السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم إلى كل خير.
حياكم الله، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة يوم الخميس، وفي مجلس جديد من مجالس التعليق على تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه، وما زلنا نعيش في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، وصلنا في المجلد الثالث إلى صفحة 180، نقرأ مستعينين بالله.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونج المستضعفين من المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: ثم قال: "وإن قالوا اتحد به وهو حمل صورة تامة"، قلنا لهم: فقد كان الإله حملاً قبل الولادة، وإذا جاز أن يُحمل جاز أن يُولد. فيقال: هم لا يقولون بأنهما صارا شخصاً واحداً أقنوماً واحداً، بل يقولون جوهران أقنومان، وحينئذ فلا يقولون حملت بإله ولا ولدت إلهاً، كما لا تقول الملكية: صلب اللاهوت، ومات اللاهوت، مع قولهم بأن اللاهوت والناسوت اتحدا.
قال: فإن قالوا كان الاتحاد في حال الولادة، قلنا: فقد ولدت مريم الكلمة إذاً مع الإنسان، والكلمة عندنا وعندهم إله، فقد ولدت مريم إلهاً. فإن قالوا: نعم، قلنا: فإذا جاز أن يُولد فلم لا يجوز أن يكون حُملاً؟ فإذا أجازوا ذلك تركوا قولهم، وإن لم يجيزوه قلنا: ففرق بين أن يكون مولوداً وبين أن يكون محمولاً.
قال: فإن قالوا ليس الإله مولوداً، ولم يكن الاتحاد قبل الولادة وهو أن يكون محمولاً، ولا في حال كونه ولداً، وإنما كان في حال الولادة، قلنا: فهذا نقض قولكم إن مريم ولدت المسيح، لأن المسيح عندكم ليس هو الإنسان وحده، ومريم عندكم إنما ولدت الإنسان وحده، وإذا كان المسيح ليس هو الإنسان وحده، ومريم عندكم إنما ولدت الإنسان وحده قبل الاتحاد، فإنما ولدت إذاً ما ليس بمسيح، فمريم ولدت ما ليس بمسيح.
قال: وإذا كان إنما كان مسيحاً بالاتحاد، وكان الاتحاد بعد الولادة، فإنما كان مسيحاً بعد الولادة. فإذا كان هذا عندكم فاسداً، وكانت مريم ولدت المسيح، فمريم لم تلد الإنسان وحده، وهذا يوجب أنها قد ولدت الإله مع الإنسان، ويوجب أن الاتحاد كان قبل الولادة. قال: فقد تبين زائف ما تعتقده النسطورية من أن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وصح أن مريم ولدت إلهاً مسيحاً واحداً.
قال: ويقال لهم إذا زعمتم أن المسيح جوهران، جوهر قديم وجوهر محدث، ثم زعمتم أن مريم ولدت المسيح، فقد أقررتم أن مريم ولدت هذين الجوهرين اللذين هما المسيح، وإذا ولدتهما وأحدهما إله فقد ولدت إلهاً قديماً، ولا يجوز أن تلد إلا ما كان محمولاً، فهذا يوجب أنها قد كانت حاملة لذلك الإله. فقد تبين زائف ما تعتقده النسطورية أن مريم لم تحمل إلهاً ولم تلده، وصح ما تعتقده الملكية أن مريم ولدت إلهاً مسيحاً واحداً ابناً واحداً أقنوماً واحداً.
فيقال له: طبعاً هذا الكلام صاحبه هو أحد البطاركة، هذا هو ينقل كلام البطريق ليرد على هذه الفرقة. فالآن كان ابن تيمية بده ينقد كلام هذا الرجل، فيقال له: ليس هذا التناقض من النسطورية بأعظم من تناقض الملكية، فإنهم مع قولهم باتحاد اللاهوت والناسوت وأنهما شخص واحد يقولون أن أحدهما كان يأكل ويشرب ويصوم ويصلي ويتصرف، وأنه أُخذ وصُفِع ووضع شوك على رأسه وصُلب وألم ومات دون الآخر. فإذا كان قول النسطورية متناقضاً فقول الملكية أعظم تناقضاً.
فإذا منعوا أن تحمل المرأة وتلد الناسوت دون اللاهوت لأجل الاتحاد الذي بينهما، وجب أن يمنعوا أن يأكل ويشرب ويصلب ويقتل أحدهما دون الآخر لأجل الاتحاد بالطريق الأولى، وكون الصلب والقتل أعظم منافاة للربوبية من حمل مريم به وولادته إياه، لا يمنع كون كل ذلك ممتنعاً على الله، ومن جوّز عقله أن يكون رب العالمين خرج من فرج مريم وهي بكر، فقد جعل رب العالمين يخرج من ثقب صغير، وهذا أعظم ما يكون من الامتناع. ومن جوّز عليه هذا جوّز عليه أن يخرج من كل ثقب مثل ذلك الثقب وأكبر منه، وجوّز أن يخرج رب العالمين من فم كل حيوان وفرجه، ومن ثقوب الأبواب وغير ذلك من الثقوب.
قالوا: ذاك مكان طاهر، قيل: أفواه الأنبياء والصالحين أطهر من كل فرج في العالم، فيجوز أن يخرج من فم كل نبي وولي لله ومن أذنه ومن أنفه، فإن هذه الخروق أو الثقوب أفضل من فروج النساء. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فهؤلاء النصارى يقولون إن كون الله مولوداً من فرج مريم غير كونه مولوداً في الأزل من الأب، بل هما ولادتان روحانية وجسمانية. هم إذا طُولبوا بتفهم ما يقولونه وقيل لهم هذا لا يتصور أن يكون رب العالمين خرج من ثقب ضيق، لا فرج ولا فم ولا أذن ولا غير ذلك من الثقوب، قالوا: هذا فوق العقل، واعترفوا بأن هذا لا يتصوره عقل. فيقال لهم: هذا الكلام لم يقله نبي من الأنبياء، ولم ينطق نبي من الأنبياء بأن مريم حملت رب العالمين وولدته، بل ولا نطق نبي من الأنبياء بأن الله مولود، ولا شيء من صفاته مولودة، ولا علمه ولا حياته ولا غير ذلك، ولا نطق نبي من الأنبياء لا المسيح ولا غيره بأن الله اتحد بشيء من المخلوقات.
وليس في الإنجيل وغيره مما ينقل عن الأنبياء شيء من ذلك، بل غاية ما فيها كلمات متشابهة، كقوله: "أنا وأبي واحد"، كما قال الله لمحمد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]، وقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. فإذا قال بعض ملاحدة المسلمين من الشيعة أو المتصوفة أو غيرهم أن الله اتحد بمحمد لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، كان هذا من جنس قول النصارى. والآية لم تدل على ذلك، بل مبايعة الرسول مبايعة لله لأن الرسول أمر بما أمر الله به.
فليس في كلام الأنبياء أن الله ولا شيء من صفاته مولود الولادة التي يسمونها ولادة عقلية وروحانية، ولا في كتبهم أن شيئاً من صفات الله يسمى ابناً لله، فضلاً عن أن ينطقوا بأن الله مولود من امرأة ولادة وخرج من فرجها، فيكون مولوداً ولادة جسمانية. ولهذا لما تنازعت النصارى في ذلك لم يكن لمن ادعاه على من نفاه حجة من نصوص الأنبياء، غاية ما عندهم التمسك بألفاظ متشابهة، ومعها ألفاظ صريحة محكمة تبين أن المولود إنما هو بشر.
فإذا قالوا في الألفاظ المتشابهة لا نعلم مراد الرسول بها، كان هذا مما قد يُعذرون به، فإن المتشابه من النصوص لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. فإذا قالوا: لسنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، كانوا شاهدين على أنفسهم بعدم العلم، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة. بخلاف القول الذي تكلموا به هم وزعموا أن معناه يدل عليه كلام الأنبياء أو يدل عليه العقل، فإن عليهم أن يبينوا معناه الذي عنوا به، وعليهم أن يبينوا أنه قد دل على ذلك شرع أو عقل. فإذا قالوا: نفس الكلام الذي قلناه لا نتصور معناه، كانوا معترفين أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، وهذا حرام عليهم. وإن قالوا: إن كلام الأنبياء أدل على ذلك، كان غاية ما عندهم التمسك بالمتشابه، وحينئذ فيطالبون بتفسير المتشابه والجمع بينه وبين المحكم على وجه صحيح معلوم، وإلا فإذا قالوا هذا فوق العقل لا نفهمه، قيل لهم: فدعوا المتشابه، لا تحتجون به، ولا تذكروا له معنى تزعمون أنكم لا تعقلونه.
فمتى ثبت عن الأنبياء قول، وقال قوم: أنا لا نفهمه، فإنهم يصدقون على أنفسهم. وأما إذا فسروا كلام الأنبياء بقول عبروا به عن مراد الأنبياء، وقالوا هذا مرادهم مع تعبيرهم عنه بعبارات أخرى، طُولبوا بأن يبينوا ذلك المعنى، وقيل لهم: إن فهمتم ما قلتموه فبينوا، وإن لم تفهموا فلا تتكلموا بلا علم.
قال سعيد بن البطريق: "إن أئمة الضلالة"؛ عاد إلى قول سعيد بن البطريق الآن، الذي هو أصلاً في مقام سرد حججه وكلامه، قال: قال سعيد بن البطريق: "إن أئمة الضلالة، يعني نسطورس وأريوس وديسقورس وسويرس ويعقوب البرادعي وأشياعهم، الذين أرادوا أن يقيموا الزيف والمحال ولم يرجعوا إلى خشية الله وزاغوا عن سبيل الحق لسوء رأيهم، فقد تورطوا في بحر الضلالة هم جميعاً فيما ارتطموا فيه من ضلالتهم، يضمرون جهلاً منهم باتحاد لاهوت سيدنا المسيح بناسوته، ويتورط كل واحد منهم في وجه من وجوه الخلطة ويتمسك به، فقد رأيت أن أوضح وجه الخلطة وأبين ذلك لتقف على فساد قولهم".
"إن من عظيم تدبير الله وكمال عبده وجليل رحمته أن بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء من جوهره، ليست مخلوقة ولكن مولودة منه قبل كل الدهور، ولم يكن الله بلا كلمته ولا روحه قط، ولا كانت الكلمة بريئة منه قط، ولا من روحه الخالقة ولا من جوهره، فهبطت كلمة الله الخالقة بقوامها القائم الدائم الثابت الذي لم يزل ولا يزال، فالتحمت من مريم العذراء، وهي جارية طاهرة مختارة من نسل داود، اصطفاها الله لهذا التدبير من نساء العالمين، وطهرها بالروح القدس وروحه الجوهرية التي جعلها أهلاً لحلول كلمة الله الجوهرية بها، فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الآب ومؤازرة الروح القدس".
"خلقاً جديداً من غير نطفة آدمية جرت عليها الخطيئة، ومن غير مجامعة بشرية ولا انفكاك عذرة تلك الجارية المقدسة، فهو إنسان تام بجسده ونفسه الدموية وروحه الكلمتية التي هي من صورة الله في الإنسان وشبهه، فكانت مسكناً لله في حلوله واحتجابه بها، للطفها عن جميع ما لُطف من الخلائق كلهم، واعلم أنه لا يرى شيء من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق، ولا يرى ما هو لطيف من اللطيف إلا مع أغلظ منه فيما يظهر لأهل الأبصار من غليظ الخلق، وإنا وجدنا روح الإنسان العاقلة الكلمتية ألطف من لطيف الخلق، فلذلك كانت أولى خلق الله بحجاب الله، فكانت لها حجاباً ولمن هو ألطفها، وكانت النفس الدموية لها حجاباً، والجسد الغليظ حجابه".
"فعلى هذا خالطت كلمة الله الخالقة نفس الإنسان الكاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمتية، وصارت كلمة الله بقوامها قواماً لتثليث الناسوت التي كمل جوهرها بتقويم كلمة الله إياها، لأنها لم تُخلق ولم تكن شيئاً إلا بقول من كلمة الله الذي خلقها وكونها، لا من شيء سبق قبل ذلك في بطن مريم، ولا من سبب كان لها مبتدأ من نطفة ولا من غير ذلك، غير قوام من كلمة الخالق الذي هو أحد تثليث الإلهي، فذلك القوام قيام معدود معروف مع الناس لما ضم إليه وخلقه له، التحم به من جوهر الإنسان، فهو بتوحيد ذلك القيام الواحد قوام لكلمة الله الخالقة، واحد في التثليث بجوهر لاهوته، واحد في الناس بجوهر ناسوته، وليس باثنين ولكن واحد مع الآب والروح، وهو في الناس بجوهر ناسوته، وهو إياه مع الناس جميعاً بجوهرين مختلفين من جوهر اللاهوت الخالق وجوهر الناسوت المخلوق بتوحيد القيام الواحد".
"وقوام الكلمة التي هي الابن المولود من الله قبل الآثار كلها، وهو إياه المولود من مريم العذراء في آخر الزمان من غير مفارقة من الآب ولا من الروح القدس".
قلت: فهذا كلام سعيد بن البطريق الذي قرر به دين النصارى، وفيه من الباطل ما يطول وصفه، ولكن نذكر من ذلك وجوهاً. الوجه الأول: قوله إن من عظيم تدبير الله أن بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء من جوهره، ليست مخلوقة ولكن مولودة منه، فهبطت كلمة الله الخالقة بقوامها القائم الدائم.
فالتحمت من مريم العذراء فيقال: قد جعلت الكلمة خالقة وقلت ولا كانت الكلمة برية منه ولا من روحه الخالقة، وقلت بعدها فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الآب ومؤازرة الروح القدس جميعاً خلقاً جديداً. فيقال لهم: أخالق العالم عندكم خالق واحد وهو إله واحد أم للعالم ثلاثة آلهة خالقون؟ فإن قالوا: إن الخالق واحد وهم ثلاثة خالقون، كما أنهم في كثير من كلامهم يصرحون بثلاثة آلهة وثلاثة خالقين ثم يقولون إله واحد وخالق واحد، فيقال: هذا تناقض ظاهر، فإما هذا وإما هذا. وإذا قلتم الخالق واحد له ثلاث صفات لم ننازعكم في أن الخالق له صفات، لكن لا يختص بثلاثة؛ فإنه صفاته أكثر من ثلاثة سبحان الله.
فإن قالوا بثلاثة آلهة وثلاثة خالقين كما قد كثر منهم في كثير من كلامهم، بان كفرهم وعظم شركهم. ظاهر أنه في شرك، نعم. قال: وبان أن شركهم أعظم من كل شرك في العالم؛ فغاية المجوس الثانوية إثبات اثنين: نور وظلمة، وهؤلاء يثبتون ثلاثة. والمجوس الثانوية يثبتون خالقين: خالق للنور وخالق للظلمة، فإنكم إذا أثبتم ثلاثة كنتم أسوأ منهم.
قال: ثم الأدلة السمعية في التوراة والإنجيل والزبور وسائر كلام الأنبياء مع الأدلة العقلية المثبتة لكون الخالق واحداً كثيرة جداً لا يمكن حصرها هنا. وإن قالوا إن الخالق واحد له صفات، قيل لهم: هذا مناقض لقولكم إنه بعث كلمته الخالقة وقولكم ولا كانت الكلمة برية منه ولا من روحه الخالقة، وقولكم فهبطت الكلمة الخالقة، وقولكم فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الآب ومؤازرة الروح. فهذا يقتضي أن الكلمة خالقة، وأن الروح خالقة، وأنها خلقت بمسرة الآب الخالق ومؤازرة الروح الخالقة، وهذا الخالق هبط والآب لم يهبط. فإذا كان الخالق واحداً له صفات لم يكن هنا إلا خالقاً واحداً.
الوجه الثاني: قولكم بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء، وقد نطقت الكتب بأن الله يخلق الأشياء بكلامه فيقول لها كن فيكون، هكذا في القرآن والتوراة وغيرهما، لكن الخالق هو الله تعالى يخلق بكلامه، ليس الكلام هو الخالق، نعم. قال: ولا يقول أحد قط إن كلام الله خلق السماوات والأرض، والتوراة كلام الله والإنجيل كلام الله، ولا يقول أحد إن شيئاً من ذلك خلق السماوات والأرض، ولا يقول أحد: يا كلام الله اغفر لي وارحمني. فقول هؤلاء إن كلمته هي الخالقة وأنه خلق بها كلام متناقض، فإنها إن كانت هي الخالق لم تكن هي المخلوقة به، فالمخلوق به ليس هو الخالق، ليس هو الخالق، يعني الفرق بين أن تكون وسيلة وبين أن تكون خالقة بذاتها. نعم.
قال الثالث: أن يقال قولكم كلمة الله الخالقة، أهي كلام الله كله أم هي بعض كلام الله، أم هي المعنى القائم بالذات القديم الأزلي الذي يثبته ابن كلاب، أم حروف وأصوات قديمة أزلية كما يقوله بعض الناس، أم هي الذات المتكلمة؟ فإن كانت هي الذات المتكلمة فهي الآب والرب، وتكون هي الموصوفة بالحياة، فلا يكون هناك كلام مولود ولا كلمة أرسلت ولا غير ذلك مما ذكروه، وهذا خلاف قولهم كلهم، فإن الكلمة المتحدة بالمسيح ليست هي الآب عندهم. وإن قالوا: بل هي كلام الله كله، قيل لهم: فيكون المسيح هو التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كلام الله، وهذا لا يقولونه ولم يقله أحد ولا يقوله عاقل. وإن قالوا إنها هي المعنى الواحد القديم الأزلي أو الحروف والأصوات القديمة الأزلية، قيل لهم هذان القولان وإن كانا باطلين فإن قلتم بهما لزمكم أن يكون المسيح هو كلام الله كله، فإن هذين عند من يقول بهما هما جميع كلام الله، والتوراة والإنجيل وسائر كلام الله عبارة عن ذلك المعنى القائم بذات الله أو الحروف والأصوات القديمة القائمة بالذات عند من يقول بهذه. وإن قلتم إن المسيح بعض كلمات الله فحينئذ لله كلمات أخر غير المسيح، فاجعلوا كل كلمة خالقة كما جعلتم الكلمة المتحدة بالمسيح خالقة، إذ كنتم تقولون الكلمة هي الخالقة وهي المخلوق بها، فقولوا عن سائر كلمات الله أنها خالقة مخلوق بها، وحينئذ فيتعدد الخالق بتعدد كلمات الله، نعم.
فليست كلمة واحدة فقط هي الخالقة، لماذا الكلمة التي بها وجد المسيح هي الوحيدة التي اعتبرتموها الخالقة؟ لماذا إذا كل كلمة أوجد الله فيها شيئاً تعتبر خالقة؟ نعم. قال: إذا كانت كلمة الله لا نهاية لها كان للخلق خالقون لا نهاية لهم، وهذا غاية الباطل والكفر. وبالجملة أي شيء فسروا به الكلمة تتبين به فساد قولهم، ولكنهم يتكلمون بما لا يفهمونه ويقولون الكذب والكفر المتناقض، وإنما عندهم تقليد من أضلهم كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
الرابع: أن يقال لهم هذا الكلام إن لم يعلم بالمعقول فليس في المنقول ما يدل عليه، وأنتم لا تدعون أنكم عرفتموه بالعقل بل بما نقل عن الأنبياء، وأنتم قد فسرتم كلمته بعلمه وحكمته، وروح القدس بحياته. فعن أي نبي تنقلون أن علم الله وكلمته وحكمته مولودة منه وأنه يسمى ابناً، وأن علمه أو حكمته خلق كل شيء، وأن حياته خلقت كل شيء، وأن علمه خالق وإله ورب، وحياته خالقة وإله ورب؟ وليس في الأنبياء من سمى شيئاً من صفات الرب ولداً له ولا ابناً، ولا ذكر أن الله ولد شيئاً من صفاته. فدعواكم أن صفته القديمة الأزلية ولدت مرتين مرة ولادة قديمة أزلية وولادة حادثة من فرج مريم، كذب معلوم على الأنبياء، لم يقل أحد منهم إن الله ولد، ولا أن شيئاً من صفاته ولد، ولا ولادة روحانية ولا ولادة جسمانية. وهذا وإن أبطل قول الملكية فهو لقول اليعقوبية أشد إبطالاً، وهو مبطل أيضاً لقول النسطورية، فإنهم يقولون بالأمانة التي فيها إنه مولود قديم أزلي، فإن طوائفهم الثلاث متفقون على الأمانة التي ابتدعوها في زمن قسطنطين بعد أكثر من ثلاثمئة سنة من المسيح.
الخامس: قولكم بعث كلمته الخالقة فهبطت كلمة الله الخالقة التي بها خلق كل شيء ليست مخلوقة ولكن مولودة منه، هم فرقوا بين أن كلمة مخلوق ومولود، الكلمة عندهم مولودة من الله بس مش مخلوقة منه، هم يفرقون بين كلمة مولود ومخلوق فيجعلون كلمة الله مولودة من الله ولكنها ليست مخلوقة منه، طيب. قال: ولم يكن الله بلا كلمته ولا روحه قط. ومن قال من الأنبياء إنه لم يكن بلا روحه قط، أو أن روحه صفة له قديمة أو أنها حياته؟ وكلام الأنبياء كله ينطق بأن روح الله وروح القدس ونحو ذلك هو مما أنزله على الأنبياء كالوحي والتأييد أو الملائكة، فليست روح الله صفة قائمة به نقول إنه لم يكن بلا روحه قط، نعم. قال: ولا حياته ولا غيرها ولكنها أمر بائن عنه.
السادس: أنه إذا كان قد بعث كلمته الخالقة وهبطت والتحمت من مريم، فهو نفسه رب العالمين هبط والتحم من مريم، أم رب العالمين نفسه لم يهبط ولم يلتحم من مريم وإنما هبط والتحم الكلمة التي أرسلها؟ وإن قلتم هو نفسه هبط والتحم كان الآب الوالد للكلمة هو الذي هبط والتحم وكان الآب هو الكلمة، فهذا تناقض، دخلت الأمور ببعضها بتصير، نعم. قال: قلتم إن المبعوث الهابط الملتحم ليس هو الآب بل هو كلمته، طيب. قال: بل هو كلمة الرب، فقد جعلتموه الخالق، فيكون هناك خالقان: خالق أرسل فهبط والتحم، وخالق أرسل ذلك ولم يهبط ولم يلتحم، فقد أثبتم خالقاً ثالثاً وهو الروح، وهذا تصريح بثلاثة آلهة خالقين.
السابع: أنه قال إن الله بعث كلمته الخالقة التي بها خلق كل شيء، فمع كونه جعلها خالقة جعل أنها خلق كل شيء، والذي خلق بها كل شيء هو الخالق، فجعلها خالقة وجعل خالقاً آخر، وجعل أحد الخالقين قد خلق بالآخر كل شيء، وجعل هذا الخالق قد بعث ذاك الخالق الذي به خلق كل شيء، وجعل كلمته الخالقة احتجبت بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الآب ومؤازرة الروح القدس خلقاً جديداً. وإذا كانت هي الخالقة بمسرة الآب فالآب لم يخلقه بل سر بذلك، وروح القدس وازرت ذلك، والخالق خلق الخلق، ومعلوم أنه إذا كان للخالق من يوازره على الخلق لم يكن مستقلاً بالخلق بل يكون له فيه شريك. فهذه الكلمة تارة يقولون هي خالقة، وتارة يقولون خلق بها الخالق فخلقت، وتارة يقولون الروح القدس وازرها في الخلق، فهذه ثلاثة أقوال ينقض بعضها بعضاً.
وإذا كان الله هو الخالق لكل شيء فالخالق واحد، فليس هناك خالق آخر ولا شريك له في الخلق. والخالق إذا خلق الأشياء بقوله كن لم يكن كلامه خالقاً، ولو كانت كل كلمة إلهاً خالقاً لكانت الآلهة الخالقون كثيرين لا نهاية لهم. ثم قال: ليست بمخلوقة ولكن مولودة منه قبل كل الدهور. فيقال: من من الأنبياء سمى شيئاً من صفات الله مولوداً قديماً أزلياً؟ وأيضاً فكيف يكون مولوداً قديماً أزلياً؟ وهل يعقل مولود أزلي؟ هذا أصلاً تناقض، كيف يكون شيء مولود وفي الوقت نفسه هو قديم أزلي؟ لا يمكن، مولود معناه حصل له (كون)، يعني حدث بعد أن لم يكن، هذا معنى كلمة مولود، نعم.
شيخنا ممكن يكون هذا أصوله بالتأثر بالمنطق اليوناني وقولهم بعلاقة العلة والمعلول أو التولد. ممكن يعني علاقة العلة بالمعلول على الطريقة اليونانية ممكن، بس هو حتى هذه فيها نظر. طيب. قال: وأيضاً فإذا جاز أن تكون الكلمة التي يفسرونها بالعلم أو الحكمة مولودة منه، فكذلك حياته تكون مولودة منه، وإن كانت حياته منبثقة منه فكلمته منبثقة منه، فجعل إحدى الصفتين الأزليتين مولودة من الأزل غير منبثقة والأخرى ليست مولودة من الأزلي بل منبثقة مع كونه باطن فهو متناقض وتفريق بين المتماثلين، فإنه إن جاز أن يقال للصفة القديمة الأزلية أنها مولودة منه فالحياة مولودة، وإن جاز أن يقال أنها منبثقة فالكلمة منبثقة.
وأيضاً فكون الصفة إلهاً خالقاً وإثبات ثلاثة آلهة خالقين مع قولهم إن الخالق واحد تناقض آخر. وأيضاً فقوله ولم يكن الله بلا كلمته ولا روحه قط، إن أراد بروحه حياته فهذا صحيح، لكن من من الأنبياء سمى حياة الله روحه؟ ومن الذي جعل لله روحاً قديمة أزلية؟ وهل هذا إلا افتراء على الأنبياء؟ وليس لقائل أن يقول إن هذا نزاع لفظي فلا اعتبار به، لأن هذا تفسير لكلام الأنبياء فهم الذين تكلموا بروح الله وروح القدس ونحو ذلك، ولم يرد أحد بذلك حياة الله قط، ولم يقل أحد إن حياة الله روح، وتفسير مراد الأنبياء بذلك افتراء على الله ورسله.
الوجه الثامن: قوله فهبطت كلمة الله الخالقة بقوامها القائم الدائم الثابت الذي لم يزل ولا يزول، فالتحمت مريم العذراء وهي جارية طاهرة مختارة من نسل داود، اصطفاها الله لهذا التدبير من نساء العالمين وطهرها بالروح القدس روحه الجوهرية التي جعلها أهلاً لحلول كلمة الله الجوهرية بها، فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها بمسرة الآب ومؤازرة الروح القدس خلقاً جديداً. فيقال: إن الكتب دلت على أن المسيح تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء البتول، وهكذا هو في الأمانة التي لهم، وبهذا أخبر القرآن حيث أخبر في غير موضع أنه نفخ في مريم من روحه مع إخباره أنه أرسل إليها روحه، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 16-21]. والتي بعدها ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91]، والتي بعدها ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: 12]. فالكتب الإلهية يصدق بعضها بعضاً، نعم.
قال: لكن دعواكم أن روح القدس روح الله الجوهرية أي حياته القديمة الأزلية أمر مخالف لجميع كتب الله، نعم روح القدس هنا ليست روح الله التي يسمونها حياة الله، هذا أمر مخالف لجميع كتب الله، نعم. فلم يفسر أحد روح القدس بأنها صفة لله لا جوهرية ولا غير جوهرية ولا قديمة ولا غير قديمة، فقولكم هذا تبديل لكلام الله وكلام أنبيائه ورسله، كما أنكم في قولكم إن كلمة الله أو علمه أو حياته مولودة منه، وإن صفته القديمة الأزلية هي ابنه، مما حرفتم فيه كلام الأنبياء فلم يرد أحد منهم هذا المعنى بهذا اللفظ قط، ولم يطلق في جميع الكتب التي عندكم لفظ الابن والمولود إلا على محدث مخلوق، لا على شيء قديم أزلي، لا موصوف ولا صفة ولا علم ولا كلام ولا حكمة ولا غير ذلك. وكل ولادة في الكتب الإلهية التي عندكم وغيرها فهي ولادة حادثة زمانية، وكل مولود فمخلوق محدث زمني، ليس في الكتب ولادة قديمة أزلية ولا مولود قديم أزلي كما ادعيتم ذلك في أمانتكم وغيرها. فلو كان ما ذكرتموه ممكناً في المعقول لم يجز أن تجعلوه موجوداً واقعاً وتقولوا الأنبياء أرادوا ذلك إلا أن يكونوا بينوا أن ذلك.
مردهم فإذا كان كلامهم صريحًا في أنهم لم يريدوا ذلك، والمعقول الصريح يناقض ذلك؛ كان ما قلتموه كذبًا على الله وعلى أنبيائه ورسله والمسيح، وكان باطلًا في المعقول، وكنت ممن قيل فيه: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10].
ثم قال: أنتم قلتم إن الكلمة الخالقة هبطت فالتحمت من مريم واحتجبت بإنسان مخلوق خلقته لنفسها، وقلتم إن مريم حملت بالإله الخالق وولدته الذي هو الابن، فإذا جوزتم أن تكون مريم هي أمًا للخالق الذي هو الابن وولدته؛ فلما لا يجوز أن تكون زوجة للخالق الذي هو الأب؟ مع أن الخالق التحم بمريم، وقد قلتم: لم يكن الله بلا كلمته ولا روحه قط، ولا كانت الكلمة بريئة منه قط، ولا من روح الخالقة، ولا من جوهره، فجعلتم الروح خالقة، والله الذي هو الأب خالقًا، والمسيح قد تجسد من الروح الخالقة ومن مريم، فكما أن مريم أمه فالروح الخالقة بمنزلة أبيه. وأيضًا فمريم لها اتصال بالأب وبالروح القدس، وكلاهما أب للمسيح على ما ذكرتموه، فإذا كانت مريم متصلة بكل واحد ممن جعلتموه أبًا للمسيح، وقلتم إن الخالق التحم من مريم؛ فهذا أبلغ ما يكون من جعل الخالق زوج مريم.
ومما فسرتم به اتحاد اللاهوت بناسوت المسيح المخلوق منها، كان تفسير التحام اللاهوت بناسوت مريم، حتى يصير زوج مريم أولى وأحرى، وليس في ذلك نقص ولا عيب إلا وفي كونك ابن مريم ما هو أبلغ منه في نقص العيب، ومعلوم أن أم الإنسان على أعلى قدرًا عنده من زوجته، وأن تسلطه على زوجته أعظم منه على أمه، فإن الرجل مالك للزوجة قوام عليها، والمرأة أسيرة عند زوجها بخلاف أمه. فإذا جعلتم اللاهوت الخالق القديم الأزلي ابنًا للناسوت مريم بحكم الاتحاد مع كونه خالقًا لها بلاهوته وابنًا لها بناسوته، ولم يكن هذا ممتنعًا عندكم ولا قبيحًا؛ فإن تكون مريم صاحبة له زوجة وامرأة بحكم الالتحام بالناسوت أحرى، وإن كان هذا ممتنعًا وقبيحًا فذاك أشد امتناعًا وقبحًا. ولهذا ذهبت الطوائف من النصارى إلى أن مريم امرأة الله وزوجته، وقالوا أبلغ من ذلك، وقالوا أبلغ من ذلك حتى ذكروا شهوته للنكاح.
وقال بعض أكابر عقلاء الملوك ممن كان نصرانيًا: إنهم كانوا إذا انتهوا إلى قولهم إن عيسى ابن الله، لم يفهم من ذلك أن الله أحبل أمه فولدت له المسيح ابنه كما يحبل الرجل وتلد له الولد، فيكون قد انفصل من الله جزء في مريم بعد أن نكحها، وذلك الجزء الذي من الله ومن مريم ولدته مريم كما تلد المرأة الولد الذي منها ومن زوجها. وقد قالت الجن المؤمنون: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: 3] فنزهوه عن هذا. وهؤلاء الجن المؤمنون أكمل عقلاً ودينًا من هؤلاء النصارى. وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 101]. فقوله: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ تقديره من أين يكون له ولد، فإن ﴿أَنَّىٰ﴾ في اللغة بمعنى من أين، وهذا استفهام وإنكار، فبين سبحانه أن يمتنع أن يكون له ولد ولا تكن له صاحبة مع أنه خالق كل شيء، وأن هذا الامتناع مستقر في صريح المعقول.
ثم إذا كانت الكلمة التي هي خالق المخلوق به قد حلت في جوف مريم والتحمت من مريم وخلقت منها إنسانًا هو المسيح وخلقت لنفسها واحتجبت به واتحدت به، فهل كان خلقها لهذا الإنسان قبل الاتحاد والاحتجاب أم حين ذلك؟ فإنه بعد ذلك ظاهر ممتنع محال أنها بعد الاحتجاب به والاتحاد خلقته، بل لا بد أن تكون خلقته قبله أو معه. فإن كان معه لزم كون المخلوق متحدًا بالخالق دائمًا، لم تمر عليه لحظة إلا هو متحد به، فإذا أمكن أن يقارن المخلوق خالقه، وعندهم أنه أقام تسعة أشهر حملًا كعامة الناس، وقد ذكر سعيد بن بطريق هذا. فإذا كان كذلك كان الرب متحدًا بالمضغة والجماد الذي لا روح فيه، وإذا جاز عليه هذا جاز أن يتحد بسائر الجمادات، وهذا على قول الأكثرين الذين يقولون إن الروح إنما نفخت فيه بعد أربعة أشهر.
وهذا يشبه قول جمهور النصارى الذين يقولون إن المسيح مات وصلب وفارقته الروح الناطقة المنفوخة فيه، والإله المتحد به لم يفارقه أبدًا، فإنهم يقولون إنه من حين اتحد بناسوت المسيح لم يفارقه، بل هو الآن متحد به وفي السماء قاعد عن يمين أبيه، وذلك القاعد هو الخالق القديم، والأب هو الإله الخالق القديم الأزلي، هم مع ذلك إله واحد. والمقصود هنا أنهم يقولون باتحاد اللاهوت بجسد لا روح فيه قبل النفخ وبعد الموت إلى أن قام من قبره فعادت الروح إليه، وحينئذ لم يظهر من تلك المضغة شيء من العجائب، قال: هم يستدلون على إلهية المسيح بالعجائب مع أنه كان الإله متحدًا به قبل أن يظهر العجائب، وحينئذ فلا يلزم من عدم ظهور العجائب الجزم بأن الرب لم يتحد به مع مكان الاتحاد، ويلزم أن كل جامد وحي ظهرت منه العجائب أن يكون ذلك دليلًا على أن الرب اتحد به، وحينئذ فعباد العجل أعذر من النصارى، وإن كان من عباد الأصنام من يقول إن الصنم خلق السماوات والأرض فهو أعذر من النصارى، لأن ظهور العجائب من الحيوان الأعجم والجماد أعظم من ظهورها من الإنسان الناطق لا سيما الأنبياء والرسل. فإن الأنبياء والرسل معروفون بظهور العجائب على أيديهم، فإذا ظهرت على يد من يقول إني نبي مرسل كانت دليلًا على نبوته لا على إلهيته.
والمسيح كان يقول إني نبي مرسل كما ذكر ذلك في الإنجيل في غير موضع، فأما الحيوان الأعجم والجماد فلا يجوز أن يكون نبيه، فإن جاز الاتحاد بالمضغة والجسم المقبول الذي لا روح فيه، فاتحاده بالعجل وبصنم أولى، وحينئذ فخوار العجل عجيب منه فاستدل عباد العجل بذلك على أنه إله، خير من استدلال النصارى على إلهية المضغة، وإن قدر ظهور شيء من العجائب التي قد يستدلون بها، وإن كانت تلك لا تدل إلا على نبوته صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
الوجه التاسع: قوله: فاحتجبت الكلمة الخالقة بإنسان مخلوق خلقته لنفسها، وقوله: فكانت مسكنًا لله في حلله واحتجابه للطافتها عن جميع ما لطف من الخلائق كلهم. يقال له أولًا: من أين لك أن روح الإنسان ألطف من جميع المخلوقات، وأنها ألطف من الملائكة والروح الذي قال الله فيه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ: 38] وأنها ألطف من الروح التي نفخ في آدم منه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] بتقديره أن تكون ألطف؟ فأنت لا تقول إن الاحتجاب والاتحاد كان بروح الإنسان مجردة بل بالجسد الناسوتي الدموي الغليظ، وتقول إن الخالق التحم من مريم العذراء، فتجعل الخالق قد التحم من مريم العذراء ومن رحمها الذي هو لحم ودم، وهذه أجساد كثيفة، بل جمهورهم يقول إنه اتحد بجسد لا روح فيه قبل النفخ وبعد الموت وقبل أن يقوم من قبره، فحينئذ فقولك فكانت مسكنًا لله في حلله واحتجابه للطافتها عن جميع ما لطف من الخلائق كلهم، وصف ممنوع والتعليل به باطل، فإنه لو كان مسكنًا للطافته لم يجز أن يسكن إلا في الروح اللطيفة، فلما أثبت اتحادًا بالجسد الكثيف قبل أصلًا أن ينفخ فيه الروح، بطل قولك إنه اتحد بالإنسان للطافته لأنه على طريقتكم هو اتحد بجسد عيسى قبل أن تنفخ فيه الروح قبل أربعة أشهر، إذا هو من البداية اللاهوت لم يتحد بروح عيسى، هو اتحد بجسد قبل أن يكون فيه روح.
الوجه العاشر: قولك واعلم أنه لا يرى شيء من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق، ولا يرى ما هو لطيف من اللطيف إلا مع أغلظ منه، يقال لهم: أما أن يكون الله لما اتحد بالمسيح عندكم قد رآه الناس وعينوه، أو لم يره أحد؟ فإن قلتم قد رآه الناس وعينوه، فهذا مخالف للحس والشرع والعقل. أما الحس؛ فإن أحدًا ممن رأى المسيح لم ير شيئًا يتميز به المسيح عن غيره من البشر، غير العجائب التي ظهرت على غيره منها ما هو أعظم مما ظهر على غيره من الأنبياء، ولم ير إلا بدل المسيح الظاهر، لم ير باطنه لا قلبه ولا كبده ولا طحاله فضلًا عن أن يرى روحه فضلًا عن أن يرى الملائكة الذين يوحون إليه فضلًا عن أن يرى الله، إن قدر أنه كان متحدًا به أو حالًا فيه. فدعوى المدعي أن من رأى المسيح فقد رأى الله عيانًا ببصره في غاية المباهتة والمكابرة والكذب لو قدر أن الله حال فيه أو متحد به، فإنه من المعلوم أن الملائكة تنزل على المسيح وغيره وتتصل بأرواحهم والناس لا يرون الملائكة، بل الجن تدخل في بني آدم والناس لا يرونهم، وإنما يرون جسد المصروع، وكل إنسان معه قرينه من الملائكة وقرينه من الجن هو نفسه لا يرى ذلك ولا يراهم من حوله، وتحضره الملائكة وقت الموت ولا يراهم من حوله وأنه هو يراهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 83-85]، قال المفسرون يعني أن الملائكة حول الميت المحتضر، ولكن أهل الميت الجسم لا يبصرون الملائكة.
فإذا كانت هذه المخلوقات التي اتفق أهل الملل على اقترانها بالإنسان واتصالها بهم، وإن رؤيتها ممكنة، لا يراها الناس، فكيف يقال إن المسيح الذي لم ير الناس منه إلا ما رأوه من أمثالهم من الرسل كإبراهيم وموسى، ولم يكن له قط شيء يتميز به عن جنس الرسل، فكيف يقال إن الذين رأوه رأوا الله عيانًا بأبصارهم؟ وأما الشرع فموسى والمسيح وغيره من الأنبياء أخبروا أن أحدًا لا يرى الله في الدنيا. وأما العقل؛ فإن رؤية بعض ملائكة الله أو بعض الجن يظهر لرائيها من الدلائل والأحوال ما يطول وصفهم، فكيف بمن رأى الله؟ والذين رأوا المسيح لم يكن حالهم إلا كحال سائر من رأى الرسل، منهم الكافر به المكذب له، ومنهم المؤمن به المصدق له، بل هم يذكرون من إهانة ناسوته ما لا يعرف عن نظرائهم من الرسل مثل ضربه والبصاق في وجهه ووضع الشوك على رأسه ووضع صلبه وغير ذلك. وأيضًا فمعلوم أن من رأى الله إما أن يعرف أنه الله أو لا يعرف، فإذا عرف أنه الله كالذين كانوا رأوا المسيح قد علموا أنه الله، ولو علموا ذلك لحصل لهم من الاضطراب ما يقصر عنه الخطاب، وإن كانوا لم يعرفوه؛ فإذا عرف أنه رأى الله، كان الذين رأوا المسيح قد علموا أنه الله ولو علموا ذلك، يعني الواحد لما تتخيل أنك ترى الله شو رح يصير فيك اضطرارًا رح تختلف كل أحوالك، أنا أشار الله أمامي، قال لحصل لهم من الاضطراب ما يقصر عنه الخطاب أشياء لا يمكن وصفها، وإذا كانوا لم يعرفوا أنه الله فهذا في غاية الامتناع؛ حيث صار رب العالمين، يعني أنا شفت الله بس أنا مش عارف أنه الله، فكر واحد طبيعي معناته صار رب العالمين، تعالى الله عما يقول، مثله مثل أي شخص لا يميز بينه وبين غيره من مخلوقاته، بل يكون كواحد منهم ولا يميز بينه وبينهم، هل هذا هو الله؟ ولوازم هذا القول الفاسدة كثيرة جدًا.
وإن قالوا إن الله لم ير لما اتحد بالمسيح وإنما رؤي جسد المسيح الذي احتجب به الله، فقولهم بعد ذلك: واعلم أنه لا يرى شيء من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق، ولا يرى ما هو لطيف من اللطيف إلا مع ما هو أغلظ منه، كلام لا فائدة فيه؛ إذ كان هذا مثلًا ضربوه لله ليبينوا أنه يرى، فإذا سلموا أنه لم ير لم يكن في هذا المثل فائدة، بل كان استدلالًا على شيء يعلمون أنه باطل، نعم، إنه في النهاية أصبح إذا لم ير الله وإنما رؤي الناسوت المخلوق لعيسى فما عاد في هناك فائدة من قوله: واعلموا أنه لا يرى شيء من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق، ونحن اللي شفناه هو الله ولا جسد عيسى؟ إذا قلتم إنه الله فقد رددنا عليه في الصفحة السابقة، وإذا قلتم إن الذي رئي ليس الله هو جسد عيسى، إذا فعليًا ما في فائدة من قولك إنه لا يرى شيء من لطيف الخلق إلا في غليظ الخلق لأننا.
فعلياً لم نرَ إلا غليظ الخلق ولم نرَ لطيف الخلق. قال: وأيضاً فما ذكروه من أن اللطيف لا يرى إلا في الغليظ باطل؛ فإن اللطيف كروح الإنسان لا ترى في الدنيا، وإن علم وجودها وأحس الإنسان بروحه وصفاتها، فرؤيتها بالبصر غير هذا. يبين ذلك الوجه الحادي عشر، قولهم وإنا وجدنا.
أيضاً قال: فما ذكروه من أن اللطيف لا يرى إلا في الغليظ باطل؛ فإن اللطيف مثل روح الإنسان، حتى روح الإنسان مش لطيفة لا ترى في غليظ الخلق، يعني هل لما وجدت في غليظ الخلق أصبحنا نرى الروح؟ لا، بقينا لا نرى روح الإنسان. فالعبارة أن اللطيف لا يرى إلا من خلال الغليظ هذا كلام مش صحيح؛ لأنه هذا اللطيف مثل روح الإنسان لطيفة، ولما دخلت في الغليظ بقيت أيضاً غير مرئية، فهي لم ترَ على كل أحوالها، تجسدت في الغليظ أو لم تتجسد في الغليظ.
قال الوجه الحادي عشر، قولهم: وإن وجدنا روح الإنسان العقيلة الكلمانية -يعنون النفس الناطقة- ألطف من لطيف الخلق، فلذلك كانت أولى خلق الله بحجاب الله، فكانت له حجاباً، وكانت النفس الدموية لها حجاباً، والجسد الغليظ حجاباً. فعلى هذا خالطت كلمة الله الخالقة لنفس الإنسان الكاملة بجسدها ودمها وروحها العقيلة الكلمانية، وصارت كلمة الله قواماً لتأليف الناسوت التي كمل جوهرها بتقويم قيام كلمة الله إياها، لأنها لم تخلق ولم تكن شيئاً إلا بقول من كلمة الله الذي خلقها وقومها لا من شيء سبق قبل ذلك في بطن مريم. وصارت كلمة الله بقوامها قواماً -في تاريخ ابن البطريق يقول: قواماً لذلك أو لتلك الناس مش لتثليث الناسوت- وصارت كلمة الله بقوامها قواماً لتلك الناسوت التي كمل جوهرها بتقويم قوام كلمة الله إياها، لعل هذه أوضح والله أعلم.
لأنها لم تخلق ولم تكن شيئاً إلا بقول من كلمة الله الذي خلقها وقومها. قال: لا من شيء سبق قبل ذلك في بطن مريم، ولا من سبب كان لها من غير ذلك غير قوام الكلمة الخالقة، الذي هو أحد تثليث الإله. يقال لهم: هذا الكلام يقتضي أن الخالق احتجب بالنفس الناطقة، والنفس الناطقة احتجبت بالبدن، وأنتم مصرحون بأن نفس الكلمة التي هي الخالق وهي الله عندكم، التي خلقت لنفسها إنساناً احتجبت به، وقلتم هو إنسان تام. هذا الكلام يقتضي أن الخالق اللي هو كلمة الله احتجب مع النفس الناطقة، والنفس الناطقة احتجبت بالبدن، وأنتم مصرحون بأن نفس الكلمة التي هي الخالق وهي الله عندكم التي خلقت لنفسها إنساناً احتجبت به.
قال: وقلتم هو إنسان تام بجسده ونفسه الدموية وروحه الكلمانية، أي نفسه الناطقة التي هي صورة الله في الإنسان وشبهه، فكانت مسكناً لله في حلله واحتجابه، فصرحتم بأن البدن مع الروح مسكن لله في حلله واحتجابه، وأنه هو الذي خلق ذلك البدن والروح. وقلتم إن هذه الكلمة الخالقة المحتجبة التي قلتم إن الله التحمت من مريم العذراء، فإذا كان الله خالق قد التحم من مريم العذراء فمعلوم أن ذلك قبل نفخ النفس الناطقة التي سميتموها الروح الكلمانية في المسيح. وإذا كان الخالق تعالى قد التحم بجسد لا روح فيه، والتحامه به أبلغ من حله فيه، ثم اتخذ الجسد حجاباً قبل نفخ الروح الكلمانية فيه، فكيف يقال إن ما حل في الروح لا في البدن؟ هو قد التحم ببدني واتخذ منه جزءاً مسكناً له حجاباً قبل أن ينفخ الروح الكلمانية في هذا البدن.
قال: وقلتم أيضاً فعلى هذا خالطت كلمة الله الخالقة لنفس الإنسان الكاملة بجسدها ودمها وروحها العقيلة الكلمانية، هذا تصريح بأن الخالق خالط الإنسان بجسده ودمه وروحه، فكيف تقولون إنه ما احتجبت بالروح اللطيفة مع تصريحكم بأن الخالق اختلط بالجسد والدم؟ وهذا أيضاً يناقض قول من قال إنه اتحد به اتحاداً بريئاً من الاختلاط، فقد صرحتم هنا أنه اختلط به، وسيأتي بعض الظواهر في كلامه يصرحون فيه باختلاط اللاهوت بالناسوت. الوجه الثاني عشر، قولكم غير قوام الكلمة الخالقة الذي هو أحد التثليث الإلهي، فذلك القيام معدود معروف مع الناس لما ضم إليه وخلقه له، التحم به من جوهر الإنسان؛ فهو بتوحيد ذلك القوام الواحد قوام لكلمة الله الخالقة، واحد في التثليث بجوهر لاهوته، واحد من الناس بجوهر ناسوته، وليس باثنين ولكن واحد مع الأب والروح وهو إياه، واحد مع الناس جميعاً بجوهرين مختلفين من جوهر اللاهوت الخالق ومن جوهر الناسوت المخلوق، بتوحيد القيام الكلمة الواحد، قوام الكلمة التي هي الابن المولود من الله منه من قبل كل الدهور هو إياه المولود من مريم العذراء في آخر الزمان من غير مفارقة من أبيه ولا من الروح القدس.
أنت بتحكي والله هذا النص، الناس اللي بيقرؤوا هذا الكلام، هذا دين؟ هذا يعني كيف هم النصارى؟ أنا نفسي أفهم إيش فاهمين إلههم! يعني أنت بمجرد أنك تقرأ هذا الكلام بتحاول توصل لقناعة، يعني هو الرب إيش صفى عندكم؟ شو علاقة الرب الابن بروح القدس؟ طيب هو الابن دخل، الأب دخل، هو نفس الكلام حتى العلماء حاولوا يفكوا كل الشفرة هي ليفهموا، ما هي شوف الفرق بينه وبين القرآن الذي يعطيك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] والتوحيد، وما في هذه التعقيدات، يعني هي العقيدة هذه منفّرة بمجرد أن تقرأها.
قاهرة، يعني بتشعر الإنسان بالتعب والضنك، وبالتالي ينفر منها، في النهاية بيقول لك: أنا إيش بدي علاقة في لا أنا عارف وين الأب ولا الابن ولا وين روح القدس، خلها تمشي الأمور، بخلاف الإسلام الذي يعطيك الحقيقة واضحة، ذكية، نقية لا غبار عليها. مثلاً يحمد الله على نعمة القرآن وعلى نعمة السنة.
قال: فيقال في هذا الكلام بل فيما تقدم ذكرهما يطول تعداده ووصفهما؛ يتناقض الفساد والكلام الباطل، والكلام الذي تكلم به قائله هو لا يتصور ما يقول مع سوء التعبير عنه، كقوله وهو إياه، فيضع الضمير المنفصل موضع المتصل، ويعطف أحدهما على الآخر بلا واو عطف، إلى أمثال ذلك مما يطول ذكره معي. وذلك أن قولهم في نفسه باطل لا حقيقة له، هم لم يتصوروا معنى معقولاً ثم عبروا عنه حتى يقال قصروا في التعبير، بل هم في ضلال وجهل لا يتصورون ولا يعرفون ما يقولون، بل ولا لهم اعتقاد يثبتون عليه في المسيح، بل مهما قالوه من بدعهم كان باطلاً، وكانوا هم معترفين بأنهم لا يفقهون ما يقولون، لهذا يقولون هذا فوق العقل.
يعني هذا سر كما قال أوغسطين، يعني هذه قضية سرية، العقل الطبيعي ما بيستوعبها قضية التثليث.
قال: ويقولون قد اتحد به بشر لا يدرك. فما لا يدرك وما هو فوق العقل لا ليس لأحد أن يعتقده ولا يقوله برأيه، لكن إذا أخبرت الرسل الصادقون بما يعجز عقل الإنسان عنه صدقهم، وإن نقل عنهم ناقل ما يعلم بصريح العقل بطلانه علم أنه يكذب عليهم، أما في اللفظ والمعنى، وإما في أحدهما. وأما إذا كان هو يقول القول الذي يذكره وأنه علم صحته، وأنه فسر به كلام الأنبياء وهو لا يتصور ما يقوله ولا يفقهه، فهذا قائل على الله وعلى رسله ما لا يعلم، وهذا قد ارتكب أعظم المحرمات. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171].
اتفق أهل الملة على أن القول على الله بغير علم حرام، والله سبحانه نهاهم أن يقولوا على الله إلا الحق، فكان هذا نهياً عن أن يقولوا الباطل سواء علموا أنه باطل أو لم يعلموا، فإنهم إن لم يعلموا أنه باطل فلم يعلموا أنه حق أيضاً، إذاً الباطل يمتنع أنه يعلم أنه حق، وإن اعتقد معتقد اعتقاداً فاسداً أنه حق فذلك ليس بعلم، فلا تقولوا على الله ما لا تعلمون، وإن علم أنه باطل فهو أجدر ألا يقولوه. وعامة النصارى ضلال لا يعلمون إن ما يقولونه حق، بل يقولون على الله ما لا يعلمون، والمقصود أن الباطل في كلامهم كثير، كقولهم: فهو توحيد ذلك القيام الواحد كقوام قيام لكلمة الله الخالقة. شيخ شو الكلمة هي؟ شو الجملة هي؟ شو معناها؟
المسيح عندهم اسم للاهوت والناسوت جميعاً، اسم للخالق والمخلوق، أحدهما متحد بالآخر. فهو بتوحيد ذلك القوام، قوام لكلمة الله الخالقة، وسواء أريد بذلك الناسوت واللاهوت، أو الناسوت وحده هو قوام للاهوت. هم يمثلون ذلك بالروح والجسد، والنار والحديد، فيكون كما لو قيل إن الجسد والروح أو الجسد وحده قوام للروح، أو النار والحديد، أو الحديد قوام للنار. فبقول لك العبارة هذه ما هي داخلة ببعضها، يعني كيف تقول النار والحديد قوام للنار، أو ثم قلت لما قلت الثانية الحديد قوام للنار، فيقول عبارتكم السابقة فهو بتوحيد ذلك، يعني الظاهر أنه يقصد بتوحيد ذلك اللاهوت مع الناسوت لما اتحدوا، توحيد ذلك يعني لما اتحد اللاهوت والناسوت قال: فهو بتوحيد ذلك القوام الواحد، أصبح قواماً لكلمة الله الخالقة. طيب كلمة الله شو هي؟ ما هي اللاهوت، فأنت أصبحت كأنك تقول باتحاد اللاهوت والناسوت، اتحاد اللاهوت والناسوت هو قوام للاهوت، فهو بيعتبر أن هذا الكلام شو المراد منه؟ ما هي النتيجة التي سنصل منها إلا أن يكون مرادهم يعني كأنه اللاهوت إنما قام لما اتحد اللاهوت بالناسوت، يعني هذا أفضل ما يمكن أن يفهم به هذا الكلام.
فيقال الخالق الأزلي الذي لم يزل ولا يزال، هل يكون المحدث المخلوق قواماً له؟ فيكون المخلوق المصنوع المحدث المفتقر إلى الله من كل وجه قواماً للخالق الغني عنه من كل وجه، وهل هذا إلا من أظهر الدور الممتنع؟
لأنه أنت الله الأصل هو الذي أوجد جسد عيسى، وصار جسد عيسى هو قوام لله، طب كيف هو الله هو الذي أوجده، كيف يكون جسد عيسى هو قوام لله؟ هذا دور قبلي.
فإنه من المعلوم بصريح العقل واتفاق العقلاء أن مخلوقاً لا قوام له خالق، فإن كان الخالق قوامه بالمخلوق لزم أن يكون كل من الخالق والمخلوق قوامه بالآخر. يعني كل واحد محتاج للآخر، الخالق محتاج للمخلوق والمخلوق محتاج للخالق.
وهذا مع كونه يقتضي أن الخالق يحتاج إلى مخلوقه هو من الكفر الواضح، فإنه يظهر امتناعه بصريح العقل، وهذا لازم للنصارى سواء قالوا بالاتحاد أو بالحلول، فإنهم وإن كانت فرقهم الثلاث يقولون بنوع من الاتحاد، فإنه مع الاتحاد كل من المتحدين لا بد له من الآخر، فهو محتاج إليه، كما يمثلون به في الروح مع البدن، والنار مع الحديد، لأن الروح يحتاج للبدن والبدن يحتاج إلى الروح.
فإن الروح التي في البدن محتاجة إلى البدن، والنار التي في الحديدة محتاجة إلى الحديدة، وكذلك الحلول، فإن كل حال محتاج إلى محل فيه، فإن ذلك المخلوق إن قدر أنه موجود بنفسه قديم أزلي فليس مخلوقاً، ومع هذا فامتنع أن يكون كل من القديمين الأزليين محتاجاً إلى الآخر، سواء قدر أنه فاعل له أو تمام الفاعل له، أو كان مفتقراً إليه بوجه من الوجوه؛ لأنه إذا كان مفتقراً إليه بوجه من الوجوه لم يكن موجوداً إلا به، فإن الموجود لا يكون موجوداً إلا بلوازم ولا يتم وجوده إلا به، فكل ما قدر محتاج إليه لم يكن موجوداً إلا به. فإذا كان كل من القديمين محتاجاً إلى الآخر لزم ألا يكون هذا موجوداً إلا بخلق ذلك ما به تتم حاجة الآخر، وألا يكون الثاني موجوداً إلا بخلق ذلك ما به تتم حاجة الآخر. فإذا كان فرضا في اثنين قديمين، تصور لو تخيلنا -وهذا باطل بس هو اللي حتى تفهم الحجاج العقلي- لو تخيلنا شيئين قديمين أزليين كل واحد منهما محتاج.
يقول لك هذا لا يمكن عقلاً، ليه؟ قل: فإذا كان كل من القديمين محتاجاً إلى الآخر، لزم أن يكون هذا موجوداً -يعني رقم واحد منهم- لن يكون موجوداً إلا بخلق رقم اثنين ما به تتم حاجة رقم واحد.
يعني ما به هذا بدل من ذاك، إلا بخلق رقم اثنين ما به تتم حاجة رقم واحد، وأنى يكون الثاني موجوداً إلا بخلق رقم واحد، ما به تتم حاجة رقم اثنين. ممتاز! وهذا كله يدل على أن فيه مشكلة، لأنه يلزم رقم واحد لن يكون موجوداً إلا إذا خلق رقم اثنين ما به تتم حاجة واحد، ورقم اثنين لن يكون موجوداً إلا إذا خلق رقم واحد ما تتم به حاجة اثنين. إذاً ولا واحد فيهم صار موجوداً! هذا شيء ممتنع عقلاً أن يكون قديمين وكل واحد منهما محتاج للآخر.
والخالق لا يكون خالقاً أصلاً حتى يكون موجوداً، ولا يكون موجوداً إلا بلوازم وجوده أصلاً؛ فيلزم ألا يكون هذا موجوداً حتى يجعله الآخر موجوداً، ولا يكون ذاك موجوداً حتى يجعله الآخر موجوداً، إذ كان جعله لما يتم به وجوده يتوقف وجوده عليه، فلا يكون موجوداً إلا به، فلا فرق بين أن يحتاج أحدهما إلى الآخر في وجوده أصالة، أو أن يحتاج أحدهما للآخر فيما لا يتم الوجود إلا به. صارت هذه هي، وهذا هو الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء، بخلاف الدور المعي الذي يكون في نفس الوقت، وهو العلة مع المعلول على طريقة المناطقة التي حكيتها، فالدور المعي الذي يدل على المعية معاً ما في مشكلة فيه عقلياً، لكن الدور القبلي هذا الذي فيه إشكال عند العقلاء.
قالوا: هو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، لا مع هذا، هذا ما في مشكلة؛ كالأبوة مع البنوه، وكصفات الرب بعضها مع بعض وصفاته مع ذاته، فإنه لا يكون عالماً إلا مع كونه قادراً، ولا يكون عالماً قادراً إلا مع كونه حياً، ولا يكون حياً إلا مع كونه عالماً قادراً، ولا تكون صفاته موجودة إلا بذاته، ولا ذاته موجودة إلا بصفاته، هذا جائز في المخلوقين الذين يفتقران إلى الخالق الذي يحدثهما جميعاً، كالأبوة والبنوة، وجائز في الرب الملازم لصفاته تعالى.
وأما إذا قدر قديمان أزليان ربان فاعلان، امتنع أن يكون أحدهما محتاجاً إلى الآخر، إذ كان وجوده لا يتم إلا بما يحتاج وجوده إليه، ولا يكون فاعلاً لشيء إن لم يتم وجوده، فيمتنع مع نقص كل منهما عن تمام وجوده أن يكون فاعلاً لغيره تمام وجود ذلك الغير، ولهذا لم يقل بهذا أحد من الأمم. ولكن الذي قاله النصارى أنهم جعلوا قوام الخالق تعالى بمخلوق، فيقال لهم: هذا أيضاً ممتنع في صريح العقل، أعظم من امتناع قيام كل من الخالقين بالآخر، وإن كان هذا أيضاً ممتنعاً. فإن المخلوق مفتقر في جميع أموره للخالق، فيمتنع مع فقره في وجوده وتمام وجوده إلى الخالق أن يكون قوام الخالق له؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون مقيماً له، وأن يكون تمام وجوده به، فيكون المخلوق لا وجود لشيء منه إلا بالخالق، فالقدر الذي يقال إنه يقيم به الخالق هو من الخالق، والخالق خالقه وخالق كل مخلوق، فلا وجود له ولا قيام إلا بخالق، فكيف يقوم به قيام الخالق؟
وليس هذا كالجوهر وأعراضه اللازمة، أو كالمادة والصورة عند من يزعم أن الصورة جوهر، إذا كانا متلازمين، فإن هذا من باب الدور المعي كالبنوة مع الأبوة، وهذا جائز كما تقدم، إذ كان الخالق لهما جميعاً هو الله، أما مع كون كل منهما هو الخالق فهذا ممتنع، ومع كون أحدهما خالقاً والآخر مخلوقاً فهو أشد امتناعاً. والرب غني عن كل ما سواه من كل وجه، وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه، وهذا من معنى اسمه الصمد؛ فإن الصمد الذي يصمد إليه كل شيء لافتقاره إليه، وهو غني عن كل شيء، لا يصمد إليه شيء، ولا يسأل شيئاً سبحانه وتعالى، فكيف يكون قوامه بشيء من المخلوقات؟
وهذا الاتحاد الخاص من النصارى يشبه من بعض الوجوه قول أهل الوحدة والاتحاد العام، الذين يقولون كما يقوله ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات المكية: إن أعيان المخلوقات ثابتة في العدم، وجود الحق فاض عليها فهي مفتقرة إليه من حيث الوجود المشترك العام، وهو وجوده هو، وهو وجوده، ومفتقر إليها من حيث الأعيان الثابتة في العدم، وما يختص به كل عين، فيجعل كل واحد من الخالق والمخلوق مفتقراً إلى الآخر.
طبعاً هذا كلام قريب من كلام أفلاطون في قضية المُثل، هو أصلاً من أين ابن عربي فسد دينه إلا من الفلسفة؟ لأنه يعتقد أن هناك الموجودات الآن السماء والأرض وأنا وإياكم في مثل لنا أصلاً موجودة في السماء، وبعدين فاض عليها الوجود الإلهي، فأصبح لها وجود على أرض الواقع. فكلام ابن عربي قريب من هذا؛ يقول: إن أعيان المخلوقات، أنا وأنت وكل شيء مخلوق، هذه الأعيان كانت ثابتة في العدم، يعني كان لها مثل، ووجود الحق فاض على هذه المثل فصارت موجودة على أرض الواقع. كيف يعني؟ تقول: يعني واحد هكذا عامل لك صورة قديمة قبل ما توجد أنت، بعدين جاء وجود الله، لاحظ وجود الحق فاض عليها لأنه هو أصلاً يقول ابن عربي بالاتحاد، فوجود الحق فاض عليها، فهي مفتقرة إليه من حيث الوجود المشترك العام وهو وجوده، فأصبح هذا الكون هو الله، أن هذا الكون بكل مخلوقاته هو أصلاً كان مُثُلاً فاض عليها الوجود الإلهي، فأصبح وجود الكون هو وجود الله، وهو مفتقر إليها من حيث الأعيان الثابتة في العدم حتى يظهر وجوده، وهو ما يختص به كل عين، فيجعل كل واحد من الخالق والمخلوق مفتقراً إلى الآخر. فهذا كلام ابن عربي شبيه بكلام النصارى في افتقار الخالق إلى الكون المخلوق حتى يظهر وجوده، كما أن عند النصارى الخالق مفتقر إلى عيسى حتى يظهر وجوده، فكلهم مشتركون في احتياج الخالق إلى المخلوق والعياذ بالله، والمخلوق مفتقر إلى الخالق.
يقولون: الوجود واحد، ثم يثبتون تعدد الأعيان، ويقولون هي مظاهر ومجال، يعني يتجلى فيها الرب، يقول الرب يتجلى في هذا الكون. فإن كان المظهر والمجلى غير الظاهر، فقد ثبت التعدد، وإن كان هو إياه فلا تعدد، فلهذا يضطرون إلى التناقض كما يضطر إليه النصارى، حيث يثبتون الوحدتين مع الكثرة، وينشدون: فيعبدوني وأعبدوه، يحموني وأحمده.
هؤلاء بنوا قولهم على أصلين فاسدين؛ أحدهما: أن أعيان الممكنات ثابتة في العدم، كقول من يقول من أهل الكلام: إن المعدوم شيء ثابت في العدم، هذا القول فاسد عند جماهير العقلاء، وإنما حقيقة الأمر أن المعدوم يراد إيجاده ويتصور ويخبر به ويكتب قبل وجوده، فله وجود في العلم والقول والخط، وأما في الخارج فلا وجود، والوجود هو الثبوت، فلا ثبوت له في الوجود العيني الخارجي، وإنما ثبوته في العلم أن يعلمه العالم قبل وجوده.
والأصل الثاني: أنهم جعلوا نفس وجود رب العالمين الخالق القديم، من يقول من أهل الكلام إن المعدوم شيء ثابت في العدم هم المعتزلة، هذا قول المعتزلة، والأشاعرة يردون عليه، إذاً هناك أصلان فاسدان بنى عليهما ابن عربي، وحتى النصارى ممكن يكون عندهم شيء من هذه الأصول الفاسدة. أول أصل: أن أعيان الممكنات ثابتة في العدم وهي معدومة، كانت ثابتة على شكل مُثُل على رأي أفلاطون، والبعض يعطيها ثبوت بأشكال مختلفة، كقول من يقول من أهل الكلام إن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذا قول فاسد عند جماهير العقلاء، وإنما حقيقة الأمر أن المعدوم يراد إيجاده ويتصور ويخبر به ويكتب قبل وجوده، فله وجود ذهني؛ الأشياء المعدومة لها وجود ذهني فقط، وجود في العلم في ذهنك، أو في القول -أنا أتكلم أريد أن أعمل سيارة وهي ليست موجودة- أو وجود في الكتابة، سأصنع سيارة، طيب لما سأصنع سيارة ليس معنى السيارة وجدت، لا، هي فقط أنا كتبت أني سأصنع سيارة، فكلمة سيارة لها وجود في الذهن قبل وجودها، السيارة لها وجود في الذهن، لها وجود في الخط، وجود على اللسان، لكن في الواقع ليس لها أي وجود. وأما في الخارج فلا وجود له ما دام معدوماً، والوجود هو الثبوت، فلا ثبوت له في الوجود العيني الخارجي، وإنما مجرد ثبوته في الذهن هو الثبوت العلمي، أن يعلمه العالم قبل وجوده، هذا ممكن. أما أن تثبت وجوداً خارجياً للشيء وهو معدوم، والله هذا العاقل لا يقول به.
تفضل، أنه هذا كثير تكرر في الجواب، صحيح أنه من الأصول التي عند المتكلمين خلط بين الأشياء التي في الذهن وهذا هو الذي أفسد دين الناس، عدم القدرة على الضبط بين التخيلات الذهنية وبين الأشياء في وجودها الحقيقي في الخارج، وهذا كله من مفاسد اليونان، هم أول من سلكوا هذا المسلك في هذا الخلط، وأفلاطون بالتحديد، أفلاطون وسقراط وجماعتهم، هؤلاء هم أول من أدخل هذا، ولذلك لما دخلت أفكارهم للإسلام وبدأت تترجم رأينا الخلط فيها. ولذلك حتى النصرانية متأثرة كثيراً ترى بمعتقد أفلوطين، هي أصلاً، لذلك حتى يقول هذا بولس الرسول، يقول هذا أصلاً كان رجلاً يدرس في المدرسة الأفلاطونية في مصر، هذا بولس الرسول عمل لهم هذه التحريفات، هو أصلاً رجل كان يدرس في المدرسة الأفلاطونية في مصر وتأثر بها، وأراد أن ينقل كثيراً من أفكار المدرسة الأفلاطونية في قضية العقل، العقل كان عندهم تثليث في قضية العقل، العقل والأفلاك وشيء ثالث، هذه الثلاثة أشياء أراد أن ينقلها للدين النصراني، فحرف الدين النصراني بالتثليث من خلال هذه الأفكار الأفلوطينية. فهي، ولذلك لما دخلت نفس أفكار أفلوطين إلى العالم الإسلامي رأينا من علماء الإسلام من تأثر بها وضل بها، فدائماً نظرية المعرفة وضبط الفرق بين ما يتصور ذهنياً وما هو واقع، مع أنها ربما فطرية سهلة، يعني لو تُرك الناس على فطرتهم تجدها سهلة، والصحابة ما دخلوا في كل هذه القصص وكانت أموراً واضحة لديهم، لكن من أحب أن يغبش نفسه، سبحان الله يغبش.
والأصل الثاني: أنهم جعلوا نفس وجود رب العالمين الخالق القديم الأزلي الواجب بنفسه، هو نفس وجود المربوب المصنوع الممكن، كما قال ابن عربي: من عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها، علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه، فالأمر الخالق هو المخلوق، والأمر المخلوق هو الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة هو العيون الكثيرة، إلى أن قال: وما ذبح سوى نفسه، وما نكح سوى نفسه، والعياذ بالله.
وقال من أسمائه الحسنى، ابن عربي يرى أن الكون هو الله والله هو الكون.
من أسمائه الحسنى العلي، على من يكون علياً وما هو إلا هو؟ عن ماذا يكون علياً وما ثم إلا هو؟ فعلُوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو. وقد نُقل عن أبي سعيد الخراز أنه قيل له: لماذا عرفت ربك؟ قال: بجمعه بين الأضداد، يعني فهو علي على نفسه باختصار.
قال: لأنه إذا كان هو نفسه الموجودات، ثم يقول إنه عالٍ عليها، يعني هو عالٍ على نفسه، ولذلك هو حكى الخراز هذا، ما حكى؟ قال: كيف عرفته؟ قال: بجمعه بين الأضداد، أنه عالٍ على نفسه. وكيف يعلو الشيء على نفسه؟ إلا من هذا كله أنت تجمع بين المتناقضات في الإله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أراد بذلك أنه مجتمع في حقه سبحانه ما يتضاد في حق غيره، فإن المخلوق لا يكون أولاً آخراً ظاهراً باطناً، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء».
أنا فهمت أن هو إقرار، مش انتقاد.
فجاء هذا الملحد وفسر قول أبي سعيد بأن المخلوق هو الخالق، فقال:
يعني هو أبو سعيد حكى كلاماً مجملاً، ابن عربي يفهم كلام من؟ الملحد، الملحد مش الخراز، ابن عربي يفهم كلام الخراز أن المقصود بجمعه بين الأضداد أن الله سبحانه وتعالى يكون عالياً على نفسه وباطناً مع في ذاته، فهو فهم كلام أبي سعيد الخراز خطأ وأسقطه على عقيدته. ابن عربي قال: وفسر قول أبي سعيد بجمعه بين الأضداد أن المخلوق هو الخالق. قال أبو سعيد هو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه، فإن الله لا.
يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر.
ماذا فهم من كلام أبي سعيد الخراز؟ قصد بأنه يجمع بين الأضداد أن الله يُحكم عليه سبحانه بالأضداد، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. كيف فسر ذلك ابن عربي؟ قال: فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من بطن عنه سواه، فهو باطن لنفسه وظاهر لنفسه. هو يريد أن يقول إن هذه في الأحكام عليه سبحانه، وهذا كله كفر. الذي يقوله: فهو ظاهر لكنه ظاهر لمن؟ لنفسه، وباطن عمن؟ عن نفسه؛ لأنه هو عين المخلوقات، والمخلوقات عين الله. هكذا يريد أن يفهم كلام أبي سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات، يعني هو سبحانه أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات. هو يريد أن يقول لك هكذا ابن عربي، وهذا كله من الكفر الكبير. يجيء الشخص اليوم ويقول لك: الإمام الأكبر، إمام ومحيي الدين ابن عربي، مثل هذا تبع الأزهر اليوم وعاملين عليها قصة. حتى عقلاء الأشاعرة يعرفون أن ابن عربي كافر، عقلائهم يعرفون أن ابن عربي كافر، وأنه لا إمام ولا شيء، وأنه مسار ضال تائه عن ربه. فسبحان الله، كيف تُعظم اليوم هذه الأسماء على أنه مفكر، وأنه إنسان، وأنه فيلسوف، وإنما هو إنسان حائر تائه ضال ضائع.
ولهذا قال بعض النصارى: من يقول مثل هذا ويحكيه عن شيوخه ويقول إنه مسلم، أنتم كفرتمونا لأجل أن قلنا إن الله هو المسيح، وشيوخكم يقولون إن الله هو أبو سعيد الخراز، والمسيح خير من النبي؟ وهؤلاء يجيبون النصارى بجواب يتبين به أنهم أعظم إلحاداً. نعم، كفر ابن عربي وجماعته أعظم من كفر النصارى. فيقولون للنصارى: أنتم خصصتموه بالمسيح، أنتم جعلتم الله فقط يحل في المسيح، ونحن جعلنا أن الله يحل في كل العالم.
قبل هذا، قال بعضهم لأحذق هؤلاء، التلمساني الملقب بالعفيف التلمساني، وهذا من أكابر أتباع ابن عربي، يقول: إن النصيري قال أصلاً نصير جزء مني. لماذا؟ هو يقول إنه هو، لأنه يعتقد أن الله يحل فيهم، وبالتالي أصلاً النصير هو جزء وليس أكثر من ذلك. قال: لهذا قال بعضهم لأحذق، وقال: فإن النصيرية أتباع أبي شعيب محمد بن نصير يقولون في علي بن أبي طالب نظير ما يقوله النصارى في المسيح، كذلك سائر الغلاة في علي أو في أحد من أهل بيته أو في الإسماعيلية بني عبيد، المنتسبين إلى محمد إسماعيل بن جعفر كالحاكم وغيره، أو في الحلاج، أو في بعض الشيوخ الذين يعتقدونهم، يقولون في واحد من هؤلاء باتحاد اللاهوت به أو حلوله فيه نظير ما تقوله النصارى في المسيح.
وهؤلاء جماعة ابن عربي يقولون بأن الحلول والاتحاد محدث، بأن القديم حل أو اتحد بالمحدث بعد أن لم يكونا متحدين. وهؤلاء يقولون بأن الحلول والاتحاد محدث، وأن القديم حل أو اتحد بالمحدث بعد أن لم يكونا متحدين. وأما أولئك فيقولون بالوحدة المطلقة، فمحقوهم يقولون إنه وجود كل شيء، لا يقولون باتحاد وجودين ولا بحلول أحدهما بالآخر، بل قد يقولون إن الوجود هو الثبوت، وجود الحق وثبوت الأشياء التحد، وكل منهما مفتقر إلى الآخر؛ فالحق إذا ظهر كان عبداً، والعبد إذا بطن كان رباً. يقولون: إذا حصلت لك التجلي الذاتي، وهذا لم تضرك عبادة الأوثان ولا غيرها، بل يصارحون بأنه عين الأوثان والأنداد، وأن أحداً لم يعبد غيره. كما يقول ابن عربي مصوباً لقوم نوح الكفار: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: 22]. قال: الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، فإنه ما عُدم من البداية فيُدعى إلى الغاية، ادعوا إلى الله، فهذا عين المكر، فأجابوا مكراً كما دعاهم مكراً، فقالوا في مكرهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه ويجهله من جهله، كما قال في المحمديين: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]. أي حكم، فما حكم الله بشيء إلا وقع. قال: فالعارف يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عُبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، كالقوة المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبد غير الله في كل معبود.
فأنت لما تعبد الصنم أنت تعبد الله، ولما تعبد الشجر أنت تعبد الله؛ لأن الله في الشجر والصنم. هذا معنى قولهم فما عُبد غير الله في كل معبود، أي شيء تعبده ترد تعبد الله. لذلك هؤلاء ملاحدة بـفكر ابن عربي، يصحح دين كفار قريش، ويصحح دين عباد البقر، ويصحح كل الأديان؛ لأنهم في النهاية عندهم أي شيء تعبده الله حالّ فيه. شوفوا هذه عقيدة ابن عربي، أن الله متحد في كل المخلوقات وفي كل الموجودات، فكل شيء تعبده أنت تعبد الله سبحانه وتعالى، وهذا في قمة الكفر والإلحاد.
طبعاً هنا نبه على قضية، يعني اليوم تكثر أن بعض الأدباء أو بعض الشعراء أو شيئاً قد يستعمل عبارات، يعني مثلاً في هناك أنشودة خرجت حديثاً، منشد شاب يمني أو عماني: «رأيت الله في كل شيء حتى على بسمات الشفاه» أو شيء من ذلك، فرأيت البعض يقول: اتقوا الله، وهذا حلول واتحاد وعلى عقيدة كذا، وهذا كفر. وأحياناً البعض يتهم سيد قطب رحمه الله عليه في «ظلال القرآن» أنه يقول بعقيدة الحلول أو الاتحاد، لأنه يقول عبارات أدبية، مثلاً وقد رأينا الله في العالم من خلال وجوده وسماواته وأرضه، يعني يستعمل عبارات أدبية. الآن بغض النظر، الآن نناقش هل هذا أفضل أنواع التعبير أو لا، بدنا نكون منتبهين أنه بعض إخواننا الله يكرم، خاصة العوام، بيتعامل مع الموضوع بحرفية تامة، وبده يحمل بعض الكلام ما لا يحتمل. الآن في هناك عبارات أدبية قد نقول فعلاً الأفضل الابتعاد عنها حتى لا تُفهم، خاصة في أروقة العامة، بشكل غير صحيح، وأنك تأتي بالعبارات الأوضح حتى تبعد اللبس عن الناس في مقصودك.
لكن الرجل إذا عُرف ديانته، وعُرف أنه لم يخالط هذه الأفكار، ما أتى بعبارة أدبية صاغها فيقول: رأيت الله حتى على بسماته، رأيت الله في وجودي، رأيت الله في الأشجار، هو معروف ماذا يقصد، «رأيت الله» دائماً هنا في دلالة اقتضاء موجودة، يعني رأيت قدرة الله في هذا، رأيت قدرة الله، لكنهم يحذفون كلمة القدرة ويقولون: رأيت الله سبحانه في صنعه، رأيت الله في إبداعه، هو لا يقصد أنه رأى الله، ولا يقصد أن الله حل في هذه الأشياء، وإنما يقصد أنه رأى صنعه وقدرته وفطرته للأشياء. فلما تأتي هذه العبارات في بعض القصائد وبعض الأشعار، أو بعض كلام سيد أو بعض كلام الأدباء، دائماً لا يجوز أن تقول هذا رجل يقول بالحلول وبالاتحاد، وهذه عقيدة ابن عربي، ويجعلون الرجل كافراً زنديقاً، هذا كلام غير صحيح، اتقوا الله سبحانه وتعالى، هذا من التلبيس على الناس وتشويه هؤلاء الأفاضل، ربما لعبارة كان الأفضل أن تُستعمل ما هو أغير منها ليس أكثر من ذلك.
فلذلك أكثر ما يُتهم اليوم الناس، يعني بعض القصائد وبعض الأشعار، هي ليست في ذلك من شيء؛ لأنك تعرف طبيعة هذا الرجل وطبيعة معتقده، وأنه يستعمل عبارات أدبية ليست تبعد عن ذلك أصلاً، للذي ليس عنده تحامل على الشخص، وما عنده أصلاً نظرة سابقة إليه بده يسقطه، هو يعرف ماذا يريد، يعرف ماذا يريد، لكن اللي عنده تحاملات مسبقة لا، كلما قرأ كلمة ظاهرها أن الله رأيته في سماواته، اه شوف حلول، لا شوف اتحاد، شوف، اتقوا الله، هذه القصيدة ترى ما هي حلول ولا اتحاد ولا شيء، وإنما عبارات أدبية، الأولى الوضوح نعم، حتى لا يلتبس على الناس، خاصة أنه هذه العبارات اللي في الأناشيد والقصائد عادة يسمعهم العامة، يعني مش طلاب العلم أو المتخصصين، فلما تكون عبارات تسمعها العامة، لا تأتِ بعبارات موهمة، لكن لا يُكفر الإنسان ويدخل في معتقده ويتهم بأنه من أهل الاتحاد أو الحلول لمجرد استعماله عبارات أدبية، فهذا فقط أردت أن أنبه عليه لكثرة ما يقع الخلط في هذا.
ابن عربي حمل الآية على القضاء الكوني لا الشرعي صح؟ نعم، في هذه الآية قضاء كوني لا شرعي، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، كأنه حكم، يعني كأنه يقول حكم ربك أنك لن تعبد شيئاً إلا عبدته هو، فهمت ماذا يحكي؟ قضى ربك أن أي شيء تعبده فأنت لن تعبد إلا هو، فعبدت الصنم أنت ما عبدت إلا هو، عبدت البشر أنت ما عبدت إلا هو، عبدت الشمس أنت ما عبدت إلا هو، وهذا كله من تحريف القرآن. لذلك ما من صاحب بدعة إلا ويتكئ على نص قرآني، حتى هؤلاء قمة الملاحدة ابن عربي وجماعته يجب أن يستدل لك بآية قرآنية. ولذلك حتى شيخ الإسلام ابن تيمية ما قلت في أكثر من فقرة، كان يقول: وكنا في سن الشباب وفي بداية الطلب عبارات مثل كذا، كنا لما نسمع كلام ابن عربي نُهش، نجلس مع الشباب نقرأه، يُسر به، حتى قال: عرفت مقاصده، هذا يدل أن الكلام المجمل قد ينطلي حتى على الأذكياء. يعني عقلية ابن تيمية وأنت في بداية شبابك كنت تقرأ لابن عربي وكنت ترى أن كلامه يا الله شو بيحكي كلام راقي، لما تسمع كلام سيد اللي هو أنت رأيت الله في كل شيء، كنا نفكر أن الرجل قصده سليم، أنه رأينا الله في الأشياء، كان يظن أن قصده سليم، قال حتى بدأت أقرأ في فلسفته أكثر وأكثر، ففهمت أنه لا، هو لا يقصد معنى أدبياً، ابن عربي لا يقصد فعلاً حقيقة أن الله حل في الأشياء، وأنه منطلق من عقيدة فلسفية، بخلاف الأديب اللي ينطلق فقط من ذوق أدبي ليس أكثر من ذلك.
قال ابن عربي: فالعارف يعرف من عُبد، وفي أي صورة ظهر حتى عُبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوة المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبد غير الله في كل معبود. وصوّب هذا الملحد فرعون في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]. طبعاً لأنه صار هو الرب حلّ في فرعون على طريقة تفكير ابن عربي. قال: ولما كان فرعون في منصب التحكم، صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال: أنا ربكم الأعلى؛ أي وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم. هكذا فاهم ابن عربي الآية. قال: ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قال، لم ينكروا أنه أعلى الأرباب وأقروا له بذلك، وقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، صح أنت رب بس أنت رب تقضي هذه الحياة الدنيا، فاقضِ ما أنت قاض، فالدولة لك، هكذا معنى فاقضِ هذه الحياة الدنيا.
قال: فصح قول فرعون أنا ربكم الأعلى وإن كان فرعون عين الحق. وصوّب أيضاً أهل العجل في عبادتهم العجل، وزعم أن موسى رضي بذلك، فقال: ولما كان موسى أعلم بالأمر من هارون لعلمه بأن الله قضى ألا نعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، كان عتبه على هارون لإنكاره وعدم اتساعه. آه، أنت ليش أنكرت على اليهود عبادتهم العجل يا هارون؟ شو أنت ليش أنكرت؟ اليهود عبدوا العجل، يعني أنت ليش تضيق الأفق يا هارون؟ قال: لازم أنت تتسع؛ لأن عبادتهم للعجل ما هو الإله حل في العجل. فهمت هذه مشكلة ابن عربي، هذا سبب إنكار، يعني حرام، ليش حرام تأتي تقول عفواً سيد أو يعني هذا رجل واضح، ابن عربي هو ماذا يقول، في أحد سمعته من هؤلاء الذين يتهمون بعض المعاصرين أنه عنده اتحاد، يقول مثل هذا الكلام؟ يعني أحياناً يضيق صدرك لما تسمع، مش كنت شيخاً أحياناً أو رجلاً الأصل قارئ ومتعلم، يأتي على سيد أو غيره يقول لك: الرجل عنده حلول واتحاد ويشبهه بابن عربي، يا أخي يرحم والديك، يكفيك جوراً وظلماً أن تشبه هذا بهذا، يعني هذا الرجل واضح شو يتكلم، هذا كلام ابن عربي: أن موسى أنكر على هارون، أنه ليش أنكرت على بني إسرائيل عبادة العجل وعدم اتساعه. نعم، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، هي باقي مشكلة هارون عليه السلام أنه ما اتسعش أفقُه حتى يستوعب بني إسرائيل، وأنه ما غلطوا لما عبدوا العجل.
شيخ، طب هسا موسى الذي هو الله عرف وحدة الوجود، وبني إسرائيل الذين هم الله عرفوا وحدة الوجود، طب بالنص هو الله ما عرف وحدة الوجود، والوحيد المكان اللي بتفهم فيه وحدة الوجود التي يدعيها ابن عربي. نعم، قال من هؤلاء طائفة لا يقولون بثبوت الأعيان في العدم، بل يقولون ما ثم وجود إلا وجود حق، لكن يفرقون بين المطلق والمعين.
فيقولون هو الوجود المطلق الساري في الموجودات المعينة، كالحيوانية الثابتة في كل حيوان، والإنسانية الثابتة في كل إنسان. وهذا لا يسمى الكلية الطبيعية، ويسمون هذا الوجود الإحاطة، فيقولون الوجود الكلي، الكلي هو المفهوم المشترك، ويجعلون وجود الله هو الوجود الكلي.
يسمون هذا الوجود الإحاطة، فيقولون الوجود المطلق إما بشرط الإطلاق عن كل قيد، وهذا يسمى الكلية العقلية، وهذا عند عامة العقلاء لا يوجد إلا في الذهن، لا يوجد في الخارج. ولكن يحكى عن شيعة الوجود المطلق إما بشرط الإطلاق عن كل قيد وهذا لا يوجد إلا في الذهن، يعني أقول لك حيوان دون أي قيد، الحيوان بشرط الحيوانية فقط دون أي قيد آخر، هذا وين موجود؟ وجوده فقط في الأذهان، معنى الحيوانية ما في حيوان في الخارج دون أي قيد، في الخارج في حيوان شكله كذا، مواصفاته كذا، في الأردن كذا، أما كحيوان، كحيوان هيك بس حيوان، هذه كلمة لا وجود له بدون أي قيد، يسموه الكلي أو المطلق بشرط الإطلاق، يعني دون أي قيد، هذا لا وجود له إلا في الأذهان.
نعم، إنسان فقط إنسان دون أي صفة، هذا وين وجوده؟ في شيء في الخارج إنسان بدون أي صفة؟ أي صفة، هذا ما في إلا في الأذهان، أما في الخارج في إنسان أبيض، أسود، طويل، قصير، عايش في عمان، عايش في الزرقاء، ما في إنسان بس هيك إنسان بدون أي قيد وبدون أي صفة، فيقول الوجود المطلق إما أن يكون موجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق عن كل قيد، وهذا لا يوجد إلا في ذهن الإنسان، ويسمى الكلي العقلي، وهذا عند عامة العقلاء لا يوجد إلا في الذهن، ما في في الخارج، لأن في الخارج في إنسان بقيود ومواصفات.
ولكن يحكى عن شيعة أفلاطون أنهم أثبتوا هذه الكليات المجردة عن الأعيان في الخارج، اللي هي ايش سميناها المثل، هي اللي حكيت لكم عنها قبل شوي، جماعة أفلاطون يثبتون المثل الأفلاطونية، وأن هناك هذا الكلي الذي نحن سميناه الآن الكلي إنسان دون أي قيد، حيوان دون أي قيد، هذه الأشياء الموجودة في الذهن، جماعة أفلاطون جعلوا لها وجوداً في الخارج، وجعلوا وجودها الخارجي اسمه المثل، أصبحت تلقب بالمثل الأفلاطونية، وهذا غريب. أثبتوا هذه الكليات المجردة عن الأعيان في الخارج، وقالوا إنها قديمة أزلية مع الله، إنسانية مطلقة، حيوانية مطلقة، شمسية مطلقة، كل هذه ويسمونها المثل الأفلاطونية أو المثل المعلقة؛ لأن هي لازم يفيض عليها الوجود الإلهي حتى تتحرك.
وقد رد ذلك عليهم إخوانهم أرسطو وشيعته وجماهير العقلاء، وبينوا أن هذه إنما هي متصورة في الأذهان، لا موجودة في الأعيان، كما يتصور الذهن عدداً مطلقاً ومقاديراً مطلقة، نعم زي رقم مثلاً خمسة، ستة، هي الأعداد كعدد هذا وجوده في الذهن، أما ستة في الخارج وين بنلاقيها؟ يا ست كاسات، يا ست بقرات، يا ست سيارات، أما رقم ستة كرقم، الأعداد دائماً هي وجودها ذهني، أما في الخارج لا تكون إلا في أعيان، كالنقطة والخط والسطح والجسم والجسم التعليمي ونحو ذلك مما يتصوره الذهن، وليس في ذلك شيء من الموجودات الثابتة في الخارج. وهذا المطلق بشرط الإطلاق يظن هؤلاء ثبوته في الخارج، وقد يسمونه الإحاطة، وهو الوجود المجرد عن جميع القيود، نعم بعض الصوفية يعتقد هكذا أن هذا المطلق بشرط الإطلاق يظن هؤلاء ثبوته في الخارج، وقد يسمونه الإحاطة وهو الوجود المجرد عن جميع القيود.
ثم بعده الوجود المطلق لا بشرط، وهو العام المنقسم إلى واجب وممكن، إلى قديم وحادث، ونحو ذلك، انقسام الحيوان إلى ناطق وأعجم، وهذا المطلق لا بشرط الإطلاق من كل القيود يوجد في الخارج، يعني المطلق بشرط الإطلاق الحيوانية الإنسانية هذه قلنا ايش وجودها في الذهن فقط، أما المطلق لا بشرط الإطلاق لا بشرط الإطلاق من كل قيد، يعني العكس، يعني المطلق مع قيوده، هذا له وجود في الخارج، فإن الاسم المفرد يصدق عليه فيقال هذا حيوان، هذا إنسان، فكلمة إنسان هنا هي صح مطلق، بس هل هي الآن أنا أستعملها بإطلاقها ولا بستعملها مقيدة في جسم معين؟ ولما أؤشر وأقول هذا إنسان، فكلمة إنسان هنا أصبح لها وجود في شخص معين أنا بأشر عليه، لأنه هنا ما عادت إنسان أتكلم عنه كفكرة، أنا أتكلم عن إنسان متجسد في أسامة، فهذا أصبح له وجود في الخارج، فيقول فإن الاسم المفرد يصدق عليه، فيقال هذا إنسان، هذا كأس، هذه مسبحة، وهكذا، هنا أتكلم عن شيء مقيد أؤشر عليه وأشير إليه.
وإن كان الاسم العام شاملاً لأنواعه وأشخاصه، لكن لا يوجد في الخارج إلا مقيداً معيناً، فالإنسان لا وجود له في الخارج إلا مقيداً معيناً، هذا إنسان، هذا كذا، أما إنسان بدون ما أقول هذا وأشير إليه، هذا فقط في الذهن. ومن قال إنه يوجد في الخارج كلياً فقد غلط، فإن الكلي لا يكون كلياً قط إلا في الأذهان، في الأعيان ليس في الخارج إلا شيء معين، في الخارج لا يوجد إلا معينات؛ أسامة، إبراهيم، هذه الكأس، هذا الكأس، أما الكليات ككليات دون أعيانها فهذا لا يوجد إلا في الذهن. إذا تصوره منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، هذا المعين هو الذي إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، فتصوري من هو أسامة؟ يمنع وقوع الشركة فيه، أسامة هو الطالب الشريعة اللي في الأردن كذا كذا، فإذاً تصوري لأسامة يمنع وقوع الشركة فيه، هذا هو الفرق، مثلاً الأعلام دائماً الجزئي، والكلي هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، الجزئي الأصل ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلية بين المعينات، فيكون كلية مشتركة في الأذهان، أصلاً في العقل هيك طريقة العقل أنه يشوف شو نحن الخمسة اللي قاعدين، شو الشيء المشترك بينا؟ الإنسانية، العقل قادر على أن يدرك النقطة المشتركة بينا فبحطها نقطة مشتركة الإنسانية وغيرها، برضه في أشياء مشتركة بينا، هي العقل يجردها وبيصير كثير وجوده في الذهن عنده، بس لما بده ينزلها على الخارج هو يعرف أنها لا توجد إلا في معينات.
هؤلاء يجعلون الوجود الواجب، وهذا وقد يجعلونه بعد هذا فيقولون هذا فوق الواجب، وهؤلاء الملاحدة ابن عربي يجعلون الوجود الواجب هذا الذي هو الكلي يجعلونه واجب الوجود، وهو الله، ما هو الكلي المشترك بين كل الموجودات؟ مثلاً أنا وإياكم والسماء والأرض والكتاب، شو الكلي المشترك بينا؟ الوجود، صح؟ هذا الوجود هو الله عنده، بس هذه إحدى طرق الملاحدة الصوفية، أن الوجود وهو نقطة الاشتراك بينا جميعاً، إحنا وإياكم والكاسة والشمس والطيارة والمكيف وكذا، هذه النقطة المشتركة اللي هي الوجود وهو مفهوم كلي، يجعلونه هو الله، تعالى الله عما يقولون. وهؤلاء يجعلون الوجود الواجب هذا، وقد يجعلونه بعد هذا فيقولون هذا فوق الواجب.
وهذا الوجود الكلي إذا قيل إنه لا يوجد في الخارج إلا معيناً فلا موجود في الخارج سوى الموجودات المعينة المشخصات بما فيها من صفات قائمة بها، وإن قدر وجوده في الخارج هو إما جزء من المعينات وإما صفة لها، فعلى الأول لا يكون في الخارج موجود مطلق وهو رب الموجودات المعينة، وعلى الثاني يكون رب الموجودات جزء منها، ومعلوم بصريح العقل أن صفة الشيء القائمة به لا تخلق الموصوف، وأن جزء الشيء لا يخلق الشيء، بل جزء الشيء جزء من الشيء، إذا كان هو الخالق للجملة كان خالقاً لنفسه، وكان بعض الشيء خالقاً لكله، من هؤلاء من يقول إن الرب في العالم كالزبد في اللبن، والدهن في السمسم، ونحو ذلك، فيجعلونه جزءاً من عالم مخلوق، ونفس تصوري هذا يكفي في العلم بفساده، مجرد بس تسمع هذا الكلام تعرف أنه كلام فاسد.
لكن هؤلاء يقولون لمن يتبعهم إن لم تترك العقل والنقل لم يحصل لك التحقيق والتجلي الذي حصل لنا، لذلك كان العفيف التلمساني الذي حكى عنه يقول: أنا لندرك بصحيح الذوق ما يناقض صريح العقل. عبارة بصحيح الذوق تدرك أشياء تناقض صريح العقل، بس بدها يصير ذوقك زي ذوق عفيف التلمساني، عفانا الله من ذوقه، فلذلك هم يقولون لأتباعهم جماعة ابن عربي والعفيف التلمساني وملاحدة الصوفية يقولون لأتباعهم: ترى في أشياء ما راح تفهموها حتى تتركوا الكتاب والسنة والعقل كمان، تتركوا النقل والعقل، حطوها على جنب وسيروا فكروا بروحانية والإشراق الذي يتكلم عنه السهروردي. ويقولون ثبت عندنا بالكشف، هذا هو التلمساني عفوًا، هذه هي عبارة التلمساني، ثبت عندنا بالكشف، اللي هو الذوق الصوفي، ما يناقض صريح العقل.
فقلت لبعضهم إن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أكمل الناس كشفاً، هم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته، لا بما تحكم العقول ببطلانه. فيخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول. الأنبياء يخبرون بمحارات العقول، يعني الأمور التي تحتار فيها العقول، لكن لا يخبرون بمحالات العقول، الأمور التي تحكم العقول السليمة بأنها مستحيلة. فمن دونهم إذا أخبر عن شهود وكشف يعلم بصريح العقل بطلانه علم أن كشفه كشف باطل. وأما إن كان لم يعلم بطلانه فهذا قد يمكن فيه إصابته وقد يمكن خطؤه، أما إذا لم يعلم بطلان كشفه فهذا قد يمكن، هذا الكشف يكون صحيحاً، ممكن يعني ابن تيمية ما عنده مشكلة ترى في الكشف الصحيح الذي يأتي بأمور، أقول لك ممكن ربنا يكشف لشخص كما كشف لعمر: يا سارية الجبل الجبل، هذا نوع من أنواع الكشف، لكنه كشف ثابت صحيح ما أتى بمحارات ولا بمخالف للعقل والنقل، هذا ما عندي مشكلة أن أتقبله في بعض الأولياء المحدثين والملهمين.
وهؤلاء سمعوا باسم الله وقصدوا عبادته ومعرفته، فوقفوا على أثره في مصنوعاته فظنوا أنه هو، كمن سمع بالشمس، فلما أن رأى الشعاع المنبسط في الهواء والأرض ظن أن ذلك هو الشمس، ولم يصعد بصره وبصيرته إلى الشمس التي في السماء، وكذلك هؤلاء سمعوا باسم الله وقصدوا عبادته ومعرفته، فبحثوا عن الدلائل التي تدل على الله، فوقفوا على أثره في مصنوعاته، شافوا الشمس وما فيها من الشعاع، والقمر وما فيه من النور، فظنوا أن المصنوع هو الله، كمن سمع بالشمس فلما رأى أثر الشمس وهو شعاعها، قال هذا الشعاع هو الشمس. شايف واحد سمع أنه في شمس بس ما شافها، شاف ايش؟ أثر الشمس، الشعاع، فظن أن الشعاع هي نفسها الشمس، هذا أثر الشمس، نفس الشيء واحد سمع أنه في إله بس ما شاف الإله، رأى مصنوعاته فظن أن المصنوعات هي نفسها الله، وهذا من كبير الإشكال.
وكذلك هؤلاء لم تصعد بصائر قلوبهم إلى رب العالمين فوق كل شيء بمخلوقاته، وسر ذلك أنهم يشهدون بقلوبهم وجوداً مطلقاً بسيطاً ليس له اسم خاص كالحي والعليم والقدير، ولا له صفة ولا يتميز فيه شيء عن شيء، هذا هو الوجود المشترك. لكن هذا الشهود هو في نفوسهم، إذاً هؤلاء الصوفية الملاحدة هم في قلوبهم خلص متصورين الإله هو مجرد وجود مطلق، مش قلنا عندهم يرون الإله هو ايش؟ الوجود المطلق، ويرونه وجوداً مطلقاً بسيطاً ليس له أي صفة كصفة الحياة والعلم والقدرة، ليس له أي اسم ولا صفة يتميز بها، وهذا هو الوجود المشترك، وقلنا يا جماعة الخير هذا الوجود في الأذهان، ما في شيء في الخارج اسمه الوجود المشترك، وجعلتم الإله عدماً، على طريقتكم جعلتم الإله شيئاً لا وجود له في الخارج، شيئاً ذهنياً.
لكن هذا الشهود هو فقط في نفوسكم؛ لا حقيقة له في الخارج. وكثير ممن يخاطبهم قد لا يتصور ما يشاهدون، هو مش فاهم هم كيف متصورين الإله، فيظنون أنه لم يفهم ما شهدوه.
قال: وقد خطبت غير واحد منهم، وبينت له أن هذا الذي يشهدونه هو في الذهن، مجرد وجود ذهني، هذا الوجود المشترك هو وجود ذهني. قال بتقديره أن يكون موجوداً في الخارج، فهو صفة لموجودات أو جزء منها، ويظنون مع ظنهم أنه موجود. وهذا الوجود الذهني لو بدنا نحكي أنه له تجسد خارجي، فهو تجسده إنما هو أن يكون صفة للموجودات أو جزء منها، يعني على أحسن أحواله. فهل يعقل أن يكون الإله هو مجرد صفة لموجوداته؟ هل يعقل أن يكون الإله الذي هو أنتم بتسموه الوجود المشترك جزءاً من موجوداته؟
ويظنون مع ظنهم أنه موجود في الخارج، أي أنه لم يبقَ في الخارج غير ما شهدوه، فإنهم يغيبون عن الحس الذي يدرك المعينات، ويغيبون عقولهم عن تصورها حتى لا يميزوا بين موجود وموجود، ويقولون الحس فيه تفرقة. ثم يشهدون هذا الوجود المطلق مع عزلهم الحس، فيظنون أن هذا المطلق هو نفس المعينات، وأنه ما بقي موجوداً أصلاً.
يقال لهم: لو قدر أن وجود الكلية ثابت في الخارج كلياً، وأنكم شهدتم ذلك، فمعلوم عند كل عاقل أن وجود الكلي المشترك لا يناقض وجود المعين المختص. فالحيوانية والإنسانية المشتركة المطلقة لا تناقض أعيان الحيوان وأعيان الإنسان، وحينئذ فثبوت أعيان الموجودات حاصل في الخارج، بغض النظر لو فرضنا على حكاية قبل شوي، لو فرضنا أن الكليات موجودة في الخارج هذا لا ينافي وجود جزئيات، هكذا يريد أن يقول لك.
فيقال: لو قدر أن الوجود الكلي هكذا فرضا له وجود في الخارج، وأنكم شهدتم هذا الوجود الكلي هكذا متجسداً في الخارج، شفتوه في شارع من الشوارع وطريق من الطرقات، فمعلوم عند كل عاقل الآن أن الوجود الكلي لا يناقض الوجود الجزئي، خلص في شيء اسمه إنسان هكذا لحاله ماشي في الشارع فرضا، وفي زيد وخالد وأسامة ماشيين برضه؛ فهذا شيء وهذا شيء. فالحيوانية والإنسانية المطلقة لا تناقض مثلاً الإنسان، لا تناقض زيد وأسامة، يعني فالعلاقة تناقض بينهم، الإنسان زيد أسامة، هل في تناقض بين زيد وإنسان؟ فهل في تناقض بين زيد وإنسان؟
طيب، فإذا فرضا فرضا بدنا هكذا نسلم جدلاً لهرتقاتكم أنه إنسان بمعناه الكلي موجود في الخارج هكذا لحاله ماشي، هذا لا ينافي إذاً وجود زيد وأسامة وأفراد آخرين. تمام، إذا رجعنا أنه في تعدد؛ لأنه هم لا يقولون الحس بيعمل تعددية، هم هكذا بيقول لك الحس بيعمل تعددية نحن بدنا نقفل الحس، وفقط نشاهد الوجود. بقول لهم: يعني كيف بدك تقفل الحس وتشاهد؟ الوجود له شيء في الخارج؟ هذه كلمة الوجود المشترك هل لها شيء في الخارج؟ إذا كان له شيء في الخارج ترى هو لا يناقض وجود زيد وأسامة، رح نرجع للتعددية.
فيقول: فالحيوانية والإنسانية المشتركة المطلقة لا تناقض أعيان الحيوان وأعيان الإنسان، وحينئذ فثبوت أعيان الموجودات حاصل في الخارج، حاصل غصباً عنكم يعني. نعم.
قال: وهب أنكم غبتم عن هذا ولم تشهدوه، فالغيبة عن شهود الشيء لا يجب عدمه. بس نحن مش رح نشوفه هذا زيد وأسامة، نحن بس شايفين إنسان بس مش شايفين زيد وأسامة. بقول لك أنت ما بدك تشوفه هذا لا يعني أن زيد وأسامة مش موجودين، يعني أنت بس بدك تشوف في الخارج إنسان بدون أن تشاهد جزئياته، عدم مشاهدتك له بالحس لا يعني أنه ليس موجوداً. نعم.
قال: فإذا لم يدر الشيء أو لم يره أو لم يعلمه أو لم يخطر بقلبه أو فني عن شهوده أو اصطلم أو غاب، لم يلزم من ذلك أن يكون الشيء صار في نفسه معدوماً فاني لا حقيقة له. بل الفرق ثابت بين أن يعدم الشيء في نفسه ويفنى ويتلاشى، وبين أن يعدم شهود الإنسان له وذكره ومعرفته، هي هذه القاعدة؛ عدم علمك بالشيء لا يعني عدم وجوده، هي هي القاعدة. نعم.
قال: هؤلاء من ضلالهم يظنون أنه إذا فني شهود للموجودات كانت فانية في أنفسها. هكذا هم مفكرون إذا نحن ما شفناها معناته هي مش موجودة، عشان بتعرف كيف القواعد العقلية لما تضرب في الإنسان بصير يحكي كلامهم الشاهم، شو بيحكي وهذا ابن عربي وهذا الناس الذين يرفعون الرؤوس بهم ويصورونهم أنهم أساتذة في العالم الإسلامي، وأنه يجب أن يحترموا والإمام الأعظم وما شابه ذلك. طيب.
قال: فلم يبقَ موجوداً إلا ما تخيلوه من الوجود المطلق. نعم، برجع لنفس فكرة مصادر المعرفة، أنه ما ضبطوا العلاقة بين العقل والحس، أنه الوجود بس عقل. عدم ضبط الفهم بهذا الموضوع فعلاً بضيع، بضيع الإنسان، خاصة شوف لو واحد ماشي على فطرته ما أظن بيتأثر، يعني أظن الفطرة السوية التي كان عليها الصحابة والأعراب وكل اللي كانوا، ما كانوا يشاهدون إشكاليات هي. إذا أنت بدك توسوس حالك بتتوسوس، لكن إذا أنت ماشي على فطرتك التي خلق الله عليها وما قرأت لهؤلاء الفلاسفة تريح.
ولذلك دائما نقول: لا ننصح الشباب أنك تقرأ في مثل هذه الكتب، يعني لا يقرأ في كتب الفلاسفة ولا المتكلمين إلا من قوي عوده ويبس؛ لأنه إذا أنت ما قوي عودك في العلوم العقلية ونظرية المعرفة على طريقة سوية، بيلط الأمور عليك بضيعك، وبتصير أنت فعلاً بتفكر أنه بيحكي علم هو موجود وكلي وحادث وكذا، وبيصير يدخلك في عبارات وكذا تظن أنه يتكلم علماً وهو يتكلم بجهليات وليست يعني عقلانيات. نعم.
قال: ويقولون التفرقة والكثرة في الحس بسبب الحس. نعم، فإذا فني شهود القلب عن الحس لم تبقَ تفرقة ولا كثرة. ولذلك كان إذا بتتذكر لما كنا نقرأ في أول كتب ابن تيمية ما قضية الفناء، تمام؟ إيش الفناء الصوفي؟ الفناء بمعناه الفاسد أنك تفنى عن الحس فلا تشاهد إلا الله، تمام؟ مش كان يتكلم أن هذا الفناء الذي لا نرتضيه هو الفناء الصوفي الذي يريد أن لا يشاهد شيئاً فلا يشاهد في الوجود إلا الله، وكان كل الموجودات فنيت ولا وجود لها. لذلك يقول هنا يقول الحس بسبب تفرقة وتعددية، فحتى ننفي التعددية علينا أن نفنى. قال: فإذا فني شهود القلب عن الحس، إذا القلب خلص ألغى الأشياء المحسوسة، لم تبقَ تفرقة ولا كثرة، وإنما شاهد وجوداً واحداً، وجعل هذا الوجود الواحد هو الله. جعل هذا الوجود اللي هو الوجود المشترك بين كل المخلوقات، خلص القلب بده يلغي كل المخلوقات ولا يشاهد إلا الجزء المشترك بينها وهو الوجود، وهذا الوجود الذهني الكلي هو الله، هكذا بده يحكي لك الصوفي. نعم.
قال: والعقل هو الذي يشهد الكليات والمطلقات دون الحس، فإذا أبطلوا ما شهده الحس ولم يبقَ معهم إلا الوجود الكلي المشترك. نعم، قال: ثم يظنون مع ذلك أنه هو الله، أن هذا الوجود الكلي هو الله، فيبقى الرب عندهم وهماً وخيالاً فقط. فعلياً هذا لا حقيقة له في الخارج، لأنه هو هذا اللي بتحكوا عنه، هذا فقط في الأذهان وليس في الخارج. كما قال بعض حذاقهم، وهو نعم.
قال: هو ششتري صاحب وهمك هو يتشخص ما تحته شيء. نعم، قال: وقال ترى الوجود واحداً وأنت ذاك وليس عليك زائد ما ثم سواك. طبعاً إيش يعني وهمك هو يتشخص؟ يعني خيالك، تخيلك هو الذي يتشخص فيه ذات الإله، ما في غير ما تحته شيء، يعني هذا في تصريح منهم أنه ما في شيء غيره، يعني وهمك، توهمك للوجود المطلق هو الذي سيتشخص أنه هو الإله بالنسبة لك، ما في شيء تحته، خلص هو هكذا. نعم.
قال: وقال ترى الوجود واحداً وأنت ذاك وليس عليك زائد ما ثم سواك. أصلاً ما في غيرك. قال: ترى الوجود واحداً وأنت ذاك الوجود وما في سواك. أصلاً في الوجود في أشياء إلا أنت؟ هذا كله كلام خطير. وقلت لبعض حذاقهم: إن هذا الوجود المطلق ثابت في الخارج وأنه عين الموجودات المشهودة، فمن أين لك أن هذا هو رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض وكل شيء؟ فاعترف بذلك وقال: هذا ما فيه حيلة. هذا ما فيه حيلة أني أثبت لك أنه هو رب العالمين، هذا الوجود المطلق، هذه ما لا سبيل إلى ذلك؛ يعني هو بينتبه، يقول له بدي أمشي معكم، أعتبر هذا الوجود المطلق الذهني هو رب العالمين، مش أنتم هكذا بدكم؟ قال هب أن هذا الوجود المطلق ثابت في الخارج فعلاً، في شيء في الخارج موجود اسمه وجود مطلق هكذا بدنا نأشر له، قال وأنه هو عين الموجودات المشهودة، فمن أين لك أنه هذا الوجود المطلق اللي أنت شايفه في الخارج هو رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض وأوجدها؟ قال: هذا ما في حيلة. قال: هذا لا أستطيع أن أقيم عليه دليلاً.
والحس الباطن أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه إلى الغلط من جنس ما يدخل على النائم والممرور والمبرسم، المبرسم هذا اللي ماخذ له برسيم دواء هذا، تمام، وغير ذلك ممن يحكم بمجرد الحس الذي لا عقل معه.
قال: والحس الباطن أو الظاهر هذه المشكلة التي أنت تفضلت فيها هي قاعدة، يلي مش نحن نقول أساس فساد هؤلاء خلطهم بين المعقولات والمحسوسات. ابن تيمية بقول لك الحس الباطن، أي اللي بيسموها الوجدانيات، زي شعورك بالجوع، شعورك بالألم، شعورك بالحزن، اللي هي هذا بيسموه الحس الباطن، أو الحس الظاهر وهو ما يدرك بإحدى الحواس الخمس. هذه الحس الباطن أو الظاهر إذا لم يقترن بالعقل بتدخل عندك الأمور ببعضها.
قالوا: والحس الباطن أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره وإلا دخل فيه من الغلط الضيع من جنس ما دخل علينا؛ كيف النائم أموره ضايعة، بتلاقيه بيشوف أشياء متناقضة في نفس الوقت، أو الذي شارب له مثلاً شراب مخدر أو شيء، بصير يشوف شوف الدنيا ملخبطة، بتكون أنت مثل كذا إذا لم تستعمل مع الحس الباطن أو الظاهر العقل. والبهائم قد تكون أهدى من هؤلاء، فعلاً، ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179] يعني عقول لا يفقهون بها، وهؤلاء يصرحون هؤلاء ملاحدة الصوفية. طبعاً نحن شوي هكذا استطردنا، والذي أخذ ابن تيمية على هذا الاستطراد مع الصوفية هو فكرة النصارى في التجسد اللاهوت في الناسوت؛ لأنها هي أسوأ منها وأقذر منها، فكرة ابن عربي في تجسد الإله في كل الكون. طيب، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: 44].
ويلزمون أنفسهم الغيبة عن العقل والحس الظاهري والشرع هكذا بيقول، فلذلك يقول التلمساني صاحبهم:
فقل لحسك غب وجداً وذب طرماً فيها وقل لزوال العقل لا تزلي
واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة فإن وجدت لساناً قائلاً فقلي
نعم. قال: وهؤلاء البسط الكلام عليهم موضع آخر، والمقصد هنا أن النصارى زعموا أن اللاهوت محتاج إلى ما اتحد به من الناسوت. هؤلاء زعموا أن رب العالمين محتاج إلى كل ما سواهم من العين ثبته عدم؛ فإن كان كل من قال إن رب العالمين اتحد بغيره، فكل من المتحدين مفتقر إلى الآخر مع استحالة، أو من المتحدين مفتقر إلى الآخر مع استحالة كل منهما وتغير حقيقته.
كذلك الحلول المعقول؛ فإن الحلول لا يعقل إلا إذا كان الحال قائماً بالمحل، والقائم بالمحل محتاج إليه، سواء أريد بذلك حلول صفاته والأعراض في المصروفات والجواهر، أو أريد به حلول الأعيان. نعم، فإن كون أحد الجسمين محلاً للآخر كحلول الماء في الظرف هو يوجب افتقاره إليه. وما يحل في قلوب المؤمنين من معرفة الرب والإيمان به هو قائم بقلوبهم محتاج إليه.
وكذلك ما يثبته الفلاسفة من الهيولة والصورة، ويقولون إن الهيولة محل للصورة، يعترفون مع ذلك بأن الصورة محتاجة إلى الهيولة. والقائلون بوحدة الهيولة طبعاً هي إيش؟ يعني كيف أقول لك الحقيقة، الحقيقة الحقيقة أن حقيقتك أنت تحتاج إلى صورة إلى جسد تحل فيه، تمام، يعني حقيقة الهيولة هو تصوري عن الشيء، مثلاً أنا بدي أتخيل سيارة لسه ما عملتها، هذا بس برسمها في ذهني بدها تكون هكذا شكلها وهكذا مثلاً، هذا التصور بيسموه الهيولة، حتى يكون في الخارج يحتاج إلى إيش؟ إلى صورة معينة يحل فيها.
كما قال: والقائلون بوحدة الوجود فقد يجعلون الخالق مع المخلوقات كالصورة مع الهيولة، كما يشير به إليه ابن سبعين، ويقول: هو في الماء ماء وهو في النار نار، وفي كل شيء بصورة، فإنه لما تكون في الماء بتتشكل على صورة الماء، ولما تكون في كذا بتتشكل على صورة كذا. طيب، قال: وفي كل شيء بصورة ذلك الشيء، كما قد بسط الكلام على هؤلاء في مواضع غير هذا الكتاب. وإذا قالوا إن الرب حل في المسيح كما حل في غيره، وهو الحلول الموجود في كلام داوود عندهم، حيث قالوا: أنت تحل في قلوب القديسين، فقد عرف أن هذا حلول الإيمان معرفته هو هداه ونوره. أكيد لما تقول والله الإيمان يحل في قلوب القديسين شو معناته؟ هل مراد أن الإيمان أو داوود عفواً نزل جوا قلوبهم؟ لا، معروف شو معنى الكلام، أن الإيمان به ومحبة داوود هي التي تحل لذلك.
قلت بتكلف في اتهام سيد أو غيره أنه أنت لا تعرف أساليب العرب في كلامها. أنا حتى أقول لزيد: ابتعد عن هذا الكلام فقط حتى لا يفهم؛ إلا في الإنجيل في عبارات قريبة من كلامهم؛ أن داود يحل في قلوب القديسين. شو الله فهم؟ مفهومي لمن يريد أن يفهمها بالشكل الصحيح: محبته ومعرفته تحل في قلوب؛ حتى لما يقال: والله اجعل الله يحل في قلبك؛ لما واحد واعد يقول لك هذا الكلام هل بتقول: والله كفر هذا الواعد لأنه قال اجعل الله يحل في قلبك؟ يا أخي أنت فاهم شو قصدي؛ يعني اجعل محبة الله وغيره وتعرف على الله. هذا هو المفهوم ضمنيًا من إنسان سوي يعرف اللغة العربية.
شيخنا هو لعله كلام داود يقول: أنت يا الله تحل في قلوب القديسين. لسه هذه أعلى وأعلى؛ إذا كان في كلامهم حيث قالوا: أنت، فقد عرف أن هذا حلول الإيمان به. هذا إذا بطابق الكلام اللي أنا بحكيه؛ يعني إذا كان داود قال: أنت يا الله تحل في قلوب القديسين، فقد عرف -شوف ابن تيمية- يعني مفهوم من هذا أن المراد أن هذا معناه حلول الإيمان بالله ومعرفة الله وهدى الله ونور الله. والمثال العلمي صفات كما قد بسط في موضع آخر؛ ولهذا هذا يسمى ظهورًا، والشعاع الحال على الأرض والهواء عرض قائم بذلك، وهو مفتقر إلى الأرض والهواء.
قال: والرسل صلوات الله عليهم أخبروا بأن الله فوق العالم بعبارات متنوعة، تارة يقولون: هو العلي وهو الأعلى، وتارة يقولون: هو في السماء، كقوله: ﴿أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. وليس مرادهم بذلك أن الله في جوف السماوات أو أن الله يحصره شيء من المخلوقات؛ بل كلام الرسل كله يصدق بعضه بعضًا، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3]. وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». فأخبر أنه لا يكون شيء فوقه.
ولهذا قال غير واحد من أئمة السلف إنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو العرش منه، فلا يصير تحت مخلوقاته وفي جوفها قط، بل العلو عليها صفة لازمة له؛ حيث وجد مخلوق فلا يكون الرب إلا عال عليه. وقول الرسل: في السماء، أي في العلو، ليس مرادهم أنه في جوف الأفلاك؛ بل السماء العلو، وهو إذا كان فوق العرش فهو العلي الأعلى، وليس هناك مخلوق حتى يكون الرب في شيء من المخلوقات، ولا هو في جهة موجودة، بل ليس موجودًا إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن مخلوقاته عالٍ عليها؛ فليس هو في مخلوق أصلًا، سواء سمي ذلك مخلوق جهة أو لم يسم جهة.
من قال إنه في جهة موجودة تعلو عليه أو تحيط به ويحتاج إليها بوجه من الوجوه فهذا مخطئ، كما أن من قال: ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، ومحمد لم يعرج به إلى ربه، ولا تصعد الملائكة إليه، ولا تنزل الكتب منه، ولا يقرب منه شيء ولا يدنو إليه شيء؛ فهو أيضًا مخطئ. ومن سمى ما فوق العالم جهة، وجعل العدم المحض جهة، وقال: هو في جهة بهذا المعنى -أي هو نفسه فوق كل شيء- فهذا معنى صحيح، ومن نفى هذا المعنى بقول: ليس في جهة، فقد أخطأ. بل طريق الاعتصام أن ما أثبته الرسل لله أثبت له، وما نفته الرسل عن الله نفي عنه، والألفاظ التي لم تنطق الرسل فيها بنفي ولا إثبات، كلفظ الجهة والحيز ونحو ذلك، لا يطلق نفيًا ولا إثباتًا إلا بعد بيان المراد.
هذه قاعدة معروفة عند ابن تيمية؛ أن الألفاظ المجملة التي لم تنطق بها الرسل لا يجوز إطلاقها مطلقًا أو نفيها مطلقًا، وإنما يستفصل فيها. فمن أراد بما أثبت معنى صحيحًا فقد أصاب في المعنى وإن كان في اللفظ أخطأ؛ يعني أنت ممكن تستعمل ألفاظ مجملة قد تكون اللفظ خطأ لكن تقصد به معنى صحيحًا، فنصوب المعنى ولكن لا نصوب اللفظ، وهذا ينتبه له. ومن أراد بما نفاه معنى صحيحًا فقد أصاب في المعنى وإن كان في لفظه قد يكون أخطأ. وأما من أثبت بلفظه حقًا وباطلًا في نفس الوقت، أو نفى بلفظه حقًا وباطلًا في نفس الوقت؛ فكلاهما مصيب فيما عناه من الحق ومخطئ فيما عناه من الباطل، قد لبس الحق بالباطل ودمج في كلامه حقًا وباطلًا.
قال: الأنبياء كلهم متطابقون على أنه في العلو؛ في القرآن والسنة ما يقارب ألف دليل على ذلك، وفي كلام الأنبياء المتقدمين ما لا يحصى. نرجع لكلام سعيد بن البطريق؛ قال سعيد بن البطريق: ومن ذلك مثل ما أن شعاع الشمس المولود من عين الشمس الذي يملأ ضوءه ما بين السماء والأرض نورًا، وفي بيت من البيوت يكون فيه ضياء بنوره من غير مفارقة لعين الشمس التي تولد منها. ابن البطريق يحاول أن يصور لك كيف علاقة المسيح بالله والآب أو علاقة الابن بالآب؛ يقول لك علاقة الابن بالآب مثل علاقة شعاع الشمس بالشمس.
هل كما أن شعاع الشمس المتولد أو المولود من عين الشمس يملأ ضوءه ما بين السماء والأرض نورًا، ويكون في كل بيت ويحل في كل مكان تمامًا مع أنه لم يفارق عين الشمس التي تولد منها؛ لأنه لم ينقطع من العين ولا من الضوء، فكذلك سكن الله في الناسوت من غير أن يفارق الآب، فهو مع الناسوت وهو مع الآب وروح القدس. مثل الشعاع اللي هو مرتبط بالشمس، وفي نفس الوقت هو يحل في البيوت والأماكن.
فيقال: هذا التمثيل لو قدر أنه صحيح، فإنما يشبه من بعض الوجوه قول من يقول إنه بذاته في كل مكان؛ كشعاع الشمس الذي يظهر في الهواء والأرض. وأما النصارى فإنهم يخصونه بناسوت المسيح بدون سائر الناسوت، أنت خصصته بجسد واحد، الشعاع موجود في كل مكان، إذاً لازم الله في كل مكان، ليش خليتوا الله فقط في ناسوته المسيح؟
قال: ولو قال بهذا من يقول إنه بذاته في كل مكان لكان باطلًا، فكيف النصارى؟ فإن الضوء إنما يكون في الهواء وسطوح الأرض، لا يكون تحت السقوف والغيران وباطن الأرض؛ فما هذا تمثيل باطل من وجوه؛ أحدها أن الشعاع ليس متولدًا من جرم الشمس ولا شعاع النار متولد من جرم النار، بل هو حادث بائن عن جرم الشمس، ولكنها سبب في حصوله، ولهذا يشبه به العلم الحاصل في قلب المتعلم بسبب تعلم العلم من غير أن يكون من ذات علم الله، من ذات علم العالم.
وهذا يشبه علم العالم بالسراج الذي يقتبس كل أحد من نوره وهو لم ينقص، بخلاف تولد المولود عن والده؛ فإنه متولد من عينه. والشعاع القائم بالهواء والأرض ليس هو قائمًا بذات الشمس والنار، بل هو عرض قائم بمحل آخر، والعرض الواحد لا يكون في محلين. والنصارى يقولون إن الصفة الواحدة بعينها لا تكون في محلّين. والنصارى يقولون إن الكلمة التي هي علم الله أو حكمته متولدة منه، وهي قديمة أزلية، وصفته قائمة من موصوف؛ فالصفة مثل ما يقوم بذات الشمس من استدارة الضوء، فذاك صفة لها، وهو غير الشعاع القائم بالهواء فإن ذاك بائن عنها. فكيف يجعل هذا هو هذا؟ فإن قالوا: نحن مقصودنا أن حكمة الله وعلمه ونوره أنزله إلى المسيح وأفاضه على المسيح.
يعني أنتم جعلتم الكلمة هي؛ مش بتفسرون الكلمة بأنها علم الله؟ صح هي عندكم هي مشكلته ما فسروا الكلمة؛ مئة شغله هي علم الله وفي نفس الوقت هي مولودة. قال: الكلمة التي هي علم الله أو حكمة الله وتقول إنها مولودة، هذه صفة، ما دامت هي علم، إذا بتتكلم عن صفة والصفة قائمة بالموصوف وليست منفصلة عنه. فتشبيهكم الكلمة في اتصالها مع الله بالشعاع في اتصاله مع الشمس خطأ؛ لأن الشعاع مخلوق منفصل عن الشمس، والكلمة ما دامت هي كما تقولون علم الله أو حكمته، هذه يستحيل أن تكون منفصلة عن الله لأنها قائمة بالموصوف؛ فالصفة مثل ما يقوم بذات الشمس. مثلًا لو حكيت لي إن كلمة الله علاقتها بالله مثل علاقة استدارة الشمس بالشمس؛ والله منطق شوي كلامك؛ لأن الاستدارة صفة تقوم في الشمس، الضوء صفة تقوم في الشمس، أما تشبيه العلاقة هي بعلاقة الشعاع بالشمس هذا خطأ؛ لأن الشعاع ليس قائمًا في الشمس بل هو قائم في الهواء ووجد بسبب الشمس.
فإن قالوا: نحن مقصودنا أن حكمة الله وعلمه ونوره أنزله إلى المسيح وأفاضه على المسيح كما يفيض الشعاع عن الشمس؛ قيل لهم: فهذا قدر مشترك بين المسيح وسائر الأنبياء؛ لأن علم الله وحكمة الله ما نزل على المسيح فقط، نزل على كل الأنبياء، فلا اختصاص للمسيح بذلك.
الوجه الثاني: قولهم الذي يملأ ضوءه ما بين السماء والأرض نورًا، وفي بيت من البيوت يكون فيه حقًا من غير مفارقة لعين الشمس التي تولد منها. فيقال لهم: الشعاع الذي بين السماء والأرض هو الضوء وهو النور، فقولكم إن شعاع يملأ ضوءه ما بين السماء والأرض نورًا يقتضي شعاعًا وضوءًا؛ ضوء شعاع ونورًا صدر عن ذلك، وهذا غلط، بل ليس هنا إلا جرم الشمس التي في السماء، وشعاعها هو الضوء والنور الذي ما بين السماء والأرض.
الثالث: قولكم من غير مفارقة عين الشمس يقتضي أن هذا الشعاع هو نفس ما قام بالشمس، وهذا مكابرة للحس والعقل؛ من الشعاع الذي قام بالهواء والأرض عرض لم يقم بالشمس قط، وكل شعاع بقعة فليس هو عين الشعاع الذي في البقعة الأخرى، وإن كان هو نظيره ومثله وجنس الشعاع يجمعهما، كما أن شعاع هذا السراج ليس هو شعاع هذا السراج وإن قدر اختلاطهما حتى يقوى الضوء، ولا حركة هذا الهواء هي حركة هذا الهواء، ونظائر ذلك متعددة.
الرابع: قولكم كذلك الله سكن في الناسوت من غير أن يفارقه الآب تمثيل باطل، فإن الشمس نفسها لم تسكن في الهواء والأرض، وإنما سكن شعاعها؛ فوزانه أن يقول: فكذلك سكن نور الله وبرهانه وهداه وروحه، وهذا إذا قلته فهو منقول عن الأنبياء؛ تنطق كتبهم بأن نور الله وروحه وهداه في قلوب المؤمنين، لكن لا اختصاص للمسيح بذلك.
يعني إذا بدنا نمشي مع مثالكم أن الشعاع هو من الشمس الذي سكن في الهواء والأرض هو الشعاع، مش نفس الشمس، وأنتم شو عبارتكم؟ أن الله سكن في الناسوت من غير أن يفارقه الآب؛ جعلتم الله نفسه هو الذي سكن في الناسوت، فإذا قياسكم كلمة الله في علاقتها مع الآب على الشعاع في علاقته مع الشمس لا يتناسب مع هذه العبارة التي قلتموها.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: 35]. قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المؤمن نور الله؛ فنور الله هو الذي يسكن في القلب، هذا ما عندناش مشكلة.
قال في الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75]. الخامس أنكم إذا جعلتم الله ساكنًا في المسيح، فوزانه أن تكون الشمس نفسها ساكنة في موضع صغير من الأرض، وهذا التمثيل يبطل قولكم؛ والله أجل وأكبر وأعظم من كل شيء، والشمس آية من آياته مخلوق من مخلوقاته؛ ومع هذا فلو قال قائل إن الشمس سكنت في جوف امرأة خرجت من فرج تلك المرأة؛ لكان كل عاقل يعلم فساد قوله وينسبه إلى الجهل العظيم أو الجنون، وسواء قال إن الشمس نفسها نزلت أو لم تنزل؛ وأنتم تقولون إن رب العالمين سكن في بطن مريم، ويقول أكثركم كالملكية قوبيت إنه خرج من فرج مريم؛ قائلًا عما هو عما هو من أصغر مخلوقات الله؛ كوكب من الكواكب أو جبل من الجبال أو صخرة عظيمة، أن ذلك كان في بطن امرأة وخرج من فرجها، لضحك الناس من قوله؛ فكيف بمن يدعي مثل ذلك في رب العالمين؟
وإذا قالوا إن الله نزل إلى سماء الدنيا أو نزل إلى الطور، وكلم موسى من العليقة أو في عمود غمامة ونحو ذلك؛ فليس في شيء من ذلك أنه اتحد بمخلوق، ولا لسماء ولا لطور ولا لشجرة، ولا كان كلامه قائمًا بشيء من مخلوق؛ لا شجرة ولا غيرها، وعنده أنه اتحد المسيح فكان صوت.
المسيح القائم به هو صوت رب العالمين بلا واسطة. فصل: قال سعيد بن بطريق: مثل ما أن كلمة الإنسان المولودة من عقله تكتب في القرطاس، فيها في القرطاس كلها حقاً، من غير أن تفارق العقل الذي منه ولدت، ولا يفارقها العقل الذي ولدها؛ لأن العقل بالكلمة يعرف لأنها فيه، والكلمة كلها في العقل الذي ولدها، وكلها في نفسها، وكلها في القرطاس الذي التحمت به. فكذلك كلمة الله كلها في الأب الذي ولدت منه، وكلها في نفسها وفي الروح، وكلها في الناسوت التي حلت فيها والتحمت بها.
يُقال: هذا تمثيل حجة عليكم. الآن أراد أيضاً أن يمثل علاقة كلمة الله بالله في علاقة الكلمة التي ينتجها العقل بالعقل، فيقول: ومثله ما أن كلمة الإنسان المولودة من عقله؛ عقلك أنتج كلمة تكتبها في قرطاس، كتبتها في ورقة، فهي في القرطاس كلها حقاً؛ هي الآن موجودة، صح موجودة في القرطاس، من غير أن تفارق العقل الذي منه ولدت. يعني كأنه العقل ولد كلمة، أنا هذه الكلمة مباشرة كتبتها في قرطاس، هل كتابتها في قرطاس تعني أنها ما عادت موجودة في العقل؟ هيك بده يقول لك هي موجودة في القرطاس، الكلمة في الورقة، لكنها لم تنفصل عن العقل. قال: ولا يفارقها العقل الذي ولدها، لأن العقل بالكلمة يعرف لأنها فيه، تمام؛ لأن يعني كأن هذه الكلمة دلت على وجود العقل لأن العقل بالكلمة يعرف لأنها فيه. والكلمة كلها في العقل الذي ولدها، وكلها موجودة في نفسها، وكلها أيضاً هذه الكلمة أيضاً في القرطاس، فلها وجود في نفسها، ووجودها في داخل العقل، ووجودها في الورقة. فكذلك الكلمة، كلمة الله موجودة في الأب متصلة به، وفي نفس الوقت موجودة في ناسوت عيسى، فلذلك يقول: وكلها في القرطاس الذي التحمت به، كما التحمت كلمة الله اللاهوت بناسوت عيسى. كل هذا الذي يذكره، فكذلك كلمة الله كلها موجودة في الأب، وهي العلم والحكمة التي تولدت منه، وكلها لها وجود في نفسها وفي الروح، وكلها وجدت في حلت في ناسوت عيسى واتحدت به. هذا مثل هذا، فهو حاول يقيس لك قضية هذه بالقضية العقلية.
قال في هذا التمثيل حجة عليكم وعلى فساد قولكم لا حجة لكم، وذلك يظهر بوجوه: أحدها أن يقال: إن كان حلول كلمة الله التي هي المسيح في الناسوت مثل كتابة الكلام في القرطاس، فحينئذ يكون المسيح من جنس سائر كلام الله كالتوراة وزبور داوود والإنجيل والقرآن وغير ذلك؛ فإن هذا كله كلام الله وهو مكتوب في القراطيس باتفاق أهل الملل. بل الخلق كلهم متفقون على أن كلام كل متكلم يكتب في القراطيس؛ قال تعالى في القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77-78]، وقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 2-3].
وذكرت الكلمة الذي هو المسيح وعندكم هكذا؛ فمعلوم أن كلام الله المكتوب في القراطيس ليس هو إلهاً خالقاً، وهو كلام كثير لا ينحصر في كلمة ولا كلمتين، ولو قال قائل: يا كلام الله اغفر لي وارحمني، أي يا توراة أو يا إنجيل أو يا قرآن اغفر لي وارحمني، كان قد تكلم بباطل عند جميع أهل الملل والعقلاء. وأنتم تقولون المسيح إله خالق، وهو يدعى ويعبد، فكيف تشبهونه بكلام الله المكتوب في القراطيس؟
الثاني: أن الكلام المكتوب، يعني تشبيهكم أن كلمة الله في عيسى ككلمة الله التي تكتب في القراطيس، أنا أصلاً بكون ضدكم، هذا التشبيه أنه إذا المسيح هو مجرد جسد حل فيه الكلام، إذا ما عاد خالقاً ولا إلهاً ولا ما شابه ذلك؛ فأنت لا تقول: يا كلام الله افعل لي. أنت لا تقول: يا كلام الله افعل لي، أنت بتيجي على آيات القرآن بتقول لها يا آية سورة البقرة افعلي لي كذا؟ أنت لا تخاطبها، فكيف جعلتم كلمة الله بمجرد أن حلت في المسيح أصبحت إلهاً؟ وأنتم بتقيسوها قاعدين على الكلمة إذا حلت في القرطاس، والكل يعلم أن الكلمة إذا حلت في القرطاس تبقى كلمة، مجرد كلمة لا تصبح إلهاً ولا مقصودة ولا معبودة.
الثاني: قال الثاني أن الكلام المكتوب صفة المتكلم يقوم به ويكتب في القراطيس عند سلف أهل الملل وجماهيرهم، وعند بعضهم هو عرض مخلوق يخلقه في غيره، فالجميع متفقون على أن الكلام ليس قائماً بنفسه، والمسيح عندكم لاهوته جوهر قائم بنفسه، وهو إله حق من إله حق، وهو عندكم إله تام وإنسان تام، فكيف تجعلونه الإله الذي هو عين قائمة بنفسها كالصفة التي لا تقوم إلا بغيرها؟
الثالث: قولكم إن كلمة الإنسان مولودة من عقله لو كان صحيحاً، فالتولد لا يكون إلا حادثاً، وأنتم تقولون إن كلمة الله القديمة الأزلية متولدة منه قبل الدهور، وتقولون مع هذا هي إله، وهذا بطلانه معلوم بصريح العقل فهي بدعة وضلالة في الشرع؛ فإنه لم يسم أحد من الأنبياء شيئاً من صفات الله ابناً له، ولا قال إن صفته متولدة منه، ولفظ الابن لا يوجد عندكم عن الأنبياء إلا اسماً لناسوت مخلوق لا لصفة الله القديمة، فقد بدلتم كلام الأنبياء بهذا الافتراء.
الرابع: قولكم مولودة من عقله إن أردتم بعقله العين القائمة بنفسها التي يسميها قلباً وروحاً ونفساً أو نفساً ناطقة، فتلك إنما تقوم بها المعاني، وأما الألفاظ فإنما تقوم بفمه ولسانه، وإن أردتم بعقله مصدر عقل يعقل عقلاً، فالمصدر عرض قائم بالعقل وهو عرض من جنس العلم والكلمة والعمل الصالح، صفة يعني مجرد صفة أصبح العقل، وإن أردتم بالعقل الغريزة التي في الإنسان فهو أيضاً عرض، العقل بهذا المعنى هو أيضاً مجرد عرض بمعناه الغريزة.
الخامس: أن تسميتكم تكلم الإنسان بالمعنى أو اللفظ تولداً أمر اخترعتموه لا يعرف عن نبي من الأنبياء ولا أمة من الأمم ولا في لغة من اللغات، وإنما ابتدعتم هذا لتقولوا: إن كان كلام الإنسان متولداً منه فكلام الله متولد منه، ولم ينطق أحد من الأنبياء بأن كلام الله تولد منه ولا أنه ابنه، ولا أن علمه تولد منه ولا أنه ابنه، وإنما هو صفة قائمة به.
السادس: قولكم إن كلمة الإنسان المولودة من عقله تكتب في القرطاس فهي في القرطاس كلها حقاً من غير أن تفارق العقل الذي منه ولدت، إلى قولكم الكلمة كلها في العقل الذي ولدها، وكلها في نفسها، وكلها في القرطاس الذي التحمت به؛ مكابرة ظاهرة معلومة الفساد بصريح العقل، فإن وجود الكلام في القلب واللسان ليس هو عين وجوده مكتوباً في القرطاس، بل القائم بقلب المتكلم معانٍ طلب وخبر وعلم وإرادة، والقائم بنفسه حروف مؤلفة هي أصوات مقطعة أو هي حدود أصوات مقطعة، وليس في قلب الإنسان ولا فمه مداد كالمداد الذي في القرطاس، والكلام المكتوب في القرطاس باتفاق العقلاء مع علمهم بأنه ليس في القرطاس علم وطلب وخبر قائم به كما تقوم بقلب المتكلم، ولا قام به أصوات مقطعة مؤلفة، ولا حرف كالأصوات القائمة بفم المتكلم، بل لفظ الحرف يقال على الحرف المكتوب، إما المداد المصور أو صورة المداد وشكله، ويقال على الحرف المنطوق، إما الصوت المقطع وإما حد الصوت ومقطعه وصورته، وكل عاقل يميز بحسه وعقله بين الصوت المسموع من المتكلم وبين المداد المرئي بالبصر، ولا يقول عاقل إن هذا هو هذا، ولا يقال إن هذا هو نفس المعنى القائم بقلب المتكلم، فكيف تقولون إن الكلمة هي في القرطاس كلها، وكلها في العقل الذي ولدها، وكلها في نفسها؟
السابع: أن حرف "في" التي يسميها النحاة ظرفاً يستعمل في كل موضع بالمعنى المناسب لذلك الموضع؛ فإذا قيل إن الطعم واللون والريح حال في الفاكهة، أو العلم والقدرة والكلام حال في المتكلم، فهذا معنى معقول، وإذا قيل إن هذا حال في داره، أو أن الماء حال في الظرف، فهذا معنى آخر؛ معنى آخر أنه ذاك حلول على جهة الصفة، وهذا حلول على جهة الحس. لما أقول والله هذا الجوال حال في هذا الكأس، هنا حلول حسي، ولما أقول العلم حال في عبد الرحمن، هذا حلول وصفي. فكلمة الحلول تختلف معناها مع "في" على حسب السياق، فإن ذاك حلول صفة في موصوفها، حلول عين في عين، تسمى جسماً وجوهراً في محلها، ومنه يقال لمكان القوم المحلة، ويقال فلان حل بالمكان الفلاني.
إذا قيل الشمس والقمر في الماء أو في المرآة، أو وجه فلان في المرآة، أو كلام فلان في هذا القرطاس، فهذا له معنى؛ يفهم الناس، يعلمون أنه قد ظهرت الشمس والقمر والوجه في المرآة ورُؤيت فيها، وأنه لم يحل بها ذات ذلك، وإنما حل فيها مثال شعاعي، عندما يقول ذلك، وكذلك الكلام إذا كتب في القرطاس، فالناس يعلمون أنه مكتوب فيه ومقروء فيه ومنظور فيه، ويقولون نظرت في كلام فلان وقرأته وتدبرت وفهمت ورأيته ونحو ذلك، كما يقولون رأيت وجهه في المرآة وتأملته ونحو ذلك، وهم في ذلك كله صادقون، يعلمون ما يقولون ويعلمون أن نفس جرم الشمس والقمر والوجه لم يحل في المرآة، هنا نفس ما قام به من المعاني والأصوات لم تقم بالقرطاس، بل كانت المرآة واسطة في رؤية الوجه فهو المقصود بالرؤيا، وكان القرطاس واسطة في معرفة الكلام فهو المقصود بالرؤية، ويعلمون أن حاسة البصر باشرت ما في المرآة من الشعاع المنعكس، ولكن المقصود بالرؤية هو الشمس، وحاسة البصر باشرت ما في القرطاس من المداد المكتوب، ولكن المقصود بالرؤية هو الكلام المكتوب، ويعلمون أن نفس المثال الذي في المرآة ليس هو الوجه، وأن نفس المداد المكتوب به ليس هو الكلام المكتوب، بل يفرقون بينهما كما قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109]. فرق سبحانه بين الكلمات وبين المداد الذي يكتب به الكلمات، فكيف يقال إن هذا هو هذا؟
هنا الكلمة في القرطاس كلها، وهو في المتكلم كلها، إذاً هذه أيضاً من إشكاليات الخلط في المفاهيم، أنه الكلمة لما تكون في العقل ليست هي هي نفسها لما تكون في القرطاس، في القرطاس ما الذي يوجد في الكلمة؟ نقشها، لما تكون ورقة الكلمة لما تكون موجودة في الورقة شو الموجود؟ مش نقشها، الحبر الذي كتبت به، ولما تكون موجودة في الذهن هذا شيء آخر اللي هو تخيلها، المعنى تبعها، فيقول كيف تجعلون الكلمة؟ مش هم هيك وجهة نظر هذا بالبطريق تبعهم إن الكلمة وجودها في العقل ووجودها في الورقة نفس الشيء، بقول له لا مش صحيح، يعني هو بناقشه أصلاً في المثال اللي حكيته، الكلمة وجودها في العقل هو معنوي، ووجودها على اللسان صوت وحرف، ووجودها في الورقة خط وحبر، فكيف تقول وجوده هنا مثل وجود هنا؟ فالحلول يختلف بحسب سياقه، فحلول الكلمة في العقل ليس كحلولها في الورقة، لذلك قال إن فرق سبحانه بين الكلمات وبين المداد التي تكتب بها الكلمات، فكيف يقال إنه الكلمة هي نفسها الحبر المكتوبة فيها على الورقة؟ لا، الكلمة لها وجود في المعنى، لها وجود كصوت وحرف، لها وجود على صورة المداد، وكل وجود يختلف عن الآخر، وكل حلول يختلف عن الآخر. وأما أنتم فجعلتم كلمة الله اللي بها خلق أو هي خالقة للمسيح عندكم، كل لخبطتكم جعلتم هذه الكلمة هي نفسها في ذات الله، وهي نفسها في صورتها خلقت المسيح وتجسدت به وصارت لاهوته، هذا غير صحيح ولا يتطابق أصلاً المثال مع الممثل به.
الثامن: كان زي ما بيقول كان ما في خلاف بيننا؛ الأشياء الكلام النفسي نفسه الكلام المنطوق نفسه الكلام المكتوب نفسه، أحسنت، كان انتهت القضية، كان خلص الكلام الصوتي والحرفي هو نفس الكلام المعنى النفسي وأخلصنا.
إذا قلنا إن الكلام الحال في العقل هو نفسه هو نفسه الخارج، إنه أي تعديل على الخارج هو مباشرة لازم يكون في تعديل على العقل، يعني مثلاً إذا كتبت أنا كلمة سيارة، نص هذا اشطب نص العقل، يعني هذا بده يكون في مباشرة السيستم بده يتغير على كل الأمرين، وإذا المسيح حما مع الوقت إذا حتى الإله نفس مع الوقت باعتبار أن الكلمة نفسها عم تتقدم، يعني هناك عدة لوازم فعلاً ممكن توقد على هذا الكلام.
التاسع: قال التاسع أن الكلام له معنى في المتكلم ويعبر عنه بلفظه، واللفظ يكتب في القرطاس، فالمكتوب في القرطاس هو اللفظ المطابق للمعنى، لا يكتب المعنى بدون كتابة اللفظ، ولهذا من لم يعرف اللفظ الذي كتب بالخط لم يعرف ما كتب، فدعوى هؤلاء أن نفس المعنى الذي في القلب كله هو في القرطاس كله، جعل لنفس المعنى هو الخط، وهذا باطل.
العاشر: إنه لا ريب أن الكلام المتكلم يقال إنه قائم به، ويقال مع ذلك إنه مكتوب في القرطاس، ويقال هذا هو كلام فلان بعينه، وهذا هو ذاك، ونحو ذلك من العبارات التي تبين أن هذا المكتوب في القرطاس هو هذا الكلام الذي تكلم به المتكلم بعينه لم يزد.
ولم ينقص، لم يكتب كلام غيره، ولا يريدون بذلك نفس الخط أو نفس الصوت أو نفس المعنى؛ فإن هذا لا يقوله عاقل.
فإن قيل: فمسلمون من يقول إن كلام الله القديم الأزلي، أو كلام الله الذي ليس بمخلوق، هو حال في الصدور والمصاحف من غير مفارقة، ومن هؤلاء يقول إنه يسمع من الإنسان الصوت القديم أو الصوت الذي ليس بمخلوق، ومنهم من يقول إن الحرف القديم الذي ليس بمخلوق هو في القرطاس، وحكي عن بعضهم أنه يقول ذلك في الميلاد، ومنهم من يقول دائما إن القديم حل في المصحف ونحو ذلك، فتقول النصارى: نحن مثل هؤلاء.
قيل: الجواب من وجهين؛ أحدهما: أن المقصود بيان الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، والرد على من خالف ذلك من النصارى وغيرهم. ونحن لا ننكر أن في المنتسبين إلى الإسلام طوائف، منهم المنافقون والملحدون والزنادقة، ومنهم الجهال والمبتدعة، ومنهم من يقول مثل قول النصارى، ومنهم من يقول شرًا منه، فالرد على هؤلاء كلهم، والعصمة ثابتة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما اجتمع عليه عباده المؤمنون، فهذا لا يكون إلا حقًا، وما تنازع فيه المسلمون ففيه حق وباطل.
الوجه الثاني: أن يقال هؤلاء الذين قالوا في القرآن ما قالوه ليس قولهم مثل قول النصارى؛ فإن النصارى جعلوا لله ولدًا قديمًا أزليًا سموه "كلمة"، وقالوا إنه إله يخلق ويرزق، وأنه اتحد بالمسيح، فجعل المسيح الذي هو الكلمة عندهم إلهًا يخلق ويرزق، وليس في طوائف المسلمين المعروفة من يقول إن كلام الله إله يخلق ويرزق.
ولكن محمدًا ﷺ وغيره من الرسل عليهم السلام بلغوا إلى الخلق كلام الله الذي تكلم به، فكان الصحابة يتبعونهم بإحسان على أن القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلام الله هو كلام الله الذي تكلم به، وأن الله أنزله وأرسل به ملائكته، وليس هو مخلوقًا بائنًا عنه، خلق في غيره. ويقولون إن هذا القرآن هو كلام الله الذي بلغه رسوله ﷺ، والمسلمون يقرؤونه ويسمعون من القارئ كلام الله، ولكن يقرؤونه بأفعالهم وأصواتهم، ويسمعونه من القارئ الذي يقرؤه بصوت نفسه، فالكلام كلام البارئ والصوت صوت القارئ.
فالكلام من حيث ينسب إلى الله باعتبار أنه أول من تكلم به؛ أنا مثلا لا أحكي لكم شيئًا تروح سندًا يحكيه لواحد: "والله هذا كلام الشيخ إبراهيم"، هو كلام باعتبار أنني أول من تكلم به، لكن عندما يحكيه السند يكون بصوتي على لسان السند، لا هو صوت السند ولا حركة لسان السند.
ويقولون إن هذا القرآن هو كلام الله الذي بلغه رسوله ﷺ، فكان الصحابة يتبعونهم بإحسان على القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلام الله الذي تكلم به وأن الله أنزله. ويقولون إن الله تكلم به، وكلم به موسى، وإن موسى سمع نداء الله بأذنه فكلمه بالصوت الذي سمعه موسى كما بين ذلك في كتب القرآن والإنجيل والتوراة وغير ذلك.
فحدث بعد الصحابة وأكابر التابعين طائفة معطلة، يقولون إن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فقتل المسلمون مقدمهم الجعد، وصار الجعد من الجهم، فنسبت إليه الجهمية نفاة الأسماء والصفات، فجاء بعد الجعد جهم بن صفوان.
وتارة يقولون إن الله لم يتكلم ولم يكلم موسى وإنما أطلق ذلك مجازًا، وتارة يقولون تكلم حقيقة ولكن معنى ذلك أنه خلق كلامًا في غيره سمعه موسى، وهذا قول المعتزلة. وزين هذا القول بعض ذوي الإمارة، فدعوا إليه مدة، وأظهروا ذلك وعاقبوا أحمد بن حنبل عليه السلام وجعلوا القرآن مخلوقًا، وصارت فتنة أحمد بن حنبل.
ثم أطفأ الله ذلك وأظهر ما كان عليه سلف الأمة، وأن القرآن والتوراة والإنجيل كلام الله تكلم هو به، منه بدأ، ليس بائنًا منه ولا منفصلاً عنه، بل هو قائم في ذات الله؛ لأن الكلام صفة لله قائمة بذاته، وليس بمخلوق خلق في شجرة أو في اللوح المحفوظ.
ولما أظهر الله هذا، والناس يأتون لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، صار بعض أهل الأهواء يقولون إنما يسمع صوت القارئ وصوته مخلوق، فكلام الله مخلوق. وبين أن يسمع الكلام من المتكلم به كما سمعه موسى من الله بلا واسطة، وبين أن يسمع من المبلغ عنه.
فرق بين هذا وهذا؛ ومعلوم أنه لو سمع كلام الأنبياء وغيرهم من المبلغين، لم يكن صوت المبلغ هو المبلغ عنه، بل الكلام هو كلام المبلغ عنه لا كلام المبلغ. وإن كان الكلام هو كلام النبي، لكن صوت الصحابي لما روى الحديث هو صوت الصحابي، فكلام الله إذا سمع من المبلغين عنه أولى أن يكون هو كلام الله مبلغًا عنه، وإن بلغوه بأصواتهم.
فجاءت طائفة ثانية فقالوا: هذا المسموع ألفاظنا وأصواتنا وكلامنا، وليس كلام الله؛ لأن هذا مخلوق وكلام الله ليس بمخلوق. وكان مقصود هؤلاء تحقيق أن كلام الله غير مخلوق، فوقعوا في إنكار أن يكون هذا القرآن كلام الله، ولم يهتدوا إلى أنه وإن كان كلام الله فهو مبلّغ عنه، وليس هو كلامه مسموعًا منه. ولا يلزم إذا كانت أفعال العباد وأصواتهم مخلوقة ليست هي كلام الله، أن يكون الكلام الذي يقرؤونه بأفعالهم وأصواتهم كلامهم ويكون مخلوقًا ليس هو كلام الله.
وهؤلاء الذين قالوا ليس هذا كلام الله، منهم من قال هو حكاية لكلام الله، وهم جماعة ابن كلاب؛ قالوا إذاً هذه الألفاظ هي حكاية عن كلام الله، فهؤلاء جعلوا القرآن الذي نقرؤه ليس هو كلام الله، وإنما كلام الله هو المعنى النفسي، والقرآن بألفاظه التي نقرؤها هو حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه، كما يقول الأشعري. وطردوا ذلك في كل من بلغ كلام غيره؛ يكون ما بلغه حكاية لكلام المبلغ عنه.
وأهل الحكاية منهم من يقول إن كلام الرب يتضمن حروفًا مؤلفة، إما قائمًا بذاته على قول بعضهم، أو مخلوقة في غيره. وهؤلاء مثل بعض الحنابلة الذين يقولون بماذا؟ يقولون بقديم الكلام لكنه بحرف وصوت، وأما يقولون إنه معنى قائم بذاته.
قالوا والقائم بذاته معنى واحد، ومن هؤلاء من قال تماثل المحكي عنه، فلا نقول هو حكاية بل هو عبارة عن كلام الله. الآن جاء أبو الحسن الأشعري وانتقد عبارة شيخ ابن كلاب؛ قال لك كلمة الحكاية، الحكاية لابد أن تماثل المحكي عنه، وألفاظنا لا تماثل ما عند الله، فالأفضل أن نقول عبارة بدل ما نقول هذه الألفاظ حكاية عن كلام الله، نقول: ألفاظنا عبارة عن كلام الله.
قال والتقدير عندهم حتى يسمع كلام عبارته أو حكايته؛ فتقدير الآية عندهم بدل "حتى يسمع كلام الله" هو "حتى يسمع عبارة تدل على كلام الله" أو "حتى يسمع حكاية عن كلام الله"، فالآية فيها دلالة اقتضاء محذوفة على رأي هؤلاء.
فجاءت طائفة ثالثة فقالت: بل قد ثبت أن هذا المسموع كلام الله، وكلام الله ليس بمخلوق، وهذا المسموع هو الصوت، فصار صوت الإنسان غير مخلوق! وصلوا إلى نتيجة معاكسة، لم يستطيعوا أن يفرقوا أنه يا جماعة هو كلام الله باعتبار أنه بدأ من الله، وأما أنا فبما أحكيه على لساني فهذا صوتي مخلوق.
ثم من هؤلاء من قال إنه قديم، ومنهم من قال ليس بقديم، ومنهم من قال يسمع صوت الرب والعبد، ومنهم من قال إنما يسمع صوت الرب، فدخلوا في دوامة؛ صار صوت الإنسان بعضهم قال إنه قديم، وبعضهم قال لا، صوت الإنسان الذي يتلو به كتاب الله ليس حادثًا. ومنهم من قال لا يسمع صوت الرب والعبد في نفس الوقت، ومنهم من قال إنما يسمع صوت الرب لما أنت تقرأ القرآن، هذه كلها فساد في الأمور الذهنية والعقلية، وللأسف سبب هذه اللخبطات هو غياب الفهم الصحيح.
ومنهم من قال إن صوت الرب حل في العبد، فضاهم النصارى، ومنهم من قال بل نقول ظهر فيه من غير حلول، ومنهم من يقول لا هذا ولا هذا. وكل هذه الأقوال محدثة مبتدعة، لم يقل شيئًا منها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم إحسان، ولا أئمة المسلمين كمالك والثوري والأوزاعي وابن سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن عيينة وغيرهم. هؤلاء كلهم متفقون على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
وإن الله في تبيان أن أبا حنيفة رحمه الله ليس كما ينسب إليه من أنه يقول بأن القرآن مخلوق، بل هؤلاء كلهم، ومنهم أبو حنيفة رحمه الله، متفقون على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. هذا هو الثابت عن أبي حنيفة، وأن الله أرسل به جبريل. بعض يقول لك إن أبا حنيفة يقول إن القرآن مخلوق، هذا لم يثبت عنه، وإنما هي روايات "كذا وقيل" أو من بعض الحساد لأبي حنيفة رحمه الله الذين ألصقوا به مثل هذه التهم. هل يعقل أن أبا حنيفة والعلماء يأخذون منه ويتعلمون منه، وفي زمنه أبو يوسف ومحمد وغيرهم ممن عرف أقوالهم في القرآن، لم يقل أحد ذلك؟
لكن شيخنا عنده هذه الآفة، وهي بدعة دسمة في آخر الزمان. الصحابة مثل أبي حنيفة بشهرته لا يمكن أن يكون هذا القول عرف عنه ولم يتصد له أحد أو يشدد عليه في هذا الباب وهو رجل كبير. فإذا أتت روايات هنا يجب أن يفهم سياق القصص التي تنقل عنه، ويعلم أن التاريخ والعلوم الاجتماعية وطبيعة المجتمع والغيرة وأشياء كثيرة تسبب مثل هذه المنقولات، وأما الثابت عنه فهو مثل غيره من العلماء يقول: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
قال فنزل به جبريل على نبيه محمد ﷺ فبلغه محمد ﷺ إلى الناس، فقرأه الناس بحركاتهم وأصواتهم. وليس شيء من أفعال العباد وأصواتهم قديمًا ولا غير مخلوق، ولكن كلام الله غير مخلوق. ولم يكن السلف يقولون القرآن قديم، ولكن لما أحدث الجهمية ووافقهم من المعتزلة وغيرهم أنه مخلوق بائن من الله، قال السلف والأئمة إنه كلام الله غير مخلوق. ولم يقل أحد من السلف إن الله تكلم بغير قدرته ومشيئته، ولا إنه معنى واحد قائم بالذات، ولا أنه تكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل في الأزل بحرف وصوت قديم.
ثم حدثت طائفة قالوا إنه قديم، ومنهم من قال القديم هو بمعنى واحد قائم بالذات هو معنى جميع الكلام، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعبرية كان توراتًا، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وهذا رأي لبعض الأشعرية أن كلام الله هو معنى واحد فقط، إذا عبر عنه باللغة العربية صار قرآنًا، وإذا عبر عنه بالسريانية صار توراتًا، وهو نفسه إذا نظرت إليه من هذه الجهة يكون أمرًا، وإذا نظرت إليه من الجهة الثانية يصير نهيًا، وإذا نظرت إليه من الجهة الثالثة يصير خبرًا، وهذا كلام فاسد طبعًا.
قال والأمر والنهي والخبر صفات له لا أنواع له. ومن هؤلاء من قال بل هو قديم وهو حروف وأصوات أزلية قديمة، وأنها هي التوراة والإنجيل والقرآن، فقال الناس لهؤلاء: خالفتم الشرع والعقل في قولكم إنه قديم، وابتدعتم بدعة لم يسبقكم إليها أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وفرغتم من محذور إلى محذور كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ثم قولكم إنه معنى واحد ولو جميع العبارات مكابرة للعقل والشرع، فإنا نعلم بالاضطرار أنه ليس معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين مثلًا، ولا معنى سورة أبي لهب هو معنى سورة الإخلاص. فكيف يكون واحدًا؟ سواء بالصوت والحرف، فالتوراة إذا عربناها لم تصير هي القرآن العربي الذي جاء به محمد ﷺ، بل معناها مختلف تمامًا أو في كثير منها عن القرآن.
وكذلك إذا ترجمنا القرآن بالعبرية لم يكن هو توراة موسى. وقول من قال منكم إنه حروف أو أصوات أزلية ظاهر الفساد؛ فإن الحروف حروف متعاقبة فيسبق بعضها بعضًا، والمسبوق بغيره لا يكون قديمًا لم يزل، والصوت المعين لا يبقى زمانين، فكيف يكون قديمًا أزليًا؟
وسلف الأئمة لم يقل أحد منهم بقولكم، ولكن قالوا إن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكتب المنزلة، وإن الله نادى موسى بصوته، سمعه موسى بأذنه كما دلت على ذلك النصوص. ولم يقل أحد منهم إن ذلك النداء الذي سمعه موسى قديم أزلي، ولكن قالوا إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء. هذه عبارة السلف: «أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء».
نعم، لم يقل أحد بالتفصيل الذي يأتي المتأخرون من وزي ابن تيمية وغيره، لكن تفصيل ابن تيمية أن كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد، هو معنى كلام السلف أن الله متكلم متى شاء. بعض الناس يقول لك: من قال من السلف إن كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد؟ هو لم يدعِ أن هذا في السلف، ولكنه يقول إن هذا هو معنى كلام السلف أن الله يتكلم متى شاء؛ إذ أصل الكلام قديم أزلي، لكن آحاد أفراده متجددة على حسب مشيئة الله وإرادته.
قالوا: لأن كلام الله صفة كمال لا صفة نقص، وإنما تكون صفة كمال إذا قام به، لا إذا كان مخلوقًا بائنًا عنه؛ فإن الموصوف لا يتصف إلا بما قام به، لا يتصف بما هو بائن عنه. فلا يكون الموصوف حيًا، عالمًا، قادرًا، متكلمًا، رحيمًا، مريدًا، بحياة قامت بغيره، ولا بعلم وقدرة قامت بغيره، ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره. والكلام بمشيئة المتكلم وقدرته أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته، وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا مشيئة وقدرة، فإما أنه ممتنع، أو هو صفة نقص كما يدعى، وإذا كان كمالًا فدوام الكمال له، وأنه لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل من كونه صار متكلمًا بعد أن لم يكن، لو قُدّر أن هذا ممكن. فكيف إذا كان ممتنعًا؟
وإمام السنة والجماعة كلما ابتدع في الدين بدعة أنكروها ولم يقروا بها، ولهذا حفظ الله دين الإسلام، فلا يزال في أمة محمد ﷺ طائفة هادية مهدية ظاهرة منصورة، بخلاف أهل الكتاب؛ فإن النصارى ابتدعوا بدعًا خالفوا بها المسيح، وقهروا من خالفهم ممن كان متمسكًا بشرع المسيح، حتى لم يبقَ حين بعث الله محمدًا ﷺ من هو متمسك بدين المسيح، إذ لم تبقَ فيهم طائفة منصورة وإنما بقايا أفراد.
كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فلم يبقِ أعجبهم إليه إلا بقايا من أهل الكتاب». فلما أظهر قوم من الولاة أن القرآن مخلوق ودعوا الناس إلى ذلك، ثبت الله أئمة السنة وجمهور الأمة فلم يوافقوهم، وكان المشار إليهم الأئمة إذ ذاك أحمد بن حنبل. ثم بقي ذلك القول المحدث يظهر نحو أربعة عشر سنة، وأئمة الأمة وجمهورها ينكرونه، حتى جاء من ولاه من منع من إظهاره والقول به، فصار مخفيًا كغيره من البدع وشاع عند العامة والخاصة.
أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فأراد بعض الناس أن يجيب عن شبهة من قال إن هذا الذي يقوم بنا مخلوق، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة، وتلاوتنا له مخلوقة. ربما قالوا هذا الذي قرأه مخلوق، أو هذا ليس هو كلام الله، فقصدوا معنى صحيحًا وهو كون صفات العباد وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، لكن غلطوا حيث أطلقوا القول أو أفهموا الناس بأن هذا القرآن الذي يقرأه المسلمون مخلوق.
ولم يهتدوا إلى أن إذا أشرنا إلى كلام متكلم قد بلغ عنه، فقلنا مثلاً لما روي عن النبي ﷺ كقوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، هذا كلام رسول الله ﷺ، أو لقول الشاعر لبيد بن ربيعة: «ألا كل شيء ما خل باطله»، فإننا نشير إلى نفس الكلام بمعانيه ونظمه وحروفه، لا إلى ما يختص بالمبلغ من حركته وصوته، بل ولا صوت المبلغ عنه وفعله؛ فإن كون الحي متحركًا أو مصوتًا قدر مشترك بين الناطق والأعجم، وليس هذا صفة له، والكلام الذي يتميز به الناطق عن الأعجم إنما يتميز بالمعاني القائمة به وباللفظ المطابق لها من الحروف المنظومة بالأصوات المقطعة، وهذا أمر يختص به المتكلم بالكلام المبلغ عنه، فليس المبلغ إلا تأدية ذلك.
ولهذا لو قال قائل لشاعر لبيد حين قال: «ألا كل شيء ما خل باطل»، فقال: هذا شعري أو كلامي لكوني أنشده بصوتي، لكن الناس لو واحد حكى شيئًا قال: هذه قصيدتي، لا، هذا كلام لبيد. ولو قال: هذا الذي أقوله مثل شعر لبيد، لكذبه الناس وقالوا: بل هو شعر ليس مثله وليس عبارة عنه ولا محاكاة، هو شعر لبيد ولكنك أديته بصوتك، هذه هي الفكرة بكل سهولة.
بخلاف ما إذا قال قائل قولًا نظمًا أو نثرًا وقال آخر مثله، فإن الناس يقولون: هذا مثل قول فلان، كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 30]. وقال عن القرآن: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88]. ولهذا لو قال قارئ: أنا آتي بقرآن مثل قرآن محمد ﷺ وتلاه نفسه وقال هذا مثله، فأنكر الناس ذلك وضاحكوا منه، وقالوا: هذا القرآن الذي جاء به هو ليس هو كلام له، ليس هو كلام آخر مماثل له.
إذا كان القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله الذي بلغه الرسول ﷺ، ولم يجز أن يقال ليس هو بكلام الله بل هو مثل له حكاية عنه وعن عبارة، وإذا كان معلومًا أنه كلام الله فقد تكلم الله به سبحانه لم يخلقه بائنًا عنه، ولم يجوز أن يقال لما هو كلامه إنه مخلوق. فإذا قيل عما يقرأه المسلمون إنه مخلوق، والمخلوق بائن عن الموصوف، فليس هو كلامه، فقد جعل مخلوقًا ليس هو بكلام الله، فصارت الأمة تقول: هذا كلام الله وهذا غير مخلوق، لا يشيرون بذلك إلى شيء من صفات المخلوق بل إلى كلام الله الذي تكلم به وبلغه عنه رسوله ﷺ، والمبلغ إنما بلغه بصفات نفسه، والإشارة في مثل هذا يراد بها الكلام المبلغ، لا يراد بها ما به وقع التبليغ.
يراد بهذا الثاني مع التقييد، كما في مثل الاسم؛ إذا قيل عبد الله ودعوه الله، فليس المراد أن المعبود المدعو هو الاسم الذي هو اللفظ، بل المعبود المدعو هو المسمى باللفظ. فصار بعضهم يقول الاسم هو غير المسمى، حتى قيل لبعضهم: أقول دعوت الله؟ فقال: لا تقول هكذا، ولكن قل دعوت المسمى بالله. وظن هذا الغالط أنك إذا قلت ذلك فالمراد دعوت هذا اللفظ.
ومثل هذا يرد عليه في اللفظ الثاني؛ فما من شيء عبر عنه باسم إلا والمراد بالاسم هو المسمى، فإن الأسماء لم تذكر إلا لبيان المسميات، لا أن الاسم نفسه هو ذات المسمى. فمن قال إن اللفظ والمعنى القائم بالقلب هو عين المسمى فغلطه واضح، ومن قال إن المراد بالاسم في مثل قولك دعوت الله وعبدت هو نفس اللفظ فغلطه واضح.
ولكن اشتبه على الطائفتين ما يراد بالاسم ونفس اللفظ، كذلك أولئك اشتبه عليهم صوت المبلغ عنه، المتكلم المبلغ عنه الذي هو المقصود بلفظ المبلغ وكتابته بنفس صوت المبلغ ومداده. والفرق بين هذا وهذا واضح عند العقلاء؛ فإذا كتب كاتب اسم الله في ورقه ونطق باسم الله في خطابه، وقال قائل: أنا كافر بهذا ومؤمن بهذا، كان مفهوم كلامه أنا مؤمن أو كافر بالمسمى المراد باللفظ والخط، لا أنه يؤمن ويكفر بصوت أو مداد.
فكذلك من قال لما يسمع من القضاء، ولما يكتب في المصاحف أن هذا كلام الله، أو قال لما يسمع من جميع المبلغين لكلام غيرهم ولما يوجد في الكتب هذا كلام زيد، فليس مرادهم ذلك الصوت والمداد، إنما هو المعنى واللفظ الذي بلغه زيد بصوته وكتب في القرطاس بالمداد. فإذا قيل عن ذلك إنه مخلوق، فقد قيل إنه ليس كلام الله ولم يتكلم به. ومن قصد نفس الصوت أو المداد وقال إنه مخلوق فقد أصاب، كما أن أصواتنا مخلوقة وحبرنا مخلوق.
وكما أن من قصد نفس الصوت أو الخط وقال ليس هذا هو كلام الله بل هو مخلوق فقد أصاب، لكن ينبغي أن يبين مراده بلفظ لا لبس فيه. وأنت كلامك صحيح، ولكن لازم تبين شو قصدك لما تحكي، وهو لواحد يقرأ القرآن بصوته أنه هذا ليس كلام الله، إذا كنت تقصد لازم تحكي: صوتك هذا وحرفك هذا أنت، لكن أصل هذا الكلام بدأ من الله، فهو كلام الله باعتبار من تكلم به ابتداء.
فلهذا كان أحمد يشدد في هذه القضية وينكر على من أطلق القول بأنه لفظي بالقرآن مخلوق. ليش أحمد كان يقول: من قال إن اللفظ بالقرآن مخلوق، أو من قال إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، كلاهما مشكلة. طبعاً أحمد كان يقول: من قال اللفظ بالقرآن مخلوق قد كفر، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.
طيب، ليش إذا قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق فأنت مبتدع؟ لأن كلمة اللفظ تحتمل أمرين: تحتمل اللفظ بمعناه المصدري وهو التلفظ، وهي حركة اللسان وهي مخلوقة، وتحتمل اللفظ بمعنى الملفوظ نفسه. فلما تقول إنه غير مخلوق هو صحيح باعتبار أن أول من تكلم به هو الله. فكلمة اللفظ بالقرآن مخلوق كانت عاملة مشكلة في زمن أحمد، وكان يعتقد أحمد أنها تلبس على الناس.
قال: ويقولون من قال إنه مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع، ومن قال إنه مخلوق هنا فقد يقولون ليس هو كلام الله، وهذا خلاف المتواتر عن الرسول ﷺ وخلاف ما يعلم من مثل ذلك بصريح المقول؛ فإن الناس يعلمون بعقولهم أن من بلغ كلام غيره فالكلام كلام المبلغ عنه الذي قاله مبتدئاً بأمره مخبراً بخبره، لا كلام من قاله مبلغاً مؤدياً.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول في المواسم: «لا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» [رواه أبو داود وغيره عن جابر]. فالأصل في العادة أن ينسب الكلام إلى أول من تكلم به، هذا هو المراد.
قال: ولما أنزل الله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3]، قال بعض الكفار لأبي بكر الصديق: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ قال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله. فلهذا اشتد به إنكار أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الإسلام، وبلغ قوم في الإنكار عليهم.
وقالوا: لفظنا في القرآن غير مخلوق، وأطلقوا عبارات تتضمن وتشعر أن يكون شيء من صفات العباد غير مخلوقة، فأنكر ذلك أحمد وغيره، كما أنكر ذلك ابن المبارك وإسحاق بن راهويه والبخاري وغير هؤلاء من أئمة السنة، وبينوا أن الورق والمداد وأصوات العباد وأفعالهم مخلوقة، وأن كلام الله الذي يحفظه العباد يقرؤونه ويكتبونه غير مخلوق. فكلام أئمة السنة والجماعة كثير في هذا الباب، متفق غير مختلف، وكله صواب، ولكن قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك.
فمن ابتلي بمن يقول ليس هذا كلام الله، كالإمام أحمد، وكان كلامه في ذم من يقول هذا مخلوق أكثر من ذمه لمن يقول لفظي مخلوق؛ فهذا فهم عظيم من في طريقه فهم كلام السلف. لذلك قال: فمن ابتلي بمن يقيس أحمد بن حنبل، ابتلي بمن يقول ليس هذا القرآن كلام الله، وصارت الفتنة على أحمد بن حنبل، فلهذا كان كلامه في ذم من يقول هذا القرآن أو هذا الكلام مخلوق أكثر من ذمه لمن يقول لفظي مخلوق.
ومن ابتلي بمن يجعل بعض صفات العباد غير مخلوقة كالتلفظ مثلاً، فالبخاري صاحب الصحيح كان كلامه في ذم من يجعل على ذلك غير مخلوق أكثر. فمن يقول إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، كان ذمه في منع غير مخلوق أكثر، مع نص أحمد والبخاري وغيرهما على خطأ الطائفتين. وهذا في معالجة لما ينسب للبخاري، من أن البخاري في أواخر زمنه كانت فتنة، إذ قيل: لفظي بالقرآن مخلوق، فقيل هجره أهل القرية وأخرجوه، مع أنه كان يتعامل مع أناس... كما يقول ابن تيمية، إن مشكلة البخاري أن في ناس صاروا يقولوا لفظي بالقرآن غير مخلوق، فالبخاري شيخ مصيبة كيف لفظك؟
بالقرآن غير مخلوق، تلفظك هذا شيء بشري، عمل بشري فهو مخلوق. فالبخاري إذا كان يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" فقد أصاب، وأحمد كان ينكر على من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق"، ومن يقول: "لفظي بالقرآن غير مخلوق" فقد أصاب؛ باعتبار أن كل شخص كان يرد على طائفة معينة ويتعامل مع مشكلة معينة، وليس أن كلامهم يضرب بعضهم بعضًا.
ما بنقول: والله كلام أحمد أصوب من كلام البخاري؛ له هيك البعض تعامل أنه كلام أحمد أصح من كلام البخاري وأنه الأصل. ما نحكي لا، ما هو كما قال لك ابن تيمية؛ هذا فهم كيف لا تضرب عبارات السلف بعضها ببعض.
البخاري ابتلي بأناس معينين رد عليهم، وأحمد ابتلي بطائفة أخرى؛ فكلام أحمد يتنزل على حاله ووقته وظرفه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى صحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل