السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه العودة الميمونة. هل الصوت جيد؟ إذا نبدأ مستعينين بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجِّ إخواننا في غزة خاصة، واكتب لهم الفرج مما هم فيه من البلاء الشديد.
حياكم الله في عودة ميمونة إلى برنامج تراث، هذا البرنامج الذي نغوص فيه في أعماق كلام أهل العلم الكبار رضوان الله تعالى عليهم. هذا الغوص الذي يحتاجه كل طالب علم يريد التحقيق، ويريد الفلاح، ويريد الوصول إلى معالي العلم؛ لأن الإنسان يحتاج أن يقرأ كثيرًا، وأن يقرأ آلاف النصوص وآلاف الجمل حتى يصل إلى الجملة التي يريدها، الجملة التي قد تشكل الفارق في حياته، أو الجملة التي قد تزيل عنه شبهة وترفع عنه لبسًا.
وبالتالي قد يظن كثير من الناس أن مثل هذه القراءة الطويلة قد يضيع معها شيء من الوقت؛ أنت لن تستطيع أن تبلغ في العلم عتيًا إلا إذا دخلت في مثل هذه القراءات، خاصة أن كلام أهل العلم والكتب والمصنفات كثيرة، وليس من السهل أن تقف على المعاني العظيمة وعلى الأفكار الفريدة إلا بعد هذا التعب وبعد هذا العنت. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهمة على هذا الجرد. وما زلنا نجرد في تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، وأظن أننا قرأنا أكثر من عشر رسائل إذا لم يخِبنا الظن، أو خمس عشرة رسالة مما بين متوسط إلى كبير الحجم نوعًا ما. والرسالة التي توقفنا عندها هي رسالة الاستقامة للإمام ابن تيمية رحمه الله عليه، وهي من الكتب التي تعتبر نوعًا ما متوسعة في تراثه.
هذه الرسالة كما قلنا، من يتذكر قبل العيد؟ قلنا الاستقامة والكتاب يتحدث عن ماذا أساسًا؟ القشيري، أحسنت. وفي أغلبه مناقشة للإمام القشيري عليه رحمه الله. القشيري أحد، بل هو قطب الصوفية الأساسي في التنظير، وهو صاحب الرسالة المشهورة عندهم، والتي تدور عليها من جاء بعده، الرسالة القشيرية، وعليها الشروحات والتعليقات، وتُبنى عليها نظريات في المذهب الصوفي، ويعتبرها بعض الصوفية الواجهة الرسمية للمعتقد الصوفي. وهي عند الصوفية تشكل واجهة المعتقد، ويقولون إن معتقد الصوفية هو ما ذكره القشيري في رسالته.
أراد ابن تيمية رحمه الله عليه أن يبين أن هذه الواجهة العقدية للصوفية فيها مشاكل كثيرة، وأن ما ذكره القشيري إنما يسير على طريقة أهل الكلام في عقائدهم، وليس على طريقة السلف التي هي منهج أوائل الصوفية. ودائمًا هو لا يحاول أن يقول إن الصوفية كلهم على طريقة القشيري، بل بالعكس، هو يثبت إثباتًا كبيرًا -وهذا قد يأتي معنا اليوم إن شاء الله- أن الصوفية قبل القشيري، بل حتى شيخ القشيري وهو أبو عبد الرحمن السلمي -أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي ليس أبو عبد الرحمن السلمي المقرئ- أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية وغيره، بالعكس هو كان من أكبر المؤيدين في الجملة لطريقة السلف، وأن عبد القادر الجيلاني وغيره من مشايخ الصوفية الأوائل كلهم أو جلهم دعونا نقول كانوا على طريقة سوية، وأن القشيري هو الذي انحرف في طريقته، وإن كان دائمًا ابن تيمية يعلمك الإنصاف فيقول إن القشيري في رسالته أحسن في مواطن وأساء في مواطن، بالطريقة هذه المتوازنة في عرض الأفكار ونقدها.
اليوم نحن إن شاء الله سنصل إلى بداية هذا النقد، لكنه قبل أن يدخل في الرد على القشيري ومناقشة ما يريد، أراد أن يبين منزلة الكتاب والسنة في تبيين العقائد وبيان الطريق، من هنا سُمي الكتاب كتاب الاستقامة؛ أن من أراد الاستقامة فعليه أن يأخذها من الكتاب والسنة. وناقش أيضًا قضية الاختلاف والافتراق في النهاية، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، هذه الاستقامة لن يحصلها كل أحد، وبالتالي وقع الاختلاف والافتراق. كيف موقف المؤمن في الاختلاف والافتراق؟ وماذا ينتظر من البلاء الذي ينصبُّ عليه؟ وكيف يتصرف مع المخالف في أثناء هذا؟ هذا أيضًا من الأمور المهمة التي ينبغي الالتفات إليها.
ثم بعد ذلك أظن من المسائل التي تكلمنا فيها بإسهاب كانت قضية هل الفقه يدخل ضمن العلم أم أن الفقه كله ظنون؟ وكان فيها نقاش أسهب فيه ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. وصلنا إلى جزئية كانت قضية فصل: "وكذلك لفظ الحركة"، أليس كذلك؟ نبدأ من هذا الفصل الذي انتهينا إليه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله تعالى: فصل، وكذلك لفظ الحركة أثبته طوائف من أهل السنة والحديث، وهو الذي ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني في السنة التي حكاها عن الشيوخ الذين أدركهم كالحميدي، وأحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم. وكذلك هو الذي ذكره عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على بشر المريسي، وذكر أن ذلك مذهب أهل السنة، وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة من الشيعة والكرامية.
الآن، ربما فصل من الفصول وأحيانًا قد تشعر في بعض فصول الرسالة بشيء من الانقطاع، والله تعالى أعلم. كان يتكلم عن لفظ الحركة، هل يجوز أن نصف الله بأنه متحرك كوصف؟ الآن هل هناك لفظ في نصوص الكتاب والسنة آية أو حديث يصف الله صراحة بالحركة؟ لا، هذا قدر متفق عليه، لكن وقع الخلاف بناءً على الآيات التي تكلمت عن نزول الله وعن مجيء الله. الآن وصف الله بالمجيء ثابت، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، قضية النزول الإلهي إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ثابت، فهل الإتيان أيضًا يعبَّر به؟ هل يجوز أن يُستنبط من ألفاظ المجيء والنزول والإتيان وصف الله سبحانه وتعالى بالحركة؟ أم الأصل الوقوف عن هذا؟
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لفظ الحركة بمعنى وصف الله عز وجل بكلمة الحركة أثبته طوائف من أهل السنة والحديث، أي بعض علماء أهل السنة والحديث أثبتوا هذا اللفظ لله باعتباره لازمًا لا يمكن الانفكاك عنه إذا أردت أن تثبت النزول الإلهي والمجيء الإلهي؛ يلزم من هذا لزوماً بينًا وجود حركة. قالوا هذا الذي أثبته أو ذكره حرب الكرماني في كتابه السنة. حرب الكرماني بتعرفون الكتاب الذي ذكر فيه جملة معتقد السلف، لكن ابن تيمية سيبين مدى دقة رسالة حرب الكرماني ويبين ما فيها من الإشكالات بعد قليل، لكن في الجملة رسالة حرب الكرماني هو نقل هذه الرسالة وما فيها من المعتقد عن شيوخه الذين أدركهم حرب الكرماني. أدرك من؟ قال الحميدي، أحمد بن حنبل، سعيد بن منصور، إسحاق بن إبراهيم.
وكذلك هو الذي ذكره غير حرب الكرماني. من ذكر هذا اللفظ؟ قال: "وكذلك هو الذي ذكره عثمان بن سعيد الدارمي في رده المشهور على المريسي المعتزلي، وذكر أن ذلك مذهب أهل السنة، وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة من الشيعة والكرامية والفلاسفة الأوائل والمتاخرين". إذا أيضًا بعض المتكلمين والفلاسفة من الشيعة والكرامية والفلاسفة الأوائل والمتاخرين كأبي البركات صاحب المعتبر أيضًا، هؤلاء أثبتوا وصف الله بماذا؟ بالحركة.
قال: "كأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهم، ونفاه طوائف منهم أبو الحسن التميمي وأبو سليمان". طب من الذي نفى هذا اللفظ صراحة عن الله وقال لا يوصف الله بالحركة؟ طوائف منهم أبو الحسن التميمي وهذا من أصحابنا الحنابله التميميون، وأبو سليمان الخطابي، صاحب معالم السنن في شرح أبي داوود. قال: "وكل من أثبت حدوث العالم بحدوث الأعراض كأبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وابن عقيل وغيرهم". كل من اعتمد على دليل الأعراض في إثبات حدوث العالم يرى ابن تيمية أنه نفى الحركة؛ لماذا؟ لأن الحركة شكل من أشكال الأعراض، لأن الحركة عرض، وبالتالي كل من رأى أن علامة حدوث العالم قضية الأعراض، إذاً لا بد وأن يقول الحركة هي عرض، وبالتالي لا تكون من صفات القديم بل هي من صفات المحدثات. كل من اعتمد هذا الدليل لا بد وأن يقول بهذا القول كأبي الحسن الأشعري والباقلاني وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم ممن سلك في إثبات حدوث العالم هذه الطريقة التي أنشأها قبلهم المعتزلة. وهو أيضًا قول كثير من الفلاسفة الأوائل والمتاخرين كابن سينا وغيره.
والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك. إذًا ابن تيمية ماذا يقول؟ ما هو المنصوص فعليًا عن أحمد بن حنبل؟ يعني اللي نقله حرب الكرماني ليس نص أحمد بل نستطيع أن نقول ما فهمه حرب الكرماني عن أحمد، لكن ابن تيمية لا يضع النقاط على الحروف هنا. يقول: المنصوص عن الإمام أحمد في لفظ الحركة إنكار نفي ذلك. شو يعني إنكار نفي ذلك؟ يعني إذا جاء شخص وقال لا يتحرك الله، يقول لا، لا تدخل في هذا، ليس لك أن تنفي وصف الله بالحركة. لكن هل لك أن تثبته صراحة أم تتوقف؟ الأظهر التوقف، وألا يُثبت صراحة، نقول: نصف الله بما نصفه به، نحن القاعدة العامة في باب الصفات أنه يتوقف فيها عند ما أثبته الكتاب والسنة، وأنه بعض الأمور وإن كان يمكن أن يُفهم في العقل وجودها، لكن ما دام الكتاب والسنة لم يعبِّرا بها، فإن الأصل في الإنسان الوقوف عند حد الكتاب والسنة.
لذلك قال: "ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة". إذًا أحمد بن حنبل لم يثبت عنه إثباته، لكنه أيضًا أنكر على من ينفيه. قال: "وإن أثبت أنواعًا قد يدرجها المثبت في جنس الحركة، فإنه لما سمع شخصًا يروي حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة ولا انتقال، أنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كان أغير على ربه منك". جميلة هي العبارة: "فهو كان أغير على ربه منك"؛ يعني أنت لا تكن حريصًا زيادة في إكثار الألفاظ، لو كانت إكثار هذه الألفاظ متعبد بها لكان قالها صلى الله عليه وسلم.
قال: "وقد نُقل في رسالة عنه إثبات لفظ الحركة مثل ما في العقيدة التي كتبها حرب بن إسماعيل، وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها؛ فإني تأملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة برجال مجاهيل، والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل لا ألفاظ الإمام أحمد، ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد كأبي بكر الخلال". لاحظ ماذا يقول؟ عقيدة حرب الكرماني الألفاظ التي فيها هي ألفاظ من؟ هي ألفاظ حرب لا ألفاظ الإمام أحمد، لذلك المعتنون بجمع كلام الإمام أحمد كالخلال الذي هو أكثر من اعتنى بجمع علوم الإمام أحمد، لم يذكر هذه العقيدة. قال: "كأبي بكر الخلال في كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكلام أحمد، ولا رواها المعروفون بنقل كلام الإمام، لا سيما مثل هذه الرسالة الكبيرة؛ وإن كانت راجت على كثير من المتأخرين". الأصل هي رسالة كبيرة، رسالة حرب الكرماني؛ كيف لو كانت ثابتة عن الإمام أحمد لكان كتب لها رواج؟ لكن هي راجت عند المتأخرين.
وقال: "وقد نقل حنبل عن أحمد في كتاب المحنة" -عن أحمد في كتاب المحنة- "أنه تأول قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فإن الجهمية الذين ناظرهم في الاحتجاج على خلق القرآن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما، وما يجيء إلا مخلوق، فقال الإمام أحمد: فقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، فهل يجيء الله؟ إنما يجيء أمره".
كذلك، طيب الآن أيضًا من الإشكالات في المنقول عن الإمام أحمد؛ يعني حتى قد يكون هذا من باب أنه يطرح لك أنه فعلاً في إشكال أحيانًا في النقل حتى عن الأئمة الأوائل في العقائد. النقل عن الأئمة الأوائل في العقائد تجد بعض النصوص قد تجد فيها إشكالًا، والأصل أن الإنسان إذا وجد بعض المتشابهات في كلام الأئمة أن يردها إلى المحكمات، وأن يفهم هذا النص الذي فعلاً هو مخالف لطريقته العامة من خلال رده إلى كتبه أو نصوصه العامة. حنبل تعرفون حنبل؟ أحد... هو ابن عم الإمام وهو في نفس الوقت أبرز تلاميذه. حنبل هو أحد الذين نقلوا قصة المحنة عن الإمام أحمد بن حنبل؛ مجموعة من كتبوا فيها منهم كان حنبل، ذكر حنبل في هذا الكتاب بالتحديد نصًا غريبًا عن الإمام أحمد.
ليس معتاداً عنه أن أحمد بن حنبل تأول إتيان الله عز وجل يوم القيامة بأنه إتيان لأمره وليس إتياناً لذاته. متى تأول؟ قال: فإن الجهمية الذين ناظروا الإمام أحمد بن حنبل احتجوا على أن القرآن مخلوق بماذا؟ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان». فقال الجهمية: ما دامت البقرة وآل عمران جاءتا هذا يدل على أنهما مخلوقتان؛ لأنه لا يجيء ولا يتحرك إلا مخلوق، فهذا يدل على أنهما مخلوقة، هكذا رأيهم. فأحمد بن حنبل في هذه الرواية ماذا قال؟ فقال الإمام أحمد: طيب الله عز وجل يقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210]، فهل يجيء الله؟ قال: إنما يجيء أمره. لاحظ، قال هل يجيء الله؟ إنما يجيء أمره. كذلك هنا هو يريد أن يخبرهم أن حديث أن البقرة وآل عمران تأتيان لا يحمل على ظاهره أنه هي البقرة وآل عمران تأتي، بل إنما المراد إتيان ثوابهما، والثواب مخلوق ما عندنا مشكلة، أما هما لم تأتيا، فالحديث متأول كما أنكم تتأولون ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وتقولون ليس الذي يأتي هو الله وإنما الذي يأتي أمره، تمام، يعني ما أراد أن يكون وما أراد أن يكون مخلوق.
الآن هذه العبارة هل أحمد بن حنبل لما قال فهل يجيء الله إنما يجيء أمره، هل هو يتبنى هذه النظرية؟ هل هو فعلاً يتأول مع أن ظاهر كلامه في النصوص في العشرات الأخرى أنه يقر هذه الصفات على ظاهرها ولا يدخل في التأويلات، ويثبت معانيها الظاهرة، ويثبت لله صفة الإتيان والمجيء؟ فلماذا تأول أحمد الآية هنا؟ يقول ابن تيمية في توجيه هذه الرواية التي من نقلها حنبل؛ حنبل مهم جداً أنه حنبل يبين ابن تيمية إشكالية حنبل بحد ذاته. قال: فاختلف أصحابنا في هذه الرواية على خمس طرق. وقال قوم: غلط حنبل في نقل هذه الرواية، أول طريقة للحنابلة في توجيه هذه الرواية ما هي؟ تغليط حنبل أنه حنبل نفسه أخطأ، وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الروايات في الفقه والجامع ويرون خلافه. هناك مشكلة عامة لاحظها العلماء ونقلها أبو يعلى أيضاً في كتاب إبطال التأويلات، أن حنبل عموماً لاحظوا أنه كثيراً ما ينفرد عن باقي تلاميذ الإمام بروايات في الفقه وحتى في العقيدة تكون غريبة؛ حنبل ينفرد عن باقي تلاميذ الإمام المباشرين بروايات في الفقه والعقيدة غريبة، ولذلك قالوا اختلف الأصحاب في التعامل مع تفردات حنبل، فقال: وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التي يخالف فيها الجمهور، جمهور أصحاب الإمام، نعم قال: هل تثبت روايته؟ على طريقين: فالخلال وصاحبه قد ينكرانها ويثبتها غيرهما كابن حامد، إذاً الحنابلة الأوائل مختلفون في كيفية التعامل مع روايات حنبل التي تفرد بها، فمثلاً الخلال وهو الجامع لعلوم الإمام أحمد وتلميذه غلام الخلال، طريقتهم أنهم إذا رأوا رواية لحنبل تخالف رواية جمهور أصحابه ينكرون رواية حنبل، يقولون أحمد بن حنبل لم يضبط. أما ابن حامد وهو آخر طبقة الحنابلة الأولى 403، ماذا يقول؟ لا أحياناً قد يثبتها، إذاً اختلاف في التعامل مع روايات حنبل.
وقال قوم منهم: إنما قال ذلك إلزاماً للمنازعين له، الراي الثاني عند الحنابلة في توجيه رواية كلام أحمد بن حنبل السابق أنه لا يثبتون القصة هي، ويقولون أحمد بن حنبل لم يتأول الآية باعتبار أنه هو هذا مذهبه، وإنما من باب الإلزام للخصم على طريقته أنه: أنتم يا جهمية كيف تتعاملون مع قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، أنتم تتأولونها صحيح على أنها إتيان أمره، كذلك يا أخي تأولوا هذا الحديث أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة على أنه إتيان ثوابهما، يعني أنتم تأولتم كل شيء، عجزتم عن تأويل حديث البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة خلص يأتي ثوابها، فهذا ليس لأنه مذهبه، ولكن هو إلزام له على مذهب الخصم، وابن تيمية أعجبه هذا الجواب أو هذا الاحتمال في فهم كلام أحمد، فقال: وهذا قريب، لاحظ ماذا قال: وهذا قريب، يعني هذا كلام معقول نعم، فكذلك يجيء كلامه مجيئه، مجيئه ثوابه وهذا قريب، يجيء كلامه يجيء ثوابه وهذا قريب. وقال قوم منهم: بل هذه الرواية ثابتة في تأويل ما جاء من جنس الحركة والاتيان والنزول، فكذلك قوله يجيء كلامه اللي هي البقرة وآل عمران المراد مجيء ثواب كلامه، فهكذا خلص تحملون الحديث على طريقتكم، فهذا إلزام لهم على طريقتهم أو نوع من قلب الأدلة عليهم.
وقال قوم منهم: بل هذه الرواية ثابتة في تأويل ما جاء من جنس الحركة والاتيان والنزول، طبعاً الثالثة من الحنابلة، وهذا اختلاف الحنابلة في توجيه هذه الرواية هو أصلاً ينعكس على أن الحنابلة مختلفون حقيقة في العقائد، وهم تيارات، زي ما بيحكوا الآن؛ في هناك تيار في الحنابلة قريب من التيار الأشعري، ويرى تأويل الصفات الاختيارية، أو ما فيها جنس الحركة كإتيان أن الله يأتي وأن الله ينزل في ثلث الليل إلى الآخر، فهناك تيار في الحنابلة يرى أن كل الآيات والأحاديث التي تتكلم عن جنس الحركة وعن جنس النزول وعن جنس الإتيان، هذا كله خلص مذهب أحمد بن حنبل تأويله، ولا يثبت على ظاهره، والزاغوني اختار طريقته نعم. وقال قوم منهم: بل يتأول بمجيء ثوابه، وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة دون بقية الصفات، أنا حقيقة لم يظهر لي الفرق بين القول الرابع والثالث، عرفت؟ إلا إذا المراد الحركة دون النزول والإتيان.
في فرقين؛ الأول في شيء متأول به، فالقول الثالث تأولوها على القصد والعمد، القول الرابع تأولوها على مجيء الثواب، هم المعنى الأول حولوا، المعنى الثاني حولوا المقصود بالصفة، فالفرق إذاً هو قصدك الفرق بين الثالث والرابع على ماذا يتم التأويل؟ كلاهما قال إن هذا فيه تأويل، يعني كلاهما يقول إن أحمد بن حنبل كل ما جاء فيه الحركة جنس الحركة يتم تأويله، لكن بماذا يتم تأويله؟ ابن الزاغوني وأصحابه قال فيتأول هذا على ماذا؟ على القصد والعمد للشيء، والطائفة الثانية تقول: لا بل يتأول بمعنى مجيء ثوابه، فالخلاف في ما هو التأويل، لكن متفقون على تأويل ما كان من جنس الحركة، هذا تقصد صحيح؟ طيب بس خذوا الفرق الثاني، القضية الثانية قضية أنه فوق الأوراق قال لك جنس الإتيان والحركة والنزول كل هذه صنف للألفاظ، أما الثاني قال: لا، هو بس فقط الحركة دون باقي الصفات، لا هو قال جنس الحركة، طيب جنس الحركة ألا يدخل فيه الإتيان والنزول؟ قوله دون باقي الصفات، قبلها قال جنس الحركة، مو أنا هذا، أنا فكرت هذا البعد الذي ناقشته يعني ما هو جنس الحركة؟ هو يدخل فيه هذه الأنواع، أليس كذلك؟ يعني النزول والإتيان هي أنواع لجنس الحركة، فأنا الذي أميل إليه ممكن اللي هو اختلافهم في طريقة التأويل؛ هل هو القصد والعمد إلى الشيء، أن مثلاً مجيئه سبحانه وتعالى المراد به أنه قصد الشيء وعمد إليه وليس المراد المجيء الحقيقي؟ والقول الثاني لا، أنه يتأول بمجيء ثوابه. وقول "وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة دون بقية الصفات"، كلمة وهؤلاء تعود على أصحاب القول الرابع والثالث؛ لأنه الآن سيقابل مع القول الخامس، لاحظ ماذا سيقول في القول الخامس، ففي اعتقادي أن كلمة وهؤلاء تعود على القول الثالث والرابع، أن كليهما جعلوا هذه الرواية متعلقة بجنس الحركة وما يتفرع عنها من النزول والإتيان دون بقية الصفات، بخلاف أصحاب الطريقة الخامسة.
وقال قوم منهم ابن عقيل وابن الجوزي: بل يتعدى الحكم من هذه الصفة إلى سائر الصفات التي تخالف ظاهرها للدليل الموجب لمخالفة الظاهر. وقال قوم: لا، هذا التأويل الذي فعله أحمد في جنس الحركة يجب أن نمارسه في كل صفات الله سبحانه وتعالى مش فقط في جنس الحركة، في كل الصفات التي لا يجوز إجراؤها على ظاهرها، كالاستواء وأيش عندنا كذلك؟ عندهم والوجه واليد والقدم، كل الصفات التي لا تثبت على ظاهرها يفعل فيها التأويل كما فعل أحمد في جنس الحركة، فهؤلاء وسعوا؛ هؤلاء، تعرفوا ابن الجوزي نحن قرأنا كيف صيد الخاطر، وأقرب إلى الأشاعرة بكثير لسه من ابن الزاغوني وغير ابن الزاغوني وغيرهم، أفضل كطبقة من ابن الجوزي من حيث القرب إلى عقيدة السلف. وبكل حال، فمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة، كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه؛ بل يعني كلام السلف الآن سيستقر سريعاً يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه، يعني مش هم فقط يتعاملون معها بالتفويض، بل يثبتون المعنى حقيقة أنه ينزل سبحانه وتعالى، طبعاً هذا يدل على أن ابن تيمية ماذا يختار من كل هذه الأقوال الخمس؟ هو إما مع القول الأول أو الثاني، أما أنه يغلط حنبل في هذه الرواية أو أننا نقول إن أحمد بن حنبل أجاب الجهمية تنزلاً على طريقتهم، إذاً إما الأول أو الثاني، أما الطريقة الثالثة والرابعة والخامسة فليس هي المشهورة عند أصحاب أحمد؛ لأن من تتبع أسلوب أحمد في النصوص الأخرى يعرف أن أحمد لا يتأول أبداً هذا النمط.
قال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول: يفعل الله ما يشاء. وقال حماد بن زيد: يدنيه من خلقه كيف شاء وكيف شاء، هذا كله فيه إثبات لهذه الأمور على معناها، وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث، الأشعري في مقالات الإسلاميين لما نقل قول أهل الحديث في النزول والمجيء قال: إنهم يثبتونه على ظاهره. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء، فلما يقول الفضيل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء، إذاً ماذا يفهم من كلام الفضيل؟ أنه يثبت معنى النزول.
وقال أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول صحيح؟ هو قال: نعم، فقال له بعض عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال له إسحاق: أثبته حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبتته، قال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة يجيء، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وقال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: ليس في النزول وصف، وقال إسحاق: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر، ليس في النزول وصف، يعني لا يجوز أن ندخل في وصف كيفيته، نزول الله لا يدخل في وصف كيفيته، وقال إسحاق: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين، يعني لو بدي أصف نزول المخلوقين بقدر، لكن نزول الله لا أستطيع أن أدخل في كيفية نزوله، الكيف غير معقول. لقول الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضت ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأن الخالق يصنع ما شاء كما شاء.
فصل: وقد اعترف أكثر أئمة أهل الكلام والفلسفة من الأولين والآخرين، بأن أكثر الطرائق التي سلكوها في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوها لا تفضي بهم إلى العلم واليقين، وفي الأمور الإلهية مثل تكلمهم بالجنس والعرض في دلائلهم ومسائلهم. إذاً الآن خلاص عاد إلى مقصود الكتاب، هذول فصلين بس خذوهم على جانب، عاد إلى مقصود الكتاب، وأن أراد أن يبين أن العقائد إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وأن العقائد وسلوك درب الاستقامة إنما يكون بأن تبني الدلائل والمسائل في العقائد من الكتاب والسنة وعلى منواله، وأن أكثر أئمة أهل الكلام والفلاسفة صرحوا بعد مضي أعمارهم أن الأقيسة الفلسفية التي سلكوها والطريقة الكلامية لم توصلهم إلى العلم واليقين، لا في مسائل الربوبية ولا في مسائل الألوهية، وإنما هي ظنيات وتخمينات، سواء في الدلائل أو المسائل. لا أثبت النزول بعدين بنحكي، متى؟ أثبت صفة النزول بعدين بحكي معك فيها كيفيتها، والخوض في هذا الموضوع. هو مش إلزام، هو لما قال: أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أو أثبت لي الصفة بعدين ندخل في الكيف، أثبتت الصفة، فهو أراد أن ينتقل معه خطوة خطوة، إذا أثبتت الشيء تمام، إذا بعد ذلك ندخل في الكيف، يعني إمكانية الشيء هل أنت توافق.
على وجودها، ثم قال: أثبت إذا أثبت لي حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبتته. فقال له إسحاق: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]. فقال الأمير: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة! فقال: من يأتي يوم القيامة يستطيع أن يأتي اليوم. فهو أراد أن يجعله يثبت الأمر ابتداء، ثم بعد ذلك إذا استطاع أن يثبت النزول؛ إذا أثبت النزول أخذوه على المجيء.
النزول والمجيء من جنس واحد، كلاهما حركة. فلما أراد أن يحمل ذلك على يوم القيامة، قال له هذا الله الأمير: طب من يجيء يوم القيامة شو يمنع أن يجيء اليوم؟ فإذا كان يجوز أن يجيء اليوم إذا يستطيع أن ينزل اليوم، فكأنه انتقال من النزول إلى المجيء باعتبار أن كلاهما داخل تحت جنس الحركة. فقال: أثبت النزول؟ قال: أثبتته، فأخذوه على المجيء.
بعدين قال: إذا جاء جاز أن يجيء اليوم، جاز أن ينزل اليوم بهذه الطريقة التسلسلية. الشيخ قال: وجاء الملك؟ نعم. ثبت بقوله كيف ينزل؟ قال: أثبت، أثبت كيف ينزل؟ ينزل معه الملائكة صفًا. يعني هو كأنه قصد أنه أراد أن يفسر النزول بالمجيء، وأنه أراد أن يبين له كيف صف الله سبحانه وتعالى ينزل والملائكة صف. قال له: يوم القيامة. صحيح ينزل يوم القيامة.
يعني أنا في اعتقادي أنه أراد أن يقول إن كلاهما من جنس واحد، يعني أن النزول والمجيء من جنس واحد. أنت تريد أن تقول له إنه هو النزول نفس المجيء، نعم ذاك. نعم، لأنه مش في مبين له الحجج، ذاك لو بالبداية سأل كيف ينزل صح، صحيح قال له أثبت حتى أثبتته. فأصل يعني قصدك ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ هذا بيان لكيفية النزول؟
يعني أنا في اعتقادي أنه إذا أثبته، فانتقل معه إلى صفة المجيء، يعني باعتبارهما من نفس الجنس، وبالتالي أن الله عز وجل ذكر شكلاً من أشكال المجيء قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، إذا استطعت أن تثبت هذا وهو في القرآن صراحة، وهو أراد أن يحمله على يوم القيامة فقال: إنه هذا الذي يأتي يوم القيامة يستطيع يأتي اليوم. فالنزول من نفس الجنس، يعني هذا في اعتقادي أنه كلاهما من جنس واحد.
قال: فإما الأول فقد ذكرنا في غير هذا الموضع مقالة أساطين الفلسفة من الأوائل، أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين. ماذا يقصد؟ أما الأول هنا ماذا يقصد الأول؟ الربوبية؛ طرق الربوبية. يعني هذا احتمال، الاحتمال الثاني أن يكون قصد بالأول الدلائل، لأنه قال آخر كلمتين في الفقرة السابقة: إنه لم يصلوا إلى اليقين لا في دلائلهم ولا في مسائلهم.
أنت الآن عندك العلم ما هو؟ مسألة والاستدلال عليها. ودائما نقول شيخ الإسلام كان يبين أن المتكلمين أخطأوا في الأمرين: في المسائل التي أثبتوها، وفي الدلائل التي استعملوها. عندك أنت مسائل عقدية وأدلة. هي المسائل، أنا عندي والله مسألة الماء طهور هي مسألة، صحيح؟ يلا شو الدليل؟ إذا أنت دائما عندك مسألة ودليل. المسألة؛ أصحاب الأفكار المنحرفة من المتكلمين والفلاسفة خطاهم دائما يقول ابن تيمية: لا هم في المسائل أصابوا في كثير منها، ولا في دلائلهم أيضاً أصابوا.
قال: فإما الأول يعني في اعتقادهم، يقصد أما الأول يعني فإما في دلائلهم. فهم ماذا يقولون؟ فقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنهم صرحوا هم أنفسهم المتكلمون والفلاسفة أن العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين، يعني أن أدلته ليست يقينية، وأن أدلتنا التي نستعملها في العلم الإلهي هي أدلة ظنية. وطبعاً هم في اعتقادهم أنه لا سبيل أصلاً إلى اليقين، وهذا كلام خاطئ لأن طريقة الكتاب والسنة توصلك إلى اليقين في العلم الإلهي.
قال: فإما الأول فقد ذكرنا في غير هذا الموضع مقالة أساطين الفلسفة من الأوائل أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين، وإنما يتكلم فيه بالأولى والأخلق. بس يعني أنت بتتكلم في العلم الإلهي بالظنون، يعني ما هو الأولى أن يكون، ما هو الأخلق أن يكون، خلص هيك بتكون. يعني الأولى أن يكون الله موصوفاً بكذا، بس هذا كله عبارة عن تخمين.
قالوا: ولهذا اتفق كل من خبر مقالة هؤلاء المتفلسفة في العلم الإلهي أن غالبه ظنون كاذبة وأقيسة فاسدة، وأن الذي فيه من العلم الحق قليل. وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير، قد جمع العلماء فيه شيئاً وذكروا رجوع أكابرهم عما كانوا يقولونه وتوبتهم، إما عند الموت وإما قبل الموت، وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله تعالى في هذه الأمة؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعي. نعم، وقع خلاف هل يقبل توبة الداعي إلى البدعة؟ الصواب أنها تقبل توبة الداعي إلى البدعة؛ إذا كان المشرك والكافر تقبل توبته، فلا تقبل توبة الداعي إلى البدعة؟ نعم.
قال: فإذا قيل يا شيخ كيف ربنا يقبل توبتهم وهي كتبهم ما زالت موجودة إلى اليوم؟ نحن بنقرأها وعليها مشاكل، وأنت تعرف الجويني يقال إنه تاب موته، صحيح والرازي كذلك يقال إنه تاب موته. البعض يقول: كيف تقبل توبة هؤلاء وما زالت كتبهم وآثارهم ينشر منها الفكر الضال؟ فيقول شيخ الإسلام: أما كتبهم وآثارهم التي بقيت فهي محنة عظيمة لهذه الأمة وفتنة عظيمة لمن نظر فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما هو إذا كان تاب، ربنا بيتوب عليه في النهاية.
وقد قال أبو حامد الغزالي في الكتاب الذي سماه إحياء علوم الدين وهو من أجل كتبه، قال: فإن قلت: تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح كتعلم الطب أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف. يعني هذا كلام الغزالي. الغزالي ماذا يقول في الإحياء؟ علم الكلام ما حكم تعلمه؟ علم الكلام هل هو تعلمه مذموم كتعلم التنجيم، أم تعلمه مباح كتعلم الطب، أم هو مندوب، يعني لا هو واجب، فلا هو مباح ولا هو مذموم؟ لا، هو مندوب.
فاعلم أن للناس تطرفاً في هذه المسألة، ما هي؟ قال: فمن قائل إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل إنه واجب وفرض، إما على الكفاية وإما على الأعيان، وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات؛ فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وجميع أئمة السلف.
شوف يعني نفس الغزالي بقول لك إلى تحريم علم الكلام ذهب الأربعة، يعني حتى الغزالي طبعاً هو شافعي وينقل عن الأئمة تحريم النظر في علم الكلام. قال: وساق ألفاظاً عن هؤلاء، قال: واتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التجديدات فيه، وقالوا ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصحوا بترتيب الألفاظ من غيرهم- إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر. طبعاً هو الغزالي بعد ذلك بده يرجع يكمل كلامه ذكر كلاماً كثيراً.
وذكر أنه وإن كنا نقر أن فيه شراً كثيراً وينشأ عنه كذا، لكن في الأزمنة المتأخرة نشأ من الخلاف وظهر من الأمور ما يقتضي أن ينظر في مثل هذا العلم للاحتياج إليه. فهو بعد ما ينقل كلام السلف والشافعي وكذا هو بده يخالفهم؛ لا، بس هو حاول أن يتأول لنفسه أنه ما وقعنا فيه من ظرف كأن تقول: والله الظرف اللي انحطيت فيه أجبرني أستعمل علم الكلام، ولا لو ما انحطينا فيه لكنا على طريقة الشافعي وأحمد والسلف. طبعاً هل هو كلام دقيق؟ هل هو الظرف فعلاً، ولا اهتمامك أنت أصلاً وحبك للفلسفة هو الذي جعلك تبقى في هذا الميدان؟ هذا قول آخر، أمر آخر.
نعم، هو لذلك الغزالي يعرف وأطلع في آخر عمره على كثير من هذه الأمور، وهو معتقد أن الكلام أورث شراً، لكنه يرى أن التوسط أن يقال ماذا؟ إن هذا العلم احتيج إليه في فترة معينة في الرد على الفلاسفة وغير هؤلاء، بس.
قال رحمه الله: فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في رسالته المشهورة من اعتقاد مشايخ الصوفية. سيبدأ تقريباً موضوع الكتاب وهو مناقشة القشيري في الرسالة القشيرية وما نسبه إلى مشايخ الصوفية، أن هو مذهبه مذهب المتكلمين، فأراد أن يبين أن الأخطاء عموماً التي وقع فيها. لذلك كل شخص منكم يريد يقرأ الرسالة القشيرية لابد وأن يراجع مع ذلك تعليقات شيخ الإسلام عليه، وهذا الاستقامة هو تعليقات شيخ الإسلام على الرسالة القشيرية وما فيها من الإشكالات.
قال: فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على أنهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية. وذلك هو اعتقاد أبي القاسم الذي تلقاه عن أبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني. إذاً القشيري حاول أن يثبت في رسالته القشيرية أن معتقد الصوفية وكبار الصوفية هو معتقد الأشعرية، وهذا كلام خاطئ. ومن أين تلقى القشيري هذه العقيدة الخاطئة؟ من شيوخه ابن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني، هم منشأ الخلل العقدي الذي دخل على القشيري.
قال: وهذا الاعتقاد غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة والجماعة، لكنه مقصر عن ذلك، ومتضمن ترك بعض ما كانوا عليه، وزيادة تخالف ما كانوا عليه. الآن شوف إنصاف ابن تيمية: يقول ما ذكره القشيري في رسالته يقول غالبه موافق لأصول السلف، تخيل غالبه موافق لأصول السلف، لكنه وقع فيه تقصير في بعض المواطن عن عقيدة السلف وزيادة عليها في بعض المواطن، يعني ما بين نقصان وزيادة، لكن هناك قطعة غالبة من الكتاب هي في الحقيقة توافق عقيدة السلف.
قال: والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف، وهذا هو الذي كان يجب أن يذكر. الآن بدنا نتفق من الآن حتى ما نتعب: كلمة المشايخ إذا استعملها الآن ابن تيمية يقصد المشايخ زعماء الصوفية، لأن كلمة المشايخ متى ما ستأتي معنا كمصطلح، لأنه رح ستشكل عليكم إذا قرأتموها كثيراً، المراد بالمشايخ هنا رؤوس الصوفية الأوائل، الجنيد أو سهل التستري وأمثال هؤلاء.
قال: والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ -خلص فهمنا المشايخ يعني الصوفية الأوائل- يوافق ما كان عليه السلف. هذا هو الذي كان يجب أن يذكر يا قشيري، وليس الكلام الخاطئ الذي لا يمثل عقيدة المشايخ الأوائل كالجنيد والجيلاني وغيره.
قال: فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن أكابر المشايخ مثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي ومعروف الكرخي وإلى الجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات المشايخ. خلص هذول هم المشايخ قصده.
قال: وقد جمع كلام المشايخ إما بلفظه أو بما فهمه هو غير واحد، فصنف أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي كتاب التعرف لمذاهب التصوف، وهو أجود مما ذكره أبو القاسم وأصوب. يعني هذا نوع من التعرف؛ ابن تيمية يحب الاستقراءات. مين صنف في كلام المشايخ؟ أبو بكر الكلاباذي صنف كتاباً اسمه التعرف لمذاهب التصوف، وهذا الكتاب ابن تيمية على الأقل يقول إنه أفضل من كلام القشيري في رسالته.
قال: وأصوب وأقرب إلى مذهب سلف الأمة وأئمتها وأكابر مشايخها. وكذلك معمر بن زياد الأصفهاني شيخ الصوفية، وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي جامع كلام الصوفية في ذلك، أعلى درجة وأبعد عن البدعة والهوى من أبي القاسم. فالسلمي والأصفهاني، كل هؤلاء أنقى في العقيدة من القشيري.
وأبو عبد الرحمن، وإن كان أدنى الرجلين، فقد كان ينكر مذهب الكلابية ويبدعهم. وإن كان أدنى الرجلين هو الذي يظن أن هذه المقارنة بينه وبين معمر بن زياد، معمر بن زياد بعدين قال أبو عبد الرحمن السلمي، كلاهما أفضل من القشيري، ثم قال: وأبو عبد الرحمن السلمي وإن كان أدنى الرجلين، يعني أقل مرتبة من الأصفهاني، لكنه كان ينكر مذهب الكلابية والأشعرية؛ هم أصلاً من هم أتباع الكلابية؟ فإن الأشعري أين أخذ معتقده؟ من ابن كلاب.
قال: هو المذهب الذي ينصره أبو القاسم، وله في ذم الكلام مصنف يخالف ما ينصره أبو القاسم. وأبو عبد الرحمن أجل من أخذ عنه أبو القاسم كلام المشايخ. لكن أنت تستغرب أن أبا القشيري كثيراً في رسالته ما ينقل عن مين؟ عن أبي عبد الرحمن السلمي. طب أنت تنقل عن أبي عبد الرحمن السلمي في كتابك وفي رسالتك وهو شيخك -يعني هو شيخه- ثم بعد ذلك تخالفه في كثير من المعتقد. طب شيخك أبو عبد الرحمن السلمي، أو شيخ شيخي؟
حتى لا أكون دقيقًا، أبو عبد الرحمن السلمي الذي تجمع كلامه وتنقله هو خالف الكلابية والأشعرية، بل ثبت عنه من ذمهم الشيء الكثير؛ فكيف بعد ذلك تعتمد عليه في رسالتك؟
نعم قال: وعليه يعتمد في أكثر ما يحكيه؛ فإن له مصنفات متعددة. وكذلك عامة المشايخ الذين سماهم أبو القاسم في رسالته، لا يعرف عن شيخ منهم أنه كان ينصر طريقة الكلابية والأشعرية التي نصرها أبو القاسم، بل المحفوظ عندهم خلافها، ومن صرح منهم فإنما يصرح بخلافها؛ حتى شيوخ عصره الذين سماهم، حيث قال: فأما المشايخ الذين عاصرناهم الذين أدركناهم وإن لم يتفق لنا لقياهم، مثل الأستاذ الشهيد لسان وقتي، وواحد عصر أبي علي الدقاق، والشيخ شيخ وقتي أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي الحسن علي بن جاظم مجاور الحرم، وشيخ أبي العباس القصابي بطبرستان، وأحمد الأسود الدينوري، وأبي القاسم الصيرفي بنيسابور، وأبي سهل الخشاب الكبير، ومنصور بن خلف المغربي، وأبي سعيد الماليني، وأبي طاهر الجحدري قدس الله أرواحهم، وغيرهم.
فهؤلاء المشايخ عاصرهم القشيري، حتى منهم عبد الرحمن السلمي، واضح أنه ممن عاصرهم، لكن هل أخذ عنه مباشرة؟ المهم هؤلاء المشايخ الذين عاصرهم، ابن تيمية يقول: هؤلاء المشايخ لم يكونوا على طريقة الكلابية ولا الأشعرية. نعم قال: فإن هؤلاء المشايخ، مثل أبي العباس القصاب له من التصانيف المشهورة في السنة ومخالفة طريقة الكلابية والأشعرية ما ليس هذا موضعه. وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين الذين لهم لسان صدق في الأمة.
كما ذكر الشيخ يحيى بن يوسف الصرصري ونظمه في قصائده عن الشيخ علي بن إدريس عن شيخه، أنه سأل قطب العارفين أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلي، فقال: يا سيدي، هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان ولا يكون. شوف ما فيش اعتقاد، كل أولياء الله كانوا على عقيدة أحمد بن حنبل. هل كان ولي لله على غير اعتقاد أحمد؟ قال: ما كان ولا يكون؛ يعني حتى في المستقبل لن تكون ولياً لله على تمام الولاية إلا إذا كنت على اعتقاد أحمد بن حنبل. نعم، وهذا كلام عبد القادر الجيلاني.
نعم قال: وكذلك نقل الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردي، وحدثنيه عنه الشيخ عز الدين عبد الله بن أحمد بن عمر الفاروثي، أنه سمع هذه الحكاية منه، ووجدتها معلقة بخط الشيخ موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسي، قال السهروردي: كنت قد عزمت على أن أقرأ شيئًا من علم الكلام، وأنا متردد هل أقرأ «الإرشاد» لإمام الحرمين أو «نهاية الإقدام» للشهرستاني -كلاهما من كتب الكلام المشهورة، الإرشاد للجويني أو نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني-.
قال: فذهبت مع خالي أبي النجيب، وكان يصلي بجنب الشيخ عبد القادر، قال: فالتفت الشيخ عبد القادر وقال لي: يا عمر، ما هو من زاد القبر، ما هو من زاد القبر. قال: فجاء بعد ما سلمنا من الصلاة، ولا شيء، عبد القادر الجيلاني ينظر إليه، السهروردي ويقول له فجأة بدون ما يسأله السهروردي ولا شيء: ما هو من زاد القبر، ما هو من زاد القبر؛ يعني مش رح ينفعك في قبرك. هذا من باب الكشف؛ أي انكشف للجيلاني ماذا كان يدور في ذهن السهروردي بدون ما أن يفاتحه. نعم، قال: فرجعت عن ذلك، فأخبر أن الشيخ كاشفه بما كان في قلبه ونهاه عن الكلام الذي ينسب إليه القشيري ونحوه.
نعم قال: وكذلك حدثني الشيخ أبو الحسن بن غانم، أنه سمع الشيخ إبراهيم بن عبد الله الأرموي أنه كان له معلم يقرئه اعتقاد الأشعرية المتأخرين، قال: فكنت أكرر عليه، فسمع والدي والشيخ عبد الله الأرموي، فقالوا لي: ما هذا يا إبراهيم؟ لماذا تكرر هذه العقيدة الأشعرية؟ نعم، قال: فقلت هذا علمنيه الأستاذ، فقال إبراهيم الأرموي: أي والله هذه عقيدة علمني إياها أستاذي. نعم، قال: فقال يا إبراهيم، اترك هذا، فقد طفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولي لله، فلم أجد أحدًا منهم على هذا الاعتقاد، وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء.
انظر كيف هؤلاء كبار يقولون له: يا إبراهيم، نحن طفنا الأرض وشفنا أولياء الله، لم نجد أحدًا من أولياء الله الصادقين على طريقة الأشعرية المتأخرين، وإنما وجدناهم على اعتقاد هؤلاء، وأشار بيده إلى أناس من أهل الحديث، وإنما وجدناهم على اعتقاد هؤلاء، وأشار إلى جيرانه أهل الحديث والسنة من المقادسة الصالحين.
وحدثني أيضًا الشيخ أبو محمد؛ لأن المقادسة، ابن قدامة المقدسي وغير هؤلاء هم الذين كانوا معروفين في تلك الحقبة أنهم على طريقة أهل الحديث. نعم، قال: وحدثني أيضًا الشيخ محمد بن أبي بكر بن القوام أنه سمع جده الشيخ أبا بكر بن القوام يقول: إذا بلغك عن أهل المكان الفلاني -سماه لي الشيخ محمد- إذا بلغك أن فيهم رجلاً مؤمنًا أو رجلاً صالحًا فصدق، وإذا بلغك أن فيهم وليًا لله فلا تصدق. فقلت: ولما لا يا سيدي؟ قال: لأنهم أشعرية. وهذا باب واسع.
شوف، هذه القصة أبو بكر بن قوام يقول -طبعًا محمد بن أبي بكر بن قوام أنه سمع جده الشيخ أبا بكر بن قوام يقول-: إذا بلغك عن أهل مكان معين، إذا بلغك أن فيهم رجل مؤمن يصدق إن شاء الله خير، نعم فيهم مؤمنين، لكن إذا بلغك أن فيهم أولياء لا تصدق؛ يعني هم مؤمنون إن شاء الله على ملة الإسلام داخل دائرة الإسلام، وهذه نقطة مهمة داخل دائرة الإسلام، لكن أنهم أولياء دعك من هذا؛ قال لي: مش رح يكون فيه أولياء، قال: إنهم أشعرية. وعلى طريقة الجيلاني لا يكون لله ولي إلا على طريقة أحمد بن حنبل.
طبعًا هذا الكلام نفسه ابن تيمية رحمه الله عليه كان ينتقل ويرى، إذا مر معنا في رسالة سابقة أن الإنسان قد يكون وليًا لله وإن أخطأ في الاعتقاد لأنه قد يكون خطؤه معذورًا؛ فإذًا هذا لا تأخذ منه شيئًا يقينيًا أنه لا يمكن أن يكون وليًا لله عنده أخطاء في الاعتقاد؛ لا، هو نفسه ابن تيمية ومرت معنا في أكثر من رسالة أن قد يكون الشخص عنده ولاية لله وإن كان أخطأ في بعض الاعتقاد.
لكن المهم هو لماذا يأتي ابن تيمية بهذه النصوص؟ ليثبت أن الصوفية الأوائل كانوا ينبذون الأشعرية والكلابية ولا يرون معتقدهم صحيحًا، وأن القشيري هو الواجهة الأشعرية الكلامية للصوفية، وهذا ما دفع ابن تيمية أن يؤلف هذا الكتاب للرد على القشيري؛ أن القشيري أحد الأوجه الأساسية في انحراف الصوفية في عقائدهم. نعم قال: وإن كان في كلامه خير كثير من جوانب أخرى، بس من باب التوضيح.
نعم قال: ومن نظر في عقائد المشايخ المشهورين، مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي البيان الدمشقي وغيرهم، وجد من ذلك كثيرًا، ووجد أنه من ذهب إلى مذهب شيء من أهل الكلام وإن كان متأولًا، ففيه نقص وانحطاط عن درجة أولياء الله الكاملين، ووجد أنه من كان ناقصًا في معرفة اعتقاد أهل السنة واتباعه ومحبته، وبعض ما يخالف ذلك وذمه بحيث يكون خاليًا عن اعتقاد كمال السنة واعتقاد البدعة، تجده ناقصًا عن درجة أولياء الراسخين في معرفة اعتقاد أهل السنة واتباع ذلك، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
وما ذكره أبو القاسم في رسالته من اعتقادهم وأخلاقهم وطريقتهم، فيه من الخير والحق والدين أشياء كثيرة، ولكن فيه نقص عن طريقة أكثر أولياء الله الكاملين، وهم نقاوة القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم؛ يعني أولياء الله الكاملين هم خلاصة القرون الثلاثة. نعم قال: ولم يذكر في كتابه أئمة المشايخ من القرون الثلاثة، ومع ما في كتابه من الفوائد في المقولات والمنقولات، ففيه أحاديث ضعيفة بل باطلة، وفيه كلمات مجملة تحتمل الحق والباطل روايةً ورأيًا، وفيه كلمات باطلة في الرأي والرواية. وقد جعل الله لكل شيء...
على تقييم سريع لابن تيمية لرسالة القشيري أنه فيها كلام جيد، لكن في النهاية أيضًا فيها أحاديث موضوعة باطلة، فيها كلمات مجملة تحتمل حقًا وباطلاً، وفيها كلمات باطلة في الرأي والرواية؛ يعني كوكتيل كما يقولون، وبالتالي تحتاج إلى فلترة رسالة القشيري. نعم قال: وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].
يعني هذه آية يستدل بها ابن تيمية أو يأتي بها ابن تيمية لما يريد أن يقيم شيئًا، يقول: نحن جماعة حقانيون لما نقيم شيئًا ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾؛ لا يجعل أنه هذا الشخص يخالف عقيدتي أو عنده أخطاء أن أجور، فأقول لبعض الشباب: لا، الكتاب هذا كله ما فيه فائدة؛ لا، مش هذه طريقة أهل العلم؛ حتى لو كان الشخص الذي صنف الكتاب يخالفني في الاعتقاد وفي كتابه بعض الفوائد، يذكر هذا الكتاب فيه فوائد كذا وكذا، ليس ضروريًا أن يكون صاحب الكتاب على معتقدك حتى تمدح ما عنده من الصواب؛ فهذا معنى استدلاله بهذه الآية هنا أننا أهل السنة أعدل الناس في تقييم جهود الآخرين.
نعم قال: فكتبت من تمييز ذلك ما يسره الله، واجتهدت في اتباع سبيل الأمة الوسط الذين هم شهداء على الناس، دون سبيل من قد يرفعه فوق قدره في اعتقاده وتصوفه على الطريقة التي أكمل وأصح مما ذكره علمًا وحالًا وقولًا وعملًا واعتقادًا واقتصادًا، أو يحطه دون قدره فيهما ممن يسرف في ذم أهل الكلام أو يذم طريقة التصوف مطلقًا.
إذًا هو يقول: فكتبت في هذا الكتاب من تمييز ذلك ما يسره الله؛ يعني الآن سأبين لكم الأخطاء التي وقع فيها القشيري، واجتهدت في اتباع سبيل الأمة الوسط، أن يكون كلامي منصفًا؛ لا أرفع الكتاب فوق منزلته كما يفعل أنصاره، ولا أيضًا أبخس حقه كما يفعل خصوم المتكلمين وخصوم الأشعرية وخصوم الصوفية، وهو -يعني ابن تيمية- هو أصلاً من خصومهم، بس يرى أن بعض الناس تغلوا في الـ...
طيب يا إخوان، فصل اللابتوب، بسم الله، أكمل. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. قال: والذي ذكره أبو القاسم فيه الحسن الجميل الذي يجب اعتقاده واعتماده، وفيه المجمل الذي يُحمَل على المحمل؛ وهذان قريبان، وفيه منقولات ضعيفة، ونقول عمن لا يقتدى بهم في ذلك، فهذان مردودان.
شوف كيف التقسيم الآن؛ العموم يقول ما ذكره القشيري فيه الحسن الجميل الذي يجب اعتقاده ونتفق معه رحمه الله عليه. في مشكلة في الصوت، بسم الله. إخواننا البث المباشر، الصوت جيد؟ الصوت جيد على البث المباشر؟ دكتور طارق، لأحد من الإخوة سريعًا... رجع رجع، خلص.
وفي نقول عمن لا يقتدى بهم أصلاً كالحلاج وغيره، فهذان مردودان. نعم قال: وفيه كلام حمله على معنى وصاحبه لم يقصد نفس ما أراده هو، ثم إنه لم يذكر عنه إلا... وفيه كلام في أشياء القشيري بينقلها عن بعض مشايخ الصوفية عن الجنيد وغيرهم، هم قصدوا شيئًا والقشيري عم بفهمها بطريقة أخرى؛ يعني أخطأ القشيري في فهم كلام بعض الصوفية. هذا وفيه كلام حمله هو على معنى، ولكن صاحب الكلام كالجنيد لم يقصد المعنى الذي فهمه القشيري.
نعم قال: ثم إنه لم يذكر عنهم إلا كلمات قليلة لا تشفي في هذا الباب، وعندهم في هذا الباب من الصحيح الصريح الكبير ما هو شفاء للمقتدي بهم؛ يعني الأصل أنت يا قشيري عندك مشايخ الصوفية لهم كثير من الكلام الجميل والصحيح والصريح الذي يستشفى به، لماذا ذهبت إلى الكلام المجمل والقليل من كلام المشايخ؟ نعم قال: ما هو شفاء للمقتدي بهم الطالب لمعرفة أصولهم. وقد كتبت هنا نكتًا يعرف بها الحال. طيب، نبدأ.
قال القشيري رحمه الله: اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل. هذه هكذا بدأ القشيري رسالته. طيب، هذا الكلام في مشكلة؟ قال ابن تيمية: قلت هذا كلام صحيح، فإن كلام أئمة المشايخ الذين لهم في الأمة...
أهل السنة على ما كان عليه السلف، وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وهذه الجملة يتفق على إطلاقها عامة الطوائف المنتسبة إلى السنة. في النهاية يقول ابن تيمية: هذه العبارة استعملتها القشيري كعبارة دبلوماسية، أن تقول في مطلع كتابك: اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة، اللي هم الصوفية، قواعدهم على أصول صحيحة في التوحيد، وأنهم يثبتون التوحيد بدون تمثيل ولا تعطيل. هذه العبارة كل من ينتسب إلى السنة يقولها؛ أهل الحديث، الكلابية، الأشعرية، وحتى بعض المعتزلة يعتمدون هذه العبارة: أننا نوحد الله بدون تمثيل ولا تعطيل.
الكل يدعي وصلاً بها، لكن العبارة الحق هي أن نحرر مضمونها، شو يعني بدون تمثيل ولا تعطيل؟ النقاش ما هو بدون تمثيل ولا تعطيل؟ نعم، قال: وإن تنازعوا في مواضع هل هي تمثيل أو تعطيل. نعم، قال أبو القاسم: عرفوا ما هو حق القدم وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم. وكذلك قال سيد هذه الطائفة الجنيد رضي الله عنه: «التوحيد إفراد القدم من الحدث».
فيقول عرفوا أي مشايخ الصوفية ما هو حق القدم، يعني القدم هو الله سبحانه وتعالى، ما حق القديم من الصفات؟ وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم، الموجود حقيقة باعتبار أن الله هو الوجود الحقيقي، وأن غيره ليس في كمال حقيقته، فما هي الصفات التي تكون للموجود الحقيقي؟ وما هي الصفات التي تكون للأشياء التي كانت معدومة وحدثت، اللي هي نحن؟ أنتم بتعرفوا العالم قديم وحادث، القديم هو الله، وهناك أمور هي حق لله ولا ينبغي أن تكون للمخلوقات الحادثة. ولذلك ماذا قال سيد الطائفة الجنيد؟ قال: التوحيد إفراد القدم من الحدث.
الكلمة شوف كيف الجنيد سيفهمها وكيف ابن تيمية سيعطيك الفهم الأوضح لها. الجنيد يقول: ما هو التوحيد؟ إفراد القدم من الحدث. ماذا قصد الجنيد بهذه العبارة؟ قال ابن تيمية: قلت هذا الكلام فيه إجمال، والمحمل محملاً حسناً وغير المحق يدخل فيه أشياء. كلام جميل يا قشيري، بس فيه إجمال، وفي ناس ممكن تحمل كلامك على معنى صحيح، وفي ناس ممكن تحمل كلامك على معنى خطأ.
كيف؟ قال: والقشيري مقصوده ما يذكره أهل الكلام من تنزيه القديم عن خصائص المحدثات، وهذا متفق عليه بين المسلمين. نعم، الله سبحانه والقشيري مقصوده بهذا الكلام ما يذكره عموم المتكلمين من تنزيه القديم وهو الله عن خصائص المحدثات اللي هم المخلوقات، وهذا في الجملة متفق عليه بين المسلمين، أن الله عز وجل يجب أن ينزه في صفاته عن صفات المخلوقين.
لكن التنازع بين الإسلاميين أين هو؟ فهو في طريقة هذا التنزيه. نحن متفقون -نحن مع الأشاعرة والكلابية، بل حتى مع المعتزلة بل حتى مع الكرامية- عموماً أننا يجب أن ننزه الله عز وجل عن خصائص المخلوقين، هذا القدر متفق عليه بين الجماعات الإسلامية المتكلمة في العقائد، لكن وين الخلاف بيننا؟ هو في تنزيل هذا التنزيه، أين ينزل؟ ما هي صورته الصحيحة في تنزيله؟ فقال: لكن النزاع بينهم في كثير من الصفات هل هي من خصائص المحدثات فعلاً أم يجوز أن يوصف الله بها؟ وهل هي من خصائص المحدثات التي يجب تنزيه القديم عنها، أو هي من لوازم الوجود التي يكون أصلاً نفيها تعطيلاً؟
الآن في كثير من الصفات، يعني حتى صفة النزول والمجيء وما شابه ذلك، هم يرون أنه هذه من صفات المحدثين التي لا يجوز أن يوصف الله بأنه ينزل ولا يجيء ولا يتكلم، اللي هي الصفات الاختيارية، وأنه لا وجه له ولا يد، لأنه هذه من صفات المحدثين، لكن أهل الحديث يقولون: لا، قضية أنه ينزل ويجيء وكذا هي ليست من خصائص المحدثين، بل الله سبحانه وتعالى ما دام موجوداً فإن هذا من خصائص وجوده أيضاً، أنه ينزل ويجيء ويقدر على كل هذه الأمور، فهي من لوازم وجوده أنه يفعل ما يشاء، ومن لوازم وجوده أن يستطيع أن يفعل في ذاته ما يشاء سبحانه وتعالى وأن يتكلم وما شابه ذلك.
وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ وهو التوحيد في القصد والإرادة وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة. إذاً ابن تيمية يقول للقشيري: نعم، أنت لم تفهم عبارة الجنيد. الجنيد الآن شو قال؟ قال: التوحيد إفراد القديم من الحدث. القشيري على ماذا أسقط كلام الجنيد؟ على طريقة المتكلمين، أنه يقصد الجنيد بإفراد القديم عن الحدث أن ننزه صفات الله سبحانه وتعالى أن تشابه صفات المخلوقين.
هذا الكلام صحيح في الجملة، بس مش هذا قصد الجنيد بعبارة إفراد القديم عن الحدث، بل يقصد الجنيد طريقة الصوفية؛ الصوفية ما كانوا، الجنيد ما كان يدخل في قضية الصفات، الجنيد كان يتكلم في العمل والسلوكيات، فهذا الصوفية في العادة يتكلمون في العمل والسلوكيات، فكان مقصد الجنيد "التوحيد إفراد القدم من الحدث" هو أن تفرده بالقصد والنية، وأن يكون عملك خالصاً لله، وألا تشارك في هذه النية أحداً من المخلوقات، فهو نوع من توحيد القصد وهو توحيد ألوهية وليس بتوحيد الأسماء والصفات، هذه هي الخلاصة.
قال: وأما الجنيد فمقصوده هنا توحيد القصد والإرادة، أن يكون عملك لله، وما يدخل في ذلك من الإخلاص لله والتوكل على الله وحده والمحبة لله وحده، هذا معنى إفراد القدم عن الحدث في مفهوم الجنيد. وهو أن يفرد الحق سبحانه وهو القديم بهذا كله فلا يشركه في ذلك محدث، وتمييز الرب من المربوب في اعتقادك وعبادتك، وهذا حق صحيح وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسله، اللي هو توحيد الألوهية؛ هذا هو توحيد الألوهية الذي من أجله جاءت الرسل تحقيق توحيد الألوهية، أما الربوبية والأسباب والصفات فهذا وإن كانت الرسل أتت به، لكن جله كان مقرراً حتى عند المنحرفين.
ومما يدخل في كلام الجنيد تمييز القديم عن المحدث، وإثبات مباينته له بحيث يعلمه ويشهد أن الخالق مباين للخلق، خلافاً لما دخل فيه الاتحادية من المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون بالاتحاد معيناً أو مطلقاً. يرى ابن تيمية أن مشايخ الصوفية الأنقياء كانوا يحاولون تطهير معتقد الصوفية من شبهات الحلول أو الاتحاد التي أدخلها بعض الصوفية الدخلاء كابن عربي وغيرهم، يعني من مقاصد الجنيد وغيره من الصوفية الأنقياء تطهير معتقد الصوفية مما أقحمه فيه ابن عربي وغيرهم من الصوفية الدخلاء الذين جعلوا من معتقد الصوفية القول بالحلول أو القول بالاتحاد المعين أو المطلق. الاتحاد المعين: أن تقول أن الله يتحد بذات الولي أو في شخص معين من الأشخاص. الاتحاد المطلق: اللي هو الاتحاد العام أن الله يتحد بالمخلوقات عموماً.
فيقول من مقاصد الجنيد في قوله التوحيد وإفراد القدم من الحدث إثبات أن لله ذاتا مباينة عن ذوات المخلوقين منفصلة تماماً عنهم، وأن فكرة الاتحاد التي تنسب إلى الصوفية هذه فكرة باطلة دخيلة. قال: أنكر هؤلاء على الجنيد قوله هذا كما أنكره عليه ابن العربي الطائي كبير الاتحادية. فلذلك ابن العربي الطائي لما سمع كلام الجنيد أن التوحيد إفراد القدم من الحدث أنكر عليه، قال له: وين رايح يا جنيد؟ مش أنه إمامه، أعني أنه أنكر على هذه الفكرة لأنه هي الفكرة تنسف طريقة ابن عربي، ابن عربي هو يدعو إلى أنه ما في شيء اسمه قديم ومحدث هو كله شيء واحد اتحاد، فلذلك رفضوا كلامه.
فالجنيد كلامه مهم أن تفهم أن الاتحاد والحلول الذي أتى به ابن عربي وغيرهم ليس له علاقة بطريقة الصوفية الأنقياء رضوان الله عليهم. في هناك صوفية أنقياء يترضى عليهم يا شباب، هذول صوفية سلكوا درباً صحيحاً قويماً جميلاً زي الجنيد وسهل التستري والدراني وغير هؤلاء، يجب أن نبرز هذا النوع من التصوف لأنه تصوف أهل السنة والجماعة. ما يسمى بتصوف أهل السنة والجماعة، نعم نحن مش محتاجين لكلمة التصوف بس لا بد تفهم أن هؤلاء صوفية أكابر لهم قدم صدق في الإسلام، وإثبات العلوم وتنقيحها في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، يجب أن لا تخلط الأوراق وأن يظن أن كلمة التصوف كلمة دائماً مذمومة، لا، ابن تيمية دائماً يحاول أن يوضح أن هناك صوفية أكابر ناس فخمة، ناس فاهمة، ناس عارفة الطريق إلى الله حقاً، ولا يجوز أن يذم هؤلاء أو يؤخذوا بجريرة الفاسدين الذين دخلوا بعد ذلك.
قال أبو القاسم: وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ولائح الشواهد، كما قال أبو محمد الجريري: "من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور إلى مهوات التلف". يدل إخواني على أن التوحيد يجب أن تقف على أدلته، وأن تجدد هذه الأدلة، وإلا ما بينفع التوحيد تأخذه تقليداً: والله أنا أبوي وأمي مسلمين والحمد لله نشأنا ببيت مسلم وخلصنا؛ لا، عدم نظرك في أدلة التوحيد قد يسبب لك في يوم من الأيام شبهة ما تستطيع تتخلص منها، فالمسلم حتى لو نشأ في بيت متدين عليه أن ينظر في أدلة التوحيد، مخلوقات الله في السماوات والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 164]. فهذا الكلام أخي كلام مهم، كما قال أبو محمد الجريري.
قال أبو القاسم: ويريد بذلك أن من ركن إلى التقليد ولم يتأمل دلائل التوحيد سقط عن متن النجاة ووقع في أسر الهلاك، وهذا كلام صحيح، أن من لا يجدد معاني التوحيد والنظر في دلائله يمكن أن يهلك في يوم من الأيام ويضيع.
قلت: المشايخ لا يشيرون إلى الطريق التي سلكها المتكلمون من الاستدلال بالأجسام والأعراض وما يدخل في ذلك. الآن ابن تيمية ماذا يناقش كلام القشيري؟ قال أبو القاسم: القشيري ومشايخ الطريقة أحكموا أصول الاعتقاد بواضح الدلائل. شو قصدك بالدلائل هنا؟ هنا نقاشنا، صح مشايخ الصوفية أحكموا أصول الاعتقاد بواضح الدلائل، لكن عن أي دلائل تتكلم؟ هل تقصد دلائل المتكلمين، دليل الأجسام والحدوث والعرض، أو الدلائل القرآنية الصحيحة والدلائل العقلية الصحيحة بعيداً عن دلائل الفلاسفة والمتكلمين؟ فيقول ابن تيمية: المشايخ خلص عرفنا كلمة المشايخ ما يقصد بها، لا يشيرون إلى الطريق التي سلكها المتكلمون، ليست هي الدلائل التي يقصدونها، بل هم منكرون لذلك كما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي وشيخ الإسلام الأنصاري وغيرهما عنهما.
شيخ الإسلام الأنصاري هو مين؟ الهروي صاحب كتاب "منازل السائرين". وأبو القاسم يرى صحة هذا الطريق، ولكن للأسف أبو القاسم القشيري يرى صحة طريق المتكلم وإن كانت طريقة المتكلم مختلفة عن طريقة المشايخ في الدلائل. وهذا من المواضع التي خالف فيها مشايخ القوم، يعني هذه النقطة فارقة بين القشيري وبين المشايخ الأوائل، المشايخ الأوائل سلكوا الطريقة صحيحاً، أنت يا قشيري للأسف تأثرت بطريقة ابن فورك وطريقة المتكلمين.
وقد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي علي بن الكاتب -وقد صحب أبا علي الروذباري وغيره، وتأخر بعد الـ 440- قال: المعتزلة نزهوا الله من حيث العقل فأخطأوا، والصوفية نزهوا من حيث العلم فأصابوا. وقد ذكر أبو القاسم القشيري في ترجمة الشيخ أبي علي بن الكاتب من هو أبو علي بن الكاتب؟ وهنا يقول أبو علي بن الكاتب، وقد صاحب أبا علي الروذباري وغيره ومتى عاش في أي فترة؟ في تقريبا 340 هجري فصاعداً ضمن هذا المعدل. ماذا قال أبو علي بن الكاتب؟ قال شوف كلام أبو علي بن الكاتب: المعتزلة أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم فماذا حصل؟ أخطأوا، والصوفية أرادوا أن ينزهوا الله من حيث العلم فأصابوا.
ما معنى العلم عند الصوفية الأوائل؟ العلم يعني الشريعة، يعني الكتاب والسنة، وهذا ما سيثبته ابن تيمية الآن. العلم في لسان الصوفية ووصاياهم كثيراً ما يريدون به الشريعة، وجيد تحرير المصطلح، يعني مصطلح العلم عندهم في رسائلهم الأولى الشريعة، وهكذا حتى عند كثير من السلف والأئمة والعلماء، حتى ابن عبد البر لما كان يتكلم في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" بين أن السلف كانوا يفرقون بين العلم والرأي، صحت إذا بتذكروا أن العلم إذا أطلق كتاب وسنة، وأما الرأي فمنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، أما إذا أطلق السلف كلمة العلم فالمراد بها الوحي الإلهي.
كقول أبي يعقوب النهرجوري: "أفضل الأحوال ما قارن العلم"، وقصد بالعلم الشريعة. وكقول أبي يزيد: "عملت في المجاهدة 30 سنة فما وجدت أشد علي من العلم ومتابعته"، ماذا قصد بالعلم؟ متابعة الشريعة ومخالفة الهوى. ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
العلماء عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت أشد علي من العلم ومتابعته. ولولا اختلاف العلماء لبقيت... واختلاف العلماء رحمة، إلا في تجريد التوحيد؛ يعني تجريد التوحيد فيه اختلاف مقبول وطريق واحد، أما في الفقهيات فالاختلاف رحمة، يعطيك سعة في الممارسة. وهذا كقول سهل بن عبد الله التستري: كل فعل تفعله بغير اقتداء، طاعة أو معصية، فهو عيش النفس؛ عيش النفس يعني هوى النفس، أنه ما يصير أنت تفعل أي شيء إلا باتباع.
وكل فعل تفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس؛ لأنك ستخالف فيه الهوى، أنه إذا بدك تفعل شيئاً بالاقتداء بالشريعة فأنت ستخالف هواك، فكأنك تعذب النفس الأمارة بالسوء من خلال مخالفة هواها. وقال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقال صاحب بن أبي الحواري: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله. وقال أبو حفص النيسابوري: من لم يزن أفعاله وأقواله كل وقت من الكتاب والسنة ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال.
وقال الجنيد بن محمد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث فلا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. فقال أبو حمزة البغدادي -وكل هؤلاء هم مشايخ الصوفية الأوائل-: من علم الطريق إلى الله سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم.
ومن لفظ العلم في كلامهم قول أبي عثمان النيسابوري: الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم؛ ظاهر العلم اللي هو الشريعة. والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم. ومنه قول أبي الحسين النوري: من رأيته يدعي مع الله حالاً تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقتربن منه. وقال: أعز الأشياء في زماننا شيئان: عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقته.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت جدي أبا عمر بن النجيد يقول: كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره أكثر على صاحبه من نفعه. الأحوال هي عبارة صوفية، يعني الأحوال التي تنشأ في قلب الإنسان إذا لم تكن ناشئة عن علم أي عن شريعة فهذا الحال ضرره عليك أكثر من نفعه. وسئل عن التصوف فقال: الصبر تحت الأمر والنهي؛ الأمر والنهي اللي هي الشريعة.
وسبب تعبيرهم عن الشريعة بالعلم أن القوم أصحاب إرادة وقصد وعمل وحال، هذه خاصيتهم؛ يعني الخاصية المميزة للصوفية اهتمامهم بالعمل والسلوك. لكن قد يعمل أحدهم تارة بغير العلم الشرعي بل يدركه بعقله وذوقه، ويجد إرادته في قلبه وإن لم يكن ذلك مشروعاً مأموراً به؛ فكان الصوفية الأوائل حريصين أن يخبروا الشخص: إياك أن تعمل بما يخطر في ذهنك أو بما تتذوقه في داخلك، بدك تعمل تأكد هل عملك هذا مطابق للكتاب والسنة؟ فسموا مطابقة الكتاب والسنة علماً.
وهذا كثيراً ما ابتلي به كثير منهم، من تقديم علمهم بالذوق والوجد على موجب العلم المشروع؛ من العمل بذوق ليس معه فيه علم مشروع. ولا ريب أن هذا من اتباع الهوى بغير هدى من الله، وهو مما ذم الله به النصارى الذين يضادعهم في كثير من أمورهم المنحرفون من الصوفية والعباد؛ أنهم النصارى كانت خاصيتهم رهبانية ابتدعوها، يعني يعملون بدون علم، فكثير من الصوفية سقط في هذا الفخ، العمل بالذوق والوجد بدون علم.
ولهذا جعله سهل من حظ النفس، ولهذا استضعف أبو يزيد متابعة العلم؛ مشان استضعف يعني في النص السابق، ماذا قال أبو يزيد؟ أنه لم أجد شيئاً أصعب علي من متابعة العلم، فأبو يزيد استضعف بمعنى وجد عنده ضعف في هذا، ووجد أن القضية متعبة؛ متابعة العلم لأنها مخالفة للهوى. أما العمل بما يمليه عليك الهوى فهذا سهل، أن تعمل بما يمليه عليك الهوى، كما تجد فرق الصوفية بعضهم يرقصون ويدبكون وينزلون ويأكلون، هذا أصلاً هو مش تعبان كثير لأنه هذا وافق هواه، فالشيطان يسهل عليه هذه العبادة. يا أخي بدك تذكر الله بهذا؟ شو بدك أحسن من كذا؟ لأن هذه توافق هواك.
فإن مجاهدة هوى النفس يفعلها غالب النفوس؛ مثل عبادات المشركين وأهل الكتاب من الرهبان وعباد الأنداد ونحوهم، وكل ذلك من هذا الباب؛ ولهم من الزهد والمجاهدة في العبادة ما لا يفعله المسلمون، لكنه باطل ليس بمشروع. ولهم من الزهد والمجاهدة وهذا قد يساعد على هذا، أنهم يجاهدون، يعني اليوم تجد بعض البوذية، بعض الصوفية، بعض الأديان الأخرى عندهم من الجلد والمجاهدة الكثير، بس كلها بهوى النفس وليس مخالفة لهوى النفس، فلذلك هذا كله باطل ليس بمشروع وإن تعب فيه صاحبه. ولهذا لا ينتج له من النتائج إلا ما يليق به؛ يعني لا يرى بعد كل هذا التعب نتائج حقيقية، بل أشياء نفسية، وأما أحوال إيمانية صحيحة لا تنتج إلا بالكتاب والسنة.
والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة. سبحان الله، يعني الكافر من البوذية ومن أصحاب الطقوس يتعب سنوات وسنوات في مجاهدات، وبالكاد يشعر بشيء من الراحة النفسية عابر، وأما أنت فاقتصاد في العبادة لكن تكون على طريقة الكتاب والسنة، خلال مدة قريبة تشعر بانشراح الصدر وراحة الفؤاد والأنوار تأتي في حياتك، عبادة محدودة.
فالمهتدون من مشايخ العباد والزهاد يوصون باتباع العلم المشروع، كما أن أهل الاستقامة من العلم يوصون بعلمهم الذي يسلكه أهل الاستقامة من العباد والزهاد؛ يعني يقول: فالمهتدون من المشايخ العباد، يعني مشايخ الصوفية، يامرون باتباع العلم النافع، والعكس كذلك، أهل العلم النافع المشايخ كأحمد بن حنبل وغيرهم يوصون أتباعهم بسلوك طريق العمل الذي مشى عليه الزهاد والعباد. فالصادقون هنا وهنا كل يوصي بطريقة الآخر، ليس كزماننا؛ نحن في زماننا نعرف كيف نكسر مجادي بعض، المشتغل في العمل يقول: يا أخي شو بدك تحفظ متون وتحضر مع المشايخ؟ يا أخي اخرج معنا كذا واعمل معنا، يرى أن العلم ليس بشيء وأن طريقته هي الصواب. والعكس المشتغل بالعلم يرى أن الشاب المنشغل بشيء من العبادة والخروج في الدعوة إلى الله يقول: يا أخي شو بدك في العمل؟ خليك في العلم والمتون والمصنفات. أما الأسوياء هنا وهنا، فكل منهم يوصي تلاميذه بطريق الآخر.
فالزهاد وشيوخ الصوفية الأوائل كانوا يوصون العاملين بتعلم العلم الشرعي، وعلماء الشريعة كانوا يوصون تلاميذهم بطريقة الزهاد السالكين إلى الله؛ أن احرص أن يقول لك: خذ من العمل، هذه هي الطريقة الصحيحة، التعاون على هذه الأمور، وليس أن الإنسان يرى أن ما ينشغل به هو الصواب، وأن ما فتح على غيره يزهد به ويرى أنه لا قيمة له. وأما المنحرفون من الطائفتين فيعرضون عن المشروع، أما من العلم واما من العمل، وهما طريق المغضوب عليهم والضالين. إذاً من هم الطائفتين من العلماء والعباد؟ فالمنحرفون من العلماء علم بلا عمل، والمنحرفون من العباد عمل بلا علم. وهذه طريقة المغضوب عليهم والضالين.
قال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى. ولهذا قصد أبو القاسم في الرسالة الرد على هؤلاء. ولما ذكر المشايخ الذين ذكرهم قال: هذا ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة، كان الغرض من ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم كانوا مجمعين على تعظيم الشريعة، متصفين بسلوك طريق الرياضة، متفقين على متابعة السنة. فالقشيري نفسه في الرسالة أراد أن يبين أن مشايخ الصوفية هم يجمعون بين العلم والعمل ولم يكونوا لا من هؤلاء ولا من هؤلاء.
فقال: هذا ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة، كان الغرض من ذكرهم التنبيه على أنهم مجمعين على تعظيم الشريعة، متصفين بسلوك طريق الرياضة؛ الرياضة إيش هو؟ القلب، مش الشوارع، رياضه النفوس. متفقين على متابعة السنة؛ فهو إذاً علم وعمل، غير مخلين بشيء من آداب الديانة. متفقين على أن من خلا من المعاملات والمجاهدات ولم يبنِ أمره على أساس الورع والتقوى كان مفترياً على الله سبحانه فيما يدعيه، مفتوناً هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله، وما أكثر هؤلاء؛ الذين إما علم بلا عمل أو عمل بلا علم.
وإذا عرف معنى لفظ العلم في اصطلاحهم، فقول أبي علي الكاتب -هذا كله استطراد لنرجع لقول أبي علي الكاتب الذي كان أصل نقاشنا في صفحة 94-: نحن الآن نناقش كلام القشيري لما قال إن مشايخ الطريق حكموا عقائدهم بواضح الدلائل؛ قلنا الدلائل التي يقصدها مشايخ الصوفية الأوائل هي الدلائل الصحيحة من الكتاب والسنة وليس الدلائل الذي يؤمن بها القشيري وهي دلائل المتكلمين. والذي يؤكد أن مشايخ الصوفية الأوائل كانوا يقصدون بالدلائل الدلائل المأخوذة من الكتاب والسنة ما قاله أبو علي بن الكاتب لما قال: المعتزلة نزهوا الله من حيث العقل فأخطأوه، والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوه. ماذا قصد بالعلم؟ الشريعة. إذاً الصوفية الأوائل من أين بنوا التوحيد؟ من الشريعة وليس من طرائق المتكلمين التي تنصرها أنت يا قشيري.
فقال: وإذا عرف معنى لفظ العلم في اصطلاحهم، وأن مراد الصوفية الأوائل بالعلم الشريعة، فقول أبي علي الكاتب: الصوفية نزهوه من حيث العلم، أي من جهة الشرع والسنة؛ الشرع أدلة الكتاب والسنة. فنزهوه عما نزه عنه نفسه فأصابوا. وأما المعتزلة فنزهوه بقياس عقلهم وأهوائهم، وأرادوا أن ينفوا عنه كل صفة موجودة لظنهم أن ذلك تشبيه، ولم يهتدوا إلى أن الخالق يوصف بما يليق به، والمخلوق يوصف بما يليق به، وإن الاسم وإن كان متفقاً فبالإضافة إلى الله تخصصه وتقيده بما ينفي عنه مماثلة الخلق.
إيش يعني وإن الاسم كان متفقاً؟ يعني الله موصوف بالحياة ونحن موصوفون بالحياة، الله موصوف بالوجود ونحن موصوفون بالوجود، وحتى في الصفات الاختيارية والخبرية؛ الله موصوف بالوجه ونحن موصوفون بالوجه، لكن إضافة الوجه إلى الله تجعل له تقييدات وخصائص تليق بالله، تختلف عن إضافة الوجه إلى المخلوق. فإياك أن تنفي الصفات لوجود الله؛ لأنه هذا يقتضي المماثلة. لا، أنت بدك تفهم أن إضافة الصفة إلى الله ما دام الله أضافها لنفسه فهي تضاف إليه على ما يليق بجلاله وعلى الخصائص التي تليق بذاته، وإن كانت هذه الصفة تضاف إلى المخلوق فهي تضاف بقيود تتسم بصفات المخلوقين، فلا إشكال في هذا.
وهذا الذي ذكره الشيخ أبو علي من أن الصوفية يخالفون المعتزلة فأمر متفق عليه، فإن أصول الصوفية لا تلائم نفي الصفات، بل هم أبعد الناس عن الاعتزال في الصفات والقدر؛ طبعاً أصول الصوفية أصلاً لا يصلح معها نفي الصفات؛ لماذا؟ لأنه أساس سير الصوفية إلى الله في النظر في صفات الله: المحبة والرأفة والرحمة والرجاء؛ أصل طريقة الصوفية النظر في صفات الله، فكيف تنفون صفات الله؟ هذا لا يمكن. ومن المعلوم أن طريقة الكلام في الجواهر والأعراض في أدلة أصول الدين ومسائله هي...
الطريقة التي سلكها المعتزلة وأخذها عنهم متكلمة الصفاتية من الأشعرية ونحوهم، وهي الطريقة التي أشار إليها أبو القاسم. فأنت يا أبا القاسم تحكي كلاماً عاماً، لكن لو أردنا أن نحرر أنت تقصد به طريقة المتكلمين، لكن مشايخك من الصوفية هم يقصدون طريقة السلف، ففي مباينة بينك وبين مشايخك.
قال: فاعلم أن القوم مخالفون لهذه الطريقة الكلامية التي أشار أبو القاسم إلى بعضها. وكذلك قد ذكر أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي الحسن بن الصايغ، وزمنه هو زمن ابن الكاتب، يعني أبو الحسن بن الصايغ هو أيضاً من المعاصرين لابن الكاتب. نحن قلنا ابن الكاتب كان تقريباً سنة 340، هذا أيضاً أبو الحسن بن الصايغ في نفس الفترة تقريباً. ماذا نقل عنه القشيري؟ نعم، قال سنة 300، قال: وكان من كبار المشايخ، والقشيري يقول: وهذا الرجل من كبار مشايخنا.
وقال أبو عثمان المغربي: ما رأيت من المشايخ أنور من أبي يعقوب النهرجوري، ولا أكثر هيبة من أبي الحسن بن الصايغ. قال القشيري: سئل ابن الصايغ عن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فقال: كيف يستدل بصفات من له مثل ونظير على صفات من لا مثل له ولا نظير؟ طبعاً الاستدلال بالشاهد على الغائب هي من أساليب المتكلمين في إثبات الصفات السبع، الاستدلال بالشاهد على الغائب، هم المخلوق، والغائب هو الله.
سئل ابن الصايغ: هل يصح الاستدلال بالشاهد على الغائب؟ فقال: كيف يستدل بصفات من له مثل ونظير -وهو المخلوق- على صفات من لا مثل له ولا نظير؟ ما بصير الاستدلال بالشاهد على الغائب. طبعاً ابن تيمية والسلف يجوزون قياس الشاهد على الغائب بالقياس الأولي، أن كل صفة للمخلوق هي كمال من كل الجهات فالله أولى بها. أما قياس شمولي وهذا الذي يسلكه المتكلمون، لا يرى ابن تيمية هذا، لا يليق أن يستدل، وليست طريقة السلف استعمال قياس الشاهد على الغائب، قياس الشمول أو قياس الاقتران الذي يسلكه، وهو القياس المنطقي، مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، وهذه المقدمة الكبرى تكون تصدق على الشاهد وتصدق على الغائب. لا، قال: هذه ليست طريقة السلف في فهم أمور التوحيد.
إذا أردت أن تقيس الغائب على الشاهد فبكون بطريقة القياس الأولي، أن كل كمال للمخلوق من كل الجهات فالله أولى بهذا الكمال. أما القياس الاقتراني الشمولي الطبيعي الذي يستعمل فيه مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة حذف الحد الأوسط، تمام؟ كما يقولون: العالم له محدث. شو المقدمة الصغرى الكبرى؟ العالم حادث وكل حادث له محدث، فالعالم له محدث. هسه كلمة محدث هذه لا تدل على ذات الله، وإنما تدل على ماذا؟ على مطلق وجود محدث، كلمة محدث يعني منتج، صح؟ وهذه عامة يدخل فيها الله والمخلوق، هي كلفظة تشمل كل منتج، وليست هذه طريقة القرآن الكريم. فالقرآن الكريم لما يتكلم يتكلم عن الله مباشرة، وليس بقياس عام يدخل فيه كل محدث دون أن يتكلم فيه عن الله بخصوصه وذاته.
فلذلك يقول ابن تيمية هنا: والاستدلال بالشاهد على الغائب في إثبات الصفات هي طريقة شيوخ أبي القاسم من المتكلمين، الذين يجمعون بين الشاهد والغائب في الحد والدليل والشرط والعلم. يخص في الحد والدليل يعني القياس الاقتراني؛ في حد أوسط مش القياس الاقتراني يقوم على مقدمة صغرى، العالم حادث، كل حادث له محدث، النتيجة العالم له محدث. الحد الأوسط والدليل عموماً؛ لاحظ أن الدليل لا يتكلم عن الله بالتحديد، يتكلم بشكل عام بكلام عام كلامي يشمل أي محدث يمكن أن يصدق عليه أنه محدث.
والشرط والعلم، إثبات الحياة والعلم وسائر الصفات كذلك، إثبات سائر الصفات الأخرى، لما يثبتون صفة الحياة، الصفات السبع، يستعملون شيئاً من الأقيسة الاقترانية التي يشترك فيها الخالق والمخلوق. قال: فقد رد الشيخ أبو الحسن بن الصايغ هذه الطريقة. ومما يبين هذا أن أعظم المشايخ الذين أخذ عنهم أبو القاسم جمعاً لكلام مشايخ الصوفية وتأليفاً له ورواية له، هو الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، فإن القشيري لم يدرك شيخاً أجمع لكلام القوم وأحرص على ذلك وأرغب فيه منه. إذاً القشيري، أدرك القشيري أبا عبد الرحمن السلمي وأخذ منه مباشرة، ولهذا صنف في ذلك ما لم يصنفه نظرائه. يعني أبو عبد الرحمن السلمي هو من أعظم المصنفين في الصوفية من الصوفية الأوائل.
كما أن الذين أدركوا عصر أبي القاسم من مشايخ القوم لم يكن فيهم أقوم بهذا الباب من شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي، لا سيما في المعرفة بأخبار القوم وكلامهم وطريقهم؛ فإنه في ذلك ونحوه من أعلم الناس، وكان إماماً في الحديث والتفسير وغير ذلك. كذلك أيضاً شيخ الإسلام الهروي كان على دراية عامة، لذلك هو يقرن عادة بينهما، بين السلمي والهروي. ومع هذا فالشيخ أبو عبد الرحمن وشيخ الإسلام كلاهما له مصنف مشهور في ذم طريقة الكلام. طبعاً الآن ذم الكلام وأهله هذا خمس مجلدات لأبي إسماعيل الهروي، شيخ الملقب بشيخ الإسلام، في ذم الكلام وأهله، التي يدخل فيها كثير مما ذكره أبو القاسم من الدلائل والمسائل. حتى ذكر شيخ الإسلام في كتابه قال: سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: رأينا محمد بن الحسين السلمي يلعن الكلابية. تخيل، يعني وصل الحال أنه ينقل الهروي في كتابه أننا رأينا محمد بن الحسين -من هو محمد بن الحسين؟ نفسه أبو عبد الرحمن السلمي اسمه محمد بن الحسين- كان أبو عبد الرحمن السلمي شيخ القشيري يلعن الكلابية. من وين هم الكلابية؟ هم الأشاعرة، هم من أخذ منهم الأشعرية، واعتقادهم أن أبا الحسن الأشعري لما صار في طوره الأخير هو أخذ من ابن كلاب.
قال محمد بن حسين السلمي هو الشيخ أبو عبد الرحمن، أعرف من مشايخ أبي القاسم القشيري بطريقة الصوفية وكلامهم، ومعلوم أن القوم من أبعد الناس عن اللعن ونحوه لحظوظ أنفسهم؛ يعني أنت أصلاً تحكي صوفي عم بيلعن، شيء غريب لأن الصوفية يتحفظون في ألسنتهم وكلماتهم، غريب أن الصوفي يصدر منه لعن. قال: ولولا أن أبا عبد الرحمن كان الذي عنده أن الكلابية مبينون لمذهب الصوفية المباينة العظيمة التي توجب مثل هذا، لما لعنهم أبو عبد الرحمن، فالذي جر أبا عبد الرحمن السلمي يلعن معرفته أن طريقة الكلابية هي من أبعد الطرق عن الصوفية الصحيحة. والكلابية هم مشايخ الأشعري، والكلابية مشايخ الأشعرية، يعني هذه هو النتيجة.
فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة، وقد جمع أبو بكر بن فورك -شيخ القشيري- كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول. ولكن لم يكن كلام أبي عبد الرحمن السلمي قد انتشر بعد، فإنه انتشر في أثناء المئة الرابعة لما ظهرت كتب القاضي أبي بكر بن الباقلاني ونحوه. إذاً، لم يكن كلام أبي عبد الرحمن السلمي قد انتشر بعد، يعني أن أبا عبد الرحمن السلمي كان يلعن الكلابية وكذا، هذه الأمور ما كانت منتشرة على ألسنة الصوفية، يعني قد نقول ما كانوا منتبهين لقيمة هذا الكلام. متى انتبه الصوفية أو بعضهم لقيمة كلام أبي عبد الرحمن السلمي؟ لما بدأ المذهب الأشعري ينتشر. متى بدأ المذهب الأشعري ينتشر حقيقة؟ وهذه فائدة جيدة، على يد الباقلاني.
هل ظهرت النسبة أصلاً إلى الأشعرية في تاريخ الأمة؟ متى ظهرت النسبة إلى الأشعرية وأصبح يقال إن هناك أشاعرة؟ هي النسبة متى ظهرت؟ على يد الباقلاني لما انتشرت كتب الباقلاني وأصبحت تروج في أيدي الناس، والباقلاني نصر طريقة أبي الحسن الأشعري، عندئذ أصبح يعرف بالأشاعرة، أصبحت تطلق هذه اللفظة وأصبح من ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، وهذا الآن سيبينه تاريخياً من كلام ابن عساكر. قال: وقد ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر، المنتصر لأبي الحسن الأشعري، في كتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، موافقاً للشيخ أبي علي الأهوازي المصنف في مثالب الأشعري. الأهوازي المصنف كتاباً في مثالب أبي الحسن الأشعري في مثالبه، جاء ابن عساكر ألف كتابه تبيين كذب المفتري وبده يرد على الأهوازي ويبين أنه أنت بتذم الأشعري لكن الأشعري بالعكس هو صاحب حق وفاضل، إذاً ابن عساكر مناصر لأبي الحسن الأشعري، أراد أن يرد على الأهوازي المصنف في مثالب الأشعري، مع كون ابن عساكر رد على الأهوازي لكنه وافق الأهوازي في ماذا؟ في المسألة في مسألة أن المذهب أن النسبة إلى الأشعري إنما انتشرت مع انتشار كتب الباقلاني، يعني وافقه على هذه القضية.
قال المصنف مع كون ابن عساكر أراد أن يرد على الأهوازي وثلبه له، لكنه وافقه في ذلك، فذكر أبو علي الأهوازي أنه مذ قوي مذهبه أقل من 30 سنة، والأهوازي توفي سنة 445، وهو كتب الأهوازي أنه ما ظهرت نسبة الأشعري إلا منذ 30 سنة ما قوي مذهبه، يعني تقريباً كم بحكي؟ يعني إذا هو توفى 445 رجع 30 سنة، يعني 415، ورجع كمان 15 سنة، نحن مش عارفين أصلاً الأهوازي متى قال هذا الكلام. باختصار، قضية الانتساب إلى الأشعري وأن يقال شخص عقيدته أشعرية، هذه ظهرت متى؟ 400، وكلام أبي عبد الرحمن السلمي متى توفي؟ يعني تقريباً أظن في طبقة الـ 300 وشوي، 412 أبو عبد الرحمن السلمي.
قال ابن عساكر: وقوله إنه مذ قوي ذلك أقل من 30 سنة، فلا عمري إنه إنما اشتهرت هذه النسبة من الأزمنة في عصر القاضي أبي بكر بن الباقلاني، بتصانيفه المستحسنة المنتشرة في بغداد وغيرها من البلدان والأمكنة. إذاً هذا اتفاق، هو ابن عساكر يوافق الأهوازي أن كلامك صحيح، أن النسبة إلى الأشاعرة وأن أصبح يطلق اسم أشعري فعلاً ظهرت حوالى 400.
والمقصود هنا أن المشايخ المعروفين الذين جمع الشيخ أبو عبد الرحمن أسماءهم في كتاب طبقات الصوفية وجمع أخبارهم وأقوالهم، دعماً قبلهم من أئمة الزهاد من الصحابة والتابعين، الذين جمع أبو عبد الرحمن وغيره كلامهم في كتب معروفة وهم الذين تتضمن أخبارهم كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره، لم يكونوا على مذهب الكلابية الأشعرية، إذ لو كانوا كذلك لما كان أبو عبد الرحمن يلعن الكلابية. يعني إذا أبو عبد الرحمن السلمي توفي 412، وأبو عبد الرحمن السلمي صاحب كتاب طبقات الصوفية، إذا أبو عبد الرحمن السلمي جمع طبقات الصوفية الذين سبقوا هذا التاريخ، بالتأكيد لم يكن شخص منهم ينتسب إلى الأشعرية والكلابية، لأنه أصلاً الانتساب إلى الأشعرية كعقيدة وأن يقال أشاعرة متى ظهرت؟ 400. فإذاً كل طبقات الصوفية التي جمعها أبو عبد الرحمن السلمي إذا هو نفسه السلمي توفي 412، إذا نحكي يعني فرضا فرضا الكتاب ألفوه قبل 15 سنة من موته، 395، قبل ذلك بعد ذلك في فترة لم يكن الانتساب للأشعرية ظاهر، فإذاً كل مشايخه ما كان شخص منهم أشعري. لهذا يعني، كما كيف يقول اليهود والنصارى إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، طيب هو أصلاً كان قبل اليهودية والنصرانية كيف تقول كان يهودياً أو نصرانياً؟ فلما يجيك شخص أشعري اليوم يقول لك أصلاً مشايخ الصوفية الأوائل كانوا أشاعرة، تقول: أخي أصلاً مشايخ الصوفية الأوائل لم يدركوا فترة ظهور لقب أشعري. مشايخ الصوفية الأوائل الجنيد وغيرهم لم يدركوا فترة ظهور هذا اللقب، هذا اللقب ظهر يعني 395 فصاعداً، عندئذ ظهر، فإياك أن تقول لي والله مشايخ الصوفية الأوائل كانوا ينتسبون إلى الأشعري أو على، دعك من هذا، هذا الادعاء لا قيمة له، وهذا ما أراد ابن تيمية أن يبينه في هذا المقام.
قال: وقال شيخ الإسلام الأنصاري: سمعت أحمد بن حمزة وأبا علي الحداد يقولان: وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد النهاوندي على الإنكار على أهل الكلام وتكفير الأشعرية، وذكر أيضاً شأنه في الإنكار على أبي فوارس القرمسين وهجر ابنه إياه لحرف واحد. يعني مش أنا، هذه ما فهمت من الذي هجر من، يعني هل ابن أبي الفوارس هجر أباه؟ هذا الذي يظهر لي، لأن أباه كان يدعو إلى شيء من كلام الأشعرية.
قال شيخ الإسلام: سمعت أحمد بن حمزة يقول: لمَّا كان الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس، سألوا أبا عبد الله النهاوندي -أحد مشايخ الصوفية، وهو على طريقة السلف- كان ينكر على أبي الفوارس انتصاره للطريقة الأشعرية. قال: فقال لقيت.
فتحاكموا إلى من عبد الله الديني، أو سألوا أبا عبد الله الديني: أيهم على صواب، النهوندي أو الفوارس؟ فقال أبو عبد الله الديني: لقيت ألف شيخ كلهم على طريقة النهوندي، ولم يكن أحد على طريقة أبي الفوارس التي هي طريقة المتكلم. قال: وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه «ذم الكلام» ما ذكره أيضاً شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، فقال: أخبرني ابن أحمد، قال: حدثنا محمد بن الحسين، فقال: رأيت بخط أبي عمر بن مطر يقول: سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات، فقال: بدعة تدعوها. ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين، مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، يتكلمون في ذلك، وينهون عن الخوض فيه، ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة. فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم.
ابن خزيمة وذكر أبي حنيفة هنا يدلان على الكتاب والسنة؛ هذا ما يعرفه السلف عن أبي حنيفة تماماً في كثير من أقوالهم. قال: وقال محمد بن الحسين وهو أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أحمد بن سعيد المادني يقول: سمعت أبا بكر بن بسطام قال: سألت أبا بكر بن سيارة للخوض في الكلام، فنهاني عنه أشد النهي، وقال: عليك بالكتاب والسنة وما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابع التابعين، فإني رأيت المسلمين في أقطار الأرض ينهون عن ذلك وينكرونه ويأمرون بالكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري: أخبرنا أحمد بن محمد بن العباس بن إسماعيل المقري قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن البيع وهو الحافظ الحاكم، قال: سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن محمد المقرئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من نظر في كتبي المصنفة في العلم، ظهر له وبان بأن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي. قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد وفي أصول العلم مثل تصنيفي، فمن حاكى عني خلاف ما في كتبي المصنفة التي حملت إلى الآفاق شرقاً وغرباً، كذبه فسق. للاسف حتى الأشاعرة من المتأخرين ما زالوا يذمون ابن خزيمة ويسمون كتابه في التوحيد كتاب الشرك، حتى آخرهم كان الكوثري من المتأخرين؛ كانوا يسمون كتابه كتاب الشرك ويحذرون من قراءة كتب ابن خزيمة رحمه الله عليه.
قال: وقال شيخ الإسلام، وأخبرني أحمد بن حمزة قال: حدثنا محمد بن -طبعاً شيخ الإسلام هنا الهروي مش ابن تيمية- هو أبو عبد الرحمن السلمي يقول: بلغني أن بعض أصحاب أبي علي الجوزجاني سأله كيف الطريق إلى الله؟ قال: أصح الطرق وأمرها وأبعدها من الشبهة اتباع الكتاب والسنة قولاً وفعلاً وعقداً ونية، لأن الله يقول: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. فسأله كيف طريق اتباع السنة؟ قال: بمجانبة البدع واتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام وأهله، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء والاتباع. بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123].
قال شيخ الإسلام: وأخبرني الطب بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الحسين وهو أبو عبد الرحمن، سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي، سمعت أبا جعفر الفرغاني، قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب. أقل العيوب في علم الكلام والانشغال بالحدث والجوهر والجوهر الفرد وهي القصص، أنك تسقط هيبة الرب من قلبك. تتخيل كل عقيدتك نازل فيها في القياسات الفيزيائية والكيميائية، وتقول بالحدث والأعراض والعرض يثبت زمان، ما عادت العقيدة والتوحيد لها قيمة؛ أنت شوهت مفهوم التوحيد لما بتظلك تتكلم فيه بعبارات فلاسفة جامدة لا تسمن ولا تغني من جوع. لاحظ هذا الرصد الذي رصده الجنيد إمام الطريقة؛ الجنيد ماذا يقول؟ أقل عيوب الطريقة الكلامية أنها تسقط هيبة الرب من القلب، وتتكلم عن الله سبحانه وتعالى كأنه مسألة فيزيائية كيميائية وظاهرة كونية تحتاج إلى الدخول في الفلك وما شابه ذلك، والقلب إذا عري من الهيبة من الله عري منه الإيمان.
قال أبو القاسم: ونحن نذكر في هذا الفصل جملاً من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول، ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه في الاعتقاد على وجه الإيجاز. قال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي. الآن خلصنا وأثبتنا أن طريقة مشايخ الصوفية الصحيحة أنهم يبنون عقائدهم على الكتاب والسنة، وإن كان القشيري يأتي بكلامهم أننا نبني بالدلائل، لكن هو القشيري حمل الدلائل على الطرائق الكلامية، وأراد ابن تيمية أن يثبت أن دلائلهم هي الدلائل القرآنية وليست الكلامية التي أنت جنحت إليها يا قشيري.
قال أبو القاسم القشيري -الآن سينقد ابن تيمية أيضاً هذا النص-: ونحن نذكر في هذا الفصل جملاً من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل الأصول، ثم نحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه في الاعتقاد على وجه الإيجاز، قال سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن موسى السلمي يقول: سمعت الشبلي يقول: "جل الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف". قال: وهذا صريح من الشبلي رضي الله عنه أن القديم لا حد لذاته ولا حروف لكلامه. ابن تيمية سينتقد القشيري في هذه الجزئية؛ أنه أنت بدك تبني العقائد وتذكر عقائد الصوفية من كلام الشبلي، والشبلي ليس من أوزنهم حالاً، وسياتي كلام أن الشبلي يروى عنه كانت تأتيه إغماءات ويحمل على المارستان من كثرة الإغماءات، يعني رجل ما كان في كامل اتزانه، رجل فاضل له أيه بس ليس من المشايخ الأصول العتاولة الذين يمكن أن تبني عليهم أو تأخذ منهم علم هذه الطريقة. المهم هنا نقل عن أبي عبد الرحمن السلمي، سمعت عبد الله بن موسى السلمي، قال: سمعت الشبلي يقول: "جل الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف". قال القشيري: وهذا صريح من الشبلي رضي الله عنه أن القديم سبحانه وتعالى لا حد لذاته ولا حروف لكلامه.
الآن ابن تيمية سيناقش القشيري، خلص أنت الآن عرفت أنه على طريقة الكلابية الأشعرية، ماذا فهم القشيري من كلام الشبلي؟ ابن تيمية يمسك الكلمة بالسنتي؛ ماذا قال الشبلي؟ جل الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف. القشيري استنبط من عبارة الشبلي ما هو أن الله سبحانه وتعالى لا حد لذاته، وأن كلامه ليس بصوت وحروف؛ هذا الذي وهذه طريقة الأشاعرة. ماذا سيقول ابن تيمية معلقاً على هذا؟ قال: قلت هذا الكلام فيه استدراك من وجوه: أحدها أن الذي قال إنه تعالى معروف قبل الحدود وقبل الحروف لم يرد أن الخلق عرفوه قبل ذلك، فإنه قبل الخلق لم يكن خلق يعرفونه، وإنما أراد أنه عرف أنه كان قبل الحدود وقبل الحروف.
يعني شوف التحليل الآن العميق لهذه العبارة: أن الذي قال هو الشبلي إن الله تعالى معروف قبل الحدود وقبل الحروف، هل قصد الشبلي أنه في أحد كان يعرف الله قبل الحدود وقبل الحروف؟ لا؛ هو يقول إن الذي قال إن الله معروف قبل الحدود وقبل الحروف لم يرد أن الخلق عرفوا الله قبل أن تنتج الحدود والحروف، فإنه قبل الخلق لم يكن هناك خلق يعرفونه. يعني قبل أن يخلق الله الكون عموماً، لم يكن هناك خلق يعرفونه؛ لم يكن شيء معه. وإنما أراد أنه سبحانه وتعالى عُرف أنه كان قبل وجود الحدود وقبل وجود الحروف؛ يعني ماذا قصده في النهاية الشبلي إذا صحت العبارة؟ أن الله موجود قبل وجود مخلوقاته، بس هذا هو المراد، أنه سبحانه عُرف أي موجود قبل وجود مخلوقاته. فالظرف وهو كلمة "قبل" هنا، نقطة النقاش لما نقول الله جل الواحد المعروف قبل الحدود؛ ماذا قصد به؟ قال: فالظرف "قبل" متعلق بالضمير في "معروف" لا بنفس المعرفة، أنه لاحظ ماذا قال: "جل الواحد المعروف" هو "قبل"؛ فكلمة قبل متعلقة بالضمير في المعروف وليس بالمعرفة.
لأنك إذا قلت إنه متعلق بالمعرفة فكأنك تقول إن هناك معرفة حصلت من الناس أو من أي قبل وجود الحروف والحدود، لا؛ ليس المراد أن هناك معرفة حصلت لله من مخلوق قبل وجود الحروف والحدود، بل المراد أنه هو معروف أي مثبت وجوده قبل وجود أي شيء من المخلوقات. اللهم إلا أن يريد أنه يعرف نفسه قبل الحدود وقبل الحروف؛ فيكون هو العارف وهو المعروف، عرف ذاته. وهذا مانع صحيح يحتمله الكلام، والمقصود أنه كان قبل ذلك، وخلاصة ما يريده الشبلي بهذه العبارة أنه سبحانه وتعالى كان قبل أن يوجد شيء من المخلوقات، قبل أن توجد الحدود والحروف التي يعبر بها من المخلوقين.
ومعلوم أن اللام للتعريف، فإذا كان قبل الحدود وقبل الحروف، فإنما أراد الحدود المعروفة لنا والحروف المعروفة لنا، وهي ما كان هو قبلها، وتلك ما للمخلوق من الحدود والحروف. فركز؛ إذا حتى ما يقول أحد: إذاً الحروف كلها مخلوقة، فكيف الله يتكلم بحرف؟ لأقول لك المقصود بالحدود والحروف: الحدود والحروف التي نتكلم بها نحن وهذه مخلوقة. لذلك يقول: ومعلوم أن اللام للتعريف لما قال قبل الحدود وقبل الحروف، فالمراد بـ"الـ" هنا العهدية؛ الحدود التي أنتم تتعاهدونها والحروف التي أنتم تتعاملون بها، فالله موجود قبل أن توجد الحدود والتعاريف التي نحن نستعملها، وموجود قبل أن توجد الحروف التي نحن نتكلم بها.
ولا ريب أن الله كان قبل حدود المخلوقات وقبل أصوات العباد ومدادهم، فقبل أن نعبر نحن عن الله كان هو موجود، سبحانه. فأما أن يكون هذا يقتضي أن الله لم يتكلم بحرف أو ليس له حقيقة في ذاته يتميز بها عن مخلوقاته، فليس هذا الكلام؛ أما ما فهمته يا قشيري من هذا الكلام أنه أراد به الشبلي أن الله لا يتكلم بحرف أو أنه ليس له حقيقة وحد يتميز به عن مخلوقاته، هذا أنت الذي فهمته، لكن الشبلي لم يقصد هذا المعنى الذي أنت تريده.
إذ لو أراد ذلك لقال المنزه عن الحدود والحروف. انظر الآن كيف طريقة النقاش؛ قال لو كان قصد الشبلي ما قلته يا قشيري لما قال إن الله معروف قبل الحدود والحروف، لكان شو قال؟ إن الله منزه عن الحدود والحروف. مش بقول إن الله معروف قبل الحدود والحروف؛ هي عبارة وهي عبارة أخرى في دلالتها. ولم يقل قبل الحدود والحروف؛ فإنما كان الرب قبله فهو صفة المخلوق، وأما ما ينزه الرب عنه فهو ممتنع، ليس هو صفة له. فانما كان الرب قبله فهو صفة للمخلوقين، حدود المخلوقين وحروف المخلوقين، وأما لو قال إنه منزه عن الحروف فهذا هو ما يمتنع أن يوصف به الرب، فكل عبارة تؤدي معنى مختلفاً. وأما ما ينزه الرب عنه فهو ممتنع ليس هو صفة له سبحانه، ولا هو أيضاً بعينه سيكون صفة للمخلوق، وإن كان المخلوق قد يوصف بنظيره؛ لأن صفات المخلوق في النهاية تختلف عن صفات الله، أو طبيعة صفات المخلوق تختلف عن طبيعة صفات الله. إذاً هذا أول نظرة في كلام القشيري هنا: أنك يا قشيري فهمت كلام الشبلي خطأ، والشبلي يقصد أن الله موجود قبل وجود مخلوقاته، وأنت فهمته أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم وليس له حد لذاته، وهذا فهم خاطئ.
اثنين قال الوجه الثاني: إن الكلام المجمل من كلامهم يحمل على ما.
يناسب سائر كلامهم. الآن بدنا نقول كلام الشبلي، هذا بدي أقول إنه مجمل، وحقيقة الكلام المجمل المتشابه ما طريقة السلف في التعامل معه؟ أن يرد إلى المحكمات. قال: وهؤلاء أكثر ما يبتلون بالاتحادية والحلولية الذين يجعلون... وهؤلاء -يعني مشايخ الصوفية- أكثر البلاء نزل عليهم من الدخلاء عليهم من الحلولية أو الاتحادية جماعة ابن عربي، نعم، قال: الذين يجعلون الرب حالًا في المخلوقات محدودًا بحدودها، متكلمًا بحروفها، حتى يجعلونه هو المتكلم على ألسنتهم، كما ذكر ذلك أبو القاسم في أول الرسالة لما ذكر ما أحدثه فاسد الصوفية، حيث قال: زال الورع وطوي بساطه، واشتد الطمع وقوي ارتباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، وعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا إلى ميادين الغفلات، وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان.
ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، فادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه، وهم محو، ليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم، خالص، يعني سقط التكليف عنهم، خلاص يعطيهم العافية. نعم، قال: وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكامه البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصد، والقائل عنهم غيره. هذه هي موطن الشاهد، إذا نطقوا، اللي هو الاتحاد، تمام؟ والقائل عنهم غيرهم، اللي هي أن الله حل بهم، فهم إذا تكلموا فليسوا هم المتكلمين. هذه بدأت تدخل هذه الآفة في الصوفية، قضية الحلول أو الاتحاد. وإذا ألاحظ أن القشيري من زمنه مرصود هذا الكلام، بل من قبل زمن القشيري مرصود دخول هذا التيار في الصوفية، فكثير من كلام الصوفية الأسوياء قصدوا به الرد على الصوفية الدخلاء، وهذا كما قلنا في الجنيد قبل قليل لما قال: التوحيد هو إفراد القدم عن الحدوث؛ قال: من أحد مقاصد الجنيد الرد على عقيدة الاتحاد وتبرئة الصوفية منها، كذلك كلام الشبلي هنا لما قال: جل الواحد المعروف قبل الحدود والحروف، قد يكون من مقاصد الشبلي إثبات أن الله قديم وكل ما سواه حادث، فيكون المقصود أيضًا من الشبلي الرد على عقيدة اتحاد الخالق والمخلوق، لها نفس المقصد، ستجد ابن تيمية يحاول أن يقول إن من مقاصد الصوفية الأوائل تنزيه عقائدهم عن عقائد الحلول والاتحاد. هذا ستجد كثيرًا ما يبينه ابن تيمية في كلام الصوفية الأوائل، أن لهم من المقاصد العظيمة تنقية عقيدتهم مما دخل فيها أو مما أدخله أصحاب الحلول أو الاتحاد فيها.
طيب، قال: وهؤلاء قال: بل صرفوا هؤلاء كثيرون في المنتسبين إلى الصوفية مثل ذلك، قتل الحلاج؛ نعم، لأن الحلاج لما قتل على عقيدة الحلول أو الاتحاد التي نسبت إليه، نعم، قال: فالشبلي وأمثالهم يريدون أن يميزوا بين المخلوق والخالق لنفي مذهب الاتحاد والحلول. إذا هي خلاصة، فالشبلي وأمثاله في مثل هذه العبارات يريدون أن يميزوا أنه فيه مخلوق وفيه خالق، ما بصير تقول إنهما شيء واحد، لنفي مذهب الاتحاد أو الحلول، وهو كما نقلنا عن الجنيد قبل قليل: التوحيد هو إفراد القدم عن الحدث، نعم. قال: وكما قال أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب: ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، نفس الشيء، مثل قول أبي طالب المكي: ليس في مخلوقات الله قسم من ذات الله، وليس في ذات الله قسم من مخلوقاته، وهذا أيضًا تبرئة للصوفية من الحلول أو الاتحاد.
طيب، قال: فذكر أنه معروف قبل الحدود والحروف، وهي ما عرف من حدود المخلوقين وحروفهم، وإذا كان معروفًا قبل ذلك لم يكن محدودًا بحدودهم ولا متكلمًا بكلامهم. إذًا جميل، هذا هو المراد، جميل. نعم، قال: الوجه الثالث في مناقشة كلام الشبلي، ما هو؟ قال: إن أصول اعتقاد أئمة الطريق إلى الله لا يؤخذ مما يحكى عن مثل الشبلي. حكينا قبل شوي الشبلي ليس من رؤساء هذا المعتقد حتى تنقل عنه الكلام، الأصل بدك تأخذ عقيدة الصوفية تأخذها من الجنيد من عتاولة الطريق. نعم، قال: لما عرف من حال الشبلي وأنه كان يغلب عليه الوجد حتى يزول عقله، وتحلق لحيته، تخيل يعني أنه كان يكثر وجده لدرجة أنه كثيرًا ما كان يغمى عليه وكانت تحلق لحيته فقيل إنه يأتي مرحلة -باختصار يعني- يصير كالمجنون، المجنون حد بيعمل هالآشياء؟ مش مفهومة، فيحلق لحيته وهو مش عارف إنه حلق لحيته من شدة زوال عقله. نعم، قال: ويذهب به إلى المارستان، والمستشفى المارستان ما هو في قديما والمستشفى من كثر ما يغمى عليه، يعني بالتالي رحمه الله عليه أن يغفر له ويرحمه وأن يتقبل منه، لكن هي فكرة أنه ليس في قمة توازنه، بخلاف الجنيد وهؤلاء المعروف عنهم التوازن في هذا الباب.
نعم، قال: ويسقط عنه التمييز بين الحق والباطل، ومن كان بهذه الحالة لم يجز أن يجعل كلامه أصلًا يفرق به بين أئمة الهدى والضلال، والسنة والبدعة، والحق والباطل، لكن يقبل من كلامه ما وافق فيه أئمة المشايخ وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا منهج إخواني، يعني ابن تيمية بغض النظر نحن صح بنتكلم هنا عن الصوفية لكن يعرفك منهجًا بحثيًا علميًا في الحياة؛ أنه لما أنت تريد أن تؤصل لطريقة معينة بغض النظر شو هي، منهج اليوم الحداثي الفكري العلماني الليبرالي النسوي، لما تريد أن تؤصل لقضية لا تأخذ من حواشي أصحابها، لا، من العدالة والإنصاف أن تأخذ كلام أساطينهم، وأما كلام الحواشي فهذا لا يحتج به على رؤساء الطريقة في أي مذهب من المذاهب. نعم، قال: وأقبح من ذلك أن يعتمد في اعتقاد أولياء الله في أصول الدين على كلام لم ينقل مثله إلا عن الحلاج، وقد قتل على الزندقة، وأحسن ما يقوله الناصر له أنه كان رجلًا صالحًا صحيح السلوك لكن غلب عليه الوجد والحال حتى عثر في المقال ولم يدرِ ما قال.
يعني للأسف سنجد القشيري أحيانًا ينقل عقائد الصوفية من كلام الحلاج، يعني هو الآن هذا، كأن الشيء بالشيء يذكر، لما أراد أن ينتقد ابن تيمية القشيري أنه أنت كيف تستدل على عقيدة الصوفية بكلام الشبلي، قال: ولسه أطم من ذلك عند القشيري أنه أحيانًا يأتي بكلام الحلاج ويستدل به على عقيدة الصوفية، فيقول: وأقبح من ذلك يعني أقبح من استدلالك بالشبلي استدلالك بالحلاج، والحلاج من هو؟ الحلاج رجل قتل على الزندقة، وأحسن الناس ظنًا في الحلاج من هم؟ الذين يقولون إن الحلاج كان رجلًا صالحًا لكن للأسف كان عقله يزول أحيانًا فيقول كلامًا فيه كفر ويعفى عنه لزوال عقله، هذول أحسن ناس اعتذروا للحلاج، فكيف تنقل طريقة الصوفية وعقائد الصوفية عن أمثال الحلاج؟ نعم، قال: حتى ما قال ولم يدرِ ما قال، وكلام السكران يطوى ولا يروى، فالمقتول شهيد والقاتل مجاهد في سبيل الله، يعني فالمقتول اللي هو الحلاج شهيد، واللي قتله إن شاء الله أنه مجاهد معفو عنه عند الله، لأنه هذا سكران، وذاك يريد أن يمنع كلام السكران ينتشر، فالكل إن شاء الله معذور، يعني هذا أفضل من اعتذر للحلاج، قال: هذا الكلام بتروح بتجيب للحلاج وكلامه وتعتبره هو أصول طريقة الصوفية؟ هذا انحراف حقيقة. نعم، قال: دع ما يقوله من ينسبه إلى المخاريق وخلط الحق بالباطل.
نعم، هو لازم تكون فقرة واحدة بس، وليس أحد من مشايخ الطريق لا أولهم ولا آخرهم يصوب الحلاج في جميع مقاله، بل اتفقت الأمة على أنه إما مخطئ وإما عاص وإما فاسق وإما كافر، يعني الأمة حتى مشايخ الصوفية يقول الحلاج في عنده مشكلة، لكن هل هو مخطئ يعذر، فاسق، كافر؟ هنا الخلاف في التوصيف، وهذا مش مطأ ابن تيمية بس، الحلاج ليس إمامًا، يعني هذا القدر المتفق عليه أن الحلاج ليس إمامًا، بالتالي كيف تنقل عقائد الصوفية عن مثل الحلاج؟ وهذه من الأخطاء التي وقع فيها القشيري. نعم، قال: ومن قال إنه مصيب في جميع هذه الأقوال المأثورة عنه فهو ضال بل كافر بإجماع المسلمين، يعني الذي يقول إن كل ما قاله الحلاج صحيح هذا كافر لأن الحلاج له كلام كفري واضح. نعم، قال: وإذا كان كذلك كيف يجوز أن يجعل عمدة لأهل طريق الله كلام لم يؤثر إلا عنه؟ ولا يذكر في اعتقاد مشايخ طريق الله كلام أبسط منه أكثر، وهو ما قال فيه: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، الآن سيأتي ما نقله القشيري في رسالته عن الحلاج، قال القشيري: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن محمد بن غالب، قال: سمعت أبا نصر أحمد بن سيد الإسفنجاني يقول: قال الحسين بن منصور... الحسين بن منصور من هو؟ الحلاج، الحلاج ما اسمه الحسين بن منصور.
قال: ألزم الكل الحدث لأن القدم له. الآن ابن تيمية هنا رح يستفيض، رح يجيب كل كلام الحلاج اللي نقله القشيري وسينقده جملة جملة ويعطيك ما فيه من الإشكالات. قال الحلاج: ألزم الكل الحدث لأن القدم له، كمل، قال: فالذي بالجسم ظهوره، فالعرض يلزمه، والذي بالأداة اجتماعه، فقواها تمسكه، والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه، والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه، ومن آواه محل أدركه عين، ومن كان له جنس طالبه بكيف. إنه سبحانه لا يظله فوق ولا يقله تحت، ولا يقابله حد ولا يزحمه عند، ولا يأخذه خلف ولا يحده أمام، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد، ولم يجمعه كل ولم يجده كان ولم يفتده، ليس وصفه، لا صفة له، وفعله لا علة له، وكونه لا أمد له، تنزه عن أحوال لخلقه، ليس له من خلقه مزاج، ولا في فعله علاج، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم. إن قلت متى فقد سبق الوقت ذاته، وإن قلت هو، فالهاء والواو خلفه، وإن قلت أين، فقد تقدم المكان وجوده، فالحروف آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه. ما تصوّر في الأوهام فهو بخلافه، كيف يحل به ما منه بدا أو يعود إليه ما هو أنشأ؟ لا تماثله العيون ولا تقابله الظنون، قربه كرامته، وبعده إهانته، علوه من غير توقل، ومجيئه من غير تنقل، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب البعيد، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. قلت: هذا الكلام، والله أعلم.
طب الآن هذا كله كلام الحلاج، وصف عقيدة الصوفية، والقشيري اعتمد عليها أو ذكرها كأحد المقولات. الآن ماذا يقول ابن تيمية في تعليقه على كلام الحلاج؟ نعم، قال: قلت: هذا الكلام والله أعلم هل هو صحيح عن الحلاج أم لا؟ فإن في الإسناد من لا أعرف حاله. أولًا ابن تيمية يقول: هل هذا الكلام ثابت عن الحلاج؟ الله أعلم، فإن في الإسناد الذي ساقه القشيري من لا يعرف حاله. طيب، قال: وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة إلى الحلاج من مصنفات وكلمات ورسائل وهي كذب عليه لا شك في ذلك. آه، بدك تكتب الحلاج، وسيأتي يبين أنه لما تكون شخصية الناس دقت فيه وخلص صار مشهور زنديق فصار أي كلام غلط لزقه في ظهر الحلاج، أي كلام غلط حطه ظهر الحلاج وبيتحمل ظهره، خلص قتلوه على الزندقة. فيقول ابن تيمية منصف، هذا الذي يعجبك في هذه الشخصية، أنه ماشي نحن قتلنا الحلاج خلصنا منه، زنديق، مش زنديق هذا شيء، لكن أنه كل مقولة شاردة وواردة ما حدا ملاقي لها أب لزقها في ظهر الحلاج، هذا أيضًا ليس طريقًا سويًا.
نعم، قال: وإن كان في كثير من كلامه الثابت عنه فساد واضطراب، لكن حملوا أكثر مما حمل، كلامه أكثر مما حمله، يعني ما في داعي لهذا الغلو. نعم، قال: وصار كل من يريد أن يأتي بنوع من الشطح والطامات يعزوه إلى الحلاج، لكون محله أقبل لذلك من غيره، هذه هي: لكون محله أقبل لذلك من غيره، يعني هذا الزلمة انعرف أنه صديق أو اشتهر بين الناس قتله فهو محل قابل، كيف جحا، كل قصة نزكها في ظهر جحا، يعني في التفاهات والحماقات، نفس الشيء، أي شطحة وأي كذا قال: الحلاج، وما حدا رح يقول لك وين رايح، لأن الحلاج اشتهر عنه الأخطاء، بالتالي أصبح محله قابلًا لأن ينسب إليه كل غث وسمين. نعم، قال: ولكون قوم ممن يعظم المجهولات الهائلة يعظم مثل ذلك، فإن كان هذا الكلام صحيحًا فمعناه الصحيح هو نفي مذهب الاتحاد والحلول.
طيب، فنقول هذا الكلام الذي ذكره الحلاج إن ثبت عنه فعلًا فحقيقته هو ينفي الحلول والاتحاد، صح، لاحظوا العبارة الأخيرة، ايش قال: كيف يحل به ما منه بدا أو يعود إليه ما هو أنشأ؟
هذا واضح أنه ينفي الحلول، أو كيف يحل في الله ما الله ابتدأه وخلقه؟ إذاً هذا واضح أنه لا يقبل الحلاج -إن ثبت عنه هذا الكلام- ولا يقبل أن يقال بالحلول أو الاتحاد. وإن كان له من أشعاره ما يُفهم منه أنه يقول بالحلول والاتحاد، وإن كان ينقل عنه أشعار كثيرة أنه يقول بالحلول والاتحاد.
قال فمعناه الصحيح هو نفي مذهب الاتحاد والحلول الذي وقع فيه طائفة من المتصوفة، ونسب ذلك إلى الحلاج، يعني حتى الحلاج نُسب إليه الحلول والاتحاد، لكن هذا الكلام إذا صح عنه، فالرجل بريء من هذا. نعم، قال فيكون هذا الكلام من الحلاج ردا على أهل الاتحاد والحلول، وهذا حسن مقبول. وأما تفسيره بما يوافق رأي أبي القاسم في الصفات فلا يناسب هذا الكلام، وقد يقال إن هذا الكلام فيه من الشطح ما فيه، وما زال أهل المعرفة يعيبون الشطح الذي دخل فيه طائفة من الصوفية حتى ذكر ذلك أبو حامد في الإحياء حقيقة.
نعم، يعني جملة هذا المعتقد الذي نقله القشيري عن الحلاج كلها عبارات فلسفية ومليئة بالكلمات المجملة التي تحمل على حق وباطل، وبعضها باطل، فهو نوع من الشطح الذي لا يحتاج إليه. وقد يقال نعم، يقول الغزالي: وهو قسمان، شطح هو ظلم وعدوان وإن كان من ظلم الكفار، وشطح هو جهل وهذيان؛ والإنسان ظلوم جهول، لأن الغزالي في إحياء علوم الدين قسم الشطح إلى نوعين: شطح هو ظلم وعدوان، وشطح هو نوع من الهذيان، والإنسان ظلوم جهول، فظلوم يأتي بالشطح الأول، وجهول يأتي بالشطح الثاني.
قال أبو حامد: وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض المتصوفة، أحدهما الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون قيل لنا كذا وقلنا كذا، يعني خاطبنا الله ربنا، قال لنا كذا ونحن قلنا لربنا كذا، وهذا كله دعاوى عريضة كاذبة، أنهم وصلنا لرب العزة وبالتالي سقط عنا التكليف وصرنا نتكلم مع الله وارتفع عنا الحجاب. قال هذه دعاوى طويلة لا قيمة لها، هذا كلام الغزالي نفسه. نعم، قال ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا، فالحلاج ممن ينسب إليه مثل هذه الدعاوى العريضة بنص كلام الغزالي.
نعم، قال والصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائلة، نعم بيجيك خاطرة كلمات رائعة بس تبدأ تفتش فيها ليس من ورائها طائلة، كلمة منمقة منسقة لكنها من حيث المضمون لا طائل منها. نعم قال وهي إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل حتى اللي تكلم فيه هو مش فاهم شو حكى بس هيك ضبطت معه على سجع معين، أما قائلها هو أصلاً مش فاهمها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشوش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر. وأما أن تكون مفهومة لقائلها ولكنه لا يقدر على تفهيمها، يعني لو أراد أن يشرحها ما راح يعرف يشرحها لك.
نعم، قال: ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان، وهذا حقيقة كثير في كلامهم، يعني اليوم تجد حتى بعضهم على السوشيال ميديا أو كذا بروحوا بجيب لك كلام لشيخ صوفي هيك والناس بتعلق ما شاء الله وهذا سيد العارفين وشمسُه، وكله كلام سبحان الله، كلام الكتاب والسنة واضح مفهوم في متناول اليد يزيدك إيمانا يعطيك شيئا عمليا، وهؤلاء كلامهم يقوم على السجع والعبارات العريضة كما يقول الغزالي، لكن مضمونها في النهاية مضمون إما لا مضمون لها أو مضمون بسيط يمكن عبارات الكتاب والسنة تؤديه بما هو أفضل منه.
نعم، قال قلت: هذا الكلام المحكي عن الحلاج فيه ما هو باطل، وفيه ما هو مجمل محتمل، وفيه ما لا يتحصل له معنى صحيح بل هو مضطرب، وفيه ما ليس فيه معناه فائدة، بل فيه ما هو حق، لكن اتباع ذلك الحق من غير طريق الحلاج أحسن وأشد وأنفع. يعني الآن هذا تقييم عام أولا من ابن تيمية لكلام الحلاج السابق، أنه كلامه السابق فيه ما هو مجمل ممكن يحتمل معنى صحيح، وممكن يحتمل معنى، وفيه ما لا معنى له أصلا، وفيه ما لا يتحصل له معنى صحيح بل هو مضطرب يعني مش مفهوم أصلا، وفيه ما ليس فيه معناه فائدة يبنى عليها، وفيه ما هو حق.
لكن هنا ركز على هذه الطريقة؛ بعض الناس يقول لك يا أخي مش في حق؟ خلاص، إذا خلينا نأخذ ونتداول كلام الحلاج ما هو فيه من جانب حق. ابن تيمية يقول وفيه من كذا ما هو حق، لاحظ ابن تيمية الحق الذي عند الحلاج موجود عند غيره بزيادة، فلا حاجة أن تذهب إلى شخص مبتدع لتأخذ ما عنده من الحق ما دام هذا الحق موجودا عند شخص سني على طريقة سوية، فيقول وإن كان كلام الحلاج فيه ما هو حق لكن اتباع ذلك الحق من غير طريق الحلاج أحسن وأشد وأنفع، هذه مهمة جدا أن تفهمها حتى في تقييم كلام المخالفين.
بعض الناس يقول لك يا أخي كلام الأشاعرة في بعضه صحيح، يا أخي كلام المعتزلة في بعضه صحيح، الصحيح من كلامهم موجود عند أهل السنة ببيان شاف تام، فلست أنا محتاجا أن آخذ الصحيح من كلام الأشاعرة من طريقهم، ما أنا بأخذه من طريقي، ما هو موجود عندي، موجود عند أئمتي، ولا يوجد، هل هناك حق عند الحلاج ليس موجودا عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة؟ لا، ما دام الحق الجزء الحق من كلامك موجود عندي ببيان شاف تام مع نصوص الكتاب والسنة، فإن أخذ هذا الحق من المنبع الصافي أولى من أن آخذه من منبع متكدر، هذه قاعدة تسير عليها في حياتك، أن تأخذ الكلام الحق من المنبع الصافي ومن المنهج الرشيد أولى وأنفع، يقول ابن تيمية من أن تأخذ نفس هذا الحق من منبع متكدر، لأن هذا الحق مشوب بكثير من الباطل الذي تلبس به، قاعدة نافعة حقيقة.
قال فقوله: ألزم الكل الحدث، الآن سيبدأ بها جملة جملة ويعلق عليها، أول جملة قالها الحلاج: ألزم الكل الحدث، قال: لأن القدم له يتضمن حقا وهو أن الله القديم وما سواه محدث، ولكن ليس تعليله مستقيما ولا العبارة سديدة. هنا بيعجبني ابن تيمية حقيقة في أساليب من النقاش الفكري تدل على نباهة ابن تيمية على ذكائه في أخطاء الاستدلال، كيف الاستدلال يكون صحيحا، قال ألزم الكل الحدث، قال لأن القدم له، لاحظ ماذا قال الحلاج إن صح ذلك، وانتبهوا كيف ابن تيمية يفكر بطريقة جميلة، الآن يقول الحلاج: ألزم الله جميع المخلوقات الحدث، علل لماذا؟ وهو بماذا علل؟ ألزمنا الله جميعا أن نكون محدثين، العلة: لأنه هو القديم أو لأن القدم له، هل هذا التعليل صحيح؟ يعني هل الله ألزمنا أن نكون محدثين والعلة في ذلك لأن القدم له، لأن القدم خصيصة له لذلك جعلنا محدثين؟ أم نحن محدثون لأن طبيعتنا لا تقبل إلا أن نكون محدثين بغض النظر عن قضية أن القدم له؟ فهمتم أين الإشكال مشايخنا؟
فابن تيمية يقول هسا صحيح هو سبحانه وتعالى القديم وكل ما سوى الله محدث، نحن متفقون على هذا، لكن ليس تعليله مستقيما، طريقتك في ربط المسألة بهذا التعليل مش صح ولا العبارة سديدة، فإن قوله: ألزم الكل الحدث، ظاهره أنه جعل الحدوث لازما لهم كما تجعل الصفات لازمة لموصوفها مثل الأكوان والألوان وغير ذلك، وليس كذلك، بل الحدوث لهم هو من لوازم حقيقتهم فلا يمكن للمخلوق أن يكون غير محدث حتى يلزم بذلك، بل هذا مثل قول القائل: ألزم المخلوق أن يكون مخلوقا، وألزم المصنوع أن يكون مصنوعا.
حبة حبة، ايش أول خطأ وقع فيه الحلاج هنا؟ قال ظاهره أنه جعل الحدوث لازما لهم كما تجعل الصفات لازمة للموصوف، هناك موصوف وأضفت عليه هذه الصفة، لكن هو الحقيقة هذا الموصوف هو نفسه من طبيعته الحدوث وليس أن هذه الصفة أعطيت له أو أضيفت عليه، لذلك قال وليس كذلك، بل الحدوث لهم هو من لوازم حقيقتهم فلا يمكن أصلا للمخلوق أن يكون غير محدث ما فيش احتمال ثاني حتى تقول خلص أنا بدي ألزمك الحدوث، لا، ما فيش احتمال ثاني أصلا، هو لازم أكون أنا محدث، لازم، بل هذا مثل قولك مثلا ألزم المخلوق أن يكون مخلوقا، لا، ما دام هو مخلوق إنه هو راح يكون مخلوقا فمش داعي تقول إنه ألزم، بس هذا أنا أسميه خطأ في تكتيك العبارة يعني هو خطأ في طريقة التعبير ولا أعتقد أنه في مشكلة في أصل فكر الرجل، أحيانا قد تخون العبارة.
قال واما تعليل والمشكلة الأكبر في العلة حقيقة مش في هذا الموضوع خليني نجي المشكلة الأكبر في التعليل، واما تعليل ذلك بقوله: لأن القدم له، فليس كون القدم له هو الموجب لحدوثهم، يعني هل نحن حادثون لأن الله قديم؟ يعني هل هذا هو الموجب؟ ركز، هل الموجب أننا حادثون لأنه قديم؟ هل هذا موجب للحدوث أم أن الحدوث هو بطبيعتنا وحقيقتنا ولا يصلح لنا إلا ذلك؟ هذا ما يناقشه، فقال: إذ كونه موصوفا بصفة لا يمنع أن يوصف المخلوق بما يليق به من تلك الصفة، كما أن العلم له والحياة والكلام والسمع والبصر، ولمخلوق أيضا علم وحياة وكلام وسمع، فليس اتصاف الله بصفة لا يوجب أن لا تكون هذه الصفة لنا بقدر من الأقدار، كما أن الله متصل بأنه موجود هل لأن الله موجود نحن معدومون؟ لا، نحن كذلك موجودون، هل لأن الله بصير نحكي نحن أموات لأن الله حي؟ غلط، برضه نحن أحياء، فاتصاف الله بصفة لا يعني بالضرورة هيك كقاعدة عامة اتصاف بصفة لا يعني بالضرورة أن المخلوق لا توجد فيه هذه الصفة على قدر يليق به.
فاتصاف الله بالحياة لا يعني أنه نحن ما عندنا حياة، واتصاف الله بالسمع لا يعني أنه نحن ما عندنا سمع، فتعليلك نحن محدثون لماذا؟ لأن الله من صفاته القديم، هذا ليس تعليلا صحيحا، يعني فش تلازم بين هذا وهذا، مش لأن الله موصوف بصفة يعني أن المخلوق لابد وأن يتصف بمعاكستها. كما أن العلم له والحياة والكلام والسمع والبصر، وللمخلوق أيضا علم وحياة وكلام وسمع وبصر، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، فهذه صفة أثبتها لنفسه ولرسوله والمؤمنين عادي جدا. فتعليل إلزام الحدوث لهم بأن القدم له كلام ساقط، إذاً هذا رأي ابن تيمية تعليل لماذا ألزم الكل الحدث لأنه قديم؟ هذا التعليل ساقط.
قال بل المخلوق محدث لنفس ذاته وعين حقيقته، فيقول المخلوق هو محدث لأن طبيعته هو كمخلوق لازم يكون محدثا، بغض النظر هو صح الله قديم ونحن محدثون، نحن التفكير بس تعليلك هذا بهذا مش هو التعليل الصحيح، نحن محدثون لأن عين المخلوق لابد وأن تكون محدثة، لا تربط هذا الموضوع بقضية أن الله قديم، لا هو لأنه مخلوق يجب أن يكون محدثا هذا عين حقيقتك بغض النظر عن قضية القدم الإلهي. مثل كونه مربوبا ومصنوعا وفقيرا ومحتاجا، فإن هذه الصفات الناقصة المتضمنة احتياجه إلى الله وربوبية الله ثبتت له لنفس طبيعته وحقيقته وليس لأن الموضوع مرتبط بصفة من صفات الله.
قال وإلزامه إياه الحدث يقتضي نفي القدم عنه، ونفي أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم وأنه مستغن بنفسه عما سواه، فانتفاء هذه الصفات عنه هو ليس لأمر وجودي ولا لأجل أن الله متصف بها، فمثلا إلزامه.
إياه الحدث؛ لأن الله جعل طبيعتنا حادثة، هذا يقتضي بتلقائية نفي القدم عنا، نفي أن نكون نحن على كل شيء قدير، وأننا نحيط بكل شيء علماً، وأننا نستغني؛ هذا كله يقتضي نفي كل هذه الأمور عنا، فانتفاء هذه الصفات عنه، أي عن الإنسان، ليس لشيء وجودي خارجي اقتضى نفي هذه الصفات عنا، أو لأجل أن الله متصف بأنه على كل شيء قدير إذاً نحن لسنا على كل شيء قدير، أو لأن الله متصف أنه أحاط بكل شيء علماً لذلك نحن لا نحيط، ولا لأن طبيعتنا لا تحيط بكل شيء علماً، لأن طبيعتنا لا يمكن أن تكون قادرة على كل شيء، فلا تربط هذا بهذا. اعلم أن طبيعة المخلوق أنه ليس على كل شيء قدير، وأنه لا يحيط بكل شيء علماً؛ هذا لأنه هو كذلك بدون ارتباط بقضية أن صفة الله معاكسة.
قال: وإلزامه بأن هذه الصفات يمتنع ثبوتها له أي للمخلوق، ولكن قال: ولكن قد تفسر بتأويل حسن كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولكن قد تفسر بتأويل حسن، يعني هي الجملة نفسها يمكن نحملها على محمل حسن، بس نعود إليه بعد ذلك. المحمل الحسن الذي أعتقده أنه يريد أن يحملها على أنه يرد على أصحاب الحلول والاتحاد؛ يعني يمكن أن تحمل على شيء من هذا. المهم نأتي إلى الجملة الثانية من كلام الحلاج قال: وقوله فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه. طيب الآن ماذا قال الحلاج بعد العبارة السابقة؟ قال: فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه. العرض اللي هي الصفة، العرض ما هو؟ الصفة. طيب الآن ابن تيمية يقول شو معنى هذا الكلام، يستشكل أصل هذه العبارة؟ شو يعني الذي بالجسم ظهوره؟ حتى تعرف أنه أحياناً يتكلمون بكلام لا طائل تحته. قال: وقوله فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه؛ هذا الكلام يتضمن ثبوت الجسم، وشيء ظهر بالجسم، وعرض يلزمه. يعني لو بدي أحلل هذه العبارة فيها ثلاث أشياء: فيها جسم، وشيء يظهر بالجسم، وعرض، لأنه قال الذي بالجسم ظهوره، يعني الشيء الذي يظهر بواسطة الجسم، فالعرض الصفة يلزمه؛ إذاً في جسم، وفي شيء يظهر على الجسم، وفي عرض موجود في هذا الشيء الذي ظهر على الجسم.
فإيش يقول؟ قال: وعند الذي نصر أبو القاسم طريقتهم، وسائر أهل الكلام، ليس في المخلوق إلا جسم أو عرض. ها أول مشكلة، القسمة عند المتكلمين قسمة ثنائية مش ثلاثية، جسم وعرض، يعني باختصار جوهر وصفة، كيف أنت خليتها جوهر، وما يظهر على الجوهر وصفة؟ يعني هذا كلام مش مفهوم حتى عند المتكلمين، فالقسمة ثنائية مش ثلاثية، أنت خليتها ثلاثية. طيب نمشي، قال: إذ الجوهر الفرد جزء من الجسم، إذا قال لك الشخص لا بس ما هو يا شيخ في الجوهر الفرد وفي الجسم، ما هو الجسم يتكون من مجموعة من الجواهر الفرده، الجواهر تجتمع وتكون الجسم، فليست هي شيئاً مختصاً، فالجسم ما هو؟ هو مجموعة من الجواهر، إذاً هي في النهاية ستعود إلى جوهر وعرض، ما في شيء ثالث فعلياً. فهذا الكلام لا يوافقه، ثم إنه في نفسه قد يقال هو من جنس الشطح لا حقيقة، يعني هو أصلاً هذا الكلام يقول لك ابن تيمية هو شطح، هو مش فاهم شو معنى هذا الكلام.
لكن المهم قال: فما الذي بالجسم ظهوره؟ هو الجسم أم غيره؟ نعم يعني خلينا نيجي نحلل شو هو الذي بالجسم ظهوره، فهمني إياها؛ هو الجسم نفسه، يعني الذي بالجسم ظهوره هو نفس شكل الجسم، ولا شيء آخر؟ قال: إن كان هو الجسم لم يصح أن يقال الذي ظهوره هو الجسم، فإذا كان قصدك الذي بالجسم ظهوره هو نفس الجسم، إذاً العبارة كلها غلط. قال: وإن كان غيره وسلم ذلك له فما الموجب لتخصيص ذلك بالكلام فيما دون الجسم؟ يعني إذا كان لا الذي يظهر على الجسم شيء مختلف عن الجسم، طيب شو الفائدة أنك خصصته بالكلام؟ لماذا خصصت الذي يظهر على الجسم مش الجسم؟ يعني شو الميزة في هذا الشيء الذي يظهر على الجسم حتى تقول الذي يظهر بالجسم فالعرض؟ لماذا خصصته بالكلام؟ ليش ما قلت خلص العرض يظهر على الجسم وخلصنا؟ فقال: والعرض يلزمه الجسم أبين من لزومه ما ليس بجسم، والعرض ظهوره في الأجسام أبين من ظهوره فيما يظهر بالأجساد إذا صح أنه في شيء يظهر بالأجساد.
قال: ثم إذا قيل إن العرض يلزمه، هو طريقة بعض أهل الكلام المحدث في الاستدلال على حدوث الأجسام بلزوم الأعراض لها، وفي هذه الطريقة من الاضطراب ما قد ذكرناه في موضعه، وليست هذه طريقة المشايخ والعارفين. قضية أنه قال فالعرض يلزمه، هو لماذا ركز على قضية أن الذي يظهر بالجسم فالعرض يلزمه؟ أنه لزوم الأعراض دلالة الحدوث، وبهذا استدلوا على أن العالم حادث بلزوم الأعراض للعالم، وهذه طريقة المتكلمين وفيها إشكال، ابن تيمية انتقده في مواطن كثيرة. قال: ومن أحسن ما يحمل عليه هذا الكلام، أن قائله إن أراد به إبطال مذهب الحلول والاتحاد وظهور اللاهوت في الناسوت، وأن الرب سبحانه ليس حالاً في شيء من المخلوقات، ولا يظهر في شيء من الأجسام المصنوعات كما يقوله من يقول إنه ظهر في المسيح وفي علي وفي الحلاج ونحو ذلك، كما يقوله أهل التعيين منهم، وكما يقوله من يقول بذلك في جميع المصنوعات على مذهب ابن عربي وابن سبعين ونحوهم؛ فقوله ألزم الكل الحدث أي جعله لازماً لهم لا يفارقهم، فلا يصير المحدث قديماً، وهذا من أحسن ما يحمل عليه الكلام.
هذا التاويل الحسن؛ قلت لكم قبل قليل إنه يمكن أن تحمل هذه الجملة على أنه أراد الحلاج إبطال قضية الحلول والاتحاد، وأنه لما قال ألزم الكل الحدث، هي كأنها عودة إلى الجملة السابقة لما قال ألزم الكل الحدث لأن القدم له، أراد أن ينفي احتمالية الحلول والاتحاد؛ لأن الله قديم فالباقي محدث، فهو قصد الإشارة إلى هذا، وليس حقيقة تعليل حدوثنا فقط لأن الله قديم؛ فيقول هذا معنى حسن يمكن أن يحمل عليه الكلام. ولاحظ أننا هنا قفزنا عن قضية وقوله الذي بالجسم ظهوره ماذا يقصد؟ قال: وقوله الذي بالجسم ظهوره، يعني أي شيء ظهر بهذه الأجسام مما يظن أنه الحق، وأنه ظاهر في الأجسام، فالعرض يلزم ذلك الظاهر في الجسم كما يلزم ذلك الجسم، وحينئذ فيكون الظاهر في الجسم بمنزلة نفس الجسم، ليس بأن يجعل أحدهما رباً خالقاً والآخر مخلوقاً بأولى من العكس، وهذا إذاً طريقة أخرى؛ وكأنه أيضاً حمل هذه العبارة الثانية على أيضاً مقصد نفي الحلول والاتحاد.
كيف؟ قول الذي بالجسم ظهوره، يعني أي شيء ظهر بهذه الأجسام مما يظن أنه الحق وأنه ظاهر في الأجسام، فالعرض يلزم حتى ما يظهر على الأجسام كما تلزم الأجسام، وحينئذ فيكون الظاهر في الجسم بمنزلة نفس الجسم، فلا يمكن أن يكون الظاهر بالجسد هو الله؛ كيف؟ كما أقول كما أن الجسم تلزمه الأعراض فالظاهر على الجسم تلزمه الأعراض فكلاهما محدث، والله سبحانه وتعالى لو كان يظهر في جسد أحد منا الله لا يمكن أن تلزمه الأعراض لأنه قديم، فكأنه يريد أن يقول كل ما يظهر على الجسد تلزمه الأعراض كما تلزم الأعراض الجسد، فيستحيل إذاً أن يكون الله يظهر على جسد من الأجساد، لأنه إذا ظهر على جسد ستلزمه الأعراض، وإذا لزمته الأعراض إذاً أصبح الله محدثاً، وهذا خلاف الطريق، نحن متفقين ما تظهر عليه الأعراض أو ما تلزم الأعراض لازم يكون محدثاً؛ فهذه قد يقول ابن تيمية هي طريقة من طرائق الحلاج في نفي الحلول أو الاتحاد ممكن.
وكذلك قوله الذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه، هذا رد على من يقول بقدم الروح أو بحلول الخالق في المخلوق؛ فإن أدوات الإنسان وهي جوارحه وأعضاؤه بها، الآن ما معنى قول الحلاج الذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه؟ ما المراد بالأداة؟ الأداة هي الأدوات التي هي الأعضاء اليد والرجل والقلب والراس، ويقول الآن الإنسان عبارة عن كائن يجتمع من مجموعة من الأدوات، الإنسان عبارة عن يد ورجل وراس وصدر وقلب وما شابه ذلك، فكأن الحلاج يقول هذه المخلوقات التي كل واحد منها عبارة عن مجموعة من الأدوات، فما الذي يمسكها؟ ما الذي يمسك هذا المخلوق أن يزول؟ قال: الذي يعني المخلوق الذي طبيعته بالأداة بالاعضاء اجتماعه، فقواها قوى هذه الأدوات بها يحصل تماسك هذا المخلوق وبدون ذلك يزول، فقواها تمسكه. هذا رد على من يقول بقدم الروح، كيف يكون هذا رد على من يقول بقدم الروح؟ أنه يقول أي مخلوق إنما تماسكه بماذا؟ بقوة الأدوات، فإذا ذهبت هذه الأدوات وقواها ذهب، فليس فيه أن هناك شيئاً قديماً في هذا الإنسان.
قال: وقوى الأدوات تمسك ذلك، فيكون مفتقراً إليها محتاجاً، والمحتاج إلى غيره لا يكون حقاً غنياً بنفسه، فلا يكون هو الله، وليس في هذا تعرض لصفات الحق في نفسه نفياً وإثباتاً، بقول مذهب ورد مذهب؛ لا لصفات الحق، الحق هو الله، وحتى في العبارة السابقة لما قال يظن أنه الحق، ما المراد الحق؟ الله. فالكلام هنا إذاً يقول فهذا ليس فيه تعرض لصفات الحق أي لصفات الله نفياً وإثباتاً، بقبول مذهب ورد مذهب؛ إذ لم يقل أحد من الخلق إن الحق وهو الله عبارة عن مجموعة من الأدوات تجتمع في أحد، قال ما في حدا إلا غلاة المجسمة، وهؤلاء ليسوا محسوبين معنا، إذاً ليس أحد من الخلق يقول إن الحق سبحانه وتعالى يجتمع بأدوات، حتى إن من وصفه بالجوارح والأعضاء من ضلال المجسمة يعني حتى يقول إن ضلال المجسمة لا يقولون إن الله اجتماعه ووجوده باجتماع أدواته، حتى هم لم يعبروا بهذه الطريقة.
قال: إذ لم يقل أحد من الخلق إن الحق يجتمع بالأدوات، حتى إن من وصفه بالجوارح والأعضاء من ضلال المجسمة لا يقولون إن اجتماعه بها، وإن أريد باجتماعه بها أنه لا بد له منها، فقوله فقواها تمسكه، فالآن أي الذي بالأداة اجتماعه إذا قصد الحلاج بقوله الذي بالأداة اجتماعه بأنه لا بد له منها، يعني أنه المراد الذي يحتاج للأدوات ولا يستغني عنها، وإن أريد باجتماعه بها أنه لا بد له منها فسيكون قوله فقواها تمسكه هو مثل قوله أنه لا بد.
كانت الخلاصة أنه قد يحمل أيضاً قوله: الذي بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه؛ من يكون متركباً من أدوات فهو لا بد له منها، وبدونها يذهب ويزول. لا يكون أحدهما إبطالاً للآخر، بل لزوم ذلك عندهم كلزوم صفاته له، وليس في ذلك فقر منه إلى غيره، كما أنه قائم بنفسه غني بنفسه، ولا يقال إنه مفتقر إلى غيره؛ إذ ما هو من لوازم ذاته هو داخل في اسمه، فلا يكون مفتقراً إلى غيره.
ما معنى هذا الكلام؟ إن أريد باجتماعه بها أنه لا بد له منها، فقوله: فقواها تمسكه، ومثل قوله: إنه لا بد له منها، لا يكون أحدهما إبطالاً للآخر، بل لزوم ذلك عندهم كلزوم صفاته له، وليس في ذلك فقر منه إلى غيره. ما معنى هذا الكلام؟ كما أنه قائم بنفسه غني بنفسه، ولا يقال إنه مفتقر إلى غيره، ما رأيكم؟
الشيخ قريب من المعتزلة بالاقتصار على التركيب الذي هو موضوع الاجتماع. إذا افتقر التأكيد إلى عضو لزم التفسير. لنقرب الموضوع أكثر؛ هو إذا قلنا: الذي بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه، إذا قلنا إن المراد بهذه العبارة هو أنه لا بد له من الأدوات، إذا كان المقصود بها، فرضا يعني كان ابن تيمية يقول: إذا كان المقصود ما كان بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه، لو قلنا إن معنى الذي بالاداة اجتماعه ليس أنه سبحانه وتعالى يتركب من أدوات، لا قلنا معنى اجتماعه أنه لا بد له منها؛ هل هذا المعنى ينفى عن الله تماماً؟
الآن نحن نأتي ونقول: ما الإشكال الفكري في قضية اجتماع الأدوات؟ أن اجتماع الأدوات يحتاج إلى وجود مركب خارجي، ووجود مركب خارجي معناه أنك مفتقر. لما الإنسان نقول إنه يحتاج إلى من يجمع أدواته، اجتماع الأدوات بمعنى تلاصقها وتركيبها يحتاج إلى مركب خارجي، ومن كان محتاجاً إلى مركب خارجي فهو مفتقر، وهذا لا يمكن أن ينسب إلى الله. لكن إذا قلنا: المقصود بالاجتماع أنه لا بد له منها فقط، لا بد له منها، مش معناه أنه مفتقر إلى مركب، فهنا الاحتياج من الشيء ومن داخل الشيء وليس من أمر خارجي، وبالتالي لا إشكال في أن يوصف الله سبحانه وتعالى كفكرة عامة. لا إشكال أن نقول إن الله سبحانه وتعالى له وجه ويد وما شابه ذلك، لأن هذه كانت من النقاشات التي يناقشها ابن تيمية مع المخالفين؛ أنهم يقولون: إذا قلتم إن الله له وجه ويد، عرفتم أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعين، إذاً هو مفتقر إلى مركب لأن هذه عبارة عن أدوات. طبعاً نحن لا نقول إنها أدوات، هذه عبارات حادثة، بس هو في النقاش الفلسفي الكلام هنا أنهم يقولون لنا ويعترضون علينا: إنكم يا أهل السنة والجماعة تثبتون الوجه، تثبتون اليد لله، تثبتون القدم، تثبتون العين، هذا يقتضي أن هذه أدوات، والأدوات تركب، والتركيب يحتاج إلى مركب، إذاً الله مفتقر إلى شيء من خارجه يركبه، وهذا يدل على أنه لا يصلح أن يكون إلهاً لأنه هناك من يكون سابقاً عليه.
فيقول ابن تيمية: لا، هذا يمكن أن يحمل الكلام بطريقة أخرى، أن نقول: إذا قلنا إن هذه الأدوات لا بد منها، هو وصف نفسه بها، فلا بد منها لله، لكن هذا لا يعني أنه مفتقر إلى مركب خارجي يركبها، بل هو من ذاته لذاته. هذا معنى قوله: وإن أريد باجتماعه بها، إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى له وجه ويد، إذا قلنا معنى: وإن أريد باجتماعه بها أنه لا بد له منها، فقوله: فقواها تمسكه، هو مثل قوله: إنه لا بد له منها. يعني إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى لا بد له منها من وجه وعين ويد، فقولنا إنه لا بد له منها هو يقارب قول الحلاج هنا: الذي بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه، فلا يكون أحدهما إبطالاً للآخر.
هل قول الحلاج لا يقصد أو يمكن أن يفهم منه نفي اتصاف الله سبحانه وتعالى بالوجه واليد؟ لذلك قال: لا يكون أحدهما إبطالاً للآخر. يعني أنا أريدك أن تفهم هذه العبارة: ما معنى قول ابن تيمية هنا لا يكون أحدهما إبطالاً للآخر؟ هل قولي: ما بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه، هل يلزم من هذا إبطال أن يكون الله سبحانه وتعالى له وجه وعين ويد؟ هل إثبات أن المخلوق بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه، هل يقتضي إذاً يلزم من هذا أن الله عز وجل لا يجوز أن يكون له وجه ويد؟ ليه؟ لأنه المخلوق اجتماعه بهذه الأدوات، فقواها هذه الأدوات هي التي تمسك المخلوق، وإذا فرطت فرط، إذاً لا يجوز إذاً أن نصف الله سبحانه وتعالى بأن له وجهاً، لأن هذه ستكون أدوات، وبالتالي ستكون قواها تمسكه، وبالتالي هذا لا يجوز أن يتصف به الله. خلاص، إذا أنت تنفي الوجه واليد كله عن الله؟
يقول ابن تيمية: لا، ما فيش، هذا لا يلزم منه هذا، لماذا؟ لأنه إن أريد باجتماعه بها، إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى له، وهذا كلام يطرح في الأروقة العلمية ولا يطرح أمام العامة، يا جماعة هنا ابن تيمية يستخدم عبارات شوي مخيفة، يناقش نقاشاً فلسفياً علمياً، لا يطرح هذا الكلام أمام العامة، لكن أنتم طلاب علم تفهمون ما أقول. إن أريد باجتماعه بها، شو يعني اجتماعه سبحانه وتعالى بها؟ يعني إذا قيل إن الله له وجه وعين ويد، وهذه الصفات ثبت الكتاب والسنة أنها قيل، بس هيك في النقاش الفلسفي، اه يا جماعة مش إن قيل باجتماعه بها أن المراد باجتماعه بها أنه لا بد له منها، بس هذا الذي نقصده بكلمة الاجتماع؛ إن قيل إنه سبحانه وتعالى مجتمع بها أي أنه لا بد له منها، وأنه وصف نفسه بها فلا بد له منها، فقوله: فقواها تمسكه في جانب المخلوق، هو يقابله في جانب الخالق: لا بد له منها.
فقوله: فقواها تمسكه في جانب المخلوق، هو مثل قولك في جانب الخالق: لا بد له منها، فلا يكون إثبات هذه الجملة في حق المخلوق -جملة الحلاج: الذي بالاداة اجتماعه فقواها تمسكه- يستلزم إبطال وجود الوجه والعين لله سبحانه وتعالى، هذا لا يعني أن هذا ينفي هذا، فلا يكون أحدهما إبطالاً للآخر، بل لزوم ذلك عندهم كلزوم صفاته له؛ يعني لزوم أن المخلوق قوامه باجتماع أدواته وهي تمسكه، كما أن هذا لازم للمخلوق، فمن لوازم الخالق اتصافه بالوجه، وهذا ملازم للمخلوق وهذا ملازم للخالق، وليس في ذلك فقر. طب لو قلت يا شيخ: هذا لا يلزم منه افتقار الله إلى مركب إذا قلت إن الله اجتماعه بهذه الصفات؟ لا، هذا لا يعني أنه يحتاج إلى مركب خارجي، ولا يقال إن هذا سيؤدي إلى أنه مفتقر سبحانه إلى غيره، إذ ما هو من لوازم ذاته الذي لا يمكن أن تكون ذاته إلا بها هو داخل في اسم الله، فلا يحتاج إلى شيء خارجي. هو باختصار لم يحتج إلى غيره بل هو منه لذاته، فلا يكون مفتقراً إلى غيره، وهذا الذي يهمنا في باب الاستدلال: أنه لا يجوز أن يكون الله متوقفاً أو مفتقراً إلى شيء خارج عنه، أما شيء من ذاته لا بد له منه من لوازم ذاته يدخل تحت اسم الله، هذا لا إشكال فيه في النقاش.
لو قلت: الذي بالحياة اجتماعه، فقواها تمسكه، هو الذي يجعله يفعل ذلك، إن كنت فما ستقول؟ لا هذا لا يصح، فما ستجيب عنها هنا؟ نفس الشيء أجيب عنها في الأداة، يعني لو قال: لماذا يفعل حي؟ فانت جعلته محتاجاً للحياة حتى يفعل. هل هذا صحيح؟ أنت جعلته محتاجاً للحياة مثلما جعلته محتاجاً للأداة، ستقول: لا، الحياة هي من لوازم ذاته. لذلك هو لا يقرن المحتاج له. أنا فهمت القسم الأخير أنه لا يقال إنه، الحياة هي شيء من لوازم ذاته وطبيعتها، فلا يقال إنه محتاج إلى شيء خارجي فيها، بس أنا بحاول أفهم أنت كيف تسقطها هنا نفس الشيء؟ شيل كلمة الأداة، الذي بالحياة اجتماعه، فقواها تمسكه، لا، العبارة خطأ، كما أنت قلت العبارة في الحياة خطأ، أحسنت. إذاً بدك تقول: إذا أنت عندك مشكلة في إثبات الوجه واليد لله لأن هذه أدوات المخلوقين، فأسقطها على الحياة؛ كما أن هذه الحياة موجودة وهي موجودة في الله سبحانه وتعالى، بس بما يليق بالله، بدون احتياجه إلى شيء آخر، فكذلك الأداة كما هي موجودة في المخلوق بما هي من صفات المخلوق، هي موجودة في الله بما يليق بأمر الله.
لو قلت له: الزم كل مبكم لأن سمع، هل ستسلم عبارة؟ لا طبعاً، إذا لم تسلم فيها كذلك، أنا فهمت عليك نعم. فإذاً نفس الشيء، إذا ألزم المخلوق الأدوات فهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى ليس له وجه، لا، هذا مش صحيح؛ لأنه كما أنك لو قلت إن هذا المخلوق له حياة، فلا يعني بالتالي نفي الحياة عن الله سبحانه وتعالى، فاهمك صح أنا هيك إن شاء الله.
قال: وكذلك قوله: والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت، قال: هذا منطبق على إفساد مذهب الاتحادية. قال الحلاج: الجملة التي تليها، هذا يا إخوان هذا النقاش يقوي الذهن ويشحذه أن تفهم طرق النقاش والاستدلال والإبطال وكيف العلماء يرد بعضهم على بعض بشكل علمي. قال: الذي يؤلفه وقت يفرقه وقت، هذا منطبق على إفساد مذهب الاتحادية، إذاً لاحظ أن ابن تيمية يحمل كثير من عبارات الحلاج، مش فقط العبارة الأخيرة، على أن من مقاصد الحلاج منها إبطال مذهب الحلول والاتحاد.
قال: فإن الآدمي يكون تأليفه وتركيبه في بعض الأوقات، كما يكون تفريقه في بعض الأوقات، فلا يكون التأليف ولا التفريق لازماً له؛ لأنه هو أحياناً متفرق لما يموت، وأحياناً متألف وهو عايش، إذاً ما فيش ولا واحدة منهم صفة لازمة. الصفة اللازمة التي لا تنفك، وهذا ليس من صفات المخلوق. نعم، قال: بل هو محتاج فيه ما إلى غيره، وكذلك ما يقال إنه يتحد فيه أو يتحد به من اللاهوت، هو مفارق له في وقت آخر.
وأما قوله: الذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه؛ فهذا كلام حسن وهو حق، وكل ما سوى الله فإنما يقيمه غيره. وأما قوله: الذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه؛ يعني الذي المحتاج إلى غيره فالضرورة تمسه، فهذا كلام حسن وهو حق؛ لأنه كل ما سوى الله فإنما يقيمه الله سبحانه وتعالى، كل ما سوى الله هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فكل ما سوى الله من يقيمه غيره، والغير هو الله.
قال: والله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي يقوم بنفسه ويقيم كل شيء، وكل ما يقيمه غيره فهو مضطر إلى ذلك الغير، فهذا معنى في الضرورة تتمسه. شو يعني في الضرورة تتمسه في كلام الحلاج؟ الضرورة يعني الاضطرار إلى الغير، أنه لا يمكن أن يقوم إلا بغيره. نعم، قال: وكل ما يقيمه غيره فمضطر إلى ذلك الغير، فلا يكون رباً، وهذا فيه دلالة على أنه ليس في شيء من الإلهية والربوبية، إذ الضرورة لازمة لهم كلهم، ليس هناك شيء من المخلوقات فيه شيء من الإلهية والربوبية؛ لأنه كل المخلوقات مضطرة إلى الله، إذاً لا يمكن أن تكون محلاً للإله أو يتحد بها الإله، لأنه لو كانت مع يتحد بها اللاهوت وينزل بها سيكون فيها جانب من عدم الاضطرار، فهو كان هذا أيضاً نفي لقضية الحلول والاتحاد. وهذا فيه دلالة على أنه ليس في المخلوق شيء من الإله والرب؛ لأنه لو كان فيه شيء من الإله والرب، لكان هذا الجزء الضرورة لا تمسه، ونحن قلنا إن كل شيء في المخلوق الضرورة تمسه.
وأما قوله: الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه، فقد يقال فيه شيئان. الآن خلينا نفكر في هذه العبارة قبل ما تدخل في مناقشتها: الذي الوهم يظفر به، الوهم العقل، هل يمكن للعقل أن...
يظفر بتخيل الإله، قال: «الذي الوهم يمكن أن يظفر به فالتصوير إذاً يرتقي إليه». إذا كان الوهم يمكن أن يصل إلى ذات الله، إذاً يمكن أن يتصور شكل الله. فهل الوهم الذي هو العقل يمكن أن يظفر بذات الله؟ لا، فبالتالي لا يمكن أن تتصور الله سبحانه وتعالى بشكل من الأشكال.
لكن كيف يمكن أن تُحمل هذه العبارة على معانٍ مختلفة؟ قال: قد يقال فيه شيئان؛ أحدهما: أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة، لكن هذا لا يدل على فساد ما يتوهم ولا على فساد الصورة.
والثاني: أن يكون المراد بالتصوير تصوير الإنسان في نفسه له، فيكون تصويره مثل ظفر الوهم به، فيعود الأمر إلى أن يقال: ما يتوهمه العبد فقد تصوره، وهذا لا فائدة فيه.
إذاً الفهم الأول لهذا النص أن ما يتوهمه العبد، أي شيء يتوهمه العبد ويتخيله بعقله، لا يكون إلا ضرورة مصورة. لكن العبارة ستكون مشكلة على هذا؛ لأنه "لكن هذا لا يدل على فساد ما توهمه العقل ولا على فساد تلك الصورة"، فالكلام ليس تاماً بهذا المعنى.
نرجع لنناقش المعنى الثاني، أن يكون المراد بالتصوير تصوير الإنسان في نفسه له، أي فهمت الشيء الذي يتوهمه تصوير الإنسان في نفسه للشيء الذي توهمه، فيكون تصويره مثل ظفر الوهم به، فيعود الأمر إلى أن يقال ما يتوهمه... ما الخلاصة؟ خلاصة الجملة معناها: ما يتوهمه العبد، أي شيء توهمته أنت، تصورته.
هل هذا فيه فائدة؟ يعني بقول لك مفهوم؛ أي شيء أنت بتتوهمه وتتخيله أنت، أكيد عملت له صورة ذهنية في داخلك. يعني أنا بدي أتخيل حصاناً وله جناحان، تخيلي هو معناته تصويري لهذا الشيء مباشرة، فيقول لك لا فائدة من هذا الكلام لأنه معلوم ضمنياً؛ أنه أي شيء أنت تحاول أن تتخيله، أنت ماذا تفعل في قواك التخيلية؟ أنت تصوره.
ليست عبارة عالية بهذا المعنى، وذلك أن التصوير إما أن يراد به أنه في ذاته مصور، أو يراد أن العبد تصوره في نفسه. كلمة التصوير هنا مشكلة؛ فإما أن يقصد بها أن الشيء في ذاته، في حقيقته، مصور له صورة، وقد يقصد أحياناً بالتصوير أن العبد هو تصوّر في نفسه شيئاً وصنع صورة. هذا محتمل وهذا محتمل.
فماذا قصد الحلاج بكلمة "في التصوير ويرتقي إليه"؟ هل قصد المعنى الأول ولا الثاني؟ الآن التصوير له معنيان: إما أن يكون المراد بالتصوير أن الشيء له صورة حقيقية في الخارج، وإما أن يكون المراد بالتصوير أن العبد تصوره في نفسه.
سأضع الاحتمالين في كلام الحلاج؛ إذا قلنا الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه، وإذا قلنا التصوير بالمعنى الأول، أي أن الشيء له حقيقة في الخارج، فكل ما الوهم يمكن أن يظفر به فله صورة حقيقية في عينه. أما المعنى الثاني للتصوير، وهو أن يتصوره في داخله، فهذا هو المعنى الذي قال ابن تيمية لا فائدة منه؛ إذا قلنا المراد: الذي يتخيله الوهم فقد تصوره الوهم، فهذه ما فيها فائدة لأنها مفهومة ضمنياً.
فماذا قصد الحلاج في كلمة التصوير هنا؟ هل قصد المعنى الأول؟ ترى ممكن يكون الحلاج قصد: الذي الوهم يظفر به فلا بد أن له صورة، التصوير يرتقي إليه، أي لابد أن يكون قابلاً أن يكون له صورة في الخارج.
قال: «إذ ليست الصورة إلا عينية خارجة موجودة في الخارج، أو ذهنية في نفس الإنسان ونحوه مما يتصور فيه، والكلام إذا كان تكراراً بلا فائدة كان من الشطح، وإن كان بلا حجة كان دعوة بلا حجة». هذا يمكن على اعتبار المعنى الثاني.
أنا هنا أرى أن هذين الاحتمالين؛ "أن التصوير إما أن يراد به أنه في ذاته مصور" أو "أن المراد أن العبد تصوره في نفسه"، هما اللذان فسروا المقولة بشيئين. الاحتمال الأول هو أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة، أي أن شيئاً له صورة بعينه. والاحتمال الثاني أن يكون المراد بالتصوير أن يصوره الإنسان في ذاته، فتكون معنى الجملة: ما توهمه الإنسان فقد تصوره الإنسان.
لماذا جعل كلام الحلاج محتملاً لشيئين؟ لأن كلمة التصوير هنا مشتركة؛ تحتمل أن يكون المراد بالتصوير أن يكون له صورة حقيقية في عينه، أو أن يكون المراد بالتصوير توهم الإنسان له، وبالتالي أصبح هناك فهمان لكلام الحلاج.
الفهم الأول: أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة، لكن هل توهمك له يعني بالضرورة أنك أدركت صورته حقيقة في الخارج؟ لا، لأنك ممكن... باختصار حتى أفهمك أكثر: توهم الإنسان وتخيله لذات الله يقتضي ضرورة أن هناك ذاتاً لله، لكن هل كل ما سيتوهم وتتخيله يعني بالضرورة أنك توهمت هذه الصورة على حقيقتها؟ لا، وبالتالي أصبح الكلام قليل الفائدة لأن...
نحن ما عندي مشكلة أن نقول إن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة، لكن ما وصلت إليه بوهمك ليس بالضرورة أن ينطبق على الصور الحقيقية كما هي؛ لأنه يمكن أن تتوهم شيئًا له صورة، لكن توهمك لا ينطبق على تلك الصورة كما هي في الخارج. لذلك قال: لكن هذا لا يدل على فساد ما يتوهمه، أنه قد يكون، ولا على فساد الصورة.
هل هذه مقدمة صراحة أن كل ما يتوهمه العبد فله صورة في الخارج سواء طبقت أو لم تطبق؟ أنت قصدك ممكن واحد يتخيل شيئًا لا وجود له في الخارج؟ خليني أقول: يقبل الوجود أو لا يقبل الوجود. آخر شيء لا يقبل الوجود، والدليل على أنه لا يقبل الوجود مثلاً واحد يتصور ظلم الله عز وجل، هذا دل على أنه غير قابل الوجود أصلاً.
وهل هذا التصور صحيح؟ يعني هل قصدك شخص توهم ظلم الله؟ نعم، فأنت تريد أن تقول إذا توهمت ظلماً هذا ليس له وجود في الخارج. والدليل على امتناع وجوده ليس أنه حتى يقبل أو لا يقبل الوجود.
شيخنا، هو آخر شيء بالكلام قال: «إما أن يكون تكرارًا، والكلام إذا كان تكرارًا بلا فائدة كان من الشطط التي هي الحالة الثانية، وإن كان بلا حجة كان دعوة التي هي الأولى». كيف يكون الأول بلا حجة؟ ليس بلا حجة، بل دليل على امتناع إفراد منه. لا، هو ليس بقول لك وإن كان بلا حجة كان مجرد دعوة، أن ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة، لكن هذا لا يدل على فساد ما يتوهم ولا على فساد الصورة.
نعم، هذا لا يدل على فكرة الصورة من أصلها، يعني ليس الصورة التي خطرت في ذهني، الصورة الخارجية. أنت قصدك قالت بحكي الذي كذا فكذا، فالنتيجة إيش؟ إذاً الله ليس كذا؟ لا، هو شو هو؟ جيد. يعني خلينا ننطلق من هذا أنه هو عم يحاول يفسر الكلام، مش عم يحاول يؤصل؛ فهذا مهم جداً أنه حاول يفسر الكلام.
فهو لما قال: فقد يقال فيه شيئان؛ أحدهما: أن قصد الحلاج أن كل ما يتوهمه العبد لا يكون إلا ضرورة مصورة في الخارج، فهذا الكلام دعوة لا حقيقة لها، لأنه مين قال لك أنه في ارتباط؟ هو يريد أن يقول لك أنه قد يكون للممتنعات قد تتصور حتى الممتنعات. حتى يفهم الجمهور معنى ماذا يقصد، وكأنه يقصد الآن أن كلام الحلاج أولاً: أنه ما يتوهمه العبد لابد أن يكون ضرورة مصورة في الخارج. هل هذه القاعدة الصحيحة؟ هو في الأخير لما قال: «وإن كان بلا حجة كان دعوة»، أظن أنه ينسف هذه القاعدة من أولها؛ أنه لا يوجد تلازم بين أنك توهمت الشيء وبين وجود صورة له في الخارج، بل أنت قد تتوهم أشياء لا وجود لها في الخارج. فقولك: «الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه» هي عبارة عن دعوة لا حجة عليها.
أظن هذا هو فعلاً الخلاصة الصحيحة لهذا الكلام؛ أنه من قال إن كل شيء توهمه الإنسان فلا بد وأن يكون له حقيقة في الخارج، أنت ممكن تتوهم أشياء ليس لها حقيقة في الخارج، وبالتالي نعم هذا الكلام بهذه الطريقة وبهذا التحليل يكون صحيحاً، والله أعلم.
طيب، قال العبارة: «الذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه». ينفي عن ماذا؟ أظن أنه يريد أن يقول إنك لن تستطيع بوهمك أن يصل إلى تخيل ذات الإله، فلن تستطيع أن تتصوره في الخارج كما هو. يمكن أن يقول هكذا: لم تستطع أن... أي شيء الوهم يظفر به. طبعاً أنت في النهاية برضه على التفسير الأول أو على التفسير الثاني، أنه حتى ابن تيمية لم يجزم على أي التفسيرين، مشى مع الحلاج.
لكن لو أنني أردت أن أفكر فيها بهذه الطريقة: «الذي الوهم يظفر به» أي الذي يمكن للخيال أن يتخيله، «فالتصوير يرتقي إليه». إذا قلنا التصوير بمعنى له حقيقة في الخارج، ماذا سيكون المعنى؟ طبعاً هي كل العبارة غلط أصلاً، وأقول لك كلام غلط، بس بدي أحاول نفهم الحلاج. «الذي يظفر به الوهم فلا بد وأن يكون له صورة في الخارج»، لكن هل هو يقصد أن الله سبحانه وتعالى بمفهوم المخالفة ما دام لا يظفر به الوهم إذن ليس له صورة في الخارج؟ لا، هو إذا قلنا بالعكس أنه يريد أن ينفي الحلول والاتحاد، ويريد أن يبين أن هناك ذات لله منفصلة عن ذوات المخلوقين.
كلامه لما قال إنه لا صفة له... أنا في حقيقة الأمر وأنا أقرأ هذا الكلام سابقاً كان في ذهني شيء يتعلق بمعنى كلام الحلاج؛ يعني لما يقول: «والذي الوهم يظفر به»، إذا كان الوهم يستطيع أن يظفر بذات فانت بالتالي تستطيع أن تتصوره وأن تتخيله، ولكن الوهمي لا يستطيع أن يظفر بذات فلا أستطيع أن أتصوره ولا أن أتخيله. وهذا المعنى في اعتقادي صحيح، إذا قلنا التصوير بمعنى قدرتك أن تتصور هذه الذات كيف هي. نحن لا نستطيع أن نتكلم في صفات الله في كيفيتها لأننا نجهل الذات، فكأنه يقول: الذي الوهم يستطيع أن يظفر به، هل وهمك يستطيع أن يظفر بذات الله؟ فإذا قلت: «الذي الوهم يظفر به فانت تستطيع أن تتصوره»، ووهمنا لا يستطيع أن يظفر بالله، إذاً لا يستطيع أن يتصور ذات الله سبحانه وتعالى. وهذا قد يساعد أيضاً في نفي الحلول والاتحاد.
نعم، هذا المعنى الثاني. لا، أنا عم أعطي معنى ثالث صراحة. المعنى الثاني يقول إنه لا فائدة تحته، يعني هو قصدك أنه ما يتوهمه الإنسان فقد تصوره، صح؟ على هذا المعنى ممكن... يعني إذا الشيء الذي يظفر به الوهم، لذلك أنا أقول ابن تيمية وهذا لا فائدة فيه، يعني أشعر أنه يمكن يناقش ابن تيمية هنا في قضية هذا لا فائدة فيه؛ لأنه مش عم يعطيني معلومة عامة حتى تقول إنه لا فائدة فيه. يمكن يكون مقصد الحلاج أنه أي شيء يظفر العقل به، إذا معناتها أنا استطعت تصورها أو أشكل لها تصور.
هل يمكن أن يظفر الوهم به؟ لا، من البداية إذا لم يمكن أن تشكل له صورة في ذهنك، فلا يمكن أن تشكل صورة في ذهنك، وهذا الكلام خطأ وليس صحيحًا. الحقيقة أنه فقوله لا فائدة فيه إذا حملت على عبارة مجردة، أي أن الذي يتوهمه العقل يتصوره.
أعتقد أن لها معنى في قضية أنه يريد أن يقول إن الله لا يمكن أن يتصور، وبالتالي يمكن من ضمن سياق ابن تيمية وهو نفي الحلول والاتحاد، أن هذا من مقاصد كلام الحلاج؛ وهو أنه من ضمن قضية عدم تصور ذات الله أنك لا تستطيع أن تقول إن الله يحل في المخلوق. كيف تصورت أنه حل في المخلوق لولا أنه في نوع من التشكل والوهم؟ فاستطاع أن تستنتج قضية إمكانية حلوله أو اتحاده. الأصل ما دمت لا تعرف ذات الله والوهم لا يصل إليها، أنك لا تدخل في متاهات الحلول ولا الاتحاد؛ أنت لا تعرف شيئًا عن ذات الله، فكيف تزعم أنه يمكن أن تحل هذه الذات في ذات المخلوقين؟ يمكن أن يكون هذا الكلام هو ضمن ترتيب قضية نفي الحلول والاتحاد، والله أعلم.
قال: وقوله «من آواه محل أدركه أين»، استدلال منه على انتفاء إيواء المحل بانتفاء الأين، وهذه حجة ساقطة واضحة من البداية. «من آواه محل»؛ أي محل مخلوق، نقول أدركه أين؟ وكأنه يريد أن يقول لا يجوز أن يحوي محل لله؛ لأنه لا يجوز أن يسأل عنه بالأين، وهذا خطأ. النبي ﷺ قال للجارية: «أين الله؟»، فالاستدلال بهذا على هذا خاطئ.
قال: وهذه حجة ساقطة، فإن العلم به أظهر من العلم بانتفاء الأين عنه، فإن عامة أهل السنة وسلف الأمة وأئمتها لا ينفون عنه الأين مطلقًا؛ لثبوت النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ بذلك سؤالًا وجوابًا. فقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، وكذلك قال ذلك لغيرها. وقال له أبو رزين العقيلي: «أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟» قال: «في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء».
ومن نفى الأين عنه يحتاج إلى أن يستدل على انتفاء ذلك بدليل؛ الذي يقول لا يجوز أن يسأل عن الله بالأين هو الذي يحتاج إلى دليل، فكيف تجعل نفي الأين هو الدليل؟ أنت الذي تحتاج أن تثبت أصلاً أنه لا يجوز أن يسأل عن الله بالأين.
قال: أما أن يجعل انتفاء الأين عنه دليلاً فهذا لا يقوله عاقل. ومن نفى الأين قال: لأن الأين سؤال عن المكان، فيقول: والله ليس في مكان؛ لأن المكان لا يكون إلا للجسم، والله ليس بجسم؛ لأن الجسم لا يكون إلا محدثًا ممكنًا، فلا بد له من هذه المقدمات أو ما يناسبها. ثم المثبت لما جاءت به السنة من السؤال بالأين، قال: يرد عليه بمنع بعض هذه المقدمات والتفصيل فيها أو بعضها.
هذه المقدمات مثلا قولك: الذين يقولون إن الله ليس له أين، يقولون: لأن إذا قلت أين إذاً أنت تقول عن المكان، والمكان لا يكون إلا للجسم. طيب، ما معنى الجسم؟ فبالتالي إذا قصدك بالجسم الذات، فالمكان للذات، والله عز وجل ذات، فبالتالي هذه المقدمات؛ لأن المكان لا يكون إلا للجسم والله ليس بالجسم، هذه كلها تحتاج إلى تفصيل، وشوف ماذا تقصد بالجسم، وماذا تقصد في قولك إن المكان لا يكون إلا للجسم، وماذا تقصد بالمكان أصلاً؟ هل تقصد المكان شيئًا مخلوقًا أم جهة؟ إن كلمة المكان تطلق على الجهة وتطلق على الشيء المخلوق، فكل هذه المقدمات هي محل نقاش وليست مسلمات.
قال: مثل أن يقال مكان يراد به ما يحيط بالشيء، والله لا يحيط به مخلوق، أو يراد به ما يفتقر إليه الممكن. شايف؟ كلمة المكان يراد بها أحيانًا ما يحيط بالشيء، ونحن متفقون أن الله لا يحيط به مخلوق. وقد يراد بالمكان ما يفتقر إليه الممكن، والله طبعًا لا يفتقر إلى شيء خارج عنه. وقد يراد بالمكان ما يكون الشيء فوقه، وهل الله فوق شيء؟ نعم، الله فوق عرشه. ففي مشكلة إن يكون مرادًا بالمكان هذا، والله فوق عرشه وفوق سبع؛ فلا يسلم إذاً نفي المكان بهذا التفسير.
قال: ونقول قد وردت الآثار الثابتة بإثبات لفظ المكان، فلا يصح نفيها مطلقًا، وكذلك نقول في سائر المقدمات. فظهر أن هذا الكلام لا تصح دلالته إلا أن يراد به نفي الاتحاد والحلول؛ فيكون المعنى لو آواه بطن مريم أو جسد واحد من البشر كما قد يقول بعض الحلولية، لكان الأين يلزمه كما يلزم محله.
إذا أراد أن يصحح كلام الحلاج، فيكون قصده نفي المكان للمخلوق؛ أي لو آواه بطن مريم كما يقولون -والعياذ بالله- أو جسد واحد من البشر كمن يقول بعض الحلولية، لكان الأين يلزمه لزوماً تاماً كما يلزم المحل الذي حل فيه، لكنه الأين المخلوقية. ففرق بين أحدهما والآخر؛ فكما أن بطن مريم يسأل عنه بالأين، لكان الله يسأل عنه بالأين. وكأنه يقول: لو كان الله يحل في مخلوق من المخلوقات، للزم السؤال عنه بالأين كما يلزم السؤال عن هذا المكان للمخلوق: أين هو؟ فهذا معنى قوله: «من آواه محل أدركه أين»، أي من آواه محل مخلوق أدركه الأين. فيكون المعنى لو آواه بطن مريم أو جسد واحد من البشر كما يزعم غلاة الحلولية أو الاتحادية، لكان الأين يلزمه لزوماً تاماً كما يلزم المحل الذي حل فيه، لكنه الأين المخلوقية.
ففرق بين أحدهما والآخر في جعل فقوله: «من آواه محل أدركه أين؟» يريد أن يقول: ما دام الله سبحانه وتعالى لا يوجد داخل محل مخلوق، إذاً لا يسأل عنه بالأين المخلوقية. لكن هل يجوز نفي الأين عن الله مطلقًا؟ لا، هذا لا يصح.
قال: وأما نفس المعنى المقصود بنفي إيواء المحل عنه فإنه صحيح؛ إذا قصد به أنه لا فوقه شيء من المخلوقات فتحيط به، أو أن يكون الرب مفتقراً إليه، وأما نفس المعنى المقصود بنفي إيواء المحل عنه فإنه صحيح إذا قصد به أنه لا فوقه شيء، أو أن يكون الرب مفتقراً إلى مكان.
نعم، هذا صحيح. قال: «وأما إن قصد أنه ليس فوق العرش فهذا باطل، ولكن لفظ إيواء المحل بالمعنى الأول أشبه».
هذا ما ينصفه، أن الإيواء أشبه أن يكون المقصود به أنه سبحانه وليس مفتقراً إلى مكان مخلوق يؤويه، وإن كان قد يقصد به المعنى الثاني فيكون باطلاً، لكنه ليس هذا الظاهر.
وأما قوله: «من كان له جنس فطالبه بكيف»، قال مثلاً قول الحلاج: «من كان له جنس فطالبه بكيف»، أي أسأله كيف هو؟ أسأله عن كيفه وعن صفاته. قال: «فهذا خطأ». فهو نمط الذي قبله، هذا أيضاً استدلال خاطئ، كما أن «أي من آواه محل أدركه» خاطئ، إلا إذا تأولنا؛ لأنه يتضمن نفي المجانسة عنه بانتفاء طلب الكيف.
لماذا خاطئ؟ كأنه يقول: الدليل على أن الله ليس له جنس يندرج تحته أنه لا يُسأل عنه بالكيف. أليس نقول: الاستواء معلوم والكيف غير معقول؟ الدليل على نفي المجانسة لله ما هو؟ انتفاء طلب الكيف. هذا استدلال صحيح.
قال: «والعلم بأن الله تعالى ليس له مثل ولا سمي ولا كفؤ، أَبين من العلم بأنه لا يقال له كيف، فإن كثير من الناس دخلت عليهم الشبهة فطلبوا التكييف، حتى بيّن لهم أن الكيف غير معلوم لنا».
جميل، ما معنى هذا الكلام؟ هذا منطق واستدلال مهم. إخواني، لا يجوز في علم الاستدلال أن يكون المدلول أوضح من الدليل؛ في علم الاستدلال لا تصبح النتيجة والمدلول أوضح وأحضر في الذهن من الدليل، بالعكس، الدليل هو الذي يوضح المدلول. فإذا كان المدلول أوضح ذهنياً من الدليل، ففي ذلك مشكلة.
وأيهما أوضح في ذهن البشر: أن الله ليس له جنس، أم أن الله لا يُسأل عنه بالكيف؟ الأوضح أنه ليس له جنس. لو سألت الناس: هل الله له جنس يمكن أن يندرج تحته؟ سيقولون: أعوذ بالله! كيف يكون لله جنس؟ الله واحد أحد، فرد صمد. لكن هل يمكن أن يأتي شبه في ذهنه أن يطلب الكيف؟ وهذا بقى نعم، بدليل أن بعض الناس دخلتهم الشبهة فسألوا عن الكيف.
فأيهما أوضح؟ الأوضح هو عدم وجود الجنسية لله. فكيف تستدل على عدم وجود الجنسية وهي أوضح بما هو أقل وضوحاً، وإن كان صحيحاً؟ وهو نفي الكيفية. بالعكس، أنت ممكن تقول: نفي الكيفية هو الذي يُستدل به على نفي الجنسية؛ لأنه ليس له جنس، فإياك أن تسألني عن كيفيته. أما أن تعكس وتقول: ليس له جنس والدليل لأنني لا أستطيع، فهذا عكس للطريقة في الاستدلال.
ما هو الجنس؟ هو حقيقة ذهنية عامة لا تختص به، هو يدخل تحتها ويمكن أن يدخل تحتها غيره. مثلاً لو قلنا الشمس، لها صورة ذهنية تقبل التعدد لكن ليس لها في الخارج أفراد، لكن هل يتصور الذهن أنه يمكن أن يكون أكثر من جزء منها؟ نعم، ففي الخارج لا يتصور. لكن الله لا يمكن أن يكون هناك جنس على الحقيقة يتصور تعدده، هو واحد أحد لا يقبل الجنسية.
نفس الشيء في بعض الصفات؛ يد المخلوق له يد، لكن أكيد ما في معنى المشترك، وهذا ليس ممكناً. نحن نتكلم عن اللاتعريف بالصفة، هل يُسأل عنها بكيف أم لا؟ نفس الشيء في الاستواء؛ الاستواء جنس ويدخل تحته أفراد، استواء الله سبحانه وتعالى واستواء المخلوق، لكن هذا يختلف. إذا أضفت الاستواء إلى الله انتهى؛ الاستواء كاستواء (قبل إضافتها إلى الله) جنس ويدخل تحته أنواع، لكن الله سبحانه وتعالى ليس جنساً يدخل تحته أنواع. فإذا قلت استواء الله، أصبح شيئاً معيناً ليس له جنس.
العكسية فيها نفس الشيء؛ الصفة ممكن تحمل كلاماً على نفس الصفة، فكأنه يقول: إذا كنتم تثبتون جنساً مشتركاً في الصفات فإنكم ستطالبون بالكيف. حتى الوجود مثلاً، وجود الله غير عن وجود المخلوق، لكن هناك وجود جنس مشترك. كأنه يريد أن يحتج على أهل السنة: إذا كنتم تثبتون جنساً أو معنى مشتركاً.
أنا أعتقد أن الصفة بعيدة هنا عن السياق، هو يتكلم عن الذات؛ من كانت ذاته مندرجة تحت جنس أعم منها، فهذا يمكن أن تُطالب وتُسأل عنه بالكيف من جهة أنه صار في جنس معروف، فمن خلال النظر في نظائره وأمثاله يُعرف كيف هو. هل الجنس يُفسر بالنظير؟ لا، هو يريد أن يقول: إذا قلت إن هناك جنساً، فالجنس يوجد تحته أفراد سواء كانت موجودة في الخارج أو في الذهن، وبالتالي يمكن أن تُسأل عنه بالكيف لأنه أصبح جنساً ومتصوراً له أفراد. لكن ما دام لا يُسأل عنه بالكيف، فهذا يدل على أنه ليس فرداً تحت جنس وله نظائر يمكن أن تقيس عليها. فهنا يأتي موضوع الصفات؛ أن ليس له نظائر يمكن أن تقيسه عليها حتى تبدأ تتصور صفاته وما شابه ذلك، من هذه الجهة والله أعلم.
فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتفاق السلف، إنما هو علم العباد بالكيفية وسؤالهم عن الكيفية التي لا يمكن معرفتها، بخلاف المجانسة فإنها منتفية عنه في نفس الأمر. فكيف نجعل هذا دليلاً على الآخر؟ فالذي ثبت نفيه بالشرع ليس أنه ليس له كيفية، بل له كيفية، لكن المنفي هو علمنا نحن بهذه الكيفية.
وسؤالهم عن الكيفية التي لا يمكن معرفتها، بخلاف المجانسة؛ المجانسة مش إحنا لا نعلم ما هو جنسه، وله جنس في الواقع؟ لا، هو أصلاً ليس له جنس سبحانه وتعالى يندرج تحته، فبالتالي بخلاف المجانسة فإنها منتفية عنه في نفس الأمر، فكيف نجعل هذا دليلاً على الآخر؟
باختصار، الأصل أن تجعل الشيء الأوضح والأكد هو الدليل وليس المدلول. ولو قلبت العبارة فقال: «فالذي يطلب له كيف، له جنس»، لكان قد سلك سبيل الاستدلال، لكان هكذا الصح؛ لو قلت: «الذي يبحث عن كيفيته لا بد وأن يكون له جنس يندرج تحته حتى أقيس ما أعرفه على ما لا أعرفه»، يعني هذا لسه أقوى مدا لـ أدلته.
قال: لكن قد لا يسلم له ذلك، ويقال له: من أين تعلم أن كل ما يقال له كيف يجب أن يكون له مثل يجانسه؟ وقد يقال له: شوف هذا الكلام من أين؟ لكن قد لا يسلم له ذلك حتى العكس؛ يعني لما قلت: «الذي يطلب له كيف، له جنس»، فيقول: لكن قد لا يسلم حتى هذه العبارة، وقد يقال: من أين تعلم أن كل ما يقال له كيف يجب أن يكون له جنس؟ برضه هذا كلام يحتاج إلى إثبات؛ من الذي قال إن كل شيء له كيف لابد وأن يكون له جنس؟ لماذا أشياء تطلب بكيفها وليست لها أجناس أو لا تندرج تحت أجناس؟
قال: وحينئذ يمكن الاستدلال، أو مثل أن يكون له مثل يجانسه، على الأقل خلينا نقول ند أو شبيه يجانسه. قال: وحينئذ يمكن الاستدلال على ذلك بما ليس في موضعه، ولعل المتكلم بهذا الكلام قصد هذا المعنى مع أنه في نفي السؤال بكيف كلام قد ذكرناه في غير هذا. شوف ابن تيمية يحاول كأنه يحمل الكلام دائماً على أحسن محامله؛ لعل قصد الحلاج: «من كان له جنس طالبه بكيف»، قصده هذا العكس، يعني أنه يقول: أنت لا تستطيع أن تطلب الكيف لأن الله ليس له جنس، لكن العبارة لم تساعده.
قال: وأما قوله: لا يظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حد، ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلف، ولا يحده أمام، ولم يظهره قبل، ولم يفنه بعد، ولم يجمعه كل، ولم يوجده كان، ولم يفقده ليس؛ فهذا الكلام أكثره مجمل، وفيه هو حق وفيه ما هو باطل. فقوله: «لا يظله فوق» حق، إذ ظاهره أن الله ليس فوقه شيء، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء».
وأما قوله: «لا يقله تحت»، فإن أراد به أن الله ليس فوق الخلق فهذا ليس بحق؛ والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «أنت الظاهر فليس فوقك شيء»، لم يقل: لست فوق شيء، بل قال: «وأنت الباطن فليس دونك شيء»، ولم يقل: ليس لك دون، ولا قال: لست موصوفاً بالفوق، ففرق بين قوله: «ليس دونك شيء» وبين قوله: «ليس شيء فوقه»، وبين قوله: «ليس موصوفاً بفوق»، وما هو موصوف بتحت.
وأما قوله: «لا يقابله حد ولا يزاحمه عند»، فظاهره باطل؛ إذ ظاهره أن الله لا يقابله شيء من المخلوقات، ولكن لما قلت: «لا يقابله حد»، هل الله لا يوجد شيء يقابله؟ هذا كلام باطل إذا قلنا الله لا يقابله شيء من المخلوقات. قال: «ولا تنتهي إليه المحدودات ولا يكون عنده شيء من المخلوقات»، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع.
وكذلك «ولا يزاحمه عند»، هل يجوز أن يقول إن الله لا يوجد شيء عنده من مخلوقاته؟ نصوص الكتاب والسنة تثبت أن هناك كثيراً من العندية؛ مثلاً شوف الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: 49]، ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ﴾ [البقرة: 255]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]، إذاً في شيء عنده: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]، فـ «إلي» و«العندية» متقاربة هنا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المستفيضة: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر». فقوله: «لا يزاحمه عند»، أي لا يوجد شيء عنده، يعني ظاهرها على الأقل بدنا نقول ظاهرها مشكل؛ كيف لا يزحمه عند وهناك كثير؟ ماذا سألت آسيا زوجة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]، فقوله: «لا يزاحمه عند» في الظاهر فيها إشكال، إلا أن يكون قصد بها شيء آخر.
وقوله: «لا يأخذه خلف ولا يحده أمام»، كلامه مجمل، والله موصوف في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بأن المخلوق يكون أمامه وبين يديه؛ في غير موضع أن العبد يوم القيامة يمثل بين يدي الله، ويكلمه ربه كفاحاً ليس بيني وبينه ترجمان، فكيف لا يكون شيء أمامه؟ يعني هذا كله كلام مشكل.
قال: وأما قوله: «ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد»، فظاهره صحيح؛ فإن ظاهره أن ما ظهر أنه ما ظهر بقبل كان قبله، يعني لا يوجد شيء قبل الله أدى إلى ظهور الله. قال: «ولا يفنه بعد»، فيكون شيء بعده، وهذا حق؛ فهو سبحانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء».
وأما قوله: «ولم يجمعه كل ولم يوجده كان ولم يفقده ليس»، ففي إجمال؛ فإن أراد أنه لا يقال: «كان الله»، فهذا باطل؛ وفي الصحيح عن عمران بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل اليمن قالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقه بالدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في ذكر كل شيء». وكذلك إذا أراد أنه لا يوصف بـ «ليس»، فإن الله ينفي عنه أشياء كما ثبتت له أشياء، وإن أراد أنه لم يوجد بـ «كان» ولا يفقد بـ «ليس»، فهذا حق؛ فإنه ليس بمحدث في وقت دون وقت، ولا يجوز عليه العدم، فلا يحدث بـ «كان» ولا يفقد بـ «ليس».
وأما قوله: «وصفه لا صفة له»، من قال؟ الحلاج، وصفه: «لا صفة له»، فهذا مجمل؛ فإن أراد أن صفاته لا توصف بالكلام، لا يمكن أن نصفها بشرحنا، فالله سبحانه وتعالى قد وصف صفاته، مثل وصف علمه بأنه بكل شيء محيط، وقدرته بعمومها، وأنه على كل شيء قدير.
قال: ورحمته بانه وسعت كل شيء، وأن أراد أن العبد لا تحيط صفته بصفة ربه؛ فإما أن أراد أنه لا صفة له، أنني لا أستطيع أن أحيط بها، فهذا كلام صحيح، فنحن لا نستطيع أن نحيط بصفة الرب على وجه التمام.
وما أظنه أراد ما يريده بعض المتكلمين من أن الصفة لا تقوم بها صفة؛ لأن العرض لا يقوم بالعرض، بل تكون الصفتان والعرضان جميعًا قائمين بالعين. أما أن يكون المراد فصفته لا صفة له، أن الصفة لا تحل فيها صفة، يعني يقول الحلاج -بعيدًا عن مثل خبيط المتكلمين- فهذا بعيد.
قال: وأما قوله فعله لا علة له، فمجمل وهو أقرب إلى الحق. هل يجوز أن نقول إن فعل الله لا علة له؟
تفضل يا شيخ: هل يجوز أن نقول إن فعل الله لا علة له؟
يقول لك هذا مجمل، هو أقرب إلى الحق وإن كان محتمل معنى باطل. قال: إن أراد أنه لم يفعله، أنه لم يفعل شيئًا لعله من غيره، أنه لا يوجد شيء خارج عنه دفعه إلى الفعل، فهذا صحيح؛ لا يوجد شيء خارج عن الله دفع الله إلى أن يفعل شيئًا. وإن أراد أنه لم يفعل الأشياء لعله هو من نفسه يريد أن يفعل بها، لا هذا باطل، فماذا تقصد؟
ففعله لا علة له؛ إذا قصدت علة خارجية ألزمته، صح، لا يوجد شيء يلزم الله أن يفعل شيئًا. لكن إذا كنت تقصد أنه لا يوجد علة لأفعاله، لا هذا باطل، فإن أفعال الله معللة.
قال: والأشبه أنه أراد المعنى الأول. وأما قوله كونه لا أمد له، فهذا حق صحيح. وأما قوله تنزه عن أحوال خلقه، فصحيح؛ إذا أراد أنه ليس مثل خلقه في شيء من الأشياء. ولكن من جعل في هذا الكلام أنه لا يوصف بالصفات التي تليق به كما يوصف خلقه من تلك الصفات بما يليق بهم، فهذا باطل؛ فإنه يوصف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وإن كان خلقه يوصفون بما يليق بهم من ذلك.
وأما قوله ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج، فهو صحيح؛ فإن الله لا عون له ولا ظهير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شَرِيكٍ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [القصص: 71]. بل هو الغني عن جميع خلقه. طبعًا ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج، وشاهد "لا في فعله علاج" أي مشقة، يعني لا يعالج الشيء حتى يفعله كما نحن نعالج ونتعب ونكسب. وقول "ليس له من خلقه مزاج" يعني لا يشاركه أحد من خلقه أو يمازجه في أفعاله، وهذا كلام صحيح في الجملة.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه من المعالجة. وكذلك قوله باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم، صحيح، وإن كان ما باين الله به خلقه أعم من مجرد كونه، باينهم بجميع صفاته.
وأما قوله: إن قلت متى، فقد سبق الوقت ذاته، فهذا صحيح؛ فإن الله لا يقال متى، كان إذ هو القديم الذي لم يزل ولا يزال، ليس له بداية. إذا قلت متى كان بمعنى سؤال متى بدأ الله، فهذا غير صحيح؛ لأنه سبحانه أزلي.
قال: وأما قوله إن قلت هو، فالهاء والواو خلقه، فهو كلام فاسد. وإن أراد أنه لا يقال "هو"، فهذا خلاف إجماع المسلمين وسائر الأمم، وهو فاسد بالضرورة؛ بل استعمال "هو" في الإشارة إلى الله موجود في القرآن والسنة: {هو الأول والآخر}، فهل نقول لا يجوز أن نتكلم عن الله أو أن نعبر عن الله بـ "هو"؟ آيات القرآن عبرت عن الله بـ "هو" في العديد من المواطن: {هو الأول والآخر}، {وهو الغفور الودود}. وفي القرآن من ذكر "هو" أكثر من أن يحصر، فنفي قول "هو" عن الله هذا من أعظم الباطل.
وأما إن أراد بنفي "هو" -كما قال- أن يقال ما هو لعدم العلم بحقيقته، فلا يصلح أن يدل على ذلك بقوله الهاء والواو خلقه. أما إذا كان يقصد "إن قلت هو فالهاء والواو خلقه"؛ إن كنت تقصد بذلك أنه لا يجوز أن يسأل ما هو الله، فنحن نتفق أنه لا يجوز لأحد أن يسأل ما هو الله لأن ذاته ليست معلومة لنا، لكن هذا النوع لا يعبر عنه بأن الهاء والواو خلقه. لا، لا أحكي لك لا يجوز أن تسأل عنه ما هو كما لا يسأل عنه متى كان، أما أن تقول الهاء والواو خلقه، فهذه ليست العبارة الأفضل للتعبير إن كان هذا هو قصده.
قال: فإن هذا لو كان حجة لصح أن يحتج به في "متى" و"أين"، لأنه نفس الشيء؛ متى لا يجوز أن تسأل عنه متى، ليه؟ لأن الميم والتاء خلقه، ولا يريد أن تسأل عنه أين، بأن الهمزة والياء، يعني صارت القضية سمجة، ما عاد لها معنى، فيقول ليس هكذا هي الطريقة الصحيحة في النقاش.
قال: بتقدير كونه الحروف مخلوقة، لا يصح أن يحتج بذلك على نفي الإخبار بها عن الله. لو كانت الحروف مخلوقة، هل لأن الهاء والواو مخلوقة في أصواتنا يعني أنه لا يجوز أن نعبر بها عن الله؟ ما له علاقة هذا الكلام.
قال: لا يصح الإخبار بها عن الله أو الاستفهام بها عن بعض شؤونه وصفاته. وإدخال لفظ "هو" بين "متى" و"أين" يدل على أنه أراد الاستفهام، يعني هو الصحيح؛ ابن تيمية يرجع أن الحلاج ماذا قصد به السؤال "بما هو"، ولكن طريقة الحلاج لم تكن واضحة في طرح حجته. وإن أراد أنه إذا قلنا هو فإنما تكلمنا بحروف مخلوقة، وأن ذلك يفيد نفي معرفتنا به، فهذا من أبطل الكلام؛ حتى لو أنا تكلمت بحروف مخلوقة، هذا لا يعني أنني جاهل بربي عمومًا.
قال: فإن القائلين بأن الحروف مخلوقة والحروف غير مخلوقة متفقون على أن الإخبار عنه بـ "هو" لا ينفي معرفته، فظهر أن قوله الهاء والواو خلقه كلام ليس فيه فائدة بحال. وإذا كان المتكلم بذلك لم يذكر كلامًا منتظمًا مفيدًا، سواء كان حقًا أو باطلًا، فهو جدير بأن لا يستدل بكلامه على أنه حق أو باطل. هو إذا كان في النهاية نحن لم نفهم ماذا يقصد، هو يدبر حاله، الحلاج كان بإمكانه أن يجيب بعبارة واضحة نفهم مقصده، نحن حاولنا.
إذا أردت أن نفهم ماذا تريد، فإني أحاول وضع احتمالين أو ثلاثة؛ إذا أحسنا الظن، فإن كلامك له معنى. أما الأصل، فهو أن تأتي بكلام واضح نفهم منه مقصدك، فأنا لا أطالب الإنسان بأكثر من هذا النوع من التحليل.
قال: «ثم قائل ذلك، إن أراد أن نفس أصوات العباد مخلوقة فهذا صحيح، وإن أراد أن نفس الحروف، حروف القرآن وغيرها، ما تكلم الله بها وليست من كلامه، فهذا خلاف الكتاب والسنة». وإذا قصد أن الواردة في الكتاب والسنة هي مخلوقة وليست من كلام الله، فلا سامحنا، بل هذا كلام يراد به نفي كلام الله صوتاً وحرفاً.
قال: «وأما قوله: إن قلت أين، فقد تقدم المكان وجوده، فحجته ضعيفة؛ لأن وجوده قبل المكان لا يمنع بعد خلق المكان أن يقال أين هو». وهذا صحيح، لأننا نريد أن نحمل "أين" على المكان المخلوق. الله سبحانه قال: ﴿وَلَمْ يَكُن شَيْءٌ مَّعَهُ﴾، ثم خلق عرشه وخلق كذا بعد أن خلق هذه الأمور، فنستطيع أن نسأل: أين الله؟ فتقول: على عرشه. وكونه كان قبل وجود عرشه لا يمنع أن يُسأل عنه بعد خلق عرشه: أين هو؟
قال: «فإن أين نسبته وإضافته لا تكون إلا بعد وجود المضاف إليه، وأما متى فهو يقتضي حدوث المسؤول عنه، فجواب متى يقتضي حدوثه، إلا أن يُجاب عنها بأنه لم يزل». فإذا قال القائل: متى كان؟، فلذلك هذا الفرق بين "أين" و"متى". "متى" هي سؤال عن ابتداء الحدوث، وهذا لا يجوز أن يكون بشكل من الأشكال. أما "أين"، فلا مشكلة أن يُعبر عنها بجهة، أنه كان الله ثم أوجد أشياء بعد ذلك، فيُسأل أين هو باعتبار هذه الأشياء التي أحدثها، فهذا هو الفرق.
لماذا منعها وأبطلها ابن تيمية موافقة للحلاج؟ ولماذا اعتبرها مقبولة وصحيحة؟ وإن كان حتى "متى" يمكن أن تُحمل على معنى صحيح. قال: «وأما متى، ألا يجوز أن يقال، إلا أن يُجاب عنها بأنه لم يزل». يعني لو قال لك شخص: متى الله؟ فقلت: لم يزل، برضه هنا السؤال بـ "متى" صحيح، يعني حتى على الفرضية ما في مشكلة أن يُسأل عنه بـ "متى"، لكن تكون الإجابة أنه لم يزل أزلياً. فإذا قال القائل: متى كان؟ قيل له: لم يزل ولا يزال.
قال: «وأما جواب أين فهو يقتضي علوه، وهو علي عظيم وليس بمحدث، فلا يشبه أحدهما بالآخر». وأما قوله: «فالحروف آياته»، فكلام صحيح، وكذلك القرآن هو كلام الله غير مخلوق، وآياته -وكون القرآن بحروف ومعانٍ- لا يستلزم كون ذلك مخلوقاً.
قال: «وأما قوله: وده إثباته، فلم يرد به -والله أعلم- ما يعنيه المتكلم بلفظ الوجود، وإنما أراد به ما يريده الصوفية». ما معنى الوجود عند الصوفية؟ الوجود بمعنى أن تجد الله؛ ليس قولك وجدت الله، بل ماذا يعني وجدت الله؟ يعني وصلت إليه. فمعنى "وجوده إثباته": كيف تقول إنك وجدت الله بإثباته؟ قال: مجرد أن تثبته أنه ذات حقيقية بائنة عن المخلوقات، أنت وجدت الله بخلاف الحائلين. فهذا معنى الوجود، وليس الوجود بالمعنى الكلامي، والتفريق بين وجود الله ووجود المخلوقين. فمعنى الوجود هنا أن الإنسان يقول: وجدت ربي في قلبي، متى تقول وجدت الله في قلبك؟ إذا أنت في قلبك أثبتت له حضوراً وذاتاً منفصلة.
قال: «وأما قوله: معرفته توحيده، وتوحيده تمييز من خلقه، فلا ريب أن هذا إبطال لمذهب الاتحاد والحلول، وهو حق، وتمييزه من خلقه متفق عليه بين أهل الإيمان، ولا يستقيم ذلك إلا إذا كان بائناً من فوقه غير داخل فيه».
قال: «وأما قوله: ما تصور في الأذهان، فهو بخلافه، فهو كلام مجمل، ومعناه الصحيح أن حقيقة الرب لا يتصورها العبد، ومن تصور شيئاً اعتقد أنه حقيقة الرب، فالله بخلاف ذلك». والمعنى الباطل أن يُقال: كل ما تصوره العبد وعقله فهو خالف للحق، فليس الأمر كذلك، أكيد ليس كل ما تصوره العبد وعقله فهو مخالف للحق.
قال: «وأما قوله: كيف يحل به من منه بدا أو يعود إليه ما هو أنشأه، فكلامه مجمل». فإنما يقول: القرآن مخلوق خلقه الله منفصلاً عنه، قد يقول بمثل هذا الكلام فيقول: لا يحل القرآن به ولا يقوم بذاته، لأنه منه بدا ولا يعود إليه لأنه أنشأه. والقول بأن الكلام مخلوق منفصل عنه قول باطل، وهو شعار الجهمية، وهو في الحقيقة تكذيب للرسل.
وكذلك قوله: «لا تماقله العيون»، قد يُشعر أنه لا تجوز رؤيته بالعيون، وليس الأمر كذلك، بل رؤيته بالعيون جائزة، والمؤمنون يوم القيامة يرون ربه عياناً، كما قال النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر».
وأما قوله: «لا تقابله الظنون»، فمن المجملات. وقوله: «قربه كرامته وبعده إهانته»، فمردود؛ أما أولاً، فإنه وصفه بالبعد، والله لا يوصف بالبعد. وإن وُصف بالقرب، فهل يجوز أن يُصف الله بالبعد؟ الله وصف نفسه أنه ﴿وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، لكن لم يصف نفسه بالبعد. ولأنه قال: "وبعده إهانته"، هذا لا يصح.
قال: «هذا إن أراد قربه من عباده وبعده منهم، وإن أراد تقريبه لهم وتبعييده لهم، فاللفظ لا يدل على أحدهما». أما إن قصد -وهذا الذي يظهر- أنه قصد تقريبه لعباده وإبعاده، وليس القرب الذاتي الإلهي، فاللفظ لا يساعد على ذلك؛ فإن القرب والبعد غير التقريب والتبعيد، وإن كانت مجازات اللغة تفعل ذلك.
وأما ثانياً: «فإن قربه من عباده وتقريبه لهم عند سلف الأمة وعامة المشايخ الأجلاء ليس مجرد الإنعام والكرامة، بل هو قرب حقيقي». من يقرب من خلقه كيف شاء، كما ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فإيضاً هناك قرب حقيقي. قال: «ويقرب إليهم منهم من يشاء»، كما قد بينا ذلك في موضعه. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر»، وثبت في الصحيح أنه قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
وأما قوله: «علوه من غير توكل ومجيئه من غير تنقل»، فكلامه مجمل، وهو إلى البدعة أقرب؛ فإنه قد يظهر منه أنه ليس فوق خلقه، ويفهم منه نفي ما دل عليه الكتاب والسنة بالوصف بالاستواء والمجيء. والتوقل هو التصاعد أو الارتفاع. وهذه المسألة والتي قبلها كبيرتان، ذكرناهما في غير هذا الموضع.
جواب الاعتراضات المصرية على رسالة الحموية. قال: وقوله: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب والبعيد"؛ ليس في أسماء الله البعيد، ولا وصف بذلك، ولا وصفه بذلك أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو موصوف بالقرب دون البعد.
أحسنت، فلذلك هي مشكلة مرة ثانية. عادها قال: وفي الحديث المشهور في التفسير: ﴿أنا أقرب إليه من حبل الوريد﴾، يعني فإني قريب. وفي الصحيحين: «أرغموا أنفسكم، فإنكم لا تدعون من تدعون إليه أقرب إليكم من أنفسكم». وإنما الواجب أن يصف بالعلو والظهور كما قال النبي ﷺ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
فلو قال: هو العلي القريب، كان حسناً وصواب ذلك؛ لو قال قريب في علوه، لا في دنوه. فأما وصفه بأنه القريب البعيد فلا أصل له، بل هو وصف باسم حسن وبضده، كما لو قيل: العلي السافل، أو الجواد البخيل، أو الرحيم القاسي، ونحو ذلك، والله تعالى له الأسماء الحسنى؛ فليس لك أن تصفه باسم أو صفة ليست من صفاته على وجه المقابلة.
وإنما يؤتى مثل هذا من باب القياس الفاسد؛ يعني خلص ما أنت توصف الله أنه قريب، خلص ما هو أيضاً نصف أنه بعيد، هذا قياس عقلك، لكن لم يرد هذا الوصف الكتاب والسنة. لما سمعوا يخبر عن نفسه بأنه: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3]، قالوا: إذاً قياساً عليها القريب البعيد. ما يصلح هذا الكلام وهذا خطأ؛ لأن تلك الأسماء كلها حسنة دالة على كمال إحاطته، فالأول والآخر حسن، والظاهر والباطن حسن، بس القريب والبعيد؛ القريب حسن، بس البعيد؟ من قال لك إنه البعيد حسن؟ فهمت؟ هذا شرعت أنت تشغل شغل عقلك هكذا.
ناقش ابن تيمية كل كلام الحلاج. الوجه الرابع والأخير، هي نصف صفحة، هي نختم بها الوجه الرابع والأخير في إبطال كلام الحلاج أو في قضية كلام الشبلي. نرجع لكلام الشبلي، هو أصلاً شو كانت مشكلته في الوجه الثالث؟ أنه أنت ليش تعتمد على الشبلي في نقل كلام الصوفية وهو من حواشيهم مش من أعلاهم؟ والأسوء من ذلك أنك نقلت كلام الحلاج وبعدين مشيت مع الحلاج.
ابن تيمية فرجع الآن بده يقول لك الوجه الرابع في قضية كلام الشبلي. تذكروا كلام الشبلي شو كان؟ هو الواحد المعروف قبل الحدود والحروف، جل الواحد المعروف قبل الحروف وقبل الحدود، أو قبل الحدود وقبل الحروف. شو المشكلة الرابعة والأخيرة في هذا الكلام؟ قال: الوجه الرابع أنه قدم كلام الشبلي في الاعتقاد قبل كلام جميع المشايخ الذين هم أجل منه وأعظم، مع أن هذه المسألة لا تستحق التقديم.
أنت في بداية كتابك، أنت في بداية الرسالة القشيرية تقدم كلام الشبلي؟ طب جيب كلام الجنيد، جيب كلام سهل التستري، جيب كلام فضيل بن عياض، جيب كلام هؤلاء، بعدين حط الشبلي يعني في آخر الكلام. وهذا أيضاً من أخطاء أدب التصنيف؛ أنه حتى في مثلاً من الأخطاء أن تجد الشخص اليوم يكتب مثلاً كتاباً في الفلسفة أو الحكم، تجد قال: ابن تيمية أو قال الفيلسوف الفلاني، ثم يأتي بـ: "ومما يوافق ظاهر قوله تعالى..." أو "قال صلى الله عليه وسلم"، بعدين تأتي بكلام العلماء الربانيين.
بعدين تروح تجيب لي فيلسوف غربي أو كذا تحطه في الآخر، مش تأتي بإنسان غربي يقدم كلامه، ثم بعد ذلك تأتي بـ: "مما يوافق كلام هذا الفيلسوف" من القرآن والسنة؛ هذا ليس من أدب العالم. فما بالك حتى في هذه القضايا؟ لاحظ كيف ابن تيمية ينتقد عليه؛ أنه أنت الأصل جبت كلام العلماء الكبار من الصوفية، ثم بعد ذلك ذكرت كلام الشبلي باعتباره من الحاشية وليس من الرؤوس الكبار.
قال: وإنما مرتبته فيما بعده كما ذكرها هناك، وكان الواجب أن يؤخر ذلك إلى موضعه، فإنه ذكر بعد ذلك أول الواجبات، وهذا هو الذي يستحق التقديم. ومثل هذا يقتضي كون المصنف فيه نوع من الهوى. ومن أعظم الواجبات على أهل هذا الطريق خلوهم من الهوى. أنت يا قشيري، أنت صوفي، يعني لا بد تكون بعيد عن الهوى، بس تقديمك كلام الشبلي هنا وبدئك بأي مسألة... يعني أنت الآن شو المتصور أنه يبدأ القشيري يتكلم عن إيش؟ أول مسألة في التوحيد وهي مسألة: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، أنت ابتدأت لي بكلام الشبلي وهي مسألة وحملتها على نفي الحروف عن الله.
هي مسألة، بعدين أنا أناقشها. أنت ليش أول مسألة عقدية تطرحها في الرسالة القشيرية كلام الشبلي في قضية وحملتها برضه محمل فاسد، أن المراد منه نفي أن الله يتكلم بصوت وحرف؟ أليس المراد؟ قال: وكان الواجب يجب أن يؤخر أصلاً كل هذه المسألة إلى موضعها، فإنه ذكر بعد هذه المسألة مباشرة أول الواجبات على العبد، وهي معرفة الله، وسياتي الآن النقاش فيها في المجلس القادم إن شاء الله.
إذا كان الأصل أن تمشي هرمياً، وتقديمك لهذه المسألة على مسألة أول واجب على العبد، وحملك إياها على نفي الحروف عن الله، واضح أنه في عندك هوى فيها، وبدك من البداية تبدأ تضرب المخالفين لك. وأنت صوفي يجب أن تخلو من الهوى في هذا الميدان؛ فإنما مبنى "إما من خاف مقام ربه" أي مبنى طريق التصوف والسلوك على إيش؟ نهي النفس عن الهوى، وأنت ما أنهيت نفسك عن الهوى. نسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا ويرحم ضعفنا، ويغفر لابن تيمية والقشيري ولجميع علماء المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل