دخولتسجيل الدخول

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (2) | المجلس الرابع عشر | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله جميعًا في هذا الصباح الطيب المبارك، أسأله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم علمًا نافعًا. الصوت جيد؟ الأخوة الدكتور طارق، الأخوة، الصوت جيد عبر المنصة؟ خلص، مادام قال عليكم سلام فمعناه إن شاء الله الأمور جيدة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من برنامج تراث، حيث نقرأ في تراث الأئمة المحققين. وما زلنا نعيش في تراث أبي العباس ابن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهمة على طلب العلم، والثبات على هذا الطريق؛ فإن الصوارف والشواغل كثيرة.

عندما يسمع الإنسان كيف ينشغل الناس عن طلب العلم النافع، وعن العوائق التي تظهر في طريقهم، يحمد الله سبحانه وتعالى على أنه ما زال مستمرًا في هذا الطريق؛ فإن الدنيا أسرة، وإن الشواغل كثيرة، وإن الشيطان يتفنن في إخراج العوائق في طريق طالب العلم، يتفنن في هذا تفننًا ليصرفه عن الخير. فدائمًا عليك أن تقاتل، وعليك أن تثابر، وعليك أن تقنن الحياة وأن تتقلص من كثير من شغلها إذا أردت أن تستمر في هذا الطريق، وإلا فسبحان الله، من انشغل بشاغل ضعفت همته عن طلب العلم بعد انتهاء الشاغل.

يعني أنت قد يعرض عليك شاغل في الحياة، تقول بعد أن أنهي هذا الشاغل أعود إلى البرنامج العلمي؛ فكرة العودة إلى البرامج بعد الانقطاع هذه فكرة صعبة، خاصة إذا كنت في حالة صعود واستمرار ومداومة، ثم تأتي عليك فترة من الانقطاع والكسل، ثم بعد ذلك تقرر العودة إلى القراءة تجد أن عملية استنهاض الهمة مرة أخرى عملية شاقة.

أتذكر الأخوة لما كنا في المدينة النبوية، قضية عندما يعود من العطلة، تجد الطالب سنة كاملة مقيمًا في المدينة ثم بعد ذلك يعودون إلى بلادهم، تعود إلى بلادك الأصل، حتى في الإجازة يستمر في طلب العلم، بعضهم كان يقول لك اقطع في الإجازة وأعود على بداية الفصل الأول إلى المدينة. فلما يعودون إلى المدينة كانوا يتحاورون أن عملية إعادة الهمة مرة أخرى للقراءة والتحصيل تحتاج إلى جهد قد يستنزف أحيانًا ثلاثة أشهر داخل المدينة. فهذا خطأ، لأن البعض لا يضمن أصلاً أن تعود الهمة كما كانت عليه.

فلذلك قضية وجود عائق هي حقيقة مشكلة، وقضية أن تنقطع عن طلب العلم وتعتذر له باعتذار وتظن أن الأمور سهلة يمكن إعادة ترتيبها في المستقبل، هذه ليست مضمونة أبدًا. ولذلك إذا عزمت فتوكل على الله. دائمًا في طريق طلب العلم لا تنتظر أن تتفرغ له، لا تنتظر أن تجد فسحة، يعني تقول غدًا يكون عندي فسحة، لا، اليوم عليك أن تصنع الفسحة. ولو كان في بعض الأيام هناك عوائق، حاول أن يكون ولو هناك محاضرة معها في الطريق، ولو فكرة تأخذها حتى لا تنقطع.

هذه سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كانت أعماله ديمة، وهذه الديمومة. والتحصيل من الأمور التي تأخذ وقتًا من الإنسان، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يشغلنا عن هذه العلوم النافعة، وأن يرزقنا العمل بعد ذلك أيضًا؛ فإن العمل هو الثمرة المرجوة من العلم. قد يطلب الإنسان العلم سنين، لكنه كما يقول ابن القيم قد تكون قوته العلمية جيدة لكن قوته العملية رديئة. كثير من طلبة العلم القوة العلمية عندهم جيدة والتحصيل جيد، لكن قوة العمل عندهم رديئة، وخير طلبة العلم هو من جمع بين القوة العلمية والقوة العملية، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ذلك.

ما زلنا نقرأ في كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، هذه الرسالة التي وظيفتها أساسًا أن تبين الخطوط العريضة لسياسة الحاكم تجاه رعيته، وقد أقامه هذا الكتاب على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. فإذاً وظيفة الحاكم أداء الأمانات والعدل بين الناس.

في الدرس الماضي تكلمنا عن أداء الأمانات، وقلنا أداء الأمانات في أمرين: الولايات والأموال. الولايات الأمانة فيها أن تسندها إلى أهلها، والأموال أن تقسمها على أهلها سواء كانت غنيمة أو فيء أو صدقات. تكلم عن هذه القضية بعد أن أنهينا الشطر الأول من أداء الأمانات، ثم أتى إلى القسم الثاني من وظائف الحاكم وهي العدل والحكم بين الناس؛ فقال إن الحاكم يجب أن يكون محقًا عادلًا في الأحكام والحقوق التي تكون بين الناس.

فبدأ يبين في مسائل الأحكام، أولًا: العقوبات التي يقيمها الحاكم على المجرمين والفاسدين بشتى أنواعها، وأظن أننا تكلمنا عن مجموعة من ذلك. المقدمة لأنه قال في بداية قسم العدل والحكم: «فإن الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق»، وهما قسمان؛ فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، وهذه التي تسمى حق الله.

أراد أن يبين أولًا لأنه حق الله، وهذه مهمة جدًا أن تفهمها؛ أن الله سبحانه وتعالى جعل حق المجتمع هو حق الله. حق المجتمع هو الذي يعبر عنه بأنه حق الله سبحانه وتعالى، أي عقوبة أو حق ليس لشخص معين بل هي لمصلحة المجتمع الإسلامي، تعظيم هذا الحق نُسب إلى الله. نحن عادة في اللغة القانونية المعاصرة نسميه الحق العام، كما في قوله لما يحبس رجل: في الحق الخاص والحق العام. ما يسمى اليوم في العلوم السياسية والقانونية الحق العام، في الشريعة -انظر تعظيم الشريعة عند المجتمع- تسمى حق الله.

ولذلك لا يجوز إسقاطه ولو عفا المتضرر، ما دام الضرر أو الإشكال يمس المجتمع، فإنه لا يجوز للحاكم أن يسقط العقوبة أو أن يسقط الحق؛ لأنها تمس حالة اجتماعية، ولتعظيم الحالة الاجتماعية نُسبت إلى الله سبحانه وتعالى. تكلمنا عن جزء من هذه العقوبات، وصلنا إلى عقوبة المحاربين قطاع الطريق، فمن وظائف الحكام أن يلاحقوا العصابات الإجرامية، قطاع الطريق قديماً هذا هو الاسم المشتهر، لكن اليوم نسميها عصابات الإجرام التي تروع الناس وتخوفهم إما بالقتل أو بأخذ أموالهم بالخوف والسلاح أو بملاحقة الناس إلى غير ذلك. وعصابات الإجرام قد تكون في الطرق المفتوحة، أي في الأماكن خارج القرى والأمصار، وقد تكون في الحضر كما يقول الفقهاء، أي داخل المدن والأمصار، وإن كان في خلاف هل يُقام حد قطاع الطرق على من كانوا داخل المدن، والصحيح أنه يُقام.

إن قاطع قطاع الطرق وعصابات الإجرام يقام عليهم الحد سواء كانوا خارج المدن على الطريق الخارجية الصحراوية، أو داخل المدن، ما داموا حملوا السلاح لتخويف الناس؛ فهم قطاع طرق يقام عليهم الحد الذي ذكره الله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

نقرا ماذا قال أبو العباس ابن تيمية إن شاء الله. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن توالى. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمن سمعنا ولمن لم يسمع، وللمسلمين في البلاد يا رب العالمين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل، فمن ذلك عقوبة المحاربين قطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليصبوا المال مجاهرة من الأعراض مجاهرة. قطاع الطريق في الشريعة الإسلامية لابد وأن يكون أخذهم المال مجاهرة، أما الذي يأخذ المال خفية فهذا يسمى سارقًا أو منتهبًا أو مختلسًا على أنواعهم، لكن لا يسمى قاطع طريق.

قال: من الأعراب، أو التركمان، أو الأكراد، أو الفلاحين، أو فسق الجند، أو مرضت الحاضرة، أو غيرهم؛ طبعًا هذا في زمن شيخ الإسلام، يعني كانت هذه عصابات الإجرام من هذه الأصناف. قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

وقد روى الشافعي رضي الله عنه في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنه في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفوا من الأرض. وهذا قول جمهور أهل العلم؛ الجمهور على هذا التفصيل في حد قطاع الطريق: أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا لكن لم يأخذوا مالًا قتلوا فقط، وإذا أخذوا المال دون قتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا فقط أخافوا الناس ولم يأخذوا مالًا ولم يقتلوا أحدًا فإنهم ينفوا من الأرض.

قال: وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة. ومنهم من يسوغ للإمام أن يجتهد فيهم؛ فيقتل من رأى قتله مصلحة منهم وإن كان لم يقتل، مثل أن يكون رئيسًا مطاعًا فيهم، ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال. هذا القول الثاني، وقول المالكية أن الحد ليس على ترتيب معين وإنما للاجتهاد؛ فالإمام له أن يقتل من يرى المصلحة في قتله، حتى ولو كان هذا الشخص الذي سيقتله الإمام منهم لم يقتل، لكن يرى الإمام أن المصلحة أنه هو الذي يقتل كون رئيس العصابة مثلا، أو يقطع من خلاف من يرى أنه أخاف السبيل كثيرًا ولو لم يأخذ مالًا، يمكن للحاكم أن يقطعه من خلاف. وهذا رأي المالكية أن الأمر مسند إلى اجتهاد الإمام وليس على ترتيب معين.

شيئًا في هذا الأمر يتفقون في حالة، مثلا إذا كان لم يقتل، فإنه يظن بالتعزير يجوز أن يفعل هذا الإمام، حتى على تعزير هذا مختلف، لكن هنا حدا، هنا عند المالكي يقتل حدا باجتهاد الإمام. أنا ماذا سأختار له من هذه الخيارات المتصورة؟ وظيفتهم إثارة الرعب في قلوب الناس؛ محافظة على مثلا سلطان معين، بعض العصابات قد لا يكون همها أخذ المال وإنما فرض حالة من الهيبة في الطرقات العامة، أو في عفو الطرق الصحراوية خاصة، الأعراب يحبون هذا الشعور، فتجد فقط يعترض على الناس هكذا استعراضي تخويفي إذلالي، خاصة كما قال لك "فسق الجند"، الذي لا يفعل شيئًا بس يريد يعمل إذلال، فيعرض بالسلاح أو يقول: اجلس، قف! فمثال هؤلاء له أن يفعل ذلك بهم، مثل هذه الحواجز التي تقيم بعض العصابات في الدول المفلوتة الأمن.

قال: كما أن منهم من يرى أنه إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا، والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدًا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء كما ذكره ابن المنذر، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول؛ بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة. هذا ليس قصاصًا، هذا حد؛ أحد قطاع الطريق قتل رجلًا ثم ظفر به الحاكم، هذا ليس قصاصًا حتى نقول لأولياء المقتول سامحوا أو لا تأخذوا قصاصًا، لا، بل يقتل الحاكم لأنه هذا قتل حد وليس قصاصًا.

قال: ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة بينهم أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول؛ إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية، لأن قتله لغرض خاص، فهذا هو القصاص. إذا كان القتل ليس من قطاع الطريق، بل القتل المتعمد الطبيعي، كأن يقتل شخص أخاه المسلم متعمدًا لخصومة بينهما أو ما شابه ذلك، هذه عقوبة قصاص يمكن أن يعفو أولياء المقتول أو لا يعفوا.

قال: أما المحاربون فإنه يقتلون لأخذ الأموال، فضلهم عام بمنزلة السراق إذا ضررهم عام وليس قصاصًا؛ لذلك جعل حق المجتمع، ولذلك إلى حد وليس قصاصًا، فكان قتلهم حدا لله وهذا متفق عليه. قال: حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حرًا والمقتول عبدًا، أو القاتل مسلمًا والمقتول ذميًا أو مستأمنًا. ننتبه لها، أن هنا في القصاص لابد من شروط إقامة القصاص، أن تكون هناك مكافأة بين القاتل والمقتول؛ فإذا كان المقتول عبدًا والقاتل حرًا، فنحن نعرف أن جمهور الفقهاء لا يقتل القاتل مباشرة، بل يذهب إلى الدية، بسموها التكافؤ بين القاتل والمقتول. لذلك إذا كان القاتل مسلمًا والمقتول معاهدًا فإنه لا قصاص لعدم التكافؤ في الدين، لكن هذا في باب القصاص.

أما في الحرابة، في الحرابة يقتل قاطع الطريق ولو كان المقتول عبدًا أو ذميًا؛ لأننا هنا أخذنا قتلنا للفساد العام وليس القصاص. قال: فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل كقول مالك وأحمد في إحدى روايتيه وشافعي في قول له؛ لأنه يقتل للفساد العام حدا كما يقطع.

إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم، وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون أعوان له و用の له؛ فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة، وأن الرد والمباشرة سواء. الرد هو الذي يكون خلف المباشر، المساعد له. قطاع الطرق، واحد هو الذي يمارس القتل والباقون يساعدونه، هل المساعدين لرئيس العصابة، ولو لم يباشروا القتل كانوا ردءًا ومعاونين فقط، هل يأخذون حكمه في القتل؟ نعم، فلا الحد يقام على جميع العصابة سواء تباشرت القتل أو كنت ردءًا ومساعدًا فقط، الكل سيقتل.

قال: وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيعة المحاربين، و"البيئة" الذي هو الجاسوس، العين، عمر أمر أن يقتل الجاسوس تبع العصابة مع العصابة. تقول: هذا جاسوس، هذا بس يتجسس، ربيعة بده ينقتل معهم؟ هو ساعدهم، نعم. وقال: "البيئة" هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء، ولأن المباشرة إنما تمكن من قتله بقوة الرديء ومعونته فهو مساعد هذا الرديء.

قال: والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وعلى من سواهم، ويرد متسر على قاعدهم». فلذلك هو يقول: إن التناصر سواء في باب الخيرات يثاب أصحابه، وكذلك في باب الشر يعاقب أصحابه.

قال: يعني إن جيش المسلمين إذا برزت منهم سرية فغنت مالًا، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها بظهره وقوته وتمكنت، لكن تنفل عنه نفلة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا معنى يرد متسر على قاعدهم في نهاية الحديث- يرد متسر على قاعدهم، شو معناه؟ يرد مال، إذا كانت سارية راحت جابت مال، فإن هذا المال لا يكون فقط للسرية، لكل الجيش حتى لو الجيش ما راح معهم، لأنهم أخذوا هذا المال بقوة الجيش الذي هو ردء لهم، وهم يعرفون أنه في ظهرهم.

قال: لكن تنفل عنه نفلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينفلون إذا كانوا في بداته الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وسارت سرية نف لهم الثلث بعد الخمس، أظن هذا علقنا عليه صحيح. قال: وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته الغنيمة السرية لأن في مصلحة الجيش، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير. وكذلك العكس، لو أنا شاركت أنا كجيش دخلت معركة وفي بعض الأفراد من الجيش ما دخلوا معي، كنت باعثهم جواسيس أو باعثهم في أمر استطلاعي، يأخذوا من الغنيمة؟ صح، ما شاركوا بس هم خدموا الجيش "لوجستية"، بسميها الخدمات اللوجستية للمعركة.

قال: كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير رضي الله عنهما يوم بدر، أنه كان قد بعثهم في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لها. الخلاصة التي يريد أن يصل إليها ليست موضوع الغنيمة أصلاً، الخلاصة: أعوان الطائفة وأنصارها محسوبون عليها فيما لهم إذا كانت حسنات، وفيما عليهم إذا كانت عقوبات، هذه خلاصة ما يريد أن يصل إليه ابن تيمية.

قال: وهكذا المقتل على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتلين على عصبية ودعوى جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما من قبائل قيس واليمن الذين كانوا يقتتلون عصبية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل صاحبه». [أخرجه البخاري ومسلم]. وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنعة بعضها ببعض كالشخص الواحد.

إذن هو يقول أيضًا: لو أن طائفتان اقتتلتا ظلمًا وبهتانًا لا تأويل فيه، لا تأويل فيه، لأن قد يكون تقاتل قتالًا لأنه مثلاً يعتقد أن هذا الشخص خارجي أو يتأول أنه باغٍ أو شيء، ثم قد يكون الحق لسيف في تأويل، هو يتكلم الآن عن القبائل التي تقاتل على العصبية الجاهلية، ليست المعارك التي يكون لك فيها تأويل في القتال؛ التأويل يكون بين الجماعات الإسلامية، أما هنا فالقبائل التي تقاتل عصبية جاهلية، فهاتان القبيلتان المتقاتلتان ظالمتان، والقاتل والمقتول كلاهما ظالم، وذكر الحديث.

طيب، وكيف يتم التعامل في هذا القتال؟ قتال العصبيات الجاهلية، العشيرة الفلانية قاتلت مع العشيرة الفلانية، قال: في نهاية المعركة بينهم تضمن كل قبيلة للأخرى ما أتلفته من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل. يعني لن نحكي أنت القاتل من هذه القبيلة، أنت الذي عليك تضمن الدية عن ذاك الشخص المقتول، خلص نحن هنا كلها ستشيل، هذه القبيلة ستشيل الدماء والأموال من القبيلة الأخرى والعكس بالعكس. تمام، بس هنا في العادة ما يكون في قصاص لأننا لا نعرف عين القاتل، فسيكون المصالحة هي أنكم تدفعون دية الأنفس والأموال لهذه القبيلة، وهؤلاء يدفعون دية الأنفس والأموال لهذه القبيلة. الفكرة نفسها، يريد أن يقول: لأن الطائفة الواحدة الممتنعة تعامل معاملة واحدة في الأحكام والنتائج، ولا نفصل ونقول فلان لم يقتل، لا، هذا فلان ولكن كانت وظيفته الدعم اللوجستي، لا، فلان هو الذي قتل، الطائفة الممتنعة تعامل معاملة واحدة.

قال: أما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا، كما قد يفعله الأعراب كثيرًا، فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33]، تقطع اليد التي يبطش بها والرجل التي يمشي عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه، ليُحسم الدم ولا يخرج لتفضي إلى تلفه، وطبعًا هذا لا بد مباشرة بعد قطع العضو، حسمه بالزيت حتى لا يموت.

قال: وكذلك تحسم يد السارق بالزيت، وهذا القدر قد يكون أزجر من القتل؛ فإن الأعراب وفسقة الجن وغيرهم إذا رأوا دائمًا بينهم من هو مقطوع اليد والرجل تذكروا بذلك جرمهم. فقول شيخ الإسلام قطع اليد والقدم من خلاف ترى أنه أنكى بالنسبة لكثير من الأعراب من أن تقتله، لا يمكن يقول لك اقتلني ولا تقطع يدي ورجلي من خلاف، لماذا؟ لأنه سيبقى أمام الناس بهذا المظهر فيتبهدل نفسيًا، فيقول لك اقتلني أرحم لي من أن تقطع يدي ورجلي.

بخلاف القتل، فإنه قد ينسى، وقد تؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله؛ فبعض النفوس الأبية تقول لك: اقتلني. فيكون هذا شدة تنكيلاً له.

قال: «وأما إذا شاهروا السلاح ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا، ثم أغمدوا وهربوا، أو تركوا الحراب، فإنهم ينفون». فقيل نفيهم تشريدهم. ما معنى أن ينفوا من الأرض؟ نحن قلنا إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، فخارج الطريق ينفوا من الأرض، فما معنى النفي من الأرض؟

الحقيقة اختلف الفقهاء في معنى النفي؛ فالقول الأول قال: فقيل نفيهم تشريدهم، فلا يتركون حتى يرجعوا إلى بلدهم. هذا القول الأول، أن النفي هو أن يبقى الحاكم يبعث عليهم جنودًا أو شرطة يلحقونهم من بلد إلى بلد، فلا يعرفون الإيواء في بلد، أي لا يطمئنون في بلد.

وقيل هو حبسهم، وقيل هو الحبس؛ النفي من الأرض ما هو إلا أن يسجنوا داخل السجون، وهذا قد يكون اليوم أكثر عملية. القول الأول كان يمكن تطبيقه في قديم الزمان، أما القول الثاني فهو حقيقة العمل اليوم؛ فمن أين تريد أن تذهب لتطاردهم من بلد إلى بلد؟ هذا صعب خاصة مع الحدود الموجودة، فتصير قضية أن يحبسوا هي أمن للمجتمع.

وقيل هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك، وهذا القول الثالث معقول؛ يعني أن الإمام يرى ما هو الأنسب.

قال: «وقتل المروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه؛ لأن ذلك أوحى أنواع القتل». وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم. ما معنى أوحى أنواع القتل؟ يعني أسرعه؛ لأننا لسنا مقصودنا التعذيب، بل مقصدنا إنهاء الوجود.

وقال النبي ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» [رواه مسلم]. وقال: «إن أعفى الناس قتلة أهل الإيمان». فأهل الإيمان هم الذين إذا قتلوا يقتلون بعفة وليس بدموية كما يفعل المجرمون.

وممكن نقول إن القصاص في الرأس أيضًا قريب من الضربة بالسيف إذا كانت مجهزة، وإن كان البعض يقول لا، ضرب السيف أسرع وأمضى؛ لأن الرصاصة قد لا تضمن أين تأتي، فقد تأتي في مكان غير مقتل فتسبب له حالة دماغية وتشوه وأنت لم تقتله، أما ضربة السيف الحادة فهي ثانية، إذا شفت القصاص بالسيف فهو ينهي كل شيء.

قال: «فصلب المخلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم». وهو بعد القتل عند جمهور العلماء، ومنهم من قال يصلب ثم يقتلونهم؛ أي هو نقاش هل القتل يكون قبل الصلب أم يُصلب ثم يُقتل؟ الجمهور على أنه لا، إن الصلب يكون بعد أن يُقتل.

وقد جوز بعض الفقهاء قتلهم بصغير السيف، حتى قال بعضهم: يتركون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنفهم بلا قتل. هذا رأي موجود، وإن كان المشهور أنه يقتلون بالسيف.

قال: «فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص». وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنه: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة». حتى الكفار إذا قتلناهم، فإننا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نَدْعُ أنفهم، ولا نَشُق بطونهم، إلا أن يكونوا قد فعلوا ذلك بنا، فنفع بهم مثلما فعلوا.

شيخ الإسلام يقول: إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفع بهم مثلما فعلوا، والترك أفضل، وهذا هو الأشهر؛ أن الأصل أننا لا نمثل بهم ولو مثلوا بجثث، والبعض يقول يجوز وإن كان الترك أفضل.

قال كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد، فقال النبي ﷺ: «لئن أمهلني الله بهم لأمثلن بضعف ما مثل بنا». فأنزل الله هذه الآية، وإن كانت قد نزلت قبل ذلك في مكة مثل قوله: ﴿۞ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]، وقوله: ﴿... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ...﴾ [هود: 114]، وغيرها من الآيات التي نزلت في مكة، ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية. فقال النبي ﷺ: «بل نصبر».

وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن حصيب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم يقول: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا».

وقد يتنازع الأئمة في بعض أنواع القتل كالتحريق بالنار عند شدة الذنوب؛ فيجوز بعضهم لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أمر بتحريق الناس من المرتدين، وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق الغلاة الذين ادعوا الألوهية، ومنعه آخرون لما روي عن النبي ﷺ من الناهي عن التحريق. وهذا هو المشهور؛ أن الأصل أنك لو قتلت شخصًا لا تقتله بالتحريق، لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه وتعالى، وهذا رأي الجمهور، وإن كان بعض أهل العلم جوّز ذلك بناءً على اجتهاد أبي بكر الصديق وبناءً على اجتهاد علي بن أبي طالب، لكن ابن عباس أنكر على علي بن أبي طالب لما حرق هؤلاء الذين غلوا فيه، فقال ابن عباس: لو كنت مكانه لما حرقتهم ولقتلتهم على وجه القصاص.

أي إذا أخذت بهذا الرأي الذي يقول إنه يجوز أن يقتل القاتل بنفس الطريقة التي قتل بها، فإن الجمهور حتى في القصاص يكون بالسيف.

قال: «ولو شهر المحاربون سلاحهم في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال، فقد قيل إنهم ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث». وقال الأكثرون إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا ما قلته لكم، الصحيح أن قطاع الطريق سواء كانوا في...

الصحراء والطرقات العامة خارج المدن، أو كانوا داخل المدن. الآن هو يعطيك رأياً في ناس قالوا إنهم إذا كانوا داخل المدن لا يعتبروا محاربين، وبالتالي لا يطبق عليهم حد الحرابة. قال لأن المطلوب، حتى تفهم ما أخذ المسألة، لماذا اعتبر بعضهم أن قطاع الطرق والعصابات الإجرامية داخل حدود المدن لا يعتبرون محاربين ولا يطبق حد الحرابة؛ قال لأن المطلوب يدركه الغوث.

يعني إذا هؤلاء هجموا على شخص وأنا داخل مدينة، فأقدر أصرخ والناس تفزعني، فبالتالي مباشرة تهرب العصابات، فصعب نعتبرهم قطاع طرق بهذا المفهوم لسرعة إدراك الغوث، بخلاف لو كنت على الطريق الصحراوي وهجموا عليك، ما بدك تصرخ على من؟ لن يدركك غوث، فضررها في الصحراء أكثر من ضررهم داخل المدن والقرى.

والقول الثاني هو الصحيح حقيقة؛ لأن قضية أن يدركك الغوث أو لا يدركك الغوث هي مسألة نسبية أصلاً، وممكن يدركك الغوث بعد ما يكونوا خلصوا عليك وهربوا، فجعل هذا مناط التفريق ليس قوياً؛ لذلك قال الأكثرون إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا هو القول المشهور عند مالك والشافعي وأكثر الحنابلة من أصحابنا.

قال بل هم في البنيان أحق بالعقوبة من في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فيقتضي شدة المحاربة والمغالبة. المدن لأن الأصل، وأهم شيء في الأنظمة الدولية ما هو تحقيق الأمن، أهم شيء داخل المدن. يعني اليوم عندكم في سوريا لما فتحت، إيش أهم شيء يبحث عنه الناس الآن؟ الأمن، وتنتهي العصابات الإجرامية، هذا عنصر أساسي في قيام الدول، فإذا لم تكن هناك دولة، فلما تصبح عصابة إجرامية داخل المدينة، أنت كعصابة، لكن لما تكوني داخل المدينة وتمارس عمليات القتل والاغتيال والتخويف والترعيب، أنتِ عم تفسدي الجو العام، فإقامة الحد عليك أولى من إقامة الحد على عصابة هي موجودة فقط على الطرقات العامة، طبعاً هؤلاء يستحقون القتل أيضاً، بس أقصد من حيث الأولوية، فهذا ماخذ مهم في التفكير.

نعم، قال لأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالباً إلا بعض ماله. هذه نظرة أخرى؛ أن عصابات الإجرام داخل المدن تهجم على البيت، تأخذ كل شيء فيه، تأخذ الأثاث والكمبيوترات والأجهزة، ولكن لما تكون أنت مسافر، أنت أصلاً ماذا تحمل معك؟ جزء من المال، فلما يأخذوه منك في الطريق الصحراوي هم أخذوا جزءاً، أما في المدن فيأخذون كل الدار، بالتالي عقوبتهم أولى وأحرى.

نعم، قال فهذا هو الصواب، لا سيما هؤلاء المتحزبين الذين تسميهم العامة في الشام ومصر "المنسر"، وكانوا يسمون في بغداد "العيارين"، هؤلاء قطاع الطرق كانوا داخل المدن؛ يسمون في الشام "المنسر"، وهي غريبة هذه العبة، وفي بغداد يسمون "العيارين"، واليوم نحن ماذا نسميهم في الأردن؟ "أتاوات"، جماعة الأتاوات.

قال ولو حارب بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي والمقاليع أو نحوها فهم محاربون أيضاً. قد حُكي عن بعض الفقهاء: "لا محاربة إلا بالمحدد". هذه مسألة، مثلاً هل قطاع الطرق هم الذين يحملون أسلحة نارية أو أسلحة محدودة كالسيوف، أم حتى لو كانوا فقط معهم عصوات هم قطاع طرق؟ قالوا حتى لو كانوا قطاع طرق بس بالعصي، يعني عاملين هراوات كأمثال البلطجية اليوم، وليسوا أسلحة نارية، أو حتى بالحجارة هم قطاع طرق.

نعم، قال وقد حُكي عن بعض الفقهاء "لا محاربة إلا بالمحدد"، وحكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل، وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن، فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين أن من قاتل على أخذ الأموال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجر أو عصا فهو مجاهد في سبيل الله.

نعم، نقول هي هنا وهنا، كما أن المجاهد في سبيل الله مجاهد سواء قاتل بسيف أو عصا أو حجر، فكذلك قاطع الطريق، وقاطع الطريق سواء كان بمحدد أو سيف أو حجر أو ما شابه.

قال أما إذا كان يقتل النفوس سراً لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان يكون لأبناء السبيل، وإذا انفرض بقوم قتلهم وأخذ مالهم وجره إلى منزله بخياطة أو طِب أو نحو ذلك، فيقتله ويأخذ ماله، هذا القتل يسمى قتل غيلة، وتسميهم العامة "المغتالين". فإذا كان لأخذ المال، فهل هم كالمحاربين أو يجري عليهم حكم القود؟ فيه قولان، يعني يعتبر قصاصاً.

الآن هو أعطاك صورة أخرى وهي تحدث كثيراً داخل المدن، بعض الناس عصابات متخفية، يكونون عاملين مثلاً مكاناً للحجامة أو بيتاً للطب، فبدلاً من أن يدخل عندهم امرأة أو صبي، يقومون بقتله، ومثلاً يحشون جسمه بالمخدرات أو يفعلون به أو يأخذون منه ثم يلقون جثته في مكان، أو كما قال لك يكون في خان معين أو مكان معين جالسين، راقبوا بس يشوفوا الجو خلا والمكان فضي، مباشرة يحطون إنساناً في غرفة معينة، يجردونه ويأخذون ما معه من المال ويقتلونه.

الآن هؤلاء أيضاً يعتبرون قطاع طرق أو منتهبين، لأن عندنا ضابطاً في قطع الطريق ذكرناه قبل قليل وهو أن يكون جهراً، فموطن التردد فيهم أنهم ليسوا جاهرين علناً، بل يعملون من تحت الطاولة، بأنهم عاملين بيتاً كأنه محل طب أو حجامة، ويجذبون الناس له بدون أن يعرفوا ثم تتم الجريمة. فهل هؤلاء قطاع طرق أيضاً؟ هم ليسوا مجاهدين بالسلاح علناً، فهل نعتبرهم ليسوا قطاع طرق وبالتالي يقام عليهم القصاص فقط كأي قاتل عمد؟ وهذا بالتالي سيقتضي أنه في إمكانية للعفو إذا عفا أولياء المقتول.

قال فيه قولان للفقهاء: أحدهما أنهم كالمحاربين؛ لأن القتل بحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنهم يسحبون الناس للبيوت الخفية بدون معرفة الناس. والثانية أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد، وأتفق معه أن هذا لا بد أن يعتبر محاربين لأن ضررهم قد يكون أشد.

حقيقة من بعض الزوايا، نعم شيخ، بس هو ذكر أنه قد يكون ضره أشد في الاثنتين، في الأولى وفي الثانية، إيش الوجه؟ مش فاهم.

في الوجه الأول قال: بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يضى به. الثاني قال: بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يضرر به، لا هذه ترجع للأولى ورجع يتكلم عن الأولى، أي حتى الثانية هي الأولى؛ لأنه قال: والأول أشبه بأصول الشريعة.

واختلف الفقهاء أيضًا في من يقتل السلطان؛ في من يقتل السلطان أيضًا قطاع الطرق أو الذين يتجرؤون -ليس على قتل العامة- يتجرؤون على قتل السلطان نفسه، مثل قتل عثمان رضي الله عنه، وقاتل علي عبد الرحمن بن ملجم، قال: «كقتل عثمان وقاتل لعلي رضي الله عنهما»، هل هم كالمحارب فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ لأن في قتله فسادًا عامة.

قال: «فصل، وهذا كله إذا قدر عليهم، فما إذا طلبهم السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا عدوان فتنوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم».

الآن إقامة الحد على المحاربين متى يكون؟ إذا تم القدرة عليهم والحاكم كبس عليهم وأخذهم. طيب، إذا الحاكم طلبهم، بعث رسالة لهذه العصابات: "سلموا أسلحتكم الآن"، هو مش قادر عليهم لسه بس بعث لهم رسالة، إما من خلال وسائل الإعلام أنه عصابات الإتاوات نرجو منكم تسليم الأسلحة ونحن بدنا نحل الأمور، رفضوا ماذا يفعل الحاكم الآن؟ الحاكم وعموم المجتمع يجب أن يتساعدوا في قتالهم، خلص تصبح معركة.

قال: «فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم، كلهم، وإن لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم، يقتلوا، أفضى إلى ذلك». حتى لو القتال أدى إلى قتلهم جميعًا يقتلوا، ما عندنا مشكلة؛ لأن أنتم طائفة ممتنعة عن الدخول للحاكم.

قال: «سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا». يعني يقتلوا، دخلنا معهم في اشتباك، يعني قوات أمنية جاءت على جماعة أتاوات مش راضين يسلموا أسلحتهم، رح يدخلوا اشتباك عسكري، صحيح؟ هل يجوز لأي قوة أمنية أن تقتلهم؟ نعم، حتى ولو كانوا لم يقتلوا سابقًا؛ سواء قتلوا سابقًا أو لم يقتلوا، إحنا طلبنا منكم تسلموا أسلحتكم، أنت مش راضي تسلم سلاحك، أنا كحاكم وظيفتي أحقق الأمن في المجتمع، هذا واجب على الحاكم المسلم، بالتالي ما بدك تسلم سلاحك راح أدخل معك في اشتباك ممكن يؤدي الاشتباك لقتلك، عاد ما تقول لي ليش قتلتني، أنت اللي مش راضي تسلم سلاحك.

قال: «ويقتلون في القتال كيفما أمكن، في العنق وغير العنق». وهذا القتال أصلاً رح يصير، يعني وينما تيجي الرصاصة تيجي. قال: «ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم». هذا قتال، وذاك إقامة حد، وقتال هؤلاء من أكد قتال. فذا اسمه قتال، الآن ما فعله الحاكم الآن في الهجوم على أوكار أصحاب الإتاوات ما اسمه إقامة حد، اسمه إيش؟ اسمه قتال، لأنه اسمه قتال جاز فيه مباشرة القتل بغض النظر هؤلاء ماذا كانت جريمتهم، وجاز أن يقتلوا بأي طريقة كانت؛ لأنه الآن بدي أخلص المجتمع من شرهم، بخلاف ما لو دخلوا -يعني أو كبس عليهم الحاكم ودخلوا- تحت قدرة الحاكم، لا، هناك إقامة حد، ففرق بين القتال وإقامة الحد في التفاصيل.

قال: «وقتال هؤلاء من أكد قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام». لأن في مفهوم عريض في الشريعة الإسلامية اسمه قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام، الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام أنواع، منهم مثلا الممتنعين عن إقامة الشعائر الظاهرة، كأهل بلدة تمنعوا من الأذان أو تمنعوا من الزكاة، تسمى طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام ويقاتلهم الحاكم.

هؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن أو مغارة أو رأس جبل أو وادٍ نحو ذلك، يقطعون الطريق على من مر بهم، وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في جماعة المسلمين والطاعة لإقامة الحدود قاتلوهم وادفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيرهم من الطرقات، وكالجديدة فإنهم يقاتلون كما ذكرنا، لكن ليس بمنزلة قتال الكفار؛ إذ لم يكونوا كفارًا، فلا تؤخذ من أموالهم إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق.

بالتالي لو قتلنا العصابات الإجرامية هل نغنم أموالهم؟ لا، لأنهم مش كفار. لو أنا كحاكم مسلم قتلت عصابة إجرامية ووجدت هناك في وكرهم أموالًا لهم، الآن إذا هم ما أخذوا أموال الناس، هذه الأموال أردها إلى ورثتهم، لأن هذه مش غنيمة، هم مش كفار، هم قطاع طرق مسلمون.

قال: «إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإن عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يعلم عين الأخذ»، وكذلك لو علم، فإن الرد مباشر، لكن إذا عرف عينه كان القرار الضمان عليه. يعني إذا إحنا عرفنا من الذي سرق منهم بالتحديد، بقول له: أنت السارق منهم بدك ترد المال لصاحبه، طيب إذا مش عارفين مين اللي منهم سرق؟ كلهم الآن مسؤولون عن رد المال إلى من سرق منه.

قال: «ويرد ما أخذ منه على أرباب الأموال، فإن تعذر الرد إليه كان صالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم وغير ذلك». طيب مثلاً بقول لك إحنا عارفين أن هؤلاء ماخذين أموال، هؤلاء العصابات الإتاوات ماخذين أموال من الناس، بس مش عارفين إحنا من مين أخذوا، والحاكم نادى يا أهل البلدة من أخذ ماله؟ ما حداش قال، بس إحنا عارفين أن هؤلاء العصابات معهم أموال مش لهم، سارقين بس مش عارفين لمين من صاحب.

هنا هل بنقول خلص ما دام فيش حدا حكى أنا صاحب الحق نترك الأموال مع عصابات الطريق؟ لا، ما دمت أنا كحاكم متأكد أن المال الذي معهم ليس لهم بل هو مال مسروق، إذا عرفت المسروق منه أردة إليه، إذا ما عرفت المسروق منه برضه باخذ المال وبصرف على مين؟ على الجيش الإسلامي، أو أصرف على مصالح المسلمين، ويمكن يعتبر شكل من أشكال الفيء، يصرفه الحاكم في مصالح المسلمين العامة، بس ما بخليه معهم لأنه عرف أنه ليس مالًا لهم وإنما هو مسروق، لكن لم يعرف سارقه المسروق منه.

قال: «بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود ومنعهم من الفساد، فإذا جرح الرجل منهم جرحًا مخانًا لم يجهز عليه إلا».

حتى يموت، إلا أن يكون قد وجب عليه القتل، فإذا هو هرب وكفانا شره، لن نتبعه إلا أن يكون عليه حد أو نخاف عاقبته. وهذه بشكل عام طريقة قتال الطوائف الممتنعة ممن هم مسلمون في الأصل؛ أننا إذا جرحنا شخصًا منهم لا نجهز عليه، وإذا هرب شخص منهم لا نطلبه. قال: «من أسر منهم أقيم عليه الحد الذي يقام على غيره»، ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميس، وأكثرهم هذا كلام ضعيف؛ أكثر الفقهاء يأون ليس كفارًا.

قال: «فأما إذا تحيز إلى مملكة طائفة خارجة على شريعة الإسلام تعينهم على المسلمين، فقتلك قتالهم»، وأما من كان لا يقطع الطريق لكنه يأخذ خفارة إذا تحيز إلى مملكة طائفة خارجة على شريعة الإسلام؛ يعني إذا قطاع الطريق هربوا من دار الإسلام باختصار إلى دار الحرب، لما ألحّ الحاكم بده يحاربهم هربوا من دار الإسلام إلى دار الحرب وأعانوا الكفار على قتال المسلمين؛ هنا يقاتلون قتال الكفار، فيُقتلون مع الكفار ويُجهز عليهم وتغنم أموالهم. لذلك قال: «وأعانهم على المسلمين»، يعني هي العصابة خرجت من دار الإسلام إلى دار الحرب وصارت فرضًا مع اليهود. خيِّب، مثلاً أكيد في 48 ممكن تصير هذه القضية؛ أنهم يصبحوا مع اليهود ويشاركون اليهود في قتل المسلمين، لا، هذه المسألة لا يطبق عليهم قتال المحاربين، ويقال عليهم قتال المشركين، فتغنم أموالهم ويُقتلون ويُجهز على جريحهم ويُطلب هاربهم.

قال: «أما من كان لا يقطع الطريق لكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك، فهذا مكاس»، عليه عقوبة المكاس. أحسنت، اللي زي ما حكى الشيخ أديب قبل شوي؛ اللي عاملين حواجز أمنية ويكونوا على الطرقات الخارجية، تمر عليهم سيارات، يقول له: بدك تمر بدك تدفع لي جمرك أو ضريبة أو شيء، فقال هؤلاء لا يعتبروا قطاع طريق، وإنما يُعذرون وتقام عليهم عقوبة المكاس الذين يجمعون الجبايات الظالمة.

قال: «وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق، فإن الطريق لا تنقطع به»، مع أنه من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، حتى قال النبي ﷺ في الغامدية: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». ويجوز للمظلومين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع؛ يجوز للمظلومين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين، ولا يجب أن يبذل لهم من المال شيء إذا أمكن قتالهم. قال النبي ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد».

هذا الذي تسميه "ط"، إذا أنا طالع على الطريق الصحراوي هجمت علي عصابة، هل يجوز لي أنا كإنسان مظلوم أن أقاتل العصابة؟ نعم، هؤلاء المظلومين الذين تهجم عليهم العصابات يجوز لهم أن يقاتلوا هذه العصابات، ولا يجب أن يبذلوا لهم من المال شيء إذا أمكن قتالهم، يعني إذا أنت قادر تقاتل، أما أنت مش قادر تقاتل، لا خلص أعطه من المال حتى تفتك نفسك؛ لأنك إذا قاتلت ستُقتل وأنت مش مجهز حالك للقتال ولا لمعركة.

قال: «وهذا الذي تسميه الفقهاء الصائل، وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية»، فهذا تعريف العدو الصائل؛ الصائل هو كل ظالم صال على مالك أو عرضك بلا تأويل ولا ولاية. بلا تأويل؛ لأنه ممكن واحد يصول عليك لكنه متأول أنه أنت خارجي أو باغي، هذا لا يسمى صائل وإن كان قد يكون مخطئًا أو قد يقتلك، لأنه هو والٍ عنده سلطة أن يقيم العقوبة عليك. فالصائل هو كل عدو يهاجمك ظلمًا بلا تأويل ولا ولاية.

قال: «أما إذا كان مطلوبًا المال، فإذا كان مطلوبًا المال جاز دفعه بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قُتل، وإن ترك القتال وأعطاهم شيئًا من المال جاز»، ويجوز أن يعطيهم مالًا حتى يفتك عني، إذا أنا مخير بين أن أقتلهم وبين أن أعطيهم من المال لأحافظ على روحي.

أما إذا كان مطلوبًا قطاع الطرق وأنت طالع على الطريق العام الصحراوي هجموا عليك، ومطلوبهم مش المال والعياذ بالله، مطلوبهم عرضك؛ بدهم زوجة يفعلوا بها فاحشة أو طفل يفعل به فاحشة، أو كانت امرأة طالعة بسيارتها اليوم وعلى الطريق العام هجموا عليها بدهم عرضها، هل هي مخيرة بين أن تدافع أو تعطيهم؟ لا يجب عليها المدافعة؟ قال: «وأما إذا كان مطلوبًا الحرمة، مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان أو يطلب المرأة أو الصبي أو المملوك أو غيره الفجور به، فيجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن ولو بالقتل». آه، هنا لا يجوز البدل، هنا يجب عليه أن يدفع عن نفسه ولو بالقتل.

قال: «ولا يجوز التمكين بحال»، لا يجوز أن تمكنهم بحال؛ مثلاً امرأة ممكن تكون على الحواجز جاءها مِحسوم معين عليه عصابات إجرامية قالوا لها: بدك تسلمي نفسك للزنا؟ قال عليها أن تدافع قدر المستطاع حتى إذا والعياذ بالله فعلوا بها يكون هذا بعد أن تمكنوا منها، وليس هي خلص تعطيهم وتسلمهم. أحيانًا بعض الناس قد يفعل ذلك خوفًا، لا، هي عليها أن تدفع قدر المستطاع حتى إذا فعلوا بها والعياذ بالله يكون هذا بعد أن تمكن منها.

قال: «بخلاف المال، فإنه يجوز التمكين منه»، لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو الحرمة غير جائز. وما إذا كان مقصده قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه. وهل يجب عليه؟ في مذهب أحمد، الحالة الثالثة أن يكون مطلوبًا ليس المال ولا الحرمة، أن يكون مطلوبًا أن يقتلك، فهل أنا مخير بين أن أمكنه من قتلي أو أدافع، أم يجب علي أن أدافع؟

لاحظ، «وأما إذا كان مقصود هذا الرجل قتل الناس، جاز له الدفع عن نفسه»، يصير أنا أدافع عن نفسي. وهل يجب؟ على قولين في مذهب أحمد؛ البعض قال لك إن تستسلم للموت، خلص يعني تقول له اقتلني، أنت يوم القيامة تأثم بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار كما قال ابن آدم، والبعض قال لا يجب أن يدافع عن نفسه إلى آخر رمق مثل...

قال: وهذا إذا كان للناس سلطان، وما إذا كان -والعياذ بالله- فتنة مثل أن يختلف سلطانا للمسلمين ويقتل على الملك، فهل يجوز للإنسان إذا دخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف أن يدفع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم ولا يقاتل فيها؟

هناك قولان لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره. فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرمية وقد أخذوا الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس ويردها عليهم، مع إقامة الحد على أبدانهم وكذلك السارق.

هذه هي المسألة التي قال فيها: «وهذا إذا كان للناس سلطان»، تلك هي الأحكام. لكن الآن سيصور مسألة إذا حصلت فتنة بين سلطانين، وكلاهما يقاتل من أجل أن تستتب الغلبة له، فدخل مثلاً جنود من هذه القرية على هذه القرية، أو من هذه القرية على هذه، ودخلوا وهجموا على بيوت الناس ودخلوا على بيتي وأرادوا قتلي؛ هل في هذه الحالة لي أن أدافع عن نفسي، أم يلزمني أن أترك السيف وأن أكسره كما جاء توهم بعض ظواهر الأحاديث وأقول أنا لا أقتل، خلص اقتلوني، فأكون خير الرجلين؟

بعض أهل العلم قال في الفتنة بين السلاطين: لا يقاتل الإنسان ولو دخل على بيته، فإنه يكون المقتول ولا يكون القاتل. وبعضهم قال: له أن يدافع عن نفسه، خاصة إذا لم يكن له علاقة بالفتنة، ودخلوا على بيته، فلست ملزماً بـ«خير ابني آدم» ولا أدافع عن نفسي. وهذا أجده أقرب؛ أنه إذا دخل حتى على بيتك في الفتنة أنا أريد أن أدافع عن نفسي ولست ملزماً استسلاماً تاماً، لكن لو اخترت الاستسلام وأني لا أشارك في الفتنة وأقتل وأحتسب دمي عند الله، فهل هذا الخيار متاح؟ نعم، هذا مقبول.

قال: «فإذا ظفر سلطان من المحاربين الحرمية وقد أخذ الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس يردها عليهم مع إقامة الحد على أبدانهم وكذلك السارق، فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبس والضرب حتى يمكن من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره أو الإخبار عنه بمكانه، كما يعاقب كل ممتنع عن حق واجب عليه أداؤه».

فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نشزت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى توفيه، فهؤلاء أولى وأحرى. انظروا إلى جمال الفقهاء الكبار في القياس؛ هي الأقيسة. يقول الله عز وجل، لماذا أباح ضرب الزوجة؟ إذا امتنعت عن حق واجب عليها، فبالتالي من باب أولى يجوز ضرب قطاع الطرق حتى يعترفوا أين أخذوا هذه الأموال، لأن هذا حق واجب عليهم أن يخبروا عنه، ومن باب «هذا أولى وأحرى».

قال: «وهذه المطالبة والعقوبة حق لرب المال، فإن أراد هبته المال أو مصالحه عليها والعفو عن عقوبتهم على ذلك فله ذلك، بخلاف إقامة الحد». الآن أن يرد الحاكم المال من قطاع الطرق إلى المظلومين هذا ليس حقاً عاماً مثل الحد، هذا حق خاص. فإذا الرجل المظلوم الذي أُخذ منه المال قال: يا حاكم أنا أسامح هؤلاء قطاع الطرق في مالي، ما أريدهم أن يردوا لي إياه، هل له ذلك؟ نعم، لأنه هذا حقك الخاص أنت تنازلت عنه، أما الحد فهو حق عام ليس لأحد أن يعفو عنه.

قال: «وإن كانت الأموال قد ترفت بالأكل وغيره عنده أو عند سارق فقير يضمنونها أربابها كما يضمن سائر الغاصبين». لو لقينا قطاع الطرق باقين ماكلين هذه الأموال، هل تبقى ديناً في ذمتهم؟ يضمنون، هذا الصحيح. كما أن الغاصب إذا غصب شيئاً واستهلك يكون ديناً في ذمته، وهذا قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما، وتبقى مع الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة.

وقيل لا يجمع بين القطع والغرم، وهو قول أبي حنيفة، فأتباع الحنفية هم الذين يرون أنه لا يضمنون، قالوا: خلص إذا أقمنا الحد عليهم وكان المال غير موجود فلا يضمنه، ولا يجمع بين القطع والغرم. وقيل يضمنون مع اليسار، فقد يكونون معسرين، وهو قول مالك، وقيل يضمنون إذا كانوا قطاع طرق في حال السعة، أما إذا كانوا معسرين فلا يضمنون، وهذا قول المالكية. ونحن مع قول الشافعية والحنابلة؛ يضمنون مطلقاً، لأنه لم يطلب منهم أن يعتدوا على أموال الناس.

قال: «ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلاً على طلب المحاربين وإقامة الحدود وارتجاع أموال الناس منهم، ولا على طلب السارقين»، لا لنفسه ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم، بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله، فيخرج فيه من جند المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات.

هذه معي قاعدة مهمة: الحاكم المسلم ليس له أن يطلب من المظلومين جعلاً أو مبلغاً مالياً مقابل ملاحقته لأصحاب العصابات. بعض الحكام هكذا يفعلون، يقول لك: يا أخي تريد أن تلاحق العصابات الإجرامية التي أخذت مالك؟ تريد أن تعطيني نسبة؟ أو تعطي الشباب الذين يطاردونهم نسبة؟ لا، هذا جهاد أنت مطالب به ما دمت حاكماً وعندك جنود، أنت مسؤول عن مطاردة المجرمين وليس لك أن تأخذ جعلاً، يعني مكافأة، أو أن تطالبهم بمكافأة من المواطنين.

قال: «وينفق على المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة». قد يقول لك: من سيصرف على المفرزة الأمنية التي تذهب لتطاردهم؟ حضرتك كحاكم، بما أنك حاكم والمسلمين هم المسؤولون، أنت المسؤول أن تصرف على السرية الأمنية المفرزة الأمنية التي تذهب لتطاردهم، وليس المظلوم هو المسؤول أن يدفع للحاكم حتى يحضر له ماله.

قال: «فإن كان له إقطاع أو عطاء يكفيهم، وإلا أعطوا كفايتهم لغزوة من مال المصالح ومال الصدقات»، فإن هذا من سبيل الله. الحاكم يريد أن يدبر نفسه، إما من أراضٍ إقطاعية يعطي السرية، أو ينظر من...

مال المصالح أو الصدقات، حتى الزكاة؛ لأنه هذا من الجهاد في سبيل الله. قال: «فإن كان على أبناء سبيل مأخذين زكاة، مثل تجارة الذين، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخذ الإمام زكاة أموالهم، وأنفق في سبيل الله، فنفقات الذين يطلبون المحاربين، جاز».

الآن إذا كان المأخوذ المظلومين هم عبارة عن تجار كانوا في رحلة تجارية وتم الاعتداء عليهم من قطاع الطرق، فجاء هؤلاء التجار حكوا للحاكم: طرأ علينا تم الاعتداء على أموالنا وتجارتنا من قطاع طرق. هل يجوز للحاكم يحكي لهم: تعالوا يا تجار، أنتم تريدون أن أطارد المفرزة الأمنية؟ هل عليكم زكاة أنتم؟ قالوا: والله إن علينا زكاة. قال: أعطوني زكاتكم خليني أطلع مفرزة أمنية وأصرف عليها من زكاتكم. هل ينفع؟ قال: هذا ينفع؛ لأنه في النهاية هو أخذ من زكاة أموالهم التي لازم يدفعوها وصرفها على المفرزة الأمنية، وهذا لا يعتبر أنه أخذ من المظلومين، بل هو أخذ من زكاة هؤلاء التجار المظلومين، وهي الزكاة أصلاً ستخرج لأن حق الله أُخذ من هذه الزكاة وصرفها على المفرزة الأمنية، هذا يقول ج نعم.

قال: «ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف، فأعطى الإمام من الفيء أو المصالح والزكاة لبعض رؤسائهم ليعينه على إحضار الباقين، أو لترك شره فيضعف الباقون، وح ذلك جاز أيضا». مثلاً من القواعد المهمة أن الحاكم قد يرى أن هذه العصابة أنا مش قادر أجيبها، هل يمكن من باب سهم الزكاة للمؤلفة قلوبهم أو من باب الفيء أن يعطي الحاكم مالاً لرئيس العصابة مقابل أنه يسلم عصابته؟ يعني نوع من اللفة والدورة، عامل الحاكم أنه قال لرئيس العصابة: أنا بعطيك مالاً وأعطيك زكاة، طبعاً هو لا يعرف من أين المال، المهم ساعطيك مالاً مقابل أنك تسلم لي عصابتك الإجرامية أو تخبرني عن أماكنهم. هذا حقيقة من الذكاء السياسي الذي يجوز للحاكم أن يفعله؛ لأن المطلوب في النهاية القبض عليهم.

قال: «وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم»، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيرهم، وهو ظاهر بالكتاب والسنة وأصول الشريعة. «ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرابة، ولا من يأخذ مالاً من المأخوذ التجار وغيرهم من أبناء سبيله، بل يرسل من الجندي الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذر ذلك فيرسل الأمثل فالأمثل». لابد الحاكم يرسل الجنود الأقوياء الأمناء الذين لا يطلبون جعلاً بعد انتهاء المهمة الأمنية.

قال: «فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى وحو نحوهم من يأمر الحرابة في الباطن بالأخذ أو الظاهر، حتى إذا أخذوا شيئاً قاسم ودافع عنهم، وأرضى المأخذين بعض أموالهم أو لم يرضيهم، فهذا أعظم جرماً من مقدم الحرابة، أن ذلك يمكن دفعه بدون ما يدفع به». ما رأيكم في هذه الفكرة يا جماعة؟ هسه ممكن يكون أصلاً هو صاحب المفرزة الأمنية هو نفسه متعاون مع قطاع الطرق، وهذا كثير اليوم يصير في بلاد المسلمين، وكون هو نفسه هذا المتنفذ هو نفسه له علاقة بالعصابات الحرابة؛ يقول لهم اسمعوا أنتم اهجموا، ولما يجوا يطالبون أني أهجم عليكم أنا بفشل عملية الهجوم ونتقاسم إحنا وإياكم اللي حصلتموه.

فماذا يقول؟ يقول: «فإذا كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى هو من يأمر الحرابة بالهجوم في الباطن أو في الظاهر، وعادة يكون في الباطن، حتى إذا أخذ هؤلاء الحرابة شيئاً قاسم، وفي نفس الوقت دافع عنهم أمام الحاكم، فهذا حقيقة هو جزء من العصابة ويقتل معه». لأنه مجرم، بل بالعكس هذا أسوأ من مقدم الحرابة الذي هو رئيس العصابة؛ لأن رئيس العصابة يمكن أن يكشف مباشرة ويُدفع، أما هذا المتنفذ في الدولة الذي هو متفق مع العصابة من وراء لورا، هذا من سيحميه؟ هذا أحد نواب السلطان، له علاقة بهم في الدولة، حامي نفسه وخابئ خط الرجعة، فظفر بهذا من أهم الأمور.

قال: «والواجب أن يقال فيه ما يقال في الرديء، والعون لهم، فإن قل قتل هو على قول عمر الخطاب رضي الله عنه، قتل هو معهم». هذا المتنفذ في الدولة. قال: «وإن أخذوا المال قطعت يده ورجله، وإن قتل يقطع معهم»، حتى ولو كان متنفذاً في الدولة لأنه أنت الذي عملت لهم الحماية والرد. قال: «وإن قتلوا وأخذوا المال قتل وصلب هو على قول طائفة من أهل العلم، يقطع ويقتل ويصلب، وقيل يخير بين هذين، وإن كانوا لم يؤذن لهم، لكن لما قدر عليهم قاسم الأموال وعطل، وإن كان لم يأذن لهم». يعني هذا المتنفذ في الدولة هو لم يأذن لهم ابتداءً، لكن لما رأى المال الذي بين أيديهم تعاون معهم؛ فليس بمنزلة الذي أذن لهم ابتداءً، وإن كان جرمه من أعظم الجرائم لأنه أخذ من المال الحرام فيعاقب لكن دون عقوبة الأول.

قال: «من أوى محارباً أو سارقاً أو قاتلاً أو نحوهم ممن وجب عليه حد أو حق لله سبحانه وتعالى أو لآدمي، ومنعه ممن يستوفي منه الواجب بلا عدوان، فهو شريكه في الجرم». ولقد لعنه الله ورسوله، وروى مسلم في صحيحه عن علي أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله من أحدث حدثاً أووى محدثه». الذين يحمون الصراخ وقطاع الطرق؛ قد تجد قاطع الطريق والله فزع لرئيس عشيرة، قال له: أنا فجك داخل عليك، فيقول رئيس العشيرة: خلص هذا عندي يا إخوان ما حدا يقرب عليه. أيضاً هذا يعاقب، أنت كيف تحمل المجرمين دخلوا عليك؟ هذه حقوق الله سبحانه وتعالى.

قال: «وإذا ظفر بهذا الذي أوى المحدث، فإنه يطلب منه إحضاره أو الإعلام به، فإن امتنع عُقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك المحدث». فهذا رئيس العشيرة الذي فزع للمجرم، الحاكم يمسك رئيس العشيرة ويقول له: بدك تسلمني المجرم؟ فإذا رفض تسليمه أو الإخبار أين خبأه، الحاكم يضرب رئيس العشيرة مرة بعد مرة حتى يخبر أين خبأ المجرمين. كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب، فما وجب حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها، كما أنه قبل قليل مر معنا أن الحاكم يعاقب.

من لم يؤدِّ المال منهم؛ مش قلنا قبل قليل إن الحاكم يعاقب قطاع الطرق إذا رفضوا الإخبار عن المال، فكذلك يعاقب من حمى قطاع الطرق ومنع إحضاره؛ لأن القاعدة تقول: كل من منع من إحضار واجب يعاقب على ذلك. مش حكينا الزوجة ما الذي يبيح ضربها؟ الضرب غير المبرح إذا امتنعت عن أداء الواجب؛ فكرة متكررة عند ابن تيمية: كل من امتنع عن أداء واجب فلصاحب السلطان أن يعاقبه، وأن يحبسه، وأن يضربه حتى يؤدي هذا الواجب.

قال: ولو كان رجل يعلم مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق هو، ولم يمنعه، فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه ولا يجوز كتمانه؛ فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وذلك واجب. الحالة الثالثة أيضًا: لو كان رجل يعرف مكان الرجل المطلوب أمنيًا، أنا ما خبيته عندي بس أنا بعرف مكانه، أنا ما خبيته ولا أدخل عليّ، بس أنا بعرف مكانه أو بعرف وين المال الذي سرقه وأضاعه، يجب عليّ أيضًا أن أخبر الجهة الأمنية، وهذا من التعاون على البر والتقوى ويحرم عليّ الكتمان.

بعض الناس فكروها مراجل، أنه لا، أنا ماليش دخل، القوة الأمنية هي التي تدخل عليه؛ لا، هذه ليست مرجلة هنا، بل يجب أن تتعاون إذا كنت فعلاً تعرف أنك ظالم وأخذت أموال الناس وأنك مجرم، حتى لو أنا مش مخبٍّ، أنت مسؤول عن إخبارهم بمكانه حتى ينتهي الظلم والتخويف والرعب.

قال: بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبًا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. طبعًا العكس، أما إذا كانت المفرزة الأمنية هي الظالمة وبدها تعتدي على رجل مظلوم، أو بدها تأخذ مالًا على وجه ظلم، فما بصير أخبرهم عن هذا؛ لأنه هذا من التعاون على الإثم والعدوان. قال: بل يجب الدفع عنه؛ لأن نصر المظلوم واجب.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصره إياه». وروى مسلم نحوه عن جابر رضي الله عنه، وعن براء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم المقسم، وإجابة الدعوة، ونصر المظلوم...» هذا موطن الشاهد: ونصر المظلوم.

قال: فإذا امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه، جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به؛ أنه امتنع من حق وجب عليه. لا تدخل النيابة فعوقب كما تقدم، ولا تجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عُرف أنه علم به. فحتى هذا الشخص، أنا كحاكم عرفت أنه يعرف مكان الظالم، أو يعرف أن الظالم خبأ المال، هل للحاكم أن يضرب عمر أو يحبس عمر حتى عمر يقول له أين الظالم أو أين خبأ الظالم المال؟ نعم، إذا كان قد خبأ الظالم أو ما خباه لكن يعرف أين هو ولو لم يكن له علاقة، كل هؤلاء يجوز للحاكم أن يحبسهم وأن يضربهم حتى يعترفوا حماية للأمن العام المجتمعي.

قال: وهذا مطرد فيما يتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة لرجل بحق وجب على غيره ولا عقوبة على الإنسان. البعض يشكل على هذا بإشكال، فيقول: أنت كيف عاقبت عمر وعمر هو مش عامل شيء؟ يعني الواجب مش على عمر، الواجب في رد المال هو على قاطع الطريق، فكيف أنت تعاقب عمر والواجب ليس عليه بل على قاطع الطريق؟ أليس هذا معارضًا لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾؟ أليس هذا معارضًا لقوله: ﴿أَلَّا تَجْنِيَ إِلَّا عَلَىٰ نَفْسِكَ﴾؟ كيف عاقبت عمر فقط لكتمان؟

نعم، قال: إنما ذاك مثل أن يُطلب بمال قد وجب على غيره وهو ليس وكيلًا ولا ضامنًا له، ولا عنده مال، أو يُعاقب بجريمة قريبه أو جاره من غير أن يكون هو قد أذنب ولا ترك واجبًا ولا فعل محرمًا، فهذا الذي لا يحل. أما هذا، فإنما يعاقب على ذنب نفسه وإن يكون قد علم مكان الظالم. فنقول الصحيح: لا، أنا ما عاقبت عمر بجناية ذلك الرجل قاطع الطريق، أنا لماذا عاقبت عمر؟ الذنب الذي فعله عمر هو الكتمان. فالقول إنه عمر ما له دخل وأنا عاقبته بجريمة غيره هذا فهم خاطئ للمسألة؛ أنا عاقبت عمر لكتمانه وليس لجريمة غيره.

قال: هو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي يُطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلقت به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه، بالكتاب والسنة والإجماع؛ إما محاباة وحمية لذلك الظالم كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم بعضًا، خاصة مثلًا في العشائرية اليوم؛ أنا ممكن أكون إنسان من عشيرة معينة شريف، بس بعرف أن قريب اللي في العشيرة مش شريف وأنه هو سارق وأنه أخذ أموال الناس، بس عشان ما أسود وجهي في العشيرة بسكت عنه، خلاص هم اللي يتفاهموا معه؛ حرام، هي قضية العصبية العشائرية فتكَت في الناس. أنك إذا كنت شريفًا وتعرف أن قريبك في العشيرة ليس شريفًا وأنه عنده حقوق للناس، لازم تخبر عنه، هذا حق الله.

قال: فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه بالكتاب والسنة والإجماع؛ إما محاباة وحمية لذلك الظالم كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم بعضًا، وإما معاداة وبغض للمظلوم. وقد يكون هذا الرجل اللي في العشيرة الشريف هو ما بده يخبر عن قريبه لأنه بيكره الحاكم، فإنا ما لي علاقة أنه بيكره الحاكم ومعادي للحاكم، هسه بقول له أنا ما لي علاقة، ابن عمي بس أنا ما راح أحكي لك وين ابن عمي أو وين خبأ المال؛ فإذا هذه إما محاباة للظالم أو لأنه يبغض المظلوم الذي هو الحاكم أو المعتدى عليه.

قال: وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. وإما إعراضًا عن القيام لله والقيامة بالقسط الذي أوجبه الله تعالى، أو جبنًا وفشلاً وخذلانًا لدينه كما يفعله التاركون لدين الله ورسوله وكتابه، الذين قيل لهم: ﴿انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

الأرض وعلى كل تقدير، فهذا الصنف يستحق العقوبة باتفاق العلماء. ومن لم يسلك هذا السبيل عطل الحدود وضيع الحقوق، وأكل القوي الضعيف. ويشبه من عنده مال الظالم، الممتنع من تسليمه إلى حاكم عادل ليوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله، أو لقاربه، أو ممالكه، أو بهائه. وكثير ما يجب على الرجل حق من سبب غيره، كما تجب عليه النفقات وسبب حاجة قريب، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل.

هذه فكرة مقبولة في الشريعة؛ أن يجب عليك حق بسبب غيرك. فعمر رضي الله عنه، اللي بيعرف مكان الظالم أو يعرف أين خبأ الظالم المال، وجب عليه أن يخبر، مع أنه ما له دخل في الموضوع أصلاً، لكن وجب عليه حق بسبب غيره. فأن يجب على الإنسان شيء بسبب شيء فعله غيره هي فكرة مقبولة شرعاً، كما تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريب، وفق نظام النفقات. وإذا وجب علي حق بسبب غيري في العاقلة إذا كان القتل خطأ، فكذلك هنا أنا ما لي علاقة بالمجرمين ولا آويتهم ولا شيء، لكن بعرف مكانهم وجب علي أن أخبر عنهم، فوجب علي حق بسبب غيري.

قال: وهذا ضرب من التعديل عقوبة لمن علم أن عنده مالاً أو نفساً يجب إحضاره وهو لا يحضره، كالقطاع والسراق وحُماتهم، وعلم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه، فما إن امتنع من الإخبار أو الإحضار لئلا يعتدي عليه الطالب أو يظلمه، فهو محسن. وكثيراً ما يشتبه أحدهما بالآخر، وتجتمع شبهة وشهوة، والواجب التمييز بين الحق والباطل.

فإما أن امتنع من الإخبار والإحضار لئلا يعتدي عليه الطالب أو يظلمه، فهنا لي أن أسكت عنه. قد يكون يعرف أن هذا الظالم إذا قدر عليه سيظلم أكثر بكثير مما ظلم. الفكرة أنني أعرف أن هذا الشخص ظالم، لكن الحاكم إذا قبض عليه سيوقع به عقوبة أشد من العقوبة التي يستحقها، هنا لي أن أسكت من باب دفع شر الضررين. "الطالب" هنا هو الحاكم، وقد يظلم الحاكم فيوقع عليه عقوبة أكثر من العقوبة التي يستحقها، فكتمان مكانه هنا إحسان.

قال: وكثيراً ما يشتبه أحدهما بالآخر وتجتمع شبهة وشهوة، والواجب تمييز الحق من الباطل. أحياناً قد أسكت لأن لي شهوة في السكوت، وأحياناً قد أسكت لأنني أتوقع أن الحاكم سيظلم، فهنا كثيراً ما يشتبه عندك شعور إنساني صحيح مع شعور إنساني فاسد، فعليك أن تميز بين الحق والباطل.

قال: وهذا يقع كثيراً في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة؛ إذا استجار بهم مستجير أو كان بينهم قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية والعزة بالإثم والسمعة عند الأوباش؛ أنهم ينصرونه ويحمونه وإن كان ظالماً مبطلاً على المحق المظلوم. لا سيما إن كان المظلوم رئيساً يناوئه، كما حكينا قبل قليل أنه يكون رئيس العشيرة، فيحمي قطاع الطرق حتى يُعرف عنه أنه وجه خير، ويحمينا دوماً ويقف معنا، فيحظى بالسمعة عند الأوباش، أو يكون رئيس العشيرة عنده مشكلة مع الحاكم أصلاً، فهو يدافع عن قطاع الطرق نكاية في الحاكم.

قال: فيرون أن في تسليم المستجير بهم إلى من يناوئه ذلاً وعجزاً، وهذا على الإطلاق جاهلية محضة، وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سبب حروب من حروب الأعراب كحرب البسوس التي كانت من بني بكر وتغلب، وكذا سبب دخول الترك المغول دار الإسلام واستيلائهم على الملوك من وراء النهر وخراسان.

ومن أعز نفسه لله تعالى فقد أعزه، ومن أكرم نفسه فقد أكرمها. قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]. وقال تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۙ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. وقال جل جلاله في صفة هذا الطاغي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206].

إن الواجب على من استجار به المستجير، إن كان مظلوماً أن ينصره، ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه؛ فطالما اشتكى الرجل هو ظالم، بل يكشف خبره. إذا جاءك رجل وقال لك: "افزع لي، ترى أنا مظلوم"، لا تفتح له الباب فوراً بل تأكد أنه مظلوم، فكثير من الناس يصورون لك أنهم مظلومون وتكتشف في النهاية أنهم هم الظالمون.

قال ابن تيمية: "بل يكشف خبره من خصمه وغيره، فإن كان ظالماً رده عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلح أو حكم بالقسط، وإلا فبالقوة. وإن كان كل منهما ظالماً مظلوماً -كأهل الأهواء من قيس ويمَن ونحوهم، وأكثر المتداعي من أهل الأمصار والبوادي- أو كانا جميعاً غير ظالمين لشبهة أو تهويل أو غلط وقع فيما بينهما، سعى بينهما بالإصلاح".

كثير من المشاكل العشائرية الظلم مشترك، يعني هذول ظلم شو؟ وهذول ظلم شو؟ تمام، ما في واحد قصد ظلم الآخر بس كلاهما متأول، هذا بفني خارجي، فعم بلني وأنا عم بفكره موال للسلطان الكافر.

إيش فبقت في نوع تول الآن؟ إذا كانت المشاكل باختصار يعني الحق على الجميع، هنا عليه أن يحاول أن يسعى للإصلاح بين المتقاتلين، ما في حل أنه هذول عندهم خطأ وهذول عندهم خطأ سواء بالظلم أو بالتأويل.

قال: سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۖ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]. «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون». وقال تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

وقد روى أبو داود في السنن عن النبي ﷺ أنه قيل له: «أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟» قال: «لا، ولكن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل». وقال: «خيركم مدافع عن قومه ما لم يأثم». وقال: «مثل الذي ينصر قومه في الباطل كبعير ترد في بئر فهو يجر بذنبه». وقال: «من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهني أبيه، ولا تكنوا؛ أي قولوا له عض آير أبيك»، وكل الآير هو العضو الذكر.

قال: وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة هو من عزاء الجاهلية. بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجري: «يا للمهاجرين»، وقال الأنصار: «يا للأنصار»، قال النبي ﷺ: «أدعوا جاهلية وأنا بين أظهركم»، وغضب لذلك غضبا شديدا.

وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى. انتهى من حد الحراب، وأيضا من الحدود المهمة التي يقيمها الحاكم حد السرقة. والسارق هو الذي يأخذ الشيء من حرزه خفية، وحده في الإسلام أن تقطع يده اليمنى إلى الكوع، قال بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم.

ولا يجوز بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو الإقرار تأخيره بأحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيره، فإن إقامة الحدود من عبادات ك الجهاد في سبيل الله. وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد، وتقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها، سواء كان يوم عرفة أو أيام مباركة في رمضان أو في أي وقت، هذه ما فيها.

قال: ينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطل، ويكون قصده رحمة بالخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه وإرادته العلو على الخلق. أنت الحاكم، الحدود أنت لا تشفي غيظك أو يكون هدفك العلو، وإنما هدفك حماية المجتمع.

قال: بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم لرقة وراءه لفسد الولد. دائما الأمهات لما تشوف الأب بده يضرب الابن تقول: لا ودير بالك وخلينا وما بصير، لو رد الأب على الأم لفسد الولد؛ لا، خلي الأب أحيانا يشد حيرة شوي في الضرب، أحيانا الضرب المفيد الغير المبرر حتى يحصل التوازن.

قال: وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاح لحاله، وهو يؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب. ومنزلته كالطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه؛ يعني إذا الحاكم يجب أن يكون كالوالد أو كالطبيب. قال: ومنزلته كقطع العضو المستكل والحجم وقطع العروق بالفساد ونحو ذلك. أنت لما يكون في عضو فيه فساد أنت إيش بتقوم بقطعه؟ حماية لباقي الجسد، نفس الشيء لما يكون في المجتمع شخص فاسد، أنا ليش بقطعه؟ حماية للمجتمع.

قال: بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة، فلهذا شرعت الحدود. وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها؛ فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع الضرر عنهم، بذلك وجه الله تعالى وطاعت أمره، لين الله سبحانه وتعالى له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة اليسيرة، وقد يرضى المحدود إذا أقيم عليه الحد. وما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة رياسته ليعظم أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده.

يروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يولي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي ﷺ، وكان قد ساسهم سياسة صالحة. فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر: فكيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا. قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة أسواط إلى العشرة. قال: هذه هيبته، هذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمر من السماء. هو يريد أن يقول عمر بن عبد العزيز أقام الحد عليهم والعقوبات لكنه كان يرجو فيهم وجه الله سبحانه وتعالى، فبالتالي أحبوه مع أنه يعاقبهم، أحبوه مع أنه يقيم شرع الله فيهم، وهذا من الله، هي محبة من السماء أنه لما أقام شرع الله فيهم أحبوه.

قال: وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق اليد في عنقه حتى يراها الناس ليتعظ. قال: فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا ورابعا فيه قولان من الصحابة وما بع من العلماء، أحدهما أن تقطع أربعة في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه. البعض يقول إذا قطع الثالثة تقطع يده اليسرى وإذا قطع الرابعة من كمل على رجله اليمين فهيك بتصير قطعنا أربعة أعضاء له. والبعض يقول لا، أي بعد السرقة الأولى والثانية خلص، الثالثة والرابعة فصاع الحبس. قال: هو قول أبي بكر رضي الله عنه، مذهب الشافعي وأحمد في إحدى روايته، وأحمد هذا هو المذهب الفعل عند الحنابلة.

والثاني أنه يحبسه، على قول أبي طالب، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الثاني الحبس، نحن عندنا الحبس، أنت لساتك فوق، أي أنني أقصد الثاني، مذهب الحنابلة أنه يحبس.

قال: «وإنما تقطع يده إذا سرق نصابًا»، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم. نحن معروف أن القطع إنما يكون إذا سرق النصاب، والنصاب هو ربع دينار ذهبي. إذا قلنا الدينار الذهبي 4.25 غرام، فربع الـ 4.25 غرام هو ما يساوي ثلاثة دراهم.

قال: «عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم كمالك والشافعي وأحمد»، من يقول دينار أو عشرة دراهم فمن سرق ذلك قطع. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن الرسول ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم»، والمجن هو الترس، أي في ترس قيمته كذا، فإذا سرق ترسًا بهذه القيمة فإنه يُقطع.

وفي لفظ مسلم: «قطع سارقا في مجن قيمته أربعة دراهم». وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا»، وفي رواية مسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»، وفي رواية البخاري قال ﷺ: «في ربع دينار، ولا تقطع في ما هو أدنى من ذلك». وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، وديناره اثنا عشر درهمًا.

«ولا يكون سارقًا حتى يأخذ المال من حرز»، فأما المال الضائع من صاحبه، أو الثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حافظ، أو الماشية التي لا راعي عندها ونحوه، فلا قطع فيه ولكن يعزر. إذا شخص سرق مالًا لكن ليس من حرز، مالًا مكشوفًا مثل غنم في صحراء ليس لها راعي، أو ثمرًا مكشوفًا ليس في بستان، فهنا يعزر السارق لكن لا يقطع، بل حتى يضاعف عليه الغرم، يعني يجعله يدفع الذي سرقه وزيادة كما جاء في بعض الروايات، لكنه لم يسرق من الحرز فلا يقطع الحد.

قال: «وقد اختلفوا في التضعيف»، ومما قال به أحمد وغيره قال: «تضعيف»، وهو أنه يغرم الضعف، يعني عليه أن يرجع مئة فيجعله يرجع مئتين.

عن رابع بن خديج قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «لا قطع في ثمر ولا كثر»، والكثر هو الجمار، جمار النخل، رواه أصحاب السنن.

وعن جده قال: سمعت رجلًا يسأل رسول الله ﷺ: «يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل، قال: معها حذاؤها وسقاها، تأكل الشجرة وترد الماء، ودع حتى يأتيها باغيها. قال: الضالة من الغنم، قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها. قال: الحريصة التي تؤخذ من مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، وما أخذ من عطن ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. قال: يا رسول الله، فالثمار ما أخذ منها من أكمامها؟ قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنه فليس عليه شيء».

الحريصة التي تؤخذ من مراتعها، من راعي فيها، فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، وضرب تعزير. وما أخذ من عطن -يعني كأنه من المكان- الآن الحريصة التي تؤخذ من مكان الرعي هذا ليس حرزًا، بخلاف التي تكون في العطن، وهي مكان النوم للإبل، فإذا أخذتها من حرز -أي أخذت جملًا من مكان نومه- ففيها القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن.

قال: «يا رسول الله، فالثمار ما أخذ منها من أكمامها؟ قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنه فليس عليه شيء». أخذ منها من أكمامها، يعني على رؤوس الشجر مثلاً، من أكمامها أي من رؤوس الشجر، قال: «من أخذ بفمه»، يعني الذي أخذ حبة أو حبتين ولم يتخذ خبنه، مش ماخذ صحافتين، فهذا ليس عليه شيء. بعض الناس في الطريق يقطف من شجرة طالعة حبة حبة أو حبتين، لا شيء عليه إذا كانت خارج السور، ومن احتمل -والله الذي أخذ صحافتين- قال: «فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال»، هذا إذا لم تكن الشجرة مدلية على الطريق، أما إذا أخذ صحافتين فعقوبته كذا.

«ومن احتمل» يعني شال كيسًا، «فعليه ثمنه مرتين غرامه أيضًا وضربًا ونكالًا»، يعني تعزيرًا. أما إذا الثمار لا تم قطفها ووضعها في المخزن، ثم دخلت على المخزن وسرقت منه، فهنا أنت أخذت من حرز، بالتالي إذا بلغ ثمن المجن وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار فعليك القطع.

قال: «وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثله وضربًا ونكالًا». رواه أهل السنن، ولكن هذا سياق النسائي. وكذلك قال النبي ﷺ: «ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع». المنتهب الذي ينهب شيئًا والناس ينظرون، هذا ليس سارقًا، المنتهب والمختلس هؤلاء يأخذون أموال الناس بغير حق لكن لا يقام عليهم حد السرقة لأن السارق شيء والمنتهب والمختلس شيء آخر. المنتهب هو الذي ينهب الشيء والناس ينظرون، بتلاقي مثلاً في السوق امرأة معها حقيبتها، يأتي شخص أمام الناس فجأة يسحب الحقيبة منها ويخرج، هو لم يدخل على حرز، أخذها في السوق العام ويهرب، هذا منتهب يعاقب ويعزر لكنه لم يأخذ من حرز لأنه أخذ علانية.

قال: «والمختلس الذي يجتذب شيئًا فيعلم به قبل أخذه»، أما الطرار وهو اللص الذي يخطف الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها، فإنه يقطع على الصحيح. المختلس الذي لا يقطع هو الذي يجتذب الشيء فيعلم به قبل أخذه، أي يكشف وهو يجلب الشيء ويختلسه، وفي حقيقة التفسير خلاف.

المختلس يعني فقط حتى للتنبيه، لكن هنا هكذا فسره ابن تيمية: الذي يجذب الشيء، يحاول يمد يده على جيبتك، يحاول لكنه عُرف به وتم القبض عليه قبل أن يأخذه، لسه ما طلعش، ما قدرش يأخذ شيئاً فاكتُشف أمره قبل أن يأخذه؛ هذا مختلس يُعزّر. قال: أما الطرّار وهو البطّاط الذي يبط الجيوب والمناديل، اللي مثلاً بتكون أنت جالس في المسجد بتلاقيه ماسك شفرة كاموس وشق جيبتك بطريقة احترافية وأخذ المحفظة، الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام -قديماً كانوا يضعون أحياناً المحافظ في الأكمام- فهو عارف، فيأتي وأنت في حالة مش منتبه يقصها ويسقطها؛ هنا يرى ابن تيمية أنه يأخذ حكم السارق وليس حكم مختلس، وإن كان البعض لا يرى أن البطّاط مختلس وليس سارق، يعني في بعض المسائل فيها تفاصيل فقهية ليس هذا موطن تحريرها.

قال فصل: أما الزاني فإن كان محصناً فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، الآن خلصنا حد السرقة نروح على حد الزنا. نعم، قال كما رجم النبي ﷺ ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء: هل يُجلد قبل رجمه مئة؟ على قول في مذهب أحمد وغيره، الصحيح أنه لا يُجلد؛ يُرجم دون جلد، الزاني المحصن يُرجم دون الحاجة إلى أن يُجلد قبل ذلك، أن الرجم يكفي، مع أنه طبعاً السبب في خلاف النصوص الواردة في هذا.

نعم، قال: وإن كان غير محصن فإنه يُجلد 100 جلدة بكتاب الله، ويُغرب عاماً بسنة رسول الله ﷺ، وإن كان بعض العلماء خالف، وتفاصيل الإحصان هذه نتركها لكتب الفقه حتى لا نطيل. نعم، قال: وإن كان غير محصن فإنه يُجلد 100 جلدة بكتاب الله ويُغرب عاماً بسنة رسول الله ﷺ، وإن كان بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب. ولا يُقام عليه الحد حتى يشهد أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربع شهادات عند كثير علماء أو أكثرهم، ومنهم من يكتفي بشهادته على نفسه مرة واحدة. ولو أقر على نفسه ثم رجع، منهم من يقول يسقط عنه الحد، ومن يقول لا يسقط.

والمحصن من وُطئ وهو حر مكلف لمن تزوجها نكاحاً صحيحاً، هذا تعريف الإحصان: من وُطئ وهو حر مكلف لمن تزوجها؛ المحصن إذاً هو المتزوج الذي وطئ زوجته وهو حر مكلف. هذا يسمى محصناً، فإذا راح بعدين زنى نقول: أنت زنيت وأنت محصن، يعني باختصار أنت أتيحت لك هذه الشهوة بطريقة جائزة وفعلتها، ليش تروح تمارسها بالحرام؟ فعقوبته ليست كعقوبة من لم يتمكن من الزواج.

نعم، لو كان إنسان متزوج لا يُعتبر محصناً. الإماء ليست على حالة كمال، يعني جرب هذه الشهوة على أكمل أحوالها؛ لأنه في الفقه الإسلامي لا تُعتبر علاقة السيد مع الإماء ككمال العلاقة الزوجية، فأنت جربتها في أكمل أحوالها فلا يحق لك بعد ذلك أن تمارسها بالزنا، هذا هو الضابط، ما هو غيره أكثر من كونه موضوع انتهك حرمة شيء بعد أن حصل كمال لذته؛ بخلاف الإماء فأنت حصلت اللذة لكن ليس بكمالها، تمام والله أعلم.

نعم، قال: فإن وطئ كاملٌ ناقصةً أو بالعكس، ففي إحصان الكامل تنازع من الفقهاء. ومتى وطئها مرة صار محصناً يُرجم إذا زنى، ولو لم يكن حين الزنى متزوجاً. وهل يُشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ على قول العلماء. وهل تُحصن المراهقة البالغ وبالعكس؟ فأما أهل الذمة فإنهم يُحصنون أيضاً عند أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد. أنا قال: زوجتي نصرانية، هل ستحقق لي الإحصان أم لازم تكون زوجتي مسلمة؟ الصحيح أن حتى لو كانت نصرانية ستحقق لك الإحصان؛ ما دام الله أباح الزواج من كتابية، المهم.

قال: إن النبي ﷺ رجم اليهوديين على باب مسجده، وذلك أول رجم في الإسلام. واختلفوا في المرأة إذا وُجدت حبلى ولم يكن لها زوج ولا سيد، أو أن هنا يتكلف؛ أما أهل الذمة فإنهم يُحصنون أيضاً إذا كانوا.. هو يقصد أهل الذمة في المجتمع، مش إذا كانت زوجتي نصرانية، لا، هو يتكلم أهل الذمة في المجتمع المسلم: إذا يهودي زنى بيهودية أو نصراني زنى بنصرانية، هل يُطبق عليهم الحاكم هذا الحد؟ نعم، يُطبق عليهم، فإن النبي ﷺ رجم اليهوديين.

نعم، قالوا: واختلفوا في المرأة إذا وُجدت حبلى ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدعِ شبهة في الحمل، فيها قولان عند أحمد. هل إذا وجدنا امرأة حاملاً وهي فتاة عزباء، ليست لها زوج وليس لها سيد، يعني ليست أمة ولم تدعِ شبهة في الحمل؟ يعني ما حكت أنه والله هي استدعت الحيوان المنوي لشخص؛ هل يعتبر مجرد حمل دليل على الزنا فيأخذها الحاكم يُقيم عليها الحد؟ في خلاف بين أهل العلم حقيقة في ذلك.

نعم، قال قيل: لا حد عليها؛ لأنه يجوز أن تكون حملت بـ.. أو بتحمل؛ ممكن شخص اغتصبها وهي مستحية تحكي، صحيحة ما لهاش زوج ولا سيد، لكن ممكن تكون اغتُصبت وهي استحت أن تتكلم بذلك. نعم، قال: أو بتحمل أو بوطء شبهة. وقيل: بل تُحد، وهذا مأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة. طيب إيش يعني التحمل هنا؟ قال: أو بتحمل، اللي هي فكرة إيش؟ أنه ممكن مثلاً في المستشفى تم إدخال سائل منوي فيها من رجل بدون اغتصاب ولا شيء، تم إدخال سائل منوي فيها تمام، أو ممكن بوطء شبهة، أن أخطأ الرجل فكرها زوجته طلعت مش زوجته.

نعم، قال: وقيل بل تُحد، وهذا مأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها؛ كاحتمال كذبها وكذب الشهود. ابن تيمية إذاً يرى هذا القول: لا، أنها تُحد؛ لأنه ما دامت هي لم تعترف بسبب حملها، هو يستدعيها الحاكم: يا فلانة من وين هذا الحمل؟ أنتِ لست متزوجة ولا لكِ سيد، بيني شو السبب؟ فإذا رفضت أن تذكر سبباً ولم تُبيّن سبباً منطقياً، عندئذٍ أكثر أهل العلم -وابن تيمية يوافقهم- تُحد، حتى ولو لم تعترف بالزنا؛ لأنه بتيجي تقول احتمال أنه يكون سائل منوي من رجل، يقول لك هذا الاحتمال كم نسبته؟ 5%، فبعيد جداً أن يُصدق هذا الاحتمال، فما دامت لم تعترف لماذا هي حامل؟ إذاً أنتِ اللي جبتِ لحالك المشكلة.

نعم، قال: تفضل. وهذه هي أصلاً عند الحنابلة، نحن لا نرجمها، لا نطبق عليها الحد؛ لأننا نأخذ بقاعدة: ادرأوا الحدود بالشبهات. لكن شيخ الإسلام يعني رأى أن هذه احتمالات الشبهات التي تُدرأ الحدود بها، الشبهات المنطقية، أما ابن تيمية يرى أن هذه الشبهة غير منطقية؛ قضية أنه يكون سائل منوي دخل فيها بالخطأ، طب احكي، وبقولك أنتِ اعترفي احكي لنا صار كذا وكذا، ما راح أطبق عليكِ الحد، لكن رفضها للكلام وأصير أنا بس أفترض من عندي افتراضات، هذه ليست شبهة منطقية، فالكلام هنا عن تقييم: هل هناك شبهة ولا لا؟

نعم، قال: أما اللواط فمن العلماء من يقولون: حده حد الزاني. طيب، أما اللواط فعل الرجل بالرجل الفاحشة، والعياذ بالله، فعند الحنابلة وكثير من أهل العلم حده حد الزاني؛ أنه إذا كان محصناً يُرجم، إذا كان غير محصن يُجلد، طيب على التغريب؟ قال: والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة أنه يُقتل الاثنان، الأعلى والأسفل، سواء كانا محصنين أو غير محصنين. القول الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا، أن حد اللواط مش حد الزنا؛ حد اللواط يُقتل الفاعل والمفعول به، وما لهش علاقة لا بإحصان ولا بغير إحصان، أي تلوّط يُقتل الفاعل والمفعول به، طبعاً الأصل إذا كانا بالغين، المراد.

نعم، قال: فإن أهل السنن روت عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه يفعل فعل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه في البكر يُوجد على اللوطية، قال: يُرجم البكر، يعني العزب لو أن أعزب يُوجد على اللوطية قال ابن عباس يُرجم. قال: وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نحو ذلك، ولم تختلف الصحابة في قتله، لكن تنوعوا فيه؛ فروي عن الصديق.. تنوعوا فيه، يعني اختلفوا في طريقة القتل، يقول ابن تيمية لم يختلف الصحابة في قتل اللائط لكن اختلفوا في طريقة القتل، فأبو بكر الصديق أمر بتحريقه.

نعم، قال: وعن غيره قتله، وعن بعضهم أنه يُلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل يُحبسان في أنتن موضع حتى يموت، عن بعضهم أنتن موضع يعني في الخلاء مثلاً أو شيء رائحته سيئة، يموتا خنقاً بالرائحة. نعم، قالوا: وعن بعضهم أن يُرفع أعلى جدار في القرية ويُرمى منه ويُتبع بالحجارة؛ هذا مشهور يعني أنه يُرمى من فوق جبل كفعل كما حصل مع عذاب قوم لوط، يُرمى من أعلى جبل بعدين يلحقه بالحجارة.

نعم، قال: كما فعل الله بقوم لوط، وهي هذه رواية عن ابن عباس رضي الله عنه، والرواية الأخرى قال: يُرجم. وعلى هذا أكثر السلف ومذهب أهل المدينة والشام، وأكثر، فقال الحديث كأحمد في أصح الروايتين، أصح الروايتين على مذهب ابن تيمية، لكن على طريقة المرداوي والمتأخرين لا، الرواية المُصححة عن أحمد هي أنه حده حد الزاني بالضبط، يفرق بين المحصن وغير المحصن. طيب، قال: المهم قالوا لأن الله رجم قوم لوط، طيب، وشرع رجم الزاني تشبيهاً برجم قوم لوط، ويُرجم الاثنان سواء كانا حرين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوك الآخر، أو إذا كانا بالغين، فإن كان أحدهما غير بالغ عُوقب بما دون القتل، ولا يُرجم إلا البالغ.

نعم، يا شيخ، طيب إذا اتفق الصحابة على الرجم، طيب هذا إجماع؟ مو هذه الفكرة، يعني هل هذا هو اتفاق؟ يعني هذا الذي سيناقش فيه ابن تيمية، هل هو اتفاق؟ الذي يظهر أنه إجماع سكوتي، وإجماع السكوت ظني وليس اتفاقاً قاطعاً لا تجوز مخالفته، وإنما هو يراه بإجماع سكوتي، إجماع السكوت هي حجة ظنية ليست حجة قاطعة، عرفت، فبالتالي يعني تجوز المخالفة والاجتهاد؛ أنه لا تستطيع أن تجزم أنه فيه إجماع مستقر.

نعم، قال فصل: أما حد الشرب فإنه ثابت بسنة رسول الله ﷺ، أجمع المسلمين، فقد رووه عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه». وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة، وخلفه المسلمون بعد، طبعاً هذا الحديث أحد الحديثين اللي قال عنهم الترمذي لم يعمل بهما، لأنه أن يُقتل في الرابعة شارب الخمر هذا لم يُعمل به.

نعم، قال: وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة، هو والمسلمون بعده، والقتل عند أكثر العلماء منسوخ، وقيل هو محكم. وقتل في الرابعة (قتل الشارب في الرابعة) منسوخ. نعم، قال: وقد يُقال هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضرب في الخمر بالجريد، وعي 40؛ الجريد اللي هي أوراق النخل. نعم، قال: وضرب أبو بكر 40، وضرب عمر في خلافته 80، وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة 40 ومرة 80؛ فمن العلماء من يقول يجب ضرب الـ 80، ومنهم من يقول لا يجب 40 وزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر، وكان الشارب من لا يرتدع بدونها أو نحو ذلك. إذاً في خلاف في حد الخمر، هل هو 80 أم هو الحد الأساسي 40 وللحاكم أن يوصل الـ 80 من باب التعزير، هذا نقاش.

نعم، قال: فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفي الأربعون تعزيراً، وهذا وجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وقد كان عمر رضي الله عنه لما كثر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس، وبلغ في الزجر عنهم. فلو عزر الشارب مع الأربعين بقطع خبزه أو عزله عن ولايته كان حسناً، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغ عن بعض نوابه أنه تمثّل بأبيات في الخمر فعزله. شيخ، ايش يعني قطع خبزه؟ يعني رزقه من بيت المال، هذا الذي يظهر.

نعم، قال: والخمر التي حرّمها الله تعالى ورسوله، أمر النبي ﷺ بجعل شربها كل شراب مسكر، من أي أصل كان، سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والزبيب والتين، والحبوب كالحنطة والشعير، أو الطرير كالعسل، أو الحيوان كلبن الخيل. بل لما أنزل الله تعالى على نبيه تحريم الخمر لم يكن عندهم في المدينة من الخمر عنب شيء، لم يكن في المدينة شجر عنب، وإنما كان تجد الخيل، لبن الخيل؛ غريبة هذه المعلومة، لبن الخيل يُسكر هو؟ طيب.

قال: فكان عامة شرابهم النبيذ التمري، وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ خلفاً عن أصحابه أنه حرّم كل مُسكر، وبيّن الخمر. شيخ، هنا قول شيخ الإسلام أن الخمر هو كل شراب مسكر، نعم، هل هذا في المذهب معتمد أن المسكر هو الشراب فقط؟ لا، سيناقش هو الحشيشة بعد قليل، سيناقش الحشيشة، حتى في دليل الطالب ذكر أيضاً الجامد.

المسكر مثل الحشيشة، الأصل أنه يشرب أو يؤكل، ليس مثل العطور أو نحو ذلك. هل يمكن التخريج على هذا؟ الآن قضية العطور وما شابه ذلك، هذا النقاش أصلاً في هذه الجزئية: هل مجرد أن يكون الشيء مسكراً، مع أنه ليس في العادة مما يشرب أو يؤكل، هل هذا يجعله نجساً؟ هذا هو النقاش في مسألة العطور الكحولية.

كانوا يشربون النبيذ الحلو، أن ينبذ في الماء تمر أو زبيب أي يطرح فيه؛ والنبذ: الطرح ليحلو الماء، لا سيما كثير من مياه الحجاز فإن فيه ملوحة. هذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين لأنه لا يسكر، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكراً. مياه الحجاز كانت مالحة قليلاً، فكانوا يلقون فيها التمر والعنب حتى تصبح فيها حلاوة؛ فالمشكلة أنه أحياناً مع الحرارة لا تصبح حلاوة فقط، بل تصير خمراً، فلذلك كان لابد من التحري.

لذلك نهاهم أن ينبذوا هذا النبيذ في الأوعية؛ إذا تتذكر حين نهى أن ينبذ في أوعية معينة لأن الحرارة فيها تكون أسرع، فقال: «لا تنبذوا في هذه الأوعية المزفت والنقير والمقير»، وما شابه ذلك، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف الجلدية التي تربط أفواهها بالوكاء. إنها قد تتغير في النبذ دبيباً خفياً لا يشعر به الإنسان، ربما شرب الإنسان وهو يظن أن الشراب لم يسكر بعد فإذا به قد أسكر. فإذا كان في سقاء موكن، موكن يعني له غطاء، وهي القربة، انشق الظرف إذا غلا فيه النبيذ. هذه معلومة مفيدة؛ الأوعية الجلدية التي لها وكاء، يقول لك إذا أصبح الماء الذي داخلها المحلى بالتمر مسكراً كأنه يغلي، فنفس الوكاء يفرط، فأنت تعرف أنه خلص صار خمراً فبتتركها، أما إذا كان مجرد وعاء عادي ممكن الماء تغلي وأنت مش موجود بجانبها وتصير خمراً وأنت مش عارف. فلذلك أمر ابتداء أن يكون النبيذ في داخل الظروف الجلدية، وليس في داخل النقير والمزفت ونحو ذلك من الخشب، ثم رخص لهم بعد ذلك في أن ينتبذ في الأخشاب وما شابه ذلك لقلة الظروف الجلدية.

روي عنه أنه رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية، وقد قال: «كنت قد نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فانبذوا ولا تشربوا مسكراً». هي حقيقة من باب مراعاة ظروف الصحابة، أن أكثر الصحابة كان وضعهم المالي فقيراً، فلم يرد أن يشق عليهم صلى الله عليه وسلم، بس نبههم أنه انتبهوا، انتبه أنه لا تشرب مسكراً. فاختلف الصحابة من بعدهم عن العلماء؛ منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته فنهى عن الانتباذ في الأوعية، ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ في الأوعية. طائفة فقالت إن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ، فاعتقدوا أنه المسكر، فرخص في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر، وترخص في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب، وصوب عليه جميع المسلمين أن كل مسكر خمر يجلد شاربه، ولو شرب منه قطرة واحدة لتداوٍ أو غير تداوٍ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تداوى بها، فقال: «إنها داء وليست بدواء». إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها.

الحد واجب إذا قامت البينة أو باعتراف الشارب، فإن وجدت منه رائحة خمر أو رئي وهو يتقي ونحو ذلك، فقد قيل لا يقام عليه الحد احتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شرب جاهلاً بها أو مكرهاً ونحو ذلك، وقيل بل يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر، وهذا مذهب الراشدين وغيرهم من الصحابة: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، وعليه تدل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي استقر عليه الناس. ذهب مالك وأحمد في غالب نصهما وغيرهما والحشيشة المصنوعة، لماذا جعل أنه يجلد إذا وجد منه رائحة الخمر؟ نفس الشيء، أن الشبهة هنا ضعيفة، أقول لك أنا ما كنتش عارف أنها خمر، فابن تيمية يرى أنها هذه شبهة ضعيفة لا تدرأ الحد إلا إذا كان فعلاً مما يمكن أن يجهل.

والحشيشة المصنوعة من ورق القنب أيضاً حرام، يجلد صاحبها ولو كانت جامدة وليست مائعة، كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من المفاسد. يقول: هي أسوأ من الخمر لأنها بتخلي الرجل عنده دياثة، العياذ بالله، والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها، ورأى أن أكلها يعزر بما دون الحد حيث أنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج. البعض قال إنه لا، إن الحشيش يعزر متعاطيها ولا يجلد لأنها مثل البنج، قد تسبب ذهاب العقل لكن لا تسبب النشوة.

الآن بتعرفوا أنتم هذا ما يسمى الآن قياس الشبه، هذا ما يسمى قياس شبه الآن، تمام؟ هل نقيس الحشيشة على البنج، ولا نقيس الحشيشة على الخمر؟ شو الفرق؟ هسا إذا أنا قست الحشيشة على البنج، البنج يسبب زوال عقل لكن لا يسبب طرب، أنت بتلاقيه رقص ونط ويقفز، وبشكل واضح أنه فاقد، يعني هي تسبب زوال عقل لكن لا تسبب طرب. أنت لما تبنج واحداً في المستشفى بتشوف بيرقص؟ لا، خلص، يعني بيستر ويذهب عقله لكن لا تسبب حالة من الطرب، وأما الخمر لا، هي تزيل العقل لكنها تسبب حالة من الطرب. فالآن الحشيش البعض قال لا يقام فيه حد شارب الخمر لأنها لا تسبب حالة الطرب والرقص والنشوة، وإنما تسبب زوالاً للعقل مثل البنج، فتشبيه قياسها على البنج أشبه من قياسها على الخمر.

ما رأي ابن تيمية في هذا القياس؟ لم يجد العلماء المتقدمين فيها كلاماً، وليس كذلك، بل أكلوها ينتشون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وأكلها تصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة إذا أكثر منها، مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغيرها. بقول لك لا، الحشيش تؤدي إلى ماذا؟ إلى انتشاء، قال: بل أكلها ينتشون عنها، تسبب حالة من النشوة، لذة النشوة. طيب المشكلة أنه أنا يعني إحنا الحمد لله ما تعاطينا هذه الأشياء، فبدك شوي ناس تعرف طعمها وماذا تسبب أكثر وأكثر. ابن تيمية بيقول لك هي تسبب، لا، مين قال لك أنها لا تسبب طرب؟ فهي فيها نوع من الانتشاء، بجوز ليس كانتشاء الخمر، لكن تسبب نشوة وهو نوع من أنواع الطرب، زائد أنها تسبب ماذا؟ دياثة، فيقول هي أسوأ من هذه المواطن، ففيها فساد الخمر، الدياثة والتخنث وفساد المزاج.

لكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شراباً تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال، هنا في نزاع في نجاستها؛ فالبعض قال إن الحشيش مثل الخمر، والبعض قال لا، النجاسة إنما تكون للمائع وليس للجامد. فقيل هي كالخمر، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل لا لجمودها، وقيل يفرق بين جامدها ومائعها. بكل حال، إذا خلت في محرم الله ورسوله من الخمر، مسكر لفظاً أو معنى، وقال أبو موسى رضي الله عنه: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعها في اليمن، البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اشتد يعني يغلي، الاشتداد هو الغليان.

قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمها، فقال: «كل مسكر حرام» متفق عليه في الصحيحين. وعن عمر بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً، وأنا أنهى عن كل مسكر» رواه أبو داود وغيره. لكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفاً عليه أنه خطب به على المنبر فقال: الخمر ما خامر العقل، ما خامر العقل يعني ما غطى العقل ومنع من تفعيله، وهذا يصدق على كل شراب وصل إلى هذا الموضوع.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام»، وفي رواية: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» رواه مسلم في صحيحه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» قال الترمذي حديث حسن، وروى أهل السنن عن ابن سلام، والفرق هو وعاء أظنه يسع ستة عشر صاعاً أو شيئاً كهذا، يعني ما أسكر الفرق منه، فإن شرب ملء الكف منه حرام، وهذا مثل معنى: ما أسكر كثيره فقليله حرام.

وروى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وصححه الحفاظ. وعن جابر رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، فقال: «أمسكر هو؟» فقال: نعم، قال: «كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال»، قال: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار»، رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» رواه أبو داود، والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة. وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل أو أسكره، ولا فرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولاً أو مشروباً، على أن الخمر قد يصطبغ بها، وهذه الحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب، فالخمر يشرب ويؤكل، والحشيشة تؤكل وتشرب، وكل هذا حرام. إنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها لأنه إنما حدث أكلها من قريب أواخر المئة السادسة. الحشيشة إنما اكتشفت في القرن السادس الهجري، بده يقول لك أو ظهرت، فلذلك لم يتطرق لها الأوائل وليس لأنها لا تعامل معاملة الخمر، زي الدخان مثلاً بطلع في الوقت بصير بتقول لي ليش ما تكلم الأوائل في الدخان؟ لأنك تكتشفه متأخراً يعني.

كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة.

فصل: من الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع المسلمون عليه حد القذف، فإذا قذف بعد انتهينا حد السكر، ننتقل إلى حد القذف، وهو أن يتهم الإنسان غيره بالزنا، أن يتهم الإنسان غيره بالزنا بالتحديد بدون وجود البينة الكاملة خلينا نقول. طيب قال: فإذا قذف الرجل محصناً بالزنا أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة، والمراد بمحصناً هنا، ما معنى الإحصان هنا؟ عفيفاً، هذا أساس الإحصان، إذا قذف الإنسان شخصاً محصناً يعني عفيفاً بالزنا. المحصن هنا هو الحر العفيف في باب حد الزنا الذي وطئ وطئاً كاملاً في نكاح تام، إذا شوف الفرق بين تعريف المحصن هنا والمحصن هناك.

فصل: وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبية أو المرأة الأجنبية، أو يباشر بجماع أو يا... الآن انتهينا من الحدود، الآن أي معصية لا حد فيها ولا كفارة فالحاكم يعزر فيها، هي القاعدة العامة. كل معصية في المجتمع المسلم لا يوجد فيها حد مقدر ولا كفارة، من الكفارة في معاصي فيها كفارة، مثلاً من جامع في نهار رمضان في كفارة، من ظاهر من امرأته الظهار حرام في كفارة. الآن أي معصية تظهر للحاكم المسلم من شخص ولا يوجد فيها حد ولا كفارة فالحاكم له أن يتخذ قرار التعزير المناسب، كالذي يقبل الصبي أو امرأة أجنبية، يعني واحد قبل امرأة أجنبية، فيش فيها كفارة، فيش فيها حد مقدر، والحاكم يعني يا يصلخ له كف، يا بيعمل له شغلة معينة.

من الشغلات حتى يصلح أمره، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كدم الميتة، أو يقذف الناس بغير زنا، أو يسرق، أو يقذف الناس بغير الزنا، كان يقذفهم مثلاً بالسرقة، يتهمهم بالسرقة وهم براء. نعم، قال: أو يسرق من غير حرز أو شيئاً يسيراً، أو يخون أمانته كولاة الأموال، كولاة أموال بيت المال والوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك، إذا خانوا فيها، وكوكلاء الشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملات، كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف الكيل والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، أو يعتدي على اليتيم، أو يتعزى بعزاء الجاهلية.

يحكم بغير ما أنزل الله؛ المراد في مسألة معينة غلبه الهوى فلم يحكم فيها بشرع الله، هذا المراد هنا في كلام الفقهاء: يحكم بغير ما أنزل الله، أنه في مسألة معينة، مش المراد الذي يبدل الشريعة ويضع تشريعاً جديداً مخالفاً بصورة مستمرة، فهذا مناط وهذا مناط مختلف. نعم، قال: ودعاوى الجاهلية، إلى غير ذلك من المحرمات. وهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتقديراً بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيراً زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كان قليلاً، وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس أولاده ما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرة واحدة أو صبي واحد، يعني الذي يتعرض بشكل مستمر للنساء في الطرقات تعزيره ليس كمن تعرض لامرأة واحدة وانتهى.

نعم، قال: ليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل، فقد يعزر تعزيراً أقله لا حد له، ممكن التعزير يكون بنظرة، أنظر إليك أنا كحاكم نظرة حادة، تعزير؛ ممكن يكون بقول، ممكن يكون بترك القول، إني أنا كنت أتعامل معك بشكل معين، أعزلك وأبطل أتعامل معك، هذا تعزير؛ فالتز لا حد لأقله. طيب، قال: فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه وإغلاظ عليه، وقد يعزر بهجره وتترك السلام عليه حتى يتوب إن كان ذلك فيه مصلحة، كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة، والمثال الثلاثة الذين خلفوا، التعزير كان بعدم الكلام معهم.

قال: وقد يعزر بعزله عن ولايته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فر عن الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع خبزه هي نوع تعزير له، قطع خبزه يعني رزقه زي ما حكينا. طيب، قال: وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزل عن الإمارة، فتعزير له، فعزل عن الإمارة تعزير له. وقد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبة. تسويد وجه يعني كانوا يضعون على وجهه مثل الفحم حتى يصبح وجهه أسود، وأحياناً يركبونه على الدابة بالشقلوب.

طيب، قال: وقد يعزر بالحبس وقد يعزر بالضرب وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبة، كما قد روي عن عمر أنه أمر بذلك في شاهد الزور، فإن الكاذب أسود الوجه فيسوّد وجهه، وقلب الحديث فقلب ركوبه. وأما أعلاه فقد قيل: لا يزاد على عشرة أسواط، وقال كثير من العلماء، هذا بالنسبة لأقل، أما أعلى التعزير ففيه خلاف، أعلى التعزير القول الأول أنه لا يزاد على عشرة أسواط كحد أعلى في الضرب، القول الثاني قال وقال كثير من العلماء لا يبلغ به الحدود، البعض قال لا يجوز الزيادة على عشرة أسواط لكن لا يبلغ به الحدود، الآن عبارة لا يبلغ به الحدود حقيقة لها معنيان، المعنى الأول قال ثم هم على قولين في تفسير ما معنى لا يبلغ به الحدود.

القول الأول منهم من يقول: لا يبلغ به أدنى الحدود، لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر أربعين أو ثمانين، لا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد وهي العشرين. التفسير الأول لجملة لا يبلغ به الحدود أنه لا يبلغ به أدنى الحدود، الآن ما هو أقل جلد في الحدود؟ حد الخمر إذا قلنا إنه أربعين وإذا قلنا إنه ثمانين، فبيكون زيه زي القذف، فبيكون هذا أربعين أو ثمانين، فالبعض قال لا يبلغ به الحدود يعني لا يبلغ في الجلد أدنى حد من الحدود، بالتالي إذا قلنا مثلاً أنه حد الخمر أربعين، أعلى جلد في التعزير بده يكون كم؟ تسعة وثلاثين، مهما كانت المعصية التي سيعزر فيها، أعلى جلد يمكن تجلده كم؟ تسعة وثلاثين، لأنه أقل حد هو كم أربعين.

القول الثاني ومنهم من يقول: قال وقيل بل لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه، وإن زاد لحد جنس آخر، فلا يبلغ بأخذ المال، هي الفكرة القول الثاني في تفسير معنى لا يبلغ به الحدود، أنه لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه، وإن زاد على حد جنس آخر، شو معنى هذا الكلام؟ الآن الأمور المتعلقة بالنساء، الحد الذي فيها حد الزنا صح؟ حد الزنا كم الجلد فيه؟ مئة، فأي شيء بدك تعزر فيه رجل تعرض للنساء في الطرقات أو قبل امرأة، المهم أنه ما بدك تجلده سبعين بيطلع لك، بدك تجلده ثمانين بيطلع لك، بدك تجلده تسعة وتسعين بيطلع لك، بس المهم ما توصل مئة، لأنه مئة للزنا، مع أني أنا لو جلدته لأنه قبل امرأة تسعة وتسعين، أنا زدت على جلد القذف وجلد شرب الخمر لأن جلد القذف وشرب الخمر كم ثمانين، أنا هنا لأنه قبل امرأة جلدته تسعة وتسعين، هل يجوز أن أصل؟ نعم، لأن هنا أنت ما وصلت إلى الحد المقدر في جنس هذه المعصية.

لو الإنسان مثلاً أكل طعاماً محرماً، ونقول والله أعلى حد في المطعومات هو حد الخمر أربعين فرضاً مثلاً أو ثمانين، فإذا أكل شخص طعاماً محرماً شرب دخاناً، بدك تعاقبه وأنت تعرف الدخان حرام، فخلي واحد من الناس يزعله، فهنا أنت كيف ستقيم الحد؟ تسعة وثلاثين، التعزير تسعة وثلاثين أنه أعلى شيء في المشروبات والمطعومات حد الخمر، طيب القذف التي هي الشتائم، في الشتائم أعلى شتيمة القذف فيها كم؟ ثمانين، فإذا رجل شتم شخصاً في دون القذف، اتهمه بالسرقة أو بالخيانة، فبما أني آجي أعاقبه كحاكم بجلده تسعة وسبعين فأقل، وهكذا.

نعم، شيخ لو كان مثلاً عندنا الزنا ثمانين جلدة، إذا فعل هو أشد من الزنا، يعني مثلاً والله زنى وكانت في دبر أو كذا، يعني زاد على الحد الأصلي للزنا، هل يزاد في عقوبته؟ ماشي، بس هل وصل إلى صورة الحد؟ نعم، وصلها وزاد عليها، يعني هو مش بس ماشي، إذا وصلها وزاد عليها أنت رح تقيم الحد وستعزر ما بعد ذلك على الزيادة التي زادها، إذا كانت زيادة لا يوجد فيها حد مقدر.

قال: وإن زاد على حد جنس آخر، فلا يبلغ بأخذ المال من غير حرز قطع اليد، وإن ضرب أكثر من حد القاذف، ولا نفعل بمن فعل، مثلاً رجل سرق مالاً من غير حرز، الآن سرقة الأموال نهب الأموال شو فيها؟ الحد قطع، فأنا ممكن هذا القطع الآن بتر عضو، بالتالي هي عقوبة شديدة، فإذا الشخص أخذ المال من غير حرز ممكن أضربه أنا بالسوط تسعة وتسعين أو ممكن أضربه حتى مثلاً تسعين أو خمسة وتسعين، ممتاز، مع أن هذا أكثر من حد القذف، حد القذف كم ثمانين، بس ما هو أيهما أشد؟ قطع يد السارق ولا الجلد ثمانين؟ لا قطع اليد أشد، بالتالي أنا إذا جلدته تسعة وتسعين ولا خمسة وتسعين بيطلع لي، لأنه هو صح ما وصلش إلى حد السرقة، لكن هو سرق في النهاية وأخذ من غير حرز، فبيطلع لي أجلده هذا الجلد وإن كان أعلى من حد القذف، لأن السرقة القطع فيها أعلى من الجلد في القذف.

قال: ولا نفعل بمن فعل ما دون الزنا حد الزاني، وإن زاد على حد القذف، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً نقش على خاتمه وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضرب مئة، ثم ضربه في اليوم الثاني مئة، ثم ضرب في اليوم الثالث مئة، شايف جلد ثلاثمئة مرة، لأنه قطع يد السارق ترى إخواني هو حتى أسوأ من جلد الزاني مئة، يعني أنت بتر عضو، فهو يعني بعد القتل، قطع اليد بعد القتل، بعدين الجلد. نعم، بالتالي السرقة أنا ممكن أوصل فيها لثلاثمئة سوط، السرقة من دون حرز ممكن أوصل فيها لثلاثمئة سوط.

نعم، قال: وروي عن الخلفاء الراشدين في رجل وامرأة وجدا في لحاف يضربان مئة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي جارية امرأته يضربان مئة، باعتبار وصل لحد الزنا بس ما زادش عليه، بس الأصل يكون أقل من حد الزنا، ليس كذلك إلا أن يكون اعتبره بشكل آخر. طيب مرت معنا، بس أنا مفكر يعني هو الآن لا بد ألا يبلغ به، ممكن، آه ممكن يكون محصناً عشان هيك وصله لهذه الطريقة، أنه هو لازم يرجم لمن كان محصناً، فوصل لهذا، ماشي ممكن صح.

قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي جارية امرأته إن كانت أحلتها له جلد مئة، وإن لم تكن أحلتها له رجم، هذا القول أظهر، جلد مئة مثلاً لأنه هو أصلاً محصن، فلما أحلتها له شبهة فعزرنا، قال: وهذا القول أظهر الأقوال، وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره، والقولان الآخران في مذهب الشافعي رضي الله عنه، والقولان الأولان في أعلى التعزير، اللي هو لا يزاد على عشرة أسواط، والقول الثاني أنه لا يبلغ به الحدود.

أما مالك فحكي عنه، إذا الشافعية والحنابلة عموماً على أنه أعلى التعازير أما عشرة أسواط لا يزاد عليها، والقول الثاني ما هو يجوز الزيادة على العشرة أسواط لكن لا يبلغ به الحدود، المالكية يرون، لا مالكية من أوسع المذاهب في التعزير، فيرون أن التعزير قد يصل إلى القتل، يجوز أن يصل بالتعزير إلى القتل. فقال مالك وغيره فحكي عنه أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، وافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم، إذا جس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله، منع أبو حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة القاضي أبي يعلى، وجوز الجاسوس المسلم يجوز قتله، طبعاً إحنا عرفنا الجاسوس المسلم إذا لم يحكم بردته، أنه مش كل جاسوس مسلم مرتد، ناقشناها عقدياً سابقاً، فالجاسوس المسلم يجوز أن يصل التعزير فيه إلى القتل، هكذا مثلاً يقول المالكية وبعض الحنابلة.

نعم، قال: وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير، فمثلاً تعزير المبتدع الداعي إلى بدعته بعض المذاهب جوزوا أن يصل تعزير المبتدع الداعي إلى بدعته للقتل، نعم. قالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة، لا لأنهم كفار مرتدون، وهذا ملحظ مهم، حتى ما أحد يحتج أن مالك حكم بتكفير أعيان القدرية، هنا يقول لك إنه إنما أمر بقتلهم ليس أنه كفر أعيانهم، بل دفعاً لفسادهم في الأرض لا لردتهم، وهذا مهم في باب أن يعرف مقاصد السلف في فتاواهم.

طب شيخ مش قدرية زمانهم من فاق العلم مش ضروري مش شرط، لأنه هذا مفهوم القدرية مفهوم شوية مطاط. نعم، قال: وكذلك قد قيل في قتل الساحر، إن أكثر العلماء على أنه يقتل، وقد روى الترمذي عن جندب موقوفاً ومرفوعاً أن حد الساحر ضربه بالسيف، وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قتله، قال بعضهم لأجل الكفر، وقال بعضهم لأجل الفساد في الأرض، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حداً لا ردة، لأنه ليس كل ساحر هو كافر.

نعم، قال: وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه التلصص أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك، وقد يستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله، فإن هذه عبارات شوية تحتاج إلى شرح أكثر، كما يقتل من تكرر منه التلصص أو اغتيال النفوس، ماذا يقصدنا باغتيال النفوس؟ لا أخذ المال يعني هو ليش؟ من تكرر منه اغتيال النفوس، يعني هو لو اغتال أول نفس يقتل، طيب هذه أحتاج أراجع فيها التفاصيل، قصد الاغتيال هو القتل، أحسنتم هذه الفكرة، أنا شاعراً والاغتيال المعنوي شيخ، اغتيال النفس معنوياً؟ نعم، ممكن شيخ مثلاً أنه يخفيه أو يطلب عليه دية أو كذا، قتل الغيلة خفاء، هذا كأنه يخفيه أو يمنع، لا قتل الغيلة معروف، هذا قتل بس قصده مصطلح غيلة يعني هو خفاء فيه، فيه إخفاء أو فيه يعني أنا لذلك قلت لك كلمة اغتيال هنا تحتاج أن توجه ما مرادنا باغتيال النفوس، لأنه لو من أول مرة قتل نفسه يقتل، فكيف؟

تكرر منه التلو أو اغتيال النفوس لأخذ المال، ويقصد شيئاً معيناً، حتى في مذهب الحنفية يجب أن يراجع ما يقصده هنا ابن تيمية بهذا الكلام. هل يؤثر مسلم مقابل تمام؟ لا أنا ما عندي مشكلة، بس هل هذا يسمى اغتيالاً؟ هذا في عرف الخلق يسمى اغتيال النفوس، أنا استوقفتني العبارة.

قال وقد يستدل على أن المفسد مات من قشره إلا بقتل فيقتل، بما روى مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه». يعني من أتاكم وأنتم مجتمعون على حاكم واحد وسلطان واحد والأمن مستتب، يريد أن يخرج على السلطان المسلم، فاقتلوه. نعم فهذا يؤكد فكرة جواز أن يكون التعزير يصل إلى القتل، هذا دليل يستدل به على جواز أن يصل التعزير إلى القتل في حال كان ناجعاً، دواء ناجعاً.

نعم قال: في رواية «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان». وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة، بدليل ما رواه شارب الخمر في الرابعة، الحديث الذي قال الترمذي لم يعمل به أحد، ثم يقول يمكن أن يعمل به، أن يكون قصد به النبي صلى الله عليه وسلم في قتله في الرابعة التعزير فقط، وليس أنه حد لا بد منه، ممكن يقول ابن تيمية.

نعم قال: بدليل ما رواه أحمد في المسند عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله، إني بأرض نعالج بها عملاً شديداً، وأنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، عملاً شديداً يعني عندنا وظيفة صعبة، يشتغلون في مناجم ولا في أشياء شاقة فنحتاج شراب قوة، كيف الناس تشرب شراب القوة، فشراب القوة كان هو خمر. نعم قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه، قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم. يعني تعزير، وكأنها طائفة ممتنعة، فهذا قتل، إذا كانت ممتنعة كالطائفة الممتنعة تريد أن تشرب الخمر، فقال إذا أصروا على شرب الخمر ورفضوا تركه، سيقاتلون قتال الطائفة الممتنعة.

نعم قال: وهذا لأن المفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل، وجماعة هذا قياس جيد، قال إن المفسد الذي يفعل شيئاً فيه فساد يقاس على الصائل، ومر معنا أن العدو الصائل في باب المحاربين يقتل، فكذلك المفسد في الأرض لو لم يكن فساده في القتل لكن أفسد، يعامل معاملة الصائل فيجوز قتله، هيك بدي أقول لك.

لا، هو هذا أنت من الإجماع حتى الترمذي قال لم يعمل به أحد فيما بلغ، أو نقول لم يعمل به أحد على وجه الحد، ابن تيمية يقول لك أنا معكم لم يعمل به أحد على وجه الحد، لكن وجه التعزير هذا باب آخر في مساحة الاجتهاد، لأن المالكية أصلاً يرون أن التعزير في اجتهاد الحاكم قد يصل للقتل.

نعم قال: وأجمع ذلك أن العقوبة نوعان، أحدهما على ذنب ماض، جزاء بما كسب نكالاً من الله على ذنب ماض، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب والسارق، وكذلك تعزير من سرق دون النصاب، وتعزير الخائن ومزور الشهادة وعلامه ونحو ذلك. والثاني العقوبة لتأدية حق واجب أو ترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم في إنابته إلى قتل، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤديها، فالتعزير في هذا الضرب أمثل منه في الضرب الأول، ولهذا يجوز أن يضرب به هذا مرة بعد مرة حتى يؤدي صلاةً وجبت عليه. وهذا يعني قاعدة جيدة، أن العقوبات الشرعية على نوعين، عقوبة على ذنب حصل وانتهى، شخص زنى وخلص يعاقب على شيء مضى، رجل سرق وخلص يعاقب على شيء مضى، النوع الثاني لا، عقوبة على ترك واجب لا بد أن يفعله، أو على حرام يخشى من وقوعه في المستقبل.

فمثال ذلك المرتد، المرتد إنما يعاقب على حالة الآن هو فيها، ويستتاب ويحبس حتى يعود عنها فهي عقوبة، فإن تاب وإلا قتل، كذلك تارك الصلاة الآن يحبس ويدعوه الحاكم من أجل ماذا؟ أن يصلي في المستقبل ويترك ترك الواجب، كذلك مانع الزكاة، فهذا كله التعزير فيه. قال فالتعزير أمثل منه في الضرب الأول، يعني أهم منه، وعادةً أصلاً التعازير إنما هي في هذا القسم الثاني وهي العقوبة لتأدية حق واجب أو ترك عن المستقبل، هذا هو مش مجال الحدود، هذا مجال التعازير، أما القسم السابق فهو مجال الحدود، سرقة صارت وانتهت، قذف صار وانتهى، حرابة صارت وتم القبض، فالقسم الأول هو مجال الحدود فيه أكثر، أما القسم الثاني فهو مساحة التعزير فيه أكبر.

والحديث الذي في الصحيحين عن مسلم أنه قال: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله»، قد تطمح المراد بحدود الله محرم لحق الله من الحدود، في لفظ ككتاب وسنة يراد الفصل بين حلال وحرام، مثل آخر حد وأول الحرام، ويقال في الأول ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، ويقال في الثاني تلك حدود الله فلا تقربوها. لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله، ما معنى الحد هنا؟ ابن تيمية يقول هذا له معنيان، الحد قد يفسر بمعنى العقوبة، وقد يفسر الحد بمعنى المعصية.

إذا قلنا لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد بمعنى العقوبة، يعني إلا في عقوبة من العقوبات المقدرة شرعاً، فبالتالي يكون معنى الحديث لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من الحدود المقدرة شرعاً، حد الخمر، حد القذف، حد الكذا، بالتالي نعم يكون صحيحاً أنه إذا أعلا التعزير لا يزاد فيها على عشرة أسواط، لأنه قال لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من الحدود المقدرة شرعاً. أما إذا فسرنا الحد بمعنى المعصية، فسيكون معنى الحديث لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في معصية من معاصي الله، فيكون معناه أنه إذا أنا عاقبت ابني على كسله مش على معصية ما بصير أجلده مثلاً أكثر من عشرة، إذا أنت عاقبت زوجة، بديش تجيب زوجة واحد يسمعنا يفكر طيب، شوفنا إيش شو في عندك كمان مثال؟ تلميذ، أحسنت، إذا فكرت أنه حكينا الزوجة اليوم كثيراً، يفكر الناس أنه نحن، لا بس هو لأنه هو الأمثلة التي يأتون بها، لو عاقبت التلميذ على مش معصية بس على عدم حل الواجب فرضا، تعاقب مثلاً بس ما بتزيد على أكثر من عشرة، لأنه هذا ما فعل معصية، أما إذا عاقبت ابناً أو زوجة أو تلميذاً على معصية، فالمعاصي يجوز في التعزير فيها الزيادة على أكثر من عشرة أسواط.

إذا هذا الحديث هو أحد أسباب الخلاف الكبير أنه هل التعزير يجوز الزيادة فيها على عشرة أسواط ولا لا، الخلاف في فهم ما معنى كلمة حد من حدود الله. قال أما تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث، ممكن ولذلك ابن تيمية يرى أن كلمة الحد هنا الأقرب أن تفسر بمعنى معصية، ويرى أن تسمية العقوبات المقدرة شرعاً حدود، تسميتها حدود، قال هذا عرف للفقهاء المتأخرين وليس في نص الكتاب والسنة. نعم قال مراد الحديث أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز، لا يزيد على عشر جلدات. وبناء على هذا يصح معنى الحديث أن من ضرب لحق نفسه وليس لحق الله، يعني ضرب الرجل امرأته في النشوز أو ضرب الرجل ابنه للكسل أو أنه لم ينفذ أمره أو ضرب الأستاذ تلميذه لتأخره عن الطابور الصباحي.

والجلد الذي جاءت به الشريعة هو الجلد المعتدل بالسوط، فإن خيار الأمور أوسطها، كما قال علي رضي الله عنه: ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين، يعني مش جلد مبرح ولا خفيف ما يشعر بالألم، ضرب بين ضربتين. نعم قال ولا يكون الجلد بالعصي ولا المقارع، ولا يكتفى فيه بالدرة، بل الدرة تستعمل في تعزير، أما الحدود فلا بد فيها من الجلد بالسوط، وكان عمر رضي الله عنه يضرب بالدرة، فإذا جاءت الحدود دعاه بالسوط، ولا تجرد ثيابه كلها، بينزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشية والفراء ونحو ذلك، ولا يربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه».

نعم قال لا يضرب مقاتله، فإن المقصود تأديبه لا قتله، ويعطى كل عضو حقه من الضرب، كالظهر والأكتاف والفخذين، ويوزع الضرب، ما تضلك تضرب على الظهر، وزع شوي على الظهر شوي على الأفخاذ شوي على الأقدام حتى ما يكون في إتلاف لعضو معين.

العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان، أحدهما عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم، والثاني عقاب الطائفة الممتنعة التي لا يقدر عليها إلا بالقتال، هذا هو جهاد، هذا تقسيم آخر للعقوبات الشرعية التي يطالب الحاكم بإقامتها، فيقول العقوبات التي جاءت بها الشريعة إما عقوبة لأقوام مقدور عليهم، يعني خلص هم الآن تحت السلطان، أما واحد زي الزنا، شرب الخمر، أو مجموعة زي ما حكينا المحاربين اللي كبس عليهم السلطان، فإذن هذه عقوبة على أناس مقدور عليهم، وهذه عرفنا الحدود إذا كان فيها حد يقام عليهم، أو التعزير إذا لم يكن فيها حد، هذا اللي خلصنا منه سابقاً. العقوبات التي يقيمها الحاكم على المقدور عليهم سواء كانوا واحداً أو عدداً، أما هناك عقوبات مقدرة زي الزنا والسرقة، أو عقوبات تعزير، الصنف الثاني لا، عقوبات على الحاكم أن ينزلها بأناس غير مقدور عليهم، وهو ما يسمى بالطوائف الممتنعة اللي حكينا عنه قبل شوي، قرية ممتنعة عن السلطان في فعل واجب من الواجبات الظاهرة أو ترك محرم من المحرمات الظاهرة، فكيف سيتعامل معهم السلطان؟ هؤلاء مش قادر عليهم، سيتعامل معهم بماذا بالقتال، لا بد أن يواجههم عسكرياً.

قال هذا هو جهاد الكفار أعداء دين الله ورسوله، فكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به، أعلى الطوائف الممتنعة من هم؟ هو الكفار، أعلى الطوائف الممتنعة هم الكفار، ثم يأتي بعد ذلك المسلمون الفساق الذين امتنعوا عن شعيرة من شعائر الإسلام. نعم قال فكل من بلغت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعث به فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وكان الله لما بعث نبيه صلى الله عليه وسلم أمره بدعوة الخلق إلى دينه، لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله حتى هاجر المدينة، فأذن له للمسلمين بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 39-41].

ثم بعد ذلك وجب عليهم القتال بقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

وأكد الإيجاب وعظم أمر الجهاد في عامة السور المدنية، الآن سيذكر ما ذكر آيات الجهاد والقتال في السور المدنية، طبعاً إخوة هنا ننبه على قضية أن أحد الإخوة يقول البارحة يعني أحياناً نحن نقفز عن بعض الآيات، المقصود المرور على كليات كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، تمام فالطالب وأنت بدك تقرأ لا أنا حديث أنك تقرأ الآيات تمام، لكن أحياناً ابن تيمية تأتي خمس ست صفحات هي في الآيات القرآنية التي يستدل بها على أصل معين، أنا أريدك أن تفهم أننا نتكلم عن أصل معين وهذه الآيات دليل عليه، أنت وحدك اقرأها ومهم، لكن أنا فقط من باب اختصار الوقت عليكم قد أتجاوز بعض الصفحات وأترك الأمر للطالب هو الذي يمارس هذه القراءة، فقط طيب، بالتالي هنا مثلاً آيات كثيرة.

الجهاد في سبيل الله وضرورة قتال الطوائف الممتنعة عن الإسلام أصالة، ثم يقاس عليها من امتنع عن شعيرة من الشعائر. ذكر ما يورده عن أعمالهم وما يشرع من الأعمال والأمر بالجهاد، وذكر فضل الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر؛ ولهذا كان أفضل ما أُعطي الإنسان، وكان اتفاق أفضل من الحج والعمرة. والجهاد مقدم على الحج كما دل الكتاب والسنة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد، ولأمة الجهاد، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة درجة». سأتي بأحاديث التي تدل على فضل الرباط والجهاد، وهذا الباب يود، نعم قال هذا الباب وأسعر في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدنيا والآخرة، في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة؛ فإنه يشتمل على ما يحب الله عز وجل، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله سبحانه وتعالى، وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. فالجهاد إذاً من أفضل الأعمال، فيه من الأمور الباطنة والظاهرة، ومجاهدة النفس والهوى، ومجاهدة العدو، ومما يجعله أفضل أنواع العبادات.

نعم قال القائم به من الشخص والأمة بين أحد الحصنين دائماً؛ إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. ثم إن الخلق لا بد له من محيا وممات، ففيه يستعمل محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين ونقصه فيه؛ أي ففي الجهاد، نعم قال وفي أن من الناس من حياتك تكون حياة مجاهد، وشهادتك تكون موت شهيد، وفي تركه؛ أي في ترك الجهاد، ذهاب السعادتين وهم النصر والشهادة. نعم قال فإن من الناس من غلا في الأعمال الشديدة في الدين والدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه النفس حتى يصدف الموت؛ الموت الشهيد أي أيسر من كل ميتة، جميل هذا الكلام. فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين والدنيا مع قلة منفعتها، بتلاقيه يروح يعيش في جبل وحده وعلى رأس صومعة، ويتعب ويتعب ويتعب وعمل شديد، لكن منفعته محدودة، فالجهاد في سبيل الله أنفع من كل عمل شديد، وإن كانوا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].

نعم قال فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات، وإذا كان أصل القتال المشروع والجهاد مقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين. أما من لم يكن من أهل ممانعة المقاتلة، كالنساء، والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمن، ونحوهم، فلا يقتل عند الجمهور، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله. نعم نحن في الجهاد لا نقتل نساء العدو ولا صبيانهم ولا الراهب ولا الشيخ الكبير، بل حتى الأعمى والزمن؛ المقعد، الزمن من هو المقعد المشلول. نحن لا نقتل هؤلاء من الكفار، فلا يقتل عند الجمهور من هؤلاء إلا من أشار بقوله أو فعله؛ فقولنا المرأة إذا كان لها رأي في المعركة لا هذه تقتل، الشيخ الفاني إذا كان له رأي ومشورة في المعركة يقتل، الزمن إذا كان له أنك شاركت في قتالنا ولو برأيك. نعم وهذا يدل على أن الإعلام سلاح فتاك، فمن شارك العدو ولو في الإعلام هو من العدو يقتل معهم، امرأة كان أو شيخاً فانياً أو زمناً.

نعم قال وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع بمجرد الكفر، لا النساء والصبيان كونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب؛ فإن القتال، هو صحيح أن القتال للكفار ليس للكفر، بل للمحاربة؛ يعني لو سُئلت سؤالاً: ما علة قتالنا للكفار؟ تحديد العلة مهم، إذا قلت سبب قتالنا للكفار هو الكفر، إذاً سنقتل كل كافر شيخاً فانياً راهباً زمناً، لأن علة قتله ما هو كفره، ونستثني النساء والصبيان لأن هؤلاء سبايا. أما إذا قلنا علة قتالنا للكفار ليس الكفر، علة قتالنا لهم أنه محارب لنا، فهل هذه العلة موجودة في الشيخ الفاني؟ لا، هل هي موجودة في الراهب في صومعته الذي في حاله وبباله؟ لا، بالتالي لا يجوز أن أتعرض لهم بالقتل. نعم القتال وما يتبعه من القتل حصل، لا أنت الآن تتكلم عن جهاد الطلب أصلاً، يعني هذا النقاش كله في جهاد الطلب، عندما تقاتل الدولة المسلمة الدولة الكافرة هل علة قتالنا لهؤلاء الكفر أو المحاربة؟ قالوا المحاربة، بدليل أن أنا إذا ملكت الحكم عندهم واستولت عليه لن أقتلهم، بل سآخذ منهم الجزية، فإذن ليس علة قتالي معهم ثم قتلهم إن استوجب الأمر هو الكفر، وإنما علته أنه إذا كافر محارب، وليس أنه كافر فقط؛ لأنك لو جعلت العلة أنه كافر فقط بغض النظر محارب أو غير محارب، فأنت ستقتل الجميع حتى الشيخ الفاني لأنه كافر، والزمن لأنه كافر، والراهب لأنه كافر. ولكن هؤلاء كفار لكن ليسوا محاربين، فبالتالي علة القتال وما يتبعه من القتل إن حصل هو المحاربة، الكفر أنه كافر محارب، وليس أنه فقط كافر.

نعم، نعم لا لا هذه أمر هذا ما دخل في هذه النقطة أصلاً، حتى لا يقال إن علة كذا، نعم لكن كعبارة علة المقاتلة هي المحاربة، سيفهم منها أنه إن لم يحاربوني لا ينبغي أن أقاتل. لا لا ليس هذا هو المراد، المراد من كان هو في طور الاستعداد ليحارب ويواجهنا ويمنعنا من نشر الدين أو أن يكون الدين كله لله، فليس المراد بالمحاربة المحاربة فعلياً، لا المحاربة بالقوة كذلك. يعني ما دام ليس بيني وبينك مصالحة فانت محارب، هسه هل أنت ممن يقاتل فعلياً أو أنت شيخ فانٍ وزمن وراهب؟ إذاً أنت لست ممن يقاتل فعلياً، إذاً أنا ما راح أقاتلك وما راح أقتلك، إذاً أنت ممن يقاتل فعلياً، يعني لو صلح القتال لقاتلت، لو صلح سموها المقاتل بالقوة، ففي هذه الحالة يجوز أن أقاتلها، ما دام ليس بيني وبينه هدنة ولا معاهدة ولا مصالحة. الآن إذا وجد طبعاً هدنة ومعاهدة ومصالحة، هنا لا يجوز قتال الجميع الشاب والم، الشاب لأن هنا في أصلاً معاهدات. طيب ممكن أيضاً في هذه القضية أنه هو ما أصل العلاقة بين المسلم والكافر؟ يعني بين الدول المسلمة والدول الكافرة، ما هو أصل العلاقة؟ أصل العلاقة هي الحرب، نعم أصل باتفاق المذاهب اتفاق الأمة، هذه أصل العلاقة هي الحرب، هذا هو الذي يحكم العلاقة إلا إذا أصبحت هناك هدنة ومعاهدات ومصالحات، وهذه لا يجوز أن تكون دائمة أبدية، وإنما مؤقتة بمدد محدودة وفق ما يراه الحاكم المسلم من الاجتهاد.

نعم قال والأول هو الصواب، فإن القتال هو لمن يقاتلنا، فإذا أردنا إظهار دين الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، إذاً ولا تعتدوا. نعم قال وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر على امرأة مقتولة في بعض غزواته، قال وقد وقف عليها الناس فقال: ما كانت هذه لتقاتل، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفاً؛ يعني أجيراً. وفيها عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: لا تقتل أجيراً، هذا يعني رجل أجير عند دولة كافرة هو ما له علاقة بالموضوع، جاي يعمل مشروع ويروح، فهذا لا يقتل معهم، يعني ليس له علاقة بهم. نعم قال وفيها عنه كان يقول: لا تقتل شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]؛ أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد مما هو أكبر منه، وبالتالي من المحاربة هو الإصلاح، وليس القتل بحد ذاته. يعني نحن لا نريد قتل الكفار أن يقتلوا، فليس القتل مقصوداً لذاته في محاربتهم، وإنما المقصود ما هو؟ هو الإصلاح.

نعم قال فمن منع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، شايف فأي نظام أي دولة كافرة سمحت للمسلمين أن يحكموا وأعطوهم المساحة، نحن ما لنا علاقة، ما لنا أي مصلحة في قتلهم. قال فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، هو مش مانعني بالتالي أنا ما راح أقاتل حتى ولو كان كافر. نعم قال هذا قال الفقهاء إن الداعية لبدع مخالفة الكتاب والسنة يعاقب بما يعاقب به الساكت، هذا يعني زي المبتدع الساكت، بس المبتدع الساكت ضرره على نفسه، فأنا ما راح أحبسه وما راح أضربه وما راح أعزره، لأنه مشكلته على نفسه؛ بخلاف المبتدع الذي ينشر بدعته، فنفس الشيء فرق بين الكافر المحارب والكافر غير المحارب. نعم قال وجاء في الحديث أن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن أظهرت فلم تنكر ضر العامة، ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليه منهم، بل إذا أُسر رجل منهم في القتال أو غير القتال؛ مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل به الإمام الأصلح من قتله واستعباده والمن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء الكتاب والسنة، وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليهم في ذاته منسوخة. فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا جزية عن يد وهم صاغرون، ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم، إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب.

وأيما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، ركز إذاً ما مفهوم الطائفة الممتنعة؟ امتنعت عن شرائع فيها وصفين: ظاهرة؛ يعني علنية، ومتواترة؛ يعني متفق عليها قطاً، لأنه الآن إخوان العبادات، في عبادات بطبيعتها عبادات شخصية أنت بتقوم بها داخل المنزل، وليست عبادات بطبيعتها مظهر عام، زي إيش عبادات شخصية؟ صيام، يعني مثلاً لا خلينا نقول شهر رمضان كظاهرة عامة مشهور، مثلاً الغسل داخل بيته الوضوء، أشياء خاصة بالشخص تعبدياً، والأنعام لا يبعث عليها المصدقون؛ يبعث المصدقون ليأخذوها، فأي شعيرة ظاهرة في المجتمع ومتفق عليها متواترة، يمتنع المجتمع من أدائها أنا كحاكم مسلم سأقاتل هذه القرية أو هذا المجتمع حتى يقوم بتأدية هذه الشعيرة، أو العكس إذا كان يفعل محرماً ظاهراً متواتراً ومصرون عليه كشرب الخمر أو ما شابه ذلك، سأقاتل حتى يمتنعوا من هذا المحرم الظاهر المتواتر.

نعم قال فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنه مانعي الزكاة، فقال أبو بكر مانعي الزكاة كثير من أهل العلم يرى أنه ليس قتال مرتدين كان، وإنما قتال طائفة ممتنعة بخلاف قتال مسيلمة الكذاب، كان قتال مرتدين فليس كل من قاتلهم أبو بكر كانوا مرتدين، وإن كانت تسمى حروب الردة بالمعنى العام. نعم نعم قال وقد كان قد توقف في قتال بعض الصحابة ثم اتفقوا حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال على منعها لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه حق. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة».

نعم فالخوارج هم نموذج من نماذج الطوائف الممتنعة ممن تنتسب إلى الإسلام، نعم قال في رواية مسلم عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم، أمتي يقولون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل»؛ لا يعني لو يعلم الجيش الذين يقتلون الخوارج ماذا لهم عند الله من الثواب الجزيل لقتال الخوارج، ثم خلص نكلوا عن العمل؛ طبعاً هذا مبالغة، مبالغة أن ثوابكم عظيم سيكفيكم أن تدخلوا الجنة ولو لم تفعلوا بعد ذلك عملاً صالحاً. نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذا الحديث: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «حتى تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما فئة مارقة تلي قتلهم أولاهم بالحق». فهؤلاء الذين قتل؛ أي تلي قتل الخوارج أولى الطائفتين بالحق من معاوية وعلي. ومن الذي قاتل الخوارج؟ علي رضي الله عنه، فهذا من القرائن التي تدل على أن علياً كان أصح من معاوية رضي الله عنهما جميعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي سيقتل الخوارج أولى الطائفتين بالحق»، فهذا يدل على أن علياً مقدم على معاوية فيما حصل من الخلاف.

قال: فهؤلاء الذين قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لما خرجت الفرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون الحرورية، بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلا الطائفتين مفترقين من أمته، وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام، وفرقوا الجماعة، واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم.

وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أن يقاتلوا من خرج عن شريعة الإسلام، وإن تكل بشهادتين. وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، ولو تركت سنة راتبة كركعة الفجر، هل يجوز قتالها؟ على قولين. فالواجبات والمحرمات الظاهرة مستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق؛ حتى يلزم أن يقيم الصلوات المكتوبات، ويؤدي الزكاة، ويصوم شهر رمضان، ويحج البيت، والتزام ترك المحرمات كمنكح المحرمات وأكل الخبائث والعدوان على المسلمين في النفوس ونكاح المحارم.

وقتال هؤلاء واجب ابتداءً بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بما يقاتلون عليه، فأما إذا بدؤوا المسلمين فتأكد قتالهم كما ذكرناه في قتال الممتنعين. والطائفة الممتنعة إذا هم الذين هاجمونا، لا بصير قتالهم أولى فأولى، بخلاف إذا هم ما هاجمونا، فنحن سنقاتلهم بعد أن نتأكد من قيام الحجة عليهم حقاً.

قال: وقتال هؤلاء واجب ابتداءً بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بما يقاتلون عليه، فأما إذا بدؤوا المسلمين فتأكد قتاله كما ذكرنا في قتال الممتنعين من المرتدين في قطاع الطريق، وجهاد الواجب الكفار الممتنعين عن بعض الشرائع كمانع الزكاة والخوارج ونحوهم، يجب ابتداءً ودفعاً. فإذا كان ابتداءً فهو فرض على، يجب ابتداءً أنه احنا نبادر بالقتال، ودفعاً في حال هم هجموا علينا. ففرض الكفاية إذا قام به من يكفيه سقط عن الباقي؛ أي إذا كان ابتداءً اللي هو جهاد الطلب خلينا نسميه، فجهاد الطلب فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي.

قال: وكان الفضل لمن قام به، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]. فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم، يصبح فرض عين على كل القرية، وهذا ما يسمى بجهاد الدفع. وعلى غير المقصودين إعانتهم، حتى القرى المجاورة لهم تصبح يجب عليها مساندة القرية التي استهدفها العدو لإعانتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72].

وكما أمر المسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة قاتل القتال أو لم يكن؛ يعني هنا لما أنت تهاجم بلدتك أنت يجب عليك أن تدافع، سواء كنت جندياً لك رزق من بيت مال المسلمين أو كنت حتى إنساناً عامياً، مش لازم تكون الكل يشارك في الدفاع عن بلده. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة، المشي والركوب. كما كان المسلمون لما قصدهم عدو عام الخندق لم يأذن لهم في ترك الجهاد لأحد، كما أذن في ترك الجهاد ابتداءً لطالب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13].

وهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلاء كلمة الله. فقتال الدفع هو قتال اضطرار، وقتال الطلب هو قتال اختيار، شوف الفرق بينهم. فغزوة تبوك ونحوهم فهذا النوع من العقوبة هو الطوائف الممتنعة؛ مثلاً غزوة تبوك هي جهاد طلب، وغزوة الخندق جهاد دفع؛ فلذلك في غزوة الخندق لم يسمح لأحد أن يتخلف، لكن في غزوة تبوك لما جاؤوا يستأذنون وإن كان فيهم نفاق أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلفوا لأنها جهاد طلب.

فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود والمعاملات وغيرها. من كان أما العصاة والمذنبون داخل ديار الإسلام الذين هم تحت قبضة السلطان، فهؤلاء لا يشكلون طائفة ممتنعة، فيلزمهم الحاكم بأداء الواجبات وترك المحرمات، لكن لا يسمون طائفة ممتنعة.

من كان لا يصلي من جميع الناس، مثلاً الناس اللي ما بتصلي في المجتمع عندنا، هؤلاء يؤمرون بالصلاة؛ فإن امتنع عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء، وأكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصلِ، فيستتاب فإن صلى وإلا قتل. وهل يقتل كافراً أو مرتداً أو فاسقاً؟ على قول؛ يعني تارك الصلاة لما يقتل، هل يقتل كفراً ردة أو يقتل حداً؟ في خلاف بين المذاهب على قول المرتدين في مذهب أحمد وغيرها. والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب، فمن جحد الوجوب فهو كافر بالاتفاق. أما إذا كان هو أصلاً لا يرى وجوب الصلاة، فهذا كافر بالاتفاق بدون خلاف.

يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعاً، ويضربوه عليها لعشر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع». وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة واجبة ونحوها، ومن ثم ذلك تعهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري. وصلى مرة بأصحابه على ظهر المنبر فقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي».

وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجزئ المنفرد الاختصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر. وكذلك الإمام لما يصلي بالناس عليه أن يكمل نوافل الصلاة، ولا يقتصر فقط على ما يجزئ. الآن إذا أنا صليت وحدي منفرداً ممكن أقتصر على القدر المجزي، أما إذا كنت أصلي بالناس فمن كمال إمامتي بالناس أنه أصلي بهم الصلاة بكامل سننها، وكذلك على إمامهم في الحج، وكذلك أميرهم في الحرب؛ أن يكملوا الحج، وأن يكملوا الحرب على تمامها.

ألا ترى أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أطرف لموكله وللمولى عليه وجه الأصلح له في ماله؟ وفي مال نفسه يفوت نفسه ما شاء، فأمور الدين هي الأقيسة اللطيفة؛ يعني يقول لك إذا أنا كنت وكيلاً عن شخص في ماله، أنا كوكيل لازم أتصرف لشخص بالأصلح، أما إذا كنت بتصرف في مالي الشخصي بفعل اللي بدي إياه حتى لو كان مش أصلح. نفس الشيء، إذا أنا كنت إماماً للناس بدي أصلي أفضل صلاة فيهم، أما إذا كنت بصلي وحدي ممكن أقتصر على المجزئ ولا أتمم النوافل. ففرق بين أن تكون متولياً لغيرك وبين أن تكون تفعل لنفسك.

ومتى اهتم الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين الحكام والرعية دينهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه، فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. يجب على الحاكم أن يخلص النية لله ويكون ناصحاً لرعيته، ثانياً أن يتوكل على الله في تطبيق أحكام شرعه، فهما أمران: أن يكون الحاكم مخلصاً لله ناصحاً لرعيته، وأن يتوكل على الله في تنفيذ الشريعة.

فإن هاتين الكلمتين قد قيل إنهما تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء؛ الإخلاص والتوكل. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض غزواته فقال: «يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين»، فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها؛ أي الكفار، فبها استعان النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الكفار، فجعلت رؤوس الكفار تسقط عن رقابهم، وهذا يدل على عظم التوحيد والتوكل. وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه، قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحية يقول: «اللهم منك ولك».

وأعظم عون لولي الأمر خاصة ولغيره على أمور الأحوال الإخلاص لله والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن، والثاني الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة، والثالث الصبر على أذى الخلق وغيره من الذوائب. ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيراً، كقوله في الموضعين: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: 45]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 114-115]. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]. وكذلك في سورة ق: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]، وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97-98].

وأما اقتران بين الصلاة والزكاة، فاقتران كثير جداً في القيام بالصلاة والزكاة والصبر، يصلح حال الراعي والرعية. إذا عرف الإنسان ما دخل في هذه الأسماء الجامعة، مثل ما يدخل في اسم الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص دين الله والتوكل عليه، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وغوث الملهوف وقضاء حاجة المحتاج، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل معروف صدقة»، ويدخل فيه كل إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة.

الصحيح عن عدي بن حاتم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار بشق تمرة فليفعل، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة». قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن شيئاً ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن»، وروي عنه أنه قال لأم سلمة: «يا أم سلمة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة».

بالصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ وعفو الناس، ومخالفة الهوى وترك الأشياء، ترك الأشر والبطر؛ فإن الصبر على السراء أشد من الصبر على الضراء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 9-11]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين». وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].

وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36]. وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]. قال الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من بطنان العرش: ألا ليقم من أجره على الله، ولا يقوم إلا من عفا وأصلح.

وليس حسن النية للرعية والإحسان إليهم أن تفعل ما يهوون ويتركون ما يكرهون؛ ليس من الإحسان للرعية أن تفعل ما تهواه الرعية، بل أن تفعل ما يصلح الرعية حتى ولو كانوا لا يهوون. فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71]. قد تريد مهرجانات غنائية، قد تريد مجوناً، قد تريد فساداً أخلاقياً، لا، ليس من الإحسان إليهم أن توافق هواهم. وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7]. وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كره من كره، ولكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهون.

قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه»، وقال: «إن الله يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».

فإن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: «والله إني أريد أن أخرج إليهم مرة من الحق»، يعني أريد أن ألزم رعيتي بشيء من الحق فيه مرارة، فماذا يفعل؟ قال: «فأخاف أن ينفروا»، أي لا يردوا عليه بل ينفروا. فاصبر حتى تأتي الحلوة من الدنيا، يعني مثلاً يأتي زيادة رواتب، غنيمة أوزعها على أهل المدينة، قال: «فانتظر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها». فبصدر قانون فيه شيء حلو وفي شيء مر، فيتحملون المر لأنه جاءهم الحلو.

شوف السياسة، لأنني إذا أصدرت قانوناً فيه شيء مر عليهم، وهو حق، ستجد أنه في نفرة، فمن الدهاء أن الحاكم يعرف كيف يستجلب الحق من راعيته بأيسر السبل. وهذا كما يكون في علاقة الحاكم مع الرعية، يكون في علاقة الأب مع أبنائه، وهي أيضاً نوع من السلطة. أنت تريد أن تحمل أبناءك على حق، خذهم في رحلة، وهم في الرحلة والمشاوي شغالة، أصدر الفرمانات العسكرية التي تريدها في المنزل، فيشيلوا هذه وهذه. فمن السياسة أن تأخذ بها لأنه أنت بسطت، فيتقبل المر من الحق الذي تريد أن تنزله. كذلك زوجتك، خذها مشواراً واطلع واشترِ، ثم أصدر الفرمان تاعك، هذا من الدهاء المطلوب، وهذا تعلمناه من السلف الصالح رضوان الله عليهم.

عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ذكر ابن عبد الحكم في سيرته، وكذلك نقل السيوطي وغيره، أنه لما دخل عليه ابنه في مرض موته، قال له: «يا أبتِ، ماذا ستقول لله إن قال لك إنك في كل يوم تحيا فيه بدعة وتموت فيه سنة؟»، فقال بما معناه: «لو حملتكم على سنة ما استطعتم»، هذا أقصى ما تستطيعون، سقف الممكن في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وكذلك كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يرده، وكان محتاجاً إلا بها، أو ميسوراً من القول. وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه بالصدقات ويرزقه منها، فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»، فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء. انظر، النبي ﷺ منع الهاشميين من الصدقات، لكن أعطاهم مقابلها حتى لا ينفروا من الحق، أعطاهم لهم سهم من الخمس، وعلم أن ما غنم من شيء طيب.

وتحاكم إليه علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم في ابن ابن أخيه حمزة، فلم يقضِ بها لواحد منهم، ولكن قضى بها لخالتها، ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم. هو يريد أن يؤكد على هذه القضية، أن ابنة حمزة بن عبد المطلب كانت يتيمة، توفي والدها واستشهد في غزوة أحد رضي الله عنه، فقضى بولايتها وحضانتها لخالتها، ولم يقضِ بها لعلي ولا لجعفر ولا لزيد، لكنه طيب خاطر الثلاثة. لاحظ أنه كان مراً عليهم أنه ما يعطيهم ابنة حمزة، لكنه عوضهم بما يسر خاطرهم، فقال بكلمة حسنة: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتِ خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا».

ينبغي للولي الأمر في قسمته وحكمه، فإن الناس دائماً يسألون ولي الأمر عما يصلح من الولايات والموال والمنافع والشفعة والحدود وغير ذلك، فيضعه في الحد. ومن جهة أخرى، إن أمكن أن يرد السائل بميسور من القول ما لم يحتج إلى الإغلاء، فأن ترد سائلاً يؤلمه، خصوصاً من يحتاج إلى تأليفه. وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10].

الفكرة أن رد السائل يؤلم أي إنسان؛ أي إنسان يأتي للحاكم أو للأب أو للشيخ يطلب منه شيئاً، إن تردَّ ناشفاً، فالرد المؤلم يؤذي. عود نفسك أن تكون دبلوماسياً، تعرف إذا كنت غير قادر أن تعطيه هذا الشيء، أو لا يصلح أن تعطيه هذا الشيء، كيف تطيب خاطره بالبديل على حسب البديل المتوفر.

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ذُو الْقُرْبَىٰ فَآتِهِ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: 26-28]. إذا كان أقاربك أتوا ليسألوا كما تساعدهم به وما عندك رزق، ربنا يقول لك: إذا لم تستطع الإنفاق عليهم، فاعرض عنهم ابتغاء انتظار رحمة من الله وهو الرزق، فقل لهم قولاً ميسوراً.

معنى "فقل لهم قولاً ميسوراً" يعني بشروا بالخير، قل له: "أبشر يا أبا فلان، إن شاء الله أول ما تأتي بإذن الله ما بقصر معك".

وإذا حكم على شخص، فإنه قد يتأذى في طيب نفسه، وما يصلح من العقول والعمل، كان ذلك نظير ما يعطيهم الطبيب المريض من الطيب الذي يسوق دواءً كريهاً. وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام لما أرسله لفرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]. وقال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا».

وبعض مرة عربية في المسجد، فقام الصحابة فقالوا: لا، لا تزرموه (أي لا تقطعوا عليه بوله)، فصب عليه وقال: «إنما بعث يسرين ولم يبعث عسرين»، وهذا حديث في الصحيحين. وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته، رعية النفوس. هذه السياسة هي الرفق واللين، حتى في سياستك لأسرتك، وحتى لو لم تكن حاكماً، وإذا كنت شيخاً لك طلاب، فسياساتك مع طلابك كذلك. فإن النفس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظها التي هي محتاجة إليها، هذه قاعدة؛ فإن النفوس لا تقبل الحق لأن الحق ثقيل.

مزجته بشيء من حظوظ النفس المباحة، لذلك حتى وأنت في درس؛ إذا كان الدرس كله جامد ترى الناس تمل منك. أنت في الدرس أعطهم شيئاً من حظوظ النفس، امزح مع فلان مزحة، أتكلم مع فلان، وهكذا كان علماؤنا ومشايخنا. عرفت أنه يكون الدرس ممزوجاً بشيء من نكتة هنا وفكاهة هنا وشيء هنا، هذا تغيير الجو يساعدهم على قبول الحق، أما تخير الدرس كلياته اعمل هيك وسوِ كذا واعمل كذا، صعب ثقيل.

فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ العبادات لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله متقدمة على غيره في سنة الله؛ قال عليه الصلاة والسلام: تصدقوا، قال يا رسول الله عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال عندي آخر، قال: أنت أبصر به.

قال في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك». وقال في صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى». وهذا تبيين لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]، أي الفضل، وذلك أن نفقة الإنسان على نفسه وأهله فرض عين، بخلاف النفقة في الغزو وفي المساكين، فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية وإما مستحب، وإن كان قد يصير متعيناً إذا لم يقم غيره به. فإن إطعام الجائع واجب، ولهذا جاء في الحديث: «لا أفلح من رد السائل»، وذكر الإمام أحمد أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه.

وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر رضي الله عنه الحديث الطويل الذي فيه أنواع من العلم والحكمة، وفيه أنه كان في حكمة داوود: حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل. فإن هذه الساعة الرابعة التي تعطي فيها المباحات لنفسك هي عون على الحق في الساعات الثلاثة. هذا تأكيد لفكرة أن الحق ثقيل فلا بد وأن يمزج بشيء من المباح، لا بد وأن لنفسك عليك حقاً؛ أن تعطيها شيئاً من المباحات تعينها على قبول الحق في باقي الساعات.

فبين أن لا بد من اللذات المباحة الجميلة؛ فإنها تعين على تلك الأمور، ولهذا ذكر فقال: اللذات هي صلاح في الدين والمروءة، وفسر المروءة باستعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنس ويشينه. وكان عبد الرحمن بن الرداء يقول: إني لا أستجم نفسي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق. المراد بالباطل يعني اللهو، ليس مراد أني لا أستعين بشيء من الباطل يعني أنه بفعل شيء حرام، انتبه، المراد إني لا أستعين بشيء من البطالة -خلينا نقول- بشيء من اللعب بشيء من المزح بشيء من كذا على الحق، يعني على ساعة الجد وقيام الليل، وإياك أن تفهم أن الباطل هنا الحرام والعياذ بالله.

قال الله سبحانه وتعالى: إنما خلق الشهوات في الأصل واللذات لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يطلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب لينفعهم ليدفعوا به ما يضرهم. صحيح خلق الشهوات للبلاء من جهة، لكنه خلقها لتتم بها المصالح من جهة أخرى؛ فإنك لن تقوى على أمر الآخرة إلا بشهوة تمزجها بمباح من أمر الدنيا. هذا بعد جيد في الشهوات؛ لأنه دائماً لما نقول لك: ليش ربنا خلق الشهوات؟ دائماً الجواب: ليبتلينا، لا، بس في جواب آخر، برضه هي جانب منها بلاء وجانب منها تتميم مصالح، مش بس للبلاء، فالجواب أن الشهوات للبلاء فقط جواب قاصر.

حرم منها ما يضر تناوله، وذم من اقتصر عليها واشتغل بها عن مصلحة دينه، ومن أسرف فيها من النوع والقدر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67]، وكان من ذلك قواماً، وقال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]. حتى حجر الشريعة عند الجمهور على المبذر الذي يصرف المال فيما لا ينفعه، وذم أيضاً من ترك ما يحتاج إليه منها حتى قال تعالى، فالشريعة تذم من ترك الشهوات التي يحتاج إليها؛ شهوة النكاح هل يجوز أن يترك شهوة النكاح تماماً بدون سبب؟ ما بيصير.

قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]. في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه عن أصحابه أن بعضهم قال: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال آخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». ونهى أمته عن الوصال في الصيام، وقال: «من صام الدهر فلا صام ولا أفطر»، وقال: «أفضل الصيام صيام داوود؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى»، وذم كان قوياً، فصيامه لم يؤثر على جلده.

ذم رهبانية في ترك النساء واللحم كما يقول الجاهل في مدح بعض الناس: ما نكح ولا ذبح، فإن مدح مثل هذا من الرهبانية التي ادعاها النصارى ليس من دين الإسلام، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله». وجعل من استعان بالجميل على الحق من الأعمال الصالحة، وذاك قال في الحديث الصحيح: «وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا يا رسول الله: يأتي أحدنا شهوته يكون له أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان يكون عليه وزر؟» قالوا: بلى، قال: «فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال؟».

وروى أحمد في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها، حتى اللقمة تضعها في امرأتك»، والنصوص في هذا كثيرة. فالمؤمن إذا كانت نيته صالحة أُثيب على عامة أفعاله، وكانت مباحاته من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق لفساد قلبه ونيته يعاقب على ما يظهره من صور العبادات رياءً، فإن في صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد». يعني بقول لك: المؤمن التقي أعمال المباحات يثاب عليها لصلاح قلبه ونيته، والمنافق أعمال الصالحات يؤثم عليها لفساد نيته، فالموضوع هي النوايا وصوابها.

وكما أن العقوبات شرعت داعية لفعل الواجبات وترك المحرمات، فكذلك شرع له من الوسائل المحفزات ما يعين الناس به على فعل الواجبات وترك المحرمات، يعني أنت كحاكم عليك أن تمارس الترغيب والترهيب؛ فأنا عندي عقوبات لألزمك، والبديل الشرعي -اللي بنسميه اليوم في الحياة الدعوية- حاول أن تجد لهم بدائل قدر المستطاع حتى تعينهم على قبول الحق. مثل أن يبذل لولده أو أهل رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء وغيره، إن الله تعالى قد بعث محمداً بالبشير والنذير، وكان يؤلف الناس بالنفع والمال على الإسلام، ويثني على من أحسن فيه كما أثنى على غير واحد من أصحابه، وأيضاً لمن أتى بما يستحق الدعاء، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]. ولهذا قال الفقهاء: ينبغي للإمام إذا قبض صدقة أن يدعو لمن أعطاها، مثلاً يقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

لأنه إذا ما دفع الصدقة أنا رح أعاقبه، طيب إذا دفع الصدقة خلص بروح ناشف؟ لا، بدعي له. بعض الناس ما بيعرف إلا البهدلة، يبهدل بس تعا قول له أثنِ، والله صعبة؛ بعض الناس ما بيعرف إلا أن ينتقد زوجته وأبناءه أو طلابه أو كذا، طب إذا واحد فيهم أحسن، طيب ما هو جزاك الله خيراً، أنت انتقدت في الباطل، طب ليش ما بتمدح في الحق؟ لا، في توازن لا بد يكون؛ سواء كنت حاكماً أو شيخاً أو رب أسرة أو أماً، أنه كما تستطيع أن تنقد الخطأ عليك أن تنمي مهارة المدح في الحق والثناء على أهل الحق.

وكذلك أيضاً ذكر فضائل الأعمال الصالحة وفائدتها في الدنيا والآخرة، كل ذلك، وهذا في حقيقة استجاب له من رهبة العقوبة الدنيوية فقط، وما يصار للعقوبة النكالية إذا ظلم الخلق بالنكول عن هذه الطريقة، كما قال الله تعالى: فالأصل أصلاً الناس تساق بالترغيب والترهيب، إنما هو لمن ينكل، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]. ولأجل الرغبة في مصالح الدين شرعت المسابقة بالخيل والإبل والنضال (السهام) وأخذ السبق (الجائزة) فيها؛ لما فيه من ترغيب في إعداد القوة وربط الخير بالجهاد في سبيل الله، حتى قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه السنن: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل». كان النبي صلى الله عليه وسلم يسابق بين الخيل وهو وخلفاؤه الراشدون ويخرجون الأسباق من بيت المال للسابقين، وكذلك يعطون، يعني الجائزة تكون من بيت مال المسلمين، وهذا جزء من الترغيب؛ يعني مسابقة الخيول وعمل مسابقات وكذا، يعني زي ما إنه اللي بيتخلف عن الجهاد رح نعاقبه، بس في نفس الوقت عملنا بدائل شرعية من اللهو المباح والأعياد وما فيه من الأمور والجوائز، هذا كله من اللهو المباح الذي نعوض الناس به عن اللهو الباطل، وقس على ذلك كثيراً من أمور الترغيب في الإسلام.

وقد روي أن رجلاً كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا، فلا يأتي آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه؛ سبحان الله، الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في العطاء وأنه يعطى من بيت مال المسلمين، لا يأتي آخر النهار بعد أن يرى محاسن الإسلام إلا وقد أصبح الإسلام أحب إليه اقتناعاً من أي دين آخر.

وكذلك شرع في المعصية حسم مادتها وسد ذريعتها ودفع ما يفضي إليها إذا لم يكن فيه مصلحة رجحت، فمن ذلك صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان». وكذلك من وظيفة الحاكم أن يحسم الذرائع التي قد توقع الناس في المعاصي، وهذا من فلسفة الإسلام؛ فالإسلام حسم كثيراً من مادة الذرائع المفضية إلى المعاصي؛ كالنهي عن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر المرأة بدون محرم. فنهى عن الخلوة بالأجنبية وسفرها، وفي وفد عبد القيس قال: كان فيهم غلام ظاهر وضاءة فأجلسه خلف ظهره، وقال: إنما كانت خطيئة داوود النظر. قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعس بالمدينة فسمع امرأة تغني بأبيات تقول فيها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها، أم من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ هذه امرأة كانت مفتونة بنصر بن حجاج قالوا كان جميلاً فاتناً، فعمر وهو يلف بين بيوت المدينة سمع فتاة في البيت.

تنشد هذا الشعر فقال لك: من هذا؟ نصر بن حجاج. جيبوا لي إياه، ففتش عليه فوجده شاباً حسناً. فحلق رأسه فازداد جمالاً، فنفاه عمر إلى البصرة، قال له: اطلع لي من المدينة، بديش أشوفك تماماً. طبعاً حتقول لي شو ذنبه الزلمة؟ هذا هنا في قاعدة شرعية معروفة اسمها: يتحمل الضرر الخاص دفعاً للضرر العام؛ أنه أنت مش آثم، أنت ما عملت خطأ، بس سامحنا، هي مش عقوبة، نفيك مش عقوبة، إنما هو معالجة لمشكلة مجتمعية، فالله يعينك، انتقل للبصرة وعيش هناك وأمورك طيبة، وراح أوصي عليك هناك، بس لازم تخرج حماية للمجتمع العام.

قال: وروي عنه أنه بلغه أن رجلاً يجلس إليه صبيان فنهى عن مجالسته، مثلاً أن رجلاً يجلس إليه الصبيان المردان فنهى أن يجالسه الصبيان المردان، أنه ممكن يخشى عليه من بعض الناس اللي يظهر عليهم أمارة تخنث أو شيء. قال: وهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنث الذي كان يدخل على أزواجه، وأمر بنفي المخنثين من المدينة، وأذن أن يدخل يوم الجمعة ليسأل الناس عما يبدعون به، ونص على اتباع هذه السنة. وقال أحمد وقالوا: ثبت عن نفي الزاني ونفي المخنث، مع أنه صلى الله عليه وسلم «لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال». وجل هذه الأحاديث في صحيح، ولم يكتفِ باللعن حتى نفاه؛ لأن فيه مضرة على النساء وعلى الرجال.

فإذا كان من الصبيان من تخاف، طبعاً هذا إذا كان تخنيث، مش المخنث في المفهوم الفقهي المخنث الذي يفعل أفعال الإناث وهو رجل، أما المخنث الذي عنده آلة الرجل وآلة المرأة، هذا باب آخر يعني. قال: فإذا كان من تخاف فتنته على الرجال والنساء منع وليه إظهاره لغير حاجة أو تحسينه، ولا سيما تبريده وتجريده في الحمامات وإحضاره. وهذا مهم إخواني، مثلاً قال: فإن كان من الصبيان من تخاف عليه الفتنة أن يفجر به من الرجال أو حتى ممكن امرأة تفجر به، منع وليه من إظهاره لغير حاجة. تمام قضية تعليق الصور على الفيسبوك وإظهارها وكذا خاصة وصبيان قد يكون ربنا أعطاهم من الجمال ما أعطاهم، هذا كله خطأ تماماً. الأصل أن تصون ابنك وأن تصون جماله يرحمك الله وتحميه، حتى والعياذ بالله لا يتعرض له من في قلبه مرض.

قال: وتجريده في الحمامات وإحضاره مجالس له الأغاني، فإن هذا مما ينبغي التعزير عليه، وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح، المردان الصباح يعني الوجوه وهم فيها وضاءة. يعني الشخص الفاجر يمنع أن يشتري العبيد من الغلمان المردان الصباح، لأنه سيفعل الفاحشة بعبده، فمنعه من أن يشتري العبيد. قال: ويفرق بينهما، وإن لم يقر أو يعمد فيه بفجور، فإنما كان مقصود رفع المنكر إلى عقوبة فاعله؛ فيكتب فيه بالدلالة حتى اتفق الفقهاء على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع فسوق، قدحت في الشهادة؛ فإنه لا يجوز قبول شهادته، بل يجر الجارح عند الحاكم بذلك بناءً على استفاضة، وإن لم يره.

فقد ثبت عن مسلم أنه مر عليه بجنازة فأثني عليه خيراً فقال: «وجبت وجبت»، ومر عليه بجنازة فأثني عليه شراً فقال: «وجبت وجبت». فسألوه عن ذلك فقال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض. مع أنه كان في زمانه أناساً تفعل الفجور فقال: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه»، هكذا في حديث صحيح. وبين الحدود لا تقام إلا بالبينة، وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك فكونه ظنيناً.

نعم، الحدود والعقوبات لا يجوز إقامتها إلا بالبينات، لكن إذا في تهمة وظنون، يحترس لها لكن لا يقام عليها حد، صحيح؟ يعني هذا فرق، يعني أن العقوبة لا تنزل إلا ببينة، لكن أنه إذا في شبهة في شخص معين أنه فاجر بس أنا مش ماسك ممسك، أو في تهمة في امرأة أنها... بس مش ماسك ممسك، هنا يحتاط ويتخذ إجراءات بالمنع، ولكن لا تنزل العقوبات إلا بالبينات، هذا فرق بين الاحتياط وبين إنزال العقوبة. فمثلاً من المظنون أنه لا تقبل شهادة الخائن ولا الخائنة، ولا تشهدوا شهادة الغمر -تمام- الجاهل على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت؛ لأن هؤلاء شهادتهم لا تكون محررة، وإن لم يوجد شيء يستوجب عقوبتهم.

قال: وعنه أنه قال: لا تجوز شهادة ظنين، الظنين المتهم. قال: في ولاء أو قرابة، ولا استفاضة كافية في ذلك، وما هو دون استفاضة حتى يستدل على الرجل بأقرانه كما قال ابن مسعود. طيب كيف بدي أعرف أنه فلان؟ والله معروف بالفجور، أو فلانة معروفة بالفجور، فبالتالي نمنعها مثلاً من كثير من المجالس، الاستفاضة. قال: إذا استفاض للحاكم أن فلاناً فاجر بيبني عليها إجراءات وقائية، أو استفاض أن فلاناً... بيبني عليها إجراءات وقائية، هو ما راح يعاقبها؛ لأنه لسه مش ماسك الممسك، البينات، لكن بالاستفاضة. يعني أنت عارف أنه في طالب عندك سيء، أنا ما مسكته ممسك، بس يا أخي حركاته كلها بتحكي أنه سيء، بالتالي أنا ممكن أمنعه أن يجالس بعض الطلاب، احتياطات، بس ما بقدر أعاقبه حتى أمسي الممسك. فالاستفاضة وما دون الاستفاضة تكفي للإجراءات الاحترازية، وأما العقوبات فلا بد من البينات.

قال: حتى إنه يستدل على الرجل بأقرانه كما قال ابن مسعود. شايف حتى إنه يستدل على الرجل بأقرانه؟ أنا بشوف شخص أنا عمري ما حكيت معه، بس مين أصحابه؟ بمشي معهم ناس همل، بقول إذا في العادة راح يكون منهم، فبالتالي ممكن أتخذ إجراء احتياطي من هذه القرائن. قال: كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم، وذلك قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». المقصود من هذا دفع الشره، دفع شره، مثل احتراز من العدو، قد قال عمر رضي الله عنه: من الناس بسوء الظن. ولا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن به، وهذا ينبغي لوالي العالم من يكون خبيراً بالشر وأسبابه وعلاماته، مثل الخبرة بالكفر والسوق وحب العدو في دينه ودنياهم؛ ليحترس من شر ذلك، وكان من أخص مصالح.

جيد، فبالتالي الحاكم بده يكون مصحصح، بيعرف الهمل في البلد وأعمالهم وتصرفاتهم حتى يكون له نظرة، ما بينفعش أنه أنت بس بتعرف الحق لكنك لا تعرف سبيل المجرمين، لا بد وأن تعرف سبيل المجرمين لتكون لذلك، الأستاذ اللي ما بيعرف الهمالة -سامحوني- ما بيعرفش حركات الطلاب، بس الأستاذ اللي بيعرف الهمالة وأساليبها وأشكالها، لا بكون أكثر قدرة على إحكام الأمور. قال: وكان أخص مصالح إيجاد العيون الذين هم الجواسيس إلى العدو ومعرفة طريق الكفر، من أعظم المصالح أن الحاكم يكون له جهاز مخابرات يخدم مصالح المسلمين ومش يكون عين على المسلمين.

قال: كما قال بعض السلف: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. هذا الأثر يعني بمعناه، يعني حقيقة لم يثبت عن عمر نصاً صريحاً، لكن روي في مصنف ابن أبي شيبة معناه أنه إنما يفسد الإسلام وتنقض عراه إذا نشأ في الإسلام أقوام لا يعرفون الجاهلية. أنه كلما كنت متبصراً بسبيل المجرمين، كلما كنت أكثر تيقظاً لدينك وفهماً، أما الذي يعيش في الإسلام لكن لا يعرف سبل المجرمين قد تدخل هذه السبل في بلاده وفي حياته ومش منتبه، فمعرفتها هو جزء من تكميل الدين ترى.

قال: وهذا لأن من لا يعرف المرض وأسبابه قد يغتر بالعافية، قد يغتر بالعافية سبحان الله. قال: ولا يحترز من أسباب المرض وذاته، ومن عرف سببه عرف أنه يصلح للطبيب، والولاة والعلماء أطباء الخلق. ومن يعرف أسباب المرض وطرق علاجه هو الذي يصلح أن يكون طبيباً، فمن العالم الذي يصلح أن يكون عالماً؟ هو الذي يعرف أمراض الناس وكيف تدخل، لذلك أحياناً أنت بتسمع لداعية صح، هذا بيحكي عن التوبة وهذا بيحكي عن التوبة، بس بتشعر أنه هذا فاهم أكثر، صح؟ بتحكي هذا عرف من وين بتيجي المشاكل فتكلم بواقعية، ذاك جزاه الله خير محاضرته جميلة بس طرحه عام مثالي، يدل على عدم الخبرة بمداخل الشيطان وكيف تدخل، وبالتالي ما بيعطيني معالجات عصرية تعرف واقعي وما أعانيه، هذا مهم. فكالتطبيب، العالم الطبيب هو العالم الذي يعرف أسباب الأمراض وكيف تدخل، ويستطيع أن يوصفها للناس.

قال: والولاة والعلماء أطباء الخلق، كما كتب سلمان لأبي الدرداء لما تولى القضاء: بلغني أنك قعدت طبيباً فإياك أن تقتل مسلماً. وكان عمر رضي الله عنه يقول: بلغني أنك قعدت طبيباً -يقصد قاضياً- فإياك أن تقتل مسلماً بالعجلة. وكان عمر رضي الله عنه يقول: لست بخب ولا يخدعني الخب، وكان عمر أورع من أن يخدع وأعقل من أن يخدع، يعني كل الدلائل على أن الحاكم لا بد أن يكون يقظاً للمكر والخداع وفاهماً به.

قال: وسلامة القلب محمودة، هي سلامته من أمراض كالشبهات والخلق الدنيء والنفاق والغل والحسد والبخل والجبن وشهوة الزنا ونحو ذلك، فمن جهل بالحقائق فليس بنفسه محمودة. يعني الآن المحمود أنه ما يكون عندك حسد، لكن مش محمود أنك ما بتعرف شو الحسد، لا يا عمي لازم تعرف شو الحسد. هي الفكرة أن بعض الناس يقول لك: أنا والله ما بعرفش يعني الفساد الموجود اليوم الحمد لله، هل هي ممدحة أنك ما بتعرف الفساد الموجود؟ شو رأيك؟ هي مشكلة ترى، هو ابن تيمية هس الممدوح أنه ما يكون عندك الفساد الموجود، لكنك ما بتعرفه أصلاً؟ والله بخاف منها ها! أن عدم معرفتك به قد يجعل واحداً من أسرتك أو من أولادك أو زوجتك أو كذا الفساد مغلغل فيه وأنت مش منتبه، لأنك أبله في معرفة الفساد.

هذا كلام عظيم ابن تيمية هنا، يقول: وسلامة القلب المحمودة، ما هي سلامته أنه مش بيعرف الأمراض من المرض نفسه، وأما الجهل بالحقائق أنه ما بيعرف شو معنى الحسد، ما بيعرف شو يعني النفاق، هذا مش شيء محمود؛ لأنه ممكن تكون أنت منافق وأنت مش داري سيدي الشيخ. فيقول: فأما الجهل بالحقائق فليس محموداً، لا بد تعرف الشر، وجهلك بالشر وبأساليبه ما تفكر أنه شيء تحمد عليه، ممكن ما أذمك ماشي، بس ما بحمدك؛ لأنه بالعكس، الله يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]. ربنا بده إيانا نعرف أوجه الفساد والباطل، بمعنى نعرف مداخلها وطرقها وأشكالها حتى نحميها. عرفت الشر لا للشر ولكن توقيه والامتناع منه وعدم وقوعه، وأحمي نفسي وأبنائي منه، تمام؟

فتقول لي أنا والله ما بعرفش السوشيال ميديا وأصلاً ولا عمري كذا، جزاك الله خيراً أنك مش مبتلى بها، بس مش ممدوح أنك ما بتعرف شو مشاكلها، لازم تعرف؛ لأنها آفة من آفات العصر، لأنه ممكن يكون واحد من أولادك واقع مدمن وأنت بتحكي أنا والله مش عارفها وما بديش أعرفها، لا بدك تعرفها وبدك تعرف سيئاتها، لأنك إذا عرفت حجم خطرها ستجاهد من أجل حماية أبنائك منها، فهمت علي الفكرة؟ فهذا كلام عظيم حقيقة، فأما الجهل بحقائق الشر يعني فليس في نفسه محموداً، إذا العلم صفة كمال، وكما تعلم الخير تعلم الشر.

قال: وما ينتفع به أما واجب أو مستحب، ينتفع به ما وجب المستحب، والسياسة برأي، الرأي والخبرة أعظم من السياسة بشجاعة القوة وأنفع، وذلك يرفع الله الدرجات، كما قال في خبر يوسف عليه السلام: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. وقال في ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84]، قالوا: علماً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». ومن حكمة الشعر عن أبي الطيب: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان صحيح، الرأي الخداع تستطيع تعرف طرق الخداع وطرق لف المعارك والحرب والسياسة والدهاء، هذا كله مطلوب. يعني باختصار الحكم مش شيخ، يعني أنت لما تجي تحكم هي مش درس دين، الحكم دهاء ولف ودوران وسياسة، بدك تكون تعرف أوجه المكر. أما إنسان حافظ متون، والله لأنه أخونا حافظ ألفية ابن مالك حطوه حاكم على الولاية، لا الله يرضى عليك، أنا لا ألفية ابن مالك ولا ألفية السيوطي إذا ما كان ذكي وفهمان وداهية لا يصلح، ولو كان من أورع الناس لا يصلح، ولو كان من أورع الناس؛ لأن الحكم مش بس ورع، فهم، دهاء، الرأي قبل شجاعة الشجعان، فهم وسياسة ومعرفة بأوجه اللف والدوران والخداع والمكر، مش ليوظفه، ليوظف لنصرة الدين.

قال: لكن لا بد لوالٍ من تغافل عن عقوبة على ما يعمله الناس من الذنوب، لا تضر إلا صاحبها، كما روى معاوية رضي الله عنه أنه قال: إن الوالي إذا ابتغى الريبة في الناس أوشك أن يفسدهم. فالوالي ليس من وظيفته أن يتتبع الناس في خلواتهم، وإنما يعاقب على العقوبات الظاهرة فقط. قال الحسن كلمة سمعها معاوية بن مسلم، ينفع الله بها، وقال: وسلمت. نعم، إن معاوية هكذا كانت سياسته، ما كان معاوية يتتبع الناس في خلواتهم، ولو وصلوا أنه فلان عمل، بيعمل حاله ما سمعش، إلا إذا كان شيء ظاهر في.

المجتمع؛ لأنه إذا تتبعت الناس في خلواتهم أفسدتهم. قال النبي ﷺ: «من ابتلي من هذه القذارات بشيء فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله». ولا ينبغي له أن يظهر للناس أنه يعرف ما أخفوه من سيئاتهم إذا لم يعاقب عليه؛ لأن ذلك يغير القلوب ويحرك الفتنة. حتى إذا جاءك ابنك أو تلميذك أو المواطن وأنت ما عاقبته، لا تظهر له أنك تعرف سيئته، واعمل كأنك ما سمعت؛ لأنه إذا عرف أنك تعرف سيتحول قلبه ويصير منك على حذر، وأنا أريد كسب وده. فمن الذكاء إذا لم أقرر معاقبته ورأيت المصلحة في عدم العقاب، أن لا أقول له: "ترى أنا عرفت أنك عملت كذا بس مش رح أعاقبك"، لا تحكي شيئاً أصلاً حتى لا يتغير قلبه.

فصل حقوق الله؛ بعد أن انتهى من ملف العقوبات سينتقل إلى ملف الحقوق. حقوق الله هي اسم جامع لكل ما فيه منفعة عامة لتعيين أو دفع مضرة عامة، يتعلق بالدين والدنيا. هذا تعريف مهم؛ ممكن تحتاجه في أي بحث جامعي. ما معنى حق الله؟ قال: حق الله اسم جامع لكل ما فيه منفعة عامة لا تختص بمعين. طبعاً هنا لا نتحدث عن الجانب العقائدي؛ لأن حق الله التوحيد يطرح في علم العقائد، لكن هنا نحن نحكي عن علاقة الحاكم بالرعية، فما حق الله الذي يجب أن يحميه الحاكم؟ حق الله هو الحق العام.

حق الله هو اسم جامع لكل ما فيه منفعة عامة للمجتمع لا تختص بمعين، أو دفع مضرة عامة عن المجتمع في أمر دينهم أو دنياهم؛ فباختيارك الحق العام هو حق الله. هذا في جانب سياسة المجتمعات، أما في جانب التوحيد والعقائد فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، كما في الحديث: «يا معاذ، هل تدري ما حق الله على العباد؟». لكن هنا بالمعنى المجتمعي، حق الله هو الحق العام؛ كالنظر في المساجد التي هي أوقاف، والطرقات، والضياع، وإحياء السنن النبوية، وإماتة البدع ومظالمه، وتقديم من ينتفع به من خير الناس وأهل الدين والعلم والبر والتقوى من كل صنف من الناس، ومجانبة ذوي الإثم والعدوان وأهل الحيلة والخديعة والكذب والإدهان، وغير ذلك من المصالح العامة.

وقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه عامة ذلك، ويستنيب في بعض الأمور لمن حضر عنده، وكان المسلمون يتعاونون على ذلك، وكان خلفاؤه قريباً من ذلك، وكانوا يستخلفون في أمصارهم قاضياً فيما يتفق الحكم فيه، فإذا نزل بالقاضي إشكال يراجع خليفته؛ كما كان زيد يراجع عمر في مسائل الجد وغير ذلك. وأما بعد الخلفاء فتنوعت العادات في ذلك في الأمصار بحسب قلة الحاجة وكثرتها، وبحسب قدرة الوالي والوزير وعجزه وقيامه بالأمر وإعراضه وأسباب أخرى. فصار بعض هذه الأمور يتولاها والي الحرب الذي هو صاحب الشرطة، وكان صاحب الشرطة بمنزلة منفذ الأمر للوالي الكبير، وقالوا: إن قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وبعضها يتولاها المحتسب الذي ولِيَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولايته قد تدخل في أمور تختلف باختلاف الأعراف كما مر معنا في كتاب الحسبة.

أي شيء من الولايات عُمِل فيه بطاعة الله ورسوله كان ولاية شرعية، وأي شيء عُمِل فيه بخلاف ذلك وتُرِك فيها ما يجب، لم تكن شرعية. لكن لما كان القاضي أقرب للعلم وأهله وأكثر معرفة بشريعة الله، صار الكثير من الناس يظن أنه ليس من ولايته ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون أن الشرع ما حكم به القاضي، وربما فر من هذا الشرع من خرج عن الحق وتقصيره يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك. الشرع اسم لما بعث الله تعالى به رسوله محمداً ﷺ من الحكمة، والحكمة لازمة لجميع الخلق، فعلى كل والٍ أن يتبع هذا الشرع. وكثيراً ما يوافقه النائب والوالي والمحتسب، كما أنه كثيراً ما يخالفه بعض القضاة، أما لعدم معرفته أو لغرض مذموم أو لتقليد عالم أو غير ذلك. فإن الموافق له من غير القضاة قد يوافقه لظهور الحق الذي اتفقت عليه العقول؛ فالحق قد يكون مع النائب والوالي ولا يكون مع القاضي، لأنه بعض الناس يظن أن الحق ما يكون إلا إذا تكلم فيه المفتي أو القاضي، لا، قد يكون الحق ليس عند المفتي ولا عند القاضي في البلد، بل قد يوفق إلى الحق وزير الحرب أو الوالي ويكون القاضي أو المفتي العام قد أخطأ، فما تحصر الحق في دائرة معينة تقول إن الصواب لا يكون إلا عندها، هذا ليس بصحيح.

لكن موافقة الشرع في القضاء أكثر من موافقته في غيره من الولايات، وقد رُئي من الولاة من هو خير من أكثر القضاة؛ كعمر بن عبد العزيز كان خيراً من قضاته، ورُئي من قضاته من هو شر من فساق الولاة. وهذه ولايات مفوضة بحسب ما يمكن من المولّي، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالسلطان، فإذا جُعِل سلطان يقوم به الدين على الوجه المشروع كان ذلك مقصود الولاية. وقد ذكر الفقهاء أن ولاية القضاء المطلقة تقتضي عدة أنواع، واختلفوا في أشياء بحسب وظيفة القاضي؛ بعضهم يقول هناك ولاة قضاة على العام وظيفته ليس فقط النظر في الخصومات بل تزويج النساء التي لا ولي لها، كذلك متابعة الوكلاء والأوقاف وما شابه ذلك، هذه كلها أمور إجرائية، وكل ما كان من باب الوكالات والولايات التي تستفاد بالشرط لا بالشرع، مثل الوصي والقضاء وإمارة الحرب وولاية الأمصار ونحو ذلك، فإن عمومها أو خصوصها يستفاد من المولّي؛ فالحاكم هو الذي يحدد لوزير الحرب ووزير القضاء ووزير الأوقاف السلطات التي تدخل تحت يديه وما لا يدخل، هذا أمر إجرائي.

فصل في الحقوق والحدود التي لآدمي معين، فمنها الدماء. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]. هذه حرمة الدماء، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]. وفي الحديث: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». وقال العلماء: أكبر الكبائر بعد الشرك القتل. والقتل في الإسلام ثلاثة أنواع؛ أحدها العمد المحض: وهو أن يقصد من يعلمه معصوماً بما يقتل غالباً، سواء كان بحَدٍّ كالسيف ونحوه، أو بمثقَل كالسندان، وهي المطرقة الحديدية التي يضرب بها رأس واحد فتقسمه قسمين.

وكذلك القتل بقطع النفس عنه كالتغريق، والخنق، والحرق، وإلقاء من مكان شاهق، وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، أو بالسحر، أو بأي شيء يقتل غالباً. فهذا إذا فعله القاتل وهو بالغ عاقل والمقتول معصوم مكافئ له، وجب فيه القَوَد؛ والقود هو القصاص، وهذا حق معين. إذا عفا أولياء المقتول يذهب إلى الدية أو إلى العفو حسب ما يريد أولياء المقتول. وهو أن يُمكِّن أولياء المقتول من القاتل؛ إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية، وإن أحبوا عفوا. وهل لهم أن يعفوا عن الدية بغير رضا القاتل؟ في خلاف مشهور بين الفقهاء، وليس لهم أن يقتلوا غير القاتل من قبيلته ولا من غيرهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].

وعن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصيب بدم أو خبل -والخبل الجراح- فهو بالخيار من إحدى ثلاث؛ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئاً من ذلك ثم اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم». قال حديث حسن صحيح. فمن قتل بعد العفو وأخذ الدية هو أعظم جرماً ممن قتل ابتداءً؛ حتى قال العلماء: إنه يجب قتله حداً، ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۖ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178].

قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل، وربما لم يرضوا بقتل القاتل بل يقتلون كثيراً من أصحاب القاتل؛ ككبير أو مقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويتعدى أولياء المقتول في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية ومن خرج عن الشريعة من الأعراب والحضارة وغيرهم. وقد يستعظم أولياء المقتول كون القاتل عظيماً أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أهالي القاتل، وربما حالف هؤلاء قوماً واستعانوا بهم، وهؤلاء قوماً، فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة، ويبتعد ذلك عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص.

والمساواة والمعادلة، وأخبر أن فيه حياة بحق دم غير القاتل من أولياء الرجلين، وأيضاً فإذا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل. وقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر.

المؤمنون تتكافأ دماؤهم، هذا هو موطن الشاهد، القصاص ما داموا أحراراً فكلهم دماؤهم واحدة؛ هذا شريف وهذا وضيع، هذا ملك وهذا عبد، ما فيش فيها. نعم، قال: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المسلمين تتكافأ دماؤهم»، تتساوى وتتعادل، ولا يفضل العرب على العجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيرهم من المسلمين، ولا حر أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير على أمي أو مأمور. كما قضى أنهم يتساوون في الأموال؛ فإنه مثل مواريث، فإن البنين يتساوون في إرثهم من أمهم، وإن تفاضلوا في الدين والدنيا، هذا الذي قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل بين المسلمين في النفوس والأموال، متفق عليه.

بخلاف ما كان عليه حكام اليهود؛ فإنه كان بقرب مدينة المسلمين صفوف من اليهود، قريظة والنضير، وكان النضير تفضل على قريظة في الدماء، وتحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي حد الزاني؛ فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، فقالوا: إن حكم بينكم بذلك فكانت لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم الله. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة: 41] إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45].

بين سبحانه وتعالى أنه سوى بين نفوسهم ولم يفضل نفساً على أخرى كما كان يفعلونه، إلى قوله: فموطن الشاهد فيها في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ﴾ [المائدة: 45]، وختام الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]. فسوى بينهم في الدماء، كون قتلى من بني النضير وبني قريظة، هذا ما فيش فيه تمييز عنصري؛ أي يهودي بده يقتل، هكذا كان في التوراة عندهم، بس هم كانوا يتلاعبون بالتوراة، اليهود فكانوا يفضلون بني النضير على قريظة، فإذا القرظي قتل من بني النضير لا يقتل، لكن إذا النضري قتل من بني قريظة، أو العكس عفواً، إذا النضري قتل من بني قريظة لا يقتل. فهذا التمايز هو خلاف التوراة، فهم حكموا بأهوائهم وليس بالتوراة، فقال الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 44].

نعم، بين سبحانه وتعالى أن سوى بين أنفسهم ولم يفضل نفساً على الأخرى كما كان يفعلونه، إلى قوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. حكم الله في دماء المسلمين أنها سواء، خلاف ما كان عليه الجاهلية، وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي وترك العدل؛ فإن إحدى الطائفتين تصيب من الأخرى دماً أو مالاً أو تعلو عليها بالباطل، وتأبى تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق، والواجب في كتاب الله تعالى الحكم بين الناس في دماء الأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله به تعالى، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية.

وإذا أصلح مصلح بينهم فيصلح بالعدل، كما قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: 9]. هذه الفكرة أنه بعض الناس جزاه الله خيراً بده يعمل معروف بيعمل صلحة، الصلحة مش عادلة، فلا ترضى بها القلوب، فربنا ما قال فاصلحوا بينهما فقط وسكت، قال فاصلحوا بينهما بالعدل؛ لأنه إذا أصلحت لكن لم تستعمل العدل في الإصلاح ما استفدنا من الإصلاح.

وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول فإنه أفضل لهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45]. قال أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو، داود وغيره، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه». وهذا ذكرناه، التكافؤ هو في المسلم الحر مع المسلم الحر، فأما الذمي فهو جمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم، كما أن هذا التكافؤ إنما هو في الأحرار المسلمين، أما الذمي فليس بكفء، كما أن المستأمن الذي يدخل من بلاد الكفار، رسول أو تاجر ونحو ذلك، ليس بكفء له، وفاقاً منهم من يقول بل هو كفء له، وهذه ما فيها.

وكذلك النزاع في الحر والعبد، هل العبد مكافئ للحر؟ نزاع، فليس هذا موطن تحريره. ولا تعتبر المكافأة في العدد عند جماهير العلماء، بل لو قتل عدد واحداً، زي عصابة الطريق زي ما قلنا قبل شوي، فيقتل به، بس الكلام ما كان يعني قبل قليل كنا نحكي عن قطاع الطرق، هون بحكي لا، مثلاً مش قطاع طرق، بس مثلاً خمسة من عشيرة اجتمعوا على قتل شخص معين، يقتلوا به جميعهم. نعم، قال كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال وكذلك قال علي رضي الله عنه في الذين شهدوا على الرجل بسرقته فقطعه ثم رجعوا عن الشهادة، فقال: لو أعلم أنكم تعمدتم لقطعتكما. نعم، يعني لو أعلم أنه فيه تواطؤ مسبق بينكم على هذه الشهادة الكاذبة لقطعت أيديكم الاثنين؛ لأنه هم شهدوا عليه أنه سارق بعدين تراجعوا عن الشهادة بعد ما انقطع المسكين، قال علي: لو بعرفكم اتفقتم على هذا الموضوع لقطعتكم الاثنين، لكن علي درأ الحد عنهم بالشبهة أنه ممكن بالخطأ، يعني كل واحد منهم إجا لحاله، شيء طيب.

قال وكذلك يقتل الذكر والأنثى عند الجماهير، كما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل باليهودية من باب قصاصه. طيب هذا هو القتل، النوع الأول من القتل وهو القتل العمد، ويوجب القصاص أو الدية أو العفو. النوع الثاني شبه العمد، قال: القتل الذي يشبه العمد، قال عليه الصلاة والسلام: ألا إن في قتيل خطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مئة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها. القتل شبه العمد تعريفه باختصار هو أن تقصد أذية شخص لكن دون آلة تقتل غالباً، يعني أنا قصدت الاعتداء على شخص لكن لم أستعمل آلة تقتل غالباً، استعملت عصا، حجر صغير، قشاط صوت، فهذا لا يعتبر عمداً، يعتبر شبه عمد، وفيه دية مغلظة.

سريعاً، قال: شبه العمد أنه قصد العدوان عليه بالجناية لكن لا تقتل غالباً، فقد تم العدوان ولم يتعمد ما يقتله، هذا لا قود فيه عند الجمهور كما ذكر صلى الله عليه وسلم، وهل هي على القاتل أو على عاقلته؟ في حصل أنه أنا استعملت شيئاً لا يقتل غالباً لكن قدر الله أنه صار قتل، فهنا تغلظ عليك لوجود الاعتداء، لكن ما بستطيع أقتص منك لأنك لم تقصد القتل. نعم، قال النوع الثالث الخطأ المحض، النوع الثالث الخطأ المحض وهو أنه أنا لا قصدت لا الاعتداء ولا آلة تقتل غالباً، كحوادث السيارات، كشيء وقع من الأعلى، أوقعت من يدي صخرة بالخطأ على شخص، فهنا لم أقصد حتى أصل الاعتداء، كان يرمي صيداً فيصيب إنساناً بالخطأ، بده يصيد عصفور صاد صاحبه، طيب هذا ليس فيه قود وإنما فيه الدية على عاقلة القاتل، يعني على عشيرة القاتل، وفيه الكفارة في مال القاتل؛ فالدية على العاقلة والكفارة على القاتل، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. وفي هذه الأبواب مسائل كثيرة.

الآن هذا بالنسبة للقتل، طيب نيجي ما دون القتل، وهو القصاص في الجراح سريعاً. قال: والقصاص في الجراح أيضاً كتاب وسنة، والجماعة شرط المساواة، فإذا قطع يده من مفصل فل يقطع يده كذلك، وإذا قلع سنه فليقلع سنه، وإذا شج رأسه في رأسه وجهه فأوضح العظمة فليشجه كذلك. فما إذا لم يمكن المساواة، مثل يكسر له عظماً باطناً أو شجه دون موضحة، فلا يشرع القصاص، بل تجد دية محدودة أو الأرش بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فكل عضو أو منفعة ليس في الإنسان فيه إلا واحد فيه الدية، كاللسان والأنف والذكر والكلام والعقل، وكل ما في الإنسان منه اثنان ففيه تمام الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كعينين ونظرهما، والأذنين، والسمع، واليدين، والرجلين.

وما في الإنسان ما علق على الأحكام الفقهية، لأنه هذه تدرس في تفاصيل القصاص والدية في كتب الفقه الإسلامي، وما في الإنسان منه ثلاثة أشياء، قال في أحدها ثلث الدية، كجانبين؛ لأن هنا جنبان، ثلاث، فإذا فهذه ثلاثة أشياء فبثلث الدية الكاملة، وفي كل واحد منها ثلث الدية. طيب، قال ما في منه أربعة، ففي أحدها ربع الدية، ما فينا أربعة زي الأجفان، واحد اثنين ثلاثة أربعة، كل واحد ربع الدية. طيب، قال ما في أكثر من ذلك أصابع العشرة، في كل إصبع عشر الدية، آه إذا كل إصبع له عشر الدية. طيب، قال وفي كل سن نصف عشر الدية، وإذا شج عندي 20 سن، تطلع تقريباً نصف عشر الدية.

طيب، قال وإذا شج رأسه وجهه حتى ظهر العظم ووضح ففيه نصف عشر الدية، وإذا كانت شجة دون مثل ذلك مثل دون ذلك مثل اسم الموضحة والباعة والبازل وهذه كلها تدرس في كتب الفقه الإسلامي. طيب، قال فإنه يقوم المجروح كأنه عبد وهو سليم، ثم يقومه مجروح قد اندمل جرحه، فما نقصت قيمته أعطي الجاني مديته. وأما القصاص في الضرب فبيده أو بعصاه وصوته، مثل يظلمه أو يكرمه يضرب بعصا نحو ذلك، فقد لا قصاص فيه، هل فيه التعزير أنه لا يمكن مساواته فيه؟ وقال آخر: إذا شخص ضرب شخصاً بعصاه، هل أعطيه يقتص منه بعصاه؟ يعني لا ما صارش جراح ولا شيء، بس واحد ضرب شخص بعصاي، فأنا اشتكيت عليه القاضي بيعزره تعزيراً بس ما بعطي القصاص، ما بعطيني أن أقتص بعصاي؛ ليه؟ لأنه هذه أمور صعب أنها تقع مقدرة على نفس المستوى، لأنه الضربة بالعصاية يعني في واحد ضرب حامي، لا هو ضرب حامي، طيب ضرب حاسس رح تصير صعبة، فما دام صعب القصاص فيها فيلجأ إلى التعزير.

نعم، قال وقال آخر فيه القصاص، وهذا هو المشهور عن الخلفاء الراشدين وغيره من الصحابة والتابعين، أن القصاص مشروع في ذلك، ونص أحمد وغيره، فقال ذلك جاء سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والصواب، وقال ابن تيمية: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذكر حديثاً قال فيه في رأي آخر بقول لك: لا، حتى لو ضرب بالعصا يقتص منه، وبن تيمية ينسب هذا أنه رأي كثير من الصحابة. نعم، قال فذكر حديثاً قال فيه: إني والله ما أرسلت عمالي عليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلتهم إليكم يعلمونكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به سوى ذلك فارفعوه إلي، فذات نفس يده إذا لا أقتص منه. فإذا جعل القصاص حتى في الضربات بالسوط والعصا.

طيب، قال فوثب عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: إن كان رجل من المسلمين على رعية فأدب رعيته، أنك لمقتص منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده إذا لأقتصن منه، أنا لا أقتص منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروا. أحمد وغيره، قال: ممكن نستدل على هذه بقصة سواد بن غزية لما النبي صلى الله عليه وسلم دفعه بالحربة، فقال: يا رسول الله القصاص، فالنبي صلى الله عليه وسلم كشف له عن بطنه، ثم ممكن يستدل من هذه القصة على أنه لا، حتى لو كان دفع بعصا أو بحربة فيها القصاص.

طيب، قال معنى هذا إذا ضرب المتولي رعيته ضرباً مبرحاً غير جائز، فأما الضرب المشروع فلا قصاص فيه بالإجماع، هو هو واجب أو مستحب أو جائز. فصل، والقصاص في الأعراض مشروع أيضاً، هو الأعراض والقصاص في الأعراض مشروع أيضاً، وهو أن الرجل إذا لعن رجلاً أو دعا عليه نعم، فله أن يفعل به كذلك، وكذلك إذا شتم شتمة لا كذب فيها، والعفو أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. إذا شخص قال لك أنت حمار تقدر تسب عليه وتقول له أنت الحمار، هذا قصاص لكن لا تزد على هذا إلا إذا كان فيها اتهام بمعصية لا يجوز؛ إذا قال أنت فعلت الفاحشة آه لا هنا ما بصير أقول له أنت فعلت الفاحشة، فالقصاص في الشتائم ما لم يكن الكلمة التي فيها شتيمة معصية، كان يكون فيها فاحشة أو يعني كلمة لا ترضي الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وقال صلى الله عليه وسلم: المستبان ما قال، فالبادئ ما لم يعتد المظلوم. والشتيمة التي تسمى والشتيمة التي لا كذب فيها، مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب والحمار ونحو ذلك على وجه الإهانة، يعني شايف إيش هي؟ قال: والشتيمة هي يعني ما هي الشتيمة التي يجوز أن تردها؟ هي التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من مثل إيش؟ أن أخبر عنه ما فيه من القبائح يا بخيل، يا كذا، أو تسميته بالكلب أو الحمار، يعني هذه.

الشتيمة التي لك أن تردها هي كل ما لا كذب فيه. أما الشتيمة التي فيها كذب عليه، كأن قال لك: يا زاني، فتقول: لا، أنت الزاني، فهذا كذب وغير صحيح. أو قال: يا شارب الخمر، فتقول: لا، أنت شارب الخمر، فهذا أنت أخبرت بما ليس فيه. الشتيمة التي لك أن تردها هي كل ما لا كذب فيه ولا معصية لله فيها، إذ قد تكون الشتيمة لفظها فيه معصية فهذا لا يجوز. أما الشتيمة التي خلت من ذلك، كأن تقول فيه: بخيل أو لئيم أو غدار أو خائن، ويكون هذا من صفاته، أو أن تصفه بوصف من أوصاف البهائم، فهذه الشتائم هي التي تستطيع أن تردها.

قال: فمن افترى عليه لم يحل له أن يفتري عليه، ولا كفره أو فسقه بغير حق، لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق، ولو لعن أباه وقبيلته أو أهل بلده ونحو ذلك لم يحل له أن يعتدي عليه. هذه كلها الشتائم التي لا تجوز أن تردها. نعم، قال: إذا لم يعينوه على ظلمه فإنهم لم يظلموا. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فكيف يجوز للمسلم أن يتعدى على المسلم لبغض جائز أو غير جائز؟

وجماع ذلك أن كل ما كان من كلامه في عرضه محرماً لحقه ما لم يلحقه منه أذى، جاز أن تقتص منه مثله، كدعاء عليه مثل ما دعا عليه، ولعن، وغيره مما فيه الكلام، وإظهار مساوئه في وجهه وهو الهمز أو في مغيبه، وأكثر مسبه مما يسبه أو أشد مما سبه، كما قال النبي ﷺ: «فعل البادي منهما ما لم يعتد المظلوم». فعلم أن المكافئ لا إثم عليه إلا إذا اعتدى.

قال: أما ما كان من كلام محرم لحق الله، بحيث يحرم ولو لم يكن فيه أذى، كالكذب عليه بالقذف والتكفير، فهذا لا يجوز مقابلته بمثله، ولكن يعزر. أي شتيمة هي بذاتها معصية، قال لك: يا كافر، فلا تقل له: أنت الكافر، فهذا ليس مجالاً للرد، أو يا فاسق، أو يا شيء؛ فهذا كله لا يرد ولكن يعزر بمنزلة ما ليس فيه. وقد اختلف العلماء هل يجوز الصلح على ذلك بمال على قولين. يعني شخص اعتدى على عرضك بشتيمة، فهل تصالح على عدم الرد بمال؟ في خراف ونظير هذا. قال نظير هذا مثل بجيرته في القتل بحيث يقطع يده، فليفعل به كما فعل أو لا، بالمال كما مر معنا مسألة فيها خلاف. قال أشبه الكتاب والسنة والعدل أن يفعل به كما فعل، ما لم يكن الفعل محرماً في نفسه كتجرع الخمر والتلوث به ونحو ذلك. يعني رأى ابن تيمية أن القاتل بطريقة معينة يقتل بنفس الطريقة التي قتل بها، هذا العدل إلا إذا كانت الطريقة هي محرمة بذاتها، كأن يكون فيها لواط أو شرب خمر، فلا يلاط به ولا يشرب الخمر.

قال فصل: إذا كانت المظلمة في العرض من مقذوف فيه في القذف وغيره، فالعقوبة بحد القذف وبتعزير غيره. أما حد القذف فبكتاب الله وسنة رسوله والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 4-5]. حد القذف مستحقه المقذوف، فلا يستوفى إلا بطالبه باتفاق الفقهاء، فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء كمالك والشعبي، ولذلك لم يذكره ضمن الحدود السابقة. حد القذف هو حق للمقذوف، يعني فيه شائبة الحق الخاص وليس حقاً عاماً فقط، فلذلك يرى بعض الفقهاء أنه يسقط إذا عفا من شتم بالزنا له أن يسقطه. نعم، قال: لأن المغلب فيه حق الآدميين كالقصاص والأموال.

قيل لا يسقط تغليباً لحق الله تعالى لعدم مماثلته، هذا رأي آخر أنه لا يسقط ولو عفا صاحبه ما دام رفعت قضية وثبت أنه قذفك، باعتبار أنه فيه شائبة الحق العام، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية. وإنما يجب حد القذف إذا كان المقذوف محصناً، وهو المسلم الحر العفيف. وأما المشهور بالفجور، شخص معروف أنه فاجر، لو أنت قلت له: يا زاني، وهو معروف أنه فاجر، لا يقام عليك الحد، وإن كنت قد تعزر أحياناً أو بحسب ما يظهر للحاكم. وكذلك الكافر والرقيق، لكن يعزر القاذف.

وهذا في غير زوجته، إذ لا حاجة به إلى القذف وإن كان صادقاً؛ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]. أما الزوج فإنه يجوز له أن يقذف المرأة إذا زنت ولم تحبل من الزنا، فإن حملت منه وولدت فعليه أن يقذفها وينفي ولدها، وألا يلتحق به من ليس منه؛ يجوز له أن يقذف زوجته بالزنا إذا رآها على ذلك، ويجب عليه أن يقذفها بالزنا إذا حملت ولداً هو متيقن أنه ليس منه، هنا القذف واجب أصبح مش بجائز فقط، حتى لا ينسب ولد له وهو ليس منه، لا يلتحق به من ليس منه، يصير ينسب إليك وأنت عارف أنه مش منك ما بيصير.

فإذا قذف، فإما أن تقر هي بالزنا وإما أن تنكر، فإن أنكرت فله أن يلاعنها كما ذكر في كتاب اللعان، وهو خاص بين الزوجين. كان القاذف عبداً فعليه نصف ما على الحر، وكذلك في جلد الزنا والشر؛ إن الله قال تعالى في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]، وإذا كان الواجب القتل أو قطع اليد، فإنه لا ينصف.

فصل: الآن هكذا خلص من العقوبات التي هي حق خاص، الآن سينتقل للحقوق التي هي حق خاص عرفتم، وبها يتم الكتاب. قال: فصل في حقوق الأزواج، فالواجب والحكم زوج أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعليها طاعته وحفظ الغيب في نفس ومال. من الحقوق الخاصة هي الحقوق بين الزوجين، حق الزوج على زوجته حق خاص، وحق الزوجة على زوجها حق خاص.

قال: ويجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر حقوقه بطيب نفس منشرح الصدر، فالمرأة لها عليه حق في ماله وحق في بدنه. فأما المال فالصداق والنفقة بالمعروف، فإن كان الصداق حالاً هو الذي يسمى المقدم وتستحق مطالبته به قبل الدخول، المؤجل إلى أجل مسمى نعم، الصداق المؤجل إذا لم يتم ذكر موعد محدد لتسليمه، فإنما يسلم عند الطلاق أو الموت. وأما المؤجل إلى أجل مسمى هو الذي تسميه الناس المؤخر؛ قد جرت عادة البوادر لهذا الزمان بأن تتزوج المرأة على مهر مقدم ومؤخر ويشترط على ذلك قبل العقد عند خطبته غالباً، ثم إذا عقدوا النكاح سموا الجميع وأطلقوا ولم يتعرضوا للفظ المقدم والمؤخر، والشرط المتقدم على العقود بمنزلة المقارن عند عامة السلف، وهو المشهور من قول مالك وأحمد وغيرهم، وعليه دلت الكتاب والسنة. الحنابلة والجمهور لا يعتبرون الشرط إلا إذا كان ذكر في نفس موعد العقد، أما إذا ذكرته قبل يومين ثم لما وقت العقد لم يعد ذكره لا يعتبر؛ ابن تيمية يقول لك: لا، أنا أرفض هذه النظرية، الشرط شرط ما دام تم الاتفاق عليه، سواء ذكر في لحظة العقد أو تم الاتفاق عليه سابقاً ولم يعد التنصيص عليه.

وإذا تزوج على مقدم ومؤخر ولم يسم أجلاً، فقد اختلف الفقهاء في صحة هذه التسمية، وأكثر السلف على صحتها، إنما يقابلها من المنفعة لمؤجل إلى أجل مسمى بمنفعته في الإجارة. ثم تنازعوا متى يحل المؤجل، فقال كثير منهم أو أكثرهم: يحل إذا تفرقوا. وهو المشهور المعاصر، أن المهر المؤجل إذا لم يذكر وقت معين لتسليمه فيكون عند الفراق بموت أو طلاق، وهذا قول أحمد وغيره، وعلى هذا فلا تستحق عامة النساء هذه الأزمان مطالبة الزوج بالمؤخر من الصداق حتى يتفق الطلاق. كثير من النساء تلاقيها تزعل منه، يلا أعطيني المؤخر، طب وأنت حجة اتفقت معه، لا إذاً هو لا تستحقين المؤخر إلا إذا في طلاق وموت، أما هي مش كل ما زعلت منه يلا بدك تعطيني المؤخر، وأنت أصلاً ما اشترطت وقت تسليم له في العقد.

هذا هو الصواب أن الرجل لم يدخل على أنه حال بمنزلة المقدم، ما يحل إلا الرجل لم يدخل بالمؤخر على أنه حال، دخل على أنه مؤخر، ولا المرأة أيضاً دخلت على أن تتقاضى ما كان لها حال مقدم ثم، وإنما تتقاضاه حالياً عند مضارة الرجل لغرض فاسد يريد أن يفعله، أو لتخليته إلى طلاقها، أو إلى منعها من نفسها، أو أن تذهب حيث شاءت، وأكثر الضرار الحاصل من النكاح من جهة تكثر المرأة من طلبه مؤخر من الصداق، ومن تأمل أحوال الناس علم ما في ذلك من الفساد الذي لا تأتي به سياسة عاقل فضلاً عن الشريعة الإسلامية، حتى تنكره العامة بطباعها ولا سيما إذا أضيف إلى ذلك قبول قولها في عدم قبض النفقة مع عدمها، سكناها كانه في منزلة خمسين سنة، وليس لها جهة معلومة إلا هو، ونحو ذلك من الأحكام التي قد زل بعض العلماء فحصل منهم من تلك الزلة من الشر ما ينافي الشريعة.

النفقة بالمعروف في ذلك المكان في ذلك الزمان، وهي عند جمهور الفقهاء كمالك وأحمد ليست مقدرة من الشرع قدراً ولا حداً، وهي معلومة بالعرف وتزيد وتنقص بحسب حال الزوج، وفي اعتبارها بحال المرأة خلاف في مذهب أحمد وغيره. وهل يجب تمليك المرأة ذلك أو الذي يسمى الأكل كالفرض، أم يكفي تمكينها من الأكل في المنزل كما جرت به أعراف الناس وعادات القديمة والحديثة؟ في قول للفقهاء الثاني أشبه بالكتاب والسنة، فإنه لم يعرف على عهد السلف امرأة كانت تأكل بالفرض، وهذا هو المعروف الذي أمر الله به. واختلف أيضاً هل وجبت النفقة على وجه الصلة كنفقة الأقارب أم على وجه المعاوضة كالصداق والأجرة على قولين، فالأول قول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه، والثاني هو قول الشافعي وأحمد في مشهور عنه، وبنوا على ذلك أنها على القول الأول تسقط بمضي زمان إذا لم يفرضها الحاكم ولا تستحق فسخ العقد بإعسار الزوج، وعلى الثاني لا تسقط بمضي زمان كالأجرة وتستحق الفسخ بعجزه عنها، عجزه عن وطئ وكذلك. نعم، من الصحيح نفقات الأقارب تسقط إذا لم يفرضها الحاكم، ولا يعاد على السابق بخلاف نفقة الزوجة، إذا قلنا أنها كنفقة الأقارب تسقط إذا لم يفرضها الحاكم، يعني وهي طالبت بها بعد تأخر المدة، تسقط بالتقادم كما يسمى، ولا تطالب إلا بالمستقبل. أما إذا قلنا: لا، هي أجرة أو تشبه الأجرة، فهي لا تسقط بالتقادم، بل تبقى حقاً لها ولو رفعت قضية بعد عشرين سنة.

أما حقها في بدنه فشيء، إذا طبعاً هو فيه كثير من التفاصيل الفقهية أنا ما بدي أتعبكم فيها أن هذا مش موضوع الكتاب. المهم إذا حق الزوجة في زوجها أولاً حق مالي صداق ونفقات. أما حقها في بدنه قال: فشيء أن العشرة والمتعة بحيث لو كان عاجزاً عن وطء لكونه مجبوباً استحقت الفسخ عند العلماء قاطبة، وكذلك لو كان عنيناً. خلاف شذ فيه، العنين ذكره موجود لكن لا يستطيع.

الجماع. لا يستطيع الإنزال. نعم نعم، قال: ولو آلى منها، وهو يحلف بالله أنه لا يطأها مطلقاً أو مدة أن تكون أكثر من أربعة أشهر، فتستحق فرقة اتفاق المسلمين كما دل عليه القرآن العظيم في قوله تعالى: وهو محرم أن يحلف الرجل أنه لا يطأ زوجته أبداً أو أكثر من أربعة أشهر فهذا محرم. قال كما دل القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226-227].

لكن أكثرهم يقولون إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يُفِئ وإما أن يطلق، نعم بعد الأربعة أشهر بيجيبوا الحاكم يقولوا له: يا إنك تعاشرها يا إما إنك تطلقها، يجبر على أحد الخيارين. ومنهم من يقول الحنفية بل يقع الطلاق تلقائياً بعد مضي الأربعة أشهر ولا يحتاج الأمر إلى حكم الحاكم.

العشرة التي هي القسم ابتداء، والمتعة التي هي الوطء واجب عليه، فالعشرة هي ماذا؟ أن يقسم لها. الواجب على الزوج الواجب الحد الأدنى ليلة من كل أربع ليالي أن يبيت عندها، هذا اسمه العشرة، فالعشرة هي المبيت والوطء هو الجماع، فيقول العشرة هي أن يقسم لها. الآن أنت كرجل كم زوجة؟ مع خيار أربعة، فبالتالي قال الفقهاء إذا حق الزوجة في العشرة اللي هو المبيت ليلة كل أربع ليالي لازم يبيت عندها سواء كان عنده الثلاث زوجات الباقيات أو مش عنده تمام. فأنت ممكن أديت بدك تطلع تطلب تطلع رحلة فزوجتك قالت لك لا لازم تبيت عندي، تقول له: حجة أنا المطلوب مني ليلة من كل أربع ليالي، فإذا أنا ليلة بتّ عندك وثلاث ليالي طلعت رحلة بعدين رجعت بت ليلة بعدين ثلاث ليالي طلعت كحق كحق عشان تتعب، الله خطير.

كحق أنت فعلت عليها بس إنه ايش يعني دائماً بعض الناس بحفظ الحق بس ما بيعرف الإحسان، لا، أنت العشرة بالمعروف أنه ما دام في عندك ثانية وثالثة ورابعة خليك يعني خلص، لكن أنت متى تحتاج ترفع الكرت هذا؟ في حال أنك ليلة من الليالي اضطررت تبيت بره وزوجتك اجت تلوم عليك أنه تعال يا حقي أنك تبيت عندي، لا بدها تفهم الزوجات أنه حقك أن يبيت عندك ليلة من كل أربعة، والعشرة أنه كل ما كانت الفرصة والأمور طيبة أنه ينام عندك، حتى لا تطالبي أيضاً الزوج بشيء أعلى مما هو واجب عليه.

وأما بالنسبة للوطء، قال المتعة التي هي الوطء واجب عليه كما كتبه الأصول، وهو مقصود النكاح، واقتضاء الطبع لا ينافي الوجوب كما لا ينافي وجوب الأكل والشرب، وقد قال المسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما رآه يسرد الصوم: إن لزوجك عليك حقاً، ولو ايش يعني؟ واقتضاء الطبع لا ينافي الوجوب، يعني حتى لو كان الإنسان بطبعه أصلاً يطلب الوطء هذا لا ينافي أن نقول أنه أيضاً واجب شرعاً.

نعم، قال: لولا استحقاق الوطء لما ملكت فسخ النكاح بعجزه وامتناعه، بالدين، ثم قد قيل الواجب في مره في كل أربعة أشهر. لأنها ممانعة بأيش الدين؟ ايش امتناعه بالدين؟ ولولا استحقاق الوطء يعني لولا أن الوطء حق لها لما ملكت فسخ النكاح بعجزها عن الوطء، هي المرأة مش تقدر ترفع قضية للقاضي أنه هذا عنين؟ وامتناعه بالدين أنا هي شاع أن فيها مشكلة، عبارة الشيخ يقصد أنه هي تملك فسخ نكاحه بالدين بأمر بشرع بعجزه أو امتناعه. طيب، ولولا استحقاق الوطء لما ملكت فسخ النكاح بعجزه عن الوطء أو امتناعه عن بعجزه عن الوطء أو امتناعه بالدين يعني بشرع الله، بأمر الله، ممكن ممكن. قال: ثم قد قيل الواجب مرة في كل أربعة أشهر، لأن ما هو الحد الأدنى؟ حكينا بالنسبة للمبيت لازم يبيت ليلة من كل أربع ليالي، طب بالنسبة للوطء؟ لازم يطأها كحد أدنى مرة كل أربعة أشهر، أنه أصلاً حد الإيلاء ما هو أكثر من أربعة أشهر فحد مرة كل أربعة أشهر.

وقيل يجب وطؤها مش كل أربعة بل يجب وطؤها بالمعروف على قدر قوته هو وحاجتها هي، ممكن فتاة تحتاج أن توطأ كل شهرين هذه حاجتها ولا تُفتن، فأنت مطلوب منك أن تعف، إذا كانت حاجتها وهي طلبت حاجتها بشكل متعارف عليه، وتعلم من حالها أنها تفسد بدون ذلك وأنت قادر، يجب أن تلبي لها، وهذا أجد يعني وإن لم يكن مذهب الحنابلة لكن رأي قوي في المسألة حقيقة.

نعم، قال كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وكما أن الواجب له يستحق المعروف على قدر قوته وحاجته، والحاكم يقدر ما يستحق الوطء عند تنازعه كما يقدر ما يستحقه وكما يقدر نفقة ومهر المثل. وهناك قولان في مذهب أحمد وغيره، والثاني أشبه بالكتاب والسنة وأصولنا، من ثم رجح القول الثاني، الثاني أشبه أن الوطء الواجب على الزوج على قدر قوته هو وحاجتها.

وأما حق الرجل عليها، فقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبته: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله عندكم» يعني أنت زي كأنك أسرتها عندك فبدك تتقي الله فيها، نعم قال: «أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه». نعم، هذا حق الزوج، ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، لا يجوز للمرأة أن تدخل إلى بيت زوجها أحداً لا يريده الزوج، حتى ولو كانت عند الأكثر أهل العلم أخوها وإخوانها، طبعاً العشرة بالمعروف شيء، لكن أنا بنبه على حالات بتصير أنه في النهاية البيت هو مملكة الزوج، فإذا أنت قال لك لا تدخلي فلان من أقاربك ما بصير تدخلي، هو ليس له أن يمنعك من صلة الرحم لكن له أن يمنع من يدخل البيت ومن لا يدخل، عند طائفة من أهل العلم هذا ينتبه له.

قال: فافعلوا ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرأة يدعوها زوجها إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها». أيضاً من حق الزوج أن تلبي في الفراش متى دعاه، متى دعاه إلى ذلك. قال: أخرجاه في الصحيحين، وقال: «لو كنت آمراً أحداً بسجوده لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها».

وروى أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ الشام فرأى الناس يسجدون بطريقها وساقها، فرأى في نفسه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم، فلما قدم قال: رأيت نصارى تسجد بطريقها وأسقفها، فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم، فقال: «كنت آمراً أحداً أن يسجد لامرأته ليسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدي امرأة حق الله تعالى كله حتى تؤدي حق زوجها كله، ولو سألها نفسها على ظهر قتب لأعطته إياه». على ظهر قتب يعني ولو كانت على ظهر جمل، وهي جالسة على الخشب على خشب الجمل، وقال لها أريدك للفراش أنها تعطيه. قال: هذا متفق بين الفقهاء أن له أن تمتع بها متى شاء ما لم يضر بها ويشغلها عن فرض، فعليها فعليها أن تمكنه كذلك، ولا تخرج، طبعاً بس بشرط أنه ما يضرها في هذه المعاشرة ولا يشغلها عن الفرائض كالصوم المفروض وصلاة الفرض، كذلك لا تخرج من منزله إلا بإذنه أو إذن الشارع، لأنه في حالات معينة لها أن تخرج بإذن الشارع ولم يأذن لها الزوج، كأن يكون فرض معين تعين عليها أو حالة اضطرارية، هنا يكون الشارع أذن لها، فإنها نعم.

قال: عند عانية، عنده ايش يعني؟ يعني الأصل في الزوجة كما يقول الكاساني في البدائع أنه محتبسة للزوج، محتبسة لزوجها. نعم، قال: وينبغي له إذا استأذنت أن تخرج إلى الصلاة ألا يمنعها إذا لم يكن فيه مفسدة، «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وبيوتهن خير لهن». وكذلك لا يمنعها عيادة مرضى أهلها وتعزيتهم. وهل له حق في بدنها من خدمة مثل فرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ مسألة طويلة والنقاش فيها لا يصلح في هذا المقام.

فصل: أما الحكم في الأموال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل، كما أمر الله ورسوله، كقسم المواريث بين الورثة على ما جاء به كتاب وسنة. قال المسلم: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث. ولما ذكر الله فرائض عمود النسب من أصول وفروع، وفرائض الأطراف من سجل الكلالة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: 13]. فيمنع المريض أن يخص بعض ورثته بعطية أو وصية محتال على ذلك، أو يشهد على إقرار قد لقنوه أو عرفوا بطلانه. ولذلك تورث النساء الصغار بخلاف ما كان الجاهلية، وقد كان قد عاد إليه كثير من الأعراب، ويسوى بين من هو حلال بينه وبين ولد الحرة والأمة.

وقد نازعنا الصحابة من بعدهم في بعض مسائل الفرائض كالجد مع الأخوة، ومسألة المشركة والعمريتين وغير ذلك. وكذلك العلم بالعدل في المعاملات من البياعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات ووقوف الوصايا ونحو ذلك معاملات بالعقود، اختصار الحاكم بده يعدل في تقسيم الميراث، بده يعدل في قضية البياعات، الإجارات، الوكالات، الوصايا. فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله، وهو من المعروف الذي قال الله فيه ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، كوجوب تسليم الثمن للمشتري من المشتري تسليم المبيع على البائع، وتحريم التطفيف مثلاً في المكاييل والموازين، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش. ومن أوجه العدل ما هو خفي يحتاج إلى تدقيق على العقول حتى جاءت به الشرائع وشريعتنا. نعم، أكمل، قال: مخفي على العقول حتى جاءت به شرائع، وشريعتنا أهل الإسلام، فإن جمهور ما نهى عنه كتاب وسنة والمعاملات تعود إلى تحقيق نهيها عن ظلم دقه وجله مثل أكل المال بالباطل الذي حرمه القرآن وذكر جنسيه الربا والميسر، ومثل أنواع الربا والميسر التي نعل مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبل وبيع الهواء.

إذا هو الفرق عنده بين الظاهر والخفي أن الظاهر هو ما يدركه الإنسان بعقله ولو لم يأتِ شرع، الخفي ما توقفنا في تحريمه على الشرع، تمام؟ مثل تلقي الركبان، ونهي أن يبيع حاضر لباد، ومثل هذه القضايا التفصيلية، قال بيع الأجسام وبيع المصلات وبيع المدلس ومس المنابذة والمزايدة والحقل والخشخاش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وغير ذلك، وأنه 40 نوعاً من البيع، وما نهى عنه من أنواع المشاركات كالمخابرات بزرع بقعة من الأرض، ومن ذلك ما قد تنازع في سمو خفائه واشتباهه، وقد رأى أحدهم العقد والقبض عدل لا يجوز ويكون صحيحاً إن كان الآخر يظن أنه مشتمل على جور يكون فيه فاسداً. وقد قال حتى بعض العقود وقع فيها خلاف، هل هي من العقود العادلة أو من العقود الفاسدة؟ خلاف بين المذاهب الفقهية، تمام.

فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس في معاملاتهم التي يجرونها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يُشرع لهم العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه. إذاً الدين ما شرعه الله هو الحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذم الله، أن الأصل في العبادات التوقيف والأصل في المعاملات الإباحة.

نعم، قال: حَرَّمَ من دون الله ما لم يُحرمه، وأشرك ما لم يُنزل به سلطاناً، وشرع من الدين ما لم يأذن.

اللهم وفقنا لأن نحل الحلال ما أحللته، ونحرم الحرام ما حرمته، والدين ما شرعته. وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرمة وعقوبتها، ومثل ذلك الغش، فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ مر على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس منا»، وفي رواية: «من غش فليس منا».

والغش اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلاف باطنه، مثل الذين يحسنون ظاهر الأطعمة من الثمار والحبوب ونحوها، ويجعلون الرديء في باطنها، ويفعلون مثل ذلك في الحيوان كتشبيب الإبل والغنم، وهو أن يجمع اللبن في ضرعها يومين أو ثلاثاً، ثم يبيعها فيظن المشتري أنها تحلب كل يوم بقدر ما في الضرع، قال النبي ﷺ: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إما أن يرضى وإما أن يردها ومعها صاع من تمر». ومثال ذلك أيضاً تحمير وجه الجارية أو الإماء في السوق حتى يبيعها بربح، ويضع على وجهها مكياجاً، تماماً عاد هي تكون بتخوف بدونه، وتسويد شعرها وتجعيده.

وكذلك الغش في الصناعات، كما يصنع بعضهم للأجرة، أو من يصنع لنفسه ثم يبيع للناس، فيكون غشاشاً في الخيوط، أو غشاشاً في الخبز، فإن الغش يكثر في هؤلاء، وهو من الخيانة وعدم النصيحة. وعن جرير بن عبد الله: بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم. والنبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما».

ومن أعظم الغش الغش في جنس الأثمان، أن تغش في الدراهم والدنانير، تعطي دراهم مزورة أو دنانير مزورة، فلا يمكن أحد أن يضرب الدراهم والدنانير إلا بأمر السلطان، أكيد من الذي له أن يصدر المال؟ مش البنك المركزي؟ ما بيصير أي أحد يصدره وإلا بتضيع الأمور. ولا يجوز لولي السلطان أيضاً أن يكسر سكة المسلمين، وأن يفسد عليهم العملات التي بين أيديهم؛ لأنه هذا أيضاً يدمرهم. قال: وكسر سكة المسلمين من الفساد في الأرض، وقد قيل إنه مما عابه الله عز وجل على قوم شعيب حيث قال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: 85].

نعم، يجوز كسر السكة المغشوشة؛ فإن الناس إذا مكنوا من ذلك لم يتبين مقدار الغش، وقد روى حسن عن النبي ﷺ أنه نهى عن شوب اللبن بالماء للبيع، يعني أنه يجوز أن يشاب اللبن للشرب، فأما البيع فلا يجوز، وإن علم المشتري أنه مشوب؛ لأنه لا يتبين مقدار الشوب.

ومن أعظم أنواع الغش الكيمياء، وهو عمل ما يشبه الذهب والفضة. الكيمياء مرت معنا سابقاً، قلنا وهي صناعة قديمة كانوا يزورون فيها المعادن، فيصنع شيئاً يشبه الذهب وليس بذهب، وكذلك يعملون مثل جواهر الطيب، المسك، الزعفران، وغير ذلك من الكيمياء الشبه؛ فإن ذلك كله محرم؛ إذ لا يكون الشبه الذي هو النحاس، نعم قال: فإن ذلك كله محرم، إذ لا يكون مصنوع مثل المخلوق قط، وإنما غايته أن يشبه به في الظاهر وفي بعض صفاته، ولم يخلق الله شيئاً وجعل الخلق سبباً أن يخلقوا كخلقه، ولا أقدرهم على أن ينقلوا نوعاً من أنواع الخلقة إلى نوع آخر، وإنما صنع الناس الزجاج؛ لأن الله لم يخلق زجاجاً كما خلق ذهباً وفضة. يعني هذه مرت معنا في كتاب الحسبة، أن المعادن يرى ابن تيمية أنها لا يمكن للإنسان أن يخلقها ويصنعها، وإنما يحاكيها، فبالتالي هو نوع من الغش.

وقد اتفق عقلاء بني آدم على أن غاية الكيمياء الزغل الجيد الذي لا ينكشف إلا بعد مدة طويلة، ولا يتعلق بها إلا أحد الرجلين: قليل العقل يعتقد صحتها، وقليل الدين يستحل إنفاق المغشوش، وما يذكر فيها من حكايات صحيح غايته المغشوش الجيد الذي يروج على خلق من النقاد. فالإنكار على هذا الضرب عقوبته من أعظم الواجبات، أكثر ما فسد حال كثير من الناس من هذا الوجه، ولهذا لم يذكر الفقهاء ما يجب في الكيمياء كما يجب في المعدن والركاز؛ إذ كان للركاز حقيقة، وهي الكنوز العادية التي تسمى كنوزاً، وليس الكيمياء حقيقة. وهل الإنسان إذا صنع معادن ذهبية هل عليه زكاة إذا صنعها بالكيمياء؟ ما عليه زكاة؛ لأنها أصلاً غش وليست معادن ذهب حقيقة، يعني لو أنت بالكيمياء عملت ذهب أو فضة، هل عليك زكاة فيها؟ قال: لم يذكروا فيها كما ذكروا في زكاة المعادن وزكاة الركاز؛ لأنه هذه ليست ذهب حقيقي ولا فضة حقيقية.

ومن ادعى على النبي ﷺ أو على موسى عليه السلام أنه كان يعملها أو يعلمها، فقد كذب وافترى، وجابر بن حيان الذي تعزى إليه مصنفاته مجهول كثير التخليط والتناقض، والكيمياء من جنس السيمياء والسحر الذي يخيل الشيء بخلافه عليه، كما حكى الله تعالى عن سحرة فرعون أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 65-66]. فيقال إنهم كان يعلمون إياها في المدارس، يقول ابن تيمية وهو مجهول كثير التخليط، فيقال إن تحيل على ذلك بوضع زئبق فيه، فلما حمي الحر وتحرك الزئبق، فنظير ما يفعله نصارى المخاريق.

والمسعى الصلاح بالحقيقة، وكل هذا من نوع الكذب والنفاق والغش والخديعة والمكر، وكل هؤلاء يدا يعلمون الناس في المدارس رموزاً تالفة، يعني ابن سينا، جابر بن حيان، لما تسمع هذه الأسماء في المدارس وأنت تفكر أنهم علماء المسلمين الكبار، بتكتشف ابن سينا كان زنديقاً، بتكتشف جابر بن حيان كان من كبار السحرة. نعم، وكل هؤلاء يستحق العقوبة البالغة؛ لما فيهم من ضرر على أنفسهم وعلى الناس في دينهم ودنياهم، فمعرفة هذه الأشياء بلا غش لأحد، لكن لمعارضة المبطل وكشف غشه وتدليسه، فإنه قد ينتفع بذلك، وإذ لولا معرفة ذلك عند أهل الحق لنفق الباطل عند كثير من يعرفها؛ يعني أنك تعرف الكيمياء وأساليبها هذا من معرفة الباطل حتى تستطيع أنك تحمي نفسك وتحمي الدولة منه، أما أنك تمارسها لغش الناس فهذا هو المشكلة.

وقد يخلق الله عادة لمن شاء من عباده معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، لكن ذلك لا يقف على الأسباب التي يتعاطاها أهل الغش من الكيمياوية والسحرة، بل قد يقلب الله الباذنجان والحصى ذهباً وفضة لمن شاء، مع أن عامة هؤلاء ينفقون منها ولو قلبها الله لهم. وما يتعين أيضاً على ولي الأمر النظر في ولاة الحسبة وما يدخلون لله من أسعار المسلمين ومداهنة باعة الدقيق وغيره لما يناله من السحت، فإن مضرة هذا عامة، ولم يكن ناظر الحسبة ممن يخشى الله ويثق بأمانته، وإلا فما يبذل له من المال يزلزل أمثاله؛ فإن هؤلاء الذين يبخسون الناس أشياءهم ويعثون مفسدين، فجعلهم لهم غرض خبيث فيما يحصلون من المال الخبيث فيبذلون فيه عظيماً.

قال هو قليل من كثير، فقد قال سلفهم قديماً لشعيب صلى الله عليه وسلم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]، مع أن هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداءً كحقوق الله، ليست حقاً لآدمي معين، لكن كثيراً ما تقع الشكوى فيها من المعينين، فهي داخلة في الحكم بين الناس في أموال القضاء، مع أن هذه الأشياء تستغرب، تقول لي: طب مش هذا من الحق العام وليس من الحق الخاص منع الغش؟ مع أن هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداءً كأمر حقوق الله عموماً، ليست حقاً لآدمي معين، لكن كثيراً ما تقع شكاوى من معينين؛ فهي لما تصير شكوى أنه واحد غشني بصير من الحق الخاص، لكن عموماً منع الغش في الأسواق والتسعير، زي ما درسناه في كتاب الحسبة، هو ابتداءً من الحق العام.

فصل: لا غنى لأحد عن المشاورة، فإن الله أمر بها نبيه، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. وقد قيل: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحاب الرسول ﷺ، وقد قيل إن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم لتأليف قلوب أصحابه، والاقتداء بهم بعده، ولا يستخرج منهم من رأيه فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الحربية وغير ذلك. فغير النبي ﷺ أولى بالمشورة من غيره، قال الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين بذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. والله صمم سورة في القرآن سورة الشورى، إذا قلنا إن أسماء السور توقيفية فهذه سورة كاملة اسمها الشورى لتؤكد على عظم هذا المبدأ.

وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله وسنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيماً في الدين أو الدنيا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون، ينبغي أن يستخرج من كل واحد منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وتوصيله عمل به، كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، يعني الآن الحاكم يستشار الناس، إذا بين له أحد المستشارين أمراً واجب اتباعه شرعاً، هنا الحاكم ليس له الخيرة في أمره، أما إذا كانت المسألة مسألة اجتهادية، فالحاكم له أن يسمع من أكثر من شخص ويرى أي الأقوال هو الأشبه وبالتالي يسير معه؛ ففرق بين ما كان قاطعاً وما كان مجالاً للرأي.

وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، وأكثر ما يخاف على الناس من فساد العلماء والأمراء، وكان السلف يحذرون فتنتهم؛ ما فتنة المبتدع في دينه وهذا العالم، أو الفاجر في دنياه وهذا الحاكم، صاحب الهوى قد أغواه هواه، وصاحب الدنيا قد أغوته دنياه، ﴿فَتَمَتَّعُوا بِخَلَاقِهِمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69]. وكانوا يقولون: من نجا من فتنة أهل البدع، الذين استمتعوا بخلاقهم هم الحكام الفجرة، والذين خاضوا كما خاض الذين من قبلهم هم علماء السوء، وكانوا يقولون من نجا من فتنة أهل البدع وفتنة السلطان نجا. فعلى كل منهم أن يتحرى فيما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله وسنة رسوله متى أمكن في الحوادث، معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، وهذا أقرب الأقوال، وقد قيل ليس له التقليد بكل حال، وقيل له التقليد بكل حال، الأقوال الثلاثة بمذهب أحمد وغيره.

وكذلك ما يشترط من قضاء والولاة من شروط، يجب فعله بحسب إمكانه، بل وسائر شروط عباداته من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولهذا أمر الله المصلي أن يطهر الماء من عدم طهارة، أو خاف الضرر باستعمال شدة البرد أو الجروح، وغير ذلك، فمسح بوجهه ويديه منه، وقال النبي ﷺ لعمران بن الحصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَقَاعِدًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَعَلَى جَنبٍ». فقد أوجب الله تعالى الصلاة في الوقت على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾، أوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والمريض والفقير الذي لا يجد طهوراً أو لا يجد ميسرة، كما جاء في الكتاب والسنة.

وأسقط ما يعجز عنه العبد من واجباته، من طهارة واستقبال قبلة وقراءة فاتحة وتكميل ركوع وسجود وقيام، فلو انكسرت سفينة بقوم أو سلبهم محاربون ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم، وكان إمامهم وسطهم لئلا يرى عورته، ولو اشتبهت القبلة اجتهدوا في الأصح. على هنا الفقير الذي لا يجد ميسرة، يعني مبلغ من المال يشتري به الوضوء، تقول يعني ايش دخل الفقير.

والميسرة في الطهارة أنه إذا كنت تملك مالاً لشراء الماء وكان سعره معقولاً وتريد الشراء؛ فالمراد هنا أن الفقير يجد ميسرة، يجد مالاً يستطيع أن يشتري به ماءً يتوضأ به.

فلو انكسرت سفينة بقوم وسلبهم المحاربون ثيابهم، صلوا عراة بحسب أحوالهم، وكانوا وسطهم لئلا يرى الباقون عورته. ولو اشتبهت القبلة اجتهدوا في الاستدلال عليها، فلو عميت الدلائل صلوا على حسب إمكانهم كما قدروا؛ لأنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك لو حبس في مكان ضيق، أو كان في حال خوف، أو غير ذلك، فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين. وذلك كله في قوله تعالى، تقول: هو كل هذا لماذا يأتي هذه الأمثلة؟ ليخبرك أنه نحن الآن صحيح يشترط في الولاة والقضاة أن يكونوا من العلماء المجتهدين، لكن هذه الشروط في القضاء على حسب ما يمكن. طيب ما وجدت حاكماً مجتهداً ولا قاضياً مجتهداً؟ يا أخي شوف قاضياً أو حاكماً ضابطاً لمذهب، ما وجدت ضابطاً لمذهب، أخبرهم بالفقه. فهذا كله بيان أن الشريعة تقوم على سقف الممكن، وكذلك ما يشترط في القضاء والولاة من الشروط يجب أن تحصل بحسب الممكن، كما أنه هكذا أنت في العبادات على حسب الممكن تؤدي العبادة، كذلك في تولي القضاة والولاة، كما قال في صفحة 235 في منتصفها: تكون الشروط التي تشترطها فيهم على حسب الممكن، والأمثل فالأمثل.

ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل تمام الدين والدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، يتعاونون ويتناصرون على جلب المنفعة ودفع المضرة، إذ الواحد منهم لا يقدر وحده على جلب جميع منافعه ودفع ضره، ولا بد من الاجتماع. حتى قال صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، من أحاديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بأرض فلاة إلا يؤمروا عليهم أحدهم». فأوجب عليه الصلاة والسلام تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع التي هي أكثر وأدوم. يعني أمر الثلاثة المسافرين أن يكون لهم رأس هو تنبيه على ما هو أولى، وهو أمر بأن يكون لهم سلطان. وهذا كله من القياس الأولوِي. كثير من الناس سألوني: كيف بدنا نطبق القياس؟ سألونا عن أمثلة بالقياس، هذا ما نفعله؛ أنه أنت إذا أردت تعرف قياس الأولوية، قياس نفي الفارق، قياس العلة، بدك تقرأ مثل هذه الكتب وتبدأ تنظر. هذا الكتاب لحاله ربما مر معنا الآن خمس ست أنواع من أنواع القياس الأولوِي، هذه كلها أمثلة، أنت بكره في مادة أصولية ممكن تأخذها وتتذكر أن في كتاب ابن تيمية ذكر قياسات أولوية، وابن تيمية من أذكى الناس في الأقيسة، فهذه كلها مادة تستطيع أن تذكرها أمثلة في الامتحانات والاختبارات للطلاب.

قال: ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بالقوة والإمارة. وكذلك سائر ما وجب من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمعة والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحد، لا تتم إلا بالقوة والإمارة. ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان. والتجربة تبين ذلك في الوقت والمكان الذي لا يوجد فيه سلطان، يقع القتل ولا يكون في غيره، وتجري في البلاد الفتن، أو يخرج أهله على حكم السلطان كبعض أهل البوادي والقرى التي تكون خارج سيطرة السلطان، يجري في هذه الأماكن من الفساد في الدين والدنيا ما لا يعلم به إلا الله. ولهذا كان السلف كالفضيل وأحمد وسهل يعظمون قدر نعمة الله به، ويرون الدعاء للسلطان وصلاحه من أعظم ما يتقربون به إلى الله، مع عدم طمعهم في مال السلطان ورئاسته ولا خوفهم منه. يعني أحمد لم يخف من السلطان في فتنة خلق القرآن، لكنه كان يقول: لو كانت عندي دعوة صالحة لخبأتها للسلطان؛ لأن بوجود السلطان الصالح المسلم الذي يقيم أمر الناس صلاح الدين والدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً...» ومنها: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، ومنها قال: «ثلاثة لا يغل عليهن قلب مسلم...» ومنها مناصحته ولاة الأمر. وهذان حديثان حسنان. وفي الصحيح: «الدين النصيحة»، ومنها: لله ولكتابه ولرسوله، وإن كان أكثر من يدخل فيها لا يقصد العبادة والتقرب، بل لما في النفوس من حب. إحنا متفقين أن أكثر من يريد الحكم هو لا يقصد العبادة به، وإنما يريد العلو في الأرض. فكما أن أكثر من يأكل ويشرب وينكح لا يقصد العبادة المحضة، بل أكثر من يؤدي الأمانة الظاهرة كقضاء ديون الناس، وعندهم أموال مضاربات وشركات، يقصد بها قيام حرمته وجاهه عند الناس. فنظيره كثير، فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها بالعمل الصالح فيها إلى الله تعالى؛ فإن تقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات. وإنما فسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة والمال بها فقط. وقد روي عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على ماله وشرفه لدينه». قال: تم حديث حسن صحيح. فأخبر أن حرص المرء على المال ورئاسته يفسد دينه مثله أكثر من إفساد الذئبين الجائعين لزريبة غنم.

وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتى كتابه بشماله أنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 25-29]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: 21]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. فالناس أربعة أقسام: قوم يريدون العلو على الناس وفساداً في الأرض، وهم معصية الله تعالى، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه، وهؤلاء شر الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4]. وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، ويدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فقال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً، أفهذا من الكبر؟ قال: لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس. وبطر الحق جحده، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. فهذه حالة من يريد علواً في الأرض وفساداً.

القسم الثاني: الذين يريدون الفساد بالعلو، كأراذل المجرمين من سفلات الناس وغيرهم. إذاً القسم الأول ناس تريد العلو والسلطنة زائد الفساد، هؤلاء شر الناس. الثاني: الذين يريدون الفساد، بدهم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولكن لا يريد علواً، هو همه فقط يجمع ثروات، مش همه يصير سلطاناً وحاكماً، هذا بعده في الفساد يأتي كالسراق والمجرمين من سفلة الناس. الثالث: الذين يريدون علواً بس ما بدهم فساداً، يعني بده يصير حاكماً بس ما بده أنه يفسد، كحال كثير من خلفاء بني أمية والعباس؛ واضح أنه كان يريد علواً وإن كان لا يتقصد الفساد ابتداءً. القسم الرابع: هم أهل الجنة الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم حتى في الدنيا كعمر بن عبد العزيز والخلفاء الراشدين، كانوا أعلى لكنهم ما كانوا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

فكثير ممن يريد علواً لا يزيده ذلك إلا سوءاً، وكثير ممن جعل من أعليين لا يريد علواً ولا فساداً؛ وذلك أن إرادة العلو على الخلق وظلم الناس من جنس واحد؛ فيراه الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم له. ثم مع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك، والعادل منهم ما يحب أن يكون مقهوراً لغيره، وغير العادل من يؤثر أن يكون هو القاهر. فمريد العلو يفسد عليه دينه ودنياه بظلم الناس ومعاداتهم، لذلك فيحتاج ذلك أعواناً يدفعون أعداءه، والأعوان في الحقيقة أعداء له، إنما يعينونه لما ينالونه من أهوائهم؛ فلهذا كان من طلب الرئاسة لذاته أحمق جاهلاً. وإنما المطلوب منها ما يدفع به الإنسان عن نفسه الأضرار في دينه ودنياه، وفي الحقيقة دفع علو غيره عنه بالباطل، لا إرادة منه علواً على غيره.

أما من دخل فيه ديانة، كما يدخل الرجل في الجهاد باذلاً نفسه وماله، فهذا هو الذي يعان. وما فيها من الفتنة في الدين إلا من عصم الله، والمضرة في الدنيا إلا لمن أيده الله تعالى.

ولا بد في العقد والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قد بيناه، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس، فقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: 165]. من حيث المنطق ومن حيث الدين لا بد أن يكون الناس فوق بعضهم البعض؛ يعني أكيد في حاكم وفي محكوم، في مسؤول وفي مسؤولين، في حاكم وفي أتباع، هذه طبيعة الدنيا كذا عقلاً وديانةً. بس فرق بين من يقصد العلو ليرى غيره أسفل منه، وبين من يحصل له هذا تلقائياً أو يرى أنه بدي أكون مسؤولاً فقط من أجل حمايتهم، مش لأني بدي أعلو عليهم، فالموضوع يتعلق بالنيات.

فلذلك جعل السلطان والمال في سبيل الله تعالى على دين الله؛ فإذا كان المقصود بالسلطان والمال أن يتقي الله تعالى ويقيم دينه، وكان ذلك في سبيله كان ذلك صلاحاً للدين والدنيا. وإن انفصل السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس. وإنما يتميز أهل طاعة الله عن أهل معصية الله بالنية والعمل الصالح. كما جاء في الحديث الصحيح للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

ولما غلب على أكثر الناس في كثير من الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا متميزين عن حقيقة الإيمان في ولايتهم، رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرضاً عن الدين لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العز. يعني بالتالي صار الناس عندهم تصور خاطئ أن أي واحد في محل السلطنة هو أكيد دنيا؛ بسبب أنه تكاثر هذا النموذج، أنه أغلب النماذج التي وصلت للحكم بغت شرفاً وعلواً وليس ديانةً، أصبحت الناس تعتقد كقاعدة عامة أن الملك والسلطنة تنافي الدين مع أنه هو من أعظم مناصب الدين، إذا قصد به وجه الله؛ لذلك من السبعة الذين يظلهم الله بظله إمام عادل، ومن أعظم مناصب الدين. لكن للأسف لما شاهده الناس أصبح أي شخص يستلم منصب الحكم، استنوا شوي، هسا بيتغير، استنوا شهر شهرين هسا راح يفتن، هسا راح، أنه خلص صار عندنا تصور عام أن هذه المناصب تنافي الديانة. لاحظ ماذا قال: ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به، وهو الحكم، فأصبح أصلاً ينادي إلى ترك الحكام، ترك الكذا، ترك الانشغال بإصلاح هذه الأمور، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرضاً عن الدين، لاعتقاده أنه مناف لذلك؛ يعني بعض الناس إذا بده يصير حاكماً مباشرة بترك الالتزام؛ لأنه ما دين وسياسة بمشيش، كيف دين وسياسة بمشيش؟ السياسة هي لمصلحة الدين، فبعضهم من أجل المحافظة على.

الدين ترك السياسة، وبعضهم من أجل السياسة ترك الدين لاعتقادهم أن هذين لا يجتمعان مع بعض، وهذا خطأ كبير؛ بل لا بد في الدين من سياسة، ولا بد في السياسة من دين.

قال ابن تيمية: وكذلك لما غلب على كثير من أهل الديانات -والديان هو الحاكم أو الرئيس الديني- العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء، استضعف طريقهم واستدل من رأى أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها.

ما معنى هذا الكلام؟ أظن هذه قاعدة مهمة؛ إذا تصورتها، كان هناك بعض النماذج من أهل الدين استلموا حكما معينا، فلم يطبقوا الشرع كما هو، أو أن تطبيقهم للشرع سبب مشاكل، فيعتقد ماذا؟ أن طريقة أن تستعمل الدين في الحكم هذه لا تصلح. هذه فكرة؛ خلينا نعيد قراءة مهمة مركزية هنا. يقول: وكذلك لما غلب على كثير من أهل الديانات العجز عن تكميل الدين والجزع لما قد يصيبهم في إقامته في حياة الأمة من البلاء، استضعف طريقهم، واستدل من رأى أنه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها.

يريد أن يقول إن بعض الإسلاميين لما يتولى الحكم يعجز عن تكميل الدين؛ ما استطاع أن يصل إلى الصورة الكاملة للإسلام، أو أصابه جزع، فكان هو إسلاميا لكن لما تولى الحكم جزع أن يقيم الإسلام خوفا من أن ينقلب الناس عليه. هذا سيجعل للطرف الآخر الذي يشاهد من بعيد، ممن يريد التولي على الحكم ممن في قلبه مرض، أن يقتنع أكثر وأكثر أن الدين لا يمكن أن يكون في منصب الحكم. شوف هذه قاعدة مهمة حقيقة في ختام رسالة ابن تيمية؛ ضعف الإسلاميين لما يصلوا إلى منصب الحكم، ضعفهم إما من حيث العجز عن إقامة الدين كاملا أو شعور الناس أنهم خائفون يقيمون الدين حتى ما ينقلب الناس عليهم، هذا يعطي تصورا للذي في قلبه مرض من الحكام أنه واضح، شايفين الدين عمره ما بجيب حكم، لازم نترك التدين والقيام بالإسلام وندعو إلى العلمانية، خلص الدين خليه في حياتكم الشخصية، الدين ما بطعمي خبز، هيك بحكوا، الدين لا يمكن أن يستمر، الدين بخلي الناس تنقلب علينا.

فهنا يأتي دور الأمة أن تصدر شخصا إسلاميا قادرا على أن يفهم الناس قدرة الدين أن يجتمع مع الحكم. بس طبعا هنا في قضية؛ أحيانا العاجز عن تكميل الدين هو قد يكون طبيعة مرحلة، وهذا ليس عيبا. قد أكون أنا لا أستطيع الوصول إلى أعلى درجات، يعني لا يأتيني شخص يأخذ من كلام ابن تيمية؛ بالتالي يجب على أي حالة إسلامية تتولى الحكم في منطقة معينة مباشرة أن تفرض الدين كاملا خشية من أن يفهم الطرف الآخر، فهمت علي؟ هو بيتكلم بشكل عام أن بعض الحكام الفاسدين لما رأوا أن الدين ينافس السياسة، لما رأوا أن بعض التجارب الإسلامية التي أرادت أن تطبق الدين إما عجزت عن تكميل الدين أو جزعت عن تطبيقه، فيرى خلص هو يزداد اقتناعا أنه لا يجتمع الدين مع الحكم. لكن ذاك النموذج الإسلامي لما عجز عن إقامة الدين، هل هو معذور ولا لا؟ قد يكون معذورا، قد يكون له حسابات معينة، بس لا تفهم منه يا أيها الفاسد أن الدين لا يجتمع مع السياسة، بل عجز هؤلاء عن إقامة الدين ضمن معادلة معينة إنما هي مرحلية فقط، وليس معناها أن الدين لا يجتمع مع السياسة. والكلام يطول، لكن أحببت أن أعلق على هذه في ختام الكتاب.

وهذان السبيلان الفاسدان: سبيل منتسب إلى الدين لا يكمله بما يحتاج للسلطان من الجهاد والمال، أو سبيل غلب عليه السلطان في المال والحرب ومقصد بذلك قمع الدين؛ هما سبيل المغضوب عليهم والضالين. الأول الضالين النصارى، والثاني المغضوب عليهم اليهود. إيش اللي بقول لك؟ أنا بدي دين بس ما بدناش حكم، هذا ضلال؛ دين بدون حكم وبدون عز وتمكين له لا يصلح. والعكس حكم بدون دين برضه ما بصلح، فهو يذم كل الطائفتين. أما الصراط المستقيم فهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين هم محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين تبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم.

فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه. فمن ولي ولاية قصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتنب ما يمكنه من المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه. جميل، هذه قاعدة عامة؛ فالواجب على المسلم أن يجتهد في إقامة الدين في حياة الأمة كحاكم أو مسؤول بحسب وسعه. فمن ولي ولاية قصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتنب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما لم يمكنه؛ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

لكن مش معنى أني مش قادر أطبق الدين كاملا في المجتمع أني خلص أترك البلد للعلمانيين يحكمونها؛ يا بطبق الدين كامل يا ما بطبقه كامل، هذه نظرة خاطئة؛ نظرة يتسم بها الغلاة اليوم قديما وحديثا، أما الفقهاء يعرفون أن المراد سقف الممكن. قال: فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ولو كان عاجزا عن إقامة الدين وتمام جهاده، وفاعل ما يقدر عليه بقلبه ودعاء الأمة والمحبة لخير أهلها وفاعل ما يقدر عليه من واجباته، لم يكلف ما يعجز عنه. فإن قيام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكر الله تعالى؛ فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله، ويطلب من عنده متعنا الله في ذلك.

دنيا تقديم الدين كما يقال مع الجبل؛ يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا وانتظمت نظاما، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر. ودليل ذلك ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح والآخرة أكبر همه، جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه، فرق الله عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له».

ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. فنسأل الله العظيم أن يوفقنا ويوفق إخواننا والمسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

بارك الله فيك، بس هنا تعديل، أظن في الصفحة التي بجانبنا: فعلى كل أحد الاجتهاد في إيثار القرآن والحديث لله تعالى. هنا يقول: فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديث؛ أنا شايف في مشكلة، العبارة مش جيدة، شفتوها في صفحة 248؟ فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديث، هنا في النسخة الأخرى: فعلى كل أحد الاجتهاد في إيثار القرآن والحديث. النسخة التي فيها شرح الشيخ ابن عثيمين ليست صحيحة، فهمت ماذا يقصد؟ قال: فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله، يعني أن تجمع بين القرآن والحديد لله رب العالمين؛ أحيانا المحقق واضح هنا لم يفهم النص، فعلى كل أحد أن يحقق الاتفاق، يعني الحاكم والإنسان الجَلْد هو الذي يوافق بين الكتاب الذي يهدي والسيف الذي ينصر لله سبحانه وتعالى.

هذه نهاية رسالة الحسبة، عفوا نهاية كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية في قراءة سريعة وقفنا فيها على مقاصد هذه الرسالة وأهدافها، وحقيقة جيد أن يبقى الإنسان يجرد مثل هذه الكتب والرسائل ويقف على القواعد التي تكون ضمن هذا التراث. ولا تستغني -أعود فأقول- عن وضع هذه القواعد في فرز؛ فرز هذه القواعد، يعني هذه قواعد ذكرت في بطون الكتب، وبكرة تنساها؛ نحن نشير لقواعد مهمة يعني في حواشي وخبايا الزوايا استخرجها وضعها في المقدمات، اكتبها، اعمل لها أرشفة؛ فإن تراث شيخ الإسلام ابن تيمية يستحق أن يؤرشف لأفكاره ونظرياته، سواء نظرياته السياسية والاجتماعية والعقدية والدينية.

اللهم وفقنا لما فيه خيرنا وصلاحنا، ونلتقي إن شاء الله في سلسلة أخرى من كتب شيخ الإسلام بدءا من الأسبوع القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله.