله يتضمن ذاته المقدسة المتصفة بصفاته سبحانه. وليست صفاته خارجه عن مسمى اسمه ولا زائدة على مسمى اسمه، بل إذا قدرت ذات مجردة عن الصفات فالصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في الذهن المجردة عن الصفات، ليست الصفات زائدة على الذات المتصفة بالصفات، فإن تلك لا تحقق إلا بصفاتها، فتقديرها مجردة عن صفاتها تقدير ممتنع.

وقد تنازع المثبتة: هل يقال الصفات غير الذات؟ أم يقال ليست غير الذات؟ أم لا يقال هي غير الذات وليست غير الذات؟ أي النفي والإثبات. والتنازع في مسمى الغيرية: هل هما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر مطلقا؟ أو ما جاز مفارقته بوجود أو زمان أو مكان؟ أو هما لفظ الغير أيضاً؟ ما هو أصلاً معنى كلمة هذا غير هذا؟ ما معنى الغيرية؟ هل هما ما جاز مفارقة أحدهما للآخر مطلقاً هذا هو الغير؟ أو ما جاز مفارقته بوجود أو زمان أو مكان وإن لم يتفارقا مطلقاً؟ أو هما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر؟ وغاية ذلك كلها منازعات لفظية في التعريف.

وكثير منهم فرق في الصفات اللازمة بين بعضها وبعض، فجعل بعضها زائداً على الذات وبعضها ليس بزائد على الذات، وكان الفرق بحسب ما يتصوره لا بحسب ما الأمر عليه في نفسه، فكأنهم تصوروا الذات بدون صفة قالوا هذه زائدة، وإلا قالوا ليست زائدة، وهذا يقتضي أنها زائدة على ما يتصورونه هم من الذات؛ لأنه في الخارج ذات مجردة عن تلك الصفة وصفة زائدة عليها، بل ليس إلا الذات متصفة بتلك الصفات. ولكن يجب الفرق بين أن يقال إن الصفات غير الذات وبين أن يقال إنها غير الله؛ فإن اسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته.

فإذا قال القائل: دعوت الله وأبدت الله، فلم يرد اسم الله يشمل الذات مع الصفات معاً، فلا يريد أن تقول الصفات غير الله، لكن يصير تقول صفات الله غير ذاته يعني هذا معقول، أما الله هذا مثل عفواً كيف زيد، زيد أسامة خالد، هذه عبارة عن إيش؟ خالد هو عبارة عن ذاته وصفاته، هذا هو خالد، يصير تقول صفات خالد غير خالد؟ بس بتقول صفات خالد غير ذات خالد ماشي غير ممكن. قال فلم يدعو ذات مجردة ولا صفات مجردة بل دعا المتصفة بصفاتها، فاسمه تعالى يتناول ذلك، فليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه ولا زائدة على ذلك، وإن قيل أنها زائدة على الذات المجردة، ومن ظن أنها زائدة على الذات المتصفة بصفاتها التي تدخل صفاتها في مسماها فقد غلط.

ولكن في الأذهان والألسنة زلقة في هذا الموضع كثيرة، فإذا قيل الصفات مغيرة للذات لم يكن في هذا من المحذور ما في قولنا إن صفات الله غير الله، فإن اسم الله يتناول صفاته، فإذا قيل إنها غيره فهم من ذلك أنها مبينة له، وهذا باطل. ولهذا كان النفاة إذا ناظروا أئمة المسلمين -كما ناظروا الإمام أحمد بن حنبل في محنته المشهورة- فقالوا له: ما تقول في القرآن وكلام الله أهو الله أم غير الله؟ عارضهم بالعلم وقال لهم: ما تقولون في علم الله أهو الله أم غير الله؟ واجاب أيضاً بأن الرسل لم تنطق بواحد من الأمرين، فلا حجة لهم في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن الله لم يقل لكلامه أنا ولا قال إنه غيري، حتى يقول قائل إذا كان قد جعل كلاماً غيره وسواه فقد أخبر أنه خالق لكل ما سواه.

المهم إيش بده يقول لك؟ الله هو خالق كل شيء، إذا هو خالق كل ما سواه، فاذا قلت كلام الله هو سوى الله، إذا صار كلام الله مخلوق، هكذا يريد أن يقول أحمد، فهمتم؟ فيقول لهم: طب علم الله، هل تقولون علم الله سوى الله؟ إذا قلتم علم الله سوى الله إذا الله خالق كل شيء إذا هو خالق علمه، إذا صار برضه علمه مخلوق. ولهذا كان أحمد يناظرهم بالعلم وهي نقطة الاتفاق، فيقول: ما أقوله في الكلام وما أقوله في العلم؛ إذا قلتم علم الله مخلوق إذا كلام الله مخلوق. وهم كانوا لا يقولون إن علم الله مخلوق، إذا يقولون كلام الله غير مخلوق.

فإن كان الاحتجاج بالسمع فلا حجة فيه، وإن كان الاحتجاج بالعقل فالمرجع في ذلك إلى المعاني لا إلى العبارات. فإن أراد المريد بقوله الكلام هو علمه وغيره أنه مبين له فليس هو غير لهذا الاعتبار، وإن أراد بذلك أن نفس الكلام والعلم ليس هو العالم المتكلم فهو غير له بهذا الاعتبار. وإذا كان اللفظ مجملاً لم يجز اطلاقه على الوجه الذي يفهم منه المعنى الفاسد. وأما الذين جعلوا الأعيان القائمة بأنفسها صفات فهم هؤلاء المتفلسفة النفاة للصفات ومن أشبههم، فإنهم قالوا: إن رب العالمين عقل وعاقل ومعقول. ولفظ العقل عندهم وإن كانوا يقولون هو جوهر قائم بنفسه فقد صرف أيضاً بأنه نفسه علم، بأنه نفسه علمه، حتى صرحوا بأن رب العالمين علم كما صرح بذلك ابن رشد وغيره ونقلوه عن أرسطو، وأن العقول العشرة كل منها علم، فهو علم وعارف ومعلوم.

بل قالوا: عقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة، فجعلوه نفسه لذة وعقلاً وعشقاً، وجعلوا ذلك هو هو، وجعلوا ذلك هو العالم العاشق الملتذ، وجعلوا نفس العلم نفس العشق ونفس اللذة، فجعلوه نفسه صفات وجعلوه ذاتاً قائمة بنفسها، وجعلوا كل صفة هي الأخرى، وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه. ومنهم من لا يصرح بأنه هو نفسه علم فإنه يقول: هو عاقل معقول وعقل، يقول إنه يعلم نفسه بلا علم علمه، بل هو العالم وهو المعلوم وهو العلم، وحقيقة كلامهم تعود إلى قول أولئك، فإنهم إذا قالوا إن العلم الذي يعلم به ذاك هو العالم وهو المعلوم فقد جعلوا نفس العلم ونفس العالم ونفس العلم نفس المعلوم، وهي حقيقة قول أولئك، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.

الوجه الثاني: أن يقال لهم: انتم تقولون أنكم متبعون الكتب الإلهية، وإذا كان كذلك لم ينبغ لكم في شريعة إيمانكم من الأسماء إلا ما جاءت به الانبياء عليهم السلام، والأنبياء لم يسم الله أحداً منهم جوهراً، وإنما سمى الله بذلك أرسطو. هؤلاء كانوا مشركين يعبدون الأصنام ولم يكونوا يعرفون الله، الأصل لا تسموا الله جوهراً لأن هذا لم يرد في كتب الأنبياء، سموا الله بما سمت به الأنبياء. ولا يقولون إنه خالق السماوات والأرض، ولا إنه بكل شيء عليم، ولا على كل شيء قدير، وإنما كانوا يعبدون الكواكب العلوية والأصنام السفلية، ويعبدون الشياطين، ويؤمنون بالجبت والطاغوت.

وإنما صاروا مؤمنين لما دخل إليهم دين المسيح صلوات الله عليه وسلامه بعد الأسكندر المقدوني صاحب أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة، ويقول إن آخر ملوكهم كان بطليموس، وكانوا يسمون الملك من ملوكهم بطليموس، كما تسمي القبط ملكها فرعون، والحبشة ملكها النجاشي، والفرس كسرا ونحو ذلك. إذا عرفنا ليش الأطليمس والصادمي والميم والسين كثيرة عندهم. وحينئذ فعدولكم عن طريقة الأنبياء المرسلين إلى طريقة الكفار المشركين المعطلين من الضلال المبين. وفي كتبهم النبوية لما صاروا إلى أثينا دار الفلاسفة وفيها دار الأصنام، وجد مكتوباً على باب دار العلماء: الإله الخفي الذي لا يعرف هو الذي خلق العالم. فكانوا لا يعرفون رب العالمين، فكيف يعدل عن طريقة رسل الله وأبيائه كموسى وداود إلى طريقة أرسطو وغيرهم الذين كانوا لا يعرفون ربهم وكانوا تائهين حائرين عنه؟

ولكن النصارى ركبوا ديناً من دينين؛ من دين الأنبياء والموحدين قسطاً مما جاءت به الأنبياء، وقسطاً مما ابتدعوه من دين المشركين في أقوالهم وأفعالهم، كما أحدثوا ألفاظ الأقانيم وهي ألفاظ لا توجد في شيء من كلام الأنبياء أصلاً، وكما أحدثوا الأصنام المرقومة بدل الأصنام المجسدة، وكما أحدثوا الصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب بدل الصلاة لها. اعتادوا بالصلاة إلى حيث تظهر الشمس والقمر والكواكب عن الصلاة والسجود لها. اعتادوا بالصلاة إلى حيث تظهر، إلى مكان طلوع الشمس والقمر والكواكب، عن الصلاة والسجود لها، وكما أحدثوا الأصنام بدل الأصنام إلى السادة، والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب بدل الصلاة لها، والصلاة إلى حيث تظهر الشمس بدل الصلاة لها، والصلاة لوقتها.

أقم الصلاة لدلوك الشمس، لاوقاتها التي جعلها الله اوقاتاً يعلمون بها الدخول والخروج، كما هو الحال في الإسلام.

الوجه الثالث قولهم: إن الذي يشغل حيزاً ويقبل عَرَضاً هو الجوهر الكثيف، أما الجوهر اللطيف فما يقبل عَرَضاً ولا يشغل حيزاً؛ مثل جوهر النفس وجوهر العقل وجوهر الضوء. يعني الذين يريدون أن يسمُّوا الله جوهراً، إذا اعترض عليهم بأن الجوهر هو ما يشغل حيزاً ويقبل عَرَضاً، فالبعض يقول: لا، هذا تعريف الجوهر الكثيف، بس هناك الجواهر اللطيفة، فيمكن أن يُسمَّى الله أنه جوهر لطيف، وبالتالي الجوهر اللطيف ليس من الضرورة أن يشغل حيزاً.

فقالوا: الكلام في الجواهر هي مقسمة إلى متحيز وغير متحيز، أو كلها متحيز متصل بالكلام على نفس الإنسان الناطقة. فنقول: إن المسلمين من أعظم الناس معرفة بوجود الملائكة والجن، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك سلف الأمة وأئمتها يعرفون وجود النفس التي هي روح الإنسان التي تفارق بدنه حين الموت، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة. وإن كان كثير من أهل الكلام يزعم أنها عرض من أعراض البدن أو جزء من أجزائه، فهذا قول مخالف للإسلام؛ لأن الروح جوهر وليست عرضاً. الروح جوهر وليست عرضاً، نحن لا نراها لا نشاهدها، لكن القول بأنها عرض وصفها هذا قول مُحدث في الإسلام، لم يذهب إليه أحد من السلف والأئمة، وإن كان معظماً عند أكثر المتكلمين، فليس هذا الذي قالوا هذا من سلف الأمة ولا من أئمتها، وهم من أهل الكلام المُحدث المذموم.

فالروح في عقيدة أهل السلف هي ماذا؟ هي جوهر. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. وأئمة الأمة وكثير من المتفلسفة داخلين في أهل الملل، يقولون إن الذوات التي يسميها الأنبياء والملائكة، هي التي تسميها المتفلسفة المشاؤون عقولاً أو عقولاً ونفوساً، وهذا غلط عظيم كما قد بُسِط في موضعه. فإن العقول التي يثبتها هؤلاء المتفلسفة لا حقيقة لها عند الرسل وأتباعهم، بل ولا حقيقة لها في المعقول الصريح، بل حقيقة كلامهم أنها أعراض قائمة بنفسها. وقد صرحوا بأن واجب الوجود نفسه هو علم، وجعلوا نفس العلم هو نفس العالم. ونفس تصور هذا القول يكفي في العلم بفساده، كما أن هؤلاء متفلسفة أتباع أرسطو لا يعرفون الملائكة بل ولا الجن، وإنما علمهم في معرفة الأجسام الطبيعية، وتكلموا في الإلهيات بكلام قليل نَزْرٍ باطل، باطله أكثر من حقه كما قد بُسِط في هذا الموضع في غير هذا الموضع أو في موضع آخر.

وهؤلاء يزعمون أن العقل الأول ابدع ما دونه من العقول والافلاك إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر، فهو مبدع ما تحت فلك القمر. وهذا كله من أعظم الكفر عند الرسل وأتباعهم أهل الملل، فإن مضمون هذا أن ملكاً من الملائكة خلق كل ما تحت السماء، وملْكاً فوقه خلق كل ما سوى الله سبحانه. هذا من أعظم الكفر في دين المرسلين وأهل الملل المسلمين واليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 26-29].

فأخبر أن الملائكة لا تسبقه بالقول ولا تعمل إلا بأمره، فضلاً عن أن يكون مَلَكٌ خلق كل شيء. وهؤلاء يقولون إن الوحي والكلام الذي جاءت به الرسل إنما هو فيض من هذا العقل الفعال على قلوب الأنبياء، والله تعالى عند هؤلاء لم يكن يعرف الجزئيات، بل عند أرسطو وأتباعه أنه لا يعلم شيئاً من الأشياء، بل ولا يقدر عندهم على خلق شيء، فضلاً عن أن يكون على كل شيء قديراً وأن يكون أحاط بكل شيء علماً.

وأرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام بمقدونيا وأثينا وغيرهما من مدائن الفلاسفة اليونان، وكان وزيراً للإسكندر بن فيلبس المقدوني، وكان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة، ولم يكن وزيراً لذي القرنين الذي بنى سد يأجوج ومأجوج. وأئمة علم القوم علم الطبيعيات والحسابيات، وأما العلم الإلهي فهو الذي يسمونه علم ما بعد الطبيعة ميتافيزيقيا، وهو منتهى فلسفتهم. فإنما يتكلمون فيه -يعني أرسطو وجماعته- لما تكلموا في الأمور الإلهية، يتكلمون بأمور كلية؛ قسموا الوجود إلى جوهر وتسعة أعراض. تمام، يسمونها العقول والافلاك هذه. نعم، يجمعها بيتان:

زيد الطويل الأسود بن مالك في داره بالأمس كان متكئْ في يده سيف نظاه فانتضى هذه عشر مقولات سِوَى

هذه عشر مقولات. وهي الجوهر، والكم، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والملك، والوضع، وأن يفعل، وأن ينفعل. نعم، عشر مقولات. وقد نَزَع اتباعه وغيرهم في هذا الحصر، وقالوا إنه لا دليل عليه. منهم من قال غير ذلك، وأثبت العلة الأولى بناءً على حركة الفلك، وأنه يتحرك حركة شوقية. الحب والشوق هو الذي يحركه، فلا بد له مما يتشبه به، فالعلة الأولى هي الغاية التي يتشبه بها الفلك، فالفلك يتشبه بالإله؛ اللي هي العلة الأولى. فالعلة الأولى هي غاية لحاجة الفلك إليها من جهه أنه يتحرك متشَبِّهاً بها، فأصل العالم هو الحب يعني، كحركة المُؤتَمِّ بإمامه والمقتدي بقدوته، وقد يقولون: كتحريك المعشوق لعاشقه. وكلام أرسطو في ذلك موجود، وقد نقلته بألفاظه وتكلمت عليه في غير هذا الموضع، وقد ذكرت ذلك في مقالة اللام، وهي آخر فلسفته ومنتهى حكمته في كتابه أثولوجيا. ولم يثبت أن الرب مبدع للفلك ولا علة فاعلة، ولا يُسمى واجب الوجود، ولا قسَّم الموجودات إلى واجب قديم وممكن قديم، بل ذلك فعل المتأخرين كأبُلِيسين وأمثاله. وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع.

والمتأخرون الذين سمعوا كلام اهل الملل، أرادوا اصلاح كلامه وتقليبه إلى العقول؛ لعله يوافق المعلم بصريح المعقول وصحيح المنقول، فتكلم عليه ثابت بن قرة، وبيّن أن الفلك لا قوام له إلا بطبيعته، ولا قوام لطبيعته إلا بحركته، ولا قوام لحركته الإرادية إلا بمحرك لها. وزعموا أن المحرك يجب أن لا يكون متحركاً، وقرروا ذلك بأدلة فاسدة قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع. فقالوا إنما تحرك الفلك من جهة نسبة الفلك به، وإن لم يكن هو القادر على تحريك الفلك بل ولا شعور منه بالفلك، وعبر عن ذلك ابن رشد الفيلسوف وأمثاله، فقالوا: إنه يأامر الفلك بالحركة، وقوام الفلك بطاعته لأمر الله، مع أنه عندهم لا إرادة له ولا علم له بما يأمر به، بل كونه آمراً وهو معنى كون الفلك يتشبه به، كما يأمر المعشوق عاشقه ويحبه، إن كان المعشوق لا شعور له ولا إرادة في أن يحبه ذلك. ثم لو قُدِّر أنه هو الآمر، فإنما يصدر بسبب أمره مجرد حركة الفلك، ولهذا شبه ذلك بأمر السلطان العسكري بأي بأمر يطيعونه فيه، فجعلوا الحركات معلولة بهذا الاعتبار، لم يثبت أنه أبدع شيئاً من الأفلاك والعناصر والمولدات ولا العقول ولا النفوس ولا أبدع أعيانها ولا صفاتها ولا أفعالها، بالغايه أن يكون آمراً لها بالحركة كالملك لعسكره، مع أنه عندهم ليس آمراً بالحقيقة بل ولا علم له بشيء من الموجودات، بل غاية ما يزعم أرسطو وأتباعه أن للفلك حاجة إليه من جهة تشبهه به، وأما يكون هو علة موجبة للفلك فإنما يقول هذا من يقوله من متاخري الفلاسفة كابن سينا.

يعني أرسطو لم يجعل الله علة فاعلة خالقة، جعل الله علة غائية؛ يعني الفلك يتشبه به فهو غاية يحاول الفلك أن يتشبه بها. والذي جعل الله علة فاعلة هو ابن سينا من المتفلسفة الذين يسيرون على طريقة أرسطو. وأما الفارابي فهو الذي بسط القول في هذا الباب وقسم الموجودات إلى واجب الوجود وممكن الوجود، وجعل الأفلاك واجبة ممكنة به. وفي ذلك من الفساد والاضطراب ما قد بسط في غير هذا الموضع.

وبنى ابن سينا الكلام في نفي صفاته سبحانه على كونه واجب الوجود، وهذا يشبه أنه هو واجب الوجود على طريقة أرسطو تقتضي ألا يكون فيه أي صفة من الصفات، وابن سينا تبع أرسطو في هذا فجعل كون الله واجب الوجود إذاً هو ذات مجردة عن الصفات، وأما الفارابي في كتابه المدينة الفاضلة وغير ذلك فاعتمد على كونه أول. وكذا أرسطو في كتاب أثولوجيا اعتمد على كونه هو الأول وشبهه بالأول في العدد، وعلى ذلك بنوا فيه الصفات، وإنما لو أثبتناها لخرج عن كونه أول، مع أنهم لم يقيموا حجة على كونه أول بهذا المعنى الذي زعموه، كما لم يقيموا حجة على كونه واجب الوجود بالمعنى الذي ادعوه.

إذاً ابن سينا لما نفي الصفات نفاها على كونه واجب الوجود؛ يعني هذا هو المبدأ اللي ابن سينا بنى عليه نفي الصفات: أنه واجب الوجود، فيجب عنده أن يكون ما دام وجوده واجباً أن يكون مجرداً عن الصفات باعتبار أن الصفات ستكون حادثة. أما الفارابي وكذا أرسطو فبنوا أي إنه مجرد عن الصفات على فكرة الأولية، وليس على فكرة واجب الوجود.

بل تكلموا بألفاظ مجملة متشابهة تحتمل حقاً وباطلاً، فإنه معلوم أن الله واجب الوجود بذاته، موجود بنفسه، وأنه الأول ليس قبله شيء، الأول الذي ليس قبله شيء، وهو القديم الأزلي الذي لم يزل. وهؤلاء جعلوا وجوب الوجود بمعنى أنه لا يتعلق بغيره فلا يكون له صفة، فابن سينا وأمثاله جعلوا وجوب الوجود بمعنى أنه لا يتعلق بغيره فلا يكون له صفة بناءً على ذلك، ليس له أي تعلقات. واذا إنه جعل كأنه إذا قلت: إن له علم له قدرة، كأنك جعلت له تعلق، فإذا قلت فابن سينا يعتقد أن كونه واجب الوجود يعني ليس له أي تعلق بشيء، بأي شيء، حتى بالصفات. تمام، وبالتالي خلاص أصبح مجرد عن الصفات؛ لأنه إذا أثبت صفات أثبتت له تعلق، والتعلق ينافي معنى أنه واجب الوجود على فكر ابن سينا طبعا.

وكونه أول بمعنى أول الأعداد الذي لا تعدد فيه، ومعلوم أن الواحد والأول المجرد عن كل شيء إنما هذا موجود في الأذهان لا في الأعيان. لما نقول: إن الواحد الذي لا تعدد فيه نقول قضية شيء واحد وأول لا صفة له بشكل من الاشكال، هذه ما لها وجود في الخارج، إنما وجودها فقط في الذهن، زي كلمة الكلي والمطلق اللي مر معنا. فالذهن يقدر واحداً واثنين وثلاثة وأربعة إلى سائر الاعداد المجردة، والأعداد المجردة عن المعدود إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان. فأما الموجود في الخارج فإنما هي أعيان قائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها، والأول منها هو ذات متصفة بصفات لا توجد في الأعيان، ليس بذات قائمة بنفسها، لا يوجد في الأعيان ما ليس بذات قائمة ولا صفة قائمة بغيرها، بل لا توجد ذات مجردة عن صفاتها.

هذه الامور مبسوطه في غير هذا الموضع، ولكن نبهنا هنا عليها؛ لأن هؤلاء القوم قالوا: إننا نعجب من هؤلاء القوم أنهم ذو فضل وادب ومعرفه، ومن هذه صورته وقد قرأ شيء من كتب الفلاسفة والمنطق، فما حقهم ينكرون علينا هذا. فكل كلام هؤلاء النصارى يتضمن تعظيم الفلاسفة وأهل المنطق، وأن من قرا كتبهم عرف بها من الحق في الإلهيات ما لا يعرف سائر أهل الملل، وهذا يدل على جهل هؤلاء النصارى بما جاءت به الرسل مما يعرف بالعقل المحض. فأما الأول: فالمسيح واتباعه كالحواريين.

ومن اتبعهم ليس فيهم من عظم هؤلاء الفلاسفة ولا استعان بهم ولا التفت إليهم، بل وهم عندهم من أئمة الكفر ورؤوس الضلال. وكذلك موسى واتباعه، وكذلك محمد واتباعه صلى الله عليه وسلم، فليس في رسل الله وأنبيائه ولا في اتباعه من يعظمهم ولا يستعين بكلامهم، بل الرسل واتباعهم متفقون على تضليلهم وتجهيلهم. وأما العقليات فإنما يعظم هؤلاء كلام هؤلاء الفلاسفة في العلوم الكلية والإلهية من هو أجهل الناس بالمعارف الإلهية والعلوم الكلية؛ إذ كان كلامهم في ذلك فيه من الجهل والضلال ما لا يحيط به إلا ذو الجلال.

وإنما كان القوم يعرفون ما يعرفون من الطبيعيان والرياضيات كالهندسة وبعض الهيئة وشيئاً من علوم الأخلاق والسياسات المدنية والمنزلية التي هي جزء مما جاءت به الرسل. واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم من هؤلاء بالعلوم الإلهية والأخلاق والسياسات فضلاً عن ما وراء ذلك. فاعتضاد هؤلاء النصارى بهؤلاء المتفلسفة يدل على عظيم جهلهم الشرعيات والعقليات، وهذا قد بسط الكلام عليه في مواضع متعددة؛ إذ كان الرد على الفلاسفة لا يختص به النصارى بل الكلام في ذلك معهم ومع من يعظمهم من أهل الملل عموماً.

ومعلوم أن المنتسبين إلى الإسلام من اتباع الفلاسفة كالفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وأمثالهم أحذق بهم وأعلم من النصارى بالفلاسفة وطرائقهم، يعني متفلسفة الإسلام أحذق بالفلاسفة وبما يأخذون منهم وبمناهجهم من النصارى. وكتب الفلاسفة التي صارت إلى الإسلام من الطب والحساب والمنطق وغير ذلك كذبها المنتسبون إلى الإسلام فجاء كلامهم فيها خيراً من كلام أولئك اليونان والنصارى. واليهود إنما يعتمدون في هذه العلوم على ما وصفه هؤلاء المنتسبون للإسلام مع أن هؤلاء عند علماء المسلمين جهال ضلال في الإلهيات والكليات، فكيف يكون سلفهم من يعظمهم اليهود والنصارى.

وإنما صار أولئك اليونان عارفين بالله موحدين له عابدين له مؤمنين بملائكته وكتبه ورسله لما دخل إليهم اتباع المسيح يدعونهم إلى دين الله الذي بعث به المسيح، وكل من كان من اتباع المسيح غير مبدل لشيء من دينه قبل النسخ فإنه من المؤمنين المهتدين وهو من أولياء الله وهو من أهل الجنة. المسيح الذي جاء قبل التبديل يعني قبل أن يحصل التثليث في دين النصارى هذا المسيح الأولي هذا إن شاء الله من الموحدين ومات على ذلك.

ومن ظن أن كلام الرسل يوافق هؤلاء اليونان فإن ذلك يدل على جهله بما جاءت به الرسل وبما يقول هؤلاء، وإنما يوجد مثل هذا في كلام الملاحدة من أهل الملل وملاحدة اليهود والنصارى وغيرهم كأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من الملاحدة المنتسبين إلى التشيع من الإسماعيلية الباطنية، أو إلى تصوف كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما، وفي الكتب المضنون بها على غير أهلها ونحو ذلك من الكلام المنسوب إلى أبي حامد قطعة من ذلك.

ورسائل إخوان الصفا يقال لك اثنتان وخسمون مقالة، منها إحدى وخمسون مقسمة على أربعة أقسام رياضية وطبيعية وعقلية وإلهية وأخيرة جامعة لأنواع المقالات، والفوهم إخوان الصفا وخِلان الوفا جماعة من الباطنية الإسماعيلية. وهؤلاء يحتجون بالحديث المأثور: «أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، بك آخذ وبك أُعطي وبك الثواب وعليك العقاب». وهذا الحديث كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك أهل العلم بالحديث كأبي جعفر العقيلي وأبي حاتم بن حبان البستي وأبي الحسن الدارقطني وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم.

وكتاب المضنون به على غير أهلها هل هو كلام أو كتاب للغزالي حقيقة؟ والبن سبكي في الطبقات يقول إن الغزالي كتب كتابين؛ كتاب المضنون به على غير أهلها الكبير، وكتاب المضنون به على غير أهلها الصغير. بس كتاب المضنون به على غير أهلها الكبير حقيقة كفر يعني كفر، بس الأشاعره ينفون نسبته وفيه من الكفريات حتى إن كثيراً من الأشاعرة وغيرهم يقولون: وفيه من الكلام لو كان يعتقد أبو حامد الغزالي لكان كفرا. بس البعض اعتذر أنه إذا صحت نسبته إليه فهذا كان قبل ما يترك مذهب الفلاسفة؛ تعرفون جاءت فترة كان ضائعاً فيها الغزالي منقذ من الضلال والقصص هذه وأنه بعدين تاب من هذا الكلام وعاد. والبعض كما قال لك ينفي نسبة المضنون به على غير أهلها؛ يعني هو حتى مسمي كتابه هكذا المضنون به على غير أهلها، يعني هذا الكلام لا يقرؤه إلا اللي يفهم لغتنا، اللي ما يفهمش لغتنا ما يقرأش، فيقول اسم المضنون به على غير أهلها. فالبعض يقول هما كتابان كبير وصغير، الكبير مش من كلام أبي حامد، الصغير من كلامه؛ في يعني في الكبير ما يقول، الكبير هو من كلام أبي حامد الغزالي، وهذا كان قبل أن يتوب ويترك الفلسفة. البعض يعني في إشكالات كبيرة حول هذا الكتاب.

قال: وهذا الحديث أول ما خلق الله العقل كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك أهل العلم بالحديث كأبي جعفر العقيلي وأبي حاتم بن حبان البستي وأبي الحسن الدارقطني وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم. ثم لفظه: لو كان صحيحاً حجة على القوم مطلوبهم؛ فإنه قال: أول ما خلق الله العقل قال له، بنصب أولاً، وفي لفظ: لما خلق الله العقل قال له. فلفظ يقتضي أنه خاطبه في أول ما خلقه، فحرفوا لفظه قالوا: أول ما خلق الله العقل بالضم، وليس هذا لفظه، ولكن لفظه يقتضي أنه خاطبه في أول اوقات خلقه، ولهذا قال: ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، هذا يقتضي أنه خلق قبله وغيره. وعندهم هو أول المبدعات يمتنع أن يتقدم شيء، ومع أنه وسائر العقول والافلاك عندهم قديمة أزلية لم تزل ولا تزال. ثم قال: بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب؛ فجعل به هذه الأنواع الأربعة، عندهم أن العقل صدر عنه جميع العالم العلوي والسفلي، وذلك أن لفظ العقل في الحديث -سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً- هو العقل في لغة الأنبياء والمرسلين هو عقل الإنسان وهو عرض قائم به، وهذه صفة قائمة بالإنسان ليس هو جوهراً قائماً بنفسه.

والعقل في لغة هؤلاء الفلاسفة هو جوهر قائم بنفسه. وأما النفس الفلكية فلهم فيها قولان؛ قيل إنها عرض قائم بالفلك وهو قول أكثرهم، وقيل بل جوهر قائم بنفسه ولهذا يميل ابن سينا، وهذه الأمور مبسوطه في موضع آخر. والمقصود هنا ذكر هؤلاء النصارى أن ثَم جوهراً لطيفاً غير الجوهر الكثيف، ومثلوا ذلك بالنفس والعقل والضوء. ثم لم يقيموا على ثبوت شيء من ذلك دليلاً، ولا دليلاً مما دلت عليه الكتب الإلهية، فإن النفس الفلكية على قول العشرة لم ينطق بها كتاب ولا رسول بل ولا دل عليها دليل عقلي، وأدلة المتفلسفة عليها ضعيفة، وإنما دل العقل على ما أخبرت به الرسل من الملائكة.

ولكن هؤلاء الذين حملوا كلام الرسل على ما يوافق قول المتفلسفة يجعلون اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية، كما يجعلون العقل والقلم هو العقل الأول، والعرش هو الفلك التاسع وغير ذلك مما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر. وإذا لم يقيموا حجة شرعية ولا عقلية على ما مثل به من الجواهر اللطيفة لم يكن لهم حجة على من قال إن الجوهر ما يشغل حيزاً ويقبل عرضاً. ولما قرنوا النفس بالعقل كان ذلك ظاهراً في أنهم أرادوا النفس الفلكية، فأما إن أرادوا النفس الإنسانية فهذه ثابتة أخبرت بها الرسل واتباعهم كما قد بسط في موضعه، لكن هذه لا تقرن بالعقل الذي هو جوهر، والعقل صفة، وهو مصدر عقل يعقل عقلاً، وقد يراد بالعقل غريزة قائمة بها ويراد بالعقل العمل بالعلم كما قد بسط في موضع آخر.

الوجه الرابع: قولهم وجوهر الضوء. فيقال لهم: إن أرادتم بالضوء نفس الشمس والنار فهذا جسم متحيز يشغل حيزاً ويقبل عرضاً ليس هو من الجواهر اللطيفة التي مثلتم بها، وإن أرادتم بالضوء الشعاع القائم بالهواء والجدران ونحو ذلك فليس هذا بجوهر ولا لطيف ولا كثيف بل هو عرض قائم بغيره.

الوجه الخامس: قولكم إن الجوهر اللطيف لا يقبل عرضاً كلام ممنوع وهو باطل أيضاً؛ فإن نفس الإنسان تقبل الأعراض القائمة بها، وكذلك النفس الفلكية عند إثباتها تقوم بها إيرادات وتصورات متجددة. ولفظ العرض في اصطلاح النظار يراد به ما قام بغيره سواء كان صفة لازمة أو عارضة. هذا موجب تقسيم النصارى كما هو قول الفلاسفة، وأنهم قالوا: ليس في الوجود شيء إلا وهو إما جوهر وإما عرض؛ لأنه أي أمر نظرنا وجدناه إما قائماً بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره فهو جوهر، وإما مفتقراً في وجوده إلى غيره لا قوام له بنفسه وهو العرض. وقالوا: لا يمكن أن يكون لهذين قسم ثالث، وهذا الذي قالوه هو تقسيم أرسطو واتباعه، وهو يسمي المبدأ الأول جوهراً، وهذا تقسيم سائر النظار، ولكن أكثرهم لا يدخلون رب العالمين في مسمى الجوهر ومنهم من يدخله فيه وبعض النزاع في ذلك لفظي.

وإذا كان الأمر على ما قالوه فالضوء القائم بالأرض والهواء عرض ليس جوهراً قائماً بنفسه، وهم قد جعلوه جوهراً وهذا تناقض بين. وأيضاً فالجواهر اللطيفة تقوم بها الأعراض كالحياة والعلم بل والرب على قولهم تقوم به الحياة والعلم، فاذا سموه جوهراً لزمهم أن يسموا صفاته أعراضاً؛ لأنهم النصارى يرون أن الله موصوف بالحياة والعلم الابن وروح القدس في معناه الحياة والعلم، مش طول الكتاب نحكي كذا فكيف إذا الله جوهر لطيف والجوهر اللطيف لا تقوم به الأعراض وأنتم أصلاً تقولون إن الله تقوم به الحياة والعلم وانه ثلاثي الصفات؟ يعني هذا كله يدلك على أن النصارى أحياناً لا يعرفون ماذا يأخذون وماذا يتركون.

قال: فإذا سموا جوهراً لزمهم أن يسموا صفاته أعراضاً، إذ قالوا: لا موجود إلا جوهر أو عرض، فهذا يناقض قولهم: الموجود إما جوهر وإما عرض، فليس في الموجودات إلا هذا وهذا. بل موجب كلامه قائمة بذات الله فكيف بذات غيره. وإذا قالوا يعني بالأعراض الصفات العارضة أو القائمة بالأجسام كان هذا مناقضاً لقولهم: الموجود إما جوهر وإما عرض، مع قولهم إن الرب جوهر ثلاثة أقانيم الأقنوم ذات صفة. مع قولهم إن الرب جوهر فقولهم يقتضي أن الرب جوهر تقوم به الأعراض فكيف غيره؟

ثم قال: إذا قدر أنهم يدعون ثبوت جوهر لا تقوم به الأعراض فهذا اصطلاح لهم وافقوا فيه نفاة الصفات من الفلاسفة كالسرمذيين؛ فإنهم يقولون إن الرب جوهر لا يتصف بشيء من الصفات الثبوتية، لكن ليس هذا قول النصارى. فتبين عنهم في قولهم إن الرب جوهر وفي قولهم إن من الجواهر ما لا تقوم بالصفات موافقون المشركين الفلاسفة واتباعه، لا موافقين للمسيح والحواريين، وأنهم أثبتوا الصفات لا موافقة للمسيح والحواريين ثم جعلوه جوهرا، ثم قالوا إن الجوهر اللطيف لا تقوم به الصفات وهذا قول الفلاسفة المشركين المعطلين، وهذا تحقيق ما ذكرناه عنهم من أنهم ركبوا ديناً من دين المسيح والحواريين ومن دين الكفار المشركين ونظار المسلمين.

فهؤلاء إن عنوا بالعرض هذا فكل جوهر يقبل الصفات، وإن أرادوا بالعرض ما تعنيه المتفلسفة بالصفات العرضية التي يفرقون بينها وبين الذاتية مع أن هذا ليس مقتضى كلامه، فقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن تقسيم هؤلاء الصفات اللازمة للموصوف ذاتية عرضية تقسيم باطل. وتقديره أن يكون حقاً فالنفس أيضاً تقبل الصفات العرضية بل وكذلك كل جوهر سواء كان لطيفاً أو كثيفاً. فقولكم إن الجوهر اللطيف لا يقبل عرضاً مثل جوهر النفس وجوهر العقل وجوهر الضوء وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة كلام باطل على كل تقدير، وإن نووا بلفظ العرض شيئاً آخر لم ينفعهم ذلك؛ فإن المتكلمين الذين قالوا الجوهر ما يشغل حيزاً يقبل عرضاً إنما أرادوا بالعرض ما يقوم بغيره من المعاني سواء كان لازماً له أو عارضاً له.

ومعلوم أن كل جوهر فانه تقوم به المعاني، والخالق تعالى عندهم يقوم بالحياة والعلم، فإذا كان الخالق تعالى تقوم به المعاني وهم يسمونه جوهراً فكيف لا تقوم المعاني بغيره؟ وهؤلاء يثبتون جوهراً لطيفاً لا تقوم به الأعراض مع قولهم إنه تقوم به المعاني، وهذا اصطلاح لهم لا يوافقهم عليه أحد، وهذا كما يتناقضون فيقولون الموجود إما جوهر وإما عرض. وهذا تناقض ونظار المسلمين وهؤلاء إذا يثبتون جوهراً لطيفاً لا تقوم به الأعراض مع قولهم إنه تقوم به المعاني، طب ما المعاني هي الأعراض! يعني أنت تنفي الشيء وتثبته بطريقة أخرى. قال هذا اصطلاح لهم لا يوافقهم عليه أحد، ثم يتناقضون فيقولون الموجود إما جوهر وإما عرض.

عرض، مع أنهم يثبتون جوهر تقوم به معاني وليست أعراض؛ إذا صار في شيء ثالث، كيف تحصل الوجود؟ إما جوهر وإما عرض، ثم تثبت المعاني التي ليست بجواهر ولا أعراض؟ إذا الأصل تقول الوجود إما جوهر وإما عرض وإما معنى.

ونظار المسلمين لهم في تسمية صفات الله القائمة به أعراضاً نزاع بينهم؛ بعضهم يسميها أعراضاً وبعضهم ينكر هذه التسمية، مع اتفاق هاتين الطائفتين على قيام الصفات به، وجمهور نظار المسلمين لا يسمونه جوهرا وبعضهم يسميه جوهرا. وأما من أنكر قيام الصفات به فذاك لا يسمي الله جوهرا ولا جسما. هؤلاء النصارى متناقضون تناقضا بينا، ولهذا كان لهم طريقة لا يوافقهم عليها أحد من طوائف العقلاء، وذلك يظهر بالوجه السادس، وهو أن الناس لهم في إثبات الصفات القائمة بذات الله تعالى قولان؛ فسلف المسلمين وأئمتهم جمهور الخلق من أهل الملل وغير أهل الملل يثبتون قيام الصفات بالله تبارك وتعالى.

هل تسمى أعراضاً ولا لا؟ صفات الله على قولين. القول الثاني قول من ينفي الصفات، مثل الملأحدة الجهمية ونحوهم من مبتدعة المسلمين، وأما وفقهم من الفلاسفة وبعض اليهود والنصارى، فهؤلاء لا تقوم بهم المعاني والصفات عندهم، فلا يقولون تقوم به الأعراض. ثم من هؤلاء من يسميه جوهرا كأرسطو واتباعه، ومنهم من لا يسميه جوهرا كمتاخري الفلاسفة ابن سينا وأمثاله، مع جمهور نظار المسلمين وغيرهم سواء سموه جوهرا أو لم يسموه. وأما الجمهور القائلون بقيام المعاني به فبعضهم يسميها أعراضاً، وقد سماها بعضهم جوهرا، وبعضهم ينفي أن يكون أعراضاً، وبعضهم يسكت عن النفي والإثبات فلا يسميها أعراضاً ولا ينفي التسمية بذلك أو يستفصل القائل عن كونه أعراضاً؛ ما معنى العرض؟

وأما هؤلاء النصارى فقالوا: هو جوهر ثلاثة أقانيم، وصفوه بالصفات الثبوتية وهي حياة النطق. وقالوا: الموجود إما جوهر وإما عرض، فلزمهم أن تكون صفات الله أعراضاً عندهم، صح؟ لأنهم قالوا: هو جوهر مكون من ثلاثة أقانيم ووصفوه بصفتين أساسيتين ابتداءً وهي الحياة والنطق أو الحياة والعلم. إذا ما دام جوهرا ووصفتموه بالحياة والعلم، إذا هو جوهر له ايش صفات؟ ممتاز.

ثم بعد ذلك شو بقولوا النصارى؟ الموجود إما جوهر وإما عرض، فلازمهم أن تكون الحياة والنطق عبارة عن ايش؟ أعراض وصفات، وهي أعراض، فلازم تثبتوا العرض. ثم قالوا: الجوهر اللطيف لا تقوم به أعراض، والرب جوهر لطيف، إذا لا تقوم به الأعراض. طب هيك أنتم تناقضتم؛ اثبتتم أن الله له صفات، وهذه الصفات لا يمكن إلا أن تكون ماذا؟ أعراضاً، لأن الوجود عندكم في فلسفتكم وهو الصحيح إما جوهر وإما عرض، ثم بعد ذلك قلتم: بس هو جوهر لطيف الله، والجوهر اللطيف لا تقوم به الأعراض، فنزهتم الرب أن تقوم به الأعراض مع قولهم إنه جوهر، فتناقضوا تناقضا بينا حيث جمعوا بين كلام الرسل واتباعهم وبين كلام المشركين المعطلة الفلاسفة، فما تلقوا عن المسيح فهو حق، وما ابتدعوه من قول من خالف الرسل من المشركين وجماعة أرسطو فهو باطل، فجمعوا في قولهم بين الحق والباطل وسلكوا مسلكا لا يعرف عن غيرهم.

وايضاح هذا أن يقال في الوجه السابع: أن هذا الذي ذكره تناقض بين، فإنهم قالوا: الموجود إما جوهر وإما عرض، القائم بذاته هو الجوهر والقائم بغيره هو العرض. ثم قالوا: إنه موجود حي ناطق له حياة ونطق، فيقال لهم: حياته ونطقاه إما جوهر وإما عرض، وليس جوهرا لأن الجوهر يقوم بنفسه، والحياة والنطق لا يقومان بأنفسهما بل بغيرهما فهما من الأعراض، فتعين أنه عندهم جوهر تقوم به الأعراض مع قولهم إنه جوهر لا يقبل عرضا. فإن قيل: أعراض بقولهم لا يقبل عرضا، ما كان حادثا؟ فهذا ينقض تقسيمهم الموجود إلى جوهر وعرض، فإن المعنى القديم الذي يقوم به ليس جوهرا وليس حادثا، فإن كان عرضا فقد قام به العرض وقبله، وإن لم يكن عرضا بطل التقسيم.

يبين هذا أنه يقال: أنتم قلتم إنه شيء حي ناطق، وقلتم هو ثلاثة أقانيم، وقلتم المتحد بالمسيح أقم الكلمة، وقلتم في الأمانة: نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر. ثم قلتم إن الرب جوهر، وقلتم إن الذي يشغل حيزا ويقبل عرضا هو الجوهر الكثيف، أما الجوهر اللطيف فلا يقبل عرضا ولا يشغل حيزا، مثل جوهر النفس وجوهر العقل وما يجري هذا المجرى من الجواهر اللطيفة. فإذا كانت الجواهر اللطيفة المخلوقة لا تقبل عرضا ولا تشغل حيزا، فيكون خالق الجواهر اللطائف والكثائف ومركب اللطائف بالكثائف يقبل عرضا ويشغل حيزا؟ كلا!

قال فصرحتم بأنه جوهر لا يقبل عرضا، وقلتم ليس في الموجود شيء إلا وهو إما جوهر وإما عرض؛ فإن كان قائما بنفسه غير محتاج في وجوده إلى غيره فهو الجوهر، وإن كان مفتقرا في وجوده إلى غيره لا يقوم بنفسه فهو العرض. فيقال لكم: الابن القديم الأزلي المولود من جوهر أبيه الذي هو مولود غير مخلوق الذي تجسد ونزل، هو جوهر قائم بنفسه أم هو عرض قائم بغيره؟ والموجود عندكم إما جوهر وإما عرض. فإن قلتم: هو جوهر، فقد صرحتم باثبات جوهرين؛ الآب جوهر والابن جوهر، ويكون حينئذ أقنوم الحياة جوهرا ثالثا، فهذا تصريح باثبات ثلاثة جواهر قائمة بنفسها، وحينئذ يبطل قولهم إنه إله واحد، لأنه أنت بتحكي عن ثلاث جواهر، وأنه أحادي ذات ثلاثي الصفات، وأنه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوم. إذ كنتم قد صرحتم على هذا التقدير باثبات ثلاثة جواهر، وإن قلتم: بل الابن القديم الأزلي الذي هو الكلمة التي هي العلم والحكمة عرض، هذا الابن عرض قائم بججوهر الآب ليس جوهرا ثانيا، فقد صرحتم بأن الرب جوهر تقوم به الأعراض، وقد انكرتم هذا في كلامكم السابق وقلتم هو جوهر لطيف والجوهر اللطيف لا تقوم به الأعراض! فوالله حيرتمونا.

وقلتم إن في المخلوقات جواهر لا تقوم بها الأعراض، فالخالق أولى، وهذا تناقض بين لا حيله فيه لمن تدبر كلامهم. هي نقطة جدا واضحة، فإن كلام هذا يجب أن هو جوهر واحد لا يقوم به شيء من الأعراض، هم يقولون جوهر واحد بس ثلاث أقانيم، فهي الأقانيم شو هي؟ هي باختصار يا هي جواهر فما عاد إله واحد، يا هي صفات فما عاد لا تقوم به الأعراض، يعني أنتم بين خيارين.

فهم حاولوا أنه ايش ينفوا ما يريدون ويثبتوا ما يريدون؛ فإن قلتم ثلاث جواهر، اثبتتم ثلاثة آلهة وبطل قولكم إن الرب جوهر واحد وصرحتم باثبات ثلاثة آلهة. وإن قلتم الجوهر واحد له ثلاث صفات، فقد صرحتم أن هذا الجوهر تقوم به الصفات، واذا قامت به الصفات وقد سموه جوهرا وقالوا كل موجود إما جوهر إما عرض، لزمهم قطعا أن تكون صفاته أعراضا، فبطل إذا قولهم إنه جوهر لا تقوم به الأعراض. وإن قالوا جوهر واحد لا تقوم به الصفات، بطل قولهم له حياة وتقان، أو على الأقل تعترفوا أنه ايش؟ وإن قلتم جوهر واحد لا تقوم به الصفات بحال، إذا بطل قولكم إنه موصوف بالحياه والعلم، وإذا نفيتم الصفات أبطلتم آية التثليث والاتحاد وبطلت الأمانة وكل كتبهم وراح كل شيء، مع مخالفتهم لكتب الأنبياء فإنهم صرحتم باثبات الصفات ومع مخالفتهم أيضا في نفس الوقت لصريح العقل.

والمقصود أنهم يتناقضون دائما النصارى تناقضا بينا في مقولاتهم العقدية، لأنهم اثبتوا جوهرا لا تقوم به الأعراض مع قولهم الموجود موجود إما جوهر وإما عرض، ومع قولهم إنه جوهر له ثلاثة أقانيم. فإذا لم تقم به الأعراض لم يكن له صفات، فإن الصفة قائمة بغيرها ليست جوهرا. فالإله إذا كان الموجود إما جماع عرض، من قسم الاعراض لا من قسم الجواهر، فكان هذا الكلام نافيا لقيام الصفات به مطلقا.

ثم قالوا فالاقانيم التي توجب إما اثبات الصفات وإما اثبات الجواهر ثلاثة قائمة بنفسها، مع أنها إذا قامت بنفسها لازم هي أصلا اتصافها بالصفات. ولا ريب أن القوم يجمعون في قولهم بين النقيضين بين إثبات الصفات وبين نفي الصفات، وبين إثبات ثلاث جواهر ثلاثة آلهة وبين قولهم الإלه واحد. وسبب ذلك أنهم ركبوا لهم اعتقادا أن دينهم مركب بعضه من نصوص الأنبياء المحكمة كقول إله واحد، وبعضه من متشابه كلامهم كقول عمدوه بالابن بالاب والابن وروح القدس، فهذا الكلام المتشابه هم ما عرفوا يفهموه ويردوه إلى المحكم، وبعضه من كلام الفلاسفة المشركين المعطلين كقولهم جوهر لا تقوم به الصفات.

ومما يضحه ذلك يعني أنك تجد عامة علماء النصارى فضلا عن عامتهم لا يعرفون ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقرهم، ما بيعرفوا أصلا المسيح هو ايش نسخ من التوراه وايش أقر من التوراه في الإنجيل، مع اتفاقهم على أن المسيح لم ينسخها كلها ولم يقرها كلها، بل أخبرهم أنه إنما جاء ليتمها لا ليبطلها، وقد أحل بعض ما حرم فيها كعمل السبت. ومعلوم أن المقصود بالرسل ما هو تصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا، هذا المقصود من إرسال الرسل.

فإذا كان عامة النصارى لا يميزون ما أمرهم به مما لم يأمرهم به ولا نهاهم عنه مما لم ينههم عنه، مع اعترافهم بأنه أقر كثيرا من شريعة التوراة بل أكثرها وأحل بعضها فنسخه ورفعه، وهم لا يعرفون هذا من هذا، لم يكونوا عارفين بما جاء به المسيح ولا يعرفون ما أمرهم الله على لسان موسى وسائر الأنبياء، فإنهم بالتالي لا يجوز لهم العمل بكل ما في التوراه، بل قد نسخ المسيح بعض ذلك باتفاقهم واتفاق المسلمين على ذلك، ولا يجوز لهم تعطيل جميع شريعة التوراه، بل يجب عليهم العمل بما لم ينسخ المسيح، وعامتهم لا يعرفون ما نسخ وما لم ينسخ، فلم يمكنهم العمل بالتوراه والانتفاع بها في الشرع حتى يعرفوا المنسوخ منها من غير المنسوخ، وعامتهم لا يعرفون ذلك، فلم يكونوا حينئذ على شريعة منزلة من الله لا من جهة المسيح ولا من جهة موسى، فلم يعلموها بل كان ذلك مجهولا عندهم عند عامتهم وجمهورهم أو جميعهم، فكانوا محتاجين إلى أن يعرفوا ما شرعه الله مما لم يشرعه، فأرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشرع أمر فيه بمحاسن ما في الكتابين وعوض عما نسخه بما هو خير منه.

فصل: ثم قالوا إن ناج من هؤلاء القوم الذين مع أدبهم ومأخوذين به أنفسهم من الفضل، كيف لم يعلموا أن الشرائع شريعتان؛ شريعة عدل وشريعة فضل؟ لأنه لما كان الباري عدلا وجوادا وجب أن يظهر عدله على خلقه، فأرسل موسى إلى بني إسرائيل فوضع شريعة العدل وامرهم بفعلها إلى أن استقرت في نفوسهم.

ولما كان الكمال الذي هو الفضل لا يمكن أن يضعه إلا أكلم الكمال، وجب أن يكون هو تقدست أسماؤه وجلت آلاؤه الذي يضعه، لأنه ليس شيء أكلم منه، ولانه جواد وجب أن يجود بأجل الموجودات، وليس في الموجودات أكمل من كلمته، لذلك وجب أن يجود بكلمته، فلهذا وجب أن يتحد بذاته محسوسة يظهر منها قدرته وجوده. فلما لم يكن في المخلوقات أجل من الانسان اتحد بالطبيعة البشرية من السيدة الطاهرة من مريم البتول المصطفى على نساء العالمين. وبعد هذا الكمال ما تبقى شيء يوضع، لأن جميع ما يتقدمه ما يأتي مقتضى، وما يأتي بعد الكمال غير محتاج إليه، لأنه ليس لأن ليس شيء يأتي بعد الكمال فيكون فاضلا، بل دون أو آخذ منه.

نعم، إذا أنت وصلت إلى الكمال انتهى، لأنه ليس شيء يأتي بعد الكمال فيكون فاضلا، بل سيكون ايش؟ بل هو دون، سيكون دونه، دون الكمال، لأن أنت أصلا وصلت للكمال، فكل ما بعد الكمال سيكون دونه أو آخذ منه من الكمال، والاخذ منه فهو فضل لا يحتاج إليه.

وفي هذا القول نفع، والسلام على من اتبع الهدى. وهذا مما عرفته، أو هذا مما عرفت من أن القوم الذين رأيتم وخطبتم في محمد عليه السلام وما يحتجون به أنفسهم.. ايش قوله وما يأتي بعد الكمال غير محتاجا إليه؟ هم ايش يقصدون هنا؟ النبي عليه الصلاة والسلام يعني كأنه يقول خلص أعلى حالة هي حالة خلاص اللي وصلتها البشرية؛ اتحاد لاهوت بالناسوت، يعني كأن البشرية بدأت بنقص من آدم وجميع الأنبياء، وصلنا للكمال بعد ايش خلص باتحاد اللاهوت بالناسوت مع عيسى، فكل من سياتي بعد عيسى هو أتى بعد الكمال، فلن يكون أكمل من عيسى تمام، لأنه ليس شيء يأتي بعد الكمال فيكون فاضلا، بل سيكون أما دون أو ايش أو مقتبس من هذا الكمال، لن يكون ياتي بشيء أفضل منه، والاخذ منه فهو فضل لا يحتاج إليه، يعني أنت لما يكون في شيخ مثلا كامل في العلم تروح أنت تستفيد منه تمام، أنت أما ستكون دون هذا الشيخ أو ستكون ايش مثله في أحسن أحوالك، وبالتالي إذا أنت مثله أنت زيادة، يعني أنت لم تأتي بشيء جديد لأنه خلص فرضا.

الجواب على هذا من وجوه: أحدها أن يقال بل الشرائع ثلاثة: شريعة عدل فقط، وشريعة فضل فقط، وشريعة تجمع العدل والفضل؛ فتوجب العدل وتندب إلى الفضل، وهذا أكمل الشرائع الثلاث، وهي شريعة القرآن الذي جمع فيه بين العدل والفضل.

الجواب هذا من وجه آخر: أن يقال بل الشرائع ثلاثة: شريعة عدل فقط، وشريعة فضل فقط، وشريعة تجمع العدل والفضل؛ فتوجب العدل وتندب إلى الفضل، وهذه أكمل الشرائع الثلاث، وهي شريعة القرآن الذي جمع فيه بين العدل والفضل، مع أن لا ننكر أن يكون موسى عليه السلام أوجب العدل وندب إلى الفضل، وكذلك المسيح أيضاً أوجب العدل وندب إلى الفضل. وأما ما يقول أن المسيح أوجب الفضل فحرم على كل مظلوم أن يقتص من ظالمه، أو أن موسى لم يندب إلى الاحسان، فهذا فيه غضاضة بشريعة المرسلين.

يعني هو بولس الانطاكي ايش بيقول في آخر شيء، انه شريعة موسى أتت بالعدل، وشريعة عيسى أتت بالفضل هيك، فشريعة عيسى خلص هي أعلى شيء أعطت الفضل والكمال وانتهت. فيقول ابن تيمية: الشرائع ثلاثة؛ يا شريعة عدل، يا شريعة فضل، يا شريعة جمعت بين العدل والفضل. ومن الشريعة التي جمعت بين العدل والفضل هي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، جمعت في ذلك أبلغ وأنواع أبلغ الانواع وأشكال. قال: ولكن لا يمنع ذلك إذا قلنا إن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم جمعت بين العدل والفضل، أن تكون شريعة موسى أتت بالعدل وندبت إلى الفضل، وأن تكون شريعة عيسى أتت بالعدل وندبت إلى الفضل، هذا لا يمنع ذلك.

وأما من يقول إن المسيح أوجب الفضل بالتالي حرم على المظلوم أن يقتص من ظالمه، وأن موسى لم يندب إلى الاحسان، فهذا حقيقة فيه غضاضة بشريعة موسى، أن تقول إن موسى لم يأمر بالاحسان، وأن عيسى هو الشريعة اللي فيها التفضل والامر بالايثار والاحسان، هذا فيه غض بشريعة موسى. نعم، لكن قد يقال ان ذكر العدل في التوراة أكثر، وذكر الفضل في الانجيل أكثر، والقرآن جمع بين الفضل والعدل على غاية الكمال.

قال: القرآن بين أن سعادة اهل الجنة هم أولياء الله أنواع: أبرار مقتصدون، وأبرار مقربون سابقون. فالدرجة الأولى تحصل بالعدل وهي أداء الواجبات وترك المحرمات.

فالمقتصدون هم من حافظوا على الواجبات وتركوا المحرمات فقط. وأما الثانية وهم المقربون السابقون، لا هؤلاء زادوا على الواجبات المندوبات، وزادوا على ترك المحرمات ترك المكروهات.

قال: فالشريعة الكاملة تجمع العدل والفضل، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] الآية. هذا عدل واجب ومن خرج عنه استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، ثم قال: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 280].

هذا فضل مندوب.

مستحب، مندوب إليه من فعله أثابه الله. سيعطيك أمثلة الآن، كل ما سيأتي أن سيعطيك أمثلة من القرآن كيف جمعت الشريعة بين العدل والفضل في نفس السياق، هي أمثلة قرآنية جميل هذا الموطن.

وقال تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فهذا عدل، ثم قال بعد ذلك مباشرة: ﴿إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92].

انه يسامحوا أولياء المقتول بالدية، فهذا فضل.

قال: وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. جروح قصاص هذا عدل، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45] فهذا فضل.

فاللي سامح، فمن تصدق به بسامح في جرحه وما بده يقتص، هذا كفاره له، هذا فضل.

وقال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. نصف المهر يعطى للمرأة إذا طلقت قبل الدخول.

نصف المهر المسمى يعطى للمرأة إذا طلقت قبل الدخول هذا عدل، ثم قال: ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] اللي هو الزوج. هذا حث على العفو من أحد الطرفين وهذا فضل.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126] فهذا عدل.

وقال: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلسَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126] فهذا فضل في العقاب.

وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] فهذا عدل، ثم قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] فهذا فضل.

هذا فضل جميل.

وسبحانه دائما يحرم الظلم ويوجب العدل ويندب إلى الفضل، كما في آخر سورة البقرة لما ذكر أحكام الأموال، والناس فيها إما محسن، وإما عادل، وإما ظالم؛ فالمحسن المتصدق، والعادل المعاوض كالبائع، والظالم كالمرابي. فبدأ بالاحسان والصدقة فذكر ذلك ورغب فيه، كما قال: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261-263] الآيات.

ثم ذكر تحريم الربا فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].

ثم لما أحل البيع ذكر المداينات وذكر حكم البيع الحالي والمؤجل، وحفظ ذلك بالكتاب والشهود وأب الرهن، وختم السورة بأصول الإيمان من الإيمان بالكتب والرسل.

وسبحانه بعد أن يفتتح بذكر أصناف الناس؛ هم ثلاثة إما مؤمنون، وإما كافر، وإما منافق. وذكر نعت المؤمنين، ثم ذكر نعت الكافرين، ثم ذكر نعت المنافقين، ثم مهد أصول الإيمان فامر بعبادة الله تعالى وذكر آياته وآلائه.

اياته والائه يعني نعمه.

ثم قرر نبوة رسله، ثم ذكر اليوم الآخر والوعد والوعيد، ثم ذكر بدء العالم وخلق السماوات والأرض، ثم خلق آدم وإسجاد الملائكة له وخروجه من الجنة وبطوطه إلى الأرض.

ثم بعد أن عم بالدعوة جميع الخلق، خص أهل الكتاب فخاطبهم؛ خاطب اليهود أولاً بني إسرائيل، ثم نصارى، ثم خاطب المؤمنين فقرر لهم قواعد دينه، فذكر أصل ملة إبراهيم وبنائه للبيت ودعائه لأهل مكة، وأكد الأمر بمله إبراهيم، ثم ذكر ما يتعلق بالبيت من اتخاذه قبله ومن تعظيم شعائر الله التي عنده كالصفا والمروة، ثم ذكر التوحيد والحلال والحرام والمطاعم للناس عموماً ثم الذين آمنوا خصوصاً، ثم ذكر ما يتعلق بالقتل من القصاص وبالموت من الوصية، ثم ذكر شرائع الدين فذكر صيام شهر رمضان وما يكون فيه من الاعتكاف، ثم ذكر ما يتصل بشهر الصيام وأشهر الحج فذكر الحج، وذكر حكم القتال عموماً وخصوصاً في البلد الحرام.

قال هو لما ذكر الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة ذكر بعد ذلك الحلال والحرام في الفروض؛ فذكر أحكام وطء النساء والحيض واللاء منهن والطلاق لهن واختلاعهن، وذكر حكم الأولاد وإرضاعهم واعتداد النساء وخطبتهن في العدة وإطلاقهن قبل دخول وبعده، ثم ذكر الصلوات من المحافظة عليهن، ثم قرر المعاد يدل عليه من إحياء الموتى في الدنيا مرة بعد مرة.

فتضمنت هذه السورة الواحدة جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين وأصوله وفروعه، وافتتحها بالإيمان بالكتب والرسل، ووسطها بالإيمان بالكتب والرسل، وختمها بالإيمان بالكتب والرسل؛ لأن سورة البقرة مبتدأ بذلك: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 2-4]، وختمت أيضاً بماذا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].

وأمر فيها الخلق عموماً وخصوصاً بعد عموم، وذكر فيها الإيمان بالخالق وآيات ربوبيته، والإيمان بالمعاد والدار الآخرة والاعمال الصالحة التي أمر بها، وأن من كان من اتباع الرسل من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين قائماً بهذه الأصول -وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح- فهو السعيد في الآخرة الذي له أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فخلاف من بدل منهم الكتاب أو كذب بكتاب فإن هؤلاء من الكفار.

فمن كان متبعا لشرع التوراة قبل مبعث المسيح غير مبدل الله فهو من السعداء، وكذلك من كان متبعا لشرع الإنجيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم غير مبدل لله فهو من السعداء. ومن بدل شرع التوراة أو كذب المسيح فهو كافر كاليهود بعد مبعث المسيح عليه السلام، وكذلك من بدل شرع الإنجيل أو كذب محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر كالنصارى بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد أبى اليهود والنصارى الذين تبعوا الدين قبل النسخ والتبديل سعدوا، وأما اليهود والنصارى الذين تمسكوا بشرع مبدل منسوخ، تركوا اتباع الكتب والرسول الذي أرسل إليهم وإلى غيرهم، وعدلوا عن الشرع المنزل المحكم فهم كفار. ورد دعاوى اليهود والنصارى الكاذبة مثل قول هؤلاء: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: 111] فقال: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].

وبين من كفر اليهود والنصارى مما عرف به حالهم، لكن أكثر ما ذكر في هذه السورة اليهود، ما كان أكثر ما في هذه السورة هي البقرة.

كما أن أكثر ما ذكر في سورة آل عمران نصارى، فإن هذه نزلت في أول مقدمة المدينة وكان اليهود جيرانه، وآل عمران تاخر نزولها إلى آخر الأمر لما قدم عليه نصارى نجران، وفيها فرض الحج لما طهر مكة من المشركين. فكان أكثر دعائه في أول الأمر للمشركين لأنهم جيران بمكة، ثم اليهود لأنهم جيران، ثم للنصارى لأنهم كانوا أبعد عنهم من ناحية الشام واليمن، والمجوس بعيدين في العراق وخراسان.

وهذا هو الترتيب المناسب؛ يدعو الأقرب إليه فالأقرب، ثم يرسل رسوله إلى الأبعد، وهو صلى الله عليه وسلم كان أول جهاده المشركين واليهود، فلما صالح المشركين صلح الحديبية وحارب اليهود خب عقيب ذلك ففتحها الله عليه، وقسمها بين الذين بيعوه تحت الشجره الذين شاهدوا صلح الحديبية، يتفرغ لمن بعد عنه.

فأرسل رسله إلى جميع من حولهم الأمم، أرسل إلى ملوك النصارى بمصر والشام والحبشة، فإنه كان قد مات ملك الحبشة النجاشي الذي أسلم وأخبر الناس بموته يوم مات، وخرج باصحابه إلى ظاهر المدينة فصلى عليه بهم صلاة الجنازة كما كان يصلي على سائر موتى المسلمين. وتولى بعد النجاشي آخر فأرسل إليه كما ذكره مسلم في صحيحه وغيره، وأرسل إلى ملوك اليمن من المشركين واليهود، وإلى ملوك العرب، وكان في العرب خلق كثير يهود وخلق كثير نصارى وخلق كثير مجوس. فالنجاشي الذي أرسل إليه رسالته ليس هو النجاشي الأول الذي جاءه جعفر بن أبي طالب والصصحاب، فذاك الأول أسلم وانتهى، والنجاشي هذا الثاني طبعا الأول أسلم وانتهى وصلى عليه، اللي أرسل إليه الرسالة الثاني هو نجاشي آخر.

وكان في العرب خلق كثير يهود، وخلق كثير نصارى، وخلق كثير مجوس، فدعى جميع الخلق من اليهود والنصارى والمجوس والمشركين عربهم وعجمهم.

الوجه الثاني: الرد على كلام بولس في أن شريعة عيسى هي الشريعة الفاضلة الكاملة ولا يوجد بعدها كمال يحتاج إليه أن يقال لهم: الناس لهم في أمر الله ونهيه قولان مشهوران؛ أحدهما أنه يرجع إلى محض المشيئة لا يعتبر في أن يكون المأمور به مصلحة للخلق وإن اتفق أن يكون مصلحة وإن كان الواقع كونه مصلحة. وهذا قول من يقول: لا يفعل ولا يحكم بسبب ولا لحكمة ولا لغرض، ومنهم الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من المتكلمين الذين يقولون إن الله إذا أمر أو نهى فإنما يأمر وينهى لمحض المشيئة؛ أمرك أن تصلي فقط لأنه بده إياك تصلي، أمرك تترك الربا فقط لأنه بده إياك تترك الربا، حتى ولو كان في هذا مصلحة من حيث الواقع، لكنه سبحانه لا يأمرنا لاجل مصالحنا ولا ينهانا لاجل مفاسدنا وإنما فقط لمحض المشيئة. وهذا قول خطأ، لذلك قال: وهذا قول من يقول إنه لا يفعل ولا يحكم لسبب ولا لحكمة، وهذا قول فاسد، ولكن قال به كما قلنا طوائف.

الأشاعرة والماتريدية على هذه الطريقة. القول الثاني؛ القول الثاني هو قول جمهور الناس، أن الله إنما أرسل رسلاً ليأمروا الناس بمصالحهم وينفعهم وينفعهم إذا فعلوا.

وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، أن الله أرسل الرسل ليأمروا الناس، لا أن الأوامر لمصالح الناس، وأن النواهي لدفع مفاسدهم، وأن هذا مقصود للإله ابتداءً. قال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَٰتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 123-126].

إذاً قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. إذاً هذا تعليل، إذاً هذا يدل على أن الله أتى بشرائع للمصالح البشر، لأنه قال فلا يضل ولا يشقى، مش فقط المراد اتباع الهدى لأنه هدى، أو لمحض المشيئة، بل هو إرادة ليكون فيه ابتعاد عن ضلالنا وشقائنا، فهذا إثبات للحكمة والمقصد.

فان قيل: فان قيل بالأول لم يسأل عن حكمة إرسال الرسل، وإن قيل بالثاني في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم من الحكم كمل. نكتفي اليوم بهذا القدر إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.