دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (14) | المجلس السادس والثلاثون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. استغفر الله العظيم وأتوب إليه. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير.

بسم الله، اللهم يسر واع، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا كرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصوب نياتنا ويسر أمورنا واهدنا سبل السلام.

حياكم الله أيها الكرام في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك، وما زلنا نعيش في فيأ هذا الكتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه. وما زلنا نعيش في كلام الحسن بن أيوب الذي يروى أنه كان نصرانياً وأسلم، وبين ما الذي قاده من النصرانية إلى الإسلام، وما في دين النصارى مما وجده من التناقض والتلاعب وعدم المنطقية، وما فيه من الإشكالات وعدم الوضوح. فما زال شيخ الإسلام ابن تيمية ينقل كلام الحسن بن أيوب في هذه الجزئية.

وصلنا إلى قوله رحمه الله تعالى: «ويا أيها القوم الذين هم أولو الألباب والمعرفة، حيث ينسبونه إلى الربوبية وينحلونه الألوهية، ويجعلونه خالق الخلق أجمعين وإلههم؛ بماذا ساغ ذلك لكم؟ وما الحجة فيه عندكم؟ هل قالت كتب النبوات في ذلك؟ أو هل قاله عن نفسه؟ أو قاله أحد عن تلامذته والناقلين عنه الذين هم عماد دينكم وأساسه، ومن أخذتم الشرائع والسنن عنه، ومن كتب الإنجيل وبينته؟ بل قد أفصح في كل الإنجيل من كلامه ومخاطبته ووصاياه بما لا يحصى كثرة، أنه عبد مثلكم ومربوب معكم، مرسل من عند ربه وربكم».

أمر ما مبدي ما أمر به فيكم، هو يتكلم، هل المسيح قال لكم إنه رب أو أشار إلى ذلك؟ أو هل وجد في الإنجيل وحكي مثل ذلك من أمره حواريوه وتلامذته؟ ووصفوه لمن سأل عنه في كلامهم بأنه رجل جاء من عند الله عز وجل، ونبي له قوة وفضل. فتأولتم في ذلك أنه أخرج كلامه على مقتضى الناسوت، ولو كان كما تقولون لأفصح عن نفسه بأنه إله كما أفصح بأنه عبد، ولكنه كما ذكر.

الآن هم يقولون: أنتم يا أيها النصارى، كل ما جاء في الإنجيل وعلى لسان المسيح بأنه عبد، خرجتموه على أنه عبد من جهة ناسوته، فهل معقول لم يفصح ولو مرة واحدة أن فيه أيضاً جانباً آخر من الألوهية من جهة لاهوته؟ هو أفصح عن ناسوته بأنه عبد، فلماذا لم يفصح عن لاهوته بأنه إله ولو مرة؟ ولماذا لم يشر إلى ذلك؟

ولكنه ما ذكره، ولا دعاه، ولا دعيت له كتب الأنبياء قبله، ولا كتب تلامذته، ولا حُكي عنهم، ولا أجابه كلام جبريل الذي أداه إلى مريم، ولا قول يحيى بن زكريا. قال: «فإن قلتم إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمراً، وكثر القليل؛ فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلاً فنجعله رباً وإلهاً، وإلا فما الفرق؟».

فمن ذلك أن كتاب سفر الملوك يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا من الإسرائيليين، وأن إسكيا أحيا بشراً كثيراً، ولم يكن أحد مما ذكرنا بإحيائه الموتى إلهاً. وكذلك إبراء الأكمه والأبرص؛ فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حية لها عينان تبصر بهما، وضرب بها طملاً فصارت قملاً لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلهاً.

وأما إبراء الأبرص، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن رجلاً من عصباء الروم برص، فرحل من بلده قاصداً اليسع عليه السلام ليبلاه من برصه، فأخبر الكتاب بأن الرجل وقف بباب اليسع أياماً لا يؤذن له. فقيل لليسع: إن ببابك رجلاً يقال له نعمان، وهو أحد عظماء قومه، وقد أصابه برص وقصدك لتبرئه من مرضه، فإن أذنت له دخل إليك. فلم يأذن له، فقال رجل لواحد من أصحابه: أخرج إلى هذا الرجل فقل له ينغمس في الأردن سبع مرات.

فأبلغ الرسول لنعمان ما أمره به اليسع ففعل ذلك، فذهب عنه البرص. فرجع نعمان إلى بلده، فاتبعه خادم اليسع وأوهمه أن اليسع وجه به إليه يطلب منه مالاً، فسر الرجل بذلك ودفع إلى القادم مالاً وجواهر ورجع، فأخفى ذلك وستره. ثم دخل إلى اليسع، فلما مثُل بين يديه قال له: تبعتُ نعمان وأوهمته عني كذا وكذا، وأخذت منه كذا وأخفيت في موضع، إذا فعلت الذي فعلت به فليصب برص عليك وعلى نسلك. فبرص ذلك الخادم على المكان. فهذا اليسع قد أبرأ أبرصاً وأبرأ صحيحاً، هو أعظم مما فعل المسيح عليه السلام، فلم يكن في فعله ذلك ألوهية.

قال: وأما قولكم إنه مشى على الماء، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس عليه السلام مضى إلى الأردن ومعه اليسع وتلميذه، فأخذ عصاه فضرب بها الأردن فاستيبس له الماء حتى مشى عليه وهو اليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور واليسع يراه، ودفع عصاه إلى اليسع. فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستيبس له حتى مشى عليه راجعاً، ولم يكن منهما بمشيه على الماء إله، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلهاً.

قال: وأما قولكم إنه صير الماء خمراً، فهذا كتاب سفر الملوك يخبر بأن اليسع نزل بأمرأة إسرائيلية فأضافته وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله، إن على زوجي ديناً قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل. قال: يا يسع، اجمعي كل ما عندك من الآنية، واجمعي من جيرانك جميع ما قدرت عليه من أثنيتهم. ففعلت أمرها فملأت الآنية كلها ماءً، فقالت: أريكيه ليلتك هذه، ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتاً.

فباعوه فقضوا دينهم، وتحويل الماء زيتا. أبدعوا من تحويله خمرا، ولم يكن يسع بذلك.

وأما قولكم المسيح عليه السلام كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أريفه يسيره، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس نزل بأمرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد ومات الخلق ضرًا وهزلاً، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: «هل عندك طعام؟». فقالت: «والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة، أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك من القحط». فقال لها: «احضريه فلا عليك». فأتت به، فبارك عليه، فمكت عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه حتى فرج الله عن الناس.

فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح، ولأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد، ولم يكن إلياس بفعله هذا إلهاً. فإن قلت إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله عز وجل، إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم، فقد صدقتم، ونقول لكم أيضاً كذلك المسيح ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب، إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه.

فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء وما الحجة في ذلك؟ وإن قلت إن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم تضرعت إلى الله ودعته واقتت له بالربوبية، وشهدت له أنفسها على أنفسها بالعبودية، قيل لكم وكذلك سبيل المسيح وسبيل سائر الأنبياء؛ قد كان يدعو ويتضرع ويعترف بربوبية الله ويقر له بالعبودية.

فمن ذلك أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيي رجلاً فيقال له لعازر، فقال: «يا أبي ادعوك كما كنت أدعوك من قبل فتجيبني وتستجيب لي، وأنا أدعوك من أجل هؤلاء القائمين ليعلموا». وقال بزعمكم وهو على الخشب: «إلهي إلهي لم تركتني؟»، وقال: «يا أبي اغفر لليهود ما يعملون فإنهم لا يدرون ما يصنعون». وقال في إنجيل متى: «يا أبي أحمدك»، وقال: «يا أبي إن كان لا بد أن يتعداني هذا الكأس ولكن ليس كما أريد أنا فلتكن مشيئتك».

وقال أيضاً: «أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني»، وقال: «لا أستطيع أن أصنع شيئاً ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي»، وقال معناه أنه لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، ولا لرسوله أن يكون أعظم من أرسله. وقال إن الله لم يلد ولم يولد، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينم ولم يره أحد من خلقه ولا يراه أحد، إلا مات، والمسيح قد أكل وشرب وولد، ورآه الناس فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم وقد لبث فيهم ثلاث وثلاثين سنة.

قلت: وعامة ما ذكره هذا عن الكتب تعترف به النصارى، ولكن بعضهم ينازعه في يسير من الألفاظ، فنزع هنا في قوله لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، وقال إنما هذا قاله المسيح للحواريين. وذكر أنه لا يعرف عنه لفظ لم يولد ولم يأكل ولم يشرب. وقال في إنجيل يوحنا: «إنكم متى رفعتم من البشر فحينئذ تعلمون أني أنا وهو شيء واحد».

قلت: هذا من ابن تيمية، ثم إن رجع لكلام الحسن بن أيوب، نعم، قال: «حينئذ تعلمون أني أنا وهو شيء واحد، وشيء من قبل نفسي لا أفعل ولكن كل شيء كالذي علمني أبي». وقال في موضع آخر: «من عند الله أرسلت معلما». وقال لأصحابه: «اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يجل في مدينته».

وأخبر الإنجيل أن امرأة رأت المسيح فقالت: «إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه»، فقال لها المسيح: «صدقت طوبى لك». وقال: «كما بعثني أبي كذلك أبعثكم»، قال فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه ومربوب ومبعوث. وقال لتلامذته: «إن من قبلكم قد قبلني، ومن قبلني فإنه إنما يقبل من أرسلني، ومن قبل نبياً فإنه إنما يفوز بأجر من قبل النبي». فبين هنا في غير موضع أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه.

وقال متى للتلميذ في إنجيله يستشهد على المسيح بنبوة إشعياء عن الله عز وجل: ﴿هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ إِلَيْهِ نَفْسِي وَأَنَا وَاضِعٌ رُوحِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو الأُمَمَ إِلَى الْحَقِّ﴾. فلن أحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلته حجة لكم، فقد أوضح الله أمره وسماه عبداً، وأعلم أنه يضع عليه روحاً ويؤيده بها كما أيد سائر الأنبياء بالوضوح، فأظهروا الآيات المذكورة عنهم. وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل الملك مريم حين ظهر لها.

وقال يوحنا تلميذه في الإنجيل عن المسيح عليه السلام: «إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني». وقال في موضع آخر: «إن أبي أجل وأعظم مني». وقال أيضاً: «كما أمرني أبي كذلك أفعل، أنا الكرم وأبي هو الفلاح»، يعني أنا العنب، وأبي هو الذي زرعني. وقال يوحنا: «كما أن الآب حياة في جوهره فكذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في قينومته»، قال فالمعطي خلاف المعطى لا محالة، والفاعل خلاف المفعول.

وقال المسيح في إنجيل يوحنا: «إني لو كنت أنا الشاهد لنفسي على صحة دعواي لكانت شهادتي باطلة، لكن غيري يشهد لي، فأنا أشهد لنفسي ويشهد لي أبي الذي أرسلني». وقال المسيح لبني إسرائيل: «تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعه الله يقوله».

وقال في الرجل الذي أقامه من الموتى: «يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي، وأعترف لك بذلك، وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة التي تؤمن بأنك أنت أرسلتني». قال فآي تضرع وإقرار بالرسالة والمسألة والطلب للإجابة من الله عز وجل أشد من هذا؟

وقال في بعض مخاطبته لليهود، وقد نسبوه إلى الجنون: «أنا لست بمجنون ولكن أكرم أبي ولا أحب مدح نفسي، بل أمدح أبي لأني أعرفه، ولو قلت إني لا أعرفه لكنت كذاباً مثلكم، بل أعرفه وأتمسك بأمره». وقال داوود في مزموره: «قال الرب اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لرجليك، عصا العظمة تبعث الرب من صهيون، وتسلط على أعدائك من شعبك يا مسيح، يوم الرعب في بهاء القدس من اليوم الذي ولدتك يا صبي، عهد الرب ولا يكذب، إنك أنت الكاهن المؤيد».

قال: فهذه مخاطبة ينسبونها إلى اللاهوت، وقد أبانا داوود في مخاطبته أن لربه الذي ذكره رباً هو أعظم منه، أعلى، أعطاه ما حكيناه وما نحو ذلك، وشهد عليه أن عصى الأعظم التي تبعث ربه، وهذا من صهيون، وسماه صبياً محققاً لقوله الأول: ﴿الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ﴾، ونسق على أول كلامه وهو ربه، وصف أنه الكاهن المؤيد الذي يشبه ملكسداق.

قلت: قالوا وهذا الكاهن هو الذي ذكر في التوراه أنه إن الخليل أعطاه القربان، وإذا كان المسيح مشبهاً به مع تسميته كاهناً، كان ذلك من أعظم الأدلة على أنه مخلوق. قال: فأما قوله "من البدء وتك" فيشبه قول داوود: "تبنني على نفسي من البدء، ذكرتك، وهديت كل أعمالك". وبعضهم يقول لفظ النص: "إن الرب يبعث على الصاف من صهيون"، هذا في الحاشية عندنا موجود وليس في النص الأصلي.

قال: قال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم: «يا رجال بني إسرائيل، اسمعوا مقالته؛ إن يسوع الناصري رجل ظهر لكم من عند الله بالقوة والأيدي والعجائب التي أجراها على يديه، وإنكم أسلمتموه وقتلتموه، فأقام الله يسوع هذا من بين الأموات». قال: فأي شهادة أبيض وأوضح من هذا القول؟ هو أوثق التلاميذ عندكم يخبر كما ترون أن المسيح رجل، وأنه من عند الله، وأن الآيات التي ظهرت منه بأمر الله أجراها على يديه، وأن الذي بعثه من بين الموتى هو الله عز وجل.

وقال أيضاً في هذا الموضع: «اعلموا أن الله جعل يسوع الذي قتلتموه رباً ومسيحاً». قال: فهذا القول يزيل تأويلاً من لعله يتأول؛ ففي المطبوعتين يرد تأويلاً من لعله يتأول في الفصل الأول أنه أراد بقوله الناسوت فقط، لأنه يقول إن الله جعله رباً ومسيحاً، والمجعول مخلوق مفعول. مش نحن قلنا إنه هم جعلوا كل النصوص التي فيها العبودية من جهة ناسوته فقط؟ فهو يقول: فهذا القول "اعلموا أن الله جعل يسوع الذي قتلتموه رباً" يرد تأويلاً من لعله يتأول في الفصل الأول أنه أراد بقوله الناسوت فقط، وليس لأنه يقول إن الله جعله رباً ومسيحاً، فبالتالي المجعول سيكون مخلوقاً مفعولاً.

قال أبو نصر: وإنما سمي الناصري لأن أمه كانت من قرية قالوا لها ناصرة في الأردن، وبها سميت النصرانية. والناصرة في الأردن، هذه في الحاشية فقط، وهي ناصرة معروفة في فلسطين اليوم، ولكن ظاهر شكلها قديماً جغرافياً كان يدخل فيها جزء من فلسطين لأنها قريبة من نهر الأردن، حتى لو كانت في فلسطين، ممكن نسبوها باعتبار أنها على الضفة الأخرى من نهر الأردن.

قال: وقد سمى الله جل ثناه يوسف رباً. قال داوود في مزمور 105: ﴿وَلِلْعُبُودِيَّةِ بِيعُوا يُوسُفُ﴾، وشد بالأكبول، بيع يوسف وشد بالأكبول رجليه، وبالحديد دخلت نفسه حتى صدقت كلمته. قول ربي جربه، بعث الملك فخلاه وصيره مسلطاً على شعبه، ورباً على بنيه، ومسلطاً على فتيانه. وقال لوقا في آخر إنجيله إن المسيح عرض له ولوقا تلميذه جبريل في الطريق، وما قول الرب جربه؟ يعني ابتلاه، بعد سيارة مسلطة ورباً على بيته. طبعاً هنا الربوبية بالمعنى الدنيوي، وإن كنا نحن في عادة بنقول لا يجوز أن يطلق الرب بدون إضافة، عادة يقولوا في اللغة العربية إطلاق الرب بدون إضافة لا يصلح في المخلوق، لكن هنا في نسخ الإنجيل أطلقت بدون إضافة على المخلوقين: "ورباً على بيته". لكن هنا مثلاً فيها متعلق، يعني ممكن يأخذ حكم الإضافة، أما في النص السابق جاءت مطلقة: "اعلموا أن الله جعل الذي قتلتموه رباً ومسيحاً".

قال: جبريل في طريقهما محزون، فقال لهما: «ماذا لكما محزونان؟». أنتم طبعاً تعرفون هذه كلها أصلاً تراجم، فلا يؤخذ منها لغة، لا يُبنى عليها لغة. قال: فقال كأنك أنت وحدك غريب من بيت المقدس، إذ كنت لا تعلم ما حدث في هذه الأيام من أمر يسوع الناصري؛ أنه كان رجلاً نبياً قوياً في قوله وفعله عند الله وعند الأمة، أخذوه وقتلوه على قولهم فيه. قال: فهذا قوله وأقوال تلاميذه قد تركتموها وعقدتم على بدع ابتدعها لكم أو أولوكم تؤدي إلى الضلالة وفي شرك بالله جل ثناؤه.

وقال داوود في المزمور الثاني في زبوره، مخاطباً لله ومثنياً على المسيح: «من الرجل الذي ذكرته، الإنسان الذي أمرته، وجعلته دون الملائكة قليلاً، ولبسته المجد والكرامات». وقال في المزمور الثاني: ﴿قَالَ لِي يَا رَبُّ أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ﴾. فقوله "ولدتك" دليل على أنه حديث غير قديم، وكل حديث فهو مخلوق. ثم أكد ذلك بقوله "اليوم"، فحدد باليوم حداً لولادته أزال به الشك، فإنه ما كان قبل اليوم.

ودل بقوله عن الآيات في تصحيح خلق المسيح وعبوديته وبطلان ما يدعونه من ربوبيته، ومثله كثير في الإنجيل لا يُحصى. فإذا كانت الشهادة منه على نفسه ومن الأنبياء عليهم السلام ومن تلاميذه بمثل ما قد بيناه في هذا الكتاب، وإنما اختصرنا للحتجاج عليكم من كتبكم، فما الحجة فيما تدعونه له؟ ومن أي جهة أخذتم ذلك واخترتم الكلام الشنيع الذي يخرج عن المعقول وتنفره النفوس وتنفض منه القلوب، الذي لا يصح بحجة ولا قياس ولا تأويل، على القول الجميل الذي تشهد فيه العقول وتسكن إليه النفوس ويشاكل عظمة الله وجلاله؟

قال: وإذا تأملتم كل ما بيناه، تأملوا إنصافاً من أنفسكم وإشفاقاً عليها، علمتم أنه قول لا يحتمل أن يتأول فيه للناسوت شيئاً دون اللاهوت. قال: فإن قلتم إنه يثبت للمسيح البنوة بقوله "أبي وأبيكم" و"بعثني أبي"، قلنا: فإن كان الإنجيل أنزل على هذه الألفاظ لم تُبدل ولم تُغير على هذه الفرضية.

قال: فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابناً، وقد سمى الله وسماكم الله جميعاً بنيه وأنتم لستم في مثل حاله، ومثل ذلك أن الله عز وجل قال الله وأحباؤه. ومن ذلك أن الله عز وجل قال لإسرائيل في التوراه: «أنت ابني بكري»، وقال لداوود: «إسرائيل ويعقوب».

أو قال لداوود في الزبور: ﴿أَنْتَ ابْنِي وَحَبِيبِي﴾. وقال المسيح في الإنجيل للحواريين: «أريد أن أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»، فسمى الحواريين أبناء الله، وأقر بأن له إلهًا، ومن كان له إله فليس بالإله كما تقولون. فإذا زعمتم أن المسيح إنما استحق الألوهية لأن الله سماه ابنًا، فلنلتزم ذلك في الجميع؛ إذ كل من قال له الله إنه ابن لازم يكون إلهًا مثل إسرائيل وغيره، ويشهد بالألوهية لكل من سماه الله ابنًا، وإلا فما الفرق بين المسيح ويعقوب وغيره؟

فإن قلتم: إن إسرائيل وداود نضرائهم إنما سموا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة، قلنا: يجوز لمعارض أن يعارضكم فيقول لكم: ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود بني الله على الحقيقة؟ هو المسيح ابن رحمة الله، ما الفرق؟ هذا نوع من التحكم، أنتم افترضتم الفرضية.

فإن قلتم: إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل، أن المسيح جاء إلى مقعد فقال له: «قم»، فكأنه قال له: «قم، فقد غفرت لك»، فقام الرجل ولم يدعُ الله في ذلك الوقت، فإنه خاطبه خطاب الإله، هو المسيح قال لهذا المقعد: «قم، خلص أنا غفرت لك»، إذا هو مارس دور الألوهية هنا، فهذا الذي جعلهم يرجحون أنه هو الإله.

قلنا لكم: هذا إلياس أمر السماء أن تمر دون أن يدعوه، فهو يمارس دور الألوهية، لماذا لم تجعلوا إلياس إلهًا؟ وكذلك اليسع أمر نعمان الرومي أن يغمس في الأردن من غير دعاء ولا تضرع، على أن قد وجدناه في الإنجيل قد تضرع وسأل مسائل، وقد تقدم ذكره، وقال في بعض الإنجيل: «يا أبي، أشكرك على استجابتك دعائي، وأعلم أنك في كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة، يؤمن بأنك أنت أرسلتني».

فإن قلتم: إن الغفران من الله عز وجل، وإن المسيح قال لبعض بني إسرائيل: «قم فقد غفرت لك»، والله هو الذي يغفر الذنوب، قلنا: فقد قال الله عز وجل في التوراة لموسى: ﴿أَخْرُجْ أَنْتَ وَشَعْبُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَ مِنْ مِصْرَ وَأَنَا أَجْعَلُ مَعَكُمْ مَلِكًا يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ﴾، فنسب مغفرة الذنوب إلى الملك: ﴿وَأَنَا أَجْعَلُ مَعَكُمْ مَلِكًا يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ﴾، هي أيضًا، إذاً نجعل هذا الملك إلهًا؟ أنتم لا تلتزمون بذلك، ويريهم كم في تناقضات وأمور مضطربة في طريقة تفكيرهم. فإن زعمتم أن المسيح لأنه غفر ذنب المقعد، فالملك إذاً إله لأنه يغفر ذنب بني إسرائيل، فما الفرق؟

فإن قلتم: إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل أن الله سماه ربًا، فقال ابن البشر: «رب السبت»، فقلنا: هذه التوراة تخبر أن لوطًا عليه السلام لما رأى الملكين قد أقبلا من البرية لهلاك قومه قال لهما: «يا ربي مِيلا إلى منزل عبدكما»، وقد تقدم لنا احتجاجهم في هذا الكتاب بذكر من سمي في الكتاب ربًا من يوسف وغيره، فإن كان المسيح إلهًا لأنه سمي ربًا، فلوط أيضًا إله لأنه سمي كذلك.

وقد تقدم لنا احتجاجهم في هذا الكتاب بذكر من سمي في الكتاب ربًا من يوسف أو غيره، فإن كان المسيح إلهًا لأنه سمي ربًا، فلوط أيضًا إله لأنه سمي بمثل ذلك. فإن قلتم: إن الأنبياء قد تنبأوا بالألوهية، فالمسيح قال في إشعياء: «العذراء تحبل ولدًا ويدعى اسمه عمانوئيل»، وتفسيره معنا إلى هنا. وقلنا إن هذا الاسم يعارض السيد شرفه من الناس، وإن كان الله عز وجل المنفرد بمعنى الألوهية جل ثناؤه، فقد قال الله في التوراة لموسى عليه السلام: ﴿قَدْ جَعَلْتُكَ لِهَارُونَ إِلَهًا وَجَعَلْتُهُ لَكَ نَبِيًّا﴾.

وقال في موضع آخر: ﴿قَدْ جَعَلْتُكَ يَا مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ﴾. وقال داوود في الزبور: ﴿مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ فَكُلُّكُمْ آلِهَةٌ وَمِنَ الْعِلِّيِّينَ تُدْعَوْنَ﴾. فإن قلتم: إن الله عز وجل جعل موسى إلهًا لهارون، قلنا: وكذلك قال إشعياء في المسيح إنه إله لأمته على هذا المعنى، وإلا فما الفرق؟

فإن قلت: إن المسيح قد قال في الإنجيل: «من رآني فقد رأى أبي، وأنا وأبي واحد»، قلنا: إن قوله «أنا وأبي واحد» فإنما يريد به أن قبولكم لأمره هو قبولكم من أمر الله، كما يقول رسول الرجل: «أنا ومن أرسلني واحد»، ويقول الوكيل: «أنا ومن وكلني واحد»، إنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله، ويتكلم بحجته، ويطالب له بحقوقه. وكذلك قوله: «من رآني فقد رأى أبي»، يدل بذلك على أن من رأى هذه الأفعال التي أظهرها فقد رأى أفعال أبيه.

فإن قلتم: إن المسيح قد قال في الإنجيل: «أنا قبل إبراهيم»، فكيف يكون قبل إبراهيم وإنما هو من ولده؟ ولكن لما قال «قبل إبراهيم» علمنا ما أراد أنه قبل إبراهيم جهة الألوهية. قلنا: هذا سليمان بن داوود يقول في حكمته: «أنا قبل الدنيا وكنت مع الله»، أي سليمان يقول لك: «أنا قبل الدنيا كلها»، ففهمونا كيف هذه المعنى؟ هل سليمان كان إلهًا؟ أنتم لا تلتزمون بذلك، فما الفرق بينه وبين من قال إن سليمان ابن الله، وأنه إنما قال «أنا قبل الدنيا» بالالهية؟ وقد قال داوود أيضًا في الزبور: «ذكرتك يا رب من البدء».

فإن قلتم: إن كلام سليمان بن داوود متأول لأنه من ولد إسرائيل وليس يجوز أن يكون قبل الدنيا، قلنا: وكذلك قول المسيحي «أنا قبل إبراهيم» متأول لأنه من ولد إبراهيم ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم، فأنت أولتم، وأنت علقتم بظاهر الخبر في المسيح، تعلقتم بظاهر الخبر في سليمان وداوود، وإلا فما الفرق؟ وقد قدمنا هذا الاحتجاج على تأويلكم لتعلموا.

ما ذهبتم إليه على أنه تأويل غير واقع بحقه، وإنما حقه أن يكون هذا الاسم عما ويل لما وقع على المسيح، وكان معناه أنه أخبر عن نفسه بأن الله معنا، يعني أن الله معه، ومع شعب معين وناصرا. فليس هو عيسى هو الإله، لا، كيف أقول لك الله معنا؟ ليس أن هو عيسى هو الإله الذي معنا.

ومما يصح ذلك أنكم تتسمون به، أنتم نفسكم تتسموا "الله معنا"، ولو كان المعنى ما ذهبتم إليه لما جاز لأحد أن يتسمى به "الله معنا"، كما لم يجوز أن يتسمى بالمسيح لأنه مخصوص بمعناه.

قال: فإن قلتم إن تلاميذ المسيح كانوا يعملون الآيات باسم المسيح، فقلنا لكم فقد قال الله جل جلاله ليحيى بن زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ أَيِّدْنِي بِآيَةٍ﴾، أو بقوة إلياس، وهي قوة تفعل الآيات، فأضاف القوة إلى إلياس؛ فإن زعمتم أن المسيح إله لأنه فعلت الآيات باسمه، فما الفرق بينكم وبين من قال إن إلياس إله؟ فإن نفس الفكرة، خلي الحواريين كانوا يعملون بقوة المسيح. أي الله عز وجل يقول ليحيى في كتابكم: أيدتك بقوة إلياس، هل معناه أن إلياس أصبح نبيا أو إلها؟

فإن قلتم إن الخشبة التي صلب عليها بسها لزعمكم أُصلقت بميت فعاش، فإن هذا دليل على أنه إله؛ قلنا لكم فما الفرق بينكم وبين من قال إن اليسع إله؟ واحتج في ذلك بأن كتاب سفر الملوك يخبر أن رجلا مات فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدوا لهم يريد أنفسهم، فطرحوا الميت عن رقابهم وبادروا المدينة، وكانوا قد هربوا، شافوا واحدا بده يقتلهم فهربوا، حطوا الميت وهربوا، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت سبحان القبر اليسع، فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش وأقبل يمشي معهم إلى المدينة. فإن زعمتم أن المسيح إله لأن الخشبة التي ذكرت صُلبت عليها، فليس كذلك، لابد يكون إلها لأن الميت هذا الذي وضع على قبر اليسع عاش.

فإن قلتم إن المسيح كان من غير فحل، يعني نشأ من غير أب، قلنا لكم قد كان كذلك، وليس عجوبة الولادة توجب الألوهية ولا الربوبية، لأن القدرة في ذلك للخالق تبارك وتعالى لا للمخلوق. وعلى أنه يوجدكم لأن حواء خلقت من فحل بلا أنثى، نعم حواء خلقت من فحل بدون أنثى، وخلق أنثى من ذكر بلا أنثى أعجب من خلق ذكر من أنثى. وأعجب من ذلك لماذا؟ لأن الأنثى لها رحم، فأن يخرج منها ذكر أهون من أن تخرج أنثى من ضلع ذكر بدون وجود طمث، يعني الأنثى في العادة هي التي تلد والذكر لا يلد، فإن تخرج أنثى من ذكر أعجب من أن يخرج ذكر من أنثى، فهمتم هذا مقصده؟

وأعجب من ذلك أن آدم خلقه الله من تراب، وخلق بشرا من تراب، فأعجب وأبدع من خلق ذكرا من أنثى بلا فحل، فما الفرق؟ فلماذا لم تجعلوا آدم إلها وهو لم يُخلق لا من فحل ولا من أنثى؟

قال: وهذه الأسباب التي ذكرناها كلها هي الأسباب التي تعلقون بها في انتحالكم المسيحية الربوبية وإضافتكم إليه الألوهية، وقد وصفناها على حقائقها عندكم، وقبلنا فيها قولكم، إن كنا لا نشك في أن أهل الكتاب قد حرفوا بعض ما في كتبهم، ووجدناكم بطول ما تنتحلونه وفساد ما تأولونه من الكتب التي في أيديكم: التوراة والزبور والأنبياء والإنجيل، فما الذي يثبت الحجة بعد ذلك لكم؟

قال: وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة، إن ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن أيضا، ولكن الآب وحده يعرفه. فهذا إقرار منه بأنه منقوص العلم، وأن الله تبارك وتعالى أعلم منه، وأنه خلافه أعلى منه. وقد بين بقوله "أحد" عموما بذلك الخلق جميعا، ثم قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ﴾ وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض، ثم قال: ﴿وَلَا الِابْنُ﴾ وله من القوة ما ليس لغيره.

وشهد قوله هذا شهادة واضحة عليه بأنه لا يعلم كل ما يعلمه الله، بل ما علمه الله إياه وأطلع على معرفته وجعله له، وأنه ليس بقصد معرفته بكل الأشياء بحيث يصفونه بالربوبية وأنه هو الله ومن جوهر أبيه تعالى، الله خالق كل شيء علوا كبيرا. ولو كان إلها كما يقولون لعلم ما يعلمه الله من سائر الأشياء وسرائر الأمور وعلنيتها.

إذن إذا كان هذا المعنى، الكلام الذي سئلتم عنه تعلقتم به بأنه قيل للناسوت دون اللاهوت، مقصوده بذلك أنه صرح بأنه لا يعلمه أحد، ثم خص الملائكة بذكره لئلا يظن أن أحدا منهم يعلمه، فقال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا الِابْنُ يَعْرِفُهُ إِلَّا الْآبُ﴾، فنفى معرفة الابن وأثبت أن الآب وحده يعرفه، والمراد بالابن المسيح، فعرف أن المسيح لا يعرفه، وأثبت أن الرب يعرفه دون الابن. ودل ذلك على أن لفظ الابن عند المسيح إنما يراد بها الناسوت وحده، إذ كان لا يجوز نفي العلم عن اللاهوت فإن اللاهوت يعلم كل شيء.

وقد دل ذلك على أن نقوله عمد الناس باسم الأب أو الابن، والابن المراد به الناسوت وحده، كما أريد بلفظ الابن في سائر كلامه، وكلام غيره. لم يرد قط أحد منهم بلفظ "الابن اللاهوت"، بل إطلاق الابن على اللاهوت مما ابتدعته النصارى وحملوا عليها كلام المسيح، فابتدعوا لصفات الله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وحملوا عليها كلام المسيح، وإنما يحمل كلام الأنبياء عليهم السلام وغيرهم على معنى لغتهم التي جرت عادتهم بالتكليم بها، لا على لغة يحدثها من بعدهم ويصير يحمل كلام الأنبياء ويفسر كلامهم عليها.

قلت: فإن هذا الذي فعلته النصارى وأشباههم يفتح باب الإلحاد في كتب الله المنزلة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۚ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ يَأْتِي آمِنًا فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الأعراف: 49]. فهو يريد أن يقول لك إن كلمة الابن، حتى ولو وردت في كتبهم في الإنجيل، المراد بالابن هو جسد عيسى، وإطلاق الابن على فكرة اللاهوت هذه أصلا كلها فكرة اخترعوها النصارى وابتدعوها من بنات أفكارهم.

عقولهم، وللأسف فإن هذا كله من تحريف الكلام، ومثله يقع في القرآن من أهل البدع والأهواء؛ اليوم إنهم يحملون معاني الكتاب والسنة -ألفاظ الكتاب والسنة عفواً- على معاني هم اخترعوها. نفس الشيء النصارى لما حملوا كلمة الابن الواردة في الإنجيل على معناهم هم اخترعوه، فالابن واردة في الإنجيل بس على معنى المصطفى المختار المميز، مش على معنى اللاهوت. فهذا يعني معنى مهم أن تعرف أن أهل البدع من أمة محمد ﷺ سلكوا طريق اليهود والنصارى في تحريف الكتب السماوية في معانيها.

قال: وذلك أن كل من يتقدم معاني برايه يمكن أن يعبر عنها بألفاظ تناسبها بنوع المناسبة، وتلك الألفاظ موجودة في كلام الأنبياء عليهم السلام، وها هو يأخذ معاني أخرى ويجعل تلك الألفاظ دالة على معانيه التي رآها، ثم يجعل الألفاظ التي تكلمت بها الأنبياء وجاءت بها الكتب الإلهية أرادوا بها معانيه.

هذه قاعدة خطيرة متعلقة بكل أهل البدع قديماً وحديثاً؛ أنه يأتي إلى معنى هو اخترعه أو أحبه، ثم يأتي -شايفين هذا المعنى الذي هو بده إياه- يحمل لفظ الكتاب والسنة على المعنى الذي يريده هو، وليس على المعنى الذي قصده الأنبياء أو قصده الله سبحانه وتعالى.

يقول لك ابن تيمية: هذه إشكالية قديمة في الأديان السابقة واستمرت في أمة الإسلام، وهو أن يأتي مثلاً الأشعري أو المعتزلي أو الجهمي، كونه مقتنعاً بمعنى معين، فيحمل ألفاظ الكتاب والسنة على المعنى الذي يريده هو وليس على المعنى الذي أراده الله سبحانه وتعالى. لذلك حتى مثلاً لفظه "التأويل"، أذكى نموذج؛ لفظ التأويل في كتب أصول الفقه: ماذا تعني؟ صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معناه المرجوع بدليل. الآن استعمال التأويل بهذا التعريف هذا غير موجود في الكلام العربي القديم.

التأويل في الكلام العربي القديم إما بمعنى التفسير، أو بمعنى حقيقة الشيء في الخارج، أو بمعنى العمل بالشيء؛ كان يأول القرآن. أما التأويل بهذا المعنى "صرف اللفظ عن معناه المرجوع" هذا معنى محدث نشأ في المصنفات الإسلامية المتأخرة. فتجي أنت تفسر كلمة التأويل في القرآن على هذا المعنى، وأنه الراسخون في العلم هم الذين يعرفون التأويل بهذا المعنى؛ هذا غير صحيح، لأنه كلمة التأويل بهذا المعنى أنتم أوجدتموها، بغض النظر أنه كون صحيحاً أم لا، هذا وجد متأخراً. إطلاق لفظ التأويل عليه هذا من صناعتكم، وليس من معاني الكتاب وليس من استعمالات الكتاب والسنة.

وقد وقع على ذلك كثير من التشوهات التي حصلت في تفسير القرآن عند الفرق الإسلامية، ثم قال: وهكذا فعل سائر أهل الحادث في سائر الكتب الإلهية كما فعلته النصارى، مثل ما عمد الملاحدة المتبعون لفلاسفة اليونان القائلون بأن هذه الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وأن الله لم يتكلم بالتوراة ولا غيرها من الكتب الإلهية، ولا هو عالم بالجزئيات لا بموسى ابن عمران ولا بغيره، ولا هو قادر على أن يفعل بمشيئته ولا يقيم الناس من قبورهم.

فقالوا: خلق وأحدث وفعل وصنع، ونُحل ذلك يقال: الإحداث الذاتي والإحداث الزماني؛ فالأول هو إيجاب الإله لمالها المقارن لها في الزمان، والثاني إيجاد الشيء بعد أن لم يكن. ثم قالوا: ونحن نقول إن الله خلق. فقالوا الفلاسفة ماذا قالوا؟ إن لفظه "خلق" في القرآن ولفظه "أحدث" إذا وقعت في القرآن و"فعل" و"صنع"، إنما يقصد بها الإحداث الذاتي والإحداث الزماني وليس الإيجاد من العدم.

ماذا قصدكم بالإحداث الذاتي والإحداث الزماني؟ قالوا: فالأول الإحداث الذاتي هو أن العلة توجد معلولها وإن كان المعلول مقترناً بالزمان، مش ضروري يكون حدثاً متأخراً؛ قال: إيجاب العلة لمعلولها المقارن لها في الزمان، وبالتالي استدلوا بذلك على قدم الأفلاك وعلى أنه قدم العالم، وكفر الفلاسفة بذلك. والثاني وهو الإحداث الزماني: إيجاد الشيء بعد أن لم يكن.

ثم قالوا: ونحن نقول إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأحدث ذلك وأبدعه وصنعه كما أخبرت بذلك الأنبياء عليهم السلام، لكن بأي الإحداث؟ الإحداث الزماني ولا الإحداث الذاتي؟ لكن مراد من ذلك الإحداث الذاتي، وأن علاقة علة بمعلول، وهذا لا يعني أن المعلول جاء متأخراً زمنياً عن العلة. فهمت كيف يفكر ابن سينا؟ طبعاً الفلاسفة هنا ابن سينا وجماعته. عشان هي اللي يشبهها بموضوع الخاتم، أنه الإصبع والخاتم تكون مقارنتين مع بعض، يعني ما في شيء تحرك قبل، ممكن تفسرها بهذه الطريقة وإن كان في علة ومعلول.

قال: فيقال لهم: لم يستعمل أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل ولا أحد من سائر الأمم، لفظ الخلق والإحداث إلا فيما كان بعد ما كان إيجاداً بعد عدم؛ هذا هو مدلول كلمة خلق أو أحدث: إيجاد بعد عدم. أما هذا الإحداث الذاتي، والله هذا حضرة ابن سينا جابه من عند الفلاسفة اليونان وفسر فيه القرآن على هواه.

قال: وهو ما كان مسبوقاً بعدمه وجود غيره. ومعنى هذا اللفظ معلوم بالاضطرار في جميع لغات الأمم، وأيضاً فاللفظ المستعمل في اللغة العامة والخاصة لا يجوز أن يكون معناه ما لا يعرف إلا بعض الناس. وهذا المعنى الذي يدعونه لو كان حقاً لم يتصوره إلا بعض الناس، فلا يجوز أن يكون اللفظ العام الذي تداوله العامة والخاصة موضوعاً له، إذا كان هذا يبطل مقصود اللغات ويبطل تعريف الأنبياء للناس. فكيف وهو باطل في صريح المعقول كما هو باطل في صحيح المنقول؟

فإنه لم يعرف أن أحداً قد تعبر عن القديم الأزلي الذي لم يزل موجوداً ولا يزال بأنه محدث أو مخلوق أو مصنوع أو مفعول، فهذا الذي ذكرتموه كذب صريح على الأنبياء عليهم السلام؛ لتوهموا الناس أنكم موافقون لهم، والكتب الإلهية كالتوراة والقرآن مصرحة بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون مخلوقاً في ستة أيام. وكذلك الكتب الإلهية كالتوراة والقرآن قد أخبرت بتكليم الله لموسى وبندائه إياه من الطور من الشجرة، وفي التوراة إنها شجر العليق، وأخبرت بأن موسى عليه السلام كان يلقي عصاه فتصير حية تسعى، ويخبر بأن الله فلق البحر.

فقالت الملاحدة: إن الشيء الثابت يسمى طوراً فإنه ثابت كالجبل، والقلوب تسمى أودية، وإظهار العلوم بتفجير ينابيع، والحجة المبتلعة كلام أهل الباطل هي العصا المعنوية. فبالتالي ابن سينا كل ما ورد في القرآن من معنى عصا وموسى والوادي المبارك، كل هذا على أمور فلسفية؛ أن الوادي المبارك والعلوم التي تفجرت في موسى وأن العصا هي الحجة، وحمل كل هذه القصة على...

سيناريوهات اخترعها هو والملاحدة الذين معه؛ فمراد الكتب بالطور العقل الفعال الذي فاض منه العلم على قلب موسى، والوادي الذي دخل عليه موسى هو قلب موسى، والكلام الذي سمعه موسى سمعه من سماء عقله، وتلك الأصوات كانت في نفسه لا في الخارج، والملائكة التي رآها كانت أشخاصًا نورانية تمثلت في نفسه لا في الخارج، والبحر الذي فلقه هو بحر العلم، والعصا كانت حجته، غلب على السحرة بحجته العلمية فأبطلت حجته العلمية شبههم التي جعلوها حبالًا يتوسلون بها إلى نيل أغراضهم، وهو في سيناريو: «وعصيا يقارون بها من يجادلونه».

بعد ما خلص القصة، أفليس من قال مثل هذا الكلام يعلم بالاضطرار أنه يكذب على الكتب الإلهيات التي أخبرت بقصة موسى كالتوراة والقرآن؟ وأنه ليس مراد الرسل بما أخبروه به من قصة موسى هذا، بل صرحوا بأن موسى سمع نداء الله له وأنه كلمه من الطور طور سيناء الذي هو الجبل، وقلب عصاه التي كان يهش بها على غنمه ثعبانًا عظيمًا، وفلق له البحر وأغرق فيه آل فرعون فغرقوا وماتوا فيه وهلكوا. وأمثال هذا من تحريفات الملاحدة كثير.

فهكذا النصارى حرفوا كتب الله، وسموا صفة الله القديمة الأزلية التي هي علمه أو حكمته "ابنًا"، وسموها أيضًا "كلمة"، وسموا صفته القديمة الأزلية التي هي حياته "روح القدس". وتسمية هذه الصفات بهذه الأسماء لا توجد في شيء من كلام الأنبياء ولا غيرهم، ولا يُعرف أن أحدًا قط من الأنبياء ولا من غيرهم سمى علم الله القائم به ابنه، بل ولا سمى علم أحد من العالمين القائم به ابنه.

ولكن لفظ "الابن" يُعبر به عن من ولد، والولادة المعروفة يُعبر بها عن من كان هو سببًا في وجوده، كما يقال ابن السبيل لمن جاء من جهة الطريق فكأنه ولده، ويقال بعض الطير ابن الماء لأنه يجيء من جهة الماء. قال: «كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا»، فإن الابن ينتسب إلى أبيه ويحبه ويضاف إليه، أيكون ممن ينتسب إلى الآخرة ويحبها ويضاف إليها؟

وهذا اللفظ موجود في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب في حق الصالحين الذين يحبهم الله ويرحمهم، كما ذكروا أن المسيح قال: «أبي وأبوكم إلهكم»، وفي التوراة أن الله قال ليعقوب: «أنت ابني الكريم»، ونحو ذلك مما إذا كان صحيحًا فله معنى صحيح وهو المحبة له والاستفادة له والرحمة له، وكان المعنى مفهومًا عند الأنبياء عليهم السلام ومن يخاطبونه، وهو من الألفاظ المتشابهة، فصار كثيرًا من أتباعهم يريدون به المعنى الباطل، وزعم كثير من الكفار أن لله سبحانه وتعالى بنين وبنات، وأن الملائكة بناته.

كلمة "الابن" هي من الألفاظ المتشابهة، فيجب أن تُرد إلى المحكم حتى تُفهم، وأما أهل الباطل فيقفون عند المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. قال: وبعض من يقول بقدم العالم من المتفلسفة يقولون: العقول العشرة هي بنوه، والنفوس الفلكية هي بناته، والمتولدة عنه لازمة لذاته. وجاء القرآن الذي هو أفضل الكتب وأكملها بإبطال هذه المعاني ومنع استعمال هذا اللفظ في حق الله تعالى، فنزه الله عن أن يتخذ ولدًا، كما نزهه أن يكون له ولد، والأول من باب تنزيهه عن الأفعال المذمومة.

وهذا على قول جماهير المسلمين وغيرهم الذين ينزهون الله ويقدسونه عن الأفعال القبيحة التي لا تليق به، بل تنافي ما وجب له من الكمال في أفعاله كما وجب له الكمال في ذاته وصفاته. وأما من كان من المسلمين وغيرهم لا ينزه الله عن فعل من الأفعال إلا ما كان ممتنعًا لذاته، فأما الممكن المقدور فيقول لا ينفي إلا بالخبر أو العادة المضطردة التي يمكن انتقاضها، فهذا لا يبقى معه ما ينفي به عن الله الأفعال المذمومة القبيحة.

والكتب الإلهية قد نزهت رب عز وجل عن الأفعال المذمومة كما نزهته عن صفات النقص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. القاعدة هي أننا ننفي النقص عن الله سبحانه وتعالى حتى ولو لم يكن ممتنعًا لذاته؛ أنت لا تنفي عن الله فقط الأشياء المستحيلة لذاته، بل كل ما كان نقصًا فإنه ينفى عن الله، مثل الظلم؛ فإنه ينفى عن الله وإن لم يكن ممتنعًا لذاته، لأن الله عز وجل قادر على كل شيء، لكنه ينفي عن الله عز وجل الظلم.

فإذا كان من الممكن المقدور، فإن القول بأنه "لا أنفي حتى يأتي نص بنفيه" لا يبقى معه ما ينفي به عن الله الأفعال المذمومة القبيحة؛ لأن النصوص التي نفت عن الله أفعالًا معينة هي نصوص معدودة، لكن العقل الإنساني السوي يعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يتصف بأي شيء من النقائص، فإنت تستطيع أن تنفي عن الله كل نقص وليس شرطًا أن يأتي النص ليخبرك بنفيه.

هنا نريد أن نوازن بين المعبر عن قدرة الله الشاملة؛ فإنت قلت إن الله قادر على كل شيء، وهذا مقدور لكنه كمال. ثم نأتي للخطوة الثانية، وهي أننا نقول لا يمكن أن يشبهه الحال، ونعبر عنها بالامتناع. الممتنع لذاته هو المستحيل لذاته الذي لا يتصور عقلاً، لكن الخطوة الثانية هي أننا نقول لا يمكن أن يتصور وجود كذا من الله سبحانه وتعالى لكماله.

إذن، كمال الله سبحانه وتعالى يوجب الامتناع، وجه الامتناع هنا هو الكمال لا العجز الذاتي. فرق بين أن تقول إن شيئًا هو أصلًا لذاته لا يمكن أن يحصل، وبين أن يكون قد امتنع عنه كمالًا ورحمة وإلى غير ذلك من الأمور. فهو ليس لأنه ممتنع ذاتًا أنه بحد ذاته كفعل لا محل له للقدرة الإلهية، بل هو محل للقدرة، لكن الله سبحانه وتعالى كمالًا وعزة وجلالاً ينزه عن هذا الأمر؛ لأنه إله فينبغي أن يكون فيه الكمالات.

كل هذا يؤدي إلى نفس المعنى، قال كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: 26-27].

﴿وهم بأمره يعملون﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]. وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقُوهُمْ ۘ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100]. وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۛ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: 111]. وقال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: 191]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان: 1-2].

وقال تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ مَّا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ كَذِبَ اللَّهُ ۚ وَقَالُوا إِن لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اتَّخَذْنَا مِن وَلَدٍ مِّن قَبْلُ ۖ مَا لَنَا بِهَٰذَا مِنْ عِلْمٍ إِنْ هَٰذَا إِلَّا ظَنٌّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون: 91]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. فكما نزه نفسه عن الولادة، نزه نفسه عن اتخاذ الولد.

وقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، لغتم شيئاً إذاً، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. وقالوا: «ألم يمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً؟». وفي الصحيح يقول الله: «كذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وشتمني وما ينبغي له أن يشتمني، فأما شتمه إياي فقوله: إن اتخذ الله ولداً، وأما سبه إياي فقوله: اتخذ الله أحداً»، والأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد. وفي الصحيح: «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له ولداً شريكاً وهو يرزقهم ويعافيهم».

ولهذا كان معاذ يقول: «لا ترحموا النصارى، فإنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر». فجاءت هذه الشريعة الحنيفية القرآنية حرمت أن يتكلم في حق الله باسم ابن أو ولد سداً للذريعة، وكأنه يقول: وإن كانت الألفاظ وردت في الإنجيل، لكن في شريعة الإسلام أغلق الباب تماماً، فلا يجوز أن نقول إن أحداً ابن أو ولد، حتى لو قصدنا به المعنى الصحيح أو الاصطفاء والاختيار، سداً للذريعة.

كما منعت أن يسجد أحد لغير الله على وجه التحية والاحترام، وإن كان هذا جائزاً في الشرائع السابقة كما ذكرت طائفة من أهل العلم. كما منعت أن يصلي أحد عند طلوع الشمس وغروبها لئلا يشبه عباد الشمس والقمر. فكانت بسدها للأبواب التي يُجعل لله فيها الشريك والولد أكمل من غيرها من الشرائع، كما سددت غير ذلك من الذرائع مثل تحريم الخمر؛ لأن المشكل أنه يجر إلى كثير.

فإن أصول المحرمات التي قال الله بها: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. ثم اتفقت عليه شرائع الأنبياء بخلاف تحريم الطيبات؛ فإن هذا جاء في شرع التوراة دون شرع القرآن، أن الله أحل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الطيبات وحرم عليه الفواحش. فالله عز وجل قد يحرم الطيبات عقوبة، لكنه لا يحل الفواحش عقوبة؛ لأنها اتفقت الأنبياء على تحريمها والديانات.

فهي الخمسة التي وردت في الآية هذه، كل الشرائع جاءت بها، ما عداها مثل تحريم الطيبات؛ هل الشرائع اختلفت فيها؟ نعم، فشريعة التوراة حرمت شيئاً من الطيبات عليهم على وجه العقوبة مثلاً، فإن الله أحل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الطيبات وحرم عليهم الخبائث. وكذلك تكميل التوحيد من كل الوجوه، وسد أبواب الشرك من كل الوجوه، جاءت به هذه الشريعة مع اتفاق الأنبياء على إيجاب التوحيد وتحريم أن يجعل لله شريكاً أو ولداً. فهو يريد أن يقول لك إن جميع رسائل الأنبياء متفقة على التوحيد ونفي الشرك، لكن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي ميزها أنها سدت الذرائع التي يمكن أن تؤدي إلى الشرك ما لم يسد في غيرها من الشرائع السابقة. وهذا أصل ممكن تبني عليه فكرة أن الشريعة المحمدية -بالاستقراء كما يقول ابن تيمية- سدت من ذرائع الشرك ما لم يسد في الشرائع السابقة.

فإذا كان المراد بالمسيح عليه السلام "الابن" هو الناسوت، وهو لم يسمى اللاهوت ابناً، وقد ذكر أن الابن لا يعلم الساعة، فتبين أن المسيح هو الناسوت فقط، ما في شيء اسمه لاهوت، وأنه لا يعلم الساعة، وهذا هو الحق. فإن قالوا: المراد بالابن اللاهوت أو اللاهوت والناسوت، لازم من ذلك أن اللاهوت أو اللاهوت والناسوت لا يعلم الساعة، وهذا باطل وكذب، وهو أيضاً مناقض لقولهم. فدل هذا النص من المسيح مع سائر نصوصه ونصوص الأنبياء على أن مسمى الابن هو الناسوت وحده، وأنه لا يعلم ما يعلمه الله؛ ذلك لأنه مخلوق ليس بخالق. ولا يجوز أن يكون هذا خطاباً للناسوت المتهد باللاهوت دون اللاهوت، كما يتأوله عليه بعض النصارى؛ لأن كل ما يعلمه اللاهوت المتهد بالمسيح علمه الناسوت، ولأن الناسوت ليس هو الابن عندهم دون اللاهوت المتهد به، بل اسم الابن عندهم هو اللاهوت، ولأجل الاتحاد دخل في الناسوت. ولأنه لم يثبت إلا علم الأب، وحده لم يستثنِ علم الابن الأزلية عندهم، بل نفى علم ما سوى الأب به، وهذا مناقض لقوله من كل وجه.

فصل؛ قال الحسن بن أيوب: ومثل هذا أنه لما خاطبه الرجل على ما كتب في الإنجيل فقال له: «أيها الخير»، فقال: «ليس الخير إلا الله وحده». وقلت: وبعضهم يترجمه: «أيها الصالح»، فقال: «ليس الصالح إلا الله وحده». قال: ومثله قوله في الإنجيل: «إني لم آتِ لأعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة من أرسلني»، قال: ولو كانت له مشيئة لاهوتية كما يقولون، لما قال هذا القول، فقد أبطل به ما تدعونه في ذلك.

قال: ثم أنتم مع ذلك تدعون أن المسيح كلمة الله من قوة الله غير بائنة منه ولا منفصلة عنه، وتشهدون عليه في الإنجيل بقوله إنه يصعد إلى السماء ويجلس عن يمين أبيه، ويدين الناس يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم ويتولى الحكم بينهم، أن الله عز وجل منحه ذلك إذ كان لا يراه أحد من خلقه في الدنيا ولا في الآخرة. فإن كان هذا الجالس للحكومة بين العالمين يوم الدين، والقاعد عن يمين أبيه، وهو شخص قائم بذاته لا شك فيه، هو الجسد الذي كان في الأرض المتوحد به الربوبية، فقد فصلتم بين الله تبارك وتعالى وبينه، وبعثتموه باجتماعهما في السماء شخصين متباينين، أحدهما عن يمين صاحبه، وهذا كفر وشرك بالله عز وجل، وإن كان جسداً خالياً من الألوهية والكلمة.

عادت إلى الله كما بدأت منه، فقد زال عنها حكم الربوبية التي تنتحلونه إياها. قالوا: نسألكم عن واحدة نحب أن تخبرونا بها، وهي أصل ما وضعتموه من عبادتكم الثلاثة، الأقانيم التي ترجع منكم إلى جوهر واحد وهو اللاهوت، ما هو؟ ومن أين أخذتموه؟ وفي أي كتاب نزل؟ وأي نبي تنبأ به؟ أو أي قول للمسيح تدعونه فيه؟ وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا على قول متى التلميذ عن المسيح عليه السلام أنه قال لتلاميذه حيث أراد أن يفارقهم: «اذهبوا فعمّدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس».

قال: وهذا الكلام يحتمل معناه -إن كان صحيحًا- أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله وبركة نبيه المسيح وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل. وقد نراكم إذا أردتم الدعاء بعضكم لبعض قلتم: "الصلاة فلان القديس تكون معك"، ومعنى الصلاة الدعاء، واسم فلان النبي يعينك على أمورك. وكما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، يقرن طاعته وطاعة نبيه بطاعة أولي الأمر من المسلمين، أفنقول ذلك جميعًا آلهة؟ يعني هو مجرد الاقتران لا يدل على الألوهية.

فقوله: «وعمدوا باسم الآب والابن وروح القدس»، هل الاقتران دل على ألوهية الابن وروح القدس؟ مجرد اقتران الرسول وأولي الأمر مثلاً في الآية، بالله لم يجعل ذلك الرسول وأولي الأمر آلهة، فالاستدلال لكم من دلالة الاقتران هنا ضعيف جداً.

قال: وقد يجوز أن يكون له ما لا يدق عن الوقوف عليه بغير تأويل، إن لم يكن ما قلناه، أو يكن المسيح عليه السلام ذهب فيه إلى ما هو أعلم به. فلما حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها الله إلى الله عز وجل -أي اعتبروا- أننا ما فهمنا معنى هذه الجملة الإنجيلية "عمدوا بالاسم"، قال: لماذا؟ الاحتمال الوحيد الذي فسرتم به هو أنهم آلهة. يعني هو يقول لهم اعتبروا لها عدة معاني ونحن خفي علينا تأويلها، لماذا المعنى الذي اخترتموه بالضبط من إضافة الابن وروح القدس إلى الله في تلك الجملة أنه أراد بهم التأليه؟

وجعلتم لها أقانيم لكل أقنوم يخصه بعينه، هو شخص واحد، وكيف استجزتم واشتققتموه مع الله عز وجل بتأويل الذي لا يصح؟ وإذا قلت بثلاثة أقانيم، كل أقنوم بذاته، فلا بد من أن تعترفوا ضرورة بأن كل أقنوم منها حي، سميع، بصير، عالم، حكيم، ومنفرد بذاته. كما يقولون في المسيح إنه جالس عن يمين أبيه، أفنراكم أخذتم الأقنومين اللذين أحدثتموهما مع الله من جهة أن الله حكيم حي، فحكمته الكلمة وهي المسيح، وروحه روح القدس؟ وهذه صفة من صفات الله مثلها كثير؛ لأنه قال: حكيم، عليم، سميع، بصير، حي، قدير، وكذلك ربنا تبارك وتعالى، وإن كانت صفاتنا لا تلحق صفاته ولا تبلغ كنه مجده، تبارك وتعالى مجده، إلا بتمثيل لعظمته وعزته وجلاله وعلوه، فنحلتم صفاته التي هي معناه ليست سوى غيره، وجعلتموه أقانيم لكل واحد من الحياة والحكمة وسائر الصفات.

مثل الذي له وما منها أقنوم له صفة، إلا ويحتمل على قياس قولكم أن تكون صفته مثله. فإذا كانت هذه الأقانيم آلهة وكل صفة لإله وهي من جوهره، فيجب أن تكون كل صفة لكل واحد من الثلاثة الأقانيم إلهاً مثله، إذ كان من جوهره نفس الجوهر، فيتسع الأمر في ذلك حتى لا يكون له غاية ولا نهاية.

قال: وإذا قلتم بثلاثة أقانيم هي في السماء من جوهر قديم، فليس يلزمكم الإقرار بثلاثة آلهة؛ لأن الأقانيم أشخاص يحد عليها، وإلا فما الحجة وأنتم تذكرون في بعض احتجاجكم أنها ثلاثة ترجع إلى واحد غير متبعة ولا منفصلة، وتشبهونها في سماعها وظهور ما يظهر منها بالشمس؟ وقد نراكم عقدتم شريعة إيمانكم على أن المسيح إله وإنسان متحدان، وأنه يصعد إلى السماء ويجلس عن يمين أبيه، والجالس عن يمين صاحبه أليس هو منفصلاً عنه ومفروزاً عنه؟ فكيف يصح على هذا القول قياس، أو يصح به عقد دين؟ تقولون مرة مجتمع ومرة منفصل، نحن لم نعد نعرف أالثلاثة مع بعض أم ثلاثة منفصلين عن بعض؟

وما شبهتموه به من الشمس ونورها وضوئها، تعرفوا شبهوا الشمس مع النور والشعاع، وقد تقدم شرحنا لبطلان الحجة فيه، وإن هذا القياس قياس خاطئ. ألم تجدوا أنكم تقولون في مادة التثليث إن الذي دعاكم إليه ما ذكرتم؛ أن متى التلميذ حكاه في الإنجيل عن المسيح عليه السلام إذ قال تلاميذه: «سيروا في البلاد وعمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس». وإنكم فكرتم في هذا القول بعقولكم، فعلمتم أن المراد بذلك أنه لما أثبتم حدوث العالم علمتم أن له محدثاً، فتوهمته شيئاً موجوداً، ثم توهمته حياً، ثم ناطقاً؛ إذ الشيء ينقسم حياً ولا حي، والحي ينقسم ناطقاً ولا ناطق، وإنكم علمتم بذلك أنه شيء حي ناطق، فأثبتم له حياة ونطقاً غيره في الشخص وهما هو في الجوهرية.

فنقول لكم بذلك: إذا كان الحي له حياة ونطق، فأخبروا عنه، أتقولون إنه قادر عزيز أم عاجز ذليل؟ فإن قلتم لا بل هو قادر عزيز، قلنا: فأثبتوا له قدرة وعزة كما أثبتم له حياة ونطقاً. فإن قلتم لا يلزمنا ذلك لأنه قادر بنفسه وعزيز بنفسه، قلنا لكم: وكذلك فقولوا إنه حي بنفسه وناطق بنفسه، ولا بد لكم مع ذلك من إبطال التثليث أو إثبات التخميس، وإلا فما الفرق؟

وقال الحسن بن أيوب أيضاً: إن كلما تأملنا معكم في نسبة المسيح عليه السلام إلى الألوهية وعبادته مع الله على الجهة التي تذهبون إليها، وطلبنا لكم الحجة في ذلك من كتبكم، وجدنا حجة بسيطة في استحالة ذلك ووضعكم له من...

القول ما لا يثبت لكم به حجة ولا يشهد به لكم شيء من كتبكم، وجدنا أبين ما جاء في المسيح وصحة أمره فيما أتى به. ما قالت متى التلميذ إنه لما جاء يسوع إلى أرض قيسارية سأل تلاميذه فقال: «ماذا يقول الناس في أني ابن البشر؟»، فقالوا: «منهم من يقول إنك يوحنا المعمداني، وآخرون يقولون إنك إرميا أو أحد الأنبياء»، فقال لهم يسوع: «فأنتم ماذا تقولون؟»، فأجاب سمعان صفا وهو رئيسهم فقال: «أنت المسيح ابن الله الحق».

فأجابه المسيح وقال: «طوبى لك يا سمعان بن يونا، إنه لم يطلعك على هذا لحم ولا دم، ولكن أبي الذي في السماء». وحكى لوقا في إنجيله هذا الخبر فقال إن سمعان أجابه فقال: «أنت مسيح الله»، ولم يقل «ابن الله»، فهكذا كلام تلميذه الرئيس فيه، وأرضاه ما قال، وقوله إنه لم ينطق بذلك إلا ما أوحاه الله في قلبه، لم يدفع قطعاً عنه أنه مسيح الله، ولا عن أنه كما تقولون في لغتكم إنه ابن الله بالرحمة والصفوة، مع هذا الاختلاف الواقع في ذلك في الإنجيلين.

وقد قال مثل ذلك فيكم جميعاً: «إن الله إلهي وإلهكم وأبي وأبيكم»، فنعمل على احتجاجكم أنه ليس مثلكم في معنى النبوة، ونجعله مثل من سمي في الكتب على جهة الاصطفاء والمحبة مثل إسرائيل وغيره، بل قد خص إسرائيل بأن قال عز وجل: ﴿إِنِّي اخْتَرْتُكَ﴾، وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاء بها الكتب وليست بموجبه الإلهية؛ إذ كان قد شُبه بموجبه الإلهية، يعني لما قالوا «ابني بكر»، إذ قد شاركه في هذا الاسم غير، فلم جعلتموه كما جعل نفسه؟ فلما لا جعلتموه كما جعل نفسه؟

وأما لتأكيد المعنى في ذلك وإزالة تأويل من يتاوله، فقوله في علم الساعة إن ذلك شيء لا يعلمه أحد من الخلق، ولا الملائكة ولا الابن. ثم قال الرجل الذي أتاه فقال له: «أيها العالم الصالح، أيها الأعمال خير لي التي تكون لي حياة إلى يوم الدين»، فقال: «لما تقول لي صالح؟ ليس الصالح إلا الله وحده»، فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه فلم يجعلها ولا أحد من خلق أهلاً لذلك.

وقول المرأة التي جاءت فقالت: «أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه»، فقال لها المسيح: «صدقت»، ثم قال للشيطان حين اختبره فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل، فقال: «أمرنا ألا نجرب الرب»، ثم سامه أن يسجد له، فقال: «أمرنا ألا نسجد إلا لله وحده ولن نعبد سواه». ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها، فإذا كان إلهاً كما زعمتم، فلمن كان يصلي ويسجد؟

ثم نقول: قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أورشليم القدس على الحمار، لمن كان يسأله عن أمره لما رجت المدينة به؟ هو يسوع الناصري النبي الذي في الناصرة، اسمه نبي. ثم قوله في بعض الإنجيل: «أخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته»، وفي موضع آخر: «لا يهان نبي إلا في مدينته وفي بيته وأقاربه».

وقوله في بعض خطبه: «إن هذا الجيل إلى السوء يريد، وإنه لا يعطى إلا يونس كما كان يونس لأهل نينوى، كذلك يكون ابن البشر لهذا الجيل؛ رجال نينوى يقومون في الدين مع هذا الجيل فيخجلونهم لأنهم تابوا على قول يونس النبي، وإن ها هنا أفضل من يونس». ثم قول داوود في نبوته عليه: «من هذا الرجل الذي ذكرته وجعلته دون الملائكة قليلاً؟». ثم قول تلاميذه فيما شرحناه في صدر كتابنا هذا، وصفهم له بأنه «رجل أتى من عند الله بالأيدي والقوة».

وأما ما يشبه ذلك، أنه لما قدم تلاميذه فركبوا السفينة وقال لهم: «امضوا، فإن امضوا فإني ألحق بكم»، فأتاهم يمشي على البحر، فلما رأوه في تلك الحال قالوا: «ما هذه الحالة؟ ويحنا! من الغرق!»، فصاحوا، فقال لهم يسوع: «اطمئنوا ولا تخافوا، أنا هو»، فأجابه سمعان الصفا وقال له: «يا ربي، إن كنت أنت هو، فإذن لي آتيك على الماء»، فقال له: «تعال»، فنزل سمعان إلى الماء ليمشي عليه فلم يستطع وجعل يغرق، فصاح وقال: «يا رب، أغثني»، فبسط يده يسوع فأخذه وقال له: «لما تشككت يا قليل الإيمان؟»، فبان بذلك عجب المسيح لأنه قال له: «اطمئنوا ولا تخافوا».

فبان بذلك عجب المسيح من إسلام مسألة سمعان الصفا، ومثله أمر الرجل الذي يقول ليسوع خبر ابنته، وما ناله من الشيطان وأنه قد قدمها إلى تلاميذه فلم يستطيعوا أن يخرجوه، وقد كان جعل لهم ذلك وغيره فأخرجه هو منها. وقال في الإنجيل وهو يذكر الأمثال التي ضربها لرؤساء الكهنة، إنهم لما سمعوها منه علموا أنها في شأنهم فهموا أن يأخذوه، ثم فرقوا من الجموع لأنهم كانوا ينزلونه مثل النبي.

وقال في الإنجيل لما جاءته أم ابني زبدي، وكان من تلاميذه مع ابنيها، فقال لها: «ما تريدين؟»، فقالت: «أريد أن تجلس بنائي أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك في ملكوتك»، فقال: «ليس إلى ذلك سبيل، لأنه ليس لي أن أعطيه، ولكن من وعد وعد له من أبيه».

قال الحسن بن أيوب: فما يكون يا هؤلاء أفصح وأبين وأوضح من إجماع هذه الشواهد لكم بكتبكم؟ ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول تلاميذه فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه لمن سألهم من مخالفيهم عنه، وتركتم ذلك كله وأخذتم بآراء قوم تأولوا لكم على علمكم بأنهم قد اختلفوا أيضاً في الرأي، فقال كل قوم في المسيح ما اختاروا، واتبع كل منهم طائفة. ثم سلك من بعدهم سبيل الآباء في افتراقهم، فبينوا لنا حجتكم في ذلك، وهيه من حجة، ونحن نستوهب الله العمد والتوفيق.

ومما يشبه ما تقدم قوله تلاميذه في إنجيل لوقا: «أما أنتم الذين صبرتم معي في بلائي وتجاربي، فإني أعدكم كما وعدني أبي الملكوت، لتأكلوا وتشربوا معي على مائدتي في ملكوتي». فبين أن الله جل ثناؤه وعده أن...

يجعله في ملكوت السماء، يأكل ويشرب من تلاميذه على مائدته، وهذا ما لا شك لكم فيه، وهو مخالف لقولكم فيما يصير إليه في الأكل والشرب والنعيم هناك. ثم قوله لشمعون حين أتته الجموع فأخذوه: «ألم تظن أني لست قادرًا أن أطلب إلى أبي فيقيم اث عشر جندًا من ملائكته أو أكثر؟»، ولكن كيف تتم الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون؟ ولم يقل إني قادر أن أدفع عن نفسي، ولا إني آمر الملائكة أن يمنعوا عني كما يقول من له القدرة والأمر.

قال: ونجدكم تقولون في المسيح عليه السلام إنه مولود من أبيه الأزلي، ويجب على المدعي القول إنه مولود من أبيه أزلي، هي لحاله تكون نعم، هو مولود من أبيه وفي نفس الوقت أزلي. قال: ويجب على المدعي القول أن يثبت الحجة فيه، ويعلم أنه مطالب بإثباتها في مثل هذا الخطب الجليل الذي لا يقع التعب به، ولا تجئ النفوس على ركب الشبهات فيه، والويل الطويل لمن تأول في ذلك تأويلًا لا حقيقة له فإنه يهلك نفسه، ومن كان من الناس معه ممن يتبع عقوله.

إن كان هذا الابن أزليًا على ما في شريعة إيمانكم فليس هذا بمولود، وإن كان مولودًا فليس بأزلي؛ لأن اسم الأزلية إنما يقع على من لا أول له ولا آخر، ومعنى المولود أنه حادث مفعول، وكل مفعول فله أول، فكيف ما أردتم القول فيه كان بطلان الشريعة.

قال: ونسألكم أيضًا عن واحدة؛ لما سميتم الآب آبًا والابن ابنًا، إن كان وجب للآب اسم الأبوة لقديمه، فالابن أيضًا يستحق هذا الاسم بعينه إن كان قديمًا مثله، وإن كان الآب عالمًا عزيزًا فهو أيضًا عالم عزيز، تشهد شريعة الإيمان له بذلك في قولها إنه خلق الخلائق كلها وأتقنت على يده، وأنه نزل لخلاصكم، ومن قدر على ذلك لم يكن إلا عالمًا عزيزًا. فهذه المعاني التي ذكرناها تبطل اسم الأبوة والبنوة، وفي إبطالها إبطال الشريعة التي تقول ولد من أبيه.

فإن كان الآب والابن متكافئين في القدم والقدرة، فبأي فضل وسلطان؟ كيف هذا صار أبًا وهذا صار ابنًا؟ فبأي سلطان وفضل وسلطان؟ الآب عليه أمره وناه، فصار الآب باعثًا والابن مبعوثًا، والآب متبوعًا مطاعًا والابن تابعًا مطيعًا.

ومشهد بصحة قولنا وبطلانه قولكم في عبودية المسيح، أن متى التلميذ حين بنى كتابه الإنجيل، أول ما ابتدأ به أن قال: «كتاب مولد يسوع المسيح ابن داود بن مريم ابن إبراهيم»، فنسبه إلى من كان منه على الصحة، ولم يقل إنه ابن الله، ولا أنه الإله من أله كما يقولون. فإن قلتم إن تسمية يسوع للناسوت الذي قد جعلتموه حجة بينكم وبين كل من التمس الحجة منكم عند الانقطاع فيما يعترف به المسيح من العبودية، فقد نسق متى على اسم يسوع.

النصارى كل نص في الإنجيل فيه اعتراف المسيح بالعبودية، كما حكينا يحملونها على الناسوت بقولهم إن هذا بس جعلتموه مخرجًا، فقد نسق متى على اسم يسوع؛ نسق يعني عطف متى على اسم يسوع الذي هو عندكم الناسوت عطف عليه اسم المسيح. الأصل كلمة المسيح عندكم تجمع لللاهوت والناسوت، فكيف قال يسوع والمسيح إذا كان يسوع فقط خاصًا بالناسوت لأن المسيح تجمع الأمرين عندكم؟ فأي حجة في إبطال هذا التأويل؟ فهموه.

ومما يصح قولنا ويؤكده قول جبريل الملك لمريم عند مخاطبتها: «إنه ابن داود»، على ما ثبت من ذلك فيما هو ابن داود، فكيف إذا هو ليس ابن الله؟ قال: ووجدناكم قد ذكرتم في شريعة الإيمان أن يسوع المسيح بكر الخلائق، إن كنتم ذهبتم في ذلك إلى أنه على نحو ما يسمى أول ولد رجل وكبير. البكر عادة يطلق على أول الرجل، فهو جائز وهو محقق لقولنا في عبوديته لأنه بكر. وإن كنتم أردتم بذكر البكر أنه أول قديم، فليس، فلسنا نعرف البكر بمعنى القديم في لغة من اللغات إلا للأكبر من الإخوة والأول، ولا يتق بمعنى القديم. وبكر الخلائق لا يكون إلا من الخلائق، كما أن بكر الرجل والمرأة لا يكون إلا من جنسهما، وبكر الثمار لا تكون إلا ثمرة.

وإن من المحال أن يقول قائل: بكر ولد آدم ملك من الملائكة، وكذلك من المحال أن يكون بكر المصنوعات ليس بمصنوع، وبكر المخلوقات ليس بمخلوق. وقد قال الله تعالى في التوراة: ﴿يَا ابْنِيَ بَكْرِي﴾ [الخروج: 135]، وإسرائيل وهو يعقوب، وقال آخر: ﴿أَنَّ نِسَاءَكُمْ فَتَنَهُنَّ﴾ [الأحزاب: 50]. فهل يجب لإسرائيل ألوهية بهذا القول؟ قال: وقلتم إن المسيح ولد من أبيه قبل العوالم وليس بمسطوع، فليس يخلو الآب من أن يكون ولد شيئًا موجودًا أو غير موجود؛ فإن كان لم يزل موجودًا فإن الآب لم يلد شيئًا، وإن كان غير موجود وإنما هو حادث لم يكن فهو مخلوق كما قلنا.

وأما يبين قولنا في خلق المسيح، أن هذا الاسم إنما وقع له لأنه مسح؛ مسح النبوة والخير، ومسحه الله تبارك وتعالى. وقد قال داود في زبوره قولًا يشهد على ذلك بعينه: «من أجل هذا البر مسحك الله، مسحك الله أكثر مما مسح به نظرائك». فبان داود بهذه الآية معنى المسح بإنجيله، وأن مسحه الله إلهًا، وأنه مصطفى مكرم بزيادة على نظرائه.

وقال داود أيضًا في مزمور 31 يخاطب الله من أجل داود: «لا يغلب وجه مسيحك»، عهد الرب لداود بالحق ولا يرجع عنه، أي بمسحه نفسه أن الله مسحه للنبوة والملك، وقد قال مثل هذا في غير موضع من زبوره فسمى نفسه مسيح الله. وإذا نظر في الإنجيل وكتب بولس وغيره ممن يحتج به النصارى، وجدوا نحو عشرين ألف آية مما فيه اسم المسيح، وكلها تنطق بعبودية المسيح وأنه مبعوث مربوب، وأن الله اختصه بالكرامات. ما خلا آيات يسيرة مشكلات قد تأولها كل فريق من أولئك الذين وضعوا الشريعة باختيارهم على هواهم، فأخذوا بذلك التأويل الفاسد وتركوا المعظم الذي ينطق بعبوديته؛ فلو كانوا قصدوا الحق لردوا تلك المشكلات والشهادات اليسيرة التي يوجد لها من التأويل خلاف ما يأولونها، وعلى الواضحات الكثيرة التي قد بانت بغير تأويل؛ لأنه إنما يجب أن يقاس الجزء على الكل، ويستدل على ما غاب بما حضر، وعلى ما أشكل بما ظهر، فهو الأصل دائمًا.

يرد المتشابه إلى المحكم. من تلك الآيات المشكلات ما قد ذكرناه في كتابنا هذا، وبينا معناه والحجة فيه، وأنه ليس كما تأولوا.

ومنها من المشكلات ما يحكى عن المسيح أنه قال: «بأبي»، وقد فسر المسيح ذلك وكشفه؛ فقد قال يوحنا في إنجيله إن المسيح تضرع إلى الله في تلاميذه فقال: «يا أيها الرب القدوس، احفظهم باسمك الذي أعطيتني، ليكونوا أيضًا شيئًا واحدًا، كما أنك أنت و$\text{الأب}$ شيء واحد، وكما أنك أرسلتني إلى العالم فكذلك أرسلتهم أنا أيضًا». ثم قال بعد هذا: «إني قد حتتهم من المجد الذي أعطيتني ومنحتني، ليكونوا أيضًا شيئًا واحدًا كما أنا شيء واحد، فأنا بهم وهم بي».

قال: هو معنى ذلك أنه قال: أنت معي وأنا لك، تمامًا كما أنا مع تلاميذي ولهم. قلت: أو أراد أنك به هديت الخلق وعلمتهم، وأنا أهديهم وأعلمهم؛ فالباء قد تكون للسببية. يقول ابن تيمية: «والباء تدخل، فإن الله برسله هدى عباده وعلمهم، والرسل علموا الغائبين عنهم بالحاضرين الذين بلغوا عنهم». تمامًا؛ يعني الرسل كيف يعلمون الغائبين من خلال التلاميذ الذين يسمعون من الرسول، فيذهبون ويعلمون الغائبين.

وقوله: ﴿لِيَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا﴾ أراد به اتفاق صدقهم، أو أراد به اتفاق صدقهم وأمرهم ومرادهم، وهذا مفسر. وقد قالوا: يكون شيئًا واحدًا كما أن الشيء واحد، فقد طلب لهم مثل ما حصل له ولربه. وهذا يبين أن قوله: "كما أن الشيء واحد" أي أنا موافقك في أمرك ونهيك ومحبتك ورضاك، لم يرد بذلك اتحاد ذاته به، كما لم يرد أن تتحدوا بعضهم ببعض، فإن طلب لهم مثل ما حصل لهم من موافقة لأمر الله ونهيه ومحبته ورضاه.

قال: أو يكون ذهب فيه إلى معنى دقيق لا يعرفه إلا هو، لكنه قد بطل على كل حال بهذا القول تأويلكم، وما زجتم عز وجل في اللاهوت بقوله في تلاميذه إنه بهم كما أنه كما أن أباه به؛ لأنه إن تأول متأول في هذا المعنى، أنه ذهب في بعض وصفه أنه أبوه، وأن أباه به إلى مشاركته في اللاهوت، فقد قال في تلاميذه مثل هذا القول، فيجب أن يكون على هذا القياس الشركاء في المحل، وهذا ما يكون، ولا يسلم على القول به أحد.

قال: من عجب العجب أن تكون أمه وكتابها ودعوتها ومعبودها واحدًا، يتمسكون بإيمان المسيح عليه السلام وتلاميذه وإنجيله وسننه وشرائعه، وهم مع ذلك مختلفون فيه أشد الاختلاف؛ منهم من يقول إنه عبد، ومنهم من يقول إنه إله، ومنهم من يقول إنه ولد، ومنهم من يقول إنه أقلم وطبيعة، ومنهم من يقول إنه أقلمان وطبيعتان.

أقول لك: من عجيب النصارى أن تدعي أنها أمة واحدة ومعبودها واحد ويتمسكون بأمر المسيح وتلاميذه، ثم كل طائفة منهم لها في المسيح تفكير؛ الذي يتحدث عنه عبد، والذي يتحدث عنه رب، والذي يتحدث عنه أقلم، والذي يتحدث عنه إلى قول؛ يعني هذه النصرانية ما هي هذه، هذه النصرانية الغريبة! وكل النصارى في الداخل، كفرق الكاثوليك والأرثوذكس، كل واحد يكفر الثاني ويعتقد أنه على باطل، وكل منهم يكفر صاحبه ويقول إنه الحق في يده، وكلهم لا يأتون من الكتاب بحجة واضحة يثبت بها دعواه، ولا من قياس لنفسه، وتأولوا بما يصح لهم عند المناظرة، وإنما يرجعون في دينهم واعتقادهم إلى ما تأوله لهم المتأولون بما يخالف حتى الإنجيل والكتب بالهوى والعناد، فهم يشركون بالله على التأويل ولا شريك له، ويدعون له ولدًا من جهة ما أحدثوه لأنفسهم، سبحانه جل أن يكون له ولد.

يكمل الحسن بن أيوب: «قال وقد بين الحجة في بطن كل قول لكم مما عقدتم من شريعة إيمانكم، وجدنا قومًا منكم إذا نظروا في ذلك قالوا: قد وجدنا أكثر الأديان يختلف أهلها فيها ويتفرقون على مقالات شتى عليها، وكل منهم يدعي أن الصواب في يده، وهذا أيضًا من سوء الاختيار، وذهاب القلوب عن رشدها، وانصرافها عن سبيل حقها. فلم يختلف أهل الدين من الأديان في عقد معبودهم ولا شك فيه، ولا تفرقوا في القول فيما اختاروه إلا أهل الملل النصرانية فقط، وسواهم إنما اختلفوا في فروع الدين وشرائعه، مثل اختلاف اليهود».

يعني إذا قال النصارى: ليش أنتم تتحدثون عنا بأننا نحن فقط المختلفون؟ أنتم المسلمون مختلفون؛ أنتم أشاعرة ومعتزلة وجهمية. فإذا جاءك النصراني وقال لك ذلك، فماذا تجيبه؟ يقول لك ابن تيمية: لا يوجد اختلاف في أصل المعبود، وإنما الخلاف في الدين الإسلامي مثلاً بين الفرق الإسلامية هو في ماذا؟ في وصفه، يعني في فرع وليس في أصل؛ أصل من هو الإله وهل هو اثنان أم واحد؟ إنما الخلاف في مثلاً بين كل الفرق الإسلامية؛ منهم من ينفي الأسماء والصفات مثل الجهمية، ومنهم من يثبت الأسماء وينفي الصفات مثل المعتزلة، ومنهم من يثبت الأسماء وبعض الصفات وينفي بعضها؛ لكن الخلاف في أصل المعبود هو واحد ولا اثنين ولا ثلاثة، هذا ليس فيه خلاف.

فلا أحد يقول إنكم المسلمين مثل النصارى، بمعنى أن عندكم خلافًا؛ صحيح أن عندكم خلافًا، بس طبيعة خلافنا تختلف عن طبيعة خلافكم؛ أنتم لستم متفقين على عدد الآلهة.

قال: «مثل اختلاف اليهود في آياتهم، مثل اختلاف المسلمين في القدر، فمنهم من قال به ومنهم من دفعه، في تفضيلهم للنبي محمد ﷺ على نظرائهم بعد اتفاق جماعتهم على إله ومعبود وخالق واحد، لا شريك له ولا ولد، ثم اتفاقهم بعد ذلك على نبي محمد ﷺ وعلى القرآن وكتاب الله المنزل على محمد المرسل، لا يختلفون فيه. فإذا صح اتفاقهم على هذه الأصول، كان ما سواه خللاً يقع معه كفر ولا يبطل به دين».

والبلاء العظيم هو الاختلاف في المعبود؛ فلو أن قومًا لم يعرفوا إلهًا ولا دينًا، ثم عرض عليهم دين النصرانية، لوجب أن يتوقفوا عنه، إذ كان أهله لم يتفقوا على شيء فيه، ودل اختلافهم في مقالاتهم وبيانهم بما في كتبهم على باطله.

فأما قولنا في باب التوحيد، واعترافنا بوحدانية الله تعالى، ونفينا عنه الشركاء والأنداد والأمثال والأولاد، فهو قول لا يشكون في صحته، ولا يشك فيه أحد من أهل الكتاب وسائر الملل، ولا غيرهم من أهل القول بالدهر وسائر عبدة الأصنام والأوثان، وكلهم يقرون به ويرجعون إليه، إلا أن منهم من يتابعون على تجريد التوحيد، ومنهم من يدخل العدالة فيه بأن يقول ثلاثة ترجع إلى واحد، ومنهم من يعبد أصنامًا لله ليقربنا إلى ربه، وربنا وربه ومدبر الأمور قديم، لا بد أن نعترف به، وهو خالقها وباريها، وكلهم مقرون.

بقولنا وذاهب إلى مذهبنا على الاعتراف بالله على الجهة التي يذهب إليها، وأنه واحد لا شريك له، فقد صح عقدنا بلا شك منكم ولا من أحد من الأمم فيه ولا في شيء منه، بل تقودكم الضرورة إلى الإقرار به والاجتماع معنا عليه.

الحمد لله رب العالمين على توفيقه، وإياه نسأله أن يتم علينا فضله، ويديم لنا تسديده بقدرته، وأن يحيينا ويميتنا على الإسلام غير مشركين ولا جاهدين ولا مبدلين، إنه على كل شيء قدير، وكل مستصعب عليه يسير، وهو بمن خاف واتقاه وطلب ما عنده ولم يلحد في دينه رؤوف رحيم.

قلت: هذا آخر ما كتب وما كتبته من كلام الحسن بن أيوب، من كان من أجلّاء علماء النصارى وأخبر الناس بأقوالهم، فنقله لقولهم أصح من نقل لغيره. وقد ذكر في كتابه من الرد على ما يحتجون به من الحجج العقلية والسمعية، وما يبطل قوله من الحجج السمعية والعقلية، وما يبين ذلك. ونحن نذكر مع ذلك كلام من نقل مذاهبه من أئمته منتصلاً لدينه النصرانية، ونذكر ما ذكره من حجاجهم، مثل سعيد بن البطريق بطريرك الإسكندرية، فإنه وصلنا في الكتاب الذي سماه «نظم الجوهر»، وذكر في أخبار النصارى ومجامعهم اختلافهم بسبب أحداثهم ما أحدثوه انتصاراً لقول الملكية، والرد على انتصارهم لقول النصرانية الملكية، هذول مروا معنا.

فهو إذاً بعد ما ذكر كلام الحسن بن أيوب باعتباره هو أوثق نقل؛ لأنه رجل كان من علمائهم ثم أسلم، تمامًا، فهو يعتبره ابن تيمية أوثق نقل. يستعمل بعد ذلك كلام بطارقتهم الذين ظلوا على دين النصرانية ولم يسلموا، فبدأ بمن؟ بسعيد بن البطريق، الذي كان بطريرك الإسكندرية.

قال في تاريخه المعروف عند النصارى الذي سماه «نظم الجوهر»، وذكر فيه مبدأ الخلق وتواريخ الأنبياء والملوك والأمم، وأخبار ملوك الروم وأصحاب الكراسي بـ«بـرومية» وقسطنطينية وغيرهما، ووصف دين النصارى وفرق أهلها، وهو ملكي رد على سائر طوائف النصارى. لما ذكر مولد المسيح صلوات الله عليه، وأنه ولد في عهد ملك الروم قيصر المسمى أغسطس، لـ 42 سنة من ملكه، قال: وملك بعده ابنه تيباريوس قيصر. يعني أن قيصر المسمى أغسطس ملك بعده قيصر آخر هو ابنه تيباريوس.

قال: وللمسيح 15 سنة، وكان لقيصره هذا صديق يقال له بلاطس، من قرية على شط البحر الذي تحت قسطنطينية ويسمى ذلك البحر البنطس، ولذلك يسمى بلاطس، والبنطس يسمى اليوم البحر الأسود، كما يقول في الحاشية.

قال: فولد على أرض يهوذا، وفي 15 سنة من ملك تيباريوس قيصر هذا ظهر يحيى بن زكريا المعمداني، فعمد اليهود في الأردن لغفران الخطايا، فجاء المسيح إلى يحيى فعمد، عشان هيك تعميدنا في الأردن إلى الآن. قال: فجاء المسيح إلى يحيى بن زكريا فعمده يحيى في الأردن، ولسيدنا المسيح 30 سنة. وذكر قصة قتل يحيى وقصة الصلب المعروفة عند النصارى، إلى أن قال: وكتب بلاطس إلى تيباريوس الملك بخبر سيدنا المسيح.

بلاطس كتب إلى صديقه الملك تيباريوس بخبر سيدنا المسيح وما فعل تلاميذه من العجائب الكثيرة من إبراء المرضى وإحياء الموتى، فأراد أن يؤمن تيباريوس بسيدنا المسيح ويظهر دين النصرانية، فلم يتابعه أصحابه على ذلك، وملك 22 سنة وستة أشهر، وذكر أنه في عصره بنيت مدينة طبرية مشتقة من اسمه. إذاً طبرية مشتقة من تيباريوس، عشان هيك سميت بحيرة طبرية.

قال: وملك بعده قيصر آخر أربع سنين وثلاثة أشهر. قتل بلاطس، صديق تيباريوس. وقال: وولي هذا الملك الجديد الذي بعد تيباريوس شخصاً كان شديداً على تلاميذ المسيح، وقتل رئيس الشهداء والشمامسة فرجم بالحجارة حتى مات. وذكر أنه لقي التلاميذ من اليهود ومن الروم شدة شديدة، وقتل منهم خلق كثير.

وذكر أنه مات هذا، وولي بعده قيصر آخر، وفي زمنه وقع جوع وباء، وفي زمنه كتب متى إنجيله بالعبرانية في بيت المقدس وفسره من العبرانية إلى الرومية يوحنا صاحب الإنجيل. نحن عندنا متى، وعندنا متاوس، بجوز هو اختصار له.

قال: وفي تسع سنين من ملكه كان مرقس صاحب الإنجيل بمدينة الإسكندرية يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح، وأنه أول شخص جعل بطريركاً، أنه صار حنانيا الإسكافي بطريركاً على الإسكندرية، وأنه سير معه 12 قسيساً وأمرهم إذا مات البطريرك أن يختاروا واحداً من اثني عشر قسيساً، يعني في الطريق يكون هو أعلى من القساوسة، ويكونون تحته.

قال: ويضع الاثنا عشر قسيساً أيديهم على رأسه ويباركونه ويصلحونه بطريركاً، ثم يختارون رجلاً فاضلاً قسيساً ويصيرونه معهم بدل القسيس الذي راح، حتى يظل رقم 12 موجوداً في القساوسة. فقال: فلم يزل رسمهم بالإسكندرية على هذا إلى زمن الـ 318.

قال: فأمره بطريرك الإسكندرية الذي كان من جملة الـ 318 أن لا يفعل هذا فيما بعد، ومنع أن يصلح إلا القساوسة البطريرك، فقال: بل يختار من أي بلد كان رجلاً فاضلاً، وإذا مات البطريرك اجتمع الأساقفة فأصلحوا البطريرك من أي بلد كان من أولئك القساوسة أو من غيرهم، فانقطع الرسم الأول من إصلاح الأقساوسة للبطريرك.

قال: وجعل التيسير لهم في إصلاح البطريرك بابا، ثم سمي بطريرك الإسكندرية بابا بدل بطريرك، سمي بابا. طيب ما معنى البابا عندهم؟ قال: ومن حنانيا الذي أصلحه مرقس البشير إلى أحد عشر بطريركاً بالإسكندرية، لم يكن في عمل مصر أسقف، ولم يكن البطاركة قبله أصلحوا أسقفاً، وكان العامة لما سمعت الأساقفة يسمون البطريرك أباً.

قالوا: من حنانيا، الذي هو أول واحد، إلى 11 بطركاً بالإسكندرية، مش حكينا في الصفحة الماضية أول واحد حطوه مين؟ حنانيا الإسكافي. من حنانيا هذا إلى 11 بطركاً بالإسكندرية لم يكن في عمل مصر أسقف، ولم يكن البطاركة قبله أصلحوا أسقفاً، وإنما لما سمعت الأساقفة يسمون البطريرك أباً قالوا إذاً كنا...

نحن نسمى الأسقف أباً، والأسقف يسمي البطريرك أباً، فيجب علينا أن نسمي البطريرك أباً، أي الجد؛ إذ كان الأسقف أباً لأساقفتنا، فسمي بطريرك الإسكندرية من وقته "بابا". وفي المطبوع "بابا" والأصل "أبا"، لأننا نتحدث عن البابا الجد.

قال: «وخرج مرقص إلى برقة يدعو الناس إلى الإيمان بالسيد المسيح، ومات كلوديوس قيصر وملك بعده ابنه نيرون». هو يريد أن يقول لك إن العوام كانوا ينادون الأساقفة "بابا"، باعتبار أن الأساقفة ينادون الأعلى منهم، وهو البطريرك، "بابا". فهم تقول لك العوام لما سمعوا الأساقفة يسمون البطريرك أباً، قالوا: إذاً نحن لازم نسمي اللي فوقينا أباً، لأنهم يسمون اللي فوقيهم أباً، فصار في الأب من الدرجة الأولى والأب من الدرجة الثانية. وخلد مرقص إلى برقة.

قال: «وهو أول من أهاج على برقة -هذه في ليبيا اليوم- الشر والبلاء والعذاب». وقال: «وفي عصره كتب بطرس رئيس الحواريين الإنجيل، إنجيل مرقس، عن مرقس بمدينة رومية ونسبه إلى مرقس». وقال: «وفي عصر هذا الملك كتب لوقا إنجيله بالرومية إلى رجل شريف من عظماء الروم يقال له فليفولا، فكتب له أيضاً الأبكريست الذي فيه أخبار التلاميذ». وقال: «وقد كان لوقا البشير صاحب بولس الرسول يقول في بعض رسائله إن لوقا الطبيب يقول: عليكم السلام».

وقال: «وأخذ نيرون قيصر لبطرس فصلبه منكساً ثم قتله». أخذ نيرون قيصر، نيرون الذي هو أول من هاج على النصارى بالشر والبلاء كما ذكرنا قبل قليل، أخذ بطرس وصلبه منكساً، يعني رأسه تحت ورجليه فوق، ثم قتله؛ لأن بطرس قال له: «إن أردت أن تصلبني فصلبني منكساً لئلا أكون مثل السيد المسيح، فإنه صلب قائماً». وضرب عنق بولس الرسول بالسيف. وأقام بطرس بعد صعود المسيح سنتين.

قال: «وكان مرقص صاحب هذا الإنجيل بالإسكندرية وبرقة يدعو الناس إلى الإيمان، فأقام سبع سنين، وفي أول سنة من ملك نيرون قيصر قُتل مرقص بالإسكندرية وأحرق جسده بالنار». وقال: «وذكر بعده عدة قياصرة، وقال: وذكر أن تيطس خرب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة، بعد أن حصرها وأصاب أهلها جوع شديد، وقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى، حتى كانوا يشقون بطون الحوامل ويضربون أطفالهم بالصخور. وقال: وخرب المدينة والهيكل وأضرم بها النار، وأحصى القتل على يديه فكانوا ثلاثمائة ألف».

قال: «وذكر عدة قياصرة بعد ذلك، وأنه ولي واحد منهم خمس عشرة سنة يقال له دوميتيانوس، وكان شديداً جداً على اليهود، وأنه بلغه أن النصارى يقولون إن المسيح ملكهم وأن ملكه إلى الدهر، فغضب غضباً شديداً وأمر بقتل النصارى وأن لا يكون في ملكه نصراني». وكان يوحنا صاحب الإنجيل هنا في كل هذه الفترة، كما حكينا، الرومان والقياصرة لم يكونوا نصرانيين، كانوا وثنيين، فكانوا نازلين ذبحاً في اليهود وفي النصارى، حتى جاء أوغسطين الذي صار نصرانياً وبعدها مشت أمور النصارى.

قال: «وكان يوحنا صاحب الإنجيل هناك، فسمع بهذا فخاف وهرب إلى أفسس». ثم إنه أمر بإكرامهم وترك الاعتراض لضبط أموره، هذا الملك القيصري. ثم تولى بعده قيصر آخر، ثم ملك آخر بعده تسع عشرة سنة يسمى ترايانوس. قال: «وهذا الملك أثار على النصارى بلاءً عظيماً وحزناً طويلاً وقتل شهداء كثيرين. وقتل بطريرك أنطاكية وبروميا، وقتل أسقف بيت المقدس وصلبه، وأمر أن يستعبد النصارى إذ ليس لهم دين ولا شريعة».

فلشدة ما استعبد النصارى، قال: «وغرض ما ناله من القتل رحمتهم الروم، وشهد وزراء الملك». صارت الروم تشفق على النصارى من كثرة ما أكلوا قتلاً، وشهد وزراء الملك عنده أن النصارى لهم شريعة ودين، وأنه لا يحل أن يستعبدوا، فكفى عنهم الأذية هذا القيصر.

قال: «وفي عصره كتب يوحنا إنجيله بالرومية في جزيرة يقال لها تيموره، من أرض أثينا في عصر رجل من عظماء رومية، فيلسوف يقال له مومودس». وقال: «وفي ذلك العصر رجع اليهود إلى بيت المقدس، فلما كثروا وامتلأت منهم المدينة عزموا على أن يملكوا منهم ملكاً، فبلغ الخبر طيباريوس قيصر، فوجه بقائد من قواده بجيش عظيم إلى بيت المقدس، فقتل من اليهود مقتلة لا يعصى». لأنه لا يريد لليهود أن يكون لهم مملكة في القدس.

قال: «وخرج على قيصر هذا خارجي مقاتل ببابل، فخرج إليه بنفسه فوقعت بينهم حرب شديدة، وقتل بين الفريقين خلق عظيم، وقتل قيصر في الحرب، وملك بعده أندريانوس». قال: «قيصر عشرين سنة، فخرج هذا القيصر الذي بعده اسمه أندريانوس، وكان هناك خارجي بباب البلد، فخرج إليه فغزا، ووصل إلى مصر فلقي منه أهل مصر شدة شديدة، وأخذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من النصارى خلقاً كثيراً».

وأصاب إليا ابنه علة في بدنه، فكان ينفذ إلى البلدان يطلب شفاء لعلته، فوصفوا له بيت المقدس، فلما وافاه رآها خراباً ليس فيها أحد إلا كنيسة للنصارى، فأمر أن تبنى المدينة وتحصن بحصن قوي. فلما سمع اليهود أقبلوا من كل بلد وكل مدينة، فما كان إلا زمان قليل حتى امتلأت منهم المدينة، فلما كثروا ملكوا عليهم ملكة، فاتصل الخبر بإليا بن قيصر أندريانوس، فوجه إليهم بقائد من قواته مع خلق كثير، فحاصر بيت المقدس فمات كل من فيها بالجوع والعطش، ثم فتحها فقتل من اليهود ما لا يعصى، وخرب المدينة التي صارت صحراء.

قال: «وهذا آخر خراب بيت المقدس، وهرب من اليهود من هرب إلى مصر وإلى الشام وإلى الجبال وإلى الغور، وأمر الملك ألا يسكن المدينة يهودي، وأن يقتل اليهود ويستأصلوا، وأن يسكن المدينة اليونانيون، ويبنوا على باب الهيكل برجاً ويجعلوا فوقه ألواحاً ويكتبوا عليه اسماعيلي الملك، وذلك من ثمان سنين من ملكه». والبرج اليوم على باب مدينة القدس وسمي محراب داوود. هنا سمي بيت المقدس إليا، وليس تسمى مدينة إيليا من اسم هذا الملك النصراني.

هذا إيليا ابن قيصر. قال: فسمي بيت المقدس إلى هذا الوقت إيليا. قال: فمن الخراب الأول الذي أخربه الطيطس إلى هذا الخراب ٥٣ سنة. قال: وامتلأت بيت المقدس من اليونانيين، فنظروا إلى النصارى يأتون إلى تلك المزبلة التي فيها القبر والأقرانيون، قال: فيصلون، فمنعوهم من ذلك، وبنى اليونانيون على تلك المزبلة هيكلاً.

إذًا، هو يقول في الحاشية هنا: فاتصل الخبر بإيليا ابن قيصر. وأندريانوس في الصفحة السابقة يقول لك: لا، هي ليست إيليا ابن قيصر، لا، هو اسمه إيليا، هو نفسه أندريانوس، هو إيليا. هذا الظاهر أن الحديث لا يزال عن نفس الملك، لا عن ابنه. فعندنا لما قال: فاتصل الخبر بإيليا ابن قيصر، الظاهر أنه إيليا أندريانوس، والكلمة "ابن" في نسخة دار تقصير فيها إشكال.

قال: وبنى اليونانيون على تلك المزبلة هيكلاً على اسم الزهرة. قال: فلم يقدر أحد من النصارى بعد ذلك أن يقرب ذلك الموضع. قال: ثم مات الملك، وملك بعده أنطونيوس قيصر بروميه ٢٢ سنة. قال: وفي ١١ سنة من ملكه صير يهوداً أسقفاً على بيت المقدس، فأقام سنتين ومات. قال: فمن يعقوب أسقف في بيت المقدس الأول إلى يهودا أسقف بيت المقدس، هذه كانت الأساقفة الذين صُيروا على بيت المقدس مختونين.

قال: وذكر أنه ولي بعد هذا قيصر آخر اسمه مرقص ١٩ سنة، وأنه أثر على النصارى بلاءً عظيماً وحزناً شديداً، واستشهد في زمنه شهداء كثيرون. قال: وكان في أيامه جوع شديد ووباء عظيم، لم تبطل السنة، سنين، وكاد الملك وجميع أهل مملكتة أن يهلكوا من الجوع، فسألوا النصارى أن يبتهلوا إلى إلههم، فدعوا فأمطر الله عليهم مطراً عظيماً، وتفع الوباء والقحط. وكان بأيامه بأرض اليونانيين مغنوس الحكيم.

قال: وفي خمس سنين من ملكه صير يوليانوس بطريركاً، وهو أول بطريرك أصلح أساقفة في عمل مصر، وأقام ٤٣ سنة ومات. قال: وفي ذلك العصر كتب بطريرك الإسكندرية إلى أسقف بيت المقدس وبطريرك أنطاكية وبطريرك رومية في كتاب، في حساب فصح النصارى وصومهم، وكيف يستخرج من فصح اليهود، فوضعوا في ذلك كتباً كثيرة على ما هو عليه اليوم.

وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود سيدنا المسيح إلى السماء، إذا عيد الغطاس، يصومون ٤٠ يوماً ويفطرون كما فعل سيدنا يسوع المسيح؛ لأن سيدنا المسيح لما اعتمد بالأردن خرج إلى البرية فأقام بها صائماً ٤٠ يوماً. وكان النصارى إذا أفصح اليهود عيدهم الفصح، فوضع هؤلاء البطاركة حساباً للفصح ليصوم النصارى ٤٠ يوماً، ويكون فطرهم يوم الفصح ليتم فرحهم بذلك.

قلت: فقد أخبر عن المسيح أنه لما صام ٤٠ يوماً عقب المعمودية، وكان يعيد مع اليهود في عيدهم، لا يعيد عقب صومه. شاركه النصارى في ذلك مدة، فصاروا يصومون ٤٠ عقب الغطاس الذي هو نظير المعمودية، ويعيدون مع اليهود في نفس يوم عيد الفصح. ثم إنهم بعد هذا ابتدعوا تغيير صومهم، فلم يصوموا عقب الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت يكون عيدهم لا يكون مع عيد اليهود، وصار عندهم عيد الفصح المسيحي الخاص بهم. فيكون عيده مميزاً عن عيد اليهود.

قال: ومات قمودس الملك، وملك بعده قمودس قيصر بروميه ١٢ سنة. وفي أيامه كان في أرض اليونانيين في مدينة إفرغامس جالينوس الحكيم، صاحب الطب المعروف. وذكر جالينوس في فهرس كتبه أنه في رب قمودس الملك، وذكر جالينوس في المقالة الأولى من الكتاب المعروف بأخلاق النفس، أنه كان في قصر قمودس الملك رجل يقال له بولس، طلبه قمودس الملك ليقتله فهرب منهم، وكان له غلامان فقبضهما الملك، فضربهما الملك وطلب منهما أن يدلا على مولاهما، فلم يفعلا لكرم أنفسهما ونخوتهما وشدة محاباتهما على مولاهما، فقتلهما. وأن من الإسكندر إلى بولس ٥٠٠ سنة، وأن من الإسكندر إلى برنس ٥٠٦ سنة، وذلك في السنة التاسعة من ملك قمودس قيصر هذا. فهذا ما ذكره جالينوس.

قال: وكان أيضاً في أيام ديمقراطس الحكيم. قلت: هذه المدة أكثر مما ذكره سعيد؛ فإنه لم يذكر من المسيح إلى هنا ٢٠٠ سنة، بل ذكر إلى الخراب ١٢٠ سنة، وقد تقدم ذكره قبل ذلك.

وفي عشر سنين من ملكه ظهرت الفرس، فغلبت على بابل وأمد فارس، وتملك ازدشير بن ساسان بابل من أهل الصخر، وهو أول ملك ملك على فارس في المرة الثانية. قال: ومات قمودس قيصر ملك الروم، وملك بعده قيصر آخر ثلاثة أشهر، ثم آخر، وملك بعده بروميه سويرس قيصر ١٧ سنة، وذلك في أربع سنين من ملك ازدشير. وكان هذا الملك قد أثر على النصارى بلاءً عظيماً وعذاباً كبيراً، وقتل كل عالم منهم وقتل خلقاً كثيراً، واستشهد في أيامه خلق كثير من النصارى في كل موضع، ثم قتل كل من كان بمصر والإسكندرية من النصارى، وهدم الكنائس، وبنى بالإسكندرية هيكلاً وسماه هيكل الآلهة.

وملك بعده قيصر هو أنطونيوس الأصلح ست سنين، وملك بعده قيصر آخر ١٣ سنة، كانت النصارى في أيامه في هدوء وسلامة، وكانت أمه تحب النصارى. وفي أيامه سمي بطريرك الإسكندرية بابا، وملك بعده قيصر آخر ثلاث سنين، وهذا أثر على النصارى بلاءً طويلاً وحزناً عظيماً، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأخذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من الأساقفة خلقاً كثيراً، وقتل بطريرك أنطاكية، فلما سمع أسقف بيت المقدس بقتله هرب وترك الكرسي.

قال: ومات قيصر هذا في السنة الثانية من ملك بهرام بن هرمز، وملك بعده قيصر آخر ثلاثة شهور، ثم بعده آخر أربع سنين واسمه غرديانوس. وفي ثلاث سنين من ملكه مات بهرام بن هرمز، وملك بعده بهرام بن وهرمة على الفرس ١٩ سنة. وفي أيامه ظهر رجل فارسي يقول له ماني، فأظهر دين مانوية وزعم أنه نبي، فأخذه بهرام بن بهرام ملك الفرس فشقه نصفين، وأخذ من أصحابه وممن يقول بقوله ١٠٠ رجل فغرس رؤوسهم في الطين منكسين حتى ماتوا منكسين.

وملك بعد قيصر هذا فيليبس قيصرا برومية سبع سنين، وآمن بسيد المسيح، ووثب عليه قائد من قواده فقتله. قال: ثم ملك بعده قيصر آخر اسمه داقنوس أو دقيانوس، وذلك من عشر سنين من ملك بهرام بن بهرم الفارسي.

قال: فلقي النصارى منه حزًا طويلاً وعذابًا شديدًا، وقتل منهم من لا يحصى، واستشهد في أيامه من الشهداء خلق كثير، وقتل بطرك بطرك رومية. ثم خرج إلى مدينة أفسوس فبنى في وسطها هيكلًا عظيمًا، وسير فيه الأصنام، وأمر أن يوجد الأصنام يذبح لها، ومن لم يفعل ذلك قتل؛ فقتل من النصارى بمدينة أفسوس خلقًا عظيمًا وصلبهم على الحصن.

واتخذ من أولاد عظماء سبعة غلمان من خواصه، وعلى كسوته وقدمهم على جميع من عنده، وذكر أسماءهم، أي أسماء أصحاب أهل الكهف. قال: وهؤلاء السبعة الغلمان لم يزيدوا للأصنام، فاعلم الملك بخبرهم، فأمر بحبسهم، ثم خرج إلى بعض المواضع وأطلق سبيلهم إلى حين رجوعه. فلما خرج من المدينة أخذ الغلمان كل ما لهم فتصدقوا به، ثم خرجوا إلى جبل عظيم وقالوا له: "جوس شرقيه"، أفّ، هؤلاء هم أصحاب الكهف.

فيه كهف كبير فاختفوا في الكهف، فكان واحد منهم في كل يوم يتنكر ويدخل المدينة فيسمع ما يقول الناس في شأنهم ويشتري لهم طعامًا ويرجع فيعلمهم. فقدم دقيانوس الملك فسأل عنهم، فقيل له إنهم في جبل جاوس في الكهف مختفين، فأمر الملك أن يبني باب الكهف عليهم ليموتوا، فصب الله عليهم النعاس فناموا كالأموات. وأخذ قائد من قواده صحيفة من نحاس وكتب فيها خبرهم وقصتهم مع دقيانوس الملك، وصير الصحيفة في صندوق نحاس ودفنه داخل الكهف، وبنى الكهف.

ومات الملك دقيانوس قيصر، وملك بعده قيصران برومية سنتين، ثم قيصر آخر اسمه غنيونوس قال: 15 سنة، وملك بعده قيصر آخر سنة واحدة ومات، وذلك في ثلاث سنين من ملك هرمز. قال: وفي أول سنة من ملك هذا سير بولس بطركًا على أنطاكية، ويسمى بولس الشمشاطي، وهو الذي ابتدع دين البوليانية، فسمي التابعون لدينه والقته بوليانيين.

قال: وكانت مقالته أن سيدنا المسيح خلق من اللاهوت إنسانًا كواحد منا في جوهره، فإن ابتداء الابن من مريم، وانه اصطفي ليكون مخلصًا للجوهر الإنساني صحبته النعمة الإلهية فحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله. قال: وقال إن الله جوهر واحد وأقوم واحد، ولا نؤمن بالكلمة ولا بالروح القدس.

قال: وبعد موته اجتمع 13 أسقفًا في مدينة أنطاكية، ونظروا في مقالة بولس، فأوجبوا على هذا الشمشاطي اللعن، فلعنوه ولعنوا من يقول مقالته وانصرفوا.

قال: وبعده ملك قيصر آخر ست سنين اسمه أورس، وكان النصارى بالإسكندرية في أيامه يصلون في المطامير والبيوت فزعًا من الروم، ولم يكن يظهر بطرك بالإسكندرية حتى لا يقتلوه. فلما صار نارون بطركًا ظهر، ولم يزل يداري روما حتى بنى بالإسكندرية كنيسة حنان ومار مريم. فينا المداهنة، كيف مهمة دائماً، أنت عايش مع ناس بحبوك، اضبط أمورك حتى يمشوا لك بعض المصالح.

وملك بعده قيصر اسمه فاروس، وذلك في تسع سنين من ملك سابور بن هرمز، وكان شهيدًا على النصارى؛ قتل الأخوين قزمام ودميان الشهيدين. وملك بعده دقيطيانوس. قال: في خراب طيطس لبيت المقدس إلى ملكه قطيانوس، قال: 206 سنين من مولد سيدنا المسيح إلى قطيانوس، ومن الإسكندر إلى قطيانوس 595 سنة، ومن سبي بابل إلى قطيانوس 1800 سنة، ومن داود عليه السلام 1335 سنة.

قال: المهم قطيانوس في 11 سنة من ملك سابور بن هرمز، ملك الفرس وملك معه اثنان، تملك على رومية 21 سنة، وهؤلاء أثاروا على النصارى بلاءً عظيمًا وحزنًا طويلًا وعذابًا أليمًا وشدة شديدة تجلت عن الوصف من القتل والعذاب واستباحة الأموال، واستشهدوا الوفا من الشهداء، وعذبوا مار جرجس أصف العذاب وقتلوه بفلسطين، وقتلوا مار مينا ومار بخط وغيرهم.

وفي عشر سنين من ملكهما سير ايش بطرس بطركًا على الإسكندرية فأقام 10 سنين وقتل، وفي 20 سنة من ملكهما ضرب عنق بطرس هذا البطرس بالإسكندرية. قال: وكان ببطرس تلميذان، اسم أحدهما أشلى والآخر ألكسندروس. وكان بالإسكندرية رجل يقال له هيوس، يقول إن الآب وحده الله الفرد والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الآب إذ لم يكن الابن.

قال: فقال بطرس البطرك لتلميذيه: «إن المسيح لعن أريوس فاحذرا أن تقبلا قوله»، فإني رأيت قوله إن المسيح لعن أريوس. طبعًا أريوس هذا كلام علمي يقول إن الآب وحده الله فرد، فذلك بطرس الذي قتلوه، طبعًا قبل ما يقتلوه كان حاكيًا لتلاميذه الاثنين: دير بالكم من أريوس هذا، احذرا أن تقبلا قوله، فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب، فقلت له: يا سيدي من شق ثوبك؟ فقال له: «أريوس لأنه جعل الله إلهًا واحدًا، فاحذروا أن تقبلوه وتدخلوا معكم الكنيسة». شوف كيف الشيطان حتى بيجي عليهم بصورة.

قال: وبعد قتل بطرس بخمس سنين صار تلميذه الأول أشلى مطرقًا على الإسكندرية، فأقام ستة أشهر ومات. وكان أريوس -وطبعًا هم هذول ضد أريوس- قد استعان على أشلى بأصدقائه، فأورى أنه قد رجع عن تلك المقالة، أي أورى أريوس أنه قد رجع، فقبله أشلي وأدخله الكنيسة وجعله قسيساً، عرف يدخل حاله أريوس في الكنيسة من خلال ما نسميه اليوم التقية.

قال: وأما اتقيتوس الملك، فكان يطلب النصارى فيقتلهم، فبينما هو يسير في طلبهم إذ بلغ إلى موضع يقال له ملطية، فصب الله عليه نقمته فوقع في علل عظيمة وأمراض عظيمة حتى ذاب جسمه، وكان الدود يتساقط من بدنه إلى الأرض، وسقط لسانه من حنكه، الله يعافينا، ومات. وملك بعده قيصران، أحدهما قيصر المشرق والشام صار في المشرق، والثاني قيصر لارومية في تركيا وما حولها، أحدهما اسمه جاليرليوس والآخر إيو.

قال فكان كالسباع الضارية على النصارى، وأثار عليهم البلاء؛ فكان الاثنين هؤلاء سواء، تبع الشام ولا تبع تركيا، كانوا ناراً على النصارى، قتلوهم، أجلوهم، ما لا يسوى، وفعل بهم ما لم يفعلوا.

وملك معهما على زنطية وما والاها، قسطس أو أبو قسطنطين، قال وكان رجلاً ديناً مبغضاً للأصنام ومحباً للنصارى، فخرج قسطس إلى ناحية الجزيرة والرهاء، فنزل في قرية من قرى الرها يقال لها كفرجاث. فنظر فيها امرأة حسنة جميلة يقال لها هيلانة، وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرها، فخرج قسطس إلى ناحية الجزيرة والرهاء، ويقصد الجزيرة الفراتية، فنزل في قرية من قرى الرها يقال لها كفرجاث، وهي تكون بين العراق والشام أو تركيا، لأن الجزيرة الفراتية تأخذ بعض مساحات من تركيا الجنوبية.

وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرهاء وتعلمت قراءة الكتب، فخطبها قسطس من أبيها فزوجه إياها، فحبلت منه ورجع قسطس إلى بيزنطة، وولدت هيلانة قسطنطين، وهو الذي فرّج عن النصارى من عنده؛ لأنه كان كل حكام النصارى، كل حكام الروم قبل قسطنطين، كانوا شايفين أنتم شعبانين في النصارى، ما يأتي حاكم إلا وينزل فيهم ذبحاً وقتلاً وضرباً، فهذا قسطنطين جاء بالفرج عليهم. فتربى في الرها وتعلم، ولما حكم اليونانيين، كان غلاماً حسنا الوجه، قليل الشر، وديعاً، محباً للحكمة.

وأما جالاريوس، فكان رجلاً وحشياً، وهو زعيم الروم على الشام، كان رجلاً وحشياً شديد البأس، مبغضاً للنصارى جداً، كثير القتل لهم، محباً للنساء، ولم يترك للنصارى بنتاً بكراً إلا أخذها وأفسدها، وكذلك أصحابه، وهكذا كانوا يفعلون بالنصارى، وكان النصارى في شدة بسبب هذا جالاريوس. وبلغوا خبر قسطنطين وأنه غلام قليل الشر كثير العلم، وأخبره الحكماء والمنجمون أن قسطنطين سيملك ملكاً عظيماً، فهم بقتله جالاريوس.

وعلم قسطنطين بذلك، فهرب من الرها وذهب إلى مدينة بيزنطة، وصل إلى أبيه، فسلم إليه الملك، وبعد قليل مات قسطس، وصب الله على جالاريوس الملل على عظيمة، حتى تقطع لحمه وتهرا، وبقي مطروحاً لا يقدر أحد أن يقترب منه، فعجب الناس مما ناله، ورحمه أعداؤه مما حل به، فرجع إلى نفسه وقال: لعل هذا الذي بي مما أقتل النصارى، بسبب أني قتلت النصارى كثيراً، فاستخفى حاله.

فكتب إلى جميع عماله أن يطلقوا النصارى من الحبوب، وأن يكرموهم ولا يؤذوهم، ويسألونهم أن يدعوا له في صلاتهم، فصلى النصارى على الملك ودعوا له، فوهب الله له العافية، ورجع إلى أفضل مما كان عليه من الصحة والقوة. فلما صح وقوي، رجع إلى أشر مما كان عليه من الرد؛ يعني بعض الناس -سبحان الله- رب الجماعة النصارى دعوا لك وربنا شفاك، ترجع تقتلهم مرة ثانية! سبحان الله، وكتب إلى جميع عماله أن يقتلوا النصارى، ولا يعيش منكم نصراني، ولا يسكن مدينة ولا قرية.

فمن كثرة القتلى، كانوا يحملون على العجل ويرمون بهم في البحار والصحاري. وقتل مار جرجس وأخاه بمدينة قبذوقية وهما من أهلها، وقتل برباره، وذكر حرباً جرت بينه وبين سابور لما تنكر سابور وجاء إليه متنكراً وعرفه.

وأما مقصتيوس، فكان شريراً على أهل رومية، واستعبد كل من كان برومية، وخص النصارى، فكان يهضم أموالهم ويقتل رجالهم ونسائهم وصبيانهم. فلما سمع أهل رومية بقسطنطين، هذا الشاب الصالح، وأنه مبغض للشر محب للخير، وأن أهل مملكته معه في هدوء وسلامة، كتب رؤساء رومية إلى قسطنطين يسألونه ويطلبون منه أن يخلصهم من هذا مقصتيوس الذي هو حاكم رومية. فلما قرأ كتبهم اغتم غماً شديداً، وبقي متحيراً ولا يدري كيف يصنع.

فبينما هو متفكر، إذ ظهر له من نصف النهار في السماء صليب من كواكب تضيء، مكتوباً حوله: «بهذا تغلب»، فقال لأصحابه: «رأيتم ما رأيت؟»، قالوا: نعم. قال: فآمن من ذلك الوقت بالنصرانية، وذلك لست سنين من بعد موت أبيه. فتجهز قسطنطين واستعد لمحاربة مقصتيوس ملك رومية، وعمل صليباً كبيراً من ذهب وصيره على رأس العلم، وخرج يريد مقصتيوس.

فلما سمع مقصتيوس أن قسطنطين قد وافاه لمحاربته، استعد لحربه وعقد جسراً على النهر الذي قدام رومية، وخرج مع جميع أصحابه يحارب قسطنطين، فأعطى الله قسطنطين نصراً عليه، فقتل من أصحاب مقصتيوس مقتلة عظيمة، وهرب مقصتيوس وغرق هو وأصحابه حتى امتلأ النهر، وخرج أهل رومية إلى قسطنطين بالإكليل الذهب وكل أنواع الهو واللعب، فلقوا قسطنطين وفرحوا فرحاً عظيماً.

فلما دخل المدينة، أمر أن تُدفن أجساد النصارى الشهداء، وكل من كان من النصارى هرب أو نفاه مقصتيوس يرجع إلى بلده وموضعه، ومن أُخذ له شيء رد إليه، وأقام أهل رومية سبعة أيام يعيدون للملك وللصليب ويفرحون. فلما سمع الخبر جالاريوس، جمع ما قدر عليه وتجهز لقتل قسطنطين. فسمع أهل الشام بما حصل مع صاحبه وتبع روما، فأراد أن يتجهز هو الآخر لمقاتلة قسطنطين، فلما عينه، انهزموا من بين يديه وأخذه بالسيف، وأخذ منه مقتلة عظيمة، ومنهم من أُسر ومنهم من استطاع قسطنطين أن يهزم أيضاً جالاريوس.

جلاريوس عريانا، فلم يزل يتقرى موضعًا موضعًا حتى وافى مدينته. قال: فجمع مع الكهنة والسحرة والعرافين الذين كانوا يحبهم ويقبل منهم، فضرب أعناقهم لئلا يقعوا في يد قسطنطين. صب الله على جلاريوس نارا في جوفه حتى كانت أحشاؤه تتقطع من الحر الذي كان يجده في جوفه، وسقط على الأرض وتهرى لحمه على عظمه ومات.

قال: وملك قسطنطين الدنيا في هدوء، هنا خلصت الدنيا لما خلص الأشرار وملك قسطنطين الدنيا في هدوء وسلامة، وذلك في سنة 41 من ملك صابور بن هرمز. قال: وتنصر قسطنطين في مدينة يقال لها نيقية وميديا، وذلك في سنة 12 من ملكه، وأمر ببناء الكنائس في كل بلد، وأن يخرج من بيت المال الخراج مما يعمل به لبناء الكنائس.

قال: وفي سنة 5 من ملكه، صار ألكسندروس بطريركًا على الإسكندرية، وهو تلميذ بطريركها بطرس الذي قتل، وهو رفيق أشلي الذي حكينا عنه. فأقام 16 سنة، وفي سنة 15 من رئاسته كان المجمع بمدينة نيقية، هنا صار المجمع في مدينة نيقية الذي رتبت فيه الإيمان الذي قرأناه الأرثوذكسية.

قال: فمنع ألكسندروس أريوس -بطريرك الإسكندرية- من دخول الكنيسة ولعنه، وقال إن أريوس ملعون؛ لأن بطرس البطريرك قبل أن يستشهد قد حذر منه وأخبر أنه ملعون فلا تقبلونه. وكان على مدينة أسيوط في مصر أسقف آخر يرى رأي أريوس أيضًا في التوحيد فلعنه أيضًا.

وكان بالإسكندرية هيكل عظيم ككلوبطرا، بنته على اسم زحل، وكان فيه صنم من نحاس عظيم يسمى ميكائيل. وكان أهل الإسكندرية ومصر في 12 يومًا من شهر هاتور -وهو شهر تشرين الثاني- يعيدون عند ذلك الصنم عيدًا عظيمًا ويذبحون الذبائح. فلما صار هذا ألكسندروس بطريركًا على الإسكندرية وظهرت النصرانية، أراد أن يكسر الصنم ويبطل الذبائح، فامتنع عليه أهل الإسكندرية، فاحتال لهم بأن قال: إن هذا صنم لا منفعة فيه ولا مضرة، فلو صيرتم العيد لميكائيل الملاك وجعلتم هذه الذبائح له كان أنفع لكم عند الله وكان خيرًا لكم من هذا الصنم.

فأجابوه إلى ذلك، فكسر صنمه وأصلح منه صليبًا وسمى الهيكل كنيسة ميكائيل، وهي الكنيسة التي تسمى قيسارية، احتمرت بالنار وقت موافاة الجيوش من المغاربة القرامطة مع المسمى أبو عبيد الله، وكان معه أمير من أصحابه يسمى حباسه، وذلك في خلافة المعتضبي. وكان عامله على مصر يومئذ مولاه المعروف بتكين الحاجب، رجل تركي، فنفر إلى المغاربة وجاءه مدد من الشرق مع الخادم الملقب مونس، فهرب منه أبو عبيد الله وحباس وجنودهما.

وصير العيد لميكائيل الملك والذبائح، وإلى اليوم القبط بمصر والإسكندرية يعيدون في هذا اليوم عيد ميكائيل الملاك ويذبحون فيه الذبائح الكثيرة، وكذلك الملكية من النصارى يعيدون في هذا اليوم عيد ميكائيل الملاك وصار رسمًا إلى اليوم.

قال: فلما منع بطريرك أريوس من دخول الكنيسة ولعنه، خرج أريوس مستعديا عليه، فاستغاث بالأسقفين وذهبوا إلى قسطنطين الملك، وقال أريوس لقسطنطين الملك: إن هذا البطريرك الموجود في الإسكندرية تعدى علي وأخرجني من الكنيسة ظلمًا، وسأل الملك أن يشخص بطريرك الإسكندرية لمناظرته أمام الملك. فآمر قسطنطين رسول الإسكندرية أن يجيب البطريك، فأشخص البطريك وجمع بينه وبين أريوس لمناظرته.

فقال قسطنطين لأريوس: اشرح مقالتك. فقال أريوس: أقول إن الآب إذا لم يكن الابن، فالآب وجد، أي أن الله وجد قبل أن يوجد عيسى الابن، ثم إنه أحدث الابن فكان الابن كلمة منه، إلا أنه محدث مخلوق. ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى الكلمة، فكان هو خالق السماوات والأرض؛ فالابن الذي هو الكلمة صار هو خالق السماوات والأرض، كما قال في الإنجيل: ﴿وَهَبَ لِي سُلْطَانًا عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك. ثم إن الكلمة تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس فصار ذلك مسيحًا واحدًا، فالمسيح الآن معنيان: كلمة وجسد، إلا أنهما جميعًا مخلوقان.

فأجابه عند ذلك بطريرك الإسكندرية وقال: تخبرنا الآن، أي ما أوجب علينا عندك: عبادة من خلقنا أو عبادة من لم يخلقنا؟ قال أريوس: بل عبادة من خلقنا.

الكلمة تجسدت، أي تحولت إلى جسد، إلى ناسوت. كيف الكلمة تحولت إلى ناسوت؟ من اتحاد روح القدس مع العذراء، يعني هي كانت ابنًا لاهوتيًا، تحولت الكلمة التي كانت ابنًا إلى جسد موجود من خلال مريم العذراء من الروح القدس فصارت للمسيح، فالمسيح هو عبارة عن الكلمة مع الجسد، إلا أنهما جميعًا مخلوقان؛ لأن الابن أصلًا قبل أن يصبح جسدًا هو مخلوق من الإله. طرف النهاية عنده أنه من البداية قال لك إنه هو الابن أحدث من الآب فهو مخلوق على رأي أريوس.

فأجابه عند ذلك بطريرك الإسكندرية وقال: نعم، فإن كان خالقًا للابن كما وصفت، وكان الابن مخلوقًا، فعبادة الابن المخلوق أوجب من عبادة الآب الذي ليس بخالق، بل تصير عبادة الآب الخالق للابن كفرًا. فالبطريرك يقول لأريوس: إذا كان الذي خلقنا نحن كبشر هو الابن -على وجهة نظر أريوس أنه الابن مخلوق من الآب- فما وجه العبادة؟

أعطى الابن تفويضًا أنه يخلق الباقي، فصرنا نحن فعليًا، من الذي خلقنا على وجهة نظر أريوس؟ الابن. فقال له: إذا كان خالقنا الابن، فعبادة الابن أوجب علينا من عبادة الآب الذي لم يخلقنا، بل تصير عبادة الآب الخالق للابن كفرًا، وعبادة الابن المخلوق هي الإيمان. وهذا من أقبح الأقاويل يا أريوس.

فقسطنطين أعجب بكلام من؟ قال: فاستحسن الملك قسطنطين وكل من حضر مقاله البطريرك وشنع عندهم مقاله أريوس. ودار بينهما مسائل كثيرة، فأمر قسطنطين البطريرك أن يلعن أريوس، قال له: خلاص روح العنه زي ما قلت لك، قال له: ماذا؟ كنت تلعنه؟ ارجع العنه مرة ثانية، أن يلعن أريوس وكل من قال بمقالته. فقال له: بل يوجه الملك يشخص البطاركة والأساقفة حتى يكون لنا مجمع، ونضع فيه قضية، ونلعن أريوس، ونشرح الدين ونوضحه للناس.

ارتفع سقف طموح البطريرك ما دام الملك أعطاه تفويضًا، قال له: نحن مش بس بدنا نلعن أريوس، بدنا نجمع مجمعًا كبيرًا، اللي هو مجمع نيقية، ونضع فيه عقيدة النصارى ونلعن أريوس طبعًا. فبعث قسطنطين الملك إلى جميع البلدان، جمعوا البطاركة والأساقفة، فاجتمعوا في مدينة نيقية بعد سنة وشهرين، وكان هناك 2840 أسقفًا، وكانوا مختلفي الآراء ومختلفي الأديان.

فمنهم من يقول: المسيح مريم الهان من دون الله، وهم الماركيونيون، ومنهم من كان يقول إن المسيح من الآب، من الآب منزلت شعلة نار تعلقت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لتقار الثانية منها، وهي مقالة سابليوس. ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر، وإنما مر نور في بطن مريم كما يمر الماء في الميزاب، لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة إليان.

ومنهم من كان يقول إن المسيح إنسان خُلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم وأنه اصطفِي ليكون مخلصًا للجوهر الإنساني صاحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه بالمحبة والمشيئة، فلذلك سمي ابن الله. ومنهم من كان يقول بثلاثة آلهة، لم تزل صالحة وطالحة وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون. ومنهم من كان يقول ربنا هو المسيح، وهي مقالة بولس الرسول، اللي هو أشهر واحد فيهم، ربنا هو المسيح، ومقالة الثلاثمئة وثمانية عشر أسقفًا.

فلما سمع قسطنطين الملك مقالات الجميع عجب، نعم، قسطنطين نفسه انتخب، كل واحد جاء برأيه وكل واحد يتصور أنه لا أحد من الآخرين متفق معه. فلما سمع قسطنطين الملك مقالاتهم عجب من ذلك، وأخذ لهم دارًا وتقدم لهم بالإكرام والضيافة، وقال لهم: يا ما هي أكل وشرب، تفاهموا بينكم وخلينا نعرف مين الرب والإله، لأن الذي يقول لك ابن، والذي يقول لك أب، والذي يقول لك هو نفسه.

وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم لينظر من معه الحق فيتبعه. عفواً، يمكن هذه إشارة إلى أن أريوس ليس موحدًا صرفًا؟ لا، ليس موحدًا صرفًا، هو قصده أنه جعل الابن مخلوقًا، لكنه ليس اسم واحد صرف. فاتفق منهم 318 أسقفًا على دين واحد ورأي واحد، فناظروا بقية الأساقفة المختلفين فأفلجوا. هم كانوا كم أسقفًا؟ 2840، فأسقطوا هؤلاء الذين اتفق منهم 318 على فكرة واحدة، وهؤلاء الـ 318 صاروا يريدون مناقشة الباقين، فأفلجوا عليهم بحججهم وأظهروا، أي انتصروا.

وكان أيضًا باقي الأساقفة مختلفي الأديان والآراء، وصنع الملك للـ 318 أسقفًا مجلسًا خاصًا عظيمًا، وجلس في وسطه وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعها إليهم وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على المملكة لتصنعوا ما تريدون، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه مما فيه قوام الدين وصلاح المؤمنين. فباركوا على الملك وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه.

ووضعوا له 40 كتابًا فيها سنن وشرائع، وفيها ما يصلح أن يعمل به الأساقفة وما يصلح للملك أن يعمل به. وكان رئيس المجمع والمقدم فيه ألكسندروس بطريرك الإسكندرية، وهو أصلاً صاحب الفكرة، وترك الأنطاكية ومعه بطريرك أنطاكية، ومعه أسقف بيت المقدس، ووجه بطريرك رومية. فاتفقوا على نفي أريوس وأصحابه ولعنوهم وكل من قال بمقالته، ووضعوا تلك الأمانة، وثبتوا أن الابن مولود من الآب قبل كل الخلائق، وأن الابن من طبيعة الآب غير مخلوق.

واتفقوا على أن يكون فصح النصارى في يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود، وأن لا يكون فصح اليهود مع فصح النصارى في يوم واحد، وثبتوا ما وضعه من تقدم ذكره من حساب الصوم والفصح، وأن يكون فطر النصارى يوم فصحهم يوم الأحد الذي يكون بعد فصح اليهود؛ لأن النصارى كما قلنا من قبل كانوا إذا عيدوا عيد الغطاس صاموا من الغد أربعين يومًا ويفطرون، فإذا كان عيد اليهود عيدوا معهم الفصح، فصار يوم الفصح للفطر.

ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة، وذلك أن الأساقفة منذ وقت الحواريين إلى مجمع 318 كان لهم نساء، لأنه كان إذا اختير واحد أسقفًا وكانت له زوجة تبيت معه ولم تتنحَّ عنه. أما البطاركة فلم يكن لهم نساء، ولا كانوا أيضًا يصيرون أحدًا مدركًا له زوجة. فنزّلوا هذا الحكم أيضًا على الأساقفة، فقالوا: برضه أنتم الأساقفة لازم ما يكون لكم زوجات. وانصرفوا مكرمين محظوظين، وذلك في سنة 27...

انصرف 318 من عند قسطنطين مكرمين محظوظين، وذلك في السنة السابعة عشرة من ملك قسطنطين. قال: سن قسطنطين الملك ثلاث سنن؛ الأولى كسر الأصنام وقتل كل من يعبدها، والثانية أن لا يثبت في الديوان إلا أولاد النصارى ويكونون أمراء وقوادًا. وقال: والثالثة بجوز قصده أن يقيم الناس جمعة الفصح والجمعة التي بعدها لا يعملون فيها عملًا ولا يكون فيها حرب، يكون يوم عطلة رسمية.

قال: وتقدم قسطنطين إلى أسقف بيت المقدس أن يطلب موضع المقبرة والصليب، ويبني الكنائس، ويبدأ ببناء القيامة المقدسة. فقالت هيلانة -وهي أم قسطنطين- للملك: إني نذرت أن أصيّر إلى بيت المقدس، فأطلب المواضع المقدسة فأبنيها. فدفع الملك إليها أموالاً كثيرة لأمه حتى تبني تلك الموارد، وسارت إلى بيت المقدس مع أسقف في بيت المقدس.

فلما وصلت لم يكن لها حرص ولا هم إلا طلب الصليب. فجمعت اليهود والسكان في بيت المقدس واختارت منهم عشرة، وكان واحد منهم يقال له يهوذا. فسألتهم أن يدلواها على موضع الصليب فامتنعوا وقالوا: ليس عندنا علم منه ولا خبرة بالموضع. فأمرت بهم فطرحتهم في جب ليس فيه ماء، أُلقي واحد في الجب في بئر، فأقاموا سبعة أيام لم يطعموا ولم يسقوا.

قال: فقال أحدهم الذي اسمه يهوذا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلبه هذه المرأة، وإن جده عرف أباه. فصاح الاثنين من الجب: أخرجونا حتى نعلم الملكة بحال هذا الرجل. فأخرجوهم فأخبروا الملكة بما قال لهم يهوذا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقر أنه يعرف الموضع. فخرج حتى جاء الموضع الذي فيه المقبرة والقبران، وكانت مزبلة عظيمة هناك.

فصلى وقال: «اللهم إن كان في هذا الموضع المقبرة فأسألك أن تزلزل المكان وتخرج منه دخانًا حتى نؤمن». فزلزل الموضع وخرج منه دخان كما سأل، فأمرت هيلانة بكنس الموضع من التراب، فظهرت المقبرة والقبران ووجد ثلاثة صلبان. قالت هيلانة: كيف لنا أن نعلم بصليب السيد المسيح وكان له ثلاثة صلبان؟ أي واحد منهم صليب السيد المسيح؟

وكان بالقرب منهم رجل مسن مريض، عليل شديد العلة قد ييأس منه. فوضع الصليب الأول عليه، والثاني، والثالث؛ فمن الثالث قام، فقام المريض وليس به شيء، فعرفوا أن الصليب الثالث هو الذي صلب عليه المسيح، أنه هو الذي به شفي هذا الرجل. فعلمت هيلانة أن الصليب هذا هو الذي لسيدنا المسيح، وجعلته في غلاف من ذهب وحملته معها، وجملته بما تقدر عليه، وأظهرت كل ما كان مدفونًا من آثار سيدنا المسيح، وحملته إلى ابنها قسطنطين، وبنت كنيسة القيامة في موضع الصليب والقبران وكنيسة قسطنطين، وانصرفت وأمرت أسقف بيت المقدس أن يبني هو باقي الكنائس.

وذلك في السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين. قال: فمن ميلاد سيدنا المسيح إلى أن وجد الصليب 328 سنة. وبعد ذكر هذا الصليب الذي صلب عليه المسيح، فمن وجهة نظر اليهود أن هذا الذي صلب عليه المسيح. وذكر أنه بعد هذا اجتمعوا بمجمع عظيم ببيت المقدس، وكان معهم رجل بطرك القسطنطينية وجماعة معه ليسألوا بطرك الإسكندرية. وكان هذا الرجل لما رجع إلى الملك أظهر أنه مخالف لأريوس وكان يرى رأيه ويقول بمقالته، لكن كان يتصنع أنه ليس على رأي أريوس.

فقام هذا الرجل واسمه مانيوس فقال: إن أريوس لم يقل إن المسيح خلق الأشياء، ولكن قال به خُلقت الأشياء لأن كلمة الله التي بها خلق السماء والأرض، وإنما خلق الله الأشياء بكلمته ولم تخلق الأشياء كلمته، كما قال سيدنا المسيح في الإنجيل المقدس: ﴿كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِدُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ﴾ [يوحنا: 1: 3]. فقال: به كانت الحياة والحياة نور البشر، وقال: في هذا العالم والعالم به تكون. فأخبر أن الأشياء به تكونت، ولم يخبر أنه هو كونها. فهذه كانت مقالة أريوس.

قال: ولكن 318 أسقفًا تعدوا عليه وظلموه وحرموه ظلمًا، فصار يحاول أن يصلح الأمور. فرد عليه بطرك الإسكندرية وقال: أما أريوس فلم يكذب عليه 318 أسقفًا ولا ظلموه، لأنه إنما قال إن الابن خلق الأشياء دون الأب، وإذا كانت الأشياء إنما خلقت بالابن دون أن يكون الأب لها خالقًا، فقد يجب أن يكون ما خلق منها شيئًا، وفي ذلك تكذيب للمسيح قوله: «الآب يخلق وأنا أخلق»، وقال: «إن أنا لم أعمل عمل أبي فلا تصدقوني»، فيدل على أن الآب يخلق، فكيف جعل الآب لا يخلق والابن فقط هو الذي يخلق؟ هذا هو الذي أزعج بطرك الإسكندرية.

وقال: كما أن الآب يحيي من يشاء ويميت، كذلك الابن يحيي من يشاء ويميت؛ فدل على أنه يحيي ويخلق، وفي هذا تكذيب لمن زعم أنه ليس بخالق وإنما خُلقت به دون أن يكون خالقًا له. وأما قولك إن الأشياء تكونت به، فإنما كنا لا نشك أن المسيح حي فعال، وكان قد دل بقوله: «إنما أفعل الخلق والحياة»، كان قولك به تكونت الأشياء وإنما هو راجع في المعنى إلى أنه كونها فكانت به مكونة، ولو لم يكن ذلك كذلك لتناقض القول.

ورد عليه أيضًا فقال: أما قول من قال من أصحاب أريوس: إن الآب يريد الشيء فيكونه الابن، والإرادة للآب والتكوين للابن، فإن ذلك يفسد أيضًا؛ إذ كان الابن عنده مخلوقًا فقد صار حظ المخلوق في الخلق أوفى من حظ الخالق فيه، وذلك أن هذا أراد وفعل، وذاك أراد ولم يفعل، فهذا أوفر. فالآب عند أريوس أراد لكن لم يفعل، وأما الابن أراد وفعل، فهذا أوفر حظًا في فعله من ذاك، ولا بد لهذا أن يكون في فعله لما يريد ذلك بمنزلة كل فاعل من الخلق لما يريد الخالق منه، ويكون حكمه كحكمه في الجبر والاختيار؛ فإن كان مجهولًا فلا شيء له في الفعل، وإن كان مختارًا فجائز أن يطاع وجائز أن يعصى وجائز أن يثاب وجائز أن يعاقب. قال: وهذا أشنع من القول.

وقال ورد عليه أيضًا: إن كان الخالق إنما ما خلق خلقه بمخلوق، فالمخلوق غير الخالق بلا شك، فقد زعمتم أن الخالق يفعل بغيره، والفاعل بغيره محتاج إلى متمم ليفعل به، إذ كان لا يتم له الفعل إلا به، والمحتاج إلى غيره منقوص، والخالق...

قال: فلما ضحض بطرك الإسكندرية حجج أولئك المخالفين، وظهر لمن حضر بطلان قولهم، تحيروا وخجلوا؛ فوثبوا على بطرك الإسكندرية فضربوه حتى كاد أن يقتل. فخلصهم من أيديهم ابن أخت قسطنطين، وهرب بطرك الإسكندرية المحتج على أصحاب أريوس، وصار إلى بيت المقدس من غير حضور أحد من الأساقفة، ثم أصلح دهن الميرون، وقدم -وهو الطيب المقدس- وقدس الكنائس ومسحها بدهن الميرون، وصار إلى الملك قسطنطين فأعلمه بالخبر، فصرفه الملك إلى الإسكندرية.

قال: وأمر الملك ألا يسكن يهودي بيت المقدس ولا يجوز بها، ومن لم يتنصر يقتل، فتنصر من اليهود خلق كثير وظهر دين النصرانية. فقيل لقسطنطين الملك إن اليهود يتنصرون من فزع القتل وهم على دينهم، فقال الملك: كيف لنا أن نعلم؟ مستخفين بدينهم، فقالوا: كيف لنا أن نعلم أنه هذا مجرد تقية؟

فقال بولس البطرك: إن الخنزير في التوراة حرام واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فأمر أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتطعمهم منها، فمن لم يأكل منه علمنا أنه مقيم على دين اليهودية. فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حرامًا، فكيف يجوز لنا أن نأكل لحم الخنزير ونطعمه للناس؟ فقال له بولس البطرك: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة، وجاء بناموس آخر وتوراة جديدة وهو الإنجيل، وفي الإنجيل المقدس: ﴿كُلُّ مَا فِي الدَّاخِلِ لَيْسَ بِنجُسٍ﴾، وإنما ينجس الإنسان الذي يخرج منه القيء.

وقال بولس الرسول في رسالته إلى أهل مدينة كورنثوس: «الطعام للبطن والبطن للطعام، والله يبطل كلاهما». وفي نسختنا: «الطعام للبطن والبطن للطعام، والله يبطل كلاهما».

ومكتوب في «الأبركسس» -يعني أخبار الحواريين- أن بطرس رئيس الحواريين كان في مدينة يافا في منزل رجل دباغ يقال له سمعان، وأنه صعد إلى المنزل ليصلي وقت ست ساعات من النهار عند الظهر، فوقع عليه سبات، فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا إزار قد نزل من السماء حتى بلغ الأرض، وفيه كل ذي أربع قوائم على الأرض من السباع والذئاب وغير ذلك من طير السماء.

وسمع صوتًا يقول له: «يا بطرس، قم فاذبح وكل»، فقال بطرس: «يا ربي، ما أكلت شيئًا نجسًا قط ولا وسخًا قط»، فجاء صوت ثاني: «ما طهره الله فليس بنجس»، وفي نسخة أخرى: «ما طهره الله فلا تنجسه أنت»، ثم جاء الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن الإزار ارتفع إلى السماء. فعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه بهذا المنظر.

وبما قال سيدنا المسيح في إنجيله المقدس، أمر بطرس وبولس أن يأكلوا كل ذي أربع قوائم من الخنزير وغيره من جميع الحيوان: «حل لنا». فأمر الملك أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتُقطع صغارًا صغارًا، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم الأحد، وكل من خرج من الكنيسة يُلقم لقمة من لحم الخنزير، فمن لم يأكل منه يقتل، فقتل لأجل ذلك خلق كثير.

قال سعيد: وكان لقسطنطين ثلاثة أولاد، أكبرهم قسطنطين بن قسطنطين، وذلك حين ملك أزدشير بن سابور بن هرمز على الفرس، وملك بعده سابور بن سابور لخمس سنين من ملك قسطنطين. وفي ذلك العصر اجتمع أصحاب أريوس وكل من قال بمقالته إلى الملك قسطنطين، فحملوا له دينهم وحسنوا له دينهم.

حاول أصحاب أريوس أن يجتمعوا إلى قسطنطين ابن قسطنطين، وحاولوا أن يحسنوا له فكرة أريوس وأنها ليست خطأ، وقالوا إن الـ 318 الذين اجتمعوا بنيقية سابقًا قد أخطأوا وحادوا عن الحق في قولهم إن الابن متفق مع الآب في الجوهر، فتآمروا ألا يقال هذا فإنه خطأ، فأراد الملك أن يفعل ذلك، حاول أن يقتنع بكلام هؤلاء.

وفي ذلك العصر ظهر على الأقرانيون -وهو موضع صلب المسيح في بيت المقدس- في نصف النهار، ظهر على هذا الصليب من نور من الأرض إلى السماء ما يفوق ضوءه ضوء الشمس، فكان يبلغ إلى طور زيت، وطور زيت هو المكان الذي رُفع منه المسيح فيما يقولون، وعنده قبور الأنبياء. فرأى ذلك كل من كان في بيت المقدس من كبير وصغير، فكتب أسقف بيت المقدس إلى قسطنطين بن قسطنطين بالخبر، وقال: في أيام أبيك السعيد ظهر صليب كواكب من السماء في نصف النهار، وفي أيامك ظهر أيها الملك على الأقرانيون صليب من نور يفوق نوره نور الشمس في نصف النهار. وكتب إليه ألا يقبل قول أصحاب أريوس فإنهم حائدون عن الحق، كفار قد لعنهم 318 أسقفًا ولعنوا كل من يقول بمقالتهم، فقبل قوله.

وفي ذلك الوقت غلبت مقالة أريوس على قسطنطينية وأنطاكية وبابل والإسكندرية، فسمي التابعون لأريوس "الأريوسيين"، وهي مشتقة من اسمه. وفي ثاني سنة من ملك قسطنطين، صير إلى أنطاكية بطركًا أريوسيًا، ثم بعده آخر أريوسي، ثم بعده آخر من أنانيا، وصير على قسطنطينية بطركًا من أنانيا.

الواضح أن مذهب أريوس بدأ ينتشر، ففي عشر سنين من ملكه صير على القسطنطينية بطركًا، وكان يقول: "روح القدس مخلوق"، وقام سنين ثم مات. ونقل بعد ذلك بطرك أنطاكية فصُير على القسطنطينية ومات أنانيا. وأما أهل مصر والإسكندرية فكان أكثرهم أريوسيين ومن أنانيين، فغلبوا على كنائس مصر فأخذوها، وذهبوا ليقتلوا بطرك الإسكندرية ففر منهم واستخفى، وصيروا على الإسكندرية بطركًا من أنانيا. وفي ذلك الزمان قدم من القسطنطينية إلى الإسكندرية قائد وكان أريوسيًا، فنفى الملكية وأقام بطركًا أريوسيًا، فلما خرج القائد قتل الملكيون ذلك البطرك الأريوسي وأحرقوه بالنار ومات.

مات قسطنطين بن قسطنطين وله في الملك 24 سنة، وملك بعده يوليانوس، الملك الكافر على الروم، سنين، وأراد أن يرد الناس إلى عبادة الأصنام، وكان وثنيًا، وقتل من الشهداء خلقًا كثيرًا. وفي أول سنة من ملكه، ثور الأريوسيون ببيت المقدس على أسقفها الملكي الذي كتب في ظهور الصليب، فأرادوا أن يقتلوه فهرب منهم، فصيّروا أسقفًا أريوسيًا.

فصارت الآن القدس بيد الأعروسي أتباع أريوس.

قال: وفي ثاني سنة من ملكه سير على أنطاكية، بطركها على الأمانة، أقام 25 سنة على الأمانة، يعني على طريقة 318 جماعة. وفي 21 سنة من رئاسته كان المجمع الثاني بقسطنطينية.

قال: وكان في عصره أهل مدينة نيريار كلهم صابئون، فوضع أسقف في نيريار ميمراً في ميلاد المسيح. والميمر هي الموعظة الحسنة تلحن في الصلوات، فوضع أسقف نيريار ميمراً يعني مثل أنشودة، هي يغنونها اليوم في الكنائس، يقول في ابتدائها: «المسيح ولد مختونا فخذوا المسيح من السماء واستقبلوه على الأرض».

فلما قرأوه عليهم استهزأوا به وأقبلوا يضحكون منه، فلما كان عيد الحميم وضع ميمراً في عيد الحميم هتك فيه دين الصابئين وفضحهم فيه ومكن فيه دين النصرانية.

قال: وكان في عصر يوليانوس الملك الكافر، أول راهب سكن برية مصر وبنى الديارات وجمع الرهبان، وكان آخر بالشام، وهو أول من سكن برية الأردن. وقال: وجمع الرهبان وبنى الديارات. قال: وخرج هذا الملك الكافر لقتل سابور ملك الفرس لسوء مذهبه ورداءة دينه وما أراد أن يأخذ بعباده الأصنام، ظفر به ملك الفرس فقتله وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة.

قال: وذكر أسقف قيسارية أنه كان جالساً في محرابه وحذاءه لوح، يعني بجانبه لوح فيه صورة ماري ماركوس الشاهد، فنظر إلى اللوح فلم يرَ فيه صورة الشاهد، فعجب من ذلك، إذ غابت، فلم يكن إلا ساعة حتى عادت صورة الشاهد إلى اللوح، كيف غابت؟ الله أعلم. وفي طرف الحربة المصورة التي في يد الشاهد شبيه بالدم، فتعجب من ذلك وبقي متحيراً، حتى بلغوا أن الملك الكافر قتل في الحرب، فعلم أن ماري ماركوس الشاهد قتله.

قال: شدة بغضه الذي كان للنصارى وما كان عزم عليه من عبادة الأصنام. وذكر بعد هذا جماعة من البطاركة والأساقفة، كان بعضهم أريوسياً وبعضهم منانياً وبعضهم ملكياً، وذكر فتنا بينهم وتعصب كل طائفة لبطاركتها حتى يقتل بعضهم بعضاً وينفي بعضهم بعضاً.

وذكر أنه اختلفت آراء النصارى وكثرت مقالاتهم، وغلبت عليهم مقالة أريوس، وأنهم ملكوا عليهم ملكاً اسمه ذوس، وأن الوزراء والقواد اجتمعوا إليه ذاكرين أن مقالات ناس اختلفت وفسدت وغلبت عليهم مقالة أريوس ومقدونيوس، فينظر الملك في هذا ويذب عن النصرانية ويوضح الأمانة المستقيمة.

قال: كتب إلى بطاركة إسكندرية وأنطاكية ورومية وأسقف بيت المقدس، فحضروا مع أساقفتهم بقسطنطينية، إلا بطريرك رومية فإنه كتب وأنفذ. فاجتمع بقسطنطينية 150 أسقفاً، وكان المقدم البطاركة الثلاثة تبع أنطاكية وروميا وبيت المقدس، فدفع الملك إليهم كتاب بطرك رومية، فكان صيحاً موافقاً، وكان يزعم أن روح القدس إله ولكنه مخلوق مصنوع.

فقال بطرك الإسكندرية: ليس روح القدس عندي معنى غير حياته، فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق غير حياة الله، فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق فقد قلنا إن حياته مخلوقة، وإذا قلنا إن حياته مخلوقة فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا، ومن كفر وجب عليه اللعن.

فاتفقوا على لعن مقدونيوس فلعنوه وأشيعوا، ولعنوا الأسقف لونيه وأشياعه لأنه كان يقول إن الأب والابن وجه واحد، ولعنوا بوليناريوس وأشياعه لأنه كان يقول إن جسد سيدنا المسيح بغير فعل، وثبتوا أن الروح القدس خالقه غير مخلوقة إله حق، وأن طبيعة الأب والابن جوهر واحد وطبيعة واحدة.

وزاد في الأمانة التي وضعها 318 أسقفاً الذين اجتمعوا في مدينة نيقية: وبالروح القدس المحيي المميت المنبثق من الآب، وثبتوا أن الآب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاثة وجوه وثلاثة خواص في وحدانية واحدة وكيان واحد، وثلاثة أقانيم إله واحد جوهر واحد بطبيعة واحدة، وثبتوا أن جسد سيدنا المسيح بنفس ناطقة عقلية.

قال: فمن المجمع الأول إلى المجمع الثاني 58 سنة. قال: وأطلق بطرك الإسكندرية للبطاركة والأساقفة والرهبان أكل اللحم من أجل المانية؛ ليعرف المانية منهم، لأن المانية لا يرون أكل لحم ولا شيء من الحيوان ألبتة.

قال: وكان أكثر أساقفة مصر منانية، فأكل بطاركة مصر وأسقفهم اللحم، وأما بطاركة رومية وقسطنطينية وأساقفتها ورهبانها فلم يأكلوا لحماً، وأكلوا بدل اللحم السمك وأقاموه مقام اللحم إذ كان حيواناً. قال سعيد ابن البطريق: لم يطلق أكل اللحم على أنهم يعتضون منه بالسمك إذ ليس بذبيحة، ويمنعون أكل اللحم إذ كان قد أخطأ الذين أقاموا السمك مقام اللحم.

قال: وسيدنا المسيح فقد أكل اللحم، فوجب ضرورة أكل اللحم اقتداء بسيد المسيح ولو يوماً واحداً في السنة، ليزيل الشك من مذهب المانية.

قال: وفي الإنجيل مكتوب ما نظره بطرس السليح بيافا من ﴿ثِيَابٍ سَبَنِينَةٍ﴾، وفيها السبنينة نوع غليظ من ثياب الكتان، وفيها كل ذي أربع قوائم. ولهذا الحكم كل من لم يأكل اللحم مخالف لشريعة النصرانية ومضاهٍ لمذهب صابئة الروم، وهم لا يغتسلون إلى اليوم لأن المانية لا يرون الغسل بالماء.

فلما طال بهم الزمن أقاموه على هذه السنة. قال: وقال قوم إنما تركوا الغسل بالماء لشدة برد بلادهم وبرد الماء عندهم، وأنه لا يتهيأ لهم بالجملة أن يقربوا الماء في شتاء لثلجه وبرده، فصارت سنة شتاء وصيفاً، والمنانية صيفان.

والسماعون والصديقون: فالسماعون يصومون في كل شهر أياماً معلومة، والصديقون يصومون الدهر كله ولا يأكلون إلا ما نبت من الأرض. فلما تنصروا خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيعلم بهم، فجعلوا لأنفسهم صياماً، فصاموا الميلاد والحواريين.

فلما طال بهم الزمان وتربوا في هذا الصوم أكلوا اللحمة، فتبعتهم في ذلك النساطرة والعاقبة والمارونية، وصارت سنة استحسنتها الملكية فتبعوهم، وخاصة المقيمون ببلاد الإسلام. وأما الروم فما تركوا أكل اللحم في أيام صوم الميلاد وصوم الحواريين وتلك الأيام التي يظن أنها من جملة الصوم الكبير.

فمن أحب أن يصوم الميلاد والحواريين والسيدة ولا يأكل لحماً فليس بواجب، وليس لأحد قطع اللحم طول سنة إلا في صوم الأربعين المقدسة فقط، ومن فعل بضد ذلك مخالف راجع إلى أصحاب الآراء المختلفة.

قال: وفي ثمان سنين من ملك ثيؤدوسيوس ظهرت الفتية الذين كانوا هربوا من دقيقيوس الملك واختفوا في الكهف، الذين هم أصحاب الكهف. وذلك أن الرعاة على طول الزمن كانوا إذا جازوا بذلك الموضع الذي هو الكهف، قلعوا الطوب المبني على...

حتى عاد مفتوحًا كالف، فلما انتبه الفتية توهموا أنهم كانوا نيامًا ليلة واحدة، فقالوا لصاحبهم الذي كان يذهب إليهم: «امضِ واشتري لنا طعامًا واستعلم خبر ذاقيوس». فلما خرج إلى باب الكهف نظر إلى البنيان والهدم، ثم مضى حتى بلغ باب المدينة وهي أفسس، فرأى باب المدينة عليه صليب كبير منصوب، فأنكر ذلك في نفسه وقال: «أحسب أني نائم»، فأقبل يمسح عينيه وينظر يمينًا وشمالًا هل يرى من يعرفه؟ فلم يرَ، فبقي متحيرًا وقال: «لعلي أخطأت الطريق، ولعل هذه مدينة أخرى».

ثم دخل المدينة فدفع دراهم مما كان معه عليها صورة ذاقيوس الملك، فأنكر عليه وقالوا: «لعله أصاب جنونًا»، ثم قالوا: «من أين لك هذه الدراهم وإلا قتلناك؟». فلم يكلمهم، وصاح الناس فاجتمع إليه خلق كثير وكلموه فلم يكلمهم، فصاروا به إلى طرق المدينة وكلموه فلم يتكلم، فهدده فلم يتكلم، فجاء إلى أساقفة المدينة فكلمه وخوفه وقال: «إنك إن لم تكلمني وتقول لي من أين لك هذه الدراهم وإلا قتلتك». وإنما كان يمتنع الكلام خوفًا من ذاقيوس الملك.

فقالوا له إنه قد مات وملك بعده جماعة ملوك، فضربوه حتى ألمّ به الضرب، فخبرهم بحاله على جليتها. وقالوا له: «إن ذاقيوس قد مات وملك بعده ملوك كثيرة، والملك اليوم ثيودوسيوس الكبير، وقد ظهر دين النصرانية». ثم سار معهم إلى الكهف، فنظروا إلى أصحابه والصندوق النحاسي الذي في الصحيفة الرصاص مكتوب فيها قصتهم وخبرهم، فكثر تعجبهم، وكتبوا إلى الملك يعلمونه بخبرهم، فركب وسار إلى مدينة أفسس فنظر إليهم وكلمهم، وبعد ثلاثة أيام دخل إليهم فوجدهم أمواتًا.

مع أننا في الأردن نقول إنه أهل الكهف عندنا واستقروا عندنا، وفي أفسس يعني في تركيا، ليس عندنا على هذه الرواية. وبعد ثلاثة أيام دخل إليهم فوجدهم أمواتًا، فأمر أن يتركوا في الكهف ولا يخرجوا، ولكن يدفنوا فيه وتبنى عليهم كنيسة وتسمى بأسمائهم. قال: ويعيد لهم عيدًا في كل سنة في ذلك اليوم، وانصرف إلى قسطنطينية.

قال: فمن وقت هرب الفتية من ذاقيوس إلى الكهف، إلى الوقت الذي ظهروا فيه وماتوا، سبعة وأربعون سنة. قلت: هذا مما أخطأ فيه، فإن الله تعالى أخبر أنهم لبثوا في كهفهم ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25]. لكن بعض المفسرين زعموا أن هذا قول بعض أهل الكتاب لقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وليس كذلك، فإن الله لم يذكر هذا عن أهل الكتاب بل ذكره كلامًا منه تعالى.

قال سعيد: وفي زمنه كانت قصة بطرك قسطنطينية يوحنا الملقب بفم الذهب، وتولى بعده ابنه ثيودوسيوس اثني عشر سنة من ملك يزدجرد بن رام. وفي زمنه جعل نسطور الذي تنسب إليه ما قالته النسطورية بطركًا على القسطنطينية. وكان نسطور يقول إن مريم العذراء ليست بوالدة الإله على الحقيقة، ولذلك كان اثنان: أحدهما الذي هو إله مولود من الآب، والآخر الذي هو إنسان مولود من مريم، وإن هذا الإنسان الذي يقول إنه مسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله، ويقال له إله وابن إله ليس بالحقيقة ولكن بموهبة واتفاق الاسمين والكرامة شبيهًا بأحد الأنبياء.

فبلغ قوله بطرك الإسكندرية فأنكر ذلك وكتب إليه يقبح عليه فعله ومقالته، ويعرفه فساد ما هو عليه ويسأله الرجوع إلى الحق، فجرت بينهما رسائل كثيرة ولم يرجع نسطور عن مقالته. فكتب إلى بطرك أنطاكيا يسأله أن يكتب إلى نسطور ويعرفه قبح فعله ورأيه وفساد مقالته ويسأله الرجوع إلى الحق، فكتب إلى نسطور، ولم يرجع، فاجتمعوا ولعنوه.

وجرت بينهما رسائل كثيرة فلم يرجع، فكتبوا إلى بطرك رومية وأنطاكيا وبطرك بيت المقدس أن يجتمعوا في مدينة أفسس لينظروا في مقالة نسطور، فاجتمع بالمدينة مئتا أسقف مقدمهم بطرك الإسكندرية. قال: وتأخر بطرك أنطاكيا فلم ينتظروه، وبعثوا إلى نسطور فلم يحضر معهم، فنظروا في مقالته وأوجبوا عليه اللعنة، فلعنوه ونفوه، وثبتوا أن مريم العذراء وليدة الإله، وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين متوحدة في الأقنوم.

وهذا هو خلاف المحبة، لأن نسطور كان يقول إن الاتحاد هو اتفاق الوجهين، وأما الاتحاد المستقيم فإنما هو أن يكون أقنومًا واحدًا من طبيعتين. فلما لعنوا نسطور قدم يوحنا بطرك أنطاكيا، فلما وجدهم قد لعنوه قبل حضوره غضب وقال: «ظلمتم نسطورًا ولعنتموه باطلا»، وتعصب مع نسطور، فجمع الأساقفة الذين قدموا معه، فقطع بطرك الإسكندرية وقطع أسقف أفسس.

فلما رأى أصحاب بطرك الإسكندرية قبح فعله، ووقع بينهم شر عظيم وخرجوا من أفسس، وصار أصحابه ترك الإسكندرية والمشرقيين حزبين. فلم يزل ثيودوسيوس الملك حتى أصلح بينهم، وكتب المشرقيون صحيفة وثبتوا فيها الإيمان صحيحًا، وقالوا فيها: «إن مريم العذراء القديسة ولدت إلهنا ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة ومع الناس في الناسوت»، وأقروا بطبيعتين ووجه واحد وأقنوم واحد، ولعنوا نسطور ووجهوا الصحيفة إلى بطرك الإسكندرية، فقبل الصحيفة وأجاب عنها بموافقتهم على ذلك.

وقال قوم: لما قبل صحيفة المشرقيين بدا له ولم يقبل طبيعتين ووجهًا واحدًا، قال سعيد: «وهم في ذلك كاذبون لأن كتبه تنطق بذلك»، ثم أرسل نسخة صحيفة المشرقيين إلى جماعة من الأساقفة يعلمهم أن المشرقيين رجعوا إلى الإيمان وأنهم غير موافقين لنسطور.

قال: فمن المجمع الثاني، ١٥٠ أسقفًا المجتمعين بمدينة قسنطينة، ولعنوا مقدونيوس. إلى هذا المجمع المئتين أسقف المجتمعين بأفسس على نسطور ٥١ سنة. قال: ولما نفي نسطور سار إلى مصر فأقام بضيعة في صعيد مصر يقال لها أخميم ومات ودفن فيها. وكانت مقالته قد اندثرت فأحياها من بعده بزمن طويل مطران نصيبين في عصر بوسيديانوس ملك الروم وقبادز بن فيروز ملك الفرس، فبثها بالمشرق، فلذلك كثرت النسطورية بالمشرق وخاصة أرض فارس والعراق والموصل ونصيبين والفرات والجزيرة.

قال سعيد: رأيت أن أرد على النسطورية في هذا الموضع وأبين بطلان قولهم وفساده، لأن النسطورية في عصرنا هذا خلفوا قول نسطور القديم، وزعموا أن نسطور كان يقول إن المسيح جوهر وأقنوم، إله تام بأقنومه وجوهره، وإنسان تام بأقنمه وجوهره، وإن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، لأن الآب عندهم ولد إلهًا ولم يلد إنسانًا، ومريم ولدت إنسانًا ولم تلد إلهًا. فيقال لهم: إن كان الأمر على ما تقولون فالمسيح مسيحان وابنان؛ مسيح إله وابن إله، ومسيح إنسان وابن إنسان، لأنه لابد لمريم أن تكون ولدته، فإن كانت ولدته فلا بد أن يكون ولادة روحانية.

أو جسمانيًا، فإن كان جسمانيًا فهو غير الذي ولده الأب، وذلك يجب أن يكون هناك مسيحان اثنان. وإن كان روحانيًا فالمسيح ابن واحد، أقدم واحد، مسيح واحد. ودليل على ذلك صفيحة الحديد التي تتحد بها النار؛ فإنها سيف واحد يحرق وتمنع وتقطع وتضيء، ولا يجوز أن تكون من الجهة الحديدية المحرقة المضيئة من غير جهة النار، إذ كان ما لم يكن فيه نار من الحديد غير محرق. ولا الجهة النارية هي القاطعة المانعة، إذ كان شأن النار الإضاءة والإحراق على القطع.

فقد ثبت بهذا وصح ما تعتقده الملكية من أن المسيح أقنوم واحد، وبان زيف قول النصيرية أن المسيح أقنمان. ويقال لهذا إن قول النصيرية والملكية، وإن كانا باطلين، فقول الملكية أشد بطلانًا وأعظم. وما ذكره سعيد بن البطريق باطل، أما قوله: لو كان الأمر على ما تقولون فالمسيح مسيحًا، فيقال له: هذا إنما يلزم لو كان اللاهوت بمجرد يسمى مسيحًا، فإن النصيرية وافقوهم على باطل، وهو أن الرب ولد إلهًا، وهذا باطل. ولم يقل أحد قط من الأنبياء، لا في الإنجيل ولا غيره، أن صفة الله القائمة به مولودة، ولا أن الرب له مولود قديم أزلي.

ولكن إذا قُدر أن الأمر كذلك، فصفة الله لم يسمها أحد المسيح. فإذا قُدر أن اللاهوت والناسوت جوهران أقنمان لا اتحاد بينهما، لم يلزم أن يكون اللاهوت مسيحًا، ولا أن هناك مسيحًا هو إله، ولا مسيحًا هو ابن إله. وقد تقدم عن النصيرية أنه كان يقول: إن هذا الإنسان الذي نقول إنه مسيح متوحد بالمحبة مع ابن إله، ويقال له إله وابن إله، ليس بالحقيقة ولكن موهبة؛ فقد صرح بأن المسيح هو الإنسان فقط دون اللاهوت، وأن المسيح ليس بإله ولا ابن إله في الحقيقة، فبطل ما ألزمه إياه من أنه يلزم أن يكون هنا مسيحان.

وأما قوله: لابد لمريم من أن تكون ولدت المسيح أو لم تلد، فيقال: بل ولدت المسيح وهو الإنسان، وهو غير اللاهوت الذي تزعمون أن الآب ولده، وليس في ذلك مسيحان، بل مسيح واحد إنسان مخلوق. وأيضًا قوله: فإن كان ولدته فلا بد أن يكون ولادًا روحانيًا أو جسمانيًا، فإن كان روحانيًا فالمسيح ابن واحد، أقنوم واحد، مسيح واحد؛ قال: تقسيم باطل وحجة فاسدة ضاحضة، فإن مريم لم تلد ولادة روحانية، بل خرج ولد من فرجها كما تخرج أولاد النساء من فروجهن سواء كانت عذرتها باقية أو لم تكن.

وأما ما ذكره من التمثيل بصفيحة الحديد، فلو قُدر أنه مثل مطابق لم يدل على صحة قولهم، بل غايته أنه يدل على إمكانية، فأين دليل على أن هذا هو الواقع؟ فليس فيه ما يدل على صحة قول الملكية وفساد قول خصومهم. فكيف وهو تمثيل غير مطابق؟ بأن الحديد إذا اتحدت به النار كان الحديد قد استحال عن صفته فلم يبقَ حديدًا محضًا، وليست نارًا محضة. والخشب وغيره إذا احرق وصار نارًا فليس هو خشبًا محضًا وليس هو نارًا محضة بسيطة.

فمن شأن الشيئين إذا اتحدا أن يستحيلا إلى جوهر ثالث وطبيعة ثالثة، ليست لا هذا ولا هذا، كالماء واللبن إذا اتحدا فإن ذلك يصير جوهرًا ثالثًا وطبيعة ثالثة، لا لبنًا محضًا ولا ماءً محضًا. وكذلك نار مع الحديد أو الخشب أو غير ذلك، فإن ذلك يصير جوهرًا ثالثًا ليس حديدًا محضًا ولا خشبًا محضًا ولا نارًا محضة. لكن الحديد إذا برد هو حديد لكن تغيرت حقيقته، فالنار تلينه وتذهب خبثه، ولا يبقى بعد اتحاده بالنار كما كان قبل. والخشب يصير حممًا وهو جوهر ثالث، إذ كان من طبع النار أنها تؤثر في كل جسد بحسبه، فتؤثر في الحديد بحسبه وفي الخشب بحسبه، وكل شيء اتحدا فإنهما يصران جوهرًا ثالثًا وأقنومًا ثالثًا وطبيعة ثالثة.

فإن كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا كما زعموا، فقد استحالت صفة اللاهوت واستحالت صفة الناسوت، فلم يبقَ اللاهوت لاهوتًا ولا الناسوت ناسوته، بل صار جوهرًا ثالثًا لاهوتًا ولا ناسوتًا، وهم ينكرون هذا القول وهو باطل. فإن رب العالمين لا يتبدل، ولا تستحيل الصفات بصفات المحدثات، ولا ينقلب القديم، ولا شيء من صفاته محدثة، ولا يستحيل القديم، الرب الخالق والمخلوق المحدث إلى شيء ثالث. بل صفات الرب التي لم يزل ولا يزل موصوفًا بها لا تتبدل ولا تنقلب ولا تستحيل، فضلاً أن تستحيل إلى أمر ثالث.

ثم هذا الثالث إن كان قديمًا خالقًا صار هنا خالقين قديمين، وإن كان مخلوقًا محدثًا كان الخالق قد صار مخلوقًا محدثًا. ومعلوم أن استحالة الخالق إلى خلق آخر أو إلى مخلوق ممتنع ظاهر الامتناع. ومما يوضح هذا أن ما مثل به من الحديدة المحماة بنارها هي جوهر ثالث يجري على نارها ما يجري على حديدها، فإذا طرقت فالطرق واقع على نارها كما هو واقع على حديدها، وكذلك إذا بصق عليها، وكذلك إذا ألقيت في الماء.

فإن كان هذا التمثيل مطابقًا لزم أن يكون ما حل بالناسوت قد حل باللاهوت، فيكون رب العالمين هو الذي يأكل ويشرب ويبول ويتغوط، وهو الذي بصق عندهم في وجهه وجعل شوكه على رأسه وضرب السياس ومات وتألم، كما يحكى مثل هذا عن اليعقوبية. وهذا لازم لكل من قال بالاتحاد حتى النصيرية، إن قالوا إنهما متحدة بالمشيئة بمعنى أن مشيئة هذا عين مشيئة هذا، بخلاف ما إذا قالوا إن مشيئتهم موافقة للمشيئة ليست إياها.

ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 72-73].

فذكر سبحانه وتعالى أنهما كانا يأكلان الطعام؛ لأن ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان، إذ الخالق أحد صمد لا يأكل ولا يشرب. وذكر مريم مع المسيح؛ لأن من النصارى من اتخذها إلهًا آخر فعبدها كما عبد المسيح، والذين لا يقولون بهذا كثير منهم يطلب منها كل ما يطلب من الله، حتى يقولوا لها اغفري لي وارحميني وغير ذلك، بناءً على أنها تشفع في ذلك إلى ابنها، فيقولون: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، ويطلبون منها الحوائج التي تطلب من الله، ولا يذكرون شفاعة. وآخرون يعبدونها كما يعبدون المسيح. وقد ذكر سعيد بن البطريكي...

هذا عنهم لما ذكر اجتماعهم عند قسطين بنيقيا؛ قال: وكانوا مختلفي الآراء، مختلفي الأديان، فمنهم من يقول المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم المريمانيون ويسمون المريمانية كذلك. قال ابن حزم: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وجماعة أصلًا يضيفون أنه مريم أيضًا إله.

وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْن مَّرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]. إذاً هذه الآية تدل على أن في ناس جعلوا مريم إلهًا؛ لأن ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72] هذا قول طائفة، ثم قال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] هذا قول طائفة أخرى، و﴿وَإِذْ قَالَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] هذا قول طائفة ثالثة، فالقرآن نوّع في ذكر أقوال النصارى.

قال: وهو سبحانه لم يحكِ هذا عن جميع النصارى، بل سأل المسيح سؤالًا يقرع به من اتخذها وأمه إلهين من دون الله. قال ابن البطريك: ويقال للنساطرة أيضًا، أخبرنا عن الناسوت التي اتحد بها اللاهوت وسمي مسيحًا؛ هل لم يزل مسيحًا منذ كان في بطن مريم إلى حين وضعته وأرضعته وشب وصلب وقتل، أم كان ثلاثين سنة وهو واحد من الناس ثم بعد ذلك اللاهوت بالناسوت فكان مسيحًا؟

فإن قالوا: لم يكن مسيحًا وهو في بطن مريم، وإنما ولدت مريم إنسانًا كان ثلاثين سنة وهو واحد من الناس ثم اتحد بعد ذلك اللاهوت بالناسوت فكان مسيحًا، تركوا قولهم وكذبوا الإنجيل وبولس وجميع كتب الكنيسة وخرجوا عن مقالة النصرانية، وإن قالوا إن اللاهوت اتحد في الناسوت عند الحمل، وأنه كان مسيحًا وهو محمول ومولود ومرضع إلى أن صلب وقتل، فقد أقروا أن مريم ولدت إلهًا مسيحًا واحدًا.

فيقول له: هذا تقسيم يدل على بطلان قول النصارى الذي ابتدعته طوائفهم الثلاثة وغيرهم؛ فإن الاتحاد يزعمون أنه كان من حين حملت به مريم، وأنه كان ينمو قليلاً قليلاً كنمو جسد المسيح، والاتحاد باطل كما قد قرر غير مرة. ولو قُدّر أنه ممكن لظهر أثر ذلك، فإن الله لما كلم موسى من الشجرة ظهر من الآيات والعظمة ما دل على ذلك، ولذلك كان إذا كلم موسى يظهر آيات ذلك، وكذلك ما أخبر به في التوراة وغيرها من المصاحب لبني إسرائيل وهو مما ظهر أثره وإن لم يكن متحدًا ولا حالًا في شيء من ذلك.

ولما تجلى من طور سيناء وأشرق من سعير واستعلن من جبال فاران بما أنزله من كتبه ظهر أثر ذلك وإن لم تكن ذاته متحدة ولا حالة بفاران ولا طورين باتفاق الأمم، فكيف تكون ذاته متحدة بما في بطن مريم أو حاله فيه؟ وأيضًا فيقال له: قد يقول النصارى له الناسوت كان مسيحًا من حين الحمل بمعنى أنه كان طاهرًا مقدسًا لا بمعنى اتحاد اللاهوت به. وإن قالوا المسيح اسم اللاهوت والناسوت جميعًا، فيقال ليس في كتب الأنبياء ما يقتضي هذا، والنصارى يسلمون ذلك، ولكن قد يقولون إن المسيح اسم لهما كما أن الإنسان اسم للروح والجسد، ثم قد يقال لجسد الإنسان الميت هذا الإنسان، فيقال وهو في بطن مريم أمه قبل نفخ روحي فيه هذا الجنين وهذا الحمل، فكذلك إذا قيل له مسيح بدون اللاهوت.

وأيضًا فقد تقول باقتران اللاهوت من حين الحمل، ولا يلزم أن يكون قد ولدت إلهًا إذ لم يقل بالاتحاد، بل قالوا هما جوهران أقنومان، ولدت أحدهما ولم تلد الآخر، كما تقول الملكية معهم إنه صلب أحدهم ولم يصلب الآخر، ومات أحدهما ولم يمت الآخر، وتألم أحدهم ولم يتألم الآخر؛ فكيف جوز الملكية حين الموت أن يحل الموت والصلب والأكل والشرب وسائر الأمور البشرية بأحد الجهرين الآخر، ولم يجوزوا حين الولادة أن تلد مريم أحد الجهرين دون الآخر؟

وهل هذا إلا من تناقضهم؟ كقولهم جميعًا إنه صعد إلى السماء وقعد عن يمين أبيه، مع قولهم إن اللاهوت مع الناسوت قعد عن يمين الأب، ويقولون مع ذلك إن اللاهوت القاعد عن يمين الآخر هو ذلك الآخر، وهما جوهر واحد وإله واحد، مع قوله إنه إله حق من إله الحق، فمناقضتهم كثيرة. ولا ريب أن قول النصارى أيضًا متناقض، ولكن لا يمكن أن يُصحح قول المالكية دون قولهم، بل قول الملكية أعظم فسدًا وتناقضًا؛ فالنصارى يقولون الإله لم يولد ولم يصلب، واليعقوبية يقولون ولد وصلب، والملكية يقولون ولد ولم يصلب. ومتى جاز أن يولد جاز أن يموت ويصلب، وإن لم يجوز أن يصلب ويموت لم يجوز أن يولد، فتجويز أحدهما ومنع الآخر تناقض.

ويقال للملكية: أنتم تقولون إن اللاهوت اتحد بالناسوت عند الحمل وكان مسيحًا وهو مصفوع ومصلوب وميت ومتألم، وتقولون هذا كان بالناسوت دون اللاهوت، فهذا التناقض من جنس تناقض النساطرة. قال ابن البطريك: ويقال للنساطرة أيضًا، متى اتحدت الكلمة بالإنسان؟ متى اتحدت الكلمة بالإنسان، قبل الولادة أم في حال الولادة؟ فإن قالوا قبل الولادة، قلنا لهم قبل الولادة وقبل الحمل؟ أو قبل الولادة وهو حمل؟ فإن قالوا قبل الولادة وقبل الحمل، فقد زعموا أنه اتحد قبل أن يكون الإنسان وقبل أن يُصور، فإن كان كذلك فسد قول النساطرة أن القديم اتحد بإنسان جزئيًا؛ لأن الإنسان الجزئي إنما كان إنسانًا جزئيًا لما صار مصورًا بشرية.

فيقال له هذا السؤال لازم للطوائف الثلاثة؛ فإنهم يقولون بالاتحاد أعظم من النساطرة، فإن قيل هم يقولون إنه اتحد بإنسان كلي، كان هذا من أفسد الأقوال، فإن المسيح بشر معين جزئي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، لم يكن إنسانًا كليًا. ثم يلزمهم أن يزعموا أن اللاهوت قد كان حل مع ناسوتي تسعة أشهر ونحوها، من بدء الحمل مقيمًا معه في الموضع الذي يحمل فيه الجنين، ثم ولدا. وهذا خلاف قوله ابن مريم ولدت المسيح من جهة ناسوته إلى من جهة لاهوته، فيقال قد يقولون إنه ولد الناسوت دون اللاهوت، كما يقول الملكية إنه صلب الناسوت دون اللاهوت، وإن كان هذا متناقضًا، فالنساطرة أقل تناقضًا لأن الملكية منهم إنما شخص واحد أقنوم واحد فقد اتحد أحدهما بالآخر.

فإذا جاز مع هذا أن يفارق أحدهما الآخر في الأكل والشرب والصلب والموت، فمن قال إنه جوهران أقنومان هو أولى أن يقول ولدت أحدهما دون الآخر.

نكتفي بهذا القدر اليوم، صل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.