السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني وإياكم على كل خير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، واكتب لإخواننا في غزة فرحاً ونصراً وتأييداً، اجبر كسرهم، ضمل جراحهم، عوضهم خيراً مما فقدوا، واجعل لهم حياة طيبة مباركة لهم ولجميع المسلمين.
حياكم الله في صبيحة يوم الخميس، وفي مجلس جديد من مجالس التاريخ على تراث أبي العباس ابن تيمية الحفيد رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نعيش في أفياء هذا الكتاب؛ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وهو ابن تيمية يرد على ابن بطريق فيما يدعيه في تأصيل نصرانيته.
وصلنا إلى قوله صفحة مئتين وثلاثة وستين من المجلد الثالث؛ قال سعيد بن بطريق: وليس حلول كلمة الله الخالقة والتحامها بجوهر الناسوت عن تغيير ولا احتيال من واحد من الجوهرين عن كثافة، فلا الإلهي يحتال عن أن يكون إلهاً خالقاً، ولا الناسوت يحتال عن أن يكون ناسوتاً مخلوقاً. طبعا هو يقول: وليس كلمة الله الخالقة والتحامها بجوهر الناسوت ناتج عن انتقال ولا عن تغير ولا احتيال. الاحتيال هو الاستحالة، الاستحالة من صورة إلى صورة، يعني يقول إن اختلاط باختصار اختلاط اللاهوت بالناسوت ليس اختلاطاً يؤدي إلى استحالة في اللاهوت أو استحالة في الناسوت، بل بقي اللاهوت لاهوتاً، والناسوت ناسوتاً مع أن اللاهوت قد حل داخل الناسوت.
قال: والاحتيال من واحد من الجوهرين عن كثافة، فإن الإلهي احتال يعني استحال تحول من أن يكون إلهاً خالقاً بقي كما هو، ولا الناسوت احتال يعني استحالة عن أن يكون ناسوتاً مخلوقاً، فبقي اللاهوت إلهاً خالقاً وبقي الناسوت جسداً مخلوقاً، هيك بده يحكي.
قال: والاحتيال والتغير إنما يلزم الخلطة إذا كانت من خلقين ثقيلين غليظين. هو يريد أن يقول إن الاختلاط متى يؤدي إلى استحالة الخليطين وتغير أوصافهما؟ إذا كان كل واحد منهما كثيفاً، إذا كان هذا كثيفاً وهذا كثيفاً واختلطا مع بعضهما البعض، نعم اختلاط الكثيف مع الكثيف يؤدي إلى الاستحالة، فمثلاً اختلاط الخمر مع الماء يؤدي إلى استحالة خصائص الخمر واستحالة خصائص الماء عند الخلطة. طبعا هذا على كلامه الآن حيعطيك أنواعاً حتى للخلطة.
قال: مثل الماء والخمر أو الماء والعسل، السمن والعسل، هذه لأنه كثيف مع كثيف لما يختلط مع بعضه بالسمن تتغير خصائصه والعسل تتغير خصائصه عند الاختلاط ويحصل استحالة. طيب والذهب والورق؟ اللي هو الفضة والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك. قال: لأن كله ثقيل غليظ وكل ثقل تخالطه ثقلة لا محالة يلزمه التغير حتى يصير إلى ما كانت عليه الأثقال، فلا الخمر خمراً ولا الماء ماءً بعد اختلاطهما، ولكنهما احتالا جميعاً عن جوهرهما فصارا إلى أمر متغير ليس هو أحدهما بعينه ولا أحدهما خالص من الفساد والاحتيال عن حاله.
فأما إذا كانت الخلطة عن خلق لطيف وخلق غليظ لم يخالط تلك الخلطة تغيير ولا احتيال. واما إذا كانت خلطة لطيف مع كثيف، اللطيف التي غير مرئية خلينا نقول، خلطة لطيف مع كثيف، قل هذه الخلطة لا ينتج عنها ايش؟ تغير في أحدهما، فيبقى اللطيف لطيفاً ويبقى الكثيف كثيفاً، وإن حل اللطيف في داخل الكثيف. وهذا هو الذي يريده في تصوير اتحاد اللاهوت بالناسوت، أنه اتحاد لطيف في كثيف اللي هو الناسوت فلا يؤدي هذا إلى تغير في خصائص أحدهما، هكذا يحكي ابن بطريق طبعا.
قال: مثل خلطة النفس والجسد، النفس لطيف والجسد كثيف، فإذا حلت النفس داخل الجسد تبقى النفس نفساً والجسد جسداً بخصائصه، هيك بحكي. قال: أحدهما يلتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واحتالت أي استحالت عن جوهرها أن تكون نفساً تعرفها بفعالها، ولا الجسد تغير ولا احتال عن حاله وأفعاله.
ومثلما كان مخالطة النار والحديد فالتحمان جميعاً فيكونان جمرة واحدة من غير أن تكون النار قد تغيرت إلى أن تكون حديدة ثقيلة تشج وتقطع ولا الحديدة تغيرت واحتالت إلى أن تكون ناراً تحرق. نفس الأشياء هذا مثال آخر عليك، لطيف وكثيف، النار والحديد، النار لطيف والحديد كثيف، جمعت بينهما والتحم فيكونان جمرة واحدة من غير أن تكون النار قد تغيرت خصائصها ولا الحديدة قد تغيرت خصائصها، هكذا يقول.
قال: فكذلك تفعل كل خلطة مؤلفة من شيئين مختلفين أحدهما روحاني لطيف، والآخر ثقيلي غليظ، مثل النفس والجسد والنار والحديد، ومثل الشمس المخالطة للماء والطين وكل رطوبة وحمأة، فهي لا تتغير ولا تحتال عن نورها ونقائها وضوئها مع مخالطتها كل سواد وسخ ونتن ونجس.
قال: والخلطة تكون على ثلاثة أوجه؛ أحدها خلطة باختلاط من الطبيعتين الثقيلتين واحتيالهما وفسادهما. فالآن بدون هالطريق بده يوصل لكم بس الفيزياء شوي مش مشكلة يلا بينا نتحمل، اللي هو أنواع الخلطة، تمام أنواع الخلطة بين الأشياء. يقول: أول نوع من الآن خلاصة أنواع الاختلاف بين الأشياء؛ أولاً خلطة الكثيفين. تمام قلنا خلاص القاعدة، إذا كثيفين اختلطا كثيف مع كثيف الأصل أن تحصل استحالة. قال: خلطة باختلاط من الطبيعتين الثقيلتين واحتيالهما أي استحالتهما وفسادهما.
فسادهما يعني فساد الحالة الأصلية ونتاج حالة جديدة هذا يقصد بالفساد. قال: مثل خلطة الخمر والماء والخل والعسل، وذهب الورق والرصاص والنحاس، فان في ذلك كله وما أشبه احتيالاً فساداً، لأن مزاج الخمر والماء ليس بخمر ولا ماء، لأن مزاج يعني أن خلط الخمر بالماء المنتج الذي سيكون ليس خمراً ولا ماء، مزاجاً إذا مزجت الخمر مع الماء فإن المنتج النهائي هو ليس خمر وليس منتج جديد.
قال: لاحتيال كل واحد منهما عن طبعه واختلاطهما بفسادهما وتغيرهما عن حالهما. وكذلك خلطة الخل والعسل قد صارت لا خلاً ولا عسلاً لاحتيال كل واحد منهما، وخلطة الذهب والورق مثل على مثل ذلك حتى صارت على غير صحة لا من الذهب ولا من الورق، وخلطة الورق والنحاس على غير صحة ولا لا من الورق ولا من النحاس، فهذه وجوه من فهذا وجه من الوجوه الثلاثة.
الوجه الثاني خلطة افتراق من الطبيعتين الثقيلتين. النوع الثاني من اللي هو بسموه الحنابلة اللي هو مخالط غير ممازج، اللي هو كثيف مع كثيف لكن لو حاولت تخلطهم مع بعضهما البعض يبقى في حادس بينهم كالزيت مع الماء. قال: خلطة افتراق سماها من الطبيعتين الثقيلتين، فهو كثيف مع كثيف لكن شو ما حاولت تخلط لن يكون هناك امتزاج.
قال: وقد تعرف من تلك الخلطة كل واحدة من الطبيعتين ثابتة في الأخرى بقوامها ووجهها، مثل الزيت والماء في قنديل واحد. اه مثله الزيت والماء. قال: مثل الكتان والقز في ثوب واحد منسوج بكتان مضلع بقز، صنم نحاس رأسهم ذهب وما أشبه ذلك مما لا ينبغي أن يسمى خلطة مع افتراق الطبيعتين والقوامين، مثل ما لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هو فيها خلطة. قال: هذه الصورة صورتها مثل ماء داخل جرة. الآن لو كانت ماء داخل جرة هل نقول اختلط الماء والجرة؟ لا يعني عفوا الماء جوة هذه الكأس وبقول لك هذا اختلاط بس اختلاط ايش؟ مع بقاء كل كثيف منفصل عن الآخر. فالماء حل داخل الكأس، حل داخل الكأس، فهذا شكل من أشكال الخلطة لكنها خلطة يبقى فيها كل جوهر منفصل عن الآخر مفترق عنه ظاهراً بائناً لك، اه هي الماء وهذا الكأس، تستطيع أن تشير إلى كل واحد منهما.
قال: لأن طبيعة القلة مثل ما لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هو فيها خلطة، لا ينبغي أن يكون اللي هو الامتزاج بحيث يحدث استحالة، لا ينبغي أن يحصل استحالة بل يبقى الماء ماءً والكأس كأساً دون أن يحصل استحالة بينهما.
قال: يكون خلطة بينهم مما لا ينبغي أن، أنت والله رحت مثل ما لا ينبغي أن يكون، لا هو بيك عنقولا الأولى في السطر السابق بما لا ينبغي. قال: لأن طبيعة القلة فخار، وقواها من أن قرأت أولى مما لا ينبغي أن يسمى خلطة من افتراق الطبيعتين. مثل ما لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هو فيها خلط، كم؟ قال: لأن طبيعة القلة فخار، فخار القلة اللي هي الجرة فخار، وقوامها قوامها يعني شكلها قلة.
قال: وليس بينها وبين الماء خلطة بل أشد الفرقة. وكذلك الماء والزيت لولا أن وعاء القنديل الذي هما فيه ضمهما ما اجتمعا. وكذلك الكتان والقز ليس بينهما خلطة وإن كانا في ثوب واحد، ولا في الذهب والنحاس ولم يثبت خلطة وإن جمعهما صنم واحد. فهاتان الخلتان لا يكونان أبداً إلا في أثقال غليظة، أيضاً هذه خلطة كثيف مع كثيف.
قال: فإن التحم بعضها ببعض مثل ما يذاب الذهب والنحاس ويفرغان جميعاً وقعت في وجه خلطة، وهي وقعت في وجه خلطة الاحتيال خلطة. قال: لأن تلك النقرة ليست بذهب صحيح ولا بنحاس صحيح.
فإن لم تلحم وألزم بعضها بعضاً مثل طوق يكون من نحاس وذهب، وقعت من وجه خلطة الافتراق التي لا يحق لها أن تسمى خلطة. وفي هذين الوجهين وقع نستوريوس وأشياعه، فلزموا خلطة الاحتيال والفساد، فزعموا أن الطبيعة الإلهية الناسوتية تختلط في المسيح الواحد وهو ذو قوام واحد بطبيعة واحدة مختلطة من ابن بطريق بيرد على طائفة من النصارى أخرى فهمت أن حلول اللاهوت بالناسوت حلول يؤدي إلى ايش؟ إلى استحالة.
فيقول: أو في هذين الوجهين وقع نستوريوس وأشياعه، فلزموا خلطة الاحتيال والفساد، فزعموا أن الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية اختلطتا في المسيح الواحد. المسيح هو مجموع اللاهوت زائد الناسوت، فهو ذو قوام واحد بطبيعة واحدة جديدة مختلطة من طبيعتين مختلفتين إلهية وناسوتية، فأقروا أنهما قد احتالا، والاحتيال يعني الاستحالة موصولة إلى صورة شكل من أشكال الفساد.
قال: إلهية وناسوتية فأقروا أنهما قد احتالا والاحتيال فساد، وألزموا على هذا القول الكافر طبيعة الله المصائب والموت، وصيروا المسيح لا إلهاً صحيحاً ولا انساناً مثل نقرة الذهب والنحاس. نعم صار هكذا طبيعة أن أصبح الله عز وجل والعياذ بالله تجري عليه ماذا يجري على البشر من المصائب والموت، وصيروا المسيح لا هو إلهاً صحيحاً ولا إنساناً صحيحاً، بل صار زي الدينار المغشوش اللي فيه ذهب وفيه نحاس، فلا هو دينار ذهبي ولا هو نحاس، بل دينار مغشوش.
قال: وأشياعه لزموا خلطة الفرقة والانقطاع، فزعموا أن المسيح الواحد ذو طبيعتين مختلفتين إلهية وناسوتية وذو قوامين معروفين إلهي وناسوتي، فصيروا الفرقة خلطة كالتوق الملون نصفين أحدهما ذهب والآخر نحاس، والثوب المبطن ظاهره خز وباطنه قطن، ليس بينهما خلطة في طبيعة ولا قوام.
وليس لهم على هذا أن يؤمنوا بمسيح واحد، لأن الطوق الملون طوقان والثوب المبطن ثوبان. قال: فالمسيح مثل ذلك مسيحان، واحد إلهي بطبيعته وقوامه مثل قضيب الذهب في الطوق الملون ومثل ظهارة الخز في الثوب المبطن، والآخر ناسوتي مثل قضيب النحاس في الطوق وبطانة القطن في الثوب.
والعجب كل العجب كيف لم يعقل أهل الخلاف والشقاق من الصنفين كلاهما، ولم يفهموا أن هاتين الخلقتين أنهما خيلقتان ذواتا أثقال جسمانية غليظة، ليس فيهما شيء من الخلق الروحاني اللطيف الخفيف، ولذلك لا تقدر الأثقال الغليظة على الخروج من هذين الوجهين من وجوه الخلطة؛ لأنه إن اختلطا خلطة ملتحمة ممتزجة صارت إلى احتيال الفساد، وإن قامت على حالها لا تلتحم ولا يمتزج بعضها ببعض فهي على وجه خلطة الافتراق ومن قطيعة بعضها من بعض وإن جمعها صنم واحد أو ثوب واحد.
فليس يوجد لشيء من الأثقال الجسمانية وجه خلطة سوى هذين الوجهين أبداً؛ أما فساد وأاما انقطاع. إلا أن تكون الخلطة فيه الخلطة أما فساد، طبعا كلمة فساد هنا أرجو أن تفهمها المراد بالفساد هو الاستحالة، يعني يقول لك الخلطة بين الكثيف والكثيف أما خلطة تؤدي إلى استحالة، وأما خلطة لا استحالة فيها فيكون كل واحد محافظاً على قوامه.
قال: إلا أن تكون الخلطة في اثنين أحدهما ثقيل جسماني والآخر لطيف روحاني، هذا هو الوجه الثالث. قال: فإن ذلك هو الوجه الثالث من الخلطة، هي خلطة الحلول بالاختلاط والاحتيال ولا فساد ولا فرقة ولا انقطاع، لكنها نفاذ الطبيعة الروحانية في الطبيعة الثقيلة السفلية حتى تنتشر في جميعها وتحل بكلها، فلا يبقى موضع من الطبيعة الثقيلة.
السفلية خلوة من الطبيعة الروحانية، ولا احتيال من الثقيلة الجسمانية عن طبيعتها الغليظة الثقيلة، ولا تغير ولا فساد لإحداهما، مثل خلطة النفس في الجسد، ومثل خلطة الماء والحديد في قوام جمرة واحدة. فهي جمرة واحدة بالقوام في نار ملتحمة مخالطة لطبيعة الحديدة، فلا فرقة من انقطاع ولا تخليط احتيال الفساد.
وقد انتشرت النار في جميع الحديدة ولبستها، وأنالت النار الحديدة من قوامها وقوتها، حتى أنارت الحديدة وأحرقت، ولم تنل النار من ضعف الحديدة شيئاً من السواد والبرودة. فعلى هذا الوجه من الخلطة دبرت كلمة الله الخالقة خلطتها للطبيعة البشرية.
فهو مسيح واحد، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل الأذهان كلها، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق من جوهر أبيه وطبيعته. وهو إياه من مريم العذراء المولود منها في آخر الزمان، بقوام واحد، قوام ابن الله الوحيد، الجامع للطبيعتين كلتيهما؛ الإلهية التي لم تزل في البدء قبل كل بدء، والناسوتية التي كونت في آخر الزمان المقوم بالقوام الأزلي.
قال: فهو مسيح واحد بقوام واحد أزلي، ذو طبيعتين؛ إلهية لم تزل، وناسوتية خلقها له والتحم بها من مريم العذراء. فقوامه ذلك قوام الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية، جامعاً لهما بلا اختلاط ولا فساد ولا فرقة انقطاع. لم يزل قواماً للطبيعة الإلهية، ثم هو قوام الطبيعة الناسوتية، قد خلقها وكونها وقومها لقوامه الذي لم يزل يقيم إلا به، ولم يعرف إلا له، نعم.
والجواب عن هذا الكلام، ابن تيمية سيبدأ الجواب عن تأصيل ابن البطريق لهذه القضايا. قال: والجواب عن هذا الكلام بعد أن يقال: إنه تناقض لجعل هذا تارة اختلاطاً، وتارة يقول: ليس هذا اختلاطاً، أن يقال إنه أولاً قد جعل هذا الحلول والالتحام اختلاطاً، ويقول إنه لا يكون فيه استحالة ولا تغير. وقال: فأما إذا كانت من لطيف وكثيف، لم يخالط تلك الخلطة تغير ولا احتيال أي استحالة.
ويقول: والخلطة تكون على ثلاثة أوجه؛ أحدها كالخمر والماء، والثاني كزيت الماء والكتان والقز، ثم يقول: ما أشبه ذلك مما لا ينبغي أن يسمى خلطة مع افتراق الطبيعتين، فيجعله من أقسام الخلطة، ثم يقول: ولا ينبغي أن تجعل شيئاً من أقسام الخلطة، مع أنه ليس خلطة، هذا مشكلة. وإن كانت الآن فيها شيء من المناقشة اللفظية، مثل زي قضية الماء مع الكأس، هل نقول إنه إذا وضعت ماء في كأس اختلط الماء في الكأس؟ يعني هل هذا يسمى اختلاطاً؟ ولا مجرد حلول لا اختلاط فيه؟ فقلنا: إنه أنت عم بتسمي هاي كل الأشياء شكل من أشكال الخلطة، ما هي هذه الصور ما فيش خلطة، وإنما هو حلول للماء في الكأس بدون أن تسمى خلطة.
قال: وليس المقصود المنازعات، هو حتى لا يقال إن ابن تيمية ينازع منازعات لفظية، شيخ الإسلام خلص واعتبرها خطأ، شو المشكلة يعني لو سمينا أن الماء إذا حل في الكأس خلطة؟ فيقول: ليس المقصود أنه يقال إن أنت عم بتنازع فقط منازعة لفظية، لا، مشاحة في الاصطلاح. فيقول: بل نقول، نعم، بل نقول: دعواه أن أحد نوعي الاختلاط يكون عن تغير واستحالة، بخلاف النوع الآخر الذي هو اختلاط لطيف وغليظ، دعوى ممنوعة ولم يقم عليها دليلاً، بل نقول: هي باطلة، بل لا يكون الاختلاط بين شيئين إلا مع تغير واستحالة. إذاً، ابن تيمية يقول: الاختلاط إذا كان اختلاطاً، لا يكون إلا عن تغير واستحالة، تمام؟ هكذا يقول شيخ الإسلام. أي اختلاط لا بد أن ينتج عنهما هذا شكل من أشكال التغير، أما اختلاط لم ينتج عنه تغير واستحالة في خصائص الخليطين، فلا يسمى هذا اختلاطاً.
قال: ما ذكره من الأمثال والشواهد فيه حجة عليه، لقوله: فأما إذا كانت الخلطة من خلق لطيف وخلق غليظ، لم يخالط تلك الخلطة تغير والاحتيال، مثل خلطة النفس والجسد انساناً واحداً، أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واحتيالت عن جوهرها -أن تكون نفساً تعرفها بفعالها- ولا الجسد تغير واستحال عن حاله وفعاله.
يققال: هذا قول باطل ظاهر البطلان لكل من تصوره، فإن الجسد إذا خلا عن النفس، مثل ما يكون قبل نفخ الروح فيه، وما يكون بعد مفارقة الروح له بالموت؛ قبل آدم عليه السلام أبو البشر خلق من تراب وماء وصار صلصالا كالفخار، ثم نفخت فيه الروح فصار جسداً وهو هو لحم وعظم وعصب ودم، فهل يقول عاقل إن جسد آدم قبل النفس وبعدها على صفة واحدة لم تتغير ولم تستحل؟ نعم، هذه مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية له.
هل فعلا اللطيف إذا خالط الكثيف لا تحصل استحالة في خصائص اللطيف أو خصائص الكثيف؟ يعني المثال الذي طرحه ابن البطريق؛ اختلاط النفس بالجسد، هل فعلا الجسد لما اختلطت النفس فيه فكانت في أرجائه لم يحصل لهذا الجسد أي تغير، وبقي الجسد قبل وجود النفس كهو هو مع وجود النفس؟ والله هذا غير صحيح، فالجسد مع وجود النفس فيه بتشعر فيه حركة وبتشعر فيه دماء في العروق ماشية، يعني في نوع من الأشياء توجد في لا توجد في حال عدم وجود النفس، فالقول إن الجسد الكثيف لم يتغير سواء وجدت النفس فيه أو لم توجد هذا ادعاء عريض لكنه غير دقيق.
قال: وذريته من بعده يخلق أحدهم من نطفة ثم علقة ثم مضغة فيكون جسداً ميتاً، ثم ينفخ فيه الروح فيصير الجسد حياً بعد أن كان ميتاً، وأي تغيير أعظم من انتقال الجسد من موت إلى الحياة؟ معلومة ومعلومة، يعني بدك أعظم من هيك؟ كان جسد لا يتحرك، مع وجود النفس أصبح يتحرك، هذا أعظم تغيير واضح للجسد.
قال: معلوم بالحس والعقل الفرق بين الحي والميت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 22]، والجسد إذا لم ينفخ فيه الروح فهو موات ليس له حس ولا حركة إرادية، ولا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يعقل ولا يبطش ولا يأكل ولا يشرب ولا يمني ولا ينكح، ولا يحب ولا يبغض ولا يشتهي ولا يغضب.
فإذا اتصلت به النفس تغيرت أحواله واستحالت صفاته وصار حساساً متحركاً بالإرادة، فكيف يقال مثل خلطة النفس وجسد انساناً واحداً أحدهما يلتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واستحالت عن جوهرها -أن تكون نفساً تعرفها بفعالها- ولا الجسد تغير والاستحالة عن حاله؟ هذا هو ينتقد هاي العبارة من ابن البطريق.
قال: فهل يقول عاقل يتصور ما يقول إن الجسد كان حاله وفعاله مع مفارقة النفس له كحاله وفعاله مع مخالطتها له؟ وهل يقول عاقل إن الجسد بعد موته ومفارقة النفس له حاله وفعاله كحاله وفعاله إذا كانت النفس مختلطة به؟ وهو إذا مات كالجماد، لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يبطش ولا يمشي، قد جمد دمه واسود ولم يبق سائلاً وتغيرت سحنته ولونه، وتغير الجسد بالحياة بعد الموت، وبالموت بعد الحياة، من أعظم التغييرات والتغيرات والاستحالات.
وكذلك النفس؛ النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته وتتألم بألمه، وإذا أكل البدن وشرب ونكح واشتم التدت النفس، وإذا ضرب البدن وصفع واهين وحط الشوك على رأسه وبصق بوجهك تألمت النفس بذلك. نعم، فإذا شبهوا اتحاد المسيح باتحاد النفس والبدن، هم يقولون إن المسيح وكل أحد إذا ضرب وصفع وصلب فتألم بدنه تألمت نفسه أيضاً، فإن كان الألم مع النفس والمسيح مع نفس المسيح وجسده كالنفس مع الجسد، وجب أن يكون الرب يتألم بتألم الناسوت، ويجوع بجوعه وشبعه، فإن ألم الجوع ولذة الشبع يحصل للنفس إذا جاع البدن وشبع، وأيضاً فالمسيح عندهم إله تام إنسان تام، إله قبل الاتحاد والإنسان إنسان قبل الاتحاد.
هم يقولون إنهما بعد الاتحاد إله تام كما كان، وإنسان تام كما كان، نظير هذا أن يكون الإنسان مركباً من بدن ونفس؛ نفساً تامة وبدناً تامة، وأن يكون الجمرة والحديد المحماة حديداً تاما وناراً تامة وخشبة تامة ناراً تامة، بل الإنسان مركباً من نفس وبدن، والإنسان اسم لمجموع، ليس الإنسان روحاً، والإنسان بدنه.
نعم صحيح، قال: فلو كان الاتحاد حقاً، لوجب أن يقال إن المسيح نصفه لاهوت ونصفه ناسوت، هو مركب من هذا وهذا، لا يقال إن المسيح نفسه إنسان تام، والمسيح نفسه إله تام في نفسه إلى هنا. يعني هذا أصلاً هذا التناقض يعني أنتم بتخلوا المسيح إنسان تام، والمسيح إله تام، وفي نفس الوقت المسيح عبارة عن مجموع الإله مع الإنسان، يعني أنت هيك حيرتني! والمسيح إنسان تام وإله تام وفي نفس الوقت هو مجموع الإنسان مع الإله، ما ضبطش. يعني كما تقول إن الإنسان هو عبارة عن الجسد فقط، وهو عبارة عن الروح فقط، بعدين ترجع تقول الإنسان عبارة أيضاً عن الروح زائد الجسد، مهو أنت هيك دخلت المفاهيم في بعضها.
فيقول لك: نعم، فان تصور هذا القول على الوجه التام يوجب العلم الضروري، حيث جعل المسيح الذي هو المبتدأ الموضوع المخبر عنه المحكوم عليه، هو إنسان تام، يوجب أن يكون نفس الإنسان هو نفس الولو قيل هذا في مخلوق في مخلوقين، فقيل نفس الملك نفس البشر، لكان ظاهر البطلان، فكيف إذا قيل في رب العالمين؟
نزيمة وكثير من النصارى لا يقولون إن جسد المسيح مخلوق، بل يصفون الجميع باللاهوتية، وهذا مقتضى قول قول أئمتهم القاهرين أن المسيح إله تام، لكنهم تناقضوا فقالوا مع ذلك: وهو إنسان تام، فكأنهم قالوا: هو الخالق وليس هو الخالق، هو مخلوق ليس هو المخلوق، وهذا جمع بين النقيضين، وهذا حقيقة قول النصارى، لاسيما واتحاد اللاهوت بناسوت المسيح عندهم اتحاد لازم لم يفارقه البتة، فيكون ذلك أبلغ من الاتحاد العارض في أن الرب كان متحداً بجسد لا روح فيه، وبالجسد مع النفخ مع نفخ الروح فيه، ثم بالجسد بعد مفارقة الروح له وحيث دفن في القبر ووضع التراب عليه.
ومعلوماً أن الإنسان إذا كانت فيه النفس وجعلت في التراب معه، تألمت النفس ألما شديداً ثم تفارق البدن، من العجائب أنهم يقولون إن المسيح صلب ومات ففارقته النفس الناطقة وصار الجسد لا روح فيه واللاهوت مع هذا متحد لم يفارقه، وهو في القبر واللاهوت متحد به، فيجعلون اتحاده به أبلغ من اتحاد النفس بالمثل، والنفس عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل الصفات وأحوالها، ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون بدن، وعند مفارقة البدن تتغير صفاتها أفعالها، فإن كان تمثيله مطابقة، لزم أن يكون الرب قد تغيرت صفاته وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفاته ويفعلها، ويكون الرب قبل هذا الاختلاط كالنفس المجردة التي لم تقترن ببدن.
وأيضاً فالنفس والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والفاسدة، لهما الثواب عليهما العقاب، والثواب والعقاب على النفس أكمل منه على البدن، فإن كان الرب كذلك، كان جميع ما يفعله المسيح باختياره فعل الرب، كما أن جميع ما يفعله البدن باختياره فعل النفس، فالنفس هي التي تخاطب بالأمر والنهي فيقال لها كلي واشربي وانكحي ولا تأكلي ولا تشربي ولا تنكحي، فإن كان الرب مع الناسوت كذلك، كان الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، وكان الرب هو المصلي الصائم العابد الداعي، وبطل قولهم يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته، فإن النفس والبدن لما اتحدا كانت جميع الأفعال الاختيارية للنفس سوى بدن، فإذا صلى الإنسان وصام ودعا فالنفس والبدن يوصفان بذلك جميعاً، بل النفس أخص بذلك، وكذلك إذا أمر أو نهى فكلاهما موصوف بذلك، وكذلك إذا ضرب فألم الضرب يصل إليهما كما تصل إليهما لذة الأكل والجماع.
والأبلغ من ذلك أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه ليس هو صوته وكلامه أو كلامه المعروف، بل يكون صوت الجني. نعم.
قال: وإذا ضرب بدن الإنسي فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ ويخرج منه ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يقول وصفه. قال: فاذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟ وعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس والجسد، فهل يقول عاقل مع هذا الاتحاد إنهما جوهران لكل منهما أفعال اختيارية لا يشركه الآخر فيها؟ ويقولون مع القول بالاتحاد إن الذي كان يصلي ويصوم ويدعو ويتضرع ويتكلم ويتألم ويضرب ويصلب، وهو نظير البدن، والذي كان يأمر وينهى ويخلق ويرزق هو نظير النفس.
وهذا مع قول ابن مريم ولدت اللاهوت مع الناسوت، وأنه اتحد به مع كونه حيا وقبل حياته وعند مماته في ذلك كله كسائر أجساد الآدميين، لم يظهر فيه شيء من خصائص الرب أصلاً، بل ولا بعد إتيانه بالآيات، فإن تلك كان يجري مثلها وأعظم منها على يدي الأنبياء، فهذا أقرب أمثالهم وقد ظهر فساده، وأبعد منه وهو أشد فساداً؛ تمثيلهم ذلك من النار والحديد.
معلوم عند كل من له خبرة أن النار إذا اتصلت بشيء من الأجسام الحيوانية والنباتية المعدنية، مثل جسد الإنسان وغيره مثل الخشب والقصب والقطن وغيره مثل الحديد والذهب والفضة، بأنها تغير ذلك الجسد وتبدله وتبدل صفاته عما كانت، فتحرقه أو تذيبه أو تلينه، كيف يقال إن النار ما أثرتش في الحديد ولم تغير شيئاً منه؟ يعني كلام غير منطقي، نعم. قال: والنار المختلطة به لا تبقى ناراً محضة، بل تستحيل وتتغير أيضاً.
فقول هؤلاء مثل ما يختلط النار والحديد فيلتحمان جميعا فيكونان جمرة واحدة، من غير أن تكون النار تغيرت إلى أن تكون حديدة ثقيلة تشج وتقطع، ولا الحديد تتغير واستحالت إلى أن تكون نارا تحرق، كلام باطل ملبس؛ فإن الجمرة ليست حديدة محضة ولا نارا محضة، بل نوعا ثالثا. وقوله: لن تتغير النار إلى تصير حديدة ولا حديدة استحالة ولا الحديدة إلى أن تصير نارا؛ تلبيس؛ فإن الاختلاط لا يتضمن الاستحالة والتغير، كاختلاط الكثيفين الذي سلما مثل الماء والخمر، والماء والعسل، السمنة والعسل، والذهب ورق والنحاس والرصاص. قد قال فيه إنه لا الخمر خمر ولا الماء ماء بعد اختلاطهما، ولكنهما استحالا جميعا عن جوهرهما، فصارا إلى أمر متغير ليس هو أحدهما بعينه، ولا أحدهما خالص من الفساد والاستحالة عن حاله. فيقال له: فهذا الذي سلمت فيه الوسادة والاستحالة، لم يصل الخمر فيه ماء ولا الماء خمرا، فكذلك مورد النزاع إذا لم تصل النار حديدة ولا الحديدة نارا، لم ينفعك هذا النفي، ولم يكن هذا مانعا من الاستحالة إلى نوع ثالث من الاستحالة والفساد. نعم، فأنت كما أقررت هذا في الخمر والماء، أقرر هذا في الحديد والنار، أنه ليست الحديدة أصبحت نارا، ولا النار أصبحت حديدة، وإنما شيء ثالث، زي ما حكيت في الخمر والمائع تتكلم هنا. نعم.
قال: كما ذكرته في اختلاط الكتفين فإنه معلوم أن ما خالطته النار واتحدت به غيرته واحالته وأفسدت صورته الأولى، والنار الملتحمة به ليست نارا محضة. ومعلوما أيضا أن الجمرة التي ضربتها مثلا للمسيح فقلت: إن الله وعيسى اتحد كالاتحاد الناري والحديدي حتى صار جمرة، معلوما أن الجمرة إذا ضربت بمطرقة أو وضعت في الماء أو مدت، فإن هذه الأفعال تقع بالمجموع لا تقع على الحديد بلا نار ولا نار بلا حديدة؛ فيلزم من ذلك أن يكون ما حل بالمسيح من ضرب وبصاق في الوجه، وضع على الرأس ومن أكل وشرب وعبادة، من مشي وركوب ومن حمل وولادة وغير ذلك مما حل بالمسيح، ومن موت أما متقدم وأما متأخر إذا نزل إلى الأرض وإن صلب على قولهم، أن يكون جميع ذلك حل المسيح، الذي هو عندهم إله تام وإنسان تام، من فرق بين لاهوته وناسوته، كما يكون ما يحل بجمرة النار من حمل وضع وطرق بمطرقة ومد وتصوير بشكل مخصوص وإلقاء في الماء وغير ذلك، حال من مجموع الجمرات، لا يقول عاقل إن ذلك يحل بالحديد دون النار، بل هو حال بالجمرة المستحيلة من حديدة ونار، من خشبة ونار، وليست حديدة محضة ولا نارا محضة ولا مجموع الحديد ولا مجموعة حديد محض من غير محض، بل جوهر ثالث مستحيل عن حديد ونار.
خسائر ما يستحيل بالاتحاد والاختلاط إلى حقيقة ثالثة؛ فلا فرق في الشيئين إذا اتحدا واختلطا وصارا شيئا واحدا من أن يكونا كثيفين، أو يكون أحدهما كثيفا وآخر لطيفا. ما هي الخلاصة في النظرية اللي وضعها ابن البطريق الفيزيائية؟ إنه الكثيف مع الكثيف غير اللطيف مع الكثيف، يقول لك ابن تيمية: غير صحيحة. لابد في ذلك كله أن يحصل لكل منهما من التغير والاستحالة ما يوجب الاتحاد، وأن يكون المتحد المختلط المركب منهما شيئا ثالثا ليس هو أحدهما فقط ولا هو مجموعهما.
نعم، قال: فقولهم إنه مع الاتحاد إنسان تام وإله تام، كلام معلوم الفساد بصريح العقل. وكلما ضربوا له مثلا كان المثل حجة على فساد قولهم؛ بل مع الاتحاد ليس بإنسان تام ولا إله تام، لكنه شيء ثالث مركب من إسان استحال وتغير استحالة وتغييره. إذا كان كل من هذين باطلا، بل إنسانية المسيح باقية تامة كما كانت لم تستحل ولم تتغير، ورب العالمين باق بصفة كماله، لم يتصف بشيء من خصائص المخلوقات ولا استحالة عما كان له قبل ذلك، كان قولهم ظاهر الفساد.
هذا مثلهم الثاني الذي ظلموه لله، حيث شبهوا الله مع الإنسان بالنفس مع الجسد، وشبهوه بالنار مع الحديدة، وهذا المثل أشد فسادا وأظهر. أما المثل الثالث وتمثيل ذلك بالشمس مع الماء والطين، وهذا المثل يقصد الثاني يعني تشبيها بالنار مع الحديد، أشد فسادا وأظهر. نعم.
قال: وأما المثل الثالث هو تمثيل ذلك بالشمس مع الماء والطين فهو أشد فسادا؛ فإنهم قالوا كما تقدم ومثل الشمس المخالطة للماء والطين وكل رطوبة وحمأة، فهي لا تتغير ولا تستحيل عن نورها وبقائها وضوئها مع مخالطتها كل سواد ونتن ونجس. فيقال: أما جرم الشمس الذي في السماء فلم يخالط شيئا من الماء والطين، ولا اتحد به ولا حل فيه وجه من الوجوه، بل بينهما من البعد ما لا يقدر قدره إلا الله، والله تعالى أجل وأعظم وأبعد من مخالطة الإنسان من الشمس والطين. فإذا كانت الشمس نفسها لم تتحد ولم تختلط ولا حلت في الماء والطين، بل ولا بغيرها من مخلوقاته، فرب العالمين أولى أن ينزه عن الاتحاد والاختلاط والحلول بشيء من المخلوقات.
ولكن شعاع الشمس حل بالماء والطين والهواء وغير ذلك مما يقوم به الشعاع، كما يحل شعاع النار في الأرض والحيطان، وإن كان نفس جرم النار القائم بنفسه الذي في زبالة المصباح هو جوهر قائم بنفسه، لم تحل ذاته في شيء من تلك المواضع، ولفظ الضياء والنور ونحو ذلك يراد به الشيء القائم بنفسه المستنير كالشمس والقمر وكالنار. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: 5]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13]. وسمى سبحانه الشمس سراجا وضياء؛ لأن فيها مع الإنارة والاشراق تسخينا وإحراقا، فهي بالنار أشبه بخلاف القمر فإنه ليس فيه مع الإنارة للتسخين، فلهذا قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: 5].
والمقصود هنا أن لفظ الضياء والنور ونحو ذلك يراد به شيء مستنير مضيء القائم بنفسه كالشمس والقمر والنار، ويراد به الشعاع الذي يحصل بسبب ذلك من الهواء والارض، وهذا الثاني عرض قائم بغيره ليس هو الأول ولا صفة قائمة بالأول، ولكنه حادث بسبب ليس قائما في الشمس، بل هو حادث بسببها. نعم، وإنما يحل الشعاع في الهواء. نعم، قال: فالشعاع الذي هو الضوء والنور الحاصل على الماء والطين والهواء وغير ذلك هو عرض قائم بغيره، وليس هو متحدا به البتة.
فهذا المثل لو ضربته الذين يقولون إن الناسوت واللاهوت جوهر بطبيعتين حنلاحظها بالاخر لكان تمثيلا باطلا؛ فإن الشمس لم تحل بغيرها ولا صارت مشيئتها ومشيئة غيرها واحدة، كما تقول النسطورية، بل شعاعها حل بغيره، والشعاع حادث وكائن عنها. وإذا قيل إن ما يكون عن الرب من نوره وروح قدسه وهداه ومعرفته يحل بقلوب أنبيائه والمؤمنين من عباده، مثل ذلك بحلول الشعاع بالارض كان أقرب إلى العقول، ولهذا قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: 35]. قال كعب: مثل نوره في قلوب المؤمنين بهذا. وما جاء به وما جاء في بعض الكتب المتقدمة أن الله يحل في قلوب الصديقين، فهذا معناه هو حلول معرفته والإيمان به ومثاله العلمي كما بسط في غير هذا الموضوع. نعم.
وكذلك إذا قيل نوره أو هداه أو كلامه وسمى ذلك روحا يحل في قلوب المؤمنين، وبهذا الاعتبار والله قد سمى ذلك روحا، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: 15]. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم برُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. ما جاء في الكتب المتقدمة من أن روح الله أو روح القدس يحل في الأنبياء والمؤمنين فهو حق بهذا الاعتبار. وإذا قيل كلام الله يحل في قلوب القارئين فهو حق بهذا الاعتبار، وأما ما يقوم بالرب فلا يتصور أن يقوم هو نفسه بغير رب، بل ما يقوم بالمخلوق من الصفات والأعراض يمتنع أن يقوم هو نفسه بغيره.
فيمتنع في صفات الشمس القائمة بها من شكلها وستارتها وما قام بها من نور أو غيره أن يقوم بغيرها، وكذلك ما قام بجرم النار من حرارة وضوء فلا يقوم بغيرها، بل إذا جاورت النار هواء أو غير هواء حصل في ذلك المحل سخونة أخرى غير السخونة القائمة بنفس النار، تسخن الهواء الذي يجاورها كما تسخن القدر الذي يوقد تحتها النار فيسخن، ثم يسخن الماء الذي فيها، مع أن سخونة النار باقية فيها، وسخونة القدر باقية فيها، وسخونة الماء سخونة أخرى حصلت في الماء ليست واحدة من تينك، وإن كانت حادثة عنها، جنس السخونة يجمع ذلك كله.
ولهذا ذكر الإمام أحمد عن السلف أنهم كرهوا أن يتكلم في حلول كلام الله في العباد بنفي أو إثبات، حلول لفظ مجمل يراد به معنى باطل ويراد به معنى الحق، وقد جاء في كلام الحلول بل معنى الصحيح فتأوله من في قلبه زيغ كالنصارى وأشباههم على الباطل، وقال لهم آخرون أنكروا هذا الاسم بجميع معانيه بكل أشكاله وهذا غير صحيح؛ فإن حلول معاني كلام الله مع حلول نور الله قلب آدم ما في إشكال. نعم.
قال: وقد قدمنا أن الناس يقولون: أنت في قلبي، وساكن في قلبي، وأنت حال في قلبي، ونحو ذلك، هم لا يريدون أن ذاته حلت فيه، ولكن يريدون أن نتصوره وتمثله، حبه وذكره حل في قلبه، كما تقدم نظائر ذلك. والمقصود هنا أن النسطورية لو شبه ما يدعونه من اتحاد وحلول بالشعاع مع الطين كان تمثيلهم باطلا، فكيف بالملكية الذين هم أعظم باطلا وضلالا؟ فقولهم مثل الشمس المخالطة للطين والماء وكل رطوبة وحمأة، تمثيل باطل من وجوه؛ منها: أن الشمس نفسها لم تتحد ولم تحل بغيرها، بل ذلك شعاعها. ومنها: أن الشعاع نفسه لم يتحد بالماء والطين، ولكن حل به وقام به. ومنها: أن ذلك عام في المخلوقات من وجه، وبعبادة المؤمنين من وجه، لا يختص المسيح به، فالمخلوقات كلها مشتركة في أن الله خالق خلقها بمشيئة، وأنه لا بقي وما لها إلا به، فلا حول ولا قوة إلا به، وهي كلها مفتقرة إليه محتاجة إليه مع غناه عنها، ولهذا كانت من آيات ربوبيته وشواهد ألوهيته، من سماها مظاهر ومجال بمعنى أن ذاته نفسها تظهر فيها فهو مفتر على الله.
ونرضى بذلك أنه ظهر بها بمشيئته وقدرته وعلمه، بها أنه ظهر بها مشيئته وقدرته وعلمه وحكمته، فأراد بالمظاهر المجاري ما يراد بالدلائل والشواهد فقد أصاب. نعم، إذا قيل إن مثلا السماوات يظهر فيها الله، الأرض يظهر فيها الله، نقول: ماذا تقصد يظهر فيها الله؟ إذا كنت تقصد أنه يظهر فيها قدرة الله وحكمته وعلمه هذا أصاب صح. إذا قيل إن السماوات والأرض هي مجالي، مجالي يعني تجلي الإله، ما معنى تجلي هنا؟ هاي عبارتك شوي مجملة ممكن نستعملها حتى الصوفية، فيقول ابن تيمية: إذا قصدت أنها تجلي بمعنى أنها دلائل تدل على حكمته وقدرته ما عنا مشكلة، أما إذا قصدت أن الله يحل في سمائه وأرضه فيتجلى من خلال السماء والأرض فهذا كفر، وهذا يعني قول ابن عربي أو يعني غيرهم ممن يقول بقضية الحلول أو الاتحاد. نعم.
قال: وكذلك إذا قال هي آثاره ومقتضى أسمائه وصفاته، وأما المؤمنون فإن الإيمان بالله ومعرفته ومحبته ونوره وهداه يحل في قلوبهم، هو المثل الأعلى والمثال العلمي، فهذا الحلول لا أشكال فيه؛ حلول معرفة الله في قلبك، محبة الله في قلبه، هذا النوع من الحلول لا أشكال فيه. فالاختصاص للمسيح بهذا إذا قيل إنه هذا هو الحلال المسيح، بنقول: هذا مش خاص بالمسيح، أن يحل نور الله في قلبه أو محبة الله في قلبه هذا لجميع المؤمنين وليس خاصا بالمسيح، وكذلك كلامه في قلوب عباده المؤمنين لا اختصاص للمسيح في ذلك. ومنها قال: ومنها أن الشعاع لم يخالط الماء بالطين. ومنها أي مما يدل على فساد قولهم، يعني تشبيه حلول الله في المسيح والعياذ بالله بتشبيه الشمس في مخالطتها للطين والماء، مما يدل على ذلك أن الشعاع لم يخالط الماء والطين. نعم.
قال: ولا يخالط شيئا من الأعيان ولا ينفذ فيه ولا يتحد به، بل يكون على سطحه الظاهر فقط، لكن الشعاع يسخن ما يحل فيه، فإذا سخن ذلك سخن جوفه بالمجاورة كما يسخن الماء بسخونة من غير أن تكون النار خالطة القدر ولا الماء، فإن هذا من قوله إن رب العالمين اتحد بابنه ابن امرأة فصار إلها ومعها إنسانا تاما، هل يقول عاقل إن الماء والطين صار شعاعا ومعها طينا تاما؟ بل الطين طين، ولكن أثر الشعاع فيه بتجفيفه لم يتحد به شعاع ولا نفذ فيه ولا حل في باطنه، فهذا المثل أبعد عن مذهبهم من تمثيلهم بالنار مع الحديد، من تمثيلهم بالنفس مع الجسد، فإن هناك اتصالا بباطن الحديد والبدن، وهنا لم يتصل الشعاع إلا بظاهر الطين وغيره.
وأيضا فالنفس جوهر قائم بنفسه، والشعاع عرض، وكذلك النار جوهر، فالشمس هنا لم تتحد ولن تحل بالطين، بل شعاعها، بل ولا يوصف الطين باتحاده بالشعاع ولا باختلاط الشعاع بباطنه ولا بحلول الشمس نفسها فيه. وحينئذ فقول القائل إن الشمس لم تتغير ولم تستחל عن نورها ونقائها وضوئها مع مخالطتها كل وسخ وثر ونجس إن ولد به نفس الشمس أو صفاتها القائمة بها، فتلك لم تتحد بغيرها ولا حلت به ولا قامت بغيرها، فإذا كانت الشمس كذلك ولله المثل الأعلى هو أولى.
ألا يتحد بغيره ولا يحل فيه ولا يقوم به. وإن أُريد شعاعها فشعاعها ليس هو الشمس، فلا ينفعهم التمثيل به؛ فهم يقولون إن الله نفسه اتحد والمسيح والمسيح والمسيح عندهم هو رب العالمين، مع أنه إنسان تام، هو عندهم إله تام إنسان تام، والطين ليس بشعاع تام ولا طين تام.
والشعاع ونفسه لا يخالط شيئاً ولكن يقوم به، وقيام العرض من محله غير مخالطته له؛ فإن المخالطة تكون باختلاط كل من الأمرين بالآخر، كاختلاط الماء بالطين ونحو ذلك. قيام الصفة بالمحل لا يسمى مخالطة، فإن المخالطة تكون باختلاط كل من الأمرين بالآخر، تداخل الاثنين في بعضهما البعض. والصفة عندما تحل في الجوهر، الجوهر لم يخالط الصفة، هي فقط صفة حلت في جوهر. فيقول لك الاختلاط تداخل بين أمرين، وأما حلول صفة في جوهر ما، كأنه مثلاً أنت صفاتك أنك شجاع وهذا صفته أنه كريم، هل نقول والله الشجاعة خالطت أسامة؟ يعني لأ هذا مش خلطة اسمه، الصفة موجودة في أسامة، ولا نسمى هذه مخالطة.
