بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم ارزقنا همة المسير إليك، ولا تخطنا عنك بشواغ الحياة الدنيا. اللهم خذنا إليك بالعلم النافع والعمل الصالح، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل. اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجهم في غزة خاصة، واجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية.
حياكم الله في صبيحة يوم جديد من أيام الخميس، وما زلنا نعيش مع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، وهو يدافع عن أصول الإسلام ويذب عنها، ويحاول أن يفند شبهات النصارى، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأقانيم الثلاثة والتثليث.
وصلنا إلى قوله: «فصل: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومنه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا والمصنف والحاضرين والسامعين، ونجنا من المؤمنين. أما بعد: قالوا وأما تجسم كلمة الله الخالقة التي بها خلق كل شيء وتجسدها بإنسان مخلوق، وهو الذي أخذ من مريم العذراء المصطفى التي فضلت على العالمين، واتحدت الكلمة به اتحاداً بريئاً من اختلاط أو تغير أو استحالة، وخاطب الناس كما خاطب الله موسى النبي في العوسجة، ففعل المعجز بلاهوته، وأظهر العجز بناوته، والفعلان هما من المسيح الواحد. والجواب: أن في الكلام من أنواع الكذب والكفر والتناقض أموراً كثيرة، وذلك يظهر بوجوه:
الأول: أن قولهم «كلمة الله الخالقة التي بها خلق كل شيء» كلام متناقض؛ فإن الخالق هو الإله، الخالق وهو خلق الأشياء بكلامه، وهو قوله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. فالخالق لم يخلق به الأشياء، بل هو خلقها، فالخالق لم تُخلق به الأشياء، أي ليس هو الواسطة بل هو الفاعل، إنهم يجعلون الكلمة هي الخالقة وفي نفس الوقت هي الواسطة. فيقول يجب أن نفصل بين الفاعل والواسطة، فالله هو الخالق وكلمة «كن» هي الوسيلة والواسطة، فيقول إذاً فالخالق لم تُخلق به الأشياء، ليس هو الواسطة بل هو خلقها، والعكس؛ والكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق، كلمة الله خلق بها وليست هي الخالقة، فأنتم تدخلون الأمور العقلية ببعضها البعض.
بل به خلق الخالق الأشياء، والفرق بين الخالق والمخلوق، وبين ما به خلق الخالق، هذا كله معقول، إذاً عليك أن تفرق بين الخالق والمخلوق وما به خلقت الأشياء، خلينا نسميه هنا الواسطة. وهؤلاء جعلوا الخالق هو الذي به خلقت المخلوقات، فجعلوا الكلمة هي الخالق وجعلوا المخلوقات خُلقت بها، ويضعه هذا أن الكلمة إن كانت مجرد الصفة فإن الصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق وليس هذا هو المخلوق، فأنتم لا تخلطوا الأمور.
الثاني: قولهم «تجسدها بإنسان مخلوق» وقولهم «تجسم كلمة الله»، فإن قولهم تجسمت وتجسدت يقتضي أن الكلمة صارت جسداً وجسماً بالإنسان المخلوق، وذلك يقتضي انقلابها جسداً وجسماً، وهذا يقتضي استحالتها وتغيرها، وهم قالوا: «اتحاداً بريئاً من التغير والاستحالة»، اتحاداً بريئاً يعني بريئاً من الاختلاط أو التغير أو الاستحالة، كما قال بولس الأنطاكي: «اتحاداً بريئاً من الاختلاط أو التغير أو الاستحالة».
الثالث: نقول هذا الكلام متناقض؛ لأنكم ماذا قلتم؟ ما دامت اتحدت، إذاً الاتحاد لابد وأن يحصل فيه اختلاط، ولا بد وأن يحصل فيه استحالة، فكيف تقول اتحدت وفي نفس الوقت تقول اتحاداً بريئاً من الاختلاط والتغير والاستحالة؟ قال هذا متناقض لا يمكن أن يحصل.
قولهم «اتحدت الكلمة باتحاد بريء من اختلاط أو تغير أو استحالة» كلام متناقض أيضاً؛ فإن الاتحاد يصير الاثنين واحداً، فيقال: قبل الاتحاد كان له تجوهران، والناس تجوهران آخر، وإن شئت قلت كان هذا شيئاً وهذا شيئاً، أو هذا عيناً قائمة بنفسها وهذا عيناً قائمة بنفسها، فبعد الاتحاد إما أن يكون اثنين كما كانا، أو صار الاثنان واحداً. فإن كان اثنين كما كان فالاتحاد فلا يوجد اتحاد، بل هما متعددان كما كانا متعددين، وإن كان قد صار شيئاً واحداً، فإن كان هذا الواحد هو أحدهما فالآخر قد عدم، وهذا عدم لأحدهما، واتحاده، وإن كان هذا الذي صار واحداً ليس أحدهما فلا بد من تغييره واستحالتهما، لابد إذاً من حصول تغير واستحالة.
هي الأقسام العقلية التي يمكن أن يحصل فيها الموضوع، وإلا فلو كان بعد الاتحاد اثنين باقين بصفاتهما لم يكن هناك اتحاد. فإن قيل: اتحد اتحاداً بريئاً من اختلاط أو تغير أو استحالة، كان هذا كلاماً متناقضاً ينقض بعضه بعضاً، فإن هذا إنما يكون مع التمدد والمباينة لا مع التعدد.
عندك التمدد يوضح ذلك، أنه إذا اتحد الماء واللبن أو الماء والخمر ونحو ذلك، كان الحاصل من اتحادهما شيئاً ثالثاً ليس ماءً محضاً ولا لبناً محضاً، بل هو نوع ثالث، وكل من الماء واللبن قد استحال وتغير واختلط، وأما الاتحاد بدون ذلك فغيض معقول.
لهذا أعظم اضطراب النصارى في هذا الموضع وكثر اختلافهم، وصار كل واحد من كل منهم يرد على الآخر ما يقوله؛ لأن النصارى هم إلى الآن غير متفقين على كيف يتحد اللاهوت بالناسوت، يعني قول لك هذا موضع اضطراب للنصارى لأنهم إلى الآن لا يعطون تصوراً واضحاً عن كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت، وصار كل منهم يرد على الآخر ما يقوله، ويقول قولاً يكون مردوداً، فكانت أقوالهم كلها باطلة مردودة؛ إذ كانوا قد اشتركوا في أصل فاسد يستلزم أموراً كلها باطلة، فأي شيء أخذ من تلك اللوازم كان باطلاً ولا بد له منها.
فياخذ هذا بعض اللوازم فيرده الآخر، ويأخذ الآخر لازماً آخر فيرده، هذا شأن جميع المقالات الباطلة؛ إذا اشتركت فيها طائفة لزمها لوازم باطلة وفساد لازم يدل على فساد الملزوم، فإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم، وإذا انتفى اللازم...»
انتفى الملزوم، وهذا يتبين بالوجه الرابع. يمكن أن يقال إنه إذا تصور الشيء أصلاً فهو صحيح، ولا يمكن تصور الباطل في كل لوازم.
قال ابن تيمية: «إن أحد الإشكالات التي تجعل الإنسان لا يفهم الأقوال الباطلة هو أن الباطل شيء لا وجود له في الخارج، فإنت لما تحاول تصوره، أنت تحاول أن تركب في عقلك وتتخيل شيئاً أنت تعلم أنه لا وجود له، فتستصعب هذه العملية؛ فإنه أحياناً قد لا تفهم ما الذي يريد أن يصل إليه أصحاب الباطل».
وهذا يتبين بالوجه الرابع، وهو أن يقال: كثير من النصارى يقولون إنهما بعد الاتحاد جوهر واحد، وطبيعة واحدة، ومشيئة واحدة، وهذا القول يضاف إلى اليعقوبية، ويقولون إن اللاهوت والناسوت اختلط. واليعقوبية إحدى فرق النصارى. قالوا: اختلط وامتزج كما يختلط الماء واللبن، والماء والخمر، وهذا القول هو حقيقة الاتحاد، ولا يعقل الاتحاد إلا هكذا، لكن فساده ظاهر لعقول الناس. فإذا كان هذا لازماً لقول النصارى وفساده ظاهر، فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
فإن حقيقة هذا القول أن الذي يأكل ويشرب ويبول ويتغوط، والذي ضرب وبثق في وجهه ووضع الشوك على رأسه هو رب، والعياذ بالله! فإذا فسد اللازم فسد الملزوم، وهو أصل الاتحاد. ونفس تصور هذا القول مما يوجب العلم ببطلانه وتنزيه الله عن ذلك بمجرد أن تتصوره كما قلنا وتحاول تتخيله، تحكم بفساده بدون أن تطلب الأدلة أصلاً؛ يعني في أقوال باطلة مجرد أنك تتخيلها وتتصورها بتعرف أنها باطلة، مش محتاج تبحث في الأدلة بعد ذلك.
قال: وإن قائله من أعظم المفترين على الله. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 89-94].
الوجه الخامس: قوله "وخاطب الناس كما خاطب الله موسى من العوسجة". يجب أن يكون الذين كلمهم المسيح ممن أمن به وكفر به، بمنزلة موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليماً، ومعلوم أن تكليم الله لموسى عليه السلام مما فضله به على غيره من النبيين. فإن كان أحدهم يقول إن عيسى بلاهوته الذي اتحد فيه خاطب الناس كما أن الله خاطب موسى، فكيف ربنا عز وجل خاطب موسى من الشجرة؟ فعيسى خاطب الناس بلاهوته وناسوته الذي اتحد فيه، فيجب أن يكون الذي كلمهم بمنزلة موسى بن عمران الذي كلمه الله.
يعني هم هكذا يقولون بناءً على كلامكم: يوجب أن يكون الذي كلمهم المسيح ممن أمن به وكفر به بمنزلة موسى بن عمران الذي كلمه الله. تمام، الذين كما أن الله كلم موسى بن عمران من خلال الشجرة، كذلك الله كلم الناس الذين آمنوا بالمسيح وكفروا به من خلال جسد المسيح، فكان جسد المسيح حل فيه الإله ليتكلم مع الناس، كما يتصورون أن الشجرة حل فيها الله ليتكلم مع موسى.
فإن كان أفراد الناس بمنزلة موسى بن عمران، لازم أن يكون كل من كلم المسيح بلاهوته وناسوته بمنزلة موسى بن عمران. قال: «لزم أن يكون كل من أفراد الناس في ذلك بمنزلة موسى بن عمران»، وهذا مما يعرف وفسده بالاضطرار من دين الرسل. إذاً بالتالي أصبح الذي كلم الله تكليماً ليس فقط موسى، بل كل الذين كلمهم المسيح عيسى ابن مريم أيضاً كلموا تكليماً. ويقول لهم: إذا كان الله -تعالى الله عما يقولون- حل بجسد عيسى، إذًا لماذا جعل موسى هو فقط كليم الله؟ لازم كل الناس الذين سمعوا من المسيح عيسى بن مريم هم أيضاً كليم الله، لماذا؟ لأن الله خاطبهم من خلال جسد المسيح كما خاطب موسى من خلال الشجرة، فلم يختص موسى أنه كليم الله.
الوجه السادس: أنه من المعلوم أن خطاب الله لأنبيائه ورسله أفضل من خطابه لمن ليس بنبي ولا رسول. المسيح عليه السلام لم يكلم عامة النبيين والمرسلين، بل لم يكلم إلا ناساً منهم، من آمن به ومنهم من كفر به. والتحقيق أنه لم يكلم أحداً من رسل الله، ولكن النصارى يزعمون أن الحواريين رسول الله، فيعتبروا أن عيسى كلم الرسل باعتبار أن الحواريين رسل، وهذا بين بطلانه.
ولو سلمنا، فلم يكلم إلا اثني عشر رسولاً، وقد بعث الله قبله رسلاً كثيرين. وقد روي في حديث أبي ذر أن عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. قال: وقد قال الله في القرآن: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. وفي الحديث الذي في المسند عن بحز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل». هذه سبعون، سواء كانت هي التي هداها أو الجميع، فإنه يدل على كثرة الرسل، ولم يكلم الله أحداً من هؤلاء من بشر حل فيه. فلو كان المكلم للناس في عيسى، لكان تكليم الله للذين كلمهم عيسى من الكفار والمؤمنين أكمل من تكليمه لرسل الله الذين أرسلهم.
الوجه السادس، يقول: أول وجه هو أنه بالمعلوم أن خطاب الله لأنبيائه ورسله أفضل من خطابه لمن ليس بنبي ولا رسول. فإذا كان خطاب الله مع الأنبياء أعلى من خطاب الله مع العوام، ليسوا بأنبياء، فإنه باعتبار الأنبياء أنهم أشرف الناس، يقول: من المعلوم أن خطاب الله للأنبياء أفضل من خطاب لمن ليس بنبي. والرسول والمسيح لم يكلم عامة النبيين والمرسلين، بل لم يكلم إلا ناساً، منهم من آمن به ومنهم من كفر به. هو يرد هذا بناءً على أصل قولهم: وإنه خاطب الناس كما خاطب الله موسى النبي من العوسجة، ففعل المعجز بلاهوته وأظهر العجز بناسوته، والفعلان هما من المسيح الواحد.
ولا رسول أفضل من خطابه لمن ليس بنبي. حتى كلام الله لا يتفاوت في القرآن، مش يقولون مثلا أن هذه الآية أعلى من هذه الآية وأفضل من هذه الآية؟ فلا إشكال أن يتفاوت كلام الله سبحانه بمعنى أنه لما يخاطب الأنبياء فهذا الخطاب أعلى من خطابه للسوق أو للعامة.
والمسيح إذا قلنا إنه إن الله يتكلم -والعياذ بالله- من خلاله، هو لم يكلم عامة النبيين والمرسلين بل لم يكلم إلا ناسًا منهم، من آمن به ومنهم من كفر، بالتالي ما في تميز هنا في الخطاب. يريد أن يقول لك إنكم جعلتم المسيح في النص السابق وخاطب الناس، يقول لك هذه ما فيها ميزة؛ بالعكس، خطاب الله للأنبياء أعلى من خطابه لعامة الناس.
فقولكم خاطب الناس وقياسكم على ذلك كما خاطب الله موسى، هذا القياس قلة؛ يريد أن يقول لك مع الفارق، فإن مخاطبة الناس -الناس منهم مؤمن ومنهم كافر- وخطاب الله مع موسى أعلى من مخاطبته التي تزعمونها أن الله خاطب الناس من خلال جسد المسيح. فاعتقد هي مجرد مقارنة، أنه بناء على القياس الذي عمله بولس الأنطاكي أنه خاطب الناس كما خاطب موسى عليه السلام، فهو يخبر أن مخاطبته للناس ليست بأعلى درجات المخاطبة أصلاً، بل أعلى درجات المخاطبة أن يخاطب الأنبياء.
فإن قيل إنه بل هو خاطب الأنبياء، قيل من هم الأنبياء الذين خاطبهم؟ قالوا الحواريون. قلنا: ليسوا بأنبياء، فيكون عيسى أو التمثل الإلهي في عيسى إنما خاطب عددًا قليلاً جدًا جدًا من الأنبياء الذين هم الحواريون -إن صح أصلاً أنهم أنبياء-. هذا الذي يريد أن يقوله؛ نعم ممكن يكون قصده يريد أن يبين بطلان قولهم، لأن قولهم يلزم منه أن الله خاطب بعض البشر فأصبح أفضل من الأنبياء، أو أنه تميز بشيء ما حصلوا عليه الأنبياء.
إذا كان عيسى لم يكلم الأنبياء أصلاً، فمن كلمهم -منهم المؤمن والكافر- فهؤلاء حازوا شيئًا لم يحزه الأنبياء، لأنه أصلاً عيسى لم يكلم بقية الأنبياء. الصحيح أنه لم يكلم أحدًا. أنت تقصد أنه يريد بيان بطلان قولهم، أنه يلزم منه أن بعض الناس الذين ليسوا بأنبياء صاروا أعلى من الأنبياء لما خاطبهم عيسى؟ بالضبط.
شيخ، أقل شيء أن بعض البشر هؤلاء -من كفر أو آمن- مساوون للأنبياء على الأقل. كلامه قال: كما كل خطاب الله أفضل الأنبياء، والأصل أن من يعلم خطاب الله أفضل ممن ليس بنبي ولا رسول. والمسيح لم يكلم عامة النبيين، بل لم يكلم أصلاً إلا ناسًا منهم مؤمن ومنهم كافر؛ فبالتالي كيف يتميز عامة الناس بأن يخاطبهم الله، بينما جميع الأنبياء السابقين لم يخاطبهم الله خطابًا مباشرًا؟ عيسى -يقصد عيسى من خلال الله- ممكن يقول إنه هذا إحدى فعلاً الدلالات التي يريد الوصول إليها.
الوجه السابع: أن ناسوت المسيح هو من جنس سائر النواسيت، والإنسان لا يستطيع أن يرى الله في الدنيا كما أخبر بذلك موسى وعيسى ومحمد ﷺ، فإذا لم يستطع أن يراه، كان ألا يستطيع أن ينال وماس الكلام الذي أنت حكيته هو خلاصة ما بينه في الفقرة، حيث قال في ختام الفقرة: «ولم يكلم أحدًا من هؤلاء من بشر حل فيه، فلو كان المكلم للناس في عيسى هو الله، لكان تكليم الله للذين كلمهم عيسى من الكفار والمؤمنين أكمل من تكليمه لرسله الذين أرسلهم ولكن لم يكلمهم مباشرًا، وإنما وحيًا أو من وراء حجاب أو شيء من ذلك».
قال: «فإذا لم يستطع أن يراه، كان أن لا يستطيع الاتصال به وماساسته، فضلاً عن الالتحاد به، أولى وأحرى».
الوجه الثامن: أن الله لما كلم موسى عليه السلام من الشجرة، كان الكلام المسموع مخالفًا لما يسمع من كلام الناس، ولهذا لم تطق بنو إسرائيل سماع ذلك الصوت، بل قالوا لموسى: «صف لنا ذلك»، وهذا عندهم في التوراة كما روى الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل فيما رواه من حديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام الله قال: «يا رب، هذا الكلام الذي أسمعه هو كلامك؟» قال: «نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كل، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من هذا لمت».
فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: «صف لنا كلام ربك»، فقال: «سبحان الله، وهل أستطيع أن أصف لكم؟» قالوا: «فشبهه لنا»، قال: «هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة، سمعتموها؟ فكأنه مثله». وأما المسيح عليه السلام فكان كل أحد يسمع صوته كصوت سائر الناس، لم يتميز عنهم بما يجب أن يكونوا سمعوا كلام الله كما سمعه موسى بن عمران؛ موسى بن عمران سمع كلام الله بحرفه وصوته، وأما عيسى فكان يخاطب الناس بصوته هو وليس بصوت الإله.
الوجه التاسع: أن الجني إذا حل في الإنسي، كما يحل في المصروع ويتكلم على لسانه، فإنه يتغير الكلام ويعرف الحاضرون أنه ليس هو كلام الإنسي مع أنه يتكلم بلسان الإنسي وحركة أعضائه، فيعلم أن الصوت حصل بحركة بدن الإنسي مع العلم بأنه قد تغير تغيرًا خالف به المعهود من كلام الإنسي، والإنسان الذي حل فيه الجني يغيب عنه عقله ولا يشعر بما تكلم الجني وعلى لسانه.
فرب العالمين سبحانه وتعالى لو حل في بشر متحد به وتكلم بكلامه، وكان الكلام المسموع كلام الله المسموع منه، فكان يظهر من الفرق بين ذلك وبين المعهود من كلام الإنسي ما هو في غاية الظهور، وكان يتغير حال الإنسي غاية التغير. فإن الرب عز وجل لما تجلى للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا، فإذا كان البدن الإنسي لا يثبت لتجليه للجبل، فكيف يثبت لحلوله؟ كيف يثبت البدن الإنسي لنزول الرب فيه إذا كان لم يستطع جسد موسى أن يتحمل مجرد التجلي الإلهي؟ فقر موسى صعقًا، فكيف يتحمل بدن عيسى نزول الرب فيه كاملاً سبحانه؟ وهذا من كلام الجميل.
قال: «وقد كان الوحي والملائكة إذا نزلت على الأنبياء في باطنهم يظهر التغير في...»
أبدانهم، فكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل حتى يبرك به البعير، وإن كان فخذه على فخذ ثقل حتى يكاد ير... إذا كان عليه الصلاة والسلام يتعب ويرهق من مجرد نزول الوحي، يتفصد عرقًا في الليلة الشاتية أو في اليوم الشاتية. كيف يمكن أن ينزل إله كامل في جسد عيسى؟ أقول لك هي مفارقات الحمقاء عند النصارى.
في الصحيحين عن عائشة أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، فهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلموني فعل ما يقول». قالت عائشة: «ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم شديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا».
وموسى عليه السلام لما سمع كلام الله -ما قتل الآدميين لما وقر في سمعه من كلام الله- وكان إذا أصبح لا يحب سماع كلام الآدميين لما حل في أذنه سماع كلام الله أصبح يمقت كلام الآدميين. شتان بين هذا وهذا، وكان النور يظهر على وجهه حتى كان يتبرقع، يعني يغطي وجهه.
قال: والمسيح عند النصارى قد اتحد به اللاهوت من حين علقت به مريم ولم يزل متهاديًا به وهو حمل في بطنها يعظم. والمسيح في فكر النصارى يعظم الاتحاد به كلما كبر، ثم كذلك كان متهاديًا به وهو صبي إلى أن رفع إلى السماء وقعد عن يمين أبيه، هو متحد به عندهم اللاهوت والناسوت جميعًا، ومع هذا لم يتغير بدن المسيح تغييرًا يناسب ذلك، ولا ظهر من أنوار ما يناسب ذلك.
يعني هكذا المسيح ظل كما هو، اتحد فيه الإله وكذا، ولا تعب ولا صار في شيء ولا ظهر عليه عرق، معقول هكذا الأمور بسيطة بهذا التخيل؟ قال: بل عندهم أن المسيح قبل أن يعمده يوحنا ويرى شبه الحمامة نازلًا عليه، لم يظهر الآيات، بل كان كأحد الناس، وأول ما ظهر من الآيات قلب الماء خمرًا.
وموسى عليه السلام بمجرد ما سمع الكلام ظهر عليه النور، وأين سمع الكلام؟ وأين سمع الكلام من الاتحاد به؟ يعني هذا بمجرد سمع. أنتم تحكون عن اتحاد كامل يا جماعة؟ معقول ما ظهرت أشياء ظاهرة؟ يعني أول آية ظهرت من آيات عيسى ما هي قلب الماء خمرًا -إن صحها- وهذا وقبل هذا ما كان مبينًا عليه أي شيء.
مش الإله متحد فيه منذ لما خرج من بطن مريم؟ الأصل أنه من أول ما ظهرت فيه آيات وفي دلائل وفي أمور واضحة، تكون أول آية بعد فترة بعد التعميد وبعد قضية أن تظهر؟ إذا كان موسى بمجرد أن سمع كلام الله ما قتل الناس، وهذا الذي يريد أن يقول من المس، فمستبعد ذهنيًا وعقليًا ومنطقيًا أن يكون اللاهوت اتحد بالناسوت منذ ولادته ولم تظهر أي علامة تدل على ذلك.
قال: موسى لما سمع الكلام وكلمه الله من الشجرة، نزلت الملائكة ظاهرة له من آيات الله وعظمته ما يناسب تكليم الله عز وجل. والرب دائمًا عند النصارى متهادٍ من بدن المسيح ولم يظهر، ولم يظهر من آيات الربوبية والعظمة إلا ما يظهر أكثر منه لبعض الأنبياء، يعني كانت معجزات بعض الأنبياء أعلى من معجزات المسيح.
السؤال على موضوع "من الشجرة"، أي يعني كأن الشعري يزعل استدل بالآية أنه الله خلق صوتك في الشجر، هي رح تجي معنا، أنا فاهم عليك، رح يجي ابن تيمية يبينها قضية أنه هل الله سبحانه تكلم من نفس الشجرة؟ الشجرة هي التي تكلمت؟ ابن تيمية سيبحث هذه النقطة بعد قليل إن شاء الله.
قال: وجه العاشر يشير إليها، مش رح يفصل فيها كثير. قال: وجه العاشر أن المخاطب للناس، إن كان هو مجموع اللاهوت والناسوت، فكلامه صريح في أنه مخلوق مربوب يدعو ويسأل، والمجموع ليس بمخلوق يسأل الله ويعبده. وإن كان هو اللاهوت وحده كما يقتضيه كلامهم، فهذا أبعد وأبعد. وإن كان هو الناسوت وحده، فلم يكن اللاهوت مخاطبًا بالناس، ولم يكلم الله الناس من الناسوت كما كلم الله موسى من الشجرة، وأيضًا فلم يكن فرق بين حقيقة كلام الناسوت وكلام اللاهوت، وكلام المسيح الصريح في أنه مخلوق كثير وهم يقرون به، لكن يقولون ذلك كلام الناسوت.
فيقال لهم حينئذ: المسيح صرح في مواطن كثيرة أنه مخلوق، وهذا كثير في كتبهم وهم يقرون به، النصارى يقولون إن الناسوت قال إنه مخلوق، لكن يقولون إنه الناسوت لما قال إنه مخلوق يقصد الناسوتية فقط، ولا يقصد اللاهوت مع الناسوت معًا، يقصد الناسوتية الجسدية هذه المخلوقة فقط.
قال: والخطاب الذي سمعه موسى من الشجرة هو كله كلام اللاهوت، والكلام الذي كان يسمع من المسيح ليس فيه شيء يختص باللاهوت، بل هو صريحًا في أنه كلام الناسوت. الوجه الحادي عشر: أن الله لما كلم موسى من الشجرة كان الكلام كلام الله وحده، لم يكن للشجرة كلام أصلًا بوجه من الوجوه، فإن كان هذا المثل مطابقًا، كان الذي يكلم الناس من ناسوت المسيح هو اللاهوت وحده وليس اللاهوت مع الناسوت. ومعلوم أن في الإنجيل وغيره من النصوص الصريحة ما يدل على أن الناسوت كان هو المتكلم، مما يبين الفرق الواضح بين هذا وهذا.
الوجه الثاني عشر: أن الذي نادى موسى من الشجرة لم يتكلم إلا بكلام الربوبية، فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. الصوت الذي سمعه موسى من جهة الشجرة كان يتكلم بضمير المتكلم: «إنني أنا الله، لا إله إلا أنا»، صحيح هذا الصوت الذي سمعه موسى.
يقول: وسائر ما تكلم به كله يقتضي أنه كلام رب العالمين، وأما المتكلم على لسان المسيح فلم يقل كلمة من هذا أصلًا، بل كان في كلامه من الإقرار بأنه رسول وأنه مخلوق. أما المتكلم على لسان المسيح، إذا فرضنا أنه اللاهوت، ما كان يقول: «إنني أنا الله»، ما في أي جملة عن المسيح يقول فيها: «إنني أنا الله» أو «إنني أنا الله رب العالمين» أو «إنني أنا الله لا إله إلا أنا»، بل بالعكس، كلام المسيح كله أنه رسول وأنه نبي وأنه...
مرسل، ما في شيء يدل على أنه يقول عن نفسه إنه رب أو إله في إنجيله.
قال: وغير ذلك مما يناقض من كل وجه كلام المنادي لموسى من الشجرة؛ فمن يسوي بين هذا وهذا، كان قد سوى بين رب العالمين وبين إنسان من الآدميين، وهو أضل من الذين قال الله فيهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَاوِيكَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 88-89]. فإن أولئك جعلوهم أندادًا لله في بعض الأمور مع اعترافهم بأنهم مخلوقون، هؤلاء الضلال جعلوا هذا الإنسان الذي تكلم هو رب العالمين الذي كلم موسى من الشجرة، فقالوا: إن هذا الذي كلم العباد هو ذاك الذي نادى موسى من الشجرة.
الوجه الثالث عشر: أن يقال معلوم أن الله أجل وأعظم وأكبر من رسله بما لا يقدر مخلوق قدره، فلو كان هو الذي كلم الخلق على لسان المسيح، وكان الحواريون رسوله الذين سمعوا كلامه منه بلا واسطة، لكان الحواريون إما مثل موسى وإما أعظم. معلوم أن المسيح نفسه لم تكن له آيات مثل آيات موسى، فضلاً عن الحواريين؛ فإن أعظم آيات المسيح عليه السلام إحياء الموتى، وهذه الآية قد شاركوا فيها غيره من الأنبياء كإلياس وغيره، وأهل الكتاب عندهم في كتبهم أن غير المسيح أحيا الله على يديه الموتى.
وموسى بن عمران من جملة آياته العصا التي انقلبت فصارت ثعبانًا مبينًا حتى بلعت الحبال، والعصية التي للسحرة، وكان غير مرة يلقيها فتصير ثعبانًا ثم يمسكها فتعود عصا. معلوم أن هذه الآية لم تكن لغيره وهي أعظم من إحياء الموتى؛ فإن الإنسان كانت فيه الحياة، فإذا عاش فقد عاد إلى مثل حاله إلا حالة الأول، والله تعالى يحيي الموتى بإقامتهم من قبورهم وقد أحيا غير واحد من الموتى في الدنيا. وأما انقلاب خشبة تصير حيوانًا ثم تعود خشبة مرة بعد مرة وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت.
قال: وأهل الكتاب عندهم في كتبهم أن غير المسيح أحيا الله على يديه الموتى، وموسى بن عمران من جملة آياته العصا التي انقلبت فصارت ثعبانًا مبينًا حتى بلعت الحبال، والعصية التي للسحرة، وكان غير مرة يلقيها فتصير ثعبانًا ثم يمسكها فتعود عصا. معلوم أن هذه الآية لم تكن لغيره وهي أعظم من إحياء الموتى، فإن الإنسان كانت فيه الحياة، فإذا عاش فقد عاد إلى مثل حاله إلا حالة الأول، والله تعالى يحيي الموتى بإقامتهم من قبورهم، وقد أحيا غير واحد من الموتى في الدنيا. وأما انقلاب خشبة تصير حيوانًا ثم تعود خشبة مرة بعد مرة وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت.
فمعجزة موسى أعلى من معجزة عيسى. قال: أيضًا فالله قد أخبر أنه أحيا من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل أعظم مما أحياهم على أيدي المسيح. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا مَاتُوا قُلْنَا لَهُمْ لَا تَأْتُوكُمْ ۚ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: 55]، ثم ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 56]. والبعض ممكن هنا يناقش أنه هذا ليس موتًا بالمعنى الكامل، وإنما هو نوع من الصعقة أو الإغماء.
وقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]، كذلك يحيي الله الموتى. وقال تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا فَقْرَ الْبَأْسِ وَالْمَوْتِ﴾، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وهذا كان في زمن موسى كما قيل، وهذا أعلى مما فعل في عيسى.
قال: أيضًا في موسى عليه السلام كان يخرج يده بيضاء من غير سوء، وهذا أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح عليه السلام؛ فإن البرص مرض معتاد، وإنما الإعجاب في الإبراء منه، وأما بياض اليد من غير برص ثم عودتها إلى حالها الأول، ففيها أمران عجبان لا يعرف لهما نظير.
وأيضًا فموسى فلق الله له البحر حتى عبر فيه بنو إسرائيل وغرق فيه فرعون وجنوده، وهذا أمر باهر، وفيه من عظمة هذه الآية ومن إهلاك الله لعدو موسى ما لم يكن مثله للمسيح. وأيضًا فموسى كان الله يطعمهم على أده المنة والسلوى مع كثرة بني إسرائيل، ويفجر لهم من الصخرة كل يوم اثنتي عشرة عينًا يكفيهم، وهذا لم يكن للمسيح عليه السلام.
لذلك كان في قصة غلام الأخدود أن الله أعطاه أن يبرئ الأكمه والأبرص، يعني بالتالي جنس معجزات عيسى يعتبر من المعجزات التي ورد مثلها لأهل الكرامات من الأولياء والصالحين، بخلاف معجزات موسى الأساسية وهي العصا واليد، هذه لم يوجد مثلها أو جنس في أتباعه، ما يدلك على أن معجزات موسى أعلى وأوسع من معجزات عيسى.
قال: ومن قلب الماء خمرًا ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكان موسى في عده من القمل والضفادع والدم، وسع إلى الآيات ما لم يكن مثله للمسيح. فلو كان الحواريون رسلاً قد كلمهم الله مثل ما كلم موسى من الشجرة كانوا مثل موسى، فكيف والمسيح نفسه لم يكن له آيات مثل آيات موسى؟ ولو كان المسيح هو اللاهوت الذي كلم موسى لكان يظهر من قدرته أعظم مما أظهره على يد موسى، فإنه لم يحل في بدن موسى، ولا كان اللاهوت يكلم الخلق من موسى كما يزعم هؤلاء في المسيح، ومع هذا فالآيات التي أيد بها عبده موسى، تلك الآيات العظيمة، فكيف تكون آياته إذا كان هو نفسه الذي قد حل في بدن المسيح وهو الذي يخاطب الناس على لسان المسيح؟
الوجه الرابع عشر: أن يقال إن قولهم إن الله خاطب الناس في المسيح كما خاطب موسى النبي من العوسجة من أبطل الباطل، لأن الله باتفاق الأمم كلها لم يحل في الشجرة. فإن الله باتفاق الأمم كلها لم يحل في شجرة العوسج لما خاطب موسى عليه السلام، كما يزعمون هم أنه حل بالمسيح واتحد به، فإنه عندهم حل بباطن المسيح بل وبظاهره واتحد به، والرب تعالى لم يكن في باطن الشجرة ولا حل فيها ولا اتحد بها.
وقول الله إنه كلمه منها وناداه منها، أي ناداه ربه بالوادي المقدس في البقعة المباركة من الشجرة، فمن قال إن "من الشجرة" متعلقة بناداه ربه بالوادي المقدس في البقعة المباركة من الشجرة، هل المعنى أن الله حل في الشجرة فكلمه منها؟ هذا لم يقل به أحد من الأمم والعياذ بالله.
قال: وقول الله إنه كلمه منها وناداه منها كقوله إنه ناداه شاطئ الوادي الأيمن. وذلك مثل قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ [النازعات: 15-16]. وليس في شيء من ذلك أنه حل في باطن الوادي المقدس أو البقعة المباركة أو الجانب الأيمن، ولا أنه تحيز في شيء من ذلك، ولا صار شيء من ذلك جوهرًا واحدًا ولا شخصًا واحدًا كما يقول بعض النصارى أن اللاهوت والناسوت صارا.
جوهرًا واحدًا، وبعضهم يقول صار شخصًا واحدًا. بل ولا قال أحد إنه حل في شيء من ذلك حلول الماء في اللبن أو النار في الحديث، كما يقول بعضهم إن اللاهوت حل في الناسوت كذلك. ولو قدر أن بعض الناس قالوا شيئًا من المقالات التي لا تدل عليها الكتب الإلهية ولا تعلم بالعقل، لم يكن قوله حجة؛ إذ لا يحتج إلا بنقل ثابت عن الأنبياء أو بما يعلم بالعقل.
قال: الوجه الخامس عشر أن الذي كلم موسى ونداه هو الله رب العالمين، وتكلمه له من الشجرة من جنس ما أخبر بنزوله إلى السماء الدنيا ونزوله يوم القيامة لحساب الخلق، والكلام على ذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
كيف يعني كيف ذلك؟ الله أعلم به. هناك صوت سمعه من جهة الشجرة، الآن كيف الكيف؟ مجهول بالنسبة لنا، كما أنه الله ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة في ثلث الليل الآخر، كيف؟ الله أعلم. فنحن نؤمن بما قال ربنا إنه سمع موسى، لكن الأشاعرة وغيرهم ممن يحاول، أو المعتزلة، الذي طبعا المعتزلة يقولون لا، إنه صوت خلق في الشجرة فتكلمت الشجرة. لذلك حتى تعرف دائمًا مصداق قول الشاطبي لما قال: «ما من مبتدأ إلا وله شبه».
الدليل ما من مبتدأ إلا وله شبه. بناء عليها، فكرة المعتزلة ما هم اخترعوا فكرة الشجرة من عندهم، هم أتوا على الآية: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَجَرَةٍ مٌّبَارَكَةٍ﴾ [فصلت: 8]، إذاً ناداه من الشجرة، إذاً خلق الصوت في الشجرة. لكنهم لا يعودون إلى تفاسير السلف ولا إلى تفاسير الأئمة، وإنما يحاولون أن يصوروا بدعتهم من خلال النصوص المتشابهة؛ فبدلاً من أن يردوا النصوص المتشابهة إلى المحكمات، فيقول: ناداهم، نعم نحن نقول هكذا نص القرآن من الشجرة، لكن كيف؟ الله أعلم.
ونتوقف عند هذا: سمع موسى صوتًا من جهة الشجرة، ما بعد ذلك لا أملك أي معلومة أستطيع أن أقدمها. أهل البدع هم الذين كما قال سبحانه يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، يقفون عند هذه الأمور ويحاولون الدخول فيها والتعمق فيها حتى يجعلوا بدعتهم لها أصل في الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك تنشأ الفتن وتتوسع.
قال: وأما حلوله في البشر بالاتحاد به فامتنع من وجوه كثيرة؛ عقلاً، وسمعاً، ما أنه لم يخبر به نبي. وما تقوله النصارى في غاية التناقض، فإنهم يزعمون أن المسيح هو الكلمة، هو الخالق؛ لأن الكلمة والذات شيء واحد، فلا يفرقون بين الصفة والموصوف. ثم يقولون: المتحد بالمسيح هو الكلمة دون الذي يسمونه الآب، ويقولون مع ذلك إنه لم يتباعد ولم يتجزأ. ومعلوم بصريح العقل أن الكلمة التي هي الصفة لا يمكن مفارقتها للموصوف، فلا تتحد وتحل بدون الموصوف، لا سمح الله.
والمتحد الحال عندهم هو الخالق، فيجب أن يكون هو الآب، وهم لا يقولون المتحد الحال هو الآب، بل هو الابن. وإذا قالوا إن الابن هو المتحد الحال دون الآب، فالمتحد ليس هو الذي اتحد والابن، والابن اتحد والآب متحد. ويقولون إن المتحد اتخذ عيسى حجابًا احتجب به ومسكنًا يسكن فيه، خاطب الناس فيه. ويقولون في ذلك إنه اتحد به والآب لم يحتجب به ولم يسكن فيه ولم يتحد به، فلزم ما قطعًا أن يكون منه شيء اتحد ومنه شيء لم يتحد؛ فالآب لم يتحد والابن اتحد، وهذا يناقض قولهم لم يتباعد.
يبطل التمثيل، وكأنه اللاهوت لما اتحد بالناسوت، هو ما اللاهوت الذي اتحد بالناسوت؟ هل اللاهوت هو الآب؟ تقول له: لا. طيب من هو اللاهوت الذي اتحد بالناسوت؟ هو الابن. أحيانًا يقول لك الكلمة. طيب إذاً في شيء انفصل من الآب واتحد في الابن الذي هو ابن، واتحد في ناسوت المسيح، كل هذه أمور مش مفهومة عندهم، مش متفق عليها ومش واضحة.
قال: ويبطل تمثيلهم بالمخاطب من الشجرة، إذ ذاك هو الله رب العالمين ليس الابن دون الآب، مع ما ذكر من الفروق الكثيرة المبينات التي تبين بطلان تمثيل هذا بهذا.
قال: الوجه السادس عشر أن رب عز وجل إذا تكلم تكلم بكلام الربوبية، فلو كان في المسيح اللاهوت الذي أرسل موسى وغيره، لما خضع لموسى ولتوراته، ويذكر أنه إنما جاء ليكملها لا ينقضها، ولا كان يقوم بشرائها، فإن رب العالمين أعظم وأجل من ذلك. بل لو كان اللاهوت قد اتحد بناسوت عيسى لما قال اللاهوت الذي في جسد عيسى إني جئت لأكمل شريعة موسى وأصدق لما بين يديه، بل هو أعظم من أن يقول ذلك، بل قال: «أنا الله».
فهو يريد في كل هذه الأوجه أن يبطل قياسهم. بولس الأنطاكي يريد أن يقيس حلول اللاهوت في جسد عيسى بكلام الله سبحانه وتعالى وحلوله في الشجرة ليكلم موسى، فهو يحاول أن يبين الفوارق الهائلة بين هذه الصورة وهذه الصورة، والفساد في هذا القياس واللوازم التي ستلزم عليه. تعرفوا على طريقة ابن تيمية في الاستدلال.
قال: بل لو كان ملكًا من الملائكة لم يفعل مثل ذلك، فكيف رب العالمين؟ وإذا قالت النصارى فعل ذلك خوفًا من بني إسرائيل خوفًا أن يكذبوه، كأن رب العالمين صار يخاف! يعني يدفعه ذلك خوفًا من بني إسرائيل؟ قال لهم: خلاص أنا مصدق للتوراة ما بدي أجيب لكم شيء جديد؟ معقول الإله خايف من بني إسرائيل؟ ما هذا الإله والعياذ بالله!
قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا فَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَأَهْلُهُ بِظُلْمٍ وَعُتُوٍّ ۚ وَكَانَ قَوْمُ مُوسَى يَسْتَعْجِلُونَهُ﴾ [الأعراف: 103]، فلما كان فرعون يكذبه كان يظهر من الآيات ما يذل به فرعون وقومه مع عتوه وعتو قومه، ولم تكن بنو إسرائيل أعتى من فرعون وقومه. فلو كان هو رب العالمين، لكان مما يؤيد به نفسه من الآيات أعظم مما يؤيد به عبده موسى.
ومن عجائب النصارى أنهم يدعون فيه الألوهية مع ادعائهم فيه غاية العجز حتى صُلب. وأما المسلمون فيقولون هو رسول مؤيد، لم يُصلب؛ هذه سنة الله سبحانه في رسله، فإنه يؤيدهم وينصرهم على عدوهم كما نصر نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم وسلامه. فإذا كان لا يجوز أن يكون رسولًا مغلوبًا، فكيف يكون ربًا مغلوبًا مصلوبًا؟
الوجه السابع عشر: قولهم فعل المعجزات بلاهوته وأظهر العجز بناسوته؛ فيقال لهم إن الله فعل من المعجزات ما هو أعظم من المعجزات التي ظهرت على يد المسيح عليه السلام، ولم يكن متحدًا بشيء من البشر، فأي ضرورة له إلى أن يتحد بالبشر إذا فعل المعجزات دون ذلك؟
الوجه الثامن عشر: قضية الذي يظهر لأن يقصد بالرسل هنا أصحاب...
الشرائع وليس الأنبياء، يعني يحيى في المشهور أنه قُتل وغيره، وأصلًا اليهود لقبهم قتلت الأنبياء. الذي يظهر لي أن يقصد ابن تيمية أن الرسل هم أصحاب الشريعة الأساسية، وأما من يأتي ليؤكدها أو يتبعه عليها وينبئ تنبئة وليس رسولًا، فهذا قد لا يأتي مثله، وقد يحصل فيه من القتل ما لا يحصل في الرسول.
هذا الذي قد يضر؛ لأنه خطر في ذهب الكلام الذي حكيته، أن البعض يقول لك: طيب يحيى وغيره من أنبياء بني إسرائيل قد قُتلوا، واليهود قتلت الأنبياء، فكيف يقول: ﴿وَهَٰذِهِ سُنَّتِي فِي رُسُلِي أَنَّهُمْ يُظْلَمُونَ وَأَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ﴾؟ فإذا كان لا يجوز أن يكون الرسول مغلوبًا، فكيف يكون مغلوبًا؟ أقول: إذا أردنا أن نسلم لهذا الفكر، فقد يكون يقصد الرسل أصحاب الشرائع، أن هؤلاء لم يُقتل أحد منهم، لم يثبت أنه قُتل أحد منهم، وإنما من قتله اليهود هم الأنبياء. تعرف الفرق بين الرسول والنبي؟
قال: والوجه الثامن عشر: أن المسيح ظهرت على يديه معجزات كما ظهر لسائر المرسلين، ومعجزات بعضهم أعظم من معجزاته، ومع هذا فلم تكن المعجزات دليلاً على اتحاد اللاهوت بالنبي الذي ظهرت على يديه، فعلم أن الاستدلال بظهور المعجزات على يديه في غيره.
مجرد الاستدلال على أن اللاهوت حل بالناسوت لظهور المعجزات؛ نقول جميع الرسل ظهرت على أيديهم المعجزات، فظهور المعجزات على يد الرسول ليس دليلاً أبدًا، وإلا لساوى هذا في كل الرسل، لكان حلول اللاهوت فيهم بالناسوت لو كان ظهور المعجزة دليلاً على وجود اللاهوت في الناسوت.
الوجه التاسع عشر: أن اللاهوت إن كان متحدًا بالناسوت لم يتميز فعله عن فعل الناسوت، فإنهما إذا صارا شيئًا واحدًا كان كل ما فعله من عجز ومعجز هو ذلك الواحد، كالأمثال التي يضربونها لله سبحانه وتعالى، فإنهم يمثلون ذلك بالنار مع الحديد، وبالماء مع اللبن والخمر.
هم يمثلون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد النار مع الحديد، أو اتحاد الماء مع اللبن أو الخمر. ومعلوم أن الحديد إذا دخل النار حتى صارت بيضاء كالنار البيضاء، ففعلها فعل واحد. لنمشِ معهم؛ أنتم تقولون اتحاد اللاهوت بالناسوت مثل اتحاد الحديد بالنار، الآن الحديدة إذا دخلت النار فاحميت وصار لونها أبيض من النار، فقد اتحدت بلون النار وصار عندي شيء جديد، وهو الحديد المحمى بالنار، ففعله فعل واحد، ولا نقول إن هناك فعلين متميزين لهذه الحديدة المحمية بالنار: فعل باعتبارها حديدًا وفعل باعتبارها ناريًا. بل أصبحت فيها قوة ثالثة، ليست قوة الحديد ولا قوة النار وحدها، بل هي قوة اجتماع الحديد مع النار، أحالتها إلى شيء جديد لهذه القطعة الحديدية، وأصبح ينسب الفعل إلى هذا الشيء الجديد، إذ ليست حديدًا محضًا ولا نارًا محضًا.
فهو يقول لهم: أنتم عندما تتكلمون عن اتحاد اللاهوت بالناسوت، بناءً على كلامكم، يجب أن يكون قد أصبح منتجًا جديدًا من اتحاد اللاهوت بالناسوت. إما أن تقولوا إنه اتحد ولكن بقي هناك أشياء تضاف للقسم اللاهوتي وأشياء تضاف للقسم الناسوتي، وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك اتحاد؛ لأن الاتحاد يقتضي الاستحالة إلى شيء جديد، هذا الاتحاد بمعناه التام. فإذا بقي اللاهوت منفصلاً عن الناسوت باعتبارات، فلا تتحدثوا لنا في الاتحاد، بل احكوا لنا في الحلول أو التقارب، لكن لا تعبروا بلفظ الاتحاد وتقيسوا اتحاد اللاهوت بالناسوت على اتحاد النار بالحديد، وكذا على الماء إذا اختلط باللبن أو بالخمر؛ فالمتحد منهما صار شيءًا واحدًا، وصار عندي منتج جديد من اتحاد الماء مع اللبن، وفعله فعل واحد صادر منه، لا نقول إن هذا المنتج الجديد حصل به كذا باعتباره مائيًا وكذا باعتباره لبنيًا، بل صار منتجًا جديدًا تضاف إليه الأفعال باعتباره المتكامل.
هذا الكلام يرجع إلى قاعدة من تميز بها كثير من المتكلمين، وهي أن كثيرًا من الأشياء التي يفسرونها هي كليات في الذهن وليست حقيقة بالواقع الخارجي. هي في الذهن شيء متحد، أما أنت في الذهن تتخيل أنه أصله لبن وأصله ماء، لكن في الواقع هو شيء واحد اسمه اللبن المتحد بالماء. فقولهم بالاتحاد يوجب استحالة اللاهوت بالناسوت، أي أصبح منتجًا جديدًا، وأن يصير فعل المتحد شيئًا واحدًا، فلا يقال: هذا باعتباره اللاهوت وهذا باعتباره الناسوت.
قال: وإن كان اللاهوت لم يتحد به، فهم اثنان: شخصان وجوهران وطبيعتان ومشيئتان، وليس هذا دين النصارى ولا هذه عقيدتكم. مع أن حلول الرب عز وجل في البشر ممتنع كما بسطنا في موضع آخر، كذلك إذا مثلوه بالنفس مع البدن، فإن النفس تتغير صفاتها بمفارقة البدن، وكذلك البدن تتغير صفاته بمفارقة الروح له. فالأصل إذاً أن الإله إذا حل في عيسى، أن تتغير الصفات بشكل من الأشكال.
والإنسان الذي نفخت فيه الروح فصار بدنه فيه الروح، هو نوع ثالث ليس فيه بدن محض وروح محض، حتى يقال إنه يفعل كذا ببدنه وكذا بنفسه، بل أفعاله تشترك فيها الروح؛ فإذا أكل وشرب فالروح تتلذذ بالأكل والشرب بها، وإلا فالبدن الميت لا يأكل ولا يشرب. وإذا نظر واستمع وسمع وتعلم، فالنفس فعلت ذلك بالبدن والبدن يظهر فيه ذلك والروح لا تفعل ذلك. وعندهم أن فعل اللاهوت بعد الاتحاد كفعله قبله وكذلك فعل الناسوت، وهذا يناقض الاتحاد، والقول بهذا مع الاتحاد في غاية التناقض والفساد. ولا يقال نظير هذا في شيء من الموجودات، ونفس المتكلم بهذا من النصارى لا يتصور ما يقول ولا يمكن أن يمثله بشيء معقول.
قال: فصل. قالوا: وقد جاء في هذا الكتاب الذي جاء به هذا الإنسان، ويقصدون طبعًا بمحمد ﷺ، ولكن من سوء أدبهم يعبرون عنه بإنسان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].
قال وهذا يوافق قول بولس؛ فالآن بولس يريد أن يقول إن في كتابه، القرآن الذي جاء به محمد ﷺ، ما يوافق أن اللاهوت اتحد بالناسوت. خلينا نشوف الآيات التي يزعم فيها بولس أنها تدل على أن اللاهوت اتحد بالناسوت.
السبيل الأول بماذا؟ بقوله: «إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته»، شايفين؟ وقال إنه رسول وكلمة، والكلمة هي اللاهوت الذي اتحد بالناسوت على إحدى تصوراتهم، إذاً هي في القرآن تقول بوجود اتحاد. قال: «وهذا يوافق قولنا إذ قد شهد أنه إنسان مثلنا»، أي بالناسوت الذي أخذ من مريم، وكلمة الله وروحه المتحدة فيه. قال: «وحاشى أن تكون كلمة الله وروحه الخالقة مثلنا نحن المخلوقين».
وأيضاً فقد قال في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فبإشارته بهذا القول إلى اللاهوت الذي هو كلمة الله التي لم يدخل عليها ألم ولا عرض، وقال أيضاً: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهِ لَهُمْ﴾. طبعاً النصارى بولس الأنطاكي هو يؤمن أن عيسى مصلوب، فكيف يقولوا ما قتلوه وما صلبوه؟ إذاً كيف يفهم بولس الأنطاكي الآية؟ أن الذي لم يقتل ولم يصلب هو اللاهوت، وأما الذي قتل وصلب فهو الناسوت. فيقول لك: أنتم لم تقتلوا، ما قتلوه وما صلبوه، طيب هو قُتل وصلب، إذاً ما الذي لم يقتل ولم يصلب في تفكير النصارى في الآية؟ هو اللاهوت، هو الذي لم يقتل ولم يصلب، لأن الإله لا يُقتل. فبيقول لك الذي صلب هو الناسوت، وأما اللاهوت لم يقتل ولم يصلب، وهذا معنى تفسير بولس الأنطاكي للآية.
أما نحن في الإسلام نقول: قُتل وصلب، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. قال في سورة المائدة عن عيسى عليه السلام: ﴿وَكُنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتَ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ فالموت هنا عن موت الناسوت الذي أخذ من مريم العذراء. وقال أيضاً في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فبإشارته بموته عنا يعني بموته عن الناسوت، قال: «فأشار بهذا إلى الذي هو كلمة الله الخالقة»، وعلى هذا القياس يقولون إن المسيح صلب.
لقد لاحظ بولس الأنطاكي أيضاً قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ فكأنه لما قُتل الناسوت وعُذب وانتهى، انفصل اللاهوت، وأصبح اللاهوت بعد أن انفصل عن الناسوت هو الرقيب عليهم، هكذا يفسر بولس الأنطاكي. وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فأشار بهذا إلى اللاهوت الذي هو كلمة الله الخالقة هي التي ارتفعت، وعلى هذا القياس يقولون إن المسيح صلب وتألم من جهة ناسوته، ولم يُصلب ولم يتألم من جهة لاهوته، هذه هي الفكرة النهائية عندهم.
الجواب على كل هذه اللخبطة؛ أحدها أن يقال: إن دعواهم على محمد ﷺ أنه أثبت في المسيح اللاهوت والناسوت كما يزعم هؤلاء النصارى فيه، هو من الكذب الواضح المعلوم على محمد ﷺ، الذي يعلم من دينه بالاضطرار كما يعلم من دينه تصديق المسيح عليه السلام وإثبات رسالته. فلو ادعى اليهود على محمد ﷺ أنه كان يكذب المسيح عليه السلام ويجحد رسالته، أو ادعى النصارى عليه أنه كان يقول إن الله يتحد بالناسوت، فإن محمد ﷺ قد أخبر فيما بلغه عن الله عز وجل بكفر من قال ذلك وبما يناقض ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]، والتي بعدها: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: 30].
وقال في التي بعدها: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ مَثَلًا قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رُجُلٌ يَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، ثم قال عن عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. هو مجرد عبد أنعمنا عليه. وفي الآية قال الله لعيسى بن مريم: ﴿قَالَ يَا عِيسَىٰ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]، فأخبر عن المسيح أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به، وبقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117]، ﴿وَكُنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتَ فِيهِمْ﴾، وبعد وفاته كان الله هو الرقيب عليهم.
فإذا كان بعضهم قد غلط في النقل عنه أو في تفسير كلامه أو تعمد تغيير دينه، لم يكن على المسيح عليه السلام من ذلك درك، أي أن المسيح ليس مسؤولاً إذا في أحد اعتقد في الألوهية، هو قال للناس: «اعبدوا الله ربي وربكم»، فإذا أتباعه اعتقدوا في الألوهية هل سيحاسبه الله؟ المسيح ابن مريم لا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَكَاتِبُونَ﴾، إنما هو رسول عليه البلاغ المبين. وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن أول ما تكلم به المسيح أن قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]، هذا أول ما تكلم به المسيح في المهد لما خاطب اليهود، ثم طلب لنفسه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]. والنصارى يقولون: «عليه منه السلام»، كما تقول الغالية فيما يدعون فيه الألوهية كالنصيرية في علي والحاكمية في الحاكم.
الوجه الثاني أن يقال: إن الله لم يذكر أن المسيح مات ولا قُتل، إنما قال: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]، وقال المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. ثم طلب لنفسه السلام فقال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾. الآن نحن ماذا نفهم من هذه الآية؟ أن عيسى دعا لنفسه بالسلامة وطلب السلامة، والنصارى ماذا يفهمون؟ النصارى يقولون: «عليه منه السلام»، أي هو الذي يعطي السلام للناس باعتبار أنه إله، كما تقول الغالية فيمن يدعون فيه الألوهية إنه هو الذي يعطي السلام، فكأنهم إذا أرادوا تفسير الآية «والسلام علي» فالمعنى: أنا الذي أعطيكم السلام، وإن كان معنى الآية ليس كذلك، بل هو يدعو لنفسه ويطلب لنفسه السلامة، لكنهم كأنهم يقولون: أنا أعطيكم السلامة باعتباري إلهاً.
﴿مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157].
قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وأضاف هذا القول إليهم وذمهم عليه ولم يذكر النصارى؛ لأن الذين تولوا صلب المصلوب المشبه به هم اليهود وليسوا النصارى. قال: ولم يكن أحد من النصارى شاهداً لهذا، بل كان الحواريون خائفين غائبين، فلم يشهد أحد منهم الصلب، وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس بأنهم صلبوا المسيح، والذين نقلوا أن المسيح صُلب من النصارى وغيرهم إنما نقلوه عن اليهود.
قال: وهم شرط من أعوان الظلمة، لم يكونوا خلقاً كثيراً يمتنع تواطؤهم على الكذب. هؤلاء اليهود الذين قتلوا المسيح وزعموا أنهم قتلوا هم شرطة من أعوان الظلمة في ذاك الوقت، وبالتالي لم يكونوا عدداً كبيراً يمتنع تواطؤهم على الكذب؛ هم مجموعة من اليهود كشرطة دخلوا على المسيح فصلبوه، وطبعاً ربنا شبه عليهم فخرج هؤلاء الستة؛ فهل يمكن أن يتواطؤوا على الكذب؟ ممكن. فبالتالي خبر صلب المسيح وقتله عند النصارى ليس خبراً متواتراً، لأنه أصلاً يفتقد حتى لشروط التواتر؛ فالنصارى أخذوا الخبر من شرطة اليهود، وشرطة اليهود لم يكونوا عدداً يمتنع تواطؤهم على الكذب، فمن الطبقة الأولى اختل شرط من شروط التواتر، وهو التواطؤ على الكذب.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فنفع عنه القتل. ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: 159]. هذا عند أكثر العلماء معناه قبل موت المسيح، وقد قيل قبل موت اليهودي وهو ضعيف، كما قيل إنه قبل موت محمد ﷺ، وهو أضعف؛ فإنه لو آمن به قبل الموت لأنفعه إيمانه به، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وإن قيل المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة لم يكن في هذا فائدة؛ فإن كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجده، فالاختصاص للمسيح به ولأنه قال قبل موته ولم يقل بعد موته، ولأنه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد صلوات الله عليهما وسلامه واليهودي، والذي يموت على اليهودية يموت كافراً بمحمد والمسيح عليه الصلاة والسلام.
ولأنه قال: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله "ليؤمنن به" فعل مقسم عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدل ذلك على أن هذا الإيمان بعد إخبار بهذا، ولو أريد به قبل موت أهل الكتاب لقال: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾، لم يقل "مَن"، وأيضاً في قوله: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فهذا يعم اليهود والنصارى، فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موته، وذلك إذا نزل؛ فآمنت اليهود والنصارى بأنه رسول الله، ليس كاذباً كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقول النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدعى أن كل كتابي ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابي؛ فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني وهذا خلاف الواقع.
قال: وهو لما قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قبل موته، دل على أن المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو علم؛ أريد به العموم، عموم من كان موجوداً حين نزوله، أي لا يتخلف منهم عن أحد عن الإيمان به، لا إيمان لمن كان منهم ميتاً سابقاً، وإنما المراد اليهود والنصارى الذين يكونون موجودين في لحظة نزوله في آخر الزمان.
قال: وهذا كما يقال إنه لا يبقى بلد إلا دخله الدجال، إلى مكة والمدينة، أي من المدائن الموجودة حينئذ. وسبب إيمان أهل الكتاب به حينئذ ظاهر؛ فإنه يظهر لكل أحد أنه رسول مؤيد، ليس بكذاب، ولا هو رب العالمين. فالله تعالى ذكر إيمانهم به إذا نزل إلى الأرض، فإنه تعالى لما ذكر رفعه إلى الله بقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ويموت حينئذ، فأخبر بإيمانهم به قبل موته، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: 59-61].
لكن تبقى عندي قضية تحتاج بحث، وهي قوله: "فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح"، هل جميعهم سيؤمنون؟ هو يقول جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فدل هذا على أن جميع أهل الكتاب، مع أن الآية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الشيخ هنا لم يأتِ بها بتأكيد لأنها داخلة على معرفة. وحتى تاريخياً، ليس كل اليهود يتبعون المسيح، بل كثير منهم يتبعون المسيح الدجال، فيحتاج أن نتصور ماذا يقصد ابن تيمية بقوله: "فدل على أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح".
إذاً، يقصد بالإيمان أن يثبت لهم واقعيته؛ أنه طلع المسيح ليس إلهاً وأنه صادق، وإن كان هذا لا يتبعونه. إذا كان يقصد بهذا الإيمان بمعنى أنهم عرفوا أنه ليس مقتولاً وأنه موجود، وأن الجماعة الذين قالوا إنه مقتول طلعوا كاذبين، فإذا كان مجرد معرفتهم للحقيقة، فهذا سيعم جميع اليهود والنصارى في ذاك الوقت؛ أنهم سيعرفون حقيقة أن عيسى الذي زعموا أنه قتل لم يُقتل، وأن عيسى الذي زعم النصارى أنه إله طلع ليس إلهاً وهو نزل مرة ثانية. أما إذا كان يقصد الاتباع وأنهم سيكونون على التوحيد، فعيسى ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويضع الجزية، ولكن هناك اليهود سيتبعون المسيح الدجال، فبالتالي هذا الكلام يحتاج إلى تدقيق.
ممكن لو صغنا الكلام بصورة أخرى بمعنى أنه لن يبقى في حياته دين يهودي ولا نصراني، أي سينتهي الدين اليهودي والنصراني؛ إما أن يسلموا أو يموتوا، لكن هل هذا هو قصده هنا؟ هل يقصد أن اليهودية والنصرانية ستزول؟
اليهود، اليهود سبعين ألفًا سيتبعون المسيح الدجال، إما أن يسلموا أو يقتلوا. ففي عصر المسيح، لن يبقى يهودي ولا نصراني إلا وآمن به؛ لأنه قتلوا أصلاً. فكأن هذا يعني أنه لن تبقى هاتان الديانتان، بمعنى ستبطل هاتان الديانتان.
بالعودة إلى النفي، هو قال: «أحد»، وتقدير الكلام من أهل الكتاب: «أحدٌ إلا ليؤمنن به»، فهو حذف المستثنى. فممكن يقال إنه فعلاً النفي داخل على معرفة ظاهريًا، لكن النفي هنا هو: «ما أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به». أنت تقصد أن في كلمة «أحد» تأكيدًا للنفي؟ أقصد أنه من تكون لتأكيد النفي لا للتبيين.
لا، هنا لا أظنها للتأكيد، بل هي بيان للجنس؛ أي بيان الجنس، المراد منها الجنس: «ما أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به». ولكن في عموم؛ أقصد إذا كانت لبيان الجنس، فإن العموم سيكون من كلمة «أحد» المقدرة، لأنها جاءت نكرة في هذا السياق، فكأن المعنى: «ما أحدٌ كلهم إلا ليؤمنن به»، فالعموم فعلاً وارد.
قال في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يشبه أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، وأما مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية». وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 157-158]. بيانوا أن الله رفعه حماية له من القتل، وبين أنهم يؤمنون به قبل أن يموت. وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرًاكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 11].
ولو مات لم يكن فرق بينه وبين غيره. ولفظ التوفي في لغة العرب معناه الاستيفاء والقبض، وذلك ثلاثة أنواع: أحدهما توفي النوم، والثاني توفي الموت، والثالث توفي الروح والبدن جميعًا؛ فبذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس والنوم، ويخرج منهم الغائط والبول. ومسيح عليه السلام توفاه الله وهو في السماء الثانية إلى أن ينزل إلى الأرض، فليست حاله كحال أهل الأرض. الوفاة الثالثة هي قبض الروح والبدن جميعًا.
قال: ليست حاله كحالة أهل الأرض في الأكل والشرب واللباس والنوم والغائط والبول ونحو ذلك. والوجه الثالث قولهم إنه عُيَّ بموته عن موت الناسوت؛ كان ينبغي لهم أن يقولوا على أصلهم: «عُيَّ بتوفيتِه عن توفي الناسوت». وسواء قيل بموته أو بتوفيتِه، فليس هو شيئًا غير الناسوت، فليس هناك شيء غيره لم يتوفَّ.
والله تعالى قال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]. فالمتوفى هو المرفوع إلى الله. وقولهم إن المرفوع هو اللاهوت، مخالف لنص القرآن؛ لو كان هناك موت، فكيف يكون اللاهوت هو الذي ارتفع مع أن الله يخاطب عيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؟ فالله هو الذي ارتفع، وهو الذي خاطب عيسى بأن يتوفاه، فالكلام غير راكب مع بعضه.
قال: إن قولهم إن المرفوع هو اللاهوت مخالف لنص القرآن؛ لو كان هناك موت، فإنهم جعلوا المرفوع غير المتوفى، والقرآن أخبر أن المرفوع هو المتوفى. وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ﴾؛ لأنهم يجعلون المتوفى هو الناسوت والمرفوع هو اللاهوت، والقرآن يقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، فالمتوفى هو نفسه المرفوع. فكيف يكون المتوفى هو الناسوت والطالع هو اللاهوت، مع أن القرآن جعل المتوفى والرافع نفس المخاطب، شيء واحد؛ متوفيك ورافعك، إذاً هو نفسه. فالانفصال بين المتوفى والمرفوع أيضًا هذا ليس القرآن يدل عليه، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
قال: واليهود لم يدعوا قتل اللاهوت، واليهود هم الذين كذبوا في قبول من قتل المسيح عيسى ابن مريم. واليهود لم يدعوا قتل لاهوت، ولا أثبتوا لله لاهوتًا في المسيح. والله تعالى لم يذكر دعوى قتله عن النصارى حتى يقال إن مقصودهم قتل الناسوت دون اللاهوت، بل عن اليهود الذين لا يثبتون إلا الناسوت، وقد زعموا أنهم قتلوه، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. الله تعالى لم يذكر أن الذي ادعى القتل هم النصارى، بل اليهود. واليهود الذين ادعوا القتل، هل قالوا نحن قتلنا الناسوت دون اللاهوت؟ لا، هم قالوا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم. فبالتالي تعالوا يا نصارى، أنتم من أين جئتم بأن الذي انقتل هو الناسوت دون اللاهوت؟ لأنكم أصلاً لم تأخذوا المعلومة إلا من اليهود، واليهود لم يقولوا قتلنا الناسوت وطلع اللاهوت.
قال: فأثبت رفع الذي قالوا إنهم قتلوه، وإنما هو الناسوت، فعلم أنه هو الذي نُفي عنه القتل وهو الذي رُفع. والنصارى معترفون برفع الناسوت، لكن يزعمون أنه صُلب وأقام في القبر إما يومًا وإما ثلاثة أيام، ثم صعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب، حتى الناسوت عندهم بعد ما قُتل وصار في القبر طلع بعدين وجلس عن يمين الرب.
قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ معناه أن نفي قتله هو يقين لا ريب فيه، بخلاف الذين اختلفوا. فما معنى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؟ أي أن نفي قتله هو اليقين. هذه الآية ممكن تُفهم بأكثر من طريقة؛ يمكن تُفهم: «ما قتلوه متيقنين بقتله»، ويمكن تُفهم بطريقة أخرى: «ما قتلوه مئة بالمئة»، أي أن نفي قتله هو اليقين. وهذا ما فسر به ابن تيمية؛ أن نفي قتله هو يقين لا ريب فيه بخلاف الذين اختلفوا، فإنهم في شك من قتله وغير قتله، وليسوا مستيقنين أنه قُتل، إذ لا حجة معهم، فما كان هناك دليل حسي للنصارى على القتل.
كيف نريد أن نعربها؟ إذا كان المعنى أن نفي القتل هو اليقين، فكيف نعربها؟ لو أردنا أن يكون القتل هو اليقين لقلنا: «ما قتلوه قتلاً يقيناً»، فتكون سهلة. لكن كيف نعربها لتكون متسلطة على النفي؟ لنجعلها على الحالية. ومع ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، استنى شوي، يمكن تجعلها مفعولاً مطلقًا لفعل آخر، يعني: «وما قتلوه متيقنين يقيناً»، هذا لا يستدعي ربطها بنفس النفي في الجملة.
تقول: وما قتلوه، ثم بعد ذلك ماذا نقول؟ نتيقن يقيناً ذلك، فكأنه ابن تيمية فصلها؛ جعل هذه مرتبطة بفعل مقدر محذوف يدل عليه السياق. الحق دائماً يأتي صح، والحق حقاً وأيضاً وغيره.
قال: فليسوا متيقنين أنه قتل، إذ لا حجة تماماً بذلك؛ ولذلك كان طائفة من النصارى يقولون إنه لم يُصلب، فإن الذين صلبوا هم اليهود، وقد اشتبه عليهم المسيح بغيره كما دل عليه القرآن، وكذلك عند أهل الكتاب أنه اشتبه بغيره فلم يعرفوا من هو المسيح من أولئك، حتى قال لهم بعض الناس: «أنا أعرفه فاعرفوه». وقول من قال معنى الكلام «وما قتلوه» علماً، بل ظناً، قول ضعيف.
هذا ابن تيمية يضعف التفسير الثاني الذي قلناه؛ يقول: وقول من قال من المفسرين إن معنى الكلام «وما قتلوه» عالمين جازمين بذلك بل ظانين، ويرى أنه قول ضعيف.
قال الوجه الرابع: أنه قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]. فلو كان المرفوع هو اللاهوت لكان رب العالمين قال لنفسه أو لكلمته: «إني أرفعك إلي»، وكذلك قول من رفعه الله إليه؛ فالمسيح عند من قال ذلك كان الله يخاطب نفسه، إذاً هو يخاطب نفسه: «إني راح أرتفع». ومن المعلوم أنه يمتنع رفع نفسه إلى نفسه، وإذا قالوا هو الكلمة، فهم يقولون مع ذلك إنه الإله الخالق، لا يجعلونه بمنزلة التوراة والقرآن ونحوهما مما هو من كلام الله الذي قال فيه: ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، بل عندهم هو الله الخالق الرازق رب العالمين، الكلمة عندهم هي أصلاً الخالق الرازق. وقال: ورفع رب العالمين إلى رب العالمين ممتنع.
الوجه الخامس: قوله ﴿وَكُنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتَ فِيهِمْ﴾، فلما توفيته كنت أنت الرقيب عليهم؛ دليل على أنه بعد توفيته لم يكن الرقيب عليهم إلا الله دون المسيح. قوله: «كنت أنت» يدل على الحصر، كقوله: «إن كان هذا هو الحق». ونحو ذلك، فعلم أن المسيح بعد توفيته ليس رقيباً على أتباعه، بل الله هو الرقيب المطلع عليهم، المحصي أعمالهم المجازى عليها، والمسيح ليس برقيب، فلا يطلع على أعمالهم ولا يحصيها ولا يجازيهم بها.
قالوا: وقد سماه الله أيضاً في هذا الكتاب خالقاً، حيث قال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]. فأشار الخالق إلى كلمة الله المتحدة بالناسوت المأخوذ من مريم، لأنه كما قال على لسان داود النبي: «بكلمة الله خلق السماوات والأرض»، ليس خالقاً إلا الله، وكلمته روحه، وهذا مما يوافق رأينا واعتقادنا في السيد المسيح لذكره؛ حيث قال: ﴿وَيَخْلُقُ عَلَيْكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَتَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، أي بإذن اللاهوت والكلمة المتحدة بالناسوت.
وإن جميع ما يحتجون به في هذه الآيات وغيرها فهو حجة عليهم لا لهم، وهكذا شأن جميع أهل الضلال إذا احتجوا بشيء من كتب الله وكلام أنبيائه؛ كان في نفس ما يحتج به ما يدل على فساد قولهم، نفس الآية التي يحتجون بها تكون عليهم لا لهم، وهذا يحتاج إلى تأمل طالب العلم حتى أهل البدع.
وذلك لعظمة كتب الله المنزلة وما أنطق به الأنبياء؛ فإنه جعل ذلك هدى وبياناً للخلق وشفاءً لما في الصدور، فلا بد أن يكون في كلام الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين من الهدى والبيان ما يفرق الله به بين الحق والباطل والصدق والكذب. لكن الناس يؤتون من قبل أنفسهم لا من قبل الأنبياء، إما من كونهم لم يتدبروا القول الذي قالته الأنبياء حتى حق التدبر حتى يفقهوه ويفهموه، وإما من جهة أخذهم ببعض الحق دون بعض، مثل أن يؤمنوا ببعض ما أنزله الله دون بعض فيضلون من جهة ما لم يؤمنوا به، كما قال تعالى عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14].
وأما من جهة نسبتهم إلى الأنبياء ما لم يقولوه من أقوال كذبت عليهم، ومن جهة ترجمة أقوالهم بغير ما تستحقه من الترجمة وتفسير غير ما تستحق من التفسير الذي دل عليه كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه ها هنا وهاهناك، وتعرف ما عادته، يعني ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم؛ تعرف ما هو العادة المقصودة بهذا الكلام، ما عادته أن يعنيه بمثل تلك الألفاظ إذا تكلم، العرف النبوي أو العرف الشرعي.
فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجد عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضاً وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفاً لكلامه عن موضعه وتبديلاً لمقاصده وكذباً عليه؛ فهذا أصل من أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم، سواء من الكفار أو من أهل البدع، هذه قاعدة نافعة.
فنقول الجواب عما ذكروه من وجوه: أحدٌ قال إن الله لم يذكر عين المسيح خلقاً مطلقاً ولا خلقاً عاماً كما ذكر عن نفسه تبارك وتعالى؛ فأول ما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، هل حدد شيئاً معيناً ولا على إطلاقها؟ أما المسيح ماذا قال: ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾، فتكلم عن المسيح عن خلق معين، وهي أول فكرة، وأما هو سبحانه فهو يخلق خلقاً مطلقاً دون تقييد، طبعاً غير معنى كلمة الخلق التي ستأتي أصلاً شو دلالتها هناك.
وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، هو الخالق، هو الله الخالق بإطلاقها؛ الله خالق كل شيء، وجعلوا لله شركاء، الجن وخلقهم، ووصف نفسه أنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وأنه له الملك وله الحمد، وأن الحي القيوم، لا يغفو ولا ينام، وأن على كل شيء قدير، إلى آخره. وأما المسيح فقال الله فيه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾.
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. وقال المسيح عن نفسه: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. فلم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله، فكيف يكون هذا الخالق هو ذاك الخالق؟ الخالق رب العالمين، خالق كل شيء.
قال: وجه ثانٍ، أنه خلق من الطين كهيئة الطير، والمراد به تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق يقدر عليه عامة الناس؛ لأن كلمة «خلق» في اللغة تأتي بمعنيين: تأتي بمعنى التصوير والتمثيل والتشكيل، وتأتي بمعنى الإيجاد من العدم. فالخلق بمعنى التشكيل والتصوير هذا يقدر عليه الجميع، فيجوز أن أقول: والله أنا خلقت هذا الشيء بمعنى صورته، ما في مشكلة في هذا المعنى، ولذلك يمكن أن يضاف الخلق إلى البشر.
لذلك قال: وهذا الخلق بمعنى التصوير يقدر عليه عامة الناس، فإنه يمكن لأحدهم أن يصور من الطين كهيئة الطير، وهذا ليس خاصًا بعيسى، وغير الطير من الحيوانات؛ لكن هذا التصوير محرم، بخلاف تصوير المسيح فإن الله أذن له. التصوير محرم وصناع التماثيل محرمون، وقد لعن النبي ﷺ المصورين، وقال: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفي الصحيح يقول النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَليَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شَعْرَةً».
الوجه الثالث أن الله أخبر المسيح أنه إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وأخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله، وأخبر الله أن هذا من نعمه التي أنعم بها على المسيح عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال تعالى له: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: 110]. وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله، وإنما هو عبد الله، وإن فعل ذلك بإذن الله كما فعل مثل ذلك غيره من الأنبياء. وصريح بأن الإذن غير المأذون له، والمعلم ليس هو المعلم؛ المعلم هو الله، والمعلم هو عيسى.
قال: والمنعم عليه وعلى والدته ليس هو إياه سبحانه، كما ليس هو رباً. أصل ممكن على تحريم التصوير قوله تعالى: ﴿تَخْلُقُ بِإِذْنِي﴾؛ أن يأخذ إذناً من الله شرعياً، يعني ممكن، ولكن بشرع من قبلنا. هذه تحتاج إلى نصوص أوضح في شريعتك، ولكن ممكن؛ فهي لا تمنع الحال، لأنه يقال في كل شيء إنه فعل هذا بإذن الله. هو فاهم ويأخذ تنبيهاً أنه كان محظوراً عليه، فلولا أنه أذن له لبقي على أصل الحظر؛ يعني أن هذا الشيء كان خطأ أن أفعله، ولكن لأنه أذن لي قدرت أن أفعله، ولو لم يأذن لي لبقي على أصل الحظر.
قال: الوجه الرابع، أشار بالخالق إلى كلمة الله المتحودة في الناس، ثم قالوا في قوله: «بإذن الله» أي بإذن الكلمة المتحودة في الناس؛ وهذا يبين تناقضهم وافتراءهم عن القرآن؛ لأن الله أخبر في القرآن أن المسيح خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، ففرق بين المسيح وبين الله، وبين أن الله هو الإذن للمسيح. وهؤلاء زعموا أن مراده بذلك أن اللاهوت المتحّد بالناسوت -المسيح- هو الخالق، وهو في نفس الوقت هو الإذن. احترنا فيها، فجعلوا الخالق والإذن شيئاً واحداً، وهذا تفسير للقرآن بما يخالف صريح القرآن.
الوجه الخامس أن اللاهوت إذا كان هو الخالق لم يحتج إلى أن يأذن لنفسه، فإنهم يقولون هو إله واحد هو الخالق، فكيف يحتاج إلى أن يأذن لنفسه وينعم على نفسه؟
الوجه السادس أن الخالق إما أن يكون هو الذات المتصفة بالكلام، أو الكلام الذي هو صفة للذات. فإن كان هو الكلام، فالكلام صفة لا تكون ذاتاً قائمة بنفسها خارقة، ولو لم تتحد بالناسوت، واتحادها بالناسوت دون الموصوف ممتنع. لو كان الاتحاد ممكناً فكيف يكون ممتنعاً؟ فقد تبين امتناع كون الكلمة تكون خالقة من وجوب اتحاد الكلمة بالناسوت دون الموصوف وهو الله؛ ممتنع، كيف صفة الله تخرج عن الله وتذهب إلى الناسوت؟
فسبحان الذي اختلفت العقول! كيف بعض الناس يعيشون معنا في كوكب الأرض اليوم، فكروا بكل الطرائق، وعيهم عايش في السيارات والتكنولوجيا والتقدم والتطور، وهم مش سالكين، لكن لما تيجي تحاول تفكر معهم: كيف يمكن الإنسان يصدق بمثل هذه القضايا الواضحة؟ أنتم في التكنولوجيا وفي الفيزياء والكيمياء وفي الفلك وصلتم إلى هذه العلوم، ثم لما أتيتم إلى الإلهيات حرتُم هذه الحيرة! هذا يؤكد لك أن الجماعة ليسوا مهتمين بالدين، حاطين الدين على جنب تماماً، هؤلاء علماؤهم الفيزيائيون والكيميائيون والفلكيون ليس لديهم إرادة حقيقية جادة للنظر أصلاً في هذا الموضوع، وخلص. أنتم النصارى والحياة المادية أهلكتكم وأغرقتكم، ولو تعاملوا مع الدين بالمعيارية العلمية التي يتعاملون بها مع أبحاثهم لاكتشفوا أن الكلام كله ملخبط، وأنه لا توجد حقيقة واضحة، لكن النصارى بشكل عام يعيشون في أهوائهم وفي ملذاتهم وشهواتهم.
قال: وإن كان الخالق هو الذات المتصفة بالكلام فذاك هو الله خالق كل شيء رب العالمين، وعندهم هو الأب والمسيح ليس هو الأب، فلا يكون هو الخالق لكل شيء. والقرآن يبين أن الله هو الذي أذن للمسيح حتى خلق من الطين كهيئة الطير، فتبين أن الذي خلق من الطين كهيئة الطير ليس هو الله ولا صفة من صفاته، فليس المسيح هو الله ولا ابن، ولا ابن قديم ولا ابن قديم، بل عبده فعل بإذنه.
الوجه السابع قوله: أشار بالخالق إلى كلمة الله المتحدة بالناسوت المأخوذة من مريم؛ لأنه كما قال على لسان داوود النبي: ﴿بِكَلِمَةِ اللَّهِ﴾، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ يقال لهم هذا.
النص عن داوود حجة عليكم، كما أن التوراة والقرآن وسائر ما ثبت عن الأنبياء حجة عليكم. فإن داوود عليه السلام قال بكلمة الله خلقت السماوات والأرض، ولم يقل إن كلمة الله هي الخالقة؛ نعم هي قال خلقت بها ولم يقل إنها هي الخالقة.
قال كما قلتم أنتم، إنه أشار بخالق إلى كلمة الله، والفرق بين خالق السماوات والأرض وبين الكلمة التي بها خلقت السماوات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القادر والقدرة؛ فالقادر هو الخالق وقد خلق الأشياء بقدرته، وليست القدرة هي الخالقة، والقدرة هي الصفة فقط. وكذلك الفرق بين المريد والإرادة؛ فإن الله خلق الأشياء بمشيئته وليست مشيئته هي الخالقة.
وكذلك الدعاء والعبادة، هو الخالق لا لشيء من صفاته؛ فالناس كلهم يقولون: يا الله، يا ربنا، يا خالقنا ارحمنا واغفر لنا، ولا يقول أحد: يا كلام الله اغفر لنا وارحمنا، ولا يا قدرة الله، ولا يا مشيئة الله.
الوجه الثامن أن نقول: داوود عليه السلام بكلمة الله خلقت السماوات والأرض يوافق ما جاء في القرآن والتوراة وغير ذلك من كتب الأنبياء، أن الله يقول لشيء: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، وهذا في القرآن وفي غير موضع.
الوجه التاسع قولهم: لأنه ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه، إن أرادوا بكلمته كلامه وبروحه حياته، فهذا من صفاته كعلمه وقدرته؛ فلم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأن روح الله، فمن حمل كلام أحد من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب عليه. فمن قال هذا، كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته.
وحينئذ فخالق هو الله وحده، وصفاته داخلة في مسمى اسمه، لا يحتاج أن تجعل معطوفه على اسمه بواجب التشريك الذي يؤذن أن لله شريكا في خلقه، فإن الله لا شريك له. فإضافة الكلمة أو كلام الله وحياة الله، هذه كلها مضافة إلى ذات الله، ليست هي أشياء مشاركة لله، هي كلها ذاته.
ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دخل كل ما سواه في مخلوقاته، ولم تدخل صفاته كالعلم والقدرة والمشيئة والكلام، لأن هذه داخلة في مسمى اسمه، ليست أشياء مبينة له، بل أسماؤه الحسنى متناولة للذات المقدسة المتصفة بهذه الصفات. لا يجوز أن يراد بأسماء ذات مجردة عن صفات الكمال، فإن تلك لا حقيقة لها، ويمتنع وجود ذات مجردة عن صفة، فضلاً عن وجود ذاته تعالى مجردة عن صفات كماله التي هي لازمة لذاته، فيمتنع تحققها؛ فلا يوجد أي ذات في الوجود منفصلة عن صفات ما.
ولهذا لا يقال: الله علمه خلق، والله قدرته خلق، وإن أرادوا بكلمته وروحه المسيح أو في المسيح، يقول: الله وقدرته هي التي خلقت، باعتبار أن القدرة شيء غير الله، وقدرته خلق، ولا قدرته هي جزء من ذاته، قدرته جزء من مسمى الذات بالمعنى العام.
قال في المسيح عليه السلام: كل مخلوق كسائر الرسل، والله وحده بالخالق. وإن شئت قلت إن نريد بكلمة الله ما هو صفة لله، فتلك داخلة في مسمى اسمه، وإن أريد ما ليس بصفة فذلك مخلوق له كالناسوت.
الرجل العاشر: أن داوود عليه السلام لا يجوز أن يريد بكلمة الله المسيح؛ لأن المسيح عند جميع الناس هو اسم للناسوت، وعندهم اسم لللاهوت، والناسوت ليس أزلياً، والاتحاد فعل حادث عندهم، فقبل الاتحاد لم يكن هناك ناسوت ولا ما يسمى مسيحاً. فعلم أن داوود لم يرد بكلمة الله المسيح، ولكن غايتهم يقولون أراد الكلمة التي تحدث فيما بعد بالمسيح، لكن الذي خلق بإذن الله هو المسيح كما نطق به القرآن.
الذي خلق بإذن الله هو المسيح كما في القرآن بقوله: ﴿بِشَرِكَ بكلمة منه﴾، اسم المسيح عيسى بن مريم، ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]. فالكلمة التي ذكرها وأنها هي التي بها خلقت السماوات والأرض ليست هي المسيح الذي خلق من الطين الطيب بإذن الله؛ فاحتجاجهم بهذا احتجاج باطل، بل تلك الكلمة التي بها خلقت السماوات والأرض لم يكن معها ناسوت حين خلقت باتفاق الأمم، والمسيح لابد أن يدخل فيه الناسوت، وعلم أنه لم يرد بكلمة المسيح.
فصل؛ قالوا وقال أيضاً في موضع آخر: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من التراب، فعن قولهم "مثل عيسى" إشارة إلى البشرية، وعن قولهم "مثل آدم" إشارة إلى الناسوت المأخوذ من مريم الطاهرة؛ لأنه لم يذكر ها هنا اسم المسيح، إنما ذكر عيسى فقط.
وكما أن آدم خلق من غير جماع ولا مباضعة، فكذلك جسد السيد المسيح خلق من غير جماع ولا مباضعة، وكما أن جسد آدم ذاق الموت، فكذلك جسد المسيح ذاق الموت.
وقد يبرهن بقوله أيضاً قائلاً: إن الله ألقى كلمته على مريم، وذلك حسب قولنا معشر النصارى: أن كلمة الله الأزلية الخارقة تجلت في مريم وتجسدت بإنسان كامل. وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح: طبيعتان؛ طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، وطبيعة ناسوتية التي أخذت من مريم العذراء واتحدت به.
ولما تقدم به القول من الله تعالى على لسان موسى النبي إذ يقول: ﴿أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ﴾، وقيل على لسان داوود النبي: «روحك القدس لا تنزع مني»، وأيضاً على لسان داوود النبي بكلمة الله.
«وَرُوحٌ مِّنْهُ وَكَلِمَةٌ مِّنَّهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ»؛ هذه هي معنى النص سابقًا. و«وَرُوحٌ مِّنْهُ» نعم، قال: «وليس» يدل على هذا القول، ليس يدل هذا القول على ثلاثة خالقين بل خالق واحد، ألا وهو الله، ونطقه أي كلمته، وروحه أي حياته.
الجواب من وجوه؛ أحدها: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، كلام حق، فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته؛ فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.
الأقسام الممكنة: أن يخلق من غير ذكر ولا أنثى، أن يخلق من أحد الجنسين، أن يخلق من كلا الجنسين، وهي الاحتمالات الثلاث. فالله عز وجل نوع البشر حتى يريك قدرته؛ فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، وهذا من أحد الجنسين، والحالة الثانية من أنثى دون ذكر وهي المسيح عيسى ابن مريم، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، فحصلت الصور الأربع.
قال: «وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء».
إذن هنا نلاحظ أن ابن تيمية يثبت فيما يظهر أن حواء خلقت من الضلع، لأنها مسألة يناقش فيها البعض: هل ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم؟ لأنهم قالوا: الآية وردت بعموم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]، ولما يأتوا لحديث السوس بالنسائية: «فإن المرأة خلقت من ضلع»، قالوا: ربنا ما قال من ضلع آدم، وإنما المراد بالتشبيه أنها خلقت من عوجاج، وليس المراد الضلع حسيًا. لكن هنا ابن تيمية ظاهر كلامه يقول: فإن حواء خلقت من ضلع آدم، إنه يثبت أنها خلقت حسيًا من ضلع آدم.
قال: «وفلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وسبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون، لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ من روحه لاهوتًا وناسوتًا، فكذلك المسيح كله ناسوت».
والله تبارك وتعالى ذكر هذه الآيات في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى، لما قدم على النبي ﷺ النصارى من نجران ونظروه في المسيح، وأنزل الله ما أنزل فبين فيه القول الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى، فكذب الله الطائفتين هؤلاء في غلوهم فيه، وهؤلاء في ردّهم، وقال عقب هذه الآية: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: 61]، فدعا إلى المباهلة.
سألني الشيخ: هل ممكن نقول إن هنا شيخ الإسلام يثبت ما مر معنا سابقًا، وهو أنه قال: كان خلق المسيح أعجب من خلق آدم لأن آدم خلق من ترابه، وهنا يثبت إذا قال آدم خلقه أعجب؟ يقصد من وجه؛ إذا أردت أن تجمع، فالأصل أن خلق آدم أعلى من خلق المسيح من حيث العجب، تمامًا، ولكن هناك نرى السياق الذي وردت فيه تلك الفكرة؛ أتذكر أنها وردت في سياق، وأحيانًا السياق يحكمنا، وماذا يقصد في ذلك السياق؟ إنه أن عيسى أعجب من هذه الجهة، لأنه لما كان في سياق تعليل لماذا سمي كلمة الله، فإنه سمي بكلمة مباشرة، أما آدم فكان ترابًا ثم طينًا.
أظن أنه كما سد البولس بأن القرآن يثبت بأنه كلمة الله، نعم، ليس المراد أن خلق عيسى أعجب، وإنما كأنما سُئل: لماذا اختص بكلمة كن؟ لماذا اختص بكلمة كن؟ ليس لأنه أعجب من خلق آدم، لأن آدم خلق على مراحل فلم يختص بكلمة كن، أما عيسى فقد اختص بكلمة كن لأنه وُجد مباشرة كجنين كامل، هذا كان النقاش في تلك المساحة.
قال: «ثم قال له كن فيكون، وقد امتثل النبي ﷺ قول الله، فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم لعنته، فاقضوا بالجزي وهم صاغرون». ثم كتب النبي ﷺ إلى هرقل الملك بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره، وكان أحيانًا يقرأ بها في الركعة الثانية من ركعتي الفجر، ويقرأ في الأولى بقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، يعني السنة في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويُسن أيضًا أحيانًا أن تقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
قال: «هذا كله يبين أن المسيح عبد ليس بإله، وأنه مخلوق كما خلق آدم، وقد أمر بالابتهال إلى من قال إنه إله، فيدعو كل من في المباهلة: أبناءه ونساءه وغرماءه المختصة به، ثم يبتهل هؤلاء وهؤلاء ويدعون الله أن يجعل لعنته على الكاذبين؛ فإذا كان النصارى كاذبين في قولهم هو الله حقت اللعنة عليهم، وإن كان من قال ليس هو الله بل عبد الله كاذبًا حقت اللعنة عليه، وهذا إنصاف من صاحب يقين يعلم أنه على الحق».
والنصارى لما لم يعلموا أنهم على الحق نكلوا عن المباهلة، وقد قال عقب ذلك: «نكلوا»، يعني أعرضوا عنها، امتنعوا عنها. قال عقب ذلك: «إن هذا هو القصص الحق، وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز الحكيم»، تكذيبًا للنصارى الذين يقولون هو إله حق. فكيف يقال إنه أراد أن المسيح فيه لاهوت وناسوت، وأن هذا هو الناسوت فقط دون اللاهوت؟ وبهذا ظهر الجواب عن قوله في موضع آخر: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، فبقوله عيسى إشارة للبشرية المأخوذة من مريم الطاهرة، لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح وإنما ذكر عيسى فقط، فإنه يقال عيسى هو المسيح بدليل أنه قال: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: 75]، فأخبر أنه ليس المسيح إلا رسولًا.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ 🇳 وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]. ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 173]. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: 30].
هذه الآيات التي ذكرناها سابقًا توضح الوجه الأول. والوجه الثاني: أنما ذكره من موته قد بين لنا أن الله لم يكفر بذلك، وأن المسيح لم يمت، وما ذكره من أنه صلب؛ فنسبة ناسوته دون لاهوته باطل من وجهين: فإن ناسوته لم يُصلب، وليس فيه لاهوت، فهم ذكروا ذلك دعوى مجردة، فيُقابل في مقابلتها بالمنع؛ فالناس لم يُصلبوا أصلاً لأن الله سبحانه ألقى شبهه على رجل كما قلنا، وليس فيه لاهوت، وكلاهما وجه باطل.
قال: لكن نقول في الوجه الثالث إنهم في اتحاد اللاهوت بالناسوت يشبهونه تارة باتحاد الماء باللبن، وهذا تشبيه اليعقوبية، وتارة باتحاد النار بالحديد، أو النفس بالجسم، وهذا تشبيه الملكية وفرقة أخرى من النصارى. ومعلوم أنه لا يصل إلى اللبن شيء إلا وصل إلى اللبن، فإنه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وكذلك النار التي في الحديد متى طُرِق الحديد وبُسِق عليه لحق ذلك بالنار التي فيه، والبدن إذا ضُرب وعُذب لحق ألم الضرب والعذاب بالنفس، فكأن حقيقة تمثيلهم يقتضي أن اللاهوت أصابه ما أصاب الناسوت من إهانة اليهود وتعذيبهم له وإيلامهم له والصلب الذي ادعوه، وهذا لازم على القول بالاتحاد؛ فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا يشركه الآخر فيه، لم يكن هنا اتحاد بالتعدد.
الرابع: يعني حتى هذا ليس فقط لازمًا، وهذا يصارحون به في كتبهم، ولكن في مقام الرد دائمًا يكذبون ويستعملون الطريقة الأخرى التي عملها بولس، ولكن حتى في كتبهم يقولون: «كل ما يقع على اللاهوت يقع على الناسوت». فمر معنا موضوع مثلاً «سبيليوسيليوس» الذي كفروه، هو كفر بدين النصارى لأنه فرق بين اللاهوت والناسوت في بعض الأحكام مثل صلب الفداء، ويقولون: لا، كل ما يقع على الناسوت يقع على اللاهوت، ومن يقول لغير ذلك هو كافر، أما في مقام الرد فيتقون نوعًا من التقية.
الرابع: إن هؤلاء الضلال لم يكفوا بأن جعلوا إله السماوات والأرض متحدًا من بشر في جوف امرأة وجعلوا له مسكنًا، ثم جعلوا أخابث خلق الله يمسكونه، وبصقوا في وجهه، ووضعوا الشوك على رأسه، وصلبوه بين لصين، وفي ذلك يستغيث به ويقول: «إلهي إلهي لماذا تركتني»، هم يقولون الذي كان يسمع كلامه هو اللاهوت كما سمع موسى كلام الله من الشجرة، ويقولون هما شخص واحد، ويقول بعضهم مشيئة واحدة وطبيعة واحدة، والكلام إنما يكون بمشيئة المتكلم، فيلزم أن يكون المتكلم الداعي المستغيث والمصلوب هو اللاهوت؛ هو المستغيث المتضرع وهو المستغاث به.
وأيضًا فهم يقولون إن اللاهوت والناسوت شخص واحد، فمع القول بأنهما شخص واحد، إما أن يكون مستغيثًا وإما أن يكون مستغاثًا به، إما أن يكون داعيًا وإما أن يكون مدعوًا؛ فإذا قالوا إن الداعي هو غير المدعو لزم أن يكونا اثنين لا واحدًا، وإذا قالوا هما واحد فالداعي هو المدعو.
الوجه الخامس: أن يقال العقل، إما أن يقولوا إن اللاهوت كان قادرًا على الدفاع عن ناسوته، وإما أن يقولوا لم يكن قادرًا؛ فإن قالوا لم يكن قادرًا، لزم أن يكون أولئك اليهود أقدر من رب العالمين، وأن يكون رب العالمين مغلوبًا مأسورًا، لا أقوم من شرار اليهود، وهذا من أعظم الكفر والتنقص برب العالمين، وهذا أعظم من قولهم إن لله ولدًا، وأنه بخيل، وأنه فقير، ونحو ذلك مما يسب به الكفار رب العالمين. وإن قالوا كان قادرًا، فإن كان ذلك من عدوان الكفار على ناسوته وبكائه لذلك، فسنّ الله في مثل ذلك نصر رسوله المستغيثين به، فكيف لم يغث ناسوته المستصرخ به؟
وهذا بخلاف من قُتل من النبيين وهو صابر، فإن أولئك صبروا حتى قتلوا شهداء، والناسوت عندهم استغاث وقال: «إلهي إلهي لماذا تركتني»، فهذا فرق بين المسألة التي قبل قليل حكاها، أنه عادى الله في رسله أن ينجيهم وما إلى ذلك، وبين أن النبي يصبر على القتل إلى أن يُقتل، ممكن يكون فعلاً هذا فرق عنده.
قال: وقال: «إلهي لماذا تركتني»، وإن كان هو قد فعل ذلك مكرًا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان أخفى نفسه حتى يأخذه بالوجه حق، فالناس أعلم بذلك من جميع الخلق، كان الواجب أن لا يجزع ولا يهضب لما في ذلك من الحكمة. هم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما جرى عليه كان بغير اختياره، ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة، فكيف شاء ذلك وهرب؟ ما يكره الناسوت، بل لو شاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين، وقد اتفق على المكر بالعدو ولم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما وافقه على أنه يحمل الصواع في رحله ويظهر أنه سارق، لم يجزع أخوه لما ظهر الصواع في رحله كما جزا أخوته حيث لم يعلموا، وكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون، فما بال هذا يجزع؟ الجزاء العظيم الذي يصفون به المسيح يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الألوهية.
الوجه السادس: قولهم إنه الكلمة وروح، تناقض منهم؛ لأنه عندهم أقنوم الكلمة فقط لا أقنوم الحياة.
الوجه السابع: قولهم لأنه كيف تقول إن عيسى كلمته وروحه مع أن الأصل عندكم أنه عيسى الكلمة فقط ولا يمثل أقنوم الحياة؟ الحياة هي روح القدس.
الوجه السابع: قولهم وقد برهن بقوله، رأينا أيضًا في موضع آخر قوله: إن الله ألقى كلمته إلى مريم، وذلك حسب قولنا معشر النصارى أن الكلمة الله الخالقة الأزلية.
تحدث في مريم وتحدث في إنسان كامل، فيقال لهم: أما قول الله في القرآن فهو حق، ولكن ضللتم في تأويله كما ضللتم في تأويل غيره من كلام الأنبياء، وأما ما بلغوه عن الله، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 45].
قالت مريم: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، قال: ﴿كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]. في هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق وليس كما يقوله النصارى؛ فمن قولهم إنه قال بكلمة منه، وقوله بكلمة منه نكرة في الإثبات تقتضي أنه كلمة من كلمات الله، ليس وكلامه كله كما يقوله النصارى.
ومنها أنه يبين مراده بقوله بكلمة منه أنه مخلوق؛ حيث قال: ﴿كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. وقال تعالى في سورة الكهف عن عيسى: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [الكهف: 89-91].
فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أنه قال كن فيكون، وهذا تفسير كونه كلمة منه. وقال اسمه المسيح عيسى بن مريم؛ أخبر أنه ابن مريم، وأخبر أنه وجههم في الدنيا والآخرة ومن المقربين، وهذه كلها صفة مخلوق. الله تعالى وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك. وقالت مريم: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، فبين أن المسيح الذي هو كلمة هو ولد مريم، لا ولد الله سبحانه وتعالى.
وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171].
وقد نهى النصارى عن الغلو في دينهم أن يقولوا على الله غير الحق، وبين أن المسيح ابن مريم رسول الله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسله. فبين أنه رسوله، ولو نهاهم أن يقولوا ثلاثة وقال انتهوا خيرا لكم، فإنما الله إله واحد، وهذا تكذيب لقولهم في المسيح إنه إله حق من جوهر بهي. ثم قال سبحانه: ﴿أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾، فنزه نفسه عن أعظمها أن يكون له ولد كما تقول النصارى، ثم قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبر أن ذلك ليس فيه شيء من ذاته. ثم قال: ﴿لَن يَسْتَكْبِرَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فمع هذا البيان الواضح الجلي هل يظن ظان أن مراده بقوله وكلمته أنه إله خالق، أو أنه صفة لله قائمة به؟ وأن قوله روح منه المراد به أنه حياته أو روح مفصلة عن ذاته؟
نقول أيضًا: أما قوله وكلمته، فقد بين مراده أنه خلقه بكن. وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن أن يسمى المفعول باسم المصدر، فيسمى المخلوق خلقًا؛ لقوله: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾. يقال درهم مضروب، أي مضروبة، ولهذا يسمى المأمور به أمرًا، والمقدور قدرًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، وقوله: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1].
وقال النبي ﷺ: «يقول الله للجنة: أنتِ رحمتي...». لماذا سمي المسيح كلمة؟ لأنه خلق بها، كما أن المأمور يسمى أمرًا، وكما أن المخلوق يسمى خلقًا، كذلك المخلوق الذي هو عيسى في هذه الحالة سمي كلمة باعتبار أنه خلق بالكلمة. المأمور لماذا يسمى أمرًا؟ لأنه به وجد الشيء، الأمر هو سببه. فيقول لك عيسى لماذا سمي كلمة؟ لأنه وجد بسببها، وهذا موجود في اللغة.
وقال في الحديث: «يقول الله للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، ويقول للنار: يعذب بك من شاء من عبادي». وقال: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، نزل منها رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق ويتعاطفون، وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها الخلق». ويقال المطر والآيات هذه قدرة عظيمة. قال: غفر الله لك علمه فيك، أي معلومة، فتسمية المخلوق بالكلمة من هذا الباب.
وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الرد على الجامية وذكره غيره، أن النصارى والجهمية والمعطلة اعترضوا على أهل السنة؛ فقالت النصارى: القرآن كلام الله غير مخلوق، والمسيح كلمة الله فهو غير مخلوق. وقالت الجهمية: المسيح كلمة الله وهو مخلوق، والقرآن كلام الله فيكون مخلوقًا. فأجاب أحمد وغيره بأن المسيح نفسه ليس هو نفس الكلمة، فإنما المسيح إنسان وبشر، وكلام الله ليس بإنسان ولا بشر ولا مولود، لكن المسيح خُلق بالكلمة، فلذلك سمي كذلك. فقولكم يا نصارى: ما دام المسيح كلمة الله وكلام الله غير مخلوق، إذاً المسيح لازم يطلع غير مخلوق. فحكي لهم: لا، أنا مش قصدي أنه المسيح هو نفسه الكلمة، المسيح خُلق بها. فالمسيح إنسان بشر مولود من امرأة، وكلام الله ليس بإنسان ولا بشر ولا مولود من امرأة، ولكن المسيح خُلق بالكلمة، وأما القرآن فهو نفسه كلام الله. فأين هذا من هذا؟ وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء؛ أي أكثر الخلاف بين العقلاء في فهم النصوص وتفسيرها هو اشتراك الألفاظ، أن هذا اللفظ يمكن يفهم بأكثر من طريقة. باختصار، فأهل الباطل أو الذين في قلوبهم مرض أو الضعاف يفهمون بطريقة خاطئة، والموفق هو الذي يفهم الكلام الإلهي والكلام النبوي بالطريقة الصحيحة.
وما من أحد إذا سمع قوله تعالى في المسيح عليه السلام إنه كلمة ألقاها إلى مريم، إلا يعلم أنه ليس المراد أن المسيح نفسه كلام الله، ولا أنه صفة لله، ولا خالق. ثم قال للنصارى: فلو قدر أن المسيح نفس الكلام، فالكلام ليس بخالق؛ فالقرآن كلام الله وليس بخالق، والتوراة كلام الله وليست بخالقة، وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء خالق، فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجوز أن يكون خالقًا. فكيف وليس هو الكلام وإنما خُلق بالكلمة وخص باسم الكلمة؟ فإنه لم يُخلق على الوجه المعتاد الذي خُلق عليه غيره، بل خرج عن العادة فخرق.
بالكلمة من غير السنة المعروفة به البشر، وقوله «روح منه» لا يجب أن يكون مفصلاً من ذاته؛ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
فهل قوله إن السماوات منه اقتضى اتحاد اللاهوت بالناسوت؟ لا، ليس الشيء نفسه. فلما قال «روح منه»، هذا لا يعني ماذا؟ يعني لا يجب أن يكون منفصلاً من ذات الله؛ هل السماوات والأرض انفصلت عن ذات الله لما قيل إنها خُلقت منه؟ كذلك عيسى لما قيل «روح منه» لا يعني أنه انفصل عن ذات الله. فكلمة «من» بحد ذاتها لا تعني التبعيض. من هم الذين يفهمون منها التبعيض؟ «روح منه» كأنها مباعضة منه، وهذا هو عيسى. فإذا قلنا إن السماوات والأرض جميعاً منه، فمعناه أن السماوات والأرض هي بعض من الله، وهذا أنتم لا تقولون به؛ فإذاً كلمة «من» لا تعني التبعيض.
«من» في هذه الآيات إما للابتداء أو للغايَة، أو بيان أصل الخلقة، عندك احتمالات كثيرة، لكن لا تدل على التبعيض. قال: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، أي من الله؛ منشؤها ومبتداؤها من الله. فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة. وهي مخلوقة، بل أبلغ من ذلك: «روح الله» التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة، فالمسيح الذي هو روح من تلك الأرواح، أولاً أن يكون مخلوقاً، فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]. فأخبر أنه نفخ في مريم روحه، كما أخبر أنه نفخ في آدم من روحه. وقد بين أنه أرسل إليها روحاً فتمثل لها بشراً سوياً؛ ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 18-21]. فحملته.
فهذا الروح الذي أرسله الله إليها لهب غلاماً زكياً مخلوقاً، وهو روح القدس الذي خُلق المسيح منه من مريم. فإذا كان الأصل مخلوقاً، فكيف الفرع الذي حصل منه؟ وهو الروح القدس. وقوله عن المسيح «روح منه» خص المسيح بذلك؛ لماذا المسيح هو الذي خُص في القرآن بأنه «روح منه»؟ لم يأتِ هذا التعبير عن موسى أو إبراهيم. لماذا المسيح؟ كما أنه خصّه بأنه «كلمته»، كذلك خصّه بأنه «روح». عرفنا لماذا خصه بالكلمة؛ وإن كانت كل المخلوقات خُلقت بالكلمة، لكن لماذا خصه هو بالكلمة؟ لأنه وُجد بها مباشرة دون مرور بأطوار ومراحل هذا الكلام الذي كان في الدرس السابق.
ونفس الشيء، لماذا قال «روح منه»؟ خص المسيح بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشرك فيها سائر البشر؛ تمتاز بأنها حبلت به من نفخ الروح، فلهذا سمي روحاً. إن طريقة الحمل به كانت بنفخ الروح بدون الجماع والمباشرة المعروفة. ولهذا قال طائفة من المفسرين: «روح منه» أي رسول منه، سماه باسم الروح؛ الرسول الذي نفخ فيها فكان يسمى كلمة، ويسمى روحاً. فكما يسمى كلمة باعتبار أنه خُلق بسببها، سمي روحاً باعتبار أنه خُلق بسبب الروح، وهو جبريل الملك الذي نفخ. هذه طريقة في التفسير.
فكما يسمى كلمة لأنه كون بالكلمة، كذلك يسمى روحاً لأنه كون بالروح. فكما يسمى كلمة لأنه كون بالكلمة، سمي روحاً لأنه حُبلت به أمه بنفخ الروح الذي نفخ فيها، لم تحبل به من ذكر كغيره من آدميين، ولا هذا ولا هذا؛ فيقال: لما خُلق من نفخ الروح من مريم سمي روحاً، بخلاف سائر آدميين فإنه يُخلق من ذكر وأنثى ثم يُنفخ فيه الروح بعد مضي أربعة أشهر.
والنصارى يقولون في اعتقادهم: إنه تجسد من مريم ومن الروح القدس. ولو اقتصروا على هذا وفسروا الروح القدس بالملك الذي نفخ فيها، وهو روح الله، لكان هذا موافقاً لما أخبر الله به، ولارتحنا، لكنهم جعلوا الروح القدس ليس الملك، بل جعلوه حياة الله التي حلت في ناسوت عيسى وجعلوه رباً، وتناقضوا في ذلك؛ فإنه على هذا كان ينبغي أن يكون فيه أقنومان: أقنوم الكلمة وأقنوم الروح، وهم يقولون ليس فيه إلا أقنوم الكلمة، فصرنا نحن متحيرين.
وكما يسمى المسيح كلمة لأنه خُلق بالكلمة، يسمى روحاً لأنه حل به من الروح. فإن قيل: فقد قال في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 147]، وقال: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1]، وقد قال أئمة المسلمين الجمهور إن القرآن كلام الله غير مخلوق، فكيف قلت في المسيح «روح منه»؟
قيل: هذا بمنزلة سائر المضاف إلى الله؛ إن كان عيناً قائمة بنفسها وصفة فيها كان مخلوقاً، وإن كان صفة مضافة إلى الله ككلمته وكلامه ونحو ذلك، كان إضافة صفة. وكذلك ما كان منه إن كان عيناً قائمة أو صفة قائمة بغيرها، كما في السماوات والأرض والنعمة، والروح الذي أرسله الله إلى مريم وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾، كان مخلوقاً. وإن كان صفة لا تقوم بنفسها أو لا تُصف بها المخلوق كالقرآن، لم يكن مخلوقاً، فإن ذلك قائم بالله، وما يقوم بالله لا يكون مخلوقاً. والمقصود هنا بيان بطلان احتجاج النصارى، وأنه ليس لهم في ظاهر القرآن ولا باطنه كما ليس لهم حجة في سائر كتب الله، وإنما تمسكوا بآيات.
المتشابهات وتركوا المحكم كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۖ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].
نزلت الآية، والمقال تأويله إما الله وإما رسول، وهناك قولان قرأتان: فهم من يقف عند قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، ومنهم من يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. ومنهم من لا يقف، بل يصل فيقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، والراسخون في العلم يقولون: «آمنا به».
وعلى أي من الوقفين؟ يقولون: الراسخون يعلمون تأويل المتشابه، وكلا القولين صحيح مأثور عن طائفة من السلف. وهؤلاء يقولون قد يكون الحال من المعطوف دون المعطوف عليه؛ لأن الذين قالوا إنه يكمل ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ صارت جملتهم: «آمنا به»، وهي جملة حالية، ولكنها متعلقة بالمعطوف دون المعطوف عليه؛ لأن الذين يقولون «آمنا به» هم الراسخون وليس الله.
فبالتالي هؤلاء الذين قالوا بالقول الثاني يجعلون الجملة الحالية «يقولون آمنا به» متعلقة بالمعطوف دون المعطوف عليه، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، أي قائلين نعم، والذين جاؤوا من بعدهم حال كونهم قائلين. وهذا بيان لآية أصحاب من يأخذ من الفيء، فقال للفقراء المهاجرين وللذين تبوؤوا الدار والإيمان وللذين جاؤوا من بعدهم، فحالة قولهم جعل «يقولون» جملة حالية من الثالث، ليس من الفقراء المهاجرين ولا من الذين تبوؤوا الدار، بل من الذين جاؤوا من بعدهم، يعطيك نفس الفكرة.
وكلا القولين حق، سواء قلت الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، أو قلت الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وكلاهما صحيح؛ لأنه إذا أريد بالتأويل التفسير ومعرفة المعاني، فالراسخون في العلم يعرفون تفسير هذه الآيات جميعها. وقد قال الحسن البصري: «لم ينزل آية إلا وهو يحب سبحانه أن يعلم فيما نزلت وماذا عني بها»، فيستحيل أن يكون هناك آية قرآنية المراد بالتأويل تفسيرها وما أحد من الراسخين في العلم يعرف تفسيرها.
أما إذا كان التأويل الذي استأثر الله به، لأنه قد يأتي التأويل بمعنى ما استأثر الله بعلمه من كيفية ما أخبر به عن نفسه في الواقع الخارجي، وعن كيفية ما أخبر به عن اليوم الآخر في الواقع الخارجي وقت الساعة ونزول عيسى، فهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.
وأما لفظ التأويل بالمعنى الأصولي، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح بدليل، فهذا لم يكن معروفًا أصلاً في دلالة كلمة التأويل عند السلف، بل هذا معنى حادث، وليس هو معنى كلمة التأويل إذا ورد في القرآن، ولكن طائفة من المتأخرين من الأصولية خصوا لفظ التأويل بمعنى صرف اللفظ عن المعناه الظاهري إلى المعنى المرجوح بدليل، فمشوا على هذا.
بل لفظ التأويل الآن في كتاب الله يراد به ما يؤول إليه الكلام، أي حقيقته في الواقع الخارجي، حتى ولو كان موافقًا للظاهر. بالتالي إذا تكلم الله بكلام ظاهره شيء وجاء الواقع الخارجي يوافق الظاهر، فهذا أيضًا تأويل. والتأويل في لسان العرب يأتي بثلاثة معانٍ: التأويل بمعنى التفسير، والتأويل بمعنى حقيقة الشيء في الخارج، والتأويل بمعنى العمل بالشيء، كحديث عائشة: «يتأول القرآن» أي يعمل به. وهذا الثالث لا يبتعد عن الثاني لأنه جزء من أو شكل من أشكال تحقق الشيء في الخارج.
ليس ممن يقولون إن التأويل هنا هو صرف المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح، بل هم مفوضة، يعني لا يعلم المعنى المقصود إلا الله، والراسخون يقولون: «آمنا به، كلنا عند ربنا». وهذا هو المعنى الذي يحملون عليه. ولا مشكلة أن يقال إن الراسخين في العلم هم الذين يعرفون التأويل، أي الذين يصرفون عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح بدليل، ولكن المشكلة هي أن هذا التأويل ليس هو المراد به في كتاب ربنا.
