السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما نحن فيه. الدكتور طارق، الضيف المستمر معنا، صبحك الله بالخيرات وبركاته طارق. صوت جيد مشايخنا.
طيب، بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم أنج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها. اللهم نجّ المستضعفين في غزة، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابك، تنصر فيه شريعتك، واجعلنا من أهل العلم الذين يعملون بما يقولون. اللهم أصلح نياتنا وأصلح أعمالنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
حياكم الله في صبيحة هذا اليوم الجديد من أيام الخميس، وفي مجلس جديد من مجالس تراث شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. سنعيش في هذا الكتاب المطول ونستفيد ما ورد فيه من الأفكار والأنظار، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا بصيرة بالعلم، نبدأ مستعينين بالله. قال:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجّ المستضعفين من المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: فصل: قالوا: وأما تجسم كلمة الله الخالقة بانسان مخلوق وولادتهما معاً؛ أي الكلمة مع الناسوت، فانه لم يخاطب الباري أحداً من الأنبياء إلا وحياً أو من وراء حجاب، حسب ما جاء في هذا الكتاب في هذا الكتاب بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وِرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51]، وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف -روح القدس وغيرها- فكانت كلمة الله التي بها خلقت اللطائف والكثائف تظهر في غير كثيف كله، ولذلك ظهر في عيسى بن مريم؛ إذ الإنسان أجل ما خلقه الله، ولهذا خاطب الخلق وشاهدوا منه ما شاهدوا.
والجواب من طرق: أحدها أن يقال: هذا الذي ذكروه وادعوا أنه تجسم كلمة الله الخالقة بانسان مخلوق وولادتهما معاً؛ أي الكلمة مع الناسوت، وهو الذي يعبر عنه باتحاد اللاهوت بالناسوت، هو أمر ممتنع في صريح العقل، وما علم أنه ممتنع في صريح العقل لم يجوز أن يخبر به رسول، فإن الرسل إنما تخبر بما لا يعلم بالعقل أنه ممتنع، فأما ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع فالرسل منزهون عن الأخبار عنه.
الطريق الثاني: أن الأخبار الإالهية صريحه بأن المسيح عبد الله ليس بخالق العالم، والنصارى يقولون هو إله تام وإنسان تام.
الطريق الثالث: الكلام فيما ذكره فما الطريق الأول فمن وجوه، أحدها أن يقال: المتحد بالمسيح -يعني كان الطريق الأول والطريق الثاني هو تمهيد؛ يعني أولاً قضية اتحاد اللاهوت بالناسوت هذه قضية ممتنعه في صريح العقل أن يتحد جزء من الإله أو الإله في مخلوقه، ثانياً يريد أن يقول لك إن الأخبار الإلهية؛ يعني أن النصوص ليس فقط في القرآن أن نصوص جميع الأنبياء صريحة بأن المسيح عبد لله وليس بخالق للعالم والنصارى يقولون هو إله تام وفي نفس الوقت إنسان تام، الطريق الثالث دعونا نستفصل في الكلام الذي قالوه وننظر فيه- قال: فاما الطريق الأول فمن وجوه: أحدها أن يقال: المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الذات المتصفة بالكلام أو الكلام فقط، وإن شئت قلت: المتحد به إما الكلام مع الذات وإما الكلام بدون الذات، فان كان المتحد به الكلام مع الذات الإلهية -الان يقول الذي اتحد بالمسيح خلينا نمشي معهم خطوة خطوة، اللي اتحد بالمسيح بجسد المسيح عندك احتمالين: أما أن يكون هو الذات الإلهية المتصفة بالكلام، أو أن يكون الذي اتحد بالمسيح هو الكلام فقط- قال: فان كان المتحد به الكلام مع الذات كان المسيح هو الآب وهو الابن وهو الروح القدس، وكان المسيح هو الأقانيم الثلاثة -إذا كان الذات الإلهية المتصفة بالكلام هي التي اتحدت بالمسيح صار المسيح اللي هو الابن أصبح هو الاب وروح القدس وكل شيء وأصبح في المسيح؛ يعني هو ليس أقنوماً واحداً بل صار هو الأقانيم الثلاث- نعم.
قال: وهذا باطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل واتفاق الكتب الإلهية، وباطل بصريح العقل كما سنذكره إن شاء الله. فالنصارى أنفسهم لا يقولون ذلك، هم نفسهم النصارى لا يقولون ذلك. قال: وإن كان المتحد به هو الكلمه فقط، فالكلمة صفة، والصفة لا تقوم بغير موصوفها، والصفة ليست إلهاً خالقاً، والمسيح عندهم إله خالق، فبطل قولهم على التقديرين. الآن إذا قلنا الذي اتحد به هو الكلمة، الكلمة هي صفة تقوم في ذات الله، هي صفة ليست جوهراً، فيقول: فالكلمة صفة والصفة لا تقوم بغير موصوفها بغير الذات الإلهية، فلا يمكن أن تكون صفة الكلام خرجت من الذات الإلهية ونزلت حتى تتحد بعيسى بن مريم، هذا الانتقال هذا من أعراض الأجسام، والصفة ليست جسماً حتى تفعل هذه العملية الانتقالية، فبطل قولهم على كلا التقديرين.
قال: إن قالوا: المتحد الموصوف بالصفة، فالموصوف هو الاب -الموصوف هو الاب اللي هي الذات الإلهية على كلامكم- نعم. قال: والمسيح عندهم ليس هو الاب. وإن قالوا: الصفة فقط، فالصفة لا تفارق الموصوف ولا تقوم بغير الموصوف، والصفة لا تخلق ولا ترزق وليست الإله، والصفة لا تقعد عن يمين الموصوف، والمسيح عندهم صعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه. وأما كونه هو الاب فقط وهو الذات المجردة عن الصفات، فهذا أشد استحالة، وليس فيه من يقول بهذا.
الوجه الثاني: أن الذات المتحدة بناسوت المسيح -يعني هذا جميع الاحتمالات العقلية أراد، أما إذا قلنا الذي اتحد الآب دون صفاته- أن المتحد بالمسيح هو الله دون صفاته، وهو الذات المجردة عن الصفات، فهذا أشد استحالة؛ يعني أن تكون الذات الإلهية تجردت عن صفاتها ثم اتحدت بجسد المسيح.
قال: الوجه الثاني: أن الذات المتحدة بناسوت المسيح مع ناسوت المسيح إن كانتا بعد الاتحاد ذاتين وهما جوهران كما كان قبل الاتحاد، فليس ذلك باتحاد. طيب الآن الوجه الثاني أن الذات المتحده بناسوت المسيح، معنى سورة المسيح الآن بدي نعمل هيك مقارنة: بعد الاتحاد هل بقيت الذاتين ولا أصبحت ذات واحدة بعد الاندماج الذي يتصورونه؟ فيقول: إن كان بعد الاندماج ما زالتا ذاتين، فهذا إذاً ليس اتحاداً؛ لأنه بقي وجود انفصال بين هذه الذات وتلك الذات.
قال: وان قيل: صارا جوهراً واحداً كما يقول من يقول منهم إنهما صارا كالنار مع الحديدة أو اللبن مع الماء، فهذا يستلزم استحالة كل منهما وانقلاب صفة كل منهما بل حقيقته كما استحال الماء واللبن إذا اختلط والنار مع الحديدة. وحينئذ فيلزم أن يكون اللاهوت استحال وتبدلت صفته وحقيقته، والاستحالة لا تكون إلا بعدم شيء ووجود آخر، فيلزم عدم شيء من القديم الواجب الوجود بنفسه. نعم أما إذا قلتم: لا، اتحاد الذات الإلهية بناسوت المسيح عمل اتحاد بينهم كما أننا جبنا لبن وحطينا معه، بتحدوا بصير عندك منتج جديد، قول في الأصل إذا كان لا، إذا قصدتم بالاتحاد والامتزاج، الامتزاج يقتضي وجود منتج جديد ها تخيل أنا عندي ماده وماده وخلطتهم واتحدت مفهوم الاتحاد إذاً الثاني هو امتزاج، وهذا الامتزاج يتطلب وجود منتج جديد، إذاً الذات الإلهية لما اتحدت بجسد المسيح عيسى ابن مريم لابد أنه حصل تبدل عليها وتغير واستحالة، الاستحالة؛ يعني التحول من صورة إلى صورة، استحالة من صورة إلى صورة، وهذا يعني أن الذات الإلهية لم تبق هي الذات الإلهية بأوصافها القديمة، بل تطرق لها شيء من التغييرات في أثناء هذه الاستحالة وفي أثناء هذا التغير والتقلب.
قال: وما وجب قدمه استحال عدمه، وما وجب وجوده امتنع عدمه. قال: إذا قلنا أن هناك الذات الإلهية قديمة بصفاتها، الأصل أن الشيء القديم بصفاته لا يستحيل منه، لا يعدم منه شيء، قال: وما وجب قدمه استحال عدمه -مش نحن قلنا لما استحال الذات الإلهية في جسد المسيح انعدمت بعض صفاتها القديمة لأن الآن اكتسبت أشياء جديدة بهذا الاتحاد- يقول لك هذا لا يمكن، أنه ما وجب أن يكون قديماً أزالياً يستحيل أن يكون معدماً في المستقبل، فيستحيل أن تعدم صفة من صفات الله أو شيء قديم من قدم الله. وما وجب وجوده امتنع عدمه، هي القاعدة، واجب الوجود شو بس في الله عز وجل بصفاته مش واجب الوجود واجب الوجود ممتنع العدم، وهيك هي ليش؟ لأنه واجب الوجود قول لك واجب الوجود لازم يكون ممتنع العدم، فكيف يعدم شيء من صفات واجب الوجود هذا لا مستحيل عقلاً.
قال: فإن القديم لا يكون قديماً إلا لوجوبه بنفسه، أو لكونه لازماً للواجب بنفسه، إذ لو لم يكن لازماً له بل كان غير لازم له، لم يكن قديماً بقدمه، والواجب بنفسه يمتنع عدمه، ولازمه لا يعدم إلا بعدمه، فإنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.
الوجه الثالث: أن يقال: الناس لهم في كلام الله عز وجل عدة أقوال، وقول النصارى باطل على جميع الاقوال التي قالها الناس في كلام الله، فثبت بطلانه على كل تقدير، وذلك أن كلام الله سبحانه إما أن يكون صفة له قائمة به، وإما أن يكون مخلوقاً له بائناً عنه، وإما أن لا يكون لا هذا ولا هذا، بل هو ما يوجد في النفوس، وهذا الثالث هو أبعد الأقوال عن أقوال النصارى. وذلك أن كلام الله إيش أقوال الناس في كلام الله؟ إيش أقوال الفرق؟ أنك أما أن يكون صفة له قائماً به، واما أن يكون مخلوقاً له بائناً عنه، واما أن لا يكون لا هذا ولا هذا بل هو ما يوجد في ماذا؟ في النفوس. إذاً أما أن يكون صفة قائماً به هذا رأي أهل السنة، واما أن يكون كلام الله مخلوقاً له بائناً عن هذا رأي المعتزله، واما أن يكون لا هذا ولا هذا بل هو مجرد المعاني النفسية وهذا كلام الأشاعرة والماتريدية وغيره من المسار على هذا. وهذا الثالث اللي هو كلام الأشاعرة والماتريدية الذين يجعلون كلام الله هو مجرد المعنى النفسي، قال هو أبعد الأقوال عن أقوال الأنبياء، وهو قول من يقول من الفلاسفة والصابئة إن الرب لا تقوم به الصفات، وليس هو خالقاً باختياره.
قال: ويقولون مع ذلك إنه ليس عالماً بالجزئيات ولا قادراً على تغيير الأفلاك، بل كلامه عندهم ما يفيض على النفوس، وربما سموه كلاماً بلسان الحال. ممكن قصده هنا ما يوجد في النفوس نفوس البشر المخلوقين إذا كان يقصد، لكن الموضوع هذا، ولما نسب الفلاسفة ممكن يكون فعل هو يقصد هنا الطريقة الأشعرية، يمكن يكون يقصد هنا بقوله بل هو ما يوجد في النفوس أي ما يفيض على النفوس.
قال: بل كلامه عندهم هو ما يفيض على النفوس -آه تمام، إذاً هو حقيقة لا لما قال أي لا هذا ولا هذا بل هو ما يوجد في النفوس لا يقصد على طريقة الأشاعرة المعنى النفسي لا، يقصد على طريقة الفلاسفة أن كلام الله هو ما يفيضه في نفوس أنبيائه عن طريق الفيض، وجعل الأشاعرة إذاً يدخلون تحت الجملة الأولى أن يكون كلامه صفة قائمة به لكن هنا الصفة القائمة به أما أن تكون بصوت وحرف وهذا كلام أهل السنة أو أن تكون المعنى النفسي القائم به وهذا بيكون كلام الأشاعرة والماتريدية، أما قوله إذا في الاحتمال الثالث وأما أن يكون لا هذا ولا هذا بل هو ما يفيضه الله على نفوس أنبيائه هذا تفسير الفلاسفة لكلام الله أنه ما يفيضه الله على قلوب انبيائه، فهذا هو المقصود إذاً بالقول الثالث.
قال: وهؤلاء ينفون الكلام عن الله ويقولون ليس بمتكلم، وقد يقولون متكلم مجازاً، لكن لما نطقت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطلقه من دخل في الملل منهم ثم فسره مثل هذا، وهذا أحد قولي الجهمية. وهذا أحد الأقوال الموجودة عند الجهمية في تفسير كلام الله نظرية الفيض الفلسفي.
قال: والقول الثاني: أنه متكلم حقيقة لكن كلامه مخلوق خلقه في غيره، وهو قول المعتزله وغيرهم، والقول الآخر للجهمية هذا هو القول الآخر للجهمية، إذاً الجهمية -يعني هذه فائدة الجهمية- يتبنون إحدى هاتين النظرين في تفسير كلام الله: أما أن نقول إن الله له كلام لكن كلامه يخلقه في شجرة كما يقول إن كلام الله مع موسى في طور سيناء كلام خلق في شجرة، النظرية الثانية للجهمية نظرية الفيض.
قال: وعلى هذين القولين فليس لله كلام قائم به حتى يتحد بالمسيح أو يحل به، والمخلوق عرض من الأعراض ليس بإله خالق، وكثير من أهل الكتاب اليهود والنصارى من يقول بهذا وهذا. وأما القول الأول هو قول سلف الأمة وائمتها وجمهورها وقول كثير من سلف أهل الكتاب وجمهورهم، فين يققال: القول الأول الذي يقول لا أن الكلام صفة قائمة في ذات الله.
قال: وأما القول الأول، قال: فاما أن يقال الكلام قديم نوعي بمعنى أنه لم يزل يتكلم بمشيئته، أو قديم العين، واما أن يقال ليس.
بقديم، بل هو حادث. والأول هو القول المعروف عن أئمة السنة والحديث؛ إذاً، فإما أن يقال: الكلام قديم من حيث ايش؟ النوع، متجدد من حيث الآحاد. أليس هذا هو دائماً؟ النظرية أقول لك إن أول ما أتى بها ابن تيمية والأشاعرة: الكلام قديم من حيث النوع. ما معنى قديم من حيث النوع؟ أن الله سبحانه وتعالى متصف بأنه متكلم، بمعنى القابلية للكلام والقدرة على الكلام من حيث الأزل. وأما آحاد الكلمات فهو يتكلم متى شاء، ومتى شاء لا يتكلم، فالأمر له. هذا هو المعروف عن أئمة السنة والحديث.
القول الثاني: لا، إن الكلام قديم العين. وهذه طريقتكثير من الحنابلة الذين يقولون بأن الكلام ايش؟ قديم، وكذلك الأشاعره وغيره ممن يفسرون الكلام بالمعنى النفسي أيضاً هذا يرونه أنه قديم. فالذين يرون أن الكلام قديم من حيث العين هم إما بعض الحنابلة ومن تبنى رأيهم بالقول بأن الكلام حتى ولو كان بصوت وحرف هو قديم عينه، أو رأي الأشاعرة والذين يروا أصلاً أن الكلام هو مجرد المعنى النفسي، وهو أيضاً عندهم قديم العين.
قال: واما القائلون بقدم العين هم يقولون: الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته، لاعتقادهم أنها لا تحله الحوادث، لاعتقادهم أن الله لا يجوز أن تحل في ذاته الحوادث، وبالتالي فسروا الكلام بأنه كله قديم من حيث عين. أوما أن يقال: ليس بقديم بل هو حادث، هذه الكرامية.
وأما أن يقال: هو ليس بقديم بل هو حادث، هذا قول ثالث في المسألة؛ أن كله حادث وينفون القدم النوعي، وينفون القدم العيني، وهذا ينسب لبعض الكرامية، وإن كان هي النسبة شوي تحتاج إلى تدقيق أكثر، لكنه ينسبونه إلى الكرامية في أنهم يقولوا إن كل الكلام... وهذا يدل على ماذا؟ يعني الذين يقول إنه كله حادث يعني أن حتى نوع الكلام حدث في ذات الله بعد أن لم يكن. وهذا قالت به بعض الفرق، لكن هذا كلام لا يصح بتاتا، لأن معناه أن هذه الصفة من أصلها لم تكن موجودة عند الذات الإلهية من حيث أصلها ثم اكتسبتها الذات الإلهية، وهذا يعني أنه كان ناقصاً قبل اكتسابها.
لاعتقاد أنه لا تحله الحوادث، وما كان بمشيئته وقدرته لا يكون إلا حادثاً. ولهم قولان: منهم من قال: القديم معنى واحد أو خمسة معان، وذلك المعنى يكون أمراً ونهياً وخبراً، وهذه صفات له لا أقسام له، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً.
منهم من قال: القديم معنى واحد. الآن الأشاعره عموماً مدارس في هذا الموضوع، إذا قالوا الكلام هو المعنى القديم، صار عندهم بعد ذلك خلاف داخلهم: هل هو هذا المعنى القديم الأزلي في ذات الله اللي بيسموه كلام، هل هو معنى واحد فقط؟ تمام، إذا نظرت إليه من هنا يسمى أمراً، وإذا نظرت إليه من هنا يكون نهياً. وهذه من أكبر النظريات فساداً يعني في تصور كيف يكون بناء على المعنى الواحد فيه الأمر والنهي والخبر والاستخبار وكل شيء داخل المعنى الواحد، يعني هي نظرية معقدة أنك تحاول تفهم كيف يكون المعنى الواحد في داخله كل شيء الأوامر والنواهي والخبر والاستخبار. أو أن يكون لا، رأي آخر منهم: إن هذا المعنى الواحد هو... عفوًا أنها ليس معنى واحد. النظرية الثانية عند الأشاعره ومن تبعهم أنه المعنى القديم الذي يسمى كلاماً هو ليس معنى واحد، هو عدة معاني، قال: وذلك المعنى يكون أمراً ونهياً وخبراً.
قال: وهذه صفات له لا أقسام له، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة. ومنهم من قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة الأعيان. والقول الثالث: إنه متكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته، قال: وهو حادث ويمتنع أن يكون قديماً لامتناع كون المقدور المراد قديماً. وهذه الطوائف بنوا أقوالهم على أن ما لم يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع وجود ما لا نهاية له عندهم، وإذا امتنع ذلك تعين أن يكون.
طبعا هو بالنسبة لهم، بس حتى أعود: الذين قالوا منهم من قال إن القديم هو معنى واحد أو خمسة معان، ثم قال: وهذه صفات له لا أقسام له تمام يعني تقسيمها إلى أمر ونهي وخبر هذه صفات لذلك المعنى لا أقسام. طيب قال: وهذه صفات له لهذا الكلام لا أقسام له. فبالتالي هذا المعنى الذي يقوم في ذات الله على طريقة الأشعرية، هذا المعنى الذي يقوم في ذات الله أنه عبر عنه، وهذه طريقة الأشعرية أن الألفاظ هي عبارة عن كلام الله، أو على طريقة ابن كلاب هي حكاية عن كلام الله، فيقول: إن عبر عن هذا المعنى بالعربية، عن هذا المعنى القائم في نفسه عبر عنه بالعربية سمي قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان التوراة. طبعا كلام مشكل فاسد، هذا كل هذا كلام فاسد، أنه معنى واحد أو خمسة معان، وذلك المعنى يكون أمراً ونهياً وخبراً، وهذه صفات لذلك المعنى لا أقسام له.
شيخنا، يعني إذا قلنا إن هذه الأمر والنهي والخبر كذا هي صفات لنفس المعنى القديم، إذا هو رجعنا إلى القول الأول هو معنى واحد قديم، طب يعني ايش فرق بقول هو معنى واحد قديم أو خمسة معان قديمة؟
لا، أنا اعتقادي ليست المعنى الواحد القديم هنا، وذلك المعنى يكون أمراً ونهياً وخبراً، أظن هذا عوده إلى المعنى الواحد ما ذكر الخمس معان. تمام، يعني هو ذكر قولين بعدين ما دخل في الخمس معان، رجع للأول، قال: أما أن يكون معنى واحد، خمس معان. وعلى نظرية المعنى الواحد هذا المعنى الواحد سيكون نفسه أمراً ونهياً وخبراً، وبالتالي هذه صفات له ولا أقسام له، عبر عنه بالعربية. طب هيك بهي الطريقة، لأنه أصلا هو الخمس معان أمر ونهي وخبري ثلاثة يعني مش خمسة تمام خمسة يذكرونها أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء تمام هذه الذي يذكرونها أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء تمام هي خمسة أظن ذكرها الجويني وغيرهم فهذه طريقه عد الخمس معان بس هنا لا هو عد الطريقه الأولى فقط.
ومنهم من قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة الأعيان. رأي كثير من الحنابلة أن كلام الله هو صوت وحرف، لكنه حروف أو حروف وأصوات قديمة العين.
قال: والقول الثالث: إنه متكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته، قال: وهو حادث ويمتنع أن يكون قديماً لامتناع كون المقدور المراد قديماً. وهذه الطوائف بنوا أقوالهم على أن ما لم يخلو... القول الثالث أظنه يتكلم عن قول الكرامية الذين جعلوا الكلام متعلق بمشيئته، لكن جعلوه حتى من حيث الأصل أن أصل صفة الكلام كلها حادثة، أن أصل صفة الكلام كلها حادثة.
قال: وهذه الطوائف بنوا أقوالهم على أن ما لم يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع وجود ما لا نهاية له عندهم، وإذا امتنع ذلك تعين أن يكون لنوع الحوادث ابتداء كمال الحادث المعين ابتداء، وما لم يسبق الحوادث كان معه أو بعده فيكون حادثاً. فلهذا منع هؤلاء أن تكون كلمات الله لا نهاية لها في الأزل، وإن كان من هؤلاء من يقول بدوام وجودها في الأبد.
وأما القول بأن كلمات الله لا نهاية لها مع أنها قائمة بذاته فهو القول المأثور عن أئمة السلف، وهو قول أكثر أهل الحديث وكثير من أهل الكلام ومن الفلاسفة، وهذه الاقوال قد بسط الكلام عليها في غير موضع.
قال: والمقصود هنا أن قول النصارى باطل على كل قول من هذه الأقوال الأربعة، كما تقدم بيان بطلותו على القولين. فانه على قول الجمهور الذين يجعلون لله على ذينك القولين اللي هو يقصد قول الفلاسفة والمعتزلة، كما انه تبين لنا أن كلام النصارى في تفسير كلمة الله وفي تفسير كلام الله باطل على قول الجهمية اللي هم فلاسفة والمعتزلة، كذلك قولهم قول النصارى فاسد على هذا الرأي الذي يرى أن الكلام معنى قائم في ذات.
أنه الذين يرون هو الرأي الأول، مش قلنا الرأي الأول الذين يرون أن الكلام معنى قائم في ذات الله، لكنهم مختلفون بعد ذلك في هذا المعنى القائم في ذات الله: هل هو صوت وحرف قديم النوع متجدد الآحاد، أو هو معنى نفسي، أو هو كله حادث؟ يقول لك: حتى على الرأي الأول على ما بينهم من اختلاف أصحاب الرأي الأول، كلام النصارى فاسد حتى على جميع هذه الآراء التي عندهم. لماذا؟ قال: فانه على قول الجمهور الذين يجعلون لله كلمات كثيرة إما كلمات لا نهاية لها ولم تزل وإما كلمات لها ابتداء، وإذا كان له كلمات كثيرة فالمسيح وليس هو الكلمات الذي لا نهاية لها، وليس هو كلمات وليس هو كلمات كثيرة، بل إنما خلق بكلمة من كلمات، بكلمة واحدة من كلمات الله بكن واحدة، بكن فيكون واحدة.
كما في الكتب الإلهية القرآن والتوراه أنه يخلق الأشياء بكلماته. قال تعالى في قصة بشارة المسيح، مريم، المسيح قالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47]. وقال أيضاً: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. وقال: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: 34-35]. وقد أخبر الله في القرآن بخلقه للأشياء بكلماته في غير موضع بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
فالله يخلق الأشياء بكلماته، ومريم... عفوًا، وعيسى هو شيء من هذه الأشياء، إذاً هو خلق بكلمة من هذه الكلمات؛ لأنه هناك مخلوقات أخرى في هذا العالم غير المسيح ابن مريم وخلقت بكلمة كُن أخرى.
قال في التوراة: ليكن يوم الأحد، ليكن كذا، ليكن كذا. وأيضاً فعلى قول هؤلاء، وعلى قول من يجعل كلامه إلا... يعني مثلاً في التوراة قال: ليكن يوم الأحد، هي كلمة من كلمات الله ثانية ما لها علاقة بالمسيح ابن مريم. إذاً المسيح هو ليس كل الكلمات، المسيح ليس هو كل الكلمات وليس هو كلمات كثيرة، المسيح إنما خلق بكلمة واحدة فقط من كلمات الله وهي كلمة كُن واحدة.
قال: وأيضاً فعلى قول هؤلاء، وعلى قول من يجعل كلامه إما معنى واحداً وإما خمسة معان، وإما حروف أو أصوات هي شيء واحد؛ فكلهم يقولون إن الكلام صفة قائمة بالموصوف، لا يتصور أن يكون جوهراً قائماً بنفسه، ولا يتصور أن يكون خالقاً، ولا للكلام مشيئة، ولا هو جوهر آخر غير جوهر متكلم، ولا يتحد بغير غير المتكلم، بل جمهورهم يقولون إنه لا يحل أيضاً بغير المتكلم. ومن قال بالحلول منهم فلا يقول إن الحال جوهر ولا إله خالق، فتبين أن ما قاله النصارى باطل على جميع الاقوال التي قالها الناس في كلام الله، مع أن أكثر هذه الاقوال خطأ. ولما كان قول النصارى فساده أظهر العقلاء، كان الخطأ الذي في أكثر هذه الاقوال قد خفي على العقلاء الذين قالوها، ولم يخفى عليهم فساد قول النصارى.
يعني الذين قالوا بالقدم النوعي، الذين قالوا بالقدم العيني، والذين قالوا ب... والكرامية وغيرهم، باختصار كل أصحاب الأقوال الفاسدة في كلام الله، كل أصحاب الأقوال الفاسدة في كلام الله خفي عليهم فساد قولهم، ولم يخفى عليهم فساد قول النصارى لظهوره؛ يقول لك: فالكل أدرك فساد قول النصارى.
قال: وأيضاً فالذين قالوا بالحلول من الغلاة الذين يكفرهم المسلمون، كالذين يقولون بحلوله في بعض أهل البيت أو بعض المشايخ، وهم وإن كانوا كفاراً شاركوا النصارى في الحلول، ولكن لم يقولوا إن الكلمة التي حلت هي الإله الخالق، فيتناقضون تناقضاً ظاهراً، بل ما في قول النصارى من التناقض البيني ما ليس في قول هؤلاء، وإن كانوا في بعض الوجوه قولهم شر من قول النصارى.
فالإسماعيلية والنصيرية وغيرهم ممن يقولون بالحلول، أن علي... أن الله حل في علي والعياذ بالله، أو شيء من ذلك، أو حل في الحاكم العبيدي أو ما شابه ذلك؛ الذين قالوا بالحل من هؤلاء، وإن كانوا كفاراً مثل النصارى، لكنهم ما جاءوا... أو بكلام غريب مقتضاه أن هناك كلمة الله هي التي حلت في الحاكم العبيدي أو علي بن أبي طالب. فيقول إنه حتى الإسماعيلية والنصيرية وهؤلاء لم يقعوا في حمق النصارى في هذه الجزئية.
قال: الرابع: أن يقال: لو كان المسيح نفس كلمة الله، فكلمة الله ليست هي الإله الخالق للسماوات والأرض، ولا هي تغفر الذذنوب وتجزي الناس بأعمالهم، سواء كانت كلمته صفة له أو مخلوقة له كسائر صفاته ومخلوقاته؛ فإن علم الله وقدرته وحياته لم تخلق العالم، ولا يقول أحد: يا علم الله اغفر لي، ويا قدرة الله تب علي، ويا كلام الله ارحمني، ولا يقول: يا توراه الله ويا إنجيله أو يا قرآنه اغفر لي وارحمني. وإنما يدعى الله سبحانه، وهو سبحانه متصف بصفات الكمال، فكيف المسيح ليس هو نفس الكلام؟ فإن المسيح جوهر قائم بنفسه، والكلام صفة قائمة بالمتكلم، وليس هو نفس الرب المتكلم، فإن الرب المتكلم هو الذي يسمونه الاب. والمسيح ليس هو الاب عندهم بل الابن، فضلوا في قولهم من جهات: منها جعلوا الاقانيم ثلاثة وصفات الله لا تختص بثلاثة، ومنها جعلوا صفة خالقة وصفته لا تخلق.
ومنها جعله المسيح نفس الكلمة، والمسيح خلق بالكلمة؛ فقل له: كن، فكان، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير ذلك.
وإنما خص المسيح بتسميته كلمة الله دون سائر البشر؛ لأن سائر البشر خلقوا على الوجه المعتاد في المخلوقات، يخلق الواحد من ذرية آدم من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، وخلقوا من ماء الأبوين: الأب والأم. والمسيح عليه السلام لم يخلق من ماء رجل؛ بل لما نفخ روح القدس في أمه حبلت به، وقال الله له: كن، فيكون.
إذاً هذه فائدة جميلة، لماذا المسيح دون غيره من البشر سمي بكلمة الله؟ مع أننا نقول: إنما أمره إذا أراد شيئاً -أي شيء- أن يقول له: كن فيكون. إذاً أي مخلوق من مخلوقات الله يخلق بكن فيكون، لماذا هو بالتحديد مادام إنما أمره إذا أراد شيئاً، أي شيء، أنا وإياك ما حنا أشياء! إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن، فإذاً كن فيكون، موجودة في جميع المخلوقات البشرية وغير البشرية، لماذا المسيح بالتحديد خلق بالكلمة؟
يقول: لأن جميع المخلوقات البشرية خلقت بماذا؟ صحيح بالكلمة، لكن من خلال توسط السبب؛ وهو علاقة الرجل بالمرأة والعشرة الزوجية؛ في رجل وفي امرأة حصلت معاشرة، فحصلت البويضة المخصبة نتج الولد. نعم، وإن كنا جميعا خلقنا بكن تمام، لكن الله سبحانه وتعالى خلق البشر من خلال السبب والواسطة -طبعا ليس افتقارا واحتياجا منه إلى الواسطة حاشاه- وإنما أراد أن تكون سنة الحياة أن يتكاثر البشر من خلال الوسائط.
بخلاف المسيح عيسى بن مريم فإنه لم يخلق من خلال هذه الواسطة، وإنما خلق بمجرد الكلمة دون توسط الواسطة، خلق بمجرد كن فيكون دون وجود الواسطة، وبالتالي اختص بأنه خلق بالكلمة. وإن كنا جميعا خلقنا بها، لكن نحن خلقنا بها مع توسط الواسطة، أما المسيح خلق بها دون توسط واسطة العشرة الزوجية، وبالتالي كان هو الأخص بهذه الكلمة.
قال: ولهذا شبهه الله بآدم في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. فان آدم عليه السلام خلق من تراب وماء فصار طيناً، ثم أيبس الطين، ثم قال له كن فكان، وهو حين نفخ الروح فيه صار بشرا تاما، لم يحتاج بعد ذلك إلى ما يحتاج إليه أولاده بعد نفخ الروح. فإن الجنين بعد نفخ الروح يكمل خلق جسده في بطن أمه، فيبقى في بطنها نحو خمسة أشهر، ثم يخرج طفلاً يرتضع، ثم يكبر شيئاً بعد شيء.
وآدم عليه السلام حين خلق جسده قيل له: كن، فكان بشرا تاما بنفخ الروح فيه، ولكن لم يسمى كلمة الله؛ لأن جسده خلق من التراب والماء، وبقي مدة طويلة يقال أربعين سنة، فلم يكن خلق جسده إبداعيا في وقت واحد، بل خلق شيئاً فشيئاً وخلق الحيوان من الطين معتاداً في الجملة. واما المسيح عليه السلام فخلق جسده خلقا إبداعيا بنفس نفخ الروح، بنفخ روح القدس في أمه قيل له: كن، فكان. فكان له من الاختصاص ما خلق بكلمة الله ما لم يكن لغيره من البشر.
ومن الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم أن الاسم العام إذا كان له نوعان، خصت أحد النوعين باسم وأبقت الاسم العام مختصا بالنوع، كلفظ الدابة والحيوان؛ فانه عام في كل ما يدب وكل حيوان، ثم لما كان للآدمي اسم يخصه، بقي لفظ الحيوان يختص به البهيم، ولفظ الدابة يختص به الخيل أو هي والبغال والحمير ونحو ذلك، وكذلك لفظ الجائز والممكن وذوي الأرحام وأمثال ذلك.
طيب، بس هنا بس أرجع للفائده السابقة في قضية آدم، يقول: لماذا آدم -طيب- لم يسمى بكلمة الله مع أنه أيضا لم يخلق بواسطة العشرة الزوجية؟ حتى يكون الإخوان منتبهين على هذه الفائدة، لماذا آدم أنت قلت يا شيخ إنه عيسى اختص بأنه كلمة الله لأنه خلق دون واسطة العشرة الزوجية؟ صح، طب آدم أيضا خلق دون واسطة العشرة الزوجية، ومع ذلك لم يسمى بكلمة الله؟
فيقول: ولكن لم يسمى آدم بكلمة الله في الصفحة السابقة مع أنه لم يخلق بالعشرة الزوجية؟ قال: لأن جسده خلق من التراب والماء، وبقي مدة طويلة يقال أربعين سنة، فلم يكن خلق جسده إبداعيا في وقت واحد، بل خلق شيئاً فشيئاً، وخلق الحيوان أصلا من الطين يقول لك يعني معتاد في الجملة. فيقول لأنه آدم إذا مر بأطوار، مر آدم بأيش؟ بأطوار. وبالتالي هذه الأطوار جعلت له نوع من التشابه مع الجنس البشري. قال: بقي مدة أربعين سنة، فلم يكن خلق جسده إبداعيا في وقت واحد.
هو يريد أن يصل إلى أن عيسى بن مريم بمجرد أن قال له الله كن في بطن مريم كان جنينا كاملا، ما مر في أطوار -فيما يظهر لي- أطوار النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم تشكل الجنين؛ لا هو يقول لك -وهو أظنه يقصد، وهو هل هي تعود على عيسى ولا على آدم في الصفحة السابقة؟ قال: وهو- أي قد تكون تعود على عيسى حين نفخ الروح فيه صار بشرا. ماشي، خل آدم، لكن آدم قال: فان الجنين بعد نفخ الروح يكمل خلق جسده في بطن أمه، فيبقى في بطنها نحو خمسة أشهر ثم يخرج طفلاً يرتضع ثم يكبر شيئاً لشيء.
إذا هو السياق إذا كان سابقا عن آدم، بس أنه هيك كان ظني أن يقول عن المسيح، لكن المهم هو يريد أن يقول إن آدم خلق خلقا تدريجيا، آدم ولو لم يخلق بواسطة العشرة الزوجية لكنه خلق خلقا تدريجيا، بأنه أول شيء جعل من صلصال، ثم بعد ذلك بقي أربعين يوما، فهو أشبه الجنين الذي في بطن أمه من هذه الزاوية.
لكن المسيح عيسى بن مريم لا؛ هو خلق بالنفخة فكان جنينا مباشرا في بطن أمه في وقت واحد، هذا الذي يريد أن يقوله: لأن جسده خلق فلم يكن خلق جسده إبداعيا في وقت واحد. مفهوم، مفهومه أن عيسى كان خلقا إبداعيا في وقت واحد، أصبح جنينا دون أن يمر في مرحلة النطفة والعلقة والمضغة، تفضل.
وأما المسيح عليه السلام فخلق جسده خلقا إبداعيا بنفس نفخ الروح بنفس نفخ روح القدس في أمه قيل له كن فكان، فكان له من الاختصاص بكونه خلق بكلمة الله ما لم يكن لغيره من البشر. نعم، وإن كان الكل خلق بكلمة الله، لكن هو له مزية مزية زائده واختصاص أعلى بها فنسب إليها.
قال: ومن الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم أن الاسم العام إذا كان له نوعان خصت أحد النوعين باسم وأبقت الاسم العام مختصا بالنوع، كل الدابة والحيوان فانه عام في كل ما يدب وكل الحيوان، ثم لما كان للآدمي اسم يخصه بقي لفظ الحيوان يختص به البهيم ولفظ الدابة يختص به الخيل أو هي والبغال والحمير ونحو ذلك، وكذلك لفظ الجائز والممكن وذوي الأرحام وأمثال ذلك، فلما كان لغير المسيح ما يختص به أبقي اسم الكلمه العامة مختصا بالمسيح.
قال الطريق الثاني: أن ما ذكروه حجه عليهم، فإن الله... إذاً من الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم -السلام عليكم ورحمة الله- أن الاسم العام إذا كان له نوعان، خصت أحد -طبعا خصت أظنه هي العبارة تحقيق- إذا كان له نوعان؛ يعني وقد خص أحد النوعين باسم أو خصت العرب -إذا ضمير يعود على العرب- خصت أحد النوعين باسم وأبقت الاسم العام مختصا بالنوع الآخر.
يعني اللفظ العام العربي يقول: إذا كان هناك لفظ عام، هذا اللفظ العام تحته نوعان فصاعدا، خلينا نقول بس خلينا على نوعين حتى يسهل التمثيل، عندك لفظة عام يندرج تحتها نوعان، ثم العرب وضعت لاحد هذين النوعين المندرجين تحت اللفظ العام، وضعت لاحد هذين النوعين اسم يخصه، فانها في العاده تجعل الاسم العام خلص للنوع الآخر؛ لأنه النوع الآخر حرام يعني ما في له اسم يخصه، فقالوا: خلص منخلي الاسم العام للنوع الآخر، مثل كلمة الدابة.
هس يقول كلمة الدابة هي في الأصل لايش يقول؟ فانه عام، كلمة دابة في أصل وضعها عام في كل ما يدب على وجه الأرض تمام، فانه عام في كل ما قال: كلفظ الدابة والحيوان فانه عام في كل ما يدب، ولفظ الحيوان عام في كل حيوان فيه حياة حتى الإنسان. قال: ثم لما كان للآدمي اسم يخصه، بقي لفظ الحيوان يختص به ايش؟ البهيم.
خلونا عرض الحيوان، الآن كلمة حيوان عامة، عام تشمل الإنسان مما يفكر، وتشمل ما لا يفكر كالبغال والحمير وما شابه ذلك، لما كان الآدمي له لفظ يخصه وهو الإنسان، الآدميين اللي داخلين تحت كلمة حيوان لما كان لهم لفظ يخصهم وهو الإنسان، جعلت كلمة الحيوان في العرف متعلقة بالنوع الآخر وهو ما لا يعقل فقط.
فيقول: ثم لما كان للآدمي اسم يخصه، وهو كلمة اسم الإنسان، بقي لفظ الحيوان في عرف الناس يختص بالنوع الآخر وهو البهيم، ولفظ الدابة يختص به الخيل أو هي الخيل يعني، كذلك والبغال والحمير ونحو ذلك. يقول: وكذلك لفظ الجائز والممكن وذوي الأرحام وأمثال ذلك، كل واحد منها كان تحتها انواع ثم خص بعض أنواعها باسم خاص به، فبقي ما لم يعطى اسماً خاصاً به هو الأسعد بلفظ العموم.
طيب، فلما كان لغير المسيح ما يختص به، أبقي اسم الكلمة العامة مختصا بالمسيح. هو يريد أن يصل النتيجة أن كلمة الله نحن جميعا خلقنا بكلمة الله، نحن جميعا خلقنا بكلمة الله، لكن نحن الآن حط المسيح على جهة وحطنا نحن كلنا على الكفة الأخرى؛ المسيح خلق بكلمة الله لكن دون توسط المعاشرة الزوجية، أما نحن خلقنا بكلمة الله لكن بتوسط ايش؟ المعاشرة الزوجية.
فاحنا الناس الطبيعيين لنا ما يخصنا، ايش ما يخصنا؟ أننا خلص يعني أبناء لآباء وأمهات، أبناء بيولوجيين، ما يسمون الابن البيولوجي، فلما اصبح لنا اسم يخصه أنك ابن بيولوجي طبيعي لم يحتج أن تعطى أنك كلمة الله، وإن كنت تخلقت بها، لكن خلقت بها بواسطة العمل البيولوجي. فلما أصبح لنا ما يخصنا أننا ولدنا من خلال التناكح لم نعط هذا الاختصاص، وأما عيسى ما ولد بالطريقة البيولوجية من التناكح، وبالتالي خلص كأنه أعطي هو كلمة الله وحده.
لكن لا تظن أنه إذا أعطي هو كلمة الله أننا نحن لا نولد بكلمة الله، نحن ولدنا بكلمة الله أيضا، لكن كما أقول: لم نعط الاختصاص بهذا اللقب بسبب وجود العامل البيولوجي الذي به يحصل التناكح.
نعم قال: الطريق الثاني، تفضل. قضية يعني أنه ابن تيميه يعني يرى أنه خلق سيدنا عيسى الأعلى وأثنى... مش مش أعلى يعني مش الان أنه هذا أفضل، لكن هو يقول لك إن خلق آدم كان تدريجيا، لا، طب هي سيدنا آدم خلق من غير لا أب ولا أم فهو أولى يعني يسمى كلمة الله، فلماذا أطلق ذلك على عيسى ولم يطلق على آدم؟
هو أعطاك اللي هو ايش وجهة نظره ابن تيمية على الأقل، وأعطاك أنه السبب في اختصاص كلمة الله بعيسى وليس بادم، مع أن آدم زي ما تفضلت ليس لا بأب ولا بأم، أن آدم فيه نوع شبه بالبشر البيولوجيين من جهة التدرج، أنه أول وضع صلصال ثم ترك أربعين يوما مش مرة واحدة، أما عيسى فهو يقول لك من أول ما قال له كن فيكون أصبح في بطن أمه جنينا كاملا ولم يمر بأطوار بيولوجية.
فهمته ذكر الفضي قال: وخلق الحيوان من الطين، الجسد، الخلق بمعنى التصوير، التصوير نعم. يعني هو يقول إن سيدنا آدم أولا صور من الطين نعم، والكلمة هي ماذا فعلت؟ قال: كن فكان بشرا تاما بالروح، يعني كن هي فقط كانت اللحظة الأخيرة، يعني ليست يعني جعلت التصوير أو خلقت هذا التصوير، وإنما كن هي فقط بثت الروح.
بينما كما أنه الجنين -ولا تقطعان لحديثك- يكون نطفة وعلقة ومضغة وهذا شيء بيولوجي، ثم ينفخ فيه الروح، فهمت علي ليش هو قاس الحيوان أنه اصلا حتى أنت كجنين في بطن أمك متى ينفخ فيك الروح؟ أنت أول شيء بتكون نطفة علقة مضغة ثم ينفخ فيك الروح.
فهو يقول: عموما التخلق يحصل ثم تنفخ فيك الروح، أما لا عيسى، عيسى في ظاهر النصوص أنه من البداية أول ما قال له كن في رحم مريم كان جنينا منفوخا فيه الروح، يعني ما مر بأطوار بيولوجية ثم نفخت فيه الروح لا. الآن مشيها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19]، يعني كأنه من أول ما نفخ فيه الروح ايش قال؟ نفخ فيها الروح، ما هو ايش كان؟ لماذا دخل جبريل على مريم؟ نفخ فيها الروح، إذا ما كان في هناك بويضة أو شيء في رحم مريم مرت بأطوار نطفة مضغة علقة ثم جاء نفخ فيها الروح. لا؛ هو يرى أنه من البداية، من البداية من لما نزل جبريل على مريم أعطيت مريم هذا الجنين في بطنها جاهزا منفوخا فيه الروح.
أما آدم مر بأطوار تشبه -يعني هي أطوار طينية لكن تشبه أطوار الجنين في بطن أمه- ثم نفخ فيه الروح، فلذلك لم يعط هذا الاختصاص بكلمة بالكلمة، والله أعلم. في أقوال الشيخ... نقبول حملها أصلا ما كان تسالم، يعني الله أعلم أن الإسرائيليات الله أعلم.
نعم قال: الطريق الثاني أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن الله إذا لم يكلم أحدا من الأنبياء
إلا وحي أو من وراء حجاب، فالمسيح عيسى بن مريم يجب ألا يكلمه إلا وحي أو من وراء حجاب، أو يرسل إليه رسولا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51] يعم كل بشر، المسيح وغيره. وإذا امتنع أن يكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه أو أحرى؛ فإنما اتحد به وحل فيه كلمة الله من غير حجاب بين اللاهوت والناسوت. هم قد سلموا أن الله لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب.
الوجه الثالث: أن قوله: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب يقتضي أن يكون الحجاب حجابا يحجب البشر كما حجب موسى، فيقتضي ذلك أنهم لا يرونه في الدنيا وإن كلمهم، كما أنه كلم موسى ولم يره موسى، بل سأل الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. قيل: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا. وعندهم في التوراة أن الإنسان لا يمكنه أن يرى الله في الدنيا فيعيش، وكذلك قال عيسى لما سألوه عن رؤية الله فقال: إن الله لم يره أحد قط، وهذا معروف عندهم.
وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون الحجاب الحاجب للبشر ليس هو من البشر، وهذا يبطل قول النصارى؛ فإنهم يقولون إن الرب احتجب بحجاب بشري، وهو الجسد الذي ولدته مريم فاتخذه حجابا وكلم الناس من ورائه، والقران يدل على أن الحجاب ليس من البشر.
هم يريدون أن يقولوا إن الله سبحانه وتعالى حل في عيسى حتى يكلم الناس من وراء حجاب. يعني يحاول يفلسف القضية بهذه الصورة أنه أنتم قرآنكم أصلا يوافقنا على نظرية الحلول، كيف القرآن يوافقكم على نظرية الحلول؟ أن الله سبحانه وتعالى إذا كلم البشر فإنما يكلمهم من خلال الوحي أو من وراء حجاب. هم شو فسروا وراء حجاب؟ أنه هو سبحانه يحل في جسد المسيح حتى يستطيع أن يخاطب البشر من خلال هذا الحجاب. فهو يقول: وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون الحجاب الحاجب للبشر ليس هو من جنس البشر، وهذا يبطل قول النصارى؛ فإنهم يقولون إن الرب احتجب بحجاب بشري، هيك لما قالوا إن الله عم يحل في المسيح ابن مريم والعياذ بالله تعالى الله عما يقولون، إنهم يقولون إن الرب احتجب بحجاب بشري وهو الجسد الذي ولدته مريم، اللي هو عيسى، فاتخذه حجابا حتى يكلم الناس من ورائه، والقران يدل على أن الحجاب ليس حجابا بشريا.
قال: والحجاب ليس من البشر، نعم؛ لأنه الله يقول: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، يعني ما في بشر إلا يكلمه الله بالوحي أو يكلمه من وراء حجاب، فكيف يكون نفس الحجاب هو بشر؟ نعم شيخ، هذا مناقض لعقيدة النصارى أن عندهم ما يقع على الناسوت يقع على اللاهوت، عندهم الحكم واحد، فأصلا هذه هرطقة من هرطقات من يقول إن الذي وقع على الناسوت دون اللاهوت أو يعني يفصل بينهما في الحكم العام هذا مهطق عندهم كافر. فالاصل عندهم أن الناسوت في عيسى عليه السلام هو نفس الناسوت متحد فيه، فالناسوت هو اللاهوت عندهم، فمش والله اللاهوت داخل والناسوت هو الخارج وحجاب هم نفس الشيء.
هو طلع لك طرحين سابقا إذا بتذكر، هل هما أصبحا شيئا واحدا خليطا واحدا أصبح منتج جديد، وإلا هما عبارة عن جوهرين منفصلين؟ قال لك: إذا أنت ما زلت ترى اللاهوت والناسوت وإن اتحد جوهرين منفصلين إذا هم ما اتحدوا، زي ما بق معنا في بداية الدرس اليوم. أما إذا شفتهم أنت قلت إنهم امتزجوا إذا ما عادش في جوهرهم، يعني زي ما تفضلت لفكرة ما عاد أن الإله عم يخاطب الناس من خلال جسد عيسى، لا وإذا معنى اتحدوا أنهم أصبحوا جوهرا واحدا جديدا، ليس هناك إله عم يحتجب بجسد المسيح حتى يخاطب الناس لا. وأنت الأصل إذا قلت بالاتحاد بالمعنى الصحيح للاتحاد إذا هناك منتج جديد خرج من خلال هذا الاتحاد كما أسلفنا في بداية الدرس.
قال، يبين هذا الوجه الرابع: وهو أن ذلك الجسد الذي ولدته مريم هو من جنس أجسام بني آدم، فإن جاز أن يتحد به ويحل فيه ويطيق الجسد البشري ذلك في الدنيا بما يجعله الله فيه من القوة، جاز أن يتحد بغيره من الأجسام بما يجعله فيه من القوة، وإذا جاز أن يتحد به جاز أن يكلمها بغير حجاب بينه وبينها بطريق الأولى والأحرى، وهذا خلاف ما ذكروه وخلاف القرآن.
وإذا جاز أن يتحد به جاز أن يكلمها بغير حجاب بينه وبينها، يقول يعني إذا أمكن أن يتحد الله بمخلوق من مخلوقاته ويطيقها ذلك إذا ما المانع أن الله سبحانه وتعالى يتكلم مع مخلوقاته بدون اتحاد؟ يعني يقول: وهو أن ذلك الجسد الذي ولدته مريم هو من جنس أجسام بني آدم، فإذا جاز أن يتحد به ويحل فيه ويطيق الجسد البشري في هذه الحياة الدنيا نزول الإله فيه من خلال ما يعطيه الإله من القوة، جاز أن يتحد بغيره من الأجساد بما يجعله فيه من القوة، فهذا ليس خاصا أصلا بالمسيح ابن مريم، أي جسد ممكن ربنا يعطيه القدرة على أن يتحمل حلوله فيه إن صح هذا والعياذ بالله. طيب وإذا جاز أن يتحد به جاز أن يكلمها، يعني إذا جاز الاتحاد جاز أن يكلمها بغير حجاب أصلا بينه وبينها بطريق الأولى. يعني إذا كان هو يحتجب داخل الأجساد حتى يكلم البشر، مش هيك أنتم تحكوا يا نصارى؟ إذا هو قادر أن لا يتحد بالأجساد ويكلم البشر دون وجود حجاب، ما دام قادر على هذا ليش ما يكون قادر على هذا؟ فيقول: إذا هو جاز أن يكلم البشر بغير حجاب بينه وبينها بطريق الأولى والأحرى، وهذا خلاف ما تذكرونه وخلاف القرآن، فإن الله في القرآن أخبر أنه لا يكلم الناس كفاحا في هذه الحياة الدنيا.
قال، فتبين أن نفي الأنبياء لأن يراه المرء في الدنيا هو نفي لمماسته ببشر بطريق الأولى والأحرى، والناسوت المسيحي هو بشر، فإذا لم يمكنه أن يرى الله فكيف يمكنه أن يتحد به ويماسه ويصير هو وإياه كاللبن والماء والنار والحديد أو كالروح والبدن؟
الوجه الخامس: أن من المعلوم أن رؤية الآدمي ليس لها أيسر من اتحاده به وحلوله فيه بالإمكان. فإذا كانت الرؤية في الدنيا قد نفاها الله ومنعها، إذا كانت رؤية الآدمي للإله أيسر من اتحاد الإله به، هي نفس الفكرة السابقة، يعني أنه أيهما أيسر؟ أنه يتحد الله بمخلوق ثم يصبح يتكلم مع الناس من خلال المخلوق ولا أنه يتكلم معهم مباشرة؟ يقول لك إن رؤية الآدمي له سبحانه أيسر من اتحاد المخلوق بالخالق، كعملية أن ترى الله، يعني رؤية موسى، مش موسى طلب من الله أن يراه فقال الله: لن تراني؟ أيهما أيسر أن ينزل الإله ويتحد بجسد موسى ولا أن يرى موسى الإله فقط؟ قال مجرد رؤية موسى للإله هذا أيسر من أن يتحد جسد الذات الإهية، الذات الإلهية أنت تحكي شيئا لا يمكن للعقل أن يتصور، لك أن تتحد هذه الذات كما يقول الأفاكون بجسد بشري، هذا أصعب بكثير تصورا من أن مجرد أن يرى هو سبحانه.
فيقول إن من المعلوم أن رؤية الآدمي له سبحانه أيسر من اتحاد الآدمي بالخالق أو حلول الخالق فيه وأولى بالإمكان. فإذا كانت الرؤية في الدنيا قال الله: لن تراني، ومنعها على ألسن رسله موسى وعيسى، فكيف يجوز اتصاله بالبشر واتحاد الذات الإلهية بالذات البشرية؟
قال، الوجه السادس: أنه لو كان حلوله في البشر مما هو ممكن وواقع لم يكن لاختصاص واحد من البشر بذلك دون من قبله وبعده، فإن القدرة شاملة والمقتضي وهو وجود الله وحاجة الخلق موجود. ولهذا لما كانت الرسالة ممكنة أرسل من البشر غير واحد، ولما كان سماع كلام للبشر ممكنا سمع كلامه غير واحد ورؤيته غير واحد، سمع كلام الله آدم وموسى ومحمد عليه الصلاه والسلام في ليلة الإسراء.
قال، ورؤيته في الدنيا بالابصار لم تقع لأحد باتفاق علماء المسلمين، لكن لهم في النبي صلى الله عليه وسلم قولان، والذي عليه أكابر العلماء وجمهورهم أنه لم يره بعينه كما دل على ذلك الكتاب والسنة. والخلة لما كانت ممكنة اتخذ أبراهيم خليلا واتخذ محمدا أيضا خليلا كما في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني نفسه.
الوجه السابع: قوله وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف مثل الروح وغيرها، فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف تظهر في غير كثيف كله. يقال لهم: ظهور اللطائف في الكثائف كلام مجمل، فإن أردتم أن روح الإنسان تظهر في جسده أو الجني يتكلم على الإنسان المصروع ونحو ذلك فليس هذا مما نحن فيه. وإن أردتم أن الله تعالى نفسه يحل في البشر فهذا محل النزاع، فان الدليل عليه وأنتم لم تذكروه إلا ما يدل على نقيض ذلك.
الوجه الثامن، اللطيف هو الشيء الذي لا يدرك عادة، يقول لك وإن كان وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف مثل الروح وغيرها، فيقول لهم إذا قصدتم مثلا الروح شيء لطيف صح خفي لا تظهر إلا في الكثائف، الكثائف للأجساد آه، فيقول إذا قصدتم أن اللطائف الأشياء الخفية لا تظهر إلا من خلال الكثائف كما أن الروح وهي شيء خفي إلا من خلال الجسد، أو الجني وهو شيء لطيف يعني خفي كيف يظهر لنا من خلال تكلمه على لسان المصروعين واللي عندهم مشاكل هي، قال: فليس هذا مما نحن فيه هذا مش موضوعنا.
وإن أردتم أن الله سبحانه وتعالى أن الله تعالى نفسه يحل في البشر إذا قصدتم باللطيف الذات الإلهية وأنها حتى تتجلى للبشر تتجلى من خلال الكثيف وهو جسد عيسى اللي هو تجلي اللاهوت من خلال الناسوت، وإن أردتم أن الله تعالى نفسه يحل في البشر فهذا محل النزاع هنا نحن النقطة بيننا، فأين الدليل عليه وأنتم لم تذكروا إلا ما يدل على نقيض ذلك وانه لا يمكن أصلا أن يحل الله في البشر؟
شيخنا الكلام اللي ذكره بولس قبل قال: فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف تظهر في غير كثيف، كلا شو قصد بالجمله هنا؟ كلها مو واضحة بالنسبة لنا أو بالنسبة لي، فقال: فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف، الكثائف اللي هي ايش أصلا؟ الأجسام، فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف تظهر في غير كثيف، تظهر في غير كثيف كلا، كان الكل إذا بتدقول كلا بمعنى شيء ذهني عام ليس له وجود في الواقع فكانها احتاجت أن توجد في المسيح حتى يكون لها وجود وتجسد كمثلها مثل الروح. الآن الروح شيء عام حتى يكون لها وجود يعني لابد أن تتجسد داخل كثيف. فيقول: كلمة الله التي بها خلقت الكثائف يعني كلمة الله التي خلقت بها الأجسام عموما تظهر في غير كثيف، كانها معنى من المعاني الكلية الذهنية، لكن حتى يكون لها وجود خارجي مثل الروح لابد وأن تتجسد داخل جسد معين، والله أعلم إذا قصد بكلمة كلا ما يتبادر من كلمة عن الكلي.
قال، الوجه الثامن: أن هذا أمر لم يدل عليه عقل ولا نقل ولا نطق نبي من الأنبياء بأن الله يحل في البشر وفي البشر ولا ادعى صادق قط حلول الرب فيه، وإنما يدعى ذلك الكذابون كالمسيح الدجال الذي يظهر في آخر الزمان فيدعيله، فينزل الله تبارك وتعالى عيسى بن مريم مسيح الهدى فيقتل مسيح الهدى الذي ادعيت فيه الإلهية بالباطل. المسيح الدجال الذي دعا الإلهية بالباطل يبين أن البشر بشر لا يحل فيه رب العالمين.
ولهذا لما أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسيح الدجال وقال: ما من نبي إلا وقد أنذر أمته المسيح الدجال، حتى نوح أنذر قومه به، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أثره ثلاث دلائل ظاهرة تظهر لكل مسلم تبين كذبه: أحدها قوله: مكتوب بين عينيه كافر -كافرا- يقراه كل مؤمن قارئ وغير قارئ. الثاني قوله: واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت، فبين أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، وكل بشر فإنه يرى في الدنيا بالعين، فعلم أن الله لا يتحد ببشر. الثالث قوله: أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور.
ودلائل نفي الربوبية عنه كثيرة، لكن لما كان حلول اللاهوت في البشر واتحاده به مذهبا ضل به طائف كثيرون من بني آدم النصارى وغيرهم، وكان المسيح الدجال يأتي بخوارق عظيمة، والنصارى احتجوا على إلهية المسيح بمثل ذلك، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من علامات كذبه أمورا ظاهرة لا يحتاج فيها إلى بيان موارد النزاع التي ضل فيها خلق كثير من الآدميين؛ فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم تدهشهم الخوارق حتى يصدقوا صاحبها قبل النظر في إمكان دعواه، وإذا صدقوه صدقوا النصارى في دعوى.
الإلهية المسيح، وصدقوا أيضاً من ادعى الحلول والاتحاد في بعض المشايخ أو بعض أهل البيت أو غيرهم من أهل الإفك والفجور.
وبهذا يظهر الجواب عما يورده بعض أهل الكلام كالرازي على هذا الحديث؛ حيث قالوا: دلائل كون الدجال ليس هو الله ظاهرة، فكيف يحتج النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: إن أعور، إن ربكم ليس بأعور؟ وهذا السؤال يدل على جهل قائله بما يقع فيه بنو آدم من الضلال، والأدلة البينة التي تبين فساد الأقوال الباطلة؛ وإلا فإذا كان بنو إسرائيل في عهد موسى ظنوا أن العجل هو إله موسى فقالوا: ﴿هَٰذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىٰ﴾، وظنوا أن موسى نسيه، والنصارى مع كثرتهم يقولون إن المسيح هو الله، وفي المنتسبين إلى القبلة خلق كثير يقولون ذلك في كثير من المشايخ وأهل البيت.
طبعا هو الرازي وغيرهم يردون على هذا الحديث، لأن هذا الحديث يعني فيه إثبات صفة العين لله. هذا الحديث ايش مشكلة الرازي وغيرهم من الأشاعره معه؟ أنه هو يدل على إثبات صفة العين لله سبحانه وتعالى؛ لأنه يقول إن المسيح الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور. العور معروف عند العرب هو فساد إحدى العينين، فلما يقول إن ربكم ليس بأعور، ما قال إن ربكم ليس له عين، صح؟ ما قال إن المسيح الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور، لو كان الله لا يوصب بالعين لقالوا إن الله عز وجل لا يوصب بالعين، وأن هذه جارجة وعضو وغير ذلك من قصص الأشاعرة؛ لا، قال إن ربكم ليس، نفى عنه العور، فهذا يستلزم قطعا إثبات العين لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وكمال، دون الدخول في الكيفية. فيقول لك: فالرازي وغيره، الرازي في تأسيس التقديس وغيره، اعترضوا على هذا الحديث وقالوا أصلاً يعني لماذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول إن ربكم ليس بأعور؟ واضح أصلاً أن المسيح الدجال لا يصلح أن يكون إلهاً. فيقول: هذا السؤال الذي أورده الرازي يدل على جهله فيما يقع فيه بنو آدم من الضلال، وأنه الإنسان يعني مجرد ما يرى، اليوم أنت بتشوف الناس، شوف شيخ صوفي، بس الشيخ صوفي بيعملهم كم كرامة بدون ما يفكروا في الناس، بدعوا فيه الألوهية والربوبية، والناس فيها، يعني كثير من الناس عندها سذاجة ومياعة وعدم تركيز، أنه بمجرد أن يرى الشيء المبهر يقدس من أمامه. فيقول: وهذا سؤال يدل على جهل قائله بما يقع فيه بنو آدم من الضلال، وبالأدلة البينة التي تبين فساد الأقوال الباطلة؛ وإلا فبنو إسرائيل ظنوا العجل إلهاً -تخيل واحد ظن بقرة إلهاً!- ظنوا أن العجل هو إله موسى فقالوا: ﴿هَٰذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىٰ﴾، وظنوا أن موسى نسي إلهه عندهم وراح على الطور ونسي إلهه عندهم، يعني تخيل هذا جنس من البشر يفكر هكذا! فأوجه ضلال البشر كثيرة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لما أعطانا هذه الأدلة الثلاث عن المسيح الدجال حتى ننتبه فقال: مكتوب بين عينيه كافر، واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت، وأنه أعور، إن ربكم ليس بأعور. لما أعطانا هذه المؤشرات الثلاث عند المسيح الدجال؛ لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن كثيراً من الناس سيبهر بما يظهر على يدي المسيح الدجال، وقد جاء في الحديث أن يأتيه الرجل فيقول يعني أنا، أن يأتي الرجل إلى المسيح الدجال يظن أنه لن يفتن به وأنه سيناظره ويجادله فيفتن به. يأتي الرجل المؤمن إلى المسيح الدجال يقول لك: أنا أتعرض له، أنا راح، قال: فيبهر بما لديه فيؤمن به، حتى تعرف أن فتنة المسيح الدجال فتنة شديدة، وأنه في ناس جاي يحمل عضاي، بده يعمل حاله أنه أصلاً أنا بعرف أنه مسيح الدجال لا يمكن يكون إلهاً، قال: فياتي الرجل يظن أنه مؤمن وأنه لن يقوى فيفتن به.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام لمعرفته بضعف عقول البشر، وأنه ليس كل الناس يملك من الذكاء والانتباه وصحه المعتقد ورسوخه ما به يكشف كذب المسيح الدجال، أعطاك مؤشرات تمهيدية واضحة حتى الكل يفهمها، حتى العامة، حتى المرأة، حتى كل الناس. هذه المؤشرات الثلاث لا يمكن تكون في إله؛ المسيح الدجال أعور، والإله لا يكون أعور، خلاص، شغله بسيطة واضحة، حتى أنت ما تبهر بعد ذلك ما سيظهر على يد المسيح الدجال من الأشياء الخارقة. وقضية أنك لا يمكن أن ترى ربك، فإذا المسيح الدجال قال إنه والله، اه، تذكر أن الله لا يرى في الدنيا، إذاً هذا لا يمكن أن يكون الله، بس احفظها كقواعد في الحياة وعلمها لأولادك حتى خلاص يسهل عليهم أن يعرفوا دجله دون أن يتاثروا بخوارقه.
نعم، يعني الاعتراض، أدلة قضائية، وهي الدلائل عبر خطاب، يمكن يكون هذا، هو مش هيك، هو أصلاً كل أحاديث الآحاد عند الرازي وغيره كلها أدلة ظنية، كل أحاديث الآحاد، يعني مش أنه لا أقصد من حيث، حتى من حيث لغة الشرعية ليست أن الخطاب القراني والسنة النبوية هو خطاب جمهوري، يعني قصدك شعري وليس خطاب برهاني احتجاجي، يعني ممكن يكون يعني هذا ماخذ، يعني أنها لا يعتبرها أدلة، يعني بس لا أعرف هل هو يطبق هذه النظرية حتى على هذا الحديث ولا لا؟ حتى أنا لا أحمل ما لا يحتمل، الله أعلم.
نعم، قال: حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، هو أن يكون الموحد هو الموحد، وينشدون: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد، اللي هم جماعة ابن عربي، هؤلاء الذين يعتقدون اتحاد الله في المخلوق أو حلول الله في المخلوق.
نعم، قال: فكيف يستبعد مع إظهار الدجال هذه الخوارق العظيمة أن يعتقد فيه أنه الله وهو يقول: أنا الله، وقد اعتقد ذلك فيمن لم يظهر فيه مثل خوارقهم الكذابين، وفيمن لم يقل إن الله في المسيح وسائر الأنبياء والصالحين؟
الوجه العاشر: قولهم فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف كله، فيقال لهم: كلمة الله التي يدعون ظهورها في المسيح هي كلام الله الذي هو صفته، أو ذات الله المتكلمة، أو مجموعها، اللي هي الذات مع الصفة.
نعم، قال: فإن قلتم الظاهر فيه نفس الكلام، فهذا يراد به شيئان: أنريد به أن الله أنزل كلامه على المسيح كما أنزله على غيره من الرسل فهذا حق اتفق عليه أهل الإيمان ونطق به القرآن.
دائماً ابن تيمية شخصية تحليلية عالية، حاول يضله يحلل يحلل الكلام لحتى نفهم، يعني في النهاية أنا بدي أفهم شو بتحكوا، والفهم بدنا نحط جميع الاحتمالات، خاصة أن أهل الباطل سواء من النصارى واليهود أو حتى للاسف من المتكلمين الإسلاميين بيعتمدوا دائماً أحدى مرتكزات الباطل. إخواني، هذه احفظها في حياتك، إحدى مرتكزات الباطل أنه هو بيجيب لك جملة ما حدا فاهم شو هي، إحدى مرتكزاتهم أن ياتي بجمله ما حدا فاهم بالضبط بالضبط شو معنى الجملة، بالتالي هو يضع العامة في دوامة ايش الاحتمالات، وبالتالي مثلاً النصارى اليوم رؤسائهم ولا رهبانهم شو اللي قسيسيهم كيف بيضحكوا على العوام النصارى؟ أنه بيجيب له كلمة هو مش فاهم شو هي، بقول لك: أكيد سيدنا الشيخ عنده سر ومش عنده سر وبيحكي كلام ومش فاهم شو هو، بس لأنه أنت مش شخصية تحليلية زي ما بيعمل ابن تيمية، ابن تيمية عم حاول يحلل حتى يتاكد هل هو فاهم شو أنت بتكي، على الأقل أني أنا أفهم ماذا تقول أنت، ما معنى أن الكثائف اللطائف تحتاج إلى الكثائف، وأنها كلمة الله تظهر في غير الكثائف كلها؟ خلينا نفهم بس على الأقل أنت ماذا تقصد بهذه العبارة حتى بعد ذلك نناقشك هل هي صح ولا خطا، أما مجرد ترمي عبارة فضفاضة لها احتمالات كثيرة في الفهم فيها إجمال، وبعدين تلزمني بها وأصبح أنا كافر إذا لا مؤمن بكلامك، طب ما هو ما بينفعش، والحياة العلمية تحتاج أن يكون من يبحث عن الهدى والنور لا يقبل أي كلام يرمى على عواهنه، لابد أي كلمة تؤمن بها سواء أنها صحيحة أو باطل يجب أن تكون مفهومة ابتداء.
نعم، قال: فهذا يراد به شيئان، إن أريد به أن الله أنزل كلامه على المسيح كما أنزله على غيره من الرسل فهذا حق اتفق عليه أهل الإيمان ونطق به القرآن، ونريد به أن كلام الله فارق ذاته وحل في المسيح أو غيره فهو باطل، مع أن هذا لا ينفع النصارى، فإن المسيح عندهم إله خلق السماوات والأرض، هو عندهم ابن آدم وخالق آدم، وابن مريم وخالق مريم، ابنها بناسوته وخالقها بلاهوته. وإن أرادوا بظهور الكلمه ظهور ذات الله أو ظهور ذاته وكلامه في الكثيف الذي هو الإنسان، فهذا أيضاً يراد به ظهور، أراد بظهور الكلمة ظهور ذات الله أو ظهور الذات والكلام مع بعض في الكثيف الذي هو الإنسان، فهذا أيضاً.
نعم، قال: فهذا أيضاً يراد به ظهور نوره في قلوب المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35] إلى قوله: كوكب دري، مثل نوره كمشكاة فيها، مثل نوره في قلب المؤمن تمام.
قال: آيات. إذا أرادوا بظهور الكلمة ظهور ذات الله أو ظهور ذاته وكلامه في الكثيف الذي هو إنسان، فهذا أيضاً يراد به ظهور نوره في قلوب المؤمنين، فالله عز وجل قد يظهر في قلوب المؤمنين بمعنى يظهر نوره، هذا الظهور بهذا النوع إذا كان مرادك بظهور النور ما عندنا إشكال.
نعم، وكما ظهر الله من طور سيناء وأشرق من سعير واستعلن من جمال فاران وكما تجلى لإبراهيم. والمراد به ظهور وحيه، وكما ظهر الله من طور سيناء وأشرق من سعير -تمام، اللي هي ايش سعير هنا؟ بيت المقدس أو شيء، أو بيت أو شيء من ذلك- واستعلن من جبال فاران اللي هي جبال مكة الحجاز، مش هذه من النصوص التي تدل على الأديان الثلاث؟ فيقول لك: ما معنى ظهور الله من هناك؟ ظهور نور وحي، إنما كان مهد الأنبياء والرسالات، فهذا الظهور الإلهي ما عندنا مشكلة معه إذا المراد به ظهور النور ظهور الوحي، وكما تجلى لإبراهيم كما ذكر في التوراه فهذا لا يختص بالمسيح بل هو لغيره كما هو له.
نعم، قالوا: وإن أرادوا أن ذات الرب حلت في المسيح أو في غيره فهذا محل النزاع، فأين دليلهم على إمكان ذلك ثم وقوعه، مع أن جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم يقولون هذا غير واقع بل هو ممتنع؟
الوجه الحادي عشر: قولهم فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف، كلام باطل؛ فإن ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية إذا أمكن ظهوره فظهوره في اللطيف أولى من ظهوره في الكثيف.
قال: فإن ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية إذا أمكن ظهوره فظهوره في اللطيف أولى من ظهوره في الكثيف. يعني يقول: هم ايش يقولون؟ إن اللطيف لا يظهر إلا من خلال الكثيف، مش هي قاعدة النصارى الآن؟ الأشياء اللطيفة الأمور الإلهية لا تظهر إلا من خلال ايش؟ الأشياء الكثيفه اللي هي الأجساد البشرية. فيقول: هذا مش صحيح، فان ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية اللطيفة الخفية إذا أمكن ظهوره فظهوره في اللطيف يعني أن يظهر اللطيف من خلال اللطيف أولى من ظهور اللطيف من خلال الكثيف، يعني اللطيف ظهوره من خلال لطيف آخر أيسر وأسهل قد يكون أحياناً من ظهور اللطيف من خلال الكثيف. يقول: فان ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية إذا أمكن ظهور، إذا أمكن فظهوره في اللطيف في لطيف آخر أولى من ظهوره في الكثيف، خذ مثال: قال فان الملائكه نعم.
قال: فإن الملائكة تنزل بالوحي على الأنبياء عليهم السلام وتتلقى كلام الله من الله. الآن الملائكة لطيف ولا مش لطيف؟ لطفه شو معنى اللطيف؟ اللطيف مش بمعنى أنه ذا أكيوت، يعني سمحوني باللا، اللطيف هنا بمعنى الشيء الخفي، اللطف معنى الخفاء. الآن فيقول: كلام الله عم يظهر في الملائكة، صحيح، والملائكة لطيفة خفية بالنسبة لنا. فيقول: فان الملائكة وهي بالنسبة لنا لطيف خفي تنزل بالوحي الذي هو لطيف خفي، فهنا الوحي وهو شيء لطيف ظهر من خلال لطيف، فقولكم إن اللطيف لا يظهر إلا من خلال الكثيف كقاعدة عامة مش صحيحه، فهذا الوحي يظهر في لطيف آخر وهو الملائكة.
نعم، قال: وتتلقى كلام الله من الله وتنزل به على الأنبياء عليهم السلام، فيكون وصول كلام الله إلى ملائكته قبل وصوله إلى البشر وهم هم الوسائط، كما قال تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ [الشورى: 51] فظهر اللطيف في لطيف.
نعم، قال الله تعالى: أيد رسله من البشر حتى أطاقوا التلقي عن الملائكة، وكانت الملائكة تأتيهم أحياناً في غير الصورة البشرية وأحياناً في الصورة البشرية، فكان ظهور الأمور الإلهية باللطائف وصولها إليهم أولى منه بالكثائف، ولو جاز أن يتحد الرب سبحانه بحي من الأحياء ويحل فيه لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به أولى من حلوله واتحاده بواحد من البشر.
الوجه الثاني عشر: أن ناسوت المسيح عندهم الذي اتحد به هو البدن والروح. سبحان الله، يعني هذا الكلام جميل هنا، يعني إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يثقل عليه التلقي من نفس جبريل بصورته الجبريلية، صحيح؟ يقول: والله تعالى أيد رسله من البشر حتى أطاقوا التلقي عن الملائكة. النبي عليه الصلاة والسلام هل كان تلقي الوحي عن جبريل بسهولة وسلاسة ولا كان يتفصد عرقاً في الليلة الشاتية وكان، كما قال الصحابة، كان تكاد تدق الأفخاذ عندما ينزل الوحي؟ الآن، فالنبي عليه الصلاة والسلام
والسلام؛ إذا كان يثقل عليه أن يتلقى من جبريل -لولا أن الله يؤيده، وجبريل لا يأتي بالصورة الجبريلية الملائكية بل يأتيه صلصلة الجرس أو ما شابه- كيف ينزل كجسد أن تنزل فيه الذات الإلهية كامدة؟
يقول لك: والله أيد رسله من البشر حتى أطاقوا التلقي عن الملائكة، بس قال: وكانت الملائكة تأتيهم أحياناً في غير الصورة البشرية وأحياناً في الصورة البشرية. فكان ظهور الأمور الإلهية باللطائف ووصولها إليهم أولى منه بالكثائف. فالأمور الإلهية الآن تجلت من خلال الأمور الإلهية اللطيفة -اللي هي الوحي- تجلت للرسل البشر من خلال لطيف آخر وسيط اللي هو الملك اللي سهل هل العملية.
فكيف أنتم أيها تقولون إن ذات الإله نفسها تحل فيها؟ قال: هذا الشيء غريب جداً، وقال: ولو جاز أن يتخذ الرب سبحانه حيًّا من الأحياء ويحل، لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به. الآن ذات الله خفي لطيف، صار معنا خفي، أن تتحد ذات الله بالملك الخفي أولى من أن تتحد ذات الله ببشر من البشر.
قال: لكان ولو جاز أن يتحد الرب حيًّا من الأحياء ويحل فيه، لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به أولى من حلوله واتحاده بواحد من البشر، خصوصاً أن طبيعة الملائكة وأجساد الملائكة وخلقهم أعظم من خلق الإنسان الضعيف الهين. فأيهما أسهل وأيسر؟ -طبعاً كله هذا كلام غير صحيح بس هو بقول لك كمقاييس هيك- بس إذا نجي نتخيل أنه أن تحل الذات الإلهية في جبريل على عظم خلقه وبدنه، أيسر من أن تحل في ماذا؟ في عيسى ابن مريم وهو كائن بشري ضعيف.
نعم، اسأل كلام بولس: كلمة الله لطيف ولا كثيف؟ لطيف. طبعا هو عم بذكرها بمعان، بقول لك: كلمة الله إما أن يكون مراد بها الذات وأعطاك الاحتمالات الموجودة بس هي لطيف بس يعني أنا مش فاهم الاختلاف بين الكلام يعني قال كلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف -يعني هو مقرر أن كلمة الله ستظهر في غير كثيف- بعدين ابن تيمية قال: فظهور في اللطيف.
ماشي، بس هو يعتقد أنها أولاً موجودة قبل الكثيف ثم اتحت في الكثيف، هو ما عنده مشكلة بولس الانطاكي أن تكون كلمة الله هي أولاً موجودة قبل وجود عيسى ابن مريم. بس كلامنا شو هي كلمة الله أصلاً؟ يعني حتى هو ابن تيمية يعتقد أنه فيها، أنت ماذا تقصد بكلمة الله يا بولس؟ تقصد بكلمة الله كلام الله؟ تقصد بكلمة الله لا الذات مع الكلمه؟ وفهم، هو بعطيه، هو عارف أنها موجودة قبل ذات الله وأنها ليست محتاجة ابتداءً للكثيف، بس يقول لك: إذا ظهرت ستظهر من خلال الكثيف. فهمت علي؟ هو ما عنده مشكلة بولس الانطاكي أن تكون هي أصلاً موجودة قبل الكثيف، ما هو نفسه بيقول هذا نفس بولس الانطاكي: هي موجودة قبل عيسى ابن مريم، وما يدعي أن كلمة الله وجدت مع عيسى ابن مريم، هي موجودة وبها خلقت الأشياء، لكنه يدعي اتحادها في جسد عيسى، فهو هنا مشكلة النزاع مش في أنها موجودة قبل عيسى، ففيها خلقت الأشياء، هو ما عند بولس الانطاكي مشكلة فيها.
نعم، قال: فكلمة الله التي بها خلقت، لا تتض- يقصد هذا قبل سيدنا عيسى يعني. هذا الذي يعني كما قلت لك، نعم، قلت: هذا الذي يظهر نعم، أنها لم تكن موجودة هي مجرد مفهوم كلي لكنها لم تكن ظاهرة، لم تكن ظاهرة متجسدة إلا لما تجسدت في المسيح عيسى ابن مريم.
بس هون ما معنى تجسد؟ هو ابن تيمية يناقشه: أنت ما تقصد بكلمة الله يا رجل؟ صفته، طب ما بتزبط الصفة مع الذات. لكن قبل عيسى نعم كانت عبارة عن مفهوم كلي غير متجسد في حياة الناس. نعم، لطيف أصلاً أولى. لا، نعم، أن تظهر كلمة الله -بغض النظر- أن تظهر في لطيف آخر أعظم من الإنسان، هذا أيسر وأسهل، فلماذا انتظرت حتى تأتي في إنسان هزيل ضعيف؟ نعم.
قال الثاني عشر: إن الناسوت المسيحي عندهم الذي اتحد به هو البدن والروح معاً، فإن المسيح كان له بدن وروح كما لسائر البشر، واتحد به عندهم اللاهوت؛ فهو عندهم اسم يقع على بدن وروح آدميين وعلى اللاهوت، وحينئذ فاللاهوت على رأيهم إنما اتحد في لطيف وهو الروح، وكثيف وهو البدن، ولم يظهر في كثيف فقط، ولولا اللطيف الذي كان مع الكثيف هو الظن.
إذاً عيسى عبارة عن روح زائد بدن، فإذا قولكم إن اللطيف لا يظهر إلا من خلال الكثيف هذا مش صحيح حتى على قولكم؛ لأنكم عيسى، ما هو عيسى عبارة عن روح زائد بدن، فكلمة الله حلت في الروح زائد البدن، إذاً هي حلت في لطيف زائد كثيف، نعم، أو في كثيف زائد لطيف.
نعم، قال: وهو الروح، لم يكن قال: ولولا اللطيف الذي كان مع الكثيف وهو الروح لم يكن للكثيف فضيلة، لم يكن للكثيف فضيلة ولا شرف.
الوجه الثالث عشر: أنهم يشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، كما شبه هنا ظهوره فيه بظهور الروح في البدن، وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح، وما تتألم به الروح يتألم به البدن، فلزم أن يكون الناسوت لما صلب وتالم وتوجع الوجع الشديد كان اللاهوت أيضاً متألماً متوجعاً. نفس الأحكام اللي هون على اللي هون، نعم.
قال: وقد خاطبت بهذا بعض النصارى، فقال لي: الروح بسيطة أي لا يلحقها ألم، فقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت أمنعمة أو معذبة؟ فقال: هي في العذاب، فقلت: فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذب، فإذا شبهتم اللاهوت في الناسوت بالروح في البدن، لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت كما تتألم الروح إذا تألم البدن، فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك.
نعم، فاذا هذا يعني إلزام لهم أن لما صلب المسيح -كما تدعون أيها النصارى- الاصل أن ما اتحد بالمسيح وهو الله أن يكون تألم، هيك لازم يكون، كما أن الروح لما تكون في البدن مش الروح تتألم بما يتألم به البدن وتشعر بالحزن والغم وما شابه ذلك؟ فيقول: إذا قلتم أن اتحاد اللاهوت بالناسوت كاتباع الروح مع البدن، الروح تتألم عندما اتحد- تتحد بالبدن، فكذلك اللاهوت يجب أن يكون تألم عندما عذب الناسوت، وهم يعني أقروا لابن تيمية بذلك.
نعم، قال: الوجه الرابع عشر أن قولهم: وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيف، كله تركيب فاسد لا دلالة فيه، وإنما يدل إذا بيّنوا أن كل لطيف بأنه يظهر في كثيف ولا يظهر في غيره حتى يقال: فلهذا ظهر الله في كثيف ولم يظهر في لطيف.
قل: فكلمة الان سيناقش كلمة كله يقول: فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيف كلا، قال: هذا تركيب فاسد يقول ابن تيمية حتى لا دلالة فيه، قال: وإنما يدل إذا بينوا أن كل لطيف إذا بينوا أن كل لطيف بأنه يظهر في كثيف ولا يظهر في غير الكثيف -يعني هل اللطيف لا يظهر إلا في كثيف؟ القاعدة الرد عليها ابن تيمية قبل شوي هل هو حصري؟ حصري أن اللطيف لا يمكن أن يظهر إلا في كثيف أم يمكن للطيف أن يظهر في لطيف آخر؟- وإنما يدل إذا بينوا أن كل لطيف إذا بينوا أن كل لطيف بأنه يظهر في كثيف ولا يظهر في غير الكثيف حتى يقال نعم.
قال: حتى يقال: فلهذا ظهر الله في كثيف ولم يظهر في لطيف له حتى تستطيع أنك تجزم أنه لا يمكن لذات الله أن تظهر إلا من خلال الكثيف، أما إذا ثبت أن ذات الاله اللطيفة يمكن أن تظهر في لطيف آخر فكلامكم ليس كلاماً إذاً حصرياً.
نعم. قالوا نعم أنا شيخ العبارة ايش قال؟ يعني هنا تظهر قبل كانت تظهر في غير كثيف كله، هنا لا تظهر إلا في كثيف كله، وإذا كانت اللطائف لطائف في الكثائف فكلمة الله ايش عندك في السابق ايش؟ فكلمة الله تكون تظهر في غير كثيف كله.
بس هون إذا ربما خطأ في النسخة أو شيء من ذلك. بعدين بقول: لا تظهر إلا في كثيف كلا. تظهر في غير كثيف. وفي اختلاف طبعا: لا تظهر إلا في كثيف كلا.
طيب، كمل حتى نشوف ممكن أظهر هذا تجليته معنى وحتى يقال وإلا. قال: وإلا فإذا قيل: إنه لا يحل لا في لطيف ولا في كثيف، أو قيل: إنه يحل فيهما، بطل قولهم بوجوب حلوله في المسيح الكثيف دون اللطيف، وهم لم يؤلفوا الحجة تأليفاً منتجاً ولا دلُّوا على مقدماتها بدليل، فلا أتوا بصورة الدليل ولا مادته، بل مغاليط لا تروج إلا على جاهل يقلدهم، ولا يلزم من حلول الروح في البدن أن يحل كل شيء في البدن، بل هذه دعوة مجردة.
وأرواح بني آدم تظهر في أبدانهم ولا تظهر في أبدان البهائم بل ولا في الجن، والملائكة تتصور في صورة الآدميين، وكذلك الجن والانسان لا يظهر في غير صورة الإنسان، فأي دليل من كلامهم على أن الرب يحل في الإنسان الكثيف ولا يحل في اللطيف؟
والقوام شرعوا يحتجون على تجسم كلمة الله الخالقة فقالوا: وأما تجسم كلمة الله الخالقة بانسان مخلوق وولادتهما معاً أي الكلمه مع الناسوت؛ فإن الله لم يكلم أحداً من الانبياء إلا وحياً أو من وراء حجاب، وليس فيما ذكروه قط دلالة لا قطعية ولا ظنية على تجسيم كلمة الله الخالقة وولادتها مع الناسوت.
الوجه الخامس عشر: أنهم قالوا: وأما تجسم كلمة الله الخالقة. ثم قالوا: فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف، فتارة يجعلونها خالقة وتارة يجعلونها مخلوقاً بها، معلوم أن الخالق ليس هو المخلوق به، والمخلوق به ليس هو الخالق، فإن كانت الكلمه فإن كانت الكلمة خالقة فهي خلقت الأشياء لم تخلق الأشياء بها، وإن كانت الأشياء خلقت بها فلم تخلق الأشياء، بل خلقت الأشياء بها.
ولو قالوا: إن الأشياء خلقت بها بمعنى أن الله إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، لكان هذا حقاً، لكنهم يجعلونها خالقة مع قولهم بما يناقض ذلك.
الوجه السادس عشر: يقال لهم، إذا السادس عشر يقال لهم: إذا كان الله لم يخاطب بشراً إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، فتكليمه للبشر بالوحي من وراء حجاب كما كل ومن وراء حجاب كما كلم موسى، وبارسال ملك كما ارسل الملائكة، أما أن يكون كافياً في حصول مراد الرب من الرسالة إلى عباده أو ليس كافياً، بل لابد من حله من حلوله نفسه في البشر؟
فإن كان ذلك كافياً، أمثل أن يكون المسيح مثل غيره فيوحي الله إليه أو يرسل إليه ملكاً فيوحي بأذنه بإذن الله ما يشاء أو يكلمه من وراء حجاب كما كلم موسى، وحينئذ فلا حاجة به إلى اتحاده ببشر مخلوق، وإن كان المتكلم ب- وإن كان المتكلم ليس كافياً وإن كان التكلم ليس كافياً -أظنها والله أعلم نعم المتكلم أو المتكلم به- قال: وإن كان المتكلم ليس كافياً وجب أن يتحد بسائر الأنبياء كما اتحد المسيح، فيتحد بنوح وأبراهيم وموسى وداود وغيرهم.
يبين هذا الوجه الوجه السابع عشر، هو أنه من المعلوم أن الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح أفضل من عوام النصارى الذين كانوا بعد المسيح، وأفضل من اليهود الذين كذبوا بالمسيح، فإذا كان الرب قد يفصل باتحاده في المسيح حتى كلم عباده بنفسه، فيتحد المسيح محتجباً ببَدنه الكثيف وكلم بنفسه اليهود المكذبين للمسيح وعوام النصارى وسائر من كفرهم المسيح، فكان أن يكلم من هم أفضل من هؤلاء من الأنبياء والصالحين بنفسه أو أحرى، مثل أن يتح-
يعني ليش ما اتحد في إبراهيم؟ ليش ما اتحد في نوح؟ مع أن اتباع إبراهيم بقول لك مثلاً أو اتباع نوح قد يكونوا أفضل من اتباع المسيح، فلماذا خص اتباع المسيح بأن الله يتحد (يعني) بالمسيح مشان يكلمهم هم؟ يعني ليش ما يكون هذا في اتباعه، حتى محمد صلى الله عليه وسلم مش أفضل الصح- أصحاب الأنبياء أصحاب محمد عليه الصلاه والسلام؟ فلماذا أصحاب الحواريين أصحاب المسيح هم اللي اختصرف أن يتحد الاله من أجلهم في جسد المسيح؟
نعم، قال: مثل أن يتحد بإبراهيم الخليل فيكلم إسحاق ويعقوب ولوط محتجباً ببدن الخليل، أو يتحد بيعقوب فيكلم أولاده أو غيرهم محتجباً ببدن يعقوب، أو يتحد بموسى بن عمران فيكلم هارون ويوشع بن نون وغيرهما محتجباً ببدن موسى.
فإذا كان هو سبحانه يفعل ذلك إما لامتناع ذلك، وإما لأن عزته وحكمته أعلى من ذلك مع عدم الحاجز إلى ذلك، علم أنه لا يفعل ذلك في المسيح بطريق الأولى والأحرى.
الوجه الثامن عشر: أنه إذا أمكنه أن يتحد ببشر، فاتحاده بملك من ملائكته أولى وأحرى، وحينئذ فقد كان اتحاده بجبريل الذي أرسله إلى الأنبياء أولى من اتحاده ببشر يخاطب اليهود وعوام النصارى. فصل.
نعم، استم- إلا إذا على الثاني لا تظهر إلا في كثير من الك- لما عليهم في الأوله: لا تظهر إلا في كثيف. كلا، هو المفروض: فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيف يعني.
ماشي، هو نعم هما يرون أن الكلمة أن اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف وهذا اللي ردوا عليهم كلمة الله. فرد عليهم قال: العكس، فظهوره في اللطيف أولى هيك يعني، فظهوره في اللطيف أولى.
طيب.
يعني قصدي العبارة هي قبل اللي هي تظهر في غير كثيف. يعني أنت ترى أنها يجب ايش؟ الثاني اللي هي ايش؟ اللي هي أنهم قاعدين بيحكوا لا تظهر إلا في كفهم كله، هو رد على هذا الكلام مش أنه تظهر في كثير، يعني مش مستقيم بس على الكلام اللي الشيخ بمعنى الكلي.
ما هو أنا هذا هو اللي بقول لك إياه، لأنه هم شو قالوا؟ وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف. هس هم حكوها اللطائف لا تظهر في الكثائف فكلمة الله التي خلقت اللطائف والكثائف تظهر في غير الكثير، يعني كله مجرد معنى كأنها ذهني. لكن إذا أرادت أن تتجسد أو أن يكون لها وجود حقيقي لا بد وأن تدخل في الكثائف.
يعني أعتقد أنها هي بترجع لنفس المعنى، مش شايف أنه في تناقض يعني هي تظهر في غير كثيف كلا إذا حتى يكون لها وجود حتى يكون لها وجود لا بد أن تظهر في الكثيف، لأنها في غير الكثيف لا وجود لها إلا مجرد كمعنى كلي في الأذهان. في غير الكثيف لا وجود لها إلا كمعنى كلي في الأذهان، فإذا أرادت أن تتجسد لا بد وأن تتجسد في كثيف فقط.
العبارة كله. أي عبارة؟ لما قال فكلمة الله لا تظهر إلا في. ما أنا هو هي واضح، يا هي يا هيك يا هيك العبارة. يعني قصدي في العبارة كلا ايش راح تكون محملها عليه؟ في كلمة الله لا تظهر إلا في كثيف.
لا، أنا أعتقد أنه قد يكون في مشكلة في النص نفسه هون، يعني قد يكون في تحور في الكلام أصبح من خلال النسخ وال لأنه هي عفوا هي العبارة يا هذه يا هذه، صح ولا لا؟ ما هو عم بيقل كلام، يعني يا هذيك الصح وهي الغلط، يا هي الغلط وهذيك.
وبالتالي أنت تثبت على إحدى العبارات تشرح، أما مش راح تجمع بين العبارتين. لن تجمع بين العبارتين، هو عم بيعيد نفس كلام بوريس اللي ذكره في أول الفصل، فياما المرة الثانية شوية تغيرت السياق من قبل النساخ، أو أن العبارة الأولى. لكن أنا شفت أكثر مرة عاد العبارة الأولى تظهر في غير كثيف، تظهر في غير كثيف. فقط في الجملة الأخيرة ما أتى بالا المرة الأخيرة لما ذكرها آخر مرة، ففي اعتقادي أن تلك الأولى هي الأوضح والله أعلم، يعني في النهاية لست جازماً بذلك، نعم.
قال فصل: قالوا ولذلك ظهر في عيسى بن مريم إذ الإنسان أجل ما خلقه الله. ولهذا خاطب الخلق وشاهدوا منه ما شاهدوا. فيقال: إن ادعيتم ظهوره في عيسى كما ظهر في إبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وكما يظهر في بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وذلك بظهور نوره ومعرفته وذكر أسمائه وعبادته ونحو ذلك.
وبيخاول ابن تيمية يعطيهم معنى صحيح للظهور: أنتم إذا قصدتم بظهور الله كما ظهر في إبراهيم وموسى وعيسى والمراد ظهور نوره ومعرفته هذا معنى صحيح ترى يا جماعة، يعني هو بيحاول يقول لهم في معاني صحيحه لظهور الإله، وزي ما ذكر قبل شوي ظهر الله من جبال فاران وعسير. هس هي المعاني يمكن قبولها وأعطاؤها دلالة صحيحة، نعم.
قال: وذكر أسمائه وعبادته ونحو ذلك من غير حلول ذاته في البشر والاتحاد به، فهذا أمر مشترك بين المسيح وغيره. فلا اختصاص للمسيح بهذا، وهذا أيضاً قد يسمى حلولاً، وعندهم أن الله يحل في الصالحين. وهذا مذكور عندهم في بعض الكتب الإلهية، كما في كتب في المزمور الرابع من الزبور يقول داود عليه السلام في مناجاته لربه: وليفرح المتوكلون عليك إلى الأبد ويبتهجون وتحل فيهم ويفتخرون.
اه، وتحل فيهم، ايش هنا؟ الحلول له معنى صحيح، الحلول هنا حلول نوره، حلول معارفه، نعم.
قال: فأخبر أنه يحل في الصالحين المذكورين، فعلم أن هذا لا اختصاص للمسيح به، وليس المراد بهذا باتفاقهم واتفاق المسلمين أن ذات الله نفسه تتحد بالبشر ويصير اللاهوت والناسوت كالنار والحديد والماء واللبن ونحو ذلك مما يمثلون به الاتحاد. بل هذا يراد به حلول الإيمان به ومعرفته ومحبته وذكره وعبادته ونوره وهداه، نعم.
وقد يعبر عن ذلك بحلول المثال العلمي، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَلِوَالأَرْضِ﴾ [الرحل: 27]. فهو سبحانه له المثل الأعلى في قلوب أهل السماوات وأهل الأرض. ومن هذا الباب ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال.
المثل الأعلى اللي هو الوصف الأعلى كما يقول ابن القيم، نعم.
قال: ومن هذا الباب ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال: يقول الله: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه. فأخبر أن شفتيه تتحرك به أي باسمه.
اه، يعني ما معنى تتحرك الشفتان بالله؟ باسمه، بذكر اسمه، نعم.
قال: وكذلك قوله في الحديث الصحيح: عبدي مرضت فلم تعدني. فيقول العبد: كرب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلان مريض، فلو عدته لوجدتني عنده.
فقال: لوجدتني عنده، لم يقل لوجدتني إياه وهو عنده أي في قلبه. والذي في قلبه مثال علمي. وقال تعالى: عبدي جعت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولم يقل لوجدتني قد أكلته.
وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن قال: قال يقول الله تعالى: من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
وفي رواية: فبي يسمع، بي يبصر، بي يبطش، بي يمشي. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد المؤمن يكره الموت وأكره مساءته.
وهذا الحديث قد يحتج به القائلون بالحلول العام أو الاتحاد العام أو وحدة الوجود، وقد يحتج به من يقول بالخاص من ذلك كأشباه بالحلول الخاص والاتحاد الخاص كأشباه النظر النصارى يقولون بالحلول الخاص والاتحاد الخاص، وكذلك العلو النصيرية والاسماعيلية الذين يقولون بأنه يحل في جسد خاص. وهناك من يقول بالحلول العام كاتباع ابن عربي الذين يقول إن الله حل في جميع العالم ليس في جسد معين أو مخلوق معين، هذا الفرق بين الحلول العام والاتحاد العام.
فبعض أهل الأهواء من الصوفية يستدلون بهذا الحديث فبيسمع وبيبصر يظنون أنه معنى الحديث أنه ايش؟ أن الله يحل في جسد أوليائه، وأنه يصبح الله متحد في جسد المخلوق فيصبح المخلوق يسمع بالله لأن الله حل في بدنه والعياذ بالله، نعم ليس هذا من المراد، نعم.
قال: والحديث حجة على الفريقين. على الفريقين من يقوم بالحلول العام أو الخاص، نعم.
قال: إنه قال: من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب. فأاثبت ثلاثة: ولياً له، وعدواً يعادي وليه، وميز بين نفسه وبين وليه وعدوه وعدو وليه فقال.
إذاً فهناك ولي وعدو وذات إلهية، هذه ثلاثة وما جعل وليه ذاته، نعم.
قال: فقال من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب. ولكن دل ذلك على أن وليه الذي والاه فصار يحب ما يحب ويبغض ما يبغض ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي، فيكون الرب مؤذناً بالحرب لمن عاده بأنه معاد لله.
ثم قال تعالى: وما تقرب إلي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه. ففرق بين العبد المتقرب والرب المتقرب إليه.
ثم قال: ولا يزال عبدي يتقرب إليه بالنوافل حتى أحبه. فبين أنه يحبه بعد تقربه بالنوافل بفرائض.
ثم قال: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. وعند أهل الحلول بالاتحاد العام أو الوحدة هو صدره وظهره ورأسه وشعره وكل شيء، أو في كل شيء قبل تقرب وبعده. وعند أهل الحلول الخاصة صار هو، صار هو وهو كالنار والحديد والماء واللبن، لا يختص بذلك.
صار هو وهو، يعني الله والولي هو وهو، أصبح كعلاقة الماء باللبن لما يتحدوا مع بعضهم البعض والنار والحديد لما يعني تدخل النار في الحديد، نعم.
قال: لا يختص بذلك إله الإدراك والفعل. قال: ثم قال تعالى: فبي يسمع وبيبصر وبيبطش وبيمشي. وعلى قول هؤلاء الرب هو الذي يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، والرسول إنما قال فبي.
ثم قال: ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. فجعل العبد سائلاً مستعيذاً والرب مسؤُولاً مستعاذاً به، وهذا يناقض الاتحاد. وقوله فبي يسمع مثل قوله: ما تحركت بشفتاه، يريد به المثال العلمي. فولي الله يكون الله في قلبه، أي معرفته ومحبته وهداه وولاته، وهو المثال العلمي بذلك، فبذلك الذي في قلبه يسمع ويبصر ويبطش ويمشي.
والمخلوق إذا أحب المخلوق أو عظمه أو أطاعه يعبر عنه بمثل هذا فيقول: أنت في قلبي وفي فؤادي وما زلت في وما زلت بين عيني. ومنه قول القائل وهذا لا يعني لما أقول لك أنت صرت في قلبي معناه أنت أنت صرت جو قلبي، لا يعني معناه أنه محبتك أنت أنت في عيني مش معناه أنت صرت جو عيني وأنت دخلت.
قال: هذا كلام طبيعي يقول المخلوق حتى للمخلوق أنت عين، يعني أكلك وأرعاك وما يعني وهكذا، نعم.
قال: من ذلك قول قائل: مثالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلب قلبي فأين تغيب؟ وقول الآخر: ومن عجبي أني أحن إليهم وأسأل عنهم من لقيت وهم معي. وتطلبهم عيني وهم في سوادها، ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي. ومثل هذا كثير مع علم العقلاء أن نفس المحبوب المعظم هو في نفسه ليس هو في نفسه، ليست ذاته في عين محبه.
أن نفس المحبوب المعظم هو في نفسه تمام ليست ذاته أصبحت في عين محبه، وليست الذات أصبحت في قلب المحب، ليس هذا، نعم.
قال: ولكن قد يشتبه بهذا حتى يظن الغالطون أن نفس المحبوب المعبود في ذات المحب العابد.
أن أصبح المحبوب نفسه في ذات المحب، هذا من الالتباس الذي يدل على الغفلة والحمق، نعم.
قال: ولذلك غلط بعض الفلاسفة حتى ظنوا أن ذات المعلوم المعقول يتحد بالعالعاقل، فجعلوا المعقول والعقل والعاقل شيئاً واحداً، ولم يميزوا بين حلول مثال المعلوم وبين حلول ذاته.
فرق بين حلول المثال، المثال هنا مثلاً معنى الصورة تمام، بين حلول مثال المعلوم صورة في القلب وبين حلول ذاته، ذاته هو في القلب. فلما أنت في قلبي يعني مثالك في قلبي وليست ذاتك أنت أصبحت داخل القلب، وأنا لا أعرف كيف يمكن عاقل يفكر بهذه الطريقة، لكن سبحان الله أن الذات أصبحت جوا القلب، كيف يعني تصبح؟ نعم.
قال: وهذا يكون لضعف العقل وقوة سلطان المحبة والمعرفة، فيغيب الإنسان بمعبوده عن عبادته وبمحبوبه عن محبته.
بيسموه الفناء هذا، نعم.
قال: بمشهده عن شهادته وبمعروفه عن معرفته، فيفنى من لم يكن عن شهود العبد لا أنه نفسه يعدم ويفنى في كل من لم يزل في شهوده.
نعم، فهو فعلياً هذا فناء نفسي وليس فناء حقيقياً بأن أصبحت المعبود في نفس العابد، لا، وإنما هو فناء يعني في الشهود كما يقول الصوفية، نعم.
قال: ومن هذا المقام إذا غلط قد يقول مثل ما يحكى عن أبي يزيد البسطامي: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله.
يعني كما كان بعض الصوفية لما توصل لآخر مرحلة معه من شدة الفناء في ذات الله بصير بيقول: سبحاني سبحاني، باعتقاد يعني أن ذات الله أصبحت معه. هذا كما يقول ابن تيمية: إذا كان في لحظة الاصطلام وذهاب العقل ربنا يغفر لهم، لكن إذا كان صاحي لا، هذا كفر، نعم.
قال: وفي هذا تذكر حكاية، وهو أن شخصاً كان يححب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلما وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني فظنت أني إني.
نعم، ثبت العقل، نعم.
قال: فهذا العبد المحب لما استولى على قلبه سلطان المحبة صار قلبه مستغرقاً في محبوبه، لا يشهد قلبه غير ما في قلبه وغاب عن شهود نفسه وأفعاله فظن أنه هو نفس المحبوب. وهذا أهون من أن يظن أن ذات المحبوب نفسه، فهذا الظن لاتحاد الذات أو لحلولها ظن غالط وقع فيه كثير من الناس. فالذين قالوا إن المسيح أو غيره من البشر هو الله، أو أن الله حال فيه قد يكون غلطهم من هذا الجنس لما لما سمعوا لما سمعوا كلاماً يقتضي أن الله في ذات الشخص وجعلوا فعل هذا فعل هذا، وظنوا ظنوا ذاك اتحاد وحل الذات وحلوله، نعم.
قال: وإنما المراد أن معرفة الله فيه، واتحاد المامور به والمنهي عنه والموالي والمعادي كقوله تعالى أن.
وجعلوا فعل هذا فعل لما سمعوا فبي يسمع وبي يبصر وبيذا، الأحاديث السابقة ابن عربي وأشباهه معناها أن ذات الله أصبحت في ذات الولي وأنه أصبح الله هو الذي يفعل هذا كله، من الفهم الخاطئ. وإنما المراد أن معرفة فيه، نعم.
قال: واتحاد المامور به والمنهي عنه والموالي والمعادي كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]. وقوله: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وليس ذلك أن الرسول هو الله.
نعم. وين بس أنا والله ضيعت.
فهذا العبد المحب، اه وهذا اهون.
من أن يظن أن ذات المحبوب نفسه هي التي يعني تحل فيه. يقول: فهذا العبد المحب لما استولى على قلبه سلطان المحبة، صار قلبه مستغرقا في محبوبه، لا يشهد قلبه غير ما في قلبه، وغاب عن شهود نفسه وأفعاله، فظن أنه هو نفس المحبوب. وهذا أهون من أن يظن أن ذات المحبوب نفسه حلت فيه.
يعني هو يقول لك هذه حالة الفناء؛ أنت الآن من شدة حبك لشيء تغيب عن شهود نفسك، فتظن أنه ايش؟ إنه هو نفس المحبوب، يظن أنه هو نفس المحبوب. فيقول: وهذا أهون من أن يظن أن ذات المحبوب نفسه أصبحت في ذاته واتحدت فيها. فهو حالة الفناء والشهود أنه أصبحت خلص، فنيت عن نفسك وما عدت تراها. يعني هذه الحالة التي تكون عند الصوفية، ولا يعتقد أن ذات الله فعلا حلت في ذاته؛ لا، هو فقط في حالة إيمانية عالية، يغيب عن مشاهدة ذاته فيظن أنه ايش؟ خلص، فيظن أنه هو نفسه المحبوب، زي ما قال سبحاني أبو يزيد البسطامي.
لكن هل هو يعتقد أن ذات الله تحل في ذاته؟ لا، هو لم يصل إلى أنه يعتقد أن ذات الله تحل في ذاته؛ هو فني عن ذاته، فظن أنه هو المحبوب، فني عن شعوره بذاته، مش أنه ظن أن ذات المحبوب نفسه هي الموجودة في ذاته وتحل في ذاته، فبقول لك: أكيد هذه أهون من هذه الحالة.
نعم، قال: وليس ذلك لأن الرسول هو الله، ولا أن الله نفسه حال في الرسول، بل لأن الرسول يأمر بما يأمر الله به، وينهى عما ينهى الله عنه، ويحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله. فمن بايعه على السمع والطاعة فإنما بايع الله على السمع والطاعة، ومن أطاعه فإنما أطاع الله. نعم.
وكذلك المسيح وسائر الرسل إنما يأمرون بما يأمر الله به، وينهون عما ينهى الله عنه، ويولون أولياء الله، ويعادون أعداء الله. ومن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن صدقهم فقبل منهم ما أخبروا به فقد أخبر عن الله، ومن والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم وحاربهم فقد عاد الله وحارب الله. ومن تصور هذه الأمور تبين له أن لفظ الحلول قد يعبر به عن معنى صحيح، وقد يعبر به عن معنى فاسد. وكذلك حلول كلامه.
فالمعنى الصحيح ايش هو؟ ما هو المعنى الصحيح أصبح للحلول؟ أن تحل في قلبك معرفة الله، توحيده، اتباع أوامره، اجتناب نواهيه. فهذا إذا كنت تقصد بحلول الله حلول تعظيمه وتوقيره ومعرفته والتزامك بأوامره، فهذا حلول صحيح، وأما الحلول لنفس الذات فهذا هو الحلول الفاسد. نعم.
قال: وكذلك حلول كلامه في القلوب، ولذلك كره الإمام أحمد بن حنبل الكلام في لفظ حلول القرآن في القلوب كما قد ذكر في غير هذا الموضع. ومما يوضح هذا أن شيئا له وجود في نفسه.
لماذا كره الإمام أحمد الكلام في مسألة حلول القرآن في القلوب؟ لأنه لها معنى صحيح ومعنى فاسد، والناس لن تطيق فهم ذلك؛ لأنه الإمام أحمد قال: خلص، بدنا نتكلم في مسألة حلول القرآن في القلب، لأنه إذا كان المراد، خاصة في زمنه لما كانت فتنة خلق القرآن على أشدها، خشية أنه الكلام عن هذه المسألة يمكن يثير ايش؟ لبس، أنه شو قصدك أن القرآن يحل في القلوب؟ اه، إذا القرآن مخلوق عشان هيك حل في مخلوق؟ لا يا عمي، احنا قاصدنا أن القرآن يحل في القلوب معانيه، إيمانياته، ما يورثه في قلب الإنسان من ورع وتقوى، وهو مش أن القرآن الذي هو كلام الله، لأنه أنت بتعرف أنت، أحمد واجه مشكلة فتنة خلق القرآن، فكان يخشى أنه بعض الكلمات إذا بده يتكلم فيها بالعبارات الإيمانية تفهم فهما خاطئا. وهذا أصل أن العبارات الإيمانية التي تحتمل أكثر من فهم، ويمكن تفهم بشكل صحيح وتفهم بشكل خاطئ، لا يجوز الكلام فيها.
اليوم بيجيك واحد صوفي بيجي بيتكلم عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنت يا سندي ومستغاثي وملجئي وكذا، بعدين بيجي بقول لك: اه يا جماعة، أنتم السلفية دائما تفهموا الكلام على يا اخي اعملوه على معنى صحيح! طيب وانت حضرتك ليش جبت المعنى المحتمل الشائك وتخلي الناس تقع في دوامه؟ شو يقصد أنت مستندي وملجئي ومستغاثي؟ إذا بقول لك: أنا أقصدي أن النبي عليه الصلاة والسلام يعني اتباع هديه يؤدي... بقول: طيب إذا تتكلم بكلام واضح الله يرضى عليك، يعني لا تيجي تتكلم بكلام غامض، لأنه أنت عارف أن الناس اليوم مثل هذه الكلمات تفهم بكثير من المعاني الفاسدة. فحتى لو قصدت معنى صحيحا، الأصل لا تتكلم بالكلام المجمل، وهذا فقه السلف؛ فأحمد بن حنبل قال لك: ما بدنا نتكلم في مسألة حلول القرآن في قلب العبد، لأن هذه المسألة لها معنى صحيح ولها معاني فاسدة، ونحن فتنة خلق القرآن... لاحظ كيف؟ لاحظ أحمد بوحد أنه نحن في زمن فتنة، نحن في زمن مسألة القرآن في عليها أشكال: هل هو مخلوق، مش مخلوق، والناس بتحكي؟ كيف بقول لك: أنا ليش أفتح على نفسي باب شبهات يا اخي؟ خلص، تكلم بالكلام الواضح البين، ودعك من العبارات المجملة التي تظن أنك تتقرب بها إلى الله. لماذا لا تتقرب إلى الله بالعبارات الواضحة الجلية التي تحسم الخلاف؟ لا يحلو لك التقرب إلا بالعبارات المبهمة؟ هذا مرض قلبي، أنه لا تتقرب إلى الله إلا بالعبارات المجملة الغامضة، هذا من فعل الشيطان في أجل تلبيسه على الإنسان. نعم.
قال ومما يوضح هذا أن شيئا له وجود في نفسه هو هو، وله وجود في المعلوم والأذهان، ووجود في اللفظ واللسان، ووجود في الخط والبنان. وجود عيني شخصي وعلمي ولفظي ورسمي، وذلك كالشمس مثلا.
إذا الشيء له وجود عيني شخصي، له وجود في الخارج، وله وجود في الذهن، وله وجود على اللسان، وله وجود في الخط والبنان، مثل الشمس. طيب.
قال: فلها تحقق في نفسها. فالشمس لها وجود خارجي نلاحظ، ولها قال وهي الشمس التي في السماء، ثم يتصور بالقلب الشمس، ثم أنت لما تكون واحد يقول لك كلمة شمس، تجد أن الشمس لها تصور في ذهنك يعني، لها معنى قائم في ذهنك، فهذا وجودها الذهني. نعم.
قال: ثم ينطق اللسان بلفظ الشمس، ويكتب بالقلم الشمس. فانت تكتبها وتتلفظ بها، فهل إذا انت تلفظت بلفظ الشمس معناها أن الشمس اللي في الخارج صارت على لسانك؟ هو ما حدا أشبه، يعني إلا الناس اللي بتضيع، بتصير تاخذ هذا الكلام، وهذا للأسف ترى كثير الناس لخبطت في هذه القضايا، أنت بتستغرب من أشياء والله كانت واضحه جليه وبالفطرة النقية مفهومة للصحابة والتابعين، شو اللي ضيع هذه الأمور؟ يعني كيف واحد بيصير مرحلة يظن أنه إذا تكلم بلفظ الشمس أو كتب كلمة الشمس أن الشمس صارت مكتوبة وملفظ؟ لا هساه الشمس بمعناها الخارجي كحقيقة وكذات لما أنا تلفظت بها مش معناته أن الشمس كحقيقة أصبحت على لساني أو أصبحت في كتابتي، وهذا أظنه واضح.
هذا لكل الفطر السوية والنقية التي ما تلخبطت بكلام الفلاسفة واضح، ولذلك ليش الوحي الإلهي دائما له ميزته؟ الوحي الإلهي فطري يا إخواني، ما بيعجق الأمور زي ما بيعجقك كلام أرسطو وأفلاطون والمثل ومش مثل، بدخلك في دوامات أنت بتفكر أنه بيحكي علم وأنه بيحكي أشياء عظيمة، خاصة لما يعبر عنها يقعد عشرين صفحه حتى تحاول تحاول تفهم شو اللي بده إياه، وبالكاد تفهم شو اللي بده إياه، إذا هو فاهم أصلا شو اللي بده إياه. فهذه الحمد لله أن الوحي والكتاب والسنة يا اخي بيتكلم بالشيء العملي، الشيء الأخلاقي السلوكي، الوضوء، الطهارة، الصلاة، البيوع؛ خلينا في العمليات، ما نضلنا نهرتق وننتكلم بكلام لا له أول... من الكلام الفاسد الذي لا قيمة له. فهذه الأمور سبحان الله وإنها واضحة جلية، لكن العلماء يذكرونها لأنه فسدت الأذواق عند كثير من الكبار فيها. نعم.
تفضل.
المقصود بالكتابة مطابقه اللفظ، وباللفظ مطابقه العلم، وبالعلم مطابقه المعلوم، مطابقه المعلوم الخارج يعني. نعم.
قال: فإذا رأى الإنسان في كتاب خط الشمس أو سمع قائلا يذكر الشمس، قال: هذه الشمس قد جعلها الله سراجا وهاجا، وهذه الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، فهو يشير إلى ما سمعه من اللفظ ورآه من الخط، وليس مراده نفس اللفظ والخط، فإن ذلك ليس هو ليس هو الشمس التي تطلع وتغرب، وإنما مراده ما يقصد بالخط واللفظ ويراد بهما، وهو المدلول المطابق لهما.
المدلول المطابق لهما في الخارج. نعم.
قال: وكذلك قد يرى اسم الله مكتوبا في كتاب ومعه اسم صنم، ويقول: آمنت بهذا وكفرت بهذا. ومراده أنه مؤمن بالله كافر بالصنم، فيشير إلى اسمه المكتوب ومراده المسمى. نعم، فانت تقول: أنا أؤمن بهذا وتشير إلى لفظ الجلالة، وأكفر بهذا وتشير إلى اسم الصنم. لكن أنت ليس المراد الأسماء المكتوبة، أنت تراد مسمياتها مدلولاتها في الخارج؛ أنا أؤمن بهذا، مش المكتوب كاسم كأحرف ألف واو، أنا أؤمن بهذا يعني بمدلوله وهو المعنى الخارجي. نعم.
قال: ومن هذا قول أنس بن مالك: كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، محمد سطر ورسول سطر والله سطر. ومراده بهذه الأسماء الخط لهذا وهذا وهذا، لا اللفظ ولا المسمى. مما يشبه هذا ما يرى في المرآة والماء، أو الماء، مثل أن يرى مثل أن يرى الشمس أو غيرها في ماء أو مرآة، فيشار إلى المرئي فيقال: هذا الشمس، وهذا وجهي أو وجه فلان، وليس مراده أن نفس الشمس أو وجهه أو وجه فلان في الماء أو المرآة، ولكن لما كان المقصود بتلك الرؤية هو الشمس وهو الوجه ذكره.
ثم قد يققال رآه رؤية مقيدة في الماء أو المرآة، وقد يقال رآه بواسطة الماء والمرآة، وقد يقال رأى مثاله وخياله المحاكي له، ولكن المقصود بالرؤية هو نفسه. ومثل هذا كثير، معلوم أن ما في القلب من المثال العلمي المطابق للمعلوم أقرب إليه من اللفظ، واللفظ أقرب من الخط، فإذا كان قد يشار إلى اللفظ والخط والمراد هو نفسه، وإن لم يكن الخط واللفظ هو ذاته بل به ظهر وعرف، فلان أن يشار إلى ما في القلب ويراد به المعروف الذي ظهر للقلب وتجلى للقلب وصار نوره في القلب بالطريق الأولى؟ والعقلاء إنما تتوجه قلوبهم إلى المقصود المراد دون الوسائل، ويعبرون بعبارات تدل على ذلك لظهور مرادهم بها، كما يقولون لمن يعرف علم غيره أو لمن يأامر بأمره ويخبر بخبري: هذا فلان، فإذا كان مطلوبهم علم أو طاعة أمير فجاء نائبه القائم مقامه في ذلك قالوا: هذا فلان؛ أي المطلوب منه هو. مع هذا فلاتحاد المقصود بهما يعبرون عن أحدهما باللفظ الآخر، كما يقال: أكرمته هو ابن عباس، وأبو يوسف هو أبو حنيفة باعتبار أن علم هذا عند علم عند هذا. نعم.
قال: ومن هذا الباب ما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال: أنا وأبي واحد، من راني فقد راى أبي، وقوله تعالى فيما حكاه عنه رسوله: عبدي مرضت فلم تعدني، عبدي جعت فلم تطعمني. ويشبهه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]. فينبغي أن يعرف هذا النوع من الكلام، فانه تنحل به إشكالات كثيرة، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله وكلام المخلوقين في عامة الطوائف مع ظهور المعنى ومعرفه المتكلم والمخاطب، أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر، بل أبلغ من ذلك يطلق لفظ الحلول والاتحاد ويراد له معنى صحيح.
كيف مثلا هي باختصار؟ كيف أنا مثلا يكون واحد، عمار عنده طالب، عمار علم هذا الطالب ودرسه، فلما يجي هذا الطالب شو بحكوا الناس؟ اجا عمار. شو قصده؟ اجا عمار يعني عقلية عمار وعلم عمار وأوامر عمار، تمام، فهو هو مش عمار اللي اجا فعليا كذات، كذات عمار ذات وطالب وذات، لكن خلص اجا عمار، أنت هذه كثير بستعملها، اجا فلان مش هو بيكون هو، اجا طالبه أو واحد بيحكي زيه وبيعمل زيه ويأمر بأوامره. نعم.
قال: بل أبلغ من ذلك يطلق لفظ حلول والاتحاد ويراد به معنى صحيح، كما يقال: فلان وفلان بينهما اتحاد، إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان ويواليان ويعاديان؛ فلما اتحد مرادهما ومقصدهما صار يقال: هما متحدان وبينهما اتحاد، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحد في ذاته، اتحدت مشاعرهم، أحساسيسهم، هذا نوع من الاتحاد؛ اتحاد المشاعر أو طريقة التفكير قول لك: والله هذول الاثنين متحدين هم ببعض، المراد أفكارهم نمطهم الحياتي، هذا يمكن أن يكون. نعم.
قال: كإتحاد النار والحديد، والماء واللبن، أو النفس والبدن. وكذلك لفظ الحلول والسكنى والتخلل وغير ذلك، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني، وبذا سمي الخليل خليلا. والمتخلل مسلك الروح منه هو محبته له ووجوده، هو المحبة وليس نفسه هو دخل جو مسالك الروح. نعم.
قال: نحو ذلك لا نفس ذاته. وكذلك قول الآخر: ساكن في القلب يعمره، لست أنساه فأذكره. والساكن في القلب هو مثاله العلمي ومحبته ومعرفته، فتسكن في القلب معرفته ومحبته لا عين ذاته. وكذلك قول الآخر: إذا سكن الغدير.
على صفاء، وجنب أن يحركه النسيم؛ بدت فيه السماء بلا امتراء، كذاك الشمس تبدو والنجوم. كذاك قلوب أرباب التجلي، يرى في صفائها الله العظيم. وقد يقال: فلان ما في قلبه إلا الله، وما عنده إلا الله، يراد بذلك إلا ذكره ومعرفته ومحبته وخشيته وطاعته، وشبه ذلك. أي: ليس في قلبه ما في قلب غيره من المخلوقين، بل ما في قلبه إلا الله وحده. ويقال: فلان ما عنده إلا فلان، إذا كان يلهج بذكره ويفضله على غيره، وهذا باب واسع، مع علم المتكلم والمستمع أن ذات فلان لم تحل في هذا، فضلاً عن أن تتحد به. وكما يقال عن المرآة إذا لم تقابل إلا الشمس: ما فيها إلا الشمس، أي: لم يظهر فيها غير الشمس.
وأيضاً، فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارة، وحلول معرفته ومحبته ومثال العلمي تارة، كما تقدم ذكره. وعنده في النبوات أن الله حل في غير المسيح من الصالحين، وليس المراد به أن ذات الرب حلت فيه، بل كما يقال: فلان ساكن في قلبي، وحال في قلبي، وهو في سري وسويداء قلبي، ونحو ذلك. وإنما حل فيه مثاله العلمي. وإذا كان كذلك، فمعلوم أن المكان إذا خلا ممن يعرف الله ويعبده، لم يكن هناك ذكر لله، ولا حلت فيه عبادته ومعرفته. وإذا صار في المكان من يعرف الله ويعبده ويذكره، ظهر فيه ذكره والإيمان به، وحل فيه الإيمان بالله وعبادته وذكره، وهو بيت الله عز وجل، فيقال: إن الله فيه، هو حال فيه، كما يقال: إن الله في قلوب العارفين وحال فيهم، والمراد به حلول معرفته والإيمان به ومحبته ونحو ذلك، وقد تقدم شواهد هذا.
فإذا كان الرب في قلوب عباده المؤمنين، أي: نوره ومعرفته، وعبر عن هذا بأنه حال فيهم، وهم حالون في المسجد، قيل: إن الله في المسجد، أي: حال فيه بهذا المعنى، كما يقال: الله في قلب فلان، وفلان ما عنده إلا الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده». ويزيد ذلك إيضاحاً ما يراه النائم من بعض الأشخاص في منامه، فيخاطبه ويراه ويخبره بأمور كثيرة، ويقول: رأيت فلاناً في منامي، فقال لي كذا، وقلت له كذا، وفعل كذا، وفعلت كذا، ويذكر أنواعاً من الأقوال والأفعال، وقد يكون فيها علوم وحكم وآداب ينتفع بها غاية المنفعة.
وقد يكون ذلك الشخص الذي رآه في المنام حياً، وهو لا يشعر بأن ذاك رآه في منامه، فضلاً أن يكون شاعراً بأنه قال أو فعل. وقد يقص الرائي عليه رؤياه، ويقول له الرائي: يا سيدي، رأيتك في المنام فقلت لي كذا، وأمرتني بكذا، ونهيتني عن كذا، والمرئي لا يعرف ذلك ولا يشعر به؛ لأن المرئي الذي حل في قلب الرائي هو المثال العلمي المطابق للعيني. نعم، الصورة، يعني الصورة العلمية المطابقة للصورة العينية الموجودة في الخارج.
قال: كما يرى الرائي في المرآة أو الماء الشخص الموجود في الخارج، فمقصود بعض المرئيين في المنام قد يدري بأنه رئي في المنام، ويكاشف بذلك الرائي كما قد يكاشفه بأمور أخرى، لا لأن نفسه حل فيه. والرؤيا إذا كانت صادقة كان ذلك القول والعمل مناسباً لحال المرئي، مما هو عادته يقوله ويفعله بنفسه، فيتمثل للرائي مثاله، قائلاً له وفاعلاً، ليعلم أنه نفسه يقوله ويفعله، فينتفع بذلك الرائي، كما يحكي الإنسان قول غيره وعمله، ليعرف بذلك نفس القول والعمل المحكي. فإن كثيراً من الأشياء لا يعرفه الناس أو أكثرهم إلا بالمثل المضروب له، إما في اليقظة وإما في المنام، مع العلم بأن عين هذا ليس عين هذا. ومن توهم أنه إذا رأى شخصاً في منامه بأن ذاته نفسها حلت فيه، دل على جهله؛ فإن المرئي كثيراً ما يكون حياً، وهو لا يشعر بما رآه ذلك.
يعني الشخص الذي تراه أنت في المنام قد يكون هو، وأنا عم بآكل في مطعم، ومش شاعر أنه في واحد بيحلم فيه، يعني أصلاً تمام؛ يعني إذا أنت حلمت فيَّ ما بكون شاعر أنه أنت بتحلم فيَّ يا شيخ سند. تمام، بكون بأنك أنت بتحلم فيَّ وأنا بتكلم معك، وأنا بكون قاعد في الواقع الخارجي عم بآكل وبشرب، فليش إذا رأيتني في المنام معناته أنا بحد ذاتي جئت عليك ودخلت في ذهنك؟ نعم.
قال: لا روحه تشعر ولا جسمه، فلا يتوهم أن ذات روحه تمثلت في صورته الجسمية للنائم، بل الممثل في نفس الرائي مثال مطابق له، جسمه وروحه حيثهما. ثم الرؤيا قد تكون من الله فتكون حقاً، وقد تكون من الشيطان، كما ثبت تقسيمها إلى هذين في الأحاديث الصحيحة. والشيطان كما قد يتمثل في المنام بصورة شخص، فقد يتمثل أيضاً في اليقظة بصورة شخص، يراه كثير من الناس فيضل بذلك من لم يكن من أهل العلم والإيمان. كما يجري كثير من المشركين، الهند وغيرهم، إذا مات ميتهم يرونه قد جاء بعد ذلك، وقضى ديوناً ورد ودائع، وأخبرهم بأمور عن موتاهم، إنما هو شيطان تصور في صورته، وقد يأتيهم في صورة من يعظمونه من الصالحين، ويقول: أنا فلان، وإنما هو شيطان.
وقد يقوم شيخ من الشيوخ ويخلف موضعه شخصاً في صورته يسمونه روحانية الشيخ وحقيقته هو جني يتصور في صورته، وهذا يقع لكثير من الرهبان وغير الرهبان من المنتسبين للإسلام. وقد يرى أحدهم في اليقظة من يقول له: أنا الخليل، أو أنا موسى، أو أنا المسيح، أو أنا محمد، أو أنا فلان، بعض الصحابة أو الحواريين، ويراه طائراً في الهواء، وإنما يكون ذلك من الشياطين، ولا تكون تلك الصورة مثل صورة ذلك الشخص. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي». فرؤيته في المنام حق، أما في اليقظة فلا يرى بالعين هو ولا أحد من الموتى، مع أن كثيراً من الناس قد يرى في اليقظة من يظنه نبياً من الأنبياء، إما عند قبره وإما عند غير قبره، وقد يرى قبراً انشق وخرج منه صورة الإنسان، فيظن أن الميت نفسه خرج من قبره أو أن روحه تجسدت وخرجت من القبر، وإنما ذلك جني تصور في صورته ليضل ذلك الرائي؛ فإن الروح ليست مما تكون تحت التراب وانشق عنها التراب. فإنه إن كانت قد تتصل بالبدن، فلا يحتاج ذلك في ذلك إلى شق التراب، والبدن لم ينشق عنه التراب، وإنما ذلك تخييل من الشياطين، وقد جرى مثل هذا لكثير من المنتسبين للمسلمين وأهل الكتاب والمشركين.
قال: يظن كثير من الناس أن هذا من كرامات عباد الله الصالحين، ويكون من إضلال الشياطين، كما قد بسط الكلام في هذا الباب في غير هذا الكتاب، مثل كتاب الفرقان، مر معنا إحنا في كتاب الفرقان ومر معنا في كثير من الكتب هذه القضايا. نعم.
فصل: وإن أردتم بقولكم ظهر في عيسى حلول ذاته واتحاده بالمسيح أو غيره، فهذه دعوى مجردة من غير دليل متقدم ولا متأخر. وكون الإنسان أجل ما خلقه الله، ولو كان مناسباً فيه أمر، لا يختص به المسيح، بل قد قام الدليل على أن غير عيسى عليه السلام أفضل منه، مثل إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما. وهذان اتخذهما الله خليلين، وليس فوق الخلة مرتبة، فلو كان يحل في أجل ما خلقه الله من إنسان لكونه أجل مخلوقاته، لحل في أجل هذا النوع وهو الخليل، وهو الخليل إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما. نعم.
قال: وليس معهم قط حجة على أن الجسد المأخوذ من مريم إذا لم يتحد باللاهوت على أصلهم، أنه أفضل من خليل وموسى. وإذا قالوا: إنه لم يعمل خطيئة، فيحيى بن زكريا لم يعمل خطيئة، ومن عمل خطيئة وتاب منها فقد يصير بتوبته أفضل مما كان قبل الخطيئة، وأفضل ممن لم يعمل تلك الخطيئة، والخليل وموسى أفضل من يحيى الذي يسمونه يوحنا المعمداني. وأما قولهم: ولهذا خاطب الخلق؛ فالذي خاطب الخلق هو عيسى بن مريم، وإنما سمع الناس صوته، لم يسمعوا غير صوته، والجني إذا حل في الإنسان ويتكلم عن لسانه يظهر للسامعين أن هذا الصوت ليس هو صوت الآدمي، ويتكلم بكلام يعلم الحاضرون أنه ليس كلام الآدمي، والمسيح عليه السلام لم يكن يسمع منه إلا ما يسمع من مثله من الرسل. ولو كان المتكلم عن لسان الناس هو جنياً أو ملكاً لظهر ذلك وعرف أنه ليس هو البشر، فكيف إذا كان المتكلم هو رب العالمين؟! فإن هذا لو كان حقاً لظهر ظهوراً أعظم من ظهور كلام الملك والجني على الإنسان البشري بكثير.
وأما ما شاهدوه من معجزات المسيح صلى الله عليه السلام، فقد شاهدوا من غيره ما هو مثلها وأعظم منها، وقد أحيا غيره الميت، وأخبر بالغيوب أكثر منه، ومعجزات موسى أعظم من معجزاته وأكثر، وظهور المعجزات على يديه يدل على نبوته ورسالته، كما دلت المعجزات على نبوة غيرهم ورسالتهم، ولا تدل على الإلهية. والدجال لما ادعى الإلهية لم يكن ما يظهر على يديه من الخوارق دليلاً عليها؛ لأن دعوى الإلهية ممتنعة، فلا يكون في ظهور العجائب ما يدل على الأمر الممتنع. نعم.
فصل: ظهور العجائب لا يدل على الممتنعات، وإنما يدل على الممكنات. فالملائكة والرسل لما أظهروا العجائب صح... يعني المسيح الدجال سيظهر على يديه خرق لكثير من الأمور، صحيح، حتى المسيح الدجال سيظهر على يديه خوارق، طب لماذا الخوارق التي تظهر على يد الأنبياء تدل على صدقهم، وأما الخوارق التي تظهر على يد المسيح الدجال لا تدل على صدقه؟ لأن الأنبياء ادعوا بالخوارق ممكنات، أنهم رسل، أما المسيح الدجال فإنه يدعي بالخوارق ممتنعات، وهي أنه إله. فبقول لك يعني لماذا هذا كان دليلاً للرسل ومش دليل للمسيح الدجال؟ هو يقول لك: لأن الرسل بماذا ادعت بهذا الدليل؟ أرادت أن يكون دليلاً على ممكن، أما المسيح الدجال فأراد أن يكون دليلاً على ممتنع عقلاً، وهو أنه إله. فائدة هنا جيداً. نعم.
قال: قالوا وقد قال الله على أفواه الأنبياء والمرسلين الذين تنبأوا على ولادتهم العذراء الطاهرة مريم وعلى جميع أفعاله التي فعلها في الأرض وصعوده إلى السماء، وهذه النبوات جميعها عند اليهود مقرين معترفين بها، ويقرأونها في كنائسهم، ولم ينكروا منها كلمة واحدة. فيقال: هذا كله مما لا ينازع المسلمون فيه؛ فإنه لا ريب أنه ولد من مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر قط، وأن الله أظهر على يديه الآيات، وأنه صعد إلى السماء، كما أخبر الله بذلك في كتابه كما تقدم ذكره. فإذا كان هذا مما أخبرت به الأنبياء في النبوات التي عند اليهود، لم ينكر ذلك، وإن كان اليهود يتأولون ذلك على غير المسيح، كما في النبوات من بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم هو حق، وإن كان الكافرون بهم أهل الكتاب يتأولون ذلك على غيره.
فصل: قالوا وسميرنا أن نذكر من بعض قول الأنبياء الذين تنبأوا على السيد المسيح ونزوله الأرض. قال عزرا الكاهن حيث سباهم بختنصر الفريدي إلى أرض بابل -عزرا الكاهن اللي هو شو بسموه عزير، نعم، حيث سباهم بختنصر، بتعرف بختنصر زعيم البابليين، مش سبى اليهود من بيت المقدس إلى العراق؟ طيب- قال: إلى 482 سنة يأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم. فعزرا فعزير بشر بقدوم المسيح. نعم. قال: وفي كمال هذه المدة أتى السيد المسيح. وقال إرميا نبي عن ولادته في ذلك الزمان يقوم لداوود ابن، هو ضوء النور، يملك الملك ويعلم ويفهم ويقيم الحق والعدل في الأرض، يخلص من آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل وغيرهم ويبقى بيت المقدس بغير مقاتل ويسمى الإله. قال: وأما قوله ابن لداوود، لأن مريم ما كانت من نسل داوود، ولاجل ذلك قال النبي يقوم لداوود ابن. فيقال: أما قول عزرا الكاهن فليس فيه إلا إخباره بأنه سيأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم، وهذا مما لا ينازع فيه المسلمون. اه كلام عزير إن ثبت عنه ما فيش فيه مشكلة، يعني هو قال إنه سيأتي مسيح ويخلص الأمم، نحن ما عندنا مشكلة في هذا. نعم.
قال: فإنهم يقضون بما أخبر الله به في كتابه من المسيح عليه السلام وتخليص الله به كل من آمن به من الشعوب والأمم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فكل من كان مؤمناً بالمسيح متبعاً لما أنزل عليه من غير تحريف ولا تبديل، فإن الله خلصه بالمسيح من شر الدنيا والآخرة، كما خلص الله تعالى بموسى من اتبعهم بني إسرائيل، ومن حرف وبدل فلم يتبع المسيح ومن كذب محمداً صلى الله عليه وسلم فهو كمن كذب المسيح بعد أن كان مقراً بموسى عليه السلام. ولكن هذا النص وأمثاله حجة على اليهود الذين يتأولون ذلك على أن هذا ليس هو مسيح مريم، وإنما هو مسيح منتظر، ينتظرون المسيح الدجال مسيح الضلالة، فإن اليهود يتبعونه، يقتلهم المسلمون معه حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا هذا، يهودي ورائي تعال فاقتله. وهكذا قال في النبوة الثانية التي ذكروها عن إرميا النبي عليه السلام. قال فصل: قال وقال إرميا النبي عن ولادته في ذلك الزمان يقوم لداوود ابن وهو ضوء النور يملك الملك.
ويعلم ويفهم ويقيم الحق والعدل في الأرض، ويخلص من آمن به من اليهود وبني إسرائيل وغيرهم، ويبقى بيت المقدس بغير مقاتل. ويسمى الإله، وأما قوله ابن لداود يعني كانت مس داود؛ ذلك قال: ويقوم داود بن. الجواب أن يقال: قد قال فيه ويخلص من آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل، وهو كما فسرنا بالتخليص الذي نقلوه على زر الكهل. وأما قوله واسمه الإله، فهذا يدل على أنه ليس هو الله رب العالمين، وإنما لفظ الإله اسم سمي به، كما سمي موسى إلها لفرعون عندهم في التوراة، إذ لو كان هو الله رب العالمين لكان أجل من أن يقال يسمى الإله؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يعرف بمثل هذا، ولا يقال فيه إن الله يسمى الإله، ولا يقال يأتي الله بنفسه فيظهر ويقال يملك الملك، ورب العالمين ما زال ولا يزال مالكاً للملك سبحانه.
أن يملك الملك هذا يدل على شيء مستقبلي، لما قال في القصة السابقة إرميا إن عيسى يملك الملك، إذاً هذا يدل على أن الشيء سيحصل، وأما الله الإله الحق فهو مالك للملك أزلاً وقدماً.
قال أيضاً في أنه قال يقوم لداود ابن هو ضوء النور، ومعلوم أن الابن الذي من نسل داود الذي اسمه أمه مريم هو الناسوت فقط؛ فإن اللاهوت ليس هو من نسل البشر، وقد تبين أن هذا الناسوت الذي هو ابن داود يسمى الإله، فعلم أن هذا اسم للناسوت المخلوق لا للإله الخالق. وأيضاً في أنه قال هو ضوء النور، لم يجعله النور نفسه بل جعله ضوء النور، والله تعالى منور كل نور، فكيف يكون هو ضوء النور والله تعالى قد سمى محمداً صلى الله عليه وسلم سراجاً منيراً ولم يكن بذلك خالقاً، فكيف إذا سمي ضوء النور؟ وأيضاً ضوء النور أضعف من النور، فإذا كان أنتم تقولون إنه سماه ضوء النور وليس نفس النور، إذاً بالعكس هذا لا يدل على النبي عليه الصلاة والسلام؛ الله جعله هو نفسه السراج المنير ما جعله ضوء النور، جعله مصدراً للنور هو نفسه، فوصفه بأنه ضوء النور لا يدل على أنه إله أصلاً.
قال أيضاً إنه لم يجعل القائم إلا ابن داود، وابن داود مخلوق وأضاف الفعل إلى هذا المخلوق، ولو كان هذا هو الله رب العالمين قد اتحد بالناسوت البشرية لبين إرميا وغيره من الأنبياء ذلك بياناً قاطعاً للعذر، ولم يكتف بمثل هذه الألفاظ التي هي إما صريحة أو ظاهرة في نقيض ذلك أو مجملة لا تدل على ذلك. فإنه من المعلوم أن أخبارهم بإتيان نبي من الأنبياء أمر معتاد ممكن، ومع هذا يذكرون فيه من البشارة والدلائل الواضحة ما يزيل الشبهة، وأما الأخبار بمجيء الرب نفسه وحلوله أو اتحاده بناسوت بشري فهو إما ممتنع غير ممكن كما يقوله أكثر العقلاء من بني آدم، ويقولون يعلم بصريح العقل أن هذا ممتنع، وإما ممكن كما يقول بعض الناس؛ فحينئذ فإمكانه خفي على أكثر العقلاء وهو أمر غير معتاد، وإتيان الرب بنفسه أعظم من إتيان كل رسوله النبي، فإذا كان إتيانه باتحاده لبشر لم يظهر على يديه من الآيات ما يختصه بالألوهية، بل لم يظهر على يديه إلا ما ظهر على يد غيره من أنبيائه هو، وما هو مثله وهو أعظم منه. والله تعالى لما كان يكلم موسى ولم يكن موسى يراه ولا يتحد لا بموسى ولا بغيره، مع هذا فقد أظهر من الآيات على ذلك وعلى نبوة موسى ما لم يظهر مثله ولا قريب منه على يد المسيح، فلو كان هو بذاته متحد بناسوت بشري لكان الأنبياء يخبرون بذلك إخباراً صحيحاً صريحاً مبيناً.
لأن هذا حدث تاريخي مذهل لو وقع، فلو كان الله يحل بالمسيح لكانت هذه أعلى علامات المسيح، ولكان حدثاً تاريخياً مذهلاً أن الإله ينزل فيه، ولم يخبر بهذا أحد، يعني هذا أولى ما يمكن أن يخبر به عن المسيح أنه يحشر فيه اتحاد بين الإله والبشر. قال: ولكان الرب يظهر على ذلك من الآيات ما لم يظهر على يد رسول ولا نبي، فكيف والأنبياء لم ينطقوا في ذلك بلفظ صريح؟ بل النصوص الصريحة تدل على أن المسيح مخلوق، ولم تأت آية على خلاف ذلك، بل إنما تدل الآيات على نبوة المسيح.
قال فصل: قالوا وقال إشعيا النبي، قال لصهيون: ﴿قُل لِّصِهْيَوْنَ هَا قَدْ جَاءَ خَلَاصُكِ﴾ [إشعياء: 62-11]، قال: إن الله يأتي ويخلص الشعوب ويخلص من آمن به ولشعبه، ويخلص مدينة بيت المقدس، ويظهر الله ذراعه الطاهرة فيها لجميع الأمم المبددين، ويجعلهم أمة واحدة، ويبصرون جميع أهل الأرض خلاص الله، لأنه يمشي معهم وبين يديهم ويجمعهم إله إسرائيل. فيقال: هذا محتاج أولاً إلى أن يعلم من هذه النبوة أن هذا الكلام نقل بلا تحريف للفظه ولا غلط في الترجمة، ولم يثبت ذلك، وإذا ثبت ذلك فحينئذ هو نظير ما في التوراة من قوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من سعير، واستعلم من جبل فاران، معلوم أنه ليس في هذا ما يدل على أن الله حال في موسى بن عمران ومتحد به، ولا أنه حال في جبل فاران، ولا أنه متحد بشيء من طور سيناء. وكذلك هذا اللفظ لا يدل على أنه حال في المسيح ومتحد به؛ إذ كلاهما سواء، وإذا قيل المراد بذلك قربه ودنوه كتكليم موسى وظهور نوره وهداه وكتابه ودينه، ونحو ذلك الأمور التي وقعت، قيل: وهكذا في المسيح عليه السلام.
وقوله ويظهر الله ذراعه الطاهرة لجميع الأمم المبددين، قد قال في التوراة مثل هذا في غير موضع، ولم يدل ذلك على اتحاده بموسى عليه السلام، أما قوله عن الأمم المبددين فجعلهم أمة واحدة، هم الذين اتبعوا المسيح؛ فإنهم كانوا متفرقين مبددين فجعلوا أمة واحدة. أما قوله يبصرون جميع أهل الأرض خلاص الله، إنه يمشي معهم وبين أيديهم ويجمعهم إله إسرائيل، مثل هذا في التوراة في غير موضع ولم يدل ذلك على اتحاده بموسى ولا حلوله فيه، كقوله في السفر الخامس من التوراة: يقول موسى لبني إسرائيل: لا تهابوهم ولا تخافوهم لأن الله ربكم سائر بين أيديكم يحارب عنكم.
وقال في موضع: قال موسى إن الشعب هو شعبك، فقال: أنا أمضي أمامك فأرحل، فقال: إن لم تمض أنت أمامنا فلا تصعدنا من هاهنا، وكيف أعلم أنا وهذا الشعب أني وجدت أمامك نعمة إلا بسيرك معنا؟ في السفر الرابع من الفصل الثالث عشر: إن أصعدت هؤلاء من بينهم بقدرتك، فيقول لأهل الأرض الذين سمعوا أنك الله فيما بين هؤلاء القوم يرونه عيناً بعين، وغمامك يقيم عليهم، وبعمود غمام يسير بين أيديهم نهاراً، وبعمود نار ليلاً. وفي التوراة أيضاً يقول الله لموسى: إني آت إليك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم خطبتي لك. ثم قوله: اجمع سبعين رجلاً من شيوخ بني إسرائيل وخذهم إلى خباء العرب يقفون معك حتى أخاطبهم.
قال فصل: قالوا وقال زكريا النبي: في كل هذه النصوص لا يعني أن الله يأتي، وأن الله يكون، وأن الله يوجد، ولم يدل شيء منها على الحلول والاتحاد، وإنما المراد أن الله يحل بنصره وبتأييده لموسى وما شابه ذلك، فكثيرة هي العبارات التي توجد في الكتب السابقة يفهمون منها هم الحلول أو الاتحاد، لكن معناها هو الحلول أو الاتحاد بمعناه الصحيح، وهو حلول نصره، حلول تأييده، حلول معيته.
قال فصل: قالوا وقال زكريا النبي: افرحي يا بيت صهيون، لأني آتيك وأحل فيك، وترائي قال الله يؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعباً واحداً، ويحل هو وهم فيك، وتعرفين أني أنا الله القوي الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهوذا ويملك عليهم إلى الأبد. فيقال: مثل هذا قد ذكر عندهم عند إبراهيم وغيره من الأنبياء، أن الله تجلى له واستعلن له وتراءى له ونحو هذه العبارات، ولم يدل ذلك على حلوله فيه واتحاده به، وكذلك إتيانه، وهو لم يقل إني أحل في المسيح وأتحد به، وإنما قال عن بيت صهيون آتيك وأحل فيك، كما قال مثل ذلك عندهم في غير هذا ولم يدل على حلول في البشر.
وكذلك قوله وتعرفين أني أنا الله القوي الساكن فيك، ولم يرد بهذا اللفظ حلوله في المسيح، فإن المسيح لم يسكن بيت المقدس وهو قوي، بل كان يدخله مغلوباً مقهوراً حتى أخذ أو شُبِّه أو شُبِّه. والله سبحانه إذا حصلت معرفته والإيمان به في القلوب اطمأنت وسكنت، وكان بيت المقدس لما ظهر في هدي المسيح عليه السلام بعد رفعه حصل فيه من الإيمان به وبالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك. وإجماع هذا أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية -كالتوراة والإنجيل والزبور وسائر نبوات الأنبياء- لم تخص المسيح بشيء يقتضي اختصاصه باتحاد اللاهوت به وحلوله به كما يقول النصارى، بل لم تخصه إلا بما خصه به محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].
قال فكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، يصدق بعضها بعضاً، وسائر ما تدل به النصارى على إلهيتهم من كلام الأنبياء قد يوجد مثل تلك الكلمات في حق غير المسيح، فتخصيص المسيح بالإلهية دون غيره باطل. ومن ذلك مثل اسم الابن والمسيح، ومثل حلول الروح القدس فيهم، ومثل تسميته إلهاً، ومثل ظهور الرب وحلوله فيها أو سكونه فيها أو في مكانه؛ فهذه الكلمات وما أشبهها موجودة في حق غير المسيح عندهم، ولم يكونوا بذلك آلهة. ولكن القائلين بالحلول والاتحاد في حق جميع الأنبياء والصالحين قد يحتجون بهذه الكلمات، وهذا المذهب باطل باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، وهو باطل في نفسه عقلاً ونقلاً، وإن كانت طوائف من أهل الإلحاد والبدع منتسبين إلى المسلمين واليهود والنصارى تقول به، فهؤلاء اشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين بهم الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه وروح منه، ما يعبر عنه بالمثل الأعلى والمثال العلمي.
إذاً هذا معنى كلمة المثال العلمي التي يكررها في السياق، فهؤلاء اشتبه عليهم المثال العلمي المراد به ما يحل في القلوب من الإيمان بالله ومعرفته ونوره وهداه، هذا ما يقصده ابن تيمية لما يستعمل كلمة المثال العلمي سابقاً.
قال وظن أن ذلك ذات الرب، كمن يظن أن نفس اللفظ بالاسم هو المعنى الذي في القلب، أو نفس الخط هو نفس اللفظ، ومن يظن أن ذات المحبوب حلت في ذات المحب واتحدت به، أو نفس المعروف المعلوم حل في ذات العالم العارف به واتحد به، مع العلم اليقيني أن نفس المحبوب المعلوم بائن عن ذات المحب روحه وبدنه، لم يحل واحد منها في ذات المحب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: 27]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ﴾ [الزخرف: 84]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]. فالمؤمنون يعرفون الله ويحبونه ويعبدونه ويذكرونه، ويقال هو في قلوبهم، المراد معرفتهم وعبادته وهو المثل العلمي، ليس مراد نفس ذاته، كما يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي، ما زلت في قلبي، وبين عيني، ويقال ساكن في القلب يعمره؛ فاستحضرته فأذكره، ويقال إن بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج، من قول بعض الأشعار التي ذكر.
قال المساجد هي بيت الله التي فيها يظهر ذلك، وذاك قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]، قال ابن كعب: مثل نوره في قلوب المؤمنين، ثم قال: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور: 35]، ثم قال في ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]، فذكر سبحانه نوره في قلوب المؤمنين ثم ذكر ذلك في بيوته. كذلك ما ذكر في الكتب الأولى، وأما الإتيان والمجيء والتجلي، فإنه في توراتهم يقول الله لموسى: إني آتيك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم مخاطبتي لك، ثم قوله: اجمع سبعين رجلاً من شيوخ بني إسرائيل وخذهم إلى خباء العرب يقفون معك حتى أخاطبهم. في السفر الرابع لما تكلم مريم وهارون في موسى حينئذ تجلى الله بعمود الغمام قائماً على باب خبائه ونادى: يا هارون ويا مريم، فخرجا كلاهما، فقال: اسمعا كلامي، إني أنا الله فيما بينكم. وفي الفصل الثالث عشر: إن أصعدت هؤلاء من بينهم بقدرتك، فيقول لأهل هذه الأرض الذين سمعوا أنك الله فيما بين هؤلاء القوم، يرونه عيناً بعين، وغمامك يقيم عليهم، وبعمود غمام يسير بين أيديهم نهاراً، وبعمود نار ليلاً. وفي السفر الخامس قول موسى لبني إسرائيل: لا تهابوا ولا تخافوا لأن الله ربكم سائر بين أيديكم يحارب عنكم. وفي موضع آخر قال موسى: إن الشعب هو شعبك، فقال: أنا أمضي أمامك فارتحل، فقال: إن لم تمض أنت معنا فلا تصعدنا من هنا، وكيف أعلم أنا وهذا الشعب أني وجدت أمامك نعمة بسيرك معنا؟ قال في المزمور الرابع من عندهم يقول: وليفرح المتكلون عليك إلى الأبد، ويبتهجون ويحل فيهم ويفتخرون. وكل هذا حلول وسير، وكله له معنى صحيح لا إشكال فيه.
قال: فأخبر أنه يحل في جميع الصديقين، أي معرفته ومحبته؛ فإنهم متفقون على أن ذات الله لم تحل في الصديقين. وكذلك في رسائل يوحنا الإنجيلي: ﴿إِذَا أَحَبَّنِي أَحَبَّنِي الْآبُ وَنُحِبُّهُ﴾، أي محبته، ونظائره كثيرة. لاحظ ابن تيمية استعراضاً لكتبهم، أي الاستعراض لكتب النصارى والاطلاع على نسخها الموجودة.
قال: فصل، قالوا وقال عاموص: «النبي ستشرق الشمس على الأرض ويهتدي بها الضالون ويضل عنها بنو إسرائيل». قالوا: فالشمس هو سيد المسيح، والضالون الذين اعتدوا به هم النصارى المختلفون الذين كانوا من قبله عابدين الأصنام مضالين عن معرفة الله، فلما أتاهم التلاميذ وأنذروهم بما أصاب سيد المسيح، فتركوا عبادة الأصنام واهتدوا باتباعهم السيد المسيح.
فيقال: هذا مما لا ينازع فيه المسلمون، وإنما ينازع في مثل هذا وإنثاره اليهود المكذبون المسيح عليه السلام كما ينازع الكفار وأهل الكتاب محمداً صلى الله عليه وسلم. وأما المسلمون فيؤمنون بجميع كتب الله ورسله، وأن المسيح أشرق نوره على الأرض كما أشرق قبله نور موسى عليه السلام، وأشرق بعده نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]. سماه الله سراجاً منيراً، وسمى الشمس سراجاً وهاجاً، والسراج المنير أكمل من السراج الوهاج؛ فإن السراج الوهاج له حرارة تؤذي، والمنير يهتدى بنوره من غير أذى بوهجه.
وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: 52-53].
والمسلمون مقرون بأن كل من كان متبعاً لدين المسيح عليه السلام الذي لم يغيره ولم يبدل فإنه اهتدى بالمسيح من الضلالة، ومن كفر به من بني إسرائيل فإنه ضال كافر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 55-56].
والآية التي بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ كما قال عيسى بن مريم الحواريون من أنصار الله؛ قال الحواريون: «نحن أنصار الله»، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فآمن الذين آمنوا على عدوهم فاصبحوا ظاهرين.
وقوله: «ستشرق الشمس على الأرض ويهتدي بها الضالون ويضل عنها بنو إسرائيل»، يوافق قوله في التوراة: «جاء الله من طير سيناء، وأشرق من سعير، وسع جبل فران». فأشرق من سعير هو ظهور نورهم المسيح، كما أن ما جاءهم من طير سيناء هو ظهور نوره بموسى، وسعير من جبال فران هو ظهور نوره بمحمد صلى الله عليه وسلم. وبهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله في القرآن بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. فبلد التين والزيتون هي الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح وكان بها أنبياء بني إسرائيل وأرسل بها محمداً إليها وظهر بها نبوته، وطول سنين المكان الذي كلم الله فيه موسى بن عمران، وهذا البلد الأمين هو مكة التي بعث الله منها محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن.
إخواني، سبحان الله! إن طالب العلم اهتمامه باللغة العربية وفهمه مدى المجاز والاستعارات والكنايات فيها، وأساس الهداية والنور حقيقة في حياته العلمية. إن قدرتك على فهم الدلالات اللغوية بشكل صحيح حماية ووقاية من الانحراف. اليوم في النقاشات العلمية وفي السجالات بين الأشاعرة والماتريدية وبين الأديان وما شابه ذلك، تجد أن مشكلة النص هي المشكلة الكبرى الحاضرة؛ كيف يقرأ النص؟ ما هي الدلالة؟ أنتم ممكن تحملون على دلالة كفرية وتعتمدون بها وتمشون حياتكم عليها، وتبقى طول عمركم تستدلون على المعنى الكفري بماذا؟ بنص. والنص كثير يظهر في جبال بصير، تفهمونه على الحلول والاتحاد الذاتي.
فاعتمِد دائماً يا طالب العلم كلما تقوى في دلالات النصوص وأساليب فهمها، وعرف كيف يرد المتشابه إلى المحكم، وأنه هذا النص لا يفهم بهذه الطريقة، أو حتى كلام أهل العلم؛ تعرف شو معنى «هل ابن تيمية يعذر؟ لا يعذر»، أو «هل العلماء قالوا كذا؟». نحن أزمتنا أزمة فهم النص، وأنه كل واحد يدعي أنه هو الذي فهم النص صح، وأن هو الذي فاهم العالم صح، واللي هو فاهم عبارات السلف صح. هذا تحتاج إلى توفيق من الله أن يرزقك الفهم الصحيح، ثم أن تبذل جهدك وطاقتك لتعلم اللغة العربية بدلالاتها وسعتها، وتتمرس في الشعر الجاهلي، وتتمرس في الكنايات، وتتمرس حتى تصير تفهم ما هو من استعارات وما هو من كنايات وما هو مجاز وما هو حقيقة، وكيف هذه الكلمة تفهم بالشكل الصحيح؛ لأنه أكثر من «ظل»، كما قال ابن تيمية: «عدم فهم لسان العرب هو عدم فهم طرائق الناس في التعبير عن أفكارها».
فلما أنت تفهم النص بشكل خاطئ وتعيش حياتك عليه، وبعدين تكتشف يوم القيامة أنك كنت تقرأ النص بطريقة خاطئة، المشكلة أن طول حياتك كنت تقرأ القرآن أو الحديث أو كلام العلماء بطريقة خاطئة لأنك لم تهتم بتطوير قدراتك اللغوية. فالعالم أو الذي يريد أن يتبنى وجهة نظره ويدافع عنها، يجب أن يكون متيناً في اللغة حتى يتأكد من أنه فهم النص بعيداً عن التجوزات.
قال: فصل، قالوا وقال في السفر الثالث من أسفار الملوك: «ويا رب بني إسرائيل لتحقق كلامك لداوود، لأنه حق أن يكون أنه سيسكن الله مع الناس على الأرض. اسمعوا تشعوب كلكم ولتنصت الأرض وكل من فيها، فيكون الرب عليها شاهداً من بيته القدوس، ويخرج من موضعه وينزل ويطا على مشاريق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب». هذا كله فيقال: هذا سفر يحتاج إلى أن يثبت لأن الذي تكلم به نبي، وأن ألفاظه ضُبطت وترجمت للعربية ترجمة مطابقة، ثم بعد ذلك يقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم، وليس فيها ما يدل على اتحاده بالمسيح؛ فإن قوله إن الله سيسكن مع الناس في الأرض لا يدل على المسيح، إذ كان المسيح لم يسكن مع الناس في الأرض، بل لما أظهر الدعوة لم...
يبقى في الأرض مدة قريبة ولم يكن ساكنًا في موضع معين، وقبل ذلك لم يظهر عنه شيء من دعوة النبوة فضلاً عن الإلهية، ثم إنه بعد ذلك رفع إلى السماء فلم يسكن مع الناس في الأرض. وإذا قالوا سكونه هو ظهوره في المسيح، قيل لهم: أما الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبته ونوره وذكره وعبادته، فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره؛ فالله يظهر في المسيح وفي غير المسيح بهذا المعنى.
قالوا: وحينئذ فليس في هذا اللفظ ما يدل على أن هذا السكون كان بالمسيح دون غيره، وإن كان بالمسيح فليس هذا من خصائصه عليه السلام، وليس في ظهوره أو في حلول معرفته ومحبته ومثاله العلمية ما يجب اتحاده به. وأما قوله: ﴿فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا﴾، فيقال أولًا: شهود الله على عباده لا يستلزم حله واتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيد على العباد بأعمالهم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَفْعَلُونَ﴾.
ولفظ النص «لتنطق الأرض وكل من فيها»، فيكون الرب عليها شاهدًا، وهذا كما في التوراة أن موسى لما خاطب بني إسرائيل أشهد عليهم، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول لما بلغ الناس: «ألا هل بلغت؟» فيقولون: نعم، فيقول: «الله اشهد». وحينئذ فليس في هذا تعرضًا لكون المسيح هو الله، وقد يقال أيضًا ليس فيه أن مراد بلفظ الرب هاهنا هو الله، ولفظ الرب يراد به السيد المطاع، وقد غاير بين اللفظين؛ فقال هناك إنه سيسكن الله مع الناس، فقال: ﴿فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
والأنبياء يشهدون على أممهم كما قال المسيح عليه السلام: «وكنت عليكم شهيدًا ما دمت فيكم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم»، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكَ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. هذا يدل عندئذ أن الرب هنا كلمة الرب هو المسيح الذي هو الناس، وهو الذي جاء من بيت المقدس وخرج من موضعه ونزل وطأ الأرض من أجل خطيئة بني يعقوب.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾. إنه لما أخطأوا بتبديل معاني رسالات الله أرسل الله إليهم المسيح يدعوهم إلى عبادة وحده وطاعته، فمن آمن به كان سعيدًا مستحقًا للثواب، ومن كفر به كان شقيًا مستحقًا للعذاب.
قال: «يا بيت لحم، قرية يهوذا، يخرج لك رئيس يرعى شعب إسرائيل، هو من قبل أن تكون الدنيا، لكنه لا يظهر إلا في الأيام التي تريده فيها سلطانه». هذا كأنه على أنه كلام الله، يعني: «يا بيت لحم قرية يهوذا، يخرج لك الرئيس الذي يرعى شعبي»، مين شعبه؟ إسرائيل.
والجواب أن عامة ما يذكرونه عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حجة عليهم لا لهم، كما ذكروه عن المسيح عليه السلام في أمر التثليث فإنه حجة عليهم لا لهم. وهكذا تأملنا عامة ما يحتج به أهل البدع والضلال من كلام الأنبياء؛ فإنه إذا تدبر حق التدبر وجد حجة عليهم لا لهم، فإن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هدى، وبيانهم معصومون لا يتكلمون بالباطل، ومن احتج بكلامهم على باطل فلا بد أن يكون في كلامهم ما يبين به أنهم أرادوا الحق لا الباطل.
وهذا مثل قوله في هذه النبوة: «منك يخرج رئيس»، فهذا صريح فيه أن هذا الذي يخرج هو رئيس لله، ليس هو الله، بل هو رئيس له كسائر الرؤساء الذين هم الأنبياء المطاعون مثل داود، ومعنى الرئيس الرسول هنا، مثل داود وموسى وغيرهما. ولهذا قال: «الذي يرعى شعب إسرائيل»، ولو كان هو لكان هو راعي شعب نفسه، ولو كان عيسى هو الله لكان الله هو الذي يرعى نفس الشعب بنفسه.
أما قوله: «هو من قبل أن تكون الدنيا»، فهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ميسرة: «متى كنت نبيا؟» قال: «وآدم بين الروح والجسد قبل أن تخلق الدنيا». وفي لفظ: «متى كنت نبيا؟» قال: «وآدم بين الروح والجسد». مسنده الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول أمري: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي حين رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام».
فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه كان نبيا وكتب نبيا وآدم بين الروح والجسد، وأنه مكتوب عند الله خاتم النبيين وآدم منجدل في طينته. ومراد صلى الله عليه وسلم أن الله كتب نبوته وأظهرها وذكر اسمه، ولهذا جعل ذلك في ذلك الوقت بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه، كما يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقي هو أو سعيد بعد هذا الكتاب فقط. أما العلم فالعلم أزلي، يعني علم الله بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام قبل الخلق، هذا علم أزلي، لكن مراد الكتابة بعد خلق جسده وقبل نفخ الروح فيه.
وكذلك قول القائل في المسيح عليه السلام: «هو من قبل أن تكون الدنيا»، فإنه مكتوب مذكور من قبل أن تكون الدنيا. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: «إن الله قد خلا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وفي صحيح البخاري عن عمر بن حسين أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات».
قال: «هو قد قال قبل أن تكون الدنيا»، ولم يقل إنه كان قديمًا أزليًا مع الله لم يزل كما يقول النصارى إنه صفة الله الأزلية، بل وقت ذلك بقوله: «قبل أن تكون الدنيا». ولا يحسن أن يقال: «في رب العالمين قبل أن تكون الدنيا»، فسبحانه قديم أزلي لا ابتداء لوجوده، فلا يوقت بهذا المبدأ؛ لئلا أريد بكون الدنيا عمارتها بآدم وذريته، فإن الدنيا قد لا تدخل فيها السماوات والأرض، بل يجعل من الآخرة وأرواح المؤمنين في الجنة في السماوات، ويراد بالدنيا الحياة الدنيا.
الدار الدنيا، ولهذا قال؛ لكنه لا يظهر إلا في الأيام التي تريده فيها الوالدة، كما يظهر غيره من الأنبياء بعد أن تريده أمه. والوالدة إنما ولدت الناسوت، وأما اللاهوت فهو عندهم مولود من الله القديم الأزلي، وإذا قالوا فيها ولدت اللاهوت مع الناسوت كان هذا معلوم الفساد من وجوه كثيرة.
وإذا قيل لما خص عيسى المسيح عليه السلام بالذكر كما قيل، كما خص محمد ﷺ بالذكر؛ لأن أمر المسيح كان أظهر وأعظم من قبل الأنبياء بعد موسى، وكذلك أمر محمد ﷺ كان أظهر وأعظم من أمر جميع الأنبياء قبله، وإذا أعظم الشيء كان ظهوره في الكتاب أعظم. وظن بعض النصارى أن إراد بذلك وجود ذات المسيح يضاهي ظن ضائع من غلاة المسلمين، الإسلام وغيره الذين يقولون إن ذات النبي ﷺ كانت موجودة قبل خلق آدم، ويقولون إنه خلق من نور رب العالمين، وُجد قبل خلق آدم الأشياء خلقت منه، حتى قد يقولون في محمد ﷺ قول النصارى في المسيح، حتى قد يجعلون مدد العالم منه، ويروون من ذلك أحاديث وكلها كذب.
مع أن هؤلاء لا يقولون إن المتقدم هو اللاهوت، بل يدعون تقدم حقيقته وذاته، ويشيرون إلى شيء لا حقيقة له كما تشير النصارى إلى تقدم لاهوت اتحد به ولا حقيقة له. ومن هؤلاء الغلاة من يروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال إني كلي بشر فقد كفر، ومن قال لست ببشر فقد كفر»، محجون بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]، فجعلوا فيه شيئًا من اللاهوت مضاهاة للنصارى.
وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم، وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]، وهذا من جنس الغلاة الذين يقولون إن الرب يحل في الصالحين ويتكلم على لسانهم، وأن الناطق في أحدهم والله لنفسه.
يقول هؤلاء من الجنس: يقول النصارى المسيح، ويقول أحدهم إن الموحد هو الموحد، وينشدون الأبيات، والمرض هو من جنس قول الذين يجعلون روح الإنسان قديمة أزلية، ويقولون هي صفة لله، فيجعلون نصف الإنسان لاهوتًا ونصفه ناسوتا، لكن اللاهوت عنده وروحه لاهوت واحدة كما قول النصارى. وعلى قول هؤلاء ومع قول النصارى، يكون في المسيح وأمثاله ممن ادعي فيه اتحاد اللاهوت به لاهوتان: روحه اللاهوت، والكلمة لاهوت ثانية.
ومن جنس هؤلاء ينشد ما يحكى عن الحلاج منه: سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ نَاسُوتَهُ *** سِرَّ لَهُوتِهِ الثَّاقِبِ ثُمَّ بَدَا فِي خَلْقِهِ ظَاهِرًا *** فِي صُورَةِ الْأَكَلِ وَالشَّارِبِ حَتَّى لَقَدْ عَايَنَهُ خَلْقُهُ *** كَلَحْظَةِ الْحَاجِبِ لِلْحَاجِبِ
ولو قدر أن نفسه هي التي كانت قبل أن تكون الدنيا، فهذا لا يدل على أنه الله واصفه الله، بل إذا قال من يدعي أن روحه كانت موجودة حينئذ المراد روحه، كان هذا أقرب من قول النصارى في الجملة. ما يخبر عن المسيح أنه كان قبل أن تكون الدنيا بمنزلة ما عند أهل الكتاب عن سليمان أنه قال: كنت قبل أن تكون الدنيا، ثم قد ثبت باتفاق الخلائق المسلمين لم يكن لاهوت متحدًا به، فعلم أن مثل هذا الكلام لا يوجب اتحاد لاهوت به، بل المسلمون يعذرون في القول ويفسرون كلام الله في كتبه بعضه بعضًا، ويجعلون كلامه يصدق بعضه بعضًا ولا يناقض بعضه بعضًا.
وأما أهل الضلال من النصارى وغيرهم فيفضلون المفضول على من هو أفضل منه، ويبخسون الفاضل حقه، ويغلون في المفضول ويبخسون الأنبياء حقوقهم، مثل تنقص سليمان؛ فإن كثيرًا من اليهود والنصارى يطعنون فيه، منهم من يقول كان ساحرًا وسخر الجن بسحره، ومنهم من يقول سقط عن درجة النبوة فجعلوه حكيمًا لا نبيًا.
ولهذا ذكر في القرآن تبرئة سليمان عن ذلك، وذلك أن سليمان سأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فسخر سليمان الريح بأمر الله حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرين في الأصفاد، وسخر له الريح غدوها شهرًا ورواحها شهرًا. ولما طلب من الملأ أن يأتوه بعرش بلقيس ملكة اليمن وكان هو بالشام، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 35]. قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]. قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]. فلما رآه مستقرًا عنده قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].
فلما سُلب سليمان، عمدت الشياطين إلى أنواع من الشرك فكتبوها ووضعوها تحت كرسيه، وقالوا كان سليمان يسخر الجن بهذا، فصار هذا فتنة، فصدق بذلك طائفتان وصاروا طائفتين: طائفة علمت أن هذا من الشرك والسحر وأنه لا يجوز، فطابت في سليمان كما فعل ذلك كثير من أهل الكتاب واليهود والنصارى، وطائفة قالت سليمان النبي وإذا كان قد سخر الجن بهذا دل على أن هذا جائز، فصاروا يقولون ويكتبون من الأخبار التي فيها الشرك والتعزيم والأقسام، والشياطين ما تحبه الشياطين وتختاره، ويساعدونهم لأجل ذلك على بعض طلب الإنس؛ إما أخبار بأمور غائبة يخلطون فيها كثيرًا، وإما تصرف في بعض الناس كما يقتل الرجل أو يمرض بالسحر أو تسرق الشياطين له بعض الأموال ونحو ذلك، ما فيه إعانة الشياطين للإنس على أمور تريدها الإنس لأجل مطاوعة الإنس وموفقتهم للشياطين على ما تريده الشياطين من الكفر والفسق والسيان.
وكثير منهم يضيف ذلك إلى سليمان وإلى هارون ابن عمران، ويصورون خاتم سليمان، وقد يأخذون الرجل الذي صار من إخوته من الموضع في يرونه شخصه ويقولون هذا سليمان بن داود، كما قد جرى مثل ذلك لمن نعرفه من المشايخ الذين كانت تقترب بهم الشياطين وكان لهم خوارق شيطانية من جنس خوارق السحرة. فنزل الله تعالى براءة سليمان ممن كذب هؤلاء وهؤلاء الذين جعلوه يسخر الشياطين بنوع من الشرك والسحر، وهؤلاء زعموا أنهم يتبعونها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].
قال مثل هذا كثير، يحكم بعض الأنبياء وبعض أهل العلم والدين من أمور ليس من شرع الله فيصدق بها بعض الناس، فتصير فتنة؛ طائفة مصدقة بها، وطائفة تقع في ذلك نبي أو رجل صالح بما هو منه بريء، وطائفة تقول إنها تتبعه فيما يقول، وهذا موجود في كثير مما يحكيه أهل الكتاب عن الأنبياء، فإن اليهود تذكر عنهم ما يقدح في نبوتهم.
والنصارى تجعل ذلك قدوة لهم فيما يبتدعونه، وهذا مبسوط في موضع آخر. فالمقصود هنا أن الكلام الذي وصف به المسيح، إما وصفه به الأنبياء قبله أو أخبر به عن نفسه، موجود في مثله في حق غيره. ولم يكن هذا الكلام أنه وجد قبل الدنيا ليس خاصاً بالمسيح، بل حتى يحيى ورد أنه وجد قبل الدنيا، وأن هذا له معنى صحيح.
قال: ولم يكن أحدهم بذلك لَهُوتَ ولا سوِّتَه، ولا اتحدت من سوِّتَه، ولا استحق أحدهم بذلك أن يُعبد ويُصلى له ويُسجد له ويُدعى كما يُدعى الله، ويُضاف إليه ما يُضاف إلى الله تعالى من الخلق والبعث والثواب والعقاب. وليس للمسيح الصلوات عليه آيات خارقة ولا لغيره مثلها، إلا ما قيل في غيره مثلها وأعظم منها، إلا ما خصه بالقرآن.
وهذه قاعدة عامة حتى يستعملها في كتابه منهاج السنة، وهو يبين فضيلة عثمان على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويبين ما خيل في علي رضي الله عنه من منقبة، ومن خُلي ألا وأيضاً مثلها وأعلى منها في عثمان بن عفان. هي قاعدة يستعملها ابن تميم عموماً في النقاش؛ أنه لما يُعظم شخص أكثر مما يستحق حقيقة، يأتي بينه كل ما عُظم به هذا الشخص، من أن لا توافقه بل أعلى من ذلك.
نقتصر اليوم على هذا القدر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل