دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (12) | المجلس الرابع والثلاثون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. بسم الله. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم بكل خير. الصوت جيد، أكد على اليوتيوب.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ولنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم يا رب ثبتنا على طلب العلم وتحصيله، اللهم ثبتنا على طول هذا الطريق وآلائه، ونسألك اللهم الإخلاص والقبول والثواب العظيم.

يذكر الإنسان أهمية الصبر على طلب العلم وتحصيله، دائماً هذه من المعاني التي إذا كسدت في حياة طالب العلم بدأ يلهث ويتعب في طلب العلم ويمل ويتجر. ولكن كلما عرف ثواب مجالس العلم وما أعد الله سبحانه وتعالى لطالب العلم عنده من الثواب العظيم، وفي مجالس العلم ينزل فيها من البركات والخيرات، إلى غير ذلك من المعاني الأخروية، ثم بعد ذلك ما يستفيده من المعاني الدنيوية التي به صلاح هذه الدنيا، يبقى الإنسان بهذه المعاني يحمس نفسه ويحفزها على الصبر على طول الطريق وطول الكتب وطول المصنفات.

لو كان طالب العلم كلما سأم ترك ما أعد طلب العلم، لأن هذا الطريق طويل وفيه كثير من المصنفات والكتب وتحتاج إلى مجالس؛ فيجب أن يصبح نوعاً من العادة، نوعاً من نمط الحياة، أن هناك مجالس وهناك فوائد وهناك قراءة وهناك كتب يجب أن تنهى، وهناك عمر لابد أن يمضي في طلب العلم. ثم إن شاء الله في نهاية الحياة يحمد المرء نفسه كما يقولون، لما تصل إلى نهاية الحياة إذا وفقك الله إلى حياة مليئة بالمجالس العلمية والكتب والمصنفات تقول: والله نوع من الرضا. لن يرضى الإنسان عن نفسه تماماً، أنه سيبقى مقصراً في حق ربه سبحانه وتعالى، لكن على الأقل إذا ربنا أعطاك عمراً وعشت إلى السبعين أو الستين تبقى تشعر بأن العمر مضى بأشياء نافعة.

بخلاف الذي يبقى يعيش إلى الستين فإذا به ينظر إلى شريط الحياة يجد أن شريط الحياة ما فيه شيء حقيقة ذا قيمة، إنما جالس على شاشات التلفاز أو شاشة السوشيال ميديا أو المجالس العامة والخاصة وكذا وسواليف، كما يقولون، ومضت الحياة ومضت هذه الفرصة العظيمة التي منحها الله عز وجل إياها دون أن يمر على درر كلام العلماء وما فيه من الفوائد وما فيه من الصلاح. فعليك دوماً أن تتعلم كيف تقوي نفسك، عليك أن تتعلم دوماً كيف تقوي نفسك وكيف لا تكون إذا مللت تركت؛ لأنه هو الشيطان يأتيك من هذا الباب.

ويقول لك خاصة الإخوة الذين ليس عندهم نفس قراءة الكتب، عندهم نفس التقليب السريع، هو يظن أنه في كل صفحة وفي كل كتاب سيجد مليئة بالفوائد ومليئة بالأشياء الجديدة، إذا شعر مثلاً أن الكتاب الذي هو فيه، خاصة بهذه الكتب الدسمة التي تكون أربع أو خمس مجلدات، أصبح الكتاب مثلاً هنا صار لك مائتين أو ثلاثمائة صفحة رتيبة هادئة، نقاش في قضية قد لا تكون بالنسبة لنا قضية أساسية، فيبدأ يشعر بماذا؟ أنه لا بد أن ينظر في كتاب آخر. ترى كل الكتب الشرعية الطويلة هكذا عموماً، أنت لا تظن أن كل كتاب ستجد في كل صفحة متعة وقصة وحكاية وسالفة وقواعد، وبالتالي يصير يشعر: خلاص خليني أشوف كتاباً آخر.

ترى كل الكتب الأخرى هكذا، الكبرى تمر عليك بعض الصفحات أو حتى ممكن مجلد كامل تستفيد منه فائدتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً؛ لأنه في النهاية هذا ليس كلام رب العالمين، هذا كلام علماء، وبالتالي العالم قد يطيل في جزئية أنت قد ترى أن الإطالة فيها أصلاً غير لازمة، أو يريد أن يحشد بالإطالة والإطناب الذي قد لا يكون هو الأبلغ والأفصح دائماً، لكن كل عالم له طريقته ونمطه، قد يكون له هدف بالنسبة له في زمنه مهم، وبالنسبة لك أنت في ضمن أبحاثك أو ما تهدف إليه غير مهم. فكل هذه الأمور هي التي تحتاج إلى أن يتعود الإنسان الصبر حتى يحصل ويجني.

والله عز وجل سبحانه وتعالى بعد ذلك إذا أراد بهذا العبد خيراً وفقه وأعطاه همة ونفساً طويلاً، وإذا الله عز وجل لم يرك أهلاً لهذا الطريق صرفك بأدنى الصوارف، لا أقول حتى بأعلى الصوارف بل بأدنى الصوارف؛ تصرف عن العلم تجد نفسك خلاص اليوم ما عندي همة، اليوم أنا مشغول بشيء معين، فيؤدي ذلك إلى نمط أنك تفرط ولا تعود تهتم إلا بالسطحيات، ولست فعلاً إنساناً يمكن أن يُركن عليك أو تكون من علماء الأمة، بمعنى أنه عالم قرأ وتعب. فالله عز وجل يثبتكم لهذا الطريق.

وصلنا مع ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، ما زال ابن تيمية يناقش قضية وهي القضية الأكبر حقيقة في العقيدة النصرانية، قضية الأقانيم الثلاثة: الآب والابن وروح القدس، وكيف حاول بولس الأنطاكي أن يستدل بقضية أن يثبت أن قضية الآب والابن وروح القدس أنها قضية وردت في الكتب الإلهية وأن عليها أدلة منطقية ونقلية كثيرة. فابن تيمية الآن في كل هذه الصفحات يفند كل ما حاول بولس الأنطاكي أن يستدل به على هذا الموضوع.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنهجِه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين وللمستضعفين من المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: فصل: قالوا وقال حبقوق النبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ﴾، وقال إن الله في الأرض يتراءى ويختلط مع الناس ويمشي معهم، يتراءى يعني كانوا يتراءون، وقال إرميا النبي: إن الله بعد هذا في الأرض يظهر ويتقلب مع البشر، فيقول: أنا الله رب الأرباب.

هو بولس الأنطاكي بهذه النصوص يحاول أن يقول لك إن الأنبياء السابقين يخبرون أن الله عز وجل يُرى في الأرض، فلماذا تستبعدون فكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت؟ إذا كان الأنبياء يقولون إن الله يتراءى في الأرض ويختلط مع الناس، وإذا كان إرميا النبي يقول إن الله يظهر في الأرض، إذاً فكرة أن اللاهوت يتحد بالناسوت -وهو الذي يقصدونه باتحاد الإله بعيسى بن مريم- إذاً فكرة أشار إليها الأنبياء السابقون وأوموا إليها من خلال مبدأ ظهور الله في الأرض. فالآن ابن تيمية يريد أن يقول: هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يمكن أن نفسر ظهور الله في الأرض بمعنى صحيح؟ نعم، هي مرت معنا في المجلس السابق، يجوز أن نقول ظهر الله في الأرض لكن...

المراد ظهر نوره، أو ظهر كتبه، أو ظهر دينه. فهذه النصوص إذا كانت صحيحة عن الأنبياء السابقين، فليس المراد الظهور للذات، وإنما المراد ظهور نوره وعلمه ووحيه وما شابه ذلك. فنحن إذا قرأنا هذا الكلام في الكتب السابقة لا نستعجل في التكذيب، ولا نعتقد مباشرة بمجرد قراءة طالب العلم لهذا الكلام أنه مستحيل، لأنه يمكن أن يحمل على معنى صحيح ليس هو المعنى الذي يريد النصارى أن يحملوه عليه الآن. وهذه طريقة ابن تيمية في أنه يعلمك التروي.

قال: والجواب أن هذا يحتاج إلى تثبيت نبوة هذين، وإلى ثبوت النقل عنهما، وثبوت الترجمة الصحيحة المطابقة، وبعد هذا يكون حكم هذا الكلام حكم نظائره في التوراة، ما هو من هذا الجنس، ولم يدل ذلك باتفاق المسلمين واليهود والنصارى على أن الله حل في موسى ولا في غيره من أنبياء بني إسرائيل. إذا هي القاعدة العامة؛ أول شيء ثبت لنا أن هذا حزقيا وإرميا أنبياء، وهي أول قضية، نحن ما عندنا معلومات صحيحة عن أنهما أنبياء، ثم بعد ذلك صحة الترجمة وأنها مطابقة للغة، بعدين بنتناقش أنا وإياك في النص. وهذه الديباجة ابن تيمية سيعتمدها في كل ما هو قادم من النصوص التي سيأتي بها بورس الأنطاكي؛ صحة الترجمة، وصحة كذا، أول شيء هذا كلياته ببحث، بعدين إذا صح كل شيء نتناقش في النص.

قال: بالقول يتراءى هو بمنزلته ويتجلى ويظهر. يتراءى بمعنى يتجلى. قال: وقد ذكر في التوراة أنه تجلى وتراءى لإبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام من غير أن تكون ذاته حلت بأحد منهم. وما في القلوب من المثال العلمي ومعرفته ومحبته وذكره يطلق عليه ما يطلق على المعروف بنفسه، لعلم الناس أن المراد به المثال العلمي.

المثال العلمي مرت معنا هذه العبارة في الدرس الماضي، أن نقول: ولله المثل الأعلى. المثال العلمي حين نقول: الله سبحانه وتعالى حل في قلب فلان، ما المراد بحل في قلب فلان؟ مثاله العلمي يعني معرفته حلت في قلبك ومحبته، فمعرفة الله في القلب ومحبته ومعرفة أسمائه وصفاته تسمى المثال العلمي، ويعبر عنها بأن الله حل، أينما قلت: أين الله في قلبك؟ المراد مثاله العلمي وليس المعروف ذاته، كما قال: ليس هو ذاته في قلبك، إنما المراد معرفته ومحبته وإيمانك به وما شابه ذلك.

قال: وما في القلوب من معرفته المعروف ومحبته، ليس المراد به نفس المعروف المحبوب، المعروف يستعمل كلمة المعروف بمعنى ذات الإله، المراد بالمعروف هنا نفس الذات، وما في القلوب من معرفة المعروف ومحبته ليس المراد به نفس الذات التي هي المعروف المحبوب الله، وإنما المراد كما قلنا محبته وعلمه.

قال: فإذا قال القائل: أنت والله في قلبي، أو في سويداء قلبي، أو قال: والله ما زلت في قلبي أو ما زلت في عيني ونحو ذلك، علم جميع الناس أنه لم يرد ذاته. فإذا رأوا من يذكر عالماً مشهوراً أو شيخاً مشهوراً، فيذكر علمه وعمله، يحيي ذلك بين الناس، قالوا: قد صار فلان، يعني المعروف المذكور عندنا وبين أظهرنا، لعلم المخاطبين بالمراد.

لما نقول مثلاً في هذا المجلس، مجلس التراث، نقول: والله ابن تيمية بيننا، إيش قصدنا؟ ابن تيمية ذاته بيننا؟ لا، المراد علمه؛ لأننا نقرأه وأصبحنا نعيش معه، بالتالي يعبر على جهة التجوز أن نقول: أصبح ابن تيمية بيننا. فمثل هذه العبارات مألوفة، إذاً بالتالي لما نقول: الله في الأرض، ليس المراد ذاته، وإنما المراد علمه واطلاعه إلى غير ذلك من المعاني، وليس أنه موجود داخل جسد في الأرض أو داخل ذات معينة.

قال: ويقول أحدهم لمن مات والده: أنا والدك، أي قائم مقامه، ويقولون للولد القائم مقام أبيه: من خلف مثلك ما مات. وإذا رأوا عكرمة مولى ابن عباس الذي معه علمه، يقولون: جاء ابن عباس، عباس وابن عباس بين الناس؛ لأن مولاه نائب عنه وقائم مقامه. وإذا بعث الملك نائباً قائماً مقامه، يقولون: جاء الملك الفلاني؛ لأن هذا النائب قائم مقامه، مظهر لأمره ونهيه وأحواله.

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ يقول: «عبدي مرضت فلم تعدني»، فيقول العبد: يا رب كيف أعدك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «أما علمت أن عبدي فلان مريض فلم تعده؟ أما لو عدته لوجدتني عنده». «عبدي جعت فلم تطعمني»، يقول: يا ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي». «عبدي عطشت فعطشته فلم تسقني»، فيقول: ربي كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «أما علمت أن عبدي استسقاك فلم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي». فجعل جُوع عبده جوعه ومرضه ومرضه؛ لأن العبد موافق لله فيما يحبه ويرضاه ويأمر به وينهى عنه، وقد عرف أن الرب نفسه لا يجوع ولا يمرض، ومعلوم أن وصفه بالجوع والمرض أبعد من وصف المشي بين الناس الخاطب بهم، ولهذا نظائر كثيرة موجودة في كلام الأنبياء وغير الأنبياء من الخاصة والعامة. فلا يعقل من ذلك أن ذات المذكور اتحدت بالأخرى أو حلت فيه، إلا من هو جاهل كالنصارى.

والناس يرون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك في الماء الصافي وفي المرآة المجلوة ونحو ذلك، ويقول أحدهم: رأيت وجه فلان في هذه المرآة، أو الشمس والقمر في المرآة أو في الماء، مع علم كل عاقل أن نفس الشمس والقمر وغيرهما لم تحل لا في المرآة ولا في الماء، ولكن هذه رؤية مقيدة رآها بواسطة المثال الذي تمثل في المرآة أو الماء، سواء كان ذلك شعاعاً منعكساً أو غير ذلك. ومن هذا الباب قول القائل: إذا ظهر الغدير على صفائه. المهم فقد أخبر أن الله يرى في قلوب العارفين، يرى في قول عارفين كما ترى الشمس والنجوم في الماء الصافي، بل يتصور لأحدهم صورة، بل صورة صورة من يعرفه، فبحمرة أو خضرة أو سواد، فيقول: والله هذا هو فلان بعينه، مع العلم علم كل ما سمعه أنه مثال، مثاله المطابق لصورته لعينه، وذلك لممثله تلك الصورة لصورته، يريد أن هذا تمثيل مطابق له لا مخالف. ومن هذا قول النبي ﷺ.

«وسلم من رآني في فقد رآني حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورته». لم يرد أنه رأى جسدي الذي في القبر وروحي التي في الجنة، حاله في ذاته؛ فإن هذا ممتنع لوجوه كثيرة. هذا قال: «فإن الشيطان لا يتمثل بصورته».

ولما دخل جماعة من الصحابة على مقوقس ملك النصارى بمصر واستخبر عن دينهم فأخبره بذلك، فإذا عنده ربعة عظيمة مذهبه، وإذا في ربعة مثل حقيبة أو صندوق. الربعة مثل صندوق، مش النبي ﷺ كان لديه ربعة يضع فيها مشطة؟ فالربعة مثل صندوق كان من الذهب، بس كان صندوق عظيم عند المقوقس، وإذا فيها أبواب صغار ففتح منها. يعني كان كأنها مقسمة، هذا الصندوق العظيم كأنه كان مقسما لأقسام.

قال: ففتح منها بابا فاستخرج منه خرقة حرير سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل طوال أكثر الناس شعرا، فقال: «تعرفون هذا؟» قالوا له: لا، فقال: «هذا آدم». أهو بودي يقول لك؛ يعني شوف هذا الحديث، إن جماعة من الصحابة دخلوا على مقوقس ملك مصر، فخرج وجاب صندوقا، وكان هذا الصندوق مقسما أقساما، فأخرج لهم قطعة حريرة سوداء فيها صورة بيضاء؛ صورة مرسومة لرجل طوال كثيف الشعر، فقال: «تعرفون هذا؟» قالوا: لا، فقال لهم المقوقس: «هذا آدم». المراد أن صورته كانوا راسمينها على كذا.

ثم أعاد فتح باب آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل ضخم الرأس عظيم، له شعر كشعر النبط، أحمر العين، فقال: «تعرفون هذا؟» فقالوا: لا، فقال: «هذا نوح». ثم عاد، يعني هي صورة نوح، مش أن نوح نفسه جاء في الخرقة، يعني المراد صورة مرسومة لنوح عليه السلام.

ثم عاد فتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أبيض الرأس واللحية كأنه يبتسم، فقال: «تعرفون هذا؟» فقلنا: لا، فقال: «هذا إبراهيم». ثم عاد فتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فقال: «تعرفون هذا؟» قلنا: لا، فقال: «هذا النبي محمد ﷺ». قال: «والله هذا محمد رسول الله». كانت صورة موجودة على الحرير، فقال: «تعرفون هذه الصورة؟» قلنا: نعم. قال: «هذه صورة النبي ﷺ؟» قالوا: نعم. فقال: «هذا والله محمد رسول الله». فعلا، كانت صورة موجودة على الحرير.

قال: والله يعلم أنه قام ثم قعد، يعني مسرورا المقوقس أنهم عرفوه. ثم قال: «الله بدينكم إنه نبيكم»، قلنا: «الله بديننا إنه نبينا». الله بدينكم، هذه فعلا صورة نبيكم، المقوقس يريد أن يقول للعرب: فعلا هو هذا نبيكم، هكذا صورته.

هل هي بالفتح أم بالكسر؟ ممكن تكون تخيلها أنه: «عليكم بدينكم»، يعني تمسكوا به. أعتقد أنه يقسمهم يمينا؛ أقسم الله بدينكم، هذا نوع من أنواع القسم، مش أنه يحلفهم بدينهم.

قال: ثم قال: «أما إنه كان آخر الأبواب ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم». يعني الأصل يكون آخر الأبواب أنه هو آخر نبي، فالأصل أن تكون آخر صورة في الصندوق، لكن قال لهم المقوقس: أنا تعمدت فتح هذا الصندوق قبل موسى وعيسى، حتى أشوف أنتم رح فعلا عارفين واثقين من الكلام ولا لا، كيف أقول لك إني أنا أخادع في الصور حتى أتأكد أنك تتحدث بعلم ولا لا؟

ثم عاد فتح بابا فقال: «هذا موسى، هذا هارون، هذا داوود، هذا سليمان، هذا عيسى». هذا كله لظهور المراد به ومعرفة الناس بقصد المتكلم، كما يقال لما كتب اسمه في كتاب. والمراد أن هذه الصور هي صور ليس فيها ذات الأنبياء، وإنما صورتهم فقط، شكلهم. ومعلوم أن الموجود في الكتاب هو اسمه المكتوب لا لذاته.

والخارج من هذا الباب يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [الأنبياء: 60]، وإنما في الزبر ذكر أعمالهم. ويقال في كتاب، وكل شيء فعلوه في الزبر؛ في الكتب السابقة أو في اللوح المحفوظ، المراد أن كل شيء فعلوه في اللوح المحفوظ مكتوب أنه سيحصل، وليس نفس الفعل موجود في اللوح المحفوظ.

هذا كله يحاول فيه ابن تيمية أن يعطيك أنه من أكبر الإشكالات، ترى هذه إشكالية فلسفية قديمة، قد تستغربها لكن فعلا كانت إحدى المشاكل الفلسفية الكبرى، أن البعض كان يتصور أن الأشياء الموجودة في الخارج تمام هي نفسها التي تكون موجودة في الكتب، في الفلسفة اليونانية، وكثير من الصوفية والمتكلمين تصوروا أن الأشياء التي لها حقائق في الخارج هي نفسها الموجودة داخل الكتب وعلى الألسن وفي السماء وما شابه ذلك. وهذا من الأمور الغريبة التي أفسدت تذوق العلماء للنصوص.

تفضل في نقاش؛ المتكلم يقول: يلزمكم إذا أثبتم الصفات أن تثبتوا قول: «لا تجري بأعين»، تثبتوا على الله. كثير من هذه النقاشات نفس الإشكالية؛ يقول لك إذا قلت إن الله له عين، إذا معناتها أن السفينة تجري في عيني وما شابه ذلك. لذلك تظهر أهمية اللغة العربية، ولماذا كان العلماء يركزون على أهمية اللغة وفهم سعتها في تجوزاتها، في كناياتها، في استعاراتها؛ لأن من لم يتذوق اللغة العربية ويعرف مجازاتها سيكون فهمه للقرآن فهم الأعاجم، فهم بورس الأنطاكي وجماعته الذين يريدون حمد القرآن على الطريقة الرياضية المنطقية وليس على الطريقة اللغوية الذوقية، وهذه مشكلة تفسد بها ذائقة الإنسان ويحمل النصوص على ما لم ترد عليه.

ويقال في كتابه: «هذا ما أصّدق فلان»، و«هذا ما يقاضى عليه فلان». يشار إلى الموجود تارة وإلى ذكره تارة. معلوم أن الموجود في الكتاب هو ذكره لا عينه، بل ذلك وجود الخط المطابق لذكره باللفظ، وشيء له وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان؛ وجود عيني وعلمي ورسمي ولفظي في البنان من خلال الخط.

قال: في كل من أربعة يذكرون، يشار إليهم؛ عقلائهم، والضمائر التي تبين تارة أن الإشارة إليه هو اللفظ المطابق للفظ، وتارة تكون الإشارة إلى اللفظ المطابق للمعنى. معلوم أن المعنى الذي في القلب أقرب إلى الموجود وجودًا في الخارج من اللفظ والخط. فإذا أشير إلى ما في القلب، العارف بعين المحب، له ذاكر له بأنه المعروف المحبوب، كان أقرب للإسماع.

وقد يغلب الذكر والمعرفة والمحبة على قلبه، حتى يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، حتى يقول أحد في هذه الحال: «سبحاني»، أو «ما في هذه الجبهة إلا الله». كما هذا كلام ابن الفارض وغيره، والحلاج الذي كان يقول: «ما في الجبهة إلا الله».

يعني ابن القيم رحمه الله في "طريق الهجرتين" لما أراد أن يعتذر للحلاج، إذا اعتذر له -يعني أكثر الاعتذارات أن يقول إنه ما في الجبهة إلا الله- المراد أن ما في الجبهة إلا محبة الله وإرادة الله. ولذلك لما تقول مثل ابن تيمية لأبي القيم: لماذا كان أبعد الناس عن التكفير وغيرهم أنهم يعرفون مثل هذه العبارات؟ يعني قد تكون ليس المراد بها ظاهرها حتى يكفر عليها صاحبها.

لما قال الحلاج أو الفارض أحدهم: «ما في الجبهة إلا الله»، كان لابس جبهة، فقال: «ما في الجبهة إلا الله». أنت الآن بعض الشباب الذين لديهم حماس للتكفير يكفرون مباشرة، لكن ابن القيم يضع كوابح، وقد يكون يقصد: ما في الجبهة إلا الله -مع المثال العلمي- وبالتالي هذا يصرف عنه التكفير. واضح أنه لا يقصد أن الله -والعياذ بالله- هو نفسه في الجبهة، وإنما مراده أن ما في قلبه وما في معناه.

قال: ومعلوم أن ذات الله تبارك وتعالى ليست هي التي في قلبه، بل في قلبه مثاله العلمي ومعرفته ومحبته، فغاب بذلك عن نفسه. وهذا وإن كان يقوله الغالط، فيقول من ليس بغالط: «الله في قلب فلان وفلان، ما عنده إلا الله»، و«من أراد الله فليذهب إلى فلان». وليس المراد أن ذات الله في قلبه، بل مثاله العلمي؛ معرفته وذكره ومحبته، وأنه لا يعبد إلا الله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يعمل إلا لله، وأنه لا يأمر بطاعته إلا بطاعته، فيفنى بعبادته عن عبادته ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، كما قيل في المسيح عليه السلام وأمثاله من هذا، فهو حق، لكن لا اختصاص للمسيح بهذا.

وإذا كان مثل هذا الكلام كثيرًا موجودًا في كلام الأنبياء وغيرهم، بل هو معروف في كلامهم، ولا يوجد قط عن أحد من الأنبياء أنه جعل ذات الله في قلب أحد من البشر. علم أن النصارى تركوا المحكم من كلام الأنبياء عليهم السلام وتمسكوا بالمتشابه، كأمثالهم من الضلال، فاشتبه عليهم المعلوم بالقلوب المذكور في اللسان بالموجود في نفسه؛ اشتبه عليهم ما هو معلوم في القلب ومذكور باللسان على الحقائق الموجودة في الخارج، وهي المشكلة التي حكينا عنها قبل قليل في الفلسفة.

قال: فظنوا أن نفس المثال العلمي هو الموجود العيني، كما يظن ذلك كثير من الغالطين. وهؤلاء يقولون بالحلول أو بالاتحاد، ولا يفرقون بين حلول الإيمان والمعرفة والمحبة والمثال العلمي في القلب، وبين حلول الذات؛ نفس الذات.

قال: ولهذا يعتقد كثير من هؤلاء أنهم يكلمون الله ويكلمهم، ويقول أحدهم: «أوقفني وقال لي وقلت له»، وتكون مخاطبته ونجاته مع هذا مثال علمي بحسب ما عندهم من اعتقاد في الله تعالى. وكثير منهم يتمثل الشيطان ويقول: «أنا ربك»، فيخاطبه بظنه ربه، وإنما هو شيطان. منهم من يرى عرشًا عليه نور أو يرى ما يظنه الملائكة وهم شياطين، وذلك الشيطان يظنهم ملائكة وهم شياطين.

قال: وكثير من هؤلاء يظن أنه أفضل من الأنبياء، وأنه يدخل إلى الله بلا إذن خلاف الأنبياء، ويكون ذلك الإله الذي يعتقده هو شيطان. والذين لا يتمثل لهم شيطان، يخاطب أحدهم من في قلبه، فتخاطبه تلك الصورة العلمية، ويقدر أنها تخاطبه، ويظن ذلك مخاطبة الحق له.

يعني مثلاً، هناك يكون مثال علمي لله في قلبك، فأنت تخاطب هذا المثال العلمي لله في قلبك في حالة الفناء الصوفي، فيصبح هو يخاطب هذا المثال العلمي، ويظن أنه خاطب الله ذاته، مع أنه هو يخاطب ما في قلبه من تصوره لأسماء الله وصفاته وجلاله، أو هو بسبب حاله الاستلاب هذه، يظن أنه يخاطب نفس الإله، وإنما هو يخاطب الذات.

قال: وهذا كالرجل يذكر بعض أصحابه، فيمثله في قلبه ويخاطبه مخاطبة من يعاتبه أو يعتذر إليه، ويقدر خطاب تلك الصورة فيقول: «قلت لك كذا وقلت لي كذا»، ونفس الشخص لا يكلمه ولا يسمع كلامه، وإنما هو المثال. كما قد يصور الإنسان صورة الإنسان ويخاطبها الإنسان ويقدر ذلك مخاطبة لصاحب الصورة. ومن مشكلات العشاق أنه يصير يتخيل ويتكلم مع محبوبته، وأنه: «أنا قلت لها كذا وهي قالت لي كذا»، فيصير حاله كحال واحد يتكلم مع نفسه أحيانًا، ويظن أنه خاطب محبوبته ومعشوقته، وهي إنما خاطب صورتها التي في ذهنه، فيظن أنه خاطبها هي، ولم تخاطبه هي الموجودة ربما في بلد آخر أو مكان آخر.

قال: والنصارى أدخلوا في هذا غيرهم، فإنهم يخاطبون الصور الممثلة في الكنائس، كصورة مريم والمسيح والقديسين، ويقولون: إنما نقصد خطاب أصحاب تلك الصور، نستشفع بهم. وهذا مما حرم الله على جميع النبيين، ولم يشرع لأحد أن يدعو الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين، فكيف بالصور الممثلة لهم؟ كما قد بسط في موضوع آخر.

والمقصود هنا أنه كثيرًا ما يوجد في كلام الناس والأنبياء وغيرهم من ذكر ظهور الله عز وجل، والمراد به ظهوره في قلوب عباده بالمعرفة والمحبة والذكر. ولهذا لما كان يقصد بذكر اسمه ذكر المسمى، صار يقول من يقول إن الاسم هو المسمى -أي أن المراد المقصود من الاسم هو المسمى لا أن نفس اللفظ هو المسمى- فإن هذا لا يقوله عاقل، وتنزيه للاسم وتسبيح للمسمى، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78].

وجاء في الحديث: «لا تقوم القيامة حتى لا يعبد لله اسم»، أي لا يعبد الله باسم من أسمائه؛ فإنه إذا قيل: «دعوت الله وعبدته»، فإنما في اللفظ الاسم والمقصود هو المسمى، هذا الذي ذكرناه من تفسير ظهور اللاهوت في...

المسيح وغيرهم بأن المراد ظهور ما في القلوب من توحيد الله ومعرفته ومحبته وذكر ونور وهداه، روحه هو مما يفسر به ذلك كثير من علماء النصارى؛ فإنهم يفسرون اتحاد اللاهوت بالناسوت بظهور اللاهوت فيه كظهور نقش الخاتم في الشمع والطين. ومعلوم أن الحال في الشمع والطين هو مثال لنقش الخاتم، تخيل أنه هناك طين وضعت عليه الختم ورفعت الخاتم، الآن صار الختم مطبوعاً على الطين، والموجود على الطين هو صورة نقش الخاتم وليس نفس النقش.

قال: وكذلك يظهر نور الله وروحه في الأنبياء والصالحين، وهذا المعنى لا يختص به المسيح عليه السلام، بل يشترك فيه هو وسائر الرسل، بل وكل مؤمن له من هذا نصيب بحسب إيمانه. فصل قال: وقال إشعياء النبي: ﴿هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوئِيلُ﴾ [إشعياء: 7:14]. وعمانوئيل كلمة تفسيرها بالعربي: «الإله معنا».

قال: فقد شهد النبي أن مريم والدت اللاهوت المتحد بالناسوت، فيقال: إذاً هذه العذراء التي هي مريم، انظر ماذا ينسب إلى إشعياء النبي، أنه يقول: مريم تحبل وتلد ابناً اسمه «عمانوئيل»، أي «الإله معنا»، فإذاً هي المسيح إله وهو معنا يعيش على كوكب الأرض.

قال: فيقال ليس في هذا الكلام أن مريم ولدت اللاهوت المتحد بالناسوت، وأنها ولدت خالق السماوات والأرض، بل هذا الكلام يدل على أن المولود ليس هو خالق السماوات والأرض؛ فإنه قال: ﴿تَلِدُ ابْنًا﴾، وهذا نكرة في الإثبات كما يقال: «فلانة ولدت ابناً»، فهذا دليل على أنه ابن من البنين ليس هو خالق السماوات والأرضين. ثم قال: ﴿وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوئِيلُ﴾، فدل بذلك على أن هذا اسم يوضع له ويسمى به كما يسمي الناس أبناءهم بأسماء الأعلام أو الصفات، وتلك الأسماء ما يكون مرتجلاً، ومنها ما يكون جملة يحكونها، ولهذا كثير من أهل الكتاب يسمي ابنه عمانوئيل.

ثم منهم من يقول: العذراء مرض بها غير مريم ويذكرون في ذلك قصة، ومنهم من يقول: بل المراد بها مريم على هذا التقدير، فيكون مراده أحد معنيين: إما أنه يريد أن «الإله معنا» بالنصر والإعانة، فإن بني إسرائيل كانوا قد خذوا بسبب تدنّي مستواهم، فلما بعث المسيح عليه السلام بالحق، كان الله مع من اتبع المسيح. والمسيح نفسه لم يبق معهم بالرفع إلى السماء، ولكن الله كان مع من اتبعه بنص، كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الروم: 55]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 54]، وهذا أظهر.

إما أن يكون يسمى المسيح إلهاً كما يقولون إنه يسمى موسى «إله فرعون»، أي هو الأمر الناهي له، وقد حرف بعضهم معنى هذه الكلمة فقال معناها الله، كلمة «الإله» هنا قد تستعمل بمعنى الأمر الناهي في الكتب السماوية؛ فإذا وردت كلمة إله فإنها ترد بمعنى الأمر الناهي وليس بمعنى المعبود. فيقول: إما أن يكون يسمى المسيح إلهاً كما يقولون إنه يسمى موسى إله فرعون، بمعنى الأمر الناهي له، وليس المراد أنه المعبود، وهذا معنى تفهم.

قال: فقال من رد عليه من علمائهم: يقال: أهذا هو القائل: «أنا الرب ولا إله غيري، أنا أميت وأحيي»؟ ما هو القائل: «لله إنك أنت الإله الحق وحدك والذي أرسلت يسوع المسيح»، وإذا كان الأول باطلاً والثاني هو الذي شهد بالإنجيل وجب تصديق الإنجيل وتكذيب من كتب في الإنجيل، أم أن عمانوئيل تأويله «الله معنا»؟ بل تأويل عمانوئيل «معنا إله». فإذا كان التفسير الصحيح لعمانوئيل ليس «الله معنا» وإنما «الإله معنا»، ويكون معنى الإله هنا هو الناهي معنا، وهذا معنى صحيح.

فلذلك حتى في كلام بولس لما قال: «هو إلهنا»، إذا كان عيسى قد ورد على لسان الأنبياء أنه «إلهنا معنا»، يكون معناها أنه رسولنا، يعني كان الإله هنا بمعنى الرسول الآمر الناهي وليس الإله بالمعنى المتبادر إلى الذهن وهو المعبود. قال: بل تأويل عمانوئيل معنى «إله»، وليس المسيح مخصوصاً بهذا الاسم، بل عمانوئيل اسم يسمى به النصارى واليهود، وحتى اليهود يسمون موسى عمانوئيل أيضاً.

سبحان الله، نفس هذه القضية قضية معنى «إله»، النصارى حتى الآن ما زالوا في الترجمات يضيفون (أل) التعريف حتى تصبح «الله»، يعني في بداية إنجيل يوحنا: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كانت عند الله، وكان الكلمة الله»، والكلمة هي المسيح، بينما في الأصل: «كانت الكلمة إلهاً»، فيكون ترجمتها: «وكانت الكلمة إلهية». وهذا التلاعب، حيث يظن البعض جهلاً باللغة العربية أن إضافة شيء أو حذفه ليس مؤثراً، والحقيقة أن الدلالة تختلف معه اختلافاً كلياً.

قال: وهذا موجود في عصرنا هذا في أهل الكتاب ممن سماه أبوه عمانوئيل يعني شريف القدر، وكذلك السريان أكثرهم يسمون أولادهم عمانوئيل. معلوم أن الله مع المتقين والمحسنين والمقسطين بالهداية والنصر والإعانة، وقال للرجل في الدعاء: «الله معك»، فإذا سمي الرجل بقوله «الله معك» كان هذا التبرك بمعنى هذا الاسم. وإذا قيل إن المسيح سمي «الله معنا» أو «إلهنا معنا» ونحو ذلك، كان ذلك دليلاً على أن الله مع من اتبع المسيح وأمر به، فيكون الله هادياً وناصراً ومعيناً.

فصل قال: وقال إشعياء أيضاً: ﴿غُلَامٌ وُلِدَ لَنَا ابْنٌ أُعْطِينَا، وَتَكُونُ الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلَامِ﴾ [إشعياء: 9:6]. إذاً هو يرى أنه حتى هنا كلمة «إله» يقدم لها معنى آخر. يقول: معلوم أن الله مع المتقين والمحسنين، فحتى لو كان عمانوئيل معناها «إلهنا معنا»، ففرضنا أن موسى هذا اسمه وسمي «إلهنا معنا»، قد يكون المراد كما في الكتب الإلهية، فكيف تقول إن الله مع المتقين، هل تعني أن فلاناً رجل اسمه «الله معك»؟ لو كان عندك ابن ولد لك، ماذا تسمي ابنك؟ تسميه «ابني الله معه»، هل هذه جملة محكية؟ أنت دائماً تقول في حياتك العامة: «الله مع المتقين»، «الله مع المحسنين».

واحد ولد له مولود حاب يسمي ابنه «الله مع المحسنين»، هل هذا معنى أنه ابنه أصبح إلهاً؟ لذلك هو قال؛ كان هذا الاسم الذي هو «عمانوئيل» يمكن أن يفسر بهذا المعنى.

نفرض أن معنى «إله» هو هذا المعنى، فيكون كما تقول أنت: «الله مع المحسنين». ولذلك هو لما في الصفحة الماضية، ألم يقل إن النصارى قد يسمون أبناءهم بالجمل المحكية؟ كأنها جملة، معنى «الله معنا»، وتم تسمية المسيح عيسى ابن مريم «الله معنا»، وليس المراد أنه هو نفسه المسيح إلهاً، وإنما هو نوع من أنواع الحكاية والتبرك.

ولذلك دابر ابن تيمية لا يسارع في تكذيب النصوص بقدر ما يسارع في إعطائها معاني صحيحة. هذا الذي يفعله ابن تيمية؛ لأنك لا تستطيع بعجلة أن تكذب، فهذه فعلاً قد تكون ثابته في الصحيح والإتقان، أن تحاول تجد لها معنى صحيحاً، وليس فقط لأنك لم تفهم المعنى تقول: «خلاص هذا أكيد لم يرد»، هذه ليست طريقة علمية في معالجة النصوص المنقولة عن النصارى واليهود.

شيخ، هذه الطريقة في التسمية لا تزال متبعة في بلد هند وباكستان، عندهم طريقة في التسمية؛ بعضهم يفتح القرآن يضع يده على كلمة ثم يسمي بها ابنه، فيخرج معه اسم؛ فبعضهم يسمي ابنه «محمد رسول الله»، وبعضهم يقع اسمه على سارق أو زانية، أي اسم يقع يمشي معه من باب التبرك من القرآن، من باب جمل القرآن.

جيد. قالوا: وقال أشعيا أيضاً: «إن غلاماً ولد لنا وابناً أعطيناه، الذي رئاسته على عاتقه وبين منكبيه، ويدعى اسمه ملكاً عظيماً، مسيراً عجيباً، إلهاً قوياً، مسلطاً، رئيس سلامة».

«إلهاً» هنا ممكن تُحمل على معنى رسول، بمعنى آمر ناهٍ. قال: «وسلطانه كامل ليس له فناء». فيقال: ليس في هذه البشارة دلالة بينة أن المراد به المسيح عليه السلام، ولو كان المراد به المسيح لما دل على مطلوبهم. بل قد يقال: المراد بها محمد ﷺ، فإنه الذي رئس على عاتقه وبين منكبيه، جهتين؛ من جهة أن خاتم النبوة على نغض كتفيه، وهو من أعلام النبوة الذي أخذ، نعم، خاتم النبوة هو الموجود بين كتفي النبي ﷺ. فكلام أشعيا الأقرب أن يكون وصفاً لنبينا محمد ﷺ وليس وصفاً للمسيح.

ثانياً: من جهة أنه بعث بالسيف الذي يُقلد به على عاتقه، وقوله «على عاتقيه» كناية عن السيف الذي يوضع على العاتق، فهذه إشارة إلى أنه يقاتل الناس بالسيف، وهذا ما لم يؤمر به المسيح؛ المسيح لم يؤمر بالقتال بالسيف، وإنما المقاتل بالسيف هو محمد ﷺ.

قال: «يرفعه إذا ضرب به على عاتقه»، ويدل على ذلك قوله: «مسلطاً، قوياً، رئيس سلامة». لما قال: «مسلطاً، قوياً، رئيس سلامة»، قال: هذه صفة محمد ﷺ المؤيد المنصور، المسلط، رئيس السلامة؛ فإن دينه الإسلام، ما تبعه سلمه من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ومن استيلاء عدوه عليه. والمسيح عليه السلام لم يُسلط على أعدائه كما سُلّط محمد ﷺ، بل كانوا أعداءه، بحيث يقدرون على صلبه، وعند النصارى قد صلبوه، وعند المسلمين ألقى الله شبهه على غيره.

النبي ﷺ ظهر على أعدائه، لكن المسيح أعداؤه هم الذين قدروا على صلبه، لكن الله رفعه إليه؛ فالمسيح لم يقو عليهم من حيث إنه قاتلهم وكسرهم، بل الله رفعه إليه. وعلى رواية النصارى المكذوبة العكس، يعني هو صُلب وقُتل. قال: بهذه الطريقة دفع الله الصلب عنه، لا بقهر أعدائه وإهلاكهم وذلهم له، كما نصر الله محمداً ﷺ على أعدائه بالسيف.

قال: «وسلطانه كامل ليس له فناء»، هذه صفة خاتم الرسل الذي لا يأتي بعده نبي ينسخ شرعه، وسلطانه بالحجة والبيان كامل، لا يحتاج فيه إلى الاستعانة بشرع آخر، وشرعه ثابت باقٍ.

قالوا: وقال أشعيا أيضاً: «يخرج عصاه من بيت يسى، وينبثق نور منها، ويحل فيه روح القدس؛ روح الله، روح الحكمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم والخوف وخوف الله، وفي تلك الأيام يكون أصل يسى إلههم، وبه يؤمنون، وعليه يتوكلون، ويكون لهم التاج والكرامة إلى دهر الداهرين».

«يسى» هو والد داود عليه السلام، فهو يكون معنى النص أن أشعيا النبي يقول: يخرج عصاه، وكان هذا نوع من توارث النبوة، أي تخرج العصا من بيت يسى من نسله. وينبثق نور منها ويحل فيها روح القدس؛ قضية روح القدس هنا، روح الله، روح الحكمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم وخوف الله. وفي تلك الأيام يكون أصل يسى، يعني نسله هنا، الذي يظهر لي يكون أصله يعني ما تفرع عنه للأمم، وبه يؤمنون وعليه يتوكلون. طبعاً هي العبارات يستدل بها أنه إله، أن عيسى الذي سيخرج بالنسل يسى سيكون إلهاً لأن الناس تؤمن به وعليه تتوكل، ويكون لهم التاج والكرامة إلى دهر الداهرين.

الآن ابن تيمية يقول: هذا النص يمكن يقرأ بطريقة أخرى، يُفهم بطريقة أخرى. قال والجواب: إن هذا الكلام بعد المطالبة بصحة نقله عن النبي ﷺ وصحة ترجمته باللسان العربي عن أشعيا؛ حجة على النصارى لا لهم، فإنه لا يدل على أن المسيح هو خالق السماوات والأرض، بل يدل على أن مثل ما دل عليه القرآن من أن المسيح عليه السلام أيد بالروح القدس؛ فإنه قال: «يحل فيه روح القدس»، روح الله، روح الحكمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم وخوف الله، ولم يقل: «تحل فيه حياة الله»، فضل أن يقول: «حل فيه روح القدس»، لأنهم فسروا روح القدس عندنا في الدروس السابقة بأن روح القدس عند النصارى هي حياة الله، فبقوله: «لم يقل تحل فيه حياة الله وإنما قال حل فيه روح القدس»، بمعنى نص الله وتأييده وما شابه ذلك.

قال: ولكن جعل روح القدس هي روح الله، وهي روح الحكمة والفهم والعلم، وهي روح الحيل والقوة، كما عندهم في التوراة: «أن الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلت فيه روح...»

الحكمة وروح الفهم، قال: فهي ما يعصم به الهدى والنصر، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [مريم: 58]. فقال: هي روح الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. روحه يعني نصره، وذا أيده روح القدس.

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. ينزل ملائكته، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِرُوحٍ مِّنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]. فما أنزله يسمى هدى الله، روح الله، وحي الله، ونور الله، ونحو ذلك.

وقال تعالى لما ذكر مياه من ذرية إبراهيم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 84-87]. ذلك هدى الله يهدي به من شاء من عباده.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن يَأْتِيكُم مِّنْهُ بِهُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: 123]، وسماه نور الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: 35]، فالزجاجة غير نور الله. فهذا هدى الله ونور، ونور الله هو روح الله كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾.

قال وأشعيا أيضًا: «من أعجب الأعاجيب أن رب الملائكة سيولد من البشر»، يقال مثل هذا الكلام لابد أن يكون قبله كلام وبعده كلام، هو منقول، والسياق ليس كاملاً. قال: هو منقول من لغة إلى أخرى، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يرد أن رب العالمين يولد من البشر، ولو أراد ذلك لم يقل رب الملائكة فقط، فإن الله رب كل شيء. ولكن قد يريد أنه يولد من البشر، من سيكون سيد الملائكة تخدمه وتكرمه كما سجدت الملائكة للبشر آدم.

فمعنى الرب هنا السيد، لو كان هذا النص صحيحًا ما عندنا مشكلة أن نقول: من أعجب الأعاجيب أن سيد الملائكة سيولد من البشر، ومن هو سيد الملائكة؟ لا إشكال أن نقول إن عيسى سيد الملائكة وأنه أعلى من الملائكة وأنهم سيخضعون لعيسى، بقولك كلمة الرب هنا بمعنى السيد وليس معنى الله.

قال والنصارى يسلمون أن الله هو متولد من البشر، وإنما المتولد من البشر هو الناس والناسوت، اللي هو الجسد العيسى، وليس هو رب العالمين بالاتفاق، فعلم أنه لا حرج لهم في ظاهر اللفظ إن قدر سلامتم إلى التغيير. ونذكر هذا ما عندهم في إنجيل متى: «أن ابن الإنسان يرسل ملائكته ويجمعون كل الملوك ربًا على الأمم فيلقونهم في أتون من نار».

قال بعض العلماء أهل الكتاب لم يرد بذلك أن المسيح هو رب الأرباب ولا أنه خالق الملائكة، بل رب الملائكة. أوصى الملائكة بحفظ المسيح بشهادة النبي القائل: «إن الله يوصي ملائكته بك ليحفظوك» بشهادة لوقا. أما شهادة لوقا؛ أن الله أرسل له ملكًا من أسمائه ليقويه. وإذا شهد الإنجيل باتفاق الأنبياء والرسل بأن الله يوصي ملائكته بالمسيح فيحفظونه، علم أن الملائكة مطيعة للمسيح وبالأمر، وهو والملائكة في خدمة رب العالمين.

وقال المسيح لتلاميذه: «من قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل من أرسلني». وقال المسيح: «من أنكرني قدام الناس أنكرته قدام ملائكة الله». وقال للذي ضرب عبد رئيس الكهنة: «أغمِد سيفك، ولا تظن أن لا أستطيع أن أدعو الله، أدعو الله الآب فيقيم لي أكثر من اثني عشر جوقًا من الملائكة».

قال فصلا: الجوق والقطيع. قالوا مثل هذا القول في كتب لهم، ونزلت على أفواه الأنبياء والرسل شيئًا كثيرًا عند النصارى جميعهم، المختلفين ألسنتهم، المفرقين في أقاليم العالم، المتمسكين بدين النصرانية، قول واحد، وهو ما تسلموه الحواريين حين حذروهم وردوهم عن عبادة الأصنام إلى معرفة الله تعالى، سلموها إليهم كل أمة بلسانها وهي على هيئتها إلى يومنا هذا.

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن القول في سائر ما يذكرونه من النصوص كما تقدم، وقد تكلم على هذا من تكلم عليه من علماء النصارى الذين هداهم الله. بولس الأنطاكي يقول: «مثل هذا القول»، أي جميع النصوص التي سبق أن حللناها، كلام أشعيا وكلام غيره من الأنبياء، والآن بولس الأنطاكي يريد أن يؤكد أن كل النصوص السابقة التي حللها ابن تيمية معه كلها تدل على التثليث ووجود الرب والابن وروح القدس، ثم يختم بقوله: «ومثل هذه الأقوال التي ذكرناها سابقًا فيما سبق من الكتاب هي منزلة على أفواه الأنبياء والرسل شيئًا كثيرًا، ويوجد غيرها أيضًا»، والمتمسكين بدين النصرانية في كل أنحاء العالم يعرفونها، والحواريون نقلوها ثم نقلت عنهم جيلًا بعد جيل.

فابن تيمية يريد أن يخبر الآن عن أصل هذا، نرجع لفكرة الحواريين وماذا ثبت عندهم وهل أصلاً تكلموا في التثليث؟ الجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن القول في سائر ما يذكرونه من النصوص كما تقدم، وقد تكلم على هذا من تكلم عليه من علماء النصارى الذين هداهم الله، وبين ما وقع في ذلك من تحريف لمعاني الكتب التي عندهم. وذكروا مما عندهم من النصوص الصريحة بأن المسيح عبد الله وليس هو الله، مما يتبين به بطلان قولهم، وأنهم ممن تركوا المحكم من الآيات واتبعوا المتشابه؛ ولهذا أنزل الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

وهذا كقول المسيح عليه السلام لما سئل عن علم الساعة فقال: «يعلمها الله، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا الابن إلا ما علمه الله»، فنافع عن نفسه علم الساعة، وهذا دل على شيئين.

على أن اسم الابن إنما يقع على الناسوت دون اللاهوت؛ فإن اللاهوت لا يجوز أن يُنفى عنه علم الساعة، ويدل على أن الابن لم يكن يعلم ما يعلمه الله، وهذا يبطل قولهم بالاتحاد؛ فإنه لو كان الاتحاد حقا كما يزعمون لكان الابن يعلم ما يعلمه الله، فكان يعلم متى الساعة.

قال: ويقدر على ما يقدر عليه؛ فإنه هو الله عندهم، والناسوت لا يتميز عندهم عن اللاهوت فيما يوصف به المسيح من كونه عالما قادرا يحيي ويميت. وقال المسيح لتلاميذه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 285]، وقال أيضا: ﴿مَن يُؤْمِن بِي فَلَيْسَ يُؤْمِنُ بِي وَلَٰكِن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136]. يذكرون أن المسيح استصدق الله قائلا: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟»، وتبع بعدت عن خلاصه.

والوجه الثاني: قولهم إن هذه الكتب التي بأيديهم من التوراة والإنجيل وسائر النبوات تسلموها من الحواريين، كل أمة بلسانها وهي على هيئتها، قول لم يقيموا على صحته دليلا، بل ادعوا ذلك دعوى مجردة؛ مثل هذا النقل إن لم يثبت بالتواتر لم يحتج به في المسائل العلمية. لاسيما إذا قيل في الوجه الثالث إن هذا كذب ظاهر؛ فإن كثيرا من الألسنة ليس عند أهلها إنجيل قديم. العرب، هل هناك إنجيل عربي تم استلامه من الحواريين؟ ما في لسان العرب من ذلك؛ فإن العرب النصارى كانوا كثيرين قبل الإسلام، ولا تعرف توراة وإنجيل ونبوات عربية إلا ما عُرِّب من النسخ العبرية والآرامية.

قال: ونحن نسألهم بهذه الكتب التي هي العربية التي في زمن الحواريين، أين هي؟ ومن رآها؟ ولو قُدِّر أنها كانت بالعربية، فهذه النسخ اليوم العربية الموجودة بأيدي الناس هي مما عُرِّب، وحينئذ فلا تعرف صحتها إن لم تعرف صحة الترجمة ويثبت نقل تلك عن المسيح عليه السلام، وهكذا القول في سائر الألسنة.

الوجه الرابع: أن التوراة والنبوات التي نقلت من نسخ اليهود والأناجيل هي أربعة كتبت بعد المسيح؛ ممن كتبها لم ير المسيح، ما لوقا ومرقس، والثاني رأى ما ويوحنا ومتى. ونسخة إنما كثرت بعد الأربعة؛ ما ينقلها أربعة لا يجب أن يكون متواترا معلوما إذا كثرت الألسنة بها. فمن قال بعد الأربعة إن الذين سمعوا المسيح عليه السلام تكلموا بـ 72 لسانا، فإن هذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل؛ إذ الحواريون كانوا 12 لم يكونوا 72، وإذا قيل إنه نقلها 72، هم نقلوا ها عمن نقلها إلى الحواريين، هم إنما يسندون نقلها إلى الأربعة.

الوجه الخامس: أن الحواريين ليسوا معصومين، بل يجوز على أحدهم الغلط في بعض ما ينقله، وما ينقل من خوارق العادات فمن الناس من يكذبه ومنهم من يصدقه، ولا دلالة فيها على عصمتهم إلا أن يثبت أنهم ادعوا نبوته وأقاموا المعجزات التي دلت على نبوتهم، ولم يكن الأمر كذلك. وإلا فالصالحون إذا كانت لهم كرامات لم تدل كراماتهم على أنهم معصومون كالأنبياء، بل يجوز عليهم الخطأ مع ثبوت كراماتهم، والحواريون عندهم ليسوا بأنبياء، وإنما سموهم رسلا؛ فهم رسل المسيح لا رسل الله تبارك وتعالى.

الوجه السادس: أن ما في هذه الكتب التي بأيديهم مما يناقض قوله من الأقوال الصريحة الكثيرة مما هو أكثر وأصح جادلوا به على قولهم. والواجب حينئذ التمسك بالصريح المحكم ورد المتشابه إليه، لا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه.

الرجل السابع: أنه بتقديره أن يكون في الأرض هذه الكتب 72 رسالة، سواء كانت كلها منقولة عن الحواريين نقلا صحيحا، أو كان أكثرها أو كثير منها ترجمة من لغة معلوم أنه بكل لسان عدة نسخ، ولو لم يكن بها إلا لسان واحد مع كثرة النسخ بها في مشارق الأرض ومغاربها، لم يمكن أحدا أن يقطع بأن جميع النسخ على لفظ واحد ونص واحد كما ادعاه هؤلاء.

في 72 سنة حيث قالوا مثل هذا القول في كتب الله التي نزلت على أفواه الأنبياء والرسل، كثير عند النصارى جميعهم المختلفين في ألسنتهم، الفريقين في سبعة أقالم العالم المتمسكين بدين النصرانية، قول واحد ونص واحد على ما تسلموه من الحواريين وردوهم عن عبادة الأصنام فسلموها إليهم كل أمة بلسانها وهي على هيئتها إلى يومنا هذا. فإن هذا الكلام يتضمن عدة دعاوى ليس فيها ما يمكن قائله أن يكون عالما به، فعلم أن هؤلاء يتكلمون بهذا الكلام بلا علم، بل بالجهل والضلال كما هو عهدهم.

فإنه يقال: من الذي جمع كل نسخة في العالم بجميع التوراة والإنجيل والزبور وسائر النبوات الـ 24 بلسان واحد كالعربية مثلا؟ هل ميز جميع النسخ فلم يجد نسخة تزيد على نسخة ولا تنقص عنها؟ ومعلوم إن كان هذا ممكنا أم لا. وإن قيل جمعها جامع وغير بعض ألفاظها، فلا يمكنهم دعوى بقائها بلا تغير. ولم يمكن أحد أن يقول: أنا أعلم بكل نسخة من نسخ هذه الكتب لكل نسخة توجد في سبعة أقالم العالم بذلك اللسان، فضلا عن 72 لسانا، فضلا عن أنه يقال: أنا أعلم أن هذه النسخ كلها تكلم بها الحواريون وهي باقية على لفظها إلى اليوم.

طبعا هذه المسائل كلها بحثها سابقا، هو نوع من التكرار لأن هذا تم بحثه سابقا؛ قضية هل النسخ هذه كلها فعلا متفقة؟ وهل كل ما في النسخ الـ 72 لم يقع فيه خطأ؟ ما في أحد يستطيع أن يلزم بهذا أبدا. حتى أنت في المصاحف اليوم، هل تستطيع أن تقول كل المصاحف المطبوعة من القرآن الكريم في أمريكا وأوروبا والأردن إنه ولا واحد فيها خطأ كما في المصاحف المكتوبة؟ ممكن يكون خطأ في طبعة صارت في أمريكا، ممكن يأتيك واحد يقول لك: يا شيخ والله هذه الطبعة التي أصدرتها فيها خطأ. نقول لهم: أنتم ما الثقة التي عندكم أنه كل النسخ لم يقع فيها خطأ وأنها متفقة؟ من أين أتيتم بها؟ نحن القرآن لأنه منقول بالتواتر، نكتشف مباشرة النسخة التي وقع فيها خطأ. ما في أحد يستطيع أن يقول كلاما علميا إن كل نسخ القرآن الموجودة اليوم على وجه الأرض ليست نسخة أو طبعة يمكن أن يكون فيها كلمة حذفت أو كذا، ممكن، لكن أهل القرآن كثر فمباشرة يرصدون أين وقع الخطأ في نسخة من النسخ.

قال: معلوم أن الإنسان إذا أمكنه جمع نسخ كتاب واحد من جميع الفنون، من كتب الطب والحساب والهندسة ونحو الفقه والحديث، كان إمكان تغيير بعض ألفاظ النسخ أيسر عليه مقابلة ألفاظ كل نسخة بألفاظ تلك النسخ، فإن هذا لا يقدر عليه في العادة بل هو متعذر أو متعسر.

اثنين، فكل منهما ينقل للآخر لفظ الآخر، لفظ نسخته، فيكون مدار المقابلة على خبر واحد لم يقتن بخبره، ما يعلم به صدقه، فقد يغلطان أو يكذبان جميعًا وإن كانت بين عدد يحصل به العلم. احتاجت كل نسخة بكل لسان أن يشهد بلفظها جمع يحصل بهم العلم، أولئك بعينهم يشهدون بلفظ كل نسخة بكل لسان، وشاهدوا بلفظ كل نسخة، ويشهدون لهم من هو مثلهم بموافقة النسخة الأخرى وموافقتها لها، وهؤلاء أو مثلهم بموافقة النسخة.

ومعلوم أن هذا لم يفعله أحد، لا يقدر عليه أحد، بل لو اجتمع جميع ملوك النصارى على ذلك وعلماء بلادهم على ذلك لم يقدروا عليه؛ فإنه من النسخ ما هو عند المسلمين، ومنها ما هو في بلاد حكم لهم عليها، وأيضًا فقد يكون في بلادهم من النسخ ما لم يظهرها أصحابها. فكل من شهد من النصارى وغيرهم بأن كل نسخة في العالم بهذه الكتب توافق جميع النسخ، فهو شاهد زور، شهد بما لا يعلم، بل شهد بما يعلم أنه كذب فيه، وكذلك لو شهد بمثل هذا لنسخ أي كتاب كان، فإن العادة المعروفة أن نسخ الكتاب تختلف، ويزيد بعضها وينقص بعضها.

والقرآن منقول بالتواتر، لم يكن الاعتماد فيه على نسخ المصاحف، بل الاعتماد على حفظ أهل التواتر له بصدورهم. وهي نقطة مهمة، أن القرآن اعتمد على حفظ الصدر قبل حفظ السطر، بخلاف الكتب التي موجودة، وحتى الكتب العلمية اليوم هي معتمدة على السطر قبل الصدر. أما القرآن فيختلف، إنه الأمة حفظته، وحفظه المئات الكثر أو الآلاف فعليًا قبل أن يتم جمعه.

قال ولهذا إذا وجد مصحف يخالف حفظ الناس أصلحوه، وقد يكون بعض نسخ المصحف -لو وجدت نسخة من القرآن اليوم تخالف حفظ الناس- تكتشف بخلافها. قال وقد يكون في بعض نسخ المصاحف غلط فلا يلتفت إليه. قال مع أن المصاحف التي كتبها الصحابة قد قيد الناس صورة الخط ورسمه، وصار ذلك أيضًا منقولًا بالتواتر؛ فنقلوا بالتواتر لفظ القرآن وحفظوا لفظ القرآن، ونقلوا رسم المصاحف بالتواتر أيضًا، فالقرآن منقول بالتواتر لفظًا وخطًا.

قال ونحن لا ندعي اتفاق جميع نسخ المصاحف، كما لا ندعي أن كل من يحفظ القرآن لا يغلط، بل ألفاظه منقولة بالتواتر حفظًا ورسمًا، فخرج عن ذلك علم الناس أنه غالط من هذه الجهة. قالوا: لمخالفته النقل المتواتر، بخلاف هذه الكتب؛ فإن النصارى لم يحفظوها كلها في قلوبهم تلقيًا عن الحواريين حفظًا منقولًا بالتواتر، بل لم يكن أحد منهم يحفظها كلها، فضلاً عن أن يحفظها كلها أهل التواتر، فضلاً عن أن يحفظ كل لسان منها؛ ما في واحد كان أصلاً يحفظ كل هذه الكتب التي منقولة عن الحواريين، والله لا واحد أصلاً كان يحفظها كلها.

قال وهذا أمر معلوم لجميع النصارى وغيرهم، أنه لم يحفظها كلها بكل لسان من زمن الحواريين، بل ولا في زمنهم من الأزمان، بل بعد انتشار النصارى وكثرتهم وتفرقهم، لا يكاد يوجد فيه من يحفظها كلها عن قلبه كما يحفظ الصبيان الكتاب. قال فكيف يحفظها في كل زمان أهل التواتر؟ وكيف يحفظ كل لسان من أهل التواتر؟ وإذا كان اعتمادهم إنما هو على الكتب، فلا يمكنهم معرفة اتفاق جميع النسخ بلسان واحد، فضلاً عن جميع الألسن. علم أن دعواهم أنها لم تزل متفقة على نص واحد للفظ واحد، وأن جميع نسخها متفقة في هذا الزمان وفي ما قبله، كلام مجازف، يتكلم كلام مجازف بلا علم، بل يتكلم بما يعلم أنه باطل.

والوجه الثامن أن هذا لو قدر أن يكون، فإنما يكون منقولًا لو لم يعلم أنه كذب، فكيف مع العلم بأنه كذب؟ فإنه يوجد في هذا الزمان نسخ التوراة والإنجيل والزبور والنبوات مختلفة متناقضة، والنسخ التي عند النصارى مختلفة، وهي أيضًا تخالف نسخ اليهود والسامرة بالواقع. والوجه السابع هو رد من ناحية منطقية؛ أنك مستحيل يا بورس الأنطاكي تثبت لنا أن جميع نسخ النصارى متفقة على هذا، ثم من ناحية الواقع أصلًا هي النسخ فيها اختلاف كبير.

قال وحينئذ إذا قالت النصارى: "نسختنا هي الصحيحة"، لم يكن هذا أولى من قول اليهود: "نسختنا هي الصحيحة"، بل معلوم أن اعتناء اليهود بالتوراة أعظم من اعتناء النصارى. ثم بعد هذا ما ذكروه لا يكفي، إذ لم يعلم أن نسخهم توافق النسخ التي عند اليهود وحتى السامرة، وهذا غير معلوم. وإذا أنتم يا نصارى تقولوا نسخنا صحيحة، يطلع لك اليهودي يقول لك: لا، نحن نسخنا التي في التوراة أصح من نسخ الإنجيل تاعتكم. طيب لماذا نكذب اليهود ونصدقكم يا نصارى؟ ومعلوم أن اليهود احتفاؤهم بكتبهم أعظم من اعتفاء النصارى بكتبهم، فلماذا نصدقكم في الإنجيل ولا نصدق اليهود في التوراة؟ فأنتم تكذبون التوراة التي عندهم وتقولون لا، التوراة التي في أيدي اليهود مش موثوقة، طيب ليش الإنجيل الذي في أيديكم موثوق؟ ما هو التوراة واعتناء اليهود وتوراتهم أعلى. يقول ابن تيمية: من اعتنائكم أنتم بإنجيلكم وحجم التحريم وهكذا.

قال وإن قالوا: إذا خالف نقل اليهود نقل الحواريين لم يلتفت إليه لأنهم معصومون، كان هذا مبنيًا على دعواهم عصمتهم وقد عرف فسادها. يقولون لك: لا، الحواريون معصومون، نحن نؤمن بالإنجيل، أما التوراة التي نقلها اليهود واليهود مش معصومين. قال: أصلًا قضية أن الحواريين كانوا رسلًا ومعصومين هذه كلها تحتاج إلى نقاش.

قالوا: إذا قالت النصارى نحن نقولها عن الحواريين المعصومين، قالت اليهود نحن ننقلها عن موسى المعصوم باتفاق أهل الملل، باتفاق اليهود والنصارى وكثير من المسلمين، فالتوراة باتفاق الخلق مأخوذة عن موسى بن عمران وهو معصوم. وإنما يطعن من يطعن في نقل بعضها بانقطاع التواتر في أثناء مدته لما خرب بيت المقدس ولم يبق فيه ساكن أكثر من سبعين سنة، ويقول بعض الناس إن بعض ألفاظها تغير، حينئذ يقول بعضهم لم تغير ألفاظ جميع النسخ وإنما تغيرت ألفاظ بعض النسخ وانتشرت النسخ المغيرة عند كثير من الناس حتى لا يعرفوا غيرها. ثم بنو إسرائيل لم يزل فيهم نبي بعد نبي حتى جاء المسيح وبعد المسيح، فلم يزالوا خلقًا كثيرًا لا يمكن تواطؤهم في مشارق الأرض على تغيير نسخ التوراة، بخلاف الإنجيل فإنه...

إنما نقله أربعة، ومن كتب التوراة والزبور والنبوات من الأثمن اتباع المسيحي، فإنما كتبوها من النسخ التي كانت في يد اليهود. إذا قالوا كانوا معصومين فهذا ممنوع عند المسلمين واليهود، وعلى تقدير تسليم إذا قيل إن الحواريين كانوا معصومين نقول: المسلمون واليهود لا يوافقونكم بعد هذا.

وعلى تقدير تسليمه في اليهود، ينقلونها أيضًا عن المعصوم قبل هؤلاء؛ فلا يمكن مع هذا أن يدعي مدعياً أن النبوات التي عند النصارى تواترت عن المعصوم أعظم من تواتر ما عند اليهود، بل لا يشك العقلاء العادلون أن نقل حروف التوراة أصح من نقل حروف الإنجيل، وهذا أمر يعرف من وجوه متعددة.

فإن التوراة أخذت عن المعصوم باتفاق أهل الملل، وكانت منقولة قبل المسيح بين الأنبياء وبني إسرائيل، أعظم التوراة كانت منقولة عن موسى مباشرة، وتناقل التوراة بعد موسى بين أنبياء بني إسرائيل معروف مشهور إلى أن صار التخريب في بيت المقدس. بخلاف الإنجيل الذي أصلاً كل ما كتب بعده وإنما هو من اثنين شافوا عيسى عليه السلام واثنين ما شافوه أصلاً، وبعد عيسى أصلاً ما كان في أنبياء بخلاف ما بعد موسى كان في أنبياء يتناقلون؛ فحجم الثقة بنصوص التوراة أعلى من حجم الثقة بنصوص الإنجيل.

وإذا كان كذلك، فإذا وجد ما عند اليهود السامرة من نسخ النبوات يخالف ما عند النصارى في بعض الألفاظ، كان هذا دليلاً على أن هذه الكتب ليست ألفاظها منقولة عن نص واحد، وأنه ليس كل لفظ من ألفاظها متواتراً، والله أعلم.

الوجه التاسع: أن جميع ما عندهم من النصوص الصحيحة لا يدل على مذهبهم البتة، بل غاية ما يدعون فيها الظهور، وهم منازعون في ذلك، حتى يقال بل الظاهر فيما احتجوا به خلاف قولهم. كما شرحناها: كل النصوص التي استدللت فيها على التثليث يا بولس، نحن وجدنا لها معاني صحيحة، أنت تقول ظاهرة على مذهبنا، نقول لك: لا، نحن ننازعك في ظهورها، بل نحن نستطيع أن نحملها على معاني صحيحة كما مر معنا.

ومعلوم أن أصول الإيمان التي يؤمن أهل الإيمان بها ويكفرون من خالفها لابد أن تكون معلومة عندهم عن الأنبياء، والعلم لا يحصل بلفظ محتمل؛ فما إنه لا علم عندهم عن الأنبياء عليهم السلام، وهو محل النزاع.

الوجه العاشر: أن أصح ما عندهم في التفصيل قوله: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس»، وهو أعلى نص عند النصارى يستدلون به على قضية التثليث، النص الذي يقولون هو: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس»، وهذا مر معنا النص.

وعلى هذا القول بنوا قولهم بالتثليث، وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم، ولفظ الأقانيم لم ينطق به أحد من الأنبياء ولا أحد من الحواريين باتفاقهم، بل هو مما ابتدعوه. قيل إنه لفظ رومي معناه الأصل، ثم أقنوم للابن؛ تارة يقولون هو علم الله، وتارة يقولون حكمه الله، وتارة يقولون كلمة الله، وتارة يقولون هو نطق الله، وتارة يقولون هو حياة الله، وتارة يقولون هو قدرة الله، والكتب المقولة عن الأنبياء ليس فيها تسمية شيء من صفات الله باسم الابن ولا باسم الروح القدس.

فلا يوجد أن أحداً من الأنبياء يسمى علم الله وحكمته وكلامه ابنه، ولا سمى حياة الله أو قدرته روح القدس، بل الروح القدس في كلام الأنبياء يراد بها معنى ليس هو حياة الله، كما يراد بها ملك الله أو ما ينزله في قلوب الأنبياء والصالحين من هداه ونوره وتأييده ونحو ذلك.

إذا كان كذلك، علم أن ما فسروا به قول المسيح عليه السلام: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس» كذب صريح عليه، وكذلك ما فسروا به كلام آبائهم من إثبات الأقانيم الثلاثة كذب صريح عليهم، كقولهم إن إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أراد به إثبات ثلاثة آلهة، فإن هذا مما يعلم بالضرورة ضلالهم فيه وافتراؤهم على الأنبياء، ويعلم أن إله ثلاثة هو الله واحد، وإله واحد؛ يعني ليس إله إبراهيم هو غير إله إسحاق.

ليس إله إبراهيم إلهاً غير إله إسحاق، حتى لو قيل بالأقانيم فلا يقول عاقل إن أحد الأقانيم إله هذا، والإقنوم الآخر إله عيسى مثلاً، حتى لو قلنا بوجود الأقانيم هي لا تصح، فإن هذا لم يقوله أحد من العقلاء، ولا حتى النصارى ما قالوه، لا النصارى ولا غيرهم يقولون إن الآب إله إبراهيم مثلاً، والابن ابن إله إسحاق، وروح القدس إله يعقوب، بل هم متفقون مع قولهم بالتثليث أن الجميع إله واحد لجميع المرسلين، ليس إله أقنوم وإله أقنوم آخر، فعلم أن ما يفسرون به كلام الأنبياء كذب لا يصح، لا على تثبيتهم الذي يدعونه، ولا على قوله أهل التوحيد المتبعين لرسل الله تعالى.

قال: فصل، قال الحاكي عنهم فقلت لهم: إذا كانت هذه النبوات عند اليهود وهم مقرون ومعترفون بها أنها حق وأنها عتيدة أن تكمل عندما جيء المسيح، فأي حجة لهم يحتجون بها عن الإيمان به؟ أجابوا قائلين: إن الله اختار بني إسرائيل واصطفاهم على الناس شعباً في ذلك الزمان، وحيث كانوا في أرض مصر في عبودية فرعون أرسل إليهم موسى النبي، دلهم على معرفة الله، وعدهم أن يخلصهم من عبودية فرعون ويخرجهم من مصر ويريهم أرض الميعاد التي هي أرض بيت المقدس.

فطلب موسى من الله وعمل العجائب قدام عيونهم، وضرب أهل مصر عشر ضربات، هم يرون ذلك جميعاً ويعلمون، ويقصد الآيات والعلامات، ويعلمون أن الله يصنعه لأجلهم، وأخرجه من مصر بيد قوية، وشق لهم البحر وأدخلهم فيه، وصار لهم الماء حائطاً عن يمينهم وحائطاً عن شمالهم، ودخل فرعون وجميع جنده في البحر وبنو إسرائيل يظنون ذلك.

فلما برز موسى وبنو إسرائيل من البحر وخالفهم فرعون بجنوده فيه، أمر الله موسى أن يرد عصاه إلى الماء فعاد الماء كما كان، وغرق فرعون وجميع جنوده في البحر وبنو إسرائيل يشهدون ذلك. فلما غاب عنهم موسى إلى الجبل ليناجي ربه وأخذ لهم التوراة من يد الله، تركوا عبادة الله وجميع أفعاله وكفروا به وعبدوا العجل بعد ذلك، ثم عبدوا الأصنام مرات كثيرة، وذبحوا لها الذبائح، بل بنوا مع البنات حسب ما ذكر فيما قبل ذلك، وجميع أفعالهم مكتوبة في أخبار بني...

فلما رأى الله قساوة قلوبهم وغلظ رقابهم وكفرهم به، ورأى أفعالهم النجسة الخبيثة، غضب عليهم وجعلهم مرذولين وطبع على قلوبهم؛ فلا يؤمنون، وجعلهم مهانين في جمع الأمم، ليس لهم ملك ولا بلاد ولا نبي ولا كاهن إلى الأبد، حسب ما تنبأت عليهم الأنبياء على ما ذكرناه قبل، وتشهد به كتبهم في أيديهم يومنا هذا.

وكذلك قال الله في إشعياء: «اذهب إلى هذا الشعب، فقل لهم: تسمعون سماعًا ولا تفهمون، وتنظرون نظرًا ولا تبصرون؛ لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وقد سمعوا بآذانهم سمعًا ثقيلاً، وقد غمضوا أعينهم لا يبصروا بها، وسمعوا بآذانهم ولا يفهمون بقلوبهم، ويرجعون إليَّ، فارحمهم». وقال إشعياء: «قال الله: هكذا ما قتت نفسي سبوتكم، ورؤوس شهوركم صارت عندي مرذولة».

وقال في ذلك اليوم: «يقول الله: سأبطل السبوت» -والسبوت جمع السبت- «سأبطل السبوت والعبادة كلها، وأعطيكم سنة جديدة مختارة، لا كالسنة التي أعطيتها لموسى عبدي يوم حورب، بل سنة يوم حورب، يعني يوم جبل سيناء لما ناجاه الله. قال: بل سنة جديدة مختارة أمر بها وأخرجها من صهيون»، فصهيون هي أورشليم، والسنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها نحن معشر النصارى من المسيح.

فكأنه يقول: خلص سنة موسى السابقة سأحرمكم منها، وأعطيكم سنة جديدة أخرجها لكم من جبال صهيون من بيت المقدس، وهي رسالة عيسى. قال: هي السنة التي تسلمناها نحن النصارى، نحن معشر النصارى، من يدي الرسل الحواريين الأطهار الذين خرجوا من أورشليم وداروا في سبعة أقاليم العالم وأنذروا بهذه السنة الجديدة.

فأي بيان يكون أوضح وأصح من هذا البيان، إذ قد أوردناه من قول الله، ولا سيما وأعداؤنا اليهود المخالفون لديننا شهدوا لنا بصحة ذلك جميعًا. وأما حجة اليهود في هذه النبوات، فيقولون ويعتقدون أنها حق، أنها قول الله، لكن يقولون إنها عتيدة. هذه النبوات مثل ما هي عند اليهود هي كذلك عندنا معشر النصارى، فيراها جميع الأمم بقول واحد، وهي أنها قول الله.

وقالت اليهود: «نحن مصدقون بها أن تكمل وتتم عندما جاء المسيح». فالآن اليهود والنصارى متفقون أن النبوات عتيدة وأنها ستكمل بمجيء المسيح، لكن الفرق بين اليهود والنصارى أن المسيح الذي عند النصارى هو المسيح عيسى ابن مريم، وأن المسيح الذي عند اليهود هو المسيح الدجال.

لذلك قالوا: أما حجة اليهود في هذه النبوات، فيقولون ويعتقدون أنها حق فعلاً وأنها قول الله، ولكن يقولون إنها عتيدة. فهذه النبوات مثل ما هي عند اليهود كذلك هي عندنا معشر النصارى في ٧٢ لسانًا، فيراها جميع الأمم قولًا واحدًا، وأنها قول الله. وقالت اليهود: «نحن مصدقون بها أن هذه النبوات ستكمل وتتم عند مجيء المسيح»، لكن أي مسيح؟ المسيح الدجال.

وكفاهم أنهم يكفرون ويفجرون مع الكفر، ويقولون إن المسيح كان ضالًا مضلًا، وأما المسيح الحق فعتيد أن يأتي ويكمل نبوات الأنبياء، فإذا جاء اتبعناه وكنا أنصاره. وهذا رأيهم واعتقادهم في السيد المسيح، فماذا يكون أعظم هذا الكفر الذي هم عليه؟ لأجل ذلك في هذا الكتاب سماهم المغضوب عليهم؛ لأجل خلافهم لقول الله الذي نطقه على ألسنة الأنبياء ولما كنا نحن النصارى متمسكين.

وكل هذا كلام بولس الأنطاكي، كله يأتي به على لسان بولس. ولما كنا نحن النصارى متمسكين بما أمرتنا به الرسل الأطهار، سمانا في هذا الكتاب المنعم عليهم. وأما قولنا في الله ثلاثة، هم سماه في هذا الكتاب -الذي هو القرآن- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فسرها بولس الأنطاكي بالنصارى؛ قالوا: إنتم في فاتحة الكتاب عندكم "ربنا اهدنا الصراط المستقيم"، صراط الذين أنعمت عليهم؛ نحن المنعم عليهم النصارى غير المغضوب عليهم الذين هم اليهود. هكذا بولس الأنطاكي يفسر القرآن.

والعتيد أصله الجدير، كأن أقول لك هذا عتيد بهذا أي مستحق، ومعنى الاستحقاق الجدارة. أما حجة اليهود في هذه النبوة فيقولون إنها حق، إنها قول الله، لكن يقولون إنها عتيدة، أي أنها جديرة حقيقة أن تكمل عند مجيء المسيح. فما الحجة التي يعتجون بها على الإيمان به؟ فالعتيد فيما يظهر لي، أو فيما أفهمه على الأقل، بمعنى أنها حق ثابت جدير بأن تحصل.

أما قولنا في الله ثلاثة، فأنى من إله واحد؟ فهو أن الله نطق به وأوضحه في التوراة وفي كتب الأنبياء. من ذلك ما جاء في السفر الأول من التوراة، حيث شاء الله أن يخلق آدم، قال: ﴿لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شَبَهِنَا وَمِثَالِنَا﴾، فمن هو شبهه ومثاله سوى كلمته وروح قدسه؟ وحين خالف آدم وعصى ربه، قال الله: «ها آدم! هذا آدم قد صار كواحد منا».

وهذا واضح أن الله قال هذا القول لابنه، أي لكلمته وروح قدسه. وقال هذا القول يستهزئ بآدم، أي أن آدم طلب أن يصير كواحد منا، فصار عريانًا مفتضحًا لما عصى. قال الله عندما أخسف بسدوم وعمورة، كما جاء في التوراة: «وأمطر الرب من السماء على سدوم وعمورة نارًا وكبريتًا».

ومن ذلك ما جاء في السفر الأول، حيث شاء الله أن يخلق آدم، قال: ﴿لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شَبَهِنَا وَمِثَالِنَا﴾، فمن هو شبهه ومثاله سوى كلمته وروح القدس؛ لأنه لم يعصِ ولم يخطئ؟ وحين خالف آدم وعصى ربه، قال الله: «ها آدم! هذا آدم قد صار كواحد منا». هم يقولون إن هذا استهزاء من الإله بآدم، والعياذ بالله، أن آدم قد صار كواحد منا.

هذا كله كلام بولس؛ وهذا واضح أن الله قال هذا القول لابنه، أي لكلمته وروح قدسه، وقال هذا القول يستهزئ بآدم، أي أن آدم طلب أن يصير واحدًا منا، لكنه صار عريانًا مفتضحًا لما عصى وارتكب الخطيئة، فكيف يا آدم تريد أن تكون واحدًا؟

أما المسيح عيسى ابن مريم، فبالعكس هو الذي يستحق أن يكون واحداً منا، و«منا» هي الجمع، بالتالي كأنها تدل على الأقانيم الثلاثة، مش هيك عندهم أصلاً؟ يستدلون بناءً على الأقانيم الثلاثة أن الأب والابن وروح القدس.

فكان الله يقول إن المسيح يستحق أن يكون إلهاً، لكن آدم لا يستحق أن يكون إلهاً، وأن الله استهزأ بآدم وقال: «هذا آدم يريد أن يكون واحداً منا». طيب كيف وقد افتضحت بذنبك وخطيئتك؟

قال في التوراة عندما أخسف بسدوم وعمورة: ﴿وَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ نَارًا مِنَ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [التكوين: 19: 24]. نار سدوم هي نار أرض هذا قوم لوط. أوضح بهذا ربوبية الأب والابن بذكر ثالث، لماذا؟ لأنه قال: «وأمطـر الرب عند الرب».

فذكر كم رب؟ اثنان: الرب الأول هو الأب، والرب الثاني هو الابن. طبعاً أنت لما بتيجي مع النصارى وتدخل بتتعب معهم نفسياً؛ شو النصوص اللي أنتم... وكل نص بتفسروه بطريقتكم وكيفتكم، وأخرجتم بها ديناً! لا هو منطق، ولا النصوص أصلاً تدل عليه دلالة واضحة، وإنما على عجبكم. قال: «وأمطـر الرب» -اللي هو الأب- «عند الرب» -اللي هو الابن- من السماء على سدوم وعمورة ناراً وكبريتاً، أوضح بهذا ربوبية الأب والابن بذكر ثالث.

أصلاً في الحاشية رقم ستة لما جاء بالنص الحالي: «الرب الأول عند الرب الثاني»، هي بتقول لك جاء في سفر التكوين: «وأمطـر الرب على سدوم وعمورة» بدون حتى كلمة «عند الرب الثاني». بس ابن تيمية سيتعامل مع وجود «عند الرب الثاني»، أظن سيشرحها بعد قليل. حين قال «الأب والابن» يعني بذكر ثالث، أظن أنه يسوق نصاً أوضح بهذا ربوبية الأب والابن بذكر ثالث، أي بنص ثالث، كأنها نصوص: ذكر نص ونص ونص. أنا أعتقد أنه لا يتكلم عن الابن هنا بذكر ثالث، أقصد أنه هذا نص آخر ثالث يشهد لهذه الفكرة.

والجواب أن يقال: أما كفر اليهود كلهم لما أرسل المسيح عليه السلام إليهم، فلم يؤمنوا به وكفر به وكفر من كفر منهم قبل ذلك؛ إما بقتل النبيين، أو بتكذيبهم، إما بالشرك وإما بغير ذلك مما كفروا فيه. نحن متفقون معك يا بولس على أن اليهود فعلاً كفروا بالمسيح ابن مريم، قال: «مما كفروا فيه ما أنزل الله»، وهذا هو نظير كفر النصارى كلهم الذين بلغتهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وقام الله عليهم الحجة به، فلم يؤمنوا به وكفر من كفر منهم قبل ذلك بما أنزل الله؛ إما بتكذيب بعض ما أنزله، وإما بتبديله بغيره، وإما بجعل ما لم ينزله الله منزلاً منه، وإما بغير ذلك مما فيه كفر بما أنزل الله عز وجل.

وكذلك ما ذكر من أن الله أقام سنة جديدة وعهداً جديداً، هو ما بعث به المسيح عليه السلام من الشريعة التي بعث بها، فهذا أيضاً حق نقر به.

قال: فصل، أما قولكم: «السنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها من يدي الرسل الأطهار»، هي على ما تسلموها هم من المسيح عليه السلام، فيقال: لو كنتم على تلك السنة لم تغيروها، لم ينفعكم المقام عليها إذا كذبتم الرسول النبي الأمي الذي بعث إليكم وإلى سائر الخلق بسنة الرسل الأطهار -يقصد بهم الحواريين-.

قال: أما قولكم في النص السابق: «السنة الجديدة المختارة هي السنة التي تسلمناها من أيدي الرسل الأطهار الحواريين على ما تسلمها الحواريون بأنفسهم من المسيح»، فنقول: لو كنتم على تلك السنة فعلاً لم تغيروها، لم ينفعكم المقام عليها إذا كذبتم الرسول النبي الأمي؛ فقد تلك السنة انتسخت بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعث إليكم وإلى سائر الخلق بسنة أخرى أكمل من السنة التي كانت قبله، كما لم ينفع اليهود إذ تمسكوا بسنة التوراة ولم يتبعوا سنة المسيح الذي أرسل إليهم.

بل من كذب برسول واحد فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 150-151]. وإن كانت السنة التي جاء بها المسيح عليه السلام حقاً، وكل من كان متبعاً له فهم مسلم من أولياء الله من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِرِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْقَسِطِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

وكما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصار الله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]. فمن اتبع المسيح كان مؤمناً ومن كفر به كان كافراً. وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَا نَصِيرَ لَهُمْ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 55-57].

فهؤلاء، من كان مؤمناً بتلك السنة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء من أهل الجنة إن شاء الله، وأما بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فمن كفر به لا تقبل دعواه. لكن المشكلة هي: هل فعلاً أنتم ثابتون على تلك السنة؟ هذا هو النقاش.

قال: لكن غيرتموها وبدلتموها قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فتم كفاراً بتبديل شريعة المسيح وتكذيب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما كفرت اليهود بتبديل شريعة التوراة وتكذيب شريعة الإنجيل ثم كفروا بتكذيب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سائر رسل الله أجمعين. فإن المسيح لم يسن لكم التثليث والقول بالأقانيم، ولا القول بأنه رب العالمين، ولا سن لكم استحلال الخنزير وغيرهم من المحرمات، ولا ترك الختان، ولا صلاة المشرق، ولا اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ولا الشرك واتخاذ التماثيل والصليب ودعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والصالحين وغيرهم وسؤالهم الحوائج، ولا الرهبانية، وغير ذلك من القراءات التي أحدثتموها ولم يسنها لكم المسيح.

أنتم عليه هي السنة التي تسلمتموها من رسل المسيح، بل عامة ما أنتم عليه من السنن أمور محدثة مبتدعة بعد الحواريين؛ كصومكم خمسين يوماً زمن الربيع، واتخاذكم عيداً يوم الخميس والجمعة والسبت. إن هذا لم يصنه المسيح ولا أحد من الحواريين، وكذلك عيد الميلاد والغطاس وغير ذلك من أعيادكم، بل عيد الصليب إنما ابتدعته هيلانة الحرانية الفندقانية أم قسطنطين.

وأنتم تقولون إنما هي التي أظهرت الصليب وصنعت لوقت ظهوره عيداً، وذلك بعد المسيح والحواريين بمدة طويلة في زمن ملك قسطنطين، بعد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة. في ذلك الزمان أحدثت الأمانة المخالفة لنصوص الأنبياء في غير موضع، وأظهرتم استحلال الخنزير وعقوبة من لم يأكله، وابتدعتم في ذلك الزمان تعظيم الصليب وغير ذلك من بدعكم.

وكذلك كتب القوانين التي عندكم التي جعلتموها سنة وشريعة، فيها شيء عن الأنبياء والحواريين، وكثير مما فيها تدعه من بعدهم لا ينقلونه لا عن المسيح ولا عن الحواريين، فكيف تدعون أنكم على سنة والشريعة التي كان عليها المسيح عليه السلام؟ وهذا مما يعلم بالاضطرار والتواتر أنه كذب.

فصل: قال: أما قرنا في الله ثلاثة أقانيم إله واحد، فهو أن الله نطق به وأوضحه في التوراة في كتب الأنبياء، ومن ذلك ما جاء في السفر الأول من ثوات يقول: ﴿حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ قَالَ اللَّهُ لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا﴾. فإنه وشبهه ومثاله سوى كلمته وروحه، وحين خالف آدم وعصى ربه قال الله تعالى: ﴿هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا﴾. هو قول واضح أن الله قال هذا القول لابنه وروح قدسه، يعني أن الله يخاطب عيسى وروح القدس ويستهزئ بآدم، أنه آدم يريد أن يكون واحداً منا وقد افتضح بذنبه.

قال: والجواب أن استدلالهم بهذا على قولهم في المسيح، أنه ابن الله، هو في غاية الفساد. قال: في أن لفظ التوراة: نخلق آدم كصورتنا وشبهنا، وبعضهم يترجمه: نخلق بشراً على صورتنا ويشبهنا، والمعنى واحد. وكما قال النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته»، وفي رواية: «على صورة رحمة»، وكما عرفنا النقاش الطويل في هذا الحديث.

قال: فقولهم: "من هو شبه مثاله سوى كلمته وروحه" من أبطل الباطل من وجوه. قال: أحدها أن الله ليس كمثله شيء، وليس لفظ النص على مثالنا. الثاني: أنه لا اختصاص للمسيح بما ذكر، على كل تقدير حق وباطل.

أحدها: أن الله ليس كمثله شيء، وليس لفظ النص على مثالنا. أول مشكلة أن الله عز وجل لا يمكن أن يقول لكم، أن يقول: نخلق خلقاً على شبهنا ومثالنا. يعني لو كانت على شبهنا ما في مشكلة، لكن على مثالنا. الآن سيفرق بين كلمة المثل والشبيه؛ إن المثل لا يجوز أن يقول هذا مثل الله، لكن الشبيه يكون فيما اتفق في بعض الأمور، يطلق عليه أنه شبيه، أما المثل فلا يطلق إلا على من اتفق في كل الزوايا. فهل النص هو أن الله قال: سنخلق خلقاً على شبهنا ومثالنا؟ فيقول: أولاً إن الله ليس كمثله شيء بنص القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وبالتالي ليس لفظ النص: سنخلق على مثلنا، هي إضافة أنتم أضفتموها أو أدخلتموها في الترجمة.

الثاني: أنه لا اختصاص للمسيح بما ذكر، على كل تقدير حق وباطل. فإنه بأي تفسير فسر: "قوله سنخلق بشراً على صورتنا يشبهنا"، لم يخص ذلك المسيح؛ لأنه سيكون كل البشر على الصورة، فليس المسيح فقط هو على صورته.

قال: الثالث، إن أرادوا بالكلمة التي هي شبه ومثال صفته التي هي العلم القائم به والحياة القائمة به، فالصفة لا تكون مثلاً للموصوف، إذ الموصوف هو الذات القائمة بنفسها والصفة القائمة به. أنتم تقولون إن عيسى كلمة الله، طيب كلمة الله بأي شيء فسرتموها؟ علم الله، وأحياناً يقولون الحياة، أعطيتها معاني الصفات. فيقولون إنهم إذا أرادوا بالكلمة التي هي شبه ومثال صفته التي هي العلم القائم بذاته أو الحياة، فالصفة لا تكون مثلاً للموصوف؛ فكيف يقول الله؟

نرجع للنص، ماذا قال؟ قال: ﴿لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا﴾. فماذا يقول بولس الأنطاكي: "فمن هو شبهه ومثاله سوى كلمته وروحه"؟ يقول له: تعال يا بولس، أنت ماذا الكلمة عندك؟ ما هي كلمة الله؟ مش أنت أحياناً تقول هي علمه؟ طيب إذاً كيف الله يقول: ﴿لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا﴾؟ والشبه والمثال عندك تقول هي كلمته، وكلمة الله هي علمه، فهل علم الله مخلوق؟ هذا أولاً.

ثم لما تقول إنه علم الله، يقول إنهم إن أرادوا بالكلمة التي هي شبه ومثاله علمه، صفته التي هي العلم القائم بها والحياة القائمة به، فالصفة لا تكون مثلاً للموصوف؛ إذ الموصوف هو الذات القائمة بنفسها والصفة قائمة به، والقائم بغيره لا يكون مثل القائم بنفسه. كلام بولس الأنطاكي لا يتكلم عن أن هذا الخلق هو المسيح، قصده نحن الثلاثة المتشابهين سنخلقه على شبهنا، لذلك حتى بعد ذلك قال: ﴿هَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا﴾.

فهمت ذلك؟ قضية "نا" التي تدل على أنه لا يتكلم سبحانه وتعالى عن ذاته بصيغة التعظيم؛ لا، هي النصارى يرون أننا هنا ضمير الجمع يدل على وجود إله من عدة عناصر، فيقول: ﴿لِنَخْلُقْ عَلَى شِبْهِنَا﴾، يعني من هو الداخل فينا هنا "شبهنا"؟ هذا كلامهم.

فمن هو الشبه ومثاله سوى كلمته وروحه؟ فيقول هنا: فالصفة لا تكون مثلاً للموصوف إذ الموصوف هو الذات القائمة بنفسها والصفة قائمة به، والقائم بغيره لا يكون مثل القائم بنفسه. وإن أراد به شيئاً غير صفاته مثل بدء المسيح وروحه، فذلك مخلوق له، والمخلوق لا يكون مثل خالق، وكذلك روح القدس، سواء أريد به ملك أو هدى وتأييد ليس مثل الله.

الرابع: أنه قال ﴿لِنَخْلُقْ خَلْقًا﴾، أو قال ﴿لِنَخْلُقْ آدَمَ﴾ أو نخلق بشراً على صورتنا وشبهنا، وبكل حال فهذا مخلوق. وكلمة الله وروحه عندهم غير مخلوق، فامتنع أن يكون المراد بذلك كلمته وروحه. وإن قالوا أراد بذلك الناسوت المسيحي فلا.

قالوا: «فلا فرق بين ذلك الناسوت وسائر النواسيت، مع أن المراد بذلك النص هو آدم أو البشر باتفاق الأمم، والناسوت نفسه ليس هو كلمة الله وروحه».

نعود للمربع الأول، أنه حين قالوا: ﴿لِنَخْلُقَ خَلْقًا﴾، أي خلقنا وخلنا نخلق آدم ونخلق بشراً على صورتنا، وعلى ما قالوا: نخلق خلقاً على شبهنا بكل حال، فهذا مخلوق. أما كلمة الله وروحه عندهم فغير مخلوقة؛ لأنهم يفسرون كلمة الله بعلم الله وصفته، وكذلك روح القدس يفسرونها بصفة، فكلمة الله وروحه عندهم غير مخلوقة.

امتنع أن يكون المراد بذلك -أي لنخلق خلقاً- كلمته وروحه، مع أن ما قاله سند أقرب أن يكون هو المراد. بولس نفسه قال في التوراة حيث يقول: حيث شاء الله أن يخلق آدم، قال الله: ﴿لِنَخْلُقَ خَلْقًا﴾. النص أن آدم هو ابن تيمية، انتبه لهذا، وقال: نخلق آدم.

قالوا: أراد بذلك الناسوت المسيحي، فلا فرق بين ذلك الناسوت وسائر النواسيت، مع أن مراد ذلك النص آدم أبو البشر باتفاق الأمم، والناسوت نفسه ليس هو كلمة الله وروحه.

الخامس: أنه لو قُدِّر أن المراد بذلك هو كلمة الله، لأن كلام الله يشبه ذاته من بعض الوجوه مثل كونه قادراً بقدرته، لم يكن في ذلك ما يدل على الأقانيم الثلاثة. وكذلك اللفظ معروف وهو قوله: ﴿سَنَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا نَشْبَهُهُ﴾، هذا لا يدل على التثليث من الوجوه. وشبه الشيء يكون لمشابهته لهم بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يجب أن يشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع.

وإذا قيل: هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلاً لهذا المسمى فيما يجوز ويجب ويمتنع. هنا ثلاثة أشياء، وهذه المسألة مهمة في باب الأسماء والصفات؛ إذا قلنا إن الله عليم قدير والبشر أيضاً عنده علم وقدرة، وإن الله رحيم رؤوف والبشر عنده رحمة، فنقول البشر يشبه الله في هذا، ولا نقول البشر يماثل الله. ما الفرق بين لفظ الشبه ولفظ المثل؟

قال: بل هنا ثلاثة أشياء؛ أحدها القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كلي عام مشترك إلا في أذهان العلماء. يعني في ذهنه؛ الآن لما نقول الله رؤوف وفلان رؤوف، ما هو الجامع بين رحمة الله ورحمة البشر؟ لك هناك معنى كلي مشترك نفهم به رأفة الله ورأفة البشر، هذا المعنى الكلي المشترك هو نقطة التشابه، وهذا لا يوجد إلا في الأذهان. أنت لما تسمع كلمة الله سميع وزيد سميع، أنت تفهم من كلمة سميع -سواء أضيفت إلى الله أو أضيفت إلى المخلوق- أن هناك قدراً مشتركاً بين كلمة سميع هنا وسميع هنا، هي نقطة التشابه. لكن ما بعد ذلك؛ سمع الله بخصائصه وما يليق بجلاله يختلف عن سمع المخلوق وما يتعلق به من لوازم وما شابه ذلك.

والثاني: ما يختص به هذا كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة، وما يختص به ذاك ما يختص به العبد من الحياة والعلم والقدرة؛ لأن كل ذات لها لوازم خاصة بها. فهناك إذاً قدر مشترك، ثم بعد ذلك هناك لوازم تتعلق بعلم الله وذات الله، وهناك لوازم تتعلق بعلم المخلوق وذاته.

قال: فيما اختص به الرب عز وجل لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئاً من صفات الكمال التي يختص بها الرب عز وجل. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في الذهن، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه. الاشتراك بين الخالق والمخلوق في القدر المشترك لا محذور فيه؛ لأن القدر المشترك لا يتكلم عن خصائص الذوات.

وقال: لفظ التوراة فيه ﴿سَنَخْلُقُ بَشَرًا عَلَى صُورَتِنَا نَشْبَهُهُ﴾، لم يقل على مثالنا. هو كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك»، إن الله تعالى خلق آدم على صورته. فلم تذكر الأنبياء صلوات الله عليهم -كموسى ومحمد ﷺ- إلا لفظ الشبه دون لفظ المثل.

وقد تنازع الناس هل لفظ الشبه والمثل بمعنى واحد أو معنيين؟ على قولين: أحدهما أنهما بمعنى واحد، وإنما ما دل عليه لفظ المثل مطلقاً ومقيداً يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظام. والثاني أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة وشرعاً وعقلاً، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس.

وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، هي: هل يجوز أن يشبه الشيء من وجه دون وجه؟ والناس في ذلك قولان: فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه، قال المثل هو شبه واحد. ومن قال إنه قد يشبه الشيء، فهم الذين يرون أن الشبه هو المثل واحد. ابن تيمية يقول إنه لا يجوز أن يشبه الشيء في بعض جوانبه دون أن يشبهه في كل الجوانب، أو لا يكون.

ومن قال إنه قد يشبه الشيء شيئاً من وجه دون وجه، فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس؛ فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان تشتبه في كونها ألواناً مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام. يعني لما يكون عندي لون أسود ولون أبيض ولون أخضر، العقل كيف يترجمها جميعاً؟ أن هناك تشابهاً بينها، ما هو التشابه؟ أنه كلها ألوان. لكنه يعرف بعد ذلك الخصائص؛ أن هذا لون أسود، وهذا لون أبيض، وهذا لون أخضر. فالعقل لما ينظر إلى الأبيض والأسود والأخضر يعرف أنه في نقطة اشتراك أنها ألوان، وأن هناك نقطة اختلاف، وبالتالي العقل يؤمن بوجود التشابه.

من وجه دون وجه، وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور الناس والعقلاء. وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة؛ فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار مماثلة لحقيقة الماء، وإن اشترك في أن كل منهما جوهر جسمه وقيامه لنفسه.

وأيضًا فمعلوم أن في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبههم بعض الوجوه وإن كان مخالفًا له في الحقيقة. قال الله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. شوف لفظ المتشابه في القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَضَلَّنِيَ اللَّهُ أَوْ غَوَاَنِي فَمَنْ يَهْدِيكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَوْ جَاءَ بِهِ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ وَهَدًى﴾، وقال: ﴿قُلِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾، فتشابهت قلوبهم.

فصف القولين بالتماثل والقلوب بالتشابه لا بالتماثل؛ فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة. لاحظ كذلك قال: ﴿قَالُوا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، جميل في نفس الآية استعمل لفظ المثل ولفظ الشبه؛ كذلك قال: ﴿قَالُوا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فلما كان القول الثاني مطابقًا تمامًا للقول الأول سماه مثلًا، والقلوب لما كانت تتشابه ولا تتماثل سماها تشابهت قلوبهم؛ فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول المتماثل لكنها في النهاية ستبقى مختلفة، فقلب أبو جهل ليس مثل قلب يحيى بن خطاب، وإن كانوا قد يتفقون على نفس المقود والخطوة ويتماثلون فيها.

وقال النبي ﷺ: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتربها كثير من الناس»، فدل على أنه يعلمها بعض الناس وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام وبعضها حلال.

الرجل السادس: أن قوله "سنخلق خلقًا على شبهنا" لا يتناول صفته مثل كلامه وحياته القائمة به، فإن ذلك ليس بمخلوق، وحينئذ فهذا لا يتناول اللاهوت الذي يسمعون أنه تدرع بالناسوت، فإن اللاهوت ليس بمخلوق، أما الناسوت فهو كسائر نواسيت الناس، اختصاص له بأن يكون شبيهًا دون سائر النواسيت. قوله "فمن هو الشبه المخلوق سوى كلمته وروحه" باطل على كل تقدير؛ فمن هو الشبه المخلوق إذاً؟ ابن تيمية عم يفسر أنه يقصد: "فمن هو الشبه المخلوق (سنخلق خلقًا) عم سوى كلمته وروحه"، ويجعل الروح والكلمة هي الخلق، "سنخلق خلقًا" يعني الروح والكلمة، هكذا ابن تيمية عم يفسرها.

وقال: وأما قوله "ها آدم قد صار كواحد منا"، وقولهم إن هذا قول واضح أن الله قال هذا القول لابنه وروح قدسه، فإن أرادوا أنه يجعل الذي صار كواحد منا لابنه، كان هذا من أبطل الكلام؛ فإن هذا الابن إن كان المراد به الكلمة التي هي صفة لله، فتلك لم يُخلق لها أمر يصير كواحد منهم وتلك تسمى آدم ولا سماها الله ابنه. وإن أريد به الناس المسيح فذلك مخلوق مبتدع يمتنع أن يكون كالقديم الأزلي، وأيضًا فإن الله قال هذا عن آدم، وآدم ليس هو المسيح، ولا يجوز أن يقال آدم ويرد به المسيح، كما لا يجوز أن يقال عصى آدم ويرد به المسيح.

ويقال أيضًا إنه قال: "ها آدم قد صار كواحد منا"، هذا إشارة إلى أمر قد كان في الزمن الماضي، وليس هو إشارة إلا ما سيكون بعد ذلك بألف من السنين. وإن أرادوا أن الله قال الذي هو كلمته وروحه: "ها آدم وقد صار واحدًا منا"، أي أن الله خاطب به روحه، وهذا هو المراد، كقولهم إنه قال هذا القول يستهزئ بآدم، أي أنه طلب أن يصير كواحد منا صار هكذا عريانًا مفتضحًا، وتكون شبهتهم قوله "منا"؛ إن "نا" هي الجمع.

إنه عبر بصيغة الجمع، وكذلك أراد هذا بقوله "نخلق بشرًا على صورتنا وشبهنا"، فاحتج عليهم بصيغة الجمع، كأنه عرض وجهة نظر أخرى. وهذا مما احتج به نصارى نجران على النبي ﷺ، فاحتج بقوله تعالى "أنا ونحن"، قالوا هذا، وهذا يدل -لاحظ الكلمة- ينبغي أن يقول هذا النص يحتمل وجهتين: أن الله خاطب ابنه اللي هو المسيح، وقال سنخلق بشرًا اللي هو آدم، "على صورتنا أنا وإياك يا مسيح"، ومثلنا على أساس أننا بتشمل الله والمسيح، يعني وعلى كل هذا دائماً نقول استغفر الله ونعوذ بالله من هذا الكلام.

وهذا ما احتج به النصارى نجران على النبي ﷺ، فاحتج بقوله تعالى "أنا ونحن"، قالوا هذا دل على أنهم ثلاثة، فكان هذا من المتشابه الذي اتبعوه ابتغاء الفتنة بتأويله، وترك المحكم بين البين الذي لا يحتمل إلا واحدة؛ فإن الله في جميع كتبه قد بين أنه إله واحد، وأنه لا شريك له، وأنه لا مثيل له. وقوله "إنّا" لفظًا يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع، تستعمل استعمالين؛ كلمة "نا" كما تطلق على الجماعة، يقول إحنا في الغرفة نقول نحن درسنا، وتطلق على الواحد أيضًا المعظم لنفسه الذي له أتباع، فيقول الملك عن نفسه فعلنا، وكذا يقصد ذاته، فكلمة "نا" لها أكثر من استعمال.

وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه وإن لم يكونوا شركاء ولهم آراء. وقال الله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فامتنع أن يكون له شريك أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فإذا كان الواحد من ملوك يقول أنا ونحن ولا يريد أنهم ثلاثة ملوك، فمالك ملك الملوك رب العالمين ورب كل شيء، وحق له أن يقول إنه نحن مع أنه ليس له شريك، لا مثيل له، بل له جنود السماوات والأرض.

وأيضًا فمن العلوم أن آدم لم يطلب أن يصير مثل الله ولا مثل صفاته كعلمه وحياته أيضًا، فليس في ظاهر اللفظ أن الله خاطب صفاته بذلك، وأيضًا في الصفة القائمة بالموصوف لا تُخاطب وإنما يُخاطب الموصوف، ولم يكن قد خُلق آدم، ولم يكن قد خُلق المسيح ولا غيره من البشر حتى يُخاطب، وعُلِم أن دعواهم أن الله خاطب صفته التي سموها ابنًا وروحًا قدسًا كلام باطل، بل قد يخاطب ملائكته، وآدم عليه السلام أراد ما أطمع فيه الشيطان من الخلد والملك كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120].

قالوا وقال الله عندما أخسف بسدوم وعمورة، قال في التوراة: "وأمطر الرب من عند الرب من السماء على سدوم وعمورة نارًا وكبريتًا"، وأوضح بهذا ربوبية الآب والابن. شايف هي أوضح بهذا ربوبية الآب والابن، ليه؟ نفس النص الآن بده يحلله: "وأمطر الرب".

من عند الرب صاروا ربين، من الرب الأول؟ اللي هو الآب، والرب الثاني اللي هو الابن.

فالآن يقول لهم ابن تيمية: والجواب أن احتجاجهم بهذا من أبطل الباطل لوجوه؛ أحدها أن تسمية الله علمه وحياته ابناً ورباً تسمية باطلة. يعني لو بدنا نفرض أن الرب الثاني هو الابن، وأنتم عندكم الابن ما هو علمه وحياته، فابن تيمية يمسكهم من خناقهم في تفسير الابن بأنه العلم والحياة، فهو يقول لهم: أنتم كلما فسرتوا الابن بمعنى العلم والحياة، فهذا يعني يزيد ضلالكم وكذبكم؛ فإن تسمية الله علمه وحياته ابناً ورباً هذه تسمية باطلة.

قال: لم يسمِّ موسى في التوراة شيئاً من صفات الله باسم الابن ولا باسم الآب، فدعوى المدعي أن موسى عليه السلام أراد بالرب شيئاً من صفات الله، أو أن له صفة تسمى ابنه، كلام باطل. الثاني أنه لو قدر أن صفة الله تسمى بذلك، فمعلوم أن الذي أمطر كان هو الذي كان المطر عنده، لم يكن المطر عند أحدهما والآخر هو الممطر، كما لا يجوز أن يقال خلق أحدهما من شيء عند الآخر، ولا أنزل أحدهما مطراً من سحاب الآخر؛ فقد أمطر الرب من عند الرب، وهذا المراد بالرب الأول غير الرب الثاني.

وهذا الذي أقوله لك، أنه لو قدر أن صفة الله تسمى بذلك -بدنا نمشي معكم- أن الابن الذي هو صفة الله التي هي العلم تسمى رباً، فمعلوم أن الذي أمطر كان هو نفسه الذي أمطر، من عنده، وليس أمطر رب من عند رب؛ هذا رب من عند رب، وهذا رب ثاني، يعني هم نفسهم الرب الأول ونفسه الرب الثاني، لم يكن المطر من عند أحدهما والممطر هو الآخر، كما لا يجوز أن يقال خلق أحدهما من شيء عند الآخر.

قال: الثالث أن الصفة لا تفعل شيئاً ولا عندها شيء، بل هي قائمة بالموصوف، والذات المتصفة بصفته هي التي تفعل وعندها يكون ما يكون. الرابع أن هذا بمثابة قوله: أمطر الرب من عنده، لكن جعل الاسم الظاهر موضع الضمير. هذا هو، يعني أمطر الرب من عنده لكنه صرح باسم الرب مرة أخرى؛ كيف نقول: فعل الله كذلك وخلق الله كذلك؟ لو قلت: فعل الله ذلك وخلقه يضبط، لكنك تعيد إظهار اسم الرب واسم الله في أكثر من مكان لفائدة بلاغية، فنسلف الشيء نفسه: الرب الأول هو الرب الثاني هنا.

قال: لأن الأمر له وحده في هذا، وهذا مثل هذا في القرآن كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-3]، لكنه جعلها ظاهرة؛ مع أن الأصل أنها في المرة الثانية والثالثة تذكر بالضمير، وهذا ما يسمى عند البلاغيين الإظهار في موضع الإضمار.

قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1]، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 44]، والله هو المنزل ولم يقل مني أصلاً. وقال داوود في الزبور في المزمور التاسع قائلاً: «قال الرب لربي، اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت موطئ قدميك». طبعاً الآية السابقة، من الذي تكلم بهذه الآية؟ ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، الله هو نفسه المتكلم بهذه الآية فلم يقل هذا الكتاب تنزيل مني، قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فهذا إظهار في موضع الإضمار. كيف أنا آتي أقول لكم: والله جاء إبراهيم، قلت: أجيئوا وأنا إبراهيم؟ وتقول: جئتم، قلت: إيش جاء إبراهيم وسيعمل فيكم كذا؟ بالتالي أنا أظهرت في موضع الإضمار، والأصل أقول: جئت وسأعمل فيكم كذا.

قال: والجواب وجوه؛ أحدها أنه لا يجوز أن يراد بربي شيء من صفات الله، فإنه لم يسمِّ داوود ولا أحد من الأنبياء شيئاً من صفات الله رباً ولا ابناً، ولا قال أحد لشيء من صفات الله يا رب ارحمني، ولا قال لعلم الله أو كلامه وقدرته يا رب. وإذا لم يكونوا يسمون صفات الله رباً، فلو كان المسيح صفة من صفاته أن يكون هو المراد بـ "ربي"، فكيف وناسوته أبعد من اللاهوت أن يراد بذلك؟ وعلم أنهم لم يريدوا بذلك لا اللاهوت ولا الناسوت.

الثاني أنه قال "رب لربي" أضاف إليه الثاني دون الأول، وأنه هو ربه الذي خلقه. وعامة ما عند النصارى من الغلو أن يقولوا: إله حق من إله الحق ويجعلونه خالقاً، أما أن يجعلوه رباً بكونه رب داوود فهذا لم يقوله وهو ظاهر البطلان. الثالث أنه ليس في هذا ذكر الأقانيم الثلاثة غايته، ولو كان كما تقولوه أن يكون فيه ذكر الابن، وأما الأقانيم الثلاثة فلم ينطق بها شيء من كتب الله التي أيديهم بها، فضلاً عن القرآن، لا بلفظها ولا معناها.

ما فيش روح القدس، مش وارد هنا في كل النص أصلا. قال: ﴿بَلِ ابْتَدَعُوا لَفْظَ الْأَقْنُومِ وَعَبَّرُوا بِهِ عَمَّا جَعَلُوهُ الدُّوَلَ﴾، وكلام الله لا يدل على ذلك، فكانوا في ذلك مترجمين لكلام الله وهم لم يفهموا معناه، ولا عبروا عنه بعبارة تدل على المراد.

الرابع: أنه قال لربي، وهذا المراد به السيد، كما قال يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، وقال لغلام الملك: «اذكرني عند ربك»، وقال تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ ولهذا ذكر الأول مطلقا والثاني مقيدا، فيكون معنى "وقال الله لسيدي" أي لسيدي بمعنى السيد المطاع، وليس معنى الإله. قال: وسماه سيدا تواضعا من داوود وتعظيما له لاعتقاده أنه أفضل منه. فالرب الثاني الذي هو السيد، قال الرب لربي أي لسيدي بمعنى السيد المطاع وليس معنى الإله.

نذكر رابعا، قال وفي المزمور الثاني الذي قال لي: «أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك»، وسماه سيدا تواضعا من داوود وتعظيما له لاعتقاده أنه أفضل. الظاهر أنه يقول نذكر دليلا رابعا على الأقانيم. والجواب من وجوه: أحدها أن هذا ليس فيه تسمية صفات الله علمه وحياته ابنا، ولا فيه ذكر الأقانيم الثلاثة، فليس فيه حجة لشيء مما تدعونه.

والثاني أن هذا حجة عليهم؛ فإنه هو سمى داوود ابنه، علم أن اسم الابن ليس مختصا بالمسيح عليه السلام، بل سمى غيره من عباده ابنا، فعلم أن اسم الابن ليس اسما لصفاته، بل هو اسم لمن رباه من عبيده. وحينئذ فلا تكون تسمية المسيح ابنا لكون الرب أو صفته اتحدت به، بل كما سمى داوود ابنه، وكما سمى إسرائيل ابنا فقال: «أنت ابني بكري» إسرائيل ويعقوب.

قال: وهذا في كتبهم، فإن كان ما في كتبهم ليس قول الله فلا حجة فيه؛ لأنه أراد المربى، وإن لم يكن قول الله ورسله فلا حجة فيه؛ لأن قول غير المعصوم ليس بحجة. الثالث: أن قوله: ﴿وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ﴾ يدل على حدوث هذا الفعل، وعندهم تولد الكلمة التي تسمونها الابن من الأب قديم أزلي، كما قالوا في إيمانهم: «برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور». إنهم يقولون إن عيسى أزلي، وهذا يدل على أنه أزلي، ولكن النص هنا يقول: ﴿وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ﴾.

قال: «الله حق، الحق جوهر به مولود من غير مخلوق، مساوا للآب في الجوهر الذي كان به كل شيء». فهذا الابن عندهم مولود من الآب قبل كل الدهور، وذلك ولد وذاك ولد في يوم خاطبه؛ في يوم خاطبه بعد خلق داوود، فلم يكن في هذا المحدث دليل على وجود ذلك القديم.

الوجه الرابع: أنه إذا كان الآب في الغالب هو الرب الذي يربي عبده أعظم مما يربي الأب ابنه، كان معنى لفظ الولادة مما يناسب معنى هذه الأبوة، فيكون معنى "اليوم جعلتك" أي مرحوما مستطفى مختارا، فيكون معنى الولادة والبنوه الرحمة والاصطفاء كما ذكرنا سابقا، وليس الولادة البيولوجية.

قال: النصارى قد يجعلون الخطاب الذي هو ضمير لغير المسيح يراد به المسيح. هي مشكلة النصارى؛ الذي قال لي «أنت ابني»، الكلام مع من؟ مع داوود، صح؟ هم جعلوا الكلام مع المسيح، أن الله يخاطبه، هو كأنه بولس يشوف أي نص في ضمير يحطه للمسيح ابن مريم، وهذه ممارسة علمية هي لعب في القضية. لذلك حتى اليوم، عندما ترى من يعود للنصارى ولا يناظر الكلام، تشعر أنك تضيع وقتك، هو يحط الضمير يرفع الذي يريده وينزل الذي يريده، ويفسر على كيفه، ما في حتى منهج علمي للتفسير.

قال: فقد يقولون المراد بهذا المسيح، وهذا باطل لا يدل عليه، وبتقدير صحته فيدل على أن المسيح هو المأموت مخلوق، هو المسمى بالابن كقوله: ﴿وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ﴾، واللاهوت عندهم مولود من قبل الدهور. وحينئذ فإن كان المراد به يوم ولادته فمعنى خلقتك، وإن كان يوم اصطفاه فالمراد اليوم اصطفيتك وأحببتك، كأنه قال: اليوم جعلتك ولدا وابنا على لغتهم.

فصل: قالوا نذكر خامسا، وفي السفر الثاني من التوراة: «وكلم الله موسى من العليقة قائلا: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب». ولما يقول: «أنا إله إبراهيم وإسحاق وإله يعقوب»، الكرسم الإلهي ثلاث دفوع، قائل: «لا، أنا إله، وإله، وإله». بالنسبة لبولس هي دليل على أنه في ثلاثة آلهة لأنه قال: «أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب». إذا في وقت واحد اثنين، ثلاثة؟ كيف؟ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله؟ شو معنى؟ هل هو إله واحد معبود في السماء وفي الأرض؟

القضية صارت متعبة لأنك تشعر أن في محاولة للتحكم بالنص كما يريد بولس أن يفهمه، كما يريد النصارى أن يفهموه بدون معايير علمية لقراءة النصوص. أي طالب علم مبتدئ ممكن يعرف أن هذا الكلام واضح خطأ. قال: لتحقق مسألة الثلاث أقانيم في لاهوتيته، والجواب أن الاحتجاج بهذا على...

الأقانيم الثلاثة من أفسد الأشياء، وذلك يظهر من وجوه؛ أحدها أنه لو أريد بلفظ الإله أقنوم الوجود، وبلفظ الإله مرة ثانية أقنوم الكلمة، والثالث أقنوم الحياة؛ لكان الأقنوم الواحد إله إبراهيم، والأقنوم الثاني إله إسحاق، والأقنوم الثالث إله يعقوب، ويكون كل من الأقانيم الثلاثة إله أحد الأنبياء الثلاثة، والأقنومان الآخران ليسا إلهين له.

فيكون مثلاً إبراهيم إلهه الأقنوم الأول، وإسحاق إلهه الأقنوم الثاني، وكل واحد من الأنبياء هؤلاء الأقانيم الأخرى ليست إلهاً له، وهذا فاسد، هذا كفر حتى عند النصارى، أنتم نفسكم ما بتحكوا هيك؟ نعم، قال: وهذا كفر عندهم وعند جميع أهل ملة، وأيضاً يلزم من ذلك أن يكون الآلهة ثلاثة. هم يقولون إله واحد، ثم هم إذا قالوا كل من الأقانيم إله واحد، إن النصارى يجعلون الأقانيم الثلاثة إلهاً واحداً في النهاية، وهي قضية الثلاثة في واحد.

قال: فيجعلون الجميع إله كل نبي، فإذا احتجوا بهذا النص على قولهم لزم أن يكون إله كل نبي ليس إله النبي الآخر، مع كون الآلهة ثلاثة.

الوجه الثاني أنه يقال إن الله رب العالمين، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش ورب كل شيء، فيجب أن يكون رب السماوات ليس هو رب الأرض، وكذلك يقال إله موسى وإله محمد، مع قولنا إلى إبراهيم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أفتكون الآلهة خمسة؟ وقد قال يعقوب لبني: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133]، أفتراه أثبت إلهين أحدهما إله والآخر إله الثلاثة؟

الوجه الثالث أن العطف يكون تارة لتغير الذوات وتارة لتغير صفاته، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 1-4]، ونحو قوله: والذي خلقه هو الذي قدر وأخرج، وكذلك قوله: إلهك وإله آبائك وهو هو. فهل العطف هنا لتغاير الذات ولا لتغاير الصفات؟ هو تغير المتعلقات فقط ولا الذات واحدة؟

قال: وقال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه لقومه: «أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنه عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهدى، والذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو الذي يشفيني». هل هذا العطف أن كل واحد فيهم إله؟ لا، هو إله واحد بصفات متعددة.

قال: إلى غير ذلك، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَالَّذِي إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 78-80]، قوله في التوراة: إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب هو من هذا الباب، ولا يختص بهذا الثلاثة، بل يقال هذا في الاثنين والأربعة والخمسة بحسب ما يقصد المتكلم ذكره من الصفات.

وفي هذا من الفائدة ما ليس في قوله إبراهيم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أن لو قيل ذلك لم يفد إلا أنه معبود الثلاثة، لا يدل على أنهم عبدوه مستقلين، كل منهم عبده عبادة اختص بها لم تكن هي نفس عبادة الأول. وأيضاً إذا قيل إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب دل على عبادة كل منهم باللزوم، إذا قال "إله" دل على أنه معبود كل من الثلاثة، فأعاده باسم الإله الذي يدل على العبادة دلالة باللفظ المتضمن لها، في ذلك من ظهور المعنى للسامع وتنبوه بصورة من غير ذكر ما ليس في دلالة الملزوم.

قال: وكذلك شهد إشعيا بتحقق الثالوث بوحدانية جوهره، وذلك بقوله رب القوات، وبقوله رب السماوات والأرض، ومثل هذا القول في التوراة والمزامير شيء كثير، حتى إن اليهود إلى هذا الوقت يقرؤون هذه النبوات ولا يعرفون لها تأويلاً، هم يعترفون بذلك ولا ينكرون كلمة منه كلمة واحدة، وإنما قلوبهم مغلوقة عن فهمه لقساوتها على ما ذكرنا قبل ذلك.

وإنهم إذا اجتمعوا في كنيستهم كل سبت، يقف الحزانى وإمام يقول كلاماً بالعبرانية، وهذا التفسير ولا يجحدونه: «نقدسك، ونعظمك، ونثلث لك تقديساً مثلثاً كالمكتوب على لسان نبيك»، فيصيح الجميع مجاوبين: «قدوس، قدوس، قدوس، رب القوات ورب السماوات والأرض». فما أوضح إقرارهم بالثالوث وأشد كفرهم بمعناه! فنحن لأجل هذا البيان الواضح الذي قاله الله في التوراة وفي كتب الأنبياء، فجعلوه ثلاثة أقانيم جوهراً واحداً، وطبيعة واحدة، إلهاً واحداً، أباً واحداً، وخالقاً واحداً، هو هو الذي نقوله: أب وابن وروح قدس.

قال: والجواب أما ما في كتب الأنبياء عليهم السلام من تثنية اسم الرب عند إضافته لمخلوق آخر، فهو من نمط تثنية اسم الإله، وهذا لا يقصد تعدد الأرباب والآلهة، هذا لا يقتضي جعلهم اثنين وأربعة، وإذا ذكر اللفظ مرتين وأربعة فكذلك إذا ذكر ثلاث مرات لا يقتضي أن الأرباب ثلاثة. هم أيضاً لا يقولون بثلاثة أرباب وثلاثة آلهة، ولو كان هذا يدل على ثلاثة أرباب وثلاثة آلهة.

والكلام السابق هو كلام بولس عن اليهود، حتى تفهم الآن هو عم بيجيب في الفقرة السابقة، قالوا أي اليهود، وكذلك شهد إشعيا، يعني بولس يتكلم عن اليهود كيف يشهدون بهذا الثالوث، قالوا مثل هذا في التوراة والمزامير شيء كثير، كله كلام بولس: حتى إن اليهود إلى هذا الوقت يقرؤون هذه النبوات ولا يعرفون لها تأويلاً، وهم معترفون بذلك، ولا ينكرون منه كلمة واحدة، وإنما قلوبهم مغلقة عن فهمه لقساوتها على ما ذكرنا قبل ذلك.

وإنهم إذا اجتمعوا في كنيستهم كل سبت، يخطب الحزانى إمامهم ويقول كلاماً بالعبرانية، هذا تفسيره ولا يجحدونه: «نقدسك، ونعظمك، ونثلث لك تقديساً مثلثاً كالمكتوب على لسان نبيك». فأنتم يا يهود تقرون بالتثليث بس لكم لا تؤمنون به؟ تقرون به بألسنتكم!

فهنا بعد كل هذه الحفلة، كيف يرد ابن تيمية على بولس انتقاده لليهود؟ والجواب أن ما في كتب الأنبياء من تثنية اسم الرب عند إضافته إلى مخلوق آخر فهو من نمط تثنية اسم الإله، وهذا لا يقتضي تعدد الأرباب، والتثنية المراد بها هنا التكرار. وتثنية اسمه هذا لا تقتضي تعدد الأرباب والآلهة، ولهذا لا يقتضي جعلهم اثنين وأربعة إذا ذكر اللفظ مرات. إذا قلت "الله" هل معنى صار إلهين؟ فلما النصارى يقولون "قدوس"، اليهود لما كان يقول "قدوس، قدوس، قدوس"، لأنه هو مش بيقول لك مش اليهود دائماً شو بيقول لك؟ فجأة فيصرخ الجميع مجاوبين: «قدوس، قدوس، قدوس»، صاروا ثلاثة؟ خلص، تقول لهم يعني إذا واحد قال "الله" معناه صار إلهين؟ الصوفية دائماً مثلثية، بيقولوا أنا مش مثلثين، الصوفية بيطلع عندهم ألف إله، كل ما ذكر اسم الله مرة زيادة صار إله جديد، فبقول لهم يعني إذا...

ثنيت اسم الإله قلت الله، هل يعني صاروا إلهين؟ لا، أنا أكرر نفس الاسم "الإله". فاليهود -يا بولس لا تنتقد اليهود على هذه الجزئية- فاليهود لما يجيبون: «قدوس، قدوس، قدوس»، وتكرار لـإله واحد، مش تثليث لثلاثة آلهة.

قال: فكذلك إذا ذكر ثلاث مرات لا يقضي أن الأرباب ثلاثة، هم أيضًا لا يقرون بثلاثة أرباب وثلاثة آلهة؛ فلو كان هذا يدل على ثلاثة أرباب وثلاثة آلهة، دل على نقيض قولهم، بل هم يزعمون أنهم إنما يفتون بإله واحد، ولكنهم يتناقضون فيصرحون بثلاثة آلهة ويقولون هم إله واحد، والكتب لا تدل على قولهم المتناقض بوجه من الوجوه. وأما ما ذكره من اعتراف اليهود بألفاظ هذه النبوات، دعواه أنه لا يعرفون لها تأويلاً، فنض بالتاويل تفسيرها وما يدل عليها عليه لفظها، فهذا ظاهر لا يخفى على الصبيان من اليهود وغيرهم، ولكن النصارى ادعوا ما لا يدل عليه اللفظ، وإن أرادوا بالتاويل معنى يخالف ظاهر اللفظ فهذا إنما يحتاج إليه إن كان يحتاج إليه.

ابن تيمية يحكي لبولس: المشكلة في فهمك أنت، مش لليهود. يعني اليهود لما يحكوا: «قدوس، قدوس، قدوس» هم فاهمين، أنت اللي عم تعطي تفسير للنص، نحن نفسنا مش فاهمينه، ولا اليهود رح يفهموا ولا يتفاهموا. وهو يقول له: فإن هذا ظاهر لا يخفى على صبيان اليهود، أن «قدوس، قدوس، قدوس» هو تكرار لاسم إله واحد، ولكن النصارى ادعوا في هذه النصوص ما لا تدل عليه أصلاً الألفاظ.

قال: وإن أرادوا بالتاويل معنى يخالف ظاهر اللفظ، فهذا إنما يحتاج إليه إن كان يحتاج إليه إذا كان ظاهره معنى باطلاً تجوز إرادته، أما إذا كان الظاهر معنى صحيحاً فلماذا لا يفهم عن المعنى الصحيح؟

قال: ليس ما ذكروا من هذا الباب، بل الكتب الإلهية يكثر فيها مثل هذا الكلام عند أهل الكتاب وعند المسلمين، ولا يفهم منها ثلاثة أرباب أو ثلاثة آلهة، إلا من اتبع هواه بغير هدى من الله، وقال قولاً مختلفاً، يوفق عنه من أفق.

أكيد مثل هذا موجود في الكلام؛ يقال: هذا أمير البلد الفلاني، وأمير البلد الفلاني، وأمير بلد فلان، وهو أمير واحد. ويقال مثلاً: هذا الرجل هو أمير عمان، وأمير الكرك، وأمير معان؛ هل صاروا ثلاثة أمراء ولا هو نفسه واحد؟ يقول لك هو نفسه واحد، السياقات واضحة والظاهر واضح، لكن هناك -والعياذ بالله- من تعمى نفوسهم.

قال: «هذا رسول إلى الأميين ورسول إلى أهل الكتاب ورسول إلى الجن والإنس»، وهو رسول واحد. نقول النبي ﷺ رسول إلى الجن، ورسول إلى أهل الكتاب، هل الرسول الأول غير الرسول الثاني؟ الأول هو نفسه الثاني.

فصل: فرق بين دلالة «إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب» وبين تكرر لفظ الإله. قال: إن الأولى تدل على العبادة باللزوم، وأما الثانية فدلالتها بلفظ المتضمن. وإذا قال: «إله إبراهيم وإله إسحاق»، دل على أنه معبود كل من الثلاثة، فأعاده باسم الإله الذي يدل على العبادة، دلالة باللفظ المتضمن لها؛ لأنه إله، ومعنى إله: معبود، فهو يدل على كلمة معبود، تدل على ذات وعلى صفة وهي العبادة، فهذه تدل على العبادة بالتضمن.

لماذا في البداية غير تكرار "الإله" جعلها دالة على العبادة؟ قال: وأيضاً قيل: «إله إبراهيم وإسحاق» دل على عبادة كل منهم باللزوم أو بالملزوم، وإذا قال: «إله إبراهيم وإله إسحاق»، دل على أنه معبود كل من الثلاثة، فأعاده باسم الإله الذي يدل على العبادة، دلالة باللفظ المتضمن له في ذلك، من ظهور المعنى للسامع وتنويعه بصورة له من غير ذكر ما ليس في دلالة الملزوم.

تفضل، الأول: إذا قال "إله" مرة واحدة: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، ويدل على عبادتهم من حيث المجموع لا من حيث كل فرد، أما يدل على عبودية كل فرد منهم بطريق اللزوم، أما إذا كرر لفظ الإله مع كل واحد فيحيد يدل بطريق التضمن على عبودية كل واحد منهم.

يريد أن يقول لك: لو أن أضفت كلمة "الإله" لكل شخص منهم، فدل على أن كل شخص منهم يعبد الإله بالتضمن المباشر؛ بقولك: إله إبراهيم، إله إسحاق، إله يعقوب، أنت هنا تتكلم عن أن إسحاق يعبد، أنت نصيت على هذه بشكل مباشر بالتضمن. لكن لما أعطيك إياها بالمجموع فأقول لك: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، أنا أعطيتك إياها على صورة مجموعة، ما أعطيتك أن هذا بالتضمن يعبد بالتفصيل، أنت فهمت هذا بمجموعهم جمعاً أنه معبود الثلاثة.

فدل هذا على أن إسحاق ويعقوب إنما دخلا باللزوم والتبع وليس بالتضمن المباشر؛ لأنه لو أعطيتك إياها مباشرة كان بالتضمن المباشر، لكن هو عطف إسحاق ويعقوب على إبراهيم، فقال: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، فأنت أخذتها هنا بالمجموع وليس بالتفصيل المتعلق بكل واحد منهم، فدل هذا باللزوم، وهذا الذي يقصده باللزوم الذي يستفاد من التعاطف.

اللزوم هو أنه احتاج خطوة زائدة ليجعل لفظه "الإله" ينطبق على كل واحد منهم، إذا أعطيت لفظ "الإله" لكل واحد منهم خلص، أصبحت بدلالة التضمن المباشر لكل شخص منهم، لكن لما استعملت التعاطف واكتفيت بذكر "الإله" مرة واحدة، أنت تكلمت عن مجموعهم وليس عن كل واحد منهم، فأضافتها لكل واحد منهم من باب اللزوم.

يقول بعد ذلك: "إله الجميع"، ما معنى "إله الجميع"؟ يلزم منه أن كل شخص منهم باللزوم يعبده، فأنت أخذت أن كل واحد منهم يعبده باللزوم؛ لأنه إذا قلت لك "إله الجميع" فمعناه باللزوم أن كل واحد منهم يعبد، فأخذت أن كل واحد على حده يعبده من لزوم أنه "إله الجميع". لكن لما أقول لك: هو إله فلان، وإله فلان، وإله فلان، هنا لست محتاجاً لهذه الخطوة التالية.

إبراهيم وآل إسحاق، ما في داعي لهذه الخطوة الانتقالية، لأن أنا أثبت مباشرة أن آل إسحاق يعبده إبراهيم، وإبراهيم يعبده بالتفصيل أثبتتها مباشرة، فكان هناك بدلالة التضمن.

قال: «فصل وما قوله: نقدسك ونعظمك ونثلث لك تقديسًا مثلثًا كالمكتوب على لسان نبيك إشعياء، وقولهم: قدوس قدوس قدوس رب القوات ورب السماوات والأرض». فيقال: هذا الكلام صريح في أن التثليث هو نفس التقديس، لا نفس الإله المقدس، وكذلك قولهم: «قدوس قدوس قدوس»، فقد قال: نقدسك ونثلث لك تقديسًا مثلثًا، فنصب التقديس على المصدر الذي ينصب بفعل التقديس، فقال: قدسناه تقديسًا مثلثًا، كما تقول: سبحتك تسبيحًا مثلثًا، أي سبحتك ثلاث مرات.

وقال: «نثلث لك تقديسًا»، لم يقل أنت ثلاثة، بل جعلوا أنفسهم هم الذين يقدسون التقديس المثلث، هم يثلثون له، وهذا صريح في أنهم يسبحونه ثلاث مرات، لا يسبحون ثلاثة آلهة ولا ثلاثة أقانيم. وهذا كما في السنن عن أبي مسعود عن النبي ﷺ قال: «إذا قال العبد في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، إذا قال: سبحان ربي العظيم ثلاثًا». هل معناه أنه في ثلاثة آلهة؟ لا، نفس تكرار العبارة، فالتسبيح هو تقديس الرب، وأدناه أن يقدسه ثلاث مرات، فمعناه قدسوه ثلاث مرات، لا تقديسوا ثلاث مرات، لا تقتصروا على مرة واحدة، ولهذا يقولون مجاوبين: «قدوس قدوس قدوس»، فيقدسونه ثلاث مرات.

فعلم أن المراد بتثليث التقديس ما دل عليه لفظه وما يفعلونه ممثلين لهذا الأمر، وما يفعلون في نظير ذلك من تثليث تقديسه، وأن يقدس ثلاث مرات، لا أن يكون المقدس ثلاثة أقانيم، فإن هذا أمر لم ينطق به نبي من الأنبياء لا لفظًا ولا معنى، بل جميع الأنبياء عليهم السلام أثبتوا إلهًا واحدًا له الأسماء الحسنى، وأسماؤه متعددة تدل على صفاته المتعددة، ولا يختص ذلك بثلاثة أسماء ولا ثلاث صفات، وليست الصفات أقنومًا، هو ذات وصفة، بل ليس إلا ذات واحدة لها صفات متعددة، فالتعدد في الصفات لا في الذات التي يسمونها الجوهر، ولا في الذات وصفة التي يسمونها الأقنوم.

فصل، قالوا: «فما أعظم إقرارهم بالثالوث وأشد كفرًا بمعناه». هذا كلام بولس، ألم يقل: ما أشد وأعظم إقرار اليهود بالتثليث وأشد كفر بمعناه؟ يعني يتأسف بولس، يا حيف على اليهود، دائمًا يثلثون بلسانهم لكنهم يكفرون بمعناه بقلوبهم. فيقول ابن تيمية: «هذا من الافتراء الظاهر على اليهود، وإن كان اليهود كفارًا فلم يكن كفرهم لأجل إنكار الثالوث». نحن نرى أن اليهود كفار، لكن مشكلتهم أنهم ينكرون التثليث يا بولس، بل لو أقروا به لازدادوا كفرًا على كفرهم.

قال: «فكما أن النصارى لما كفروا، ولم يكن كفرًا بإقرارهم بأن المسيح المبشر به قد ظهر، ليس المسيح الدجال الذي تنتظره اليهود». وكذلك النصارى كفرهم ليس لأنهم يؤمنون بالمسيح ابن مريم، بل بالعكس هي نقطة إيجابية فيهم، أنهم يؤمنون بالمسيح عيسى ابن مريم ولا يؤمنون بالمسيح الدجال، ولو آمنوا بالمسيح الدجال أنه هو المسيح المقصود لازدادوا كفرًا على كفرهم.

قال: «إذًا خرج كانوا شيعته ويقتلهم المسلمون معهم شر قتلة، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله». بل لو كفروا بالمسيح كما كفرت اليهود كان ذلك زيادة في كفرهم. وعند اليهود وعندكم في التوراة من التوحيد المحض الذي يبطل تثليثكم ما لا يخفى إلا على من أعرض عن ذكر الله الذي أنزله وهداه، الذي هدى به عباده.

فصل، قالوا: «فنحن لأجل هذا البيان الواضح الذي قاله الله في التوراة وفي كتب الأنبياء، نجعل ثلاثة أقانيم جوهرًا واحدًا، وإلهًا واحدًا، وربًا واحدًا، خالقًا واحدًا، الذي نقوله: الآب والابن وروح القدس».

الوجه الأول: أن في التوراة والكتب الإلهية من أفاد وحدانية الله ونفي تعدد الآلهة ونفي ألوهية ما سواه ما هو صريح في إبطال قول النصارى ونحوهم، وليس فيها ذكر الأقانيم لا لفظًا ولا معنى، حيث يجعلون الأقنوم اسمًا للذات مع صفة، والذات واحدة والتعدد في الصفات لا في الذات، ولا يمكن أن تتحد صفة دون الأخرى ولا دون الذات، فيمتنع اتحاد أقنوم أو حلول بشيء من المخلوقات دون الأقنوم الآخر، ولا إثبات ثلاثة أقانيم، ولا إثبات ثلاث صفات دون ما سواها في شيء من الكتب الإلهية، ولا كلام الحواريين، ولا إثبات إله الحق من إله الحق، ولا تسمية صفات الله مثل كلام حياته ولا ابن ولا إله ولا رب، ولا إثبات اتحاد الرب خالق السماوات والأرض بشيء من آدمي، ولا حلول ذات من صفة دون ذات مع الصفات الأخرى، بل ولا حلول لنفس الصفة القائمة به في غيره، لا علمه ولا كلامه وحياته ولا غير ذلك.

بل جميع ما أثبتوه من التثليث والحلول والاتحاد ليس في كتب الأنبياء التي بأيديهم ما يدل عليه، بل فيها أقوال كثيرة صريحة بنقيض ذلك مع القرآن والعقل، فهم مخالفون للمعقول وكتب الله المنزلة.

الوجه الثاني: أنهم يقولون إنما نثبت إلهًا واحدًا، ثم يقولون في إثباتهم وأدلتهم وغير ذلك من كلام ما هو صريح بإثبات ثلاثة آلهة، ينقضون كلامهم بعضهم ببعض، ويقولون من الأقوال المتناقضة ما يعلم بطلانه كل عاقل تصوره، ولهذا لا ينضبط لهم قول مضطرد، كما يقول من عقلاء الناس إن النصارى ليس لهم قول يعقله عاقل، وليست أقوالهم كذلك.

هذا صحيح، يعني بعد رحلتنا مع بولس الأنطاكي اكتشفنا أن النصارى ليس لهم قول مضطرد متفق عليه يقوله عاقل، لكن النصارى كلهم يقومون على الجهل والهوى وتفسير النصوص كلهم كما يشتهون وكما يحبون.

قال: «وليست أقوالهم منصوصة عن الأنبياء»، فليس معهم لا سمع ولا عقل. الله أعطاهم، كما قال الله تعالى عن أصحاب النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. هم أيضًا يبطلون خلاف ما يظهرون ويفهم جمهور الناس من مقالاتهم خلاف ما يزعم بعضهم أنه مرادهم.

فإنه قد تقدم آنفًا من استدلالهم بالتوراة وقوله: «وكلم الله موسى من العليقة قائلاً: إني إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب»، قالوا: ولم يقل أنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بل كرر اسم الإله ثلاث مرات قائلاً: «وإله وإله وإله»، تحقق مسألة الثلاث أقانيم في لاهوته. هذا التفسير هو تفسير هوائي.

قال: «فإن كان هذا التكرير لا يقضي إلا إثبات إله واحد فلا حجة لكم فيه، كما لو قال: إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب».

وإن كان يقتضي إثبات ثلاثة آلهة فقد أثبتم ثلاثة آلهة وأنتم تقولون: لا نثبت إلا إلهاً واحداً. وإن كان المعنى أنه إله واحد موصوف بأنه معبود إبراهيم وعبد إسحاق ومعبود يعقوب، فلا حجة لكم فيه على التثنية والأقانيم، بحيث تجعلون الأقنوم اسماً للذات مع الصفة، والذات واحدة، فالتعدد في الصفات لا في الذات. ولا يمكن أن تتحد صفة دون أخرى ولا دون الذات، فيمتنع اتحاد أقنوم وحلوله بشيء من المخلوقات دون الأقنوم الآخر.

الوجه الثالث: قولهم وهو الذي نقوله: «الآب والابن وروح القدس». قد تقدم أن هذا قولهم، ومعترفون بأنهم لم يقولوا ابتداءً، ولا علموا بالعقل بالتثليث، بل علموا بالعقل التثليث الذي قالوه في إيمانهم، بل ثم عبروا عن هذه العبارة. هذه العبارة منقولة عن عندهم في بعض الأناجيل أن المسيح عليه السلام أمر أن يعمد الناس بها، وحينئذ فواجب إذا كان المسيح قالها أن ينظر ما أراد بها، وينظر سائر ألفاظه ومعناها فيفسر كلامه بلغته؛ لأن تفسير الناس كان سائر كلامه، نعم، يفسر بما أراده المسيح. المسيح قال: «عمدوا الناس باسم الآب والابن وروح القدس»، الجملة تفسر بما أراده المسيح وليس بما أنتم تفهمونه.

قال: وهؤلاء حملوا كلام المسيح والأنبياء عليهم السلام على شيء لا يدل عليه كلامهم، بل يدل على نقيضه، فسموا كلام الله أو علمه أو حكمته أو نطقه «ابناً»، وهذه تسمية ابتدعوها، لم يسمِّ أحد الأنبياء شيئاً من صفات الله باسم الابن ولا باسم الرب ولا إله. ثم لما أحدثوا هذه التسمية قالوا: مراد المسيح بالابن هو الكلمة، وهذا افتراء على المسيح، وحمل لكلامه على معنى لا يدل عليه لفظه.

ولفظ الابن عندهم في كتبهم يراد بهم «من رباه»، الله تبارك وتعالى، فلا يطلق عندهم في كلام آبائهم لفظ «ابن» إلا على مخلوق محدث، ولا يطلق إلا على الناسوت دون اللاهوت. يسمى عندهم إسرائيل ابناً، وداوود ابناً لله، والحواريون كذلك. من عندهم في إنجيل يوحنا في ذكر المسيح إلى خاصته: «أتى إلى خاصته وخاصته لم يقبلوه، بل قبلوه، أعطاهم ليكونوا أبناء الله الذي ليس من دم ولا من مشيئة لحم ولا من مشيئة رجل، بل من الله ولد». فهذا إخبار بأنهم يكونون جميعاً أبناء الله، وهم معترفون بأنه ليس فيهم لاهوت يتحد بالناسوت، بل كل منهم ناسوت محض.

فعلم أن الكتب ناطقة بأن لفظ ابن الله تناول الناس فقط، وليس معهم لفظ ابن الله به صفة من صفات الله. فقوله إن المسيح أراد بلفظ الابن ابن اللاهوت كذب، عليه المسيح. يسمى ابناً بهذا الاعتبار. وروح القدس لم يعبر به أحد من الأنبياء عن حياة الله التي هي صفته؛ ففي كتب الله يراد بها الملك، ويراد بها الهدى والوحي والتثبيت، فيقال: روح الله، كما يقول: هدى الله، ووحي الله، وملك الله، ورسول الله. لم يرد به أحد من الأنبياء بقوله روح الله وروح القدس ما يريده الإنسان بقوله روحي؛ فإن الإنسان مركب من روح وبدن، وفي بدنه بخار يخرج من القلب ويسري في بدنه، وله جوف يدخل فيه هواء. فإذا قيل روح الإنسان، فقد يراد به الروح التي مع البدن، وقد يراد بها البخار اللطيف الذي في البدن، وقد يراد به الريح الذي يخرج من جوف البدن ويدخل فيه.

والله تبارك وتعالى، وأجمع المسلمين واليهود والنصارى، ليس هو روحاً وبدناً كالإنسان، سبحانه أحد صمد، لا جوف له ولا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا بخار ولا هواء متردد. وقد يعبر بعض الناس بلفظ الروح عن الحياة، والله تعالى حي له حياة، لكن لم ترد الأنبياء عليه السلام قول الروح القدس حياة الله. من أراد ما به، ما يجعله الله في قلب الأنبياء، كما يراد بنور الله، ذلك قال تعالى: ﴿...﴾.

وهذا يعني كثيراً ما يعرضه بولس، قال: «وقد علمنا أنه لا يلزمنا إذا قلنا هذا عبادة ثلاثة آلهة بل إله واحد». كما لا يلزمنا إذا قلنا الإنسان ونطقه وروحه ثلاثة أنسي بل إنسان واحد، ولا إذا قلنا لهيب النار وضوء النار وحرارة النار ثلاث نيران، ولا إذا قلنا قرص الشمس وضوء الشمس وحرارة الشمس ثلاثة شموس. وإذا كان هذا رأينا في الله يتقدس اسمه وتجلت عظمته، فلا لوم علينا ولا ذنب لنا، وإذ لم نهمل ما تسلمناه، ولا نرفض ما تقلدناه، ولا نتبع ما سواه، ولا سيما أن لنا هذه الشهادات البينات والدلائل الواضحات من الكتاب الذي أتى به هذا الرجل.

والجواب من وجه: خلينا نفهم الآن ماذا سيجيب ابن تيمية عن هذا الكلام. قال: أحدها أنكم صرحتم بتعدد الآلهة والأرباب في عقيدة إيمانكم وفي استدلالكم وغير ذلك من كلامكم، فليس ذلك شيئاً ألزمكم الناس به، بل أنتم تصرحون بذلك كما تقدم قولك: «وقد علمنا أنه لا يلزمنا إذا قلنا...».

أي أنكم أنتم قلتوه، وليس أن هناك أحداً يلزمكم بكلام تتورون منه. أنتم صرحتم بتعدد الآلهة والأرباب في عقيدة إيمانكم وغير ذلك، فليس ذلك شيئاً ألزمكم الناس به. قال: كما تقدم من قولكم: «نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد، يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله الحق من إله الحق، من جوهر أبيه، مولود مخلوق، مسام الآب في الجوهر، وبروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب الذي مع الآب مسجود له ممجد».

فهذا تصريح بثلاثة أرباب؛ وأن الابن إله حق من إله الحق، ومع تصريحكم بثلاثة أرباب، وتصريحكم بأن هذا إله حق من إله الحق، تقولون إن ذلك إله واحد! فبثلاثة أرباب، وهذا تصريح بتعدد الآلهة مع القول بإله واحد. تصريحكم بأن هذا الإله حق من إله حق، وتقولون إن ذلك إله واحد، وهذا تصريح بتعدد الآلهة مع القول بإله واحد. طبعاً هي ليست مفهومة أصلاً، أنتم تصرحون بتعدد الآلهة مع قولكم بإله واحد، فلا تأتوا لتقولوا كما قال بولس: «وقد علمنا أنه لا يلزمنا عبادة ثلاثة آلهة بل إله واحد». لا، نحن لسنا الذين ألزمناكم بعبادة ثلاثة آلهة بل إله واحد، أنتم تصرحون بأن هناك ثلاثة آلهة ثم بعد ذلك تضحكون على أنفسكم فتقولون إنها إله واحد.

اللي صرحوا بثلاثة آلهة، مش نحن اللي ألزمناكم بهذا الكلام. ولو لم تذكروا، ما يقتضي أنه جوهر آخر، لأمكن أن يحمل كلامكم على عطف الصفة، لكن يكون كلامكم أعظم كفرًا؛ فتكونون قد جعلتم المسيح هو نفس الإله الواحد الأب، خالق ما يرى وما لا يرى، وهذا أعظم.

قال: ولو لم تذكروا ما يقتضي أنه جوهر آخر، أن الإله الثاني جوهر غير الإله الأول، لأمكن أن يحمل كلامكم على عطف الصفة، وأن قولكم إله وإله وإله إنها عطف صفات على ذات واحدة، لكن على هذا سيكون كلامكم أعظم كفرًا. ترى ليه؟ إنكم إذا قلتم إله وإله وإله ثلاثة، وجعلتم أنه هذه ثلاث صفات لجوهر واحد، سيصبح المسيح عيسى ابن مريم هو أحد الآلهة؛ سيصبح المسيح هو صفة من صفات الذات الإلهية وليس جوهرًا مستقلاً عنها، فتكونون قد جعلتم المسيح هو نفس الإله الواحد الأب، لأنكم جعلتموه صفة من صفاته على التفسير الثاني.

جعلتم المسيح هو نفس الإله الواحد الأب، خالق ما يرى وما لا يرى، وهذا من أعظم كفركم، مع أن هذا حقيقة قولكم؛ فإنكم تقولون المسيح هو الله، وتقولون هو ابن الله، كما ذكر الله قولهم عنكم في كلامه؛ لأنه في القرآن قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.

قال: وكفركم بذلك ليس هذا قول طائفة وهذا قول طائفة كما يقوله بعض الناس، بل هو قول النصارى جميعًا، يقولهما فرق النصارى كالنستورية واليعقوبية والملكية ونحوهم. بل نفس الفرقة تقول إن المسيح هو الله، وتقول إنه ابن الله.

قال: وهذا أيضًا من تناقضه؛ فإنه إن كان هو الله لم يكن ابن الله، سواء عبر بالابن عن الصفة أو غيرها. قال: فإن الأب هو الذات، والذات ليست هي الصفة، وإن عبر بالابن عن الذات مع صفة الكلام كما تفسرون الكلمة بذلك، فهذه الذات متصفة مع ذلك بالحياة والكلام، سواء عنوا به العلم أو البيان؛ فالعلم هو مع الحياة قائم بالأب، والصفة ليست عين الموصوف، بل ولا يعبر عنها بأنها ابن الموصوف، ولا عبر بذلك أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والمقصود أنهم لم يريدوا بقولهم «وبرب واحد يسوع المسيح» عطف الصفة، وأن هذا هو الأب كما قال: «إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب»، فهذا إله واحد، والعطف لتغير الصفة. فلو كان المراد بالابن نفس الأب لكان هذا خلاف مذهبهم، ويكونون قد جعلوه إلهًا من نفسه، فقالوا إلهان بل ثلاثة وهو واحد. فهذا لو أرادوه لكان أعظم في الكفر.

بل قالوا: «وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق». فصرحوا بأنه رب، وأنه إله حق من إله حق، وصرحوا بإله ثانٍ مع الإله الأول، وقالوا مع ذلك إنه مولود من الآب قبل كل الدهور وأنه مولود غير مخلوق. فامتنع أن يريد بذلك الناسوت؛ فإن الناسوت مخلوق، وهم يقولون إن الكلمة هي المتولدة من الرب من الآب، والكلمة صفة المتكلم وقائمة به، والكلام ليس برب ولا بإله، بل هو كلام رب، الإله، كما أن سائر كلام الله كالتوراة والإنجيل والقرآن ليس هو الرب.

أما إذا قلتم مساوٍ للأب في الجوهر، فاقتضى هذا أن يكون المولود الذي هو الكلمة جوهره أنه مساوٍ للأب في الجوهر، والمساوي ليس هو المساوى، وهذا يقتضي إثبات جوهر ثانٍ مساوٍ للجوهر الأول، وهو صريح بإثبات إلهين، ويقولون مع ذلك إنه إله واحد، جوهر واحد. ولا يقال الجوهر مع العلم الذي يعبرون عنه بالأقنوم مساوٍ للجوهر الذي هو الذات؛ فإن الجوهر هو الذات، وليس هنا جوهران، أحدهما مجرد عن العلم والآخر متصف به حتى يقال إن أحدهما مساوٍ للآخر، بل رب تعالى هو الذات المتصفة بالعلم. فإن كان الأب هو الذات المجردة، فالابن أكمل من الأب، وهو الذات مع العلم، فالأب بعض الابن.

وكذلك يلزمهم أن يكون الابن هو بعض روح القدس؛ فإنهم في اعتقادهم جعلوا روح القدس هو الرب المحيي، والرب المحيي هو الذات المتصفة بالحياة، والذات المجردة بعض ذلك؛ فإن كان الأب هو الذات المجردة، فالابن بعض روح، فالابن بعض روح القدس.

ثم قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي إنه منبثق من الآب، مسجود له، ممجد، ناطق في الأنبياء؛ فإن كان المنبثق ربًا حيًا فهذا إثبات إله ثالث، وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة، وفي كل منهما من الكفر والتناقض ما لا يخفى.

ثم جعلتم هذا الثالث مسجودًا له، والمسجود له هو الإله المعبود، وهذا تصريح بسجود لإله ثالث. كيف تقول في بداية النص لا يلزمنا أننا نعبد ثلاثة آلهة؟ طب هي أنت تعبد روح القدس وتسجد له مع ما فيه من التناقض؟ ثم جعلتموه ناطقًا في الأنبياء، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبًا من روح القدس الذي جعلته ناطقًا، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبًا من لاهوت وناسوت، وأنه إله تام وإنسان تام، كما قلتم في المسيح؛ إذ لا فرق بين حلول الكلمة وحلول الروح القدس، كلاهما أقنوم، وأيضًا يمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى، وحلول الصفة دون الذات، فيلزم أن يكون الإله الحي الناطق بأقنيمه الثلاثة حالًا في كل نبي، ويكون كل نبي هو رب العالمين، ويكون مع ذلك هو ابنه، وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى.

وهذا لازم للنصارى لزوماً لا محيد عنه؛ فإن ما ثبت للشيء ثبت لنظيره، ولا يجوز التفريق بين المتماثلين. وليس لهم أن يقولوا الحلول أو الاتحاد في المسيح ثبت بالنص ولا نص في غيره، لوجوه: أحدها أن النصوص لم تدل على شيء من ذلك كما قد تبين. الثاني: أن في غير المسيح من النصوص ما شابه النصوص الواردة فيه، كلفظ الابن لما قال لداوود: «أنت ابني»، ولفظ حلول الروح القدس فيه ونحو ذلك. الثالث: أن الدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول، وليس كل ما علمه الله وأكرم به أنبياءه أعلم به الخلق بنص صريح.

أعطى عيسى شيئًا وخصّه، لكن هذا لا يدل على أنه لم يعطه لغيره، فأنت لا يجوز لك أن تنفي عن غير عيسى إذا لم تملك دليلًا على النفي. بل من جملة الدلالات دلالة الالتزام؛ وإذا ثبت الحلول والاتحاد في أحد النبيين لمعنى مشترك بينه وبين الشيء الآخر، وجب التسوية بين المتماثلين.

كما إذا ثبت أن النبي يجب تصديقه لأنه نبي، ويكفر من كذبه لأنه نبي، فيلزم أن يكون يجب تصديق كل نبي آخر وتكفير كل من كذب أي نبي من الأنبياء. فنفس الشيء إذا ثبت أن الله حل في عيسى لمعنى يتعلق به أنه نبي، فيجب أن يكون هذا أن الله يحل في جميع الأنبياء لوجود نفس المعنى بالقياس.

الرابع: هب أنه لا دليل على ثبوت ذلك في غير عيسى، فيلزم تجويز ذلك في الغير، أو على الأقل يبقى تجويز ذلك بإمكان العقل، يعني لا دليل على الانتفاء. كما يقولون إن ذلك كان ثابتًا في المسيح قبل إظهاره الآيات على قولهم، وحينئذ فيلزمهم أن يجوزوا في كل نبي أن يكون الله قد جعله إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا كالمسيح وإن لم يعلم ذلك.

الخامس: أنه لو لم يقع ذلك لكنه جائز عندهم؛ إذ لا فرق في قدرة الله بين اتحاده بالمسيح واتحاده بسائر الآدميين، فيلزمهم تجويز أن يجعل الله كل إنسان إلهًا تامًا وإنسانًا تمامًا، ويكون كل إنسان مركبًا من لاهوت وناسوت. وقد تقرب إلى هذا اللازم الباطل من قال بأن أرواح بني آدم من ذات الله، وأنها لاهوت قديم أزلي، فيجعلون نصف كل آدمي لاهوتًا ونصفه ناسوتًا، وهؤلاء يلزمه من المحالات أكثر مما يلزم النصارى من بعض الوجوه. والمحالات التي تلزم النصارى أكثر من بعض الوجوه هذا قريب من قول من يقول بتناسخ الأرواح.

قال الوجه الثاني: قولهم ولا يلزمنا إذا قلنا هذه عبادة ثلاثة آلهة بل إله واحد، كما لا يلزمنا إذا قلنا الإنسان وروحه نطق، ولا يلزمنا إذا قلنا بالتثليث عبادة ثلاثة آلهة كما لا يلزمنا إذا قلنا الشمس وضوؤها وشعاعها ثلاث شموس. هل هذا القياس الذي يقوله بولس قياس صحيح؟ هل لما هم يقولون أب وابن وروح قدس لا يلزمهم تعدد الآلهة كما لا يلزم إذا قلنا الشمس وضوؤها وشعاعها وجود ثلاثة شموس؟ هل هذا الكلام متناسق؟

يقول: هذا تمثيل باطل، قياس باطل، تمثيل باطل؛ أن تقيسوا قولكم على هذا القول. لماذا؟ قال: أحدها أن حر النار وضوؤها القائم بها ليس نارًا من نار، ولا جوهرًا من جوهر، ولا هو مساوٍ للنار والشمس في الجوهر. وكذلك نطق الإنسان ليس هو إنسانًا من إنسان، ولا هو مساوٍ للإنسان في الجوهر، وكذلك الشمس وضوؤها القائم بها وشعاعها القائم بها ليس شمسًا ولا جوهرًا قائمًا بنفسه.

وأنتم قلتم إله حق من إله حق، فقلتم في الإيمان نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل، وبالرب واحد يسوع المسيح ابن الإله وحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه مساوٍ للآب في الجوهر، وقلتم في روح القدس إنه رب يُسجد له، فأثبتم ثلاثة أرباب.

والثاني أن الضوء من الشمس والنار يُراد به نفس الضوء القائم بها، ويُراد به الشعاع القائم بالأرض والجدران وهذا مبين لها ليس قائمًا بها، ولفظ النور يُعبر به عن هذا وهذا، وكلاهما صفة قائمة بغيرها وعرض. وقد يُراد بلففظ النور نفس النار ونفس الشمس والقمر فيكون النور جوهرًا قائمًا بنفسه. وإذا كان كذلك فهم جعلوا الآب ربًا جوهرًا قائمًا بنفسه، والابن أيضًا ربًا جوهرًا قائمًا بنفسه، والروح القدس ربًا جوهرًا قائمًا بنفسه. ومعلوم أن ضوء النار والشمس وحرارتهما ليس كل منها منهما شمسًا ونارًا قائمًا بنفسها ولا جوهرًا قائمًا بنفسه. فلو أثبتوا حياة الله وعلمه أو كلامه صفتين قائمتين به ولم يجعلوا هذا ربًا جوهرًا قائمًا بنفسه وهذا ربًا جوهرًا قائمًا بنفسه، لكان قولهم حقًا وتمثيلهم مطابقًا.

ولكنهم لم يقتصروا على مجرد جعلهما صفتين لله، حتى جعلوا كلاً منهما ربًا وجوهرًا وخالقًا، بل صرحوا بأن المسيح الذي يزعمون اتحاد أحدهما به إله واحد وخالق. فلو كان نفس كلمة الله وعلمه لم يكن إلهًا خالقًا، فإن كلام الله وعلمه ليس إلهًا خالقًا، فكيف والمسيح مخلوق بكلمة الله ليس هو نفس كلمة الله؟

الوجه الثالث: أن قولهم الشمس وشعاعها وضوؤها، إن أرادوا بالضوء ما يقوم بها وبالشعاع ما ينفصل عنها، فليس هذا مثال النار وحرها ولهيبها، إذ كلاهما يقوم به. وعلى هذا فالشمس لم تقم بها إلا صفة واحدة لا صفتان، فلا يكون التمثيل بها مطابقًا. وإن أرادوا بالضوء والشعاع كلاهما ما يقوم بها أو كلاهما ما ينفصل عنها، فكلاهما صفة واحدة ليس هما صفتان كالحياة والعلم؛ فعلم أن تمثيلهم بالشمس خطأ.

وبعضهم يقول الشمس وحرها وضوؤها كما يقولون مثل ذلك في النار، وهذا التمثيل أصح لو ثبت أن في جرم الشمس حرارة تقوم بها، فإن هذا لم يقم عليه دليل وكثير من العقلاء ينكره ويزعم أن جرم الشمس والقمر والكواكب لا توصف بحرارة ولا ببرودة، وهو قول أرسطو وأتباعه. العلوم الحديثة تثبت أن الشمس لها حرارة في ذاتها.

وأما تمثيلهم بروح الإنسان ونطقه، فإن أرادوا بالروح فليس هذا هو مفهوم الروح، وإن أرادوا بالروح التي تفارق بدنه بالموت وتسمى النفس الناطقة؛ الروح ليست هي الحياة، الروح هي سبب الحياة. فإن أرادوا بالروح حياته فليس هذا مفهوم الروح، الروح ليست هي نفسها الحياة بل هي سبب لها. وإن أرادوا الروح المخلوق الذي يفارق البدن بالموت وسمى النفس الناطقة، فهذا جوهر قائم بنفسه ليس عرضًا من أعراض الإنسان أو صفة من صفاته، بل هو جوهر داخل جوهر الجسد. وحينئذ فيلزم أن تكون روح الله جوهرًا قائمًا بنفسه مع جوهر آخر نظير بدن الإنسان، ويكون الرب سبحانه وتعالى مركبًا من بدن وروح كالإنسان، وليس هذا قول أهل الملل من المسلمين ولا اليهود ولا النصارى، بل هو كفر عندهم، فتبين أن تمثيلهم بالثلاثة باطل.

الوجه الرابع: أن التمثيل إما أن يقع بصفة الشمس والنار والإنسان أو النفس القائمة بهذه الجواهر، أو بما هو مباين لذلك كالضوء الذي يقع على الأرض والحيطان والهواء وغير ذلك من الأجسام إذا...

قابلت الشمس أو النار أو الإنسان أو النفس القائمة بهذه الجواهر، فإن أريد هذا فهذا شعاع منعكس وضوء منقلب وليس صفة قائمة بالشمس والنار. وإذا أريد بما حل في المسيح، فهذا يسمى نورا وروحا، يسمى نور الله، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35].

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. وقال: «فأخبرنا أنه جعل الروح الذي أوحاه نورا يهدي به من يشاء». وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [الحديد: 28]. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]. وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: 40].

فإذا أريد ما حل في المسيح من الروح والكلمة بهذا المعنى، فلا اختصاص للمسيح بذلك؛ فإن هذا يحل في جميع الأنبياء والمؤمنين، وإن كانوا متفاضلين فيه بحسب درجاتهم. وليس هذا الحال فيهم نفس صفة الله القائمة به، وإن كان ذلك حاصلا عنها ومسببا عنها، لكن ليس هو نفس صفة الله.

وإن كان من الناس من يقول: بل صفة الله التي اتصف بها حلت في العبد، فهذا القول خطأ؛ فإن صفة الموصوف القائمة به يمتنع قيامها بعينها بغيره. ولكن الإنسان إذا تعلم علم غيره وبلغ كلام غيره، يقال: هذا علم فلان وكلامه، لأن هذا الثاني بلغه، والمقصود هو علم الأول وكلامه، مع العلم بأن نفس ما قام بذات الأول ليس هو عين ما قام بذات الثاني، وإن كان قد يكون مثله. وقد يكون الأول هو المقصود بالثاني؛ مثل من بلغ كلام غيره، فكلام المبلغ هو المقصود بالتبليغ، وصفات المبلغ كحركته وصوته بها يحصل التبليغ، وليست هي نفس المقصود.

وإذا قيل: هذا كلام المبلغ عنه، فالإشارة إلى حقيقة الكلام المقصود بالتبليغ، لا إلى ما يختص به المبلغ من أفعاله وصفاته. لما أقول: أنا أقرأ القرآن الآن، أقول: هذا الذي أتكلم به هو كلام الله؛ ما معنى أنه كلام الله؟ أي أن أول من صدر ومن بدأ منه هو الله، ولا أقصد أن حركة لساني وأفعالي هي نفسها، والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

ولهذا شبه الناس من قال بحلول صفة الرب في عبده بالنصارى القائلين بالحلول، وهو شبيه بهم من بعض الوجوه، لكن النصارى لا يقولون بحلول صفة مجردة، بل بحلول الأقنوم الذي هو ذات متصفة بصفة. ويقولون إن المسيح خالق ورازق، وهو خالق آدم ومريم، وهو ولد آدم ومريم، وهو خالق لهم بلاهوته، ابن لهما بناسوته، ويقولون: هو ابن الله وهو الله بلاهوته، ويقولون أيضا باللاهوت والناسوت إلى حد الاتحاد، والله كفرهم بقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم ونحو ذلك.

وإن أرادوا بتمثيلهم بصفات الشمس والنار والنفس، قال: التمثيل بنفس ما يقوم بالشمس والنار والنفس من الضوء والحياة والنطق، وجعلوا ما يثبتونه من الآب والابن والروح القدس صفات لله كما أن هذه صفات لهذه المخلوقات. قيل لهم: أولا لم يعبر أحد من الأنبياء عليهم السلام عن صفات الله باسم الآب والابن؟ الآن في أحسن أحوالهم، إن أرادوا بتمثيلهم قضية الآب والابن وروح القدس بصفات الشمس والنار والنفس، وجعلوا ما يثبتونه من الآب والابن والروح القدس أنها مجرد صفات لذات واحدة هي الإله، نقول لهم: لم يعبر أحد من الأنبياء عن صفات الله بأنها ابن وأب وروح قدس، هذا ليس موجودا.

فليس لكم إذا وجدتم في كلام المسيح عليه السلام أو غيره من الأنبياء ذكرا للإيمان، إلا أن تقولوا إن مرادهم بذلك صفة الله التي هي الكلمة والعلم والحياة، إذ كانوا لم يريدوا هذا المعنى بهذا اللفظ. وإنما أرادوا باسم الابن وروح القدس ما هو بائن عن الله عز وجل، والبائن عن الله ليس صفة له، فضلا عن أن يكون هو الخالق، فضلا عن أن يكون البشر المتحد به خالقا.

فقد ضللتم ضلالا بعد ضلال؛ ضلالا حيث جعلتم مراد المسيح وغيره بالابن والروح القدس صفات للرب، ثم ضلالا ثانيا حيث جعلتم الصفة خالقا وربا، ثم ضلالا ثالثا حيث جعلتم الصفة تتحد ببشر هو عيسى ويسمى المسيح ويكون هو الخالق رب العالمين؛ فضللتم في الحلول ضلالا مثلثا بعد ضلالكم في التثليث أيضا. وضلالات أخرى حيث أثبتتم ثلاث صفات دون غيرها وجعلتموها جواهر أربابا، ثم قلتم: إله واحد، فضللتم ضلالا مثلثا في التثليث وضلالا مثلثا في الاتحاد.

وقيل لكم ثانيا: إذا جعلتم ذلك صفات لله كما أن الضوء والنطق والحرارة صفات ما تقوم به، امتنع أن تحل بغيرها. وامتنع مع الحلول أن تكون فاعلة فعل النار والشمس والنفس، وأنتم جعلتم الكلمة والحياة حالة بغير الله، وجعلتم ما يحل به إلها خالقا، بل هو الإله الخالق. ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا يجعل ما يحصل فيه ضوء النار نارا، ولا ما يحصل فيه شعاع الشمس شمسا، ولا ما يحصل فيه نطق زيد هو نفس زيد. فكان جعلكم المسيح هو الخالق للعالم مخالفا لتمثيلكم، وتبين بذلك أن ما ذكرتموه لا يطبق عليه شيء من الأمثلة، إذ كان كلامه باطلا متناقضا يمتنع تحققه.

فلا تمثيل بشيء من الموجودات الثابتة المعلومة؛ إذ أي مثال ستأتون به لفكرة الآب والابن والروح القدس سيكون مثالا غلطا، لأن كلامكم أصلا كله متناقض؛ مرة تجعلونها صفات ومرة تجعلونها جواهر، فهي شيء غير موجود له نظير في الكون أصلا.

ولهذا يشبهون الحلول والاتحاد تارة بحلول الماء في الظرف، وتارة بحلول النار في الحديد، وتارة بالنفس والبدن، وتارة يقولون بأنهما جوهر واحد اختلطا اختلاط الماء واللبن. وكل هذه الأمثال التي ضربوها لله أمثال باطلة؛ فإن الماء في الظرف وغيره من الأوعية محتاج إلى وعائه، لو خرق الوعاء لتبدد الماء واللبن، والوعاء محيط به ولا يتصف الظرف بشيء من صفات الماء. والرب يمتنع أن يحتاج إلى شيء من مخلوقاته كما يحتاج الماء إلى ظرفه، لا إلى العرش ولا إلى غيره، ولا يحيط به شيء من الموجودات إذ هو الظاهر، فليس فوقه شيء سبحانه.

كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ:

«...وسلم أنه قال: أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، فهو غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه».

ولهذا لم يكن ما وصف الله به نفسه مماثلاً لصفات المخلوقين، كما لم تكن ذاته كذوات المخلوقين، فهو مستو على عرشه كما أخبرنا عن نفسه مع غناه عن العرش؛ والمخلوق المستوي على السرير أو الفلك أو الدابة، لو ذهب ما تحته لسقط لحاجته إليه، والله غني عن كل ما سواه، وهو الحامل بقدرته للعرش ولحمله عرش.

وفرق النصارى الثلاثة يقولون بالاتحاد، فلا ينفعهم التمثيل بحلول الماء في الظرف ولو قدر، إنهم قالوا بالحلول المجرد مع أن الرب لا يحتاج إلى الناسوت، لا يحويه ولا يمسه، بل كما خاطب موسى من الشجرة. وهذه طبعاً فرق النصارى الثلاثة لا يقولون بالحلول، بل يقولون بالاتحاد، وأفرق بين الحلول والاتحاد؛ فالحلول كما أن هذه الكأس يحل فيها الماء، هذا اسمه حلول، أما الاتحاد أن تقول إن الكأس هي الماء والماء هي الكأس، اتحدوا ببعضهم البعض. ففرق النصارى هي التي تقول إن الله حل في الجسد، أم إن الله هو والجسد اتحدوا؟ لا، هم يقولوا بالاتحاد، لا يقولون بالحلول أصلاً.

قال: «بل كما خاطب موسى من الشجرة»، فهذا يوجب أن الناسوت لا يتصف بشيء من الألوهية كالشجرة، ثم إنه معلوم بالضرورة أن الصوت الذي كان يسمع هو صوت الناسوت، فالتمثيل بالشجرة أيضاً باطل كما بسط في موضعه.

وأما الحديد والخشب وغيرهما إذا ألقي في النار فإنه يستحيل ناراً لاتصاله بالنار، لا أن النار التي استحال إليها كانت موجودة فحلت به، فهذا استحالة بلا حلول، والنار التي صارت في الحديد حادثة عن تلك النار ليست إياها، ثم تلك الحديدة إذا طرقت وقع التطريق على النار، وكذلك إذا ألقيت في الماء. فلو كان هذا تمثيلاً مطابقاً لكان الضرب والصلب والإهانة وقعت على اللاهوت، وكان اللاهوت هو الذي يغتسل بالماء وهو الذي يأكل ويشرب، وهذا من أعظم الكفر.

ويحكى عن بعض طائفة منهم كاليعقوبية أنهم يقولون بهذا الكفر، وإن كان كثير منهم كالملكية والنصرية ينكره، فهو لازم لهم. وكذلك إذا شبهوه بالنفس والبدن، فإن النفس تتألم تألم البدن وتستحيل صفتها بكونها في البدن وتكتسب عن البدن أخلاقاً وصفات؛ فلو كان هذا تمثيلاً مطابقاً لزم تألم اللاهوت بآلام البدن، وأن يكون متألماً بجوع البدن وعطشه وضربه وصلبه، وأن يكون مستحيلاً لما اكتسبه من صفات الناس الذي هو عندهم بمنزلة البدن للنفس.

وأما قولهم: «إذ لم نهمل ما تسلمناه ولم نرفض ما تقلدناه»، هو بولس الأنطاكي، وهو يقول: نحن لماذا آمنا بقضية الأب والابن والروح القدس؟ والله هذا شيء نحن تسلمناه من المسيح ودلت عليه الكتب فرح نؤمن به، فنحن قال: «لم نهمل ما تسلمناه ولم نرفض ما تقلدناه». فنقول لهم: نفس الشيء، لو كنتم في زمن اليهود، اليهود ماذا قالوا للمسيح ابن مريم؟ «إن لا نهمل ما تسلمناه من موسى ولا نترك ما تقلدناه»، يعني لا تحكوا لنا اليوم لأتباع محمد ﷺ: «والله نحن متبعين للمسيح ولا نترك الكلام الذي حكى لنا إياه المسيح وأنه أب وابن وروح قدس»، نفس الشيء، ليش تلوموا اليهود؟ ترى اليهود كانوا قبلكم، فلما كان المسيح ابن مريم موجوداً قالوا لابن مريم: «نحن والله نتمسك بكلام موسى ولا نترك ما تقلدناه»، يعني ما نرد به عليكم أو ما تدعون لأنفسكم، هو نفس ما يدعيه اليهود لأنفسهم في زمن عيسى.

قال: وجواب الطائفتين من وجهين؛ أحدهما: أنكم بدلتم وحرفتم الكتاب الذي أنزل إليكم والشرع الذي شرع لكم، وتبديل المعاني والأحكام لا ريب فيه عند جميع عقلاء الأنام، وما كان عليه اليهود بعد التبديل لم يكن هو الشرع الذي شرعه موسى عليه السلام، وما كان عليه النصارى بعد التبديل لم يكن هو الشرع الذي شرعه المسيح عليه السلام.

والثاني: أنكم كذبتم بالكتاب الآخر والرسول الآخر الذي أرسل إليكم، ومن كذب ما أنزل إليه من ربه، والرسول الذي أرسل إليه كان كافراً مستحقاً لعذاب الدنيا والآخرة وإن كان قبل ذلك متبعاً لشرع رسول وكتاب غير مبدل، فكيف إذا كان قد بدل من أحكامه ومعانيه؟

قال: فصله، وأما قولهم: «ولنا هذه الشهادات والدلائل من الكتاب الذي في أيدي هؤلاء القوم»، فيقال: لا يصح استشهادهم بهذا الكتاب واستدلالهم بوجه من الوجوه؛ فإن الذي قد جاء به قد تواتر عنه أنه أخبر أنه مرسل إليهم وأنهم كفار إذا لم يؤمنوا به مستحقون للجهاد، ومن لم يستحل جهادهم فهو كافر. والقرآن مملوء بكفرهم، يقصد أنه الذي لا يعتقد جهاده من المسلمين كافر، لا يعتقد أن النصارى مأمور بجهادهم فهو كافر أصلاً.

قال: «والقرآن مملوء بكفرهم»، فإن كان هذا رسولاً من الله وقد أخبر بكفرهم ثبت أنهم كفار، فإن الرسول لا يقول على الله إلا حقاً، لا يكذب على الله في شيء، «ومن كذب على الله» ولو في كلمة واحدة فهو من الكذابين المفترين على الله، الكذب مستحق لعقوبة الكذابين كما سيأتي بالأدلة التي تدل على أن الرسول لا يذكر بالسوء. فمتى كانت كلمة من كلمات هذا الكتاب الذي هو القرآن كذباً على الله لم يكن هذا القرآن من عند الله، ولم يكن جاء به رسول الله؛ فإن الكاذب قد يصدق في أكثر ما يقوله، لكن إذا كذب في بعض ما يقوله كان كاذباً، والله تعالى لا يرسل من يكذب عليه، فإن المخلوق لا يرضى أن يرسل من يعلم أنه يكذب عليه، ولو فعل ذلك دل على جهله أو عجزه، فكيف يرسل رب العالمين من يعلم أنه يكذب عليه؟

وحينئذ فمتى كذبوا بكلمة واحدة مما في الكتاب لم يصح استشهادهم واستدلالهم بشيء مما في الكتاب، وإن صدقوا بالكتاب كله لزمهم الإيمان بما جاء به واتباع شريعته، والاعتراف بكفر الذين كذبوه، وكفر الذين يقولون إن الله هو المسيح ابن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وهذا بخلاف من آمن بالرسول ولم يثبت عنده بعض ما نقل عنه أو لم يعرف معناه، فإن هذا لا يقدح في أصل إيمانه بالرسول، فالمسلمون إذا كذبوا...

ببعض ما نُقل عن موسى والمسيح فهو لطعنهم في الناقل لا في النبي المنقول عنه نفسه؛ طعنهم في سلسلة الإسناد. كما أننا نطعن في الأحاديث الموضوعة، هل طعني في الحديث الموضوع طعن في الرسول محمد ﷺ؟ حاشا لله.

أما النصارى فيعلمون أن محمداً جاء بالقرآن، فطعنهم في بعضه طعن في رسول نفسه وكفر به، وليس هذه بمنزلة ما مثلوا به من الوثيقة التي كُتب وفاؤها في ظهرها؛ فإن الذي له الدين أقر بالاستيفاء المسقط له، فلم يبق هناك حق له يدعيه، بخلاف الذي يقول إنه رسول الله، فإنه يقول إن الله أنزل علي هذا الكتاب كله وأرسلني بكذا وكذا إلى كذا وكذا، فإن كذب في شيء مما أخبر به عن الله لم يكن الله أرسله؛ فإن الذي أرسله هو الذي جعله يبلغ عنه ما يقوله بلا زيادة ولا نقص.

وإرسال الله للرسول يتضمن شيئين إن شاء الله: للرسالة والله حكيم، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، لا يجعلها إلا في من هو من أكمل الخلق وأصدقهم. ويتضمن إخبار الله عنه بأنه صادق عليه فيما يبلغه عنهم مما يقول إن الله أرسله به، فكما صدقه بالآيات المعجزات في قوله إنه أرسلني، فقد صدقه بما يقول إنه أرسلني به؛ إذ التصديق يكون بكونه أرسله.

فالمرسل من غير معرفة بصدقه فيما يخبر به لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الإرسال، فكما أن الله يصدق رسوله بالمعجزات، يصدقه في أن كل ما يقوله عن الإله سيكون صدقاً، والله تعالى عليم بما يشهد به لمن أرسله. بخلاف المخلوق الذي يبعث من يظنه يصدق فيما يبلغه عنه، فقد يكذب عليه؛ وهذا لا يمكن، لا يمكن أن يرسل الله رسولاً يكتشف الإله أن هذا الرسول قال كلاماً غير صحيح، هذا لا يمكن.

والله يعلم عواقب الأمور، والرسالة صادرة من علمه وحكمته، وهو عليم حكيم، ومن يكذب على الله ولو في كلمة لم يبلغ عنه ما يقوله على هذا الوجه فلا يكون رسوله. ولهذا اتفق أهل الملل على أن الرسل معصومون فيما يبلغون عن الله، لا يكذبون عليه عمداً ولا خطأً، فإن هذا مقصود الرسالة.

فكان تمثيل هذا بالوثيقة تمثيلاً باطلاً؛ فإن المدعي للإسقاط لم يدعِ كلاماً متناقضاً، بل قال: أقررت بهذا الدين ثم وفيتك إياه، وأنت تقرير بوفائه وإقرارك مكتوب في ظهرها، فليس لك أن تحتج بإقراري بالدين دون إقرارك بالوفاء، بل إما أن تعتبر ما في الوثيقة من إقراري وإقرارك، وإما أن تبطل الأمرين. وهذه الوثيقة مرت معنا سابقاً في أول الكتاب، فكرة الوثيقة.

قال: وهذا كلام عدل كالشريكين المتغاوضين، كالشريكين والمتعاوضين عندنا؛ إذا قال لصاحبه إن حصل ربح فهو لي ولو كان، وإن لم يحصل ربح فلا لي ولا لك، وكذلك البائع والمؤاجر الذي يقول إن كان بيننا معاوضة فعليك تسليم ما بذلته وعلي تسليم ما بذلته، لا يستحق هذا إلا بهذا، فهذا كله كلام عادل وإنصاف.

بخلاف الشخص الذي يقال فيه إنه رسول الله، والكتاب الذي يقال إنه كلام الله وإن الله أنزله؛ فإن هذا إن كان رسولاً صادقاً فجميع ما بلغه من الله حق، وإن كان كاذباً لم يكن الله أرسله، فجميع ما بلغه عن الله كذب على الله. فلا يجوز بمجرد خبره أن ينسب إلى الله شيء، ولا يحتج بما يخبر به عن الله على شيء.

ألا ترى أن من ادعى الرسالة وعلم أنه كاذب، كأسبد العنسي ومسيمية الكذاب وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وباب الرومي وغير هؤلاء، لا يجوز لأحد أن يحتج بشيء مما ذكروا أن الله أرسلهم به، وإن كان ذلك القول قد عُلم أنه حق من جهة أخرى، فإنه قد عُلم بكذبهم أن الله لم يرسلهم، فأي شيء قالوا إن الله أنزله عليهم كانوا كاذبين فيه. ومتى عُلم أنه كاذب في نفس الخبر المعين، لم يجز أن يحتج بجنس الذي عُلم أنه كذب فيه.

وكذلك لو قال رجل عن عندي إن موسى أو داوود أو المسيح كذبوا على الله في بعض ما يخبرون به عن الله، كانوا بمنزلة من لم يرسلهم الله بشيء لكن كذبوا في قولهم إن الله أرسلهم، فإذا أراد مع هذا أن يحتج بما ينقل من التوراة والزبور والإنجيل، كان ذلك متناقضاً وكان احتجاجه باطلاً غير مقبول. بل لو قال أنا أشك في بعض ما أخبروا به عن الله هل كذبوا فيه أم لا، كان كذلك شكاً في أن الله أرسلهم؛ فإن من أرسله الله لا يكذب في شيء لا خطأ ولا عمداً، وفي شك وشك في ذلك لا يجوز أن يحتج بشيء مما ينقلونه عن الله لتجويز أن يكونوا كاذبين في نفس ذلك الذي نقلوه.

وليس هذا مثل رسول الواحد من الآدميين، فإنه قد يكون أرسله ثم إن الرسول صدق في بعض ما بلغه عن مرسله وكذب في البعض، يعني أنا لما أرسل عماراً رسولاً عني وعمار يخبر عني، عمار ممكن يخبر عني بصدق ويمكن يألف علي بعض الشغلات، بس هو فعلاً أنا مرسله. لكن في حق الله الأمر مختلف، إذا أرسل الله رسولاً لأن الله يعلم عاقبة الأمور، لا يمكن أن يرسل رسولاً يمكن أن يكذب عليه بشيء من الأشياء.

لذلك قال: وأما الرب فلا يجوز أن يرسل بنبي يكذب عليه لا عمداً ولا خطأً. وكذلك الشاهد والمخبر الذي قد عُلم أنه تارة يصدق وتارة يكذب، يمكن أن يستدل ببعض أخباره التي يظهر صدقه فيها لدلالات تقترن به؛ بخلاف الرسول فإنه بمجرد أن يثبت أنه كذب كذبة واحدة امتنع كل إرساله من الله، فصار جميع ما يبلغه عن الله هو في محط التكذيب. فكذبه في كلمة واحدة يوجب أنه كاذب في جميع ما بلغه عن الله، وأن جميع ما حكاه ورواه عن الله قد كذب فيه. وإذا قدر ذلك الكلام في نفسه، وإن كان نفس الجملة التي قالها هذا الرسول صدقاً، لكن ما دام ثبت أنه كذب في مكان آخر، فكل ما يخبر أنه أخبر به عن الله كذب أنه أخبر به عن الله، وإن كانت كجملة قد تكون معناها صحيحاً لكن التبليغ.

تلفيق عن الله ونقله وروايته وحكايته عن الله ستكون كذبا على الله، وقد أخبر الله أنه ينسخ ما يلقي الشياطين مما يناقض مقصود التبليغ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُكُمْ إِلَّا مَا ذَكَرْتُمْ لَهُ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُلْقُونَ﴾ [الزخرف: 80-81]، ثم قال: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52].

وإن قالوا خبره يناقض بعضه بعضا، إذا قالوا إن الرسول خبره يناقض بعضه بعضا، كان الجواب من وجهين: أحدهما أن هذا إن كان حقا فإنه يقدح في رسالته، فإن الرسول لا يناقض بعض خبره بعضا، ومن كان كذلك لم يصح لكم أن تحتاجوا بشيء مما جاء به. وإن كان باطلا لم يرد عليه، فعلم أن استدلالهم بما في هذا الكتاب على صحة دينهم الذي خالفوا به هذا الكتاب في غاية الفساد، وهو جمع بين النقيضين، واستدلال بما في الكتاب على ما يوجب بطلان الاستدلال بشيء مما في الكتاب.

وإذا كانت النتيجة تستلزم فساد بعض مقدمات الدليل بطل الاستدلال بذلك الدليل الذي لا يصح إلا بصحة مقدماته، فإذا كانت مقدمته لا تصح إلا مع فساد نتيجته، ونتيجته مستلزمة لفساد مقدمته، كان الجمع بين صحة المقدمة والنتيجة جمعا بين النقيضين.

وكذلك من استدل بشيء من الكتاب على ما يناقض ما في الكتاب، كاستدلال النصارى بآيات فيه على صحة دينهم، كان تناقضا؛ فإنه إن صح ذلك الدليل بأن مدح دينهم مع أنه ذمه أيضا كان تناقضا. هل معقول أن القرآن مدح دين النصارى والتثليث، وأنه ذم دينهم وكفرهم؟ إذا ثبت هذا كان الكتاب والقرآن متناقضا، والكتاب المتناقض لا يكون كتاب الله، وإن فسد أحدهما؛ إما سيفسد أنه ذمهم، وإما سيفسد أنه مدحهم، فالكتاب الذي فيه فساد لا يكون كتاب الله، فيلزم أن لا يكون كتاب الله على التقديرين، فلا يصح الاستدلال به من جهة كونه خبر الله.

وإن قالوا الاستدلال به من جهة كون المتكلم به رجلا عالما حكيما، فهذا لا يفيد العلم، إذ ليس معصوما إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والنصارى يجوزون أن يكون معصوما غير الأنبياء، فبِدق تقدير أن يكون كذلك فهو حجة عليهم. أما الاستدلال بها، أي بالقرآن، من جهة كون المتكلم به رجلا عالما وليس نبيا، يعني لو قالوا القرآن جاء من جهة رجل عالم حكيم اسمه محمد عليه الصلاة والسلام، وليس من جهة أنه نبي، فنقول: فهو حجة عليهم أيضا حتى في هذا.

وإن قالوا: رجل عالم ليس برسول من الله، قيل لهم: فهذا قوله ليس بحجة لجواز أن يكون عالما قد أخطأ، ولكن يُعتضد بقوله ويُستأنس به. وأما إذا ادعى أنه رسول ولم يرسله بهذا الكتاب كله، فهذا كذاب لا يحتج بشيء من كلامه، ولا يكون مثل هذا عدلا فضلا أن يكون حكيما، بل هو من الذين افتروا على الله الكذب: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: 93].

والجواب الثاني: أنا قد بينا أن ما ذكروه لا يناقض شيئا مما أخبر به، وأنه ليس في هذا الكتاب تناقض يحتجون به بوجه من الوجوه. وأما قولهم: «وأعظم حجتنا ما وجدناه فيه من الشهادة لنا بأن الله جعلنا فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة»، فهم يستدلون بآية: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 55].

فيقولون: النصارى لنا قرآنكم يشهد بأننا سنبقى مرفوعين إلى يوم القيامة، فإذا قرآنكم يشهد لنا. فيقال: بل ما ذكره حجة عليهم لا لهم، فإن الله أخبر المسيح أنه جاعل الذين تبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وخبر الله حق، ووعد الله صدق، والله لا يخلف الميعاد. فلما اتبع المسيح من آمن به، جعلهم الله فوق الذين كفروا به من اليهود وغيرهم.

ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الذي بعث به المسيح وسائر الأنبياء قبله، وكان محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما جاء به المسيح، وكان المسيح مبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم اتباع المسيح.

أما النصارى، فهم اتباع المسيح الذين غيروا شريعته وكذبوا فيما بشر به، فجعل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق النصارى إلى يوم القيامة، كما جعلهم أيضا فوق اليهود إلى يوم القيامة. والنصارى بعد النسخ والتبديل ليسوا متبعين للمسيح، لكنهم أتبعوا له من اليهود الذين بالغوا في تكذيبه وسبه، فأنهم كذبوه أولا وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ثانيا، فصاروا أبعد عن متابعة المسيح من النصارى، فكانوا مجعولين فوق اليهود.

والمؤمنون -وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم المتبعون للمسيح عليه السلام ومن سواهم كافر به- أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوق اليهود والنصارى إلى يوم القيامة. ولهذا لما جاء المسلمون يقاتلون النصارى غلبوهم، وأخذوا منهم خيار الأرض المقدسة وما حولها من مصر والجزيرة وأرض المغرب، ولم يزل المسلمون منتصرين على النصارى، ولا يزالون إلى يوم القيامة، لم تنتصر النصارى قط على جميع المسلمين، وإنما تنتصر على طائفة من المسلمين بسبب ذنوبهم، ثم يؤيد الله المؤمنين عليهم. ولو كان النصارى هم المتبعين للمسيح عليهم السلام والمسلمون كفارا به، لوجب أن ينتصروا على جميع المسلمين؛ لأن جميع المسلمين ينكرون ألوهية المسيح ويكفرون النصارى، فعلم أن المتبعين للمسيح هم المسلمون دون النصارى.

بهذا القدر وصلنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.