والمقصود هنا أنه ليس للنصارى حجة لا في ظاهر النصوص ولا في باطنها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]. والكلمة عندهم هي جوهر وهي رب لا يخلق بها الخالق، بل هي الخارقة لكل شيء، كما قالوا في كتابهم إن كلمة الله الخارقة الأزلية تحلت في مريم. والله تعالى قد أخبر أنه سبحانه ألقاها، والكلمة عندهم هي جوهر، وإن كان تلاحظ كلامًا متباينًا؛ فهي جوهر وفي نفس الوقت هي علم الله، وتفسر أحيانًا بأنها رب لا يخلق بها الخالق بل هي نفسها الخالقة عندهم، لأنهم جعلوا الكلمة كما قلنا خالقة، كما قالوا في كتابهم: «إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في مريم»، والله تعالى قد أخبر أنه سبحانه ألقاها إلى مريم، ورب سبحانه هو الخالق، والكلمة التي ألقاها ليست خالقًا وإنما خلق بها.
وكلمات الله عمومًا نوعان: كونية ودينية. فالكونية قول لشيء يكون فيكون، والدينية أمره وشرعه الذي جاءت به الرسل، وكذلك أمره وإرادته وإذنه وإرساله وبعثه ينقسم إلى هذين القسمين.
وقد ذكر الله تعالى إلقاء القول في غير هذا، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ ۖ فَالْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأعراف: 71]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]، فإذا أردت أن تحفظه فقل: «لقيته القول»، و«لقيت»، فذلك إذا أردت أن تحفظه، بخلاف ما إذا ألقيته إليه. فقوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ﴾ يُفسر بأنه إلقاء القول. وإن لم يحفظه كما ألقاها إلى مريم، هو ألقى كما جاء في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾، وقد ذكر الله إلقاء القول في...
غير هذا فهو كلام مفهوم، لا يعني أنه ألقاها إلى مريم، مريم؛ اللي هو الاتحاد وغير ذلك من الأشياء التي يوهمونها. قال بخلاف القول: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وألقى إليه السلام، وليس هنا إلا خطاب سمعوه، لم يحصل نفس صفة المتكلم في المخاطب. كذلك مريم، إذا ألقى الله كلمته إليها، وهي قوله: ﴿كُنْ﴾، لم يلزم أن تكون نفس صفته القائمة به حلت في مريم. أنا لما أقول: «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام»، هل معناه أن الصفة التي كانت في المتكلم حلت في المتلقي؟ ما أحد يقول هذا، كما لا تحصل صفة كل متكلم في من يلقى إليه كلامه.
انتهينا المجلد الثاني بحمد الله، ننتقل للمجلد الثالث، اللهم يسر. عبارة كانت عندي، لقنت القول ولقيته، لقنته؛ لأنه يتكلم عن "ألقى" أو "لقيه"؟ قصدك هي: لقيته القول. ماذا عندك هنا؟ لقيته القول ولقيته فتلقاه عنده، فقنته هي ألقاه، لقيته لا؛ هي لقيته من ألقى، لأنه يتكلم عن مادة ألقى، لقى، لقي، لقيته. مش تلقين؛ التلقين أظن شيئًا آخر، لقن هو يتكلم عن الإلقاء، فلقيته القول غير لقيته. هنا: لقيته القول ولقيته فتلقاه؛ فذلك إذا أردت أن تحفظه، بخلاف ما إذا استعمل... هو يريد أن يقول لك الآن في فعلين: "ألقى" على وزن "أفعل"، و"لقى" على وزن "فعل". ما الفرق بين وزن "أفعل" و"فعل" هنا؟ الفرق بين الوزنين الصرفيين "أفعل" و"فعل" هو أن "لقى" غير "ألقى"؛ لقى بمعنى لقيته، أي أريدته أن يحفظ. أما إذا قلت: "ألقيت إليه"، فإن هذا يعني أنني خاطبته به وليس أنني أردته أن يحفظه، يعني هو مجرد كلام في الدقة اللغوية.
يا دكتور، أنتم لا تخافون؟ المجلد الثالث أموره، والرابع لسه... الرابع لا، خلص الرابع تفرج، لأنه سيتكلم فيه عن المعجزات، المجلد الرابع إفراده الكلام عن معجزات النبي ﷺ، فأموره سهلة، ستجده لا يناقش الأقوال النصرانية بهذه الطريقة. لكن المجلد الثالث فيه جانب من مناقشة أقوالهم، وفي جانب تاريخي سيسرد فيه قسمًا كبيرًا من تاريخ أقوال النصارى وكيف نشأت، من لدن آيس حتى الاجتماع الذي صار وانتقال الروم إلى النصرانية بعد أن كانوا وثنيين. ففي جانب كبير منه أيضًا، وسينقل فيه كلام ابن حزم من كتابه "الفصل في الملل والنحل" عن فرق النصارى وأقوالهم المختلفة. هذا جل ما في المجلد الثالث، فنسأل الله التيسير والإعانة.
يلا يا شيخ عمر، بسم الله. قال رحمه الله تعالى: وأما قولهم، وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح: طبيعتان، طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وريح روحه، وطبيعة ناسوتية التي أخذت من مريم العذراء واتحدت به. فيقال لهم: كلام النصارى في هذا مضطرب، مختلف، متناقض، وليس لهم في ذلك قول اتفقوا عليه، ولا قول معقول، ولا قول دل عليه كتاب؛ بل هم فيه فرق وطوائف، كل فرقة تكفر الأخرى: اليعقوبية، والملكانية، والنسطورية. ونقل الأقوال عنهم في ذلك مضطربة، كثيرة الاختلاف، ولهذا يقال: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا على أحد عشر قولًا.
وذلك أن ما هم عليه من اعتقادهم من التثليث والاتحاد كما هو مذكور، المسألتان مضطربتان جدًا: مسألة التثليث، ومسألة الاتحاد اللاهوتي بالناسوت. إذا تلاحظون، هم الذين ناقشناهم في الجزء الثاني مسألة اتحاد اللاهوت بالناسوت، كيف تصورونها عندهم؟ ومسألة التفريق بين الآب والابن وروح القدس؛ كلا المسألتين مشكلات عندهم. قال: لم ينطق به شيء من كتب الأنبياء، ولا يوجد لا في كلام المسيح ولا الحواريين ولا أحد من الأنبياء، ولكن عندهم في الكتب ألفاظ متشابهة وألفاظ محكمة يتنازعون في فهمها.
ثم القائلون منهم بالأمانة، وهم عامة النصارى اليوم، مختلفون في تفسيرها، ونفس قولهم متناقض يمتنع تصوره على الوجه الصحيح، فلهذا صار كل منهم يقول ما يظن أنه أقرب من غيره. فمنهم من يراعي لفظ الأمانة وإن صرح بالكفر الذي يظهر فساده لكل أحد كاليعقوبية، ومنهم من يستر بعد ذلك كالنسطورية، وكثير منهم هم الملكانية بين هؤلاء وهؤلاء. ولما ابتدعوا ما ابتدعوا من التثليث والحلول، كان فيهم من يخالفهم في ذلك.
إذن هنا ثلاث فرق للنصارى أساسية: اليعقوبية، والنسطورية، والملكانية. يقول ابن تيمية: اليعقوبية يتمسكون بظاهر نصوص الأمانة ولو كان ظاهرها كفر، والنسطورية بالعكس، من يحاول أن يستر، يعني يخفي ما ورد في نصوص الأمانة، والملكانية بين هؤلاء وهؤلاء، مذبذبين بين ذلك.
قال: ولما ابتدعوا ما ابتدعوا من التثليث والحلول، كان فيهم من يخالفهم في ذلك، وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم مختلفة، وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل عنها ذلك الناقل. يعني أنت ممكن مثلاً تقرأ لابن حزم يعطيك شيئًا عن النصارى، ثم تأتي لتقرأ للشهرستاني يعطيك كلامًا آخر، فتقول: من الذي ينقل قول النصارى؟ ابن حزم أم الشهرستاني؟ لا، يجب أن تعرف أن النصارى عبارة عن فرق، فممكن أن يكون ابن حزم نقل كلام اليعقوبية ولم يخبرك أن هذا كلامهم، فتظن أن هذا قول جميع النصارى. بينما الشهرستاني قد يتكلم عن الملكانية.
لذا يجب أن تنتبه عندما تقرأ في علم الأديان؛ هذه فائدة، عندما يأتيك شخص يقول: "والنصارى تقول كذا وكذا"، لازم أكون منتبهًا أنه يتكلم عن أي نوع من النصارى حتى لا أظن أن هذا قول الجميع. قد يظهر لك شخص آخر يقول لك: "أنت فهمت النصرانية غلط، النصارى ليسوا هكذا، النصارى يقولون كذا وكذا"، فيكون كلامه صحيحًا وكلامك أيضًا صحيحًا، لأنك تتكلم عن فرقة وهو يتكلم عن فرقة أخرى. فهذا معنى قوله: «وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم المختلفة وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل عنها ذلك الناقل». كان ابن حزم من الإسلاميين أم من غيرهم؟ والقول الذي يحكيه كثير من نظار المسلمين، يوجد كثير منه على خلاف.
ابن حزم، أو حتى قبل ابن حزم الباقلاني وغيره، يذكر أشياء عن النصارى. أنت ترى النصارى اليوم على غير كلامه، فتقول: هو أخطأ. الباقلاني أو ابن حزم أو كذا، كان يتكلم عن طائفة أو عن جماعة.
نعم، قال كما نقلوا عنه، وما ذكره أبو المعالي وصاحبه أبو القاسم الأنصاري وغيرهما، أن القديم واحد بالجوهر، ثلاثة بالأقنوم، وأنهم يعنون بالأقنوم: الوجود والحياة والعلم. وقال: ونقلوا عنهم أن الحياة والعلم ليسا بوصفين زائدين على الذات موجودين، بل هما صفتان نفسيتان للجوهر. قالوا: ولو مُثّل مذهبهم بمثال، لقيل إن الأقانيم عندهم تنزل منزلة الأحوال والصفات النفسية عند مثبتيها من المسلمين؛ فإن سواد اللون ولونيته صفتان نفسيتان للعرض.
وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس. قال أبو القاسم: فيعنون بالأب الوجود، وبالابن المسيح والكلمة، وربما سموا الكلمة علماً، ويعبرون عن الحياة بالروح. وقالوا: ولا يريدون بالكلمة الكلام، فإن الكلام عندهم من صفات الفعل، ولا يسمون العلم قبل تدرعه بالمسيح واتحاده به ابناً، بل المسيح عندهم مع ما تدرع به ابن.
وقالوا: ومن مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح مع ما تدرع به، يعني مع ما نزل به من العلم الإلهي أو شيء. وقالوا: ومن مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح وتدارعت بالناسوت، ثم اختلفوا في معنى الاتحاد؛ فمنهم من فسره بالاختلاط والامتزاج، وهذا مذهب طوائف من اليعقوبية والنسطورية والملكانية، قالوا: إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما مازج الخمر الماء أو اللبن. وهذا مذهب الروم، ومعظمهم ملكانية.
قالوا: فماذا مزجت الكلمة جسد المسيح فصار شيئاً واحداً وصارت الكثرة قلة؟ فقال: إن الكلمة والمسيح كانوا كثرة باعتبارهم الشيم، فلما امتزجوا صاروا شيئاً واحداً، فصارت الكثرة التي هي التعدد قلة لما صاروا شيئاً واحداً.
وذهب طائفة من الأخابدة إلى أن الكلمة انقلبت لحماً ودماً. وقالوا: وإنما المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت كظهور الصورة في المرآة والنقش في الخاتم. ومنهم من قال: ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء الإله على العرش عند المسلمين. وذهب كثير من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول، مجرد الحلول، أن حل اللاهوت بالناسوت، ليس أن هناك اتحاداً. إذاً لاحظ أن كلمة الاتحاد فيها خلاف في تصورها عند النصارى.
وقالوا: وقد اختلفوا أيضاً في الجوهر والأقانيم؛ فذهبت النسطورية واليسطورية إلى أن الجوهر ليس بغير الأقانيم، ولا يقال إنه هي، وصرحت الملكانية بأنه غير الأقانيم، وآخرون قالوا: هو الأقانيم.
وافترقت النصارى من وجه آخر؛ فذهبت الروم إلى تصريح بإثبات ثلاثة آلهة، وامتنعت اليعقوبية والنسطورية من ذلك في وجه، والتزموه من وجه، وذلك أنهم قالوا: الكلمة إله، والروح إله، والأب إله، والثلاثة الأقانيم التي كل أقنوم إله واحد.
وذهبت شرذمة من النصارى إلى أن عيسى كان ابناً لله على جهة الكرامة، فكما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، كذلك اتخذ عيسى ابناً له. وهؤلاء يقال لهم الأريوسية.
فهذا نقل طائفة من النصارى، وهذا قول لمن قال، وهذا نقل لمن قاله من النصارى، وفيه ما هو مخالف لصريح إيمانهم وما عليه جمهورهم؛ مثل قوله: إنهم لا يسمون العلم قبل تدرعه بالمسيح ابناً. العلم الذي هو الكلمة لا يسمونها قبل أن يحل بالمسيح ابناً، بل المسيح مع ما تدرع به ابن. فإن هذا خلاف ما عليه فرق النصارى من الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وخلاف ما تضمنته إيمانهم، إذ صرحوا في الإيمان بأن الكلمة ابن قديم. يعني لما أبو القاسم الأنصاري نقل عنهم أنهم لا يسمون العلم قبل أن يحل بالمسيح ابناً، لكن حقيقة هم يقولون في الإيمان بأن الكلمة هي ابن قديم أزلي مولود قبل الدهور، فسموا الكلمة التي هي العلم ابناً قبل أن تحل بناسوت المسيح.
قال: وهذا وصف اللاهوت عندهم. وفيها أشياء يقولها بعض النصارى لا كلهم؛ وكذلك نقلهم عنهم أنهم لا يريدون بالكلمة الكلام، فإن الكلام عندهم صفة فعل، وهذا قول طائفة منهم. ومن اليهود كثير منهم أو أكثرهم يقولون إن كلام الله غير مخلوق، وينكرون على من يقول إنه مخلوق.
ونقل طائفة أخرى منهم أبو الحسن بن الزاغني، وهو من الحنابلة أصحابنا، قال: نقل عنهم ما يوافق هذا من وجه دون وجه. فقالوا: اتفقت طوائف النصارى على أن الله ليس بجسم، واتفقوا على أنه جوهر واحد ثلاثة أقانيم، وأن كل واحد من الأقانيم جوهر خاص يجمعها الجوهر العام. فالله جوهر عام مكون من ثلاثة أقانيم، كل أقنوم عبارة عن جوهر خاص، فبالتالي أصبح الله عبارة عن ثلاث جواهر بهذا المعنى.
ثم اختلفوا، فقال بعضهم: إن الأقانيم مختلفة في الأقنومية متفقة في الجوهرية. وقال آخرون: ليست مختلفة في الأقنومية بل متغيرة. وقال فريق منهم: إن كل واحد منها لا هو الآخر ولا هو غيره، وليست متغيرة ولا مختلفة. وزعموا أن الجوهر ليس هو غيرها، إلا ما ذكر عن طائفة من الملكانية، فإنهم قالوا: إن الأقانيم هي الجوهر وغير الأقانيم، وزعموا أن الجوهر هو الأب، والأقانيم الحياة وهي روح القدس والقدرة والعلم، وأن الله اتحد بأحد الأقانيم الذي هو الابن بعيسى بن مريم، وكان مسيحاً عند الاتحاد لاهوتاً وناسوتاً؛ حمل وولد ونشأ وقتل وصلب ودفن.
واختلفوا أيضاً؛ فقالت النسطورية: إن المسيح جوهران؛ أقنوم قديم ومحدث، وأن اتحاده إنما هو بالمشيئة، وأن مشيئتهما واحدة وإن كانا جوهرين. وقالت اليعقوبية: لما اتحدا صار الجوهران -الجوهر القديم والجوهر المحدث- جوهراً واحداً. واختلفوا هنا؛ فقال بعضهم: الجوهر المحدث صار قديماً. وزعم آخرون أنهما لما اتحدا صارا جوهراً واحداً قديماً من وجه ومحدثاً من وجه.
هو الآن يستعرض حتى يثبت لك فعلاً أن النصارى لو اجتمع منهم عشرة اختلفوا على أحد عشر قولاً.
استقراء تاريخي، إنه أنت ولا واحد فيهم متفق مع الثاني؛ هو قديم ولا حادث ولا جوهر ولا كذا. فالحمد لله على عظمة الإسلام، الحمد لله على عقيدة السلف، الحمد لله على العقيدة الواضحة التي ليس كل واحد يعطيك فيها رأياً، وكل واحد يعطيك فيها تحليلاً، وكل واحد يعطيك فيها تصوراً، بحيث لا أحد فاهم ماذا يقول الآخر، أو لو فهم يقول: لا، لست مقتنعاً بكلامك وتحليلك.
وقالت الملكية إن المسيح جوهران وأقنوم واحد، وحكى عن بعضهم أنه أقنومان وجوهر واحد. وقالت الآريوسية، وتعبير حال الجماعة في تصور الإله، وهذه البدع؛ سبحان الأقوال البدعية يصعب تصورها وتصبح أعقد وأعقد، بخلاف العقيدة الإسلامية الصحيحة، عقيدة فطرية لا تتعب نفسك بكل هذا الكلام الفارغ.
وقالت الآريوسية إن الله ليس بجسم ولا أقانيم له، وإن المسيح لم يُصلب ولم يُقتل وإنه نبي. وحكى عن بعضهم أنه قال المسيح ليس بابن الله، وحكى عن بعضهم أنه ابن الله على التسمية والتقريب، واختلفوا في الكلمة الملقاة إلى مريم؛ فقال الطائفة منهم إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما يحل اللبن في اللبن، أو كما يحل الماء في اللبن فيمازجه ويخرطه. وقالت الطائفة منهم إنها حلت في مريم من غير ممازجة، كما أن شخص الإنسان يحل في الأجسام الثقيلة من غير ممازجة؛ كيف ترى نفسك في المرآة؟ هكذا صار، إن الكلمة مع علاقتها بمريم كعلاقة الإنسان بالمرآة، بدون حلول ولا ممازجة.
وزعمت طائفة من النصارى أن الناسوت مع اللاهوت كمثل الخاتم مع الشمع يؤثر فيه بالنقش، فلا يبقى منه شيء إلا الأثر؛ يعني كيف يختم ويخرج فيبقى فقط الأثر، هي علاقة اللاهوت بالناسوت.
قال أبو الحسن الزاغني ومن معه: واختلفت النصارى في الأقانيم، فقال قوم منهم هي جواهر، وقال قوم هي خواص، وقال قوم هي صفات، وقال قوم هي أشخاص. والآب عندهم هو الجوهر الجامع للأقانيم، والابن هو الكلمة التي اتحدت عند مبدأ المسيح، وروحه هي الحياة، واجتمعوا على أن الاتحاد صفة فعل وليس بصفة ذات.
قالوا واختلف قولهم في الاتحاد اختلافاً متبايناً؛ فزعم قوم منهم أن الاتحاد هو أن الكلمة التي هي الابن حلت جسد المسيح، وقيل هذا قول الأكثرين منهم. وزعم قوم منهم أن الاتحاد هو الاختلاط والامتزاج. وقال قوم من اليعقوبية ليس مجرد الحلول. وقال قوم اليعقوبية: هو أن كلمة الله قد انقلبت لحماً ودماً بالاختلاط. وقال كثير من اليعقوبية والنصارى: الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت اختلطا وامتزجا لاختلاط الماء بالخمر وامتزاجهما، وكذلك الخمر باللبن. وقال قوم منهم: الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت اتحدا فصارا هيكلاً واحداً. وقال قوم منهم: الاتحاد مثل ظهور صورة الإنسان في المرآة، وكظهور الطابع في المطبوع، مثل الخاتم في الشمع. وقال قوم منهم: الكلمة اتحدت بجسد المسيح على معنى أنها حلته من غير ممازجة ولا ممازجة، كما نقول إن الله في السماء على العرش من غير مماسة ولا ممازجة، وكما نقول إن العقل جوهر حال في النفس من غير مخالطة للنفس ولا مماسة لها.
وقالت الملكية: الاتحاد أن الاثنين صار واحداً، وصارت الكثرة قلّة. وهذا الذي نقله عنه أبو الحسن الزاغني هو نحو ما نقله عنهم القاضي أبو بكر بن الطيب، وهو الباقلاني.
وقال أبو محمد بن حزم -الآن سأجلس مع ابن حزم قليلاً ليعطي مساحة فيما قاله في الفصل في الملل والنحل عن عقائدهم-: قال النصارى فرق منهم أصحاب أريوس، وكان قسيساً بالإسكندرية، ومن قوله التوحيد المجرد، وأن عيسى عبد مخلوق، وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض. وكان في زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية، وأول من تنصر من ملوك الروم، وكان على مذهب أريوس.
وقال ومنهم أصحاب بولس الشمشاطي، وكان بطريركاً بأنطاكيه قبل ظهور أنطاكيه جنوب تركيا، وكان قوله بالتوحيد المجرد الصحيح، وأن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، خلقه الله في بطن أمه مريم من غير ذكر، وأنه إنسان لا إلهية فيه البتة، وكان يقول: لا أدري ما الكلمة ولا الروح القدس.
وقال وكان منهم أصحاب مقدونيوس، كان بطريركاً بالقسطنطينية بعد ظهور النصرانية أيام قسطنطين بن قسطنطين باني القسطنطينية، وكان هذا الملك أريوسياً كما أن والده قبل قليل عرفنا أنه كان من أتباع أريوس. وكان من قول مقدونيوس هذا التوحيد المجرد، وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق، وأن عيسى هو روح القدس وكلمة الله، وإن الروح القدس والكلمة مخلوقان خلقه الله.
وقال وكان منهم البربرانية، وهم يقولون إن عيسى وأمه إلهان من دون الله تعالى، وهذا في قمة الكفر.
قال ابن حزم: وهذه الفرق قد بادت، وعمدتهم اليوم ثلاث فرق. النصارى صفت، يقول ابن حزم: أعظمها فرق الملكانية، وهي مذهب جميع ملوك النصارى حيث كانوا حاشا الحبشة والنوبة، ومذهب عامة أهل كل مملكة من النصارى حاشا النوبة والحبشة، وهو مذهب جميع نصارى أفريقيا وصقلية والأندلس وجمهور الشام.
وقولهم إن الله تعالى عن قولهم ثلاثة أشياء: أب وابن وروح، وروح القدس كلها لم تزل، وإن عيسى إله تام كله وإنسان تام، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه، وهذا هو التناقض؛ أن عيسى إله تام كله وفي نفس الوقت إنسان.
الوقت إنسان تام، كله ليس أحدهما غير الآخر، كيف هذه عادهم يفهموها؟ وإن الإنسان هو الذي يصل، اللي هو النسطورية. وإن الإله من لم ينله شيء من ذلك، وإن مريم ولدت الإله والإنسان وأنهما معًا شيء واحد، تعالى الله عما يشركون.
وقالت النسطورية مثل ذلك سواء بسواء، إلا أنهم قالوا إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان، وإن الله لم يلد الإنسان وإنما ولد الإله، تعالى الله عما يقولون. وهذه الفرقة غالبة على الموصل والعراق وفارس وخراسان، وهم منسوبون إلى نسطور، وكان بطريركًا بالقسطنطينية.
وقالت اليعقوبية إن المسيح هو الله نفسه، وإن الله تعالى مات وصلب وقُتل، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر والفلك والفلق بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، ثم قام من قبره. والله تعالى عاد محدثًا والمحدث عاد قديمًا، والله تعالى كان في بطن مريم محمولًا به. وهم اليعقوبية موجودون في مصر وجميع الحبشة وملوك الأمتين المذكورتين: النوبة والحبشة.
قلت: ومن أخبر الناس بمقالتهم؟ قال: من كان من علمائهم وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم، كالحسن بن أيوب. قال: الذي كان من علماء النصارى وأسلم وذكر لنا أفكارهم، قال: الذي كتب رسالة إلى أخيه علي بن أيوب يذكر فيها سبب إسلامه ويذكر الأدلة على بطلان دين النصارى وصحة دين الإسلام.
قال في رسالته إلى أخيه لما كتب إليه يسأله عن سبب إسلامه بعد أن ذكر خطبته: «ثم أعلمك -أرشدك الله- أن ابتداء أمري في الشك الذي دخلني فيما كنت عليه والاستبشاع بالقول به من أكثر من عشرين سنة». الحسن بن أيوب يسرد لأخيه سبب الشكوك التي نشأت عنده منذ عشرين سنة في النصرانية.
قال: «لما كنت أقف عليه في المقالة من فساد التوحيد لله عز وجل بما أدخل فيه من القول بالثلاثة الأقانيم وغيرها مما تضمنته شريعة النصارى، ووضع الاحتجاجات التي لا تزكو ولا تثبت في تقرير ذلك، وكنت إذا تبعته وأجلت الفكرة فيه بان لي عواره ونفرت نفسي من قبوله؛ كل ما فكرت في قضية التثليث يظهر لي عواره، وإذا فكرت في دين الإسلام الذي منّ الله علي به وجدت أصوله ثابتة، وفروعه مستقيمة، وشرائعه جميلة.
وأصل ذلك ما لا يختلف فيه أحد ممن عرف الله عز وجل منكم ومن غيركم، وهو الإيمان بالله الحي القيوم، السميع البصير، الواحد الفرد، الملك القدوس الجواد العدل، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وإله موسى وعيسى وسائر النبيين والخلق أجمعين، الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، ولا ضد ولا ند، ولم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، الذي خلق الأشياء كلها لا من شيء ولا من مثال، بل كيف شاء وبأن، قال لها: ﴿كُونِي فَكَانَتْ﴾ [البقرة: 117] على ما قدر وأراد، وهو العليم القدير الرؤوف الرحيم.
الذي لا يشبهه شيء وهو الغالب فلا يغلب، والجواد فلا يبخل، ولا يفوت مطلوب، ولا تخفى عليه خافية؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]. وكل مذكور هو منه، وكل ذلك به وكل له قانتون.
ثم نؤمن بأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ونؤمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نفرق بين أحد منهم. ونؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن وسائر الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الأبرار لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، ﴿ذَٰلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182].
قال: وكان يحملني طول ديني والعهد عليه، والاجتماع مع الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأقارب والجيران وأهل المودات، على التسويف بالعزم والتلبث في إبرام الأمر، ويعرض مع ذلك الفكر في إمعان النظر والازدياد في البصيرة. فلم أدع كتابًا من كتب أنبياء التوراة والإنجيل والزبور والقرآن إلا نظرت فيه وتصفحته، ولا شيء من مقالات النصرانية إلا تأملته.
فلما لم أجد للحق مدفعًا، ولا للشك فيه موضعًا، ولا للإنا والتلبث وجهًا، خرجت مهاجرًا إلى الله عز وجل بنفسي، هاربًا بذنبي عن نعمة وأهل مستقر وقر ومحل وعز ومتصرف في عمل، فأظهرت ما أظهرته عن نية صحيحة وسريرة صادقة ويقين ثابت. فالحمد لله الذي هداني لهذا، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 176]، وإياه تعالى نسأل ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هديانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب».
الحسن بن أيوب يخبره عن حاله؛ أنه كان في عز وبيت أهل وناس، لكنه أظهر ما أظهرته عن نية صحيحة ويقين ثابت.
قال: «ولما نظرت في مقالات النصارى وجدت صنفًا منهم يعرفون بالآريوسية، يجردون توحيد الله ويعترفون بعبودية المسيح ﷺ، ولا يقولون فيه شيئًا مما يقوله النصارى من ربوبية ولا بنوة خاصة ولا غيرهما، وهم متمسكون بالإنجيل مقرون بما جاء به تلاميذه والحاملون عنه، فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد ﷺ ودفع ما جاء به الكتاب والسنة».
لعل النجاشي الذي قابله الصحابي كان على هذه الفكرة، حين قالوا له عن الذي نؤمن به، قال: «ما خرج عيسى عما قلتموه زيادة عن هذه النخلة التي كان ماسكًا بها في يديه»، دلالة على أنه كان يعرف أقوال الفرق النصرانية سابقًا.
قال: «ثم وجدت منهم صنفًا يعرفون باليعقوبية، يقولون إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين».
إحداهما طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت، وإن هاتين الطبيعتين تركبتا كما تركبت النفس مع البدن فصارت إنسانًا واحدًا وجوهرًا واحدًا وشخصًا واحدًا، وأن هذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد هو المسيح، وهو إله كله وإنسان كله، وهو شخص واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا إن مريم ولدت الإله، تعالى الله عما يقولون، وإن الله مات وتألم وصُلب متجسدًا ودفن وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء.
فجاؤوا بالقول بما لو عُرض على السماء لانفطرت، وعلى الأرض لانشقت، وعلى الجبال لانهدت؛ فلم يكن لمحاجة هؤلاء وجه إذ كان كفرهم بما صرحوا به، إذ كان كفر بما صرح به أوضح من أن يقع فيه الشك، وكان غيرهم من النصارى كالملكانية والنسطورية يشدون بذلك عليهم. ثم الملكانية والنسطورية بتكفر اليعقوبية، على هذه الطريقة في التفكير النصارى بيكفروا بعضهم.
قال: ثم نظرت في قول الملكية، وهم الروم وهم أكثر نصارى، فوجدتهم قالوا إن الابن الأزلي الذي هو الله الكلمة تجسد. والابن الأزلي سمى، إذًا الابن كان يطلق على الكلمة سابقًا، قال: تجسد من مريم تجسدًا كاملاً كسائر أجساد الناس، وركب في ذلك الجسد، وقال: نفساً كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنسانًا بالنفس والجسد اللذين هما من جوهر الناسوت، وباللاهوت بجوهر اللاهوت، كمثل أبيه؛ لم يزل وهو إنسان كجوهر الناسوت مثل إبراهيم وداوود، وهو شخص واحد لم يزد عدده وثبت له جوهر اللاهوت كما لم يزل.
فهو اللاهوت، واللاهوت هو الابن هنا، فهذا اللاهوت الذي هو الابن هو كمثل أبيه باعتبار أنه في أب وابن، وثبت له جوهر اللاهوت كما لم يزل، ويصح له جوهر الناسوت الذي لبسه من مريم، وقال: وهو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان. ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة، فله بلاهوته مشيئة مثل الآب والروح، وله بناسوته مشيئة مثل مشيئة إبراهيم وداوود.
وقالوا إن مريم ولدت إلهًا، وإن المسيح -وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت- مات، وقالوا إن الله لم يمت، والذي ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته، فهو إله تام بجوهر لاهوته وإنسان تام بجوهر ناسوته، والذي مات بالناسوت فقط، وله مشيئة اللاهوت ومشيئة الناسوت، وهو خلاف اليعقوبية؛ اليعقوبية جعلوا اللاهوت والناسوت كلها ماتت، وهو بعدين طلع من الأموات، لكن الملكانية لا تحكي أن الذي مات فقط هو الناسوت.
قال: وهو شخص واحد، لا نقول شخصان؛ إذ لا يلزمنا القول بأربعة أقانيم. فهؤلاء أتوا من ذلك بمثل ما أتت به اليعقوبية في ولادة مريم، الله تعالى عما يقول الظالمون. هم يريدون أن يقولوا ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح قدس، فيريدون أن يقولوا إنهم شخصيتان حتى لا يكون في أب وروح قدس واللاهوت والناسوت اثنين، فيصير أربعة بدل ثلاث، فخلوهم ثلاثًا.
وقال: في ولادة مريم، الله تعالى عما يقول الظالمون، وقالوا إن المسيح -وهو اسم لا تشك جماعة النصارى أنه واقع على اللاهوت والناسوت- مات، وإن الله لم يمت، فكيف يكون ميتاً ولم يمت وقائماً قاعداً في حال؟ وهل بين المقالتين فرق إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع؟ فهذا كلام الحسن بن أيوب؛ قال: فهؤلاء الحسن بن أيوب ينتقد هؤلاء الملكانية، فقال: فهؤلاء أتوا من ذلك بالفحش والكفر بمثل ما أتت به اليعقوبية في ولادة مريم للإله، وكيف أنهم يقولون إن المسيح -والمسيح أصلاً يطلق على اللاهوت والناسوت- مات، بعدين يرجع يقول لك إن الله الذي هو اللاهوت لم يمت والذي مات فيه هو الناسوت، فيقول لك هذا كلام مش مقنع.
قال: ثم نظرت في قولهم فوجدتهم قالوا إن المسيح شخصان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة، وذلك على الجماعة الثالثة. وإن طبيعة اللاهوت التي للمسيح غير طبيعة ناسوته، وإن طبيعة اللاهوت لما توحدت بالناسوت بشخص الكلمة، صارت الطبيعتان بجهة واحدة وإرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصان ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان. فكان المسيح بتلك الحال إلهًا وإنسانًا، فهو إله بجوهر اللاهوت الذي لا يزيد ولا ينقص، وهو إنسان بجوهر الناسوت القابل للزيادات والنقصان.
وقالوا إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط منذ توحدت بناسوته. ووجدنا اليعقوبية قد خففوا شوي، قالوا إن مريم ولدت الناسوت فقط، وإن اللاهوت لم يفارقه قط منذ لحظة الولادة. وقال: فوجدنا اليعقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الإله، وأنه تألم وصلب ومات وقام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى، وهذا الكفر الذي تشهد به عليهم سائر ملل النصارى وغيرهم.
ووجدنا أن الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر، فقالوا إن المسيح شخص واحد وطبيعتان، فلكل واحدة من الطبيعتين مشيئة، فله بلاهوته مشيئة مثل الآب والروح، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم وداوود. وأوهموا الواقف على قولهم أنهم بما اخترعوه من هذا الاختيار قد فرقوا بين اللاهوت والناسوت، ثم عادوا إلى قول اليعقوبية فقالوا إن مريم ولدت إلهًا، وإن المسيح -وهو اسمه الجامع للجوهرين- مات بالجسد، وإن الله لم يمت، والذي قد ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته. فكيف يكون ميتاً ولم يمت؟ وهل بين المقالتين إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع فرق؟
وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الإله، وقالوا إن المسيح شخص واحد وطبيعتان -وهم اليعقوبية ما قالوا شخص واحد وطبيعتان، لا، هو شخص واحد وطبيعة واحدة- وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الله وأن الذي ولدته مريم وهو المسيح الاسم الجامع للجوهرين للاهوت والناسوت قد مات، فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليه مع اللاهوت والناسوت معًا؟ فكيف صح لذي عقل عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات ونالته العلل والآفات؟
قلت: ومما يوضح تناقضهم أنهم يقولون إن المسيح -وهو اللاهوت والناسوت شخص واحد وأقنوم واحد- مع قولهم إنهما جوهراني بطبيعتين ومشيئتين، فيثبتون لجوهرين أقنوماً.
واحداً وهم يقولون هو شخص واحد، ثم يقولون إن رب العالمين إله واحد وأقنوم واحد وجوهر واحد، وهو ثلاثة أقانيم؛ فيثبتون للجوهر الواحد ثلاثة أقانيم وللجوهرين المتحدين أقنوماً واحداً، مع أن مشيئة الأقانيم الثلاثة عندهم واحدة، والناسوت واللاهوت يثبتون لهما مشيئتين وطبيعتين. ومع هذا هما عندهم شخص واحد وأقنوم واحد، وهذا يقتضي غاية التناقض سواء فسروا الأقنوم بالصفة أو الشخص أو الذات مع الصفة أو أي شيء قالوه.
قال: وهو يبين أن الذين تكلموا بهذا الكلام ما تصوروا ما قالوه، بل كانوا ضلالاً جهالاً بخلاف ما يقوله الأنبياء فإنه حق. فلهذا لا يوجد عن المسيح ولا غيره من الأنبياء ما يوافق قولهم في التثليث والأقانيم والاتحاد ونحو ذلك مما ابتدعوه بغير سمع وعقل، بل ألقوا أقوالاً مخالفة للشرع والعقل.
ثم قال الحسن بن أيوب: ثم وجدنا النصارى المعروفين بالنصرية قد خالفوا اليعقوبية والملكية في قولهم بشخصين لهما مشيئة واحدة، وأن الطبيعتين اتحدتا فصارتا بجهة واحدة. ثم عادوا إلى شبيه قولهم في أن مريم ولدت المسيح؛ فإذا كانت ولدت المسيح فقد لزمهم ووجب عليهم الإقرار بأنها ولدت هذا اللاهوت والناسوت المتحدين، وقد رجع المعنى إلى قول اليعقوبية، إلا أنهم اختاروا لذلك ألفاظاً زوقوها وقدروا بها التمويه على السامع ولم يصرحوا بالقول كصريح؛ قالوا مريم ولدت المسيح.
النسطورية ما قالوا ولدت الإله مثل اليعقوبية، بس تعالوا مين هو المسيح؟ ونيجي نحلل مين هو المسيح: هو اللاهوت والناسوت، فأنتم النسطورية شاطرين عرفتوا تطلعوا منها حكيتوا ولدت المسيح ما ولدت الإله، مش زي اليعقوبية صرحوا أن ولدت الإله، لكن مقتضى قولك ولدت الإله لذلك هو رجع قول النسطورية إلى قول اليعقوبية؛ أن مريم ولدت الإله، لكنهم اختاروا ألفاظاً زوقوها، يعني ضبطوها، قالوا ولدت المسيح، زوقوها وقدروا بها التمويه على السامعين ولم يصرحوا بالقول أن مريم ولدت الإله بهذا الفحش كتصريح اليعقوبية.
لماذا؟ هم في النهاية وقولهم قول اليعقوبية واحد؛ لأن المتحد بالشيء هو الممازج له والمستمسك به حتى صار الذي مازجه وهو شيء واحد. ثم أكدوا القول بإقرارهم أن الناسوت منذ اتحد باللاهوت لم يفارق، فما لم يفارق الشيء هل هو إلا يجري مجراه في سائد متصرفاته من ضر ونفع وخير وشر وحاجة وغنى؟
قال: وأما قولهم إن مريم ولدت المسيح بناسوته فهذه أغلوطة، وإلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟ وكيف يكون ذاك وهم يقولون إنه لم يفارق قط؟ نعم، ولي يصح هذا عند أهل النظر، أليس الحكم عند كل ناظر ومن كل ذي عقل يجب أن تكون الولادة واقعة على اللاهوت والناسوت معاً، بمعنى الاتحاد وبمعنى الاسم الجامع للاهوت والناسوت وهو المسيح؟ وكذلك الحمل بهما جميعاً، وأن يكون البطن قد حواهما.
قال: فإن لجأوا في الباطل ودافعوا عن قبيح هذه المقالة ومالوا إلى تحسينها بالتمويهات المشككة لمن قصرت معرفته، فنحن نقيم عليهم شاهداً من أنفسهم لا يمكنهم دفعه، وذلك أن شريعة إيمانهم التي لفها لهم رؤساؤهم من المطارقة والمطارنة والأساقفة والأحبار في دينهم وذوي العلم منهم، بحضرة الملك عند اجتماعهم في آفاق مدينة قسطنطينية، وكانوا 318 رجلاً يصفون أنهم انطقوا بها بروح القدس.
قال: وهي التي لم تختلف جماعتهم عند اختلافهم في المقالات فيها، ولا يتم لهم قربان إلا بها على هذا النسق الذي نبينه: «نؤمن بالله الآب مالك كل شيء، صنعي ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع، قال إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد من مريم البتول وتألم وصُلب أيام بيلاطس بن قيصر ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وبالروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسة سليمانية جاثليقية، وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين».
قال: فهذه الشريعة يجتمع على الإيمان بها وبذل المهج فيها وإخراج الأنفس فيها جماهيرهم من الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وقد يعترفوا فيها جميعاً بأن الرب المسيح الذي هذه صفته على ما اقتصصناه منها هو الإله الحق من الإله الحق، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد من مريم البتول وتألم وصُلب.
قال: فهل في هذا الإقرار شبهة أو علة يتعلق بها المعني المدافع عن الحجة؟ فتدبروا هذا القول يا معشر النصارى فإنه لا يمكن أحداً منكم أن يخرج عنه ولا أن يدفع ما صرح به؛ فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله، فمريم على قولكم ولدت الله سبحانه وتعالى عما يقولون، وإن قلتم إنه إنسان، فمريم ولدت إنساناً، وفي ذلك إجماع وبطلان شريعة إيمانكم، فاختاروا أي القول إن شئتم فإن فيه يقينكم.
قال: وقد يجب على ذوي العقول أن تزجرهم عقولهم عن عبادة إله ولدته مريم وهي امرأة آدمية، ثم مكث على الأرض ثلاثين سنة تجري عليه أحكام الآدميين من غذاء وتربية وصحة وسقم وخوف وأمن وتعلم وتعليم، لا يتهاء لكم أن تدعوا أنه كان منه في تلك المدة من أسباب اللاهوتية شيء، ولا له من أحوال الآدميين كلها من حاجاتهم وضروراتهم وهمومهم ومحنهم وتصرفاتهم مخرج.
ثم أحدث بعد هذه المدة الطويلة ما أحدثه من إظهار أمر الله تعالى والنبوات والآيات الباهرات المعجزات، بقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهَا﴾ [الصافات: 121]. ثم أحدث عيسى ما أحدثه من إظهار أمر الله والنبوات والآيات الباهرات، فكانت مدته في ذلك أقل من ثلاث سنين، ثم انقضى أمره بما يصفون أنه انقضى به وينسبونه إليه من حبس وضرب وقصف وقتل. فهل تقبل العقول ما يقولون من أن إلهاً نال منه مثل ما تذكرون أنه نيل منه؟ فإن تأولتم أن ذلك حل بالجسم وليس بالقياس.
وليس بالقياس يحتمل ذلك لما شرحناه من معنى اتحاد اللاهوت به، أفليس قد وقع بجسم توحدت اللاهوتية به وحلت الروح فيه، وقد أنجبه الله -على ما تزعمون وتصفون- لخلاص الخلق؟ وفوض إليه القضاء بين العباد في اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون للحساب.
وقد وجدناكم تؤثرون أخبارًا في قوم عرضوا لتوابيت فيها شهداء، لكم بأن الأيدي التي بسطت إليها جفت. وهل نال أحد من الجزع والهلع والغم والقلق والتضرع إلى الله في إزالة ما حل به مثل ما يحكى في الإنجيل أنه ناله؟ ووجدنا الكتب تنبئ بأنه نيل من جورجيس -أحد من كان على دين المسيح- من العذاب الشديد بالقتل والحرق والنشر بالمناشير ما لم يسمع بمثله في أحد من الخلق، ونال خلق كثير من تلامذته أيضًا عذابًا شديدًا.
وقيل لما كان الملوك المحاربون يسومونهم إياهم من الرجوع عن أديانهم إلى الكفر الذي كان أولئك الملوك عليه، فصبروا على ذلك واحتسبوا أنفسهم فلم يهربوا من الموت، وقد كان يمكنهم الهرب من بلد إلى بلد والاستتار وإخفاء أشخاصهم، وما أظهروا في حال من تلك الأحوال جزعًا ولا هلعًا، وهم بعض الآدميين التابعين له؛ لأنه خفف عنهم ما كانوا ينالون به بتأييد الله عز وجل إياهم.
ثم نقول قولًا آخر: قد نستدل على صحة هذه الشريعة من سقمها بأربعة أوجه لا يقع في شيء منها شك ولا طعن، ولا زيادة ولا نقصان، وهي أصل أمر المسيح عندكم. فأولها البشرى التي أتى بها جبريل عليه السلام، والثانية قول يحيى بن زكريا الذي شهد له المسيح بأنه لم تقم النساء مثله، والثالثة النداء المسموع من السماء، والرابعة قول المسيح عن نفسه حين سأله يحيى عن شأنه، والذي قال جبريل على ما ثبت في إنجيلكم لمريم حين بشرها.
فنبدا بالحالة الأولى، جبريل لما بشر مريم ماذا قال؟ «السلام عليك أيتها الممتلئة نعمة، ربنا معك أيتها المباركة في النساء». فلما رأته مريم وذعرت منه فقال: «لا ترهبي يا مريم، فقد فزت بنعمة من ربك، فها أنت تحبلين وتليدين ابنًا وسمه يسوع، ويكون كبيرًا، ويسمى ابن الله العلي، ويعطيه الله الرب كرسيه أبيه داود، ويكون ملكًا على آل يعقوب إلى الأبد». فقالت مريم: «أن يكون لي ذلك ولم يمسسني رجل؟». قال لها الملك: «إن روح القدس يأتيك، أو يقول يحل فيك، وقوة العلي تحبلك، ومن أجل ذلك يكون الذي يولد منك قديسًا ويسمى ابن الله العلي».
قال: فلم نرى الملك؟ قال لها: «إن الذي تلدين هو خالقك وهو الرب كما سميتموه». بل الشك في ذلك بأن قال إن الله الرب يعطيه كرسي أبيه داود ويصطفيه ويكرمه، وأن داود النبي أبوه، وأنه يسمى ابن الله، وما قال أيضًا إنه يكون إلهًا للخلائق، وإنما جعل له الملك على بني إسرائيل فقط. وقد علمتم أن من يسمى بابن الله كثير لا يحصون، فمن ذلك إقراركم بأنكم جميعًا أبناء الله بالمحبة.
وقول المسيح: «أبي وأبيكم وإلهكم وإلهنا» في غير موضع من الإنجيل، ثم تسميته لآل يعقوب وغيرهم بنيه خصوصًا، فالسبيل في المسيح إذا لم تلحقوه في هذا الاسم بجماهير الناس، أن يجري في هذه التسمية مجرى الجماعة الذين اختصوا بها من الأنبياء.
ونسبة الملك إياه إلى أبيه داود تحقق أن أباه داود، وأن التسمية الأولى على جهة الاصطفاء والمحبة، وأن حلول الروح عليه على الجهة التي قالها متى التلميذ، وأن التسمية الأولى التي هي أنه ابن الله إنما وردت فقط على جهة الاصطفاء، وإلا فهو من الناحية النسبية يعود إلى أبيه داود من جهة أمه.
وإن حلول الروح عليه على الجهة التي قالها متى التلميذ للشعب عن المسيح في الإنجيل: «لستم أنتم متكلمين بل روح الله تأتيكم تتكلم فيكم»، فإنه أخبر أن الروح تحل في القوم أجمعين وتتكلم فيهم. وقال الملك في بشارته لمريم بالمسيح عليه السلام إنه يكون ملكًا على آل يعقوب، فخص آل يعقوب بتملكه عليهم دون غيرهم من الناس، ولم يقل إنه يكون إلهًا للخلائق.
ومعنى قول جبريل عليه السلام لمريم: «ربنا معك»، مثل معنى قول الله عز وجل لموسى وغيره من الأنبياء: ﴿إِنِّي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وليس «ربك معك» بمعنى حلول فيك، بل «ربك معك» يعني يؤيدك وينصرك. المعية هنا بمعنى النصر والتأييد وليس الحلول والاتحاد، فقد قال ليوشع بن نون: ﴿إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ كَمَا كُنتُ مَعَ مُوسَى﴾ [طه: 40]. فقول النصارى كلهم في مجال لغتهم ومعاني ألفاظهم أن الله عز وجل وروح القدس مع كل خطيب وراهب وفاضل في دينه على هذه السبيل.
وأما النداء الذي سمعه يحيى بن زكريا من السماء في المسيح وشهادة يحيى له، فإن متى قال في إنجيله إن المسيح عليه السلام لما خرج من الأردن تفتحت له السماء، فنظر يحيى إلى روح القدس قد نزلت على المسيح كهيئة حمامة، وسمع النداء من السماء: «إن هذا ابن الحبيب الذي اصطفيته». وقد علمنا وعلمتم أن المصطفى مفعول والمفعول مخلوق، وليس يستنكف المسيح عليه السلام من الاعتراف بذلك في كل كلامه، وما زال يقول: «إلهي وإلهكم»، وكل ما يصحح به أنه عبد مرسل، مربوب، مبعوث، مأمور، يؤدي ما سمع ويفعل ما وُكل إليه. ونحن نشرح هذا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم قال: وقد وجدنا المسيح عليه السلام احتاج إلى أمر بمعمودية يحيى له، فصار إليه لذلك وسأله إياه. وقال لوقا التلميذ في إنجيله إن يحيى المعمداني أرسل إلى المسيح بعد أن عمده وسأله: «أأنت الذي تأتي أم ننتظر غيرك؟»، فكان جواب المسيح لرسله أن يرجعوا فأخبروه بما...
ترون من عميان يبصرون، وزمن ينهضون، وزمن مقعدين، وصم يسمعون؛ فطوبى لمن لم يغتر به، أو يذل في أمره.
قال: فوجدنا يحيى مع محله وجلال قدره عند الله عز وجل، ثم ما شهد به للمسيح عليه السلام، أنه ما قامت النساء عن مثله، قد شك فيه فاحتاج إلى أن يسأله عن شأنه، ثم لم يكن من جواب المسيح عليه السلام بشيء مما تصفون من الربوبية، ولا قال: إني خالقك وخلق كل شيء كما في شريعة إيمانكم، بل حذر الغلط في أمره والاختراع؛ قال: من لم يزل في أمري، حذاري من يذل أحد في أمري، إن عيسى ما قال إني خالق ولا إله، بل حذر أن تُطرى كما لا تطروني كما أطرت النصارى.
قال: ولا كان من قوله أكثر مما ذكر، أنه أظهر بنبوته من هذه الآيات التي سبق إلى مثلها أكثر الأنبياء. قال: ولا رأينا يحيى زاد في وضعه إياه لما قرضه وأعلى ذكره مع تشككه في أمره وحاجته إلى مسألته عن حاله، على أن قال: هو أقوى مني، وإني لا أستحق أن أحمل معقيد خفه، ولم يقل إنه خالقي. وقد يقول الرجل الخير في من هو دونه، مثل الذي قال يحيى فيه تواضعًا لله وخشوعًا، كما قال المسيح في يحيى: «إنه ما قامت النساء عن مثله».
قال: فتركتم ما أتت به الرسل ونبوات في المسيح، وهو أصلكم الذي وقع عليه بناؤكم، وجعلتم لأنفسكم شريعة غيرها. ومثل الذين عقدوا هذه الشريعة لكم مثل من آمن بنبوة رجل ينتفي من النبوة؛ لأن المسيح عليه السلام يقول إنه مربوبه مبعوث، ويقول جبريل إنه مكرم مصطفى، وأن أباه داوود، وأن الله جعله ملكًا على بني يعقوب، وينادي منادي من السماء بمثل ذلك، ويشهد يحيى بن زكريا على مثله، وتقولون بل هو خالق أزلي! إلا أنه يستر نفسه ويقول المسيح وغيره ممن سمينا إنه معطى وأن الله معطيه، وتقولون بل رازق النعم وواهبها! ويقول إن الله أرسله، وتقولون بل هو الذي نزل لخلاصنا، وتعتقدون سبب نزوله من السماء أنه أراد أن يخلصكم ويحتمل الخطيئة ويربط الشيطان.
فقد وجدنا الخلاص لم يقع، والخطيئة قائمة لم تزل، والشيطان أعتى ما كان يربط؛ قال: بل سلطه الله عليه على ما تقولون، فحصره في الجبل أربعين يومًا يمتحنه، وقال له في بعض أحواله معه: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزًا، فقال له المسيح مجيبًا له: ﴿إِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ﴾ [متى: 4: 4].
ثم ساقه الشيطان إلى مدينة بيت المقدس، وأقامه على قمة الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فارمِ بنفسك من ها هنا، فإنه مكتوب: ﴿إِنَّهُ سَيُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ * عَلَى الْأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ﴾ [متى: 4: 11-12]، قال: يسوع ومكتوب أيضًا: «لا تجرب الرب إلهك». ثم ساقه إلى جبل عالٍ وأراه جميع مملكات الدنيا وزخارفها، وقال له: إن خررت على وجهك ساجدًا لي جعلت هذا الذي ترى كله لك، قال له المسيح: «اغرب أيها الشيطان، فإنه مكتوب: اسجد للرب إلهك، ولا تعبد شيئًا سواه». ثم بعث الله عز وجل ملكًا اقتلع العدو من مكانه ورمى به في البحر، وأطلق السبيل للمسيح.
قال: وقال: أفلا يعلم من كان في عقله أدنى مسلك أن هذا الفعل لا يكون من شيطان إلى إله؟ ولو كان المسيح إلهًا لأزاله عن نفسه قبل أن يأتيه الملك من عند ربه، ولما قال: «أمرنا ألا نجرب الله، وأن نسجد لرب ولا نعبد شيئًا سواه»، وكيف لم يربط الشيطان عن نفسه قبل أن يربط عن أمته؟ فهذه أمور إذا تأملها المتأمل قبحت جدًا، وكثر اختلافها، واشتد تناقضها واضطرابها.
قال: ومما يعجب منه أنكم تعتقدون أن الألوهية الأزلية اتحدت بالمسيح فصارا بجهة واحدة ولم يفارقه قط منذ اتحد به، ومكث على ذلك في بطن أمه تسعة أشهر، ثم أقام مولودًا وتغذى باللبن ومربوبًا صبيًا مغذى بالأغذية إلى أن بلغ ثلاثين سنة. لا يظهر منه شيء من ألوهية الربوبية، ولا أمر يوجب هذا المحل، ولا كان بينه وبين النظراء من آدميين فرق، ولا سطع منه نور، ولا ظهرت له سكينة، ولا حافت الملائكة بالتهليل، ولا ألهم الشعث بعد ذلك فوق ما كان من الأنبياء قبله.
فقد كلم الله موسى من العوسجة كيف شاء، فأشرق ما حولها نورًا، وكلمه من طور سيناء فاضطربت في الجبل النيران، والتبس وجهه بالنور الساطع حتى كان يتبرقع إذا جلس مع بني إسرائيل بعد ذلك؛ لأنهم كانوا لا يستطيعون النظر إليه. ثم سأل موسى ربه عز وجل لما قرن منه فقال: ربي أرني أنظر إليك، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا، وخشع موسى صعقًا، فلما أفاق من صعقته استغفر ربه فتاب عليه.
وتجلى مجد الله لجماعة من الأنبياء فرأوا حول مجده ربوات الملائكة، وقال داوود: يا رب، إنك حيث عبرت ببلاد سنين تزلزلت الأرض منك وانفطرت من هيبتك. وقال أيضًا كالمخاطب للبحر والجبال والمتعجب منها: ما لك أيها البحر هاربًا؟ وأنت يا نهر الأردن لما وليت راجعًا؟ وما لك أيتها الجبال تفرين كالابيل؟ وما لك أيتها الشوامخ والهضبات تنزو نزو الشياه؟ ثم قال كالمجيب عنهم من قدام الرب: تزلزلت البقاعة.
فإن كان المسيح هو الأزلي الخالق أو كان متحدًا به، فكيف لم ترجف بين يديه الجبال، ولم تتصرف عن مشيئته الأنهار والبحار؟ أو كيف لم تظهر منه آيات باهرات أجل من آيات الأنبياء قبله، مثل المشي على...
متون الهواء والاضطجاع على أكتاف الرياح، والاستغناء عن الأكل والمشارب، وإحراق من قرب منه من الشياطين والجن، كما أحرق إيليا من قرب منه. يُقال في الحاشية: هو أحاب ابن عمري ملك بعلبك في لبنان زمن إيليا أو إلياس عليه السلام، كان مسرًا في قتل الأنبياء.
قال: ﴿وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ الْابْنَ إِنَّمَا﴾. هو اسم شخص، كما أحرق إيليا هذا، من قرب منه الجندي أحاب. يقول: ﴿وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ الْابْنَ إِنَّمَا يُسَمَّى ابْنَ اللَّهِ﴾، وكلامه لأنه تولد من الآب وظهر منه، فلم نقف على معنى ذلك؛ لأن شريعة إيمانكم تقول إن الروح أيضًا تخرج من الآب، فإن كان الأمر كما تقولون فالروح أيضًا ابن لأنها تخرج عن الله تعالى، وإلا فما الفرق بينهما؟
قال: ولم نفهم أيضًا قولكم إن الابن تجسد من روح القدس، وإن روح القدس ساقه إلى البر ليمتحنه الشيطان؛ فما كانت حاجة الابن إلى أن تكون الروح -وهي في قولكم مثله- تدبره وتغيره من حال إلى حال؟ أوما علمتم أن الغير السابق المغير السابق المدبر فاعل، والمسبوق المدبر مفعول به؟ وأنتم تقولون إن عيسى هو نفس روح القدس واتحدت به، فكيف تكون روح القدس هي التي تقوده؟ فالابن إذًا دون روح القدس وليست كمثله كما تزعمون؛ لأن الأزلي لا ينفك من الأزلي وهو مثله.
قال: وإن كان المسيح من روح القدس كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلما سميتموه ابنه ولم تسموه روحه؛ فإنما قال له الملك: ﴿إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ﴾، والروح غير الذي، ولو كان المعنى واحدًا لما قالت الشريعة إنه تجسد من روح القدس، وإن روح القدس ساقه إلى البر، وإن روح القدس نزل عليه، ولما تثلثتم به في إيمانكم فتقولون: نؤمن بالآب والابن والروح القدس.
قال: ﴿وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ﴾ أيتها النسطورية: إن لله علمًا وحكمة هما الابن وحياة هي الروح، قديمين، ولعلمه وحياته ذات كذات الله؛ وذلك أن علم الله له علم وحياة، ولحياته التي هي روحه علم وحياة. وإن الله الآب لما رأى استيلاء العدو على خلقه ونوك الأنبياء عن مناواته، أرسل إليه ابنه الفرد وحبيبه، وجعله فداء ووفاء للناس أجمعين، وإن ابنه نزل من السماء وتجسد من الروح القدس وصار إنسانًا، ثم ولد ونشأ وعاش ثلاثين سنة يتقلب بين بني إسرائيل كواحد منهم، يصلي في كنائسهم ويستن بسننهم، قال: لا يدعي دينًا غير دينهم، ولا ينتحل رسالة ولا نبوة ولا بنوة، حتى إذا انقضت تلك السنون أظهر الدعوة وجاء بالآيات الباهرة والبراهين المشهورة، فأنكرته اليهود وقتلته وصلبته، ثم صعد إلى السماء.
قال: وصدقتم بشريعة الإيمان وكفرتم من خالفها، ثم لم تلبثوا أن خلعتموها وانسلختم منها، وقلتم إن المسيح جوهران وأقنومان؛ جوهر قديم وجوهر حديث، ولكل جوهر أقنوم على حياله، وإن الله جوهر قديم يقوم بمعنيين، فهو واحد يقوم بثلاثة معان وثلاثة لها معنى واحد، كالشمس التي هي شيء واحد ولها ثلاثة معان: القرص والحر والنور. فالمسيح هو الله وهو مبعوث، غير أنه ليس بعبد، فكان معنى قولكم هذا أن المسيح مولود ولكنه ليس مفعولًا به، وهو مبعوث مرسل، لكنكم تستحيون أن تسموه رسولًا إذ كنتم لا تفرقون بين الله وبينه في شيء من الأشياء.
وأقبلتم على الملكانية واليعقوبية بالتكفير واللعن لقولهم إن الله والمسيح شيء واحد، ثم لم تلبثوا أن قدمتم المسيح على الله تبارك وتعالى وبدأتم به في التمجيد، ورفعتم إليه تهاليلكم ورغائبكم في أوقات القرابين خاصة، وهي من أجل صلواتكم وأفضل محافلكم عندكم، فإنه يقوم الإمام منكم على المذبح من مذابحكم وأهله مرعوبون، فتتوقعون نزول روح القدس بزعمكم من السماء بدعائه، فيفتح دعاءه فيقول: «ليتم علينا وعليكم نعمة يسوع المسيح ومحبة الله الآب ومشاركة الروح القدس إلى دهر الداهرين»، ثم يختم صلاته مثل ذلك.
فهذا تصريح بالشرك وتصغير لعظمة الله وعزته أن جعلتم النعم والمواهب لمن هو دونه، وهو معطى ومخول من عند الله على قولكم، وجعلتم لله بعد المسيح محبة، قال: ولروحه مشاركة. قال: ووجدناكم قد عبتم على اليعقوبية قولهم إن مريم ولدت الله، عز الله وجل عن ذلك. وفي شريعة الإيمان التي بيناها، المجتمع عليها، هذه هي الأمانة في شريعة الإيمان التي قرأناها قبل شوي: أن المسيح إله حق وأنه ولد من مريم، فما معنى المنافرة؟ وما الفرق؟ وما تنكرون من قولهم إن المقتول المصلوب هو الله؟ عز الله وجل عن ذلك.
يعني كلامكم لا يخرج عن كلام اليعقوبية في النهاية. وشريعة إيمانكم تقول: نؤمن بالرب المسيح الذي من خبره وحاله الذي ولد من مريم وتألم وصلب على عهد الملك بيلاطس النبطي، قال: ودفن وقام في اليوم الثالث؛ أليس هذا إقرارًا بمثل قولهم؟ فتدبروا هذا القول يا أولي الألباب، فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله، فإن مريم عندكم ولدت الله، وإن قلتم إنه إنسان، فإن مريم ولدت إنسانًا وبطلت الشريعة، فأي القولين اخترتموه ففيه نقض دينكم.
ثم عبتم على الملكية قولهم إنه ليس للمسيح إلا أقنوم واحد، لأنه صار مع الأزلي الخالق شيئًا واحدًا لا فرق بينهما، وقلتم بأن له أقنومين، لكل جوهر أقنوم على حياله، ثم لم تلبثوا أن رجعتم إلى مثل قولهم، فقلتم إن المسيح -وإن كان مخلوقًا من مريم- بعثًا فإنه هيكل لابن الله الأزلي، ونحن لا نفرق بينهما. فإذا كان الأمر عندكم على هذا، فما تنقمون على الملكية؟ وما معنى الافتراق وقد رجعتم في الاتحاد إلى مثل قولهم؟ إن هذا الأمر تحار فيه الأفهام.
فإن كانت الشريعة بمعنى الأمانة عندكم حقًا، فالقول ما قال يعقوب، وذلك أن إذا ابتدأنا من الشريعة في ذكر المسيح ثم نسقنا المعاني نسقًا واحدًا، وإن انحدرنا فيها إلى آخرها، وجدنا القوم الذين ألقوها لكم قد صححوا أن يسوع المسيح هو ابن الله وهو بكر الخلائق كلها، وهو الذي ولد من مريم ليس بمصنوع، وهو إله حق من جوهر أبيه، وهو الذي أتقن العوالم وخلق كل شيء على يده، وهو الذي نزل خلاصكم فتجسد وحملته مريم وولدته وقتل وصلب، فمن أنكر قول اليعقوبية لزمه أن ينكر هذه الشريعة التي تشهد بصحة قولهم، قال: ويلعن من ألهاها. وإنما أخذت تلك الطائفة هذه الشريعة التي أقصد الأمانة.
الذين من أنكر قول اليعقوبية، لازم أن ينكر هذه الأمانة التي تشهد بصحة قولهم، ويلعن من ألف الأمانة هذه. قال: وإنما أخذت تلك الطائفة -الذين وضعوا الأمانة بكلمات مشكلات وذكروا أنهم وجدوها في الإنجيل- قال: تأولت فيها ما وقع بهواها، وترك ما في الإنجيل من الكلام البين الواضح الذي يشهد بعبودية المسيح وشهادته بذلك على نفسه وشهادة تلاميذه به؛ فأخذت بالمشكل اليسير وجعلت له ما أحبت من التأويل، وألغت الواضحة الكثيرة التي لا تحتاج إلى تأويل.
قال: فأما احتجاجكم بالشمس وأنها شيء واحد له ثلاثة معان، وتشبيهكم ما يقولون في الأقانيم الثلاثة بها، فإن ذلك تمويه لا يصح؛ لأن نور الشمس لا يحد بحد الشمس، وكذلك حرها لا يحد بحد الشمس، إذ كان حد الشمس جسماً مستديراً. والحد هو التعريف، ما هو تعريف الشمس؟ هو جسم مستدير مضيء، مسخن، دائرة في وسط الأفلاك دوراناً دائماً، ولا يتهيا أن يحد نورها وحرها مثل هذه الصفة.
قال: ولا يقال إن نورها أو حرها جسم مستدير مضيء مسخن، فنور الشمس وحرها ليس جسماً مستديراً مضيئاً مسخناً دائم الدوران، ولو كان نورها وحرها شمساً حقاً من جوهر الشمس -كما قالت الشريعة في المسيح إنه إله حق من إله الحق من جوهر- لكان ما قلتم له تاماً، والأمر مخالف لذلك. فكل الأقيسة التي تقيسون بها وتحاولون إقناعنا أنها فكرة معقولة مثل الشمس يخرج منها نور وشعاع؛ هذا لأنك هنا تتحدث عن جوهر من جوهر، أما الشمس والحرارة فشيء آخر.
قال: ووجدناكم تذكرون أن المسيح نزل من السماء فأبطل بنزوله الموتى والآثام، فإن العجب لا يطول من هذا القول، وأعجب منه من قبله ولم يتفكر فيه. قال: ومن لم يستقبح أن يعتقد ديانة لله تبارك وتعالى على مثل هذا القول المحال البائن عما تشهد به العقول وتنبئ به المشاهدة ويدعو الناس إليها، فما هو ببعيد عما هو أمحل وأبطل منها؛ لأنه إن كانت الخطيئة قد بطلت بمجيئه، فالذين قتلوه إذاً ليسوا خاطئين ولا ماثومين، لأن لا خاطئ بعد مجيئه، وكذلك أيضاً الذين قتلوا حواريه وأحرقوا أسفاره غير خاطئين.
وكذلك ما نراه من جماعتكم منذ ذلك الدهر إلى هذا الوقت يقتل ويسرق ويزني ويلوط ويسكر ويكذب ويركب كل ما نهي عنه من الكبر وغيرها غير خاطئين ولا ماثومين. فمن جحد ذلك فليرجع إلى التسبيحة التي تقرأ عقب كل قربان، وهو: «يا ربنا الذي غلب بوجعه الموت الطاغي»، وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من الفصح: «أن فخرنا بالصليب الذي بطل به سلطان الموت وصرنا إلى الأمن والنجاة بسببه». وفي بعض التسابيح بصلوات ربنا يسوع المسيح: «بطل الموت وانطفأت فتن الشيطان ودرست آثارها». فأي خطيئة بطلت، وأي فتنة للشيطان انطفأت، أو أي أمر كان الناس عليه قبل مجيئه من المحارم والآثام تغير حاله؟
قال: فإذا كان التمويه يقع فيما يلحقه كل أحد بالمعرفة والبيان، فهو فيما أشكل من الأمور وفعل بالتأويلات التي تأولها أولئك المتأولون أوقع. قال: وإذا كنتم قد قبلتم هذا المحال الظاهر الذي لا خفاء به عن الصبيان، فأنتم لما هو أعظم منه من المحال أقبل. وهذا إنجيلكم يكذب هذا القول حيث يقول المسيح فيه: «ما أكثر من يقول لي يوم القيامة: يا سيدنا، باسمك أخرجنا الشيطان! فأقول: اغربوا عني أيها الفجرة الغاوون، فما عرفتكم قط». وبالتالي هذا يدل على أن المعصية بقيت فيكم بعده، فكيف أنه جاء فرفع الآثام؟ هو يقول لأتباعه أو للناس الذين كانوا أصلاً يتبعونه: «اغربوا عني أيها الفجرة»، وهذا خلاف قول علماء مائكم وما قالوا ووضعهم لكم.
شيخنا، ما معنى «باسمك أخرجنا الشيطان»؟ يعني نحن طردنا الشيطان والآثام باسمك، فقال: «اغرب عن وجهي». قال: ومثله قوله: «إني جامع الناس يوم القيامة عن ميمنة وميسرة، وقائل لأهل الميسرة: إني جعت فلم تطعموني، وعطشت فلم تسقوني، وكنت غريباً فلم تؤووني، ومريضاً فلم تعودوني، فاذهبوا إلى النار المعدة لكم من قبل تأسيس الدنيا. وأقول لأهل الميسرة: فعلتم بهذه الأشياء، فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم من قبل تأسيس الدنيا». فهل أدخل أولئك النار إلا خطايا كبوها؟ وهل أصار هؤلاء إلى النعيم إلا أعمالهم الجميلة التي قدموا؟ فمن قال إن الخطيئة قد بطلت بنزول المسيح فقد بهت وخالف قول المسيح وكان من الكاذبين.
نقف اليوم عند هذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يا رب اللهم يسر.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل