دكتور ما شاء الله، عليه الدكتور الحمصي ما شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعًا في هذا الصباح الطيب المبارك، نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم علمًا نافعًا.
الصوت جيد عندك ما شاء الله، زادك الله همة يا رب. تمام، إذًا ننطلق بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد بمدارس تراث، حيث نعلق على تراث الأئمة الكبار. انتهى بنا الحديث مع تراث، أو بدأ الحديث وما زال مستمرًا مع تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو تراث يستحق من طالب العلم المرور والتركيز والتعمق والنظر والتحليل لهذه العقلية الكبيرة الفذة التي وهبها الله عز وجل لهذه الأمة. نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا، وأن يرزقنا الفهم لما نقرأ والعمل بالصالحات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا إلى رسالة جديدة من رسائل شيخ الإسلام، وأظن أنها الرسالة العاشرة والحادية عشرة، وهي كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية». وهي من الكتب التي تتعلق بعلم السياسة الشرعية. وأظن أننا منذ ثلاثة أسابيع ونحن في هذا العلم تقريبًا؛ بدأنا برسالة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ثم انتقلنا إلى مفهوم «الحسبة في الإسلام» وأخذنا بعض تطبيقاته من خلال الرسالة الماضية النافعة.
واليوم بإذن الله نأتي إلى هذه الرسالة الثالثة، وأظن هي ثلاث رسائل مهمة كتبها شيخ الإسلام في السياسة الشرعية، بعد ذلك يكون انطلاقًا لموضوع آخر من الفكر الكبير الذي تركه شيخ الإسلام. موضوعنا اليوم: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، حيث سيبين شيخ الإسلام ابن تيمية حقوق الراعي تجاه رعيته، وحقوق الرعية تجاه الراعي.
وسيبني هذا الكتاب على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]. هذه تبين واجبات الراعي والسلطان، والتي تبين واجبات الرعية. الآية التي بعدها مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. وهذه تبين واجبات الرعية.
ومنها سينطلق شيخ الإسلام، كما تعرفون في عادته، في الاستطرادات وتفريع القواعد بناءً على هذه الآية حتى لا نطيل. نشرع مستعينين بالله، اللهم يسر معنا. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمسلمي المسلمين ولجميع المسلمين المستضعفين من المؤمنين.
قال بسم الله الرحمن الرحيم: «الحمد لله الذي أوضح لنا معالي الدين، ومنّ علينا بالكتاب المبين، شرع لنا من الأحكام وفصّل، وفصّل بين الحلال والحرام فتقدر به مصالح الخلق وتثبت به قواعد الحق، ووكّل إلى أولاه الأمور ما أحسن فيه التقدير وأحكم فيه التدبير، فله الحمد على ما قدّر ودبّر.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالبينات، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25]. وختم بمحمد نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأيده بالسلطان النصير، الجامع بين معنى العلم والقلم للهداية والحجة، ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير».
لاحظ أنه في هذا الاستهلال براعة استهلال؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أيد بأمرين بهما كمال الإيالة والسياسة، وهما العلم النافع والقدرة والجهاد في سبيل الله. فلذلك قال: «الجامع بين معنى العلم والقلم للهداية والحجة، ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير». ودائمًا هي القاعدة العامة التي يذكرها شيخ الإسلام: قوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر الدين، لا يقوم إلا بهذين: العلم النافع الذي أساسه الكتاب والسنة، والجهاد بالسيف والسنان الذي به يدافع عن حماية هذا الدين.
قال: «وبعد، فهذه رسالة تتضمن جوامع من السياسة الإلهية والآل النبوية والآل الإيالة». والآل الإيالة هي إحدى العبارات التي يُعبَّر بها أيضًا عن السياسة. ولذلك في قوله تعالى في آخر الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، يقول في آخره: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ومن التفاسير التي قيلت بمعنى التأويل هنا: السياسة؛ أي ذلك خير وأحسن سياسة من الإيالة، وهي السياسة.
قال: «لا يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله؛ أي طلبها من أوجب الله على نصحه من ولاه الأمور». اقتضاها يعني طلبها من أوجب الله عليه نصح من ولاه أمره في زمانه. الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله وأمركم».
وهذه رسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. شيخ الإسلام يسمي هذه الآيات بآية الأمراء.
قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاية الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله عز وجل فلا طاعة.
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذاً عليهم وعلى الغزاة وعلى العامة أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين؛ الذين يؤدون الأمانات إلى أهلها ويحكمون بالعدل على الرعية. في المقابل، يجب أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين، لذلك في قسمهم فإذا قسموا قسماً لا يعترضون عليهم ما داموا -كما قلنا- بالمواصفات السابقة. وفي حكمهم فإذا حكموا بين الناس ألا يعترضوا، وفي مغازيه إذا استنفر الإمام للمغازي فلا يعترض، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية.
قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. فإذا وقع نزاع: هل ما فعله ولي الأمر صواب شرعاً أو ليس بصواب؟ فإن المرجع في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهنا يأتي دور العلماء الربانيين ليبينوا من الذي أصاب ومن الذي أخطأ.
قال: «وإن لم يفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأدوا حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأعينوا على البر والتقوى، ولا يعينوا على الإثم والعدوان». وإذا كانت الآية -الآن قال- «وإن لم يفعل ولاة الأمور ذلك»، يعني إذا لم يؤدوا الأمانات حقيقة إلى أهلها، وإذا كان عندهم جور وظلم، فما هو موقف الرعية؟ قال: «أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله»، ننظر في أفعالهم، ما كان من أفعالهم مقبولاً أعناهم فيه، وما كان من أفعالهم مردوداً لم نطعهم فيه، وأدوا حقوقهم إليهم كما أمر الله.
ويقصد هنا أنه ما داموا ضمن مفهوم الإسلام، ما داموا يقيمون الصلاة، وما داموا -على ما عندهم من الظلم والجور- يقومون بوظيفة السلطان، وهنا يأتي حديثنا عن كتاب عمر في السياسة الشرعية، أو الغياثي للجويني. قال: إذا كان السلطان يقيم الأمر العام، فيحمي ثغور المسلمين من هجوم الظالمين والأعداء على بلاد المسلمين، ويقيم الأمور العامة التي لا بد منها حتى تستمر الحياة، فلو وقع منه بعض الظلم أو الجور أو بعض الآثام غير المرضية، فهنا نفعل ما قاله ابن تيمية؛ ماذا قال شيخ الإسلام؟ «وأدوا إليهم حقهم بعدم الخروج عليهم بالسيف، وأعينوا فيما أطاعوا الله فيه، وانهوا عما عصى الله عز وجل فيه».
لكن الجويني هنا -وأنت أحياناً تحتاج أن تجمع كلام أهل العلم وتضع شروطاً لذلك- يضع شروطاً، أنه إذا أدى القواعد العامة التي هي متصورة، لأن الجويني يبين في "الغياثي" أن العلاقة بين الراعي والرعية هي عقد. كيف؟ أي عقد في الحياة، في عندك شروط؛ الطرف هذا عليه أن يقدم أشياء، والطرف هذا عليه أن يقدم أشياء، هذه هي حقيقة العلاقة بين الراعي والرعية؛ عقد بين الأمة والسلطان، هو مطلوب منه أن يفعل أشياء، وهم مطلوبون منه أن يقدموا أشياء مقابل ذلك.
الآن إذا هو فعل أساس الأشياء المطلوبة منه ولم يفعل كمالها الشرعي، فقصر في أمور، وخرم في أمور، وظلم في أمور، فإن النصوص العامة في الشريعة تدل على أنه حتى ينتظم أمر الناس لا ينبغي الخروج بالسيف عند كل مخالفة شرعية، وعلى كل ظلم يصدر منه؛ لأنه هكذا لن تستقر حياة الناس، خاصة بعد انقضاء الخلافة الراشدة، كما قال شيخ الإسلام في بعض الكتب؛ فإن أمر الخلفاء لم يستمر على استقامة، لكن هناك خطوطاً عريضة ينبغي ألا يتجاوزها. فإن تجاوز السلطان الخطوط العريضة التي بدونها تنخرم الإمامة، هنا ينعزل ضمنياً.
هل يعني هذا بالضرورة الخروج عليه؟ هنا بين الجويني رحمه الله قاعدة عامة، وهي أن ينظر فيما الناس مقبلون عليه؛ فإن كان عزله سيؤدي إلى مفاسد ودماء أكثر من المرجو من المصالح التي ستأتي بعزله، فلا يبقى، مع أننا نعرف ضمنياً أنه معزول، لكن يبقى دفعاً للمفاسد المتوقع حصولها في عملية عزله. وإن كان عزله سيؤدي إلى مصالح أعلى من المفاسد المرجو أو المتوقع حصولها في أثناء عملية العزل، فإنه لا يقدم عزله على المفاسد الموجودة.
باختصار هي ميزان، وهي مراحل. أنت لاحظ القضية مراحل، ليس كما يتصور الشباب المندفع أن هي قضية: خلاص أخطأ هنا نفعل كذا، لا؛ هي قضية تأتي بمراحل. المرحلة الأولى: إذا كان الراعي يقوم بما أمر الله به، يؤدي الأمانات إلى أهلها، يحكم بالعدل، هنا يجب أن تنصره وأن تقف معه وأن تكون سنداً له وظهراً له.
الحالة الثانية: الراعي لا يؤدي الأمانات، وهناك ظلم شائع، هنا سننظر في المربع العريض؛ هل المقصود من الإمامة والسياسة ووجود الراعي بشكل عام حاصل به وإن كثر ظلمه ودوره؟ هنا تأتي النصوص التي يستخدمها علماء السلف العقائد؛ أنه في الظلم وإن تتحمله، وأن تؤدوا حقوق الله تجاههم والله يسألهم عن تقصيرهم، ما دام المربع العريض قائماً.
أما إذا كانت الخطوط العريضة المطلوبة من الإمامة ووجود الراعي منهدمة تماماً؛ فالعدو ينتهك بلادك، والحدود ساقطة، والأحوال منقلبة، بالتالي أصبح وجوده كعدمه. باختصار هنا، قال الجويني ينعزل ضمنياً، لكن هل يؤمر الناس بالسيف والخروج وما شابه ذلك؟ يقول الجويني: لا، هذا كلام ما هو صحيح، وهذه قضية للاسف يخطئ فيها كثير من المندفعين اليوم؛ أنه بمجرد أن يرى انخرام عقد الولاية يرى أنه خلاص هذا مبيح أن يخرج الناس بكل شيء، ولا ينظر إلى ما الناس مقبلون عليه في حال أرادوا أن يعزلوه؛ قد يكونون مقبلين على أهوال ودماء وسجون وما شابه ذلك، فتكون مفسدة العزل أعلى من مفسدة بقائه. إذاً لا نقول يبقى، لأن مفسدة عزله ستكون أعلى وضريبتها ضخمة، أما إذا كان العكس، فوالله تعالى أعلم.
هذه فقط خطوط عريضة قبل أن نشرح في تفاصيل الكتاب. قال: «وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة». قال رحمه الله: «فصل: أما أداء الأمانات ففيه نوعان». إذاً شيخ الإسلام يرى أن جماع السياسة العادلة للراعي يقوم على أمرين: أداء الأمانات هذا القسم الأول، والحكم بالعدل هذا القسم الثاني. الآن لاحظ هو سيتكلم عن واجبات الراعي، وواجبات الراعي بنص القرآن أمران أساسيان: أداء الأمانات والحكم بالعدل. سنبدأ الآن بالقسم الأول وهو أداء الأمانات حتى تبقى منسجماً مع جو الكتاب.
قال: «أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات»، وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبي ﷺ لما...
في فتح مكة، تسلم بنو شيبة مفاتيح الكعبة. وقد طلبها منه العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، فدفع النبي ﷺ مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة.
إذاً أداء الأمانات يدخل فيه شيئان: الشيء الأول الولايات، بأن يُسلم الولايات إلى أهلها ومن يستحقها. وهنا أعطاك نموذجاً أولياً وهو سبب نزول الآية؛ أن الله يأمر بأداء الأمانات، وما سببها؟ لما النبي ﷺ في فتح مكة، طلبوا مفتاح الكعبة وكان مفتاح الكعبة مع بني شيبة، فجاء العباس -أو علي بن أبي طالب في بعض الروايات- فطلب: «يا رسول الله، أعطني مفتاح الكعبة حتى أجمع بين سقاية الحاج وسدانة البيت»، لأن العباس كان هو المسؤول عن سقاية الحاج، حتى يجمع بين سقاية الحاج وسدانة البيت، أي خدمة البيت الحرام.
فقال النبي ﷺ: «أين عثمان بن أبي طلحة؟ هذا مفتاحكم، أنتم بنو شيبة، المفتاح معكم ولا ينزعه منكم إلا ظالم». فهنا رد النبي ﷺ الولاية إلى أهلها وإلى مستحقها، ورفض أن تُنزع وتوضع في مكان آخر.
يقول الشيخ: فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبي ﷺ: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا وهو يجد من هو أصلح منه للمسلمين، فقد خان الله ورسوله وخان المسلمين».
انظر إلى هذا الكلام العظيم؛ إذا كنت واليًا ومسؤولًا عن وضع الولايات، أو سلطانًا ومسؤولًا عن وضع الولايات، فإذا وضعت شخصًا وأنت تعرف أن هناك من هو أصلح منه للمسلمين، فقد خنت الله ورسوله. إذاً من أداء الأمانات تولية الأكفاء، أصحاب الكفاءة، من يؤدي هذه الوظيفة؛ وزارة التعليم، وزارة الصحة، وزارة الاتصالات، تضع في كل مكان الشخص المناسب. فإذا كنت تعلم أن هناك شخصًا مناسبًا ولم تضعه لأنه بينك وبينه حزازية، أو أنت لا ترغب لأسباب معينة، ووضعت شخصًا أقل كفاءة، فقد خنت الله ورسوله.
وفي رواية: «من قلد رجلًا عملًا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين». وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين». فنعم، تولي شخص لأنه قريبك أو بينك وبينه مودة، هذا واجب عليه أن يتجنبه.
لذا، يجب عليه البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطنة، والقضاء، ونحوهم، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الكبار والصغار، وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادي، والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. والشادي -كما يقول الشيخ العثيمين- هو المسؤول عن العلم والأدب والمال.
وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة المسلمين، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين. فهو كأنه هرم؛ السلطان مسؤول أن يضع على الأمصار الإسلامية أفضل من يجد، وكل مسؤول عن مصر عليه أن يضع حوله من القضاة أفضل من يجد، والقاضي ووزير الأوقاف عليه أن يضع على المساجد أفضل من يجد، فهي مسؤولية هرمية؛ كل إنسان مسؤول عمن تحته.
وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين، وأمراء الحاج، والبريد، والعيون الذين هم القصاد، وخزان الأموال، وحراس البريد. والبريد قديماً كان هناك موظفون يذهبون على الجمل، فالحاكم يقول له: جيب لي فلان من مدينة كذا، فيذهب على الجمل ويأتي به ويعود به، فكذلك هذا يجب أن يكون من أأمن الناس. وكذلك العيون، وهم الجواسيس؛ في النهاية أنت عندك جهاز استخبارات في الدولة المسلمة، ولا توجد دولة ونظام في العالم إلا وله أعين وجواسيس، لابد من وجود عيون لمصلحة الإسلام وليس ضد الإسلام.
وكذلك حراس الحصون والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقباء العساكر الكبار والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين. والدهاق هو مسؤول القرية. فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقتضي عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع، بالعكس؛ إذا كان هو طلب الولاية أو سبق غيره في طلب الولاية فهذا سبب لنمنعه منها.
فإن في الصحيحين عن النبي ﷺ أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: «أنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه». وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها». وفي الصحيحين أيضًا قال ﷺ: «من طلب القضاء واستعان عليه وُكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكًا يسدده».
فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة، أو جنس كعربية وفارسية وتركية ورومية، أو لِرِشوة أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو ضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 28].
فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثر زيادة ماله أو حفظه.
في ماله، نعم، أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهن في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله، خان الله ورسوله وأمانته. ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثيبه الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله ويذهب ماله.
وفي ذلك الحكاية المشهورة أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عن بعض ما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز. وقد قيل له: يا أمير المؤمنين، أفرغت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم؟ وكان في مرض موته، فقال: أدخلوهم علي. فأدخلوها وهم بضعة عشر ذكراً ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال: يا بني، والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي أخذ أموال الناس فدفعها إليكم.
إنما لم أكن في خلافتي آخذ الأموال من الناس حتى أصرفها عليكم وعلى أموال السلطان، وإنما أعطيكم. كان عمر بن عبد العزيز يأخذ بالورع والزهد، وكان يعطي أولاده بالقطارة. قال: «ولم أكن بالذي أخذ أموال الناس فدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، اقبضوا عني». قال: فلقد رأيت بعض ولده حمل على مئة فرس في سبيل الله، وهذا يدل أن الله بارك له في ذريته، وأن أولاده من بعده أصبحوا من الأثرياء، حتى إن بعض ولده تصدق بمئة فرس في سبيل الله للمجاهدين، فصاروا من الأثرياء. بالتالي إذا حفظت الله في ولايتك، فإن الله يحفظك في ذريتك.
قال: وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم. وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، وقد رأيت بعضهم يتكفف الناس، أي يسألهم بكفه. هؤلاء الخليفة وزع أموال المسلمين على أولاده، فكل ولد من أولادي حصل على نصف مليون تقريباً، فرأيتهم يتكففون، أي يمدون أيديهم إلى الناس لاحقاً. بمعنى أنه لما خان المسلمين الله عز وجل سبحانه وتعالى، خذل راعيه أولاده وجعلهم فقراء في المستقبل.
وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في هذا الزمن والمسموعة عما قبله ما فيه عبرة لكل ذي لب. وقد دلت سنة رسول الله ﷺ على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة التي هي الولاية: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها» [رواه مسلم].
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وقد أجمع المسلمون على معنى هذا؛ فإن وصي اليتيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح. فالأصلح لناظر الوقف والمسؤول عن إدارة الوقف، كل هؤلاء عليهم أن ينظروا الأصلح لليتيم، وهذا يتيم واحد، فكيف عندما تكون مسؤولاً عن شعب ورعيه؟ هنا يجب أيضاً من باب أولى أن تراعي الأصلح. كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
وذلك لأن الوالي راعٍ على الناس بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [أخرجه في الصحيحين]. وقال ﷺ: «ما من راع يسترهيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة» [رواه مسلم].
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير! فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير! فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جربها وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها، أوفى سيدها أجرك، وإن أنت لم تهن جربها ولم تداوِ مرضاها ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها.
فأنت كأن الله عز وجل وضعك راعياً لهذه الإبل وهي الناس، فإذا أنت تعاملت وعرفت تعالج، كافأك الله عز وجل، فكأنك أجير عند الله، وإذا أنت لم تقم بالرعاية المطلوبة فإن الله سبحانه وتعالى سيعاقبك. وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلق عباد الله، والولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيه معنى الولاية والوكالة.
الولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، يعني كان المواطن يوكل الحاكم في إدارة شؤونه وإدارة شؤون إخوانه. فالولاية في السلطنة، حتى منصب السلطان الأعظم، فيه ولاية وفيه وكالة في نفس الوقت؛ ولاية من الله، ووكالة من الرعية؛ نحن نوكل السلطان في إدارة شؤوننا وشؤون إخواننا. ثم الولي والوكيل من استنابه في أموره رجل وترك...
من هو أصلح للتجارة أو العقار منه، أو باع السلعة بثمن وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن فقد خان صاحبه. لاحظوا أنه يحاول الآن إسقاط شروط عقد الولاية والوكالة الفقهية على السلطان؛ إذا قلنا السلطان وكيل، نحن وكلناه في إدارة شؤوننا. الوكيل في الفقه الإسلامي مطلوب منه أن يتصرف في مصلحة موكله، وليس له أن يتصرف بهواه وما يرغب، فإذا خان الوكيل فإنه مسؤول ويضمن. لو أنا وكلت شخصًا أن يبيع لي سلعة بأفضل الأسعار وهو لم يبعها بأفضل الأسعار فقد خان.
حتى عند الحنابلة لا يجوز أن يبيعها لنفسه ولا لأبيه ولا لأخيه؛ خشية من المحاباة. ليس هكذا عندنا في الفقه، إذا أنا وكلتك تبيع سلعة ليس لك أن تبيعها لابنك ولا لأبيك خشية من المحاباة، إلا إذا استأذنت مني. فهذا يدل على أن الوكالة لها شروط ومعايير، وأن الوكيل لا يتصرف إلا فيما يصب في مصلحة موكله، وهذه في وكالة شخص لشخص، فما بالك بوكالة على مجتمع كامل؟ دائمًا خذ الأدنى وقول "الأولى والأولى".
نعم، قال: «إن كان بينه وبين من حاباه مودة أو قربى، فإن صاحبه يبغضه ويذم ويرى أنه قد خان دهن قريبه أو صديقه». قال رحمه الله: فصل، إذا عرف هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل. فالأمثل في كل منصب بحسبه؛ يعني قد أحاول أن أشوف من هو الصالح التام لهذه الولاية، فإذا كانت كل الطبقة الحوالية فاسدة، فهنا أنت ستختار الأمثل.
الأمثل يعني لو فرضًا كلهم عندهم جانب من النقص والفساد ماذا سأفعل؟ الآن سقف الممكن، أفضل الموجود، أعين وإن كنت أعرف أنه عنده نقص من جوانب معينة. قال: «فيختار الأمثل في الأمثل في كل مصر بحسبه». طيب، قال: «وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذه المواضع، وهو من أئمة العدل والمقسطين عند الله وإن اختلت بعض الأمور بسبب من غيره».
فإذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إذا صار اختلال في الأمور، أنا عينت فلان وهذا فلان ولم يؤدِ المطلوب، أنا كحاكم أو كسلطان فعلت ما علي، أنا حاولت وأعين أفضل الموجود، ومثلًا طلع هذا أفضل الموجود ليس على ما يرام، عنده مشاكل كثيرة أو رشاوي أو كذا، أنا عند الله سبحانه وتعالى فعلت ما استطعت.
وقال عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وقال جل جلاله في الجهاد وقاتل في سبيل الله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۖ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]. وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» [أخرجه في الصحيحين].
لكن إن كان منه عجز فلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ذلك. وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب؛ فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. لكن إن كان منه عجز فلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ذلك. يعني السلطان عين موظفًا وزيرًا، هذا الوزير عجز فلا حاجة إليه، أعزلُه. أما إن كان منه خيانة، فإني لا أعزله فقط بل أعاقبه على الخيانة. فانت في النهاية عينت إنسانًا وحاولت تتقي الله في تعيينه، وخرج هذا الإنسان غير مناسب؛ أنت كحاكم إذا فعلت الذي عليك خلص، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
والإجراء المطلوب منك الآن، إذا كان هذا الوزير مشكلته في العجز يتم عزله، أما إن كانت خيانة فيعاقب. وفي ثلاث نسخ، في نسخة "بلا"، وفي نسخة "ولا"، وفي نسخة "فلا"، و"فلا" هي موجودة والحمد لله أنها مثبتة، لأنني في نسخة أخرى اعتقدت أنها "لأنه"؛ لأنه إن كان منه عجز أنا لن أعاقبه بل سأعزله فقط، أما الخيانة فيعاقب. فلذلك وجدت الأفضل أن نقول: «لكن إن كان منه عجز فلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ذلك».
الخيانة لا يكتفى فيها بإلغائه من المنصب كما يتم في بعض البلدان، بل كون أخذ الهبرة وراح فيها، هذا يجب أن يعاقب ويُرجع المبالغ. قال: «وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة». كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. وقال صاحب مصر ليوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: 54]. وقال تعالى في صفة جبريل عليه السلام إنه: ﴿ذُو قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21].
والقوة في كل ولاية بحسبها. إذا بدأنا نفصل أكثر، أنا الآن سلطان أو مسؤول أريد أن أعين وزيرًا، ما هي مواصفات هذا المسؤول الذي سأعين تحتي؟ هما صفتان ركز عليهما القرآن: أن يكون قويًا في هذه الولاية، وأمينًا في التعامل معها. الآن ما هي القوة؟ القوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في الحرب ليست هي القوة في وزارة الصحة، والقوة في التعليم ليست هي القوة في وزارة الأوقاف.
قال: «فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك». كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارموا واركبوا، وأنتم أحب إلي من أن تركبوا»، ومن تعلم الرمي ثم...
«...فليس منا»، وفي رواية: «فهي نعمة جحدها». رواه مسلم.
قال: والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل. طب مثلاً منصب القضاء، ما هي القوة فيه؟ العلم قوة علمية، لا أريد هنا قوة بدنية؛ لأن القاضي لا يدخل في مصارعة، هو يدخل بعقله، ويحتاج إلى قوة علمية ترجع إلى العلم بالعدل الذي يدل عليه الكتاب والسنة، والقدرة على تنفيذ الأحكام.
نعم، قال: والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس. الآن بعد ما خلصنا القوة، نعود إلى الأمانة، وهي الصفة الثانية في الوالي: خشية الله سبحانه، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أي لا يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس، وترك خشية الناس، أنه لا يخشى الناس، ﴿وَالناسُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾. وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حكم على الناس، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
ولهذا قال النبي ﷺ: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة؛ فرجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار». رواه أهل السنن. فالقاضي اسم لكل من حكم بين اثنين، سواء سمي خليفة أو سلطاناً أو نائباً أو والياً، أو كان منصوباً ليقضي بشرع أو نائباً له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخيروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ، وهو ظاهر.
قال رحمه الله: فصل، اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «اللهم إليك أشكو...». معنى "إذا تخيروا" حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخيروا، يعني إذا كان في مسابقة خط، أي إذا كان هناك شخص يريد أن يحكم، يجب أن يكون هذا الشخص عنده عدل في الحكم. حتى في الأمور البسيطة جداً، لو صبيان تحاكموا: مَن أشطر في الخط؟ بدك تحكم، فبالك لما تحكم في الدماء والأعراض؟ هذه تحتاج أيضاً إلى مصداقية.
فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، يُقدم أنفع ما لتلك الولاية وأقل ما يضر فيها. فيُقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً. كما سُئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أيهما يُغزى؟
هذه قواعد مهمة لمن سيتولى أمر المسلمين؛ أن يفهم مَن يُقدم في كل منصب. الآن عندي منصب معين، وأرى هناك رجلين، أحدهما قوي في أمانته لكن ضعيف في قوته، والآخر بالعكس، قوي في قوته لكنه ضعيف في أمانته، مَن أقدم في هذه الحالة؟ قوة الأمانة على قوة القدرة، أم القدرة على الأمانة؟
قال هنا شيخ الإسلام: كل ولاية بحسبها. فلاية الحرب، أعتقد أن القوة البدنية والجسد وكذا مقدمة بالنسبة لي على ماذا؟ على الأمانة. يعني لو أخذ شيئاً من الغنيمة في جيبه، حتى لو هذا، أنا في النهاية أريد أن أحقق الانتصارات، أما أن تضع شخصاً أميناً ما شاء الله لا يأخذ شيئاً إلى جيبه لكنه ليس شجاع القلب، أنا ليس لي مصلحة كبيرة أن أضعه مسؤولاً عن وزارة الحرب. فالأمور في حال، طبعاً إن لم تجد الأمين القوي، فستبدأ كما يقول: تقدم أنفع ما لتلك الولاية وأقل ما يضر فيها.
فمثلاً، قال: يُقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف وإن كان أميناً. وكما سُئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر ضعيف صالح، أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر. وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين برجل فاجر»، وروي: «بأقوام لا خلاق لهم»، يعني ليس لهم نصيب من الدين. فإذا لم يكن فاجراً كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده.
ولهذا كان النبي ﷺ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم وقال: «إن خالداً سيف من سيوف الله سله الله على المشركين»، مع أنه أحياناً قد كان يعمل ما ينكره النبي ﷺ، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد». نعم، لما أرسل إلى بني جذيمة قتلهم، واستعجل خالد في قتلهم؛ لأن خالداً لم يكن فقيهاً كفقهاء الصحابة الكبار، لكن مع ذلك كان هو الذي يُولى في الحرب لأنه الأدرى بسياستها.
قال: فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من كان معه من الصحابة، حتى وداهم النبي ﷺ وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يوديهم، يعني دفع الدية لهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعله بنوع تأويل.
وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي ﷺ: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين ما يأتي». أبو ذر الغفاري أكثر أمانة، كما يقول، أكثر أمانة أو علم أو فقه من خالد بن الوليد في هذا، لكن النبي ﷺ يعرف أنه ليس قويًا كقوة خالد. فالنبي ﷺ كان صريحًا مع أبي ذر: أنت رجل يا أبا ذر من حيث الأمانة والمصداقية والفقه، لكنك لست قويًا في الولايات؛ فالولايات لها صفات معينة هذه الصفة ليست موجودة فيك. وشوف تقبل أبي ذر للنصيحة ومعرفته بنفسه، هذا مهم أيضًا، أنه كثير من الناس يريد أن يضع نفسه في أماكن لا يصلح فيها، أن يكون الإنسان عارفًا بنفسه حقيقة هذه مغنم.
قال: ونهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفًا، ومع أنه قد روي: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». شوف هذا المدح العظيم: «ما أظلت شجرة ولا أقلت الغبراء»؛ يعني الأشجار، ولا أقلت الغبراء وهي الأراضي والصحاري، أصدق لهجة من أبي ذر. إنسان صادق، أبو ذر صادق ظاهرًا وباطنًا، حتى مع نفسه صادق، ما عنده أي محاولة لأن يتلبس بشيء أو يتصنع شيئًا على المكشوف، يتعامل.
قال: وأمر النبي ﷺ مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هو أفضل منه، وأمر أسامة. هذا بعد معين، وهذه قرأناها في السيرة أن النبي ﷺ كان عادته إذا أراد أن يرسل مثلا من يهدم صنمًا في قرية، يرسل واحدًا منهم ممن أسلم منهم، إذا أراد أن يرسل غزوة أو سرية إلى مكان معين يحاول أن يكون قائد السرية رجلًا له قرابة من تلك المنطقة؛ لعل ذلك يكون سببًا في الملاءمة منهم.
وأمر أسامة بن زيد لأجل طلب ثأر أبيه، هذا معنى لماذا أمره في الغزوة الأخيرة قبل أن تأتي الوفاة ﷺ؟ مش قال له في الأثر: «سأبعثك إلى مقتل أبيك لتدرك ثأرك»؛ لما أرسله إلى الشام. هذه أبعاد نفسية يجب على السلطان أن يكون متفردًا فيها، يعني أن هذه الغزوة بالتحديد من أنسب شخص فيها؟ سأنظر إلى عوامل عديدة تحف بها وتجعلني أتفرد من سيكون أقوى فيها.
قال: وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان. كثير من الأمور استعمل عليها عمرو بن العاص وخالد، مع أن النبي ﷺ معه أبو بكر وعمر وعثمان وهم أفضل الصحابة، لكن أفضليتهم لا تعني أنهم الأصلح لتنفيذ المهمة.
وهذا عجبني فيها موقف عمر بن الخطاب في صلح الحديبية، لما النبي ﷺ أراد أن يرسل من يتحاور مع المشركين في مكة، أراد أن يرسل عمر. عمر قال له: يا رسول الله، أنا لست الشخص المناسب لهذه المهمة، أنا من بني عدي وليس لي عشيرة كبيرة تحميني، أرسل شخصًا آخر له عشيرة تحميه. لذلك أرسل عثمان بن عفان حتى يتفاوض معهم في الداخل. إذا بتذكر هذه القصة لما قرأناها في عيون الأثر، كان عمر عارف أنه ليس المناسب: يا رسول الله المهمة أنا من بني عدي، وهؤلاء ليست حمولة كبيرة، ابعث رجلًا مثل عثمان. وفعلاً النبي ﷺ أرسل عثمان؛ لأن بني أمية أبو سفيان بن حرب وكذا، كلهم جماعتهم من هذا الفخذ، هو الأكثر حضورًا في مكة، فكان بعث عثمان أقوى ليحمى هذا الرسول.
قال: وهكذا كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام، وبدأت منه فتوحات، كان له فيها تأويل، وبدلت منه أي من خالد طبعًا. قال: وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هي، فلم يعزله من أجلها، بل عتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، وإذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة ليعتدل الأمر.
جميلة هي الفكرة، وهذه الفكرة توجد حتى في الزيجات، وهذه نصيحة لمن يقبل على الزواج: إذا كنت تعرف من نفسك أيها الشاب أن خلقك فيه شدة، فدائمًا ينصحون أن تتزوج امرأة يغلب عليها اللين، امرأة ليست مندفعة عصبية. وإذا كنت تعرف من نفسك أن طبيعتك خجول حيي، عندك هذا الاسترخاء في التعامل مع الناس وليس عندك قوة اندفاع، لا ينصح أن تتزوج امرأة في خلقها قوة، حتى يصير وازنًا في الحياة الأسرية، وهذه عبارة عن دولة لكن دولة صغيرة، الأسرة.
هناك قائد ونائب، فكذلك في القيادة العظمى، إذا كان الحاكم يغلب عليه اللين، مثل أبو بكر الصديق، رجل أسيف كان يحتاج إلى قوة خالد. أما عمر، فهو أصلاً يغلب عليه القوة، بدك مهدئات مثل أبي عبيدة بن الجراح أو أشخاص أكثر هدوءًا، بالتالي هكذا تتوازن الأمور وتحصل المعادلة.
قال: ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح؛ لأن خالدًا كان شديدًا كعمر، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، فكان الأصلح لكل واحد منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلًا. فخالد رضي الله عنه كان رأسًا برأس مع عمر بن الخطاب، يعني عمر هكذا وخالد لا، هكذا. لما يكون رؤوسًا كبارًا، لكن أبا عبيدة من الشخصيات المتصالحة، يعني خلص اللي بدك إياه عمر، ماشيين، ليس عنده عناد، الأقوياء ما يسمى هؤلاء نادي الأقوياء.
كل واحد يرى نفسه قائداً عسكرياً وخبيراً وكذا، وهم من أيام زمان أصلاً من الصغر، عمر وخالد بينهما منافسات الصبيان في أرجاء مكة، فهم عارفين بعض، كل واحد عارف الثاني. ففعلاً عمر لا يتناسب وجوده مع وجود خالد في نفس المكان، هي هكذا طبائع النفوس.
ولذلك ليس لأنه عمر رضي الله عنه كما يزعم المستشرقون في كتبهم حسد خالد -والعياذ بالله- أو أنه طمح لمنصب خالد أو خاف أن خالد تصبح سمعته كبرى فيبدأ بسقط هيبته؛ يقول المستشرقون في كتبهم لا، والعياذ بالله، عمر هو الرجل الثاني بعد أبي بكر الصديق في الأمة. عمر رضي الله عنه يفهم أنه إذا أنا وخالد بقينا، رح نظل نحط بعضنا بعضاً، لأنه هو عنده رأي وأنا عندي رأي، وأنا قوي وهو قوي، لكن أريد شخصاً يتناسب معي، الذي أقول له اعمل كذا يمشي معي، لكي تستوي الأمور بهذه الطريقة.
فكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلاً، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله ﷺ الذي هو معتدل، حتى قال رسول الله ﷺ: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة»، وقال: «أنا الضَّحُوكُ القَتَّالُ»، وأمدَّ وسط. قال الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، وقال تعالى: ﴿وَلِأَعِدَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿أَعَزَّةً عَلَى الْكُفَّارِ﴾.
ولهذا لما ولي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسب إليه أحد الطرفين في حياة النبي ﷺ من لين أحدهم وشدة الآخر. حتى قال فيهما النبي ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعد أبي بكر وعمر». يعني هو يريد أن يقول أبو بكر كان ينسب في زمن النبي ﷺ أنه رجل أسيف لين، ودائماً قراراته كانت تتجه نحو اللين، حتى في أسرى بدر كان رأيه ليناً. وعمر رضي الله عنه في زمن النبوة كانت قراراته حاسمة صارمة قوية دائماً، لكن لم نسمع أبا بكر يقول دعني أضرب عنق هذا المنافق، كنا دائماً نسمعها من عمر بن الخطاب.
فلما وليا الخلافة كمل حالهما؛ أبو بكر لما ولي الخلافة رفع من مستوى القوة لديه، وعمر لما ولي الخلافة خفف من مستوى الشدة، فحصل له الكمال عندما تولى؛ لذلك قال النبي ﷺ بعلمه بكمالهما في الولاية: «اقتدوا باللذين من بعد أبي بكر وعمر».
وقال: وظهر من أبي بكر رضي الله عنه من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما لم يبرز به عمر؛ ففي قتال أهل الردة شجاعة أبي بكر فاقت شجاعة عمر ابتداءً، لأن عمر كان متخوفاً من قرار قتالهم، وأبو بكر قال: «والله لو منعوني عقالاً لقاتلتهم على منعها». لاحظ كيف قوة أبي بكر وخطاب القوة عنده ارتفع حتى على عمر.
وقال: وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة، فالأمين أشد قدماً. الآن هذا كلياته كان بالنسبة للقضية الأولى، إذا كانت القوة هي المطلوبة أكثر. طيب، إذا كان المنصب منصباً دينياً، وزارة أوقاف أو وزارة دينية، مش منصباً يحتاج إلى معاركة، هنا أنت تحتاج أن تقدم الأكثر أمانة وعلماً وفقهًا.
قال: مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة. أما استخراجها من أيدي الناس، مثل الزكاة، مش كانوا يبعثون السعاة؟ الساعي الذي يجمع الزكاة لا ينفع أن يكون أميناً فقط، بل يجب أن يكون قوياً حتى يأخذ الزكاة غصباً عنه. موضوع الآن أصبح يحتاج قوة مع أمانة، فقال: يولى عليها قائد قوي يستخرج الأموال بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين.
وهكذا في سائر الولايات، إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد. هذه هي الفكرة الأخيرة؛ الآن إذا كان هذا المنصب حقيقة يحتاج إلى القوة والأمانة، ففي منصب تكون القوة هي التي تكفي فيه ولو كان في ضعف في الأمانة بيمشي الحال، وفي منصب الأمانة لازم تكون عالية ولو كان في ضعف في القوة، مثل حفظ الأمانات وبيت مال المسلمين، ليست معركة بالتالي لو كان ضعيفاً في القوة ليس عندي مشكلة المهم أنه أمين.
لكن في مناصب تحتاج الاثنين، تحتاج القوة والأمانة، لا تتم إلا بهما. هنا إذا وجدنا شخصاً تتوفر فيه هذه الصفة، شخصاً واحداً توفرت فيه هذه الصفة فبها ونعمة، أما إذا لم نجد شخصاً واحداً يتوفر في هذه الصفة، سأحتاج أن أوظف أكثر من شخص مع بعض؛ أنت للقوة وأنت للأمانة. مثلاً إذا أردت أن أبعث ساعياً، أبعثه قوياً ولكن ليس أميناً، فأبعث معه شخصاً ثانياً أميناً ولو لم يكن قوياً، حتى يكون الاثنان معاً؛ الأمين يدقق على القوي، والقوي يفعل ما يطلبه الأمين. أنت مضطر أن تعين أكثر من موظف في هذه الدائرة.
الخلاصة: إذا في سائر الولايات لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع الحاكم بين أكثر من عدد للمهمة، فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد. فإما أن ترجح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد.
قال: ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكف؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه من الاشتباه الأعلم. هذا يعطيك كيف يفكر الكبار من العلماء؛ أنا عندي ولاية قضاء، وعندي شخص أعلم من صاحبه ولكن صاحبه أكثر ورعاً، هل منصب القضاء يحتاج إلى شخص أعلم أم شخص أورع؟ هو فصل وقال حسب المسألة؛ إذا كانت المسألة ليست مسألة عميقة في العلم، مسألة ظاهرة ويخاف من الأعلم قلة الورع، قدم الأورع.
أن يدخل هواً بقول، لا، الورع هو الذي يحكم فيها. إن المسألة ليست عويصة، ولكن إذا كانت المسألة عويصة وتحتاج إلى تحليل دقيق، مثل بعض مسائل المواريث وكذا، يقدم الأعلم على الأورع فيها؛ لأنه هنا محتاج إلى القوة الذهنية.
قال: ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات». إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات؛ لأن الشبهات تفكيكها صعب، فهي تحتاج إلى بصيرة نافذة تفهم ماهية الشبهة وتركيبها، فهي تقوم على البصيرة العلمية. وقال: «ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات»؛ لأن الشهوات ليست عملية تحليل علمي، هي عملية حزم نفسي، فهناك تحتاج إلى الحزم النفسي في هذه المواطن.
قال: ويقدمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيداً تأييداً تاماً من جهة آل الحرب أو العامة. ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي الأكمل هنا هو الأكفأ.
قال: فإن القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالماً عادلاً قادراً، بل وكذلك كل والٍ للمسلمين؛ فأي صفة من هذه الصفات نقصت ظهر الخلل بسببها، والكفاية إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة. وفي الحقيقة فلا بد منهما.
إذن هنا كلمة الكفاءة أظن استعملها بمعنى خاص، فماذا يقصد بالكفاءة هنا؟ قال: «ويقدمان على الأكفأ»، أظن الكفاءة هنا يقصد بها القدرة بالتحديد، ولا يقصد الكفاءة بالمعنى العام، يقصد الكفاءة بمعنى الأكفأ قوة؛ فيقول القاضي العالم أو الورع يقدمان على القوي. لماذا؟ لأنه إذا كان هذا القاضي العالم أو الورع مؤيداً بأقوياء، فبجانبه وزير حرب وبجانبه وزير عامة، فأنا لست محتاجاً أن يكون قوياً، هو محتاج أن يكون عالماً وورعاً، وليس محتاجاً أن يكون أقوى قدرة بدنية، لأنني أصلاً معيّن معه وزير حرب سيساعده، فبالتالي أنا أحتاج إلى علمه أو ورعه.
قال: «ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع»، فهنا الأكفأ يعني الأكثر قدرة بدنية أو قوة. إن كان القضاء لا يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي، أي لا يوجد وزير حرب سيساعده، فإنه يحتاج أن يكون قوياً في تنفيذ أحكامه؛ هنا سأقدم الأكثر قوة، لأن حاجتنا هنا إلى مزيد العلم والورع لا تكفي، فهو نفسه يحتاج أن يكون قوياً، فقوته البدنية وقدرته على إنزال أوامره ستكون أهم عندي من حاجته إلى مزيد العلم. هو بالتأكيد يحتاج قدرة بدنية مع وجود الحد الأدنى الأساسي من العلم والورع.
أحياناً هذه الأمور تحدث، أخواني، تكون عندك منطقة معينة 80% من مشاكل الناس فيها معروفة، فلان طلق زوجته، حكيت له كذا، فأنت تعرف مشاكل الناس. فهنا مشكلتنا لا تحتاج شخصاً عالماً جداً، بل تريد شخصاً يعرف كيف ينفذ. إذا كان السلطان وضع معي من ينفذ، فخلص، أولى أن يُعيّن الأعلم والأورع، والمنفذ هو وزير الحرب.
لكن إذا كان السلطان لم يضع معي من ينفذ، فما فائدتي كقاضٍ إذا كان حكمي لا يُنفذ؟ هنا المنطق أن أكون أنا قوياً وأستطيع أن أنزل الأحكام جبراً على الناس، وهذا مقدم على أن يكون عندي مزيد علم. لاحظ ماذا عبر، قال: «مزيد علم»، لم يقل «علم»، أي أنه لا يشترط أن أكون عالماً جداً، بل يكفي أن أكون قوياً إذا كان السلطان لم يعنِ أحداً يساعدني. فأنا هنا مقدم على غيري لأن عندي قوة بدنية. إذن «الأكفأ» هنا يجب أن نفسرها بالقوة البدنية.
وحتى قال: «والكفاية إما بقهر ورهبة وإما بإحسان ورغبة»، فهو يتكلم عن الكفاءة بمعنى معين. كلمة «الأكفأ» هنا قبلها «يقدمان على الأكفأ»، أي أن الأعلم أو الأورع يقدم على الأكفأ (أي الأعلى منه قوة) في حال كان له تأييد من جهة آل الحرب، فمثلاً قد أقدم الأقل على الأعلى لأن له تأييداً في هذه المنطقة، أو له شعبية، أو له تأييد من قادة الجند نحو ذلك.
ننتقل إلى الفقرة الثانية: «ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع». لماذا قال هنا «إذا»؟ لأن الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع، فإن القاضي المطلق -والقاضي المطلق هو القاضي الكامل 100% الذي عنده علم وعدل وقدرة- فإن أي صفة من هذه الصفات نقصت ظهر الخلل بسببها. والكفاية إما بقهر ورهبة، أي يقهر الناس ويرهبهم، وإما بإحسان ورغبة، أي يستمليهم ويضبط أمورهم. هناك فسر الكفاءة بمعنى ضيق، أي القدرة على التعامل مع الموقف، ولم يفسرها بالكفاءة التامة، لذلك أنا ملتُ لما ذكرته لك.
قال: وسُئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يتولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكم، قدم العلم.
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله علق تعليقًا جيدًا؛ ليس المراد بالجاهل الجاهل الصفر، فالجاهل يعني الذي ليس متخصصًا كثيرًا، أما الجاهل الصفر فما فائدته إذا وضعته في منصب قضائي؟
يقول الشيخ: «وليس المراد بالجاهل الجاهل المطلق الذي لا يعرف شيئًا؛ لأنه هذا لا فائدة منه أصلًا». فالكلام إلى عالم فاسق أو جاهل؛ المراد بالجاهل هنا طالب العلم المبتدئ الذي لا يزال في حكم الجاهل فعليًا.
فنقول: إذا كانت القضية تحتاج إلى ديانة أكثر من علم تخصصي، فالديانة هنا أنفع، خاصة في بعض الأمور البسيطة في حياة الناس، أما إذا كان الموضوع يحتاج إلى علم تخصصي، فإذا كان العالم المتخصص عنده فسق، فإني أقدم العالم المتخصص.
قال رحمه الله: «وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين؛ فإن الأئمة متفقون على أنه لابد في المتولي من أن يكون عدلاً، أهلاً للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا، أو الواجب توليه الأمثل فالأمثل؟ كيف ما تيسر، على ثلاثة أقوال، وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. ومع أنه يجوز توليه غير الأهل للضرورة إذا كان هو أصلح شيء موجود».
قال: «فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لابد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقتله عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها».
قال رحمه الله: ما معنى أن الاستطاعة للحج لا يجب تحصيلها؟ هل يلزمني أن أجمع مالًا من أجل أن أحج؟ لا. هل يلزمني أن أجمع مالًا حتى تجب علي الزكاة؟ لا؛ لأن القاعدة تقول: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب». أما إذا أصبح الشيء واجبًا في ذمته واستقر الوجوب، هنا نأتي لنطبق قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
قال رحمه الله: «فالمهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر».
فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين، قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته. وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب الذين هم نواب السلطان على الجند؛ ولهذا لما قدم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.
هذه السنة القديمة المتبعة عند النبي ﷺ والخلفاء الراشدين: أن الذي يتولى إمامة الناس في الجمعة والأعياد هو نفسه الذي يتولى قيادة الحروب (أمراء الحرب)، فيجمعون بين الدين والقوة العسكرية. حتى النبي ﷺ كان قائد الجيوش وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة، فكذلك أبو بكر وغيره، ولهذا لما قدم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة عرف المسلمون من سنة النبي ﷺ أن الذي يقدم في الصلاة هو الذي يقدم في إمارة الحرب، طبعًا إذا كان قادرًا عليهما.
قال: «وكان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا على حرب كان هو الذي يصلي بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة؛ كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًا، ومعاذًا، وأبا موسى على اليمن، وأبا سفيان وعمرو بن حزم على نجران، كان نائبه هو الذي يصلي بهم ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب، وكذلك خلفاؤه بعده من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد».
ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في هذا، وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشفِ عبدك يشهد لك بصلاتك، وكن له عونًا على عدوك». ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ، إن أهم أمرك عندي الصلاة». وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: «إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة».
ولذلك لأن النبي ﷺ قال: «الصلاة عماد الدين»، فإذا أقام المتولي عماد الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي التي تعين الناس على الطاعات، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وقال عز وجل لعبده ونبيه ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فالمقصود الواجب بالولايات هو إصلاح دين الخلق؛ الذي متى فاتهم خسروا خسارًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. هذه قاعدة مهمة؛ خلاصة المقصود من الولايات على الناس أولًا: إصلاح دينهم، ثم إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم.
فبالتالي الزراعات والمستشفيات والتعليم والحياة الاقتصادية هذه تبع لصلاح دينهم، وليست صلاحها هو المقدم والدين تبع لها. ولهذا يوجد اليوم خلل في كثير من الإسلاميين؛ أنه لما يروج لنفسه كإسلامي أو كمشروع متدين للحكم، هو يعد الناس بالدنيا، كأن يقول: سنعمل نهضة اقتصادية.
وسنعمل كذا، وسطيب. الدين يا شيخ؟ خلص الدين مش مشكلة، يعني هي المساجد موجودة والمشايخ يعطون دروس، وكان الدين هو مجرد شيء على هامش الحكم والسياسة، وأن المهم أن الناس فقط تشعر بالرفاه الاقتصادي والتقدم الحياتي بغض النظر عن التدين وكم حجمه في المجتمع. هذا الشيء يعني كل إنسان هو حر بمستوى تدينه، نحن ما لنا علاقة، المهم أن نحقق الرفاهية للمجتمعات.
هذا من أكبر الخلل الذي يدخل عند بعض الإسلاميين في وعودهم الانتخابية أو وعودهم الحكمية. يجب أن يفهم الناس أن أصل الولايات هي إصلاح الدين، ومنع المنكرات والفواحش في المجتمعات، وإقامة الجمعة، وجماعات، ونشر العلم النافع وما شابه ذلك، ثم إصلاح الدنيا التي تخدم الدين بإقامة المزارعين والحياكة والأطباء وما شابه ذلك؛ فإذا اختل الأصل اختل الحكم.
قال: وهو نوعان؛ قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتدي... وهو نوعان. الضمير يعود على إصلاح الدنيا، قال: «وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم». ما هو هذا الأمر الدنيوي الذي يحتاج؟ قال: وهذا وهو إصلاح الدنيا نوعان؛ قسم المال بين مستحقيه، هذا بالنسبة لبيت مال المسلمين والصدقات وما شابه ذلك، وعقوبات المعتدين، حتى تصلح دنياهم لابد من القصاص، ولا بد من حد السارقة، وحد الحرابة، وحد الكذا.
قال: «فمن لم يعتدي أصلح له دينه ودنياه». الشخص الذي ليس مستوياً مع الحاكم أصلحت له دينه ودنياه، ولهذا كان عمر يقول: «إنما بعثت عمالاً إليكم لأعلمكم كتاب ربكم وسنة نبيكم وأقسم بينكم». إذاً أول شيء، ما هي وظيفة العمال؟ التعليم، العلم الشرعي، وهذا إصلاح الآخرة، ثم «وأقسم بينكم»، هذا إصلاح الدنيا.
قال: «فلما تغيرت الرعية من وجه، والرعاة من وجه، تناقضت الأمور». فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله تعالى. فقد روي «بحسب الإمكان»، هذه كلمات ما تروح وتمر عليك.
قال: «فلما تغيرت الرعية من وجه»، واليوم حقيقة المجتمعات المعاصرة تغيرت من وجوه، مش من وجه، مع هجمات التغريب والثقافة التي فرضها الغرب والسلطة الغالبة علينا، حتى كثير من الملتزمين تغيرت. بالتالي هنا وظيفة الحاكم؛ يجتهد الحاكم في إصلاح دينهم ودنياهم حسب سقف الممكن، يعني ما ينفع يضغط ضغطاً يؤدي إلى فساد دينهم، بدّه يفهم طبيعة المجتمع الذي أنا الآن أحكمه، ما حجم الفساد الذي وصل إليه والتغيرات التي هو فيها، لأعرف سقف الممكن الآن، وفي النية «فاتقوا الله ما استطعتم».
قال: فقد روي: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة». وفي المسند للإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر». وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، حتى يخرج منه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».
الحديث الأخير، قال: وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق». وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: «الساعي على صدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله».
وقد قال سبحانه وتعالى لما أمر بالجهاد: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]. وقيل للنبي ﷺ: يا رسول الله، رجل يقاتل شجاعة، ورجل يقاتل حمية، ورجل يقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». أخرجه في الصحيحين.
فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه. وهكذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: 25]. فمن عدل عن الكتاب، أقام بالحديث، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف.
وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نضرب بهذا»، يعني السيف. من عدل عن هذا، عن المصحف؟ قال: فإذا كان هذا هو المقصود، فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب، وينظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود. وإذا كانت الولاية مثلاً إمامة صلاة فقط، قدم من قدمه النبي ﷺ: «يا أيها الناس، أقراكم لكتاب الله». وخلص، يعني الآن صار الموضوع بس إمامة صلاة.
طيب، فإن تكافأ رجلان أو خفي أيهما أصلح، أقارع بينهما. فالقرعة عند التساوي في المرتبة حل من الحلول الشرعية، كما أقارع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان، وتابعت لقوله ﷺ: «يعلم الناس ما في النداء»، بالصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا، فاستهموا. فأخذ سعد بن أبي وقاص من هذا إشارة إلى جواز القرعة، لأن الاستهام هو القرعة.
قال: فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -وهو ما يرجحه بالقرعة- إذا خفي الأمر، كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها. رحمه الله، فصل: القوة في الولايات.
نقرأها: فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -يعني بقرار السلطان وهو المراد به القرعة- إذا خفي الأمر، كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها. هذه خلاصة هذا الفصل؛ إذاً كيف تؤدي الأمانات؟ إما باتباع القواعد الشرعية، وهذا أمر الله، فإن أقدم الكامل، فإن لم يكن فالأصح إذاً المنصب بده لازم اجتماع الأمور كاملة بعين أكثر من شخص. طيب، إذا تشاجرت المرتبة في الصلاة بفعله -يعني بفعل السلطان وهو القرعة- يقرع بينهما حتى لا يظلم أحد على أحد. وهذا طبعاً صعب جداً التساوي التام في كل الخصال، يعني في العادة في مرجحات تظهر أنه هذا مقدم على هذا، لكن لو فرضنا فرضاً لم يظهر لي المرجح كما قال: «خفي الأمر»، ما عرفت المرجح.
بينهما عندئذ سأقرر حتى أكون فعلت أقصى ما يمكن أن أفعله في أداء الأمانات إلى أهلها. قال: «القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه وقوته على غيره».
ما هو الباب الثاني؟ الباب الأول كنا نتكلم عن وظيفة السلطان، وبينت أنها إقامة الأمراء لأداء الأمانات والعدل بين الناس. فإذا أردت أن تعمل تشجيراً لأداء الأمانات؛ فالصورة الأولى منها هي الولايات، والصورة الثانية من أداء الأمانات هي الأموال توزع بالشكل الصحيح.
قال: «القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه وقوته على غيره؛ فقوته على نفسه بالحلم والصبر». كما روي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ليس الشديد بالصّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، وهذا هو السيد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [النساء: 98]. وعن النبي ﷺ، عن الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين».
فبين النبي ﷺ أن الرجل الشديد القوي ليس هو القوي في بدنه الذي يصرع الناس ويغلبهم كثيرا، وإنما هو القوي في نفسه الذي يملك نفسه عند الغضب. وأما قوته على غيره، فهي الشجاعة في نفسه والخبرة وسائر أسباب القوة من الرجال والأموال، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60].
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
فبقوة ونصروا الله ورسوله وبهم يقوم الدين. وكثيرا ما يحصل للرجل إحدى القوتين دون الأخرى فيختل من أمره بحسب ذلك، ولهذا وصى العلماء لمن ولي القضاء وغيره من الولايات أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، بمنزلة كف الإنسان اجتمعت فيه القوة واللين؛ ليس يابساً في قوته كالحجر، ولا كالعظام، ولا كالدم والماء.
فإن من كان قوياً على الناس ولم يكن قوياً على نفسه، حتى يكون حليماً كريماً ليناً للناس صبوراً على أذاهم، كان فيه من الهلع ما يصور به عسفاً لهم ولنفسه حتى قد تهلكه شجاعته وظلمه. ومن كان قوياً على نفسه مخالفاً لهواه، إلا أنه ليس فيه قوة على الناس وسلطان يحملهم به على الحق، خرجوا عن الحق ولم يؤدوا الواجبات ولم يتركوا المحرمات.
وقد يكون رجلان متصفين بالصفات الحميدة، وبعضهم أكمل في بعضها من بعض؛ فإن الخلفاء الراشدين كل منهم موصوف بالفضائل التي سبقوا بها الخلق. وكان عثمان وعلي رضي الله عنهما متفاضلين في الحلم والشجاعة، وفي الزهد في المال والزهد في الرئاسة، وفي الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، وفي العلم بالكتاب والعلم بالسنة؛ فيظهر فضل أحدهما في أحد النوعين كما يظهر فضل الآخر في النوع الآخر. وكما يظهر فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في عامة ذلك، وكما يظهر فضلهم رضوان الله عليهم على من سواهم في عامة ذلك، وكما يظهر هدي محمد ﷺ على هدي موسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين.
وهؤلاء الأربعة هم الذين يجب على المسلمين عموماً، وعلى العلماء والأمراء خصوصاً، أن ينظروا في سيرتهم ويقتدوا بهديهم بعد النبي ﷺ. فإنه قد ثبت في السنن عن العرباض بن سارية أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ضربت منها العيون ووجدت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه خطبة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى، وعليكم بسمعي وطاعتي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».
وثبت أيضاً في السنن عن سفينة مولى النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: «تكون الخلافة من بعدي ثلاثين سنة، ثم تصير ملكاً». وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الذي شهد له المسلمون بأنه كان خليفة راشداً، يقول: «سن رسول الله ﷺ وولاه الأمر بعده سنناً؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا نظر في رأي من خالفها؛ فمن اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خلفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصله جهنم ومأواه».
وهذه الأصول الثلاثة: كتاب الله، وسنة رسوله، وسبيل عباده المؤمنين، هي دين الله وصراطه المستقيم وحبله المتين، الذي هو أفضل الأديان، وأهله أكرم الأمم على الله، وخير أمة أخرجت للناس، وأوجب على أهل الأرض الدخول فيه علماً وعملاً؛ بحيث لا يخرج منه ما دخل فيه، ولا يدخل فيه ما خرج منه. نسأل الله العظيم أن يهدينا إليه كله، ويثبتنا عليه بطاعة ظاهرة وباطنة، وسائر إخواننا، إنه جواد كريم.
قال رحمه الله: فصل؛ القسم الثاني من الأمانات: الأموال، كما قال الله سبحانه وتعالى في الديون: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: 283]. ويدخل في هذا القسم الأعيان والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك والموكل والمضارب، ومال المولى لليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك. وكذلك وفاء ديون أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصدقات النساء، وجور المنافع ونحو ذلك. وقد قال الله: ﴿وَصَدُقَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 4]، والمراد بصدقات النساء مهورهن.
وقد يدخل في هذا القسم الأعيان، والأعيان هي السلع نفسها؛ لأن هناك أعياناً وأموالاً، فالأعيان ك السيارات والأثاث والعقارات، هذه الأعيان يجب أن تعطى لأهلها ولا يتعدى عليها أحد. ثم بعد الأعيان ماذا قال؟
الديون الخاصة، سواء كان دينا من شخص لشخص، أو الديون العامة، والله شخص مطالب بدين لبيت مال المسلمين، أو صدقة لبيت مال المسلمين مثل رد الودائع، ومال الشريك يرد إلى شريكه، ومال الموكل والمضارب أن ترد الحقوق إلى أصحابها، ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، فالحاكم لا بد أن يتأكد أن أثمان المبيعات تُدفع، وبدل القروض يُرد إذا أحد أقرض شخصًا، فترد القروض. وصدقات النساء التي هي مهور النساء تُدفع، وأجور المنافع إذا استأجرت أجيراً لمنفعة تدفع أجرته؛ كل هذه الأمور يجب أن يقيمها الحاكم حتى تستقيم حياة الناس وإلا ضاع الناس.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21]. وقال تعالى في وصف المصلين: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: 23-32]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105].
وقال النبي ﷺ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». وقال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ». وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين وبعضه صححه الترمذي. وقال ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» رواه البخاري.
وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قُبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم. فإذا كانت الأمانات وهي أُخذت على وجه الحق يجب أن تُرد إلى أهلها مثل الودائع والأموال التي أُخذت على وجه الحق للمضاربة وما شابه ذلك، فما بالكم بالأموال التي أُخذت على وجه الظلم؟ فهذه أولى أن يردها الحاكم إلى أهلها، كالأموال التي أُخذت غصبًا وسرقة وخيانة.
قال وكذلك أداء العارية، وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال في خطبته: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ». إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث. العارية يجب أن تؤدى إلى صاحبها، والمنحة -وهي ما كان يُعطى من الغنم حتى يتم استعماله في اللبن وما شابه ذلك، وهو نوع من أنواع العارية لكنها عارية فيها نوع من الاستهلاك ثم تُرد العنزة إلى صاحبها بعد أن تستفيد من لبنها فترة- والمنحة مردودة. والدين يجب أن يقضى، والزعيم وهو الكفيل، الزعيم غارم؛ يعني الكفيل غارم في حال أن المكفول عنه لم يؤدِّ، فما فائدة الكفالة والضمان إن لم تكن مسؤولًا عن الأداء؟
وهذا القسم يتناول الرعاة والرعية؛ فعلى كل منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه له. فعلى كل ذي سلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه في جبايات الأموال، كأهل ديون الديوان، أن يؤدوا إلى كل ذي سلطان ما يجب إيتاؤه إليه. وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون من جنس من قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 75]. فبعض المنافقين والاعراب كانوا إذا لم يعطهم النبي ﷺ مثل غيرهم يلمزون النبي ﷺ في التوزيع.
ليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأمور ما لا يستحقونه؛ أنت أخذت حقك، وانتهت القضية، إن كان الحاكم يتألف بعض القلوب للإسلام ويعطيهم زيادة، فأنت لا علاقة لك بقرارات الحاكم، المهم أنك أخذت حقك. ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق، كأن يمنعوا السلطان من أخذ زكاة أموالهم؛ هذه حقوق لازم تُدفع للسلطان وإن كان ظالمًا، لأن عليك زكاة مال لابد أن تخرجها، أو حقوق بيت مال المسلمين أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعوه.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسْهُمُ الأَنْبِيَاءَ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ». قالوا: فما آمرنا؟ قال: «فَبِيَعَةُ الأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ». هذا أمر فعل أمر، فمعنى ذلك عليك أن توفي ببيعة الأول فالأول من الخلفاء، ثم أعطوهم حقهم في النهاية، فإن الله سائلهم عما استرعاهم. وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي اخْتِلَافًا»، يعني تكالبًا على الدنيا واستئثار كل واحد بما عنده، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ».
وليس لولاة الأموال أن يقسموا بحسب أهوائهم كما يقسم الملك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء وليسوا ملاكًا. بالتالي، ولاة الأموال المسؤولون عن توزيع الزكاة، والمسؤولون عن توزيع الغنائم، والمسؤولون عن توزيع أموال بيت مال المسلمين، ليس لهم أن يوزعوا على أهوائهم، لا بد أن توزعها بالعدل وعلى الحقوق.
قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ». يعني لست أنا صاحب القرار في من أعطي ومن لا أعطي، وإنما أنا موزع وفق ما أمر الله، فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته هو ولا باختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي له التصرف في ماله؛ أنت مالك لمالك الشخصي، تعمل فيه بما تريد بالحلال، تريد أن تعطي فلانًا أو لا تعطي، فهذا مالك الشخصي. لكن بيت مال المسلمين والصدقات، هل هي ملك للحاكم؟ لا، هذه ليست ملكك، أنت فقط مستأمن أن توزعها، فليس لك أن توزعها إلا كما أمر الله، وإنما هو عبد لله يقسم المال بأمره فيضعه حيث أمره ربه سبحانه.
وكذلك قال الرجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله؟ فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ هم الرعية، قال: كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا منهم مالًا -وهي ما يسمونها القطة- جمع منهم مالًا، يعني كل واحد وضع له مبلغًا.
وسلموه إلى واحد ينفق عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ يأخذ اللقطة ليلاً ما ينفع هذه أمانة أن ينفقها على المسافر، وكذلك أنا مع الراعية.
قال: وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب مال عظيم من الخمس، يعني خمس الغنيمة، فقال: إن قوماً أدوا الأمانة في هذا، أي أعجب بأمانة الجيش. قال: الذي رجع هذا الخمس، قيل كان تقريباً مليوناً أو مليونين، فلما رآه عمر قال: الذي أعطى هذا الخمس جيش أمين أنهم لم يسرقوه. فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله فأدو إليك الأمانة، لما كنت أنت يا عمر أمين رعيتك تعلمت منك الأمانة، ولو رتع لرتعوا؛ يعني لو خطت في الأموال ولعبت بها على هواك لرعوا راعيته.
وينبغي أن يعرف أن ولي الأمر كالسوق؛ ما نفق فيه جُلب إليه. هكذا قال عمر بن عبد العزيز. ولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جُلب إليه. إذا نفق فيه الأخلاق التي تظهر من ولي الأمر يكون مردودها إيجابياً على الرعية، أو سلبياً. إذا كانت أخلاق ولي الأمر عالية، فهذا تعليق على كلام عمر السابق أو ما قيل لعمر: «لما كنت أميناً هم أمنوا». ولي الأمر سوق، الأخلاق التي تروج فيه، هذا معنى تشبيهه بالسوق؛ الأخلاق التي تروج في ولي الأمر تجلب إليه الخير والمنافع من الرعية.
فإذا راجت فيه خلق الصدق والبر والإحسان، رعيته تعلمت فأتت إليه بالصدق والبر والإحسان، وإذا راج فيه الكذب والخيانة والنصب، رعيته صابه، ويروج في هذه الأخلاق، فأنت يا أيها الوالي سوق ما يروج فيك من الأخلاق جلب إليك. فإذا نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جلب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة جلب إليه ذلك. والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم يقول: «اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك».
قال رحمه الله: فصل، الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء. فأما الغنيمة فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال. سيبدأ التفصيل في الأموال، فقال: الأموال ثلاثة؛ غنيمة، وصدقة، وفيء. فالغنيمة هي التي تؤخذ من الحرب، والصدقة هي التي هي الزكوات التي تجمع من الناس، والفيء هو الذي يرد إلى بيت مال المسلمين من غير حرب، أما أراضي فتحت صلحاً، وأما الأراضي الخراجية التي يكون الحاكم بعد أن فتحها ووزعها على الناس يدفعون خراجاً، فهذا فيء كذلك يؤخذ أيضاً.
والفيء يعني مال ليس صدقة، باختصار كل ما جلب إلى بيت مال المسلمين مما ليس صدقة ولم يؤخذ غنيمة من حرب، أي مورد مالي آخر يسمى فيئاً؛ مثل الجزية، مثل ما حكينا ما يؤخذ من الأراضي صلحاً، ومن الأراضي الخراجية، ومن الركاز، كله هذا فيء. حتى ما يؤخذ مال يتيم يعتبر في بيت مال المسلمين، واللقطة التي لم يعرف صاحبها، ومال المورث الذي لم يترك أي وارث يصبح ماله لبيت مال المسلمين. فانت تستطيع أن تضبط الفيء: كل ما ليس غنيمة ولا صدقة فهو فيء؛ يدخل فيه كل الموارد الأخرى لبيت مال المسلمين.
قال: فأما الغنيمة فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال التي أنزلت في غزوة بدر، وسميت أنفالاً لأنها زيادة في أموال المسلمين، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1]، إلى أن قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]. وقال في أثنائها: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: 69].
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، منها أنها أُحلت لي الغنيمة». وأيضاً قال ﷺ: «وعُطست بالسيف بين يدي الساعة، ودُعيت إلى رزقي تحت ظل رمحي». وهذا هو موطن الشاهد من الحديث، أن من أعظم موارد المسلمين الغنيمة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي يعني الغنيمة التي تؤخذ من القتال في سبيل الله.
وفي الغنيمة تخميسة، وصرف الخمس منه إلى من ذكرهم الله في سورة الأنفال، وأربعة الأخماس تذهب إلى الغانمين. قال عمر بن الخطاب: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، من يأخذها من الغانمين؟ من شهد الوقعة سواء شارك ببدنه أو كان على جهاز المونة أو في الحراسة، وهم الذين شهدوا القتال، يجب قسمها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحد؛ لا لرئاسته ولا لنسبه ولا لفضله.
كما كان النبي ﷺ يقسم، ففي صحيح البخاري أن سعد بن أبي وقاص رأى فضلاً على من دونه، في معركة بدر رأى أنه أبلى بلاءً حسناً أكثر من دونه، فقال: «يا رسول الله، أنا بدي هيك، تعطيني هدية من الغنيمة زيادة لأني أنا عملت معروف أكثر من غيري». فالنبي ﷺ قال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟». ترى نحن انتصارنا كان بالضعفاء والمساكين، ما تفكر أن قوتك هي سبب النصر، أعطاه درساً.
وفي مسلم عن سعد، قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامي القوم، يكون سهمه وسهم غيره سواء؟ يعني الرجل يكون مفعوله في الحرب أكثر من غيره، يكون سهمه سهم غير سواء؟ قال: «أكلتك أمك، يا ابن أم سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟». إذاً في المعارك ما في تفضيل، أنه أنا قاتلت أكثر خلص، الغنيمة تقسم بالتساوي؛ سهماً، ثلاثة أسهم للفارس، وسهم للراكب، أما قضية أنه أنا والله قاتلت نصف ساعة زيادة، هذا ليس له علاقة في أي تفضيل.
قال: وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية وبين العباس لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر. لكن يجوز للإمام أن ينفّل نكاية كسرى، تسرت من الجيش، أو رجل صعد حصناً علياً ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله فوزم العدو ونحو ذلك، فإن النبي ﷺ وخلفاءه كانوا ينفّلون لذلك. الآن موضوع التنفيل، التنفيل هو الجوائز، هل ممنوع تماماً؟ جوائز الآن لمن قاتل أثناء المعركة، لمن قاتل أثناء المعركة في نفس الجبهة ما فيش جوائز؛ لأن الحساب تصبح صعبة، لأن قاتلت هنا، أنا معي سيف وأنت معك.
لكن التنفيل، أين محل الجوائز التي تجوز زيادة على نصيبك من الغنيمة؟ إن بعثت سرية عملت مهمة زيادة، أو شخص معين عمل المهمة الزيادة على كل الجيش، هنا يكون التنفيل، يعني إعطاءه جائزة زيادة على نصيبه لأنه عمل خدمة زائدة في المعركة.
قال: «وكان ينفّل في البداة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس». وهذا النفل قد قال بعض العلماء إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم في البداة. والبداة هي لما يكون الجيش مقبلًا على المعركة، أنا كقائد للجيش ممكن أبعث سرية استطلاعيه في البداة، يعني في بداية المعركة ولسه أنا مقبل عليها. والرجعة هي السرية اللي ببعثها وأنا راجع من المعركة على منزلي، أبعدت سرية لتحمي ظهري، أقول لهم: أنتم خليكم وراي تفقدوا الأمور وشوفوا إذا في أحد بحقنا.
أيهما أكثر خوفًا؟ التي في الرجعة، فلذلك نصيبها في التنفيل تعطى جائزة أكثر من السرية التي تكون في المطلع؛ لأنه السارية لما تكون أمامي وأنا باعثها وأنا وراها هي عارفة أني ماشي وراها، لو صار كمين نحن وراهم. لكن لما أكون أنا راجع على المدينة وخلص خليتهم وراي، يعني شوفوا تفقدوا لو صار فيهم شيء، أنا مش عارف شو راح يصير، ممكن يستشهدوا وأنا مش عارف عنهم، بالتالي المخاطرة فيها أكثر، فجعل نصيبهم من الجوائز أكثر فأعطوا الثلث نفلاً، لكن هؤلاء الذين في السرية في البداية يعطوا الربع، والثلث أعلى من الربع.
قال: «وهذا النفل قد قال بعض العلماء إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم إنه يكون من الخمس». الخمس لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض، وصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس وإن كان فيه تفضيل. وهذا النفل الآن اختلف الفقهاء في المذاهب الأربعة، سواء للسرايا أو لغيرهم من الجواسيس المسلمين، من أين يؤخذ؟ قال بعض العلماء إنه يكون من الخمس، حيث إن الغنيمة تقسم خمسة أخماس: أربعة للجيش والخمس هذا الذي ربنا قسمه. البعض قال يؤخذ من الخمس وفق اجتهاد الحاكم، يؤخذ من الخمس الذي لله ولرسوله وللمساكين على اجتهاد الحاكم. وقال آخرون لا يؤخذ منه، بل لا بد من تقسيم هذا الخمس إلى خمسة أقسام كما قسمه الله: لله، وللرسول، ولذوي القربى، ولليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فخمس الخمس سهم لذوي القربى، وسهم لله ولرسوله، وهو الذي يؤخذ منه التنفيل على رأي بعضهم.
قال: «لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض»، والصحيح يقول ابن تيمية: لا، إنه يجوز حتى من الأربعة أخماس، حتى أربعة الأخماس التي هي تبع الجيش، يجوز أن أعطي منها بعض الجوائز لمن أبلى بلاءً حسنًا. قال: «وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية أو نفسية، كما فعل النبي ﷺ غير مرة»، وهذا قول فقهاء الشام وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم.
وعلى هذا فقد قيل إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط، وينفل زيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: «من دلني...»، يعني الربع للسرية الاستطلاعيه والثلث للسرية الحامية، هذا لا يحتاج أن يشترط لهم ذلك، يقدر يعطيهم إياه ولو لم ينص على ذلك. أما إذا أراد أن ينفل الزيادة على غير السرايا، كأن يقول: «الذي يجيب لي رأس فلان أعطيه كذا»، أو «الذي يفتح القلعة الفلانية سأعمل له كذا»، فهذا يشترط له.
قال: «وقيل لا ينفل على الثلث ولا ينفل إلا بالشرط»، وهذان قولان لأحمد وغيره. وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: «من أخذ شيئًا فهو له»، كما روي. وقد يكون يقصد أنه أكثر ما يمكن أن ينفل هو الثلث، فإذا أراد أن ينفل أكثر من الثلث فهذا يحتاج إلى شرط. وقال: «وقيل لا ينفل زيادة على الثلث ولا ينفل إلا بالشرط»، يعني البعض يقول لا يجوز أصلًا أن يصل النفل أكثر من الثلث، وحتى الثلث لا يكون إلا بشرط، وهذا قول آخر.
وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: «من أخذ شيئًا فهو له»، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة بدر: «إذا رأى المصلحة راجحة على المفسدة»، وهو فكرة مثل فكرة السلب؛ أي شيء تجده على جندي خذه، وهذا لتحفيز المقاتل على الإكثار والإخفاف في العدو، فيكون حاط في باله أنه سيأخذ جائزة زيادة على الغنيمة.
قال: «وإذا كان الإمام يجمع الغنيمة ويقسمها لم يجوز لأحد أن يغل منها شيئًا، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، فإن الغلول خيانة». ولا تجوز النهب، فإن النبي ﷺ نهى عنها. قال: «فإن ترك الإمام الجمع والقسمة وأذن في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عدوان حل له بعد تخميسه، وكل ما دل على الإذن فهو إذنه». وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنًا غير جائز، جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحريًا للعدل في ذلك. ومن حرم على المسلمين جمع المغانم والحال هذه، أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما شاء، فقد تقابل الطرفان ودين الله وسط.
والعدل في القسمة أن يقسم للرجل سهم، وللفارس على فرس عربي ثلاثة أسهم، وسهم له وسهم لفرسه. هكذا قسم النبي ﷺ على الفارس؛ فإذا كان الفرس يكون له كذا، وإذا كان فرس عجمي يكون له سهمان فقط. ومن الفقهاء من يقول للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة ونفس وسائس، ومنفعة الناس به أكثر من منفعة الراجلين الذين يمشون على أقدامهم.
ومنهم من يقول يسوى بين الفرس العربي والهجين، ومنهم من يقول بل الهجين يسهم له سهم واحد، كما روي عن النبي ﷺ وأصحابه، وهذا مذهبنا مذهب الحنابلة: أن الفارس على فرس عربي ثلاثة أسهم، والفارس على فرس غير عربي أو فرس هجين سهمان، والماشي يأخذ سهمًا واحدًا. والفرس الهجين الذي تكون أمه نبطية ويسمى في هذا الزمان التتري، سواء كان حصانًا أو بغلة، يسمى الرمك أو الخصيا ويسمى الكديش.
كان السلف يعدون للقتال الحصان لشدته وقوته، ويعدون الحجر للغارة والبيات، لأنه ليس له صهيل ينذر العدو. والحجر هو الفرس، عرفتم؟ الحجر هي الأنثى من الخيل، كأنه الخيل للذكر والحجر للأنثى. قال وللسير الخصي، لأنه أصبر على السير. وإذا كان المغنم مالاً كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول وعرف صاحبه قبل القسمة، فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين. وتفريع الغنائم وأحكامها فيه آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك، وموضوعنا ليس هنا كيف توزع الغنائم، لكن المهم أنه كحاكم مسلم عليك أن توزع الغنائم بشكل الشرعي الصحيح.
أما الصدقات فهي لمن سمى الله سبحانه وتعالى في كتابه، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله من الصدقة، فقال: «إن الله لم يرضَ في الصدقة بقسم نبي ولا غيره، ولكن جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك». فالفقراء والمساكين يجمعها معنى الحاجة إلى الكفاية، فلا تحل صدقة لغني ولا لقوي مكتسب. والعاملون عليها هم الذين يجبون، فلا تحل صدقة لغني ولا لفقير قادر على الاكتساب، فكونك فقيراً لأنك نائم في البيت هذا لا يجعلني أعطيك من الزكاة.
قال والعاملون عليها هم الذين يجبونها ويحفظونها ويكتبونها ونحو ذلك. والمؤلفة قلوبهم سنذكرهم إن شاء الله تعالى في مال الفيء. وفي الرقاب يدخل فيه إعانة المكاتبين وفداء الأسرى وعتق الرقاب، هذا أقوى الأقوال فيها. والغارمين هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها، فيعطون وفاء دينهم ولو كان كثيراً، إلا أن يكونوا غرموا في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا. وفي سبيل الله هم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة، والحج من سبيل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وابن السبيل هو الذي يجتاز من بلد إلى بلد.
وأما الفيء فهو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر التي أنزلها في غزوة بني النضير بعد بدر، في قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 6-10].
فذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة، كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: 75]. فدل هذا على أن الفيء يكون للمؤمنين إلى يوم القيامة. ومعنى قوله: ﴿مَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ أي ما حركتم ولا سقتم خيلاً ولا إبلاً. كما قلنا هو كل مال يدخل إلى بيت مال المسلمين من غير الطريقين السابقين، هذا هو ضابطه العام، وسمي فيئاً لأن الله سبحانه وتعالى أفاءه عليهم مما رده عليهم من الكفار، هذا هو الأصل، لكن حقيقته ليس مختصراً أن يكون من الكفار.
فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباحوا نفوسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعبادة المؤمنين الذين يعبدونه، وأعاد عليه ما يستحقونه كما يعاد على رجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك. وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يصالح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين كالحمل الذي يحمل من بلاد النصارى ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب وهو العشر، ومن تجار أهل الذمة إذا تجروا في غير بلادهم وهو نصف العشر، هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ، وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي كان مضروباً في الأصل عليهم وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين.
ثم إنه يجتمع مع الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين كالأموال التي ليس لها مالك معين، وجلست فترة، في النهاية بيت مال المسلمين سيستعملها، مثل من يموت من المسلمين وليس له وارث معين، وكالضياع التي لا يعرف أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين سواء كان من العقار الثابت أو المنقول. وإنما ذكر الله في القرآن الفيء فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارث معين لظهور الأنساب في أصحابه، أما بعد ذلك لما دخل الأعاجم وتوسعت الدولة المسلمة أصبح يموت كثير من الناس لا يعرف أنسابه، وقد مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى كبير تلك القبيلة أي أقربهم نسباً إلى جدهم، وقد قال بذلك طائفة من العلماء كالإمام أحمد في رواية منصوص عنه. ومات رجل ولم يخلف إلا عتيقاً له، عبداً أعتقه، فدفع ماله لعتيقه وهذا ميراث بالولاء، وقال بذلك طائفة من العلماء، ودفع ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته تخيل بحكم الجوار والصداقة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه أدنى سبب كما ذكر.
ولم يكن يؤخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمر بأن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما أمر الله في كتابه. ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهده صلى الله عليه وسلم ولا على عهد أبي بكر، بل كان يقسم المال شيئاً فشيئاً، ولما كان زمان عمر كثر المال واتسعت البلاد فاضطر عمر أن يضع ديواناً ترتب فيه الأسماء، ويتم توزيع الأموال بناءً على الأسماء. وديوان الجيش في هذا الزمان مشتمل على أكثر ذلك الديوان، وهو أهم دواوين المسلمين، وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء لما يقبض من الأموال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات والفيء وغير ذلك. فصارت الأموال في هذه الأزمان وما قبلها ثلاثة أنواع: نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع كما ذكرناه، وقسم يحرم أخذه بالإجماع كالجباية التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال لأجل قتيل قتل بينهم إن كان له وارث، أو يؤخذ من الرجل على حد ارتكبه وتسقط عنه العقوبة بذلك مثل الضرائب، وقسم فيه اجتهاد وتنازع كمال من له ذو رحم ليس بذي فرض ولا عصبه.
وكثير ما يقع ظلم من الولاة والرعية، هؤلاء أي الولاة يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء وهم الرعية يمنعون ما يجب، كما قد يتألم الجند والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله ما لا يحل، وكذلك العقوبات على أداء الأموال، فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل.
والأصل في ذلك أن كل من عليه مال يجب أداؤه كرجل عنده وديعة أو مضاربة أو شركة أو مال لموكله أو مال يتيم أو مال وقف أو مال لبيت المال أو عنده دين هو قادر على أدائه، فإنه إذا امتنع من أداء الحق الواجب من عين أو دين وعرف أنه قادر على أدائه فإنه يستحق العقوبة حتى يظهر المال أو يدل على موضعه. فإذا عرف المال وصبر على الحبس يستوفى الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه، وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها، لما روى عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته». لي الواجد يعني مماطلة القادر على السداد، يحل عرضه يعني شكايته للقاضي، وعقوبته يعني أن ينزل عليه العقوبة. وقال: «مطل الغني ظلم»، والمماطلة تستحق العقوبة والتعزير، وهذا أصل متفق عليه أن كل من فعل محرماً وترك واجباً استحق العقوبة والتعزير، فإن لم تكن العقوبة مقدرة شرعاً كالحدود فإننا نذهب إلى التعزير، فيجتهد فيه ولي الأمر، فيعاقب الغني المماطل مثلاً بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح، سأل بعض اليهود عن كنز حيي بن أخطب، فقال: «أذهبت النفقات والحروب». فقال: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك». فدفع النبي صلى الله عليه وسلم سعياً إلى الزبير بن العوام، فمسه بالعذاب، فقال: لقد رأيت حييّاً يطوف في هذه الخربة، روحوا دوروا فيها بتلاقوه. فطافوا فوجدوا المسك، كانه جلد معبأ بالذهب.
هو زي جراب، ومبا كان بالذهب وذا، وهذا الرجل كان ذمياً، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق. وكذلك كل من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة وغير ذلك، عوقب على ترك الواجب. أنا أريد معلومة أمنية من شخص وهو غير راضٍ أن يحكيها لي، أن أضربه حتى يعترف؛ هذا هو الواقع، بس المهم شيء أن يكون هذا بحق، يعني هي فكرة المشكلة، تطبيقها الذي يكون على وجه الظلم.
نعم، قال: ما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، قال بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم؛ كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: هدايا العمال غلول. نعم، هي رشاوى، الرشاوى التي تذهب لمسؤول الصدقة ومسؤول المال، هذه غلول، نوع من أنواع المال الحرام السحت. قال: وروى إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هدايا الأمراء غلول».
وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، ويقال له ابن اللتبية، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال رجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟». حديث معروف ومر معنا.
وكذلك محاباة الولاة في المعاملة؛ نعم، من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقات والمزارعة ونحو ذلك، هو من نوع الهدية. ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة، وإنما شاطر لما كانوا خصوا به لأجل ولاية ومحاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية. فلما تغيرت، تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه ويترك ما حُرِّم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له.
وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذ منهم عوضاً على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب إليهم من هذا؛ فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره.
إنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها؛ من تبليغ السلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسده بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم. في حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام».
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا». قال وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: السحت أن يطلب الرجل الحاجة للرجل فتقضى له، فيهدي إليه فيقبلها.
قال وروى أيضاً عن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبها وصفاً فرده عليه، وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة، فأهدى له عليها قليلاً أو كثيراً، فهو سحت. فقلت يا أبا عبد الرحمن: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر.
فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذويه، فلا ينبغي إعانة واحد منهما؛ إذ كل منهما ظالم، كلص سرق من لص، وكطائفتين مقتتلتين على عصبية ورئاسة، ولا يحل للرجل أن يكون عوناً على ظلم، فإن التعاون نوعان: تعاون على البر والتقوى؛ من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله، وإن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة فقد ترك فرضاً على الأعيان أو على الكفاية متوهماً أنه متورع، وما أكثر ما يشتبه الجبن والبخل بالورع إذ كل منهما كف وإمساك. والثاني تعاون على الإثم والعدوان؛ كإعانة على دم معصوم أو أخذ مال مغصوب أو ضرب من لا يستحق الضرب ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله.
نعم، إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية، فأعن على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين؛ كالثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى. إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم، أن يصرفها -مع التوبة إن كان هو ظالماً- إلى مصالح المسلمين، هذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو المنقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلت الدلالة الشرعية كما هو مبسوط في موضع آخر، وإن كان غيره قد أخذها فعليه هو أن يفعل بها كذلك، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أهلها أولى من تركها بيده ومن يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين.
فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] المفسّر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما، هو المشروع دائماً. قاعدة عامة دائماً يقررها شيخ الإسلام، أن الفقيه هو الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين، ويحصل أعظم المصلحتين وإن فاتت أدناها، ويدفع أعلى المفسدتين وإن حصل أدناها.
والمعين على الإثم والعدوان هو من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم، بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم. مثال ذلك ولي اليتيم وولي الوقف إذا طلب ظالم منه مالاً، فاجتهد في دفع ذلك بما هو أقل منه إليه أو إلى غيره؛ بتصير كثيرة في هذه الأزمنة، أنه أنا مسؤول عن يتيم أو مسؤول عن وقف أو مسؤول عن مركز علمي أو أي شيء، تأتي جهة ظالمة تريد أن تستولي أو تضع يدها عليه. الآن أنت تحتك مال للوقف أو مال لهذا المشروع، يصير بدون ما أستأذن أصحابي وكذا؛ الناس تبرعت للمشروع من أجل أن تخدم، أو للوقف من أجل أن تخدم، أتى شخص ظالم يريد أن يضع يده على المشروع، فأنا قلت له: عمي شو رأيك أعطيك ألفي دينار والله يسهل عليك، بتعرفوا هؤلاء الذين يأتون يلفلفون تراخيص وشباب وكذا، شو أموركم طيبة.
فأنت أحياناً، طيب يعني أنا أعرف أنه في إجراءات جائرة ظالمة وأنا أريد أن أدفعه عن هذا المركز العلمي أو القرآني أو الشرعي من أجل أن يستمر العمل الدعوي، هل يجوز من مال التبرعات الموجود لدي أعطي هؤلاء الموظفين حتى أفتك منهم يرجعوا إلى أسيادهم؟ هو يقول لك، ويبشر لك أحياناً: يعني خمسين ليرة يا شيخ بتمشي أموركم، إن شاء الله بظل مركزكم فاتح. يجوز، لأن هؤلاء ظالمة يريدون أن يغلقوا أبواب الخير، فإذا استطعت أن أدفعه بشيء من المال أدفعه. بعض الناس يقول هنا لا لازم أتورع لأن هذه أموال، الآن إذا في حلول أخرى أكيد لازم تتورع، لكن إذا أصبح هذا هو الحل الوحيد فأنت بين أمرين، يا أن المال فعلاً ما راح يُدفع لهؤلاء بس رح يتوقف مشروع، أيهما المصلحتين أعلى؟ استمرار المشروع مقدمة على دفع شيء من المال لصرف هؤلاء الفاسدين عنك.
فيقول لك ابن تيمية مثلاً: ولي الوقف المسؤول عن الوقف إذا طلب ظالم منه مالاً، تمام؟ وإلا بسكر لك وقفك؛ هيك الفكرة، يا بتدفع مال يا بسكر لك وقفك، فاجتهد في دفع ذلك بما هو أقل منه إليه؛ إليه يعني إلى السلطان أو إلى غيره. طبعاً هي فكرة مهمة أنه أنا هذا الموظف الذي جاء يأخذ رشوة من جهة معينة أنا مش أبُحبحه كثيراً كمان، يعني تفضل هي ٥٠٠، إذا كانت ٥٠ ليرة ترضيه ما تبحبح، لذلك قال في دفع ذلك بما هو أقل، يعني ايش أقل مبلغ ممكن أدفعه حتى أدفع هذا الظالم؛ بدفع الأقل، لأنه هي في النهاية أموال وقف أنا مسؤول عنها، مش مالي الشخصي حتى أتوسع في دفعي الرشوة، لهو صحيح، هذا ننتبه له، إذا كان ترضيه ٥٠ بعض الشباب يا شيخ خلنا أعطيه ١٠٠، لا لا مش بقرارك، يعني هذا مش مالك. يعني ما هو أقل مبلغ يمكن تدفعه؟ خلص ترضيه بهذا المبلغ، هذا فقه لا بد منه.
قال بعد الاجتهاد التام في الدفع، يعني أول شيء أحاول أصده أشغله، إذا استطعت أن أروحه بدون ما أدفع له نعم لا يجوز أن أدفع له، فبعد الاجتهاد التام في الدفع ما استطعت إلا بمبلغ أن أرده، تدفع المبلغ على قدر الحاجة والضرورة.
طيب شيخ، نرجع لأثر ابن مسعود، أي أثر صفحة ٦٧؟ يعني سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة فأهدى له عليها قليلاً أو كثيراً فهو سحت. يعني الأصل إذا أنت بجاهك دافعت عن أخيك ورددت عنه مظلمة ما بصير تقبل منه مالاً ولا هدية، وهذا ورد فيها الحديث أنه هذه أمور خيرة يجب أن تبقى خيرة، يعني هو مش أتى استأجر على مهمة، لا لا، أنت بذلت جاهك، فهو أعطاك مقابله مثلاً أموالاً، هذا الأصل أنه سحت. لذلك قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر؛ يعني ظاهر أنه كفر دون كفر، يعني شكل من أشكال كفر النعمة التي هي كفر المعاصي.
الأصل في الإنسان إذا بذل شيئاً بجاهه لا يقبل شيئاً على ذلك، لأنه هذا نوع من أنواع الربا كما ورد في بعض الأحاديث، سحت الربا بالمعنى العام: من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له عليها هدية فقبلها فقد تقحم باباً عظيماً من أبواب الربا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يكون إذا بذل جاهه، تمام؟ الجاه لا تأخذ عليه مالاً، خلص هذا لله، كيف القرض عقد إرفاق، عرفت؟ لكن قد يتوسع البعض، فيقول: إذا كانت الهدية مقابلاً، لكن أحياناً ممكن شخص يعمل لي معروف وخدمات كثيرة، يعني نعمل عزومة وليمة عامة وندعي الناس اللي كان لهم فضل في هذا الموضوع من باب الشكر، البقة هذه فيها سعة إذا كان، لكن أن يكون مقابل الجاه لا، يمكن نقول كلاهما معصية، لكن رشوة في الحكم تصل إلى أن تكون كفراً أصغر، هذا هو المقصود.
أنت قصدك فقلت يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال ذاك كفر، يشير إلى أن الرشوة في الحكم أسوأ من قضية أن تعطي هدية مقابل شفاعة، يعني من رد عن مسلم ظلماً فأعطاه مالاً هذا سحت، أما الرشوة في الحكم فهي أسوأ من هذه فهي كفر، لكن المراد طبعاً كفر النعمة وهو شكل من أشكال كفر دون كفر.
قال وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يطلب منهم، لا يتوكل للظالمين في الأخذ. وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة، فتوسط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها عليهم قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء بل لهم في الدفع عنه والإعطاء كان محسناً لكن.
الغالب أن من يدخل في ذلك؛ مثلاً زي المحامين، إذا أنا محامي مثلاً وكيل المالك، وكيل المالك هنا المحامي خلينا نقول عموماً أو المسؤول عن الجمع الذي يجمع للمالك أمواله، ما بصير تتوكل في قضية ظالمة. وكيل المالك والمحامين إذا أنت عارف أن موكلك نصاب ما بصير أنت تكون وكيل عنه في جلب المال له أو في الدفاع عنه أمام القضاء، وتقول يا أخي أهم شيء آخذ النسبة، أنت بتدافع عن شخص أنت عارف أنه ظالم، قال: فلا يتوكل للظالمين، ما بصير تتوكل لشخص أنت عارف أنه ظالم.
وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب، درب يعني شارع، أو أهل سوق أو مدينة، فتوسط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها عليهم قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء، بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعطاء، كان محسناً. إيش يعني؟ يعني هناك ظلم على قرية فتوسط لأن يدفع عنهم بأقل، فتوسط رجل في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها عليهم قدر طاقته من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء. يعني تدخل الآن في مظلمة وضعت على قرية معينة، السلطان ظلمهم بشيء معين، تدخل رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها عليهم بدل ما يدفع الآن، هي كلها مظلمة، هي كلها ظلم أصلاً، بس هو هذا الرجل بده يخفف شوي. قال لهم: أنا مش قادر أرفعها عنكم كاملة، بس ممكن أشفع لهذا السلطان أنه يخليها إيش؟ تقسط، فقسطها عليهم بدل ما يدفعوها مرة واحدة مع ظلم أصلاً من البداية، خلص يا حاكم خليهم يدفعوها على خمس سنين، الحاكم ممكن يرضى تمام، فقسطها عليهم قدر طاقتهم من غير محاباة لا لنفسه لهذا المتوسط ولا لغيره ولا رشوة، بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعطاء، قال: خلص أنا يا حاكم بجيبها منهم كل شهر، أجيب لك منهم ١٠٠ دينار؛ يعني من باب أنه يخفف عن هؤلاء، وإن كان كلها مظلمة، قال: كان محسناً، وفي النهاية عمل معروف، يعني كانوا رح يدفعوها مرة واحدة، أنا خففت حجم الظلم بس أنا ما رفعت الظلم بس خففت حجمه أنه يستطيعوا يدفعوها على التقسيط، جزاه الله خير، هذه طاقته.
ما تتوكل عن الظالمين، لكن إذا كان ممكن تتوكل عن من باب أنا ما أظن استثناء أكثر من قضية، وكذلك بل توكل لهم وتوكل عن مظلومين، هو مش عن ظالمين، أنا فاهم تصورك بس أنا أعتقد أنها مسألة أخرى، قال: وكذلك عم بذكر أكثر من مثال، طيب، لكن الغالب ويخيم، عفواً قال: من أعان المظلوم في ظلمه، قال: فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم، صح لذلك قلنا من أعان المظلوم على تخفيف حجم الظلم عنه، حتى ولو كان هو يشتغل عند الظالم أو بيعرفه، هو وكيل للمظلوم؛ لأن هو فعلياً هدفه تقليل الظلم الواقع على المظلوم. يعني شخص عليه مخالفات سير كثير، زي حالتي تمام، لو شخص قال خلص يعني قسطوها تمام بدل ما يدفعها مرة واحدة تمام، جزاه الله خير يعني بالنهاية خفف بدل ما تدفع مرة واحدة تدفع على التقسيط، طيب.
لكن الغالب قال: لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون للظالمين محابياً مرتشياً مخفياً لمن يريد، أحسنت، لكن بقول لك في الغالب بخبرتنا اللي هذا اللي بتدخل وكل لصالح الظالم، خلص أنت ادفع التقسيط وبس كذا وكذا وبكون متفق مع الظالم أن إحنا نعمل شغلة بعدين مش رح يدفع كاش، أنا بعمل حالي كأني أنا محسن فبفكر لي: آه والله هذا واقف مع طرفنا، بس أنا أصلاً متفق معك من أول أن يحط المظلمة، بتكون عبارة عن عصابات تكون في مؤسسات الحكم متفقين مع بعض كيف يتم أخذ الأموال من الناس، تمام زي قضية أسعار البنزين وأسعار الكذا، أنه واحد بيجي بيرفع يرفعوها مرة واحدة، بيجي شخص من الدائرة من دائرتهم نفسهم من الحلقة: لا يا جماعة ترى أنتم ثقلتوا على الناس، خلص بنزل لكم إياها الفترة هي قرش قرشين، بكون هم متفقين أنه هسا بنزلها بعد شهرين بترجع ترفع، أنت لما خففت الظلم على الناس أو القهر على الناس أنت مش من أجل الدفاع عن الناس، أنت متفق مع عصابتك بطريقة معينة حتى يرتفع بآلية معينة بس بعد شهر بتصير لف دورة، أنتم فاهمينها يعني؟ نعم.
قال: وهذا من أكبر الظلمات الذين يحشرون في توابيت من نار هم وأعوانهم أشباههم ثم يقذفون في النار. قال رحمه الله: فصل، أما المصارف فالواجب أن يبت في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة كعطايا، فمنهم المقاتلة الذين هم أهل النصرة والجهاد وهم أحق الناس بالفيء؛ لأنه لا يحصل إلا بهم، نعم. فبالتالي لازم نضع مرتبات للعساكر، لازم يوضع مرتبات من الفيء، الآن قديماً كانت الغنيمة هي كل شيء في جهاد بتروح بتغنموا وبتوزع عليكم، لما أصبحت الدولة المسلمة تحتاج إلى جيش نظامي سواء في معركة ولا فيش معركة، صار لازم من الفيء نضع رواتب للضباط والعسكريين وما شابه، طيب، حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء هل هو مختص بهم أو أو مشترك في جميع المصالح؟ البعض يقول الفيء لا يكون إلا للرتب العسكرية من باب المحافظة على الجيش، هذا وصل القول لبعض الفقهاء لهذه الدرجة، طيب.
قال: وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقاً، أنا ألاحظ أن ابن تيمية يفرق بين الفيء والأموال السلطانية، يعني هو يجعل الفيء مما أخذ من الكفار والأموال السلطانية التي أخذت من ميراث لم يوجد له أو ركاز أو شيء، ألاحظ أنه يسميها أموالاً سلطانية، يعني ما كان داخل الحكم إلا لأن أخذت من الحكم الإسلامي، فألاحظ أن الفيء يخصه بما أخذ من الكفار بغير قتال، والأموال السلطانية هو مصطلح يطلقه على ما أخذ من لقطة أو ما شابه ذلك، طيب، قال: فلجميع المصالح وفاقاً إلا ما خص به نوع كالصدقات والمغنم، أكيد فالصدقات لها مصارفها والمغنم له مصارفه، قال: ومن المستحقين ذو الولايات عليهم كالولاة والقضاة والعلماء والسعاة، أكيد كذلك يجب أن تضع رواتب شهرية للوالي حتى يستمر في ولايته، القضاة، العلماء، المفتين، السعاة اللي هم مسؤولون عن جمع الزكوات، هؤلاء كلهم توضع لهم، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين، ماشي، الأصل أنه يكون مجانياً بس الواقع يثبت أنه هذا مش عملي، يعني لا بد في النهاية أنه يتم تعيين موظفين بشكل دوري أنه هذا بده يمسك المسجد ويتولى أمره فهو يحتاج إلى قوت، وكذلك صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من ماذا؟ من سداد الثغور بالكراع والسلاح، الكراع يعني الخيل وعدتها، وعمارة ما يحتاج إلى عمارة من طرقات نبني جسوراً، نبني شبكة شبكات كهرباء، شبكات مياه، هذه كلها مصارف للفيء وللأموال السلطانية، طيب.
قال: ومن المستحقين ذو الحاجات، فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون في غير الصدقات كالفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، منهم من يقول يقدمون، ومنهم من قال المال استحق بال يعني الآن ذو الحاجات اللي هم الفقراء والمساكين، أسألهم من الزكوات، طيب طب من الفيء هل يأخذون؟ وإذا أخذوا هل هم مقدمون على غيرهم في الأخذ؟ ولا بقول لا؛ هذول فقط ما دام يأخذوا من الزكوات مالهم من الفيء، يقول: من المستحقين ذو الحاجات يعني الفقراء والمساكين، فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون في غير الصدقات كالفيء ونحوه على غيرهم أم لا؟ لا يقدمون بس هم يقدمون في الصدقات، أما في غير الصدقات فإنهم مثل غيرهم، ممكن لا أحياناً أقدم بناء جسر على إعطاء فقير، ممكن أقدم ثغر على إعطاء فقير، طيب، قال: ومنهم من قال المال استحق بالإسلام فيشترك فيه كما يشترك الورثة في الميراث، والصحيح أنهم يقدمون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقدم ذوي الحاجات كما قدمهم في مال بني النضير.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو رجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته، فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام، ذو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال ومن اللي هم اللي عملوا أشياء كبيرة، ذو السوابق اليوم يا جماعة سوابق، مفهومها غير جيد، السوابق الجنائية، هون ذوي السوابق لا، المسابق إلى الإسلام، اللي كان لهم أثر كبير في وجود الدولة، الآن في أي دولة حتى تقوم ربما هناك ناس ضحت كثيراً، تم ودفعت ثمناً باهظاً تمام مثلاً زي الشام، زي فلسطين، في غزة، مصر، الله الجميع، تجد في ناس يعني قام على أكتافهم النظام وهم ضحوا وبذلوا، فهؤلاء من يأخذون ليس كما يأخذ غيرهم؛ لأن هؤلاء لهم أفضلية السبق، ولذلك عمر كان يعطي السابقين للإسلام ليس كما يعطي من أسلم في الفتح مثلاً.
أيضاً قال: ومن يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم كساسة والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين والدنيا والآخرة، ومن يبلي بلاء حسناً في دفع ضرر عنهم كالمجاهد في سبيل الله من الأجناد والعيون الذين هم القصاد مناصحته فقد أغنى الله به نعم، وإلا أعطي ما يكفيه أو قدر عمله. الآن هؤلاء جميعاً سواء قاضي ولا من الساسة ولا كل من ذكرنا أنه أو أئمة أو مؤذنين، إذا واحد قال لك: يا عم أنا بشتغل للدولة متبرع، جزاه الله خير، إذا واحد قال لك: أنا بشتغل مفتي متبرع أو قاضي متبرع أو والي متبرع، يعني بغض النظر، جزاه الله خير، وإلا إذا لم أحد يتبرع بالوظيفة أعطي ما يكفيه أو قدر عمله، أما تعطيه على قدر الكفاية التامة، وهذا عاد في السلطان يعطى على قدر الكفاية التامة حتى عينه ما، يعني قدر الكفاية قد يكون أعلى من قدر عمله، يعني هو ممكن يكون عمله مش كثير كبير بس أنا بدي بدي أشبعه مشان ايش؟ لا تنظر عينه إلى ما في أيدي الناس، فيعطى على قدر كفايته أو على قدر عمله، بتصير هنا قضية فيها نظر واجتهاد. وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل وبحسب حاجته في مال المصالح وفي مال بالصدقات أيضاً، فما زاد ذلك على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نظراؤه ما بعد حاجته أو ما بعد منفعته يصبح مستوياً هو مع الجميع مثل أن يكون شريكاً في غنيمة أو ميراث، طيب.
قال: ولا يجوز للإمام أن يعطي أحداً ما لا يستحقه لهوى نفسه من قرابة بينهما أو مودة ونحو ذلك، فضلاً عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه كعطايا المخنثين من الصبيان المردان الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا والمغنين والمساخر، والمساخر المهرجين هذول نعم، أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم، لكن يجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه وإن كان هو لا يحل له أخذ ذلك، كما أباح الله سبحانه وتعالى المؤلفة قلوبهم؛ رجل فاسد، زعيم قبيلة ممكن الحاكم يعطيه من أجل أن يكسب ولاءه للنظام وإن كان هو رئيس القبيلة آثم في أخذ هذا المال؛ لأنه الأصل يكون ولاؤك للنظام لله ورسوله، مش مشان نعطيك مصاري حتى يكون ولاؤك للنظام، فإن أنا كحاكم اضطررت أعطي رئيس العشيرة الفلانية مالاً حتى يبقى ولاؤه إلي، فأنا حلالي أعطيه، بس هو حرام عليه يأخذ، حلالي أعطيه لأنه أنا مصلحتي أن يستتب الأمن والحكم، لكن هو حرام يأخذ، أنه هو كأنه بلسان حاله يقول: أنا لن يكون ولائي لك إلا إذا شبعتني، طب ليش ما يكون ولاؤك لي بدون ما أشبعك؟ مش الأصل أننا مجتمع مسلم واحد؟ فلذلك يقول حلال الحاكم يعطيه وإن كان هو حرام عليه أن يأخذ، وهذه لها نظائر كثيرة كالذي يجبر الناس على دفع الرشوة فيصبح الإنسان حلالاً له أن يدفعها لكن الموظف اللي أخذ الرشوة حتى يروح حرام يأخذها، هذه فكرة لها نظائر في الشريعة، طيب.
قال: كما أباح الله سبحانه وتعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه، وهم السادة المطعون في عشائرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعيينة بن حصن سيد بني فزارة، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري سيده بني كلاب، ومثل سادات قريش من الطلقاء كصفوان بن الطلقاء، اللي هم اللي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، أسلموا فتح مكة مثل صفوان بن أمية، وعكرمة وأبو سفيان وسهيل والحارث، هؤلاء كلهم أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم لتأليف قلوبهم. طيب، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث علي وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن حصن الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي أحد بني نبهان.
هنا طبعاً انتبه على قضية، ولما قال شيخ الإسلام حرام على ذلك أن يأخذها، يعني هل نقول أن هؤلاء طب الصحابة زي صفوان بن أمية وسهيل اللي أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنيمة حنين فعلوا حراماً لما أخذوها؟ حقيقة متى نقول أنه حرام على ذاك الشخص ما أخذه رئيس القبيلة؟ إذا كان لا ينقاد للطاعة إلا بها، أما إذا رأى الحاكم تأليف قلب شخص معين مع أنه هو بادر للطاعة عموماً لكن رأى أن يعطيه من باب زيادة بيت.
الإيمان هنا، لا أقول لذلك الشخص: الآخذ أنك فعلت حراماً؛ لأنه يقول لي: أنا باذل للطاعة، أنا ما حكيت أني ما راح أبذل الطاعة إلا بمال، لكن رؤية الحاكم أن هذا الشخص هو باذل للطاعة بس إيمانه ضعيف، خليني أقوي إيمانه بشوية مال، بعض الناس هذا الذي يصلحهم. فهؤلاء الذين أخذوا من غنائم الفتح نحن لا نقول أنهم أثموا فيما أخذوا؛ لأنهم لم يطلبوا ذلك، يعني لم يقولوا: أعطنا وإلا سنخرج عن الطاعة، فحتى فقط لا ينطبق عليهم ما ذكره ابن تيمية أنه يحرم عليهم الأخذ.
قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم». فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟». قال: ثم أدبر، أتأمنوني على أهل الأرض بالوحي وأنتم لا تأمنوني على تقسيم مبلغ من المال؟ ثم أدبر الرجل، طبعاً هذا الرجل كان هو من ضئضئ خرج الخوارج. نعم، قال: فاستأذنه عمر -ويرون أنه خالد بن الوليد- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
وعن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع؟ فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس، وما كنت دون امرئ منهما، ولا أنا أقل من عيينة والأقرع، ومن تخفض اليوم لا يرفع. اليوم نزلت يا محمد صلى الله عليه وسلم؛ راحت عليه، رح يضل كل الناس طول حياته يقول له: شايف يا عباس النبي صلى الله عليه وسلم شافك أقل من عيينة والأقرع، مشان هيك نزلك! فتمم له النبي صلى الله عليه وسلم فهمًا لهذه عقلية الرجل؛ هذا رجل بالنسبة له الشرف مهم، فقال: أعطوه حتى بكرة ما يغلبنا، والله يرضى عنه. يعني كان قال: والعبيد اسم فرس، قال: «أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع». العبيد فرسه.
والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم، فالكافر إما أن يرجى بإعطائه منفعته، كأسره أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المطاع في عشيرته يرجى بإعطائه المنفعة أيضاً، كحسن إسلامه، يعني تمسكه في الإسلام، أو إسلام نظيره، لما يشوفه إنه والله رئيس القبيلة، لأنه أسلم النبي سلم أعطاه، بصير رؤساء قبائل الأعراب هؤلاء تسلم، يقول لك: باخذ غنم شو بدك أحسن من هيك! أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، يعني أعطي لهذا القبلي مشان يجيب لي الصدقات من عشيرته، إنه في عشائر ما بتجي إلا بالخوف، فبدي زعيم يخوفها، فبرضه زعيمها مقابل إنه هو يجلب لي المال من قبيلته، أو من أجل نكاية في العدو، أريده مثلاً والله هالقبيلة على ثغر الشام، بعطيها زعيمها مقابل إنه ايش يكفي لي هذا الثغر ويحمي لي إياه، أو كف ضرر عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك، وهذا النوع من العطاء نعم.
قال: فإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيات. يعني هو البعض قد يقول: آه، وأنت بتعرف بعض الناس دائماً يتهم الحكام في عطائهم، هسه هو صح في الظاهر إنه أعطى أمراء وترك الضعاف وخص زعماء العشائر وترك ضعفاءهم ففقراءهم فهو كسياسة الملوك العلية الفاسدين، لكنه في الحقيقة والله يعلم المفسد من المصلح، الله بيعرف اللي بعطي لهؤلاء الزعامات من أجل تثبيت النظام الإسلامي ومن يعطي هؤلاء الزعامات مشان يثبت عرشه، يعني هي الصورة في الخارج واحدة، لكن الله يعلم المصلح من المفسد؛ مين اللي بعطي من أجل الإسلام، ومين اللي يألف القلوب من أجل حكمه وملكه. يبقى هو قائل: نعم، قال: فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد كان من جنس عطاء فرعون، وإنما ينكره ذو الدين الفاسد كذ الخوارج. يعني من الذي ينكر هذا العطاء ويقول: لا ما بصير، لازم يعطى هؤلاء كما تعطى رعيتهم؟ لا ينكر سهم المؤلفة قلوبهم إلا شخص ذو دين فاسد كالخوارج، اللي دائماً خلص، لا، دائماً اعتراض، اعتراض الخوارج نفسية ايش الاعتراض؟ لأنه أفقهم ضيق في السياسة والإله، فبس بدهم العدل اللي هم فاهمينه إنه عدل، ولا ينظرون إلى المصالح والعواقب.
نعم، قال: وكذا حزبه الخوارج، أنكروا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما قصد به المصلحة من التحكيم ومحو اسمه، ومحو اسمه لما محوا اسم أمير المؤمنين، مش قال يكتب أمير المؤمنين علي؟ قالوا: لا، أنت مش أمير المؤمنين. فالخوارج قالوا لعلي: ليش تمحوا كلمة أمير المؤمنين؟ س علي بن أبي طالب قال: امسحوا كلمة أمير المؤمنين مشان نعمل صلح مع معاوية رضي الله عنه وجماعته؛ يعني هذه أهم من كلمة أمير المؤمنين، يعني أن تصان الدماء والأعراض، مش هذه أهم من كلمة أمير المؤمنين؟ نحن بدنا هي مشكلتنا ليش ما انكتبت؟ لا، الخوارج كيف تمسح كلمة أمير المؤمنين؟ فخرجوا على علي من أحد أسباب خروجهم: كيف تمسح إنك أمير المؤمنين؟ أفق النظر والاصرار على صغائر الأشياء وعدم النظر إلى الأفق الرحب.
وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم، الآن خوارج كانوا والعياذ بالله يريدون أن يسبوا نساء جيش معاوية، يريدون أن يعاملوا معاملة الكفار، فعلي بن أبي طالب قال: لا يا عم هذا قتال، يعني بغي، خلِ نسميه بس مش قتال كفار. نعم، قال: وهؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم لأن معهم ديناً فاسداً لا يصلح به دنيا ولا آخرة. لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، طريقة تفكيرهم فاسدة لا تصلح ديناً ولا دنيا. وكثير ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل، فإن كلاهما فيه ترك؛ الجبن بخليك تترك، والبخل بخليك تترك، والورع الفاسد كذلك بخليك تترك، فيشتبه ترك الفساد لخشية الله تعالى بترك ما يؤمر به من الجهاد والنفقة؛ طيب جبناً وبخلاً. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع»، قال الترمذي: حديث صحيح. وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظناً أو إظهاراً أنه ورع، وإنما هو كبر وإرادة للعلو، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله وساجد للشمس والقمر قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى وهذا أبعد الخلق عن الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17].
وفي الأثر: أفضل الإيمان السماحة والصبر، فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، هي القوة، نعم والفزعة، نعم بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان من لم يقم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39]، ذكر الآيات التي تدعو إلى النفير في الجهاد وما شابه ذلك، وبين أن البخل من الكبائر، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180]، وكذلك الجبن، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: 16]، وكثير في الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: فلان لا طعنة ولا جفنة، يعني لا شجاعة ولا كرم، يعني لا جفنة لا صحن يقدم ولا طعنة بينفع، طيب. وقول: لا فارس الخيل ولا وجه العرب، تمام، لا هو فارس خيال ولا وجه عرب، يعني لا الكرم.
نعم، قال: لكن افترق الناس هنا ثلاث فرق؛ فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض أو الفساد فلم ينظروا في عاقبة المعادي، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها، فصاروا نهابين وهابين، وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويطعم؛ إنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يطعم سخط عليه رؤساؤه وعزلوه إن لم يضروه في نفسه وماله، وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة إن لم يحصل لهم ما يصلح آخرتهم من توبة ونحوها. يتق الفرقة الأولى من الولاة ولا بعرفوا بينحكى بأوساط إنه شوف الحاكم عينك، بدك تمشي أمورك تاكل وتطعم اللي حواليك، حتى ها في الدوائر الرسمية والحكومية إذا تعينوا مثلاً مسؤول على دائرة معينة يقولوا له: اسمع بدك تضلك في هالدائرة هالمعينة بدك تاكل وتطعم الشباب اللي حواليك، عمي إذا شافوك ماشي مستقيم زي ما قال ابن تيميه بروحوا اليوم الثاني؛ لأنه هالشغلة هيك هي، يعني هيك طبيعة هالوزارات والدوائر المقربة منها، بتاكل وبتطعم بتمشي أمورك، والله شافوك ورع: لا أنا ما باكل بالحرام ما بطعم الحوالي، أنا بمشي بالإجراءات القانونية، يقول لك: خلي الإجراءات القانونية تنفعك، وبعد شهر شهرين بتلاقي حالك تم عزلك؛ لأنه أنت ما مشيت مع العصابة الكبرى.
هذا هو، قال: فهذا إذا بده يمشي مع رغبة العصابة ولا يتولى المنصب إلا إنه ياكل ويطعم، هذه قال غلب عليه حب العلو في الفساد، وهذا باع دينه ودنياه تمام، فعاقبته عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة إن لم يحصل منهم توبة. فريق آخر عندهم خوف من الله ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحاً يحر... من ظلم الخلق وفعل المحارم، فهذا حسن واجب، لكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، آه القسم الثاني لا جماعة دينين فعلاً وعنده دين بس شو بقول لك؟ ما رح يزبط أني أضن في هذا الحكم اللي أفعل زي ما بفعل هذول النصابين إن أطعمي، طيب هل يفعل ذلك خلينا نمشي مع ابن تيمية؟ قال: إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنع أو يمنعون عنها مطلقاً، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أكمل، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل أو ضيق خلق عاضد لما معهم من الدين، فيقعون أحياناً في ترك واجب يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، وقد يكونون متأولين، وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، فهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل، لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يعفى عنهم في بعض ما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم، وقد يكونون من الأخسرين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، ولا يرى أن يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء.
هو أصلاً كل موضوع الورع هذا شو اللي جابه؟ الورع الفاسد هو مش إحنا كنا بنتكلم عن المؤلفة قلوبهم نعم، وأنه الحاكم لازم يعطيهم، وأنه اللي عنده رأي فاسد زي الخوارج هم اللي بيعترض في مثل هالامور، صح، فجأة انتقل موضوع الورع الفاسد، وشو فكرة الورع الفاسد؟ إنه بعض الناس بورع عن إعطاء، أحسنت، إنه بعض الناس رح يتورع عن إعطاء زعماء العشائر وحجة: لا لازم يكون عندنا ورع، ما بصير نبذل أموال الدولة من أجل هؤلاء نعطي زعماء عشائر وقبائل ونألف قلوبهم، أو نعطي كفار ونألف قلوبهم، لا ما بصير. ابن تيمية بقول لهم هذا ورع فاسد، مشوب أحياناً بجبن وبخل، تمام، بقول: لا هو الحاكم بخيل أصلاً، هو مش بده يعطيهم ديانة، لا هو بده يعطيه لأنه بده الأموال تضلها مكنزة عنده، فهنا استطرد ابن تيمية في أنواع الولاة، يقول لك: في والٍ بعد، قال لك: الورع الفاسد اللي بخلي الشخص ما بده يعطي المؤلفة قلوبهم من زعماء العشائر، استطرد لفكرة جميلة، يعني في استقصاء صور الولاة، في والٍ هو من البداية بده علو في.
الأرض وبده يستتب له العرش، مصلحته شخصه وهو والأعصاب اللي حواليه، إذا جاء يعينوا شخص بفهمه من البداية إنه بدك تاكل وبدك تعطيه، والطعم اللي حواليك اللي هي الفكرة اللي حكيناها أول شيء، بس كل هدف إنه يقل ويطعمه، ايش هو؟ انتفاع دنيوي للعصابة الحاكمة، فهؤلاء مصيرهم والعياذ بالله إذا لم يتوبوا عند الله عظيم.
النوع الثاني: حاكم أو إنسان عين في منصب وهو صاحب دين وتقوى لله وخوف من الله، لكنه يعلم ويعتقد أنه ما راح يستتب له الحكم إلا إذا فعل في الظاهر ما يفعله هؤلاء في الظاهر الحكام الفاسدين؛ شو عادته بطعم حواليهم شأن يستتب لهم حكمهم؟ هذا رجل دين يتولى الحكم في منطقة ما، هو عارف إن طبيعة الأنظمة اللي حواليه هيك قائمة، إنه ما راح تمشي الأمور إلا إذا بطعمي، فهو الآن إذا بده يعمل بالورع، يقول: "أنا بدي أمشي دغري وما راح أطعمي وما راح أعطي أحد"، شو راح يصير فيك؟ رح تنطحني.
إحنا فاهمين، جزاك الله خير، أنت دينان عندك ورع وما شاء الله عليك، بس للأسف طبيعة الظرف المعاصر اللي أنت فيه، إن كل الأنظمة الحواليك أو الناس اللي كانوا موجودين كانوا عايشين على فكرة: "ولاءنا ما بكون إلا إنك تدفع". هذا الحاكم بين نارين وبيعيش أزمة داخلية: "أنا إنسان تقي وبخاف رب العالمين، معقول أدفع مصاري لهؤلاء الزعماء ورؤساء العشائر الحوالي؟ والله صعب، مش هذا تبديد لمال المسلمين".
ممكن يجي الورع إنه يقول: "هذا يا أخي تبديد لمال المسلمين"، طيب بدي أنظر من الزاوية الأخرى، طب أنا لو ما أعطيتهم شو راح يصير؟ رح يشتغلوا فيك، حكمك وراء ويخرجوا عن طاعتك، وممكن يجيبوا حاكم يقلبوا عليك ويتفقوا مع حاكم آخر ينقلب عليك حتى يجي الحاكم الفاسد اللي بطعميه. طب أنا مش وجودي أنفع للرعية من إنه ينقلبوا علي بكره ويجي حاكم فاسد مكاني؟ أنا على الأقل إذا شبعتم، المساجد ينشر فيها العلم والوزارات تقوم عموماً بأمور دينه، يعني الأقل بتمشي أمور الناس 60-70% خير.
شو رأي ابن تيمية؟ الحاكم هذا ماذا ينبغي أن يتصرف؟ فهمتوا الآن شو جو هذا الحاكم وشو المشاكل اللي حواليه؟ ابن تيمية شو بقول؟ بقول: "أعطِ"، لأنه وجودك أنت الآن وأنت دين أفضل من إنه ينقلب عليك ويجيب شخص من شاكلتهم من جماعتهم، ويصير هذا -كما يسمونه- يعود الفساد كما هو، وتعود أنظمة التعليم فاسدة والدين يمنع.
أحياناً خلينا نتوسع شوي في السياسة، قد تضطر تعطي امتيازات لدولة أجنبية في بلدك، وفق النظام المعاصر، قد تضطر تعطي بعض الدول العربية امتيازات نفط في بلدك أو غاز أو ما شابه، ذلك واقع؛ لأنك إذا ما عملت هيك هم عبارة عن عصابات ومافيات في هذه الدول، يقول لك بده يعطينا نفط، طيب إحنا بنتفاهم معه، اليوم الثاني بطلعوا لك الأوباش والأحباش والناس، هذا بشتغلوا فيك وفي حكمك وبيعملوا مؤامرة حتى ينقلبوا عليك ويسقط حكمك. أنت كنت دين منيح، أنت الخيار الأفضل، الآن للناس إرضاؤك لدول معينة بامتيازات تعطيها لهم من النفط أو الغاز، ما يجي صاحب ورع فاسد.
اتقوا الله، عقلية الخوارج الموجودة الآن في كثير من الشباب المندفع، شايفين شو عمل؟ الله أعطى الدولة الفلانية نفط، شايفين شو عمل؟ أعطى الدولة الفلانية غاز، الله أكبر! لا، ما هو أنت مش فاهم السياسة. شوف ابن تيمية كيف وسّع عقل طالب العلم، إنه أنت الآن ضمن حالة معينة؛ هذا الشخص إذا ما عمل هيك، في الظاهر راح تقول طلع زيه وزي اللي قبله كلهم هذول أعطوا امتيازات لدولة، هو أعطى.
ابن تيمية بقول لك: لازم تفهم، في شخص هو بحب دينه بس مضطر، غير هيك ما راح تمشي، راح ينقلب عليه؛ وفي شخص لا، هو عميل وهدفه إن العرش والعلو له. في الظاهر هذا أعطى امتيازات وهذا أعطى امتيازات، صح؟ الإنسان الخارجي والإنسان اللي يسيء الظن دائماً والإنسان المندفع راح يقول لك: "هذا زي اللي قبله". ولذلك لما نجلس حتى مع الناس اليوم، بتسمع كيف بيتكلموا في السياسة، بتعرف إن الناس هي لا بتفاهم ولا شيء، بس بيتكلموا في السوشال ميديا هي عمل زيهم.
هو في الظاهر ماشي، بس في الباطن لا، في الباطن هو قد أرى نفسي أفضل الموجود الآن، بالتالي أنا مضطر أتعامل بطريقة معينة؛ هي في الظاهر قد تشبه ما يفعله الفاسدون، لكنني إنما أقصد بها الاستصلاح. فابن تيمية يقول لذا الحاكم الدين الذي يعرف أنه أفضل الموجود الآن، دعك من الورع الفاسد، مش وقت الورع، وتقول لا مش راح أعطي أحد لأنه بكره بطحنوا، هذا ورع مش مكانه، حتى وإن حصل به شيء من الكمال الديني.
ولاحظوا ماذا قال هنا: "وقد يكون متأولاً، وقد يكون إنكار ذلك واجب"، ولا يتم إلا بالقتال، ممكن يدخل معارك مع العشائر، قال: "أنا لازم بدهم والله ما بعطيهم ولا قرش"، وبيدخل معارك معهم وتولع حروب وما شابه ذلك، فيقاتلون المسلمين.
كلام السياق كلام الشيخ ابن تيمية، هذا هو بيتكلم عن الناس عموماً، القسم الثاني لما ذكر إن هو الناس عندهم خشية الله سبحانه وتعالى ويعلمون إن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام؛ فلما كانوا عندهم خوف من الله ويعلمون إن السياسة لا تتم إلا بالدخول في الحرام يمتنعون، أو يمنعون عنها مطلقاً. لهذا قال: "وربما كان امتناعهم مثلاً في نفوسه بما في نفوسه من جبن أو ضيق خلق، فيقعون أحياناً في ترك واجب يكون تقدير واجب يكون تقض عليهم بعد ض المحرمات، فيقعون في ترك واجب يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات التي هي إعطاء هؤلاء، أو يقعون في النهي عن واجب توليد هذه السلطة".
هؤلاء نفسهم من هذه كانت عقليته بهذه الطريقة، قد يكون أيضاً متأولاً، وقد يكون متأولاً ويعتد، وربما إن إنكار ذلك واجب على الولاء فيقاتلون المسلمين كما فعل الخوارج، فيقاتلون مثلاً هؤلاء الولاء، هم يقعون في الحرام ظناً منهم أنهم يفعلون هذا. هذا البعد خلينا منه، بس إحنا للمرحلة اللي إحنا وصلنا لها، في شيء يخالف كلامنا؟ لا، ضمن حتى فهم الكلام، بغض النظر، الآن أنا فهمت كلامك أنه هو سيمتنع عن تولي الحكم ابتداءً مشان ما يقع في هذه المزالق، بس إذا إحنا بنتكلم إن ابن...
ابن تيمية، إذاً ماذا يرى؟ إذا كنت ستتولى الحكم وأنت عارف أنك ستصل لهذا المأزق، يا أخي مشكلة ينكر عليهم ترك الولاية. الفكرة هي أنك تتولى ولو كنت تعرف أن الولاية ستجبرك على أن تعطي امتيازات لدول ما؛ لأن وجودك أفضل من وجود غيرك، أنت أفضل سقف موجود.
هذه هي نفس الفكرة، لذلك قال: «وقد يكونون متأولين في تركهم للولاية». الإضافة التي ضفتها هنا جيدة؛ أنهم امتنعوا عن الولاية خوفاً من الوقوع في إعطاء امتيازات لدول أجنبية، أو فعل ما يفعله الحكام الفاسدون، فيمتنع. وقد يكونون متأولين في هذا الامتناع، يعني قد يكون لهم اجتهادهم، وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك على الولاة الذين يمارسون الولاية واجب، ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون الوالي الذي يرضي زعماء العشائر، وهذا ما سيفعله الخوارج؛ سيفعلون ذلك عندما يرى الحاكم يرضي زعماء عشائرها، ويرون أنهم أرضوهم على حسابنا، فيقولون: «هؤلاء فاسدون من أول، ليسوا إسلاميين، بل متأسلمين بأشكال»، فتصبح العبارات: «امسكوا، قاتلوهم، أجهزوا عليهم»، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج في قتالها لعلي بن أبي طالب.
ولما تأول في كثير من القضايا التي فعلها في زمنه؛ فهؤلاء الذين لديهم هذه النفسية، ومن عندهم الورع الفاسد، يسميه ابن تيمية: «لا تصلح بهم الدنيا ولا يحصل بهم الدين الكامل»، لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين، لأنهم -جزاهم الله خيراً- عندهم نوع من الفهم بأنه لا يجوز تبديد الأموال، وممكن يستفاد منهم في تعزيز خلق الأمانة في المجتمع والحرص على المال العام، لكن الدين الكامل لا يقوم.
أحسنت، وبعضهم قد يستفاد منهم في بعض أمور الدين وفي بعض أمور الدنيا، وقد يُعفى عنهم في بعض ما اجتهدوا فيه فأخطأوا، إن شاء الله ربنا يجيرهم وقد يغفر لهم قصورهم. وقد يكونون من الأخسرين؛ وهؤلاء مراتب، ممكن يكون هو مجتهد متأول، وممكن يصل الأمر إلى أنه أصبح من الخوارج وأصبح يكفر الحاكم.
يا سيدي، أنت اعتبرتها معصية، فستبقى معصية، وليست كفراً. بالتالي لا هو كفر؛ لأنه يعطي امتيازات، بالتالي هو موالٍ للكفار. كيف تتطور القضية عند الخوارج؟ هو أعطاهم امتيازات، إذاً هو موالٍ لهم، إذاً هو جالس معهم، إذاً هو كافر، إذاً استحل دماءه. فهذا وصل لمرحلة مختلفة؛ هناك فرق بين أن أعتبرك مخطئاً وأعتبرك أهدرت مالاً عاماً وأنت بالتالي عاصٍ عندي، وبين أن أعتبرك كافراً وأستحل دمك ودم البلد كلها.
فبالتالي، هناك ناس ينكرون على الحاكم باجتهاد، قد يكونون مصيبين وقد يكونون مخطئين، جزاهم الله خيراً ويغفر لهم قصورهم في عدم تصورهم لبعض أشكال السياسة وما تطلبه. وبعضهم يصبح خارجياً؛ هؤلاء الذين أنكروا على الحاكم لكن ما كفروه وما خرجوا عليه، وبعضهم تتطور معه الأمور أنه سيكفر الحاكم ويسفك الدماء ويفعل كما يفعل الخوارج.
وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، ومن لا يرى أن يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع، هذا لا يمكن أن تصلح معه الدنيا، خاصة في زمن الاستضعاف. هذه النفسيات الخارجية التي ترى أنه لن يعمل مشروع إسلامي، والذي يحب أن يكون معنا فهو معنا، والذي لا يحب سنقاتل الكل؛ هؤلاء سنطحنهم. رأينا نماذج سابقة لهم، سنطحن طحناً لأن هو يرى أن الإسلام يعني ألا أفعل أي نوع من المساومات أو الحركات السياسية، هذا سيطحن طحناً مع الناس ومع الرعية، ويكون سبباً في سفك دماء النساء والأطفال؛ لأن التحالفات الدولية اليوم أعقد منك بكثير.
فإذا لم تكن تتولى على الناس وترى مصالح من تحتك من النساء والأطفال وحماية دمائهم وأموالهم، ترى أنت اسم إمام، وتعلى درجاتك كما تكون متأولاً، ولكن أنت لست أهلاً لأن تكون قائداً، لست أهلاً لأن تحمل الحكم الإسلامي وتنظر مصالح المسلمين في كل مرحلة ماذا تقتضي.
إخواني، هذا الكلام الذي أتحدث به عظيم ومهم جداً أن نفهمه؛ لأن في بعض الشباب المندفع المتحمس، الذي يفهم أن الدين طريق واحد وعقلية واحدة، فلا مجال للمروءة في السياسة، وهذا دمر العمل الإسلامي لعقود وسنوات. هذه مشكلته، ليس مجرد خطأ جزئي، بل هو يدمر العمل الإسلامي لعقود وسنوات، وأتلف أرواح آلاف الشباب، وأدى إلى سفك دماء كثير من النساء والأطفال. هذا ليس من قبيل: «والله أخونا اجتهد وأخطأ فسامحوه»، لا، في مرحلة معينة من الاجتهاد لا أسامحك؛ لأن طريقتك في التفكير بالنهضة الإسلامية أصبحت مدمرة للنهضة وقاتلة لها، أنت تمنعنا أن نتقدم شبراً بطريقتك. كلما أردنا أن نتقدم شبراً للأمم تقول: «لا، أنتم ستقدمون امتيازات للغرب»، يا أخي قدمنا امتيازات أم لا، الله يعلم المصلحة من المفسد. أما طريقتك أنت: «تفضل، سنمسك بلداً ونحكمها، ومن معنا معنا ومن ليس معنا نحرق البلد».
وأنت هكذا ستسفك الدماء، والتحالفات الدولية موجودة، فتقول: «يا أخي أنا موحد والتوحيد يكفي»، هذه أيضاً عبارات بروباجندا. أنت هكذا مجرد عبارات استرسال؛ التوحيد لا يعني عدم الأخذ بالأسباب. فإذا كان محمد ﷺ وهو أعظم الموحدين قد ألف قلوب الناس، وكان يمارس السياسة الشرعية، فمن أنت حتى تزعم أن توحيدك أعلى من توحيد محمد ﷺ، وتزعم أنك أصلح وحرص على الأمة من أمر محمد ﷺ؟
إذا لم نتبع هذه السياسات الشرعية ونسلّم الأمور للعلماء الراسخين، سنبقى ندفع الويل من دماء الأطفال ودماء النساء، وتبقى الشعوب والنهضة الإسلامية محصورة؛ لأننا لا نفكر بعقلية الدولة، وإنما نفكر بعقلية كتاب معين قرأته، ترى فيه نواقض إسلامية معينة وتريد تطبيقها على الناس بقراءتك المحدودة، ولا تعرف الفقه الإسلامي وما كتبه العلماء وما سطروه. ولذلك، أغلب هؤلاء أو جلهم هم من الجهال؛ لم يطلبوا العلم ولم يعرفوا ما في بطون الكتب. ولهذا نقول: يجب أن نقرأ التراث، لأن هذا يوسع دائرة أفقك، فتفهم الشريعة وتعرف مساحاتها، وتعرف أن ما فعله فلان ليس جائزاً أو هو واجب.
شايفه كفر؟ هو ضمن إطار الشريعة واجب من الواجبات، بس عقلك محدود جداً جداً، فأنت لست مؤهلاً لقيادة مشروع إسلامي.
ممكن يكون إيراد كلام تيم أيضاً كان حل الإشكالية النفسية أنه أيضاً مدافع عن الشريعة؛ إذا أنتم بتعتقدوا أنه السياسة لا تتم إلا بالحرام، رح يصير قطع للشريعة، أنه الدين والحكم ما بتم إلا إذا سوينا هذا الحرام. فكون في تصحيح، أنه أصلاً هذا مش حرام بالنسبة لي، هو حرام بالنسبة له. إذا هو أجبرني، بس أنا بالنسبة لي ما فعلت مش حرام، هو حرام عليّ أنه أجبرني إني أدفع له المال كما قال قبل قليل: «ذلّ» بالضمير أصلاً، يعني جميل.
الفريق الثالث قال: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد ﷺ وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس وإن كانوا رؤساء، بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، إقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه فلا يأخذ ما لا يستحقه، فيجمعون بين التقوى والإحسان.
إذن الصنف الأول هم الذين يحبون العلو في الأرض، فيأكلون ويطعمون لعلوه. الصنف الثاني كما قال أخونا، الذين يمتنعون عن الحكم أصلاً حتى ما يطعموا ولا يعطوا، ويؤدوا أيضاً إلى مشاكل للحكم الموجود. الصنف الثالث هم الذين يتولون الرئاسات ويتولون المناصب ويصرفون، وعندهم تقوى الله، ويصرفون المال على حسب المصلحة، ومن المصلحة إرضاء بعض الناس اللي أنا بشوف أن إرضائهم له مصلحة على المسلمين، وإن كان هو ظالماً أو فاسداً أو حتى كافراً، بس أنا لي مصلحة الآن يستتب الحكم لي.
قال: فلا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة، وهذا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى إطعامه، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب. أحسنت، فهو لما يأكل يأكل فقط راتبه الشهري، خلينا نقول، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأول؛ فإن الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثاني. بين العفة مع القدرة تقوى حرمة الدين.
وفي الصحيحين عن أبي سفيان بن حرب أن هرقل ملك الروم قال له عن النبي ﷺ: «لماذا يأمركم؟» قال: «يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة». وفي الأثر أن الله أوحى إلى رسوله إبراهيم الخليل ﷺ: «يا إبراهيم، أتدري لما اتخذتك خليلاً؟ لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ». وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع، نظيره في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضار.
إن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم وربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث وهو الوسط أن يغضب لربه لا لنفسه. كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ يده خادماً له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء، فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله». فإذا انتهكت حرمات الله، لم يقل لغضبه شيء حتى ينتقم لله تبارك وتعالى. فأما من يغضب لنفسه لا لربه، كأن يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع وشر الخلق؛ يعني هو يغضب لنفسه، ويأخذ لنفسه، وحتى ما يطعم غيره.
قال: كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه ممن يؤلفون، ولا يأخذون لأنفسهم إلا الراتب الذي أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت معالمه، ويعفون عن حظوظهم الشخصية، وهذه أخلاق النبي ﷺ ببذله ودفعه وهي أكمل الأمور. وكلما كان المرء أقرب كان أفضل، فالجد المسلم في التقرب إليها بجهده، ويستغفر الله تعالى بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمال ما بعث الله به محمداً ﷺ من الدين.
فهذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. هيك بكون خلص القسم الأول من الآية. القسم الثاني: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. فإن الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان.
القسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين بل منفعتها لمطلق المسلمين أو لفئة منهم وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله، مثل: حد قطاع الطريق والسراق والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأمور السلطانية والوقف والوصايا التي ليست معينة، فهذه من أهم أمور الولايات. ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا بد للناس من إمارة برة»، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: «تقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء».
هنا ركزوا شوي، هذا بيهمني شوي؛ ما هو مفهوم الحاكم الفاجر عند علي بن أبي طالب؟ أحسنت. يعني ما مفهوم الحاكم الفاجر لما يأتي شخص يستدل بكلمة الحاكم الفاجر؟ من هو الحاكم الفاجر؟ الحاكم الفاجر الذي يتكلم عنه السلف، والجهاد مع العادل والفاجر. وطاعة الحاكم الفاجر: هو عنده معاصي، وحتى عنده ممكن ظلم لبعض الناس، ممكن يظلم بعض الناس، لكن الوظيفة الأساسية كما يقول الجويني قائم فيها.
يعني أنت كحاكم لك وظيفة أساسية، قد تكون فاجراً في نفسك، تشرب خموراً وتزني، وقد تكون عندك مظالم لبعض الناس، عندك محاباة وتظلم بعض الناس، وهذا فجور؛ بس في كما أخذنا في خط، ستاتك دائر فيه وهو ماذا؟ الحاكم الفاجر هو الذي يقيم الحدود الشرعية، تمام؟ يقطع السارق ويجلد الزاني وكذا، ويؤمن السبل ويعطي الأمن العام للمجتمع، ويحمي البلد ويجاهد بها العدو ويقسم الأموال على المسلمين. إذا هو خرج حتى من دائرة هذا المربع، أصبح ما في فائدة منه. طب ما في فائدة منه؟ بنيجي الآن لقاعدة الجويني: هو معزول ضمنياً لأنه ما عاد يقوم بالوظائف، ولا حتى أدنى الوظائف، فهو معزول ضمنياً، لكن إزالته أو عدم إزالته مرتهن بماذا؟ بالواقع وبالمس والمصلحة. إخوان، هذا عمق في الفهم حتى لا تحمل أيضاً نصوصاً.
السلف على أهواء بعض غلاة الطاعة، الذي هو بده يحمل نصوص السلف على أي واحد حتى لو هو لا يقوم أصلاً بالمهام الأساسية المطلوبة منه. وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه وإقامته من غير دعوى أحد به.
وكذلك هذا القسم يقصد القسم الأول، وهي الحدود والحقوق التي هي حق العامة، تسمى "الحق العام" التي هي حق العامة فقط؛ فقطاع الطرق، الحاكم يقيم الحد عليهم ولا يجوز لآخر من الرعية أن يعفو عنهم. الزنا إذا بلغ الحاكم، هذا حق الله أن نحمي المجتمع من الفساد، لو الزانية سامحت أو ما فيش فيها مسامحة، هذا حق الله. السارق لما إذا بلغ السلطان يقطع جبراً ولو أن المسروق منه عفا عنه؛ لأنه هذا حق الله. وما يسمى حق العام، حق الله، هو اللي عبر عنه بالحق العام حق المجتمع، يسمى في الشريعة حق الله، وإقامته من غير دعوة أحد به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوة أحد. يعني إذا جاء شهود وشهدوا على شخص بالزنا أو السرقة أو كذا، خلص انتهينا، إن القضية مش محتاجة دعوى، القضية مش محتاجة قضاء ودعوى، مشاهد ومدعي ومدعى عليه، هذا في الأمور الشخصية، أما في حقوق المجتمع، الحدود العامة والحقوق العامة هي مش قضية شخصية حتى نعمل دعوى ومدعى عليه؛ ثبت بالحاكم بالشهود أنه عمل، انتهى الموضوع.
قال: «وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع السارق هل يفتقر إلى أن المسروق منه يرفع قضية عليه؟». بلا، لا، هذه فيها خلاف طرأ فعلياً بين الفقهاء، قال على قولين في مذهب أحمد وغيره، ولكنهم متفقون على أنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق بالحد، بل اشترط بعضهم المطالبة بالمال لئلا يكون للسارق فيه شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية.
والمسروق منه هو من يطالب بالمال، فإذا طالب بالمال وعرفنا أن ذاك الشخص سرق، يقام عليه الحد تلقائياً. يعني الخلاف هو هل المسروق منه يحتاج أن يطالب بالمال ولا لا، مش يطالب بالحد؛ يعني إقامة الحد هي مش شغلتك، أنت الآن اجئت رفعت قضية بمالك، إذا رفعت قضية بمالك وفعلاً عرفنا أنه رجل سرق، أنت مالك دخل في العقوبة، هي حق الله، لسنا ننتظر منك أن تطالب بإقامتها، تبقى قضيتك مالية خاصة بك. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والقوي والضعيف، ولا يجوز تعطيله لا بشفاعة لا بهدية، وليس من القسم التي قال فيه النبي ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». هذا ما هو حق عام، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة، وهو ممن اشترى آيات الله ثمناً قليلاً. كما جاء في الحديث: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره».
فذكر النبي ﷺ الحكام والشهداء والخصوم، وهؤلاء أركان الحكم؛ لأنه قال: «ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع»، و«من قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغه الخبال». وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنه من الحكام هم الذين يشفعون، والخصوم هم الذين يخاصمون، والشهداء هم الذين يقولون في مسلم ما ليس فيه. هذا جميل، إنه جعل «ومن قال في مسلم ما ليس فيه» -الذي هو الشاهد بالزور- هذه تحمل على شاهد الزور؛ فلذلك الحديث يشمل الحكام في من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، والخصم من خاصم في باطل، والشهود الزور في قوله «ومن قال في مسلم ما ليس فيه»، وهؤلاء هم أركان الحكم: الحكام والشهداء والخصوم، وردوا في هذا الحديث أيضاً.
ورد في هذا الحديث أيضاً حديث لما شفع أسامة بن زيد في المرأة المخزومية، وغضب النبي ﷺ فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟». ففي هذه القصة عبرة؛ فإن أشرف بيت كان في قريش بطن بنو مخزوم وبنو عبد مناف، فلما وجب على هذه المرأة القطع كانت مخزومية بسرقتها، وكانت سرقتها هي جحود العارية على قول بعض العلماء، أو أنها سرقة أخرى حقيقية على قول آخرين. بغض النظر ماذا سرقت هذه المرأة، وكانت من أكبر القبائل كانت مخزومية وأشرف البيوت، وشفع فيها أسامة، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، وأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب مثلاً بسيدة نساء العالمين فاطمة: «لو أن فاطمة وهي أشرف النساء لو فعلت كذا لما حق لي أن أسامحها».
وقد روي أن هذه المرأة التي قطعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي ﷺ فيقضي حاجته، هذا بعد إنساني لا يؤثر على إقامة الحد، يبقى احترامك حاضراً لكن الحد هذا لا مسامحة فيه. وقد روي أن السارق إذا تاب سبقت يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار والعياذ بالله.
وروي في المواقف أن جماعة أمسكوا لصاً يرفعونُه إلى عثمان، فتلقاهم الزبير فكلمهم فيه، فقالوا: إذا رُفع إلى عثمان فاشفع فيه، فقال لهم الزبير: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعنة الله على الشافع والمشفَّع». يعني ما يصير الشفاعة إذا وصلت السلطان. وكان صفوان بن أمية أيضاً نائماً فسرق متاعه أو رداؤه، فجاء اللص فأخذه، فأتى به النبي ﷺ فأمر بقطع يده، فقال: يا رسول الله، أنا بسامح على قطع رداء، بدك تقطع يده؟ قال: «هلا كانت المسامحة قبل أن تأتيني به؟» ثم قطع يده. يعني أنه ﷺ يقول إنك لو عفوت عنه قبل أن يُرفع إلى الحاكم لكان، أما بعد أن رُفع إليه فلا يجوز تعطيل الحد لا بعفو ولا بشفاعة ولا بهبة ولا بغير ذلك.
ولهذا اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رُفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته، وإن تابوا فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم. وكان تمكينهم من ذلك من تمام التوبة، بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها والتبكير من استفاء القصاص بحقوق الآدميين. وأصل هذا في قوله «وكان تمكينهم من ذلك» يعني أنهم مكنوا الحاكم من إقامة الحد عليهم، هذا من تمام توبتهم، بس هذا طبعاً في الحرابة إذا تابوا بعد أن قُدر عليهم.
فتمكنا للحاكم أن يقيم الحد عليهم. ومن كمال توبتهم، تفضل لو حد تدخل قبل وصولهم للحاكم، لو لم يكن المسروق شخصاً ثانياً تدخل وقال: ممكن أنا أسأل عنه أو إلى أخ، أهم شيء ما وصلت القضية للحاكم؛ مسموح إذا حلت. نعم، إذا حلت داخلياً مسموح، خلص رضوا بينهم وانحلت القضية وما ارتفعت للحاكم.
الحاكم أو القاضي، الحاكم هو القاضي الذي يمارس القضاء، قال تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: 85]. فالشفاعة هي إعانة الطالب حتى يصير معه شفعاً بعد أن كان وتراً، فإن أعانت على بر وتقوى كانت شفاعة حسنة، وإن أعانت على إثم وعدوان كانت شفاعة سيئة، والبر ما أمرت به، والإثم ما نهيت عنه، وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33]، فذكر حد الحرابة، ثم قال في الآية التالية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]، فاستثناهم. فالتائب بعد القدرة يجب عليه الحد للعموم والمفهوم، ومفهوم المخالفة يقصد به التعليل.
هذا إذا كان قد ثبت بالبينة، أما إذا كان بإقراره وجاء مقراً بالذنب تائباً، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. وظاهر مذهب أحمد أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طلب إقامة الحد عليه أقيم، وإن ذهب لم يقم عليه الحد.
الآن كل ما ورد في حد السرقة، وحد الزنا، وحد الحرابة، وكل الحدود، يعني حكينا إن السلطان لا يجوز أن يسامح فيها، هذا باتفاق إذا ثبتت بالبينة والشهود. أما لو أن هذه الحدود، كأن الزاني جاء -كما جاء ماعز بن مالك- إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله زنيت، أو السارق باعتراف شخصي منه، جاء الحاكم وقال: يا أيها الحاكم أنا سرقت، أو المحارب جاء إلى الحاكم وقال: قاطعت الطريق وفعلت؛ هل هنا الحاكم أيضاً يجب عليه إقامة الحد أم له خيار إذا رأى تائباً أن يسقط عنه الحد؟
هي مسألة فيها خلاف حقيقة. حتى نفهم جيداً هذا الخلاف: إذا جاء الزاني أو السارق أو المحارب جاء تائباً بنفسه معلناً بنفسه ولا أحد ساق له الحاكم، هنا في خلاف في المذاهب الفقهية. وظاهر مذهب أحمد أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل الحاكم مخير بين أن يعفو عنه ويغض الطرف، وبين أن يقيم الحد عليه، لذلك قال: بل إن طلب إقامة الحد عليه أقيم.
مثل ماعز أصر: يا رسول الله طهرني. النبي ﷺ بوجهه، بترجع بوجهه، روحي حتى توضئي. وأما إن ذهب خلص، لم يقم عليه الحد. وعلى هذا أحمل حديث ماعز لما النبي ﷺ قال: «هلا تركتموه»، لأنه جاء بنفسه معترفاً. وحديث «الذي أصبت حداً فأقمته عليه»، فالنبي ﷺ قال لم يقم عليه الحد وقال: «صلاتك معنا غفرت لك»، لأن هؤلاء أقروا بألسنتهم.
أما حديث عبد الله بن عمر: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب»، فهذا يكون قبل الرفع للسلطان. طبعاً الحد يعمل في الأرض خيراً لأهل الأرض، وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو كما يدل عليه الكتاب والسنة. فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، فحصل الرزق والنصر.
ولا ينبغي أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوه مال يُعطل به الحد، لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث. وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين: أحدهما تعطيل الحد، والثاني أكل الحرام مقابل إسقاط الحد.
قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۗ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]. وقال تعالى عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42]، لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى البرقي، وتسمى أحياناً الهدية وغيرها.
وإذا أكل ولي الأمر السحت احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة، شهادة الزور وغيرها. وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة الذي يمشي بينهما.
روى أهل السنن والصحيحين أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال صاحبه -وكان أفقها منه-: نعم يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. فقال: إن ابني كان عسيفاً (أي أجيراً) في أهل هذا، فزنى بمرأته، فأبدت منه بشاة وخادم، وإني سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأنا على امرأتي... فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكم بكتاب الله، المائة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وغدراً يا أُنيس على امرأتك، فاسألها فإن اعترفت رجمها».
في هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه، أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه. هذا موطن الشاهد أنه لما افتدى بذل من يقيم الحد، فافتديت بشاة ووليد، النبي ﷺ قال: «رجعها»، هذا مال سحت. أمرنا بدفع المال لصاحبه وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين، حتى للمجاهدين والفقراء لا يجوز أن يقال: يأخذ المال لمصالح المسلمين؛ لأن مصلحة المسلمين الآن هي إقامة الحد لمنع الجريمة.
وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق لتعطيل الحد مال سحت خبيث. وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس إنما هو بسبب تعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب في فساد أهل البوادي والقرى والأمصار. وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط قدرته من القلوب وانحلال أمره؛ فإذا ارتشى وتبرأ من تعطيل الحد، ضعفت نفسه أن يقيم حداً.
قال: «وصار من جنس اليهود الملعونين». وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل، سمي به الرشوة؛ لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق، يعني كأنك وضعت في فمك حجرًا فلم تتكلم بالحق بسبب الرشوة التي أخذتها، كما قد جاء في الأثر: «إذا دخلت الريشة من الباب خرجت الأمانة من الكوة».
قال: وكذلك إذا أخذ مالًا للدولة على ذلك، مثل هذا السحت الذي يسمى الديبات. ألا ترى أن الأعراب المفسدين إذا أخذوا مالًا لبعض الناس ثم جاؤوا إلى ولي الأمر فقدموا له خيلًا أو غيرها، كيف يقوى طمعهم في الفساد وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة وتفسد الرعية؟ وكذلك الفلاحون وغيرهم؛ هذول الأعراب المفسدين يسرقون أموال الناس، ثم يأتون لولي الأمر يعطونه خيلًا تفضل سعيتها، فإذا رضي الحاكم بهذه الخيول مقابل أن يتركهم في فسادهم في أخذ أموال الناس، ستقوى نفسهم في الفساد وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة بقولهم: «والله هذا الحاكم فرسين ثلاث برضوه»؛ يعني تمشي الأمور معه.
وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أخذ ببعض ماله، وكذلك القمارون فيرجون ببعض أموالهم ويشربون الخمر بأريحية، فيأخذها ذلك الوالي سحتًا لا يبارك فيها والفساد يبقى قائمًا في المجتمع. وكذلك ذو الجاه؛ إذا حمى أحدًا أن يقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان أو أمير فيحتمل سؤله، فيكون ذلك الذي حماه ممن لعنه الله ورسوله.
فقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله من أحدث حدثًا أو أوى محدثًا». فكل من أوى محدثًا من هؤلاء المحدثين؛ المحدثون بمعنى من فعل جريمة عليها عقوبة. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: «إن من حال شفاعته دون حدود الله فقد ضاد الله في أمره»، فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده واعتاد من المجرمين سحتًا من المال يأخذه لئلا يسمى الحدود على سكان البر؟
فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ من بيت المال أو للوالي سرًا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين. وهو مثل تضمين الحانات والخمر؛ فإن من مكن من ذلك أو أعان أحدًا عليه -مثل تضمين حانة الخمر كما يكون في بلاد المسلمين- فهو من جنس واحد.
والمال المأخوذ على هذا شبيه بما يؤخذ من مهر الزانية البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يسمى -والعياذ بالله- الذي يدل الناس على الحرام وعلى بيوت الزنا. قال النبي ﷺ: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث» [رواه البخاري]. فمهر البغي هو الذي يسمى جذور القحاب والعياذ بالله للفاحشات.
وفي معناه ما يعطاه المخنثون الصبيان من المملوك أو الأحرار على الفجور به، يعني ما يفعل من اللواط والعياذ بالله الصبيان ويعطى مالًا على ذلك. وقال: «وحلوان الكاهن» مثل حلاوة المنجم الذي ينجب لك، وتعطيه مقابل ما سيحدث لك في المستقبل وتعطيه مالًا على ذلك.
وولي الأمر إذا ترك المكرات وأقام الحدود عليها بمال يأخذه، كان بمنزلة مقدم الحرمية الذي صار حراميًا مثلهم؛ إذا كان بمنزلة مقدم الحرمية الذي يقاسم المحاربين على الأخذ الذي أخذوها، "أعطوني شوي وأسرق"، وهذا الذي يحصل للأسف في كثير من المجتمعات؛ تسرق أموال طائلة ويتم إرضاء جهات معينة بمبالغ، "خلص وخليه أموركم ماشي". ولذلك لماذا تبقى الجريمة في المجتمع؟ بسبب أن الناس تكون نافذة في الدولة تتقاضى من هؤلاء الحرمية، فبالتالي تبقى الجريمة موجودة.
قال: «وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على الفاحشة»، وكانت حالته شبيهة بحال عجوز السوء، امرأة لوط التي خانته فكانت تدل الفجار على ضيفته، التي قال الله فيها: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [القصص: 40]. وقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَنَا ابْقَوْا بِقِطْعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَى امْرَأَتِكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: 81]. فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب القوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث.
وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نصب للمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يُمكّن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتى بضد المقصود؛ مثل من نصبته ليعينك على عدوك فصار عدوك عليك، ومنزله من أخذ مالًا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين بدل ما يجاهد به في سبيل الله.
وذلك أن صلاح البلاد والعباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن صلاح المعاش والمآب في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبصيرة. هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
فالآيات كثيرة في الدلالة على أن وظيفة الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنهي عن ترك ذلك. فأخبر الله أن العذاب لما نزل نجى الذين ينهون عن السيئات وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد. وفي الحديث الثابت أن أبا بكر الصديق لما خطب الناس على المنبر فقال: إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾، لكن تضعونها على غير موضع، فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». وحديث آخر: «إن المعصية إن خفيت لم تضر إلا صاحبها، لكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرّت الجميع».
وهذا القسم الذي ذكرناه هو القسم الأول، وهي الحدود العامة وحقوق الله العامة، ومقصودها الأكبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والصدقة والأمانة بين الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة مع الأهل والجيران. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، فإن كانت التاركون طائفة امتنعت قُتلوا.
الممتنعة عن أداء فريضة، ألم تروا أنهم قتلوا بتركها بإجماع المسلمين؟ وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة والصيام وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المجمع عليه، كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك.
فكل طائفة ممتنعة -وهذه قاعدة عامة- فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شعائر الإسلام الظاهرة، يعني المطلوب إظهارها، ليست الأمور الشخصية التي في المنازل؛ مثل الجمعة والجماعات والصلوات المكتوبات والزكوات والحج والصيام. كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة والمتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء.
وإذا كان التارك للصلاة واحداً، فقد قيل إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب كما يستتاب المرتد، فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهل يقتل على أنه كافر أو مسلم فاسق؟ فيه قولان.
إذاً هي كل مسألة تارك الصلاة أنت تلاحظون فيها نقاشاً، حتى ابن تيمية هنا يطرح مسألة نقاشية، أن البعض يحكم بردته بعد الاستتابة، ويقول لك لا يستتاب، لكنه يقتل مسلماً فاسقاً، الذي هو أن يقتل أحداً كما عند الشافعية. وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً.
وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً، أي أكثر السلف؟ عند الحنابلة؟ لا، هو السلف يقصد ما قبل استقرار المذاهب الأربعة. القول المشهور عن السفيانين وعن الليث وعن هؤلاء الأئمة الكبار من أهل الحديث أنه يقتل كافراً، وهذا كله طبعاً إذا أقر بوجوبها، أما إذا جحد وجوبها فهذا كافر بإجماع الجميع.
وذلك من جحد سائر الواجبات والمحرمات التي يجب القتال عليها. فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله، وواجب الأمة باتفاق، كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو من أفضل الأعمال.
قال رجل لرسول الله ﷺ: «دُلَّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ في سبيلِ اللهِ»، قال: «لا تستطيع»، قال: «أخبرني به»، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفطر؟»، قال: «ومن يستطيع ذلك؟»، قال: «وذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله». وقال: «إن في الجنة ل مئة درجة، من الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض». والأحاديث والآيات العامة في فضل الجهاد حاضرة.
نقف اليوم عند صفحة 100 ونكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله لعلنا الدرس القادم. تم الكتاب، شد حيلكم فيه. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل