دخولتسجيل الدخول

الاستقامة (1) | المجلس الخامس عشر | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعاً في هذا الصباح الطيب المبارك. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلسنا المستمر في صبيحة الخميس في برنامج التراث، حيث ننظر في تراث الأئمة المحققين، وندخل في أمواجه وبحاره، نحاول أن نقف على المعاني وعلى الأفكار وعلى القواعد وعلى المسالك، ونحاول أن نفهم كلام الكبار. وما زلنا نعيش في تراث أبي العباس ابن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، وهو من أعظم التراث الذي ينبغي لطالب العلم أن ينشغل به وأن يقف على معانيه؛ فهو إمام من أئمة أهل السنة والجماعة ومقعّد لقواعده ومنظر لهم، سواء في باب العقائد أو في باب السلوك أو في باب الفقهيات وفي باب الأفكار والمفاهيم الشرعية عموماً.

وصلنا إلى الكتاب الثاني عشر من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهنا بدأ مستوى الكتب يرتفع قليلاً بدءاً من هذا الكتاب إن شاء الله، وهو كتاب الاستقامة. كتاب الاستقامة أيها الكرام من الكتب التي يمكن أن أسميها متنوعة المواضيع؛ يعني يصعب أن تقول إنه في جانب واحد. وأعود فأقول إن أسماء كتب شيخ الإسلام قد تغر الطالب المبتدئ أو الإنسان الذي يبحث عن الرقائق والسلوك؛ فعندما يسمع كتاب العبودية يظن أنه كتاب في الرقائق والسلوك، فيصطدم أن الكتاب في معالجة أفكار الصوفية. وعندما يسمع طالب العلم كتاب الاستقامة، يظن أننا الآن سنتكلم في رقائق وزهد وكلام في طرق الاستقامة والثبات عليها وما شابه ذلك، فيكتشف أن الكتاب بالكامل يتحدث في مناقشة كلام القشيري.

كتاب الاستقامة جل مادته هو مناقشة القشيري في نسبته مذهب الصوفية إلى المتكلمين، أو قوله بأن أئمة الصوفية في العقائد على طريقة المتكلمين من الأشاعرة والكلابية. فأراد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه مناقشة القشيري؛ وطبعاً أنت تعرف لما تتكلم عن القشيري، أنت تتكلم عن قطب الرحى في الفكر الصوفي، وبالتحديد كتابه المشهور الرسالة القشيرية. فشيخ الإسلام ابن تيمية كما قلت خاض في حياته الفكرية معارك على جبهات متعددة: معارك مع المتكلمين، معارك مع الفلاسفة، معارك مع الصوفية، ومعارك حتى مع الفقهاء. ونستطيع أن نقول إن عامة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية هي ردود ومناقشات وحوارات، وليس أساس كتبه أن يأتي بكتاب في علم معين من بدايته إلى نهايته، هذا قليل ممكن مثل شرح العمدة في الفقه، لكن جل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية هي مناقشات لشبهات وأفكار وأخطاء سواء عند الفلاسفة أو المتكلمين أو الصوفية أو الفقهاء ويحاول أن يرد عليها ويبين بالأدلة الجادة الصحيحة.

من كتب المناقشات كتاب الاستقامة؛ أعطيتكم من البداية فكرة هذا الكتاب وهو مناقشة القشيري في رسالته في نسبته الصوفية وأئمة الصوفية أنهم في العقيدة على طريقة المتكلمين. فأراد أن يثبت شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصوفية من المتقدمين كانوا على طريقة السلف؛ مثل أبي سليمان الداراني والإمام الجنيد وسري السقطي وغير هؤلاء، ويبين الأخطاء التي وقع فيها القشيري في رسالته؛ لأنه عندما ترد على القشيري في رسالته، أعود فأقول أنت ترد على أهم شخصية في الفكر الصوفي، وبالتالي ما بعده يكون أسهل؛ فهو المعتمد عندهم. هذه طبيعة هذا الكتاب، وستلاحظون أن فيه استطرادات جانبية، فهو ليس جميع الكتاب في هذا الباب، بل ستجدون أنه أحياناً، خاصة في ختامه، سيتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقواعد العامة المتعلقة به التي تكلمنا عنها سابقاً. والكتاب دسم، فأنت تتكلم عن جزئين، تتكلم عن 800 ورقة في مناقشات متنوعة سواء في جانب العقائد، أو حتى سيناقش الصوفية في بعض أفكارهم المتعلقة بهم مثل مسألة السكر والفناء وما شابه ذلك وأنواعه وأشكاله والحب الإلهي؛ فهو عبارة عن مجموعة من الأفكار المتنوعة المتعددة التي ناقش فيها ابن تيمية القشيري.

نستهدف بهذا الكتاب رفع قدرة طالب العلم على التحليل أولاً. أنا يهمني حقيقة في قراءة التراث أنك أحياناً قد لا تفهم طبيعة المسألة بالتحديد ربما لضعف خبرتك بالتراث العقدي والإشكالات التي فيه أو التراث الأصولي، وهذا ستجدونه واضحاً بدءاً من هذا الكتاب؛ أننا لا نستوعب بعض القضايا التي يطرحها ابن تيمية إلا إذا كنت على إلمام قوي بالفكر الكلامي أو إلمام قوي بالفكر الصوفي أو إلمام قوي بأصول الفقه، ستعرف بعض الإشكالات ولماذا يطرحها ابن تيمية. فهنا سيعرف الطالب أنه في بعض كتب ابن تيمية ليست سهلة، وهي مبنية على أن يكون لدي خبرة مسبقة في جوانب عديدة حتى أستطيع فهم ماذا يريد أن يقول.

لكن ما يهمنا في قراءة مثل هذه الكتب أن ترتفع قدراتك في فهم النقاش العلمي، كيف يتم معالجة الشبهات والأفكار الخاطئة، كيف يتم تفكيكها وتحليلها، وكيف يتم المناقشة والرد. وهذا سيعطيك حجم البون الواسع بين المعاصرين والكبار من أهل العلم، أنك تعرف ما معنى الرد العلمي، وتعرف أن فلاناً يرد علمياً ومن الذي يهبد على السوشيال ميديا. يعني تعرف ما معنى الرد العلمي والقواعد العلمية والمناقشات وكيف تتم، وكيف هو مستوى النقاش عند الكبار؛ هذا يرفع قوتك العلمية، يرفع فهمك وتصورك.

أيضاً يساعدك ابن تيمية على إدراك أسباب التعقيد في بعض المسائل؛ يعني لماذا الصورة معقدة في بعض المسائل، وهذا يجعلك تفتح باب العذر، وهذا ما يسعى دائماً ابن تيمية لزرعه في طالب العلم، أنه حتى ستجدون هذا واضحاً في بدايات الكتاب، أنه يحاول من البداية أن يفهمك أنه لا بد وأن تفتح مساحة للعذر، لا بد وأن تعرف أن المخالفين وإن خالفوا حتى في أصول الدين هناك مساحة من العذر؛ لأنه متأول ويغفر الله عز وجل له حتى ولو ظلمك وحتى ولو جار عليك. سيأتي بكلام حقيقة مهم جداً في قضية أن تفهم الدنيا وفلسفة الخلاف العقدي والخلاف بين الفرق وسنة الحياة وما موقف الإنسان مع المخالفين عقدياً وكيف يرحمهم، وأنك أحياناً مطلوب منك حتى لو ظلمت أن تصبر ولا تبادر بالظلم أو حتى بالرد، وألا تشارك في الفتن حتى ولو كنت مظلوماً. سيتكلم بكلام تقعيدي يعلم طالب العلم الموقف من الفتن وكيفية معالجتها والصبر والثبات والتوازنات. فابن تيمية حقيقة شخصية فتح الله عز وجل عليها ومنحها من العقل الفهم والتصور لمقاصد الشريعة شيئاً لا أقول لم يمنح لغيره، لكنه على الأقل كان مميزاً كبيراً في هذه الأمور. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يعلمنا وأن يرزقنا العمل بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نبدأ مستعينين بالله: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ومكّن للمسلمين في الأرض يا رب العالمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى، وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه، والتنبيه على أن جميع البدع مقابلة في ذلك بالزيادة والغلو، إما في النفي أو الزيادة والغلو إما في جهة الإثبات.

هذه هنا بين في مطلع الكتاب الهدف من هذه الرسالة: قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال الذي هو التوازن الفكري، وضرورة متابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى؛ أن الكتاب والسنة كافيان في إيصالك للهدى، وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه، يعني التخلي عن بعض الكتاب والسنة والانشغال بالعلوم الفلسفية هو الذي جعل الضلال والفرقة تحصل في الأمة. والتنبيه على أن جميع البدع المقابلة في ذلك بالزيادة والغلو، إما في النفي أو الغلو إما في جهة الإثبات، ولذلك الاستقامة؛ كأنه يريد ابن تيمية أن يبين لك ضرورة الاعتدال، لا تغلو لا في النفي ولا في الإثبات، ومن الذي يمنحك هذا الاعتدال والتوازن؟ الكتاب والسنة. وأن أي غلو وبدع نشأت في الغلو في الإثبات أو الغلو في النفي، إنما نشأت عند من ترك الكتاب والسنة إما كلياً أو ترك الكتاب والسنة جزئياً.

ومبدأ حدوثها أي هذه البدع وما وقع في ذلك من الأسماء المجملة؛ لأن أغلب كلام المبتدعة هو الألفاظ المجملة؛ الجسم والذات والجبر، والعبارات المجملة هي التي أصلاً في العادة توقع في الخلاف والاختلاف والافتراق الذي أوجب للأسف تكفير بعض هؤلاء المختلفين بعضهم لبعض. كيف أن البدع والاختلاف هي التي أثارت التكفير بين فرق الأمة، وذلك بسبب ترك بعض الحق وأخذ بعض الباطل، يعني لماذا يحصل التكفير بيننا؟ بكون أنا أخذت جزءاً من الحق وتركت جزءاً منه، وأنت تكون أخذت جزءاً آخر وتركت جزءاً منه، فأنت تكفرني لما تركت من الحق، وأنا أكفرك لما تركت من الحق، وكل منا مصيب في جهة ومخطئ في جهة، ولبس الحق بالباطل وما شابه ذلك. إذاً هذه هي، كأنه ابن تيمية وضع لك ملخصاً للأفكار العامة التي سيدور حولها الكتاب.

ثم بعد ذلك ندخل في التفاصيل. قال رحمه الله: فصل: الرأي المحدث في الأصول وهو الكلام المحدث، وفي الفروع وهو الرأي المحدث، والفقه والتعبد المحدث كالتصوف.

طوائف من الناس؛ الآن ابن تيمية يقول المحدث والمبتدع، ما معنى المحدث هنا؟ البدعة. يعني يقول لك الرأي المبتدع في الأصول في أصول الدين ماذا نسميه؟ علم الكلام المحدث. والبدع في باب الفروع الفقهية ماذا يسمى؟ الرأي المذموم، لذلك السلف دائماً كانوا يذمون الرأي. والرأي المحدث هو في الفقه. طيب البدع في السلوك في علم السلوك ما هو؟ هو التصوف، بس مش أي تصوف، التصوف المحدث. وكذلك هناك بدع في السياسة وهناك بدع في الأفكار. فابن تيمية يقول البدع للأسف وجدت في كل شيء؛ وجدت في العقائد من خلال علم الكلام، وجدت البدع في الفقه من خلال الرأي المذموم، وجدت البدع في علم السلوك من خلال التصوف المذموم، وكذلك وجدت في السياسة وما شابه.

يقول طوائف من الناس إن الدين محتاج إلى ذلك، لا سيما كل طائفة في طريقها، وليس الأمر كذلك. نعم، كل طائفة من المبتدعة سواء في الفقهيات أو العقديات أو التصوف تظن أن الدين يحتاج إلى الابتداع، ولن نستطيع أن نصل إلى استدامة الدين إلا من خلال الابتداع. ويقول ابن تيمية وليس الأمر كذلك؛ هل التمسك بالكتاب والسنة لا يحقق استدامة لهذا الدين في حياة الأمة؟ هل نحتاج أن نبتدع في العقائد والفقهيات والسلوكيات حتى نحقق الاستدامة؟ هذا كلام غير صحيح، وهذا ما يريد أن يثبته ابن تيمية. لاحظ هذه القضية فكرية جذرية عند ابن تيمية؛ هو اعتناء بالكتاب والسنة وتأكيده دوماً أن الكتاب والسنة لمن فهمهما وفهم دلالتهما كافٍ في حصول الهداية التامة وعدم الحاجة إلى الابتداع.

قال فإن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، إلى غير ذلك من النصوص التي دلت على أن الرسول ﷺ عرف الأمة جميع ما يحتاجون إليه من دينهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]، إذاً الله بين لنا، فما الحاجة إلى البدع ما دام الله بين لنا ما نتقيه؟ ما الحاجة إلى الابتداع؟

وقال صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ بعدي إلا هالك». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». إذاً تمسكوا بالسنة، ولذلك تكملة هذا الحديث ما هو؟ «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».

قال فلولا أن سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تسع المؤمن وتكفيه عند الاختلاف الكثير لم يجز الأمر بذلك. لو كانت لا تكفي لما قال لنا تمسكوا بالسنة، فلو كان لم يجز الأمر بالتمسك بالسنة إذا كانت لا تكفي وحدها، فلما أمرنا فقط بالتمسك بالسنة وبسنة الخلفاء الراشدين دل هذا على أنها تكفي وزيادة.

قال وكان يقول في خطبته: «شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وكان ابن مسعود يخطب بنحو ذلك كل خميس يقول: إنكم ستحدثون ويُحدث لكم.

الناس، ويحدث لكم أي وسياتي أناس أيضًا يبتدعون لكم؛ يعني أنتم ستبتدعون من عند أنفسكم، وسياتي أقوام يبتدعون لكم وتتبعونهم. قال: وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة هي الدين الذي لم يأمر به الله ورسوله، فمن دان دينًا لم يأمر به الله ورسوله فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

دعونا نقارن بين تعريف الشاطبي للبدعة وتعريف ابن تيمية؛ نحن في كتاب الاعتصام للشاطبي نتدارس ماذا عرف البدعة؟ هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الطرق الشرعية، تمام؟ يريد بها صاحبها ما يراد بالطرق الشرعية. إذا جعلت تعم العبادات والمعاملات، وإذا قصرت على العبادات كما ذكرنا، هي المبالغة في الوصول إلى الله سبحانه وتعالى أو في التعبد.

أما ابن تيمية فيعرف البدعة بماذا؟ هي الدين الذي لم يأمر به الله ورسوله؛ يعني هذا تعريف مختصر. يقول ابن تيمية: ما تعريف البدعة؟ هي كل شيء تنسبه إلى الدين ولكن لم يأمر به الله ورسوله. قال: فمن دان دينًا لم يأمر به الله ورسوله فهو مبتدع بذلك. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾.

ولا ريب أن هذا يشكل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنصوص ودلالتها على المقاصد، ولعدم علمهم بما أحدث من الرأي والعمل، وكيف يرد ذلك إلى السنة، كما قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة. وقد تكلم الناس على أصناف ذلك؛ حتى تعرف أنها جهالة، اعرضها على السنة. أنت كيف تستطيع أن تعرف أن ما أحدثه فلان وفلان، سواء من المتكلمين أو الفقهاء، جهالة؟ لما تعرضها على السنة تعرف أن ما قاله جهالة.

ولا ريب أن هذا يشكل على كثير من الناس؛ كثير من الناس يشكل عليهم تمييز السنة من البدعة، خاصة في كلام العلماء المتأخرين، لأننا عمومًا دائمًا نحسن الظن بالعلماء. فلما تأتي تقول للشخص: والله هذا العالم المتأخر الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو الحنفي ابتدع في هذا الكلام، ابتدع في باب التوسل، ابتدع في باب الاستغاثات، يصير إقناعه صعبًا. يقول: يا أخي هذا شيخ من شيوخ الشافعية أو الحنابلة، حتى لو كان هو ابتدع في هذا، أكثر الناس صعب أن يفهم هذا ويميزه.

إذاً، لا ريب أن هذا -أي التفريق بين السنة والبدعة- يشكل على كثير من الناس؛ لماذا؟ لعدم علم الناس بالنصوص ودلالاتها، الناس ما تعرف النصوص وما الذي تحتمله من الدلالات، ولعدم علمهم في المقابل بما ابتدع في الرأي والعمل، ولا يعرفون كيف يردون ذلك إلى السنة، أي كيف يعرضون ما ابتدعه الناس على السنة ليعرفوا أن هذه بدعة. عدم معرفة عوام الناس بهذه الآليات جعل البدع تروج. عدم معرفتهم أولًا بدلالات النصوص؛ اليوم حتى لماذا كثير من أدعياء السوشيال ميديا يروج كلامهم على طلاب العلم وعلى العامة؟ لأن الناس حقيقة لا تعرف ما هي الدلالات الحقيقية لنصوص الكتاب والسنة لضعف اللغة العربية وضعف قواعد أصول الفقه، ولا تعرف ما ابتدعه الناس سواء في الغلو أو في التمييع، ولا تعرف كيف تعرض كلام هؤلاء جماعة السوشيال ميديا وغيرهم على نصوص الكتاب والسنة. هذا كله يجعل الأمور تضيع، ويجعل الناس تخفق في معرفة من الشيخ الذي يتكلم بعلم، ومن الشيخ الذي هو فقط يهبد على السوشيال ميديا ويتكلم ويسوق بشكل استعراضي؛ ويعتمد على طلاقة لسانه وحذاقته في العرض، ولكنه لا يعرف "كوعه من بوعه". هذا ما يقول هو مشكلة؛ هكذا تروج البدع وهكذا يسقط الناس في الأفخاخ.

مقاصد النصوص، ماذا يقصد الله بهذا النص؟ وأنت لا تعرف ما مقاصد هذه النصوص، بالتالي لا تعرف السنة من البدعة. هذا النص ماذا يقصد به؟ يأتيك واحد مبتدع يقول لك: هذا النص يقصد به ما أريده، وهو لا يقصد أبدًا شيئًا مما يريده، كما أخذنا مع الشاطبي كيف يأتون إلى المتشابهات من النصوص ويسقطونها على أفكارهم.

قال: وقد تكلم الناس على أصناف ذلك، كما بينت طوائف استغناء الدين عن الكلام المحدث، وأن الله قد بين في كتابه بالأمثال المضروبة من الدلائل ما هو أعظم منفعة مما يحدثه هؤلاء، وأن ما يذكرونه من الأدلة فهي مندرجة فيما ذكره الله تعالى، حتى إن الأشعري نفسه وأمثاله قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين واستغناءهم عن الطرق الكلامية.

أبو الحسن الأشعري رحمه الله عليه في آخر أطواره؛ تعرف أبو الحسن الأشعري في بداية أمره كان معتزليًا، جلس أربعين سنة في الفكر الاعتزالي حتى اختلف مع زوج أمه الجبائي وتركه، وأصبح على طريقة ابن كلاب، وتأثر ببعض الحنبلية في بغداد، فأصبح يدور بينهما -أي بين طريقة ابن كلاب وبعض الحنبلية-. فهنا يتكلم ابن تيمية عن أبي الحسن الأشعري في آخر أطواره؛ أن أبا الحسن في آخر أطواره في كتاب "الإبانة" وغيرها بين أن طريقة السلف هي الأفضل في أصول الدين من طريقة المتكلمين، وإن كان هو الأشعري لم يحكمها كما قال ابن تيمية، وإن كان لم يحكمها تمامًا لبقاء لوثات كلامية عنده، لكنه أعاد فأقر أمام الناس أن طريقة السلف هي الأصح والأعلى في أصول الدين من طرق المتكلمين، كطريقة الأعراض ونحوها، وأن القرآن نبه على الأدلة، ليس دلالته كما يظنه بعض أهل الكلام من جهة الخبر فقط.

وهذه كثيرًا ما ينبه عليها ابن تيمية؛ أن المتكلمين لماذا أعرضوا عن الاستدلال بالقرآن في أصول الدين؟ لاعتقادهم أن القرآن خبر، وأن القرآن فقط يعطيك أخبارًا ولا يوجد فيه دلالات عقلية منطقية. فابن تيمية إحدى مرتكزات فكره العقدي تقوم على إثبات أن القرآن يحتوي من الأدلة العقلية ما هو أسلم من الأدلة العقلية التي عند الفلاسفة والمتكلمين، لكن لجهل الفلاسفة وعلماء الكلام بالأدلة العقلية القرآنية وازدياد ثقتهم بالعقل اليوناني، زهدوا بتدبر أدلة القرآن العقلية وقالوا: القرآن فقط يعطينا خبرًا، لا، نريد أدلة عقلية. أنت لو قرأت القرآن لعرفت أن القرآن مليء بالأدلة العقلية الدالة على التوحيد والفردانية والكمال الإلهي وما شابه ذلك.

وأين هذا من أهل الكلام الذين يقولون إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، والعياذ بالله! كثير من أهل الكلام يقول: الكتاب والسنة هذا فقط للفقه، أما أصول الدين لا تستطيع تأخذ منه من القرآن والسنة. بالله عليك، ماذا أبقيت من دلالة الكتاب؟ إذا القرآن الذي أنزله الله رحمة للعالمين وهداية، لا أستطيع أن أخذ منه عقيدتي، طب من أين آخذ عقيدتي؟ من فكر أرسطو؟ ولا آخذ عقيدتي من كلام الجبائي وأبي هاشم وأحواله؟ ولا آخذ عقيدتي من كلام الرازي والغزالي؟ يعني هل هؤلاء كلامهم في العقيدة وأدلتهم أهدى من أدلة الكتاب والسنة؟ حقيقة هذا كلام خطير، والذي يتفوه به عليه أن يدرك ماذا يقول. عليك أن تدرك ماذا تقول، مصيبة هذا الكلام.

شبهة خطيرة، خطيرة؛ الزهد بدلالات الكتاب والسنة. ولذلك أعود فأقول: من الصحوة التي عملها شيخ الإسلام ابن تيمية، إعادة الكتاب والسنة إلى الواجهة في الاستدلال العقلي. حقيقة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر قرنين قبله، غاب الاستدلال العقلي من نصوص الكتاب والسنة وأصبح شبه مندثر، يعني تعود تفتح كتب الجويني ولا الغزالي ولا الرازي، الكتاب والسنة شبه على الرف، سامحني يعني موجود فقط هكذا تشريفًا، وإلا الكلام العقدي كله بالأقيسة المنطقية الفلسفية الأرسطية، والاستدلال بالعرض كما قال، والجوهر والجوهر الفرد. أصبحت الناس يعني إذا أراد الإنسان أن يعرف ربه بده يدخل في معادلات رياضية وفيزيائية يضيع فيها. وهل هكذا هي طريقة النبي عليه الصلاة والسلام في بناء العقائد في العامة وفي الأعراب وفي كبار أصحابه كعمر وأبي بكر؟ هذه كلها مشاكل عقدية يبينها ابن تيمية.

حتى الرازي في "التأسيس" لما ذكر عشرة شروط لليقين غير موضوع التواتر الذي هو أصلاً معجز عنده، وقف إلى قضية القرآن، ذكر عشر شروط في الدلالة لا يمكن أن تتحقق في نص في الدنيا كلها، وفي النهاية أصلاً هو -وقد بينت هذا في بحث مسبق- أن الرازي فتح بابًا واسعًا للشبهات على الأمة لم يُردم إلى اليوم، لم يُردم قضية أن دلالة النصوص عنده أصلاً لا يمكن أن تصل إلى القطع لاحتمالية وجود المعارض العقلي وهذا الاحتمال العاشر. وقد رد عليه ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية"، رد على هذه الأفكار؛ حتى الأشعرية ردوا على الرازي ترى، حتى التفتازاني رد عليه والقرافي استشكل كثيرًا من كلامه؛ لأن كلام الرازي خطير حقيقة ويفتح باب شبهات على مصراعيه.

المهم قال: وأين هذا من أهل الكلام الذين يقولون إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، وأن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما. وكذلك الأمور العملية التي يتكلم فيها الفقهاء، فإن من الناس من يقول إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة. لذلك المشكلة هذه مشكلة الاستغناء عن نصوص الكتاب والسنة؛ يلاحظ ابن تيمية هذه مقدمة الكتاب ربما أول خمسين صفحة هي رصد لإشكال عام، بعد ذلك سيدخل ابن تيمية في نقد كلام القشيري. أول خمسين صفحة هي تقريبًا رصد لإشكال عام في الفكر الإسلامي، لحظة ابن تيمية يقول لك: حتى في باب الفقه، مدرسة أهل الرأي بعضهم فعلًا عنده مشكلة، بعض مدرسة أهل الرأي عنده مشكلة حيث يعتمد على الأقيسة العقلية في إثبات المسائل الفقهية أكثر من اعتماده على نصوص الكتاب والسنة، وحتى إن ابن تيمية يذم هذه العبارة؛ قال: حتى إن من الناس -أي من الفقهاء- من يقول من فقهاء الرأي: إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص. ابن تيمية يقول: هذه العبارة خاطئة؛ هل هناك قلة في النصوص فعلًا؟ ولا أنتم ما عندكم دراية في عمق النصوص؟ لو أنزلتموه منازله لعرفتم أن 90% مما يحتاجه الناس دلت عليه النصوص، وستبقى 10% هي التي نحتاج فيها إلى الأقيسة التي تتكلمون عنها، لكن أنتم لضعف اهتمامكم بفهم دلالات النصوص توسعتم في باب الأقيسة. هذه مشكلة ابن تيمية مع أصحاب الرأي المذموم.

قال: كما يقول ذلك أبو المعالي وأمثالهم من الفقهاء مع انتسابهم إلى المذهب الشافعي ونحوهم من فقهاء الحديث، فكيف بمن كان من أهل رأي الكوفة ونحوه؟ يعني الذي يقول إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص، يقول لك: للأسف هذه العبارة يقولها فقهاء الشافعية مع أن الشافعي يعتبر من مدرسة أهل الحديث في الفقه. قال: فإذا كان فقهاء الشافعية يقولون هذا، إيش بنحكي عن فقهاء الكوفة؟ إذا أنت فقيه شافعي وشيخك على طريقة فقهاء المحدثين؛ وهذه فكرة بس استطرادًا، أنه كثير من الشباب اليوم لما نقرأ عن أهمية التمثل بالمذاهب الأربعة يأتيك يقول: طب يا شيخ، أين مذهب أهل الفقه في الحديث أو أهل الحديث في الفقه؟ مش في اسمه فقه أهل الحديث، أين هو؟ ولا يدرك هذا الطالب أن مدرسة أهل الحديث في الفقه هي مدرسة أحمد والشافعي ومالك؛ يعني ما في شيء اسمه مدرسة المحدثين في الفقه، ما فيش، هي مدرسة المحدثين في الفقه هي مدرسة أحمد والشافعي ومالك. هذا مهم تفهمه، لأنه بعض الناس يلبس عليهم في هذا أنه أنت خلص لا تكون على المذاهب الأربعة، روح على مدرسة أهل الحديث في الفقه. شو مدرسة أهل الحديث؟ ما هي ما معالمها؟ ما معالم مدرسة أهل الحديث في الفقه؟ هذا الذي يتكلم هذا الكلام إخواني ويتكلم بشيء لا يفهمه، هو فقط يتكلم بشيء لا؛ مدرسة أهل الحديث في الفقه هي المذاهب الثلاث تمامًا: مالك والشافعي وأحمد. لذلك لاحظ ماذا سماهم، قال: من فقهاء الحديث؛ هكذا قال ابن تيمية عن المذهب الشافعي.

قال: فإنه عندهم لا يثبت من الفقه بالنصوص إلا أقل من ذلك، وإنما العمدة على الرأي والقياس، حتى إن الخراسانية من أصحاب الشافعي بسبب مخالطتهم لهم غلب عليهم استعمال الرأي وقلة المعرفة بالنصوص. يعني المدرسة الشافعية في خراسان لكثرة مخالطتها لمدرسة أهل الرأي وعلماء أهل الرأي في الكوفة والعراق، تأثروا بطريقتهم فأكثروا من استعمال الأقيسة على حساب النص.

قال: وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كابن حزم ونحوه ممن يدعي أن النصوص تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج، أكثر من جمع النصوص، حتى تنفى دلالة فحوى الخطاب وتثبت؛ هذا مثلًا من المشاكل في كتاب محمد رشاد سالم، هذا النص أعتقد أن فيه مشكلة، هل هي "حتى تنفى"؟ يعني أنا هذه النسخة، نسخة محمد رشاد سالم هي أظن النسخة المشهورة الوحيدة الآن، ما بعرف إذا في تحقيق آخر للكتاب "الاستقامة"، في هناك بعض الألفاظ الواردة في نسخة تحقيق محمد رشاد سالم حقيقة هي مشكلة، وحتى محمد رشاد سالم سيثبت أنه في بعض الأماكن هو لم يحسن قراءتها لوجود إشكالية في خط شيخ الإسلام ابن تيمية أو بياض؛ هو لكن أحيانًا خلص يعني أنا فاهم الجو العام، هو يقول كما أن هناك أناسًا غلوا في استعمال الأقيسة هناك.

في المقابل من غلى في باب الاعتماد على النص وترك القياس، يعني طرفي نقيض، كما أن هناك من غلى في الأقيسة، وبإزاء هؤلاء مدرسة الغلو في الظواهر، وهي المدرسة الظاهرية؛ ابن حزم الظاهري، فإن هؤلاء يقولون كل الوقائع في حياة الأمة نستطيع أن يستدل عليها بالنص دون الحاجة إلى القياس. هل فعلاً نحن لا نحتاج القياس أبداً؟

يقول وبإزاء هؤلاء أهل الظاهر كابن حزم ونحوه ممن يدعي أن النصوص تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية بمجرد الأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج، أكثر شيء تعمله بس اجمع النصوص وأمورك طيبة. طبعاً لماذا أقول هناك مشكلة؟ قال حتى تنفي دلالة فحوى الخطاب وتثبت في معنى الأصل، أحس العبارة فيها مشكلة، الظاهرية هم يستعملون فحوى الخطاب لكنه لا يعتبرونه قياساً بل يعتبرونه من دلالة النص. فقوله حتى تنفي دلالة فحوى الخطاب وتثبت في معنى الأصل، أنا أعتقد تنفي هي فيها مشكلة، الكلمة لا أظنها تنفي، ربما حتى تفي دلالة فحوى الخطاب أو شيء من ذلك. المهم أنهم يقتصرون فقط على النص ودلالة النص بعيداً عن استعمال الأقيسة، هذا ما يريد أن يقوله.

قال ونحو ذلك من المواضع التي يدل فيها اللفظ الخاص على المعنى العام، والتوسط في ذلك طريقة فقهاء الحديث؛ فقهاء الحديث وسط، لا يقولون إن النصوص قليلة، وفي نفس الوقت لا يقولون إن النصوص وحدها تستوعب جميع الحوادث، فنحن نحتاج للقياس لكن ليس بذاك الحجم الكبير كما يصوره أهل الرأي. هذا هو باختصار الوسط والاستقامة، عشان هيك سمى كتابه الاستقامة؛ نحن وسط في التعامل في باب الفقهيات. نعم قال وهي إثبات النصوص والآثار الصحابية على جمهور الحوادث، وما خرج عن ذلك؛ الجمهور حط تحت خط، فنحن نقول إن هناك نصوصاً تستوعب جمهور مش كل، وفرق. نحن نعتقد أن النصوص في الكتاب والسنة تستوعب جمهور ما يقع في الناس من طلاق وعتاقة.

ابن تيمية يفصل أكثر أنه أنا ما تجي لي على مسألة ما بتصير في كل ألف سنة إلا مرة وتقول لي والله في عليها دليل، ابن تيمية بقولك مش محسوبة، كثير في كتب الفقه تجد هم يذكرون مسائل لا تحصل إلا في الألف سنة مرة واحدة، إذا واحد مات وابن عمه طلع خنثى مشكل وكذا، بقول لك هي اللي تحسب لي إياها؛ لأنه أنت بتفرع عليها وبتولد عليها وبتعملها قصة في كتب الفقه وآخر شيء ربما تعيش وتموت وما حدا سألك عنها، فقال هذه لا أحسبها حتى تكون دقيقة. الآن سيفصل ابن تيمية في هذه النظرية أكثر وأكثر، كلامه مهم هنا للشباب المهتمين في باب الفقهيات. نعم قال وهي إثبات النصوص والآثار الصحابية على جمهور الحوادث، وما خرج عن ذلك كان في معنى الأصل؛ فيستمر قياس العلة والقياس في معنى الأصل وفحوى الخطاب، إذاً وما خرج عن ذلك، يعني وما كان من الحوادث خارجاً عن النصوص نستعمل فيه ماذا؟ وما هو في معنى الأصل؟ عند ابن تيمية قياس العلة وهذه كلها تسمى عنده في معنى الأصل؛ قياس العلة وبتعرفوا أن تجمع بين الفرع والأصل بالعلمة كما أخذنا في باب أصول الفقه.

قال والحوادث التي لم تشملها النصوص بصورة مباشرة كيف نعرف حكمها؟ من خلال ما هو في معنى الأصل. إيش الأشياء اللي في معنى الأصل؟ قياس العلة الذي أخذناه في مثلاً النظم الصغير، والقياس الذي يسمى القياس في معنى الأصل وهو القياس بنفي الفارق. قياس العلة، والقياس في معنى الأصل اللي هو يسمى القياس في نفي الفارق، وفحوى الخطاب. فحوى الخطاب البعض بيعتبرها قياس تماماً، اللي هو الأولوية، يسمى القياس الأولوي زي ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ دلالته على منع ضرب الوالدين، هذا قياس أولوي، نحن بنعتبره قياساً أولوياً، الظاهرية قبلوها بس بسموها قياساً أولوياً؟ لا، بقول لك هذه دلالة نصية. المهم فيقول لك ابن تيمية سواء سميتها قياساً أو لو سميتها دلالة نصية كله بيمشي، فباقي الحوادث اللي هي العشرة بالمئة يمكن أن نأخذها من معنى النص، ومعنى النص هو قياس العلة والقياس بنفي الفارق وفحوى الخطاب. هذه أمور؛ الآن قياس الدلالة وقياس الشبه هذا شيء يعتبر ابن تيمية من قليل جداً ما يحتاج إليه جداً جداً، فلذلك لم يذكره فهو ليس طرقة متينة بخلاف قياس العلة والقياس في معنى الأصل اللي هو القياس بنفي الفارق وفحوى الخطاب، هذه لا، هذه هي زبدة الاستدلالات تقوم عليها.

نعم قال إذ ذلك من جملة دلالات الألفاظ، وأيضاً من جملة دلالات الألفاظ؛ لأن ابن تيمية يعتقد فيما يظهر لي أنه قياس العلة والقياس بنفي الفارق وفحوى الخطاب هي أصلاً من دلالات الألفاظ، فأنتم ليش تحصر لي دلالات الألفاظ فقط في الدلالة الصريحة الواضحة؟ لا، أعم من مفهوم دلالات الألفاظ، وقل إن قياس العلة هو من دلالات اللفظ تماماً. فالنص حرّم السرقة، فتحريم نبش القبور وسارق الأكفان النباش هو حقيقة ولو كان قياساً، لكنه هو النص أشار إليه بشكل من الأشكال، فهو يرى أن قياس العلة والقياس في معنى الأصل كلها من دلالات الألفاظ، وإن كانت سميت أقيسة لكن هي لا تخرج عن الدلالة اللفظية بالمعنى العام لدلالات الألفاظ. تفضل، هي مفهومه أوسع من المفهوم الظاهرية، المفهوم وحتى المفهوم المدارس في كتب أصول الفقه يقول لك دلالات الألفاظ، لا أوسع دلالتها، وحتى هو الغزالي أيضاً في مستصفى الغزالي عبّر أن الاستدلال إما بالنص أو ما في معنى النص أو ما أسميه معقول النص، بسميه الغزالي في المستصفى معقول النص، وكذلك سماه ابن قدامة في روضة الناظر معقول النص؛ هكذا لا يسمونه ويقصدون بمعقول النص القياس، فإذاً القياس الصحيح هو جزء من دلالة النص، ولا تستطيع أن تعتبره كأنه شيء عقلي بعيد عن لا، هو مرتبط به.

نعم قال وأيضاً فالرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأي والقياس فيه، إن الله أمر بالعدل في الحكم، والعدل قد يعرف بالرأي وقد يعرف بالنص. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». إذاً الحاكم مقصوده مثلاً؛ قال وأيضاً فالرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط، شو يعني تحقيق المناط؟ يعني تنزيل النص على هذه الواقعة، يعني التأكد أن هذه الواقعة من مناطات النص. تمام؟ بيكون عندك نص وعندك واقعة، فبدك تشوف هل هذا النص يصدق على هذه الواقعة؟ هذا اسمه تحقيق المناط، أن تعرف هل هذا النص يصدق على هذه الواقعة. مثلاً ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والله نشأ عندنا في التاريخ الإسلامي نباشو القبور مثلاً، هل السرقة كنص ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ هل هذا النص من مناطات نباش القبور الذي يسرق الأكفان؟ هل هذا من مناطات؟ هنا أنت تحتاج إلى الرأي شئت أم أبيت، فتقول لي أنا لا أحتاج إلى الرأي؟ برضه يا ابن حزم برضه مشكلة.

فيقول هو يريد أن يقول إن مدرسة فقهاء الحديث هي مدرسة وسط، هي جل اعتمادها على نصوص الكتاب والسنة، لكنها تؤمن أيضاً بأهمية استعمال الرأي فيما يحتاج فيه إلى استعمال الرأي، فقال وأيضاً فالرأي كثيراً ما يكون يعني ما يحتاج إليه في تحقيق مناطات النصوص؛ إسقاط النصوص على الوقائع، إنزال النصوص على الوقائع، هذا يحتاج إلى ذهن ويحتاج إلى قوة عقل، ولا مش كل شخص يعرف إنزال النصوص على الوقائع. فالرأي كثيراً ما يكون يعني ما يحتاج إليه في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأي والقياس فيه، يعني لا نزاع أن تحقيق المناط يحتاج إلى رأي. فإذاً هل فقهاء الحديث يقول لك ما في رأي؟ لا، في رأي قطعا، لكن ما مساحة الرأي مقابل النص؟ مساحة محدودة، هذا ما يريد أن يقوله. لذلك قال فإن الله أمر بالعدل في الحكم، والعدل منه ما يعرف بالرأي الصحيح ومنه ما يعرف بالنص المباشر.

نعم قال ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، إذاً الحاكم مقصوده الحكم بالعدل بحسب الإمكان، فحيث تعذر العدل الحقيقي للتعذر أو التعسر في حكم أو التعسر في علمه أو عمله، كان الواجب ما كان به أشبه وأمثل، وهو العدل المقدور، يعني أنت في النهاية كإنسان مجتهد أو قاضٍ المطلوب منك أن تصل للعدل على قدر المستطاع، والعدل منه ما يوصل إليه بدلالة النص ومنه ما يوصل إليه بالاجتهاد على حسب الطاقة. نعم قال وهذا باب واسع في الحكم في الدماء والأموال وغير ذلك من أنواع القضاء، وفيها اجتهد القضاة، ونعلم أن عليّاً رضي الله عنه كان أقضى من غيره بما أفهم من ذلك، مع أن سماع النصوص مشترك بينه وبين غيره. نعم ويؤكد أنه يعني عليّاً رضي الله عنه مش كان هو أقضى الناس؟ أقضى الناس علي بن أبي طالب. طيب الآن إيش اللي ميز علي بن أبي طالب عن غيره؟ مع أن النص كنص في القرآن أو السنة مشترك بينه وبين باقي الصحابة، يعني جلهم سمعوا نفس النصوص، ليش علي أشطر من غيره؟ لجودة عقله، فتيجي تقول لي الرأي لا حاجة إليه؟ لا، أنا بسمح برفضها، كان هذا ما يقوله ابن تيمية؛ يعني علي بن أبي طالب إنما فاق غيره بماذا؟ بجودة ذهنه في تحقيق المناط، وتحقيق المناط مش شغلة سهلة، شغلة تحتاج إلى ذهن وفهم وإدراك وعقل. فيقول لك وهذا مثال ذلك علي بن أبي طالب مع أن سماع النصوص مشترك بينه وبين غيره أي باقي الصحابة، لكنه فاقهم في قدرة التحليل، قدرته على تحقيق المناط وإنزال النصوص على الوقائع والقياس عليها والربط.

نعم قال وإنما ظن كثير من الناس الحاجة إلى الرأي المحدث، لأنهم يجدون مسائل كثيرة وفروعاً عظيمة لا يمكنهم إدخالها تحت النصوص، كما يوجد في فروع من ولد الفروع من فقهاء الكوفة ومن أخذ عنهم. تمام؟ الآن رجع للعكس، وفي المقابل إنما غلى كثير من الناس في الرأي المحدث الرأي المذموم، وتوسعوا في الأقيسة على حساب النصوص، لماذا؟ شوف هذا الرصد من ابن تيمية؛ لماذا غلى كثير من الناس في الأقيسة العقلية في باب الفقهيات؟ قال لأنهم يجدون مسائل كثيرة وفروعاً عظيمة لا يمكنهم إدخالها تحت النصوص، تم توليدها، وهذا كثير ما تجد في كتب أهل الرأي، فروع بالمئات والآلاف وهي الفروع لا يمكن النصوص لا تشملها. فلما رأى كثير من الناس مسائل كثيرة وفروعاً عظيمة لا يمكن إدخالها تحت النصوص، كما يوجد في فروع من ولد الفروع من فقهاء الكوفة ومن أخذ عنهم. طيب وجواب هذا، لاحظ أن سيحل ابن تيمية كيف تجيب عن هذه الشبهة؟ هل هناك فعلاً مسائل كثيرة وفروع عظيمة يا ديب لا يمكن إدخالها تحت النصوص كما يفعل الكوفيون؟ هل هكذا هو الواقع؟ ابن تيمية سيجيب عن هذا، فيقول قال جواب هذا من وجوه؛ أحدها أن كثيراً من تلك الفروع المولدة المقدرة لا يقع أصلاً، وما كان كذلك لم يجب أن تدل عليه النصوص. أول شيء أن كثيراً من الفروع التي ولدها الكوفيون وغيرهم لا تقع أصلاً في العالم، وبالتالي النص نعم لا يدل عليها لأنه لا حاجة إليها؛ النصوص ميزان تأتي للفائدة، فإذا شيء لا يقع في حياة الأمة ما الفائدة أن النص يتكلم عنه؟ دائماً نصوص الكتاب والسنة تتكلم كما يقول الشاطبي فيما تحته عمل، أما ما لا عمل له لا يقع في حياة الأمة، لا فائدة من اشتغال النصوص به.

نعم قال ومن تدبر ما فرعه المولدون من الفروع في باب الوصايا والطلاق والأيمان وغير ذلك علم صحة هذا، نعم لما تنظر في كتب باب الطلاق والأيمان، إذا قال لزوجته بجناحين فأنت طالق وإن قمت بالجلوس، يا أخي هو واحد يقعد يطلق زوجته وفاضي يقول لها إن طرت بجناحين فأنت طالق، وإن ايش؟ قال بعضهم يعني حتى بعضهم يعلق بأشياء مستحيلة عقلياً، هذه حتى في عند الحنابلة موجودة نسيت النص، ويعني يقول كثير من الفروع الفقهية الموجودة في باب الوصايا والطلاق والأيمان لا تقع أصلاً، ولا يفعلها إلا أحمق، فبالتالي لا حاجة أصلاً لدلالة نصوص الكتاب والسنة عليها، لا تقع إلا من الحمقى والمغفلين فهؤلاء يعني القانون لا يحتاجهم. نعم قال والوجه الثاني أن تكون تلك الفروع والمسائل مبنية على أصول فاسدة. طيب المشكلة الثانية أيضاً في الرأي المذموم أن كثيراً من الفروع التي ولدوها هي أصلاً مبنية على أصل فاسد؛ يعني أنت عندك 200 - 300 فرع قد تكون مشتركة ماذا؟ أصل فاسد، فلا بد أن إذا عرفت فساد الأصل عرفت أن كل الفروع التي تولدت عنه أصلاً الكتاب والسنة لا يحتاج للحديث عنه لأنها كلها ولدت من أصل فاسد من البداية.

نعم قال فمن عرف السنة بين حكم ذلك الأصل، فسقطت تلك الفروع المولدة كلها، إذا عرفت فساد الأصل خلص سقطت كل الفروع ولا أحتاج أصلاً للحديث عنها، قال وهذا كما فرعه صاحب الجامع الكبير، فإن غالب فروعه كما بلغنا عن الإمام أبي محمد المقدسي أنه كان يقول مثله مثل من بنى داراً، الجامع الكبير هو.

الكتاب مشهور لمحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله عليه. محمد بن الحسن الشيباني أحد أذكياء الفقهاء شئت وأبيت، وهو عالم كبير، لكن تعرفوا على طريقة الكوفيين كان يتوسع في إحداث المسائل وتفريعها وتوليدها.

فيقول هنا ابن تيمية نقلاً عن أبي محمد المقدسي أنه كان يقول: مثل هذا الكتاب مثل من بنى داراً حسنة على أساس مغصوب. يقول كتاب الجامع الكبير أشبهه بشخص بنى بناءً حسناً على أرض مغصوبة، شو قيمة هذا البناء؟ ولا شيء. هو يقول إن كتاب الجامع الكبير كتاب جميل، بس بني على فكرة فاسدة، فلا حاجة إلى كل الكتاب. قال: فلما جاء صاحب الأساس ونازعه في الأساس وقلعه، هُدمت تلك الدار. يعني لما عرف الناس فساد الفكرة التي بني عليها الكتاب أصبح كل الكتاب لا قيمة له، وإن كانت العبارة فيها شوية مبالغة، لكن هكذا يقول.

قال: وذلك كالفروع العظيمة المذكورة في كتاب الإيمان وبناها على ما كان المفرع يعتقده من مذهب أهل النحو الكوفيين، فإن أصل باب الإيمان الرجوع إلى نية الحالف وقصده، ثم إلى القرائن الحالية الدالة على قصده كسبب اليمين وما هيجها، ثم إلى العرف الذي من عادته التكلم به، سواء كان موافقاً للغة العربية أو مخالفاً لها.

الآن أراد أن يبين مثلاً من الأخطاء التي في الجامع الكبير، يقول ابن تيمية إن محمد بن الحسن فرع كثيراً من الأحكام بناءً على أقوال الكوفيين في النحو. فيقول ابن تيمية: هل فعلاً من الصواب -حتى في واقعنا المعاصر- هل من الصواب فعلاً أننا نبني ألفاظ الإيمان وتفسيراتها على ما قالته المدرسة البصرية في النحو وما قاله الكوفيون في النحو؟ ابن تيمية يقول لك: هو الناس لما تحلف يمين هو في واحد فيهم عارف شو المدرسة البصرية تحكي والمدرسة الكوفية بتحكي ومدرسة البغداديين؟ ابن تيمية يقول كل هذه الفلسفة التي في كتاب الإيمان عندك يا محمد بن الحسن قامت على آراء الكوفيين في النحو، والناس لا يجوز أن تفسر أقوالهم في الإيمان، لما واحد يحلف يمين: والله ما بدخل دار فلان، أو ما بطلع من دار فلان، أو والله إذا طلعت من داري فأنت طالق، لما تفسر أيمان الناس المنهج الصحيح أن تعتمد على ثلاثة أشياء.

قال: فإن أصل باب الإيمان الرجوع إلى نية الحالف وقصده. أولاً لما بدك تفسر ماذا قصد فلان في حلفه، أعود إلى نيته ومقصده، ثم إلى القرائن الحالية الدالة على قصده؛ والله كانت زوجته مغضبته ولا لا، كان صاحبه مستفزه ولا لا، هذا بيساعدني في دراسة يمينه. ثم إلى العرف الذي من عادته التكلم به. فابن تيمية يقول باب الإيمان يبنى على هذا، ولا يبنى على آراء المدرسة البصرية والكوفية والبغدادية؛ لأن الناس عرفت كما سمت أحدهم، يعني ربما قلتها لكم في بعض الألفاظ، الناس المعاصرة تتكلم فيها اليوم: "يسعد" أو كذا، يقول لا، هناك لغة عند كلب يقولون بكسر الياء، وبالتالي هذه العبارة يجوز تصحيحها على رأي بني كلب لأنه "يسعد" بكسر الياء لغة، وهو المعنى، وهذا اللي في الشارع يقول: "يسعد"، هو عارف رأي مدرسة كلب؟ أو أن من أقوال الكلبيين كسر الياء؟ هذا هو الفقه.

ابن تيمية يقول لك من الأخطاء الكبرى أنه بنى مثلاً كتاب الإيمان على فكرة فاسدة، هذا نموذج كيف أن كل ما فرعه محمد بن الحسن في باب الإيمان، أو جُل ما فرعه بني على فكرة فاسدة، وهي أنه اعتمد على آراء مدرسة الكوفيين النحوية. يقول كل هذا الكلام غلط، أنت ما بيصير تفسر الإيمان بناءً على آراء نحوية لمدرسة معينة، الناس لا تعرف المدرسة ولا آراءها، وإنما تتكلم الناس إما بنياتها البريئة أو بأعراضها أو بقرائن الأحوال. قال: هكذا تفسر الإيمان، ولا تعود إلى المعاجم اللغوية حتى أعرف والله شو قصدك بهذا اليمين، لا قصدك كذا، فيجب النظر بهذا البعد.

قال: سواء كان موافقاً للغة العربية أو مخالفاً لها، فأنا أنظر للعرف والقرائن والنيات سواء هذا الحالف بيعرف اللغة أو حتى ما يعرفها. فإن الأيمان وغيرها من كلام الناس بعضهم لبعض في المعاملات والمراسلات والمصنفات وغيرها، تجمعها كلها دلالة اللفظ على قصد المتكلم ومراده، وذلك متنوع بتنوع اللغات والعادات، وتختلف الدلالة بالقرائن الحالية والمقالية، أكيد. فالدلالة مع الشيباني أنه هناك ألفاظ يعني لو فسرها هو أن قصدي فيها خلاف الظاهر ما رح نقبل، زي واحد قال لزوجته: أنت طالق، هسا مش رح أرجع أقول له شو نيتك وشو قرائن نحوه، لا هنا خلاص أنت طالق طالق. فبقول لك نعم أنا أعترف أن بعض الألفاظ يجب تؤخذ على ظاهرها اللفظي اللغوي، ولا يجوز أن يفسرها المتكلم بها على خلاف الظاهر ولن نقبل منه ذلك، كما إذا تعلق به حقوق العباد كما في الإقرارات ونحوها، وهذا الإقرار يعني التقريرات أمام القاضي، إذا واحد أقر أمام القاضي هسا خلاص رح نعتمد على ظاهر اللفظ.

قال: وهذا مقرر في موضعه، وليس الغرض هنا إلا التمثيل. يعني بقول لك هذا مش موضوع نقاشنا هون، بس أنا أعطيكم نموذج كيف أن الإنسان قد يؤصل أصلاً فاسداً ويفرع عليه مئات الفروع، فتكتشف أن مئات الفروع هذه أنا لا أحتاج أن ينص الكتاب والسنة عليها، لأنها بنيت أصلاً على أصل فاسد، فبمجرد أن أعرف فساد الأصل هدمت كل الفروع التي بني عليها.

قال: وإذا كان هذا أصل الإيمان فيقال لذلك المفرع؛ إذا كان أصل الإيمان أن يرجع فيها إلى النية والقرائن والعرف، وليس إلى أصل الدلالات اللغوية، فيقال لذلك المفرع -وهو مثلاً هنا الشيباني- إذا كان أصل قصده الذي هو في أكثر المواضع يخالف مقتضى ما ذكرته من الجواب، وينظر في العرف إلى القرائن الحالية ومعها لا تستقيم عامة الأجوبة؛ يعني عامة الأجوبة التي قدمتها أنت يا شيخ في كتابك الجامع الكبير لا تستقيم، لأن أصل الإيمان ليس مبنياً على مدرسة الكوفيين، أصل الإيمان مبني على النيات والقرائن والأعراف.

قال: وإذا عُدم ذلك وله عرف وعادة يتكلم بها، وغالب عادات الناس لا ينبغي... وإذا عُدم ذلك يعني إذا لم توجد قرائن فإنني راح أرجع إلى ايش؟ ما راح أرجع إلى مدرسة الكوفيين، راح أرجع إلى العادة والعرف. قال: فالأصل إذاً أولاً أن نعود إلى النيات، ثم المرتبة الثانية إلى قرائن الأحوال، وإذا عُدم ذلك إذا لم تكن هناك قرائن أحوال، فآخر شيء رح أرجع إلى ماذا؟ إلى العرف والعادة، وليس إلى الأقوال القديمة عند المدرسة الكوفية.

غالب عادات الناس، لاحظ شو هذا الكلام اللي بيقوله، هذا ركزوا فيه إخواننا اللي بيهتموا بالفقه، وغالب عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم لا تنبني على المقاييس التي وضعتها أنت. هذا مهم الكلام، حتى إخواننا اليوم لما بيتكلموا معهم الناس: "يا شيخ أنا طلقت زوجتي"، "يا شيخ والله حكيت لزوجتي كذا"، مثلاً اليوم كثير الناس بتحكي "عليّ الحرام ما بعمل كذا"، هسا ربما لو قرأت في كتب فقه قديمة مباشرة بتحملها، البعض ما قلش عليّ الحرام من زوجته وبس، قال: "عليّ الحرام". هسا في عرف الناس اليوم كثير الناس بتتكلم، هو مش فاهم شو معنى هذه العبارة، فهذه لا تعتبر ظهاراً إلا إذا قال "عليّ الحرام من زوجتي" ويكون بعث لها ظهاراً مثلاً، أما واحد قال "عليّ الحرام"، هذا كثير في عرفنا، فأنت لما بدك تفسر أقوال الناس ويتصلوا معك على الهاتف، أنت ما رح ترجع تقول والله في المدرسة الكوفية كانوا يعني... لأنه اليوم الناس لا عارفة مدرسة كوفية ولا بصرية ولا بغدادية. ابن تيمية يقول وغالب عادات الناس لا تنبني على المقاييس النحوية واللغوية القديمة، بل عليّ أن أعرف ماذا تقصد الناس اليوم بهذا الكلام، حتى ولو كان الكلام لا يسير على كل قواعد اللغة، أنا بدي أعطيه حكماً شرعياً، بيهمنيش كلامه صحيح لغوياً ولا لا، أنا مش موضوعي.

قال: فإذاً جواب الحالفين بمثل ما أجبته به ليس هو من الشريعة في غالب المواضع. فإذا جاءك شخص حلف وسألك ما دلالة حلفي؟ فليس الجواب ما قلته أنت يا شيباني في غالب المواضع، لأنه أنت بنيته على مدرسة الكوفيين، وليس هكذا تفسر الإيمان.

قال: ولا يحتاج باب الإيمان إلى تفريع، إذ هذه الأصول الثلاثة تضبطه ضبطاً حسناً. أصلًا بيقول أنت ليش أصلاً في كتابك حطيت لي 300، 400 فرع؟ أنت خلاص حط الأصول العامة، أن الإيمان يرجع فيها إلى النيات ثم إلى القرائن ثم إلى العرف، بدون حاجة نفرع 300، 400 فرع، فإذا جاءك شخص سأل عن يمين رح أفسر يمينه بناءً على هذه القواعد، أما الكتاب يصبح 400 ورقة، فإن قال كذا وإذا حلف، وإذا قالوا "نصفي في الدار ونصفي خارج الدار"، وإذا قال "إن أكلت من الصحن وأبقيت نصفه"، ليش بنظل نفرع فروعاً وفروعاً وفروعاً؟ يُرهق بها الطالب. هسا شوف، بعض الفروع جيدة في تقوية الذهن بلا شك، وتحتاجها، لكن ابن تيمية هو يذم المبالغة في الفروع، خاصة من يعرف المدرسة الحنفية في الكتب يعرف ما معنى المبالغة في التفريع، قد تصل لمرحلة أنه يصبح فقط الهدف هو التفريع من أجل التفريع، وليس لأن هناك فعلاً أحداً يقول هذا الكلام.

قال: لكن لا بد من أن يكون المفتي ممن يُحسن أن يضع الحوادث على القواعد، ويُنزلها عليها. لكن بدنا نتفق: لا بد أن يكون المفتي ممن يُحسن إنزال القواعد على الوقائع، اللي مسمى تحقيق المناط، كما ذكر، إنزال القواعد يعرف كيف ينزل فكرة النيات والقرائن والعرف على الوقائع والأحداث.

قال: وكذلك ما فرعوه في باب الحكم والسياسة وغيرها، عامة ذلك مبني على أصول فاسدة مخالفة للشريعة، وكذلك ما فرعوه مدرسة أهل الرأي في باب الحكم والسياسة الشرعية. قال: وهذا والله أعلم من معنى قول ابن مسعود: ﴿إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ﴾. هذا يقول ابن تيمية يدخل تحت ما أُوعِدنا به ابن مسعود.

قال: ولهذا تكثر هذه الفروع وتنتشر حتى لا تضبطها قاعدة؛ لأنها ليست موافقة للشريعة. فكثير من الفروع لا تدخل في النصوص لأنها ليست موافقة للشريعة أصلاً، فأنت لا تقل والله كثير من الفروع نحتاج فيها إلى القياس لعدم ورود النصوص فيها، ما هي هذه الفروع الكثيرة اللي بتحكي عنها أصلاً هي مخالفة للشريعة، فلذلك أصلاً الشريعة لم تدل عليها، وليس نحن نحتاج للقياس فيها.

شيخنا أراد أثر ابن مسعود وقوله إنه هذا هو دلالة ما قاله، هل في دلالة على أن مثلاً هذا سيئ في أهل العراق أو شيء؟ لا لا، يعني هو شوف، هو حتى هو لم يتكلم عن مذهب معين، لأن كثيراً، المذهب الحنفي مذهب منضبط مقعد مؤصل، لكن أنت مدرسة أهل الرأي إخواني، حتى تفهموا، هم أوسع من الحنفية، يعني هناك من فقهاء أهل الرأي مثل ابن شبرمة وغيرهم هم ليسوا حنفية، مدارس أخرى مقارنة، بل المذهب الحنفي أصلاً مذهب منضبط عموماً، مع زعم يناقش في كثير من القضايا، لكن لسه يعتبر من المذاهب هذه الرأي المنضبطة، هناك مذاهب أهل الرأي كانت مفتوحة في العراق على مصراعيها، الكلام فيها كان يخرج عن قواعد الشريعة بكثرة.

لكن لأنه بدأ في العراق أصبح يُنسب للعراق، لكنه أيضاً نشأ في الهند وبلاد ما وراء النهر وتطور وتوسع، لكن لأن أول نبتته الأولى ظهرت في العراق خلاص عُدت مربوطة بالكوفة والعراق.

قال: ولهذا تكثر هذه الفروع وتنتشر حتى لا تضبطها قاعدة؛ لأنها ليست موافقة للشريعة، فما الشريعة فإنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: بُعثت بجوامع الكلم. والكلمة الجامعة هي القضية الكلية والقاعدة العامة التي بُعث بها نبينا صلى الله عليه وسلم، من فهم كلمة الجوامع علم اشتمالها لعامتة الفروع وانضباطها بها. هذه قاعدة جميلة، النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بأيش مشايخ؟ بجوامع الكلم، فكلامه صلى الله عليه وسلم كان قواعد عامة: لا ضرر ولا ضرار مثلاً، الدين النصيحة، هكذا طبيعة كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كلمات معدودة تمثل قاعدة كلية تصدق في تحقيق لما تحقق المناط تصدق على آلاف الوقائع، فأنت تكتشف أن الحديث هذا يصدق على آلاف الوقائع بدون.

الوجه الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما يعرفه من يتحرى ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة. ودلالتها هذه يعرفها من يتأمل، كمن يفتي في اليوم بمئة فتوى أو مئتين أو أكثر أو أقل، وأنا قد جردت ذلك.

يقول ابن تيمية: إن من يقصد ويكون هدفه فعلاً الاستدلال بالكتاب والسنة على وقائع الناس، يجد أن النصوص في الكتاب والسنة تفي بثمانين إلى تسعين بالمئة من حاجة الناس، خاصة من جرب الفتيا يومياً بمئة ومئتي فتوى. أنا عندي تجربة في ذلك؛ كنت أفتي في اليوم بمئتين وثلاثمئة فتوى وأجد دلالات عليها من نصوص الكتاب والسنة.

إذاً هي قضية اهتمام، فأنت مهتم أن تبحث في الكتاب والسنة، وهذا يوفقه الله للفهم ولا يحتاج إلى التوسع في الرأي والأقيسة. وأما إنسان وضع الكتاب والسنة على الرف وبدأ يبحث عن أحكام النوازل من الأقيسة، فهذا الذي يقول لك إن النصوص لا تفي بالوقائع. لكن من كان همه الإفتاء بموجب الكتاب والسنة سيجد، وهو يقول عن نفسه: كنت أفتي في اليوم الواحد بمئتين وثلاثمئة فتوى وأجد دلالات عليها من نصوص الكتاب والسنة.

من تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائماً أقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ذلك من أهل الرأي المحدث. فإن الذي رأيناه دائماً أن أهل رأي الكوفة من أقل الناس علماً بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم، وما لهم من سلطان، وكثرة ما يتناولونه من الأموال الوقفية وغير ذلك. ثم إنهم في الفتوى من أقل الناس منفعة، قل أن يجيبوا فيها، وإن أجابوا فقل أن يجيبوا بجواب شافٍ، وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك، أي يقول لك من أضعف الناس.

طبعاً هذا الكلام سيسر به من عنده مشكلة مع مدرسة أبي حنيفة رحمه الله عليه، ويقول لك: ها شايفين إيش بقول ابن تيمية عن المدرسة الحنفية؟ هنا يأتي الطالب المتوازن الذي ليس صاحب هوى كما يقول الشاطبي، بل الطالب الذي يقرأ كلام ابن تيمية من كل الكتب. أنت هنا؛ نعم يوجه ابن تيمية انتقاداً للمدرسة الكوفية عموماً ويدخل في هذا الانتقاد شئت أم أبيت انتقاده للمدرسة الحنفية، تمام.

لكن ابن تيمية في نصوص أخرى وفي مساحات كبيرة من كتبه الأخرى، عندما يذكر الأئمة يقول: ومن أئمة الهدى في الإسلام أبو حنيفة النعمان. لما يكون أئمة الهدى، ففرق؛ هذا الذي لا يحسنه الغلاة ولا يحسنه من يبحث في نصوص ابن تيمية عن شيء يوافق هواه. الشاطبي في كتاب الاعتصام بين أنه من يريد أن يبحث في القرآن عما يوافق هواه سيجد؛ أنت متخيل القرآن الذي هو كلام بالميزان، يقول الشاطبي وكل الأئمة يوافقونه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7].

يقول الشاطبي إن من يريد أن يبحث عن آية في القرآن يستدل بها على بدعته وباطل، سيذهب يبحث وسيجد آية يمكن يلوي عنق نصها لتوافق هواه، فما بالك في كلام الأئمة؟ ففرق بين من يبحث عن الحق متجرداً، ومن يبحث في كلام الأئمة عما يوافق هواه. فالذين ينصبون اليوم العداء لأبي حنيفة النعمان رحمه الله عليه ومدرسته يقول لك: انظر ماذا قال شيخ الإسلام في كتاب الاستقامة عن المدرسة الكوفية وكيف ذمها.

الكلام صحيح، احنا ما عندنا مشكلة كبحث علمي، أنا ما عندي مشكلة أن أقول والله المدرسة الكوفية في الفقهيات عندهم واحد اثنين ثلاث مشاكل ويجب أن ينظر فيها، وحتى ابن القيم في إعلام الموقعين لما ناقش الشافعي قسى عليه في بعض العبارات، قسى على المدرسة الشافعية في باب العقود والمعاملات معتبراً إياها مخالفة لمقاصد الشريعة، فهذا نقاش علمي في زاوية معينة.

لكن لما نأتي الآن للمشهد العام، ما موقفي أنا من أبي حنيفة النعمان ومدرسته؟ تجد ابن تيمية في عشرات المواقع ينص على أنه من أئمة الهدى ومن أئمة السلف، يقول في مواطن أخرى: في الإسلام أبو حنيفة النعمان. لأنه هنا هو في مناقشة مشكلة في هذه المدرسة، وليس في مجال إسقاط هيبة وكرامة. هذه البروباغندا التي يعملونها دائماً جماعة الغلو والاقتطاعات الدنيئة، ما أسميها إلا الاقتطاعات الدنيئة التي من هدفها ترويج هذه الأفكار على بسطاء طلاب العلم للأسف؛ هو طالب العلم الذي يتابعك على السوشيال ميديا، هل هو يقدر يقرأ كتاب الاستقامة أو يقدر يقرأ الكتب الكبرى؟ أنت تعرف أن هذا طالب علم مسكين أو قد يكون من العوام ومستواه الذهني لا يصل أن ينظر في كتب ابن تيمية العميقة.

فأنت ماذا تفعل؟ أنت تستغفل، أنت كإنسان ذكي وعندك لسان وقدرة على صناعة السوشيال ميديا والإعلام، تأتي لنصوص معينة من ابن تيمية تقتطع وتقول: وانظر ماذا قال! يقتطع لك نصاً من كتاب الاستقامة من هنا وهنا فيشكل لك رأي عام طبيعته أن ابن تيمية يرى إسقاط المدرسة الحنفية. لكنه لا يأتي لك بالنصوص الأخرى التي يعتبر فيها ابن تيمية الإمام أبا حنيفة النعمان من أئمة الهدى ومن أئمة الإسلام، ومن لهم قدم صدق في الإسلام، وأنه على منهج السلف عموماً.

لماذا أنت لم تقتطع لي هذه النصوص؟ لأنه صاحب هوى، هو عنده هوى معين مسبق فهو سيأتي من كلام ابن تيمية ما يوافق هواه، لكن لن يعرض لك الصورة كاملة. لأنه عرض الصورة كاملة بالنسبة له سيهدم غلوه؛ سيهدم غلوه إذا عرض لك كلام ابن تيمية في مدح أبي حنيفة وعرض لك كلام ابن تيمية في الرد على المدرسة الحنفية، هو سيهدم غلوه لأنه سيظهر لك توازن ابن تيمية العالي في التعاطي مع هذه القضايا.

إنه مقام الثناء العام وبيان رسوخ هؤلاء في العلم هذا مقام لا أنكره، لكن هذا لا يمنعني أنا كابن تيمية أن أقول إنهم أخطأوا في واحد اثنين ثلاث؛ زي ما بفعل هون: إنهم أخطأوا في واحد اثنين ثلاث أربعة خمسة. لا يمنع ابن تيمية أن يوافق الحنفية في الكثير من الاستدلالات الفقهية ويعتبرهم مبدعين في باب آخر. هذا الذي لا يفهمه إلا الكبار من أهل العلم وطلاب العلم.

لماذا نقول لكم يا شباب لا تردوا على الشخص الذي يقلل من العلماء؟ البعض اليوم باعث لي مقطع؛ واحد مسمي العلماء طاغوت العصر والعياذ بالله! نسميهم طاغوت العصر؟ العلماء؟ أنت شو بترد؟ علماء مع علماء عادي؛ أنت بإمكانك تعرف، الكتاب والسنة للجميع وبإمكانك تعرف الحق منهم، هو القرآن بس للعلماء؟ أنت بتقدر تقرأ القرآن وتعرف الحق منهم.

هؤلاء على مذهب الخوارج فعلياً، هذا مذهب الخوارج؛ مذهب الخوارج هو الذي يقوم على أنه انت متخيل أن هناك أشخاص كانوا في زمن الصحابة مش شايفين الصحابة وبيقول لك: أنتم مين معاوية وعلي بن أبي طالب وعمرو بن العاص؟ أنتم خالفتم الكتاب والسنة، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]. هؤلاء عم يتكرروا اليوم بلباس جديد، هم نفسهم الخوارج عم يتكرروا اليوم بلباس جديد.

يتسلق على العلماء وينسف لك العلماء ويريك أن العلماء عادي؛ كلام العلماء إذا أخطأوا بنكبه في الزبالة! كلامهم شوف العبارة التي تستعمل، أن العالم إذا أخطأ كلامه يلقى في القمامة؛ هكذا يعبر عن العلماء. ولك شوف العبارة! العلماء الربانيين الكل يؤخذ من قوله ويرد، اختصموا؛ يعني فش داعي أنه كلام العالم لو أخطأ كبه في أقرب زبالة أو حاوية، ليست هكذا تدار الأمور. لماذا يجب أن أعبر بعبارة سيئة قبيحة حتى أقنع الإنسان أن العالم... ولماذا أركز دوماً على أخطاء العلماء ومثالب العلماء؟

لأنه أنت مع الوقت بقول لك: طب كلامي مش صح، مش العالم ممكن يخطئ؟ هسه أنت شوف أخي الحبيب، أنت ممكن تعطي هذه الفكرة مرة واحدة، أن العالم يؤخذ من قوله ويرد، لكن لما أنا في كل مقطع آجي أقول لك: ترى ممكن يخطئوا، اليوم الثاني ترى العلماء عندهم مشاكل، اليوم الثالث ترى العلماء أوعك بيغلطوا، أنت ستوصل للعامة فكرة أنه ايش؟ أن الأصل في العلماء الغلط، وأن صحتهم هي عبارة عن عشرة خمسين بالمئة، وأوعك تقتنع وتضلك تضرب على هذا الوتر.

هو أنت تصنع حالة عامة مفادها أنه ايش؟ أن دير بالك، ترى أنت يا عامة يا الذي لا تعرف أصول الفقه ولا قواعد اللغة ولا شيء، أنت بإمكانك تفتح الكتاب والسنة وتعرف أن كثير من هؤلاء العلماء المتصدرين هم عبارة عن ماذا؟ عن أناس ممكن يخطئوا بكل سهولة، وأنت أوعك تتبعهم إذا أخطأوا. طيب كيف أنا بدي أعرف أنهم أخطأوا؟ عادي، بتيجي على مقطعي أنا على اليوتيوب، أنا بقول لك كيف أخطأوا. هي الخلاصة يعني أنه كيف بده يعرف أنه بخطأه؟ بدك تروح على مقطعه هو على اليوتيوب عشان تكتشف أن العلماء أخطأوا، هيك هي المعادلة.

وأن نصوص الكتاب والسنة ترى دلالتها واضحة على أخطاء العلماء، يعني ما تفكروا... واضح على أخطاء العلماء وأين هم تلاعبوا بالنصوص، غير أن العلماء دير بالكم في مجالسهم الخاصة عندهم مصائب وأمور، أنا لو قلت لكم عنها والله لارتددتم عن الدين واكتشفتم هذا كله؛ هو والعياذ بالله هذا مذهب الخوارج، هذا مذهب الخوارج، وهكذا صاروا عبر تاريخهم من أولهم الذين قالوا لا حكم إلا لله، أسقطوا الصحابة.

أنت مش عارف أنا أحياناً بفكر كيف هذول الخوارج في زمن علي بن أبي طالب كيف أتتهم القدرة أنه يا زلمة أنت بتحكي مع علي بن أبي طالب! بتحكي مع عبد الله بن مسعود! بتحكي مع الجماعة اللي لقوا النبي عليه الصلاة والسلام وعاشوا معه وشاركوا في بدر وأحد والخندق، تيجي أنت ابن امبارح وتيجي تقول الصحابة: أنتم خوارج وعفواً أنتم كفار! أنتم مش فاهمين دلالة الكتاب والسنة وأنتم مش متمسكين بالتوحيد. آه هذا اللي طلع بعد الصحابه هو المتمسك بالتوحيد، والصحابة اللي قاتلوا من أجل التوحيد ودفعوا دماءهم وأرواحهم!

فلذلك الصحابة لاحظوا على ما حصل بينهم من خلاف وحتى واقتتال بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية، بس كانوا متفقين عموماً أن هول خوارج؛ يعني بقول لك احنا فاهمين بعضنا، فاهمين وين ممكن يصير بيننا وبينهم خلاف، بس عمره ما حدا من الصحابة كفر صحابياً آخر لأنه هو عارف أنه هذا متأول وأنا متأول، وإن كنا اقتتلنا لكن كلاهما متفق؛ لا هذاك مصيبة هذاك خارجي.

هذاك عم يخرج بمنهج مخيفة مفادها أن الجيل الكبير من أهل العلم الراسخين من الصحابة عادي ممكن كلهم مش فاهمين، وأنا الابن الصغير ابن امبارح رح أعلمكم الكتاب والسنة، واتبعوني ودير بالكم ترى الصحابة عندهم أخطاء، ترى الصحابة بخطئوا والصحابة... خذ كلام أقرب واحد فيهم وحطه والعياذ بالله، كما يقول! هذا يدل على ماذا يا إخواني؟ على مرض استشرى، خلاص معناتها الشخص استوى، ما دام يفكر بهذه العقلية معناها الشخص استوى تماماً وما عاد يسيطر على فكره وعلى توازناته النفسية، واضح ما عاد يسيطر على أي توازن نفسي، وأنه صار في هناك شهوة الإسقاط، شهوة إثبات الخداع، وأنه كل هذا حالة خداع.

أنت بدك تنتبه لحتى ما يورطك العلماء، أنا ما راح أورطك، أنا راح آخذك للخير، أما هم العلماء والمتصدر من الدعاة وأهل العلم رح يورطوه. هذا هو الذي يجب لطلاب العلم أن يحذروا، ننا بنصح وما في أيدينا إلا نصيحة فقط لحماية ما يمكن حمايته اليوم، لأنه الأمور خرجت عن السيطرة في السوشيال ميديا. هذا العالم المفتوح خلص، كل واحد يتكلم بما يشاء، واللي بيفهم واللي ما بيفهم بيطلع بيتكلم، وطلاب العلم أو الناس العوام وهذا الذي تحزن عليه، خاصة من النساء والشباب الجدد، يقعون فريسة أمثال هؤلاء، لأنه يستعملون البروباغندا أو كاريزما الشخصية، كاريزما الإلقاء.

فبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم حذر في آخر الزمان من كل منافق عليم اللسان، اللي هو الإنسان الذي بيعرف يحكي، بيعرف يصف لك الأمور ويعمل لك حركات وكذا ومشاعر وأحاسيس، فبهم أن يتكلم حق وكل كلامه مبني كما يقول ابن تيمية على أصول فاسدة دائماً. تشبث بالكبار، فإنه ما في شيء؛ بعرف أن العالم قد يزل لكن زلته مش الأصل، وقد يخطئ لكن البركة في باعه، وقد يعصي لكن ربنا ساتر عليه. وأنا مش مطلوب مني أني أبحث أن العالم ممكن يعصي ببيته، لا بدي أضلني قاعد خايف أنه أكيد بيعصي في بيوتهم، أكيد...

بيعملوا أشياء غلط في حياتهم، أكيد بيعملوا، حرامي في حياته، طيب أنت شو الفائدة؟ ماذا تستفيد من إثارة مشاعر ذاك الطالب المسكين على حاله الدعاة والمتصدرة وما شابه؟ ماذا تستفيد من هذا؟ ماذا ستجنيه إلا زيادة خراب ودمار وفساد؟ لأنه هذا العام إذا اتبع حضرتك وأشكالك، هو في الحقيقة ماشي كان متبع عالماً عنده 20% من الخطأ، سيتبع أرعن عنده 80% من الخطأ، هي هذا الواقع الذي سيحصل، هذه المعادلة النهائية.

فبالتالي أنت تظن أنك تهدي الناس، ولكن سبحان الله كما قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]. سبحان الله آيات الله تتجلى دوماً: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.

المشاكل كثيرة، بسم الله. قال: وسبب هذا أن الأعمال الواقعة يحتاج المسلمون فيها إلى معرفة بنصوص، ثم إن لهم أصولاً كثيرة تخالف النصوص، والذي عندهم الفروع التي لا توجد عند غيرهم فيها ما فيها من المخالفة للنصوص التي لم يخالفها أحد من الفقهاء أكثر منهم، عامتها إما فروع مقدرة غير واقعة، وإما فروع متكررة على أصول فاسدة، فإذا أرادوا أن يجيبوا بمقتضاها رأوا ما في ذلك من الفساد وإنكار قلوب المؤمنين عليهم فأمسكوا.

لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة، إذ السنة ما أمر به الشارع، والبدعة ما لم يشرعه من الدين، فإن هذا الباب كثر فيه اضطراب الناس في الأصول والفروع، حيث يزعم كل فريق أن طريقه هو السنة وطريق مخالفه هو البدعة، ثم إنه يحكم على مخالفه بحكم المبتدع، فيقوم من ذلك من الشر ما لا يحصيه إلا الله، وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون، حيث حكموا لأنفسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته، وأن علياً ومعاوية والعسكرين هم أهل المعصية والبدعة. وهذا يناسب ما ذكرنا، سبحان الله، أن أول بدعة نشأت في الأمة هي بدعة الخوارج، الذين حكموا لأنفسهم أنهم هم أصحاب الكتاب والسنة، هم المتمسكون بالكتاب والسنة، بينما علي رضي الله عنه ومعاوية والجيل الأول من الصحابة هم المبتدعة الذين خرجوا عن تلك النصوص.

قال: فاستحلوا ما استحلوه من المسلمين. وليس المقصود هنا ذكر البدع الظاهرة التي تظهر للعامة أنها بدعة، كبدع الخوارج والروافض ونحو ذلك، لكن المقصود التنبيه على ما وقع من ذلك في أخص الطوائف بالسنة وأعظمهم انتحالاً لها؛ كالشافعية والشافعي وأحمد، فإنه لا ريب أن هؤلاء أعظم اتباعاً للسنة وذماً للبدعة من غيرهم. يعني من ثم يقول ليس مقصدي في هذا الكتاب أن أناقش بدعة الخوارج والرافضة، لأن هذه بدعة عموماً معروفة لدى العامة، لكن هدفي في هذا الكتاب أن أخبرك عن البدع التي وقعت حتى عند الشافعية وعند الحنبلية وعند المالكية، الذين هم أخص الناس بالانتساب للسنة وذم البدع، هم أنفسهم وقع فيهم بدع عند المتأخرين؛ يقصد عند المتأخرين من الشافعية والمالكية والحنابلة، أو الذين هم عادتهم يذمون البدع، هم أنفسهم وقع عندهم من البدع ما وقع.

قال: والأئمة كمالك وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهم يذكرون من ذم المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم ما شاء الله تعالى، وهذه الأقوال سمعها طوائف ممن اتبعهم وقلدهم، ثم إنهم سمعوا كلام أحمد ومالك والشافعي في ذم البدع وذم أهلها، لكن هؤلاء الذين قلدوهم للأسف وقعوا في بدع؛ كمتاخري الحنبلية والشافعية وقعوا في بدع في تقريراتهم حتى الفقهية.

قال: ثم إنهم يخلطون في مواضع كثيرة السنة والبدعة، حتى قد يبدلون الأمر، فيجعلون البدعة التي ذمها أولئك هي السنة، والسنة التي حمدها أولئك هي البدعة، ويحكمون بموجب ذلك حتى يقعوا في البدع والمعدات لطريق أئمتهم السنية في الحب والموالاة، لطريق المبتدعة التي أمر أئمتهم بعقوبته، ويلزمهم تكفير أئمتهم ولعنهم والبراءة منهم. لماذا؟ لأنه الآن أئمتهم يعني الإمام أحمد والشافعي ومالك يكون حكم على شيء معين بأنه بدعة وحذر منه، تجد متأخري الحنابلة والشافعية والمالكية مثلاً نفس هذا الفعل الذي حكى عنه إمام المذهب أنه بدعة هو يعتقد أنه سنة، ويعتقد المتأخر من الحنابلة أنه سنة، ويكفر المنكر عليه، وهذا الشيء الذي يعتقد المتأخر أنه سنة، أحمد بن حنبل قال عنه بدعة وحذر منه. أقول لك هذه مشكلة وقع فيها كثير من متأخري الشافعية والمالكية والحنابلة.

قال: وقد يلعنون المبتدعة، وتكون اللعنة واقعة عليهم أنفسهم ضد ما يقع على المؤمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمماً وأنا محمد». وهؤلاء بالعكس، يسبون المبتدعة فهؤلاء مثلاً يقول متأخري الحنابلة يلعنون المبتدعة: لعنة الله عليكم أيها المبتدعة، واللعنة هي واقعة عليهم هم، أنتم تلعنون المبتدعة وأنتم المبتدعة فعلياً، مش مخالفين. يعني مثلاً من يجوز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام: لعنة الله على من يمنع الاستغاثة بالنبي، ويفسق وهم؛ طيب أنت في النهاية هي لعنة واقعة عليك؛ لأن أنت المبتدع في هذا الباب، أنت من جوزت الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأنا المتمسك بالسنة، وكلام المصنف كله تحذير من هذا، فهو يخبرك كيف تنشأ البدع، هو يظن نفسه على طريقة الشافعية أو على طريقة المالكية، ويلعن أهل البدع، واللعنة واقعة عليه، ولا يدري المسكين أن الشيء الذي لعن مخالفه عليه، أنت فعلياً تلعن إمام مذهبك؛ لأن إمام مذهبك هو أيضاً يقول بأن هذا الفعل لا يجوز. وأقول لك غريبة هي البدع كيف تنشأ وكيف تتطور وتتوسع.

وقد يلعنون المبتدعة وتكون اللعنة واقعة عليهم أنفسهم، هم ضد ما يقع على المؤمن. يعني هي كأنه يريد أن يقول هي لا تقع على ذلك الشخص، أنه أنت إذا لعنت شخصاً وهو ليس أهلاً، حارت الشتيمة والتكفير والقدح عليك. فهو يقول وقد يلعنون المبتدعة وتكون اللعنة واقعة عليهم أنفسهم، ضد ما يقع على المؤمن، يعني طبعاً عبارة فيها مشكلة كما قلت لك في النسخ، لكن الذي يظهر لي أنه يقول يعني لا تقع على من هو فعلاً شتمهم، فذاك مؤمن صحيح الإيمان، وأنت المبتدع الواقع في الإشكال. لو لو أبدنا ضد كلمة عكس وتكون اللعنة واقعة عليهم أنفسهم، يعني عكس ما يقع على المؤمن، المؤمن الذي يلعنونه تقع عليه الرحمة، فهو الذي يقع عليه من اللعنة عكس ما يقع على ذلك المحتسب. حتى ضد هي بتضبط، ضد ما يقع على المؤمن، أن المؤمن تقع عليه رحمة الله وبركته وهدايته، وأنتم وقعت عليكم اللعنة التي لعنتم بها إخوانكم وهم أحرا بالحق منكم.

قال: وهؤلاء بالعكس، يسبون المبتدعة ويعنون غيرهم، ويكونون هم المبتدعة، كالذي يلعن الظالمين ويكون هو الظالم أو أحد الظالمين، وهذا كله من باب قوله تعالى: ﴿فَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. واعتبر ذلك بأمور، أحدها أن كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم وعقوبتهم كثير، ومن أعظمهم عنده الجهمية الذين يقولون إن الله ليس فوق العرش، وإن الله لم يتكلم بالقرآن كله، وأنه لا يرى كما وردت به السنة، وينفون نحو ذلك من الصفات، ثم إنه كثير في المتأخرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور كما ينكرها. يقول لك مالك كان يلعن الجهمية، طبعاً من هم الجهمية؟ هم الذين يقولون إن الله ليس فوق العرش، وإن الله لم يتكلم بالقرآن، وإن الله لا يرى يوم القيامة، هذه أحد أبرز عقائد الجهمية، فمالك يلعن الجهمية الذين يقولون هذه المقولات.

ثم كثير من متأخري المالكية للأسف أصبحوا يقولون هذه المقولات، بعضهم يقول إن الله ليس فوق العرش، وبعضهم يقول إن الله لم يتكلم بالقرآن. ثم إن كثيراً من المتأخرين من أصحابه، أي من المالكية، من ينكر هذه العقائد كما ينكرها فروع الجهمية؛ ينكر رؤية الله في الآخرة، ينكر أن الله تكلم، ينكر أن الله فوق السماوات، بل يجعل ذلك هو السنة، ويجعل القول الذي خالف هذه الأقوال البدعية، يجعل القول المخالف لها وهو قول أهل السنة والجماعة، يجعل قول أهل السنة والجماعة هو البدعة، مع أن هذا القول الذي أنت بدعته يا أيها المالكي المتأخر، هذا القول الذي بدعته يا أيها المالكي المتأخر هو قول مالك وهو قول سائر أئمة السنة أصلاً.

قال: منه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك، فبدل هؤلاء الدين فصاروا يطعنون. ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك، شو يعني؟ الآن هو مالك له نصوص عامة في التحذير من البدع وذم المبتدعة وما شابه ذلك، فتلاقي مثلاً متأخرين من المالكية يسقطون كلام مالك في ذم المبتدعة وضرورة هجرهم والتشديد، يسقطون على أهل السنة، فشو بيعمل؟ يعني هذا شخص من متأخري المالكية أخذ نصوص مالك وقال الإمام مالك ويجب عليكم هجر أهل البدع، وقال الإمام مالك واحذروهم، عم بيسقط نصوص إمامه على من يعتقد أنهم مبتدعة لكنهم سنيون، وهو المبتدع، اللي فعلياً تسقط نصوص مالك عليه، وأنت المبتدع الذي يجب أن تهجر وألا تجالس وما شابه ذلك.

قال: الثاني أن الشافعي من أعظم الناس ذماً لأهل الكلام ولأهل التغبير ونهياً عن ذلك، وجعل له من البدعة الخارجة عن السنة، فمنذ كثير من أصحابه عكسوا الأمر حتى جعلوا التغبير. نعم التغبير؛ لأنه هو كما قلت الشافعي معروف أنه ينكر على الصوفية السماع، والشافعي وكثير ما ورد أن الشافعي أنكر التغبير، وأنه قال وجدت شيئاً في العراق أحدثه أهل البدع يسمى التغبير، وهو نوع من السماع الصوفي المبتدع.

قال: ثم إن كثيراً من أصحابه عكسوا الأمر حتى جعلوا الكلام الذي ذمه الشافعي هو السنة وأصول الدين الذي يجب اعتقاده وموالاة أهله. جعلوا علم الكلام اللي الشافعي ذمه، والشافعي قال في أهل الكلام حكمي فيه من يضرب بالجريد والنعال، وجعلوا أهل الكلام هم أهل السنة، وأهل الحديث هم حشوية وأهل البدع، وبعدين بيقول لك أنا شافعي. بقول لك كيف حدثت هذه الأمور في المذاهب الثلاثة.

قال: وجعلوا موجب الكتاب والسنة الذي مدحه الشافعي هو البدعة التي يعاقب أهلها. الثالث أن الإمام أحمد في أمره باتباع السنة ومعرفته بها ولزومه لها ونهيه عن البدع وذمه لها ولأهلها وعقوبته لأهلها، كذلك الحنبلي، الإمام أحمد معروف بنصرته للسنة وتقريعه لأهل البدع.

قال: ثم إن كثيراً مما نص هو على أنه من البدع التي يذم أهلها، صار بعض أتباعه يعتقد أن ذلك من السنة، وأن الذي يذمه من خالف مثل كلامه في مسألة القرآن في مواضع منها تبديعه لمن قال اللفظ بالقرآن غير مخلوق وتخطيئه لمن قال مخلوق، ثم إن نعم أحمد بن حنبل كان يقول من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق مبتدع، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق جهمي. طبعاً أنا لست في صدد مناقشة هذا الإمام، لأن هذه عبارات كانت يعني يتعمد أصحابها اللف والدوران فيها، يتعمد أصحابها اللف والدوران فيها، فأحمد قال لهم بتقولوا شغلة واحدة، القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، أما أنت تقول لي لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهذا يقول لي لفظي بالقرآن مخلوق، يلا شو قصدك باللفظ؟ هل قصدك باللفظ الملفوظ ولا عملية التلفظ؟ لأنه كلمة لفظي تحتمل أمرين، التلفظ وهذا فعلياً مخلوق لأنه عملية، ويقصد باللفظ أحياناً الملفوظ وهو القرآن، فلأن كلمة لفظي بالقرآن مخلوق أو غير، أصبحت عبارة مبهمة وضايعة، أحمد قال لا تقول لفظي بالقرآن مخلوق ولا تقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، قل عبارة واضحة صريحة: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، وأما هذه العبارات لما أصبحت مطية لأهل البدع للوصول إلى آرائهم منعها أحمد.

قال: ثم إن من أصحابه من جعل ما بدعه الإمام أحمد هو السنة، فتراهم يحكمون على ما هو من صفات العبد، ألفاظهم وأصواتهم وغير ذلك، بأنه غير مخلوق، بل يقولون هو قديم، مع أن ألفاظ العبيد وأصواتهم مخلوقة، يعني أنا عملية تلفظ وأصوات كيف تقول هي غير مخلوقة؟ فأحمد كان ينكر هذه التلاعبات بالألفاظ لأنها توصل لقناعات غير صحيحة.

قال: ثم إنهم يبدعون من لا يقول بذلك، ويحكمون في هؤلاء بما قاله أحمد في المبتدعة، وهو فيهم. وكذلك ما أثبته أحمد من الصفات التي جاءت بها الآثار واتفق عليها السلف كصفات الفعلية من الاستواء والنزول والمجيء وتجيء إذا شاء وغير ذلك، وينكرون ذلك بزعم أن الحوادث لا تحل به، ويجعلون ذلك بدعة ويحكمون على.

أصحابه بما حكم به أحمد في أهل البدعة هم من أهل البدعة الذين ذم، نعم بعض الحنابلة من المتأخرين بعضهم كابن الجوزي وغيرهم كانوا ينكرون الصفات الاختيارية كالنزول، وهو مبتدع وفعلياً أنت المبتدع؛ لأن مذهب أحمد هو حقيقة إثبات الصفات الاختيارية كالنزول. هنا قال: هؤلاء الذين ذمهم أحمد لا أولئك، ونظائر هذا كثيرة، بل قد يُحكى عن واحد من أئمتهم إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تحل بذاته؛ لينفي بذلك ما نص أحمد وسمّه عليه من أنه يتكلم إذا شاء.

نعم، بل قد يُحكى عن واحد من أئمة الحنابلة المتأخرين ينقل إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تقوم في ذات الله، ويقصد بنقل هذا الإجماع إنكار الصفات الاختيارية؛ باعتبار أنها حوادث، وبالتالي لا يجوز أن تقوم في ذاته، مع أن كلام أحمد وغيره من أهل العلم على أن الله سبحانه وتعالى يتكلم متى شاء وينزل متى شاء. فإذاً بغض النظر عن طبيعة المسائل؛ هو ابن تيمية يعطي ظاهرة عامة أن متأخري الشافعية والمالكية والحنابلة بدّعوا أموراً هي عند أئمتهم سنة، وحكموا بسنية أمور هي عند أئمتهم بدعة.

بس من الذي يعرف هذه الأشياء؟ من الذي سيعرف أن متأخري الشافعية خالفوا إمام المذهب، وأن متأخري الحنابلة في بعض الزوايا خالفوا إمام المذهب؟ طبعاً هنا الكلام عن العقديات، مش الآن السياق الكلام عن الفقهيات، أو أن متأخري المالكية في باب العقديات، من الذي سيعرف إلا إنسان متضلع بنصوص الأئمة الأوائل؟ نعم، قال: ومعلوم أن نقل الإجماع على خلاف نصوصه ونصوص الأئمة من أبلغ ما يكون، وهذا كنقل غير واحد من المصنفين في العلم إجماع المسلمين على خلاف نصوص الرسول.

وهذه المواضع من ذلك أيضاً؛ فإن نصوص أحمد والأئمة مطابقة لنصوص الرسول صلى الله عليه وسلم. يعني وهذا كنقل غير واحد من المصنفين في العلم إجماع المسلمين على مسألة هي خلاف نص النبي عليه الصلاة والسلام. يعني كان ابن تيمية يقول لك لا تغتر بهذه النقولات في الإجماع، فإن وقع التساهل للأسف عند كثير من المتأخرين؛ يقول لك والإجماع على كذا، والإجماع على كذا، ويكون الإجماع الذي نقله مخالف لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. فمن أين أخذت هذا الإجماع وما مستندك فيه؟ وهذه العبرة، بس تقول والإجماع على كذا وتروح، لا، ما يصلح.

فيقول لك احذر من هذا التوسع في نقل الإجماعات، وتوهّم أن كلام المتأخرين دائماً هو الصواب. ثم يعتبر أمثال ابن تيمية من ينصر عقيدة السلف هو الشاذ، هو المخالف، هو الذي خرج على الأمة وعقيدتها، وتكتشف في النهاية لا؛ أن كلام ابن تيمية وكلام ابن القيم وابن رجب والمعلم هو نفس كلام السلف، وهو ما يدل على أنه أنتم تنقلون إجماعات فارغة، إجماعات ظواهر نصوص الكتاب والسنة لا تدل عليها بشكل من الأشكال. وهكذا المهم، قال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]، بعد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ [غافر: 34].

يخوفهم بمثل عقوبات الله في الدنيا للأمم الكافرة قبلهم، وخوفهم بما يكون يوم القيامة. نعم، قال: وهذا فيه بيان إخباره بيوم القيامة، وممن آمن بموسى كما قد قررناه في غير هذا الموضع أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة، خلاف ما تزعم الطوائف من أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى. هذا كلام استطرادي عام؛ أنه في مسألة أن بعض الفلاسفة يقول إن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه الصلاة والسلام. فهو يقول لا، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ﴾ هذا كلام مؤمن آل فرعون، وهو من أتباع موسى.

ومؤمن آل فرعون شو قال في الآية التي قبلها؟ ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ إذاً هل موسى أخبرهم عن يوم القيامة؟ نعم، وإلا كيف عرف مؤمن آل فرعون بوجود يوم القيامة؟ فالقول إن المعاد الجسماني لم يقل به إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام هذا غير صحيح؛ بواضح أنه مؤمن آل فرعون كان يقول به وأخذه من موسى عليه السلام. بس هذه طبعاً فائدة استطرادية، هو أصلاً موضوع هذا الفصل هو الآية الأولى التي بدأ بها ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾.

هو يريد أن يقول إن منهج المتكلمين وغلاة الصوفية وغيرهم هو قائم على أنهم يجادلون في آيات الله بغير سلطان، بغير بينة. تمام، لكن هو يستعرض، أنت تعرف هو الآن سيستعرض هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ مع الآية التي قبلها ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، وسيناقش هل الآية التي بعدها ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هي صفة أخرى أو تابعة للآية السابقة؟

من هو المسرف المرتاب؟ الذين يجادلون في آيات الله، أم الذين يجادلون في آيات الله لا هم صنف آخر وجهة أخرى غير الأوائل؟ الآن أنت عندك آيتين، دائماً الشباب يجب أن يكون حافظ قرآن حتى تعرف إيش بيتكلم ابن تيمية. الآية الأولى ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، شو الآية اللي بعدها؟ الآية الموجودة عندكم في بداية الصفحة ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

الآن ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ هل هي تبع وتفصيل وبدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ أنهم هؤلاء، أم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ لا، هذا مبتدأ جديد أخبر الله عنه، ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ كبر مقتاً عند الله، مبتدأ وخبر جديد ما له علاقة بالآية السابقة، هذا نقاش سيولده ابن تيمية.

طيب قال: ثم قال المؤمن، ولقد جاءكم -المؤمن يعني مؤمن آل فرعون؛ لأن الكلام على لسانه- نعم قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، لأن الريب عدم العلم، وهذه حال أهل الضلال. وقال هناك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ نعم. يعني في الآية الثانية ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ بماذا ختمها الله؟ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ختمها الله بوصفين: متكبر وجبار.

الآية السابقة ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ماذا ختمها الله؟ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾. إذاً لاحظ ختام الآيتين: الآية الأولى ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، الآية الثانية ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. فابن تيمية من الملاحظات الدقيقة يحاول أن ينظر لماذا تلك الآية الأولى خُتمت بالمسرف المرتاب والآية الثانية خُتمت بالمتكبر الجبار.

يحاول يفهم لماذا خُتمت الآية الأولى بكذا والآية الثانية بكذا، فيقول: آية ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ خُتمت ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾؛ لأن الريب ما هو؟ عدم العلم. ما هو الريب؟ لا، الريب هو الشك، فأصلاً في مطلع الآية ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ﴾، إذاً ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ شكاك، فهو عدم علم، عدم يقين.

فالآية الأولى تتكلم عن قوم شكوا فيما جاءهم به يوسف عليه السلام، فهم في حالة ضلال، حالة ريب، عدم شك وعدم يقين بكلام الأنبياء، فلما كانوا في حال شك وعدم ريب الله عز وجل أضلهم؛ لأنه الأصل أنك تثق بالأنبياء وبكلام الأنبياء، فلما لم تثق بالأنبياء ولا بكلامهم قال الله ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ طبيعته شكاك، لا يثق بكلام الأنبياء.

وأما الثاني لا، قال وقال هناك التي هي الآية ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ بماذا ختمها ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾؟ لأنه أخبر في مطلع الآية أنهم ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ بغير حجة وبينة، وهذا حال الذين يتكلمون في العلم بغير علم، وهذا حال المتكلمين بغير علم. لماذا؟ متى الإنسان يتكلم بغير علم؟ إذا أراد أن يطلب العلو، أراد أن يطلب الفساد، فلذلك الإنسان يتكلم بغير علم من أجل أن يعلو على الناس مع أنه جاهل، ومن أجل أن يفسد عليهم دينهم، فالله عز وجل يقول: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. المتكبر الذي يطلب العلو، وجبار يطلب العلو والفساد، فالذين يطلبون العلو والفساد هم الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان تمام، والذين يضلهم الله لأنهم مسرفون مرتابون هم الذين يشككون في كلام الأنبياء ولا يحملونه، ولا يقبلونه، ولا يتعاملون معه بالتسليم.

فابن تيمية يرى أن هذا صنف وهذا صنف. هؤلاء صنف فالذين يجادلون في آيات الله ليسوا هم تفسير للمسرف المرتاب، لا؛ المسرف المرتاب صنف ذُكر في الآية الأولى، والذين يجادلون في آيات الله صنف آخر ذُكر في الآية الثانية ممن يطلبون العلو والفساد في الأرض. نعم قال: كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56]، ولهذا قال في هؤلاء المجادلين: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي كبر مقتهم، أو كبر هذا المقت.

طبعاً ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ هذا هو الخبر، ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هذا مبتدأ، ما هو الخبر؟ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ﴾ يعني كان الله يخبرك هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير بينة كبر بغضهم عند الله وعند الذين آمنوا، أو كبر ممقوتاً، لأنه المقت، والناس يقول ابن تيمية المقت إما أن يفسر بالمعنى المصدري المقت وهو الفعل الحدث وهو البغض، أو فسّر بالمصدر بمعنى المفعول وهو الممقوت. فببغض النظر فيقول كبر مقتهم، كبر المقت لهم عند الله وعند الذين آمنوا، أو كبر ممقوتاً فعلهم عند الله وعند الذين آمنوا. نعم، بغض النظر يعني عن التفسير مش هذا كان نقاشنا.

نعم قال: كما قال تعالى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5]، وكما قال تعالى ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]، فإن المخصوص بالمدح والذم في هذا الباب كثيراً ما يكون مضمراً إذا تقدم ما يعود الضمير إليه. والمدح يراد الرجل كما تقول نعم رجلاً زيد، ونعم رجلاً زيد. نعم رجلاً يعني أحياناً أنت المقصود أحياناً قد تكون نعم الرجل ولا تذكر المخصوص، لا تقول نعم الرجل زيد اكتفاء بماذا؟ بمعرفة أن المخصوص على ماذا يرجع. وأحياناً قد تقول نعم الرجل زيد فتذكر المخصوص بالمدح حتى يظهر، لكن هو يقول إن في العادة في أسلوب نعم الرجل أو بئس الرجل المخصوص بالمدح أو الذم زيد ولا علتان ولا فلان كثيراً ما يكون مضمراً إذا عرف من السياق السابق من هو المقصود به.

طيب قال: والمقت يراد به نفس المقت ويراد به الممقوت، كما قلنا كلمة المقت قد يراد بها نفس المقت وهو المصدر، وقد يطلق ويراد به الممقوت وهو اسم المفعول، كما في كلمة الخلق. الخلق إما أن يراد بها المصدر وهي عملية التخليق، وقد يراد بها يطلق الخلق عليه، نقول هؤلاء الخلق، وما معنى الخلق؟ مخلوق، يعني هكذا. ولكن الأصل في الخلق والمقت من حيث الحقيقة أنها مصادر، إطلاقها على اسم المفعول، إطلاق الخلق بمعنى المخلوق، والمقت بمعنى الممقوت، هذا من باب المجاز.

نعم قال مثله قوله ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]، أي كبر ممقوتاً، أي كبر مقته مقتاً، والمقت البغض الشديد، هو من جنس الغضب المناسب لحال هؤلاء، كما قال في اليهود ﴿بَل طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. فالمقت عموماً لما قال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً المقت ما هو؟ وهذا من صفات الله، من صفات الله أنه يمقت الكافرين والفاسدين والذين يجادلون في آيات الله، والمقت هو ليس أي غضب بل هو الغضب الشديد.

نعم قال كما قال في اليهود ﴿بَل طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وقد وصفهم بنحو مما وصف عدوهم فرعون، فقال ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. نعم، الإفساد والعلو، الله عز وجل وصف بني إسرائيل بالفساد والعلو، وهذا أصلاً هو مما وقع في فرعون أصلاً، ففرعون أيضاً كان عنده فساد وعلو. فرعون كان يعذب بني إسرائيل فساداً وعلواً تمام؛ لأنه فرعون ماذا قال؟ إن كما قالت ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ ثم خُتمت أنه كان من المفسدين. نفس صفات فرعون اللي كان يعذب بني إسرائيل انتقلت إلى بني إسرائيل، فبنو إسرائيل ماذا قال الله عنهم في القرآن؟ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَتُفْسِدُنَّ وَلَتَعْلُنَّ﴾ لاحظ كيف كانوا مستضعفين، ثم لما ملكوا وقعوا في نفس الصفات التي كانت تسقط عليهم، والعياذ بالله.

نعم قال: فوصفهم بالفساد في الأرض والعلو، كما أن فرعون علا.

في الأرض، وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. وختم السورة بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. فالمتقون هم الذين لا يريدون العلو ولا الفساد.

قال: وهذا مما يبين أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ مبتدأ، ليس بدلاً من قوله: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ كما قلنا. إذاً ابن تيمية يرى أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ إعرابها مبتدأ، وليست وصفاً أو بدلاً من مسرف مرتاب؛ لأن المسرف المرتاب هذا تعليق على الآية السابقة، والذين يجادلون في آيات الله هذا مبتدأ له خبر جديد في الآية اللاحقة.

قال: فإنه سبحانه وصف هؤلاء بغير ما وصف هؤلاء، ويعيد هذا أن الله وصف الأول بأنه مسرف مرتاب، ووصف الآية الثانية متكبر جبار، ووصف هؤلاء بشيء وهؤلاء بشيء، مما يدل أن هؤلاء صنف وهؤلاء صنف آخر. قال: ويؤيد هذا أنه ابتداءً قد قال في الأخرى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾، وقال قبل هذه الآية: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

وقد يقال: يمكن اجتماع الوصفين؛ الريب والجدل بغير علم، كما هو الواقع في طوائف كثيرة، كما يجتمع الغضب والضلال. ويحتمل أن يقول شخص: لا، ما في مشكلة أن نقول إن الذين يجادلون في آيات الله هم أنفسهم المسرف المرتاب. وقد يقال -ابن تيمية يطرح الاحتمالات-: لو قال لك شخص: لا، إن المسرف المرتاب هم نفسهم الذين يجادلون في آيات الله، هل هذا فيه مانع؟ يقول ابن تيمية: وقد يقال: لا، يمكن اجتماع الوصفين في الشخص، أن يكون مسرفاً مرتاباً وأن يكون في نفس الوقت يجادل في آيات الله بغير سلطان، كما هو الواقع في طوائف كثيرة من الأمة ومن سبقها، أنه يكون عنده ريب وشك في جهة، ومجادلات أخرى، هذا ممكن.

قال: وقد يقال الآية تحتمل الوقف وتحتمل الابتداء، وقد يكون هذا قراءتين، فتسوء كل منهما ويكون له وصف صحيح كما في نظائره. ما معنى: وقد يقال الآية تحتمل الوقف وتحتمل الابتداء؟

ممكن يكون قصده أن الآية الثانية التي هي: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ تحتمل أن تقف على آخرها، يعني مسرف مرتاب؛ الذين يجادلون. وقد تحتمل الابتداء بها، يعني الذين يجادلون تبتدئ بها مباشرة وتقف قبلها. إما تقف على الذين، ويريد أن يقول: وقد يقال الآية تحتمل الوقف وتحتمل الابتداء، يعني يجوز أن تقول: كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب؛ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم.

تقف، فيكون: مسرف مرتاب، الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم. فيكون من تكميل الآية السابقة، كأنها وتبع لها، كما في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]. هما آيتان صح، لكن الوقف على الآية الثانية يقولون لما بدك؟ لأنه هي تكملتها، فالبعض يقول: وقد يقال الآية تحتمل الوقف، فتقف على مسرف مرتاب، الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، يكون الوقف هناك، ثم يكون: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تعود على كل ما سبق على المسرف المرتاب الذين يجادلون في آيات الله.

أو الاحتمال الثاني: لا، أنه يكون مسرف مرتاب انتهت، والابتداء من عند: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ﴾ فيكون مبتدأ وخبراً، ما له علاقة بالآية السابقة. وهذا فيما يظهر لي للكلام السابق، لما قال: وقد يقال يمكن اجتماع الوصفين الريب والجدل بغير علم، وقد يقال الآية تحتمل الوقف، تحتمل الابتداء، يعني كأنه القول الأول الابتداء، القول الثاني الوقف على بغير سلطان أتاهم، القول الثالث جواز الأمرين. يعني كأن ابن تيمية فعلياً أعطاك ثلاثة أقوال؛ القول الأول وهو ما يتبناه هو لذلك جزم به أنه مسرف مرتاب انتهت، الذين يجادلون ابتداءً. القول الثاني من يرى أنه لا، أنه كلها مع بعضها البعض واجتمع الوصفان والوقف على الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم. القول الثالث: وقد يقال الآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، وقد يكون هذا قراءتين، أنه يجوز هذا وهذا، كأنه قول بماذا؟ بكلا الأمرين، كأنه جعل قولاً ثالثاً.

المهم قال: في الحديث الذي رواه الترمذي عن علي عن النبي ﷺ ورواه أبو نعيم الأصفهاني وغيره من طرق عديدة عن علي عن النبي ﷺ في القرآن، الحديث المعروف، قال: «قلت يا رسول الله ستكون فتن، فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الآراء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

قال: فقوله: «من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» يناسب قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ [غافر: 34]، وكذلك قوله: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. فذكر ضلال الأول، وذكر تجبر الثاني، وذلك لأن الأول مرتاب ففاته العلم حيث ابتغى الهدى في غيره، والثاني جبار عمل بخلاف ما فيه فقصمه الله، وهذا الوصفان يجمعان العلم والعمل.

يعني كان الأول فاته العلم والثاني فاته العمل، والثاني جبار عمل بخلاف ما فيه. إنه في الأول قال: الآية الأولى نرجع لها، ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾، الأول مرتاب فاته العلم ويقين العلم وبرد العلم حيث ابتغى الهدى في غيره، فبحث عن الهدى في غير الوحي الإلهي. والثاني: كذلك الجبار الذي عمل بخلاف ما في الكتاب والسنة. وهذان الوصفان يجمعان العلم والعمل، يعني المرتاب هذا في جانب العلم، والجبار هذا في جانب العمل، كأنه يقول هكذا.

قال: في ذلك بيان أن كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال. كل علم دين مضاف إليه، لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفساد كلام الفلاسفة والمتكلمين والمتفقهة. وكل عاقل يترك كتاب الله مريداً للعلو في الأرض وفساده فإن الله يقصمه. فالآية الأولى: ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ هي تدل على أن كل علم ديني لم تأخذه من الأنبياء ولا من الوحي فهو ماذا؟ كذلك يضل الله. ما معنى أن الله يضلك؟ يجعلك تطلب الهدى من مكان آخر والعياذ بالله، والهدى لا يمكن أن ينال إلا بالوحي. فيقول: فكل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفساد كلام الفلاسفة والمتكلمين، وكل عاقل يترك كتاب الله مريداً للعلو في الأرض والفساد فإن الله يقصمه: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.

شيخ، ممكن يكون قصد شيخ الإسلام، هو قال مسرف مرتاب، فكأنه قال: إن فلاسفة المتكلمين، فهؤلاء لم يذهبوا إلى هذا إلا لارتياب في كلام الله، هذا جانب. نعم أحسنت، هذا جانب أنهم لم يذهبوا إلى العلوم الفلسفية إلا لوجود نوع شك في دلالتهما على المسائل العقدية، وهذا وبالتالي لما وجد منهم هذا الريب وهذا الشك صرفهم الله عن كمال الانتفاع بالقرآن والسنة إلى كلام الفلاسفة والمتكلمين، وهذا إضلال والعياذ بالله.

يحتاج إلى نظر أكثر، القضية ما هو وجه الإسراف؟ ماذا يقصد بالإسراف هنا؟ خلينا نقول: هل هو إسراف بماذا؟ بالشك والغلو فيه. فإن ما فعل مثلاً الرازي في مقولاته العشر هو إسراف وغلو في التشكيك في دلالة النصوص، حتى قال ما فيش نص يدل على اليقين، طيب أنت هيك هذا إسراف، حتى تشترط اليقين بدنا ننفي عشرة أشياء، ولا عمرها بتنفي العشرة. بالتالي هو نوع من الإسراف في التشكيك، ممكن نقول هو مسرف في تشكيكه، مرتاب في أصل العملية التي صدرت.

قال: فالضال لم يحصل له المطلوب بل يعذب بالعمل الذي لا فائدة فيه، والجبار حصل لذة فقصمه الله عليها، فهذا عذب بإزاء لذته التي طلبها بالباطل، وذلك يعذب بسعيه الباطل الذي لم يفده. الضال لم يحصل له المطلوب بل يعذب بالعمل الذي لا فائدة فيه. ما معنى يعذب بالعمل الذي لا فائدة فيه؟ أن الضال مثلاً كالرهبانية التي ابتدعوها، يذهب يفعل أشياء لأنه سيبحث عن الهدى في غير القرآن، فيقوم بأشياء ويلتزم بأشياء ويتعب في كتابة مصنفات ويتعب في عمل لا فائدة فيه. فهذه كتب المتكلمين وكتب أهل البدع، مش تعبوا في تصنيفها؟ لكن المساكين تعب في شيء لا فائدة فيه، إذاً كفاه الله، إذا يخرج من الدنيا بس أنه غفر لهم، لكن حجم التعب والمجلدات للاسف كانت في الأبعاد عن الخير والرشاد، وإن كان صاحبها يظن أنه يحسن صنعاً.

والجبار الذي يعمل بخلاف ما في الكتاب والسنة حصل لذة العلو لذة الفساد التي، فقصمه الله عليها. فهذا عذب، فهذا الذي هو الجبار، عذب بإزاء لذته التي طلبها بالباطل، وذلك يعذب بماذا؟ بسعيه الباطل. الضال يعذب بسعيه الباطل الذي لم يفده شيئاً.

قال: والمقصود هنا أنه سبحانه في هاتين الآيتين بين من يجادل في الله، لاحظ هذا كله استطراد، فكأنه يقول لك ابن تيمية مقصوده هنا، معناته رجع شوية استطرد، نرجع الآن لماذا بدأت هذا الفصل بآية الذين يجادلون في آيات الله. قال: والمقصود هنا بذكر هذه الآية في بداية الفصل أنه سبحانه في هاتين الآيتين بين من يجادل في آيات الله بغير سلطان أتاهم، وقد بين في غير موضع أن السلطان هو الحجة. ما معنى السلطان؟ الحجة والبينة. الكتاب المنزل كما قال، وهو السلطان هو الكتاب المنزل وما يدور في فلكه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35] فجعل الكتاب المنزل في الآية هو السلطان.

وقيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ [النجم: 23] في قصة يوسف أو في سورة النجم اعتبر أن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. المهم قال: وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: 151-152] إلى قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: 156-157]. كنتم صادقين في حدث الآيات للأسف.

قال: وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الطور: 38]. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: 35-37]. وأتى بهذه الآيات يدل على أن السلطان في الأساس ما هو؟ هو الكتاب الإلهي، الكتاب المنزل؛ لأنه لما قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾، لما قال: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ فهذا يؤكد في بيان السلطان. والسلطان يعني الحجة الباهرة القاطعة، إنما تكون في الكتب المنزلة.

قال: وإذا كان كذلك ففي هذا بيان أنه لا يجوز لأحد أن يعارض كتاب الله بغير كتاب. فمن عارض كتاب الله وجادل فيه بما يسميه معقولات وبراهين وقس، أو ما يسميه مكاشفات ومواجيد وأذواق، من غير أن يأتي على ما يقوله بكتاب منزل، فقد جادل في آيات الله بغير سلطان. وهذا خلاصة ما يريد ابن تيمية أن يصل إليه، أن المتكلمين والصوفية الذين ناقشوا وجادلوا في آيات الله وردوا ظواهرها بمقولات العقلية وبراهينه الفلسفية، عارضوا القرآن وظواهر القرآن بغير سلطان، والصوفية الذين عارضوا ظواهر الكتاب والسنة بالكشف والوجد والذوق عارضوا ظواهر الكتاب والسنة بغير سلطان أتاهم.

قال: ومن المعلوم أن الذي يجادل، قال هذه حال الكفار الذين قال فيهم: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهذه حال من يجادل في آيات الله مطلقاً، ومن المعلوم أن الذي يجادل في جميع آيات الله لا يجادل، فإن السلطان آيات الله. كل من يجادل في آيات الله فهو يجادل بغير سلطان، ليه؟ لأن السلطان كما قلنا قبل قليل هو الرب. فإذا أنت ناقشت القرآن بالقرآن أنت محمود، ما عندي مشكلة معك، اللي هو تفسير القرآن بالقرآن. أما إذا ناقشت القرآن واعتترضت عليه مش بآيات أخرى، بل بمعقول شخصي أو بمواجيد ومكاشفات، لا، هنا خطير، أنت عم تعترض على نصوص القرآن ليس بنص آخر، بل بوجد صوفي أو بعقل فلسفي، وهذا كله من البدع.

قال: وهذه الحال يحمد منها أن تكون إحدى الآيتين ناسخة لها أو مفسرة لها بما يخالف ظاهرها، وإن كان السلف يسمون الجميع نسخة. ولهذا لم يكن الذي يجادل في آيات الله بسلطان، قد يكون قد جادل في آيات الله أو في بعض آيات الله ببعض آيات الله، إذاً هناك من يجادل في آيات الله بغير سلطان، وهناك من يجادل في آيات الله.

من يجادل في آيات الله بغير سلطان هو الذي يرد ظواهر الكتاب والسنة، إما بالقيس العقلية أو بالكشف والأذواق الوجدية. أما الذي يجادل في آيات الله بالسلطان فهو الذي يجادل في القرآن بالقرآن، وهذا ما عندنا مشكلة فيه. فلذلك ماذا قال؟ وهذه الحال التي يجادل فيها في القرآن بآيات من القرآن، يحمد منها أن تكون مثلاً إحدى الآيتين ناسخة للآية الأخرى، هذا ما فيه مشكلة، هذا جدال مقبول، أو تكون إحدى الآيتين مفسرة لآية أخرى بما يخالف ظاهرها، صحيح؛ أن آية تأتي تكشف لك أن تلك الآية الأخرى ليس المراد ظاهرها، بل المراد شيء آخر، فهذا تفسير للقرآن بالقرآن، ونسخ للقرآن بالقرآن، وإن كان السلف يسمون الجميع نسخاً.

هذه فائدة استطراد على الهامش، اكتب أن مصطلح النسخ عند السلف أوسع من مصطلح النسخ عند الأصوليين؛ السلف إذا أطلقوا النسخ، فإن تخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل كله يعتبر نسخاً عندهم. أما نحن عند الأصوليين ما هو النسخ؟ رفع حكم متقدم بخطاب متقدم بحكم متأخر ثابت بخطاب متأخر متراخٍ عنه، هذا مصطلح النسخ عند الأصوليين. ابن تيمية يقول لك وهذا كلام صحيح ذكره غير واحد: إن النسخ إذا أطلق في كلام السلف فهو أوسع شوي، فتخصيص العام يسميه السلف نسخاً، والمطلق يسمونه نسخاً، وبيان المجمل يسمونه نسخاً.

قالوا: لهذا لم يكن السلف من الصحابة والتابعين يتركون دلالة آية من كتاب الله إلا بما يسمونه نسخاً، ولم يكن في عهدهم كتب في ذلك إلا كتب الناسخ والمنسوخ، إن ذلك غايته أن نجادل في آيات الله بسلطان، كجدالنا مع أهل التوراة والإنجيل، وهما من آيات الله، بالقرآن الذي أنزله الله مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. يعني كما تجادل أهل التوراة والإنجيل، وأصل التوراة والإنجيل هما محرفات لكن أصلهما آيات، قال كمن يجادل في التوراة والإنجيل فيرد عليها في القرآن، هذا من الجدال المحمود؛ لأنني أنا أرد على ما هناك بالقرآن، فأعرف بالتالي فاسد ما عندكم من صحيحه.

قال: فأما معارضة القرآن بمعقول أو قياس، فهذا لم يكن يستحله أحد من السلف، وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم على ما سموه عقولاً وردوا القرآن إليه، وقالوا: إذا تعارض العقل والشرع، فإما أن يفوض النص فنقول لا نعرف معناه، أو يؤول النص، يعني اختصاراً يحرف، يسموه تأويلاً وهو تحريف. فهذه القاعدة العامة عند المدرسة العقلانية، أنه إذا خالف النص عقلي، فإما أن أفوض النص فأقول إن دلالته غير مفهومة، وإما أن أحرف النص إلى معنى يتوافق مع عقلي، وهذه هي الممارسة الشنيعة التي مارسوها.

طبعاً التفويض ليس معناه إخواني، فقط من باب الفائدة، لما نقول استوى على العرش، لما يقولون نحن نفوض، هم لا يقولون إن كلمة عرش مش مفهومة، لكن يفوضون قضية الصفة التي دلت عليها الآية، مش أن كل الآية عبارة عن لغة أجنبية غير مفهومة، لا هم يقولون لك احنا فاهمين ما معنى عرش وما شابه ذلك، لكن نحن نفوض موضوع الصفة، هل الآية دلت على هذا؟ نقول الله أعلم به ولا نقول إنها أثبتت الصفة، بس حتى يفهم التفويض على المعنى الحقيقي الذي يقصدونه، أنه بعض الناس يقول التفويض معناه لما نقول إن الآية مالهاش معنى أنه مفيش يعني حتى كلمة عرش ما عادتش مفهومة وكل الكلام غير مفهوم، هم لا يقصدون هذا بالتفويض. التفويض أنه ما تقصدون من الصفة نفوض، فنقول لا نقول بإثبات ولا بنفيه، نفوض إلى الله، أما أن كلمة عرش أو ما شابه ذلك اللي هو أصل دلالة الآية، من جهة أخرى هم يقولون إننا نفهم معناه، حتى يفهم التفويض بالشكل الحقيقي.

قال: فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم، وأما تسمية المتأخرين تخصيصاً وتقييداً ونحو ذلك مما فيه صرف الظواهر فهو داخل في مسمى النسخ عند المتقدمين، وعلى هذا الاصطلاح فيدخل النسخ في الأخبار كما يدخل في الأوامر. لأنه أصل النسخ عند الأصوليين كما أخذنا، يكون فقط في الإنشاء، النسخ لا يكون في الخبر؛ قصة يوسف هل يمكن ربنا ينسخ منها شيء؟ لا، لأنه إذا نسخ الخبر معناه وقع في كذب أو وقع في أخطاء، والله لا يخطئ حاشاه، لكن إذا قلنا إن النسخ معناه عام يدخل في تخصيص العام وتقييد المطلق، إذن هنا يجوز أن نقول إن النسخ يدخل على الخبر كما يدخل على الإنشاء، لأن النسخ هنا أصبح ما هو أعم من ارتفاع الحكم، أصبح يشمل التخصيص والتقييد.

قال: وإنما النسخ الخاص الذي هو رفع الحكم فلا بد في الخبر عن أمر مستقر. وقوله: "فلا بد في الخبر عن أمر مستقر" هي عبارة قلقة فيها مشكلة مش صحيحة، وإنما النسخ الخاص عند المتأخرين هو رفع الحكم، هذا هو المجمل، أما "فلا بد في الخبر عن أمر مستقر" أعتقد النص خطأ.

قال: وأما ما يدخل في الخبر من إنشاء أمر، فيكون لدخوله في الإنشاء، إنشاء الأمر والنهي وإنشاء الوعيد، عندما نجوز النسخ فيه كآخر البقرة على ما روي عن جمهور السلف. النسخ بالمعنى الأصولي وهو الخاص، هذا لا يكون إلا في باب الأمر والنهي ولا يكون في باب الخبر، لكن النسخ بالمعنى الخاص قد يدخل الخبر إذا كان صيغة الخبر لكنه في المعنى أمر، مثلاً: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، الآن هذه الآية في الصيغة خبر، "المطلقات مبتدأ، يتربصن خبر"، ما فيش فيها أمر ونهي، لكن إيش معناها؟ الأمر. وهذا كثير في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، هذه صيغتها خبرية لكن معناها أمر. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: 83]، الصيغة نفي لكن معناها نهي، وهذا من بلاغة العرب المعهودة، أن العرب قد تصدر الأوامر والنواهي بصيغة الخبر من باب المبالغة في التأكيد. فإذا كان الخبر صيغته خبر لكن مضمونه إنشاء أمر، هذا يمكن يدخل النسخ الخاص.

وكذلك الوعيد، هل يمكن أن ينسخ إذا قلنا إن الوعيد هو من قبيل الإنشاء مش من قبيل الأخبار؟ إذن يمكن أن ينسخ، واستدلوا على هذا بما ورد في الصفحة الأخيرة من سورة البقرة، الله عز وجل بماذا توعد قبل ما تنزل ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؟ ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284]. هسه هذا وعيد، شق ذلك على الصحابة فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «لا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا، ولكن قولوا سمعنا وأطعنا»، فنسخ الله هذه الآية بما جاء بعد ذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]، فقال الله: «قد فعلت». فالآية الأخيرة في سورة البقرة نسخت الآية قبل الأخيرة، والآية قبل الأخيرة شو كانت؟ وعيد: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ﴾.

فهل الوعيد يقبل النسخ؟ فيقول وكذلك الوعيد، إنشاء الوعيد عند من يجوز النسخ فيه في الوعيد، مثال ذلك كآخر سورة البقرة على ما روي عن جمهور السلف، وهو مبني على أن الوعيد هل هو خبر محض أم هو مع ذلك فيه إنشاء؟ كالعقود، زي صيغ العقود لما أقول لك: بعني، بعت هذا الشيء، فتقول أنت: اشتريت، الإيجاب والقبول في البيوع والأنكحة، من حيث اللفظ هي أخبار، لكنها إنشائية من حيث المعنى بدليل أنها تقبل الفسخ. أنا ممكن نعمل عقد بعدين نفسخ بإقالة أو ما شابه ذلك، لكونه إخباراً عن إرادة المتوعد وعزمه، لماذا البعض يقول الوعيد يتضمن إنشاء؟ لأنه هو إخبار عن إرادة المتوعد وعزمه، وهذه الإرادة تقبل الفسخ، أنا ممكن أتوعد بشيء وبعدين أنا خلاص أبطل، فيمكن أن أنسخ في هذا، وهذا هو الصحيح.

وكالخبر عن الأمر والنهي المتضمن خبره عن طلبه، فالخبر متضمن الطلب، المتضمن إرادته الشرعية، وهذا مما يبين ما قررناه في غير هذا الموضع، أن الله سبحانه بين بكتابه سبيل الهدى، وأنه لا يصلح أن يخاطب بما ظاهر معناه باطل أو فاسد، بل ولا يضلل المخاطبين بأن يحيلهم على الأدلة التي يستسيغونها برأيهم، بل يجب أن يكون الكتاب بياناً وهدى وشفاء لما في الصدور، وأن مدلوله ومفهومه حق، وهذا أصل عظيم جداً. الآن خلص موضوع النسخ هذا، سيبكم منه؛ خلاصة ما يريد أن يقرره ابن تيمية في هذا الفصل أن الله سبحانه وتعالى بين بكتابه سبيل الهدى، وأنه لا يصلح يا جماعة أن يخاطب الله بظواهر غير مقصودة، ودائماً الأشاعرة والمتكلمين ماذا يقولون؟ ظواهر الكتاب والسنة غير مقصودة. فيقول ابن تيمية: لا يصلح هذا، كتاب نزل للبيان فبالتالي الله سبحانه بين بكتابه سبيل الهدى، وأنه لا يصلح أن يخاطب بما ظاهر معناه يكون فاسداً أو باطلاً فيحتاج إلى تأويل، بل ولا يضلل المخاطبين بأن يحيل لهم؛ لأنه الآن إذا قلت إن ظاهر الكتاب والسنة غير مقصود، طيب كيف بدنا نعرف شو المقصود؟ إذا هو يحيلك على عقلك حتى أنت يلا أنت اكتشف لحالك المقصود، هذا تضليل! هذا ما عاد الكتاب والسنة بياناً، أصبح تضليلاً، أنه أنا أتيت لك بظواهر باطلة وفاسدة وأنت بعقلك روح يلا ابحث واكتشف ما هو المقصود بها، وكأنها لعبة الكنز، هناك سر مخفوق وأنت روح دور وابحث عنه.

فيقول بل هذا تضليل للمخاطبين، بأن يحيل على الأدلة التي يستسيغونها برأيهم وأهوائهم، وهي الأقيسة الكلامية، بل يجب أن يكون الكتاب والسنة بياناً وهدى وشفاء لما في الصدور، وأن مدلوله الظاهر ومفهومه حق. وهذا أصل عظيم جداً يركز عليه ابن تيمية في مختلف كتبه، التأكيد على مركزية الكتاب والسنة في الاستدلال وطلب الهدى والبيان، من دون الفلسفة والأدلة العقلية البعيدة عن نصوص الكتاب والسنة والمعارضة لظواهر النصوص.

فصل في ما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والأفعال في الأصول والفروع، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام الذي هو معرفة الجماعة وحكم الفرقة والتقاتل والتكفير والتباغض وغير ذلك. هذا فصل مهم أيضاً لكن في موضوع مختلف، وهو في موضوع الفرقة والاختلاف وما ينشأ عنها من التقاتل والتباغض والظلم في إطلاق ألفاظ التبديع والتفسيق. قال: فنقول هذا الباب أصله المحرم فيه من البغي، وهذا النص أيضاً قلق، يمكن أن نقول إن هذا الباب -باب الفرقة والاختلاف- أصله ينتج من ماذا؟ من البغي، هذه خلاصة الجملة وإن كانت قلقة قليلاً. هذا الباب، باب الفرقة والاختلاف وما ينشأ عنه من تكفير بعضنا لبعض وتفسيق بعضنا لبعض، ما منشأه؟ البغي. ما الدليل على هذا؟ قال: فإن الإنسان ظلوم جهول، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213]، حط خط تحت كلمة "بغياً بينهم". قال: من الذي اختلف في الكتاب والكتب الإلهية؟ ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. البغي هو سبب الخلاف والفرقة.

قال: وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتسلكن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وإنما استدل ابن تيمية بهذا الحديث ليخبرك أنه كما حصل البغي بين اليهود بعضهم بعضاً وبين النصارى بعضهم لبعض، سيحصل البغي في هذه الأمة؛ ﴿لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ﴾. نعم، ممكن هذا القرآن أصله المحرم فيه، يعني الأعمال المحرمة في هذا الباب.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]. ومن هذا الباب ما هو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان استفرغ فيه وسعه علمًا وعملاً. إذاً هذا الباب أصل المشاكل في ما هو البغي، لكن من هذا الباب قد يكون جزء من الاختلاف وقع بسبب تأويل واجتهاد يكون الإنسان استفرغ فيه وسعه، فالله يغفر لصاحبه. إذاً أصل هذا الباب الاختلاف والفرقة هو البغي، لكن ابن تيمية يقول: من هذا الباب يعني مما قد يحصل الاختلاف أحياناً شيء من التأويل والاجتهاد الذي هو خطأ، لكن هذا مقدار علم صاحبه وقد استفرغ وسعه واقتنع بطريقة المعتزلة أو اقتنع بطريقة الأشاعرة أو اقتنع بكذا، ويكون الله قد غفر له لأن هذا غاية وسعه.

ثم الإنسان قد يبلغ غاية الوسع في البحث عن الحق ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية وكذلك في المسائل العملية الفرعية. والله سبحانه قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، والله عز وجل يؤصل بهذه القاعدة أن الإنسان إذا استفرغ وسعه ولم يصل إلى الحق سواء في المسائل العقدية أو المسائل الفقهية، فالله تجاوز عن هذه الأمة عن الخطأ، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. أنا يا رب ممكن أستفرغ وسعي خاصة في زمن الفتن في محاولة الوصول للحق في مسألة عقدية، فعلاً تعبت وهذا الذي استطعت أن أصل إليه. ولماذا ابن تيمية يوسع قاعدة العذر للأئمة المخالفين سواء من أئمة المعتزلة أو الأشاعرة؟ لأن الخطأ متصور، فهذا العالم قد استفرغ وسعه لكن طبيعة مجتمعه وطبيعة الحياة التي كان فيها بعد استفراغ هذا الذي وصل إليه أخطأ في مسائل العقيدة. نعم نبين خطأه ونبين أنه لم يصل إلى الصواب ونبين طريقة أهل السنة والجماعة، لكننا نعرف أنه بإذن الله ما دام مستفرغاً لوسعه فإن الله يغفر له خطأه، وهذه قاعدة مهمة وابن تيمية يقول كما هي في الفقهيات كذلك في العقديات.

وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله استجاب لهم هذا الدعاء وقال: قد فعلت». وجاء في الحديث لما أنزل الله ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قال الله: قد فعلت، يعني لن أؤاخذكم إن نسيتم أو أخطأتم. وأنهم لم يقرؤوا بحرف منها إلا أعطوه؛ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. وهذا مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: 82] دليل على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ودليل على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والوسع هو ما تسعه النفس فلا تضيق عنه ولا تعجز.

يقول ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ما هو الوسع؟ هو ما تسعه النفس، يعني ما تقدر عليه ولا تضيق عنه ولا تعجز عنه، فهذا فعل تسعه النفس له. وهذا أيضاً كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، والحرج هو الضيق، فهو نفى أن يكون عليهم ضيق أي ما يضيق عنهم، كما أخبر أنه لا يكلف النفس إلا ما تسعه، فلا بد أن يكون الإيجاب والتحريم مما تسعه النفس، يعني أي شيء ربنا يريد أن يوجبه عليك أو يحرمه عليك لا بد أن يكون مما تسعه النفس، حتى يقدر الإنسان على فعله.

إذاً لا بد أن يكون الإيجاب والتحريم مما تسعه النفس، وفي باب المباح لا بد أن يكون المباح مما يسع هو النفس. فالإيجاب والتحريم لابد أن يكون تسعه النفس فعله، والمباح بالعكس لا بد أن يكون يسع هو النفس. في الإيجاب والتحريم قال: تسعه النفس له، يعني تقدر عليه. وفي المباح قال: يسع هو النفس، فالنفس هي التي بداخل المباح. ولا بد أن يكون المباح مما يسع هو الإنسان ولا يضيق عن الإنسان، حتى يكون للإنسان ما يسع الإنسان ويحمل الإنسان ولا يضيق عنه من المباح، فكأنه يقول يجب أن تكون دائرة المباح واسعة حتى يستطيع الإنسان أن يتناول منها ما يقوى على حياته فلا يشعر بالحرج والضيق، لأن الدين جعل لي سعة.

ويتدبر الفرق بين ما يسعه الإنسان، وهو الوسع الذي قال الله فيه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وبين ما يسع هو الإنسان، فلا يكون حرجاً عليه ولا ضيقاً عليه وهذا في دائرة المباح. وهو كل شيء لابد للإنسان منه من المباحات كطعام وشراب وحياة واقتصاد ومعاملات، لا بد أن تكون دائرة واسعة. وهذا يكون في صفة فعل المأمور به كما في الوضوء والصلاة، فلا بد أن يكون المجزئ له من ذلك ما يسع الإنسان، والواجب عليه من ذلك أركان الوضوء وأركان الصلاة مما يسع الإنسان له.

فالواجب على الإنسان هو ما يسعه فيكون هو الحد الأدنى، والمجزئ هو الزيادة عن ذلك فهو يسع الإنسان من المستحبات والمكملات. وأشعر أن ابن تيمية يرى أن الحد المجزئ من الوضوء والصلاة يسع هو الإنسان، كأنه شيء فضفاض واسع أنت تدخل فيه بكل أريحية، والركن الذي أنت ملزم أن تفعله هو الذي يسع الإنسان له، أي يقدر الإنسان على فعله ولا يعجز عنه. فالأركان يجب أن تسعى أنت لها بمعنى أنك قادر على أن تفعلها، ولا يجوز أن تكون فوق طاقتك، والصورة المجزئة الكافية صوره لا حرج فيها على أحد تستطيع أن تفعلها بالأريحية.

لا بد أن أفكر؛ لأن هدفنا في النهاية هو التفكير. لا بد أن يكون المجزئ له من ذلك ما يسع الإنسان؛ هناك خيارات عديدة، باعتبار أنك إذا عجزت عن هذا تستطيع فعل ذاك، وإذا عجزت عن هذا عندك خيار ثالث ورابع؛ في حال تعذر عليك الوضوء عندك تيمم مثلاً، وفي حال كذا تستطيع فعل كذا. أنا حقيقة لا أستطيع قول كلام خطأ؛ هو من ضمن جانب السعة في الموضوع أن ربنا أعطاك خيارات متعددة، في حال عجزت عن شيء تذهب إلى الخيار البديل. هذا من باب رفع الحرج وإعطاء السعة، فإذا أصبحت العبادة فضفاضة فيها مساحة، فهذا الفعل المأمور به هو فضفاض، أنك تستطيع أن تفعله، وإذا عجزت تفعل بديله؛ هو من هذه الجهة يسع الإنسان.

من جهة أركانه الأصلية، الأصل فيها أن تكون مما هو في الوضع الطبيعي داخل تحت وسع الإنسان، أن يكون الإنسان في الوضع الطبيعي قادراً عليها. حقيقة أرى أن هذا الكلام أيضاً صحيح، هو لا يتعارض مع الطرح الذي طرحناه، لكن أرى أيضاً أنه كلام صحيح، هو يتجه بنفس الاتجاه الذي يتكلم فيه أبو العباس، وهو أنك أحياناً الشيء قد يكون نفسه إذا نظرت إليه من هذه الجهة هو فعلاً رفع الحرج، وأعطاني إياه بأيسر السهل، وإذا نظرت إليه من جهة أنه أركان وواجبات تستطيع نعم، هو نفسه مما يسع الإنسان له؛ أستطيع أن أفعله. هذا جائز أن تنظر إلى الشيء الواحد من جهتين مختلفتين، والطرح الذي قدمته جيد؛ أنك تستطيع أن تجد بدائل إذا لم تستطع على الشيء الأصلي، هذا يعطيك مساحة. فإذا أصبح الفعل المأمور به يسع الإنسان من جهة وجود بدائل، وأما أصل واجباته فالأصل فيها أن تكون تسع الإنسان أن يفعلها؛ بمعنى أن يكون قادراً في الحالة الطبيعية على فعلها، فهذا أيضاً كلام جميل وجيد.

لو جعلنا نتكلم عن صفة الفعل المأمور به، ورجعنا للجنس المتكلم عنه، فنقول الله عز وجل أمرك بأمور، وهي كأفعال الإنسان من حيث الأفعال كثيرة جداً، فأنت تدور داخلها. من هذه الجهة أنت تستطيع أن تفعل أفعال الصلاة، وتستطيع أن تحبس نفسك عن طعام، وتستطيع أن تفعل كثيراً من الأمور، فمن هذه الجهة أنت تقدر على كثير من هذه الأمور، وهذا هو القدر المجزئ في المأمور به من حيث كونه جنساً. الله قد يأمرك بشيء أنت تستطيع أن تفعله وتفعل غيره، ولكن من جهة النوع المأمور به بخصوصه، فإنه قد وجب عليك هذا، فأنت تسع له، أما من حيث عموم أفعال الإنسان فهي تسع لك، لأنها أفعال كثيرة جداً تدخل في قدر المأمور به.

الفكرة واضحة؛ أنا اقتربت جداً من فهم مقصدك. أنت تقول وهذا يكون في صفة فعل المأمور به، هو ذكر مثالاً معيناً، ولذلك هو يتكلم حتى عن النوع فيما يظهر لي، بس لو أردت حمل كلامك على الجنس فلا بد أن يكون المجزئ له هو صفة الفعل المأمور به؛ هو لا يتكلم عن جنس الفعل، يتكلم عن صفته وطريقة أدائه، فشوي هذا سيجعلني أتوقف في هذه النظرة.

قال: ويكون في باب الحلال والحرام، فلا يحرم عليه ما لا يسع الإنسان تركه. فكرة ما يسع الإنسان وما لا يسعه الإنسان موجودة في صفة الفعل في الأشياء المأمور بها، ففيها من جانب معين ما يسع الإنسان وما لا يسعه الإنسان، وكذلك في باب المعاملات، يعني كأنه يقول أول شيء العبادات وثاني شيء المعاملات. في باب العبادات هناك فكرة ما يسعه الإنسان وما لا يسعه الإنسان، وكذلك في باب المعاملات، أي باب الحلال والحرام، لابد من فكرة ما يسع الإنسان فعله وما لا يسعه الإنسان. كيف في باب المعاملات أيضاً هذه الفكرة موجودة؟ فيقول حتى في باب المعاملات؛ فلا يحرم الله علينا ما لا يسع الإنسان تركه. تمام، أنا في صحراء قربت أموت وعندي ميتة، الإسلام ماذا يقول لي؟ كلها. فالله إذاً لم يحرم علي أكل الميتة في هذه الحالة مثلاً؛ فلم يحرم عليك الإسلام ما لا يسع الإنسان تركه، وهذا داخل تحت الصورة الأولى. لابد أن يكون في باب المعاملات، سواء في باب التحليل أو التحريم، ما يسع الإنسان له؛ فهنا منعي من أكل الميتة وأنا جائع في الصحراء، هذا لا يسع الإنسان، لا أستطيع ولا أقدر عليه، فلذلك الإسلام ليس فقط أباح لك أكل الميتة، بل أوجب عليك أكل الميتة. فهنا مثلاً في باب المعاملات لا يحرم عليك الإسلام شيئاً لا يسع الإنسان تركه، بل يحرم عليك شيئاً يسع الإنسان تركه، أو يحلل لك شيئاً يسع الإنسان تناوله، هذا في باب يسع الإنسان، وفي المقابل ما لا يسعه الإنسان، وهذا هو الأصل أصلاً في باب المعاملات.

هو يريد أن يقول لك: باب المأمورات أنت عادة ستسقط عليه فكرة ما يسع الإنسان له، بس يضبط فيه أيضاً أن تنظر بزاوية ما لا يسعه الإنسان والعكس. باب المعاملات أنت ستسقط عليه قاعدة ما لا يسعه الإنسان، لكن أيضاً تسقط عليه قاعدة ما يسع الإنسان له؛ لأننا عادة سنسقط في باب العبادات -وهو باب المأمورات- أنه ما يقدر عليه الإنسان، وهي الجملة الأولى؛ ما يسع الإنسان له. فيقول لك: بس برضه يضبط أن تطبق قاعدة ما لا يسعه الإنسان باعتبار فكرة المجزئ، والعكس في باب المعاملات؛ باب المباح أنت عادة ستسقط عليه فكرة ما لا يسعه الإنسان؛ أن عندك خيارات كثيرة، بس برضه ستحتاج فيه إلى فكرة ما يسع الإنسان له، فمثلاً فلا يحرم عليك شيء لا يسع الإنسان أن يتركه، مثل فكرة أكل الميتة للمضطر. فهمت كيف؟ هو يريد أن يقول لك: هذه من تدقيقات ابن تيمية.

قال: فلا يحرم عليه ما لا يسع تركه بحيث يبقى المباح له ضيقاً منه لا يسعه. هذا كلام جيد، لما قال فلا يحرم عليه ما لا يسعه بحيث يبقى المباح له ضيقاً منه لا يسعه، هو يريد أن يقول لك هناك تلازم؛ ففي باب المباحات إذا ربنا حرم عليك شغلات لا يسع الإنسان تركها، وكون ضيق عليك باب المباح، فأصبح باب المباح لا يسعه الإنسان. فكأن تلك قادت إلى تلك، في تلازم بين العبارتين دقيق، وهذا مما فتح الله به على ابن تيمية.

قال: وإذا كان كذلك، فينبغي أن يعلم أن للقلوب قدرة في باب العلم والاعتقاد العلمي، وفي باب الإرادة والقصد وفي الحركة البدنية أيضاً. فالخطأ والنسيان هو من باب العلم، يكون إما مع تعذر العلم عليه أو تعثره عليه. فالآن نرجع لقضية الخطأ، والخطأ والنسيان -ونحن طبعاً يهمنا هنا الخطأ- هو من باب العلم. قال: إن القلوب هي العقول، لأن العقل في القلب، إن القلوب لها قدرة في باب العلم والاعتقاد العلمي، وفي باب الإرادة والقصد، وفي حتى الحركة البدنية أيضاً؛ يعني حتى القلب له تأثير على حركتك البدنية، أحياناً تشعر أنه لما يكون قلبك ضعيفاً حركتك البدنية تضعف. يقول لك إن القلب يؤثر؛ في باب العلم للقلب قدرة، وفي باب الإرادة والطلب القلب حتى يؤثر في حركة بدنك، فتجد بدنك أحياناً كسولاً مش قادر تشيل حالك، وأحياناً تجد أنك نشيط تتحرك بخفة، والقلب يؤثر. المهم ما يهمنا الآن تأثير القلب في باب العلم، فيقول: فالخطأ والنسيان هو من باب العلم، يكون متى الخطأ في باب العلم؟

إما لتعذر العلم عليه أصالة -ما استطاع أصلاً يصل فأخطأ- وإما -مش تعذر لا هو متاح بس في عسر كان- شخص مقيم في أدغال أفريقيا الآن وقوع خطئه في باب العلم هو نتيجة ماذا؟ تعذر العلم عليه، أصلاً ما فيش حدا، غاب في الأمازون. أو ربما مش في مكان بعيد مثل هذه الأماكن، بس مستواه الذهني ضعيف شوي، هذا قد يكون خطؤه في العلم ليس من تعذر العلم عليه أصالة، بل من جهة تعسره. والتعذر غير التعسر، التعذر أنه أصلاً مش ممكن توصل للعلم، ما جاءني رسول، أليسوا يسمونهم أهل الفترة؟ ما جاءهم أصلاً رسول، فهذا مش متعسر هذا متعذر، مغلق تماماً. في ناس العلم مش متعذر عليهم بس مستواهم الذهني أو لغتهم أو حاجز، فالعلم ممكن بس بصعوبة بالغة. فالخطأ قال ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، ويفسر الخطأ الذي ربنا يسامح فيه أنه يكون العلم متعذراً عليك أصالة أو متعسراً عليك بشكل كبير، فعنده إذاً ربنا يسامحك.

ممكن بس على حسب طبيعة الاشتباه وعدم القدرة على الوصول للحق لتعسره، خاصة على العوام، الذي تلاقيه مسكيناً أو الزمان عم فيه بدعة معينة بحيث تعسر الخروج عنها لعدم وضوح الحق، وهذا يكون في أزمنة الفترات، حتى في حياة الأمة المعاصرة اليوم.

قال: والله قد قال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه لمعاذ وأبي موسى لما أرسلهما لليمن: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا». وإذا كان كذلك فما عجز الإنسان عن علمه واعتقاده، حتى يعتقد ويقول ضده خطأً أو نسياناً فذلك مغفور له. هذه القاعدة يريد أن يوصلها ابن تيمية؛ هذا تأصيل يا إخوان لابن تيمية، وليس كل شخص يحسن فهم كلام ابن تيمية. وحتى بعض الإخوة هنا الذين جزاهم الله خيراً يعلقون أن الشيخ يحمل كلام ابن تيمية على غير محمله، أعطني ما هو المحمل الصحيح حتى أناقشك معك؛ لأنه أحياناً بعض الشباب يكون هو أصلاً متبنياً وجهة نظر سابقة أو ينتمي لتيار فكري معين، فيدخل هنا على التعليقات ويقول: والله الشيخ يحمل كلام ابن تيمية على غير محمله. أنا ما عندي مشكلة، تفضل، وهؤلاء الشباب عقلاء من كبار طلاب العلم أمامي، تفضل أعطني ما هو المحمل الصحيح لكلام ابن تيمية، وأنا مستعد لأن أقبل أي حق.

أما أن يكون عندك تحيزات مسبقة لآراء وأفكار كلامية، أو غلاء، أو تمييع، أو أشعرية، أو ماتريدية، وتأتي وتقول والله الشيخ يحمل كلام ابن تيمية على خلاف ما هو عليه، ما عندي مشكلة أن أصوب فهمي لكلام ابن تيمية، لكن أعطني أنت القراءة الصحيحة له، وإلا كل يدعي وصلاً بليلى. سهل أدخل على شخص وأقول: الشيخ لا يحمله على كذا، طيب تفضل ما هو الكلام الصحيح؟ أنت هذا مجرد حالة استعراضية، الهدف منها بس تفضي الناس عن مجالس العلم والخير بدون كلام نافع حقيقي. أعطنا ما هو الفهم الصحيح لكلام ابن تيمية حتى أنا وإياك نصل لقناعة. أما يأتيني شخص ما، يأتي من مدرسة معينة سابقة، ويأتي بس يلقي كلاماً يضله خارجاً، هذه ليست طريقة علمية أصلاً في مناقشة كلام أهل العلم. كلام ابن تيمية من أفخم الكلام وأعلاه، وليس من السهل أن يفهم إلا على ممارس، وليس من السهل أن تدعي خطأ فهم المخالف إلا بعد أن تكون لديك خبرة واسعة. فهذا يعني فقط من باب التعليق على أحد الإخوة جزاه الله خيراً وبارك فيه.

قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». وهذا يكون فيما هو من باب القياس والنظر بعقله ورأيه، ويكون فيما هو من باب الاعتقاد.

من باب النقل والخبر، الخطأ كيف يكون؟ قال: وهذا يكون فيما عجز الإنسان عن علمه واعتقاده، حتى يعتقد ويقول ضده خطأً أو نسياناً، فهذا مغفور. وقال: وهذا قد يكون في باب الأقيسة والنظر العقلي يمكن أن تخطئ، وقد يكون في باب النقل والخبر السمعي ممكن تخطئ، وقد يكون في باب الإحساس حتى والبصري ممكن تخطئ؛ أنت تقول رأيت شيئاً بس ما بتكون رأيته تاماً. فالخطأ وارد على السمع كالأخبار، تخطئ في نقل الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، صح، تخطئ في سماعه، وقد يكون في باب حتى الأمور الحسية، يمكن أن يخطئ الإنسان حتى في الأمور الحسية أن يرى شيئاً على خلاف ما هو عليه.

نعم، قال: فهذه المدارك الثلاثة قد يحصل للشخص بها علم يقطع به، ويكون ضرورياً في حقه، مثل ما يجده في نفسه من العلوم الضرورية، ومثل ما قال: فهذه المدارك الثلاثة، وهي العقل والسمع والبصر، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، هذه مدارك التفكير عموماً. وطبعاً هو في نقاش دائماً يدور: هل السمع والبصر هي مصادر معرفية ولا نواقل معرفة؟ العقل هو مصدر المعرفة؛ هذا نقاش في نظرية المعرفة يدار. المهم فهذه المدارك الثلاثة قد يحصل للشخص بها علم يقطع به ويكون ضرورياً في حقه. والعلم الضروري هو العلم الذي لا نظر فيه، ولا يحتاج بعد ذلك إلى نظر ولا استدلال، خلص أنا علم ضروري أحسم تماماً.

فيقول: فهذه المدارك الثلاثة العقل والسمع والبصر قد يحصل للشخص بها علم يقطع به، ويكون ضرورياً في حقه، وإن كان في حق غيري مش ضروري. وهنا ابن تيمية سيتكلم عن فلسفة مهمة، هي أصلاً مبنية على كثير من الغلو في التكفير والتبديع، هي مبنية على عدم تصور قضايا معرفية؛ الغلو في التكفير والتبديع في كثير من مساقاته هو يرى ابن تيمية أنه ناتج عن عدم إدراك طبيعة القضايا المعرفية. إذا كان الشيء ضرورياً بالنسبة لي، لا يعني أنه ضروري بالنسبة للجميع؛ فبعض الناس في نقاشهم يقول: وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ويروح يزبد ويرعد ويقول لك: تعال، لما تقول لي معلوم بالضرورة، هذه العبارة مش سهلة، إيش يعني معلوم بالضرورة؟ نعم في أشياء معلومة بالضرورة، لكن هذه الأشياء المعلومة بالضرورة قد تكون في واقعة معينة، أو بالنسبة لمجتمع معين، أو لإنسان من أهل الفترة، أو لإنسان ضائع، مش معلومة بالنسبة له بالضرورة؛ فلا تجعلها سيفاً مسلطاً على رقبة كل أحد، حتى تتأكد أنه هل هي فعلاً بالنسبة لذاك الشخص الأمامي معلومة من الدين بالضرورة.

حتى أفهمك كلام ياتي شخص يريد أن يحكم على عالم معين بأنه كافر، فيقول: وهذا العالم الفاضل اللي له تراث فقهي كبير وكذا، خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبروح ابن تيمية يقول: طلاً تعال، هس أنا وإياك في زمننا توصلنا للعلم أو عرفنا أنه هذا منهج السلف، وفعلاً بالنسبة لنا أصبح من علوم الدين بالضرورة، لكن ذاك العالم اللي أنت حضرتك رميته بالتكفير أو أسقطت هيبته، بالنسبة له في الظرف اللي كان فيه، في حياته، البيئة المحيطة به، قد يكون فعلاً لم يكن هذا الشيء معلوم له بالضرورة، فأنت توهم الناس أنه هذا شيء معلوم بالدين بالضرورة وخالفه ذلك العالم. ومعروف طبعاً في قواعد التكفير أن من خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر؛ شوف هذا النقاش الذي أناقشه الآن ترى لا يعرفه كثير من الجهال الذين يتصدرون على السوشيال ميديا، هذه القضايا المعرفية اللي بيتكلم فيها ابن تيمية هم لا يعرفونها، لأن هذه تحتاج إلى علماء كبار هم علمونا إياها وتربينا على أيديهم، فنحن نعرف دقة هذه الأمور، أنه أنت ما تقول إنه معلوم من الدين بالضرورة، هو صحيح أنا وإياك نعرف أنه علوم الدين بالضرورة، لكن ذاك الشخص اللي أنت ما كنت عارف ظرف زمنه، قد لا يكون هذا الشيء بالنسبة لظرفه التاريخي أو ظرف المكان معلوم بدين بالضرورة له، فيعفو الله عنه بسبب ذلك.

فإذاً لاحظ ماذا يقول: فهذه المدارك الثلاثة العقل والسمع والبصر قد يحصل للشخص بها علم يقطع به ويكون ضرورياً في حقه، أنا وإياك شايفينه ضروري لا يجوز النقاش فيه، بس لا تسقط ما أنت اقتنعت أنه ضروري على ذاك العالم الذي أنت ما عشت ظرفه، فتحكم على ذلك العالم أو تلك الفرقة بتكفير أعيانها أو تبديعها حتى تتأكد هل فعلاً ما هو ضروري بالنسبة لي هو أيضاً أصبح ضرورياً بالنسبة لهم ومع ذلك خالفوه؛ لأن هذا جانب خطير في قضية تكفير الأعيان أو التبديع أو التفسيق.

قال: مثل ما يجده في نفسه من العلوم الضرورية، ومثل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من المخبرين له الصادقين، خبراً يفيده العلم كالخبر المتواتر الذي يفيده العلم تارة بكثرة عدد المخبرين، وتارة بصفاتهم، وتارة بهما وغير ذلك مما يفيد العلم، وقد يكون مما علمه بآثاره؛ يعني هو يخبرك متى يكون الخبر ضرورياً. الآن الخبر يكون ضرورياً، قال: مثل هذه أمثلة على الأشياء التي أنت ترى أنها ضرورية في نفسك، قال: مثل ما يجده الإنسان في نفسه من العلوم الضرورية أولاً، اللي هي ما سميناها في أدب الدين والدنيا العلوم الضرورية الأولية؛ أن الكل أكبر من الجزء، وأن الواحد نصف الاثنين، وأن النقيضين لا يجتمعان، هذه أولى العلوم الضرورية، وهذه ممكن نقول أنها بشكل عام متفق عليها بين العقلاء؛ هذا أول نوع من العلوم الضرورية وهو ما يجده الإنسان من نفسه، هي تسمى العلوم الضرورية الأولية، وهذه تنمو مع الطفل كما قلنا من بداية حياته.

هذه ماشي أنا بقبل أن تقول إنها مشتركة بين العقلاء، لأنه اللي في الأمازون واللي ساكن في الإسكندنافية الكل نشأ على أن الكل أكبر من الجزء وأن الواحد نصف الاثنين، لكن الثاني والثالث شوف مثل ايش، الأحاديث المتواترة، هسا قد يكون وصل إلي بالتواتر، قد يكون ما وصل لك بالتواتر، هذا يحصل. فيقول: قد يكون حديث وصل حصل إلي بالتواتر، والتواتر عند ابن تيمية ليس التواتر عند الفلاسفة أو عند المتكلمين أو حتى التواتر في كتب أصول الفقه؛ ابن تيمية يرى أن التواتر قد يحصل بكثرة العدد، وقد يحصل بعلو صفات الناقلين، بخلاف المتكلمين وكتب أصول الفقه التي ترى أن التواتر لا يكون إلا عن عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. ابن تيمية يقول: إحالة العادة تواطؤهم على الكذب عند المتكلمين والفلاسفة مبنية على كثرة العدد واختلاف البلدان، أما ابن تيمية فيرى لا، أنه ممكن يكونوا ثلاثة أو أربعة ومن نفس البلدة ومن نفس المكان، لكن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب لعلو صفاتهم؛ فمثلاً أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومنصور بن المعتمر، والليث بن سعد، هؤلاء لو اجتمعوا في حديث أنا أقطع أنه متواتر، ما معنى متواتر؟ بالنسبة لي، هؤلاء شموس أهل العلم وأكثر الناس ضبطاً وإتقاناً، أمراء المؤمنين في الحديث، فأنا أعتقد أنه متواتر ويفيدني علماً ضرورياً وإن لم يكن العدد كبيراً. هذه بس فكرة على الهامش في قضية التواتر عند ابن تيمية.

وقد يكون الشيء الضروري، قد يكون العلم بالنسبة لك ضرورياً من خلال مما علمه الإنسان بآثاره الدالة عليه؛ وهذا يحتاج إلى طبعاً نظر وعقل، أو بحكم نظره المساوي له من كل وجه، أو الذي يدل على الآخر بطريق الأولى والتنبيه؛ يعني قد تحصل العلم الضروري أما من جهة ما يسمى ما نسميه إحنا القياس بنفي الفارق، وهذا ما هو المساوي من كل وجه، أو قد يكون القياس الأولوي، أنا أجزم أن ضرب الوالدين محرم قياساً على التأفف، من باب ماذا؟ أنه أولى؛ إذا قال ربنا حرم التأفف، فأنا عندي علم ضروري أن ضرب الوالدين أولى بالتحريم من مجرد التأفف. فيقول لك: وقد تحصل علماً ضرورياً بالآثار الدالة عليه، يعني بالأدلة الدالة على الشيء، أو بحكم نظره المساوي له من كل وجه؛ أن ترى أن هذا الشيء مساوي لهذا الشيء من كل وجه، كما نقول أن الحديث: «لا يحكم الحاكم وهو غضبان» ويساوي الغضب إيش؟ الجوع الشديد والعطش الشديد، أو بحكم قياس الأولوي كقياس ضرب الوالدين على التأفف، فهذا من باب أولى.

صلاح لما قال شيخ الإسلام هذا كلام يعذر به بعض العلماء الذين ظنوا ما علموه ضرورياً وهذا كان خطأ في الشريعة، مثلاً يُعذر به صحيح؛ يعني لو ظن وأخطأ عالم في مسألة معينة وظن أن هذا هو الصواب وظن أنه ضروري وقطع به، مثلاً زي سيدنا أبو ذر لما كان يحرم الادخار، فهل ممكن نحمل هذا إلى محمل آخر أيضاً؟ مش بس إعذار لهذا العالم الذي قال بهذا القول، بل إن الشيخ الإسلام نفسه يقرر أن الواجب هو اتباع القطعي من العقل أو من النصوص، فيكون هذا العالم مش فقط أنه معذور في قوله بل لو خالف قوله يكون مخطئاً في ما وصل إليه وسعه واجتهاده.

هو أصلاً ربنا ما بيحملك فوق طاقتك، ما دمت أنت استفرغت وسعك في البحث عن الحق، وفعلاً ربنا يعلم أن هذا أقصى ما تستطيع، وهو يرى ابن تيمية أن من الظلم أن يحاسبك الله سبحانه وتعالى ويؤاخذك بشيء فوق طاقتك، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]. فإذن هذه دائرة عذر المخالفين، وهذا مهم إخواننا أن نفهم أن ابن تيمية يفكر بعقلانية في باب الحكم على المخالف، أنه إذا هو هذا الشخص عند الله، بس أنا ما بعرف، أنا بشر أنا بحكم على الظواهر، بس عند الله إذا هذا الشخص فعلياً تعذر عليه العلم أو تعسّر وقد بذل أقصى ما لديه من الطاقة للوصول إليه، ثم أقول بعد ذلك أنت كافر، وسيعتبر العقدي، رح يقول لك: طب أنا هذا أقصى ما وصلت إليه، فأنا بعرف أن قوله بدعي أو قوله كفري أو قوله كذا وأفسده وأنقضه، لكن هذا الشخص بعينه لا، طريقة التعامل معه ليست هي طريقة التعامل مع قوله؛ قوله عادي أقول إنه كفر، لكن هو الذي قال، لا هنا أنا بدي أجي أفصل أنه هو إذا كان استفرغ وسعه وتعذر عليه العلم وفعلاً عند الله معذور، ابن تيمية بيقول لك معذور، أنا لا، الله عز وجل عذره بدي آجي أنا لا بدي أعذرك بدي أكفرك؟ ويرى ابن تيمية أن هذا تألٍّ على الله وعدم فهم لطبيعة النصوص وقواعد النصوص في بيان الأحكام على الأعيان.

قال فهذا من أعظم أسباب اختلاف بني آدم، من المؤمنين وغيرهم. ولهذا نجد، ومع هذا فتكون هذه العلوم عند غيره منتفية مع اجتهاده، لدقة العلوم أو خفائها؛ فأنا وصلت فيها للضرورة أنت ما وصلت فيها للضرورة، أو لوجود ما يعتقد المعتقد أنه يعارض ولا يكون معارضاً في الحقيقة؛ أنه أنا الشيء الذي أنت تراه معلوم من الدين بالضرورة أنا أرى أن هناك ما يعارضه، ماشي ممكن أكون أنا خطأ في شيء يعارض بس أنا هيك توقعت، فأنا بالنسبة لي ما وصلت أنه معلوم من الدين بالضرورة بل أراه أصلاً منتفياً بل أراه غير حق، وأنت لأمور أخرى وأدلة أخرى عندك أصبحت ترى أنه معلوم من الدين بالضرورة. إذاً إخواني من أكبر المغالطات الفكرية أن يعتقد أن ما هو معلوم من الدين بالضرورة هو يكون للجميع معلوم بالضرورة، هذه من أكبر المغالطات التي أنشأت الفساد وأنشأت الغلو في التكفير والتبديع؛ اعتقاد أن ما هو معلوم بالضرورة هو يجب لكل شخص أن يكون عنده معلوم بالضرورة هذا خطأ.

القائل من يجحد وجوب الصلاة بشرط أن لا يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام؛ لأنه إذا كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام، فنحن بالنسبة لنا الصلاة وجوبها معلوم من الدين بالضرورة، بس بالنسبة لحضرته -سواء حديث العهد بالإسلام أو نشأ في بادية- فهي ليست معلومة من الدين بالضرورة. ويقول أهل العلم: وما يذكر في كتب الفقهاء من هذين السببين، وهو أن يكون نشأ في بادية بعيدة أو يكون قريب عهد بالإسلام، هذا من باب التمثيل؛ يعني مش بس هما هذول الاثنين الاستثناء، بل يقاس عليه أي سبب من الأسباب يجعل هذه المسألة ليست معلومة من الدين بالضرورة عند ذاك الشخص.

شوف الفكر والعقل عند العلماء الكبار، هذا معنى أن تقرأ كتب التراث وأن تفهم إسقاطات العلماء. الذي لا يقرأ ويهجم على المسائل هجومًا هو لا يعرف هذه التدقيقات التي يقول فيها ابن تيمية، فلا يعرف ابن تيمية لماذا وسع العذر، بل للأسف بجعل ابن تيمية من غلاة التكفير. أنا أقرأ لبعضهم، والله أنا أشوف أن في أناس أنا أحترم أنك تخالف ابن تيمية؛ يعني خلص أنت مقتنع بغلوه في التكفير برجع لك، بس أنا برجع الشيء الواحد اللي ما بقبله أنك تروح تخلي لي ابن تيمية غاليًا في التكفير زيك، معناتها أنت شيخ -سامحني- بينك وبين القراءة عالم فضائي، لأنك أنت ما بتعرف تقرأ معناها للكلام، ولا تحسن فهم الكلام، ولا تحسن إسقاط الكلام، وتنتقي من الكلام ما يوافق هواك.

خاصة يا إخوان القضايا العقلية؛ القضايا العقلية يا كرام تحتاج إلى مرونة ورياضة وتدقيق، مش بعض الناس يعتمد بس على الكلام العام لابن تيمية السهل بيحس حاله فهمه فبيقتنصه، ولما يجي على كلام صعب لابن تيمية بصير يمشي صفحات، وهذي الصفحات اللي أنت مشيتها وما قرأتها هي فيها زبدة رأيه. بعض الناس لما تيجي على هذي الصفحات بحسها صعبة، شو بروح بيعمل؟ بيمشي عليها بفشل، بمر على خمسين صفحة يقول لك هي صعبة، آه! بس هي الصعبة اللي أنت شايفها صعبة هي تمثل منهج ابن تيمية في التكفير، في الأعذار، في الإسقاط، وأنت حضرتك شفتها صعبة وقفزت عنها، وأتيت شاهداً على غلوك بنصوص عامة لابن تيمية هي ليست في سياق تأصيل المنهج الفكري.

يعني في سياقات معينة ابن تيمية يكون يتكلم عن واقعة معينة، عن حالة ما، فيقول فيها كما رأيت لأحد الجهال، ابن تيمية كان يتكلم مع اثنين من الأشاعرة، اثنين معينين من الأشاعرة في نقاش، فأطلق عبارة، وهؤلاء قال: هو يقول: فقلت في نفسي عندما قابلتهم يا مرتدين، أو يا مرتدون، يقول: ها شايفين ابن تيمية كفر الأشاعرة! لا، هذا من أفحش صور الاستدلال الفاسد، هو ابن تيمية كل سياق القصة عن شخصين معينين حصل نقاش، وظهر لابن تيمية من القرائن أنه مش قضيته أنهم أشاعرة، يتلاعبون بالنصوص، فيأتي شوف اللي هو أخذ النص في مسألة معينة وحوار معين تعميمه بشكل فج وجاهل أنه ابن تيمية رحمه الله عليه يرى كفر أعيان الأشاعرة، وهذا في قمة الكذب والبهتان على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه. لكن هو ناشئ عن ماذا؟ القراءة الفارغة، ما أسميها القراءة الهوائية، أنه شاف ابن تيمية في هو نفسه ابن تيمية قال فلما قابلتهم فقلت في نفسي يا... وبيتكلم عن اثنين معينين ظهر له من قرائن معينة تلاعبهم بأشياء معينة، ومش حكم عام وتأصيل عام للفكرة، ويترك عشرات النصوص من شيخ الإسلام التي يؤصل فيها لمنهجه.

أنت تركت كل نصوص التأصيل للمسألة وأتيت لواقعة معينة، الله أعلم حتى شو تفاصيلها لسه إحنا مش عارفين، ولماذا حكم عليهم، وتأتي بالعين تجعله عاماً، وبالكلام العام الصريح تلقيه وراء ظهرك، هذا أنا ما أسميه بالتلاعب بالتراث، هذا تلاعب بتراث العلماء وجهل بطرق قراءته وقفز عن دلالته وعن المنهج العلمي في القراءة العلمية. نعم تفضل يا عمر.

نعم، لا هي القرائن لا هس التغطية إحنا ما عندنا مشكلة فيها، حتى لو كان أنا عندي ضروري وأنت عن ضروري، التغطية ستحصل أنا ما عندي... إحنا كلامنا مش في التغطية، انتبه، إحنا كلامنا في إعذاره. ولذلك شيخ الإسلام كان من أتقى الناس في هذا الباب، لما نقول للناس لماذا العلماء المحررون كانوا أورع الناس في هذا الباب؛ لإدراك أن الحكم على العين خطير ودقيق لكثرة الشبهات، هذه هي الفكرة. الآن قد يظهر لك بالقرائن كما ظهر لابن تيمية في سياق معين أنه هدول بيلعبوا، ما عندهم حجج، فقد يحكم عليهم، لكن الأصل العام هو إيجاد مساحة العذر واحتمالية أنه فعلاً وأنا قد أرى المسألة واضحة جلية بالنسبة لي، وأنه كيف فلان مش فاهمها وهذا عالم؟ بس هو فقد يكون مش فاهمها حتى لو كان عالماً، لأنه في زمنه وفي ظرفه ما كانتش بالوضوح اللي هي كما هي واضحة لدي، فهي مساحة للأعذار وليس لعدم التغطية، أما التغطرس، كمل.

آه طبعاً طبعاً، لذلك هو سيأتي أنه في بعض الأشياء هي بطبيعتها مشتركة بين العقلاء، يعني لا يمكن لعاقل أن يفهم النص بهذه الطريقة، لكن هو يفتح باب النظر في القرائن، هل فعلاً كل ما هو ضروري لديه هو ضروري عند غيري؟ خطأ، كما أنه في نفس الوقت يعني هو لما إذا كان الشخص واضح أنه يسفسط ويتلاعب، شخص بيقول لك لا لا أنا مش واصل لدي أن الكل أكبر من الجزء، يعني أنت بتحاول تشوف يمين شمال، الرجال في مشكلة، هل نشأ في بادية بعيدة؟ هل مثلاً انضرب على رأسه مثلاً؟ فبالتالي اختلت القواعد العقلية؟ إذا ما عنده مشكلة لا بتعرف أنه يسفسط، فهي باختصار القرائن ستحكم كثيراً، القرائن هي المحدد الأساس -سامحني- والفاصل في الحكم على الأعيان.

ولذلك كان أهل العلم دائماً يقولون: إن الحكم على الأعيان هي وظيفة القضاء الإسلامي، مش وظيفة الأفراد في المسائل التي في مسائل الأهواء، والحكم على الشخص المعين بأنه كافر وخرج، هذه وظيفة القضاء؛ لأن القاضي راح يمسكه ويشرحه ويعرف القرائن وبعدين راح يدرس حاله، أما تيجي على الأفراد تقول لهم يلا كفروا الأعيان شباب، هدول لا نظروا في القرائن ولا عرفوا هذا الشخص وشو ظروفه وشو حياته ومين مشايخه وشو حجم الشبهات اللي عنده، المسألة صعبة ومش بتلك السهولة التي يتصورها البعض بالمشاي، أن تخرج الناس خارج أسوار الشريعة، المسألة نعم.

قال: فهذا من أعظم أسباب اختلاف بني آدم من المؤمنين وغيرهم، ولهذا نجد في المختلفين كل طائفة تدعي العلم الضروري كما يقول، هه الفكرة، قال: ولذلك تجد في المختلفين من الفرق الإسلامية كل طائفة تدعي أن العلم الضروري معها، فتلاقي مثلاً الأشاعرة بيكفروا هذا الحديث، ايش بيقول لك؟ لأنهم خالفوا ما هو معلوم بالضرورة من أن الله لا يكون جسماً، عم تعال تعال، أصلاً هو اللي حكيته أنت معلوم من الدين بالضرورة هو أصلاً علم ولا جهل؟ فضلاً عن ادعائك أنه معلوم من الدين بالضرورة، فضلاً عن تكفير لتلك العين، اللي ممكن أنت بالنسبة لك هذا ضروري، بس بالنسبة له ما صارش ضروري، لم تصل لهي المرحلة بعد، ويمكن عندها معارضات كثيرة له، فكل طائفة بتيجي، عند الروافض بالنسبة لهم شوفوا أن قضية الإمامة الاثني عشرية معلوم من الدين بالضرورة، وأن هؤلاء أهل السنة كفار الذين لا يؤمنون بقضية، طب كيف صارت معلومة من الدين بالضرورة؟ هي أصلاً كلياتها خرافة أنتم عملتوها، فهو يقول لك: وكل يدعي وصلاً بال... الكل يدعي، الأشعرية وحتى هذا الحديث حتى أكون منصف هو الكل، الكل أصلاً يخرج بهذه الدعوة، ويرى ابن تيمية أنه ممكن يكون فعلاً أنا بالنسبة لي حصل شيء بعلم الدين بالضرورة، بس هو فعلاً عند غيري ليس كذلك، فلا أستطيع أن أحكم عليه بمنظوري لأنه هو لم تصل له قاعدة بهذه الطريقة كما وصلت لدي.

المهم قال: فما يقوله، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة السماع والخبر، وإما من جهة الإحساس والبصر، ولا تكون واحدة من الطائفتين كاذبة بل صادقة، نعم، بقول لك الآن نعتبر مثلاً طائفة وطائفة أخرى، ها الطائفة بتقول أنا عندي علم، عندي علم بغض النظر في الدين أو أي شيء، عندي علم ضروري بكذا، والطائفة الثانية تقول عندي علم ضروري بكذا، فيقول ابن تيمية: طبعاً هذا العلم الضروري إما أن يكون حصل من جهة النظر، أو من جهة النظر العقلي كما قلنا، أو من جهة السمع، أو من جهة البصر، فيقول: ولا تكون واحدة من الطائفتين كاذبة بل صادقة، طب كيف؟ قال: لكن يكون قد أدخل مع الحق ما ليس منه في النفي والإثبات لاشتباه المعاني واشتراك الألفاظ.

أه، لكن يكون قد أدخل مع الحق ما ليس منه في النفي والإثبات، أما في باب النفي أو في باب الإثبات لاشتباه المعاني واشتراك الألفاظ. ايش يعني؟ حتى نأخذ مثال، يأتي الأشاعرة فيقولون لأهل الحديث: أنتم حشوية، ليه؟ لأنكم خالفتم ما هو معلوم من الدين بالضرورة، شو هو؟ أن الله ليس كمثله شيء، طيب هل هي معلوم من الدين بالضرورة؟ آه، والله كلامهم صح، أن الله ليس كمثله شيء هي كقاعدة لما يطلقها الأشاعرة هي معلومة من الدين بالضرورة حق، لكن زدتم عليه غلو باطل، أنه كيف تسقطون هذه؟ كيف تتعاملون أنه أدخلتم فيما ليس كمثله شيء نفي الصفات الاختيارية، نفي الصفات الخبرية، فالقاعدة التي أنتم هاجمتمونا بها هي فعلاً كلامكم صحيح هي معلومة من الدين بالضرورة، لكن أدخلتم مع الحق ما ليس منه من الباطل؛ أما في باب النفي إذا كانوا غلاة المعطلة، أو في الإثبات إذا كانوا غلاة المجسمة، هم غلاة التشبيه تمام، لماذا؟ بسبب اشتباه المعاني أنه ايش ليس كمثله شيء؟ ما معنى ليس كمثله أنكم ما حررتم ما معنى نفي المثلية هنا، فلان هذا اللفظ أشكل عليكم تحريره ولم تتبعوا طريقة السلف، فأنتم كإطلاق عام كلامكم صحيح قاعدة الله ليس كمثله شيء هي معلوم من الدين بالضرورة، لكنكم خلطتم في معانيها وأدخلتم في معانيها باطلاً بسبب ماذا؟ اشتراك الألفاظ وعدم فرزها وعدم تحليل القضية.

ثانياً قال: فيكون حينئذ ما ينفيه هذا يثبته الآخر، ولو زال الاشتباه والاشتراك زال الخلاف التضاد، وكانت وكان اختلاف الناس في مسائل الجبر والقدر ومسائل نفي الجسم وإثباته ونفي موجب الأخبار وإثبات ذلك هو من هذا الباب، يعني فبالتالي هو يقول جل خلاف الناس في مسائل الجبر والقدر -اللي هو جبرية عكسهم قدرية- أو مسائل نفي الجسم وإثباته هل الله جسم أو ليس بجسم، ونفي موجب الأخبار تمام؛ يعني ما تدل عليه الأخبار تثبت ما تثبته أو ننفي ما تثبت، وإثبات ذلك هو جله من هذا الباب، أنه هم يعتمدون قاعدة الآن ليس كمثله شيء، عم بقولها الجهمية، عم يقولها المعتزلة، عم يقولها أهل الحديث، وعم يقولها أكبر مجسم، كلهم بيحكوا بقاعدة ضرورية: ليس كمثله شيء. فإحنا بنتفق أن ها قاعدة معلومة من الدين بالضرورة، لكن المشكلة في تحرير ألفاظها، في طريقة إسقاطها، في التعامل معها، ما تخلطونه معها من الباطل، الزيادات هي اللي عملت خلاف بيننا، ولا إحنا كما يقول ابن تيمية دائماً، أن جميع الفرق يعني حتى ابن تيمية في مقالاته الجميلة أن الأشاعرة والمعتزلة وهؤلاء الكل قصد التنزيه، لكنهم أخطأوا طريقته؛ يعني الأشاعرة قصدت التنزيه، تنزيه الله سبحانه، المعتزلة قصدت التنزيه، وأهل السنة قصدوا التنزيه -الصوت انقطع- نعم وأهل السنة قصدوا التنزيه، ولكن هناك من سلك الطريقة الصحيحة في التنزيه وهناك من أخطأ، لأن جميعنا نقول: ليس كمثله شيء، لكن في شخص يقولها ويعرف كيف يطبقها، وفي شخص يقول ليس كمثله شيء لكنه يخلطها بالباطل ولا يعرف كيف يفرزها.

طيب قال: وهذا كله موجود في كتب أهل الكلام وأهل الحديث والفقه وغير ذلك، وقول القائل إن الضروريات يجب اشتراك العقلاء فيها خطأ، أيوه، هذا حط تحته خط، هاي مهمة إخواننا الفكرة، مهمة في باب فهم فلسفة إنزال الأحكام على الأعيان، قول القائل الضروريات هذه يجب اشتراك جميع العقلاء فيها على الكوكب، هذا الإطلاق مش صحيح إخواني، مين قال إن المعلومات الضرورية يجب اشتراك العقلاء فيها؟ هذا خطأ، لأن الشيء قد يكون ضرورياً بالنسبة لي أنا في الأردن وبالنسبة لشخص يسكن في المغرب أو في شمال أفريقيا، قد تكون المعلومة ليست ضرورية، لم تصل عنده بعد لدرجة أن تكون ضرورية؛ ليه؟ لأن أنا في الأردن وصلت لي هالمعلومة بالتواتر، ذاك اللي في أفريقيا ما وصلت له، أو أنا رأيت الشيء عياناً فبالتالي عرفت أنه هكذا قطعاً، ذاك الشخص لم يره عياناً، أليس كذلك؟ يعني في شخص أنا بالنسبة لنا نحن نعرف وجود مكة المكرمة لأننا رأيناها، لكن شخص ولد جديد ونشأ في أوروبا، في آخر أوروبا هيك على الجنب، لو واحد قال له في هناك بلدة اسمها مكة وفيها كعبة، أنا عندي علم ضروري بوجود، هو ممكن ما يكون عنده علم ضروري، هو ما شافها وما حدا خبره عنها إخباراً متواتراً، بس أبوه، فهو ما زال علمه بوجود شيء على الأرض اسمه كعبة ما زال يعني مسألة ظنية، آه والله ممكن، هو السبب ما هو اختلاف طرق العلم وبناء المعرفة، فيقول ابن تيمية: قول القائل إن الضروريات يجب اشتراك العقلاء فيها خطأ.

الآن في هناك قسم نعم يجب اشتراك العقلاء فيه وهو الضروريات الأولية التي تنمو مع الأطفال منذ ولادتهم أسوياء. إنه ممكن برضه الطفل يكون عنده خلل عقلي، صح؟ ممكن يولد عنده مثلاً هذه الأمراض النفسية، شو بسموها؟ أنا مش عارف التوحد ومش توحدها القص، لكن الطفل الطبيعي إذا نما بقدرات عقلية طبيعية، في هناك ضروريات أولية هذه نعم يجوز أن نقول يشترك فيها العقلاء، وهي أن الواحد نصف الاثنين، وأن الجزء أصغر من الكل؛ جزء الشيء أصغر من كله. هذه نعم نقبل أن نقول يتفق فيها العقلاء حتى لا يحصل سفسطة. لكن ما بعد ذلك من الضروريات التي هي نتاج الخبر أو نتاج البصر، لا، هذه يختلف العقلاء فيها. فلذلك يقول، قال: وكذا بل الضروريات كالنظر تارة يشتركون فيها، العلوم الضرورية كالعلوم النظرية. الآن أنت تعرف في المنطق هناك ضروريات ونظريات؛ الضروريات هي ما لا يحتاج إلى تأمل، النظريات هي الأشياء التي تحتاج إلى تأمل. بعد قال: تارة يشتركون فيها وتارة يختص بها من جعل له قوة على إدراكها. نعم إذا بل الضروريات مثلها مثل النظريات، منها قسم يشتركون فيه، يشترك العقلاء فيه وهو الضروريات الأولية التي تنشأ مع الإنسان منذ طفولته.

وهناك قسم آخر من الضروريات يختص بها من جعل له قوة على إدراكها، أما قوة بصرية أو قوة سمعية. بالله عليك هل الإنسان البصير كالإنسان الأعمى في الأمور التي تدرك من خلال البصر؟ لا طبعاً؛ لأنه ربنا معطيني أنا شايف، بالتالي أنا متيقن أن هذا الكتاب هناك، لكن شخص أعمى تقول له في كتاب هناك، بالنسبة له المعلومة ما زالت ممكنة بس مش متيقن زيي؛ لأنه أنا ربنا معطيني بصر فأنا شايف، هو سلب هذه القدرة فليس له قوة على نوع من الإدراك أنا أقوى عليه. نعم، قال: وكذلك قول القائلين إن الطائفة التي تبلغ عدد التواتر لا يتفقون على جحد الضروريات ليس بصواب، بل يتفقون على ذلك إذا تواطؤوا عليها. نعم مثلاً بعض العلماء قالوا إن حد التواتر مثلاً مئة، فرضاً، فبعضهم صار يقول أي خبر يخبر به مئة لا يكون إلا ضرورياً. شو رأيكم في هذا الكلام؟ لو قلنا إن عدد التواتر مئة ثم قلت لك بناءً على هذا أي خبر يخبر به مئة لا بد أن يكون خبراً ضرورياً، بقول لك ابن تيمية هذا مش صحيح، هذول المئة في حالة معينة نعم قد يفيد خبرهم التواتر، لكن في حالة أخرى قد يتواطؤوا، أنا ممكن أحط مئة في الغرفة ويتفقوا أنه أول ما يجي الشيخ احكوا كذا وكذا، ويكذب، فيقول إذاً قولهم إن الطائفة التي تبلغ عدد التواتر لا يتفقون على جحد الضروريات مثلاً هذا ليس بصواب، بل قد يتفقون على ذلك إذا تواطؤوا واتفقوا فيما بينهم.

نعم، قال: وخبر التواتر متى كان عن التواطئ لم يفد العلم، وإنما يفيد العلم لانتفاء التواطئ فيه عند عدم التواطئ. صح هيك، مش دائماً يشترط. نعم قال: وإذا كان لذلك نقول عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، لازم يكون هذا الشرط موجود. نعم، قال: إذا كان كذلك فقد يكون المختلفون قد اجتهد أحدهم فأصاب، ويكون الآخر اجتهد فأخطأ، فيكون للأول أجران، والثاني أجر مع أن خطأه مغفور له، وقد يكون كلاهما اجتهد فأخطأ فيغفر لهما جميعاً مع وجود الأجر. وبناءً على هذه الفكرة أن الضروري هو شيء نسبي في أغلبه، قد يكون المختلفون، يعني الفرق الإسلامية التي اختلفت، قد يكون هذا اجتهد فأصاب والآخر اجتهد فأخطأ، فيكون للأول أجران، والثاني، لاحظ من يقول يكون له أجر؛ طبعاً عادة هي تقول يكون له أجر في باب الفقه هكذا يقولون، وباب العقديات يكون على الأقل مغفور له. وقد يكون كلاهما الأول والثاني اجتهد فأخطأ، والصواب في قول ثالث تفصيلي بينهما ممكن، لذلك قال: وقد يكون كلاهما اجتهد فأخطأ فيغفر لهما جميعاً مع وجود الأجر ويكون الصواب في قول ثالث. هذا النص فيه مشكلة هكذا يقرأ هذا، وهذا تبع للفقرة السابقة، فيكون كلاهما أخطأ ويكون الصواب في قول ثالث ليس مع هذا ولا مع هذا بل في قول ثالث، هذا القول الثالث إما هو تفصيل ما أطلقوه.

مثل اقرأ قال: أما تفصيل ما أطلقوه، مثل أن ينفي هذا نفياً عاماً ويثبت الآخر ما نفاه الأول، فيفصل المفصل ويثبت البعض دون البعض. نعم، اللي هو تكون الطائفة قالت هذا الشيء أبداً لا يكون وتأتي الطائفة الأخرى فتقول هذا الشيء أبداً يكون، يجي شخص يقول أنت غلطت وأنت غلطت، الصواب أنه يمكن أن يكون هكذا يمكن أن يكون هكذا، فيكون كلاهما أخطأ وإن شاء الله ربنا بيغفر لهم والصواب في التفصيل. نعم، قال: وكذلك في المعنى المشتبه واللفظ المشترك، يفصل بين المعنى وما يشبهه إذا كان مخالفاً له وبين معنى لفظ ومعنى لفظ. وكذلك قد يكون مثلاً هذا استعمل لفظاً مشتركاً كلفظ الجسم أو لفظ الذات أو لفظ الحدوث، فيكون هذا أثبته مطلقاً وذاك نفاه مطلقاً، فيأتي السني يقول يفصل، يقول إن قصدت بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى صحيح، وإن قصدت بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى خاطئ، فيكون اللي أطلق النفي خطأ واللي أطلق الإثبات خطأ والصواب في التفصيل.

نعم، قال: ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه. الآن هو ماشي خطوة بعد خطوة، الآن بناءً على هذه المشكلة الذي يحصل كما قلنا في النهاية أنه أنا أعتقد أنه معلومتي معلومة من الدين بالضرورة، وبالتالي أعتقد أن الذي حضره الإمامي خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فيحصل لدي اعتقاد أن هذا الإمامي خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة. يعني أنت أولاً عندك خطأ في فهمك ما هو معلوم بالضرورة، واعتقادك أن أي شيء صار معلوم الدين بالضرورة إليَّ إذاً هو للكل نفس الشيء، هذا أول خطأ، بعدين المشكلة يا ريت وقفنا هون، رح تتطور المشكلة أنه بعد اعتقادك أن الشيخ الذي أمامك أو العالم القديم خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة سيكون في اعتقادك أن يجب أن ألعن ذاك الشخص أو أفسقه أو أبدعه أو أكفره؛ لأنه خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة. إذاً ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو حتى قتاله، وهذه أكبر درجة خطيرة أنه تصبح تستحل دمه كما فعلت الخوارج قديماً وحديثاً. نعم، قال: فإذا فعل ذلك مجتهداً مخطئاً كان خطأه مغفوراً له، وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به.

شوف شوف هذا الكلام الدقيق، شو بقول لك، الآن إحنا بنحكي عن شخص خلص اعتقد أنه ما هو عنده معلومة لدين بالضرورة، وبالتالي خلص، بدي أرجع بس شوي لنقطة سابقة لأنه هو بده يرجع مش بس حتى لمسألة المعلومة الدين، هو بده يرجع لذاك الشخص الذي أخطأ، إن إحنا قلنا الآن أن العالم الذي هي أصل الباب التي هي فكرة ماذا، أنه قد أن الناس يحصل منهم بغي وقد يكون مجتهداً متأولاً، هذا الشخص الذي تبنى مسألة عقدية واستفرغ وسعه في المحاولة للوصول إليها ووصل إلى قناعة. تمام، هسا هو كلامه خطأ، صح؟ كلامه ايش خطأ؟ وقلنا ما دام استفرغ وسعه في محاولة الوصول إلى الصواب، إذا استفرغ وسعه في محاولة الوصول للصواب وخلص ما وصل إليه، ربنا عز وجل يعذره، صح؟ طيب الآن بدنا نبني على فكرة ثانية، إذا ربنا سبحانه وتعالى عذره، المشكلة التي بنخاف منها أنه يكون هو وصل إلى نتيجة خطأ، إحنا متفقين هو وصل إلى نتيجة ايش يا جماعة خطأ، بس النتيجة الخطأ التي هو وصل إليها هي تنبني عنده، ينبني عليها عنده شيء معين أنه الإمام كافر.

شوف هذا الكلام الدقيق والخطير، أنه أنا شخص إن شاء الله ما أكون أنا، يكون واحد ثاني الله يعصمنا جميعاً يعصم جميع المسلمين، بس خلينا نحلل الفكرة أنه عالم معين اجتهد واستفرغ وسعه وبذل كل ما يستطيع فوصل إلى مسألة عقدية خاطئة، ابن تيمية قرر أن الله قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فهو معذور عند الله بخطئه. ثم بعد أن هو وصل إلى مسألة خاطئة، هذه المسألة الخاطئة تستوجب عنده أن يعتقد في مخالفه أنه إما مبتدع أو يعتقد في مخالفه أنه كافر أو يعتقد في مخالفه أنه يجب قتاله، حتى يا ورطة الورطات. طيب إحنا قلنا ربنا عذره في ماذا؟ في خطئه، طب هل الله سيعذب بناءً على هذا؟ إحنا قلنا ربنا عذره لأنه أخطأ بعد أن استفرغ الوسع، طب هل سيعذب في من بنى على الخطأ الأول، أنه انبنى على خطئه الأول أنه اعتقد في مخالفه أنه مبتدع أو كافر أو حتى أنه يجب قتاله أو حبسه أو منعه؟ طب هل سيعذب أيضاً في من بنى؟ فيقول: فإن فعل ذلك، يعني التكفير أو القتال، مجتهداً -طبعاً كلمة مجتهداً نحط تحتها ألف خط- شو يعني مجتهداً؟ يعني عنده آلة الاجتهاد، مش يطلع لي واحد ما بيعرف شيء في الدين ويقول لك أنا مجتهد مخطئ يعني مش مشكلة، لا، هو يتكلم عن شخص لديه آلة الاجتهاد واستفرغ وسعه لكنه لم يستطع الوصول إلى أكثر من ذلك، ويتكلم عن من لديه آلة الاجتهاد من العلماء الذين ضلوا في بعض المسائل.

طيب يقول: فإذا فعل ذلك، ايش يعني فعل ذلك؟ لعن أو التفسيق أو التكفير أو القتال، إذا فعل ذلك مجتهداً مخطئاً برضه هذا الخطأ قد يكون مغفوراً له، يعني أنت لا تستطيع أن تتألى على الله، أنه هو أصلاً مبني على شيء مغفور له، فبالتالي ما سينبني عليه من ثمار سيكون مغفوراً له، ما دام مجتهداً مخطئاً. طب أنا يا شيخ، طب ما هو هجم علي يا شيخ وسبني على السوشيال ميديا أو طعن في أو حكى للحاكم اسجني أو قاتلني، يقول هذا بلاء ربنا سلطه عليك أنت يا صاحب الحق، بدك تصبر وتتحمل، هكذا هي فلسفة الحياة، هكذا هي فلسفة الحياة. إذاً وكان ذلك في حق الآخر المعتدى عليه الذي هو صاحب الحق فعلاً، الذي هو المظلوم الذي انسجن وتم قتله مع أنه هو المسكين وهو صاحب الحق، ويكون ذلك في حق الآخر محنة بده يصبر ويبتلي، والله قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، خلص أتصبرون؟ مش هيك ربنا قال، وما أرسلنا قبلك، وجعلنا بعضكم لبعض نعم، ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، هيك ربنا جعل فلسفة هذه الحياة.

وبالتالي إذا شخص تسلط عليك هذا مش معناته أن ربنا عز وجل مباشرة رح يوديه على النار، لأنه هو إذا كان مجتهداً متأولاً ممكن ربنا يغفر له، وهذا الذي وقع في الفتنة بين كثير من الفرق الإسلامية، تمام أنه أهل الحديث قد هجموا على والأشاعرة هجموا على أهل الحديث، والحنابلة ردموا على ابن جرير الطبري وسكروا عليه بالحيطان ودمروه ودخل لمساحة، طبعاً في النهاية في مساحات هي مجتهداً متأولاً، مش الزعران أنتم فاهمين هذا الكلام، مش واحد شغل مشاكل ومش خريج بده وبلطجي، لا هي ضمن مساحة معينة يمكن يكون مجتهد متأول يعني بأن استفرغ وسعه في التأكد من أنه هذا كافر فوصل لقناعة أنه كافر، استفرغ وسعه، مش شاب ما بيعرف أصول الفقه ولا اللغة العربية هذا ما استفرغ وسعه، مش إنسان مش قارئ ولا متعلم ويهجم على الناس وعلى أعراضهم هذا مش فيه استفرغ وسعه، فهو يتكلم عن عالم استفرغ وسعه فوصل إلى قناعة أن هؤلاء الإمامة من الفرقة الأخرى كفار، عالم مجتهد استفرغ وسعه في البحث فوصل لقناعة أنه الإمامة مبتدعة أو كفار فأنزل بهم النكال والعقاب، هو يكون معذور عند الله، نعم، وذول الذين هم أهل الحق فعلاً والذين اضطهدوا، الله عز وجل امتحنهم وعليهم أن يصبروا، وقدر الله ما شاء فعل.

نعم، قال: ممكن، نعم. قال: وهذه حال البغاة المتأولة العدول، سواء كان ذلك بين أهل اليد والقتال من الأمراء وغيره أو نحوهم أو بين أهل اللسان والعمل من العلماء والعباد ونحوهم وبين من يجمع الأمرين، قال: وهكذا ما وقع، يعني إذا أردت أن أفهم ما حصل في تاريخ الأمة بين اقتتال الأمويين مع العباسيين مثلاً، الأمراء، اقتتال الأمراء أو اقتتال مثلاً السلاجقة فيما بينهم مثلاً كأمراء، كثير من هو قال قتال أهل البغي المتأولة، يأتي مثلاً العباسيين متأولين أنهم يجب تكون الخلافة لديهم فقفزوا على الأمويين، فهم بغاة متأولة خرجوا على الأمويين وحدث قتل شنيع في هذه المعارك ثم استتب لهم الحكم، هل يمكن ربنا يغفر لهؤلاء العباسيين اللي أنهوا خلافة الأمويين؟ نعم لكنهم متأولين أنهم أصحاب الحق، والله ممكن ما عنديش موضوع أن ربنا يغفر لهم ليس بيدي، فيقول كثير من الأمراء يبغي بعضهم على بعض لكنه يبغي لأنه متأول أن هذا الحاكم مش نافع، بس بعد ما يكون استفرغ الوسع وبعد ما يكون صوّب النية، مش أنه مش نافع لأنه أنت بدك تأخذ مكانه، مش لأنه مش نافع لأنه أنت لك شهوة في الحكم، لا هنا صار في بغي ونيات فاسدة ستحاسب عليها، لكن الكلام فعلاً أن بعض الناس من أهل البغاة، والبغاة هم الذين يحملون السيف للخروج على السلطان العادل قد يكون.

متاول، انه لا، هذا يجب إزالته لأنه ظالم وكذا، وما بيعمل كذا كذا، فيخرجون عليه. الآن هو تصرفهم خاطئ، لكن الله يغفر لهم ويعذر، ممكن. وكذلك في العلماء، انه عالم اتهم عالماً بأنه مبتدع أو فاسق، أو حتى كفره، وهذا يكون قصار جهد هذا العالم، أنه وصل لقناعة أن ذاك العالم كافر أو فاسق. خلص هذا العالم إن شاء الله ربنا بيغفر له، وذاك العالم اللي هو صاحب الحق ربنا امتحنه؛ فهذا له حساب وهذا له حساب. هذا التوازن، وهذه النظرة الشمولية من أعلى، هو ما يتميز به ابن تيمية؛ القدرة على تحليل النفوس البشرية عندما تطلق الأحكام.

إذاً، هذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل، اللي هو يعني القتال على السلطنة، أو حال أهل اللسان والعمل والعلم -أظنها من العلماء- والعمل، لا والعمل صح، من العباد والعلماء، أنه كيف عابد ممكن يستنقص طريقة عابد أو عالم، أو حال من جمع بين الأمرين أن يكون أميراً وعالماً؛ يعني جمع في قتاله بين العلم والزعامه. قال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19].

ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد. إذاً هو شو بقول هنا؟ يعني كأنه نوع من الاستدراك أو العبارة الضابطة؛ يقول الأصل أن الاجتهاد السائغ المنطقي -في مساحة من الاجتهاد السائغ المقبول، وفي اجتهاد غير سائغ صاحبه متأول، بس هو إيش؟ اجتهاد غير سائغ-. المهم، الاجتهاد السائغ في المساحة المعقولة والمقبولة هذا لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة بين الناس إلا لما يكون في بغي. يعني احنا كمذاهب فقهية؛ حنابلة مع شافعية مع مالكيه، نختلف في بعض المسائل، لأن الاجتهاد كله ضمن الاجتهاد السائغ.

لما يكون الاجتهاد سائغ، ترى الاجتهاد السائغ بيخليني أعذرك وأنت تعذرني؛ ليه؟ لأنه أنا بعرف أنه في مساحة في المسألة. يعني إذا أنا كنت مدرك الآن، في اجتهاد لاحظوا منتبهين، بفرق أنه في اجتهاد هو غير سائغ لكن صاحبه متأول، وفي اجتهاد هو إيش؟ هو سائغ. الاجتهاد غير السائغ تمام وصاحبه متأول، هذا اللي فيه الكلام السابق، أنه ربنا يغفر له، لكنه أصلاً اجتهاده غير سائغ، وهذا المتصور أنه ممكن يوصل للفتنة والفرقة، لكن هو يقول أن الاجتهاد السائغ وهذا يكون في المسائل الفقهية، اللي أنا بعرف أنه المسألة يا عمي حمالة وجوه، وبالتالي حتى لو أنا كحنبلي خالفني الشافعي، الأصل هذا ما يفرق قلوبنا؛ لأنه أنا بعرف أن الاجتهاد سائغ.

فإذا أنا عارف أن الاجتهاد سائغ واعتديت عليك، إذاً هذا المنشأ هو إيش؟ لا يكون إلا عن بغي، هذا ما له دخل في الاجتهاد، إنك أنت عارف من البداية أن الاجتهاد ضمن مساحة سائغة ومعقولة، فليش أنا أهجم عليه؟ ليش أنا أنقض عليه؟ ليش أنا أجي وأفرق المسلمين بسبب مسألة الاجتهاد فيها سائغ؟ فيقول ولكن الاجتهاد السائغ في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد، هذا الأصل لا يولد فرقة بين المسلمين، وإذا حصلت الفرقة فهذا ليس نتيجة الاجتهاد، وإنما نتيجة البغي الذي في النفوس لا أكثر. بخلاف الاجتهاد غير السائغ، نعم هذا يمكن أن يولد افتراق واختلاف، هو الحالة الطبيعية أصلاً يولد الافتراق والاختلاف.

قال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]. فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع وجود بغي، فمع وجود الاجتهاد السائغ الحمد لله الأمة لا يكون بينها فتنة إلا إذا كان هناك بغي.

قال ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة، وكان ذلك من أصول السنة، وهذا مذهب أهل السنة والحديث وأئمة أهل المدينة من فقهائهم وغيرهم، ومن الفقهاء من ذهب إلى أن ذلك يكون مع وجود العلم التام من أحدهما والبغي من الآخر فيجب القتال مع العادل حينئذ، وعلى هذا الفتنة الكبرى بين أهل الشام والعراق، هذا النقاش في هذه المسألة نختم بها اليوم إن شاء الله.

مسألة القتال في الفتنة، شوف الكلام التحليلي عند ابن تيمية هنا، يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة، وهذا دائماً من أصول السنة، يعني ما يذكر في كتب العقائد، ولا يقاتل المسلم في الفتنة. ما معنى لا يقاتل في الفتنة؟ هذا هو اللي متبادر عندنا في الفهم، أنه الفتنة التي لا يقاتل فيها الإنسان هي التي لا يظهر فيها الحق، فبالتالي اعتزل كلتا الطائفتين. وبناء على كلام أديب -وهو كلام لبعض الفقهاء- ترى إذا كانت الفتنة واضح أنه هذا هو الطرف العادل وذاك هو الطرف الباغي لابد أقاتل مع الطرف العادل ضد الطرف الباغي. ابن تيمية يقول هذا الفهم خطأ، بل حتى لو عرفت أن هذا الطرف عادل وذاك الطرف باغي ابتداءً لا يجوز أن تقاتل، ولا إيش لازم نعمل؟

قال وعلى هذا صار الخلاف في اقتتال معاوية مع علي رضي الله عنهما؛ مين الصواب؟ هل الصواب الذين قاتلوا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه الجميع، ولا الصواب مع الذين لم يقاتلوا أبداً؟ صح، في طائفة من الصحابة قالوا احنا ما رح نقاتل لا مع علي ولا مع معاوية رضي الله عن الجميع، وقال طائفة احنا رح نقاتل مع علي لأنه واضح أنه هو الحق معاه، مين اللي كان على صواب؟ الآن ناقش، قال وعلى هذا الفتنة الكبرى بين أهل الشام والعراق، هل كان الأصوب حال القاعدين -القاعدين اللي ما شاركوا أصلاً من الصحابة كسعد بن أبي وقاص وغيرهم- أو حال المقاتلين من أهل العراق، أو حال الذين شاركوا مع علي بن أبي طالب؟

قال والنصوص دلت على الأول، أن القاعدين الذين لم يشاركوا في القتال بين علي ومعاوية هم الأصوب. لماذا؟ قال وقالوا: كان ترك قتال أهل العراق أصوب، وإن كانوا أقرب إلى الحق وأولى بهم من أهل الشام إذاك. نعم، قالوا إن نترك القتال مع أهل العراق -يعني ترك المقاتلة مع أهل العراق- أصوب، وإن كانوا هم أهل العراق أقرب إلى الحق من أهل الشام، وعلي كان أقرب، وعلي فيه في جيشه كان عمار وقتل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم تقتل عماراً، ومع ذلك الصواب كان عدم القتال. ليه؟ ركز في فلسفة ابن تيمية هنا.

قال ومن أصول هذا الموضع، أن مجرد وجود البغي من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم بل لا يبيحه، شوف الكلام، مجرد وجود البغي من إمام معين -يعني من حاكم أو من طائفة من الطوائف- مجرد حصول البغي، مجرد كلمة مجرد حطها في خط، مجرد حصول البغي لا يوجب مباشرة أن أقاتل الباغي، بل لا يبيح لي أن أقاتل الباغي. ولا كيف؟ ماذا أفعل؟ قال بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه ولا يقاتلونه. مثلاً إذا كان هناك إمام جائر يقوم بالوظائف العامة المطلوبة منه كإمام، لكنه يجور ويظلم في كثير من القضايا العامة، عند أهل السنة أنه لا يخرج عليه، بل المطلوب من الناس الصبر ما دام يقوم بالوظائف الأساسية للحاكم بأنه يحمي الثغور، ويحكم بالشريعة بالأمر العام، ولكن يحصل منه ظلم وبغي وإفساد كما كان يحصل في زمن الخلافة العباسية والمماليك من وجود بعض حكام الجور. فهؤلاء المطلوب من الناس أنك تصبر يا شيخ باغي اصبر، هذا المطلوب منك، هذا هو الموقف الشرعي.

لماذا هذا هو الموقف الشرعي؟ قال كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في غير حديث، فلم يأذن في دفع البغي مطلقاً بالقتال، بل إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي به وأمر بالصبر. يعني أحياناً قد يكون قتال الباغي مآله وما يتصور منه أكثر فساداً، فيكون الصبر عن قتاله هو المقدم شرعاً من باب دفع أصعب الشرين باحتمال أخفهما. ما هي الفكرة العامة؟ أنه أنت مين قال لك أنه مجرد أن هذا الشخص بغى يلا شباب احملوا سلاحكم واطلعوا؟ طب ما هو ممكن يكون قتال هذا الباغي يؤدي إلى دماء وهتك أعراض واستباحة أكثر من الخير المرجو من قتاله، ففكرة أن أي شخص باغي معناه يلا شباب احملوا سلاحكم، هذا كلام غير صحيح شرعاً. بل ينبغي أولاً من عقد معادلات معينة.

فمثلاً لماذا الحاكم الباغي الذي يقوم بالوظائف العامة لكنه يبغي في حكمه أو في تصرفاته، لماذا أمر الناس بالصبر على ظلمه؟ لأنه فكرة أن الناس تقاتل الحاكم الباغي وعنده جنود ومقاتلين وكذا، هي في العادة تؤدي إلى دماء وأشلاء وهتك للأعراض، الإسلام لا يريده. هذا مهم نفهم الناس، من قال لك أننا من أجل أن نزيل حاكماً باغياً فلتهلك الأرواح والدماء والزج بالشباب في السجون؟ مين قال لك هذا الكلام؟ هذا الكلام ليس من أصول الإسلام، هذا كلام اندفاعي من شخص عفواً هو مش حاسب حساب للأرواح والدماء، عفواً ما عندش اهتمام، والمشكلة أحياناً عدم قياس مآلات الأمور. غضب، ما بده قياس مآلات الأمور، بده أن أنت أهدرت دماء آلاف من شباب الأمة والمسلمين الذين يستغلوا في الرباط وقتال الكافرين، أهدروا في قتال الباغي، كان الحفاظ على أرواحهم لمقاتلة الكافرين، أو بدل أن يجي في السجون وتتك أعراضهم. فابن تيمية بكلم هنا بالمنطق، بالمنطق السوي الذي لا يفهمه إلا العقلاء الكبار. يقول قد يكون قتال الباغي فيه من المفاسد أكثر من الخير المرجو في إزالته، فالقاعدة العامة أنه يتحمل بغيه ما دامت الحالة العامة قائمة والأمور قائمة، ونصبر إلى أن يجعل الله لنا فرجاً، آخرته يموت، يا عمي يظل خالد هو في الدنيا.

قال وأما قوله سبحانه: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ﴾، فهو سبحانه الآن ممكن الشخص يعترض على كلام ابن تيمية؛ كيف يا ابن تيمية تقول أن الفئة الباغية لا تقاتل ابتداءً بمجرد بغيها، والله يقول: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾؟ كيف أنت بتقول أن الفئة الباغية لا يجوز قتالها بمجرد بغيها؟ ابن تيمية الآن سيجيب فيقول: فهو سبحانه قد بين مراده، ولكن من الناس من يضع الآية على غير موضعها. فقول ابن تيمية أنتم بتفسروا الآية على غير تفسيرها، فإنه سبحانه ماذا قال؟ من أول الآية قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].

ركز في تفسير ابن تيمية، هي الآية عشان تفهم ليش ابن تيمية يرى أنه أنا لو كنت أعرف أنه هذا الشخص هو مع الحق وذاك الشخص هو الباغي، لماذا لا يجوز ابتداءً أن أقاتل مع أهل الحق؟ لماذا؟ الآن ستفهم، قال فهو لم يأذن ابتداءً في قتال بين المؤمنين، بل إذا اقتتلوا فأصلحوا بينهما. نعم الله عز وجل قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ما قال ربنا روح شوف مين فيهم على الحق فقاتل معه، هيك هيك قارئ الآية؟ نعم، ها شوف، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ اذهب ففتش من هو على الحق فقاتل معه، الآية ما حكت هيك، الآية قالت: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، هي الخطوة الأولى سواء كنت عارف مع مين الحق أو اشتبه علي. إذاً الآية جاءت على عمومها؛ إذا طائفتين من المؤمنين اقتتلوا، الإجراء الأولي سواء عرفت مع من الحق أو اشتبه عليك، الإجراء الأولي مش تحمل سلاحك وتهب، الإجراء الأولي محاولة الإصلاح.

حتى وإن كنت أعلم أن هذا عادل وهذا ظالم، وأن هذا عادل وهذا باغي، لأنه هذول يا جماعة مسلمين، والأرواح غالية عند الله، حتى ولو كان في شخص ظالم في النهاية مسلم. قضية الاستهتار بالدماء والأرواح هذه مشكلة وآفة، لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يُسفك دم امرئ مسلم. الأرواح غالية، فأول إجراء بدنا نحمي الأرواح: الإصلاح. والاقتتال هو فتنة، وأن تشارك في الاقتتال فتنة، حتى ولو كنت تعرف مين هو الحق، هذا فتنة؛ لأنك ما قمت بالإجراء الأول وهو محاولة الإصلاح.

قد تكون إحداهما أقرب إلى الحق، فأمر سبحانه في ذلك بالإصلاح وإن كانت إحداهما أقرب إلى الحق. ثم قال: وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتتل بنو عمر بن عوف، فخرج ليصلح بينهم وقال لبلال: إن حضرت الصلاة فقدم أبا بكر. ثم قال سبحانه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾، فهو بعد اقتتال، إذاً إذا أصلح بينهم بالقسط فلم.

فإن قبلت إحداهما القسط، بغت؛ فإنها تقاتل. الآن متى أقاتل؟ قال: فإذا حاولت الإصلاح فرفضت إحدى الطائفتين ذلك، أو اتفقنا وأصلحنا ثم جاءت الطائفة فاعتدت، عندئذ أشارك أهل الحق في الاقتتال معه. إذاً في خطوة راح تشارك، بس مش هي الخطوة الأولى، لذلك ليس بمجرد البغي؛ بل علي أن أسلك خطواتٍ بـ خطواتٍ إلى أن يكون الاقتتال؛ أن أشارك في القتال هو الحل الأخير.

قال: فإذا أصلح بينهما بالقسط فلم تقبل إحداهما العدل ورفضت، قالت: لا إحنا بغينا نقاتل، لا ساعتها بدي أقاتل مع أهل العدل رفعاً للظلم عنهم. نعم، قال: إن قتال هنا يدفع به القتال الذي هو أعظم منه؛ فإنها إذا لم تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، بل تركت حتى تقتتل هي والأخرى كان الفساد في ذلك أعظم.

أيش الآن قلنا لازم تشارك في القتال في هذه الخطوة؟ لأنه إحنا دعوناه للقسط وحاولنا نصلح، هي رفضت؛ عندئذٍ أصبح قتالها هو خير الخيرين؛ لأنه إذا تركناها تقتل على راحتها سينتشر الفساد، فأصبح الأخذ على يدها بالقتال مطلوباً في المرحلة الثانية. نعم، قال: والشريعة مبناها على دفع الفساد بالتزام أدناه. نعم، الشريعة مبناها على دفع أعلى الشرين بتحمل أدناه.

قال: فمن في هذا يقاتلون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. في مثل هذه الحالة، في حال أنه في طائفة لم ترضَ الخضوع للحق، يقاتلون ويكون هذا القتال داخلاً تحت قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39].

إذاً الاقتتال ابتداءً كان فتنة، لكن ترك القتال انتهاءً أصبح هو الفتنة. شفت كيف ابن تيمية؟ إذاً أن تقاتل ابتداءً، شو قال ابن تيمية؟ هي فتنة، ما بصير تقاتل ابتداءً كما قال في الصفحة السابقة، فإذا دعوت وحكمت ورفضت إحدى الطائفتين أيضاً الخضوع للشارع، هنا أصبحت ترك قتالها فتنة، فيجب قتالها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

نعم، قال: لأنه إذا أمروا بالصلاح والكف عن فتنته فبغت إحداهما، قُتلت حتى لا تكون فتنة، ومأمور بالقتال هو غير المبغي عليه، أمر بأن يقاتل الباغية حتى ترجع إلى الدين؛ فقاتل من باب الاجتهاد وإعانة المظلوم، وإعانة المظلوم مبغي عليه؛ فهنا من المأمور بالقتال؟ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: 9]. الأمر موجه للطرف الثالث اللي هو ما له دخل في الموضوع، الله أمر الطرف الثالث وهو غير المبغي عليه بأن يشارك الطرف المبغي عليه في قتال الباغي. فهمت ماذا يقول ابن تيمية؟ الله أمر الطرف الثالث اللي هو كان برا كل الأزمة، أمره أن يقاتل مع المبغي عليه الطائفة الباغية لأنها رفضت الخضوع للتحكيم وشرع الله.

نعم، قال: أما إذا وقع بغي ابتداءً بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم، فلم يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك. نعم، فأنت مش مجرد أنه يعني يصير اقتتال على حكم، تلاقيك عامل فزعة: يلا شباب بدنا نروح نقاتل مع الجماعة، لا ما بصير. لازم تعتمد الإصلاح؛ لأنه أحياناً قد يكون في هناك ضبابية، عدم فهم للمواقف؛ فأنا بدي أحاول، تعالوا نقعد مع بعض يا جماعة، خلينا نقرب وجهة النظر، يجوز أنت مش فاهم فلان، وإن كنت أنا بعرف أن هؤلاء لا أصحاب هوى في العادة، ومع ذلك بدي أعطي أعلى مساحات الأعذار لآخر مرحلة، حتى لما أقاتل أقول: يعني هذا هو الحل الأخير.

نعم، قال: لأن الفساد في الاقتتال في مجرد رئاسة أو أخذ مال فيه نوع ظلم؛ فلهذا نهى النبي ﷺ عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم، لأن قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم. صحيح. قال: وعلى هذا فما ورد في صحيح البخاري من حديث أم سلمة، قال: ذلك ليس هو مخالفاً لما تواتر عنه من أنه أمر بالإمساك عن القتال في الفتنة، وأنه جعل القاعدة فيها: خيرٌ من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، وقال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، يهرب بغنمه بروح على الجبال يهج.

قال: وأمر فيها بأن يلحق الإنسان بإبله وبغنمه، لأن وصفه تلك الطائفة بالبغي هو كما وصف به من وصف من الولاة الأثرة والظلم؛ يعني كما أن الإسلام وصف الطوائف بالبغي، وصف الحكام الجائرين بماذا؟ بالأثرة والظلم. طيب كيف أمرنا أن نتعامل مع الحكام أصحاب الأثرة والظلم؟ أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم، واصبروا ما دامت الأمور العامة قائمة يعني الأمن قائم، حماية الثغور قائمة، خلص اسألوا الله الذي لكم. فكذلك البغاة إذا كانوا مش من الحكام، إذا كانوا من الطوائف والأفراد، فنفس المنهج الصبر وعدم الاستعجال في الاقتتال.

نعم، قال: كقوله: ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. وقوله صلى الله عليه وسلم: ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم. شايف؟ أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم؛ يعني مش رح تستطيعوا تحصلوه لكن تصبروا، هذا بلاء سُلط عليك. نعم، قال: وأمثال ذلك من الأحاديث الصحاح، فأمر مع ذكره لظلمهم بالصبر وإعطاء حقوقهم وطلب المظلوم حقهم من الله، ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال باغي في مثل هذه الصور التي يكون القتال فيها فتنة؛ كما أذن في دفع الصائل بالقتال.

نعم، الله عز وجل أذن إذا واحد هجم، فالصائل هو اللي هاجم عليك، أذن لك أنك تقاتله، لكن ما أذن لك في قتال الفتنة أنك تشارك، هذا شيء وذاك شيء، يقول لك لم يأذن لك أن تقاتل هنا كما أذن لك أن تقاتل لدفع إنسان صائل على بيتك؛ لأنه هذا مقام وذاك مقام. فمثلاً في مقام الصائل قال: من قُتل دون ماله فهو شهيد، من قُتل دون أهله فهو شهيد، فإن قال: إن قتال اللصوص ليس قتال فتنة، نعم؛ لأنه قتال صائل على البيوت، فهذا نعم، نشارك في قتلهم وقتالهم من البداية، هذا مش قتال فتنة؛ يعني مش محتاجين نعمل صلحة بيننا وبين اللصوص، يا جماعة في عندكم شبهة؟ لا، هذول حرامية جايين يسرقوا، فهذا المنطق أنك مباشرة تقاتلهم بدون توقف، كذلك قطاع الطرق، هذول مش جماعة عندهم شبهة، بخلاف البغاة؛ البغاة هم قوم لهم شبهة سواء من طوائف أو حكام أو ما شابه ذلك.

طيب، قال: إسقاط هذه الأمور على الواقع وكذا والسياسة الشرعية، هذا بحثٌ طويل، ذكره. نعم، قال: إذا الناس كلهم أعوان على ذلك فليس فيه ضرر عام على غير الظالم، بخلاف قتال ولاة الأمور، فإن فيه فتنة وشراً عاماً أعظم من ظلمهم. فالمشروع في... نعم، قال: وإذا وصف النبي ﷺ طائفة بأنها باغية، سواء كان ذلك بتأويل أو بغير تأويل، لم يكن مجرد ذلك موجباً لقتاله ولا مبيحاً لذلك إذا كان قتال فتنة؛ فتدبر هذا، فإنه موضع عظيم يظهر فيه الجمع بين النصوص، ولأنه الموضع الذي اختلف فيه اجتهاد علماء المؤمنين قديماً وحديثاً.

يعني هي مسألة الاقتتال في الفتنة، متى أقاتل ومتى لا أقاتل؟ ابن تيمية يرى أن هذا هو تحريرها، وأنه ينبغي حتى تجمع بين النصوص: نصوص بتقول لك لا تقاتل في الفتنة، مع نصوص: تقتل عماراً الفئة الباغية، طيب مين الصح؟ أنه كان الصحابة اللي قاتلوا ولا اللي ما قاتلوا؟ كيف بدك تجمع كل هذه النصوص وتفهم من خلالها؟ يقول لك ابن تيمية هذا التحليل الذي قدم.

نعم، قال: حيث رأى قوم قتال هؤلاء مع من هو أولى بالحق منهم، ورأى آخرون ترك القتال إذا كان القتال فيه من الشر أعظم من ترك القتال، كما كان الواقع؛ فإن أولئك كانوا لا يبدؤون البغاة بقتال حتى يجعلوهم صائلين عليهم، وإنما يكون ذنبهم ترك واجب، مثل امتناع من طاعة معينة والدخول في الجماعة. فهذه الفرقة إذا كانت باغية وفي قتالهم من الشر كما وقع أعظم من مجرد الاقتصار على ذلك، كان القتال فتنة. فأي طائفة من البغاة سيكون قتالها فيه من الفتنة أعظم، فهذه الفرقة إذا كانت باغية ولكن في قتالها من الشر أعظم من مجرد الاقتصار على ذلك، كان القتال فتنة.

فهو يريد أن يقول إن فئة معاوية رضي الله عنه، مش إحنا نعتبرهم... يعني النبي ﷺ قال: تقتل عماراً الفئة الباغية، صح؟ إذاً بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام سيكون طائفة أهل الشام هم اللي صار منهم بغي، ولكن طيب إذا هي بنص الحديث هم الفئة الباغية؟ قال: ومع ذلك الصواب كان في عدم الاقتتال، ليه؟ لأنه الاقتتال حصل به من الشر ومن الدماء ما زلنا إلى الآن، إلى الآن ندفع ثمنه، صح ولا؟ ما زال الناس اليوم: أنت أموي ولا أنت من جماعة العراق؟ لليوم، من 1500 سنة لليوم ونحن عم ندفع ثمن الخلاف الذي حصل في تلك المعركة.

أنت شوف، ابن تيمية هنا أن: صح الحق كان في جانب علي رضي الله عنه، وأنه في خطأ صدر من أهل الشام وهو نوع بغي، وبنص الحديث تقتل عماراً الفئة الباغية، وعمار رضي الله عنه كان مع جيش علي وقتل في المعركة. قال: ومع ذلك فالصواب كان عدم القتال؛ لأن الشر الذي كان، طبعاً لا يقاتل، طبعاً إلا إذا صار شو؟ صيالاً عليك، هذا إذا دخل على بيتك دافع عن نفسك، بس المراد أنه هل نقاتلهم مع أنهم لم يحدث صولان منهم لأنهم باغون ولم يدخلوا تحت إمرة الحاكم؟ وعلي رضي الله عنه الصواب عدم الاقتتال؛ لأنه هذا الاقتتال جر فتنة كبيرة ما زلنا ندفع ثمنها.

ابن تيمية يقيم الموقف على الأقل؛ قال: فهذه الفرقة إذا كانت باغية لكن في قتالها من الشر أعظم من مجرد الاقتصار على ذلك، أيش الاقتصار على ذلك؟ هو عدم قتالهم. كان القتال فتنة، وإن كنا نعرف مين مع مين الصواب، وكان ترك القتال هو المشروع، وإن كان المقاتل أولى بالحق وهو علي بن أبي طالب، وإن كان المقاتل وهو علي أولى بالحق تمام، وهو مجتهد فيما فعل، لكن في النهاية الصحابة اللي اتخذوا قرار عدم الدخول كانوا أولى كموقف كموقف، وعلي رضي الله عنه اجتهد.

وهو يريد أن يقول إن مجرد تقييم النبي عليه الصلاة... أو عفواً مجرد قول النبي عليه الصلاة والسلام أن علي رضي الله عنه أصوب من معاوية، اللي هو مفهوم من حديث تقتل عماراً الفئة الباغية، لا يعني أن قتال علي رضي الله عنه كان هو الخيار الأصوب. فهمت ماذا يقول؟ هاء، أعد العبارة. فتدبر هذا فإنه موضع عظيم يظهر فيه الجمع بين النصوص، ولأنه الموضع الذي اختلف فيه اجتهاد علماء المؤمنين قديماً وحديثاً في تقييم، مين يقصد اختلاف العلماء؟ مين اللي كان صح؟ اللي قاتلوا مع علي رضي الله عنه ولا اللي اعتزلوا الفتنة؟ هذا خلاف قديم حديث، وما زال يكرر في الكتب: من الذي كان على صواب؟ ابن تيمية مع أي طائفة؟ ابن تيمية رأى أن الصواب الذين لم يشاركوا في القتال مع علمنا بأن علي رضي الله عنه صاحب الحق.

ليه؟ قال: ابن تيمية يرى أنه إحنا لازم نجمع بين النصوص التي تقول إن الفتن القاعد فيها خير من القائم، وأن اكسر عليك سيفك، هذه النصوص التي تدعو لعدم القتال، مع النصوص التي تثبت أن علي رضي الله عنه هو المبغي عليه. إذا أردنا نجمع بين النصين، هذا ماذا سنفعل؟ في طريقتين للعلماء؛ الطريقة الأولى التي أنت سلكتها، أنه حديث لا تقاتل في الفتنة والقاعد خير من الماشي هذا حيث يشتبه الحق، وحديث الاقتتال وتقتل عماراً في هذا يدل على جواز قتل الفئة الباغية إذا عُرف مع من الحق. ابن تيمية يرى أن هذه الطريقة في الجمع مش متمكنة، بل الصواب أننا نقول إن القتال في البغي لا يصح حتى لو عرفت مَن صاحب الحق، إلى أن نحاول الإصلاح، فإن حاولنا الإصلاح ثم رفضت الطائفة الأخرى الإصلاح، عندئذٍ نقاتل مع المبغي عليه. هذه الطريقة الصحيحة في الجمع بين النصوص، فهمتم ماذا يقول ابن تيمية؟

طيب، فلذلك قال: حيث رأى قوم قتال هؤلاء مع من هو أولى بالحق، يعني الطائفة الأولى من العلماء من رأت أن الذين قاتلوا مع من هو أولى بالحق وهو علي في هذه الحالة، هو الصواب، ورأى آخرون ترك القتال مطلقاً إذا كان القتال فيه من الشر أعظم من ترك القتال، القتال سيكون فيه من الشر ما هو أعظم من ترك القتال والجلوس، كما كان الواقع. إذاً ابن تيمية إشارة إلى أن هذا الواقع الذي حصل، أن الاقتتال الذي حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنه، الجميع نتائجه وقع فيها من الشر ما هو أعلى مما لو ترك القتال ابتداءً، حتى ولو كان الصواب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

طيب، فإن أولئك كانوا لا يبدؤون البغاة بقتال حتى يجعلوهم صائلين عليهم؛ يعني كان المفروض من جيش علي رضي الله عنه أن لا يبدأ الشاميين البغاة بالقتال إلا إذا صالوا عليهم وهجموا على خيمهم، أما أنه أن يحصل اصطفاف ابتداءً واقتتال، هذا لا.

كمل، كمل شيخ. قال: وعامة ما تنازعت فيه فرقة من المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب الصفات والقدر والإمامة وغير ذلك، هو من هذا الباب، وفيه المجتهد المصيب وفيه المجتهد المخطئ.

المخطئ باغياً، وفيه الباغي من غير اجتهاد، وفيه المقصر فيما أُمر به من الصبر. ونقف اليوم عند هذا القدر، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يا رب، يا رب.