دخولتسجيل الدخول

الاستقامة (2) | المجلس السادس عشر | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في برنامج تراث للتعليق على تراث الأئمة المحققين وكلام العلماء البارزين. وما زلنا نعيش في أفياء هذا الكتاب المبارك الذي ابتدأنا به في المجلس الماضي، كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. وهذا الكتاب كما قلنا فكرته تقوم على مناقشة أفكار القشيري رحمه الله عليه في رسالته القشيرية، والتي تعد قطب رحى الصوفية، وأين خالف القشيري -وهو كما قلت عمدة الصوفية من المتأخرين- منهج الصوفية المتقدمين في أبواب العقائد. وهذا ما سيناقشه شيخ الإسلام ابن تيمية ويحاول أن يصوب، مع وجود طبعا بعض الأبواب في الكتاب على عادة ابن تيمية استطراد هنا وهناك في بعض الأفكار التي يحتاج إليها. فكتابه فيما يظهر لي عمدته مناقشة منهج الاستقامة في باب العقائد، وفي ثنايا مناقشته لهذه الاستقامة في أبواب العقائد والأفكار، تعرض الشيخ ابن تيمية للعديد من الأحكام.

وما زلنا نعيش في أفيائها، وخاصة بدايات هذا الكتاب، حقيقة تكلم عن أفكار مهمة وأساسية في مسائل التكفير والتبديع والتفسيق، وكيف يكون هناك العدل والميزان، ولا يتجاوز الإنسان الحق في مثل هذه الأمور، وكيف يتوازن في الحكم على المناهج والأفكار. ثم أراد أن يتكلم أيضا عن الاختلاف والفرقة، وأن سببها اتباع المناهج الباطلة، وأن من اتبع الحق منهج السلف رضوان الله تعالى عليه، فإن منهج السلف يوصل إلى الخير والاستقامة، وليس إلى الاختلاف والنزاع، إلى غير ذلك من الأحكام والمسائل التي تطرقنا إليها في المجلس الماضي، وما زلنا نعيش في أفيائها في مجلس اليوم، فنبدأ مستعينين بالله.

قال المصنف رحمه الله تعالى: وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها، في باب الصفات والقدر والإمامة وغير ذلك، هو من هذا الباب؛ فيه المجتهد المصيب، وفيه المجتهد المخطئ، ويكون المخطئ باغيا، وفيه الباغي من غير اجتهاد، وفيه المقصر فيما أمر به من الصبر، وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين، سواء كان قولا أو فعلا. ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة، ويصبر على جهل الجهول وظلمه إن كان غير متأول، وأما إن كان ذاك أيضا متأولا فخطؤه مغفور له.

عمد شيخ الإسلام ابن تيمية إلى قعد القواعد المهمة في طريقة التعامل مع المخالفين، وأنا قلت لكم سيتكلم بكلام عظيم في بيان منهج الإسلام في هذا الموضوع، فيقول: ولكن المصيب العادل؛ الإنسان الذي يعلم من نفسه أنه مصيب لمنهج السلف ويريد أن يحقق العدل مع المخالفين له، كيف يتصرف؟ هذه قاعدة عامة، ولكن المصيب لمنهج السلف العادل الذي يريد أن يعدل مع الناس المخالفين له، عليه أن يصبر عن الفتنة. لا يكون متسرعا مستعجلا من أجل أن يكسر الآخرين المخالفين له ويرفع عليهم الرايات ويسل عليهم السيوف، قال: فيصبر عن الفتنة، ويصبر على جهل الجهول وظلمه. يعني أنت أيها المحق يا من هداك الله لمنهج السلف، عليك أن توطن نفسك أن هناك الجهلاء من أهل البدع وأصحاب العقائد المنحرفة والسلوكيات الباطلة سيتسلطون عليك، فعليك أن تصبر على جهل الجهول وظلمه إن كان هذا الجهول الظالم غير متأول.

فما بالك إن كان متأولا، وهو مبتدع متأول ويرى نفسه على حق، فعليك أن تصبر إن كان غير متأول، وأما إن كان ذاك أيضا -أي ذاك الجهول الذي اعتدى عليك- متأولا أنه هو الذي يمثل منهج السلف فخطؤه مغفور له. طبعا هذا في حال كان تأويله خلينا نقول معقولا يعني مفهوم الأصول، فالله عز وجل يغفر له تأويله، وهو فيما يصيب به من أذى بقوله وفعله، تخيل ماذا يقول؟ هذه أبعاد إخواني، قال له أجر على اجتهاده. ماذا يقول شيخ الإسلام؟ يعني أنت تخيل المعادلة كم هي معقدة، أنا إنسان أعتقد نفسي مصيبا على منهج السلف، سيأتي إنسان آخر متأول يعتقد أنه هو على منهج السلف، وقد يمارس تصرفات ضدي، وقد يؤذيني، وقد يحاول أن يضيق علي في مساحة الدعوة وما شابه ذلك، وهو في فعلا في مخيلته ما هو في مخيلتك هكذا الحياة. أنت في مخيلتك أنك على منهج السلف، وهو في مخيلته أنه هو على منهج السلف، فسيصبح يأمر بالمعروف ضدك وينهى عن المنكر ضدك ويمارس كل هذه الممارسات ديانة يتعبد بها هو ربه. فيقول شيخ الإسلام: وهو فيما يصيب به من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرته على الدين، ويغفر له إن شاء الله خطؤه. ولذلك قال: وخطؤه -الذي هي البدعة- مغفور له إن شاء الله.

هذا كله إذا كان متأولا، ركز، متأول خلاص دخلت عليه الشبهة من جانب من الجوانب والله سبحانه وتعالى يغفر للجميع. طيب أنا يا شيخ يعني هو أجر وهو مبتدع وأنا اللي ظلمت وكذا؟ قال: وذلك محنة وابتلاء في حقك أنت يا أيها المظلوم. شوف الشبكة كم هي معقدة، يعني أنا سأصبر على هذا المبتدع، اللي هو هذا المبتدع مثاب على حرقة قلبه على الدين وإن كان هو مبتدعا في عقيدته، وأنا سأثاب على صبري على مشكلته. شبكة الأجور والثواب، وأنا سأثاب على صبري على اعتدائه علي. وهذا ما مثله ابن تيمية في حياته حقيقة، ابن تيمية تعرفون تعرض للسجون عدة مرات، فيسلط المبتدعة عليه، وكادوا أن يهموا بقتله ويحثوا السلطان على استئصاله باعتبار ابن تيمية في وجهة نظرهم المجسم المغير لطريقة السلف، ومع ذلك ابن تيمية كان يقول عندما يقال له: يعني إيش رأيك الآن نقتص من مخالفي؟ يقول: لا، أنا ما بدي تقتص منهم وأنا أسامحهم بيني وبين الله، ولعله أنا أذكر في إحدى القصص أنه قال: لعلهم يثابون فيما فعلوا بي من جهة ماذا؟ أنه هو خلاص متأول أنه هذا ابن تيمية الكافر المخالف، بالتالي لعله يثاب هو وأنا أثاب على صبري على محنته. شوف الفهم العالي والواسع لمثل هذه القضايا.

فيقول: أكمل، قال: فإذا صبر على ذلك واتقى الله كانت العاقبة له. كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. وبالتالي أنا المظلوم المحق اللي على طريقة السلف فعلا أنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ودائما نعلق على هذه الآية أنه من يتقي ويصبر أن الله سبحانه وتعالى أمر بالصبر على المحن والصبر على الظلم، بس الصبر بماذا؟ المقرون بالتقوى، الصبر الذي يكون معه عدل، وليس الصبر الذي يجعلني أغتاب المخالفين لي وأستنقص منهم وأستهزئ بهم بحجة أنه خلص يا شيخ مش على نهج السلف، بالتالي أغتاب وأستهزئ وأستخف به وبأهله، لا لا، ليس هذا هو الصبر. إنه من يتقي ويصبر لابد من صبر ممزوج بالتقوى، وليس أي صبر هو الذي يريده الله منك يا أيها المبتلى.

قال كما قال تعالى: ﴿وَلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى، وذلك تنبيه على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض، متأولين كانوا أو غير متأولين. يعني إذا كان الله أمر بالصبر على أذى أهل الكتاب فمن باب أولى أن يصبر الإنسان على هذا المسلم الذي هو مبتدع أو واقع في مخالفات.

قال وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا. فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ شوف شوف الكلام الفخم. فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم. يعني إحنا شو علاقتنا مع الصليبيين واليهود؟ نبغضهم، ولكن يقول: لا يحملك بغضك لهذا الصليبي أو اليهودي على ألا تعدل. فما بالك إذا كان المخطئ ليس يهوديا ولا صليبيا وإنما أخ لك في الدين، مبتدع أو فاسق؟ يقول: فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ فهذا أولى ألا تعدل. اليوم لما تشوف حال السوشيال ميديا والردود التي تخرج يمينا وشمالا، وكمية الظلم الهائلة التي يقع فيها، والكلام الفاحش والاعتداء، أو حتى في العلاقات بين مثلا الجماعات الإسلامية والأحزاب والفرق، وكيف هذه الجماعة تجد حجم كبير من عدم العدل والإنصاف، وأن بعضهم قد يعدل مع اليهود والنصارى ولا يعدل مع إخوانه من أهل البدع. أنت متخيل وين الظلم وصل؟ أن بعض أصحاب النفوس المريضة من المتصدرين هو قد يعدل مع اليهود والنصارى ويتكلم بإنصاف، ولما يتكلم عن جماعة إسلامية مخالفة له ينجر نجرا، طيب هؤلاء أولى أن تعدل معهم وأن تكون منصفا في الحكم عليهم.

قال: فهو أولى ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على المؤمن وإن كان ظالما. فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا، فإن الشيطان موكل ببني آدم، وهو يعرض للجميع، ولا يسلم أحد من مثل هذه الأمور، دع ما سواها من نوع تقصير في مأمور أو فعل محظور باجتهاد أو غير اجتهاد، وإن كان هو الحق جميل. فهذا موضع عظيم النفع، هذه قاعدة، قاعدة أنك يا صاحب الحق بدك تصبر وتحلم وتتقي الله وتعدل وإن كان ذاك ظلمك. يعني هذا هنا محكات عظيمة جدا لا يصبر عليها إلا أهل الإيمان ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، هذا الصبر الممزوج بتقوى الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول: ولا يسلم أحد من مثل هذه الأمور، يعني في مثل هذه لن تسلم لك حياتك يا أيها الداعي يا طالب العلم، فلا يسلم أحد منا من نوع تقصير في ماذا؟ في أننا نظلمهم وإن كنا أصحاب حق نعتقد، نظلمهم باستغلالهم أمور لا يجوز، بالاعتداء أحيانا، فلا يسلم أحد من نوع تقصير في مأمور أو حتى في فعل محظور معهم باجتهاد أو بغير اجتهاد.

قال وقال سبحانه لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: 55]. فأمره بالصبر، وأخبره أن وعد الله حق، وأمره أن يستغفر لذنبه. ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر، ففتن إما من ترك الحق، وإما من ترك الصبر. فالمحقق الذي لا يقصر يؤمر بالصبر، فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور. لاحظ ماذا قال، الآن سيعطيك ثلاث صور: فالمحقق الذي لا يقصر يؤمر بالصبر. إذا أنت الآن محق على طريقة السلف، ممتاز، مأمور أنت بماذا مع مخالفي من أهل البدع؟ بصبر، فإن لم تصبر فانت تركت المأمور.

قال: وان كان مجتهداً في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقاً، لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه؛ فينبغي أن يصبر عليه. وان كانت هذه العبارة ليست في كامل وضوحها، وان كان مجتهداً في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقاً، لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه، فينبغي أن يصبر عليه. ثم قال في الحديث: وان كان مقصراً في معرفة الحق، فصار ثلاثة ذنوب. هو يريد أن يخبرك أن الناس على ثلاثة مراتب هنا في التقصير؛ إذا أخذها رجل هو محق فعلاً ويعلم من نفسه أنه محق مئة بالمئة، فهذا إذا لم يصبر فما خطيئته؟ أنه لم يصبر فقط.

الحالة الثانية: شخص لم يصل بعد إلى الحق تماماً، ما زال مجتهداً في معرفة الحق وهو طالب العلم الذي لسه مش متأكد من مسالكه، فهو ما زال يجتهد في معرفة الحق، لكن مع ذلك هو لا يصبر على مخالفيه؛ فهذا عنده خطآن. في العادة أنه أصلاً قد لا يكون وصل إلى الحق التام، وهذه مشكلة، فأنت قد تدافع عن كثير من المسائل وفي آخر شيء تكتشف أن كلامي جزء منه صواب وجزء منه خطأ، فأنت ما زلت تتلمس طريق الهداية في مسائل الحق والإيمان ومسائل العقائد، وقد تكون أصبت في جزء وأخطأت في جزء، فما زلت مجتهداً في وصولك إلى الحق فيها ولم تصبر على مخالفك؛ فهنا أنت محاسب من جهتين، من جانب جزء من التقصير، جانب أنك لم تصل إلى الحق في بعض المسائل أصلاً، سواء في مسائل التبديع أو التفسيق أو ما شابه ذلك، وجانب أنك لم تصبر على مخالفيك.

الثالث: من هو؟ هو المقصر أصلاً في البحث عن الحق، خلص أخذ المسألة سريعاً ولم يلمها ويصبر على مخالفه، وهذا أسوأهم؛ فهو أصلاً قصر في الحق والوصول إليه ولا يصبر على مخالفيه، فهذا كم إثم له؟ قال: فصار له ثلاث ذنوب. أولاً: أنه لم يجتهد في معرفة الحق ويتعب في الوصول إليه وإنما تلقى المسائل من السوشيال ميديا، هكذا لم يبذل وسعه العلمي والحقيقي. ثانياً: أنه لم يصبه أصلاً، وهذا الخطأ الثاني، إذاً هو لم يجتهد في الوصول للحق ولم يصبه ولم يصبر على مخالفيه، فهذا عمل ثلاث مصائب؛ لم يجتهد في المعرفة وما بذل وسعه وطاقته وفعلياً كلامه قد يكون أصلاً خطأ، فعدم إصابته للحق ثالثاً أنه لم يصبر، فهذه ثلاثة خطايا.

إذاً ما هو المطلوب؟ إذاً هذه الأنواع الثلاثة كلها فيها نوع ذنب، فالمطلوب هو أن تصل إلى الحق جزماً، وأن تصبر عليه صبراً. إذاً هؤلاء الثلاثة كل واحد عنده خطأ، الأول عنده خطأ، الثاني عنده غلطان، الثالث عنده ثلاثة. إذاً ما هو الكمال؟ أن تصل إلى الحق، هذا الكمال، أن يوصلك الله إلى الحق بعد اجتهادك، أن تصل إلى الحق فعلاً وأن تصبر على مخالفك صبراً.

نعم شيخنا، شيخ رحمه الله هنا لما قال: وان كان مقصراً في معرفة الحق، أثبت أن عدم الإصابة أيضاً ذنب، ولكنه لما ذكر قبل قليل أن المجتهد إذا أخطأ فخطؤه مغفور له، هذا يعني أنه إذا كان مجتهداً وأخطأ فخطؤه يغفر، أما إذا كان غير مجتهد وأخطأ فحتى عدم إصابة الحق هو ذنب؟ طبعاً، إذا لم تصب الحق نتيجة تقصير، نتيجة أنك لم تقم بما هو مطلوب منك، فهذا لا تحصل له أجر ولا يكون من الخطأ المغفور، بل هذا ناتج عن تقصيرك وعدم بحثك، بالتالي ليس معذوراً فيثب.

قال: وقد يكون مصيباً فيما عرفه من الحق فيما يتعلق بنفسه، ولم يكن مصيباً في معرفة حكم الله في غيره، وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصل يختلف فيه بسماع وخبر، أو بقياس ونظر، أو بمعرفة وبصر، ويظن مع ذلك أن ذلك الغير التارك للإقرار بذلك الحق الذي أنا وصلت له عاص أو فاسق أو كافر حقيقة، ولا يكون الأمر كذلك، لأنه هو فعلياً لا مخالفك مش فاسق عند الله ولا مبتدع أو كافر؛ لأن ذلك الغير يكون مجتهداً قد استفرغ وسعه ولا يقدر على معرفة الأول لعدم المقتضي ووجود المانع.

هذه قاعدة عظيمة، هذه بدك تفهمها جداً، أنه أكثر اليوم السفهاء الذين يتصدرون على السوشيال ميديا في التسرع في الحكم على الناس بأنهم العلماء الأقدمين المحققين، بأن فلاناً مبتدع ولازم تقول إنه مبتدع أو كافر ولازم تقول إنه كافر، هم لا يعرفون هذا المنهج، وهذا منهج من؟ وهذه مقامات التأصيل، ومن جهل المتصدرين على السوشيال ميديا اليوم ما هي؟ أنهم يذهبون إلى قضايا أعيان وسجالات بين ابن تيمية ومخالفين له، فابن تيمية تفلت منه كلمات يقول: وهؤلاء الصوفية المشركون عباد القبور، أو هؤلاء، وكان في مناظرة مع أشعري، اثنين أتعباه وكان عندهم لف ودوران، فقال: هؤلاء المرتدون. هو هذه قضية عين، ابن تيمية يتكلم فيها مع مخالفين معينين، فقد تصدر منه كلمات في سياق معين، إحنا ما كناش جالسين مع ابن تيمية في المناظرة حتى نعرف لماذا تكلم بهذه اللهجة، وأحياناً قد يطلق كلمات في سياق الذم وأن هذا من عادات المشركين، ولا يقصد حقيقته أن الواقع هو مشرك فعلياً.

فمن أكبر المغالطات في التعامل مع تراث ابن تيمية هو أنك تنتقي منه ما تشتهي، وتبحث بعض الناس تدخل على الشاملة بصير يبحث وين قال ابن تيمية كلمة مشركين، بجيب لك إياها بلملم لك إياها، ها مشركين مشركين مشركين، ها شايفين شو ابن تيمية، هذا هو ها! القراءة العلمية لتراث ابن تيمية، هذا هو البحث العلمي في تراث ابن تيمية؟ أم الأصل وهذا منهج علمي؟ أنه أولاً لا بد أن أنظر ابن تيمية ما هي المقامات التي يؤصل فيها لفكرة التبديع والتفسيق؟ هذه التي تمثل منهجه، وأين ما قضايا الأعيان والمناظرات الخاصة بينه وبين مخالفيه في زمانه؟ هذه أنا قد لا أستطيع أن آخذ منها شيئاً يقينياً لأني أنا مش جالس معه في المناظرة لأعرف لماذا تفوه بهذه الكلمة.

فرأيت أحد هؤلاء جماعة السوشيال ميديا يأخذ كلام ابن تيمية في ثنايا المناظرات ويعطيه إسقاطاً عاماً، أنه ها هي ابن تيمية يحكم على الأشاعرة بالتكفير، بتروح تشوف النص الذي أخذ منه هذا الكلام، ابن تيمية بس يتكلم مع اثنين لفوا وداروا في المناظرة وقضية عين، وحتى إحنا مش عارفين شو في سياقها، يعني كان كلام مش واضح لماذا أنزل عليهم الحكم، ويترك كلمات الواضحات في سياقات كتبه مثل الاستقامة والجواب الصحيح وغيرها التي يؤصل فيها لعذر للمخالف. ابن تيمية إخواني عذر من هو أعلى من الأشعري، من هو أعلى من الأشاعرة، فأنا يعني أحترم الشخص الذي يقرأ قراءة علمية وإن خالفني، يعني أنا أحترم الشخص الذي يصل لقناعات معينة بغض النظر أنني أراها خاطئة، لكن أشعر أنه يمارس منهجاً علمياً في القراءة. أما هؤلاء الذين يقرأون نصاً نصاً وعشر صفحات وكذا ويأخذ منها الذي يريده ومن أجل أن يشبع هواه، هذه لا تمثل منهجاً علمياً ولا قراءة علمية، وبيجي بيقول لك هو نفسه هذا آخر شيء أنه أنت ما فهمتش ابن تيمية، أنت فهمت يعني مشكلته هي اللي أنا أحيا أنه أنت الذي مش فاهم ابن تيمية، ما هو فاهم ابن تيمية في هذه الاقتباسات العشوائية الهوائية.

شوف هذا الكلام الفخم ماذا يقول هنا شيخ الإسلام: أنت قد تكون مصيباً فيما وصلت إليه من الحق في باب العقائد والأسماء والصفات والتوحيد وما شابه ذلك، تكون مصيباً، لكن أين يقع منك الخطأ؟ في الحكم على المخالف، لم تصب في حكمك على مخالفك، ويقصد هنا الأحكام العينية، يقصد هنا في الحكم العيني على المخالف، أما الحكم العام أنه من قال إن الله لا يرى فهذا كلام كفر، من قال هس الكلام المطلق سهل وواضح، لكن هو يقصد الحكم على عينه. أنت قد تخطئ في ذلك، لماذا؟ وذلك بأن يكون هذا الشخص أنت مثلاً علمت الحق في أصل من الأصول التي تختلف فيها الفرق الإسلامية، مثلاً علمت الحق في باب القضاء والقدر، وقع خلاف بين الإسلاميين في باب القضاء والقدر، أنت في هذا الأصل العظيم في باب القضاء والقدر عرفت الحق بحمد الله، وهذا الأصل يقع فيه الخلاف بسبب ماذا؟ سماع وخبر، أي بعض النصوص التي اختلف في فهمها، اختلف في فهمها طبعاً مش ضروري يكون الخلاف برضه كله خلاف اجتهادي، لا في خلاف اجتهادي وقد يكون خلاف مش اجتهادي لكنه متأول هو في فهمها على طريقة الأشاعرة وهؤلاء الذين يؤلون مثل هذه النصوص.

إذاً وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصل من أصول الدين التي يختلف فيها، إما من جهة السماع والخبر، طبعاً هنا قد يكون حتى أصلاً من الأصول الفقهية زي مسألة النبيذ، برضه ابن تيمية هنا كما مر معنا في الدرس الماضي، هو لا يرد فقط في جانب العقائد، بل كمان مر معنا في جانب الفقهيات. هو في العقائد أو الفقهيات أو يكون وقع الخلاف بسبب قياس ونظر، فأنا استعملت القياس الصحيح وخصمي استعمل قياساً خاطئاً من أقيسة الأرسطي مثلاً، أو بمعرفة وبصر، أنه في بعض المسائل تحتاج إلى نوع من التبصر والمعرفة العلمية الدقيقة والتحليل، ربنا وفقني لم يوفق ذلك الخصم. المهم ويظن مع ذلك أن ذلك الغير الذي هو مخالف إليّ، عاص أو فاسق أو كافر أو مبتدع عينه، فأنت إذا عرفت الحق لكنك تظن أن خصمك كافر أو تنزل عليه أنه مبتدع أو تنزل عليه أنه فاسق.

قال: ولا يكون الأمر كذلك، وهو عند الله ليس كذلك، خصمك ليس كافراً أو ليس مبتدعاً بعينه عند الله وإن كان ما قاله بدعة، ركز، وإن كان ما قاله ككلمة كفر لكن هو ليس كافراً عند الله وأنت أخطأت في الحكم عليه، أو ليس مبتدعاً عند الله وأنت أخطأت في الحكم عليه، لماذا؟ لأن ذلك الغير يكون مجتهداً، هو بذل جهد خصمه وهذا ضمن سياق حياته وضمن سياق معرفته وشيوخه، هذا أقصى ما استطاع أن يصل إليه في فهم هذه المسألة، فقد يكون مجتهداً قد لاحظ، ما هو متى يعتبر طبعاً مجتهداً؟ قد استفرغ وسعه وخلص، ولا يقدر على معرفة الأول لعدم المقتضي، أي لعدم المقتضي لوجود هذه المعرفة، لا يوجد شيء يقتضي وجود هذه المعرفة، أو وجود مانع يمنع من وجودها، المقتضي قد يكون موجوداً لكن هناك موانع حالّة بيني وبين الوصول إليه، ففي النهاية حتى نحكم على شخص بعينه لا بد من توفر الشروط والتأكد من انتفاء الموانع، ولا أنا في النهاية أرمي في عماية، أرمي في عماية.

فالحكم المطلق يختلف عن حكم العين، فهذا النص يمثل قاعدة عظيمة تأصيلية، لماذا اهتم بالكلام التأصيلي؟ ففرق بين ابن تيمية وهو يؤصل لمنهج وبين ابن تيمية وهو يمارس ممارسات في حياته، لأنه الممارسات، لذلك يقول دائماً في أصول الفقه ما هي القاعدة؟ قضايا الأعيان إذا كُسيت بثوب الإجمال سقط بها الاستدلال، يعني ابن تيمية قد تصرفاته العينية قد تُكسى ثوب الإجمال، يعني قد لا أعرف هو ليش حكى هذه الكلمة في سياق مناظرة معينة أو ايش اللي استفزه هنا وهو بشر، يعني كمان في السياقات العينية. ففي قضايا الأعيان إذا كُسيت ثوب الإجمال وما عدت أعرف هو لماذا تفوه خلص سقط بها الاستدلال، لا تستدل بحالة عينية، استدل بماذا يؤصل الرجل، ماذا يقعد، كيف يؤصل للأفكار، وأما سياقات حياته الشخصية فهذا يقع فيه الخطأ ويقع فيه أحياناً أشياء نحن لا نفهمها، لأنني لم أكن جالساً معه في تلك المناظرة لأعرف ما الذي حصل.

كمل قال: وأمور القلوب.

أمور القلوب لها أسباب كثيرة؛ فكيف يفكر فلان، وكيف أفكر أنا، وكيف تنظر أنت، وكيف أنظر أنا، ولماذا استطعت أنا فهمها بينما لم تستطع أنت؟ أمور القلوب لها أسباب كثيرة، فأنت لا تعرف ما في قلب خصمك، وهو لا يعرف ما في قلبي، ولا تعرف الأمور النفسية التي أفرزت هذا القول عندي، وشو الأمور الأخرى التي أفرزت ذاك القول. فدائماً أقول: الحمد لله أن الحساب عند الله؛ أي والله الحمد لله أن الحساب عند العدل سبحانه وتعالى. نحن لو أردنا أن نحاسب بعضنا لجرنا بعضنا، والحمد لله أن الحساب عند الله وليس بأيدي البشر.

قال: ولا يعرف كل أحد حال غيره من إيذاء له بقول أو فعل، قد يحسب المؤذى إذا كان مظلوماً لا ريب فيه، أن ذلك المؤذي محض باغ عليه، ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن، ويكون مخطئاً في هذين الأصلين؛ اللي هو: أن المؤذي محض باغ عليه، وأنه يجب عليه أن يدفع ظلمه بكل ممكن. كلاهما خطأ، وهذا الخطأ ناشئ من أن الإنسان بطبيعته لا يحب أن يُظلم، فإذا جاءت فرقة إسلامية ظلمتك، ستصل إلى أصلين خاطئين: ستقول هؤلاء بغاة وهؤلاء فسقوا وظلموا، وتبدأ تزداد لهجتك وعنفك في نظرتك لهذه الفرقة الإسلامية أنهم بغاة، وتبدأ في مجالسكم الخاصة: "شفتوا شو عملوا هذول البغاة؟ شفتوا شو عملوا هذول الفاسدين؟". فأولاً ستنظر إليهم على أنهم محض باغ عليك، وثانياً ستحس أنك تدفع ظلمه بكل ممكن؛ يعني ستتخذ الإجراء الثاني أنه لازم ندفع ظلمهم بكل ممكن، وتجمع الشباب ويلا يا جماعة على السوشيال ميديا بدنا نطحنهم طحن، أو بدنا نروح على بيت فلان نضربه لأنه ضرب الشيخ، وهكذا تصير القضايا.

فيقول ابن تيمية: وهذا الشخص المحق في عقيدته المظلوم، مخطئ في أمرين: مخطئ في نظرته إلى خصمه أنه محض باغ، ومخطئ في تفكيره هو وجماعته أنه يريد أن ينتصر وأن يدفع الظلم مهما أمكن. طيب شو المطلوب مني وأنا صاحب حق وظلمت؟ قال ابن تيمية في فلسفة الوجود التي يتكلم فيها: قد يكون المؤذى متأولاً مخطئاً، والجماعة ذيك الإسلامية اللي هجمت عليك قد تكون متأولة مخطئة والله يغفر لها، هذا أول شيء. ثانياً: قال وإن كان ظالماً لا تأويل له، فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة، وهذه ركزوا عليها الآن؛ هذه الجماعة التي هجمت علي أو تكلمت فيّ أو ربما آذتني بقول أو فعل، أولاً قد تكون متأولة مخطئة الله يغفر لها خطأها، وإذا كانت متأولة مخطئة فحري بك ألا تندفع في الدخول معها في مناوشات، وأن تصبر على أذاها لك.

بل حتى هو فرض الخيار الأصعب: بل حتى لو كانوا غير متأولين -يعني في أسوأ الاحتمالات- الحري بك أن تصبر على الأذى لئلا تسبب فتنة في الأمة. تكلموا عليك؟ رد بفلسفة؛ إنه أي واحد رد علي لازم أنا أرد عليه هذه ما هي فلسفة صحيحة. أنا أرد على الشبهات لأنصر حقاً، لكن مش برد مشان نفسي. اليوم إذا بتلاحظوا ما يحدث أحياناً في السوشيال ميديا، الذي يرد يرد من أجل أن فلاناً نزل مقطع وأنا بدي أرد بمقطع، مش قضية الحق، وأنا ما رديت عليه بدك تقنعني أنه انت الآن جاي -طبعاً هو لابس أنه بده ينصر الدين وكذا- بس ما تمشيلنا إياها. الفكرة أن ابن تيمية يقول: مش كل ما واحد حكى عنك كلمة بدك تطلع مقطع وترد، وبعدين هو يرجع يطلع مقطع، وأنا أرجع، لأنه هنا تصيب فتنة بين الجماهير، أنت تسبب فتنة في مقام معين. الذي يتقي الله في هذه الأمة ويعرف، خلص الشبهات رديت عليها، ما عدا ذلك هذه مقاطع استفزازية؛ اصمت، فالصمت هذا صبر. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120].

فليس المطلوب إذاً أن أتعامل دائماً بمنهجية رد الفعل، بل وإن كان ظالماً خصمي لا تأويل له، فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة؛ ما بصير أنا مشان هو ظلمني بدي أرد الظلم، بس أنا عارف أنه بمجرد ما عملت مقطع في الرد عليه رح الجمهور تاعي والجمهور تاعه يدخلوا ببعض. طب أنا قبل ما أقرر أصور مقطع، مش الأصل أني أتانى شوي؟ ماشي فلان ظلمني وتكلم فيّ بما ليس فيّ، الآن إذا أنا خرجت بمقطع بدي أكون حاسب حساب التوابع؛ في ناس تتبعني وفي ناس تتبعه، وما سيحصل ستحدث فتنة. لا، أنا ما بدي فتنة، فأصبر وأسكت، مش أصبر عن بيان الحق؛ لا، إذا في مسألة فيها شبهات عقدية أو فكرية، أنا فقط أخرج: السلام عليكم، هناك بعض الشبهات -بدون ما أذكر شخص- تطرح حول فكرة معينة، واحد اثنين ثلاثة، هكذا الإجابة عنها، سلام عليكم، بدون ما أعمل إشكالات بين جمهوري وجمهوره.

ويقول: فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة وبما فيه شر أعظم من ظلمه، وهي قاعدة أهون الشرين؛ أيهما أهون أني أتحمل ظلم واقع علي عيناً ولا أعمل فتنة بين شباب الأمة وشبابي وشبابه؟ لا، أن تتحمل الظلم الواقع عليك وترضى وتقول الحمد لله، خلص ربنا سلطه علي وأنا بدي أتحمل، هذا أخف شراً من أنك تعمل فتنة بين عوام الناس وعوام طلاب العلم على السوشيال ميديا. شوف هذا التحليل العميق لكيفية التعامل الصحيح عند الفتن وعند الاختلاف وعند النزاع، وأن الإنسان يغلب مصلحة الأمة على مصلحته الشخصية؛ هذا كلام العلماء الكبار الذين لا يعملون لحسابات شخصية، بل يعملون لدين ويعملون لله سبحانه وتعالى.

قال: إنما يقع المظلوم في هذا لجزعه وضعف صبره أو لقلة علمه وضعف رأيه. إذاً هذا الشخص المظلوم المحق -ركز هذا المظلوم المحق- الذي قرر أن يهجم على ظالمه المبطل، وتولع الأمور بينهم وبين الجماهير، لماذا يقع في هذا؟ قال: إما لجزعه وضعف صبره، شوف التحليل، أنه أنت مش قادر تصبر، يا شيخ ماشي أنت على الحق، ونحن عارفين والله أنك مظلوم، بس بدك تصبر، بدك تستحمل، بدك تكون رجلاً على قدر اهتمام الأمة وحاجتها، فإذا أنت مندفع دائماً بمقاطعك؛ إذا عندك ضعف في جانب الصبر، وإن كنت مصيباً في جانب العقيدة، لكنك عندك ضعف في جانب الصبر. وإنما يقع المظلوم في هذا الاستعجال لجزعه وضعف صبره، أو لقلة علمه وضعف رأيه، يعني قلة علمه في إدارة الخلاف، وضعف عقله كيف تدار الأمور والنزاعات، ضعيف البصيرة في هذه، أسأل الله العافية.

قال: فإنه قد يحسب أن القتال ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه، ولا يعلم أنه يضاعف الشر كما هو الواقع. شوف شوف الكلام الفخم؛ فهذا الشخص المحق المظلوم يحسب -والشيطان طبعاً يساعد فيه- أن القتال ونحوه من الفتن به يدفع الظلم عنه، ركزوا هنا، لأنه هذا كثير ما أسمعه في السجالات، أن بعض الناس بقول لك: يا شيخ رد، بدنا ندفع الظلم، لازم ندفع الظلم، ما بصير فلان، لا لا.. من قال لك هذا الكلام؟ شوف هذا الكلام إخواني ركزوا فيه، بعض الشباب يجيء على بعض المشايخ أو الدعاة أو حتى نفسهم بعض الدعاة يقول لك: هذا ظلم ولازم يدفع الظلم، ويوقف الظالم الآن. ككلام عام استعراضي حلو، بس أنا بدي أنظر في هذه الواقعة، ماشي أنت ظلمت -وهذا كثيراً ما أردد على مسامعهم- من الذي قال لك إن الإجراء الصحيح أنه لازم أرد المظلمة أمام الناس وأدافع؟ هذه الطريقة خاطئة في معالجة القضايا، ولازم هذا الكلام يقرأه الدعاة والمتصدرون وأصحاب السوشيال ميديا وغيرهم. مش قضية أنا مظلوم بالتالي لازم أسترد مظلمتي أمام الناس وآخذ حقي وأنصف نفسي، لا، هذه كلها كلمات ما هي صحيحة.

يقول ابن تيمية: فإنه قد يحسب هذا الشخص أن القتال ونحوه -يعني زي تصوير مقاطع على السوشيال ميديا، أسقط الكلام على الواقع- أن القتال ونحوه من الفتن التي ستفعل، هذا يدفع الظلم عنه وأنا لازم أدفع الظلم عني، قال: ولا يعلم أن ما سيفعله يضاعف الشر، يضاعف الشر بين شباب الأمة كما هو الواقع. بقول لك حياته ابن تيمية: هذا الواقع هذا اللي شايفه، وقد يكون.. بس شو المشكلة؟ وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر، هو فعلياً صحيح بصور الأمر أنني أريد أن أدفع الظلم، لكن هو في الباطن عنده جزع وعدم قدرة على الصبر، فأخطأ في هذا الجانب، هو عم يترجم أمام الناس أنه أريد أن أدفع الظلم وأقرر الحق، لا هو أنت المشكلة فيك أنت، أنك لا تملك صبراً، وأنك جزعت وضعفت فما عدت تستحمل وقوع الظلم عليك، فأردت أنك خلاص انفجرت، أصبحت تريد أن تدفع المظلمة بغض النظر ما هو الثمن الذي سيدفع من شباب الأمة، المهم أني أدفع المظلمة عن نفسي ولم تعد أن تصبر لمحنة شباب الأمة.

هذا إخواني يعني أرجو أن يبقى في حياتكم، قاعدة عظيمة: أحياناً نظلم ونحتاج أن نصبر ولا نعجل حرصاً على شباب الأمة. طيب يا شيخ ظلمت، تصبر على مظلمتك، وهذا نوع من الجهاد، هذا جهاد في سبيل الله؛ اصبر على مظلمتك وتسكت، ليه؟ عارف أني ضربت لكن هناك مصلحة للأمة أنت مسؤول عنها. إذا أنت تعلم من نفسك أنني والله شيخ شخص غير صبور، أنا شخص ما بعرف أنا إذا ظلمت طبيعتي أنني أدخل بوز في المخالف، لا أستطيع أن أتحمل الظلم إذاً حقيقة قد تكون نصيحتي لك أنك ما تتصدر، أي نصيحتي لك إذا كنت تعلم من نفسك ضعفاً بهذه المواقف عن الصبر، والله نصيحتي لك أنك لا تتصدر، لتلقى الله عز وجل فتانا، النبي عليه الصلاه والسلام قال لمعاذ أي تفتان، وهذا معاذ بن جبل أفقه الأمة بالحلال والحرام، لما طول على الصحابة ايش قال له؟ «أفتان أنت يا معاذ؟»، هذا بس على خطأ يسير، فما بالك برجل يريد أن يفتن الشباب ويدخلهم ببعض، فتنة أعظم من فتنة معاذ وهو أحق أن تقول أفتان أنت؟ لاحظ أفتان أنت، هذا تدقيق وتفصيل مهم كيف يتعامل طالب العلم في أوقات الفتن.

قال: والله سبحانه قد وصف الأئمة بالصبر واليقين، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، وقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. وذلك أن المظلوم وإن كان مأذوناً له في دفع الظلم عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]، فذلك مشروط بشرطين؛ جميل، خلينا نركز سامحوني بطيء شوي هون بس لأنه حقيقة كلام ما بصير هيك يمر سريعاً. الآن سيجيء المخالف لابن تيمية ايش يقول له؟ يا أخي أنت كيف تمنعني أني أدفع الظلم عن نفسي والله يقول: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾؟ أنا ظلمت وبدي أدفع الظلم عن نفسي، معقول ما أدفع الظلم عن نفسي؟ هي الآية تقول: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾، أي إنسان ينتصر بعد أن ظلم فأولئك ما عليهم لا حرج عليهم، حقه أنه يدافع عن نفسه، طيب إذا الله يأمر أو يعطي مساحة للمظلوم أن ينتصر، ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]. طب هذه الآيات كيف يفهمها ابن تيمية ضمن هذا السياق؟

فيقول: هذه الآيات دفع الظلم هنا مشروط بشرطين: أولاً القدرة على ذلك، أنك تكون قادراً على أن تدفع هذا الظلم، ثانياً ألا يسبب دفعك للظلم اعتداء، قال ألا يعتدي، لأنه أحياناً ممكن أكون مظلوم بدي أدفع الظلم عن نفسي، فأنا بدفع الظلم عن نفسي أتجاوز الحد، يصبح دفاعي ماذا؟ اعتداءً. وهذا أحد التفسيرات لقوله لا ضرر ولا ضرار؛ صحيح أن الضرر الذي تقع ابتداء، والضرار أنك ترد المظلمة بس تتجاوز الحد في دفع الظلم عن نفسك. فيقول ابن تيمية: الانتصار للنفس بعد الظلم مشروط بشرطين: أحدهما أن تمتلك القدرة على ذلك، ثانياً ألا يعتدي أحد، فإن كان عاجزاً وكان الانتصار يفضي إلى عدوان زائد لم يجز، وهذا هو أصل النهي عن الفتنة. شوف هذا الكلام الآن؛ ايش تطبيق هذه الآية؟ مين فهم وكيف يريد أن نطبقها؟ أحكي يعني كيف ابن تيمية أجاب؟ أسامة الشرط الثاني لابن تيمية ايش هو الشرط الثاني؟ وكيف تحقق هنا في هذا الرجل في هذا السياق، القتال أو دفع فتنة أكبر حصل اعتداء؟ أحسنت، هو أنه أنت لما دفعت الظلم عن نفسك أنت تعلم أنها ستحصل فتنة بين الشباب.

هل أنت لما دفعت الظلم عن نفسك رديت ظلماً مقابل ظلم، ولا لما أنت رديت الظلم انتشرت فتنة أكبر؟ أنا لما رديت المظلمة انتشرت الفتنة وصار في فرقة بين شباب المسلمين، بالتالي هل أنا فعلياً بعض الناس يقول لك وتصير فرقة بين شباب المسلمين، أنا المهم أني رديت المظلمة عن نفسي، لا بطلع لك. هو كيف بصير عند البعض التفكير أنه أنا ما لي دخل بالعواقب، ظلمني أنا برد المظلمة بغض النظر عن العواقب؛ تصير فتنة بين جمهوري وجمهوره أو أتباعي وأتباعه أنا ما لي دخل، أنا رديت المظلمة بمظلمة. لا، ابن تيمية يقول لك لك دخل؛ فإذا كنت تعلم أن ردك للمظلمة فيه فرقة شباب المسلمين، ردك للظلم هنا لا يجوز، ردك للمظلوم هنا نظراً لعواقبها وأنها ستؤدي إلى اندلاع النار.

أنا رح أقيم موقفي؛ إذا أنا سكتت عن رد المظلمة خلص رح توقف الأمور عند هذا الحد، أنا راح أكون مجروح من داخلي متألم، بس أنا ماذا فعلت؟ وقفت الفتنة، وقفت النار. أنا إذا أنا باشرت بالرد أنا شفيت غليلي صح، ورديت، بس أنا أشعلت النار وحرائق في كثير من بلدان المسلمين بهذا الرد، فهنا ابن تيمية يقول لك لا، هنا أنت اعتديت. شيخ أنا ما اعتديت، أنا رديت! لا، أنت اعتديت أنك لم تنظر إلى العواقب، فنتيجة الاعتداء أنك لم تحسب العواقب ولم تعطِ لها قدراً وأنت ترد. والأصل في العالم المتبصر أن يحسب العواقب، وأن يجعل لها قدراً، وأن لا يلقي الكلام بدون أن يحسب مآلاته. نعم، وهذا هو أصل النهي عن الفتنة.

فإذا كان المنتصر عاجزاً أو انتصاره فيه عدوان، فهذا مثل هذا. يعني باختصار إذا هناك شرطان في رد الظلم: أن تكون قادراً، لأنه إذا ما كنت قادراً ممكن أنت تقع نفسك في مهالك، أليس كذلك؟ وتكون سبباً في فتنة كمان من جهة أخرى، خاصة الظلم لما يكون في مقام السلاطين، وقع عليك ظلم عام وأنا مش قادر أرده، لما بدك تيجي ترده وأنت مش قادر، أنت بتطحن نفسك، ممكن تطحن أهلك وناس حواليك، فلا يجوز أن ترد المظلمة وأنت في حالة من الاستضعاف لا تستطيع أن تردها. وهذا أيضاً مهم وإن كان ليس هو سياق كلامنا، لكن مهم حتى تفهم أيش يعني القدرة، أنه قد يكون وقع عليه ظلم من مستبدين ظالمين، فأجي أقول أنا بدي أرد الظلم، طيب أنت سيدي أيش عندك ترد الظلم؟ فأنت إذا رددت الظلم وأنت لا تستطيع، أنت ترى قد تؤدي إلى سفك الدماء وذهاب الأطفال وانتهاك الأعراض، فهذا لا يجوز.

وهذا أيضاً من قواعد السياسة الشرعية؛ إخواني أي جماعة أو طائفة أو شيء إسلامي يريد أن يدفع مظلمة واقعة وهو لا يمتلك القدرات على دفعها، ترى ما تقول لي لا أهم شيء أنه يدفع الظلم، لا، هو بدك تدفع الظلم بدك يكون فيه نوع قدرة على دفعه حتى لا توقعني وتوقع الناس في مهالك، فالقدرة على الدفع شرط، وعدم الاعتداء أثناء الدفع شرط. هذا كلام تأصيلي، والنهي عن المنكر بحسب إظهار السنة والشريعة، والنهي عن البدعة والضلالات بحسب الإمكان، كما دل على وجوب ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

لا يفهم من كلام ابن تيمية في هذه القواعد أن السكوت عن الظلم من أجل دفع الفتن يعني أنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، كأنه نوع استدراك؛ هو يقول لك أنا ما بقول لك لا تؤمر بالمعروف وتنه عن المنكر. ناقش المسائل كمسائل صح ولا لا؟ لأنه بعض الناس رح يرجع يقول لي بعدين طيب يعني يا شيخ نخلي العقائد الباطلة تنتشر؟ إحنا بنتكلم شيخ عن الأعيان والتصرف مع أعيان ووقائع، أما ما بنتكلم عن القول كقول باطل، يا أخي عادي، امسك أي كتاب، إحنا شو بنسوي في جلسة؟ امسك أقوال الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وناقش القول وبين فساده، ورد هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبقى حاضراً.

إحنا كلامنا في التعامل مع أعيان وأشخاص وطوائف، مش كلامنا عن الفكرة نفسها أنها إذا منكر تنهى عنها، لا، سيبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائماً، بس تبقى قواعد هذا؛ لكن الممارسات ما بعد ذلك، الممارسات على الواقع مع أعيانه، لا، هذا بده الفقه اللي إحنا تكلمنا فيه.

وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك، فيرى أن الأمر والنهي لا يقوم إلا بفتنة. هذه والله كلام عظيم هنا؛ بعض الناس شايف أنه لا أنا يا شيخ لا يمكن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر إلا لازم أعمل مشكلة كبيرة في الواقع، ما بتزبط معي قضية أنه آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر بدون فتنة، صعب؛ يا بآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر بنذبح بعض مع غيرنا، يا أنه خلص بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أظنك ترتضي لي ذلك. فأكيد أنت مع جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا أظن أنك ترتضي لذلك، فعاد بدك تستحمل مني أني أعمل فتن، لا، هذا يدل على ضعف بصيرتك وقلة عقلك.

مين قال لك ابن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن أن يحصل إلا بفتنة، وأنه نختلف مع بعض لدرجة أنه نسفك دماءنا وتصير تحزبات وجماعات ويدخل بعضنا بعضاً في مشكلة، أليس كذلك؟ في مشكلة في هذه الحالة، ابن تيمية يقول: وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك، فيرى أن الأمر والنهي لا يمكن أن يقوم إلا أن نعمل فتنة بين الشباب، وهذا ناتج عن ضعف عقله وضعف بصيرته.

فإما أن يؤمر بهما جميعاً أو ينهى عنهما جميعاً وليس كذلك، بل يؤمر وينهى ويصبر على الفتنة، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17]. وقال عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، فأمرهم بالطاعة ونهاهم عن منازعة الأمر أهله، وأمرهم بالقيام بالحق.

ولأجل ما يظن من تعارض هذين، تعرض الحيرة في ذلك لطوائف من الناس؛ الحائر الذي لا يدري لعدم ظهور الحق وتميز المفعول من المتروك ما يفعل، أما لخفاء الحق عليه، أو لخفاء ما يناسب هواه عليه. فإذا ابن تيمية يقرر أنه فيه هوى داخل، الهوى عم يدخل في طريقة أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.

والبدعة مقرونة بالفرقة كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السنة والجماعة كما يقال أهل البدعة والفرقة، وقد بسطنا هذا كله في غير هذا الموضوع، وإنما المقصود هنا التنبيه على وجه تلازمهما. فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذلك بدعة.

وهذا موجود من جميع أهل التاويل المتفرقين من الأولين والآخرين؛ فإنهم إذا رأوا ما فعلوا مأموراً به ولم يكن كذلك فليس ما فعلوه سنة، بل هو بدعة متأولة مجتهد فيها.

متاول مجتهد فيها؟ بس ليش قال من المنافقين؟ هذه مشكلة، لماذا اختار كلمة يقول بدعة متاول مجتهد فيها؟ كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]. وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7].

وتجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفرقة من أهل الإيمان والنفاق يصنفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك، ويتقربون إليهم بالتصنيف فيما يوافقهم، كما صنف كتاب تحليل النبيذ لبعض الأمراء الكرخي. وتجد أئمة أهل العلم من أهل البدعة والفرقة، يعني هو يقصد رؤوس أهل العلم من أهل البدعة والفرقة من أهل الإيمان والنفاق، يعني من اجتمع فيه إيمان ونفاق، فيصنف لأهل السيف يعني للسلطان، أو لأهل المال للأغنياء من الملوك والوزراء، يصنفون لهم المصنفات التي يتقربون بها إليهم، كما صنف بعضهم لأحد السلاطين كتاب تحليل النبيذ لبعض الأمراء، وهو الكرخي؛ قيل إن الكرخي هو من صنف كتاب تحليل النبيذ لأحد الأمراء حتى يبحبحه في شرب النبيذ، وهو شكل من أشكال الخمر.

وقد صنف الجاحظ قبله كتاباً لكن أظنه مطلقا، وكما صنف ابن فورك كتاباً في مذهب ابن كلاب، وهنا المحشي يقول: وأخشى أن تكون العبارة ناقصة أو محرفة لكن أظنه مطلقا، وكما صنف ابن فورك كتاباً في مذهب ابن كلاب الرئيسي، وكما صنف أبو المعالي النظامية والغياث لنظام الملك؛ نعم معروف الجويني صنف كتاب النظامية وكتاب الغياث، الذي هو كتابه في السياسة الشرعية صنفه لصالح الوزير نظام الملك السلجوقي، ليرى أن هؤلاء من أهل البدع كثيراً ما يصنفون الكتب لصالح أصحاب الأموال والسلاطين.

وكما صنف الرازي كتاب الملخص في الفلسفة لوزير وقته زهير، وكتابه في أحكام النجوم لملك وقته علاء الدين، وكتاباً في السحر وعبادة الأوثان لملك، هذا الكتاب الذي ابن تيمية حذر فيه من الرازي، الكتاب السر المكتوم في عبادة النجوم، وقيل إنه تاب منه وقيل أشياء كثيرة فالله أعلم بالحال. وكما صنف السهروردي الحلبي المقتول الألواح العمادية في المبدأ والمعاد، لعماد الدين قره أرسلان بن داوود؛ السهروردي مقتول، الذي قتله صلاح الدين الأيوبي، صلاح الدين الأيوبي أمر بقتل السهروردي لأنه كان يقول بالفلسفة الكفرية، وألف كتاب الألواح العمادية على طريقة فلاسفة الهند وهو كتاب كفري وكان يستحق القتل، لمن صنف هذا الكتاب؟ للأمير عماد الدين قره أرسلان بن داوود. وقال فيه: لما تواترت لدي مكاتبات الملك فلان وقد أمرني بتحرير عجالة شديدة الإيجاز بينت الإعجاز، تتضمن ما لا بد من معرفته في المبدأ والمعاد على ما يراه من متألهي وأساطين الفضلاء، فبادرت إلى امتثال مرسومه وتحصيل مطلوبه، وكنت قد صنفت مختصرات صنفها بعض المتأخرين وراء زمانهم وملوك أزمانهم، وسمعت أنها ما انتفعوا بها لأنهم عدلوا عن مصلحة التعليم وطريق التفهيم وما غيروا شيئاً من الاصطلاحات الغامضة المأخذ، ففوتوا الرعاية لفائدة جزئية لا لمصلحة كلية.

وكما صنف صاحب دعوة البلاغ الأكبر والناموس الأعظم فصلاً مهماً، طبعاً هنا يقول المحشي: ولا أعرف لمن هذا الكتاب، لكن ذكر احتمالية أن هذا الكتاب لصاحب كتاب البلاغ الأكبر، قال: لم يذكر ابن تيمية اسم صاحب البلاغ الأكبر، وذكره ابن النديم في كتابه الفهرست. أما محمد بن الحسن الدمين فذكر في كتابه بيان مذهب الباطنية وبطلانه اسم الكتاب مرات عديدة ونقل منه نصوصاً، وعلى أن مؤلفه أبو القاسم القيرواني، والله أعلم.

فصل مهم عظيم القدر في هذا الباب، وذلك أن طوائف كبيرة من أهل العلم من أهل الكلام -المعتزلة هو أصل هذا الباب- كأبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار وأبي الحسين وغيرهم، ومن اتبعهم من الأشعرية كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأبي حامد والرازي ومن اتبعهم من الفقهاء، يعظمون أمر الكلام الذي يسمونه أصول الدين حتى يجعلون مسائله قطعية، ويهونون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم. وقد رتبوا على ذلك أصولاً انتشرت في الناس حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد، مع أن هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة وهي واهية، كما سنبينه في غير هذا الموضع.

والمعتزلة هم أصل علم الكلام، ويقول: وذلك أن طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة، وهو أصل هذا الباب، أو هم أصل هذا الباب، يعني علم الكلام نشأ وترعرع على يد المعتزلة كأبي علي الجبائي وأبي هاشم وعبد الجبار وأبي الحسين وغيرهم، ومن اتبعهم من الأشعرية، لأن الأشاعرة هم أفراخ معتزلة، كما كانوا يقولون دوماً، هم وليدة أصلاً، أبو الحسن الأشعري رحمه الله كان 40 سنة معتزلياً، ثم اختلف مع زوج أمه أبو علي الجبائي والتحق بعد ذلك بابن كلاب وأصبح من أتباع ابن كلاب وتطور المذهب الأشعري عندئذ.

هؤلاء المتكلمون يعظمون أمر الكلام ويجعلون مسائلهم الكلامية وطرائقهم الكلامية أصول الدين التي من لا يعرفها يعتبر جاهلاً ولم يذق طعم المعرفة وما شابه ذلك، حتى يجعلون مسائلهم الكلامية قطعية لا يجوز مخالفتها، ويهونون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم. هنا في هذا الفصل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سيناقش مسألة -استطراد لكنها جيدة أن تفهمها- وهي أن علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة جعلوا الفقه كله من باب الظنون، وجعلوا العقائد هي القطعيات وأصول الدين، وهذا ينتقده ابن تيمية انتقاداً شديداً. على طريقة المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم: أنكم جعلتم كل الفقه ظنوناً، وكل العقائد -طبعاً العقائد المأخوذة من الكتاب والسنة- العقائد الكلامية ساعدكم جعلتموها قطعيات، وهذا كلام يحتمل يشمل كثيراً من المغالطات والأخطاء، لأنه هناك كثير من مسائل الفقه هي ليست ظنوناً بل هي قطعيات، خاصة في باب الفرائض وفي باب المواريث، وكثير من المسائل هي قطعيات، وكثير من مسائلكم الكلامية هي جهل لا ترقى أن تكون علماً حتى تكون أصلاً ظناً ولا تصنف.

فسيبين لك الآن وسيناقش في هذا الفصل هذه القضية: هل فعلاً ما يقوله المتكلمون صحيح أن أصول الدين هي القطعيات وأن الفقه كله من قبيل الظنون؟ حتى إذا نظرت في كتب أصول الفقه للمتكلمين للغزالي والرازي أو غيرهم، نظرت في كتبهم الفقهية دائماً يعرفون الفقه على أنه ظنون، ودائماً يريدون إشكالاً في كتبهم أصول الفقه، فإذا الفقه ما تعريفه؟ العلم بالأحكام الشرعية العملية، فيريدون دائماً إشكالاً في كتبهم: كيف تعرفون الفقه بأنه العلم، وهو العلم يعني قطع، والفقه كله ظنون؟ فيريدون دائماً هذا الإشكال، كما أورده الرازي وغيره، أنه أنت لما تقول في تعريف الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية، هل يجوز أن نعرف الفقه بأنه العلم بالأحكام مع أنه الأصل أن يعرف بأنه الظن بالأحكام؟ فكيف تعرفون الفقه بأنه العلم مع أنه كله ظنون؟ فيحتاجون إلى التأويل والتكلف في هذه القضية، وهذا كلام أصلاً كله مبني على فكرة خاطئة، وهذه قدرة ابن تيمية على فهم إشكالات الفكرية الأصلية، أنه كل هذا الإيراد هو غير صحيح وهو مبني على أن الفقه كله ظنون والعقيدة كلها قطعيات، وهذا كلام غير صحيح، فليس الفقه كله من قبيل الظن بل هناك جزء كبير منه قطعي.

وانظروا ماذا سيقول: حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بين في غير هذا الموضع ما في هذا من السفسطة والزندقة، فلم يجعلوا لله حكماً في موارد الاجتهاد أصلاً، ولا جعلوا له على ذلك دليلاً أصلاً، بل ابن الباقلاني وغيره يقول: وما ثم أمارة في الباطن بحيث يكون ظن أصح من ظن، وإنما هو أمور اتفاقية. وقد رتبوا على ذلك أصولاً انتشرت في الناس حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصوفية، بل حتى أهل الحديث الضعاف كانوا مثلاً تنطوي عليه لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد، مع أن هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية، كما سنبينه في غير هذا الموضع.

هو يقول: وقد رتبوا على ذلك أصولاً جعلوها هي أصول الدين مع أنها جليات لا تمثل أصول دين، وضعوا أشياء جعلوها أصول دين وللأسف روجوها على الصوفية وروجوها حتى على بعض فقهاء الحديث، حتى صار بعض فقهاء الحديث مثل البيهقي والخطابي يتأثرون بمثل هذه الأصول العقدية، لا يعلم هؤلاء البسطاء من الصوفية أو من بعض أهل الحديث لا يعلمون هذه الأصول ولا ما تؤول إليه ترى من الكفريات حتى والزندقة، مخطئ بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، هي ماذا تسمى؟ المصوبة، المصوبة الذين يرون أنه كل مجتهد مصيب، مثلاً في مسألة واقعة في الأمة أنت اجتهدت فيها وصلت أنها حلال، خلص كلامك صح، وأنا اجتهدت ووصلت أنها حرام، برضه كلامي صح، كيف يعني هذا وصلت أنها حلال وأنا وصلت أنها حرام وهذا صح وهذا صح؟ ويعتبر ابن تيمية هذه منها، وبعضهم لم يجعل هذه فقط في الفقهيات بل حتى بعضهم -كالعنبري والجاحظ- أوصلها حتى إلى العقديات، جعلوا كل مجتهد مصيب حتى في العقائد، وهذا نوع من الغلو، فإذا أنت وصلت إلى أن الله مالهش صفات وهذا اجتهادك، خلص كلامك صح، ربنا ماله صفات، وإذا أنا اجتهدت أنه ربنا له صفات سبحانه وتعالى وهذا اعتقادي، برضه أنت كلامك صح، فصار عادي كله، إذا اعتقدت الشيء ونقيضه كلياته يعتبر مصيباً.

فيقول: وذلك أنهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكماً معيناً، أنه حلال أو حرام، حتى ينقسم المجتهدون إلى مصيب ومخطئ، بل عندهم كل مجتهد مصيب، طبعاً هذا عند بعضهم حتى نكون منصفين، عند قسم منهم. قال: بل الحكم عند المصوبة في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بينا في غير هذا الموضع ما في هذا من السفسطة والزندقة، هذا الكلام والعياذ بالله ما يجوز أن تقول كل مجتهد مصيب، بمعنى أنا وصلت أنه هذا حرام خلص هو حرام علي، وأنت وصلت أنه حلال بكون حلال عليك، سفسطة، هذا كلام لا يقبل لا يقبل عاقل تماماً، وزندقة.

فالمهم فلم يجعلوا لله حكماً في موارد الاجتهاد أصلاً، يعني هؤلاء الذين تبنوا رأي المصوبة ما جعلوا لله حكماً معيناً في هذه الأشياء، خلص أنه ربنا سبحانه قال: أنت اجتهد واللي بيطلع معك صح، طب هو بيضبط أنه أنا اجتهد واللي بيطلع معي صح؟ فلم يجعلوا لله حكماً في موارد الاجتهاد، بل ولا جعلوا له على ذلك دليلاً، قالوا كلها عبارة عن أمارات واجتهادات، ما في دليل حقيقي نصبه الله حتى يوصل إلى الحق، لا أنت بس اجتهد واللي بتوصل له صح، وأنا بجتهد واللي أنا بوصل له صح، هل الله نصب دليلاً على الحق؟ لا، لا ما وضع، لأنه لو قالوا أن الله نصب دليلاً على الحق، معناتها ما عادنا لازم نوصل لهذا الدليل وسيقنا إلى الحق، وإذا لم نصل إليه راح نكون إحنا مخطئين، فالقول بمذهب المصوبة معناته أن الله لم يجعل حكماً في المسائل، كل ما شيء بتوصل له أنت بيطلع صح، ولم ينصب دليلاً على حق معين، أنت بس اجتهد وخلص، صح كلامك صح.

ابن الباقلاني الذي هو أبو بكر الباقلاني يقول: وما ثم أمارة في الباطن، شوف وين وصل الغلو، أنه مش مافيش حتى دليل، لا الباقلاني يقول: وما ثم حتى أمارة، وهي أخف من الدليل، لا، وما ثم أمارة في الباطن ترشد إلى الحق حتى نقول إن هناك ظناً أصح من ظن، والله ظن إبراهيم في المسألة أصح من ظن أسامة، لا لا، قالوا: وإنما هو أمور اتفاقية، شو يعني اتفاقية؟ مصادفة، يعني خلينا أمور اتفاقية، يعني هيك خلص أنت شو طلع معك وفلان شو طلع معه بالاتفاق، يعني المصادفة، أما أن هناك أدلة أو ظنون وأعفو أدلة أو أمارات ربنا وضعها للحق، ما في، هذا كلام وهذا ما يريد ابن تيمية أن يقول، هذا سفسطة هي والعياذ بالله.

قد توصل إلى الزندقة، وأنه بالتالي كثير من الناس يقول لك: أنا آخذ ما أشتهيه. أنت شفت العملات الرقمية حلال؛ خلص، أنت شفت العملات الرقمية حرام؛ خلص. ابن تيمية يقول: هكذا لن يبقى دين، لن تبقى ديانة للناس بهذا الفكر. المهم، هل كان عندك سند؟ طيب، أليس هذا الكلام مبنيًا على إشكال في فهم علم الله عز وجل؟ أحسنت، مصيبة.

إذا كان هذا الشيء مما يتناول بالعلم، فالإنسان تناول هذه المسألة بعلمه؛ فعلم الله أولى أن يتناول هذه المسألة كذلك. فكيف يكون الله عز وجل ليس له حكم فيها إذا لم يتناولها هو؟ بعضهم قد يقول: ليس أن الله ليس له علم فيها، قد يقول إن الله له علم، بس هو مش مكلف أن نعرفه. قال: لم يدع لله في الأحكام حكمًا معينًا لنا؛ يعني هو سبحانه في علمه يعلم ما حكمها، لكنه لم يكلفنا بالوصول إليه، بل يقول لك: أنت شو شفتها حرام، خلاص هي حرام توكل على الله، وأنت شفتها حلال هي حلال. هكذا البعض يصورها حتى ما نظلمهم؛ لأنه إذا وصلوا لأن الله عز وجل مش معطيها أصلاً أي حكم، هذا وإن قال به البعض لكنه غلو لا يمثل حال جل هؤلاء حتى أكون منصفًا معهم.

نعم، قال: فلست الظنون عنده مستندة إلى أدلة وأمارات تقتضيها كالمعلم في استنادها إلى الأدلة. ثم إنه وطائفة مع هذا قد أبطلوا أصول الفقه ومنعوا دلالتها حتى سموا واقفة. والكلام نوعان؛ نعم معروف أبو بكر الباقلاني هو من أصحاب المدرسة الواقفة في دلالات الألفاظ؛ خصوصًا يقصد أصول الفقه هنا دلالات الألفاظ. إذا فتحت الإرشاد والتقرير لابن الباقلاني ستجد الباقلاني دائمًا هو مناصر لمنهج ماذا؟ الوقف. فيقول: الألفاظ لا تدل على الأحكام بل نحتاج فقط إلى القرائن الخارجية. وهذا حقيقة ولذلك دائمًا يقول لك: هل للأمر صيغة؟ هل للعموم صيغة؟ هل للنهي صيغة؟ لا، هو من جماعة أنه نتوقف في كل دلالات الألفاظ؛ سموهم هؤلاء مذهب الواقفية في أصول الفقه الذين يرون أن الألفاظ لا تدل على الأحكام.

يعني لا نقول إن الأمر له صيغة، والنهي له صيغة، والعموم له صيغة، والمطلق له صيغة؛ نحن واقفة في هذا. وقف، بس مذهب الوقف، وإنما الأمور فقط أنت إيش ظهر لك من القرائن، وأنا إيش ظهر لي من القرائن، وهذا قول حقيقة باطل. هو له عدة ارتباطات، أولاً ارتباط بالكلام النفسي، وأن الألفاظ أصلاً هي عبارة فقط عن إشارات وعلامات. ثم ناقشوا مسألة: طيب ما دام الكلام هو أصلاً هو شيء نفسي، فهل وضع له صيغة في الخارج أم هو كل إنسان على ما يظهر له؟ فهو طبعًا هذا كلام في شديد البطلان، وحتى سيؤدي إلى إبطالات في اللغة العربية؛ أنت التسلسل هذا سيؤدي إلى إبطالات اللغة العربية. لذلك حتى أكون منصفًا أن كثيرًا من الأشاعرة المتأخرين يرفضون مذهب الواقفية كأبي بكر الباقلاني وغيرهم، لما سيؤدي إليه كما قال ابن تيمية من سفسطة في كثير من الأمور؛ يعني صار الكلام، سماه ابن تيمية سفسطة؛ أنه هذا كلام غير علمي بشكل من الأشكال.

نعم قال: والكلام نوعان؛ أمر وخبر، فمنعوا دلالة صيغ الأمر عليه. شايف؟ منعوا دلالة صيغ الأمر عليه؛ قالوا الأمر لم توضع صيغة لتدل عليه، التي هي نحن نقول الأمر، كيف ما هي صيغة الأمر هو: «افعل» والنهي: «لا تفعل». لا، هم يقولون: «افعل» و«لا تفعل» هي ليست صيغًا موضوعة للأمر. طيب كيف إذا نفهم الأمر؟ من القرائن فقط. نعم، قال: ومنعوا دلالة صيغ الخبر العام عليه. نفس الشيء، وكذلك منعوا أن هناك للخبر صيغة، كما أن الإنشاءات ليس لها صيغ؛ قالوا الخبر ليس له صيغ. وهذا كلام يناقش في أبواب أخرى، لكن هذه كلياتها من الأخطاء الكبرى.

قال: ومن فروع ذلك أنهم يزعمون أن ما تكلموا فيه من مسائل الكلام هي مسائل قطعية يقينية، وليس في طوائف العلماء من المسلمين أكثر تفرقًا واختلافًا منهم، ودعوى كل فريق في دعوى خصمه. يقول هؤلاء المتكلمون، نرجع لأصل الفكرة، نعود فنقول إنهم جعلوا أصولهم الكلامية؛ أصولهم الأشعرية أو الاعتزالية هي القطع واليقين، أبدًا لا يجوز المخالفة فيها، وهم أنفسهم مختلفون فيها على 15 قولًا. طيب، كيف تقولون إنها أصول قطعية وأنتم في داخلكم مش متفقين على هذه الأصول القطعية؟

نعم، قال: وليس في طوائف العلماء من المسلمين أكثر تفرقًا واختلافًا منهم، ودعوى كل فريق في دعوى خصمه الذي يقول إنه قطعي، بل الشخص الواحد منهم يناقض نفسه، حتى إن الشخصين والطائفتين، بل الشخص الواحد والطائفة الواحدة يدعون العلم الضروري بشيء ونقيضه. يعني هذا من غرائب، وكثير ما كان يقع الرازي في هذا؛ أنه في كتب من كتبه يدعي العلم الضروري على هذه المسألة، بتروح على كتاب آخر له والعلم الضروري على عكس هذه المسألة. يعني يقول لك إنه دعوكم من هذا التبه لعلوم الكلامية وأنها قطعيات ويقينيات، الواحد فيكم بكتاب كتبه يقول لك: وهذا قول أجمع عليه العلماء وتدل على ضرورة العقل، وهو نفسه في كتاب آخر يحكي الإجماع على نقيضه وضده، وأن هذا مما أجمع عليه العلماء والضرورة العقلية. كيف صار هذا؟ هذا يدل على أنها جهل، وأنتم طورتموها أو أوهمتم الناس أنها قطعيات.

نعم، قال: ثم مع هذا الاضطراب الغالب عليهم يكفر بعضهم بعضًا. نعم، حتى في أروقة الأشاعرة أو في أروقتهم يكفر بعضهم بعضًا، حتى في أروقتهم بعضهم يكفر الرازي، بعضهم يكفر التفتازاني، يكفر فلان؛ داخل أروقة الأشاعرة هناك تكفير داخلي بينهم، حتى برضه يعني داخل أهل الحديث هم برضه مش مقصرين في بعض. نعم قال: كما هو أصول الخوارج والروافض والمعتزلة وكثير من الأشعرية، ويقولون في آخر أصول الفقه: المصيب في أصول الدين واحد، وأما الفروع ففيها كل مجتهد مصيب. ثم إنهم صنفوا في أصول الفقه، وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين، فبنوا على أصولهم الفاسدة.

حتى أنهم صنفوا في أصول الفقه، أعجبت بـ ابن دقيق العيد هذا التعريف، وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين. لماذا هو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين؟ أيوه، أصول الفقه تناول دلالات، في دلالة تدل على أحكام عملية أو أحكام اعتقادية. إن علم أصول الفقه إخواني هو ليس خاص فعليًا في علم الفقه، بل أيضًا تحتاج إليه في علم العقيدة. هذه إشارة جيدة من أن علم أصول الفقه حتى وإن كان يسمى أصول الفقه، لكنه كما قال مشايخنا هو أصول الشريعة؛ لأن أصول للفقه أنت تحتاج للأحكام العقدية كما تحتاج للأحكام الفقهية، فهو علم مشترك بين الفقهاء وبين العقديين المتكلمين هنا.

نعم، قال: حتى أن أول مسألة منه وهي الكلام في حد الفقه، لما حدوه بأنه العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية، أورد هؤلاء كالقاضي أبي بكر والرازي والآمدي ومن وافقه من فقهاء الطوائف كابن الخطاب وغيره السؤال المشهور هنا. السؤال المشهور هنا هو أن الفقه من باب الظنون؛ لأنه مبني على الحكم بخبر الواحد والقياس والعموم والظواهر، وهي إنما تفيد الظن، فكيف جعلتموه من العلم حيث قلتم العلم؟ هذا هو المسألة قلناها إنه هم لأن المتكلمين أدخلوا أيديهم في أصول الفقه وفي التصنيف فيه، أوردوا مثلاً على تعريف الفقه لما عرفوا الفقه، ماذا عرفوا الكلام في حد الفقه؛ يعني في تعريف قال: العلم بأحكام أفعال المكلفين صح، أو العلم بالأحكام الشرعية العملية. فقالوا ماذا؟ كيف عرفتم الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية، مع أن الفقه كله من باب الظن؛ اللي هو المسألة التي طرحتها لكم قبل شوي؟

فأورد على هذا التعريف القاضي أبو بكر الباقلاني والرازي والآمدي ومن وافقهم من فقهاء الطوائف حتى مثل الحنابلة كابن الخطاب الكلوذاني وغيره، أورد السؤال المشهور على هذا التعريف؛ فهو أن الفقه كله من باب الظنون، لأن الفقه من أين نأخذ أحكام الفقه؟ قال من خبر الآحاد ومن العموم وظواهر النصوص والقياس، وهذه كلها تفيد الظن، فالفقه كله ظني، هكذا يحكم. فكيف جعلتموه علمًا فقلتم الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية؟ وأجاب عن ذلك.

نعم، قال: وأجاب عن ذلك بأن الفقيه قد علم أنه إذا حصل له هذا الظن وجب عليه العمل به، كما قال الرازي: فإن قلت الفقه من باب الظنون، كيف؟ الآن سيعطيك إجابة الرازي عن هذا الاستشكال. كيف أجاب الرازي عن هذا الاستشكال؟ وشوف الخطأ الواضح للرازي في الإجابة؛ إذا أولاً فهمنا شو الاستشكال، تعريف الفقه هكذا قال: الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية، قالوا هذا التعريف مشكل. ما وجه الإشكال؟ أن الفقه ظنون، فكان ينبغي أن يعرف الفقه بأنه الظن بالأحكام، وليس العلم بالأحكام؛ لأن العلم هو قطع على طريقة المناطقة والفلاسفة، العلم قطع والظن مقابله، فكيف عرفتم الفقه بأنه العلم بالأحكام مع أنه كان ينبغي أن يعرف بأنه الظن بالأحكام؟ ماذا أجاب الرازي في المحصول عن هذا؟

قال قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العلم بما أدى إليه ظنه، فالعلم حاصل قطعًا والظن واقع في طريقه. مين فهم شو إجابة الرازي؟ ماذا يريد أن يقول الرازي؟ قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب بالعلم بما أدى إليه ظنه، فالعلم حاصل قطعًا والظن واقع في طريقه. كيف حل الرازي هذه المعضلة؟

لا، ليس هذا الذي يقصده، يا شيخنا هو يظن الحكم هكذا ولكن يجب عليه العمل به. أحسنت، أنت اقتربت، الذي هو يقول لك: إذا أنا اعتقدت أن هذه المسألة سأقيسها على تلك المسألة، هذه تشبه هذه، قياس، فأنا اعتبرت قياسًا، وإذا أنت اعتقدت أن هذا الفرع يقاس على ذلك الأصل هكذا ظننت، فأنت تعلم أنه يجب عليك أن تتبع ظنك وتعمل به. يقول لك: إذا غلب على ظنك أنه هذه المسألة تشبه هذه المسألة فقست عليها أنا، بس غلب على ظني فما أعلمه يقينًا أنني يجب أن أتبع ظني وأعبد الله به، ما رأيك بهذه الإجابة؟ هل الرازي فعلاً أجاب عن الإشكال؟

إحنا وين مشكلتنا يا رازي؟ إحنا مشكلتنا الفقه شو تعريفه؟ العلم بالأحكام الشرعية العملية، وأنتم مشكلتكم أن الفقه كله ظنون، وشايفين أن تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام، مع أنه كله ظنون، مش منسجم، ومع ذلك بتعرفوا أنه العلم بالأحكام، طب ليش بتعملوا كده؟ قال: أنا أقول لك ليش بنعمل كده، لأننا نعتقد أن الإنسان إذا غلب على ظنه حكم، فإنه يعلم يقينًا أنه يجب أن يتعبد أن يثبته ويتعبد الله به. أقول أنت هنا خرجت عن موطن الإشكال، صح؟ أنت هنا خرجت عن موطن الإشكال، إحنا مش عم نناقش شو الإجراء المطلوب منك إذا غلب على ظنك حكم ما، إحنا مش هنا نقاشنا. ماشي، كلنا عارفين أنه إذا غلب على ظني حكم ما فنعلم يقينًا أننا يجب أن نعمل به، إحنا بنناقش في ماذا؟ في نفس الحكم، هل أنا علمته يقينًا ولا علمته ظنًا؟ أما قضية أنه بعد ما عرفته شو الإجراء المطلوب مني هذا موطن آخر.

فالرازي الإشكال والخطأ الذي وقع فيه أنه حاد عن منطقة النقاش؛ ليس نقاشنا في الإجراء المطلوب بعد أن أعرف المسألة يقينًا أو ظنًا، لأننا جميعًا نعرف أن الإجراء المطلوب ما هو؟ أن أتعبد الله بما وصلت إليه، هذا كلنا نعلمه يقينًا، ولكن نقاشنا في نفس الحكم هل أنا أدركت هذا الحكم نفسه يقينًا ولا ظنًا؟ أنتم على طريقتكم يا متكلمين كل الفقهيات لا تدرك إلا ظنًا ولا يوجد مسألة يمكن أن تدرك جزمًا، أما بعد الإدراك أنه أنا يقينًا لازم أعمل بما وصلت إليه هذا نقاش آخر. ليش ذهبت إلى مربع مختلف عن مربع النقاش؟

أسامة، قطع بوجوب العلم بما أدى إليه ظنه، فالعلم الذي يتبع العمل يا شيخ، هو صحيح، لذلك هو اقترب، هو لم يقصد العمل ابتداءً، لكن نقصد العلم بما أدى إليه ظنه، يعني أن يثبت ما أدى إليه ظنه، ولكن ما سينبني على ذلك هو العمل، ولذلك القفز إلى العمل هو مقصوده، العلم بما أدى إليه ظنه، فإنا أعلم بما أدى إليه ظني، مثلاً أنا ظننت أن هذا الشيء حرام، خلاص هكذا، فأنا أعلم بما أدى إليه ظني، وسينبني حصول العلم عرفت؟

طيب، هو يقول لك صح أن الطريق ظني، لكن في النهاية النتيجة ستكون علم، كيف؟ يقول لك زي قياس، حتى وصلت الحكم كان غلبة ظن من خلال القياس، لكن في النهاية أنا سأعتقد أو أجزم أو يحصل العلم بأني أن هذا الحكم الذي يجب أن ألتزم به، أن هذا الحكم هو الذي يجب أن ألتزم به، وأما حكم كنفسه كنفسه هو ظن. لاحظ، فمن سيناقش حتى ما أطول عليكم، ماذا سيقول ابن تيمية؟ قال: وقد ظن طائفة من الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب ضعيف لقوله العلم حاصل قطعًا والظن...

واقع في طريقه، قالوا والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات وأحسن المقدمات. الآن هناك من خطأ الرازي في هذه الإجابة، لكنه وهو يخطئ الرازي أخطأ. هو يقول: ظن بعض الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب الذي قدمه الرازي ضعيف. طيب ليش ضعيف يا جماعة؟ قالوا الآن في علم المنطق يقولون في علم القياس المنطقي: إن نتيجة القياس هل هي ظنية أو قطعية تتبع أضعف المقدمات. شو يعني تتبع أضعف المقدمات؟ الآن حتى نفهم الإخوة باختصار: القياس المنطقي يتركب من مقدمتين ونتيجة، نقول مثلاً: العالم حادث، المقدمة الأولى، وكل حادث مخلوق، هي المقدمة الثانية. شو النتيجة؟ بحذف الحد المتكرر: العالم مخلوق. ها النتيجة في علم القياس المنطقي هل هي قطعية ولا ظنية؟ ما الذي يحكم على ذلك؟ قال: هي تتبع أضعف المقدمتين. شو يعني؟ إذا كانت كلتا المقدمتين قطعيتين فالنتيجة ستكون قطعية، إذا كان فيه وحدة بس من المقدمات ظنية النتيجة راح تكون ظنية. هذا معنى أن النتيجة هل هي قطعية أو ظنية لا تتبع أقوى المقدمتين، بل تتبع أضعف المقدمتين.

ففهمنا الآن الكلام، فماذا يقول هؤلاء الفقهاء في الرد على الرازي؟ قالوا: وقد ظن طائفة من الفقهاء الناظرين في أصول الفقه أن هذا الجواب الذي قدمه الرازي ضعيف. لماذا؟ لقوله، هو ماذا قال الرازي؟ العلم حاصل قطعاً كنتيجة، والمقدمات ظنية. فقالوا: هذا خطأ يا رازي، كيف تكون المقدمات ظنية والنتيجة قطعية؟ هذا لا يصح، لأنه إذا كانت المقدمات كلها ظنية أو إحدى المقدمتين ظنية يجب أن تكون النتيجة ظنية. فأنت تقول: العلم حاصل قطعاً في النتيجة، والظن واقع في الطريق، إذاً أنت جعلت المقدمات ظنية والنتيجة قطعية، وهذا يخالف طريقة المنطق التي أنت تنصرها.

فيقول ابن تيمية: ترى هؤلاء فاهمين الرازي خطأ، الرازي مش هنا خطؤه أصلاً. خلينا نكمل، كان في تصحيح في الكلام: قال أضعف المقدمات مش أحسن، لعلها أخس المقدمات، وقال أضعف المقدمات وأحسن المقدمات، قالوا: والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات، أحسن المقدمات لعلها أخص أو أنه يريد أن يقول: نعم ما فيها مشكلة، مصطلح منطقي، الخص، أضعف، نعم، موضوع متعلق بالسُّور المنطقي القياسي، والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات. يعني قلنا إذا بدك أحسن المقدمات إذا كانوا كلاهما قطعيات، بس يعني هي فعلاً بعيدة، والحكم بالنتيجة يتبع أضعف المقدمات وأخس، نعم هذا ينبغي أن يكون القلم.

طيب أكمل، قال: فالموقوف على الظن أولى أن يكون ظناً. إذاً باختصار أي نتيجة موقوفة على أمر ظني فلا بد أن تكون ظنية. نعم، قال: وليس الأمر كما توهموا، بل لم يفهموا كلام هؤلاء، بل إنتم ما فهمتموش الرازي أصلاً. نعم قال: فإن هذا الظن ليس هو عندهم دليل العلم بوجوب العمل به، ولا مقدمة من مقدمات دليله، ولكنهم يقولون قامت الأدلة القطعية من النصوص والإجماع مثلاً على وجوب العلم بالظن الحاصل عن خبر الواحد والقياس. وذلك العلم حصل بأدلته المفيدة له، لم يحصل بهذا الظن ولا بمقدماته التي هو حكينا عنها قبل شوي.

ماذا يحكي الرازي؟ كما حكينا أنه يقول: الرازي قامت الأدلة القطعية على وجوب العلم الذي يورث عملاً بما أوصلك إليه ظنك. الآن ظني أوصلني أن العملات الرقمية حرام، أو ظني أوصلني أن العملات الرقمية حلال. قامت الأدلة القطعية على وجوب العلم والعمل بما وصل إليه ظني. فإذا العلم والعمل بما وصل إليه ظني، هذا العلم والعمل من أين أخذناه؟ هو ليس نتيجة الأدلة الظنية، ليس نتيجة المقدمات. مقدمات يعني الآن أنا أتيت بأدلة ظنية أن العملات الرقمية حرام أو حلال، أتيت بمقدمات ظنية أن العملات الرقمية حلال أو حرام، هذه المقدمات الظنية هي لم تورث العلم. العلم بما أوصلني إليه ظني هذا العلم أنا أخذته من الأدلة القطعية، من استقراء نصوص الكتاب والسنة التي تأمر الإنسان باتباع ما أوصله إليه ظنه. فالعلم بوجوب العمل بما أوصلني إليه ظني هذا العلم من أين أخذناه؟ يعني أنا أجزم يقيناً أنني يجب أن أعمل بما أوصلني إليه ظني، من أين أتيت بهذا الجزم؟ من نصوص قطعية أنني يجب أن أعمل بما وصل إليه ظني، وأما هنا هذه المسألة التي أدلتها ومقدماتها ظنية هي لم تنتج إلا الظن بأن هذه العملات حلال أو الظن بأن العملات حرام، وأما العلم الذي يحكي عنه الرازي لا، هو أخذه من أدلة قطعية، أن الأدلة القطعية باستقراء الكتاب والسنة تقول لك: يجب يقيناً أن تعمل بما أوصلك إليه ظنك.

لكن التقدير: إذا حصل لك أيها المجتهد ظن فعليك أن تعمل به، ها هي الفكرة. إذاً هذا هو ما يريد أن يقوله الرازي: إذا حصل لك يا أيها المجتهد ظن فعليك أن تعلم أنه يجب عليك أن تعمل به. نعم، قال: وحصول الظن في النفس وجدي، يجده، وجدية بسموها الأمور الوجدانية، الظنيات هي أمور وجدانية تجدها في باطنك. شو يعني وجدي؟ يعني في الباطن أنه أنا عندي ظن أو غير ظن. نعم قال: يجده المرء في نفسه ويحسه كما يجد علمه ويحسه. فمعرفتك للظن يقيني، ومعرفته بوجوب العمل به يقيني، فهاتان مقدمتان علميتان، إحداهما سمعية والأخرى وجدية.

قال: فمعرفتك لك، هذا دليل آخر له، أنه يقول: أصلاً شو معرفتك بحصول الظن؟ هذا يقيني، يعني أنا الآن خليني أفهمك إياها في الجوع، شعورك بالجوع لما تكون جوعان يقيني، بتشك؟ صح جازم، لما تكون حاس باللحزن شعورك بالحزن يقيني، هذا في علم المنطق بسموها الوجدانيات، المسائل الوجدانيات وهي الأحاسيس الداخلية، هذه يقينية قطعية، تقدرش أنت تغالط فيها نفسك. يعني مش معقول تكون أنت جوعان بس لا أنا طلعت شبعان بس والله كنت بفكر حالي جوعان، لا ما فيش، الوجدانيات الأحاسيس الباطنية التي يحس بها الإنسان يقطع بها، الحزين من الداخل هو يقطع أنه حزين، مش واحد حزين بس بقول بس أنا ممكن أكون سعيد بس أنا شاعر إني حزين، هذا لا يوجد، الوجدانيات دائماً يقولون قطعيات.

ومن الأمور التي تحسب من الوجدانيات الظنون، فإذا أنا ظان بهذا الشيء أنا أجزم أني ظان فيه وأني مش عالم به مئة في المئة. وإذا أنا عالم به مئة في المئة هذا شعور داخلي أنا أجزم أني عالم. يعني مثلاً أنا عالم أن الشيخ عبد الرحمن أمامي، أنا في عندي شعور داخلي عالم أن الشيخ أمامي، تمام؟ شعوري بالعلم هذا أنا ما بستطيع أغالط نفسي فيه. والآن أنه في شخص وراء هذا الباب أنا ظان، مش متأكد، شعوري بالظن هذا إيش يا مشايخ؟ قطعي. فالوجدانيات أمور قطعية، الأحاسيس الداخلية سواء إحساسي بالظن أو بغير الظن هي أمور قطعية. فإذا أنا ظننت أن العملات الرقمية ظننت، شعوري بالظن قطعي، فهذا وجه آخر للقطع الذي يحكي عنها.

نعم، مشان هيك الفقه، بس هذا غلط أنك أنت عم تضحك علينا في الجزئية، تمام، لأنه إحنا بنسأل عن نفس المسألة هل هي ظن ولا علم، مش بنسأل عما بعد ذلك أني أنا ظنيت، طب شو؟ آه والله أنا أجزم أني ظنيت، طب أنا إيش علاقتي أنك تجزم أنك ظنيت؟ ما إحنا فاهمين الكلام أنك تجزم أنك ظنيت، أنا مش نقاشي فيما بعدها، أنا نقاشي فيها هي، هل يمكن أن تكون هي قطعية أو لازم تكون دائماً المسائل الفقهية ظنية في ذاتها، هنا المربع اللي بنناقش فيه، أنت يا رازي أخذتنا على مربع آخر.

طيب قال: وصار هذا كما لو قيل... لا، بس خلينا... لأنه حتى بس يفهم الإخوة هنا، فيقول: وحصول الظن أيضاً وجدي، فيجد المرء في نفسه ويحسه، فمعرفتك بحصول الظن يقيني، ومعرفتك بوجوب العمل بهذا الظن برضه يقيني. بس شو الفرق بين هذول الاثنتين؟ أن معرفتك بوجود الظن يقيني من أين أخذناه؟ من قاعدة الوجدانيات، ومعرفتك وجزمك بوجوب العمل بما أوصلك ظنك إليه، هذا يقيني، بس من وين أخذنا هذا اليقين؟ من الدليل السمعي.

طيب قال: وصار هذا كما لو قيل له: إذا حصل لك مرض في الصوم أنه يجوز لك الفطر، وإذا حصل لك مرض يمنعك القيام في الصلاة فاعلم أن عليك أن تصلي قاعداً، قاعدة، فإذا وجد المرض في نفسه علم حينئذ حكم الله بإباحة الفطر وبصلاة قاعدة. فهكذا وجود الظن عندهم في نفس المجتهد، إذا فهمت ماذا نقول، هذا كما لو أنا قلت لك: إذا حصل لك مرض يجوز لك الفطر، إذا حصل لك مرض يجوز أن تصلي قاعداً، ممتاز، فإذا وجدت المرض في نفسك فأنت عندك قاعدة قطعية، آه أنا وجدت المرض إذاً خلص أستطيع أن أفطر، فأنت تستطيع أن أفطر من وين أخذتها؟ من دليل قطعي، وشعورك بالمرض في نفسك هو أيضاً قطعي. بس أنك أنت مريض فعلياً، فعلياً هذا ممكن يدخل الظن، صح أنك أنت مريض فعلياً، يعني شعورك بالمرض كإحساس داخلي هذا قطعي، وقاعدة أنه إذا كنت مريضاً واحد خبرك فيها خلاص أصبحت برضه قطعية، بس نفس أنه هل هذا مرض ولا لا؟ ها ممكن تكون ظني، صح أن شعوري أني مريض أنا أقطع به، بس هل هو مرض ولا لا ممكن تروح على الطبيب يقول لك: لا هي طلعت مش مرض، طلع شيء ثاني.

نعم هذا هو القياس، فهو يريد أن يسقط هذه على هذه. قال: وإذا علم أن هذا حقيقة قولهم، تبين حينئذ فساد ما ذكروه من غير تلك الجهة التي ذكرها الفقهاء في الرد عليه. أن الفقهاء لما ردوا على الرازي ردوا خطأ أنه أنت كيف تقول إن النتيجة قطعية والمقدمات ظنية؟ الرازي ما بيقول لك النتيجة قطعية والمقدمات ظنية، بل هو أنبل من أن يقع في مثل هذا الخطأ، هو أبو المنطق، هو عارف شو بيقول، بس هو حاد عن منطقة النقاش. هو حول العلم لجهة أنه إذا أنا ظنيت لازم أعمل، وهذا اللزوم أخذناه من... إحنا مش نقاشنا أنك لازم تعمل، مش نقاشنا، إحنا نقاشنا في نفس المسألة، فلا تروحي لي للمربع الآخر.

فكيف يرد على الرازي؟ قال: وهو أن هذا يقتضي أن لا يكون الفقه إلا العلم بوجوب العمل بهذه الظنون والاعتقادات الحاصلة عن أمارات الفقه على اصطلاحهم. أحسنت، أنه أنا على طريقة فهمك يا رازي أو على طريقة هذا، إحنا قلنا الآن فهمنا الرازي ماذا يقصد، أنك إذا وصلت إلى ظن بشيء يجب عليك أن تعمل به. يقول خطأ الرازي أنه على طريقتك في فهم معنى العلم هنا يا رازي يجب أن يكون تعريف الفقه ما هو؟ أن يكون الفقه تعريفه العلم، مش أنتم بتعرفوه بأنه العلم؟ وأنت فسرت العلم، العلم يعني أنني لازم أعمل، على طريقتك يجب أن نعرف الفقه بأنه العلم بوجوب العمل بما أوصلني إليه ظني، هذا تعريف الفقه عندك، مش تعريف الفقه العلم بالأحكام، أنت فعلياً أنت مش عم تعلم بالأحكام، أنت عم تعلم بوجوب العمل بما أوصلني ظني إليه، سواء بهذه الظنون والاعتقادات الحاصلة عن الأمارات وما شابه ذلك. فكل تعريفك لازم تتغير بنيته.

قال: ومعلوم أن هذا العلم هو من أصول الفقه، ولا يخص مسألة دون مسألة، ولا فيه كلام. ومعلوم أن هذا العلم، أي علم الآن؟ العلم الذي يتكلم فيه الرازي، أنني أعلم أنني يجب أن أعمل، هذا وقف هنا.

هذا في أصول الفقه؛ هي مسألة أنا أعلم أنه يجب علي العمل بما أوصلني ظني إليه. هذه وين عادة تدرس المسألة ويقام عليها الأدلة؟ في علم أصول الفقه، مش في علم الفقه. أنت صاحب كتب في أصول الفقه، فهذا العلم بوجوب العمل بالظن مسألة في أصول الفقه تدرس. وهل هذه القاعدة، العلم بوجوب العمل بالظن، هل هي تختص بمسألة معينة من مسائل الفقه أم هي قاعدة عامة تنطبق على كل المسائل؟ هي قاعدة عامة من قواعد أصول الفقه، فهي لا تخص مسألة دون مسألة من الفقهيات، هي قاعدة عامة كلية، ولا فيها كلام في شيء من أحكام الأفعال في الصلاة والجهاد والود وغير ذلك.

العلم بوجوب العمل بالظن لا يوجد فيه كلام عن أحكام الأفعال التفصيلية، هذه قاعدة عامة، وأما الحكم التفصيلي لأحكام الصلاة فهذا لا يؤخذ من هذه القاعدة، هذا باب وهذا باب. فهو أمر عام كلي، هذه إذاً العلم بوجوب العمل بالظن قاعدة عامة كلية، ليس هو الفقه، هذه مش هي الفقه، نحن الفقه هي نفس المسائل، ما أحكامها؟ مش القاعدة العامة التي أنت تتكلم عنها، فإذاً ليس هو الفقه باتفاق الناس كلهم. إذاً الفقه ما هو؟ الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال أو النهي عن هذه الأفعال، أما العلم بوجوب العمل بما، هذا باب آخر، فأنت حت عن منطقة النقاش فعلياً، وهذه مغالطة ارتكبها الرازي.

قال: إذاً الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال والنهي عنها، أما علماً وأما ظناً. فعلى قولهم، الفقه هو ظن وجوب هذه الأعمال وظن التحريم وظن الإباحة، وتلك الظنون هي التي دلت عليها هذه الأدلة التي يسمونها الأمارات كخبر الواحد والقياس؛ فإذا حصلت هذه الظنون حصل الفقه عندهم. وأما وجوب العلم بهذا الظن، فهذا شيء آخر، يعني فأنت حت عن النقاش. قال: وهذا الذي ذكروه إنما يصلح أن يذكر في جواب من يقول: كيف يسوغ لكم العمل بالظن؟ جميل، أحسنت، يعني جوابك يا رازي لازم تقدمه على هذا السؤال، أنه إذا شخص سألك كيف يسوغ لك أن تعمل بالظن، والله تجيبه أنه ثبت لي بالأدلة القطعية أنني يجب أن أعمل بما أوصلني إليه ظني، جوابك يصلح عن هذا السؤال وليس عن سؤال هل الفقه هو علم أو يجوز أن يعرف بالعلم، أخطأت في وضع الإجابة في مكانها الصحيح.

قال: فهذا يورد في أصول الفقه في تقرير هذه الطرق إذا قيل إنها إنما تفيد الظن، قيل: وكيف يسوغ اتباع الظن مع دلالة الأدلة الشرعية على خلاف ذلك؟ فيقولون في الجواب: المتبع إنما هو فعلياً الأدلة القطعية التي توجب علينا باستقراء الكتاب والسنة العمل بهذا الظن، والعامل بتلك الأدلة القطعية هو متبع للعلم لا للظن، هذا يعني جوابك يا رازي يزبط هون تماماً، أما أن يجعل نفس الفقه، الذي هو علم، ظناً، فهذا تبديل للظاهر. طبعاً نحن فاهمين ماذا يريد أن يقول، يعني أن تجعل تفسير الفقه علماً بمعنى وجوب العمل به فهذا تبديل للظاهر، يعني أنت لعبت في المصطلحات، أنت عرفت الفقه بأنه العلم ثم فسرت العلم بوجوب العمل، لا، أنت لعبت في المصطلحات. لما نقول الفقه هو العلم، ثم تفسر لي العلم بوجوب العمل، هذا تبديل للمصطلحات، بل يجب أن يبقى العلم بمعنى العلم، يعني العلم بالمسائل، ويكون هذا العلم بالمسائل نعم؛ أن بعض الفقه هو جزم بهذه المسائل وبعضها ظن بهذه المسائل، والفقه عند أهل الحديث وأهل السنة والجماعة منه ما هو قطعيات ومنه ما هو ظني، بس أنتم أصلاً في خطأ سابق أنكم جعلتم الفقه كله ظنياً، ثم لما أتيتم تفسرون الفقه بأنه العلم بالأحكام اضطررتم تفسرون كلمة العلم بهذا اللف الطويل الذي عملتموه، أنا أقصد بالعلم وجوب العمل بالظن، فأخطأتم في المنطقتين.

قال: فهذا تبديل ظاهر، وأتباعهم الأذكياء تفطنوا لفساد هذا الجواب، شايف؟ وأتباعهم الأذكياء، يعني الأذكياء من المتأخرين عرفوا فساد جواب الرازي فلذلك أعرضوا عنه، الأذكياء من الأشاعرة المتأخرين عرفوا أن الرازي لم يجب حقيقة وحاد عن منطقة النقاش وهو يجيب. قال: وقد تجيب طائفة أخرى كابن الخطاب وغيره عن هذا السؤال بأن العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10]، وأن تخصيص لفظ العلم بالقطع اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص. طيب إيش رأيك هذا جواب آخر عن تفسير الفقه بأنه العلم؟ الفقه العلم بالأحكام الشرعية، ابن الخطاب الكلوذاني وغيرهم كيف أجابوا عن هذا السؤال؟ ما هو هذا السؤال؟ العلم في اللغة يقبل، وأنت الآن بدك تكون خلص مسيطر معي على الأمور، طبعاً الآن رح أتكلم على لسان الأشاعرة ومن تبعهم أن الفقه كله ظني، فكيف قلتم في تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام؟ الرازي قدم جواباً وعرفنا أنه الجواب غير صحيح وحاد عن منطقة النقاش، فالذين لم يعجبهم جواب الرازي اقترحوا جواباً آخر، طبعاً هنا نحن ذكرنا الجواب الأول، جواب الفقهاء.

الذين ما أعجبهم جواب الرازي كيف جاءوا بجواب آخر؟ ماذا قالوا؟ أحسنت، قالوا ما في مشكلة أن نعرف الفقه أنه العلم بالأحكام وإن كان كله ظنوناً؛ لأن كلمة العلم في اللغة كما تطلق أحياناً على الجزم وهو الأكثر، يجوز أن تطلق أيضاً على الظنيات. فباختيارك ما معنى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾؟ ظنتم أنهن مؤمنات؛ لأنه أنت لا تستطيع أن تعرف ما في باطنها، لكن أنت تتعامل مع ظاهر المرأة. فقالوا إذاً، وهذا الجواب سنقول أكثر منطقية وأسهل، إنه خلص نحن أطلقنا العلم وأردنا به ماذا؟ الظن، لكن نحن على كلا الجوابين، سواء جواب الرازي أو الجواب الآخر، كله خطأ؛ لأنه مبني على مقدمة فاسدة وهي أن الفقه كله ظنون، فاحتجتم إلى تكلف هذه التفسيرات والتأويلات، وإلا فنحن نؤمن أن الفقه منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني.

قال: والمقصود هنا ذكر أصلين هما بيان فساد قولهم الفقه من باب الظنون. شايف؟ هذا هو المقصود، صح ناقشنا الرازي بس هذا هو المقصود الأول لابن تيمية، وهي خطأ المتكلمين في قولهم إن الفقه كله من باب الظنون. قال: وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم. إيش يعني؟ يعني أن الفقه الإسلامي هو أحق باسم العلم من علم الكلام الذي أنتم تسمونه علماً، هو بدأ الفصل أنه علماء الكلام جعلوا المسائل الكلامية هي العلم والمسائل الفقهية هي الظن، بقول لهم ابن تيمية: الفقه الإسلامي هو أجدر باسم العلم من المسائل الكلامية التي أنتم شايفينها علماً، فهمتم؟ هو أجدر بمصطلح العلم من المسائل الكلامية، وأن حجم القطع واليقين في مسائل الفقه أكثر من حجم القطع واليقين في الأقيسة النظرية التي أنتم معتبرينها أصول الدين، والتي خالفها كافر ووقع وفعل، فإنه هذا رد عليهم في بهذه الجهة.

قال: إن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طرق الكلام. جميل، والأصل الثاني، وأن طرق الفقه هي الأحق بأن تسمى أدلة من طرق الكلام، علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة يسمون الأدلة العقدية أدلة، والأدلة الفقهية بقولوا لا ما بنسميها أدلة، بنسميها أمارات، هذا من مصطلحاتهم؛ أنه أدلة العقيدة، طبعاً أدلة العقيدة أنتم عارفين دليل الجواهر والأعراض والكلام هذا الذي يأتوننا به، يقولون الأدلة العقدية هي التي نسميها أدلة قوية، وأما أدلة الفقه وقالوا إحنا ما بنسميها أدلة شو بنسميها؟ أمارات، أمارة على الحكم وليست دليلاً، فابن تيمية ايش بقول لهم؟ أدلة الفقه هي الأولى أن تسمى أدلة من طرق الكلام الذي تسمونه دليلاً، ويكثر فيه الشغب واللغط.

قال: والأصل الثاني بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح، بل ظن فاسد وجهل مركب. إذاً ابن تيمية يقول: والمقصود هنا أن نذكر أصلين؛ أن اعتبارهم الفقه ظنون كله خطأ، الأصل الثاني الأخطأ فيه ظنهم أن غالب ما يتكلمون فيه من أصول الدين هو لا هو علم ولا ظن صحيح، بل أغلب ما تتكلمون به يا أيها الأشاعرة والمعتزلة هو عبارة عن ماذا؟ عن ظن فاسد وجهل مركب. ويترتب على فهمك يا طالب العلم لهذين الأصلين، ماذا قال؟ ويترتب على هذين الأصلين منع التكفير باختلاف في مسائلهم، وأن التكفير في الأمور العملية الفقهية قد يكون أولى منه في مسائلهم. اه شوف، إذاً ماذا يترتب على فهمنا لهاتين القاعدتين؟ فهمنا أن الفقه كثير منه قطعيات، وفهمنا أن كثيراً من الأصول الكلامية هي ليست قطعية، بل هي أصلاً ليست ظنية بل هي جهالات، ما هي الثمرة التي سنحصلها من إيماننا بهذين المبنيين؟

لا، هو الآن بدك تمشي معهم أنه هم يرون أنه لا تكفير في الفقهيات، أنه لو شخص أي مسألة فقهية بنكرها ما بصير تكفر فيها؛ لأنها ظنيات. واللي بينكر دليل الحدوث والأعراض عندنا هذا كافر لأنه أنكر قطعيات. فمبني على هذا أنه لا أن إنكار لكثير من أدلة هذا لا يؤدي إلى تكفير؛ لأننا اتفقنا أنها ظنيات، وأن كثيراً من المسائل الفقهية الذي ينكر فيها كافر، يعني عكس طريقتكم؛ بتيجوا مثلاً بتيجوا على مسائل الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، بيقول لك هي مسألة فقهية إذاً هي ظنية، فالمخالف فيها لا يكفر، أما اللي بيخالف دليل الحدوث والأعراض، لأنه هذا علم كلام، هي أدلة قطعية، بكفر. ابن تيمية بقلب الطاولة، قال: فإذا آمنا بهذين الجزئيين أن الفقه ليس كله ظنون بل منه قطعيات، والعكس أن قطعيات الكلامية أغلبها ظنيات، وأن كثيراً من الإنكار لأصول القطعية لا يكفر، بل حتى إحنا بعضكم فلان لا تكفر فلان الأشعري صاحبك؛ لأنه ترى هو مش أنكر دليل كلامي يقيني، أنكر شبهة من شبهاتك. ولما يجوا يقولوا نحن لا نكفر في الفقهيات، بقول لا تعال، على حسب، الفقهيات فيها فقهيات قطعية زي بعض مسائل الميراث، المنكر فيها كافر، فبقول كل أحكام التكفير حتى ستختلف موازينها بعد فهمك لهذين الأصلين.

قال: فنقول الفقه هو معرفة أحكام أفعال العباد، سواء كانت تلك المعرفة علماً أو ظناً أو نحو ذلك. إذاً طيب، الآن بدأ ابن تيمية يرد، أولاً الفقه بماذا سيعرف ابن تيمية؟ ابن تيمية اختار مصطلح المعرفة لأنه يرى أن مصطلح المعرفة يدخل تحته العلم والظن تماماً، هذه ممكن يعني فائدة هيك على الهامش تكتبها على الصفحة الأولى من كتابك، أنه ابن تيمية يظهر من كلامه أنه إيش الفرق عند ابن تيمية بين العلم والمعرفة؟ أن المعرفة عنده أوسع تشمل القطعيات والظني، فلذلك لأن ابن تيمية رحمه الله عليه، وهذا منهج السلف عموماً، يرون أن الفقه منه ما هو قطعيات ومنه ما هو ظني، ابن تيمية لم يعرف الفقه بأنه العلم بالأحكام ولم يعرفه بأنه الظن بالأحكام، اختار مصطلحاً ثالثاً ما هو؟ المعرفة بالأحكام. لماذا ابن تيمية يختار مصطلح المعرفة؟ الذي يظهر لي أنه يرى أن كلمة معرفة تشمل القطع وتشمل الظن، ولذلك قال: الفقه هو معرفة أحكام أفعال العباد، سواء كانت تلك المعرفة علماً، علماً يعني قطعاً، أو كانت تلك المعرفة ظناً، أو حتى ما هو أقل من الظن.

قال: ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها، اه شوف، إذاً ابن تيمية هنا يتكلم بكلام يعني خطير يدل على استقراءاته، يقول: من تدبر أحكام الفقهية في الكتاب والسنة وكان يحسن التدبر، عرف أن أحكام عامة أفعال العباد ترى يقينية مش ظنية، إذاً هو يرفض حتى إحنا أحياناً ممكن نقول إن أغلب الفقه ظنون، حتى هذه ابن تيمية يرفضها، حتى قولك أغلب الفقه ظنون، صح أنت جزاك الله خيراً، أنت مش زي المتكلمين، أنت بتقول الفقه فيه ظني وقطعي، بس ابن تيمية لا، ذاهب إلى ما هو أبعد من ذلك، هو يرى أن أغلب الفقه قطعيات وليس ظنيات كما يزعم البعض. كيف؟ قال: فإما غالب الأفعال مفادها وأحداثها، فغالب أحكامها معلومة، ولله الحمد، وأعني بكونها معلومة أن العلم بها ممكن، وهو حاصل لمن اجتهد واستدل.

ابن تيمية لما يقول لك إن أغلب مسائل الفقه يقينية، هو ماذا يقصد بهذا الإطلاق؟ أنه يمكن الوصول إلى اليقين فيها، وليس أعني أن كل إنسان منا حصل اليقين فيها؛ إذاً هو يتكلم عن بالقوة مش بالفعل. لاحظ هذا كلام تأصيلي؛ طرق الاستدلال وآلية الاستدلال إذا اتبع المناهج الصحيحة يمكن في أغلب المسائل أن يصل إلى اليقين، ولا أعني بالضرورة أن كل إنسان حصل اليقين في أغلبها.

قال: لا أعني أن العلم بها حاصل لكل أحد، بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم. يعني ولا لغالب اتباع المذاهب، يعني أغلب اتباع الحنابلة واتباع هؤلاء أصلاً أغناهم بالتقليد. فنعم كلامك صحيح أغلب ما عندي وعندك ظنون، لكن هل يمكنني أنا وإياك نصل لليقين لو اتبعنا منهجاً علمياً صحيحاً؟ يقول نعم، نعم.

قال: بل هؤلاء غالب ما عندهم ظن أو تقليد. إذاً الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة وصار ينقل أقواله في تلك المسائل، وربما قربها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر. هذا إن كان فاضلاً؛ يعني هو أحسن؛ يعني بقول لك أحسن الحنابلة اليوم أو أحسن الشافعية اللي يستطيع أن يقرر مذهب أحمد ويجيب لك دليل ضعيف كمان عليه، قول لك هذا مستوي، هذا... يعني هذا انتظر منه أن يأتي باليقين في المسائل؟ فيقول: الفاضل هو الذي يستطيع أن يقرب مذهب أحمد مثلاً أو الشافعي بدليل ضعيف، وإلا فأغلب هؤلاء المتفقهة اليوم كفاه مجرد نقل المذهب عن قائله. وهذا واقع الحالة المذهبية اليوم، أنه يخلف عليه اللي بيعرف ينقل المذهب، يا أخي بدنا حتى تجيب أدلة المذهب، بس انقل لنا المذهب كما هو وحرر لي إياه كما هو وجزاك الله خيراً.

وإلا كفاه مجرد نقل المذهب عن قائله؛ إن كان حسن التصور فهماً؛ يعني إنسان يحسن تصور المسائل وتقريرها، هذا اللي إحنا اليوم نقول ما شاء الله عليه، بديش إياه حتى يستدل، بس إذا كان فهم ذكي يحسن تصوير المسائل يخلف عليه. وإلا إذا كان حتى تقرير المذهب وتصويره للطلاب صعب عليه، وإلا لم يكن عنده إلا حفظ حروفه، زي اللي حافظ زاد المستقنع، بس طلعوا شبر عنه بيغرق، اللي هو يلا سمعي كتاب الطهارة، وقال الإمام كذا وكذا والمياه ثلاثة، هذا حافظ جزاه الله خير، بس تعال قول يلا اشرح لنا المذهب وقرر لنا إياه، وأضعف مش عن الاستدلال، لا هو حتى أضعف عن تصوير المذهب للطلاب وتقريره. نعم قال: إن كان حافظاً، وإلا كان كاذباً أو مدعياً أو مخطئاً؛ يعني هذا أسوأ الأحوال طلع برضه، إذا مش حافظ هذا مدعي أنه حنبلي أو كاذب أنه حنبلي. يعني كأنه المراتب ثلاثة عند أغلب المتأخرين: يا شخص حافظ المذهب وفاهمه والله يخلف عليه بقرر بأضعف الأدلة، أو شخص ما بيعرف يستدل بس قادر على التصوير، أو شخص على الأقل على الأقل أنه حافظ. مثل غير هيك فش عندي، يعني اليوم واحد يقول أنا حنبلي شافعي تمام، فلك يعني وكان ابن تيمية يتحسر على حال الفقهاء المتأخرين أنه ضعفت جداً جداً جداً قدرتهم حتى على تقرير مذاهبهم بالأدلة القوية، فضلاً أنه يدعي أحدهم أنه مجتهد مطلق أو أنه يرجح بين سيدنا الشافعي وسيدنا أحمد. قلك يعني الله يخلف على الفقهاء المتأخرين إذا بيقدروا على هذه المراتب.

نعم قال: ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء ليس بعلم، كما أن العامة المقلد للعلماء فيما يفتون، فإن الحاصل عندهم ليس علماً بذلك عن دليل يفيدهم القطع، وإن كان العالم عنده دليل يفيد القطع. وهذا الأصل الذي ذكرته، العالم اللي هو أحمد نفسه أو الشافعي؛ فأحمد عنده أدلة توصله للقطع، بس نحن كأتباع أغلبنا أو 99% منا إنما نحن اتبعناه ظناً وليس قطعاً. فأحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة هم وصلوا إلى القطع في كثير من أحكامهم، لكن نحن كأتباع للمذاهب إنما قصارى أمرنا ظن بهذه المسائل وليس قطعاً، لأن الظن والقطع هذا شيء وجداني ونحن في النهاية مقلدون فقط ليس أكثر.

قصير من أغلبه علم، بأن الأدلة المنصوبة عليه توصل العلم، صح؟ أيوه، لكن من الذي استطاع أن يصل إلى هذا؟ هم القلة من المجتهدين الراسخين، أحسنت. نعم قال: وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم فلا يصد المؤمن العليم عنه صد؛ فإنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء، استطال... ما هو الأصل العظيم الذي ابن تيمية معجب به هنا؟ أن أغلب الفقه يمكنك أن تصل فيه إلى القطع، هذا أصل عظيم، لكن لغلبة التقليد والجهل في الأزمنة المتأخرة، ظن الناس أن الفقه لا يمكن أن تصل إليه إلا إذا شديت حيلك للظن، وهذا كلام غير صحيح، لكن أنت اللي ضعيف في أصول الفقه فساعتها المشكلة منك وليس لأن الله لم ينصب أدلة توصل إلى اليقين.

نعم قال: فإنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين للفقه والفتوى والقضاء، استطال عليهم أولئك المتكلمون، احت مخرج الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم، ولما لما رأوه من تقلد... لما راه من تقليد أصحابه وظنهم، لما راه... شايف يقول علماء الكلام لما شافوا ضعف الفقهاء في الأدلة العقلية والعلمية، علماء الكلام تطاولوا على الفقهاء، فصاروا يقولوا لهم يا فقهاء أنتم شو علومكم؟ كلها ظنية، ونحن علومنا قطعيات، فتطاول المتكلمون على الفقهاء من هذه الزاوية.

طيب قال: ومما يوضح هذا الأصل أنه من العلوم أن الظن غالباً، إنما تكون في مسائل الاجتهاد والنزاع، فأما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعاً. وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من أشهر ما تنازعت فيه الصحابة ومن بعدهم مسائل الفرائض، كما تنازعوا في الجد وفروعه وفي الكلالة وفي حجب الأم بأخوين وفي العمريتين، زوج وأب وأم وزوج وأبوين، وفي الجد هل يقوم مقام الأب في ذلك؟ وفي الأخوات مع البنات، هل هي عصبة أم لا؟ وفيما إذا استكمل البنات الثلثين وهناك ولد ابن، ونحو ذلك من المسائل التي يحفظ النزاع فيها عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس وغيرهم من الصحابة.

قال: لكن أئمة هذا الباب خمسة، عمر وعلي وابن مسعود وزيد وابن عباس، وإذا كانوا تنازعوا في الفرائض أكثر من غيرها فمن المعلوم أن عامة أحكام الفرائض معلومة منصوص بالقرآن. فإن الذي يفتي الناس في الفرائض قد يقسم ألف فريضة منصوص في القرآن مجمعاً عليها، حتى تنزل به واحدة مختلف فيها، بل قد تمضي عليه أحوال لا تجب في مسألة النزاع. وأما المسائل المنصوص المجمع عليها فالجواب فيها دائم بدوام الموتى، فكل من مات لا بد لميراث من حكم، ولهذا لم يكن شيء من مسائل النزاع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مع وجود الموت والفرائض دائمة.

ماذا يريد أن يقول ابن تيمية هنا؟ ماذا يريد أن يقول؟ هو يريد أن يوضح هذا الأصل، أنه أنت يا ابن تيمية كيف تدعي هذه الدعوى؟ وهو أن أغلب مسائل الفقه يمكن أن يوصل فيها إلى العلم واليقين، من أين لك هذه الجرأة على هذه الدعوى؟ فيقول لك: الظنون متى تحتاج إليها؟ لما يكون هناك نزاع وخلاف، وأما إذا كانت المسائل مع... أما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعاً. طيب وإذا كان كذلك، تفسير أكثر وضوحاً طبق لك مثال على علم الفرائض اللي هو علم المواريث، بقول لك: سؤال، علم المواريث كم مسألة وقع فيها الخلاف؟ بقول لك وقع الخلاف في العمريتين، في عشر مسائل، عشرين مسألة، ولكن أغلب مسائل الموتى، أغلب مسائل المواريث فيها خلاف... يعني لما تيجي تنقل من أئمة فقه الخلاف في الفرائض، عمر، علي، زيد بن ثابت، ابن عباس، يعني ابن مسعود، هؤلاء الخمسة هم الذين وقع بينهم الخلاف، في كم مسألة من مسائل المواريث؟ في 10، 12، 20 مسألة، وغالب مسائل المواريث متفق عليها ما تنازع فيها الصحابة، مع أنه كل يوم في ناس بتموت، يعني مش كل يوم في ناس بتموت، وكل يوم محتاجين نوزع ميراث، ومع ذلك إنما نقل الخلاف عن الصحابة في 20، 25 ايش... بل بقول لك حتى وفي زمن النبوة، هذه المسائل مع أنه في زمن النبي عليه الصلاه والسلام مش يومياً الناس بتموت في المدينة وبدهم مواريث توزع، كثير من المسائل اللي وقع فيها الخلاف زي العمريتين وزي الكلالة، لم تحصل، تخيل أنها لم تحصل زمن حياة النبي عليه الصلاه والسلام، مما يدل أن الخلاف وقع في مسائل نادرة قليلة الحص، وأن أغلب ما يحتاج إليه في المواريث كان مجمعاً عليه منصوصاً عليه متفقاً عليه، وهذا نموذج من النماذج.

نعم، قال: ومع أن كان يموت كل من كان يموت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ما وضع قط مال ميت في بيت مال ولا قسم بين المسلمين كما كان يقسم بينهم الفيء ومال المصالح؛ يعني أنه كل اللي كانوا يموتوا زمن النبي عليه الصلاة والسلام كلهم تم تقسيم ميراثهم، صح؟ إذاً كم مسألة في الميراث قسمت في حياة النبي عليه الصلاه والسلام وعلى أحوال مختلفة؟ وهذه إذاً أكيد قطعية، ما دام حكم فيها النبي عليه الصلاه والسلام، ما ورد أنه والله كان في مواريث بتروح على بيت مال المسلمين تخبأ أو توزع بين المسلمين لعدم وجود ورثة، كلها كانت توزع وكلها إذاً كانت معروفة مستقرة. إذاً عند الصحابة المسائل اختلفوا في كم مسألة فقط، لم تقع في حياة النبي عليه الصلاه والسلام وإنما وقعت بعده، مسائل تعد على الأصابع لا أكثر.

نعم قال: ولكن لما فتحت البلاد وكثر أهل الإسلام في إمارة عمر صار حينئذ يحدث اجتماع الجد والإخوة، فمسألة مثلاً الخلاف في اجتماع الجد والإخوة، هل الجد يحجب الإخوة أم الجد يدخل معهم شراكة؟ تخيل أن هذه لم تحصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لأن لو حصلت لنقل الحكم، واضح؟ لم يكن خلاف فيها بين الصحابة، فلما توسعت رقعة الدولة الإسلامية أصبح هناك قضية أن يجتمع جد مع إخوة، وبالتالي وقع الصحابة اختلاف فيها.

نعم قال: وكذلك حدثت العمريتان فتكلموا فيها، العمريتان وهي مسألة اجتماع زوج، يعني أن يموت الإنسان وليس له إلا أب وأم وزوج، أو العكس أب وأم وزوجة، هاتان تسمى مسألة العمرية، هذه لم تحصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وإنما حصلت في زمن عمر، وقضى فيها عمر بثلث الباقي للأم، ولذلك سميت هاتان المسألتان بالعمريتين نسبة إلى عمر بن الخطاب.

نعم قال: هذا مع أن علم الفرائض من علم الخاصة، حتى أن كثيراً من الفقهاء لا يعرفه، هو عند العلماء به من علم الفقه اليقيني المقطوع به وليس عند أكثر المنتسبين إلى العلم فضلاً عن العامة به علم ولا ظن. صح، لأنه علم الفرائض له ناسه، بقولك علم المواريث له ناسه، حتى قديماً كثير من الفقهاء تجده قوي في فقه الصلاة والزكاة والصيام، بس الفرائض بربش، ولذلك بعض العلماء تجدونه على طرته اسم ايش يكتب الفرضي؟ ليش يكتب الفرضي؟ لأنه علم الفرائض رياضيات وحساب وكذا، حتى كثير من فقهاء المذاهب ما كانش يقرب عليه إلا الخاصة الشاطرين الفلتات هم اللي كانوا يقربوا على علم الفرائض لأنه فيه رياضيات وطرح وجمع والمناسخات، وقصص طويلة فيها، قول لك هذا علم الفرائض وهو من علم الخاصة، الخاصة من العلماء، مع ذلك أغلب مسائله مجمع عليها ولم يقع فيها خلاف إلا في أمور معينة، فغيرها من العلوم التي هي أشهر في زمن النبي عليه الصلاه والسلام كالصلاة والزكاة والصيام، الأصل أن يكون مساحة اليقين فيها أو الذي يمكن أن يوصل إلى اليقين فيها أكثر من مساحة الظنية.

قال: وذلك كالقضايا التجريبية في الطب، هي عند المجربين لها والعالمين بها من المجربين معلومة، وأكثر الخائضين في علوم أخرى فضلاً عن العامة ليس عندهم علم ولا ظن. يعني مثلاً الأطباء كثير من قضاياهم الطبية اللي عالجوها أو بيمارسوها هم يدركونها يقيناً، لكن أغلب الناس اللي مش اختصاص في الطب شو وضعهم في المسائل الطبية؟ هم ما عندهم لا علم ولا ظن فيها.

نعم بس هي عند الأطباء شو؟ يقينية، فكذلك يقول لك في علم الفرائض، ترى هناك كثير من المسائل قطعية عند الفرضيين وكثير ممن لم يمارس الفرائض، بالنسبة له المسائل ليست قطعية عند الفرضيين، لأنه هو مش فرضي بالنسبة له ستكون المسألة ايش؟ والله أنا أظنها ظناً. لا مو أنت، لو كنت متخصصاً في الفرائض ومن خاصة الخاصة ستكون تعلمها يقيناً، بس المشكلة عندك مش في المسألة لأن المسألة لا يمكن الوصول فيها إلى الظن، يمكن عفواً إلى العلم، يمكن الوصول فيها إلى العلم بالأريحية، بس بشرط أنك تكون متخصصاً إذا أنت مش متخصص، وهكذا مثلاً في علم الحديث بيجيك شخص جاهل في علم الحديث والسند، فيجي يقول لك والله أخي هذا الحديث أنا حديث اللي الأمة تلقته بالقبول وقطعي عند الجميع، بقول لك أنا مش.

مقتنع فيه، أشك، أظن؛ طبعا لأنه أنت حضرتك مش متخصص في الحديث؛ فسيكون بالنسبة لك هناك ظنون، بل حتى قد يكون لك تأويل لهذه الأحاديث. وأما جهابذة النقل والنقد، إذا اتفق أهل الصنعة على تصحيح الحديث فهو صحيح قطعا، مش مظنة، قطعا.

نعم، قال بالباب: الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة، وفيه من الفروع والنزاع ما هو معلوم، ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة، ومنتصب معلومة يعني يقينية؛ أنه في كثير خلاف في الحيض. طيب، قال: ومن انتصب ليفتي الناس يفتيه بأحكام معلومة متفق عليها مئة مرة، حتى يفتيه بالظن مرة واحدة. وأن أكثر الناس أغلب مسائل الحيض اللي بيسألوا عنها الأخوات يعني 99% هي نفس القضية، لها عادة، انتهت الكدرة والصفرة؛ يعني 90% إلى 95% نفس القضايا. لحتى تيجي مسألة غريبة مش معتادة يكون فيها ظن مش علم، بتكون كم مسألة؟ ست، سبع مسائل مش أكثر. نعم.

قال: وإن أكثر الناس لا يعلمون أحكام الحيض وما تنازع الفقهاء فيه من أقله وأكثره وأكثر سنينه، ومسائل المتحيرة، فهذه من أندر الموجود؛ فهذا من أندر الموجود. ومتى توجد امرأة لا تحيض إلا يوما؟ وإنما في ذلك حكايات؛ يعني دائما بنيجي بنبحث في الحنابلة وغيره: ما أقل الحيض؟ 24 ساعة. وبقول لك: هو اللي بتحيض 24 ساعة كم واحدة في المجتمع الأردني مثلا؟ هاللي بتحيض 24 ساعة، حتى أنا أضلني مشغول هو أقل حيض 24 ولا أقل ولا أكثر؟ قال لك: هذه من حيث الواقع بتطلع واحدة من كل 200 ألف واحدة، فلا تركز لي على المسائل التي همشها.

نعم، قال: مع العلم بأن عامة بنات آدم يحضن كما قال النبي ﷺ: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم». وكذلك متى توجد في العالم امرأة تحيض 15 يوما أو 19، أو امرأة مستحاضة دائمة لا يعرف لها عادة ولا يتميز الدم في هذا؟ كله نادر. نعم.

قال: بل الاستحاضة إذا وقعت فغالب النسوة يكون تمييزها وعدتها واحدة، الحكم في ذلك النصوص المتواترة عن النبي ﷺ وباتفاق الفقهاء. ونحن ذكرنا في الموت الذي هو أمر لازم لكل أحد، وقل من يموت إلا وله شيء، وفي الحيض الذي هو أمر معتاد للنساء، وكذلك سائر الأجناس المعتادة مثل النكاح وتوابعه. فإذا ثبت أن الموت وما يتعلق به من المواريث -وكل يوم في موت- والحيض وما يتعلق به -وكل يوم في نساء حائض- ومع ذلك أغلب مسائله كانت معلومة لم يختلف فيها الصحابة، فغيرها من المسائل حتى كالنكاح أولى أن تكون أغلبها معلومة يقينية، وإنما يقع الخلاف فيما يكون نادرا مستحدثا.

قال: نعم، فيها الظن بكثرة، لكن لو أتينا للمسائل التي يحتاج إليها الناس يوميا في حياتهم، لا، حبيبنا أغلبها قطعية؛ المسائل اليومية التي فعلا تمس حياة الناس أغلبها قطعية. نعم، قال: وكذلك سائر الأجناس المعتادة مثل النكاح وتوابعه، والبيوع وتوابعها، والعبادات والجنايات. فإن قال قائل: مسائل الاجتهاد والخلاف في الفقه كثيرة جدا في هذه الأبواب، فإذا قال قائل: أنت كيف يا ابن تيمية تقول والله أغلب هذه الأبواب قطعيات مع أنه أي كتاب؟ قال الحنابلة وخالفهم الشافعية، وقال الحنفية، كيف تقول إن أغلب المسائل قطعيات؟ ألم تفتح كتب الفقه يا ابن تيمية؟

قيل له: نعم. قيل له: مسائل القطع والنص والإجماع بقدر تلك أضعافا مضاعفة، وإنما كثرت لكثرة أعمال العباد وكثرة أنواعها، فإنها أكثر ما يعلمه الناس مفصلا، ومتى كثر الشيء إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيرا. ومن ينظرها ينظرها مكتوبة فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك، كما يطالع تواريخ الناس والفتن وهي متصلة في الخبر، فيرتسم في نفسه أن العالم ما زال ذلك فيه متواصلا، والمكتوب شيء والواقع أشياء كثيرة، فكذلك أعمال العباد وأحكامها.

إيش يريد أن يقول ابن تيمية هنا؟ ما معنى هذا الكلام؟ أحسنت، يعني هو بيقول لك لو مسكنا كتاب المغني تعال نحطه؛ أنت أكيد لما تمسك كتاب المغني الانطباع الذي ستخرج فيه بعد قراءته: يا أخي هذا كل الفقه باقي خلافية، قال أحمد وخالفوه كذا، وفي المذهب روايتين. قال هو طبيعة كتب الفقه المقارن مثلا أنها قائمة على الخلاف، فأنت رح تمر فيه مثلا على 4000 أو 5000 مسألة خلافية، فالانطباع الذي سيحصل لديك ما هو؟ باقي كل الفقه خلافات. بس بقول لك: أنت لأنك شفتها محشورة في كتاب واحد تولد لديك انطباع أن أكثر الفقه خلافات.

لكن لو أغلقت الكتاب الفقهي ونزلت إلى السوق الآن، شفت البيع والشراء، شفت الحياة العملية للناس، تجد أن أكثرها مسائل متفق عليها؛ هذا بيبيع خيار، هذا بيبيع بندورة، هذا كذا، هذا بيشتري، هذا بيعمل ربا، هذا الربا حرام؛ ستجد أنه من حيث الواقع العملي لا، أنه آلاف المسائل قطعيات في حياتنا. النكاح، يصير نزيد على أربعة، والولي، مسائل كلياتها أو الخلاف فيها شاذ جدا جدا، لا يكاد يذكر. بس لأنه أنت قرأت كتاب في الخلاف في 4000 أو 5000 مسألة، أنت شعرت بكثرة الخلافيات، لكن الواقع ليس كذلك.

ثم حتى يفهمك أكثر، قاسها على مسألة كتب التاريخ؛ لما تقرا كتاب البداية والنهاية لابن كثير في التاريخ، وتقرا الفتن وعصر 132 و133 و134 واقتتلوا؛ أنت لما تقراها بتفكر كل التاريخ مهاوشات، هذول الناس كيف كانوا عايشين؟ لا، بقول لك مش هيك الواقع، يعني أنت حتى أحيانا بتمر السنة كلياتها صارت واقعة أربعة أيام ومات فلان، اللي بيعيش في الواقعة ليس كمن يقرأها مجموعة في مكان واحد.

فأنت لما تقرأ كتب التاريخ بما فيها من الفتن والأحداث، تقول هي الأمة الإسلامية باقيين ذابحين بعض؟ كيف كانت الناس عاشوها؟ التاريخ ون في زمن العباسيين والمماليك والعثمانيين، بقول لك الواقع ليس كذلك تماما. عرفت؟ لأن الواقع شيء، ولما تقرأ الشيء مجموعا في مكان واحد يعطيك تصورا وانطباعا مختلفا.

قال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، أما غير الخائض في الفقه في فنون أخرى فظاهر، أما الخائض نعم، ولكن أكثر الناس لعدم اختصاصهم في الفقه يظنون أن أكثر الفقه خلافات، ويجي يقول لك دائما الشيوخ مختلفين؛ لا، أكثر الناس لا يعلمون الفقه حقيقة. أما غير الخائض في الفقه؛ زي الأطباء والمهندسين والمزارعين اللي ما لهم علاقة أصلا بالعلوم الشرعية، فظاهر أنهم لن يعرفوا حجم الخلاف والاتفاق.

وأما الخائض في الفقه، نعم، قال: فغالب إنما يعرف أحدهم مذهب إمامه، وقد يعلمه جملة ولا يميز بين المسائل القطعية المنصوص والمجمع عليها وبين مفاريد. فأصلا أكثرنا إنما نحن أتباع أحمد أو أتباع الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة، نحن لا نعرف وين اتفقت المذاهب، وين تفردت المذاهب، وين المجمع؛ فبالتالي قد تكون نظرتنا أن الفقه أغلب خلافات لضعف نظرنا في الأدلة وتعاملنا معه.

قال: أما شاعر في الاجتهاد فنجده يفتي بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع. نعم، فبتجد أحدنا يفتي في مسألة حكمها كذا، وفي مسألة أخرى حكمها كذا، بتكون المسألة الأولى مجمع عليها، والمسألة الثانية مختلف فيها؛ فلأننا فقط أصبحنا أتباع مذاهب ما عدنا نفرق في فتياؤنا بين مسائل الاجتهاد وبين مسائل الإجماع، لأنه أنت خلص ماشي على نظام معين أني أنا حنبلي، فبالتالي أنا أفتي بكل المسائل سواء كان الحنابلة موافقين فيها للأمة أو كان الحنابلة وقع خلاف بينها وبين الأمة فيها. لم يعد من اهتمام الفقهاء المتأخرين الذين يفتون على وفق مذاهبهم التمييز بين هذه المسألة متفق عليها ولا لا؛ أنا بيهم أني حنبلي وأفتي بالمذهب بغض النظر متفق عليها ولا مختلف فيها.

قال: بمنزلة حمال حمل سفرا ينقل نقلا مجردا، جزاه الله خيرا؛ يقول هذا حالنا. قال: حتى أنه يحكى لأحدهم أن مذهب فلان بخلاف ذلك فيسوغ ذلك، ويكون الخلاف في ذلك من الممتنعات بين الملل. حتى أنه يحكى لأحدهم أن مذهب فلان بخلاف ذلك فيسوغ ذلك؛ يعني لأن هذا ما أسميه أنا التمذهب المقيت، التمذهب اللي بيخلي الإنسان خايف يشوف، مثلا أنت حنبلي خايف تطلع على المذهب الشافعي، لا لا، أوع تقرأ كتاب في الفقه الشافعي، بس اقرأ كتاب في مذهبك، إذا قرأت كتاب عند الشافعية أو المالكية أنت أمورك رح تصير، هذا التعصب التمذهب شو بيؤدي إلى ماذا؟ أنه بصير الإنسان بيقول لك أنا بس بأفتي بالمذهب، فإذا جاءه شخص فقال له: ترى في المسألة خلاف، يقول: والله ممكن!

آه فعلا، بيقول لك: بطلع المسألة مجمع عليها بين الأمة، بس لأنه هو مش عارف إلا مذهبه وخايف، هل المسألة هي مجمع عليها بين المذاهب أو لا؟ متمركز حول مذهب معين، هذا الشخص المتعصب الذي لا يقرأ إلا لمذهبه، إذا عرضت عليه أي مسألة وقيل له فيها خلاف مع مذاهب أخرى شو بيقول؟ والله ممكن، فأنا لم أطلع إلا على مذهبي، وفي الواقع لا مش ممكن. فيقول بعض المسائل: حتى أنه يحكى لأحدهم أن مذهب فلان بخلاف مذهبك، قال: فيسوغ ذلك، يعني بيبتدي يقول: بجوز، أنا بس حنبلي، لا كيف بجوز؟ وتكون تلك المسألة اللي قال يجوز، لا يجوز الخلاف فيها بين الملل، مش في الإسلام فقط؛ يعني اليهود والنصارى والمسلمين متفقين عليها، وهو إذا قيل له: ترى في خلاف، بيقول لك: والله ممكن، أنا بس بأفتي في المذهب، لا كيف حكيت ممكن؟ لا، فيها خلاف. بس هذه نتيجة ما قلنا، أنه أنت حضرتك لا تقرأ إلا في المذهب، وهذا لا يصح.

إخواني، في بداية تعلمك نعم تقرأ في المذهب، لكن في مرحلة معينة لازم تقرأ المغني، لازم تقرأ كتب الخلاف، حتى تعرف وين المسائل اللي فيها مخالف، لأنه فعلا فيها خلاف مستقر، وين المسائل التي لا، إنه مش فيها خلاف؛ هذه مش حنبلية، هذه مسألة على مستوى الأمة متفق عليها. هذه إخواني خطيرة؛ لأنه أحيانا التمذهب قد يأخذك إلى أبعاد أنه أي مسألة تطرح أمامك وقيل لك فيها خلاف، تصير تقبل وجود الخلاف؛ لأنه أنا بس حنبلي فلا أعرف هل المسألة خلاف ولا مش خلاف، وهذا ليس بفقيه، والفقيه عليه أن يعرف أين اتفقت المذاهب والأمة.

نعم، قال: وقد بلغني من ذلك عن أقوام مشهورين بالفتيا والقضاء، حتى حكوا لملك بلدهم أن من مذهب الشافعية أن المطلقة ثلاثا تباح بالعقد الخالي من الوطء. ما معنى هذا؟ المطلقة ثلاثا تحرم على زوجها حتى تتزوج زوجا غيره، وهذا الزوج الثاني يدخل بها، فحكى لملك بلدهم أن مذهب الشافعية أن المطلقة ثلاثا تباح لزوجها الأول بالعقد على زوج ثانٍ ولو لم يطأها الزوج الثاني. فهمتوا شو المسألة اللي حكوها لملكهم؟ أنه إذا زال لم يطلق زوجته ثلاثا يمكن بس يعقد عليها شخص ثاني وما يدخلش فيها وخلاص ويطلقها وترجع لزوجها الأول.

يقول شيخ الإسلام: وصبيان الشافعية يعني أصغر شافعي في العالم يعلمون أن هذا مما لم يختلف فيه مذهبه، أنه مذهبه متفق عليه، متفق عليه أن هذا لا يصح. نعم، قال: وحتى يحكون عن مالك أن المتعة عنده جائزة، وليس في المتبعين أشد تحريما لها منه من أصحابه. حتى ويحكي بعضهم أن مذهب مالك يبيح المتعة بالنساء، ومالك من أكثر الناس تحريما لمتعة النساء، كيف تقول عن مالك أنه يقول بمتعة النساء؟

نعم، قال: حتى أنه إذا وقع الطلاق عنده ينجز، لئلا يصير النكاح مؤقتا كنكاح المتعة؛ يعني من تشدد مالك في قضية تحريم نكاح المتعة أنه مالك يقول: إذا وقع الطلاق عنده ينجز مباشرة، لئلا يصير النكاح مؤقتا كنكاح المتعة. شو يعني؟ يعني إذا حكيت لزوجتك أنت طالق بعد شهر، بتطلق الآن، بتطلق الآن! هذا من تشدد مالك، ليه؟ قال: لأنه إذا قال لزوجته أنت طالق بعد شهر، أصبح يشبه نكاح المتعة المؤقت، فحتى لا تقع المشابهة تطلق الآن! بتيجي بعدين بتحكي مالك يجوز نكاح المتعة؟ أي مالك أكثر شخص متشدد في هذا الموضوع، حتى أنه حرم ما فيه رائحة متعة.

نعم، قال: وأبلغ من ذلك يحكون في بلادهم عن مالك حل اللواط، والعياذ بالله. قال: ويذكر ذلك لمن هو من أعيان مذهبه فيقول: القرآن دل على تحريمه، ولا يمكنهم أن يكذبوا الناقل ويقولوا: هذا حرام بالإجماع، مع أن العالم يعلم أن هذا حرام بإجماع المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين وأكثر المشركين. نعم.

أعتقد أن القرآن دل على تحريمه، ولا يمكنني أن أكذب؛ لأنه ممكن أن يكون فيها خلاف، يعني ممكن أن بعض المالكية نقلوا عن مالك حل اللواط. هذا الرجل الذي يريد أن يتورع في نقل المذهب، وهو مالكي، يريد أن يتورع فيقول: أنا ما أعلمه أن اللواط حرام، بس ممكن أنت تكون وقفت على قول ينسب لمالك. كيف أنا مثلاً حنبلي قد أجهل بعض الروايات لأحمد وتقول لي: في رواية في المذهب، أقول والله ممكن أنا ما اطلعت عليها. هسه لو أنت قلت لي: في رواية في المذهب عن أحمد حل اللواط، أقول لك ممكن؟ لا؛ لأن هذا اللواط حرام عند كل الأمم وكل العقلاء، فليس ممكناً ساكتاً مباشرة تقول: لا، أنت ما وقفت على كل الروايات، يا أخي لا يمكن أن يكون أحمد أو مالك أو شيء من هؤلاء الأئمة أن يقولوا بحل اللواط. فيقول مع أن هذا العالم يعلم أن هذا مش حرام عند المالكية فقط، بل بإجماع المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين وأكثر المشركين، يعني حتى لم يستحله إلا قوم لوط وبعض ناطقة.

قال: فلأجل هؤلاء وأمثالهم بالتمييز بين مسائل العلم والقطع ومسائل الاجتهاد، التبس عليهم الأمر، فلم يمكنهم أن يحكموا في أكثر ما يفتى به أنه قطعي. إذاً ابن تيمية ماذا يريد أن يقول؟ إن الغلو في القول بأن الفقه ظنيات يوصل لهذا. الغلو في القول بأن الفقه ظني أوصل بعضهم إلى أنه يظن أنني أظن اللواط حرام! شو تظن أن اللواط حرام؟ وتسوق وجود خلاف في المسألة لأن الفقه ظنيات! هو يريد أن يريك عواقب التوغل أو التوسع في القول بأن الفقه ظنيات.

نعم، قال: فلم يمكنهم أن يحكموا في أكثر ما يفتى به أنه قطعي، وهو قطعي معلوم من الدين للعلماء بالدين، لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نقلة كلام بعض مذهبه. أحسنت، هؤلاء ليسوا فقهاء، هؤلاء مجرد حفظة مذاهب.

قال: والفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً، ولكن أولئك المتكلمون كان علم الفقه عندهم هو مسائل الحل والحرام، وشفعة الجوار، والجهر بالبسملة، وتثنية الإقامة، والشفعة تعرف مسألة الشفعة في الجوار، مسائل فخش.

نعم، قال: وتثنية الإقامة وإفرادها، والجمع بين الصلاتين، وإزالة النجاسة، والقود بالمثل، وخيار المجلس، والعوض بالعقد الفاسد، والإجارة، ونحو ذلك من المسائل التي شاع فيها النزاع، لا سيما وقد جرد بعد المئة الثالثة مسائل الخلاف، وأصبحت تكتب في كتب خاصة، زي كتاب المغني وكتاب ابن جرير الطبري وغيرهم، وكتاب أيضاً الوزير ابن هبيرة، وكتاب ابن الجوزي أيضاً، اللي هم العلماء الذين صاروا يؤلفون كتباً فقط في الخلاف بين المذاهب الفقهية الأربعة؛ فصاروا يظنون أن الفقه كله خلافيات.

نعم، قال: جردها أبو بكر الصيرفي فيما يغلب على ظني، واتبعه على ذلك الناس حتى صنفوا كتباً كثيرة في مسائل الخلاف فقط التي تسمى فقه المقارنة. واقتصر أكثر هؤلاء على ما اختلف فيه أبو حنيفة والشافعي. وفعلياً أكثر كتب الخلاف هي تنقد الخلافات بين الحنفية والشافعية، هذا يعود إلى كون الدول الإسلامية أكثرها كانت إما حنفية أو شافعية، لذلك كثرت المناظرات بين المذهبين؛ الحنابلة كانوا طيبين، ما دخلوا كثيراً في المنازعات هذه.

نعم، قال: وأمهات المسائل التي جرد القول فيها نحو أربعمائة مسألة، التي توجد في أمهات التعاليق. يقول لك ابن تيمية: تعال نشوف إيش الخلافات بين الحنفية والشافعية، لا تتجاوز أربعمائة إلى خمسمائة مسألة، هي أمهات المسائل، يقول أمهات، ركز ما قال فروع؛ لأن ابن تيمية كما مر معنا في أول الكتاب هو لا يؤمن بكثرة التفريع، يرى أنها توليد لأمور لا تقع، لكن المسائل الأساسية المفصلية التي تقع في حياة الناس ووقع فيها الخلاف حقيقة لا تتجاوز أمهات المسائل أربعمائة مسألة.

نعم، قال: وكتب الخلاف التي صنفها الخراسانيون والعراقيون من الطوائف، وإن كانت مسائل الخلاف لمن استوعبها منهم كالقاضي أبي يعلى تنتهي إلى ألوف مؤلفة، إما عشرة آلاف أو أقل أو أكثر، ولمن اقتصر على كبارها تكون نحو مئة مسألة، كما فعل أبو محمد إسماعيل ابن بيّاض في تعليقه. قال: أما ذلك المقدار فهو الذي يصفه أبو المعالي وأبو إسحاق في خلافهما، والشريف أبو جابر وأسعد المهيني والسمعاني ونحوهم، ويسبقه الخطاب في انتصاره، وابن عقيل في نظرياته، وكذلك ابن يساره والعالمية ونحوهم من أصحاب أبي حنيفة، وإن كان في عمد الأدلة تبع شيخه القاضي في استيعاب ما في تعليق القاضي من هذه المسائل ونزاع فيها، وشهد أنها مسائل اجتهاد ظنية. واشتهار أصحابها بعلم الفقه هو من الشبهة التي أوجبت للمتكلمين ولهؤلاء الفقهاء المختلفين ولكثير من المفتين وغيرهم أن يجعلوا الفقه من باب الظن والاجتهاد؛ فهذه الكتب لأنها اقتصرت فيها على الخلافيات جعلت كثيراً من علماء الكلام يظنون أن الفقه كله ظني واجتهادي ليس أكثر.

نعم، قال: ولهذا كان ظهور هذا القول مع ظهور مسائل الخلاف هذه، وذلك مع ظهور البدع. ولهذا كان ظهور هذا القول مع ظهور مسائل الخلاف هذه، أي قول يحكي أن الفقه ظني، القول بأن الفقه ظني كله متى ظهر في الأمة؟ لما ظهرت كتب الفقه المقارن، شفتوا هذا رصد؛ يقول القول بأن الفقه كله ظني نشأ لما ظهرت كتب الفقه المقارن نتيجة خطأ في النظر والتأمل.

نعم، قال: وضعف الخلافة حتى استولى عليها الديلم؛ إذ من مذهب القرامطة والباطنية والرافضة والمعتزلة ما عم أكثر الأرض، وأخذ من المسلمين كثير من ثغورهم الشامية وغيرها، وانتشرت حينئذ بدع المتكلمة الصوفية وغيرهم، وصار هذا الفقه من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وكذلك مال كثير من طلاب العلم إلى ما يظنونه علماً غير الفقه، إما الكلام وإما الفلسفة؛ فإن النفس تطلب ما هو علم وتنفر ما هو شك وظن، وهذا محمود منها. كان من سبب هذا أنهم تفقهوا لغير الدين، وذلك مما ذموا عليه كما جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة. أن انتشار القول بأن الفقه ظنون إيش كان سببه؟ أولاً: انتشار كتب الفقه المقارن، ثانياً: انتشار العقائد الكلامية والإقبال عليها من الشباب في تلك الفترة باعتبار أن علم الكلام روج أنه هو العلم العقلي والفكري والفلسفي، كيف اليوم يروج على الناس أنه نظرية المعرفة والفلسفة. والبصير الشباب يقول لك: أنا بدي أضلني أدرس مذهب وأمسك كتاب وفقه طهارة وصلاة؟ شوف الدنيا وين وإحنا وين، الناس وصلت إلى نظرية المعرفة والكلام، فاللي عنده ذكاء وكذا يجنح إلى العلوم الفلسفية العقلية، ويرى أن الفقه إنما هو ظنون، وكل واحد يحكي اللي بده إياه وكلها بتمشي، يعني فيه كله خير وبركة. هذه الحالة ابن تيمية يرصدها؛ فما عاد هناك همم تزدحم للبحث عن الأدلة اليقينية في الفقه، ما عادت الهمم عند الشباب ترتفع لهذا، خلص انتشرت العقائد الكلامية وأصبحت الأمة تهتم بتعقيد هذه العقائد؛ فضعف اهتمام الناس بالفقه، وغلب عليهم القول بأن الفقه كله ظني.

نعم، وبعدين وردت فقط أنه إيش كمان؟ مش بس هيك، وأن كل مجتهد مصيب، كمان التي حكى عنها في البداية أنه كل مجتهد مصيب؛ أنت شايفه حلال، هذا شايفه حرام، كله صح، هذا كله تولد بعضه من بعض.

نعم، قال: كما جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة وعلي رضي الله عنهما يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اتخذ المال دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتفقه لغير الدين» -هذا موطن الشاهد- «وتفقه لغير الدين»، فقط للمنافسة وفرد العضلات، وأنا شاطر في الفلسفة وأنت شاطر في علم الكلام.

نعم، قال: «وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، ورفعت الأصوات في المساجد، وأكرم الرجل مخافة شره، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، فلينتظر عند ذلك ريحاً حمراء، وفتناً تتتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع»، يعني زي مسبحة، النظام هو المسبحة، فتساقطت الخرزات تباعاً. طبعاً الحديث فيه ضعف، لكن هو أخذ منه الفكرة التي يريد أن يقولها، هو التفقه لغير الدين من أمارات آخر الزمان.

نعم، قال: وكان هذا ما هو من أشراط الساعة الوسطى من ظهور الجهل ورفع العلم وكثرة الزنا؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يريد بالساعة انخرام القرن، ووقوع شرور وبلاء يعذب به الناس. طبعاً ابن تيمية كأنه يرى أن علامات الساعة هناك صغرى ووسطى وكبرى، هو يعبر أن هذه الأمور من أشراط الساعة الوسطى. وكان هذا ما هو من أشراط الساعة الوسطى من ظهور الجهل ورفع العلم، يعني كانت مثلاً علامات الساعة الصغرى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وما سيحدث في الفتن في أول البعثة وحياة الصحابة، ثم في القرون المتأخرة تأتي قضية ماذا؟ الهرج والمرج وظهور الجهل، هذه علامات وسطى، الكبرى هي العشرة المتلاحقة التي تكون في آخر الأمة.

فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يريد بالساعة؛ لأن كثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حصل كذا فانتظروا الساعة». كلمة الساعة في الأحاديث النبوية ماذا يقصد بها؟ لا، مش يوم القيامة، هذا أحد مقاصدها. ابن تيمية عنده رصد هنا؛ يقول إن كلمة الساعة إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حصل كذا فارتقبوا الساعة، قال أحياناً يقصد بالساعة انخرام القرن الذي حصلت فيه هذه الفتنة، وليس بالساعة يوم القيامة. يقول: هذه أحد إطلاقاتها.

نعم، قال: جاء في مثل قوله: «إن يستنفد هذا الغلام عمره لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»، وأشار إلى غلام معين. طيب هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، طب هذا الغلام مات وذهب، إذاً ماذا قصده بالساعة عندئذ؟ انخرام قرن الصحابة، كأنه يقول: هذا الغلام الذي أمامي، إذا استنفد هذا الغلام عمره، أي وصل إلى الستين أو السبعين أو أقصى شيء مئة، سيكون هو انخرام قرن الصحابة وبداية جيل جديد، فهنا لاحظ ابن تيمية أن كلمة الساعة استعملت بمعنى القرن.

نعم، قال: كما أنه قد أراد بلفظ القيامة موت الإنسان، كما أن لفظ القيامة وإن كان معناه العام اليوم المعلوم، لكن أحياناً يطلق على موت الإنسان أنه قيامة صغرى.

نعم، قال: كما في قول المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إنكم تقولون القيامة القيامة، وإنه من مات فقد قامت قيامته، وترجم البغوي على ذلك في كتاب المصابيح: باب من مات فقد قامت قيامته. لكن من الزنادقة الصابئة المتفلسفة كالسهروردي الحلبي المقتول وغيره من يظن أن ذلك هو القيامة التي وصفها الله في القرآن، ويجعل هذا اللفظ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك.

وإذا كان بسبب تقليد كثير من الفقهاء لأئمتهم واتباعهم الظن، اشتبه ما يمكن علمه وما هو معلوم لفقهاء الدين وعلماء الشريعة بغيره؛ فكذلك نفس الأئمة المجتهدين لا ريب أنه قد يكون عند أحدهم ما هو بالمجهول، وهو معلوم عند الآخر، أما موافقاً له وأما مخالفاً له في أكثر المسائل. يعني حتى الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، لا ريب أنه قد يكون عند أحدهم ما هو مظنون بالمجهول وتكون نفس هذه المسألة معلومة عند الآخر، يعني في مسألة قد تكون مظنونة أو مجهولة عند أحمد ولكنها معلومة مجزومة عند مالك، أو العكس؛ مسألة يجهل بها مالك أو هو يظن فيها ظناً وليس هو مستيقن، وتكون هي نفسها مجزومة عند أحمد؛ لأنه وقف على أدلة وآثار فيها لم يقف عليها مالك. فهذه قضية يجب أن تفهمها؛ كون الشيء مظنوناً لك ليس هو أنه مظنون عند غيرك، كونك أنت لم تستطع أن تصل فيها للقطع لا يعني أن تقول.

هذا الفق كله ظنون؛ لا هو ظنون لك لأنك أنت الذي لم تعرف، لكن عند غيرك معلوم، ويمكن أن يوصل فيها إلى العلم. فإذا كان هذا حتى بين الأئمة أنفسهم؛ فما بالك بمن هم من أتباعهم؟ نعم. قال: إما موافقاً له وإما مخالفاً فيها؛ أكثر المسائل الفقهية التي لا يعرف حكمها كثير من الأئمة، أو يتكلم فيها بنوع من الظن مصيباً أو مخطئاً، وتكون معلومة لغيره بدلة قطعية عنده وعند من علم كعلمه، تارة بنص اختص بسماعه من الرسول أو من غيره وحصل له. نعم نص وصل لأحمد، أو إذا كنا نقول الخلاف في زمن الصحابة، والله نص عند عمر مش موجود عند أبي موسى، أو نص سمعه زيد من النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمعه ابن عباس؛ فبيكون زيد عنده علم يقيني وابن عباس عنده ظن أو جهل؛ حتى بالمسائل شيء طبيعي. نعم، قال: وحصل له بذلك العلم لأسباب كثيرة في النقل. نعم، قال: هذا كثير ما يكون لعلماء الحديث، فإنهم يعلمون من النصوص ويقطعون منها بأشياء كثيرة جداً، وغيرهم قد يكذب بها. وغيرهم زي ما حكينا بيجيك شخص يقول لك مش حديث الإسراء والمعراج ضعيف؟ طب لأنه مش مختص في الحديث فيكذب قضية الإسراء والمعراج أو انشقاق القمر. وأما علماء الحديث الذين عايشين مع البخاري ومسلم والسنن وقرأوا كبار الأحاديث التي فيها، وعن الأئمة الثقات؛ هو يجزم بوقوع الإسراء والمعراج، يجزم بوقوع انشقاق القمر، بس الشخص مش متخصص لجهله لا يجزم بشيء، بل تجده حتى يكذب بذلك. نعم، دعك من يجهلها أو يشك فيها أصلاً.

طيب، قال: وتارة بفهم النصوص ومعرفة دلالتها، فما أكثر من يجهل معنى النص أو يشك فيه أو يفهم منه نقيضه. اختلاف العلماء في بين الظن والقطع ناشئ أولاً: اختلاف ما وصلني عما وصلك؛ هذا واحد. ثانياً: اختلاف فهمي للدلالة عن فهم هذا، ثانياً: أنه أنا أفهم دلالات النصوص بشكل أفضل منك، فقد يحصل لي قطع من دلالة نص؛ لأنه أنت ضعيف في الدلالات لم يحصل لك القطع بهذا الأمر. نعم، قال: فما أكثر من يجهل معنى النص أو يشك فيه أو يفهم منه نقيضه أو يذهل عنه أو يعجز ذهنه عن إدراكه. نعم، قال: ويكون الآخر قد فهم من ذلك النص وعلم منه ما يقطع به. وتارة بإجماع علمه من إجماعات الصحابة وغيرها؛ ثم بعد ذلك وتارة قد أكون أنا حصل لدي إجماع أنت لم تعرف ولم يصل إليه. نعم، قال: ثم بعد ذلك تارة بقياس قطعي؛ فالقياس أحياناً كذلك بقياس قطعي، أنا عندي قياس، لكن مش كل القياس ظني، في قياس قطعي زي ما أخذنا في الفقه؛ زي قياس الأولى والقياس بنفي الفارق. نعم، قال: فإن القياس نوعان قطعي وظني؛ كما في القياس الذي هو في معنى الأصل قطعاً بحيث لا يكون بينهما فرق تأتي به الشريعة، نعم اللي هو قياس بنفي الفارق، القياس بمعنى الأصل سميناه في أصول الفقه القياس بنفي الفارق، زي قياس ضرب الوالدين على التأفيف؛ هذا هو قياس أولى وقياس بنفي الفارق.

نعم، قال: أو يكون أولى بالحكم منه قطعاً. وتارة بتحقيق المناط، وتارة قد يكون أيضاً أنا وصلت للقطع بتحقيق المناط؛ تحقيق المناط هو تنزيل المسألة أو النص أو الآية على الواقعة، فأكون أنا استطعت أحقق المناط قطعاً؛ أقول هذه المسألة أو هذا النص قطعاً يصدق على هذه الواقعة، وأنت ما استطعت أن تتيقن من إسقاط النص على الواقع. نعم، قال: بأن يعرف ثبوت المناط الذي لا شك فيه في المعين، وغيره يشك في ذلك؛ كما يقطع الرجل في القصاص وأبدال المتلفات بأن هذا أقرب إلى المثل والعدل من كذا، وغيره يشك فيه أو يعتقد خلافه، أمثال ذلك. يعني أحسنت، لما نأتي الآن نقول: والله هذه السيارة ما الذي يماثلها في باب الإتلاف؟ مش دائماً الإتلاف إذا كان مثلي ترده بمثله، وإن كان قيمة بقيمته، قد يكون شخص خبير بالمثليات ومتقن، فيقطع عن هذه السيارة مثلها كذا، أو هذه الدابة مثلها كذا، وقد يكون شخص مش خبير في التخمين فبيشك في التخمين، يقول لك: أظن أنه مثله كذا. نعم.

قال فصل: وكذلك لفظ الحركة؛ أثبته طوائف من أهل السنة والحديث، وهو الذي ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني في السنة التي حكاها عن الشيوخ الذين أدركهم كالحميدي وأحمد بن حنبل وسعيد بن منصور وإسحاق بن إبراهيم، وكذلك هو الذي ذكره عثمان بن سعيد الدارمي في نقده على بشر. طيب، الحقيقة رح تجدوا أن الكتاب؛ كتاب الاستقامة، حقيقة للأسف في نقلات نوعية بتستغرب منها، لذلك أنت حتى تجد الفصول مختلفة إلى الآن في مواضيعها لحتى نصل للقشيري؛ خلاص تستوي الأمور. لكن نحن خلينا نشوف مثلاً الفصل هذا الذي كنا فيه، كان يتكلم عن إشكالية التفريق بين الكلام والفقه، واعتقاد أن الكلام كله قطعيات، والفقه كله ظني، وناقشنا هذه الجزئية. طيب، الفصل السابق كان كل كلام في مسألة الفرقة والخلاف وطريقة تعامل الإنسان الذي على طريقة السلف مع المخالفين له، وأنه يجب أن يكون متوازناً في تحمل المخالفين وعدم التعجل في التكفير والتفسيق والتبديع وما شابه ذلك، طبعاً هذا كان الفصل الثاني الذي أخذناه. نجي على الفصل الأول؛ كان كلام في ماذا؟ كلام الفصل الأول كان كلام عن أصل البدع، وكيف أنها ظهرت في العقديات وأنها ظهرت في الفقهيات والكلام، كيف أن أكثر الفقه وقع فيه أخطاء بسبب توليد المولدات والانتشار في هذه الأمور والابتعاد عن مقتضى الكتاب والسنة؛ فأخبر أن أصل البدع هو الابتعاد عن مقتضى الكتاب والسنة، سواء في العقديات أو في الفقهيات، ولما تكلم عن مدرسة أهل الرأي؛ فهذه ثلاثة فصول مررنا عليها.

الآن رح تلاقي فجأة أنه سيناقش مسألة الحركة، طبعاً أنا لا أعتقد أنه سيطيل فيها كثيراً، نعم عشر صفحات؛ يعني سيشير فيها لفظ الحركة وهل يثبت لله ولا لا يثبت لله. بتعرف أنت بالتالي أن هذا الكتاب هي فصول جُمِعَت، لكن فيها سقط؛ يعني في نقطة ساقطة بين هذه الفصول، هي ناتج أن الكتاب قد لا يكون وصل كاملاً بكل تفاصيله، ومع ذلك لا غنى لنا عنه حقيقة. يعني أدخل في قضية لفظ الحركة وما بعده، وسأتركه إن شاء الله إلى ما بعد دورة همم؛ يعني نقتصر إن شاء الله على هذا المقدار من الفهم الذي أخذناه من كتاب الاستقامة، ونستمر في مدارسته إن شاء الله بعد مجالس همم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.