نعم، قال: وأما ما يقوم بالسطح الظاهري فلا يقال إنه مخالط بجميع الأجزاء، فلا يقال للشعاع الذي هو على أعلى الجبال والبحر إنه مخالط لجميع الجبال والبحر ولا شعاع النار إنه مخالط للحيطان وداخل الأرض. وقد تقدم أنهم قسموا هذا الباب ثلاثة أقسام: أحدهما اختلاط شيئين اختلط أحدهما بالآخر كالماء والخمر، وثانيها اتصاله من غير اختلاط كالماء والزيت والإناء الذي بعضه فضة وبعضه ذهب، وقالوا إن هذا ينبغي أن يتم، اختلاطاً ينبغي أن يسمى اختلاطاً.
نعم، قال: مع افتراق الطبعتين والقوامين، بل ما ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هي فيها خلطة؛ لأن طبيعة الفخار ليس بينها وبين الماء خلطة، وهذا فرق موجود في الشعاع والطين، بل بينهما من الفرق أشد مما بين الماء والقلة؛ فإن الماء.. وقالوا إن هذا لا ينبغي أن يسمى اختلاطاً مع افتراق الطبيعتين والقوامين، بل لا ينبغي.. شف حاشية رقم سبعة زي ما كانت في البداية في المثل. قال: بل لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هي فيها خلطة، لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هي فيه خوطة لا ينبغي أن تكون خلطة، هنا أداة النفي محذوفة.
قال: مثل ما لا يا أمي، بل لا ينبغي أن يكون أو بل ما ينبغي أن يكون، ممكن هنا إذا جعلنا ما نافية، بس هو بناء على النص السابق أن هناك ما لا ينبغي، وهنا لذلك المحشي علّق وهو أظهر. طيب، لكن جعلنا ما نافية برضو توظيف، نعم، أن طبيعة الفخار ليس بينها وبين الماء قوطة.
نعم، قالوا: هذا فرق موجود في الشعاع والطين، بل بينهما من الفرق أشد مما بين الماء والقلة؛ فإن الماء جرم هو يقول لك إن الشعاع والطين هي صورتها مثل صورة الماء والقلة تمام، بل أشد ظهوراً باعتبار ماذا؟ قال: فإن بل بينهما من الفرق أشد مما بين الماء والقلة؛ فإن الماء جرم قائم بنفسه، وهذا عرض قائم بغيره، والجسم بالجسم أشبه من الجسم بالعرض. نعم.
والإله عندهم مخالط لجميع ناسوت المسيح، لم يخلو جزء منه من الاتحاد الإالهي به؛ فإن تشبه الشعاع لم يدخل إلى داخل الطين وإنما بقي فقط على سطحه. طب يعني الشعاع عرض وهذا العرض فقط حل بالسطح ولم يدخل في الأعماق، بينما أنتم ترون أن الإله لاهوت دخل في أعماق الناسوت والتحم بكل جزء منه، وهو ليس إلا.. وهو أيضاً ليس عرضاً، جوهر. فأنتم تشبيهكم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الشعاع بالطين مختلف من كل الجهات متناقض.
نعم، قالوا: إذا قيل إن الشعاع لم يستحل عن نوره ونقائه وضوئه مع مخالطته كل سواد وسخ ونتن ونجس، لم يكن مثلاً يطابقه مع أنه لم يخالط الشعاع.. الشعاع غيرها، يعني فعليا الشعاع لم يخالط لم يدخل في هذه الأمور.
نعم، قال: ثم يقال إن أراد بما لم يتغير نفس الشعاع القائم بالمحل فهذا ممنوع؛ فإن الشعاع يتغير بتغير محله، فيرى في الأحمر أحمر، وفي الأسود أسود، وفي الأزرق أزرق، حتى إن زجاج مختلف الألوان إذا صار مطرحاً للشعاع ظهر الشعاع متلونا بتلون الزجاج، فيرى أحمر وأزرق وأصفر.
قال: وقد ضرب أهل الالحاد القائلون بوحدة الوجود وأن وجود الخلق هو وجود المخلوق لله أمثالا باطلة شرّاً من أمثال النصارى، ولهم مثل السوء ولله المثل الأعلى. وكان مما ظلموه لله أمثالا: شبهوه بالشعاع في الزجاج، فالأيام الثابتة في العدم عندهم هي اللي هي الممكنات، وجود الحق فاض عليها، فشبهوا وجوده بالشعاع وأعيانها بالزجاج، وهذا باطل من الوجوه. هذا هي نظرية أفلاطون، أنهم جعلوا الأعيان اللي هي إحنا والشمس والقمر والاجرام كلياتها، جعلوا على نظرية أفلاطون أنه هي قبل أن توجد في زمان العدم كانت عبارة كأنها مثل، هذه المثل فاض عليها نور الله أو وجود الحق لأنهم يقولون فاض عليها وجود الحق، فأصبحت موجودة بذلك.
تمام، فيقول فالأعيان، الأعيان كما قلت هي الجواهر الموجودة في هذا الكون، ثابتة في العدم، لكنها كانت تسمى ايش ممكنات؟ فالأعيان الثابتة في العدم كانت عندهم في حيز الممكن (يعني ممكن أن توجد)، فلما جاء وجود الحق ففاض عليها وجدت، فشبهوا وجود الحق.. افرض على هذه الأعيان، ماذا قال؟ فشبهوا وجوده بالشعاع وهذه الأعيان بالزجاج الفارغ، لما جاء وجود الرب اللي هو شعاع فحل في هذا الزجاج الفارغ وجدت هذه الأعيان اللي هي أنا وأياكم بالدنيا.
طب فيقول: هذا طبعا هو الآن سيبدأ يرد على جماعة ابن عربي؛ لأن قولهم أسوأ من قول النصارى، قول ابن عربي أسوأ من قول النصارى في اتحاد اللاهوت بالناسوت. فقال: فتصويركم أن هذا الكون هكذا وجد، أنه كان معدوماً لكنه كانت له مثل، فجاء وجود الحق كالشعاع الذي حل في هذه المثل فأصبح موجوداً هذا الكون، هذا باطل من الوجوه. منها ما هي؟ قال: منها أن القول بأن أعياناً ممكنات ثابتة في العدم قول باطل، أولاً قضية اللي هي قضية نظرية أفلاطون نظرية وجود مثل سابقة كانت قبل أن.. أن أعيان الممكنات أنه كل ما هو موجود الآن كانت له مثل سابقة في العدم قول باطل.
ثانياً قال: منها أن قولهم إنه إن وجود الخالق هو عين وجود المخلوق إذاً باطل. نعم.
ومنها أن حلول الشعاع بالزجاج يقتضي حلول أحدهما بالآخر، هم ينكرون الحلول ويقولون الوجود واحد، أصلاً يعني ابن عربي ينكر الحلول بل هو مصر على الاتحاد، فنقول لهم: أنتم يا جماعة ابن عربي تشبهونا فتقولون إن وجود الحق صاد على هذه الأعيان العدمية، وهذا جعلتموه كعلاقة الشعاع بالزجاج، طب الشعاع حل في الزجاج، هل تقولون إن وجود الرب حل في الكون؟ نقول لا، احنا ما بنقولش حل بل نقول إنه هو واحد، اتحاد وليس حلول. فنقول: إذا حلول الشعاع بالزجاج لا يناسبكم أن تمثلوا به؛ لأنه يقتضي الحلول أحدهما بالآخر، حلول الشعاع كوصف داخل الزجاج، وأنتم تنكرون الحلول يا جماعة ابن عربي وتقولون ما في حلول بل هو اتحاد والوجود واحد.
نعم، قال: ومنها أن الشعاع الذي على نفس الزجاج ليس وجوده وجود الزجاج، وعندهم وجود الرب وجود الممكنات، هذه قضية أخرى، الشعاع الذي حل في الزجاج ليس وجود الشعاع هو بعينه وجود الزجاج، وجود الشعاع شيء ووجود الزجاج شيء، وأنتم على نظريتك يا ابن عربي، أنت تعتقد لا أن وجود الرب هو هو نفسه وجود الأعيان، وهذا بالتالي يفارق؛ لأنه يقيم إنه هذا المثل لا يناسبكم أصلاً.
نعم، قالوا: ومنها أن شعاع الحالّ بهذا الزجاج ليس هو بعينه شعاع الحالّ بالزجاج الآخر وإن كان نظيره، هؤلاء عندهم أن الوجود واحد بالعين لا يتعدد، نعم، الشعاع الذي يحل في هذا الكأس ليس هو الشعاع الذي يحل في هذا الكأس وإن كان يشبهه، وأنتم عندكم أن الرب سبحانه وتعالى وجوده واحد في كل مخلوقاته، وجوده واحد في كل مخلوقاته، ليس وجود الرب في زيد يختلف عن وجوده في عمرو، هو وجود واحد. فهو يقولهم: تشبيهكم هاي النظرية نظرية اتحاد رب العالمين بنظرية الشعاع مع الزجاج قياس فاسد، غير أنه أصلاً قولهم فاسد كله يعني.
نعم، قال: ومنها أن شعاع عرض مفتقر إلى الزجاج، فهو مفتقر إليه افتقار العرض إلى محله، فيلزم إذا مثلوا الرب به أن يكون الرب مفتقراً إلى كل ما سواه مع غنى كل ما سواه عنه، وهذا قلب كل حقيقة وأعظم كفر بالخالق، أي والله. قال: فانه سبحانه الغني عن كل ما سواه، مفتقر إليه.
نعم، قال: وكل من قال بحلول الله في شيء من المخلوقات من النصارى وغيرهم، يلزمه أن يكون مفتقراً إلى ما حل فيه، يلزمه أن يكون الحالّ مفتقراً إلى ما حل فيه.
نعم، قال: فانه لا حقيقة للحلول إلا هذا، ولهذا كان محل قلوب المؤمنين من الإيمان والهدى والنور والمعرفة مفتقرا إلى قلوب المؤمنين، لا يقوم إلا بها. أحسنت، لذلك الإيمان والمعرفة.. شف هذا الكلام جميل: الإيمان والمعرفة هو مفتقر إلى قلوب المؤمنين، الإيمان والمعرفة هي محتاجة إلى قلوب المؤمنين؛ لأنه بدون وجود قلوب لن توجد الإيمان والمعرفة بالله. فلذلك خلق الله القلوب حتى تحل فيها معاني الإيمان والمعرفة ومحبة الله، يعني من معاني.. من معاني خلق الله للبشر، نزول من الحكم.. من حكم خلق الله للبشر أن توجد قلوب يحل فيها الإيمان والمعرفة بالله؛ لأنه هذه معاني لا تكون إلا داخل قلوب، فاذا لم توجد قلوب لم توجد هذه المعاني.
فيقول لك: ولهذا كان ما حل بقلوب المؤمنين من الإيمان والهدى والنور، هذه المعاني هي مفتقرة إلى تلك القلوب، لا تقوم إلا بها، صحيح.
نعم، قال: وجميع الصور، وجميع الصور الذهنية القائمة بالأذهان مفتقرة إلى الأذهان، لا تقوم إلا بها، آلاف الخواطر، الصور الذهنية اللي هي الخواطر والأفكار، هاي الأفكار هل هي مفتقرة لوجود الدماغ؟ الأذهان؟ نعم؛ لأنه هي لا توجد الأفكار إلا إذا في دماغ، فالأفكار مفتقرة إلى وجود الدماغ.
نعم، قال: والشعاع مفتقر إلى محله، لا يقوم إلا به، وهكذا سائر النظائر، وهكذا سائر أن كل شيء ذهني أو وصفي يحتاج إلى محل يحل فيه، فإذا قلتم إن الله سبحانه وتعالى يحل في مخلوقاته والعياذ بالله، إذا أصبح الله مفتقراً في وجوده إلى مخلوقاته وهذا قمة الكفر.
نعم، الله هو الغني.
نعم، قالوا: هؤلاء الذين شابهوا النصارى وزادوا عليهم في الكفر، مأذن لهم من الكفر بقولهم إن وجود الخالق وجود كل مخلوق، وانه قائم بعين الممكنات، يقولون إنه مفتقر إلى الأعيان في وجوده، وهي مفتقرة إليه في ثبوتها، فيجعلون الخالق يا جماعة إنه مفتقر إلى الأعيان في وجوده، والأعيان مفتقرة إليه في ثبوتها في الواقع الخارجي.
نعم، قال: فيجعلون الخالق محتاجاً إلى كل مخلوق، والمخلوق محتاجاً إلى الخالق، ويصرحون بذلك؛ كما يصرح بعض النصارى بأن اللاهوت محتاج إلى الناسوت والناسوت محتاج إلى اللاهوت، معلوماً أن الله غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير وكل ما سواه اليه من كل وجه، هو الصمد المستغني عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه، ومن قال إنه مفتقر إلى مخلوق بوجه ما هو كاذب مفتري كافر، فكيف بمن قال إنه مفتقر إلى كل شيء؟ والمثل الذي ضربوه له يقتضي أن يكون مفتقرا إلى غيره وغيره مستغن عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له ولما.. صحيح بحكوا إن الله والعياذ بالله محتاج للأعيان والأعيان محتاجة إلى الله، لكن فعليا المثل اللي ضربوه لهاي القضية مثل الشعاع بالزجاج هو ترى يدل فقط أن الله هو المفتقر وأن الطرف الآخر ليس مفتقر وظلم، يعني هذا حتى مثالكم كله غلط، ولا يتناسب حتى مع كلامكم الأصلي.
نعم، قال: لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله، فإن محل الشعاع.. محل الشعاع اللي هو الزجاج مستغن عن الشعاع، نعم، لا يفتقر إليه.
نعم، قال: والشعاع مفتقر إلى محله، فمقتضى هذا التمثيل أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسا مستغن عن الله، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
فصل: وهذا الذي قد ذكره هذا البطريق سعيد بن سعيد، سعيد البطريق المعظم عند النصارى، المحب لهم، المتعصب لهم في أخبارهم التي بين بها أحوالهم في دينهم، معظماً لدينهم مع ما في بعض الأخبار من زيادة فيها تحسين ما فعلوه، وكثير من الناس.. ذلك ويكذبه مثل ما ذكره من ظهور الصليب من منظمة آريوس وغير ذلك، فإن كثير من الناس يخالفه فيما يذكره، ويذكر أن أمر ظهور الصليب كان للتدليس والتكبس وحيلة ومكر، ويذكر أن ليس لم يقل قط إن المسيح خالق، ولكن المقصود أنه إذا صدق هذا فيما ذكره، فانه بين أن عامة الدين الذي عليه النصارى ليس مأخوذاً عن المسيح بل هو مما ابتدعه طائفة منهم، وخالفهم في ذلك آخرون، وانه كان بينهم العداوة والاختلاف في إيمانهم وشرائعهم، ما يصدق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14]، فأغرينا بينهم.. يعني الصقنا العداوة والبغضاء بين فرق النصارى، فتجد اليعقوبية والملكية والسطورية، فهذه الآية تثبت أن النصارى يكفر بعضهم بعضاً، يكفر بعضهم بعضاً، وقد يقتل بعضهم بعضاً في معتقداتهم وتصوراتهم.
والنصارى قالوا.. النصارى يقرون بما ذكروا هذا البطريق أن أول ملك أظهر دين النصارى هو قسطنطين من الروم.
أظهر دين النصارى بعد أن تحولت الروم من الوثنية إلى المسيحية وقسطنطين. قال: وذلك بعد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، وهو نصف الفترة التي بين مسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم. ما بين المسيح ومحمد عليه الصلاة والسلام قرابة الستمئة سنة. قال في أنها كانت ستمئة سنة، أو ستمئة وعشرين، مما كان النصارى مقرين بأن ما هم عليه من الإيمان صنعه طائفة منهم مع مخالفة آخرين لهم فيه، ليس منقولاً عن المسيح.
وكذلك ما هم عليه من التحرير؛ من تحرير ما حرمه الله ورسوله، وكذلك قتال من خالف دينه، وقتل من حرم الخنزير، مع أن شريعة الإنجيل تخالف هذا، وكذلك الختانة، وكذلك تعظيم الصليب. وقد ذكروا مستنده في ذلك: أن قسطنطين رأى الصليب في الكواكب. معلوم أن هذا لا يصلح أن تبنى عليه الشريعة، فإن مثل هذا يحصل للمشركين وعباد الأصنام والكواكب، فإن في النهاية مثل هذا قال: ما هو أعظم منه، وبمثل هذا بدل دين الرسل، وأشرك الناس بربهم وعبدوا الأوثان، فإن الشيطان يخيل هذا وأعظم منه. يعني واحد يحلم له حلم أنه شاف الصليب وهو نايم، يصحى الصبح يجعل هذا دين؟! أو هيك يكون نظر للكواكب فيشوفوا الكواكب بشكل صليب، فخلص يجعل هذا دين؟! قال: هذا كله من تخيلات الشيطان.
فهل مثل هذا يمكن أن يجعل ديناً ويمضي عليه الناس حياتهم؟ قال: مع أن هذا الذي ذكروه عن بطرس رئيس الحواريين، وكذلك الأزار كما قال، وكذلك الأزار الذي رآه من رآه، والصوت الذي سمعه، هل يجوز للعاقل أن يغير شرع الله الذي بعثت به رسله بمثل هذا الصوت والخيال الذي يحصل للمشركين عباد الكواكب والاصنام، وما هو أعظم منه؟ اليوم بقول لك: والله سمعت هاتف، جاءني صوت قال لي اعمل هيك! يعني معقول تبدل دين المسيح عيسى ابن مريم مشان هاتف سمعته ولا الشيطان قذف في روعك شيء؟ الاديان لا تبدل بهذه الطريقة.
طالما أن هذا الذي ذكروه عن بطرس رئيس الحواريين ليس فيه تحرير ما حرمه الله، بل قال: ما طهره الله فلا تنجسه. ما نجسه الله في التوراة وقد نجسه ولم يطهره إلا أن ينسخه المسيح، والحواري لم يبح لهم الخنزير وسائر المحرمات إن كان قوله معصوماً كما يظنون. والمسيح لم يحل كل ما حرمه الله في التوراة، وإنما أحل بعض ما حرم عليهم. ولهذا كان هذا من الأوصاف المؤثرة في قتال النصارى كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
وقد ذكر من لعنة بعض طوائف النصارى لبعضهم في مجامعهم السبعة وغير مجامعهم ما يطول وصفه. يعني كان النصارى يلعن بعضهم بعضاً، ولذلك قال: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 14]. وحينئذ فقول هؤلاء: من خالفنا لعناه، كلام لا فائدة فيه، فإن كل طائفة منهم لاعنة ملعونة، هذه لاعنة لهذه وهي ملعونة من غيرها، فليس في لعنتهم لمن خالفهم إحقاق حق ولا إبطال باطل. يعني أنت لا تهددني بأنك ستلعن، إنه كمان أنت تلعن غيرك فغيرك يلعنُك! وإنما يحق الحق مش باللعن، بالبراهين والأدلة العلمية، هكذا يقوم الحق.
قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]. وقد تقدم ما ذكره سعيد بن بطريق من أخبارهم أنه كان يأتي البطريرك العظيم إلى كنيسة مبنية لصنم من الأصنام يعبده المشركون، فيحتالوا حتى يجعلهم يعبدون ما كان الصنم مخلوقاً أعظم منه كملك من ملائكته ونبيه؛ مخلوقاً أعظم. يعني بخليهم بدل ما يعبدوا الصنم، يعبدوا مخلوقاً أعظم من الصنم، يجعلونهم يعبدون ملكاً من الملائكة أو نبياً من الأنبياء! كما كان بالإسكندرية للمشركين كنيسة فيها صنم اسمه ميكائيل، فجعلها النصارى كنيسة باسم ايش؟ ميكائيل الملك!
وصاروا يعبدون الملك بدلاً أن يعبدوا الأصنام، ويذبحون للملك بدل أن يذبحوا للأصنام! وهذا نقل لهم من الإشراك بمخلوق إلى الإشراك بمخلوق آخر؛ يعني اللهم هذا المخلوق الآخر الذي أشرك فيه جزؤه أعلى مرتبة من المخلوق الأول يعني. أولئك كانوا يبنون الهياكل ويجعلون فيها الأصنام باسماء الكواكب كالشمس والزهرة وغير ذلك، فنقلهم المبتدعون من النصارى إلى عبادة بعض الملائكة أو عبادة الأنبياء، هذا الذي فعلوه في المشركين. ثم يقول: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: 80].
وقد حصل لما ذكرناه من الجواب عن قولهم وعلى هذا المثال: نقول في السيد المسيح طبيعتان، الطبيعة اللاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، والطبيعة الناسوتية التي أخذت من مريم العذراء واتحدت به. وعُرف أن هذا قول من أقوال النصارى، وأن لهم أقوالاً تناقض هذا، يعني هم مختلفون في طبيعة حد اللاهوت بالناسوت. وكل فريق منهم يكفر الآخر، إذ كانوا ليسوا على مقالة تلقوها عن المسيح والحواريين، بل هي مقالات ابتدعها من ابتدعها منهم فضلوا بها وأضلوا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلَا تَتَّبِعوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. فذكر سبحانه أنهم ضلوا من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم.
والنصارى أمة يلزمهم الضلال الذي أصله الجهل، ولا يوجد قط من هو نصراني باطناً وظاهراً إلا وهو ضال جاهل بمعبوده وبأصل دينه؛ لا من يعبده، ولا بماذا يعبد، مع اجتهاد من يجتهد منهم في العبادة والزهد ومكارم الأخلاق. ثم يقال على هؤلاء قولهم: طبيعتان، ويقولون أيضاً: له مشيئتان، ويقولون أيضاً: إنه شخص واحد ولم يزد عدده! فإنهم يقولون إنه ما اتحد كما ذكروه في كتبهم، لئلا يلزمهم القول بشخصين، لئلا يلزمهم القول بأربعة أقاليم.
منهم من يقول هما جوهران، ومنهم من يقول هو جوهر واحد. فإن قالوا: جوهر واحد، صار قوله من جنس قول اليعقوبية، لاسيما وهم يقولون إن مريم ولدت اللاهوت والناسوت، وأن المسيح اسم يجمع اللاهوت والناسوت، هو إله تام وإنسان تام. إذا كان جوهراً واحداً لزم من ذلك أن يكون اللاهوت قد استحال وتغير، وكذلك الناسوت، فإن الاثنين إذا صاروا شيئاً واحداً فذلك الشيء الثالث ليس هو إنسان ولا إله محضاً، أو اجتمعت فيه الإنسانية والالهية.
مع أنه قد كان الإنسان والإله اثنين متبينين هما في اصطلاحهم جوهران، إذا صار الجوهران جوهراً واحداً لا جوهرين، لزم ضرورة أن يكون هذا الثالث ليس إلهاً محضاً ولا إنساناً محضاً، ولا هو جوهران إنساناً وإلهاً، فإن هذين جوهران لا جوهر واحد، بل هو شيء ثالث اختلط وامتزج واستحال من هذا وهذا، فتبدلت حقيقة اللاهوت وحقيقة الناسوت حتى صار هذا الجوهر الثالث الذي ليس لاهوتُه محضاً ولا ناسوتُه محضاً، كسائر ما يعرف من الاتحاد.
إن كل اثنين اتحدا فصارا جوهراً واحداً فلابد في ذلك من الاستحالة، كما في اتحاد الماء واللبن والخمر وسائر ما يختلط بالماء، بخلاف الماء والزيت فإنهما جوهران كما كان، لكن الزيت لاصق الماء وطفا عليه لم يتحد به، مثل اختلاط النار والحديد فإن الحديد استحال عما كان، ولهذا إذا برد عاد إلى مكانه. هكذا اتحاد الهواء مع الماء أو التراب حتى يصير بخاراً أو غباراً أمثال ذلك.
في الجملة؛ فجميع ما يعرفه الناس من اتحاد إذا صار الاثنان واحداً وارتفعت الثنائية فلابد من استحالتهما؛ الخال الأول والثاني كل واحد ستحصل فيه شكل من أشكال الاستحالة. قالوا: فإذا قيل فيه طبيعة الاثنين وطبيعة الاثنين، كما في الماء واللبن، قوة الماء وقوة اللبن، قيل: لابد مع ذلك أن تتغير كل قوة عما كانت عليه فتنكسر الأخرى، كما يعرف في سائر صور الاتحاد إذا اتحد هذا مع هذا كسر كل منهما قوة الأخرى عما كانت عليه، كما إذا اتحد الماء البارد بالماء الحار انكسرت قوة الحر وقوة البرد عما كانت فيبقى مرتبة متوسطة بين البرد المحض والماء الحر المحض، وكذلك هو الماء الدافئ يصبح.
وكذلك الماء واللبن هو سائر صور الاتحاد، وعلى هذا فيجب إذا اتحد أن تتغير قوة اللاهوت وطبيعته ومشيئته عما كانت، وتنكسر قوة الناسوت وطباعته ومشيئته عما كانت عليه، فيبقى هذا المتحد ممتزجاً من لاهوت وناسوت، وذلك يستلزم نقص اللاهوت عما كان عليه وبطلان كماله، كما أنه يوجب انكمال الناسوت ما لم يكن، لأن الناسوت كان دنيئاً فبمخالطته للاهوت ارتفع، واللاهوت كان رافعاً فلما اختلط بالناسوت نزل هكذا وضعه الطبيعي فكله.
فكل ما يصفون به الناسوت من اتحاد اللاهوت به فهو مستلزم لنقص اللاهوت وسلب كماله الذي يختص به وبطلان صفاته التامة بحسب ما حصل له من ذلك الناسوت بحكم الاتحاد. وإلا فإن كان اللاهوت كما كان فلا اتحاد بوجه من الوجوه، بل الناسوت كما كان، ثم هما اثنان لم يتحد أحدهما بصاحبه ولا صار شيئاً واحداً.
وأيضاً هو على كون جوهري واحداً يجب أن تكون مشيئة واحدة وطبيعة واحدة، فإنه لو كان مشيئتان لكان محل إحدى المشيئتين إن كان هو محل الأخرى مع تضاد موجب المشيئتين لزم اجتماع ضدين في محل واحد، فإن الإرادة الناسوتية تطلب الأكل والشرب وأن تععبد وتصوم وتصلي، واللاهوتية توجب امتناعهم عن إرادة هذه الأشياء. اللاهوتية تقتضي أن لا يأكل ولا يشرب.
قالوا: إرادته أن يخلق ويرزق ويدبر العالم، والناسوتية تمتنع من هذه الإرادة، فإذا قامت الإرادتان والكراهتان بمحل واحد لزم أن يكون ذلك الجوهر الموصوف بهذا وهذا مريداً لشيء وامتنع من إرادته، غير مريد له، كارهاً لشيء غير كاره له، وذلك جمع بين نقيضين من وجوه متعددة. والدليل أن يقوم بالموصوف الواحد إرادتان جازمتان بالشيء ونقيضه، أو كراهيتان جازمتان بشيء ونقيضه، والفعل لا يقع إلا بإرادة جازمة مع القدرة، فاللاهوت ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، متى شاء شيئاً بمشيئة جازمة فإنه على ما شاء قدير.
والناسوت لا يفعل شيئاً من خصائص البشرية حتى يريد ذلك إرادة جازمة، والناسوت يمتنع أن يريد إرادة اللاهوت ويكره ذلك، فيصير شيء واحد مريداً لشيء إرادة جازمة قادراً عليه، ليس مريداً له إرادة جازمة بل هو عاجز عنه، وهذا تناقض! أو يلزم أيضاً إذا كان جوهرا واحداً وقد ولد وصفع وضرب وصُلب ومات وتألم، أن يكون نفس اللاهوت ضُرب ومُصيب ومات وتألم كما تقوله اليعقوبية، هذا لازم لجميع النصارى هو موجب عقيدة إيمانهم.
فإن قالوا بل هما جوهران، مع كونهم عنده شخصاً واحداً لا تعدد فيه كما يقول من يقوله من الملكية، كان هذا الكلام متناقضاً؛ الشخص الواحد الذي لا تعدد فيه جوهر واحد، ولهذا يحد بأنه جسم. ولو أنهم شبهوا ذلك بالنفس مع جسده لزم هو المحدود، فإن الإنسان كما يقال فيه إنه شخص واحد يقال إنه جوهر واحد بما بينهما من الاتحاد، ولهذا يحد بأنه جسم حساس تام متحرك بروحه ناطق، وهذا يتناوله جسده وروحه، وللنفس والبدن مشيئة واحدة، متى شاء الإنسان الفعل مشيئة جازمة مع قدرته عليه فعله، ولم يكن معه جوهر آخر وله مشيئة غير مشيئته.
فإن شبهوا اتحاد اللاهوت بالناسوت بهذا لزم أن يكون جوهراً واحداً ومشيئة واحدة، وهذا قول اليعقوبي، فعاد قول الملكية إلى قول اليعقوبية. قالوا: لهذا تتألم النفس بما يحدث في الجسد من الآلام، ويتألم الجسم الذي هو القلب الصنوبري بما يحدث في الناس من ألم، فإذا تألمت النفس تألم القلب والجسد وغير قلب الجسد.
وكذلك إذا تلم جسده، وإذا صُفع جسده صُلب وصُخ في وجهه ووُضع الشوك عليها وتألم ومات، كان ذلك كله حالاً بالنفس، ونالها من إهانة وصفع وألم النزع ما ينالها، كما يسلمون بأنه حل المسيح وبدنه، فإنهم لا ينازعون أن الألم حل ببدن المسيح ونفسه، وإنما يتنازعون في اللاهوت، مع أن النفس مفارقة البدن بالموت، واللاهوت عندهم لم يفارق الناسوت بالموت، بل صعد إلى السماء والمسيح الذي هو إله تام وإنسان تام يقعدان عن يمين أبيه، وكذلك يجيء يوم القيامة أيضاً.
فالبدن إذا كانت فيه النفس تتغير صفاته وأحكامه وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها، والنفس إذا كانت في البدن تختلف صفاتها وأحكامها، فيلزم أن يكون الناسوت المسيحي مخالفاً في الصفات والأحكام سائر اللواسيت، وأن يكون اللاهوت لما اتحد به تغيرت صفاته وأحكامه، وهذا هو الاستحالة والتغير وتبدل الصفات! مع أن الناسوت المسيحي كان من جنسية بشر لم يظهر عليه إلا ما ظهر مثله على غيره، بل ظهر على غيره من خوارق العادات أكثر مما ظهر عليه. وبالجملة فأي ظاهر على غيره -أي من الأنبياء- من المعجزات أمور أعلى مما ظهرت على معجزات المسيح.
بالجملة فأي مثل ضربوه للاتحاد كان حجة عليهم ظهر به فساد قولهم. وإن قالوا هذا أمر لا يعقل بل هو فوق العقول الآن هم حاولوا أن يضربوا أمثلة تقرب فيها كيف اتحد اللاهوت مع الناسوت فيقول لهم خلاصة ذلك ابن تيمية.
أي مثل ضربتموه حتى تفهموا الناس كيف اتحد اللاهوت بالناسوت، سيكون مثالاً فاسداً. فإذا وصلتم من هذه المرحلة قلتم لا؛ هو في الحقيقة اتحاد اللاهوت بالناسوت هذا أمر لا يعقل، يعني شيء يعني سامحونا سر، ما بنقدرش نفهمكم كيف اتحد اللاهوت بالناسوت. كان الجواب على هذا من وجهين، الأول: نعم، قال أحدهما إنه يجب الفرق بينما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبينما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته.
فنقول أولاً، لما تقولون إن هو أمر لا يعقل، هو فوق العقل. خلونا نفصل، فوق العقل بمعنى أنه ممكن عقلاً لكنه يحكم باستحالته؟ عفواً آه فوق، اه نعم. فوق العقل لكنه لا يحكم باستحالته، أم فوق العقل ويحكم باستحالته؟ مو يقول لك يجب أن نفرق بين محارات العقول مش هيك حكيناها ومستحيلات العقول؟ يجب أن نفرق بين محارات العقول ومستحيلات العقول، فأنتم لما تقولوا إن اتحاد اللاهوت بالناسوت لا؛ هذا أمر لا يعقل، ماذا تقصدون لا يعقل؟ هل هو من الأمور اللي العقول ما بتفهمها لكنه ليس مستحيلاً، أم من الأمور اللي أصلاً هو مستحيل عقلاً؟ يقول إذاً يجب أن نفرق بينما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبينما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، وإن كان لا يحكم باستحالته.
فالأول اللي هي إيش؟ ما يحكم ما يحكم العقل ببطلانه، هذه من محالات العقول، والثاني اللي العقل لا يستطيع أن يتصوره لكنه ممكن، هذا من محارات العقول، والرسل يأتون بالثاني وليس بالأول. لا يمكن أن يكون في رسالة نبي من الأنبياء بالمستحيلات العقلية، قال وأما الأول؟ نعم. قال وأما الأول فلا يوقله إلا كاذب، ولو جاز أن يقال هذا لو جاز أن يققال إن في الجسم الواحد يكون أبيض أبيض أبيض أسود في حال واحدة، وأنه بعينه يكون في مكانين، وأن الشيء الواحد يكون موجوداً معدوماً في حال واحدة، وأمثال ذلك مما يعلم العقل امتناعه.
نعم، إذا كان الرسل يجوز أن يخبروا بالمستحيلات العقلية، إذاً لجاز أن يقول لنا اه إن الجسم يكون موجوداً معدوماً في نفس الوقت وخلص بدنا نصدقهم، وإن الجسم الواحد يكون أبيض أسود في نفس الوقت وبدنا نصدقهم، وأمثال ذلك بما يعرف العقل وامتناعه، وهذا لا يقوله الرسل. نعم، وقول النصارى من أي جنس؟ هل هو من محالات العقول ولا من محارات العقول؟ قال هو قل هو من محالات العقول، مما يعلم بصريح العقل إنه باطل، ليس هو مما والله يعجز العقل عن تصوره مع أنه ممكن، لا لا هو مستحيل عقلاً.
نعم، قال يوضح هذا أنه لو قال قائل في مريم أم المسيح إنها امرأة الله وزوجته، نكاح نكاح العقلية كما يقولون إن المسيح ولده ولداً عقلياً، لم يكن هذا القول أفسد من عقلي أفسد في العقل من قول في المسيح كما رصدناه في موضع آخر، هم يكفرون من يقول ذلك ويحتجون بالعقل على، وإذا قال هذا فوق العقل لم يقبلوه. وكذلك وكذلك كل طائفة من طوائفهم احتجت على الأخرى بالعقل، وإذا قالوا قولنا فوق العقل لم يقبلوا هذا الجواب. إذا كان هذا جواباً صحيحاً فيجب ألا يبحث في شيء من الإلهيات للعقل بل يقول كل مبطل ما شاء من الباطل، يقول كلامي فوق العقل كما يقول أصحاب الحلول والاتحاد والوحدة الذين يقولون.
يعني هو إيش يريد يقول؟ لو قال قائل في مريم إنها امرأة الله وزوجته -تعالى الله عن ذلك- وأن هناك حنكة على عقلنا نصارى ما بحكوا هيك. شو بده قال؟ بده يلزمهم، يعني أنا صار أتفاوت ونتفهمها. إذا قال لكم شخص إن مريم امرأة الله وزوجته -تعالى الله عن ذلك- كما تقولون أنتم إن المسيح ولده ولادة عقلية، لم يكن القول القول بأن مريم امرأة الله وزوجته أفسد في العقل، ليس أفسد من قولكم بأن المسيح ولد الله، طب هو زيه في الفساد.
وحنا عارفين أنتم بتنكروا أن تقولوا إن مريم زوجة الله احنا عارفين، بس ترى هذا القول بأن مريم زوجة الله ليس أشد فساداً من قولكم بأن المسيح ولد الله. ممتاز، وأنتم تكفرون من يقول ذلك ترى، أنتم يا نصارى تكفرون من يقول إن مريم زوجة الله، وتحتجّون بالعقل على فساده، صحيح؟ طب إذاً الذي يقول إن مريم زوجة الله قال لكم يا نصارى، هذا أمر أنتم لا تعقلونه، يعني هذا فوق العقل، سامحونا ما راح تفهموا كيف مريم زوجة الله، زي ما أنتم بتحكوا إنه اه فوق العقل أن نفهم كيف المسيح ابن الله. لو واحد قال لكم أنتم هذا إشي فوق العقل أن تفهموا كيف مريم زوجة الله، لم تقبلوه صح؟ قلت لا ده هم فوق العقل، أنت بتحكي كلام فاسد.
طب نفس الشيء بنقوله لكم، قولكم إن فكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت فوق العقل هذا مجرد دعوة منكم بس أنتم كلامكم غير مقبول، وكذلك كل طائفة من طوائفهم احتجت على الأخرى بايش؟ بالعقل، وإذا قالوا قولنا فوق العقل لم يقبلوا هذا الجواب. أنتم بينكم نفسكم أسطورية وملكية ويعقوبية، أي طائفة مش أنتم بتكفروا الطائفة الأخرى؟ فاذا الطائفة اللي أنتم بتكفروها قالت لكم والله نظريتنا فوق العقل، أنتم ما بتقبلوا منهم ذلك وبتكفروهم، فنفس الشيء احنا بنفعل معكم، لا نقبل قولكم إن اتحاد اللاهوت بالناسوت قضية فوق العقل ونحن لازم نستقبلها كفكرة، لا لا هو كفر بالنسبة لنا.
نعم، يعني التوارد بالطريقة العقلية والتناكح بالطريقة العقلية مش بالطريقة المعروفة البيولوجية، ما انا ما أعري يعني هو يعني يقصد اه تلاقح ذهني تلاقح بهذه الطريقة الله أعلم يعني، بس مش طريقة بيولوجية. نعم، طريق التولد يعني طريقة التوالد العلة والمعلول، يعني هذه المقصود بها عادة العقل. نعم، قال كما يقول أصحاب الحلول والاتحاد والوحدة الذين يقولون إن وجود الخالق وجود المخلوق، ويقولون إن هذا فوق العقل وانه إنما يعلم بالذوق لا بالسمع ولا بالعقل، بحكوا اه عفيفة كلم سامي.
نعم، قال الثاني أن يقال ما يعجز العقل عن تصوره إذا أخبر بنبيه عليهم السلام قبل منهم لأنهم يعلمون ما يعجز غيرهم عن معرفته، وهذه الأقوال لم يقل الأنبياء شيئاً. الجواب الثاني أن هم الآن هو يجيب عن قولهم إن هذا أمر فوق العقل، الجواب الأول أننا يجب أن نفرق بين محارات العقول ومستحيلات العقول، وأن مجرد قولك وانه فوق العقل ليس دليلاً على أنه مقبول عقلاً. ثانياً، إنه ما يعجز العقل عن تصوره إذا أخبرت به الأنبياء يقبل منه، هذا التنزل لو بدنا نتنزل تنزلاً أن نظرية اتحاد اللاهوت بالناسوت من محارات العقول مش من محيلات العقول.
فنقول لهم ما يعجز العقل عن تصوره إذا أخبرت به الأنبياء لزمنا أن نقبله، أليس كذلك؟ يعلمون ما يعجز غيرهم عن معرفته. طب هذه الأقوال قضية اتحاد اللاهوت بالناسوت ترى لم يقل بها نبي من الأنبياء، حتى المسيح لم يقل بها، بل نفس فرق النصارى قالوها بارائهم، انتم اخترعتموها وزعمتم أنكم استنبطتموها استنباطاً فقط من ألفاظ الكتب من التوراة والإنجيل. فيقال لمن قالها منهم: أنت تتصور ما تقول أم لا تتصور وتفهم؟ فان قال أيوا، قال: إنه لا أتصور ما أقول ولا أفقفه ولا أعقله.
قيل له: وهو فقد قلت على الله ما لا تعلم، وقفت ما ليس لك به علم، يعني اتبعت شيئاً ليس لك به علم. نعم، قال: من اعظم القبائح المحرمة في جميع الشرائع أن يقول الإنسان برأيه على الله قولاً لا ولا يفهمه. وجميع العقلاء يعلمون أن من قال قولاً هو لا يتصوره ويفقهه فإن قوله مردود عليه غير مقبول منه، وأن قوله من الباطل مذموم. كان يأتي رجل مثلاً معاصر اليوم يأتي للقرآن زي شحرور وغيره، بيجي لك على آيات قرآنية بيقول لك هاي الآية تدل على إباحة الزنا وهاي الآية بتقول له انت فاهم شو بتقول؟ يعني القول اللي بتحكيه انت متصور وتفهم ما تقول ولا بس بتحكي كلام أنت مش فاهمه؟
إذا قال لك والله أنا بحكي كلام لا أتصور ما أقوله أنا بس بهبد، نقول هذا من القول على الله بدون علم، ما بطلعلكش تيجي عالقرآن تفهمو بذوق وكيفية معينة انت بدك تفهمها وتأتي بكلام لا يعرف أصله وفصله وأنت نفسك مش فاهم ايش اللي بتحكيه، ثم تزعم أن هذا والله أخدته من القرآن، لأ أنت مش أخدته من القرآن، بل لأنك أخذته من شيطانك ومن هواك. نعم، قالوا إن قال قائلهم: إني أفقفه ما أقول وأتصوره وأعقله، قال له: بينه لغيرك حتى يفقهه ويعقله ويتصوره.
فاذا فحلك شحرور لا أنا أفقه ما أقول وأعرف كيف استدل بالقرآن؟ قل له: تعال بين لنا كيف فهمت من القرآن حل الزنا وحل كثير من الفواحش وغير ذلك من النظريات التي أتى بها يعني هذا الشيطان وغيره. نعم، قال: ولا تقل هو فوق العقل بل هو قول قد عقلته ففقهته، وهذا تقسيم لا محيد لهم عنه، لا لأنه هو عادة هذه وسيلة للتهرب ترى، تيجي تقول بيجي بقول لك لا لا هاد إشي أنتم ما راح تفهموا، هذي أمور لدنية يعني وصلتني فوق العقل، كله يسمع.
إذا أنت فهمته انت مش نبي، إذا أنت فهمته إذاً يمكن لبعض العقول على الأقل أن تفهمه اشرحه لنا، أم هذه الالتفاتة هذا يدل على أنك إنسان فاسد صاحب هوى؟ نعم، هو قول وهذا تقسيم لا محيد لهم عنه، يعني إما شيء ليس معقولاً أول شيء معقول. نعم، قال: فإنهم إن كانوا يفقهون ما يقولونه ويعقلونه لزم أن يكون معقولاً، وإن كانوا لا يفقهونه ولا يعقلونه قالوا على الله ما لا يفقهونه ولا يعقلون، هذه هي القسمة التي لا محيد عنها.
يعني إن كانوا يفقهون ما يقولون وما يستنبطونه من الإنجيل، إذاً لزم أن يكون معقولاً، فكيف تقولون إنه فوق المعقول؟ فمدري ايش بحكي لهم؟ وإذا كان شيئاً لا أنتم تعقلونه ولا تفهمونه إذاً أنتم تقولون على الله بدون علم، فأنتم يعني فقضية قولكم إن اتحاد اللاهوت بالناسوت فوق العقل كيف نرد عليها؟ بهذا الدليل واضح. نقولهم انتوا من وين أخدتوها؟ قوله من الإنجيل، نقول لهم أخدتوها من الإنجيل يعني انتم فهمتوها بعقلكم من الإنجيل؟ قالوا: آه والله فهمناها بعقلنا، إذاً هي قضية معقولة، فكيف تكون فوق العقل؟ وإذا قالوا: لا، هي قضية أخدناها من الإنجيل بس هي غير مفهومة ولا معقولة، إذاً أنتم قلتم على الله شيء لا تفهمونه لا تعقلونه، إذاً أنتم تقولون على الله بدون علم.
فهكذا نفسد قولهم بأن القضية هذه قضية فوق العقل ولا يمكن أن يفهمها الناس وإنما هاي من أسرارهم. نعم، قال قُولاً برأيهم وعقلهم لا نقلاً من ألفاظ الأنبياء، فإن من نقل ألفاظ الأنبياء الثابتة عنهم لم يكن عليها نفقة ويعقل ما يقول. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو».
احنا متفقين أنهم لم يأخذوها من ألفاظ الأنبياء، أما ألفاظ الأنبياء إيش يقول لك؟ لأنهم لزم أنهم قالوا على الله ما لا يفقهونه ولا يعقلونه، قولاً برأيهم وعقلهم، ليس قولاً أخذوه من ألفاظ الأنبياء، فإن من نقل ألفاظ الأنبياء الثابتة عنهم لم يكن عليه أن يفقه ويعقل ما يقول، صح؟ يعني أنا ممكن أعطيك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنقله لك ممتاز، بس أنا مش فاهم شو معنى الحديث. فلو كان المسيح فرضا فرضا هو قال إنني عبارة عن لاهوت وناسوت، وأنتم نقلتم هذا عن المسيح بس قلتوا احنا مش فاهمين كلامه، يعني لسا لكم منطقة حجة.
بس احنا واياكم متفقين أن المسيح لم ينقل عنه أنه قال إنه لاهوت وناسوت، وإنما هذا شيء فقط انتم استنبطتموه من الإنجيل بعد ثلاثمائة سنة من موت المسيح، أنا مش من كلام المسيح، إذاً لا مناصة من أنه يا شيء معقول، يا شيء غير معقول! تمام؟ باطل فاسد. أما لو كان مأخوذاً من كلام المسيح هذه تصير قضية أخرى. نعم، قال هو نقل لفظ لفظ التوراة أو الإنجيل أو القرآن أو ألفاظ سائر الأنبياء لم يطالب ببيان معنى، خلاص جزاك الله خيراً نقلته نقلاً صحيحاً بوركت. نعم.
قال بخلاف من ادعى أنه فهم ما قاله الأنبياء وعبر عن ذلك بعبارة أخرى، فانه يقال له: إن كنت فهمت ما قالوه فهو معنى هو معنى واحد عبروا عنه بعبارة عبروا عنه بعبارة عبرت عنه بعبارة أخرى كالترجمان، فهذا يعقل ما يفهم. نعم، وإن قال: إني لم أفه كلامهم أو لم أفه ما قلته، فقد اعترف بجهله وضلاله، وأنه من الذين لم يفهموه لم يفهموا كلام الأنبياء عليهم السلام ولم يفقهوا ما قالوه، بل ما قالوه هم.
فلو قالوا لم نفهم كلام الأنبياء وسكتوا لكانوا أسوة مثلهم من الجهال ومعارك للأنبياء. أما إذا وضعوا عبارة وكلاماً ابتدعوه وأمروا الناس باعتقاده وقالوا: هذا هو الإيمان والتوحيد، وقالوا: إن مع هذا لا نتصور ما قلناه لا نفقفه ولا نعقله، فهؤلاء إن الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفترون على الله وعلى وعلى كتب الله وأنبياء الله بغير علم بل يقولون الكذب المفترى والكفر الواضح، ويقولون مع ذلك أنا لا نعقله، وهذا حال النصارى بالغيب.
وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات حتى جعلت ما ليس معقولاً من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات. هكذا الناس في الحسيات الظاهرة والباطنة نوعان.
فيجب أن يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا. وهكذا الناس في الحسيات الظاهرة والباطنة: من يغلو في الحسيات الظاهرة وينفي الباطنة، ومن يغلو في الباطن وينفي الظاهر. يعني بس هاي كانت استطراد منه. إذا فيجب أن نعلم، نعم.
قال: فيجب أن يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضًا بل يصدق بعضه بعضًا. بخلاف الباطل فإنه مختلف متناقض. كما قال تعالى في المخالفين للرسل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 7-9]، وإن لكم لفي قول مختلف. هذا موطن المين مضطرب.
الباطل دائمًا مضطرب. ينقلب بعضه على بعض ويكفر بعضه بعضًا، نعم. قال: وإنما عُلم بمعقول صريح لا يخالفه الكفار. كيف كان موقفه من النبي عليه الصلاة والسلام؟ مختلفون، بعضهم قال: ساحر، بعضهم قال: شاعر، بعضهم قال: كذا. هم نفسهم مش متفقين على شيء معين لأنه باطل، نعم.
قال: المقصود هذا الكلام مع من يعارض المعقولات بسمع ها؟ فقال قبلها بقيت، أه طبعا. قال: وإنما عُلم بمعقول صريح لا يخالفه قط ولا خبر صحيح ولا حس صحيح. وكذلك ما عُلِم بالسمع الصحيح لا يعارضه عقل ولا حس. وكذلك ما عُلِم بالحس الصحيح لا يناقضه خبر ولا معقول. إذا العقل والخبر والحس، اللي هي مصادر المعرفة خلينا نقول عموما الآن.
تمام محسوسات، معقولات، خبريات. الخبر والعقل والحس مصادر المعرفة، لا يجوز أن تصطدم ببعضها البعض، بل يجب أن تتكاتف. فالعقل الصريح لا يجوز أن يصادم النقل الصحيح وللحس الصحيح. وكذلك النقل الصحيح لا يجوز أن يعارض العقل الصحيح والحس، وكذلك الحس لا يجوز أن يعارض العقل والنقل. مصادر المعرفة لا يجوز أن تتعارض، والمقصود هنا الكلام مع من يعارض المعقولات بسمع أو حس، نعم.
قال: فنقول لفظ المعقول يراد به المعقول الصريح الذي يعرفه الناس بفطرهم التي فطروا عليها، من غير أن يتلقاه بعضها من بعض، كما يعلمون تماثل المتماثلين واختلاف المختلفين، أعني اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد والتباين من نظر الاختلاف يراد به هذا وهذا. قال: اللي هي بنسميها إحنا ايش؟ المعلوم الضروريات.
قال كلمة المعقول: يراد به المعقول الصريح الذي يعرفه الناس بفطرهم التي فطروا عليها من غير أن يتلاقوا بعضهم عن بعض، اللي هو إحنا ايش بنسميه؟ الضروريات التي الطفل وهذه الضروريات موجودة معه، كمعرفته أن اختلاف المختلفات، وأن الكل أكبر من الجزء، وأن المتضادين لا يجتمعان، وهكذا. طيب.
قالوا: هذه المقولات في العلميات والعمليات هي التي ذم الله من خالفها بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، ونحو ذلك.
فكل المعقولات التي ذم الله من خالفها إنما يقصد بها المعقولات ايش؟ المعلومة بالضرورة. لما الله عز وجل يقول: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾، إذا هم ما كُنُّوش يعقلوا. إيش يعني ما كُنُّوش يعقلوا؟ يعني هم لو مشوا مع المعلومات الضرورية لو وصلوا إلى الحق، فهم لما أعرضوا عن المعلومات الضرورية لم يوظفوا العقل. في كل مقام ذم فيه من خالف العقل، المراد مخالفة المعلوم بالضرورة في العقول. واما النظري، أما المعلوم نظرًا فهذه قضية أخرى، نعم.
يعني هو بيجي بيقول لك إنه اختلاف التنوع، مثلاً إنه هذا كأس وهذا هذا هاتف وهذا. عن اختلاف التنوع قدرة الإنسان على أن يدرك الفرق بين الأشياء. يعني بقول: أنا مش بتكلم فقط عن اختلاف التضاد، أنا بتكلم عن اختلاف التنوع، أن هذا غير هذا وهذا غير هذا وهذا غير هذا، حتى ولو لم يكونوا متضادين. فهذا أيضا مما يعلمه الإنسان والطفل لما يكبر يعرف أن الطاولة ليست هي المكتبة، والمكتبة ليست هي الطاولة، وأن الكتاب ببدائل العقول، نعم.
قال: وأما ما يسميه بعض الناس مقولات ويخالفه فيه كثير من العقلاء، مثل القول في تماثل الأجسام لبقاء الأعراض، وأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة، أو من المادة والصورة، وأن ما لا يتناهى من الأمور المتعاقبة شيء بعد شيء يمتنع وجوده إما في الماضي والمستقبل أو في الماضي فقط، أو أن كليات موجودة في الخارج وجواهراً قائمة بنفسها، أو أن لنا دهراً أو مادة هي جوهر عقلي قائم بنفسه، وأنه يمكن وجود جوهر قائم بنفسه لا يُشار إليه، ونحو ذلك مما يعده من يعده من الظاهر أنه عقليات وينازعه فيه آخرون.
ليس هذا هو العقليات التي يجب لأجلها رد الحس والسمع وتبنى عليها علوم بني آدم. آه، لان هو بضرب على المتكلمين؛ المتكلمون جعلوا العقليات التي يجب التسليم لها، ويمكن أيضاً أن يرد الكتاب والسنة والحس بها، ما هي عقليات هم فهموها واستنبطوها وتخالفهم فيها جماعة أخرى منهم؛ قضية الجواهر والأعراض وكيفية اتحادها، والجوهر والعارض الذي يدوم زمانًا، يقول: لا، هذه الأمور التي أنتم تسمونها عقليات وتحاكمون الناس إليها، وتقولون إنه بناء عليها يجب فهم الكتاب والسنة والحس، وأي حس أو سمع خالفها فيعتبر خالف العقليات، نقول لهم: لا، هاي العقليات أنتم استنبطتموها استنباطًا، ليست من المعلوم بالضرورة للعقل.
قال: فإذا جاء في الحس، أو قال بل المعقولات الصحيحة الدقيقة الخفية، نعم، ترد إلى معقولات بديهة، بديهية أولية. وإن كانت معقولات صحيحة دقيقة، لابد أن ترد إلى معقولات بديهية أولية معلومة للإنسان بفطرته، نعم.
قال بخلاف العقليات الصريحة، مثل كون الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد معه، فإن هذا معلوم بفطرة الله التي فطر الناس عليها، نعم. إذا جاء بالحس أو الخبر الصحيح ما يُظن أنه يخالف ذلك، مثل أن يرى الشخص الواحد في عرفات وفي بلده لم يبرح، أو يرى قاعدًا في مكان وفي مكان آخر، أو يرى أنه أغاث من استغاث به أو جاء طائراً في الهواء مع العلم بأنه بمكان لم يتغير منه، فهذا إنما هو جني تصور بصورة ذلك الشخص، ليس هو نفسه، فهذا يشبهه ليس هو إياه. والحسيات إن لم يميز بينها بالعقل وإلا فالحس يغلط كثيرًا.
مثلاً مثلاً، إذا هل يمكن في العقل البديهي أن يكون الشخص موجود الآن في عمان الآن والآن في السعودية؟ لأ. فإذا جاءك خبر أو حس إنه أنا يا شيخ الآن الآن كنت هون الشيخ أسامة برضه طلعت برة عالباب شفته برة. هيا هذا بالحس، شفته في الغرفة والباب فاتح شفته برة هو نفسه. ايش يقول لك ابن تيمية؟ بس إنا عنا قاعدة عقلية بديهية أن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون في مكانين في نفس الوقت.
فاذا أنت شفت أسامة في الغرفة جالس أمامك والباب مفتوح، شفته هو أيضاً برة، شافه في المكانة، فهنا نقول الحس خالف العقل، نقول له: لأ تعال، الحس ما خالف العقل، وإنما البر هذا مش أسامة هذا جني على شكل أسامة تمثل بصورته وهيئته. فإذا هنا بنحاول نجمع ما بنقول إنه الحس خالف العقل، بنقول اللي برة مش أسامة هو جني، وأسامة هو الموجود في الغرفة.
كذلك إذا جاءك خبر أنه شفت أسامة في عرفات وشفته في عمان يوم عرفة، بنقول لك: يعني إذا ما كانش الطيارة راحت وأجت، فالخبر يا خبر مكذوب، يا إنه الخبر صحيح بس اللي انشاف في عرفة جني يمثل أسامة وأسامة هون ما زال. هكذا هي الطريقة الصحيحة، طيب.
قال: وكذلك من ادعى فيما يحصل له من مكاشفة ومخاطبة أمراً يخالف صريح العقل، يعلم أنه غالط فيه. فمن قال من القائلين بوحدة الوجود: إني أشهَد بباطني وجوداً مطلقاً مجرداً عن الأسماء والصفات، لا اختصاص فيه ولا مبدأ له. فلا ينازع في هذا، كما قد ينازعه بعض الناس، لكن يقال له: من أين لك أن هذا هو رب العالمين الذي خلق السموات والأرض؟ فإن كون ما شهدته بقلبك هو الله أمر لا يدرك بحس القلب. وإذا ادعيت أنه حصل لك في الكشف ما يناقض صريح العقل، علم أنك غالط. كما قال شيخ وهؤلاء شيخ هؤلاء، نعم.
يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني والوجد أصدق أصدق نهّاء وأمّارا. فإن أطيعك وأعصي الود عدت عدت عمى عن العيان إلى أوهام أخباره. وعين ما أنت تدعوني إليه إذا حققته تر المنية يـ... يقال له: وجدك وذوقك لم يفدك إلا شهود وجود مطلق بسيط، لكن من أين لك أن هذا هو رب العالمين؟ بل من أين لك أن هذا -يعني لو أنت في داخلك شهدت وجوداً مطلق- إنا ما راح ننازعك في هذا، إنا منازعتنا معك أنه هل هذا الوجود المطلق اللي أنت هيك تخيلته واستشعرته وأنا وطردت كل الأجساد والاجرام ووو؟ إنا مشكلتنا أنك تزعم أن هذا الوجود المطلق الذي استحضرته في ذهنك هو رب العالمين، هنا نقاشنا معك، نعم.
قال: بل من أين لك أن هذا ثابت في الخارج عن نفسك كلياً مطلقاً مجرداً؟ بينما تشهده كلياً مطلقاً مجرداً في نفسك، ولست تعلم بحس ولا عقل ولا خبر أن هذا هو في الخارج. كما أن النائم إذا شهد حسه الباطن الباطن أشياء، لم يكن معه يقين أن هذا في الخارج.
فإذاً مجرد أن تتخيل شيء في حسك الباطن، هل هذا يعني أنه موجود في الخارج كما هو عندك؟ لا. أنا ممكن أتخيل في حس الباطن شيئاً ثم أنظر في الخارج لا أجده. فتخيلك في حسك الباطن وجوداً مطلقاً عن أي أسماء وصفات، انتحر اللي بدك إياه بقول له، بس مجرد إحساسك فيه في الباطن لا يعني أن الواقع الخارجي هو وجود مطلق فش إله أسماء ولا صفات، هذا مجرد إحساسك الداخلي. فاستدلالك باحساسك الداخلي على الوجود الخارجي غلط، ليس كل شيء أنت تتخيله في داخلك سيكون له وجود في الخارج كما أنت تخيلته، نعم.
قال: كما أن النائم إذا شهد حسه الباطن أشياء لم يكن معه يقين أن هذا في الخارج. صح، أنت بتكون نايم تحلم بأشياء صارت، هل هذا معناته أنها صارت لما استيقظت؟ ستبحث عنها في الخارج. والله شفتها يا شيخ وأنا نايم! طب ما شفتها وأنت نايم بس مش موجودة في الخارج، نعم. قال: فإذا عاد إليه عقله وعلم أن هذا خيال في المنام، نعم.
قال: وكذلك السكران وغيره ممن يضعف عقله، فإذا شهد بحسه الباطني أو الظاهر أشياء وقد ضعف عقله عن كونه ذلك لما ورد عليه، إذا تاب إليه عقله علم أن لما يرجع له عقله ويستيقظ من سكره، علم أن ما شهده إنما كان شيئاً فقط في النفس هو الخيال لا في الخارج، نعم.
قال: فكل من أخبر بما يخالف صريح العقول أو صحيح المنقول يعلم أنه وقع في الغلط، وقع له غلط. وإن كان صادقاً فيما يشهده في الحس الباطن أو الظاهر، لكن الغلط وقع في ظنه المخالف للصريح العقلي لا في مجرد الحس، فإن الحس ليس فيه علم بنفي أو إثبات. فمن رأى شخصاً فليس في الحس إلا رؤيته، واما كونه زيداً أو عمراً فهذا لابد فيه من عقل يميز بين هذا وهذا. ولهذا كان الصغير والمجنون والبهيم والسكران ونحوه لهم، ولكن لعدم العقل لا يميزون بأن هذا مشهوده هو كذا أم كذا، بل قد يظنون ظنوناً غير مطابقة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39]. فالظمآن يرى أن ما ظن أن ما ظنه ماء ولم يكن لاشتباههم الماء، والحس لم يغلط ولكن غلط عقله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون لا يقولون على الله إلا الحق ولا ينقلون عنه إلا الصدق. ذلك الصحيح أن الحواس في نظرية المعرفة يقول: الحواس هي نواقل معرفية وليست مصادر معرفية.
هل الحواس السمع والبصر هي تعطي حكم أم هي تنقل شيء للدماغ والدماغ هو الذي يصدر الأحكام؟ فيكون هو مصدر المعرفة فعلياً، تمام. فيقولون: الحواس هي نواقل وليست مصادر معرفة إذا بدك تدقق شوي، هنا قد نقول إن ابن تيمية قد يكون أشار إلى هذا في قوله، أيوا، فإن الحس ليس فيه علم بنفينا وإثبات، يعني الحس ما بيعطيك حكم، الحس ينقل إلى الدماغ والدماغ هو اللي بيحلل ويصدر الأحكام. رأى شخصاً في الحس، إيش أعطاك؟ رؤيته فقط، أن هذه صورة هيكلية. طب مين اللي حكم أن هذا الشخص الذي رأيته هو زيد، أو أني اللي أبي أراه الآن أسامة؟ مين اللي حكم؟ العقل. الحس هو النقل إلى العقل إلى الدماغ هذه الصورة، بعدين الدماغ هو اللي أعطى حكم أن هذه الصورة اللي نقل لي إياها البصر هذا زيد هذا أسامة، فالمصدر المعرفي فعلياً هو العقل، والحس ناقل، نعم، للمعرفة، نعم.
قال: فظمآن يرى أن ما ظنه ماء ولم يكن ماء لاشتباه بالماء، والحس لم يغلط ولكن غلط عقله. والأنبياء صلوات الله وسلامه وهم معصومون لا يقولون على الله إلا الحق ولا ينقلون عنه إلا الصدق. ومن ادعى في أخباره ما يناقض صريح المعقول كان كاذباً، بل لابد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك من القول ليس بصحيح ثم علم يقينًا أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العاقل ما يناقضه، وما علم يقينًا أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخباره ما يناقضه. وقول أهل الاتحاد من النصارى وغيرهم، سواء ادعوا الاتحاد العام أو الخاص؛ العام وقبض العربي، والاتحاد الخاص هو قول النصارى تحت في جسد خاص فقط، نعم.
قد علم بصريح العقل بطلانه، فامتنع أن يخبر به نبي من الأنبياء. إذا عرفنا نشكو هو الآن بقدم نقول هذه المقدمات هو يريد أن يقول في النهاية. وأنه إذا زعمتم أن عيسى ابن مريم هو الذي قال إن الله اتحد به، نقول هذا لا يمكن، لأن الأنبياء لا يمكن أن يقولوا ما هو مخالف لصريح العقل.
فاحنا أولاً نقول إن قضية اتحاد اللاهوت بالناسوت أصلاً عيسى لم يتكلم بها، وإنما أنتم اخذتموها من الإنجيل. ثم نزع مزاعم من النصارى لا أن عيسى أو الإنجيل قال بأن اللاهوت اتحد بالناسوت. نقول: لا يمكن أن يأتي صحيح يخالف العقل الصالح، لا يمكن أن يأتي النقل مخالفا للعقل، فيمتنع أن يخبر به نبي من الأنبياء.
قد يخبرون كما قلنا بما يعجز العقل عن معرفته، لا بما يعلم العقل بطلانه، ومن سوى الأنبياء ليس معصوماً، فقد يغلط ويحصل له في كشفه وحسه وذوقه وشهوده أمور يظن فيها ظنوناً كاذبة. فإذا أخبر مثل هذا بشيء علم بطلانه بصريح العقل، علم أنه غالط. وإذا أخبر غير الأنبياء بما يعجز العقل كثير من الناس عن معرفته، لم يلزم الأخوة إلا كاذباً، بل لا نحكم بصدقه ولا كذبه إلا بدليله؛ احتمال أن أكون غالطاً واحتمالي أن يكون قد علم ما يعجز غيره عن معرفته.
وإذا قال القول المعلوم فساده بصريح العقل من ليس بنبي، وقال إن هذا فوق العقل، أو هذا وراء طور العقل والنقل، أو هذا لا نعرفه إن لم نترك العقل والنقل، أو قال هم عشر حلوا النظام وأحرقوا السيادة فلا فرض لديهم ولا نفلوا مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أبوابه سد العقل وقيل: وهذا يمتنع أن يقوله النبي أو ينقله صادق عن نبي، فإن أقوال الأنبياء لا تناقض العقل الصريح، فكيف يقبل هذا بمن ليس بنبي؟
وإن قال كما يقوله النصارى وغيرهم إن هذا دل عليه كلام الانبياء أو فهمناه من كلام الانبياء، قيل لهم: الكلام في معاني الألفاظ التي نطقت بها الأنبياء شيء، والكلام الذي فهمتموه عنهم شيء آخر. ولو قدر أن ما ذكرتموه أنتم أو غيركم فهموه من كلام الأنبياء ليس مخالفا لصحيح العقل، لم نجزم بأن قائل ذلك مصيب في فهمه، بل قد يكون فهما كلامهم ما لم يريدوه. فكيف إذا كان هو نفسه لم يتصور ما قال، بل هم معترفون بأنه غير معقول له، هو لا يفهمه، فكيف إذا كان الذي قاله معلوم الفساد بصريح العقل؟
فهذه ثلاث مقدمات لو فهمه ثم قال: إني فهمت كلامهم، لم يكن فهمه حجة. فكيف إذا قال: إني لم أفهم وأن هذا هو فقط؟ هذه ثلاث مقدمات لو أنه فهم ثم قال: إني فهمت كلامهم لم يكن فهمه حجة. فكيف إذا هو أصلاً أنتم بتحكوا إنه احنا ما فهمناه، إني لا أفهم وأن هذا فوق قول العقل، ولو قال هذا لم يكن قوله حجة؟ يعني مجرد انك تحكي والله هاد الإشي فوق العقل أنا تعا خلص إذا لازم نسلم يعني، أو ابن تيمية بحاول ينظم لك طريقة التفكير.
مجرد أنه قال: هذا إشي سامحني فوق العقل، اتحاد اللاهوت بالناسوت إيش يعني؟ خلص إذا لازم تسلموا لي. لأ، يعني مجرد أن تقول إنه فوق العقل مش معناته إنه هيك أنت أفحمتنا خلص وقطعت الحجاج، لأ تعا إيش فوق العقل يا عمي؟ تعا، إيش اللي فوق العقل؟ أنت إذا أنت بدنا نمشي بخطوات معك زي ما مشى ابن تيمية. هل هو شيء أنت عقلته؟ لا. طب كيف من وين أخذته؟ إذا أنت شيء ما عقلته، هل هو صريح كلام عيسى أو ليس صريح كلام عيسى؟ إذا هو مش من صريح كلام عيسى، إشي أنت فهمته، إذا هذي مشكلتك أنت بتقول على الله بدون علم.
فلا تيجي تقول لنا من كلام عيسى، تعالوا نشوف هل حصلت عن عيسى عليه السلام؟ وطب إذا كان إذا أنت تزعم صحة السند، ننظر هل هو مخالف عقول البديهية؟ إذا كان مخالف للعقول البديهية، إذا قطعاً هذا لم يقله عيسى، وأنتم تكذبون في إثباتها لعيسى. فبحاول ابن تيمية ينظم نظرية المعرفة وطريقة الاستدلال والحكم على الأشياء. نعم.
كيف نعرف أن ذلك معنى باطل يمكنه أن يقوله عاقل، لا نبي ولا غير النبي؟ طيب. قال فصل: قال الحاكي عنهم. فقلت لهم إنهم يقولون لنا بولس الانطاكي، نعم. قال: إنهم يقولون لنا: إذا كان اعتقادكم في الباري تعالى أنه واحد، فما حملكم على أن تقولوا أب وابن وروح قدس، فتوهمون السامعين أنكم تعتقدون في الله ثلاثة أشخاص مركبة أو ثلاثة آلهة أو ثلاثة أجزاء، وأن له ابناً، ويظن من لا يعرف اعتقادكم أنكم تريدون بذلك ابن المباضعة والتناسل، وتطلقون على أنفسكم تهمة؟ نعم.
قال: تطلقون على أنفسكم تهمتان، تهمة أنتم منها بريئون. قالوا: فالآن يعني هو بولس الانطاكي كأنه يناقش النصارى، يحاول يعني هيك بطريقة حوارية. فقلت لهم إنهم يقولون لنا المسلمين، ماذا يقولون لنا؟ إن كان اعتقادكم في الله أنه واحد، فما حملكم على أن تقولوا أب، ابن، روح قدس، فتوهمون السامعين أنكم تعتقدون في الله ثلاثة أشخاص مركبة أو ثلاثة آلهة، وأن له ابناً، ويظن من لا يعرف اعتقادكم أنكم تريدون بأن هذا الابن هو ابن نتج عن طريق الجماع والتناسل. فهكذا تطرقون على أنفسكم تهمة، ويتهمكم الناس بامور فاحشة.
قالوا: وهم أيضاً، طيب، قال: هم أيضاً لما كان اعتقادهم في الباري جلت عظمته أنه غير ذي جسم وغير ذي جوارح وأعضاء وغير محصور في مكان، فما حملهم على أن يقولوا إن له عينين يبصر بهما، ويدين يبسطهما، وساقاً ووجهًا يوليه إلى كل مكان، وجنباً، وانه يأتي في ظل يقول إن الغمامة، يوهمون السامعين أن الله ذو جسم، ذو أعضاء وجوارح، وأنه ينتقل من مكان إلى مكان في ظلم الغمام، فيظن من لا يعرف اعتقاده أنهم يجسمون الباري، حتى إن القوم منهم اعتقدوا ذلك واتخذوه مذهباً، ومن لم يتحقق اعتقادهم يتهمهم بما هم بريئون منه.
الآن بيجي بحكي، فالنصارى ماذا يقولون؟ أصلاً أنتم كمسلمين أنتم بتقولوا إن الله ليس بجسم، صحيح؟ وأنه ليس ذي جوارح وأعضاء، وأنه غير محصور في مكان. طب ليش أنتم بعدين بتيجوا تحكوا إن الله له وجه وله عينان وله كذا، فتوهمون الناس إنه جسم مع أنكم تزعمون في البداية إنه ليس بجسم، وتطرقون لكم التهمة يا مسلمون؟ دمتم علينا النصارى سيناقشوننا في هذه الجزئية.
قال بولس: فقلت لهم نعم. قال: فقلت لهم إنهم يقولون إن العلة في قولهم هذا أن الله له عينان ويدان وجه وساق وجنب، وانه يأتي في ظل من الغمام، فهو أن القرآن نطق به، وأن ذلك غير ظاهر اللفظ. وكل من يحمل ذلك على ظاهر اللفظ أن الله له عينان ويدان وجه وجنب وجوارح وأعضاء وذات تنتقل، فهم يلعنونه ويكفرونه. فإذا كفروا من يعتقد هذا، فليس لمخالفيهم أن يلزموهم هذا بعد أن لا يتخذوه. يعني هذه من له عينان وأن له كذا هذا ورد في القرآن عندهم، لكنهم لا يأخذون بظاهره.
ومين الذي لا يأخذ بظاهره؟ فكأنه هنا بولس بيتكلم على بطريقة المتكلمين، هو أن القرآن نطق به، فهم يقولون له عينان، لكنهم ايش؟ لا يعتمدون ظاهر اللفظ، بل كل من حمل ذلك على ظاهر اللفظ هم يكفرونه ويلعنونه، يلعنون أو يكفرون أو يطعنون في أهل السنة. فليس لمخالفيهم، ليس للنصارى، بالتالي أن يلوموا المسلمين، لأنه المسلمين الحقيقيين هم أصلاً لا يأخذون بظواهر هذه الألفاظ، وليس لمخالفيهم أن يلزموهم هذا بعد أن لا يعتقدوه. يعني هذا قول طائفة منهم هم نفسهم، أساس إنه الأشاعرة يمثلون أو المعتزلة يمثلون صلب الإسلام. يعني يلعنونه ويكفرونهم.
قالوا: وكذلك نحن أيضاً النصارى، العلة في قومنا أن الله ثلاثة أقانيم، أب وابن وروح القدس، أن الإنجيل هو الذي نطق بها، زي ما أنتم كتابكم نطق بالعينين وما شابه ذلك. والمراد بالأقانيم غير الأشخاص المركبة والأجزاء والأبعاد وغير ذلك، مما يقتضي الشرك والتكثير، وبالاب والابن غير أبوة النكاح أو تناسل أو جماع أو مباضعة، وكل من يعتقد أيضاً، قال: وكل من يعتقد أن ثلاثة أقانيم ثلاثة آلهة مختلفة أو ثلاثة آلهة متفقة أو ثلاثة أجسام معترفة مؤلفة أو ثلاثة أجسام متفرقة وثلاثة أشخاص مركبة أو أعراض أو قوى أو غير ذلك مما يقتضي الاشتراك والتكثير والتبعيض والتشبيه أو نكاح أو بعضهم أو جماع أو ولادة زوجة أو من بعض الأجسام أو بعض الملائكة أو من بعض المخلوقين، فنكفره، نعم، ونجرمه.
وإذا لعنا وكفرنا من يعتقد ذلك، فليس لمخالفين أن يلزمونا بعد أن لا نعتقده، وأن يلزمنا الشرك والتشبيه لأجل قولنا أب وابن وروح قدس، أن ظاهر ذلك يقتضي التكثير والتشبيه، ألزمناهم أيضاً نحن التجسيم والتشبيه لقوله أن الله له عينان ويدان وجنب وأن ذاته تنتقل من مكان إلى مكان، وانه استوى على العرش، من بعد أن لم ذلك مما يقضي ظاهره التجسيم والتشبيه. حجة يعني فيها دسامة من بولس الانطاكي.
الجواب، ماذا سيجيب ابن تيمية عن هذه الحفلة اللي طلع فيها بولس الانطاكي؟ قال والجواب. هذا من يقال من آمن بما جاءت به الرسل وما قالوه من غير تحريف لفظه ولا معناه، فهذا لا ينكر عليه، بخلاف ابتدع أقوالاً لم تقلها الرسل، بل هي تخالف ما قالوه وحرف ما قالوه، إما لفظاً ومعنى وإما معنى فقط، هذا يستحق الإنكار عليه اتفاق الطوائف.
وهو أصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصفه به نفسه في كتبه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 180-181]. أي ما يصفه الكفار المخالفون للرسل. وسلام، لسلامة من قالوه من النقص والعيب. والحمد لله رب العالمين.
فالرسل وصفوه الله بصفات الكمال عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأثبتوا بإثبات مفصل ونفي مجمل. من نفى عنه ما أثبته لنفسه من صفاته كان معطلاً، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلاً، والمعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنماً. وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فهو رد على ممثليه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وهو رد على المعطلة.
فصفتها لهم أنه فئة الصفات لما قال وهو السميع البصير أثبت، فهكذا يكون ردا على النفي. نعم.
قال: فوصفته الرسل بأنه حي منزه عن الموت، عليم منزه عن الجهل، قديم وقوي عزيز منزه عن العجز والضعف واللغوب والذل، سميع بصير منزه عن الصمم والعمى، غني منزه عن الفقر، جواد منزه عن البخل، حكيم منزه عن السفه، صادق منزه عن كذب، إلى سائر صفات الكمال، مثل وصفه بأنه ودود ورحيم، ودود رحيم لطيف.
فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. فالصمد اسم يتضمن صفات الكمال ونفياً ونفي النقائص، فإنه العليم الكامل في علمه، الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته.
ولنا مصنفات في تفسير هذه السورة، وآخر في بيان أنها تعادل ثلث القرآن. وذكرنا كلام علماء المسلمين من الصحابة والتابعين في معنى الصمد. والنعامة ما قالوه حق، كقول من قال منهم إن الصمد الذي لا جوف له، ومنهم من قال إنه السيد الذي انتهى سؤدده، كما قيل إنه المستغني عن كل ما سواه وكل ما سواه محتاج إليه، وكما قيل إنه العيب الكامل في علمه والقدير الكامل في قدرته إلى سائر صفة الإيمان.
وذكر تعالى في هذه السورة أنه أحد وليس له كفواً أحد، فنفى بذلك أن يكون شيئاً من صفاته شيئاً من الأشياء له كفؤاً، وبين أنه لا أحد، وبين أنه أحد لا نظير له. وقال في آية أخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74]. وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22].
وما ورد في القرآن والسنة من إثبات صفات الله فقد ورد في التوراة وغيرها من كتب الله مثل ذلك. وأول ما اتفقت عليه الرسل وأهل الكتاب في ذلك كالمسلمين. وإذا كان كذلك هم في أمانتهم لم يقولوا ما قالوا المسيح والأنبياء، بل ابتدعوا اعتقاداً لا يوجد في كلام الأنبياء. فليس في كلام الأنبياء هنا، لا المسيح ولا غيره، ذكر أقارب الله، لا ثلاثة ولا أكثر، ولا إثبات صفات، ولا إثبات ثلاث صفات، ولا تسمية شيء من صفات الله ابناً لله ولا رباً، ولا تسمية حياته روحاً، ولا أن لله ابناً هو له من حق من إله الحق من جوهر أبيه، أنه خالق كما أن الله خالق، إلى غير ذلك من الأقوال المتضمنة لأنواع الكفر، لأنواع من الكفر لم تنقل عن نبي من الأنبياء.
فقالوا في شريعة إيمانهم: نؤمن بالله الآبي مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى، وهذا حق. ثم قالوا:
وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، مولود ليس مصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، نور من نور، مساوٍ الآب في الجوهر، الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا، من أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء البتول وصار إنسانًا، وحبل به وولد من مريم البتول، وألم وصلب ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، ومستعد لمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وبالروح القدس المحيي، وروح الحق منبثق من أبيه، أو الذي يخرج من أبيه، روح محيية.
فأين في كلام الأنبياء أن شيئًا من صفات الله أو من مخلوقاته يقال فيه إنه قلوت، وأنه إله حق من أهل الحق، من جوهر أبيه، وأنه مساوٍ لله في الجوهر، وأنه خالق كل شيء، وأنه واقع عن يمين الله فوق العرش، وأنه الذي يقضي بين الناس يوم القيامة؟ أهنا في كلام الأنبياء أن له ولدًا قديمًا أزليًا، كلام الله وعلمه وحكمته مولودًا له أو أولًا له أو شيئًا من صفاته مولودًا له أو إلهًا له؟ من الذي قال من الأنبياء إنه ولد وهو مع ذلك القديم الأزلي؟
وأين في كلامهم أن لله أقنومًا ثالثًا هو حياته يسمى بالروح القدس، وأنه أيضًا رب حق؟ فلو كان النصارى آمنوا بنصوص الأنبياء كما آمن المؤمنون لم يكن عليهم ملام، ومن اعتراضهم على نصوص الأنبياء كان لفساد فهمهم ونقص معرفتهم، ولكنهم ابتدعوا أقوالًا وعقائد ليست منصوصة عن أحد من الأنبياء عليهم السلام، وفيها كفر ظاهر وتناقض بين.
إنهم أرادوا بها معنى صحيحًا، لم يكن لأحد أن يبتدع كلامًا لم يأت به نبي يدل على الكفر المتناقض الذي يخالف الشرع والعقل، ويقول: إنني أردت به معنى صحيحًا من غير أن يكون دالاًّ على ذلك. فكيف والمراد الذي يفسرون به كلامهم فاسد متناقض كما تقدم، فهو فهم ابتدع أقوالًا منكرة وفسروها بتفسير منكر، فكان الرد عليهم من كل وجهين. هم في ذلك نظير بعض ملاحدة المسلمين، الذين قدر أنهم، يعني لو فرضًا، فرضًا النصارى عندهم معاني صحيحة، لم يكن لأحد منهم أن يبتدع كلامًا لم يأت به نبي يكون هذا الكلام ظاهره كفر ومتناقض، ويقول: بس أنا قصدت به معنى صحيحًا، من غير أن يكون لفظه دالاًّ على ذلك المعنى الصحيح. تخيل، فكيف إذا كان أصلاً كل المعنى الذي تقولونه معنى باطل، وتأتون عليه بألفاظ ظاهرها كفر وبطلان، وتقولون إن هذا هو معنى كلام المسيح؟
قال: بخلاف مبتدعي أقوال منكرة في أمانتهم، وفسروها بتفاسير كفرية، فكان الرد عليهم من كل وجهين: من جهة الألفاظ ومن جهة المعاني. قال: هم في ذلك نظير بعض ملاحدة المسلمين الذين يعتقدون إلهية بعض أهل البيت، وبعض المشايخ يصفون الله بصفات لم ينطق بها الكتاب، وهؤلاء ملحدون عند المسلمين، بخلاف المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله بما قالت الأنبياء، ولم يبتدعوا أقوالًا لم يأت به الأنبياء وجعلوها أصل دينهم.
الأمر الثاني أن يقال: ما ذكره جماعة المسلمين كذب ظاهر عليهم، فهذا النظم الذي ذكروه ليس هو في القرآن ولا في الحديث، ولا يعرفه عالم مشهور من علماء المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائفهم أن يطلقون العبارات التي حكوها عن المسلمين، حيث قالوا عنهم إنهم يقولون إن لله عينين يبصر بهما، وإنه يبسطهما، وساقًا، ووجهًا يوليه إلى كل مكان. ولكن هؤلاء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء تصرفهم تركيبًا زعموا أنه المسلمين يطلقونه، وليس في القرآن ما يدل ظاهره على ما ذكروه، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64].
اليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل، فكذب الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل، فأخبر أن يديه مبسوطتان، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. بسط اليدين المراد به الجود والعطاء، وليس مراد ما أوهموه من بسط مجرد. ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها، صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط يديه عن العطاء.
ثم قالت اليهود: يد الله مغلولة، وأراد بذلك أنه بخيل، كذبه الله في ذلك وبين أنه جواد ماجد، وأثبات اليدين له موجود في التوراة وسائر النبوات كما هو موجود في القرآن، فلم يكن في هذا شيء يخالف ما جاءت به الرسل ولا ما يناقض العقل. وقد قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، فأخبر أنه خلق آدم بيديه.
أما لفظ العينين فليس في القرآن، ولكن جاء فيه حديث، وذكر الأشعري عن أهل السنة والحديث لأنهم يقولون إن لله عينين، ولكن جاء فيها حديث، يقصد هنا حديث: «إن ربكم ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور». قال: ولكن الذي جاء في القرآن هو قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37].
أما قولهم له وجه يوليه إلى كل مكان، فليس هذا في القرآن، ولكن في القرآن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]. وهذا قد قال فيه طائفة من السلف: ثم قبلة الله فثم وجه الله، والوجه هو الجهة، كالوعد والعدة والوزن والزنة، والمراد بوجه الله وجهة الله، والوجهة الذي لله يستقبل في الصلاة.
كما قال في أول الآية: ولله المشرق والمغرب ثم قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]. إذا كان لله مشرق ومغرب ولكل وجهة هو موليها، أي متوليها، أي مستقبلها، فهذا كقوله: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، أي: فأينما تستقبلوه فثم وجهة الله. وقيل: إنه يدل على صفة لله، لكن يدل على أن ثم وجهًا لله وأن العبادة أينما يولون فثم وجه الله، هم الذين يولون ولا يستقبلون، لا أنه هو يولي وجهه إلى كل مكان.
فهم يقولون اليهود النصارى في عبارتهم السابقة: له وجه يوليه إلى كل مكان، لكن النصوص القرآن تقول لا، إن الذي يولي وجهه ونحن، فأينما نحن نولي وجهنا فثم وجه الله، مش أن الله يولي وجهه إلى كل مكان، مش هكذا هي عبارة القرآن. قال: وقد قيل إنه يدل على صفة لله، لكن يدل على أن ثم وجهًا لله وأن العبادة أينما يولون فثم وجه الله، فهم الذين يولون ويستقبلون، لا أنه هو يولي وجهه إلى كل مكان، فهذا تحريف منهم للقرآن عن معناه وكذب على المسلمين. ومن قال بالقول الثاني من المسلمين، فإن ذلك يقتضي أن الله محيط بالعالم كله، كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع.
قال: إذا المقصود هنا بيان ضلال هؤلاء في دينهم فيما ابتدعوه من الكفر والتثليث والاتحاد، دون الذين آمنوا بالله ورسله بما جاء به الرسل عن الله سبحانه وتعالى. أما قولهم وجنب، فانه لا يعرف عالم مشهور من عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]، وليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إليه صفة له، ولقد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق، كقوله تعالى: بيت الله، وناقة الله، وعباد الله، بل وكذلك روح الله عند سلف المسلمين وائمتهم وجمهورهم.
ولكن إذا أضيف إليه ما هو صفة له، وهو ليس بصفة لغيره، مثل كلام الله وعلم الله ويد الله ونحو ذلك، كان صفة له. قال: وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان، فانه قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]، والتفريط ليس في شيء من صفات الله. والإنسان جنب الله هنا ليس بمعنى الصفة، لأنه ما فرطت في صفة الله التي هي الجنب، فرطت في جنب الله أي في أمره.
قال: والتفريط ليس في شيء من صفات الله عز وجل، والإنسان إذا قال: فلان قد فرط في جنب فلان أو جاءه جانبه، ويريد به أن التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد أنه فرط في جهته وفي حقه. فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أن التفريط في نفس الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه، فكيف يظن أن ظاهره في حق الله أن التفريط كان بذاته؟ وجنب الشيء وجانبه قد يراد بهما ناحية حده، يسمى جنب الإنسان جنبًا بهذا الاعتبار. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنهما: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاغدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب».
إذا قدر أن الإضافة تتضمن اكتساب صفة الله، كان الكلام في هذا كالكلام في سائر ما يضاف إليه تعالى من صفات، في التوراة نظيرها في القرآن. وهذا يتبين بالوجه الثالث، وهو أن يقال: ما في القرآن والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وصف الله بهذه الصفات التي يسميها بعض الناس تجسيمًا هو مثل ما في التوراة وسائر الأنبياء، وفي سائر كتب الأنبياء وهو الذي في التوراة هو كتب الأنبياء ليس ما أحدثه الكتاب. ولو كان هم ابتدعوا ذلك ووصفوا الخالق بما يمتنع، كان النبي صلى الله عليه وسلم يذمه على ذلك كما ذمه على ما وصفوه به من النقائص في مثل قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181].
وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة: 64]. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]. فنفى عنه اللغوب الذي يظن في أرض الاستراحة، فإن فيها أن الله خلق في ستة أيام ثم استراح في يوم السبت، فظن بعض الناس أنه تعب فاستراح. ثم من علماء المسلمين لما قال إن هذا اللفظ حرفوا معناه بلفظه، وفي هذه المنزلة قال ابن قتيبة وغيره، قالوا: معناه ثم ترك الخلق، فعبر عن ذلك بلفظ استراح. ومنهم من قال: بل حرف لفظه كما قال أبو بكر الأنباري وغيره، وقالوا: ليست هذه الألفاظ المنزل.
وأما ما في التوراة من إثبات الصفات فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك، بل كانوا علماء اليهود إذا ذكروا شيئًا من ذلك يقرهم عليه ويصدقهم عليه، كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن حبرًا من اليهود جاء إلى الرسول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، إن الله عز وجل يوم القيامة يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهتز فيقول: أنا الملك. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا لقول الحبر. ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]. وفي التوراة أن الله كتب التوراة بإصبعه.
وإذا ثبت أن مثل هذه النصوص في التوراة والكتب المتقدمة باتفاق أهل الكتاب، وبما يشهد على ذلك من أخبار الرسول من غير ذلك، وترك إنكاره لما في التوراة وتصديقه على ما كانوا يذكرونه من ذلك، لم يكن المسلمون مختصين بذكر ما سموه تجسيمًا، بل يلزم أهل الكتاب اليهود والنصارى من ذلك نظير ما يمز المسلمين. وقد افترق أهل الكتاب في ذلك كما افترق فيه المسلمون، منهم الغالي في النفي والتعطيل، ومنهم الغالي في التشبيه والتمثيل، والمسلمون أئمتهم وجمهورهم مقتصدون بين التعطيل والتمثيل، وكذلك طائفة من أهل الكتاب.
والمقصود أنه إذا كانت هذه الصفات قد جاءت الكتب الإلهية التوراة وغيرها كما جاءت في القرآن، لم يكن للمسلمين بذلك اختصاص، ولم يجز للنصارى أن يجعلوا ذلك نظير ما اختصوا به من التثليث والاتحاد، فإن ذلك مختص بهم، وهذه الصفات قد اشترك فيها تنفيذ الاتحاد أن جاء فقط عندكم، لا قال به اليهود ولا قال به المسلمون. أما الوصف بالإصبع أو اليد أو العين فهذا موجود أصلاً في قبل أن يكون موجودًا في القرآن، فليس شيء اختص به مثلًا.
المسلمون. قال: وهذه الصفات قد اشترك فيها من الثلاثة أنها تثليته والاتحاد ليس منصوصاً عن أحد من الأنبياء. وهذه الصفات المنصوصة منصوصة في القرآن والتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء؛ فكيف يجوز تشبيه هذا بهذا؟
الوجه الرابع قولهم: فيوهمون السامعين الله ذو جسم وأعضاء وجوارح وكلام، كلام باطل؛ وذلك أن الله سمى نفسه صفاته بأسمائه، وسمى بعض عباده وصفات عباده الأسماء هي في حقه النظير تلك الأسماء في حقه سبحانه وتعالى. فسمى نفسه حياً، كقوله تعالى: ﴿اللّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] الآية، وتوكل على الحي الذي لا يموت. وسمى بعض عباده حياً، كقوله: يخرج الحي من الميت، مع العلم بأنه ليس الحي كالحي.
وسمى نفسه علماً، كقوله: إن ربك حكيم عليم، وسمى بعض عباده عليماً، كقوله: وبشروه بغلام عليم، مع العلم بأنه ليس العليم كالعليم. وسمى نفسه حليماً، والله غني حليم. وسمى بعض عباده حليماً، بقوله: فبشرنا بغلام حليم. وسمى نفسه رؤوفاً رحيماً، لقوله: إن الله بالناس لرؤوف رحيم. وسمى بعض عباده رؤوفاً رحيماً، لقوله: بالمؤمنين رؤوف رحيم. وليس الرؤوف كالرؤوف، وليست رأفة الله كرأفتنا ورأفتهم.
وكذلك ما أخبر عن نفسه من استواء بالنسبة للعرش، بمجيئه في ظلل من الغمام وغير ذلك من هذا الباب؛ ليس استوائه باستوائهم، ولا مجيئه كمجيئهم. وهذه المعاني التي تضاف إلى الخالق تارة وإلى المخلوقات الأخرى، تذكر على ثلاثة أوجه. تارة تقيد بالإضافة إلى الخالق أو باضافته إليها، كقوله تعالى: ﴿لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255] أضاف العلم إلى الله.
قال: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. هذه الأسماء أو الصفات إما تضاف إلى الخالق، أو باضافة لفظ الجلالة إليها؛ فهنا مثلاً علمه أضيفت إلى الخالق، وفي الآية الثانية إن الله هو الرزاق أضيف لفظ الجلالة إليها بمعنى أنه حكم عليه بها.
قال: وتارة تقيد بالمخلوق، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18]. وتارة تطلق مجردة؛ فإذا قيدت بالخالق لم تدل على شيء من خصائص المخلوقين؛ فإذا قيل: علم الله، وقدرته، واستواؤه، ومجيئه، ويده، ونحو ذلك؛ كانت هذه الإضافة توجب ما يختص بالرب الخالق، وتمنع أن تدخل في تقييد الإضافة بالمخلوق، كقوله وأولو العلم، وهنا الكلام عن العلماء. وتارة تطلق مجردة، يقال علم، إرادة، دون أن تضاف لا إلى خالق ولا إلى مخلوق.
فهذه المعاني إن قيدت بالخالق لم تدل على شيء من خصائص المخلوقين، فإذا قيل علم الله وقدرته واستواؤه ومجيئه ويده ونحو ذلك كانت هذه الإضافة توجب ما يختص به الرب من الخصائص وتمنع أن يدخل فيها خصائص المخلوقين. وكذلك إذا قيل: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 28] كان هذه الإضافة توجب ما يختص به العبد وتمنع خصائص الرب. وإذا جرد اللفظ عن القيود فذكر بوصف العموم والإطلاق تناول الأمرين كسائر الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، فالعلم كلمة علم باطلاق تشمل أو تطلق على علم الله وعلم المخلوق، إذا قلت علم الله خلاص أنت أخرجت وأصبح خصائص العلم الإلهي، قلت علم المخلوق خلاص خصصت وأصبح الكلام عن خصائص علم المخلوقين.
قال: وهذه للناس فيها أقوال، قيل إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، كقول ابن عباس، وقيل بالعكس كقول غلاة الجهمية والباطنية الفلاسفة، وقيل حقيقة وهو قول الجمهور أنها حقيقة في علم الله وعلم المخلوق. يعني إذا قلت علم هل نقول إن هذه الألفاظ إذا أطلقت هي حقيقة في علم الله مجاز في علم المخلوقين ولا لا هي حقيقة في علم الله وعلم المخلوق؟ هي حقيقة في علم الله وعلم المخلوق.
قول غلاة الجهمية، مش حتى المعتزلة اللي بيقول بهذا، طبعا هم المعتزلة هم يطلق عليهم الجهمية ضمن هذا السياق. حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، وقيل بالعكس كقوله.. الآن هنا يعني ممكن نقول في هذا المقام بالجهمية فرق المتكلمين عموماً، والمعتزلة في هذا المقام يعتبرون من غلاتهم، يعني يدخلون في هذا باعتبار أن الأشعرية والماتريدية فيهم نوع أو خصال أو شعب من التجهم بس لا يعتبرون من غلاتهم، لذلك أحياناً ينتمي يطلق غلاة الجهمية على كل من غلى في هذا الباب ولو كان من المعتزلة.
قال: ثم قيل هي مشتركة اشتراكاً لفظياً، وقيل متواطئة وهو قول الجمهور، يعني إذا قلنا إن العلم والسمع حقيقة في علم الله وسمع علم الله وعلم المخلوق وسمع الله وسمع المخلوق فنقول هل هي حقيقة فيهما على طريقة الاشتراك أم على طريقة التواطؤ؟ نقدناها في أصول الفقه، المتواطئ أو الصحيح أنها على طريقة التواطؤ، أن العلم إذا أطلق مفهوم متواطئ كلي يوجد في علم الله ويوجد في علم المخلوق، لكن خصائص العلم له يختلف عن خصائص علم المخلوق، مثل زي الإنسان؛ أسامة إنسان وعمار إنسان، لكن خصائص أسامة الجسدية والنفسية تختلف عن خصائص عمار الجسدية والنفسية، فكون هذا فيه إنسان وهذا فيه إنسانية لا يعني أن خصائص هذا هي نفس خصائص هذا.
قال: ثم من جعل المشككة نوعاً من المتواطئة لم يمتنع عنده إذا قيل مشككة أن تكون متواطئة، ومن جعل ذلك معنى آخر جعلها مشككة لا متواطئة؛ لأنه بتعرف أن الكُل ينقسم إلى مشكك ومتواطئ بشكل أخدناه في أصول الفقه. فهل لما نقول العلم، هل العلم وجودها في الخالق والمخلوق على سبيل المشكك أم على سبيل التواطؤ؟ المشكك زي البياض، بس البياض موجود في أشياء كثيرة بس هذا تشكك، صحيح؟ فهناك بياض الثلج وهناك بياض الثوب وهناك بياض السقف، بياض هذا أخف من البياض هذا بنسب متفاوتة، فكذلك العلم والسمع إذا قيل علم وهنا فلله علم للمخلوق علم، هل إطلاق العلم على علم الله وعلم المخلوق على سبيل التواطؤ ولا المشكك؟ البعض في نظرية المعرفة البعض يطلق المتواطئ حتى على المشكك، يعني بفرقش كثير بين المتواطئ والمشكك، فإذا خلص سميه متواطئ ما عناش مشكلة، لكن من يريد التدقيق بين المتواطئ والمشكك يعتبر هذا من قبيل المشكك وليس المتواطئ فقط.
قالوا: هل هذا نزاع لفظي؟ يعني هل المشكك أن يدخلوا تحت المتواطئ ولا نقول لا متواطئ، إيش هو المشكك؟ إيش النزاع في اللفظ؟ طيب، فإن المتواطئ، التواطؤ اللي عم يدخل فيه المشككة إذا المراد بالمشككة ما يتفاضل معانيها زي ما حكينا زي البياض كاللفظ الأبيض الذي يققال على البياض الشديد بياض الخفيف كبياض العاج. ومعلوم أن البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف، فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك وهو المعنى العام الكلي وهو متواطئ بهذا الاعتبار، وهو باعتبار التفاضل يسمى مشككاً. وأما إذا أريد بالتواطؤ المعنى الخاص، إذا التواطؤ يطلق على المعنى العام وهو مطلق الاشتراك، ويطلق التواطؤ على استواء المعنى بين كل أفراده، فهنا أكيد سيكون التواطؤ غير التشكيك، لكن تخصيص لفظ المتواطئ بهذا عرف حادث وهو خطأ أيضاً، فإن عامة المعاني العامة تتفاضل.
فهو إيش يقول لك؟ هذه من الممكن تستفيد من ابن تيمية هنا في نظرية المعرفة، ويقول إنه التواطؤ بالمعنى الخاص وهو أن المعنى يوجد في جميع الأفراد بدرجة متساوية، هل هو موجود؟ إيش أقول؟ لكن تخصيص لفظ المتواطئ بهذا، إيش بهذا؟ أي التواطؤ بالمعنى الخاص اللي هو أن يوجد المعنى في جميع الأفراد بنفس الدرجة، ماذا يقول؟ قال هذا عرف حادث وابن تيمية يعتقد أنه خطأ، ليه؟ قال فان عامة المعاني العامة تتفاضل، فمش معنى متواطئ بالمعنى الخاص أنه وجوده في جميع الأفراد بنفس الدرجة حتى تقول هناك في متواطئ ومشكك، قال إن عامة المعاني بتتفاضل، مثله مثل البياض، كلها زي البياض، كيف البياض يتفاضل؟ كل المعاني تتفاضل، أو عامة المعاني العامة والتماثل فيها في جميع مواردها بحيث لا تتفاضل أما قليل نادر واما معدوم. فابن تيمية بقول لك ما فيش داعي تجيب هذا التواطؤ بالمعنى الخاص لأنه شبه معدوم، إنه الإيمان يتفاوت، فمش إيمان في جميع الناس بنفس الدرجة، مسمى الكفر مسمى النفاق، كلها معاني متفاوتة. حتى لو يعني حتى على أسماء الأجناس لما قلنا مثلاً انسان؛ إنسانية يعني كل شخص حتختلف عن إنسان عن إنسانية الآخر.
ممكن يجي يقول لك هذا الكلام، يعني من حيث ما هو ما هي الإنسانية النفسية الناطقة؟ الحياة الناطقة. ويمكن يلاحظ أنه إذا كان الإنسان فرضاً فرض أنه الحيوان الناطق، فناتقية فلان تختلف عن ناطقية فلان، فإذاً في المجموع سيحصل تفاوت في الإنسانية، حتى الناس اليوم، والله في الإنسان يا شيخ، في ناس مش إنسانية.
قال: فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة ما المشككة؟ كان عامة الأسماء الكلية غير متواطئة، وهذا في موضع آخر. المقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى إذا أضاف لنفسه ما اضافه إضافة أن يكون التشكيك هو الأصل مش التواطؤ هو الأصل، أن تجعل الفائض مشكك هي الأصل وليس التواطؤ، لأن هي عامة المعاني مشككة مش متواطئة بالمعنى الخاص المتواطئ. والمقصود هنا المهم أن الله سبحانه وتعالى إذا أضاف لنفسه ما أضافه إضافة يختص بها وتمنع أن يدخل فيها شيء من خصائص المخلوقين، وقد قال مع ذلك إنه بها وتمنع أن يدخل قال ومع ذلك أنه ليس كمثله شيء وأنه لم يكن له كفواً أحد، وأنكر أن يكون له سمي، كان ما كان من فهمها من هذه النصوص ما يختص به المخلوق قد أوتي من سوء فهمه ونقص عقله لا من قصور لا من قصور في بيان الله ورسوله. أي صفة أضيفت إلى الله وأنت أصبحت تفهم منها خصائص المخلوق، هاي المشكلة في فهمك.
يعني يد الله إذا أنت تصورت أنه إذا قلت يد الله إذا إحنا بنتكلم عن جوارح ودم وكذا، لا هاي خصائص المخلوقين، فأي صفة أضيفت لله وأنت فهمت منها خصائص المخلوق فهذا أوتي من فهمه، مش النص قال هذه الخصائص. فمن فهم من علم الله مثلاً ما يختص به المخلوق من أنه علم حادث بعد جهل أو شيء وقسموا إلى اضطرار ونظري، هذا من عنده؛ فمن نفسه أوتي ومن جهله، وليس في قولنا علم الله ما يدل على خصائص المخلوق، وهكذا.
قال: وكذلك من فهم من قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] الآية، وما منعك أن تسجد لما خلقت بيديه ما يختص به المخلوق من جوارحه وأعضائه، فمن نفسه أوتي؛ فليس في هذا اللفظ ما يدل على ما يختص به المخلوق كما في سائر الصفات. وكذلك إذا قالت مستوى على العرش، من فهم ذلك ما يخص بمخلوق، ما يخص بمخلوقه، كما يفهم من قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 28] فمن نفسه أوتيه؛ فإن ظاهر اللفظ يدل على استواء يضاف إلى الله عز وجل كما يدل على تلك، كما يدل في تلك الآية على استواء يضاف للعبد، إذا كان المستوي ليس مماثلاً للمستوي، ليس لم يكن الاستواء مماثلاً للاستواء، فالمستوي اللي هو المخلوق إذاً ليس مماثلاً للمستوي وهو الله، فإذاً سيكون طبيعة استواء الله يختلف عن طبيعة استواء المخلوق، الذات غير الذات.
قال: فاذا كان العبد فقيراً إلى ما سوى الله، إلى ما استوى عليه يحتاج إلى حمله، وكان ربه عز وجل غنياً عن كل ما سواه والعرش وما سواه فقير إليه، هو الذي يحمل العرش وحملة العرش؛ لم يلزم إذا كان الفقير محتاجاً إلى ما استوى عليه أن يكون الغني عن كل شيء وكل محتاج إليه محتاجاً إلى ما استوى عليه، وليس بظاهر كلامه عز وجل ما يدل على ما يختص بالمخلوق من حاجة إلى حامل وغير ذلك، بل توهموا هذا من سوء الفهم لا من دلالة اللفظ. لكن إذا تخيل المتخيل في نفسه أن الله مثله تخيل أن يكون استواؤه كاستوائه؛ إذا أنت تخيلت أن الله مثلك سعيت راح تخيل أن استوائك استوائك، فالمشكلة أنك تخيل أن الله مثلك، وهذا أكبر خطر، لذلك دائماً كانوا يقولون إن المعطل هم مشبهة ثم معطلة، إنه هو تخيل أن الله مثله ثم توهم أن بالتالي لوازم صفات المخلوقين ستكون لله فاستعظم ذلك فأنكر الصفة، هو مشبه ثم معطل.
قال: وإذا عرف أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صلاته ولا في أفعاله؛ علم أن سواه ليس كاستوائه، كما أن مجيئه كمجيئه، كما أن علمه وقدرته ورضاه وغضبه ليس كعلمه وقدرته ورضاه وغضبه. وما بين الأسماء المتواطئة من اشتراك فهو في المعنى العام الكلي كما بين قولنا حي وحي وعالم وعالم، وهذا المعنى العام الكلي المشترك لا يوجد عاماً كلياً مشتركاً إلا في العلم، وأما في الخارج، وإلا في الذي في الخارج أمر يختص؛ أحسنت، فكل معنى كلي هو في الخارج مختص بخصائص من حل فيه.
قال فصفة الرب عز وجل مختص به، وصفات المخلوق مختصة به، ليس بينهما اشتراك، ولا بين مخلوق ومخلوق.
الوجه الخامس قولهم لما كان اعتقادهم في الباري جلت قدرته إنه غير ذي جسم؛ استعمال لفظ الجسم في القدر والغلظ. وهذا أحد موردي استعماله، وهو الأشهَر في اللغة العامة، فيقولون هذا ثوب له جسم، وهذا ليس له جسم، أي هذا له غلظة وكثافة دون هذا.
لكن النظار أكثر ما يسمعون لفظ الجسم في نفسه ذي القدر، فيقولون للقائم بنفسه ذي القدر إنه جسم. هذا اللفظ لما كثر استعماله في كلام النظار، وتفرقوا في معانيه لغة وعقلاً وشرعاً، تفرقاً ضل به كثير من الناس، فإن هذا اللفظ أصله في اللغة هو الجسد. قال غير واحد من أهل اللغة كالأصمعي وأبي زيد وغيرهما: جسمه هو الجسد.
طبعاً نرجع لأول الفقرة، الوجه الخامس قولهم لما كان اعتقادهم في الباري جلت قدرته إنه غير ذي جسم؛ كلمة جسم في كلام بورص الأنطاكي استعملها بمعنى إيش؟ قال: استعمال منهم لفظ الجسم في ماذا؟ في القدر والغلظ، لا، في ذي القدر والغلظ، ذي يعني صاحب. يعني هنا يستعمل الجسم بمعنى القدر والغلظ والكثافة، ولم يستعمل الجسم بمعنى صاحب القدر والغلظ والكثافة، لأنه قال غير ذي جسم، يعني لما كان اعتقادهم في الباري إنه غير ذي جسم، يعني غير ذي كثافة وغلظ.
وهذا أحد موردي استعماله، يعني أنت لما تستعمل الجسم بمعنى الغلظ وليس بمعنى صاحب الغلظ، هذا أحد موردي استعماله، وهو الأشهر في لغة العوام، فيقولون هذا الثوب له جسم أي له غلظ، وهذا ليس له جسم أي ليس له غلظ.
ولكن النظار أكثر ما يستعملون لفظ الجسم في المعنى الثاني، وهو في معنى أن الجسم بمعنى صاحب الغلظ، صاحب القدر، وليس نفس القدر والغلظ، فيقولون للشيء القائم بنفسه الذي له غلظ، يقولون لهذا الشيء، يطلقون الجسم على الشيء الذي له غلظ وليس على نفس الغلظ. يعني فرق بين أن تطلق الجسم على الصفة، وبين أن تطلقوه على الذات التي فيها الصفة.
فإطلاق الجسم بمعنى الغلظ أنت استعملت الجسم كأنه صفة، غلظ، كثافة. ولكن الأكثر يستعمل الجسم ليس على الصفة كأنه صفة، لا، يستعمله على الذات التي وجدت فيها هذه الصفة. أرجو أن يكون الكلام مفهوماً. طيب.
وهذا اللفظ مع كثرة الاستعمال في كلام النظار، تفرقوا في معانيه لغة وعقلاً وشرعاً، تفرقاً ضل به كثير من الناس، فإن هذا اللفظ أصله في اللغة هو الجسد. قال غير واحد من أهل اللغة كالأصمعي وأبي زيد وغيرهما: جسمه هو جسده. الأصل في اللغة العربية أن الجسم هو نفس الجسد، والجسد هو نفس الجسم. نعم.
قال وهذا إن لم يستعمله أهل اللغة فيما كان غليظاً كثيفاً، فلا يسمون الهواء جسماً ولا جسداً، ويسمون بدن الإنسان جسداً. نعم، وقد تقدم أن الجسم يراد به نفس الجسد، ويراد به قدر الجسد وغلظه. قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4]. قد يراد به هذا وهذا.
إذاً لاحظ، هذه فائدة جميلة، إذاً إن الجسم يراد به نفس الجسد، وهو الذات، ويراد به قدر الجسد وغلظه والصفة، زي ما حكينا ابتداء. فالجسم فعلاً يطلق على الذات الكثيفة، ويطلق على نفس الكثافة. فمن استعماله في القرآن بمعنى الكثافة: وزاده بسطة في العلم والجسم؛ ما معنى الجسم هنا؟ الكثافة. وزاده بسطة في العلم والجسم، فكلمة الجسم هنا استعملت استعمال الصفة خاصاً، وعطفها على صفة علم. وجسم هنا مش الذات التي حل بها الكثافة، لا، نفس الكثافة. وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم؛ هنا الأجسام بمعنى إيش؟ لا، الاشكال والهيئات التي فيها. وفي الآية الأولى استعمل استعمال الصفة، وفي الآية الثانية استعمل استعمال الذات، كلمة الجسم نفسها. نعم.
قال: أما أهل النظر استعملوا لفظ الجسم في أعم من معناه في اللغة، كما فعلوا مثل ذلك في لفظ الجوهر، ولفظ العرض، ولفظ الجود، ولفظ الوجود، ولفظ الذات، وغير ذلك. فاستعملوا لفظ الجسم فيما يقوم بنفسه، وتمكن الإشارة الحسية إليه. ثم تنازعوا نزاعاً، فاستعملوا لفظ الجسم في كل ما يقوم بنفسه وتمكن الإشارة الحسية إليه ولو لم يكن إيش؟ كثيفاً غليظاً.
هو إيش قال لك في اللغة؟ يستعمل بمعنى ماذا؟ الغلظ والكثافة كصفة، ويستعمل بماذا؟ بالذات التي فيها غلظ وكثافة. جاء المتكلمون فوسعوا لفظ الجسم، فأطلقوه على كل ما يقوم بنفسه يعني ذات، وتمكن الإشارة الحسية إليه، وإن كان لا يوجد فيه غلظ وكثافة مثلاً زي الهواء، ممكن يسمي الهواء إيش؟ جسماً، مع أنه في اللغة العربية لا يسمى الهواء جسماً. نعم.
قال ثم تنازعوا نزاعاً عقلياً فيما يُشار إليه كالهواء والنار والتراب والماء وغير ذلك؛ هل هو مركب من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة؟ أو من المادة والصورة؟ أو ليس مركباً لا من هذا ولا من هذا؟ على ثلاثة أقوال قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
فإنها مركبة من هذا أو هذا، يلزمه إذا قال إن الله جسم، أن يكون الله مركباً من هذا وهذا، باطل. ماذا قالوا؟ إن هذا باطل، وأوجبوا على أصلهم نفي مسمى هذا الاسم، وهذا هو المشهور عند هؤلاء. ونعتقد أنه ليس مركباً لا من هذا ولا من هذا. قال لا، عن كل هذه مشاكل عقلياً فيما يُشار إليه بعدُ أنه جسم كالهواء والنار والتراب والماء وغير ذلك.
هل هذه الأجسام التي يمكن الإشارة إليها، هل هي مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة؟ أو هي مركبة من مادة وصورة؟ أو ليس مركباً لا من الجواهر المنفردة ولا من هذا ولا من المادة والصورة؟ على ثلاثة أقوال قد بسط الكلام عليها.
قال: فمن اعترف أن الأجسام دائماً مركبة من هذا أي من الجواهر المنفردة، أن كل جسم عبارة عن مجموعة من الجواهر المنفردة، أو هذا أي من المادة والصورة، يلزمه اللي بحكي هيك إذا قال إن الله جسم، أن يقول إنه إيش على طريقتهم؟ إنه مركب إما من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وهذا باطل.
ولهذا قالوا هم أنفسهم إذاً إن الله ليس بجسم. اه، لما قالوا إذا قلنا إن الله جسم، سيلزم منه التركيب بأحد معنيه، إما الجواهر المنفردة أو المادة والصورة، ولا يجوز لله أن يكون مركباً، إذاً نفي التركيب يلزم نفي الجسمية. ولهذا قالوا إن هذا باطل، وأوجبوا نفي مسمى هذا الاسم، وهذا هو المشهور عند هؤلاء المتكلمين. نعم.
قال: ومن اعتقد أنه ليس مركباً لا من هذا ولا من هذا، ومن اعتقد أن الجسم لا يلزم أن يكون مركباً لا من الجواهر المنفردة ولا من المادة والصورة، قالوا لا يلزمني إذا قلت إن الله جسم، إذاً أن يكون مركباً، لأن الجسمية لا تقتضي التركيب ابتداء. فمن هؤلاء من أطلق عليه سبحانه لفظ الجسم، وأراد بالجسم الإخبار بأنه قائم بنفسه، أو أنه موجود. كمن أطلق هؤلاء لفظ الجوهر على الله وقالوا المراد بالجوهر إنه قائم بنفسه.
وكما قال هؤلاء ليس في الوجود إلا جوهر أو عرض، فإن الوجود إما قام بنفسه وهو الجوهر، أو بغيره وهو الأعراض، والجوهر أشرف. وقال الآخرون: ليس في الوجود إلا ما قام بنفسه، وهو إيش؟ الجسم، أو قام بغيره وهو العرض، والجسم أشرف القسمين.
المهم فما سماه أولئك جوهراً سماه هؤلاء جسماً، وكلاهما ليست تسمية لا لغوية ولا شرعية، تماماً يعني لا الشرع تكلم بهذا، ولا هذا التقسيم لأجسام وأعراض أو جواهر وأعراض هذا من اللغة، وإنما هذا من تأليفات المتكلمين.
وإذا قال هؤلاء هو جوهر، هناك الجواهر كما يقال هو جوهر الأشياء، قال أولئك إذاً هو جسم الأشياء، شو المشكلة؟ كما يقال هو جوهر الأشياء، وإذا قال هؤلاء الجوهر ينقسم إلى كثيف ولطيف، قال أولئك هو الجسم أيضاً ينقسم إلى لطيف وكثيف. والمقصود هنا؟ نعم.
قال: والمقصود هنا أن هؤلاء المثبتة نزاعهم مع النفاة قد يكون لفظياً كنزاع النصارى في لفظ الجوهر، وقد يكون عقلياً كنزاع في المُشار إليه؛ هل هو مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا؟
من قال من القائلين بأنه جسم فيقول إنه مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة، فهؤلاء مذمومون لفظاً ومعنى عند جماهير المسلمين وغيرهم، وإن كان النصارى وغيرهم يعجزون عن الرد على هؤلاء، إذ كان يعتمدون ما يعتمدون عليه في تنزيه الله عن خصائص الأجسام طرقاً ضعيفة لا تثبت على معيار العقل، كما قد بسط في موضع آخر.
بخلاف ما كان نزاعه لفظياً فهذا يُذم إما لغةً وإما لغةً وشرعاً، لكونه أطلق لفظاً لم يأذن به الشرع. أما من كان نزاعه لفظياً وانه فقط هو يطلق الجسم على الله ويقصد بالجسم القائم بذاته، نقول يعني هنا نعم الله قائم بذاته بس إطلاق الجسمية على الله بهذا المعنى وإن كان المعنى صحيحاً، لكنك مذموم لأنه أولاً الجسم في اللغة لا يعني كل قائم بذاته، ومن جهة الشرع لم يطلق على الله أنه جسم، فلماذا تستعمل لفظ الجسم وتطلقه على الله؟ أنتم أين المشكلة؟
وإن كان إحنا عارفين أن المعنى الذي تقصده بالجسمية صحيح، وهو أنه الجسم القائم بذاته، والله قائم بذاته، لكنك مذموم إما لغةً وإما لغةً وشرعاً، لكونه أطلق لفظاً لم يأذن به الشرع، أو استعمله في خلاف معناه اللغوي، كما قد يُذم النافي أيضاً بمثل ذلك لغةً وشرعاً إذا كان معناه صحيحاً.
نعم، فمن كان من اللغاة أو المثبتة أو المثبتة نفى حقاً أو أثبت باطلاً، فهذا مذموم ذماً معنوياً شرعياً وعقلياً. واما الشرع فالرسل وأتباعه الذين من أمة موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يقولوا إن الله جسم ولا إنه ليس بجسم، ولا إنه جوهر ولا إنه ليس بججوهر. لكن النزاع اللغوي والعقلي والشرعي في هذه الأسماء هو مما أحدث في الملا مل الثلاث بعد انقراض الصدر الأول من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.
والذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم ما جاء به القرآن والتوراة؛ لأن الله موصوف بصفات الكمال، وأنه ليس كمثله شيء، فلا تمثل صفاته بصفات المخلوقين، مع إثبات ما أثبته لنفسه من صفات، ولا يدخل في صفاته ما ليس منها، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها.
إذا تبين هذا، فالمسلمون لما كان اعتقادهم بأن الله تعالى موصوف بما وصفه به نفسه، وأنه ليس كمثله شيء، وكان ما أثبتوه له من صفات مما جاءت به الرسل، لم يكن عليهم ملام؛ لأنهم أثبتوا ما أثبته الرسل، ونفوا ما نفاه الرسل، فكان في هذا النفي ما ينفي الوهم الباطل، بخلاف من أثبت أموراً لم تأت بها الرسل، وضم إليها ما يؤكد المعنى الباطل لا ما ينفيه، وكان فيما نفوا عنه أنه ليس بجسم مركب من الجواهر المنفردة ولا من المادة والصورة.
وأما على أحد قولي النظار بل أظهرهما، فإن ما سواهم من الموجودات القائمة بنفسها ليس مركباً لا من هذا ولا من هذا، فهو سبحانه أحق بتنزيهه عن مثل هذا؛ إذ كل نقص نفي عن مخلوق فالخالق أحق بالتنزيه منه.
وأما على القول الآخر، فتارة يقولون القول الأقوى أنه حتى باقي الموجودات سوى الله هي ليست مركبة من الجواهر المنفردة، وليست مركبة من المادة والصورة. يعني يقول: وأما على أحد قولي النظار بل هو أظهرهما، يقول ابن تيمية، واحد ممكن تأخذ منه اختيار ابن تيمية، وهو أنه حتى باقي الموجودات سوى الله هل هي أصلاً مركبة من الجواهر المنفردة؟ هل نظرية الجواهر المنفردة التي أتى بها البعض هي نظرية صحيحة لتفسير الأجساد والأعيان أن كل الأعيان كالشمس والقمر والبشر والحجر مركبة أو مركبة من المادة والصورة؟ هل هذا هو التفسير الصحيح؟
ابن تيمية يقول: الصحيح أنها ليست مركبة لا من الجواهر المنفردة ولا من مادة وصورة، ليس هكذا هو التنظير الصحيح للمسألة. نعم، فإذا كان حتى سائر الأجسام لا نقول إنها مركبة، فالله أعلى وأجل من أن نقول من باب أولى أن نقول إنه مركب منها. كل نقص نفي عن المخلوق فالخالق أحق بتنزيه منه؛ هذه قاعدة في الأسماء والصفات، كل نقص نفي عن المخلوق فالخالق أولى بأن ينزه عنه، وهذه قاعدة ثم قياس الأولى، قياس الأولى وهي من قواعد قياس الشاهد على الغائب. نعم.
قال قياس الغائب على الشاهد. نعم.
قال سبحانه أحق تنزيه عن مثل هذا. وأما على القول الآخر الذي يرى أن المخلوقات عموماً مركبة من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة، فتارة يقولوا نعم، قال فتارة يقولون: لأن المركب من جواهر منفردة يمكن افتراق أجزائه، وذلك ممتنع في حق الله تعالى. يقولون إنه مفتقر إلى أجزائه، وذلك ممتنع في حق الله تعالى؛ إذ جزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يمكن أن يكون واجباً بنفسه قديماً أزلياً، كما قد بسط الكلام على هذه الأمرين في موضع آخر.
أما من يقول أن سائر الموجودات مركبة، لماذا ينفي عن الله التركيب؟ لأن هذا، لأنك إذا قلت إن الله سبحانه وتعالى مركب من جواهر منفردة، المركب يفتقر إلى أجزائه، فمعناته أن الله في ذاته أصبح مفتقراً إلى كل جزء منه.
دائماً التركيب يفتقد إلى أجزائه، أو التركيب أحياناً وبعد غرفة التقرير إلى مركب فمن الذي ركبه؟ إلى غير ذلك من الإشكالات التي تأتي على هذا القول. ثم منهم من لا يطلق من النفي والإثبات إلا الألفاظ الشرعية.
يقول: هو جسم.
لا، يقول: هو ليس بجسم. ومنهم من يطلق هذه الألفاظ، وهؤلاء منهم من ينفيها ومنهم من يثبتها.
قال: وكل من الطائفتين قد يدخل في ذلك ما يوافق الشرع، وقد يدخل في ذلك ما يخالف الشرع. وكل من الطائفتين يدعي النظر العقلي أو اللغوي، ربما اعتصم بعضهم بما يظنه دليلاً شرعياً، والغالب عليهم أنهم لا يعتصمون في ذلك بشرع إذا لم يكن في ذلك شرع.
وإنما يتكلفون تغيير اللغة التي بعث بها الرسول، ثم يحملون ألفاظه على ما تدعوهم إليه اللغة، كما فعلته النصارى في حمل كلام الأنبياء على ما ابتدعوه من اللغة. فإن الأنبياء لم يسموا علم الله حياته أبناً وروح قدس ولا رباً، فسمى النصارى علمه ابناً، وروح قدس، ورباً، ثم حملوا الكلام نبياً على ذلك.
كذلك طائفة من أهل الكلام كان السلف يسمونهم الجهمية؛ أحدثوا تسمية الواحد والأحد ونحوهما لما لا يشار إليه ولا يميز الحس منه شيئاً عن شيء، وهذا خلاف اللغة. فإن أهل اللغة يسمون بالواحد والوحيد. فالجهمية ماذا لا يطلقون الواحد على ماذا؟ على ما لا يشار إليه ولا يميز الحس منه شيئاً عن شيء. يسمون هذا، وهذا خلاف اللغة؛ فإن هذه لغة، يسمون إذا أطلقوا الواحد والوحيد والأحد في النفي لما يشار إليه ويميز الحس منه شيئاً عن شيء.
كقوله تعالى: ﴿ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر: 11]، فسمى الإنسان وحيداً. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11]، فسمى المرأة واحدة. قضية مهمة يعني تبحث فيها دائماً في نقاشاتنا مع أهل الأهواء؛ أنه التلاعب بمعاني الألفاظ، الإتيان باللفظ اللغوي ووضع معنى جديد له، ثم محاكمة الناس لهذا المعنى الجديد.
زي لفظ الواحد والأحد والجسم وما شابه ذلك، تلاعبوا بمعانيها اللغوية ولم يحكموها، ثم أعملوا مشاكل عليها. طيب، احنا لو رجعنا باللفظ بمعناه اللغوي الأصل تنحل المشكلة، لو ضبطنا المعنى اللغوي.
قال: وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. فسمى المستجار وهو إنسان أحداً. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، فنفى أن يكون أحد كفواً له. فلو كان ما يشار إليه لا يسمى أحداً، لم يكن قد نزه نفسه عن مماثلة المخلوقات له. إذا كان المشار إليه لا يسمى أحداً كما تقول الجهمية، أصبح قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ليس فيه تنزيه عن مماثلة المخلوقين له؛ لأن المخلوقين يشار إليهم، فهم إذاً ليسوا أحداً، والله نفى عن نفسه أن يكون له أيش؟ أحد كفؤ له. لم إذاً لم ينفي عن نفسه وجود مخلوقين كفؤ له على طريقة الجهم في التفكير بمعنى كلمة الأحد؟ والصحيح أن الأحد تشمل كل ما يمكن الإشارة إليه.
فإن لم يدخل في أحد لم يكن قد نزه نفسه عن مماثلتها. فهؤلاء لما أحدثوا أن مسمى الأحد والواحد لا يكون مشارً إليه، قالوا: والرب قد سمى نفسه أحداً وواحداً فيجب ألا يكون مشارً إليه، ولغة الرسول التي خاطب بها الناس لم تكن موافقة لما يدعونه من اللغة. كذلك الذين قالوا هو جسم، غير اللغة وجعلوا الجسم اسماً لكل ما يشار إليه أو لكل موجود أو لكل قائم، وهذا ليس هو المعنى اللغوي. الجسم لم يكن يطلق إلا على الموجود القائم الكثيف الذي له جرم مشاهد محسوس ويتعامل معه.
قال: ثم قالوا وهو موجود أو قائم بنفسه أو مشار إليه فيكون جسماً، ولا يكون في اللغة اسم الجسم إلا لهذا أو لهذا. وقالوا لا يزهو من كونه مشار إليه أن يكون مركباً من جواهر مفردة ولا من المادة والصورة. وقال أولئك من لزموا أن كل مركب فإنه يسمى في اللغة جسماً، فيلزم أن يسمى جسماً إذا قلنا هو مشار إليه وأنه يرى بالأبصار أو متصل بصفات تقوم به.
وليس ما ذكروه عن اللغة مستقيماً في أن أهل اللغة لا يعنون بالجسم المركب، بل الجسم عندهم هو الجسد، لا يسمون الهواء جسماً.
قال: إذا تبين هذا، فتمثيل هؤلاء النصارى باطل على كل قول طائفة من طوائف المسلمين. فإن من يقول الجسم في اللغة هو مركب، والله ليس بمركب فليس بجسم، لا يقولون ما ذكروه من أن الله له وجه يوليه إلى كل مكان وجنب ونحو ذلك. وكذلك من قال إن الله ليس بمركب وسماه جسماً بمعنى أنه قام بنفسه أو لم يسمه جسماً، لا يقول بذلك أيضاً، ومن حكى عنه أنه يثبت له خصائص الأجسام المركبة، فهؤلاء إن أطلقوا ما نفاه فلا حجة للنصارى عليهم، وإن لم يطلقوه فمدار حجتهم أبعد، فقد تبين أنه ليس لهم حجة على أفسد الناس قولاَ في التجسيم فضلاً عن غيرهم.
السادس: أن يقال لهؤلاء النصارى إما أن تعنوا بلفظ الجسم المعنى اللغوي وهو الجسد، وإما أن تعنوا به المعنى الاصطلاحي عند أهل الكلام يمكن مشار إليه مثلاً. فمعالجتهم الأول؛ لم يلزم من نفي ذلك نفي ما ذكرتموه من صفاته، لا سيما وأنكم تقولون إنه جوهر، وقسمتم الجوهر إلى لطيف وكثيف، وإن كان الكثيف هو الجسم واللطيف جوهر ليس بجسم، لم يمتنع على مثل هذا أن يكون له ما يناسبه من صفات الملائكة، فإن الملائكة لا يمتنع بذلك وإن لم تكن أجساماً على هذا الاصطلاح بل هي جواهر روحانية، وكذلك روح الانسان التي تخرج منها لا يمتنع عما يناسبها من ذلك، وإن كانت ليست بجسم على هذا التقدير.
فتبين لنا أن نفي مسمى الجسم اللغوي عن الشيء لا يمتنع اتصافه بما ذكر من الصفات من أنه سبحانه له علم وحياة ووجه وما شابه ذلك. يعني لو حملنا الجسم الآن هو أيش قالوا؟ إن الله غير جسم، يعني هو بولس الأنطاكي مش كان حجته علينا أنكم تقولون إن الله غير جسم ومع ذلك أثبتم له الوجه واليدين والعين وما شابه ذلك؟ نقول: ماذا تقصد بالجسم؟ إذا كنت تقصد بالجسم المعنى اللغوي وهو الجسد، طبعاً يمكن نقول: نعم، إن الله ليس بجسم يعني ليس بجسد، بحيث لا نقولها، ولكن في نفس الوقت نثبت له الصفات، فلا يوجد تنافٍ بين هذا وهذا أصلاً.
قال: فإذا كنت تقصد المعنى اللغوي، نعم، يمكن أن ينفى الجسم بمعنى الجسد، ونقول بعد ذلك: ومع ذلك فإنه موصوف بالصفات كالملائكة، فإننا لا نقول إنها جسم بمعنى أجساد؛ لأنها خلائق نورانية ومع ذلك متصفة بأن لها أجنحة وبأن لها كذا وبأن لها كذا. فتبين أن نفي مسمى الجسم اللغوي اللي هو الجسد عن الشيء لا يمنع اتصافه بالصفات، وإن كنتم تقصدون بالجسم المعنى الكلامي، وهو كل شيء مشار إليه يسمى جسداً، أو كل شيء غاب لم يمتنع عندكم أن يكون أيش؟ جسماً. فإنكم سميتموه جوهراَ وعنيتم القائم بنفسه.
فإن قام الدليل على أن كل قائم بنفسه مشار إليه كان أيضاً مشار إليه، وإن قام دليل على أنه قائم -أنتم تمنعون علينا أن يسمى جسماً على المعنى الثاني إذا كان بمعنى القائم بنفسه- فإذا قام الدليل على أن كل قائم بنفسه يشار إليه، كان أيضاً مشار إليه. وتعالى.
قال: ما فسره بالمشار إليه لم يسمى عنده جسماً، فتبين أنه على أصلكم لا يمتنع أن يسمى جسماً مع تسميتكم له جوهراً، إلا إذا ثبت أن من الموجودات ما هو جوهر قائم بنفسه لا يشار إليه، وهذا لم يقيموا عليه دليلاً، وليس هذا قول أهل ملل من المسلمين واليهود والنصارى، بل هو قول طائفة من الفلاسفة وقليل ممن وافقوهم.
ثم يقال لكم: أنتم قلتم إنه حي ناطق وله حياة ونطق، بل زدتم على ذلك حتى جعلتموه أقانيم ثلاثة، معلوم أن الحياة والنطق لا تعقل إلا صفة قائمة بالموصوف، ولا يعلم موصوف بالحياة والنطق إلا ما هو مشار إليه، إلا ما هو جسم.
قال: فإن جاز لكم أن تثبتوا هذه الأعراض في غير جسم، جاز لغيركم أن يثبت المجيء واليد ونحو ذلك إلى غير جسم، زي ما أنتم إذ تلوموننا أننا نثبت السمع والبصر، فانتم تثبتون أعراضاً هي الحياة والنطق لله.
وإن قلتم: هذا لا يعقل إلا... وإذا قلتم إن العين والرجل هذا لا يعقل إلا لجسم، قيل لكم: وذلك لا يعقل إلا الجسم، فإن رجعتم من الشاهد كان حجة عليكم، وإن جاز لكم أن تثبتوا في الغائب حكماً على خلاف الشاهد، جاز لغيركم، وحينئذ فلا تناقض بين ما نفاه المسلمون وأثبتوه، لو كان ما ذكرتموه عنه من النفي والإثبات حقاً على وجهه. فكيف وقد وقع التحريف في الطرفين؟
الوجه السابع: أن يقال: غاية مقصودكم أن تقولوا إن المسلمين لما أطلقوا ألفاظاً ظاهرها كفر عندهم لمجيء النص بها، هم لا يعتقدون ظاهرها ومدلولها، كذلك نحن أطلقنا هذه الألفاظ التي ظاهرها الكفر وهي الأب والابن وروح القدس لمجيء النص بها ونحن لا نعتقد مدلولها.
يقال لكم أولاً: إن ما أطلقه المسلمون من نصوص الصفات أطلقتموه أنتم كما وردت به في التوراة، فهذا مشترك بينك وبينهم، وما اختصصتم به من التثليث والاتحاد لم يشتركوكم فيه.
ثم يقال ثانياً: إن المسلمين أطلقوا ألفاظ النصوص، وأنتم أطلقتم ألفاظاً لم يرد بها النص. والمسلمون قارنوا تلك الألفاظ بما جاءت به النصوص من نفي التمثيل، وأنتم لم تقرنوا ألفاظكم بما ينفي ما أثبتموه من التثليث والاتحاد. والمسلمون لم يعتقدوا معنى باطلاً، وأنتم اعتقدتم من التثليث والأقاقيم والاتحاد وهو معنى باطل. ولم يسموا صفات الله بأسماء أحدثوا تسمية الصفات بها وحملوا كلام الرسل عليها، وأنتم أحدثتم لصفات الله أسماء سميتموها أنتم بها لم تسمها بها الرسل وحملتم كلام الرسل عليها.
والمسلمون لم يعدلوا عن النصوص الكثيرة المحكمة البينة والواضحة إلى ألفاظ قليلة متشابهة، وأنتم عدلتم عن هذا إلى هذا. والمسلمون لم يضعوا لهم شريعة اعتقاد غير ما جاء به الرسل، وأنتم وضعتم شريعة اعتقاد غير ما جاءت به الرسل. والمسلمون لم يقولوا قولاً لا يعقل، وأنتم قلتم قولاً لا يعقل. والمسلمون لم يتناقضوا فيجعلوا الإله واحداً وتجعلوه اثنين بل ثلاثاً، وأنتم تناقضتم. فهذه الفروق وغيرها مما يبين فساد تشبيهكم أنفسكم للمسلمين.
الوجه الثامن: قولكم: وكذلك نحن النصارى العلة في قولنا إن الله ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس أننا جئنا نطقاً به. فيقال لكم: هذا باطل، لم ينطق لا الإنجيل ولا شيء من النبوات بأن الله ثلاثة أقانيم، ولا خص أحد من الأنبياء الرب بصفات من دون غيرها، ولا قال المسيح ولا غيره إن الله هو الابن والروح القدس، ولا أن له من هو الابن والقدس، ولا قال إن الابن كلمته أو علمه أو كلمته أو حكمته أو نطقه، وأن الروح القدس حياته، ولا يسمى شيء من صفاته ابناً ولا ولداً، ولا قال عن شيء من صفات الرب أنه مولود، لجعل القديم الأزلي مولوداً. ولا قال عن لا قديم ولا مخلوق إنه إله حق من المؤمنين إله حق، ولا قال عن صفات الله إنها آلهة، وإن الكلمة إله والروح إله. ولقد قال إن الله اتحد لا بذاته ولا بصفاته بشيء من البشر. من هذا كله مما ابتدعتموه وخرجتم به عن الشرع والعقل، فخالفتم الكتب المنزلة والعقول الصريحة، وكنتم ممن قيل فيه: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10].
فإنكم أنتم الذين سميتم نطق الله ابنه، وقلتم سميناه ابناً لأنه تولد منه كما يتولد الكلام من العقل، فكان ينبغي أيضاً أن تسموا حياته ابناً؛ لأنها وثيقة منه عنه أيضاً، إذ لا فرق بين علم الرب وحياته، فعلمه لازم له وحياته لازمة له، فلماذا جعلتم هذا من دون هذا؟ وقلتم إنه مولود من الله وأنه قريب الأزل. وأنتم تعترفون بأن أحداً ما أحد من الأنبياء لم يسمى علم الله ولا كلامه ولا حكمته منه.
والذي يعقله الخلق في المولود الذي يولد من غيره -كما يتولد العلم والكلام من نفس الإنسان- أنه حادث فيه أو منفصل عنه، لا يعقل أنه قائم به وأنه قديم أزلي. ثم قلتم في أمانتكم إنه تجسد بالروح القدس أو منه، وابن مريم هو إنما تجسد عندكم من الكلمة التي سميتموها الابنة دون روح القدس. وإذا كانت التجسد من روح القدس فيكون هو روح القدس، شوف بالصغيرة والله.
والذي يعقله الخلق في المولود الذي يولد من غيره -كما يتولد العلم والكلام من نفس الإنسان- أنه حادث... هو مش موجود عندكم، هسه في نسخة لام حاجة منه... أو منفصل عنه، لا يعقل أنه قائم... وأنه قديم أزلي. يعني مش عارف ليش حاسس نسخة لام هي أفضل لأنه حاجة منه. لا يعقل أنه... والذي يعقله الخلق في المولود الذي يولد من غيره وفي نفس الوقت قضية مؤزنة... حادث فيه... أو إنهم انفصلوا. يعني بقول لك لا يعقل أنه قائم به، وفي نفس الوقت قديم أزلي، آه ممكن، نعم.
بس ممكن إما حادث فيه أو منفصل عنه. وعلى كلا الحالين لا يعقل أنه قائم به، وفي نفس الوقت يكون قديماً أزلياً ما دام شيئاً مولوداً؛ إذاً هو شيء حصل بعد أن لم يكن، ممكن نعم، بيكون حادثاً أو منفصل عنا وحدة بنت. صح بقولك يا عادتي!
يعني كما هم يزعمون يكون قائماً وبنفس الوقت منفصلاً. لأ، هو مش خاوي ومنفصل، أن يكون قائماً وفي نفس الوقت قديماً أزلياً؟ لا يعقل أنه قائم وأنه في نفس الوقت قديم، شايف؟ والذي يأكله المخلوق في المولود الذي يولد من غيره أنه حادث، يوجد أحاديث فيه.
آه، إذا قلنا التوارد بمعنى التوريد شيء، كما يتولد العلم والكلام من نفس الإنسان، شوفوا هذا المثال بده يساعده، كما يتولد العلم والكلام من نفس الإنسان، إنه حادث فيه، يعني قائم به في العلم، أو نعم مثل العلم يقوم في الإنسان وإن كان تولد عندك، أو منفصل عنه مثل الكلام.
طبعا لا يعقل حدا، حتى الكلام هو قائم فيك، الكلام يعتبر قائم فيك، الانفصال هذا بعد ما يخرج، لكن هو ككلام قائم في ذات الله سبحانه، لا يعقل أنه قائم به وأنه في نفس الوقت قديم أزلي، يعني أن يقال إنه تولد شيء يقوم في ذاته وهو في نفس الوقت قديم! كيف يكون قديم وأنت تقول إنه تولد؟ ما دام تولد يعني حصل بعد أن لم يكن، لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً.
التركيز على قضية القديم الأزلي أنهم يجعلون ابن الله متولداً وفي نفس الوقت قديماً أزلياً، فيقول: هذا تناقض. طيب، قال: ثم قلت في أمانتكم إنه تجسم من روح القدس أو منهم من مريم؟ هو إنما تجسم عندكم من الكلمة التي سميتموها رداً دون الروح القدس، وإن كانت الجسم الروح القدس فيكون هو روح القدس، لا يكون هو الكائنات التي هرب، ثم تقولون هو كلمة الله وروحه، فيكون حينئذ أقمين، أقم الكلمة وأقم الروح، وإنما هو أقم واحد عندكم، فهذا تناقض وحيرة تجعلونه الابن الذي هو هو الكلمة، هو أقوم الكلمة فقط، وتقولون تجسم من روح القدس ولا تقولون إنه تجسم من الكلمة، وتقولون هو كلمة الله وروحه، والكلمة والروح أقمّان، ولا تقولون إنه أقمّان بل أقم واحد، وتقولون إنه خالق العالم والخالق هو الابن، وتقولون ليس هو الابن، وتقولون لهم حق من الله حق، وتقولون إله واحد ساوى الأمل في الجوهر، وتقولون ليس منه مثل، وليس له شيء من هذا في كلام أحد الأنبياء، فكيف كيف تشبهون؟ تشبهون بمن اتبع نصوص الأنبياء في إثبات الوجه والعين وما شابه ولم يحرفها. نعم.
قال: لغاية ما عندكم ما وجد في إنجيل متى دون سائر الأنجيل، من أن المسيح عليه السلام قال: عمدوا الناس باسم الابن والروح القدس، وأنتم قد عرفتم في كلام المسيح وغيره من الأنبياء أنهم لا يريدون صفة الله ولا كلامه ولا علمه ولا حكمته، ولا يريدون بالابن إلهاً ولا مولوداً من قديم أزلي، بل يريدون به وليه هو ناسوت لا لاهوت، كيعقوب والحواريين، ولا يريدون بروح القدس نفس حياة الله، ولا يريدون بأنه رب الحي، وإنما يريدون بها الملكة، تنزل به الملك للتثبيت.
تعرف روح القدس يكون عندكم وعند المسلمين في الأنبياء وغيرهم، ليس خاصاً بعيسى عليه السلام، كما كان في داود في الحواريين لو قدر. قال: فلو قدر أن رفض ابني وجد في كلام المسيح مستعملاً تارة في كلمة الله، وتارة في وليه الناسوت، وروح القدس مستعملة تارة في حياته وتارة فيما ينزله على قرب أنبيائه، كان جزمكم بأنه أراد بذلك هنا صفات الله جزماً باطلة. فوصف به المسيح بأنه ابن الله، ومن أن الروح القدس فيه قد وصي به غيرهما الأنبياء والصالحين.
قال: فإن كان الابن والروح القدس صفات لله؟ واجب أن يكون غير المسيح لاهوتاً ولا كمسيح، إذ الذي حل في المسيح حل في غيره، سيكون. نعم. قال: ثم جزمكم بأن هذه الصفات أقاليم، وأنه ليس لله صفات ذاتية أو جوهرية أو نحو ذلك إلا هذه الثلاثة، ثم تفرقتم في الثلاثة: هل المراد بالأقاليم الوجود والعلم والحياة، أو الحكمة والكلام، أو النطق بدل لفظ العلم، أو المراد الوجود والعلم والقدرة بدل الحياة، وأمراض الوجود والحياة والقدرة، أو المراد الوجود مع الحياة والعلم والقدرة؟ إلى أقوال أخرى يطول أمرها.
فيا ليت شعري ما الذي أراد المسيح بلفظ الابن والروح القدس من هذه الأمور التي اختلفتم فيها؟ لو كان مراده من دعوتموه من الأقاليم، والاقاليم تفضل معنى لا يوجد في كلام أحد الأنبياء، بل قيل فيها إنها لذة رومية يفسرونها تارة بأصل وتارة من الشخص وتارة بالذات مع صفة خاصة وتارة بصفة. فهنا تركتم كلام المسيح على حاله وأن تحلفوه هذه التحريفات!
ولقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال: لو سألت نصرانياً وابنه وابن ابنه عما يعتقدونه، لأخبرك كل واحد بعقيدة تخالف عقيدة الآخر، إذ كان أصل اعتقاد جهل وضلالة، ليس معهم علم ولا نقل ولا عقل، فهم كما قال الله تعالى: ناس من يوجد في سابقين علم ولا هدى ولا كتاب منير.
ليس معهم مما اعتقَدوه من التخفيف واتحاد علم بوجه من الوجوه، فضلاً عما هو أخص من ذلك هو علم يهتدون به، فليسوا مهتدين، فضلاً عما هو أخص من الهدى وهو كتاب منير، وليس معهم به كتاب منير. ولو تكلمتم بهذا الكلام وقلتم: لا نفهم معناه بأول باطل وله تأويل مقبول، كما حكيتموه عمن تشبهتم به من المسلمين من أنه يقول في الصفات: إذا كان هذا أقرب إلى القياس، فكيف الأمر بالعكس، بعكس ما ذكرتم؟
قال: وذلك يتبين بالوجه التاسع.
خلص نكتة في اليوم، وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيراً وبارك فيكم جميعاً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل