دخولتسجيل الدخول

الاستقامة (4) | المجلس الثامن عشر | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يا أرحم الراحمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا كرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله في هذا الصباح الطيب المبارك في صبيحة يوم الخميس ومع برنامج «تراث»، حيث نعيش في فيء تراث الأئمة الكبار رضي الله تعالى عنهم. ما زلنا نعيش في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، ودائمًا ندعو في بداية الدرس لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وفي أرض غزة خاصة، أن يجعل الله سبحانه وتعالى لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، وأن ينصرهم على عدوهم، وأن يفرج عنهم فرجًا عجيبًا مدهشًا يفرح به أولياؤه ويغيظ به أعداءه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا نعيش أيها الكرام في أطياف ابن تيمية، وما زلنا نعيش في كتاب «الاستقامة». طبعًا هذا الكتاب ضخم، يصل إلى 800 أو 900 ورقة، وهو غزير الفوائد ومتنوعها، وإن كان جله يدور حول مناقشة كلام أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى في «الرسالة القشيرية»، وهي أهم رسالة في منهج أهل التصوف في الاعتقاد ونحوه، ولذلك اهتم شيخ الإسلام ابن تيمية بالتعليق عليها ومناقشتها.

ومن غريب ما دمنا نقول إن هذا كتاب ضخم من شيخ الإسلام، أن هذا الكتاب ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية في السجن، حيث لم يكن معه كتاب ولا شيء. هناك مجموعة كتب ألفها شيخ الإسلام ابن تيميه في السجن لم يكن معه مصادر يراجعها، ولا أن يجمع الكلام من هنا ليعلق، كل هذه الورقات والصفحات سطرها شيخ الإسلام ابن تيمية من ذهنه ومن عقله، بناء على معرفته السابقة وذاكرته القديمة، ورحم الله ابن تيمية ورحم الله عز وجل هذا العالم الفذ، وهذه العقلية الجبارة، وهذه الشخصية الكبيرة التي قل أن يأتي مثلها في تاريخ الأمة؛ تخيل إنسانًا يكتب كلامًا تتوقع أن هناك خمس أو ست مراجع بين يديه يحاول أن يراجع وينظر ويقايس الأمور، لكن سبحان الله.

ثم قال أبو القاسم... وصلنا عند قول ابن تيمية رحمه الله تعالى، ثم قال أبو القاسم القشيري: «الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا والمصنف والحاضرين والسامعين ونجِّ المستضعفين من المؤمنين». قال رحمه الله: سمعت أبا حاتم يقول: سمعت أبا نصر السراجي رحمه الله يقول: سئل رويم عن أول فرض افترضه الله على خلقه؟ رويم البغدادي أحد أئمة التصوف والزهد، قال: سئل رويم عن أول فرض افترضه الله على خلقه، قال: «المعرفة»، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، قال ابن عباس: «ليعرفون».

الآن هذا النص أتى به القشيري ليستدل به على ماذا؟ على ما يوافق عقائد المتكلمين؛ إذ إن في عقيدة المتكلمين أن أول واجب على الإنسان هو المعرفة، هكذا يقول المتكلمون، فالقشيري -لأنه ينصر عقائد المتكلمين من الأشعرية وما شابههم- رأى أن إجابة رويم، وهو أحد أئمة التصوف، توافق إجابات المتكلمين، فأتى بها. سئل رويم: ما هو أول واجب على العباد؟ فقال: «المعرفة»، ثم استدل رويم بماذا؟ أريدكم أن تركزوا في كلام رويم، لأن ابن تيمية سيناقشه. يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قال ابن عباس في تفسير «ليعبدون»: «ليعرفون». إذاً هذا الدليل وذاك المدلول.

الآن ماذا سيقول ابن تيمية؟ قال: «قلتُ: هذا كلام صحيح». أول قضية، كلمة «صحيح» هذه من أضافها؟ المحقق. وأنا في اعتقادي أن المحقق عكس المعنى، وإنما الجملة إذا كان فيها حذف؛ فإذا قال «هذا الكلام غير صحيح» فإنه سيوافقني، ولكن دعونا نكمل ماذا قال. قال: «فإن أول ما أوجبه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هو الإقرار بالشهادتين»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» [أخرجه في الصحيحين].

إذاً، ما رأيكم؟ ابن تيمية في جل كتبه ماذا يقرر؟ يقرر عكس ما يقرر المتكلمون. ابن تيمية في جل كتبه يقرر أن أول واجب على الإنسان هو الشهادتان، «أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وليس المعرفة كما يقول المتكلمون، وقد ناقش ذلك في عدة كتب، منها «في العقيدة». فابن تيمية لا يوافق المتكلمين على قولهم إن أول واجب على الإنسان المعرفة، بل يؤكد أن أول واجب على الإنسان بنصوص الكتاب والسنة أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

قول المتكلمين إن أول واجب على الإنسان المعرفة ناشئ من عقيدة كلامية، تراه أن معرفة الله ليست معرفة فطرية بل معرفة نظرية تحتاج لبحث واستدلال، أما ابن تيمية فيقول: معرفة الله معرفة فطرية. فالقول بأن أول واجب هو المعرفة كأنك تعتقد أن المعرفة ليست حاصلة فتحصلها، ثم بعد ذلك؛ لا، هي معرفة فطرية ضرورية، فلذلك أول واجب هو «لا إله إلا الله». لكن إذا عرض لبعض الملحدين شبهة، أو عرض لبعض الناس شيء أفسد عليهم المعرفة، ففي هذه الحالة الاستثنائية يمكن أن تقول: نعم، أولًا اعرف بالله ثم طالب بالشهادتين، لكن هذه الحالة الاستثنائية، أما الحالة الأصلية فهي أن الإنسان يعرف ربه فطرة وضرورة.

فقول المحقق لما قال: «قلت هذا الكلام صحيح»، هو في الحاشية الخامسة يقول: «كلمة صحيح أضفتها إلى الكلام الناقص ليستقيم المعنى»، أي أنه لم يجدها في المخطوط. أنا في اعتقادي لا، إنه عكس المعنى هكذا، وأن ابن تيمية يريد أن يقول إن هذا الكلام غير صحيح، أو أن هناك كلمة أخرى غير كلمة «صحيح»، فقد يكون هناك طمس في النسخة. أنا أرى أنه واضح أنه طمس، وزاد المصقق المحقق هذه الكلمة ليعدل الكلام، لا، خلها على بياضها أحسن؛ لأن ابن تيمية لا...

يوافق على أن أول واجب على الإنسان المعرفة، فكلمة «صحيح» ضع عليها علامة استفهام على الأقل، أو قل هذه الكلمة غير صحيحة التي تحتاج إلى نظر والتي أضافها المحقق. وانظروا ماذا سيقول بعد ذلك أكثر وأكثر لتتأكدوا أن هذا الكلام ليس صحيحًا، بل هو خطأ.

قال المشايخ المعتمدون مثل شيخ عبد القادر وغيره: «والإقرار بالشهادتين يتضمن المعرفة»، لكن ذهبت طائفة من أهل الكلام وممن اتبعهم من الفقهاء والصوفية إلى أنه يجب على العبد المعرفة أولاً قبل وجوب الشهادتين. هل هذا صحيح؟ وهل يراه ابن تيمية صحيحًا؟ هو ينقل قول طائفة أخرى إلى أن المعرفة واجبة قبل ذلك، ومنهم من قال: يجب على العبد النظر قبل المعرفة، ومنهم من قال: يجب القصد إلى النظر، ومنهم من قال: أول واجب هو الشك؛ أي أنهم في الأصل مختلفون فيما بينهم.

البعض يقول أول واجب هو المعرفة، والبعض يقول لا، أول واجب هو النظر باعتبار النظر وسيلة إلى المعرفة، وبعضهم يقول لا، ليس النظر في شيء، بل أول واجب هو أن تقصد النظر وهو النية، ومنهم من يقول لا، أول واجب قبل النية هو الشك، فمنهم من يقول: أول واجب على الإنسان أن يشك ثم يقصد ثم ينظر، ومنهم من قال: القصد، ومنهم من قال: النظر، ومنهم من قال: المعرفة. وكل هذه التراتبية ليست موجودة عند أهل السنة؛ فأول واجب هو الشهادتين.

قال: وقد بسطنا القول في هذه المسألة في غير هذا الموضع، فهذا القول يوافق هؤلاء، لكن في صحة الحكاية بهذا اللفظ عن رويم. قول القشيري الذي نقله له عن رويم يوافق هذا التيار الذي يرى أن أول واجب هو المعرفة، لكن ابن تيمية يقول: «لكن في صحة الحكاية بهذا اللفظ عن رويم النظر»، أي أن ابن تيمية يشك في صحة هذه الرواية عن رويم؛ لأن رويمًا من أهل العلم والمعرفة، وطريقة سرد الحكاية لا تتلاءم مع حجم معرفته، ولأن ما ذكره من الحجة لا يدل على هذا الجواب.

نرجع الآن لقصة رويم؛ هو ماذا سُئل؟ سُئل: «ما أول فرد افترضه الله على خلقه؟»، قال: «المعرفة». ثم استدل بدليل لا يتوافق مع الإجابة. الدليل الذي يتوقعه المرء يجب أن يتضمن الدليل على أن أول واجب هو المعرفة، كأن يقول: «قال الله تعالى كذا وكذا، وأول واجب على الإنسان المعرفة»، أو «قال صلى الله عليه وسلم أول واجب هو المعرفة». فهل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] يدل على أن أول واجب هو المعرفة؟ بغض النظر عن صحة ذلك من عدمه.

إذا قلت لك: «أنا والله جبتك هنا حتى تفعل كذا وكذا»، هل قولك هذا يدل على أن أول شيء ستفعله هو كذا وكذا؟ حتى في العلم المنطقي واللغة، هذا لا يستلزم أن أول شيء ستفعله هو كذا، بل يدل على أن المقصد العام هو أن تفعل هذا الشيء بغض النظر عما ستفعله أولاً. ابن تيمية يقول إن الاستدلال الذي أتى به في قصة رويم لا يدل على ما زعمه، فقال: «فليس في قوله ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ما يدل على أن المعرفة أول الواجبات»، فقد تدل على أنها المقصد، لكن لا تدل على أنها الأول بالتحديد.

سواء فسر «يعبدون» بأنها «يعرفون» أو فسر بغير ذلك، فإن خلقهم لشيء لا يدل على أنه أول واجب ما لم يبين ذلك بشيء آخر. فقوله: «خلقتك لتعبدني» يدل على أنه المقصد العام، ولا يدل على أن هذا هو أول واجب إلا بدليل آخر منفصل.

وأما التفسير المذكور عن ابن عباس، فالذين ذكروا عنه أن «يعبدون» بمعنى «يعرفون»، جعلوا هذه المعرفة هي المعرفة الفطرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر؛ لأن الناس فطرت على معرفة الله وإن كان بعض الناس يجحد وينكر. ومقصدهم بذلك أن جميع الإنس والجن قد وُجد منهم ما خُلقوا له من العبادة التي هي مجرد الإقرار الفطري، وجعلوا ذلك فرارًا من احتجاج القدرية بهذه الآية.

لماذا أرادوا الفرار من احتجاج القدرية؟ القدرية يحتجون بأن هذه الآية يلزمها أن يكون كل إنسان حصلت منه العبادة فكذلك لم يحصل، ومذهبهم أن الإنسان يخلق فعله بنفسه، وأن الله سبحانه وتعالى ليس متدخلاً في ذلك، كأنهم يقولون: «إنما الإنسان خلقتك لتعبدني، عاد أنت تعبدني أو لا تعبدني، هذه قراراتك والله لن يتدخل في ذلك». وبما أن المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم جبرية، فهم يريدون تفسير الآية بأن المعرفة فطرية وموجودة أصلاً، وبالتالي فإن هذه الآية تقرر أن الإنسان فطر على العبادة وهو مجبر عليها، فبهذه الطريقة يفرون من احتجاج القدرية بهذه الآية.

يعبدوني، ثم هم بعد ذلك منهم من عبدني، ومنهم من لم يعبدني بقراراتهم الشخصية. فهم الجبرية، يريدون قلب الطاولة على المعتزلة في هذه الآية؛ يقولون لا، بالعكس، هذه الآية لا تدل على أن الإنسان يمتلك إرادة حرة مطلقة، بل تدل على أن الإنسان مجبور. كيف ذلك؟ معنى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وما معنى "ليعرفون"؟ هكذا قال ابن عباس. وما معنى "يعرفون"؟ هذه المعرفة الفطرية السابقة التي جبل الله العبادة عليها. فرجعوا الأمر إلى أن القضية جبر.

طبعاً لا، المناقشة في القضايا بحد ذاتها، وقال: «ولا ريب أن هذا ضعيف». تفسير المعرفة هنا بأنها المعرفة الفطرية ضعيف، لماذا؟ قال: ليس المراد أن الله خلقهم لمجرد الإقرار الفطري، نعم، أنه لو صارت المعرفة هنا بمعنى المعرفة الفطرية، كأنه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ لكي يحصل منهم الإقرار الفطري، وبالتالي أنت أذهبت بآية وزبدتها وهي العمل.

نعم، قال: ولعل السائل سأله عن أعظم واجب فقال: «المعرفة»، لقوله ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالآن لما ابن تيمية انتقد كل هذا النص الذي نقل عن رويم، أراد أن يعطي سيناريو آخر كما يقولون. قال: لعل السائل سأل رويم، ولم يسأله عن أول واجب، يعني أنا إذا أردت أن أتفق مع عقلية رويم، صاحب العلم والمعرفة، رويم لا يمكن أن يكون سئل عن أول واجب، لابد وأنه سئل عن أعظم واجب، لكن صار تحريف في الرواية أنه سئل عن أعظم واجب مش عن أول واجب، وهذا الذي يتلاءم مع الدليل الذي استدل به. فلما سئل ما هو أعظم واجب؟ فقال: «المعرفة»، فرضاً، واستدل بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي ليعرفون.

وماذا قصد بالمعرفة؟ لسه هذا موضوع ثاني سنرجع إليه. قال: واعتقد رويم أن هذه المعرفة هي المعرفة التي يشير إليها مشايخ الطريق، وهي معرفة الخواص. رويم لما قال المعرفة ولم يقصد المعرفة على طريقة المتكلمين، وهي الإقرار الفطري، لا يقصد المعرفة التي يقصد بها الصوفية؛ طريقة الخواص. يقول لك: عرفت الله، ليس مجرد الإقرار الفطري، لا، الصوفي لما يقول عرفت الله يعني خلاص شاهدته سبحانه وتعالى في آله ونعمه وكونه ووجوده، وذقت حلاوة مناجاته. فمقصود بها المعرفة الخاصة على طريقة خواص الصوفية، وهذه مرتبة عند الصادقين منهم لا يوصل إليها إلا بالتعبد والتنسك وأشياء كثيرة، فهذه هي المعرفة التي قصدها رويم. فيكون جوابه عن أعظم واجب لا عن أول واجب.

هذا كما ترى، ثم ذكر أبو القاسم بغير إسناد، خلصنا من مناقشة القشيري في هذا الموضوع، قال: ثم ذكر أبو القاسم بغير إسناد عن الجنيد أنه قال: «إن أول ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، والقديم من المحدث، ويذل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته، فإن لم يعرف مال الله لم يعترف بالملك لمن استوجبه». وهذا كلام حسن يناسب هذا الكلام، هذا الكلام النقل من القشيري لكلام الجنيد جيد عموماً، فليس فيه إشكال.

قال: وقد ضمن هذا الكلام التمييز بين المخلوق والخالق لكي لا يقع السالك في الاتحاد والحلول كما وقعت فيه طوائف، وذكر أصلين: التصديق والانقياد؛ لأن الإيمان قول وعمل. معرفة صفة الخالق من صفة المخلوق، هذا واضح بحد ذاته، يمنع وجود حلول أو اتحاد على طريقة الحلولية.

قال: لأن الإيمان قول وعمل، فذكر معرفة الصانع، وذكر الذل لدعوته والاعتراف بوجوب طاعته، وهذا من أصول السنة، وأئمة المشايخ خصوصاً المشايخ الصوفية؛ فإن أصل طريقهم الإرادات، التي هي أساس العمل، فهم في الإرادات والعبادات والأعمال والأخلاق أعظم رسوخاً منهم في المقالات والعلوم. وهذه هي القاعدة الصوفية: في باب الإرادات والأعمال أرسخ منهم في باب المقالات والعلوم.

الصوفية في العادة لا تذهب لتأخذ منهم علوم العقائد وتأخذ منهم أصول السنة والفقهيات، هي ليست شغلتهم. شغلتهم هي الإرادات، السلوك، البرامج الإيمانية؛ هم أرسخ في ذاك المقام منهم في هذا المقام. قال: «وهم بذلك أعظم اهتماماً وأكثر عناية، بل من لم يدخل في ذلك لم يكن من أهل الطريق بحال». يعني بل لم يدخل في باب الإرادات والأعمال لا يعتبر صوفياً أصلاً.

قال: وهذا الحق، فإن الدين والإيمان قول وعمل، وأوله قول القلب وعمله، فمن لم ينقد بقلبه ولم يذل لله لم يكن مؤمناً ولا داخلاً في طريق الله. ولهذا لم يتنازع المشايخ أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه، وأن أعمال القلوب من الإيمان، كما يتنازع غيرهم. وكما قلنا، كلمة المشايخ متى أطلقت في الكتاب فمن المراد بها الصوفية، أئمة الصوفية.

قال: وذكر أبو القاسم بعد هذا كلاماً عن المشايخ فيه جمل مستحسنة. قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: سمعت محمد بن عبد الله يقول... كل ما سينقله القشيري كلام جيد عموماً. قال: سمعت أبي الطيب المراغي يقول: «للعقل دلالة، وللحكمة إشارة، وللمعرفة شهادة؛ فالعقل يدل، والحكمة تشير، والمعرفة تشهد». وأن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد. هذه الكلمة لأبي الطيب، أن صفاء العبادات يعني لا يمكن أن تصفو لك العبادات إلا إذا أخلصت التوحيد لله سبحانه، كلام جميل.

ثانياً: قال: وسئل جنيد -ولم يسنده- عن التوحيد، فقال: «إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحاديته؛ أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد، بنفي الأضداد والأناد والأشباه، فلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]».

وقال: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى الصوفي، قال: حدثنا عبد الله بن علي التميمي الصوفي، قال: يحكى عن الحسين بن علي الدامغاني، قال: سئل أبو بكر الزاهد عن المعرفة، فقال: «المعرفة اسم ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه». وقال أبو الحسن البوشنجي رحمه الله: «التوحيد أن يعلم أنه غير مشبه للذوات، ولا منفي الصفات». وهذان قولان حسنان، ولا يتنازع في هذه الجملة أهل السنة والجماعة، يعني كلام في الجملة جميل.

قال أبو القاسم القشيري: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر الطوسي السراجي يحكي عن يوسف بن الحسين، قال: قام رجل بين يدي ذي النون -وذو النون أحد أئمة التصوف الأوائل، وهو رجل من أهل الخير والصلاح في الجملة، عليه بعض الكلمات يؤخذ عليه لكن عموماً رجل موفق في الجملة- قال: فقال أخبرني عن التوحيد ما هو؟ فقال...

تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا امتزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج وعلة. كل شيء صنعه لا علة لصنعه، وليس في السماوات العلى ولا في الأراضين السفلى مدبر غير الله، وكل ما تصور في وهمك فالله بخلافه.

تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا امتزاج؛ قالوا بلا امتزاج، يعني ليست عن وجود أشياء امتزجت فأعطته القدرة، بخلاف المخلوقين، فإن قدراتنا تنشأ عن امتزاج أخلاط، هكذا يقولون، في داخل الإنسان من الأعصاب والتفكير وما شابه ذلك تولد القدرة. فقدرة الله ليست ناشئة عن امتزاج أخلاط، وصنعه للأشياء بلا علاج؛ لأن الله إذا صنع شيئًا لا يعالج ذلك معالجة، نحن إذا صنعنا شيئًا بدنا نعمل ونهندس ونخطط ونشتغل، أما الله إذا صنع الأشياء فلا يعالجها معالجة كما يفعل المخلوق.

وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، يعني أن الله إذا صنع شيئًا لا يوجد هناك مؤثر خارجي على الله جعله يصنع هذا الشيء، بل هو خلص، إذا أراد أن يصنع شيئًا صنعه؛ لذا قال: «ولا علة لصنعه». ولا يصنع لوجود مؤثر خارجي، وليس المراد أنه يصنع بدون غاية، لا، انتبه؛ «ولا علة لصنعه» أنه لا يوجد مؤثر خارجي جعل الله يفعل شيئًا، لا، هو يفعل بإرادته، لكن إذا فعل بإرادته هل يفعل لغايات وحكم؟ بالتأكيد هذا موضوع آخر.

قال: «وليس في السماوات غيره»، والله هذا واضح. قال هذا الكلام غالبه في ذكر فعل الحق سبحانه وربوبيته، أخبر أنه رب كل شيء لا مدبر غيره، ردًا على القدرية ونحوهم ممن يجعل بعض الأشياء خارجة عن قدرة الله وتدبيره. نعم، القدرية تقول إن العبد يخلق فعله بنفسه، وهذا فيه إثبات لربوبية أخرى في هذا الكون.

أخبر أن قدرته وصنعه ليس مثل قدرة العباد وصنعهم، فإن قدرة أبدانهم عن امتزاج الأخلاط، وأفعالهم عن المعالجة، والله تعالى ليس كذلك كما قلنا، فإن البشر القدرة عندهم ناشئة عن امتزاج أخلاط هكذا يقولون، وأفعالهم تكون عن معالجة وتدبير، وحال الله ليس كذلك، وإنما أمره إذا أراد شيئًا كان، نعم.

وأما قوله: «علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه»، فقد تقدم أن هذا يريد به أهل الحق معناه الصحيح؛ أن الله سبحانه لا يبعثه ولا يدعوه إلى الفعل شيء خارج عنه كما يكون مثل ذلك للمخلوقين، فليس له علة غيره، بل فعله علة كل شيء، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، المقصود أن إرادته هي العلة لوجود كل شيء، ولا توجد علة خارجية أو وجهت الله أو ألزمت الله -حاشاه سبحانه- أن يفعل شيئًا.

ومقصود أبي القاسم يبين أن القوم لم يكونوا على رأي القدرية من المعتزلة، وهذا حق؛ يريد أن يبين القشيري أن الصوفية ليسوا على طريقة المعتزلة. المعتزلة الذين يثبتون أن العبد يخلق فعله بنفسه، بل المعتزلة الصوفية يثبتون القدر التام، بالعكس، حتى الصوفية هم أكثر من يغلو حتى في القدر، فيصيروا إلى الجبر في كثير من الاستسلام للقدر، يتذكروا عبارات السكندري وغيره، يعني هم أصلاً جماعة الاستسلام للأقدار.

قال: «فما نعلم في المشايخ المقبولين في الأمة من كان على رأي المعتزلة، لا في قولهم في الصفات بقول الجهمية، ولا في قولهم في الأفعال بقول القدرية». فبالتالي عليك أن تعرف أن الصوفية هم أبعد الناس عن نفي الصفات، فهم ليسوا على طريقة الجهمية في نفي الصفات، بالعكس، طريقة التصوف تقتضي إثبات الصفات والعيش مع الصفات وما شابه ذلك. وكذلك في الأفعال ليسوا على قول المعتزلة ولا في قولهم في الأفعال بقول القدرية، لأن الصوفية هم أئمة الاستسلام للقدر، فلا يتماشى مع طريقتهم في التفكير أن يكونوا على طريقة القدرية في إثبات أن العبد يخلق فعله بنفسه.

بل هم أعظم الناس إثباتًا للقدر وشهودًا له وافتقارًا إليه، حتى يصل الحال ببعضهم للشهود السلبي، فلا يقاوم قدرًا ولا يفعل شيئًا أصالة وافتقارًا إلى الله والتجاءً إليه. حتى إن من المنتسبين إلى الطريق من غلا في القدر فأصبح يوظف القدر بطريقة خاطئة، حتى يذهب إلى الإباحة والجبر، وبالتالي يستبيح كل شيء من الحرام ويقول: «شو؟ قضاء وقدر»، حتى يصل لاستباحة المحرمات بحجة القضاء والقدر، ويعرض عن الشرع والأمر والنهي، فهذه الآفة توجد كثيرًا في المتصوفة والمتفلسفة، وأما التكذيب بالقدر فقليل فيهم جدًا، فالتكذيب بالقدر هذا ليس على طريقتهم.

ثم ذكر عنهم في الإيمان كلمتين يدل بهما على أن الإيمان عندهم مجرد تصديق، وليس هذا مذهب القوم، بل حكاه عن الجنيد. أراد القشيري أن يستدل على أن طريقة الصوفية في تعريف الإيمان أنه مجرد تصديق القلب، وهذه طريقة المتكلمين، طبعًا تعرف القشيري يريد أن ينصر طريقة المتكلمين ويقول إن الصوفية مش على طريقة المتكلمين، فذكر عن مشايخ الصوفية في الإيمان جملتين أراد أن يستدل بهما القشيري على أن الإيمان عند الصوفية كالإيمان عند المتكلمين، مجرد تصديق القلب، ولا يدخل فيه قول اللسان وعمل الجوارح.

يقول ابن تيمية: «وليس هذا مذهب القوم على الحقيقة، بل هذا مما فهمه القشيري أو أراد أن يستدل عليه، فاستدل بكلام الجنيد». فقال الجنيد: «التوحيد علمك وإقرارك بأن الله فرد في أزليته لا ثاني معه ولا شيء يفعل فعله»، وقال أبو عبد الله بن خفيف: «الإيمان تصديق القلوب بما أعلمه الحق من الغيوب».

هاتان هما الكلمتان التي استدل بهما القشيري، وأين وجه الاستدلال؟ أنه لما قال الجنيد: «التوحيد هو الإيمان»، فكأن التوحيد محصور في العلم والإقرار، وكذلك ما ذكره عن أبي عبد الله بن خفيف أن الإيمان هو تصديق القلوب. حقيقة هذا الكلام الذي ذكره الجنيد والخفيف صحيح، لكن هم لم يريدوا أن يعرفوا الإيمان بالمعنى الاصطلاحي أو المعنى التام، فعبارات الصوفية هي عبارات إيمانية روحانية، وليست عبارات علمية يراد بها التعريف الجامع المانع، فأخذك من هذه العبارات الإيمانية أن الإيمان عند الصوفية هو التصديق فقط.

أظن هذا النوع من الاستدلال فيه تكلف، لذلك ذكر عنهم في مسألة الاستثناء، وهذا المذكور عن الجنيد وابن خفيف حسن وصواب، لكن لم يدل على أن أعمال القلوب ليست من الإيمان. ذكروا طرفاً، ثم ذكر أنهم في مسألة الاستثناء في الإيمان شيئاً حسناً.

لاحظ أن ابن تيمية يناقش نقاشات سريعة؛ لأنه في الكتاب كله لن يكون في العقيدة، بل سيأتي ليناقش الصوفية الآن في مسألة السماع والطرب، وفي النهاية ابن تيمية يمشي بسرعة على رؤوس المسائل التي نحن نخالف فيها. فمثلاً مسألة الاستثناء في الإيمان مسألة فيها نقاش طويل وخلاف كبير، وصورة المسألة عموماً أن الإنسان إذا سئل: هل أنت مؤمن؟ فهل يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ أم أن هذا يعني أنه يشك في إيمانه فيؤدي به الاستثناء إلى الكفر؟

ما اعتقد أهل السنة والجماعة عموماً أن الاستثناء صحيح، وأن الإنسان إذا سئل: هل أنت مؤمن؟ فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وما وجه أن يقول إن شاء الله؟ سيأتي معنا إن شاء الله.

قال أبو العباس السياري: «عطاؤه على نوعين: كرامة واستدراج، فما أبقاه عليك فهو كرامة، وما أزاله عنك فهو استدراج». فقل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. أبو العباس السياري يقول إن عطاء الله للإنسان على نوعين: هناك عطاء كرامة، ويستدل على ذلك ببقائك على هذا الخير إلى أن تلقى الله، وعطاء يكون استدراجاً، ودلالته أن يسلبك إياه قبل الموت. فيقول: فإن أبقاه عليك فاعلم أنه كرامة، وإن أزاله عنك فهو استدراج.

وبالتالي، هل أنت تعرف بماذا سيختم لك؟ لأنك كيف تعرف أن عطاءه كرامة ولا استدراج؟ بالختام. وقوله إن أبقاه عليك حتى تموت فهو كرامة، وإن سلبه منك قبل أن تموت فهو استدراج. إذا العبرة بالخواتيم، وما دامت العبرة بالخواتيم، فإذا سئلت وأنت على قيد الحياة: هل أنت مؤمن؟ فماذا قال أبو العباس؟ فقل: أنا مؤمن إن شاء الله، فإنك لا تعرف الخواتيم. هكذا يريد أن يقول لك، فقل: أنا مؤمن إن شاء الله، فإنك لا تعرف هل عطاؤه لك كرامة أو استدراج؛ لأن العبرة بالخواتيم.

وهذا هو الملحظ الذي لاحظه المتكلمون عموماً، فكثير من الأشاعرة والعلماء حتى من الفرق الأخرى يقولون -كقول أهل السنة- إنه الإنسان إذا سئل: أنا مؤمن؟ يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولكن قد تختلف التعليلات؛ فهم يقولون إننا نقول إن شاء الله لأننا لا نعرف بماذا سيختم لنا، وهذا يسمى عندهم بالموافقة؛ لا تعرف بماذا سيختم لك فقل: أنا مؤمن إن شاء الله لأنك لا تعرف الخاتمة. وهذا عموماً ليس خطأ كما يظن البعض أن هذا التعليل خطأ، وإن كان هو المشهور عند المتكلمين. وصحيح أنك تعرف ماذا يختم لك، فقل: أنا مؤمن إن شاء الله إن كنت تقصد أنك تخشى أن يسلبك الإيمان في آخر عمرك، لكن هناك أيضاً دوافع أخرى لقولنا إن شاء الله سيذكرها ابن تيمية.

قال أبو العباس السياري -وكان شيخاً- أراد أن يبين أن هذه الكلمة كلمة معلم. وقال: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: «غمز رجل أبا العباس السياري»، فقال: «تغمز رجلاً لم تمشِ في معصية الله تعالى منذ خلقت؟». يعني واحد قرص أبا العباس في رجله، أو أوجعه، فقال: تغمز رجلاً لم تمشِ في معصية الله تعالى منذ خلقت؟ يدل على أن رجلاً من أهل الزهد والورع لم يعصِ الله ولم يسر إلى مكان خطأ في مرة من حياته.

وقال أبو بكر الواسطي: «من قال أنا مؤمن بالله حقاً، قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة، فمن فقده فقد بطل دعواه». من نفس الشيء، أبو بكر الواسطي لما يقول: من قال أنا مؤمن بالله حقاً ولم يقل إن شاء الله؟ قل له: الحقيقة أن تقول حقاً هذا يحتاج إلى إشراف واطلاع. ما معنى إشراف واطلاع؟ يعني أن تكون مطلعاً على خاتمتك، هل كُشف لك الغيب ونظرت في اللوح المحفوظ فعرفت أنه ختم لك بالخير؟ أن تقول حقاً هذا يحتاج إلى إشراف واطلاع وإحاطة على ما كُتب لك في قدر الله بماذا سيختم لك؟ فمن فقد هذا الإشراف والاطلاع -وكلنا ذاك الرجل- طبعاً فقد بطل دعواه، ما يقدر يحكي حقاً، بل عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

قال أبو القاسم، يريد بذلك ما قاله أهل السنة من أن المؤمن الحقيقي من كان محكوماً له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكم الله تعالى، فدعواه بأنه مؤمن حقاً غير صحيحة. قلت: الاستثناء في الإيمان سنة عند عامة أهل السنة. قال ابن تيمية: نعم، وقد ذكره طائفة من المرجئة وغيرهم، وأوجبه كثير من أهل السنة، ومن وجوهه وجهان حسنان.

ما علة الاستثناء في الإيمان وأن الإنسان ينبغي أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله؟ قال: أحدهما أن الإيمان الذي أوجبه الله على العبد من الأمور الباطنة أو الظاهرة، لا يتيقن أنه أتى بها على الوجه الذي أمر به كاملاً، بل قد يكون أخل ببعضه فيستثني لذلك. وهذا أول وجه وهو أهمها، أننا أهل السنة والجماعة إذا سئلنا نقول: أنا مؤمن إن شاء الله، باعتبار أن الإيمان قول وعمل، وهذه الأقوال والأعمال كثيرة، والإنسان لا يستطيع أن يجزم أنه أتى بها كما أراد الله حقاً. هل أنت ضامن أنك صليت وزكيت وتقوم بالخشية والإنابة والرجاء والخوف بالتفاصيل التي يريدها الله؟ لا أحد يستطيع أن يجزم ذلك، فما دام القصور حاصلاً ولا أحد يجزم بكمال أنه أتى بما يريده الله من الأقوال والأعمال، فالأصل أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي أرجو ذلك.

الوجه الثاني، كل مراد بهذا الوجه أن المقصود هو كمال الإيمان وليس أصل الإيمان. الإيمان قول وعمل، أما إذا كنت تسأل عن أصل الإيمان، يعني هل أنت مؤمن أو كافر؟ هنا لا يصح الاستثناء، هنا تقول أنا مؤمن، إذا كان السؤال عن أصل الإيمان.

الإيمان، يعني أنت مؤمن بوجود الله، لا تقول والله أنا مؤمن بوجود الله إن شاء الله، لا بد أن تكون جازماً في هذه القضية. فالسؤال هنا عن الإيمان بكلّيته، هذا الذي تسأل عنه وتقول فيه إن شاء الله.

قال: والوجه الثاني أن المؤمن المطلق من علم الله أنه سيوافيه بالإيمان، وهي التي يسمونها مسألة الموافاة. أن المؤمن الحقيقي في الختام هو من علم الله أنه سيوافيه بالإيمان، يعني سيموت على الإيمان. أما الإيمان الذي تعقبه الردة، فهو إيمان ماذا؟ باطل.

هنا نحن في نقاش بيننا وبين الأشاعرة في هذه القضية؛ هل الإيمان الذي تعقبه الردة هو إيمان باطل الآن؟ هم يقولون إنه باطل الآن وإن كنت أنت لا تعرف أنه باطل. يعني الإنسان المؤمن الذي في علم الله أنه سيرتد ويموت -والعياذ بالله- عدا الردة، هل هو الآن وهو يمارس الإيمان قبل أن يرتد، هل نقول إنه إيمانه الآن باطل، أم نقول لا، هو الآن إيمانه صحيح لكنه سيرتد؟

الأشاعرة ومن سار في فلكهم يقولون: لا، هو من الآن باطل. وهنا خلافنا معهم؛ نحن خلافنا ليس في أصل الموافاة، فبالتأكيد نحن متفقون أنه في النهاية العبرة بالموافاة وبالخواتيم، لكن نقاشنا هو: هل هو الآن قبل أن يرتد وهو في حال سلامته، نقول إنه كافر في الباطن لأنه سيموت على الكفر، أم نقول لا، هو الآن مؤمن في الباطن ثم بعد ذلك سيتغير هذا الباطن ويموت على الكفر؟

الصحيح أنه الآن مؤمن ظاهراً وباطناً، حتى ولو علم الله أنه سيرتد بعد ذلك. فكونه سيوافي على غير الإيمان، لا يستلزم أن نقول إنه الآن ليس مؤمناً، بل هو كافر في الباطن وإن كان يمارس ممارسات أهل الإيمان، هذا هو النقاش بيننا وبين المتكلمين.

قال: فإما الإيمان الذي تعقبه الردة فهو باطل، كالصوم والصلاة الذي يبطل قبل فراغه. فلا يعلم العبد أنه مؤمن حتى يقضي جميع إيمانه، وذلك إنما يكون بالموت. وهذا معنى ما يروى عن ابن مسعود أنه قيل له: إن فلاناً يقول إنه مؤمن، قال: فقل له: أهو في الجنة؟ فقال: الله أعلم. قال: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟

جميل، يعني لما قلت: هل هو في الجنة؟ إيش قال؟ الله أعلم. ففي نفس الشيء بالنسبة للإيمان، قل: الله أعلم؛ ليس الله أعلم عن أصل الإيمان، لا، بل الله أعلم هل سأموت على الإيمان أو لا.

قال: وهذا الوجه تختاره طائفة من متكلمي أهل الحديث المائلين إلى الإرجاء كالأشعري وغيره ممن يقول بالاستثناء. لذلك الأشعري وغيره من متكلمي أهل الحديث هؤلاء يميلون إلى تعليل الاستثناء في الإيمان بالوجه الثاني، قضية الموافاة. وأما الوجه الأول لماذا لا يفضلونه؟

أحسنت، لأنه الوجه الأول سيقتضي أن الإيمان قول وعمل، وهم لا يريدون أن يقولوا الإيمان قول وعمل، بل الإيمان هو فقط التصديق، وكثير منهم يرى أن التصديق أصلاً لا يزيد ولا ينقص، إما موجود أو معدوم. وبالتالي هم لا يعللون الاستثناء في الإيمان بالوجه الأول ولا بالوجه الثاني. أما نحن، فليس عندنا مشكلة، كلاهما صحيح عموماً.

قال: وما يدخل الأعمال في مسمى الإيمان، فيجعل الاستثناء لا يعود إلا إلى النوايا فقط. أظن هذا خطأ أيضاً من المحققين، بل إلى الموافاة فقط. حتى لاحظوا في الحاشية أنها "موافاة" في الأصل، هو حولها للموافاة وليس للنوايا. هو شاف "الموافاة" وقال هذا تحريف، وأرى أن الصواب ما أثبته، هي الموافاة.

فيجعلون لذلك، فهم لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، فيجعلون الاستثناء لا يعود إلا إلى الموافاة فقط، وهذا هو المشهور. يعني هم يرون أن الاستثناء من جهة أنك لا تعرف بماذا ستوافي الله، أي بماذا سيختم لك.

قاله هو الذي ذكره أبو القاسم وفسر به كلام أبي بكر الواسطي، وكلام الواسطي يحتمل الوجهين جميعاً؛ كلام الواسطي الذي في الصفحة السابقة لما قال: «الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة»، قال: فإن الإشراف والاطلاع قد يكون على الحقيقة التي هي عند الله في هذا الوقت، وقد يكون على ما يوافي به العبد. وأما كلام أبي العباس فظاهر في أنه راعى الخاتمة. أما أبو العباس السياري لما قال: «إن عطاء الله كرامة واستدراج»، فهذا يدل على أنه اعتبر الختام.

قال: فإن قيل: إذا كان القدر السابق لا ينافي الأسباب، فما... (أعتقد أن هناك سقْطاً في الكلام، تشعر أننا انتقلنا لموضوع ليس له علاقة بما قبله، الظاهر أنه سقط من كتاب الاستقامة، والله أعلم، من عند قوله "فإن قيل" ستجد موضوعاً جديداً مختلفاً، فقد يكون هناك سقط في كم صفحة من أصل مخطوط كتاب الاستقامة).

لاحظوا السؤال نفسه: إذا كان القدر السابق لا ينافي الأسباب، فما وجه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقي، فاصبر على ذلك أو داع».

واضح أن هناك كلاماً عن القضاء والقدر كان قد سقط من الكتاب. وخلاصة ما يقال: نحن عادة أهل السنة والجماعة ماذا نقول؟ هل القدر ينافي الأخذ بالأسباب؟ هل وجود قدر سابق يعلمه الله ينافي أننا نذهب لنعمل ونذهب لنتزوج؟ القدر لا ينافي الأخذ بالأسباب. فهنا سؤال طرح: إذا كان وجود القدر لا ينافي الأخذ بالأسباب، فكيف نجيب عن...

هذا الحديث الذي ظاهره أن القدر ينافي الأخذ بالأسباب؛ شو الحديث؟ حديث أن الرجل الذي قال: «يا رسول الله، إني أخاف على نفسي الزنا»، بمعنى عنه، يعني الزنا وما عندي مال أتزوج به، فسكت عني، ثم قلت ذلك فسكت عني، ثم قال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة، جف القلم بما أن لاقيه في حياتك».

هل أنت ستزني أو لن تزني؟ جف القلم بما كتب لك في ذلك. فاختصيت أو لم تختص، أخذت بالسبب أو لم تأخذ، ستجد ما كتب لك. ستجد ما كتب لك؛ ظاهره أن القدر السابق لا يغيره الأخذ بالأسباب، فاختصيت أو لم تختص ستجد نصيبك، إن كتب الله أنك ستزني ستزني، وإن كتب الله أنك لن تزني لن تزني. نعم، قال: فهذا يقتضي أن اختصاؤه الذي قصد أن يمتنع به من الفاحشة لا يدفع المقدور.

وكذلك في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أنهم سألوا النبي ﷺ عن العزل، فقال النبي ﷺ: «العزل هو أن إذا جاء مع الرجل وزوجته أن يقذف خارج الفرج»، أن يكون القذف للسائل المنوي خارج الفرج. فقال النبي ﷺ: «لا عليكم أن تفعلوا، فما من نسمة كتب الله أن تكون إلا وهي كائنة»، يعني مش مشكلة، فعلتم أو ما فعلتم، ما في مشكلة؛ ففي النهاية إذا كتب الله أنه في ولد سيأتي، سيأتي عزلت أو لم تعزل.

طيب، شو ظاهر هذا برضه؟ أنه القدر السابق لا يؤثر فيه تعاطي الأسباب. قال: فهذا يقتضي أن عزل الماء -وهو سبب لعدم العلوق- لا فائدة فيه لدفع ما كتبه الله من الأولاد.

وفي الصحيحين عن ابن عباس، وهو في مسلم عن عمران بن حصين، وهذا لفظه: أن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعة آلاف بغير حساب». قال: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت منهم». فقام رجل فقال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة». فقد جعل التوكل ها هنا موجباً لترك الاكتواء والاسترقاء، وهما من الأسباب. وفي الصحيح أيضًا فهذا يدل على أن الأصل عدم الأخذ بالأسباب.

قال: وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة تزوج النبي ﷺ: «اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية». فقال النبي ﷺ: «قد سألتِ الله لأجل مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل الله شيئًا قبل أجله، ولن يؤخر شيئًا عن أجله، ولو كنت سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل».

وذكرت عنده القردة والخنازير؛ طيب هذا يدل على ماذا؟ على أن تسأل الله عز وجل مثلاً طول العمر لن ينفع هذا الدعاء، لأن طول العمر خلص، جف القلم بما أنت حاصل، فالأخذ بالأسباب هنا بأن تدعو بطول العمر أيضًا لا فائدة منه.

قال: وذكرت عنده القردة والخنازير، هي من مسخ، فقال إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا. وهذه لا تتوالد، القردة والخنازير تتكاثر، مما يدل على أنها ليست أمة من البشر مسخت قردة وخنازير، لا، القردة والخنازير حيوان موجود طبيعي. وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك، وفي رواية قال رجل: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مسخ؟ فقال النبي ﷺ: «إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا».

هذا الحديث أخبر فيه أن الدعاء هو من الأسباب لا يفيد في إطالة الأعمار، ويفيد في النجاة من عذاب الآخرة. قيل: ليس كل ما يظنه الإنسان سببًا يكون سببًا. الآن هذه الأحاديث كلها، إيه، ممكن يعتمد عليها الصوفية في ماذا؟ في ذلك الأخذ بالأسباب. هذا يريد أن هذا هو النقاش، وإن كنت في صفحات ساقطة، لكن هذا هو النقاش الظاهر، أن معروف بمذهب أهل التصوف الاستسلام التام للقدر، ويقول لك لا حاجة للأخذ بالأسباب؛ هذا يقول بعضهم -طبعًا من المتأخرين- لأن القدر جف وانتهى، فاستسلم لقدرك فلا تتداوى ولا تقاتل عدوًا ولو غزي بلدك، خلص جف القلم بما هو كائن. فصارت نظرية عدم الأخذ بالأسباب من أكثر النظريات تأثيرًا على الفكر الصوفي، خصوصًا عند المتأخرين، فما عادوا يتعاطونها بحجة وجود القدر السابق، ويستدلون على نظريتهم بماذا؟ بمثل هذه الأحاديث.

أقول: هي الأحاديث هذه تدل على أن الأخذ بالأسباب لا يؤدي إلى تغير الأقدار. فالآن ابن تيمية سيحاول أن يجيب عن فهم هذه الأحاديث، فقال: قيل ليس كل ما يظنه الإنسان سببًا يكون السبب، وليس كل سبب مباحًا في الشريعة، بل قد تكون مضرته أعظم من منفعته.

أولاً: يقول ابن تيمية كقاعدة عامة في الأسباب، بدك تفهم أنه ليس كل ما يظنه الإنسان سببًا لتحصيل النتيجة يكون سببًا على الحقيقة، فقد تتعاطى أمورًا أنت تظن أنها سبب وهي في الواقع ليست سببًا.

ثانيًا: في بعض الأمور قد تكون أسبابًا من بعض الوجوه، لكن الله يحرمها لأن ضرارها أكثر من نفعها، يعني الخمر سبب في اكتساب المال، لكن لما كان ضررها أكثر من نفعها حرمها الله سبحانه وتعالى، فليس كل سبب أيضًا يبيح الله لك أن تتعاطاه، فينهى عنه من هذه الجهة.

ثالثًا: ليس كل سبب مقدور للعبد؛ في أمور أسباب لكنها خارجة عن قدرة العبد كالأمور الكونية، هذه أنت لا تستطيع أن تتحكم فيها، وإذا الله عز وجل هو الذي يأتي بالسبب ليدفع المسبب وهو خارج عن قدرتك، هذه قضية ثالثة أيضًا.

قال: فالعبد يؤمر بالسبب الذي أحبه الله، ويؤذن له فيما أذن الله فيه، مع أمره بالتوكل على الله تعالى، فأما ما لا قدرة له فيه فليس فيه إلا التوكل على الله والدعاء له، وذلك من أعظم الأسباب التي يؤمر بها العبد أيضًا. فخلاصة ذلك أن العبد يؤمر بالسبب المقدور له الذي يحبه الله ويأذن فيه، أما سبب أصلًا هو غير مقدور لك، فهذا الشيء الطبيعي أنك لن تذهب إليه ولن تؤمر به لأنه أصلًا خارج عن قدرتك.

الحالة لما يكون شيء خارج عن قدرتي، ماذا المطلوب مني؟ التوكل والدعاء، وهذا أصلاً من أعظم الأسباب.

ثم قال: وما كان من الأسباب محرماً لرجحان فساده على صلاحه، أو غير نافع لا يفيد بل يظن أنه نافع، فإنه لا يؤمر به أيضاً؛ فإن العبد أيضاً لا يُجرَّب بتعاطيه. فنحن متفقون معكم يا صوفي، نحن متفقون معكم أن الأسباب المحرمة والأسباب التي لا تفيد، نحن متفقون معكم أننا لا نتعاطاها ولا نريدها، هذا أيضاً متفق عليه.

قال: فلا يؤمر بما لا فائدة فيه، وما كان فساده راجحاً نهي عنه. وجماع الأمر أن الأسباب إما أن تكون مقدورة أو غير مقدورة، فغير المقدور ليس فيه إلا الدعاء والتوكل. يريد أن يرتب لك الباب.

قال: والمقدور إما أن يكون فساده راجحاً أو لا يكون، فإن كان فساده راجحاً نهي عنه، وإن لم يكن فساده راجحاً فينهى عنه كما ينهى عن إضاعة المال والعبث؛ والتقدير وإن لم يكن فساده راجحاً لكن لا فائدة فيه، فهذا أيضاً ينهى عنه كما ينهى عن إضاعة المال والعبث.

وقال أيضاً: وأما السبب المقدور النافع منفعة راجحة فهو الذي ينفع ويؤمر به ويندب إليه. جميل، إذاً أولاً لما نقول إن الإنسان عليه أن يأخذ الأسباب ولا يحتج بالقدر ويقول: "لأنه في قدر"، لا، أنت مأمور أن تأخذ بالأسباب، لكن ما هو السبب الذي أنا مأمور أن آخذ به؟ قال: السبب المقدور الداخل تحت قدرتك النافع منفعة راجحة.

وقال أيضاً: وينبغي أن يعرف أن التوكل على الله من أعظم الأسباب، فربما كان بعض الأسباب يضعف التوكل، فإذا ترك ذلك كمل توكله، فهذا التقسيم حاصل. والتقسيم جميل، يقول: وينبغي أن يعرف أن التوكل على الله من أعظم الأسباب، فأحياناً أخذك ببعض الأسباب المادية قد يضعف مثلاً توكلك، والتوكل سبب آخر، فإذا تزاحمت الأسباب يُطلب منك أن تأخذ بالسبب الأعلى وتترك السبب الأدنى. سيوظف هذا في حديث الاسترقاء؛ أنه احتجوا بالقدر، فلما قال: "لا يسترقون"، هو ليس طلباً أن يأخذوا بالأسباب، بل ذهاباً إلى السبب الأعلى في مقابل ترك السبب الأدنى.

قال: فهذا التقسيم حاصل، والقدر يأتي على جميع الكائنات، وبهذا يتبين فقه الأحاديث. كيف الآن سيفصل أكثر؟ لنأتِ على أول حديث: الاختصاء. مش قال له: «جف القلم بما أن لاقيه، فاختص على ذلك أو دع». كيف نجيب عن حديث أبي هريرة في الاختصاء؟ قال: أما حديث الاختصاء فإن الاختصاء محرم لرجحان مفسدته. إذاً ماذا يقول لك: لماذا قالوا "اختص أو لا تختص"؟ قال: هذه عبارة قصد بها أن يبين أن الاختصاء حرام، لما كان الاختصاء سبباً محرماً لذلك قال له: «جف القلم بما أن لاقيه من الزنا»، فهذا السبب محرم.

وهذه ليست عبارة تعني "اعملوا ما شئتم"، ولا هي حث أو إعطاء تخيير وإباحة، لا، هو ينهاه عن هذا السبب لأنه سبب محرم. لكن لو نهى عن هذا السبب، ممكن بعض يقول لك: يا أخي ماشي، هو نهى عن هذا السبب، بس هو في النهاية ماذا قال له: «جف القلم بما أن لاقيه»، فظاهر الكلام أنه أنت لو تعاطيت هذا السبب المحرم إذا كُتب لك الزنا ستزني. طب كيف؟ إذا اختصى يستحيل أن يزني.

فهمتم الاستشكال الذي سيأتي؟ أنه لو شخص فعل هذا السبب المحرم واختصى وقطع ذكره، كيف تقول له: «جف القلم بما أن لاقيه»، إذا كان كُتب له الزنا ستزني؟ لنكمل مع ابن تيمية.

قال: وقد ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «زجر رسول الله ﷺ عثمان بن مضعون عن التبتل، ولو أذن لاختصينا جميعاً حتى نتفرغ للعبادة». بين النبي ﷺ أنه مع ركوب الاختصاء المحرم لا يسلم من الزنا، بل لابد أن يفعل ما كُتب عليه منه.

انظر للفهم في هذا الحديث، قد لا يأتي من أول وهلة. يقول ابن تيمية: والنبي ﷺ قال لأبي هريرة حتى لو فعلت الاختصاء المحرم أنت لن تسلم من الزنا، كيف؟ قال: بل لابد أن يفعل ما كُتب عليه من الزنا. ذهب ابن تيمية إلى فكرة أن الزنا ليس فقط زنا الفرج، بل الزنا مفهوم عام يشمل زنا العين وزنا الجوارح، والفرج أحد أشكال الزنا.

قال كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة». فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واللسان يزني وزناه المنطق، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطى، والنفس تتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

فهمتم وجهة نظره؟ أنه معنى حتى لو فعلت اختصاء أو لم تختص، فقد جف القلم بما أن لاقيه. هو لا يقصد أن الإنسان إذا قطع ذكره وكتب عليه أن يزني بالفرج سيزني، بل معنى الحديث أنه حتى لو قطعت الذكر أو اختصيت حتى تمنع زنا الفرج، فأنت ستلاقي أنواعاً أخرى من الزنا يُكتب لك أن تلاقيها؛ فقد تزني بعينيك، وقد تزني بسمعك، وقد تزني بلسانك. وهذا يدل على أن مفهوم الزنا مفهوم أعم من زنا الفرج. فهكذا فهم الحديث عند ابن تيمية؛ أن يقول «جف القلم بما أن لاقيه»، فحتى لو فعلت هذا السبب المحرم وهو الاختصاء لتمنع زنا الفرج، فأنت قد تلاقي في حياتك أنواعاً أخرى من الزنا كزنا العين وزنا اليد وما شابه ذلك. وهي طريقة غريبة قليلاً، فالفاهم فقط هو من حاول يوصلك فيها لقناعة؛ لأن المنطق أنه إذا واحد حتى لو أخذ سبباً محرماً وقطع ذكره، ففي النهاية لم يزني فرجه.

فكيف نقول إذا كنت ستزني ستزني، حتى لو قطعت ذكرك؟ ما هو بصير الكلام؟ يعني ظاهره متعارض.

نعم، يجوز أن نفهم المعنى أنه لو كتب الله عز وجل عليك الزنا لمنعك من الاختصاء أصلاً؛ هذا ممكن، لمنعك من الاختصاء، لكن ظاهر الحديث يقول له: اختص أو دع، يعني قطعت ولا ما قطعت، هيك قطعت أو لم تقطعه ستجد ما كُتب عليك، فهو يضع احتمالاً أيضاً أنه سيقطع. طب لو قطع، كيف سيكون؟ سيجد ما هو لاقيه من الزنا. ما هو انتهى، لا يوجد الآن عضو يزني به، فبدك شوية تعمم مفهوم الزنا هذا الذي يظهر.

نروح على حديث العزل؛ قال: «وأما حديث العزل فالعزل لا يمنع انعقاد الولد ولا تركه يجب الولادة». ولهذا لو عزل عن إنسان، كيف قال العزل لو فعلته لا يمنع انعقاد الولد؟ والعزل أن يقذف الرجل خارج الفرج، فكيف لا يمنع انعقاد الولد؟

سيقول ابن تيمية: «ولهذا لو عزل عن سريته وأتت بولد الحق به، فإن الماء سباق، مع ما فيه من ترك لذة الجماع». قوله «فإن الماء سباق» هي الفكرة، أنه أنت لما تحاول أن تعزل وتقذف خارج الفرج قد تكون نقطة من المني سبقت إلى الداخل قبل أن تسحب، قال: «الماء سباق»، وبالتالي أنت لا تضمن 100% أنه لا يوجد حيوان منوي دخل بالخطأ وأنت ما لحقت تخرجه، هذا الذي يقصده. فكأنه يقول له: عزلت أو لم تعزل، فإنك في لحظة السحر ممكن يكون نزل شيء، هذا معنى قوله: «فإنه ما من نبوة كتب الله أن تخلق إلا ستخلق».

فأنت قد تظن نفسك عزلت 100%، وسبحان الله كثير من الناس، حتى بيجي الشباب يقول لك استعملوا كل طرق منع الحمل، حط اللولب وحط الكذا وحط الكذا، ويقول لك هي حملت، فتقول سبحان الله، جف القلم بما هو كائن. هي النساء تأخذ احتياطاتها، لكن في النهاية إذا ربنا كتب رح يصير، يعني عدم انتباه تكتيكي وخصت راحت.

قال: «ما فيه من ترك لذة الجماع»، فأخبر النبي ﷺ بأن الولد المكتوب يكون عزلت أو لم تعزل، كما قال: «ليس من كل الماء يكون الولد». نعم، ليس من كل الماء، يعني الولد حتى يجي مش لازم كل الحيوانات المنوية تصل إلى الرحم، حيوان منوي واحد يكفي، وهذا يدل على أنه قصد النبي ﷺ مش أنه إذا تأكدت من عدم وصول الحيوان المنوي كله 100% سيأتي ولد، مش هذا مقصود الحديث.

دائماً بده يكون عندك نوع من المرونة في فهم الأحاديث وتوسيع الذهن، هذا ما يعلمك إياه ابن تيمية؛ أنه لا يقصد أنه حتى لو تأكدت عدم وصول أي حيوان منوي ومع ذلك سيأتي الولد، لا مش هيك المراد، وإنما المراد أن عادة الإنسان يحاول يأخذ بالأسباب ولكنه لا ينتبه أنه حصل جانب من التقصير ولو صغير، ربنا قدر أن يحصل هذا النوع ليحصل الولد. أما لو كان 100% لم يصل، أكيد ربنا قادر على أن يخلق ولداً في رحم المرأة كما خلق في مريم عليها السلام، بس أنه مش كل كن تكون مريم، نحن فاهمين هذه الفكرة.

قال: «فلا يكون ترك العزل سبباً للولادة ولا العزل سبباً لمنعها، والقدر ماض بالأمرين فلا فائدة فيه». ومثل هذا ما ثبت في الصحيح أنه نهى عن النذر، وقال: «لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل». فأخبر أن النذر ليس من الأسباب التي تجتلب بها المنفعة ولا تدفع بها المضرة، ولكن نلقيه إلى ما قدر له، فنهى عنه لعدم فائدته. فالنذر ليس سبباً حقيقياً مؤثراً عند الله سبحانه، فيقول لك: دعك من النذر، مش سبب عندي، وإنما خلاص يستخرج به من البخيل، فإذا أنت نذرت عاد دبر نفسك.

قال: «وأما حديث الفأى، فلم يصفهم بترك سائر التطبب، وإنما وصفهم بترك الاكتواء والاسترقاء». والاكتواء مكروه، وقد نهى عنه في غير هذا الحديث لما قال: «وإني أنهى أمتي عن الكي والمسترق»، لم يفعل شيئاً إلا اعتماده على الراقي، فتوكله على الله سبحانه وحده لا شريك له أنفع له من ذلك. فبالتالي الاسترقاء هو سبب من الأسباب، مش أن تطلب الرقية، لكن هناك سبب أعظم منه يريد الله أن يحصل منك وهو التوكل، فلذلك نهاك عن الاسترقاء ليس لكونه لا نفع له أو ليس سبباً، بل طلب أن تفعل السبب الأعلى، وليس مراده نفي السببية من أصله فيه.

وهذا الجواب الآخر وهو أن المسترقي يضعف توكله على الله، فإنه إنما طلب دعاء الغير ورقيته، فاعتماد قلبه على الله وحده وتوكله عليه أكمل الإيمان وأنفع له. جميل، فطلب منه السبب الأعلى.

قال: «وأما حديث أم حبيبة، حديث أم حبيبة هذا يحتاج أنك تتأمل فيه، أنها دعت بطول العمر». صحيح، اللهم أعني بزوجي وبأبي وبأخي معاوية، دعت بطول العمر. هل الدعاء بطول العمر، يا طال عمرك، هل الدعاء بطول العمر دعاء مشروع وسبب لإطالة العمر؟ كثير من الأعراف أحد بيقول يعني طال عمرك كذا وكذا، وهي الكلمة حتى بتلاقيها ماشية على الألسنة.

طيب هنا ما رأي ابن تيمية في قضية الدعاء بطول العمر؟ قال: «وأما حديث أم حبيبة ففيه أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء دون بعض». الآن آراء ابن تيمية هنا، على الأقل أنا لا أعرف إذا تعرض لهذا الموضوع في كتاب آخر، أظن ممكن تعرض له في كتاب الاستقامة، يقرر أن حديث أم حبيبة ماذا يفهم من أن الدعاء سبب؟ صحيح، سبب في حصول الأشياء، لكن في حصول بعض الأشياء دون بعض.

يعني ما نفهمه، خلاصة ما نفهمه من حديث أم حبيبة، أن الدعاء مشروع في أمور؛ لأنه وجهها إلى الدعاء في النجاة من عذاب القبر ودخول الجنة، وليس مشروعاً في أمور، ولا ينفي أصل سببية الدعاء، وإنما توجيه الدعاء إلى مكان تأثيره الحقيقي. فالدعاء ليس مشروعاً ولا مؤثراً في طول الأعمار، هي الخلاصة؛ فإن تقول اللهم أطل عمري، هذا الدعاء لا يؤثر، أما أن تقول يا رب نجني من النار، لا، هذا ما يفهم من حديث أم حبيبة، الآن هذا فهم قدمه.

ابن تيمية يرى أن الدعاء لا يشرع في إطالة العمر، ولكن يشرع في الأمور الأخرى. وفي فهم آخر قدمه بعض أهل العلم، واعتقدت أنه أيضًا له وجهات نظر، أن القضية ليست أن الدعاء لا ينفع في طول العمر، ولكن ينفع في الأمور الأخرى، القضية أن هنا في هذه الواقعة في عمر النبي ﷺ وعمر أبي سفيان وعمر معاوية؛ يعني النبي ﷺ قد يكشف له شيء من الغيب، فالنبي ﷺ عرف أن دعاء أم حبيبة في طول عمره هو وعمر معاوية وأبي سفيان هذا الدعاء لن يؤثر.

فهذه واقعة عين، يعني هو يقول لها: «دعاؤك لي لن يزيد في عمري»، فإنا أعلم أن الله قد قرر أن أموت في كذا وكذا، وأبو سفيان في كذا وكذا، ومعاوية في كذا وكذا. ففي واقعتنا الدعاء لن يؤثر، وإنما سألت الله لأجل مقصود انتهى. فالدعاء لا يشرع لإطالة العمر، فوجهها أن تسأل الله دعاءً آخر، فإن فعلت فيكون هذا نوع من قضايا الأعيان وليس على عمومه.

وبالتالي، هل يجوز الدعاء بطول العمر على هذا القول الثاني؟ نعم، على هذا القول الثاني ما في مشكلة، بس يجب أن تكون عارفًا أنه ممكن يفيد وممكن لا يفيد، بناءً على أنه ليس كل دعوة تقع كما أنت تريد، بل الله يحدد كيف يجيبها لك.

قال: «فالأعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له ونافع فيه». شايف ابن تيمية يقول لا يشرع الدعاء بطول العمر، فإنك تقول له واحد طال عمرك، ابن تيمية يرى أن هذا يحتاج إلى نظر.

قال: «فقد كتبت مسألة زيادة العمر بصلة الرحم في غير هذا الموضع، ولا يلزم من تأثير صلة الرحم ونحو ذلك أن يزيد العمر كما قد يقال بزيادة العمر بتأثير الدعاء». يعني قد يكون فعلاً طول العمر بصلة الرحم يزيد، لكن الدعاء لا يزيد بناءً على هذا الحديث، فكل حديث تعطيه حظه.

قال: «ولذلك كان يكره لأحمد أن يدعى له بطول العمر ويقول هذا فرغ منه». أحمد بن حنبل كان يكره أن أحد يقول: «طال الله عمرك»، كان يقول: «هذا فرغ منه». إذاً هذه على الأقل أحد الأفهام الموجودة في الحديث؛ أن الدعاء بطول العمر ليس دعاءً مشروعًا لأنه لن يؤثر، وهذا فهم لبعض السلف لهذا الحديث.

ثم ذكر ما جاء في الرؤية. انتهينا من هذا الموضوع وننتقل لموضوع رؤية الله يوم القيامة، وتعرفوا أن السلف عمومًا يقولون إن الله يُرى يوم القيامة، ومن نازع في ذلك القدرية والمعتزلة والأشعرية؛ حقيقة لأن مضمون كلامهم أنها ليست رؤية بالعين.

قال: ثم ذكر ما جاء في الرؤية. قال أبو القاسم: سمعت شيخًا، أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن العنبري يقول: سمعت سهلاً بن عبد الله التستري يقول: «يُنظر إليه تعالى المؤمنون بأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية».

وهذا الكلام من أحسن الكلام، وهو كلام سهل بن عبد الله في السنة وأصول الاعتقاد، أسد وأصوب من كلام غيره، فهو من الصوفية العلماء الحقيقة. وكذلك الفضيل بن عياض ونحوه، فإن الذين كانوا من المشايخ أعلم بالحديث والسنة واتبعوا، لذلك هم أعظم علمًا وإيمانًا. فالفضيل والتستري ليسوا فقط صوفية، بل هم في نفس الوقت علماء حديث، فهؤلاء تجد كلامهم متينًا قويًا في تأصيل الاعتقاد، وأجل قدرًا في ذلك من غيرهم.

وقول سهل: «ولا إدراك نهاية»، يتضمن شيئين: أحدهما نفي الإدراك الذي نفاه عنه، حيث يجمع ما أثبته الكتاب والسنة وما نفاه؛ لأن الله قال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ۖ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، وأثبت أيضًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، فرؤية الله ينظر إليه يوم القيامة في الجنة، لكنها نظرة لا يكون فيها إحاطة بكامل الذات الإلهية؛ فهذا معنى أن يجمع بين ما أثبته وما نفى.

والفائدة الثانية من كلام سهل التستري هي أنه نفى إدراك النهاية ولم ينفِ نفس النهاية. وهذه مسألة هل لله حد أو لا؟ وهي مسألة طويلة وفيها كتب ومصنفات، وأهل السنة والجماعة يثبتون الحد لله سبحانه. وعبارة التستري ماذا قال؟ قال: «ولا إدراك نهاية»، ما قال «ولا نهاية له»، بل قال «ولا تدرك النهاية».

وأهل السنة والجماعة في كتبهم ومصنفاتهم يثبتون الحد لله، لكن هذا حد لا يحيط به مخلوق ولا يتصوره مخلوق. ولكن هذا مهم؛ لأن هذا الحد يعني أن الخالق بائن عن المخلوق، وإلا لو لم تثبت أن لله حدًا فإنك ستعتقد أن الله سبحانه وتعالى متحد بمخلوقاته أو حال بها بشكل من الأشكال. طبعًا الحد لا يعني أن تقعد تتخيل، لا، هذا الشيء خارج العقل البشري أصلاً، لكن لا بد وأن تثبت أن لله ذاتًا منفصلة عن المخلوقين، وهذا الانفصال يعني أن لها حدًا. أما أن تفكر في هذا الحد، فهذا لا يبلغه أصلاً العقل البشري.

قال: «وهذا في الظاهر يخالف قول أبي القاسم: لا حد لذاته». لأن أبا القاسم قال في بداية الكتاب: «لا حد لذاته»، فيقول: هذه عبارة التستري تخالف في مضمونها ما أنت قلته يا قشيري.

ثم قال أبو القاسم: قال أبو الحسين النوري: «شاهد الحق القلوب، فلم يرَ قلبًا أشوق إليه من قلب محمد ﷺ، فأكرمه بالمعراج تعجيلاً للرؤية والمكالمة». وقصده بهذه الحكاية إثبات رؤية محمد ﷺ ربه ليلة المعراج، وهي مسألة الخلاف فيها طويل ومشهور، أنه رآه بقلبه.

وهذا هو قول أكثر أهل السنة؛ أنه ﷺ رأى ربه بفؤاده، فهي ليست رؤية عين وإنما رؤية تجلي، أي رأى النبي ﷺ ربه في ليلة المعراج رؤية تجلي في قلبه.

ثم ذكر ما جاء في العلو، فقال: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن الفarak يقول... الآن شوف، للأسف لما جاء للعلو أخذه من ابن فورك، وابن فورك أصلاً على طريقة الأشاعرة، وهو الذي أصلاً جمع كلام الأشاعرة ابتداء وسلك به.

قال: سمعت محمد بن المحبوب، خادم أبي عثمان المغربي، يقول: قال لي أبو عثمان المغربي يوما: يا محمد، لو قيل لك أين معبودك، ماذا تقول؟ قال: قلت أقول: حيث لم يزل. قال: فإن قال: فأين كان في الأزل؟ ماذا تقول؟ قال: أقول: حيث هو الآن. قال: يعني أنه كان ولا مكان، فهو الآن على ما عليه كان، فارتضى مني ذلك، ونزع قميصه وأعطاني، قال: خذ قميصه، ما شاء الله عليك، إجاباتك موفقة.

لاحظ أن أبو عثمان المغربي الآن، وهي القصة تدور على أبي عثمان المغربي، هو ماذا سأل تلميذه؟ أين الله؟ وتلميذه أجاب صح. إذاً السؤال: باين الله ابتداءً مشروع ولا لا؟ مشروع؛ إذا أنت ماذا تحكي لنا قبل قليل، القشيري لما سأل يقول لك: لا أين ولا متى، إذاً أنت بغض النظر عن القصة، ما هي الإجابة؟ السؤال: باين الله، سؤال مشروع بدليل أن الرجل أجاب.

قال ابن تيمية يقرأ: قال أبو القاسم، سمعت أبا بكر بن فورك يقول أيضًا -وهذا نقله عن أبي فورك-: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا من مكة: إني أسلمت الآن إسلامًا جديدًا. الآن نفس الشيء، عبارة مجملة أن أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئًا في الجهة. ماذا كان يعتقد؟ الله أعلم، لم نحكي شيئًا بالتفصيل، كان يعتقد شيئًا في الجهة وجاء بغداد ورفع الله عنه هذه الشبهة.

هنا في احتمالات كثيرة؛ ممكن يكون وصل لمرحلة التجسيم الحقيقي الذي نحن نرفضه، نحن لا نعرف ماذا كان الاعتقاد، فمثل هذه الحكاية لا يصير أن تبني عليها فكرة لأنها مجملة. المهم قال سيرد ابن تيمية، قال: قلت هذا الكلام الذي ذكره عن أبي عثمان كلام مجمل، ليس فيه دليل على أنه كان يقول: ليس فوق السماوات رب، أو لا إله كما يقول من يقول إن الله ليس فوق العرش. هذا الكلام يا قشيري لا تستطيع أن تستدل به على أن أبا عثمان المغربي، وهو يعتبر أحد أئمة التصوف ومرجعيهم، لم يكن يثبت علو الله؛ كل القصة التي أتيت بها لا تدل على ذلك صراحة.

قال: وقد يعبر عن ذلك بعضهم بأنه ليس في جهة، بل إقراره لخادمه على جواب السائل له: أين معبودك، يخالف ما ذكره أبو القاسم الذي قال في خطبته: كتاب الله تعالى عن أن يقال كيف هو أو أين هو. أولًا كما قلنا، إجابة لما سأل المغربي أين الله، هذا يخالف الذي طرحته أصلاً في بداية الكتاب لما قلت إن الله لا يجوز أن يُسأل عنه بالأين، فهذا يدل على جواز السؤال بالأين، وهذا أول شيء يقلب الدليل ضدك.

ثانيًا قال: فلو أراد ما ذكره أبو القاسم لقال: لا يقال أين هو، بل قال التلميذ: لا يجوز أن تقول أين الله لو كان هذا صحيحًا. ثانيًا قال: بل قال حيث لم يزل، وهذا لا يوافق قول من يقول: ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا هو فوق العرش ولا في جهة. ثانيًا، الإجابة التي قدمها خادمه ما هي؟ أنه قال لما سأله المغربي أين الله، فماذا أجاب؟ قال: حيث لم يزل، على الأقل هذه الإجابة لا توافق قول الأشاعرة إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم.

قال: إن لما سئل أين الله قال: حيث لم يزل منذ الأزل، فهذه تخالف إجابتك أنه لا داخل العالم ولا خارج العالم. ثم كمل: وحيث ظرف من ظروف المكان، فاستعمال الحيثية في الإجابة؛ حيث ظرف مكان، متفقون؟ إذاً هذا يدل على أن هذا الشاب الذي أجاب أثبت عموم المكان، قال: حيث ظرف مكان، إذا هو يتكلم عن جهة، عن مكان، ولكن هذا المكان طبعًا غير مخلوق، نحن متفقون على ذلك.

قال: لا يطلق إلا على الجهة والحيز، وعند النفاة لا يقال: حيث لم يزل ولا كان في الأزل بحيث؛ فالنفاة من الأشاعرة وغيرهم للعلو يمنعون الإجابة بالحيثية، فهذا أيضًا يقلب الدليل ضدكم. وكذلك قوله: فإن قال: فإن كان في الأزل، فقال: أقول حيث الآن، لا يستقيم عند من ينفي الجهة؛ فإنه لا يقال: أين كان في الأزل ولا يقال: حيث الآن، بل هذا السؤال والجواب ممتنع عندهم، وإن كانوا في ذلك مخالفين للنصوص وإجماع السلف وأئمة الدين.

فإن النبي ﷺ سُئل: «أين الله؟» فقال له المسؤول: «في السماء»، فحكم بإيمان من قال ذلك. وكذلك سُئل فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فأجاب عن ذلك. ولكن جواب أبي عثمان يوافق قول أهل الإثبات، وهم أهل الفطرة العقلية السليمة من الأولين والآخرين الذين يقولون إنه فوق العالم؛ إذ العلم بذلك فطري عقلي ضروري لا يتوقف على سماع إثبات العلو كما يقرره العلماء، إثبات فطري عقلي ضروري.

هذه الصفة لم يحتج في إثباتها إلى نقل، بل العقل وحده والفطرة تدل على علو الله سبحانه وتعالى. أما العلم بأنه استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فهذا سمعي أكيد. إثبات الاستواء على العرش هي صفة خبرية ليست عقلية، يعني أنا بالعقل لا أعرف أنه استوى أو لم يستوِ، وكيف عرفنا أنه استوى؟ بالنقل. بخلاف العلو، فنحن عرفنا علوه بالعقل قبل أن نعرفه بالنقل.

قال: وإنما علم من جهة أخبار الأنبياء، ولهذا شرع الله تعالى لأهل الملل الاجتماع كل أسبوع يومًا واحدًا، يكون الأسبوع الدائر دليلًا على الأسبوع الذي خلق الله فيه السماوات والأرض ثم استوى على العرش. أنتم تعرفون الحديث: «إن الله خلق السماوات في ستة أيام ثم استوى على العرش»، فصارت فكرة الأسبوع هذه فكرة إنما أتت بها الشرائع. ولذلك يعطيك فائدة جميلة أن الأمم التي ليس لها شرائع لا تعرف الأسبوع؛ الأمم التي ما عندها شرائع سماوية ما تعرف إلا اليوم والسنة، ما بتعرف أنه في شيء اسمه أسبوع أصلاً، فكرة الأسبوع دخلت من الأديان، أتت من فكرة أن الله خلق السماوات في ستة أيام.

يقول ابن تيمية: وإن كنت أنا ما عندي إحاطة دقيقة بهذا، من تأثرها بالشرائع، برضه لم يخالف العقل، وكأن هو شيء تبع البشرية.

ابن تيمية سيقول، لاحظ ماذا سيقول: إن الأمم التي لا تعرف شرائع، لا تعرف في تقييماتها أو في حساباتها الأسبوع، لا تعرفه أصلاً، وإنما هذا دخل على البشرية من جهة الشرائع بمن لم تبلغهم. يعني اذهب الآن إلى الأمازون، اذهب إلى الغابات، هذه بقول لك لا تعرف الناس أسبوعاً؛ خلص ماشيين يوم بيوم، فعندهم والله هي نهاية الأسبوع بداية الأسبوع، وإنما هي فكرة دخلت عن طريق الأديان.

قال: ولهذا لا يعرف الأسبوع إلا من جهة أهل الكتب الإلهية، بخلاف اليوم فإنهم يعلمونه بالحس لأنه ليل ونهار. قال: وكذلك الشهر والسنة يعلم بالحس وسير القمر فيعلم بالحس والحساب، وأما الأسبوع فليس له سبب حسي. وكذلك لا يوجد لأيام الأسبوع ذكر عند الأمم الذين لا كتاب لهم، ولا أخذوا عن أهل الكتاب كالترك الباقين في بواديهم؛ في لغتهم اسم اليوم والشهر والسنة دون أيام الأسبوع مثلاً، كالأتك الأقدمين. قال: دون أيام الأسبوع، بخلاف الفرس ونحوهم ممن أخذ عن المرسلين، فإن في لغتهم أيام الأسبوع.

وأهل الإثبات منازعون في أن الاستواء، هل هو مجرد نسبة وإضافة بين الله وبين العرش؟ الذين أثبتوا -باسم أهل الإثبات الذين أثبتوا استواء الله على العرش- انقسموا إلى فرقتين: فرقة قالت إن الاستواء مجرد علاقة نسبة بين الله وبين العرش، وليس المعنى أنه سبحانه وتعالى على العرش، وهذا هو قول أبي الحسن الأشعري في آخر كتبه في «المقالات الإسلامية» لما قال: «وأنا على عقيدة أحمد بن حنبل». حقيقة هو قال: «أنا على عقيدة أحمد بن حنبل»، لكنه لم يثبتها بالطريقة الصحيحة في كثير من زواياها، فهو في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» لما قال: «أنا على عقيدة أحمد»، وأثبت الاستواء على العرش، وأثبته بس مش على طريقة أهل السنة؛ أثبته بمعنى وجود نسبة بين الله وبين العرش، هكذا فسر الاستواء، علاقة بين الله وبين العرش. وهذه هي الطريقة الأولى التي يقول عنها ابن تيمية: هي مجرد نسبة دون أن يثبت أن الله على العرش، من غير أن يكون الباري يتصرف بنفسه بصعوداً أو علو ونحو ذلك، أو هو يتصرف بنفسه وأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً، وكذلك استواه إلى السماء ونزوله ونحو ذلك، عن قولين مشهورين: والأول قول كثير ممن يميل إلى الكلام، وقول طائفة من الفقهاء والصوفية. فالطريقة الأولى، إثبات الاستواء بمعنى نسبة وعلاقة، هي طريقة متكلمي أهل الحديث، وعليها مشى أصل أبي الحسن الأشعري في آخر كتبه.

والثاني هو قول أهل الحديث، وقول كثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية، والثاني هو قول أهل الحديث، أهل السنة والجماعة عموماً؛ أن الاستواء ليس معنى نسبة، بل الاستواء معلوم كما قال مالك: «مفهوم بما معنى الاستواء»، وقد يعني نص عليه أحمد بن حنبل في بعض مجادلاته أنه علو على العرش، المعنى المفهوم في الأذهان ولكن علو يليق بجلاله.

قال: فكلام أبي عثمان ظاهره يوافق القول الأول، وأما الذي كان... فكلام أبي عثمان المغربي الآن في «الإحياء» لما قال لغلامه: «أين الله؟» فقال: «حيث كان»، قال: «فإنه الآن حيث لم يزل»، ويوافق القول الأول في معنى أنه لم يثبت استواء بمعنى علو على العرش، وإنما قصارى ما هو أنه يثبت نسبة بين الله وبين العرش، لكن الله سبحانه وتعالى باق على ما هو عليه، وهو لم يثبت تصرفاً لله بذاته على عرشه.

قال: وأما فكلام أبي عثمان ظاهره يوافق القول الأول، وأما الذي كان يعتقده في الجهة ثم رجع عنه، فهو إما القصة الثانية لما قال: «كنت أعتقده في الجهة وتيت بغداد وربنا عز وجل هداني»، فنحن مش عارفين شو المشكلة التي كانت عنده، قال: فهو أمر مجمل لم يذكره، فلعله كان يعتقد من التجسيم والتمثيل ما يقوله أهل الضلال من الرافضة والمجسمة فرجع عن ذلك. ممكن يكون مجسماً أصلاً، ونحن نرفض التجسيم، أن يُعتقد أن الله في مكان المخلوق، هذا نحن نرفضه. قال: فإن هذا ممكن، ولعله كان يعتقد أن الباري تعالى محصور في السماوات تظله وتقره، وأنه مفتقر إلى عرش يحمله فرجع عن ذلك، وأعظم ما يقال أنه كان يعتقد أن الاستواء من الصفات الفعلية المتجددة وأنه يفعله بنفسه، ثم رجع عن ذلك إلى أنه على ما كان عليه مع كونه مستوياً على العرش، لكنه خلق العرش بعد أن لم يكن مخلوقاً، فيلزم أن يكون مصفوفاً بأنه فوق العرش، وهذا يقوله كثير من المثبتة وإن كان هذا ليس موضع الكلام فيه.

فإما أن يقال إن أبا عثمان رجع عن اعتقاد علو الله على خلقه وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته عالٍ عليهم، فليس في كلامه ما يفهم منه ذلك بحال. ثم لو فرض أن أبا عثمان قال قولاً فيه غلط لم يُصْلِحْ... هنا حقيقة سيؤثر ابن تيمية تأصيلاً مهماً في من أخطأ ووقع في بدعة نفي العلو؛ هل من نفى العلو عن الله كافر بعينه؟ في النقاشات الدائرة اليوم، تقرير منهج ابن تيمية في التعامل مع نفاة العلو من أهل البدعة، ماذا يقول ابن تيمية في هذا وكيف يتعامل مع هذه المسألة؟

قال: ثم لو فرض أن أبا عثمان المغربي -زي ما بدك يا قشيري- ينفي العلو، قال: «ثم لو فرض أن أبا عثمان قال قولاً فيه غلط لم يصلح أن يجعل ذلك أصلاً لاعتقاد القوم»، فإن كلام أئمة المشايخ المصرح بأن الله فوق العرش كثير منتشر، فإذا وجد عن بعضهم ما يخالف ذلك كان ذلك خلافاً لهم. أولاً: لا تقل إن كل الصوفية محسوبون على أبي عثمان المغربي، في النهاية لو قال قولاً غلط هو مسؤول عن غلط، وأما كلام الجنيد والدروس والفضيل وكل هؤلاء، فيصرحون صراحة بأن الله فوق سبع سماوات، فلا يجعل كلام المغرب يحج عليهم. هي أول قضية. ثانياً: والصوفية يوجد فيهم المصيب والمخطئ كما يوجد في غيرهم، وليسوا في ذلك بأجل من الصحابة والتابعين، وليس أحد معصوماً في كل ما يقوله إلا رسول الله ﷺ.

وقوع الغلط في مثل هذا يوجب ما نقوله دائماً، أن المجتهد ما ركز... ما نقول، شو دائماً؟ دائماً هي حطي تحت عشر خطوط ما نقوله دائماً، يعني ما نكرره في مختلف سياقاتنا، المشكلة بيطلع لك بعض الناس على...

هؤلاء الذين يُعذرون بالخطأ في مثل هذه الأمور ولا يُكفَّرون عيناً، هؤلاء يقتصدون من كلام ابن تيمية. طبعاً نحن في مشروع تراث ماشيين نقرأ الكتاب كله من أوله إلى آخره، نحن لسنا بصدد الاختصاص، وهو يمارس الاختصاص وأنا أعرف ذلك، وبعد ذلك رمتني بدائها وانسلت.

يعني هم لا يقرؤون الكتب كاملة، يأتون إلى كلام ابن تيمية، يرون أين نفى العلو وكفّر نفاته، فيرون ماذا قال: "نفاة العلو كفار"، فيسقطونها على النبي ﷺ وعلى أئمة الأشاعرة الذين نفوا العلو، ويقولون لهم هم كفار عيناً. ولما نقول له يا أخي هذا ليس كلام ابن تيمية، اقرأ كلام ابن تيمية كاملاً في تأصيله، فيقول ما يقوله في موضع ليس كما يقوله في موضع آخر، بمعنى أن لكل كلام سياقه. أنا أعرف أنه لا يقرأ الكلام، إنه لم يصل لمرحلة علمية يقرأ فيها كل كتب ابن تيمية، لكنه ينتقي. فلما تقول له يا أخي أنت لم تقرأ، يقول لك لا، أنتم الذين تقتصدون، أنتم الذين تأخذون الكلام دون سياقه.

نحن هنا في برنامج تراث ماذا نفعل؟ أنا أقرأ الكتاب من أول صفحة لآخر صفحة، لا تقل لي إنك تقتصه، لأنك أنت من رمتني بدائها وانسلت. نحن هنا نمسك الكتاب كلمة وسطر سطر حتى أثبت لك سياقات ابن تيمية، وأن الرجل يُعذر بالجهل أو التأويل في مسائل الصفات حتى تقوم الحجة، حتى يتأكد أن الرجل الذي أمامه قد قُطعت عنه العذر، عندئذٍ يُكفَّر عيناً.

أما ما سوى ذلك، فابن تيمية يقول هنا: تكفير مطلق عند السلف، أنه من قال الله لم يعلُ فهو كافر. هذه عبارة تواطأ عليها السلف؛ من قال إن الله لم يعلُ فوق سبع سماوات فقد كفر. هذا كله تكفير مطلق، ولا يسقطونه على الأعيان حتى يتأكدوا بانقطاع العذر. وتأكد انقطاع العذر ليس مسألة سهلة، أن تتأكد أنه انقطعت عنه العذر والشبهة ليس مسألة سهلة، لذلك كانوا يتورعون عن تكفير الأعيان؛ لأنهم يقولون أنا لست قادراً بنسبة مئة بالمئة أن أقول إن الرجل زالت عنه الشبهة.

لاحظوا الآن ماذا سيقول، أقول هنا ما نقوله دائماً: إذا كان ابن تيمية الآن يؤصل لمنهجه، فهي ليست عبارة واقعة عين، يعني لا يتكلم عن شخص معين، بل يتكلم الآن عن منهجه وفكره رضي الله عنه. ماذا يقول ابن تيمية؟ قال: «وقوع الغلط في مثل هذا يوجب ما نقوله دائماً أن المجتهد في مثل هذا من المؤمنين». حط تحت «في مثل هذا»، عن أي مسألة يتكلم؟ عن مسألة العلو. نحن الآن نتكلم عن أي مسألة يا جماعة؟ في مثل هذه الأمور، وكلامنا ليس مقتطعاً، نحن نقرأ الكلام؛ هو يتكلم عن من أنكر العلو ووقع في هذه البدعة الشنيعة، الخطأ الكبير.

طيب، من أخطأ في مثل هذا من الأئمة والعلماء، كيف يتعامل معه ابن تيمية؟ نعم، قال إن المجتهد في مثل هذا من المؤمنين، إن استفرغ وسعه في طلب الحق فإن الله يغفر له خطأه. انتهينا، المجتهد -وطبعاً هي ليست مسألة اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي ولكن هو اجتهد- هو وصل في قناعته أن الله سبحانه وتعالى لم يعلُ، فنقول: هذا القول كفر، لكن أنت كشخص معين، قد تكون نشأت في بيئة وكل من حولك يؤصل لهذه القضية أن الله لم يعلُ، وبالتالي حُشي دماغك بهذا، وفعلاً قد تكون استفرغت وسعك وبذلت جهدك وهذا قصارى ما وصلت إليه. فإذا استفرغ الإنسان وسعه في هذا الموضوع -وهي قضية اعتقادية خطيرة- لكن هذا كمال وسعه في الفهم وما أحاط به، فالله عز وجل لا يقول ياجر، هذا في مسائل اعتقاد، نحن لا نقول ماجور، لكن نقول إن شاء الله يغفر له.

قال: «وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر». طيب، إذا لم يستفرغ وسعه مئة بالمئة، يعني وقع في أنه مشايخه يقولون إنه لا يوجد علو وهو حاول ينظر، ولكن لم يستفرغ كامل وسعه، يقول لك: ذنب. يعني حتى في هذه الحالة يراه ابن تيمية ذنباً، ليس بالضرورة أن يصل به الأمر أنه كافر عيناً عند الله سبحانه.

قال: «وإن كان يطلق القول بأن هذا الكلام كفر، كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، وإن كنا نحن نطلق أن نقول من نفى علو الله فهو كافر». يطلق القول؛ من قال إن الله لم يعلُ فهو كافر، ليست هكذا. المشكلة في هؤلاء المتحمسين ممن لم يعلُ كعبهم في العلم، أنهم يأخذون الإطلاقات القديمة ويريدون تنزيلها على النووي وعلى غيره من الأئمة رحمهم الله وغفر لهم زلّاتهم. هناك فرق بين الإطلاقات وبين التعيين.

انظروا إلى كلام ابن تيمية، كلام عالم، قال: «مثل القول بخلق القرآن، أو إنكار الرؤية، أو نحو ذلك، مما هو دون إنكار علو الله على الخلق وأنه فوق العرش». كذلك، السلف مثلاً كانوا يقولون: أحمد بن حنبل كم مرة قال: «من قال القرآن مخلوق فهو كافر»، وكم مرة قال: «من أنكر رؤية الله فهو كافر»، لكن في النهاية أعطني على من أسقطها؟ أعطني عدد الناس الذين أسقط عليهم أحمد هذا الكلام بعينهم. حتى السلطان الذي فتن أحمد بن حنبل لم يكفره بعينه، حتى السلطان الذي عذب أحمد على خلق القرآن لم يكفره بعينه، وقال: «لو كان لي دعوة مستجابة لدعوت بها السلطان».

هذه عبارة قليلة من هذا، لأنه يعرف أنه يريد أن يقول إن هذه العبارات كفرية، ولكن ذاك الشخص الإمامي... إخواني، هذا هو منهج التعامل مع الناس في إسقاط أحكام التكفير والتبديع؛ منهج يقوم على الإنصاف والعدل والدراية بطبيعة النفس الإنسانية. النفس الإنسانية ليس دائماً أقوالها الخاطئة تنشأ عن قصد الكفر أو عن قصد المخالفة. نحن لا نشترط قصد الكفر حتى يقع الإنسان في الكفر، لكنني أقصد تفهم دوافع الخطأ ومحركات الأفكار؛ فإنه أحياناً -وهذا من رحمة الله وعدله- أن الله عز وجل من رحمته بالبشر أن كل إنسان يحاسب على دوافع الخطأ عنده، وعلى كيف وصل إليه.

الخطأ قد تكون أنت فعلاً بذلت جهدك واستفرغت ما تستطيع، ولذلك أصلاً لماذا هناك أهل فترات؟ ﴿مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. ولذلك قد يكون أهل الفترات حتى في أزمنتنا هذه، كإنسان يمكن أن يكون مقيماً في غابات ألاسكا أو في غابات بعيدة عنا، لم يسبق له أن سمع بالإسلام ودين لم يبلغه وجود محمد ﷺ، فهذا لو مات يكون من أهل الفترات، وهذا من رحمة الله؛ فقد وعد أنه لا يعذب إنساناً لم تبلغه الحجة ولم تقم عليه الأدلة.

الآن سنناقش قضية معينة، ولكن دعونا نكمل القراءة هنا في هذا الموضوع. قال: فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها. فالتكفير المطلق مثل الوعيد المطلق؛ لما الله عز وجل يقول مثلاً في الصلاة: من تركها فقد كذا وكذا، أو يتوعد فاعل أي من شرب الخمر فله كذا وكذا يوم القيامة، ومن زنى فله كذا وكذا، هذا وعيد مطلق.

هل يلزم أن يقع على كل شخص بعينه، أم يمكن أن شخصاً معيناً يعفى عنه ولا يقع عليه الوعيد؟ يمكن، فالوعيد وإن كان مطلقاً لكن يمكن أن يعفو الله عمن فعل الزنا والخمر ولا ينزل بهم العذاب المعين. نفس الشيء في التكفير المطلق؛ من قال كذا فقد كفر، لكن هذا ليس بالضرورة أن كل من تلبس بهذه المقولة هو كافر عيناً، فقد تكون هناك أسباب أحاطت بهذا الشخص جعلته يقول هذا القول الخاطئ والله يغفر له، وهذا ليس من شأني ولا من شأنك.

قال: كما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ في الرجل الذي قال: «إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم» أي في البحر، قال: «فوالله لأن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين». فقال الله له: «ما حملك على ما فعلت؟» قال: خشيتك، فغفر له.

هذا الرجل شك في ماذا؟ شك في القدرة؛ لأن «قدر الله عليه» تعني أن الرجل شك في القدرة. هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه على جمع شتاته إذا فعل ذلك، يعني هو اعتقد أنه إذا جعل أولادي يحرقوني ويرموني في البحر فسأفوت الله. فالله يوم القيامة سأله: ليش فعلت هذا؟ قال: يا رب خائف من عذابك، قال: غفرت لك.

البعض ممن يريد أن لا ينفي هذا الحديث ودلالته يقول لك: لا، هذا الرجل لم يشك في قدرة الله، بل معنى «لأن قدر الله عليه» أي ضيق الله عليه. كيف يفسرون له "القدر" بمعنى التضييق؟ الحقيقة هذا كلام متكلف، لأن سياق الحديث واضح يتكلم عن أن قدر الله عليه، أي أنه شك في القدرة فقال: إذا فعلت كذا فربنا لن يقدر علي فسأفوت الله. أما أن تحمل «لأن قدر الله علي» بمعنى لأن ضيق الله علي، فأحياناً يحدث نوع من التكلف في فهم بعض الأحاديث. والتطبيق ليس له علاقة بالموقف الذي ذكره، فما علاقة أن يضيق الله عليه بأنه يريد أن يُحرق؟ أظن أحياناً أن المرء يتمحن من أجل نصرة قوله وبالتالي يصبح في نوع من التكلف الممجوج.

قال: وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة؛ الذي يشك في قدرة الله أو يشك في البعث، هذا الأصل أن القول كفري، ويكفر من قامت عليه الحجة. لكن هذا الرجل كان عنده نوع من الجهل، فقال: لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته. فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله ﷺ وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل، فماذا سيكون أسوأ حالاً منه؟ فيغفر الله له خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه. أما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فهو عظيم.

انتهينا، أما تكفير رجل علم منه أصل الإيمان بمجرد الغلط في ذلك، فإذا لاحظتم كل كلامه عن أبي عثمان المغربي؛ إذا فرضنا أنه أخطأ في مسألة العلو وقال إن الله لم يعلو، فذلك أوضح من ذلك. نحن لا نناقش مسألة فرعية، المسألة التي يكفرون عليها النووي والعلماء والأئمة، أقول لك في النهاية: إن تكفير الرجل على خطأ في ذلك مع أننا نعلم إيمانه هو خطأ عظيم.

لاحظوا هنا قضية سأثيرها ختاماً؛ يا أخي، هل معقول أن النووي رجل جاهل مثل هذا الرجل؟ أنتم تستدلون بالنووي وتقيسون على هذا الرجل! هذا الرجل قال: «ذروني في البحر»، وهذا الرجل قد يكون عامياً بسيطاً، أما النووي؛ فالنووي يقرأ القرآن كل يوم، ويقرأ السنة النبوية كل يوم، هو إمام في السنة، فهل معقول أن الحجة لم تقم عليه؟ هذا هو سؤال أبو عثمان المغربي الذي يتحدث عنه ابن تيمية.

لاحظوا ابن تيمية يناقش أبا عثمان المغربي، وهذا من أئمة التصوف، أي أنه يقرأ القرآن وربما أكثر من النووي، فأبو عثمان ليس شخصاً سهلاً، بل هو رجل مطلع ومتعلم ومثقف وقارئ ويتكلم. ابن تيمية يتحدث عن عذر أبي عثمان المغربي بأنه لا يجوز تكفيره بذلك. فكلمة الجهل هنا -إخواني- ليست بالمعنى الذي يصوره الشباب المتحمسون، أي ليس الجهل لأنه ليس قارئاً، بل كلمة الجهل تعني عدم تصور المسألة بالشكل الصحيح، وأن لديه شبهات في المسألة. فالجهل حين نقول فلان يُعذر بالجهل، ليس شرطاً أن يكون جهله في عدم قراءة القرآن أو السنة، بل العذر بالجهل قد يكون لعالم، لكن جهله أنه لم يستطع أن يتصور المسألة كما هي، وعنده شبهات كثيرة أحاطت بها من مشايخه وأساتذته والفترة الزمنية التي عاش فيها.

جاهل بهذه المسألة شئتها وبيت، فمن الخطأ فهم الجهل بالمعنى البسيط السطحي؛ أنه يا أخي هذا معقول جاهل؟ يا أخي هذا قارئ ومتعلم. الجهل هو عدم إدراك المسألة والإحاطة بها، وله ذلك ابن تيمية لما تكلم عن أبي عثمان المغربي، وهو رجل يقرأ القرآن والسنة وعالم، يستدل بقوله: «وأبو عثمان أجل من ذلك».

وبعدين يقول لك: ولو فرضاً غلط أبو عثمان المغربي قد يكون معذوراً لجهله بهذه المسألة. الجهل ليس الناشئ من أنه رجل غير متعلم أصلاً، بل الناشئ من ظروف أحاطت به. الله سبحانه وتعالى قد يكون مدركاً لعذره، وأنت اليوم في القرن الخامس عشر، أنت لم تكن جالساً مع النووي، ولم تعش مع الرجال في حقبتهم الزمنية حتى تعرف ظرفهم الخاص وعذرهم الخاص.

فلذلك كان دأب المتأخرين ماذا؟ السكوت عن أهل العلم، خلاص الله سبحانه وتعالى هو المسؤول عنه ما دام ظهر لك إيمانه، بمعنى ظهر لك أن الرجل انتسب إلى الإيمان والسنة وعلمه، وأنه لم يرتكب ناقضاً واضحاً، فتبقى هذه القضية قضية: هل هو معذور أم غير معذور؟ لرب العزة سبحانه وتعالى يعلم ذلك، هذا منهج ابن تيمية.

الآن إذا كنت مصراً على أن تكفر هؤلاء العلماء وتقع في تكفيرهم عيناً، أرجو منك على الأقل أن لا تنسب كلامك لابن تيمية. عادي، كل رجل جريء، واحكِ أنا ماشي على منهج آخر، ما له علاقة بمنهج ابن تيمية، وأخالف ابن تيمية، لكن احترم على الأقل؛ لا تستعطِ قولك لكن احترم عقول متابعينك، احترم عقول الناس القارئة والتي تعرف من هو ابن تيمية.

كل إنسان قارئ يفهم ابن تيمية، وقرأه قراءة تامة يعرف أن ابن تيمية ليس له علاقة بهذا التكفير العبثي. أنت الآن ماشي على هذا النوع من التكفير المعين، هذه طريقتك والله يحاسبك على ذلك، لكن أرجو أن تكون معيارياً وعلمياً ولا تنسب طريقتك لابن تيمية. أنا على الأقل أعرف أتناقش معك، أما أن تقول لا وهذا منهج ابن تيمية، فنحن ماذا نقرأ في هذا الكتاب؟ ومن نناقش؟ وتأصيل من؟ وما أقوله دائماً وإسقاطاته على أبي عثمان المغربي، كل هذا ما تريد أن تحترم عقول المتابعين؟ معناته أنت صاحب هوى في اختياراتك وانتقاءاتك، فالكلام معك يعتبر عند من يضيع الأعمار والأوقات أنه لا يملك منهجاً علمياً في القراءة والنقد وطريقة الحوار، فتلبس كلامك على كلامي زوراً وبهتاناً وليس علماً ومعياراً.

تذهب وتجيب لي قضية عين ابن تيمية، لاحظ ماذا قال في مناقشته لفلان، قال عنا إنه مرتد، أنت تعال، هذه قضية عين، الله يرضى عليك، لماذا قال إنه مرتد؟ هل تعرف ظروف تلك المناظرة التي وقعت؟ فيأتون إلى المتشابه من كلام ابن تيمية في نقاشاته العينية مع شخص معين ويجعلونه هو الأصل، ويقولون لك وهذا كفر به ابن تيمية.

الآاشعري هو كل من كان يتحدث مع شخص معين، فيأتي إلى المقيد يجعله مطلقاً، والمطلق والتأصيلات العامة يجعلها متشابهة وترد المحكم من كلام ابن تيمية، فيجعلون المحكم هو المتشابه والقضايا المتشابهة التي لا يعرف سياقها والظرف الذي كان فيه ابن تيمية أثناء المناظرة، فيصبح هو المحكم وهو التأصيل. ينصبون عليه هذا كله، وهذا يعطيك حجم اللعب الذي يدار اليوم للأسف من شباب مندفعين متحمسين لم يبلغوا في العلم شأواً، يخالفون به الكبار من علمائنا ومشايخنا ممن عرفنا طرائقهم، سواء قديماً أو حديثاً، نسأل الله السلامة والعافية من أمثال هؤلاء.

نعم، قال: فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ قال: «لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بالكفر فهو كقتله». وثبت في الصحيح أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ إذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم، يعني من قال لأخيه يا كافر بس شتماً وأنت لا تعتقد أنه كافر، فتقول لواحد يا أخي أنت زنديق، ليس قصدك أن تكفره بل قصدك أن تشتمه، إذا كان هذا كقتله، فكيف يكون تكفيرك له اعتقاداً وأنت تعتقد أنه كافر؟ لا يكون كذلك، هذا أعظم عند الله سبحانه وتعالى.

قال: فإن ذلك أعظم من قتله، إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافراً، فقد يُقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله للناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان. فقد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

فقد رواه مسلم في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بين جبريل قاعداً عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه فقال: «هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلى اليوم»، فنزل معه منه ملك فقال: «هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلى اليوم»، فسلم وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيت».

وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 284]، دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ: «قولوا سمعنا وأطعنا». قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].

هذا الذي أراد ابن تيمية الاستدلال به من هذه القصة، قصة نزول خواتيم سورة البقرة، أنها تدل على أن الله يعذر الإنسان بالنسيان أو الخطأ، والخطأ متصور إخواني سواء من عالم أو من طالب علم، الله يعذر الإنسان بالخطأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. إذا أخطأنا، والله قال كما جاء في الحديث: «قد فعلت»، يعني الله عذر الناس بالخطأ، أنت لا تريد أن تعذر الناس بالخطأ؟

الذين سيحملون الكلام على أنه إذا دعونا نكفر أبا عثمان المغربي، أقول لك: أين أبو عثمان المغربي؟ اعتبره أخطأ، لكن لا تظن أنني إذا خطأته أنني سأكفره. هو لو أخطأ أبو عثمان المغربي هذا، لا يعني تكفيره أو أنه كافر، وإنما أن نقول أخطأ الرجل في هذا الباب، الله يغفر له.

شوف البساطة في التعامل مع العين؛ نحن أين يكون التجديد؟ يكون على المقولة نفسها، ننفيها، نبطلها، نؤكد أن إثبات العلو من أصول الإيمان. شغلي هناك، أما هذا المعين يا أخي، الله عز وجل يحاسب، ما دام ثبت له أصل الإيمان فإنا ليس من شأني أن أدخل في عينه، خاصة أن الحقبة التي أنا فيها حقبة مختلفة، بيني وبينه 400 سنة، 500 سنة، 600 سنة. ما علاقتي؟ أعرف هذا الرجل ما سبب وقوعه في الخطأ؟ أنت لما تكون في قبرك لن يسألك الله عن هؤلاء، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134]. إنما يسألك عن عقيدتك، وعن قولك، وعن وقوفك في وجه أهل الباطل، وعن تفنيدك للمقولات الفاسدة؛ هذا الذي يشتغل به الإنسان الذي يريد الخير والصلاح لأمته.

نعم، وكلام المشايخ في مسألة العلو كثير، مثل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي والحافظ الصوفي. كلام المشايخ الذين هم الصوفية في إثبات العلو كثير، مثل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي والحافظ الصوفي المشهور الذي صنف للصوفية كتاب "صفة التصوف" ومسألة السماع وغير ذلك. ذكر الشيخ الجليل أبو جعفر الهمداني أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني وهو يقول: «كان الله ولا عرش وهو على ما عليه كان»، أو كلام من هذا المعنى. فقال: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط بالله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني! فهذا يدل على أن العلو ضرورة فطرية.

وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني، شيخ الصوفية في أواخر المئة الرابعة قبل القشيري، في رسالة: «الله أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين». قال فيها: «وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، بلا لَا ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول والكيف فيه مجهول، وإنه عز وجل مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأن الفرض البائن من الخلق الواحد». موطن الشاهد أنه قال: «وإنه عز وجل مستوٍ على عرشه».

قال: «وإن الله سميع بصير عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟» حتى يطول على الفجر. ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأوله فهو مبتدع، فهو مبتدع ضال.

ثم انتقل القشيري إلى مسألة القدر، فقال: قال أبو القاسم، سمعت محمد بن الحسين السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول وقد سئل عن الخلق: «قوالب وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة». وقال الواسطي: «لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرت به لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لا بذواتها، إذ الخطرات والحركات فروع الأجساد والأرواح». قال أبو القاسم: صرح هذا كله إثبات للقدر.

وقال: «أنساب العباد مخلوقة لله، وكما أنه لا خالق للجواهر إلا الله، فكذلك لا خالق للأعراض إلا الله». الأعراض، خلينا نقول هي أفعال العباد، هنا كما أن الله خلق ذواتهم كذلك خلق أفعالهم. وهذا الذي قاله صحيح وهو متفق عليه بين المشايخ، لا يُعرف منهم من أنكر شيئًا من أصول السنة في مسائل القدر.

وقال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: «من ظن أنه ببذل الجهد يصل فمتعن، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن». جميلة هي العبارة؛ من ظن أنه ببذل الجهد فقط سيصل إلى الله فمتعن، يعني يتعنى لنفسه، لأنك لم تصل إلى الله إلا بإعانته لك وتوفيقه لك، وليس فقط ببذل الجهد، أنت تحتاج إلى بذل السبب، لكن إذا لم يكن توفيق من الله للفتى، أول ما يجني عليه اجتهاده. ومن ظن بالعكس، طب خلص ما دام أن الجهد لا يوصلني إلى الله، إذن بترك بذل الجهد، يا ربنا بوصلنا؟ لا. ومن ترك بذل الجهد وأراد أن يصل إلى الله بدون السبب فهذا متمن، والتمني هي الأماني الكاذبة، فأنت تبذل الجهد ولكن تعلم في النهاية أنه لن يوصلك إلى الله إلا هو.

وهذا كلام حسن، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا». فإذًا احرص على ما ينفعك واستعن بالله، فأنت تحتاج الأمرين: معونة الله لك مع بذل السبب. وقال: «ولكن قل ما قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان». وقال: «لن يدخل أحد عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته».

ثم قال الواسطي: «المقامات أقسام قسمت، ونعوت أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات؟». ابن تيمية قال له: هو في ظاهره ليس بجيد، قال: بل هو مردود. وهذه المسألة بعينها سئل عنها الواسطي، كلام الواسطي هنا في ظاهره ماذا يدل؟ يدل على الاستسلام وعدم بذل السبب، أنه قال: «المقامات أقسام قسمت»، يعني مقامك عند الله هذا خلص شيء انتهى منه، فكأنه يقول لا داعي أن تشتغل. «المقامات أقسام قسمت ونعوت أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات؟». لا، هذا غلط، هي تستجلب بالحركات، كيف تنكر ذلك؟ أنت تحتاج للعمل حتى تصل إلى تلك المقامات، فلذلك قال ابن تيمية هذا الكلام الذي نقله عن الواسطي مردود.

ظاهره ليس بجيد بل هو مردود، إنه لا بد من الحركات والسعي، ويدل على رده ما ورد في الحديث. كما ثبت عنه في الأحاديث الصحاح من حديث عمران بن حصين وعلي بن أبي طالب وغيرهما؛ لما أخبر بالقدر فقالوا: ألا ندع ونتكل على الكتاب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له».

أما سأل الصحابة لماذا لا نتكل على الكتاب، يعني على ما كتب لنا في اللوح المحفوظ وندع العمل؟ هل قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: والله خلاص لا فائدة من الحركات؟ لا، قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له».

وفي الصحيحين، عن علي بن أبي طالب قال: كنا في جنازة ببقيع الغرقد، فأتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله ومعه مخسرة، وهي مثل عصا صغيرة ينكت بها، فنكت وجعل ينكت بمخسرته ثم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة»، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير لعمل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7].

وفي الصحيح عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم»، قال: فهل الله يعرف من أهل الجنة ومن أهل النار؟ هل كتبوا وانتهى منهم؟ قال: «نعم»، فقال: فليعمل العاملون؟ قال: «إذا». قال: ماذا نعمل ما دام قد انتهى منه؟ قال: «كل يعمل لما خلق له» أو «لما يسر له»، وفي رواية: «كل ميسر لما خلق له».

وفي صحيح مسلم من حديث أبي الأسود الدؤلي، قال لعمران بن حصين: قال لي عمران بن حصين: أرى ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، شيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيء خلق الله وملكه بيده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرِد بما سألتك إلا لأحزر عقلك.

قال: إن رجلين من مزينة أتايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، أرى ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، شيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون منهم مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ قال: «لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب ونفس وما سواها، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾» [الشمس: 8].

وفي السنن حديث عمر أنه سئل عن تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172]، قال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنه وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: ففيما العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال النار فيدخله بها النار، وإذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة فيدخله بها الجنة».

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا، كأننا الآن وجدنا، أعطينا من الأزل خلاصة؟ قال: «كان خلقنا الآن»، فقال: ففيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، قال: ففيما العمل؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسر».

وفي السنن عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرى رُقياً نسترقيه، ودواءً نتداوى به، وتقاةً نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: «هي من قدر الله».

فهذه السنن وغيرها تبين أن الله سبحانه إن كان قد تقدم علمه وكتابه وكلامه بما سيكون من السعادة والشقاوة، فما قدره أن يكون، فما قدره أن يكون ذلك بالأسباب التي قدرها؛ فالسعادة بالأعمال الصالحة والشقاوة بالفجور، وكذلك الشفاء الذي يقدره للمريض يقدره بالأدوية والرقى، وكذلك سائر ما يقدر من أمر الدنيا والآخرة.

فقول القائل: كيف تستجلب الأقسام بالحركات؟ جوابه: أن الأقسام تناولت الحركات كما تناولت السعادات، والله تعالى قدر أن يكون هذا بهذا. فإذا ترك العبد العمل ظاناً أن السعادة تحصل له، كان هذا الترك سبباً لكونه من أهل الشقاوة.

وهنا ضل فريقان: فريق كذبوا بالقضاء والقدر وصدقوا بالأمر والنهي، وفريق آمنوا بالقضاء والقدر ولكن قصروا في الأمر والنهي، وهؤلاء شر من الأولين، إن هؤلاء من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]. فهؤلاء الذين يفعلون المحرمات ويتركون الواجبات ويحتجون بالقضاء والقدر، هؤلاء من جنس المشركين الذين احتجوا على شركهم بالقضاء والقدر.

وأولئك من جنس المجوس، وأما الذين بالعكس؛ نفوا القضاء والقدر ولكن التزموا بالأمر والنهي، فهؤلاء من جنس المجوس؛ القدرية مجوس. هؤلاء يعظمون الأمر والنهي لكنهم ينفون القضاء والقدر.

لكن إذا عُني بهذا الكلام أن العبد لا يتكل على عمله ولا يظن أنه يملك لنفسه شيئاً، نرجع لتعليق الواسطي الذي قال ظاهره وغيره مقبول، لكن إذا قصد الواسطي بقوله المقامات...

إن العبد لا يجوز أن يتكل على عمله، ولا يظن أنه ينجيه، فهذا معنى صحيح. إذا كان هذا مقصد الواسطي، فالمعنى صحيح. فالأسباب التي من العباد، بل ومن غيرهم، ليست موجبات لا لأمر الدنيا ولا لأمر الآخرة، بل قد يكون لا بد منها أمور أخرى من فضل الله ورحمته، وهي خارجة عن قدرة العباد، وما ثم موجب إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان، والموجب الحقيقي المثبت للشيء تمامًا هي مشيئة الله، وأما ما تفعله أنت فهي أسباب.

كل ذلك قد بينه النبي ﷺ وهو معروف عند من نور الله بصيرته. وما التفريق بين المقدور عليه والمجوز عنه؟ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، في كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن اللو تفتح عمل الشيطان».

وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه اختصم إليه رجلان، فقضى على أحدهما، فقال المقضي عليه: «حسبي الله ونعم الوكيل»، فقال النبي ﷺ: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا أحزنك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل».

قال أبو القاسم: وسئل الواسطي عن الكفر بالله أو لله، فقال: الكفر والإيمان، والدنيا والآخرة، من الله وإلى الله، وبالله ولله؛ من الله ابتداء، وإلى الله مرجعًا وانتهاء، وبالله قضاء وفناء، ولله ملكًا وخلقًا.

وقال الجنيد: سئل بعض العلماء عن التوحيد فقال: هو اليقين. فقال السائل: بين لي ما هو؟ فقال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحدته.

وسمعت القاسم يقول: سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول: سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول: سمعت ذو النون المصري يقول: وجاءه رجل فقال: ادعُ الله لي، فقال: إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك، وإلا فإن النداء لا ينفع الغرقى. فالنداء -يعني الدعاء- كأنه أحال الأمر على القدر.

ذو النون المصري هنا أحال الأمر على القدر. وقال الواسطي: ادعى فرعون الربوبية على الكشف، وادعت المعتزلة على السر. فرعون ادعى الربوبية علنًا، أما المعتزلة فادعت لأنفسها الربوبية سرًا؛ أي لما قالوا إن العبد يخلق فعله بنفسه، فهذا نوع من ادعاء وجود أرباب، لأن الذي يخلق هو الله، والمعتزلة تقول إن العبد يخلق فعله بنفسه، فأنتم ادعيتم وجود أرباب ولكن على وجه السر، أما فرعون فادعى الربوبية بالمكاشفة.

وقال أبو الحسين النوري: التوحيد كل خاطر يشير إلى الله بعد ألا تزاحمه خواطر التشبيه.

الآن بعد هذه النقول، بدءًا من النقل الأول عن الواسطي، إلى كلام الجنيد، إلى كلام ذي النون المصري، ثم رجع للواسطي، لدينا أربعة نقول. سيعلق ابن تيمية على هذه النقول الأربعة. قلت: كلام الواسطي والجنيد المذكور هنا هو توحيد الربوبية. وكلام الواسطي -وإن كان الكلام الأول غير واضح كثيرًا في قوله: وسئل الواسطي عن الكفر بالله أو لله- إلا أنه مفهوم في الجملة، والمراد أن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد الوحيد في هذا الكون في الدنيا والآخرة، وفي السعادة والشقاء للإنسان. فكلام الواسطي ثم كلام الجنيد بعده هو تقرير أن الله هو الفاعل الوحيد في هذا الوجود.

وفيه الرد على القدرية الذين يجعلون أفعال العباد خارجة عن قدرته وخلقه وملكه. وكذلك جعل الواسطي شبهًا لمن شبهها بفرعون؛ لأن فرعون كما قلت ادعى الربوبية مكاشفة، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، فادعى الربوبية إعلانية، والقدرية تدعي أنها رب الأفعال وما يتولد عنها، وقد ادعت ربوبيتها ولكن في السر.

ومقصود أهل التحقيق كالجنيد ونحوه، أن يكون هذا التوحيد للعبد خلقًا ومقامًا، بحيث يعطيه ذلك كمال توكله على الله تعالى، وتفويضه إليه، والصبر لحكمه، والرضا بقضائه، وما لم يخرجه ذلك إلى إسقاط الأمر والنهي والثواب والعقاب والوعد والوعيد.

مقصد الجنيد هو أن إثباتك للقدر يجعلك تتوكل على الله وتفوض إليه وتسلم بقضائه وقدره. القشيري يستخدم عبارات الجنيد وغيره لتقرير عقيدة، ولكن يجب أن تفهم أن الجنيد يتكلم بكلام إيماني روحاني، وليس مقصده فقط إثبات عقيدة أن الله سبحانه هو الذي يخلق أفعال العباد، بل يريد أيضًا أن يقول للإنسان إن إثباتك للقدر يجعلك تتوكل على الله. هذا هو مقصد الجنيد الحقيقي، وهو لم يقل هذا في سياق إثبات عقيدة ضد المعتزلة، بل قال في سياق إثبات أن العبد عليه أن يتعلم التسليم للقضاء والقدر.

وأما قول ذي النون: «إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد»، فلا يراد به مجرد الإقرار بالربوبية العامة؛ فإن المشركين كانوا يوحدون هذا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. إيمانهم هو إيمانهم بأنه خالق كل شيء، وشركهم أن عبدوا معه آلهة أخرى. وإنما أراد تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ فذو النون المصري حين قال: «إن كنت أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد»، لا يقصد التوحيد على طريقة المتكلمين الذي يقتصر فقط على الربوبية، بل يقصد التوحيد الذي يتعلق بالربوبية والألوهية.

وإنما من أراد تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وهو أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، فهذا التوحيد الذي جاءت به الرسل.

هو يسعد صاحبه ويدخل الجنة لا محالة، له من دعوة مجابة. ومن فاته هذا التوحيد فإن الله لا يغفر له، ويدخل الجنة لا محالة.

حس في شيء في النص؛ هذا التوحيد الذي جاءت به الرسل وهو توحيد الألوهية هو الذي يسعد صاحبه ويدخل الجنة لا محالة، له من دعوة مجابة. ومن فاته هذا التوحيد فإن الله لا يغفر له أن يشرك به، فلا ينفعه الدعاء. كان يقول: الذي حقق توحيد الألوهية هو الذي تنفعه الدعوات المستجابات بدخول الجنة والرحمة، لكن من مات مشركًا، هذا لو دعوت له ما دعوت، لا تناله رحمة الله سبحانه وتعالى.

قال: وهذا هو التوحيد المذكور في قول المراغي: «صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد»، وهذا الذي مر معنا سابقًا، هي الجملة: صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد. كان يقول: قبول العبادات لا يكون إلا بصحة التوحيد أولًا.

قال: وأما قول النوري: «التوحيد كل خاطر يشير إلى الله»، فهو يعم ذلك، يقول: كل توجه إلى الله وحده بقول أو عمل فهو توحيد، إذا لم يكن فيه تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق، كما في قول الجهمية والممثلة والقدرية ونحوهم، وقد تقدم ما ذكره المشايخ من نفي التشبيه والتعطيل.

وكذلك ما ذكره عن الشيخ أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الواحد بن بكر قال: سمعت هلال بن أحمد يقول: سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد، فقال: «استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة، والتوحيد في كلمة واحدة كل ما صورته الأفهام والأفكار، فإن الله سبحانه بخلافه». يعني يجمع التوحيد هذه الجملة الواحدة: كل ما صورته الأفهام والأفكار، فاعلم أن الله بخلافه؛ هذا هو خلاصة التوحيد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

قال القشيري: وقال أبو القاسم النصرآبادي: «الجنة باقية بإبقائه، وذكره لك ومحبته لك باقية ببقائه». ركز؛ الفرق: الجنة باقية بإبقائه، وأما ذكره لك ومحبته لك فباقية ببقائه. وأيهما هذا؟ ما كان بإبقائه ولا ببقائه، إنه بقاؤه صفة له، وأما إبقاؤه فهي تتعلق بالجنة بفعل له في الجنة، فما كان ببقائه أعلى مما كان بإبقائه.

قال: فشتان بين ما هو باقٍ ببقائه وبين ما هو باقٍ بإبقائه. قال القشيري: وهذا الذي قال الشيخ النصرآبادي بغاية التحقيق، يعني هذا أعلى شيء وأجمله. قال: فإن أهل الحق قالوا: صفات ذات القديم سبحانه باقيات ببقائه تعالى. فنبه على هذه المسألة، ونبه على أن الباقي باقٍ ببقائه خلاف ما قاله مخالف الحق.

تحتاج تعرف من يقصد هنا بمخالف الحق وماذا قال. قلت: النصرآبادي مقصوده التفريق بين من طلب النعيم بالمخلوق، ومن طلب النعيم لحظة من الخالق. ابن تيمية يقول: ماذا يقصد النصرآبادي في هذا الكلام؟ هو لا يقرر عقيدة بالمعنى الصحيح، وإنما يقصد أنه فرق بين من عبد الله من أجل الجنة، وبين من عبد الله لأجل ذاته. تعرفون الصوفية يفرقون بين هذين المقامين، فيقول: أراد أن يفرق بين من طلب النعيم ومقصده فقط أن يتنعم بالجنة، وبين من طلب النعيم لحظة ماذا؟ بالخالق سبحانه وتعالى.

قال: فقال: «وما في المخلوق باقٍ بإبقائه، وأما محبته لك وذكره لك فباقٍ ببقائك»، فعليك أن يكون تنعمك بالله أعلى من تنعمك بمجرد الجنة، وإن كان كلاهما مطلوبًا. قال: وليس مقصوده أن البقاء الذي يوصف به الرب هو صفة زائدة على الذات بما ليس بصفة كما ينازع فيه أهل الكلام، مثله؛ يعني كأنه يشير إلى مسألة كلامية، وليس مقصود النصرآبادي في هذا الكلام أن يقرر أن البقاء الذي يوصف به الرب هو صفة زائدة على الذات، ويرد على من يقول ذلك.

الموضوع ليس موضوع النقاش عنده، هو واضح عند القشيري، ويأتي للكلام الإيماني الذي يقوله الصوفية فيحاول أن يأخذه على أنه كأنه تقرير لعقائد، فابن تيمية كانوا يقولون فينا من التكلف في هذه الإسقاطات. قال: وليس مقصوده أن البقاء الذي يوصف به الرب هو صفة زائدة على الذات بما ليس بصفة كما ينازع فيها أهل الكلام، مثل متكلمة أهل الإثبات وغيرهم. بل القاضي أبو بكر، الذي يعظمه القشيري ويقول هو أوحد وقته، كان يقول: ليس الباقي باقيًا ببقاء. والنزاع في هذه المسألة إذا حُقق لم يرجع إلى معنى محصص يستوجب النزاع، كان هناك مسألة، لكن لم تظهر لي ماذا يقصد النقاش في هذا الباب.

ثم قال أبو القاسم: حدثنا محمد بن الحسين قال: سمعت النصرآبادي يقول: «أنت متردد بين صفات الفعل وصفات الذات». ولكن ابن تيمية واضح أنه حتى هي المسألة يراها شكلية، يعني كأنه يقول: والنزاع في هذه المسألة إذا حُقق لم يرجع إلى معنى محصص يستوجب النزاع، كأنه يرى أن خلافات شكلية تقع في بعض الأمور، هل البقاء صفة منفصلة عن الذات أو شيء؟ قال: «وكلاهما صفة تعالى على الحقيقة، فإذا همك في مقام التفرقة قربك بصفات فعله، وإذا بلغك إلى مقام الجمع قربك بصفات ذاته».

قال: وقال أبو القاسم النصرآبادي، كان شيخ وقته، قلت: هذا الكلام من النصرآبادي يقتضي أنه موصوف بصفات فعله على الحقيقة مثل الخلق والرزق، كما أنه موصوف بصفات الذات على الحقيقة كالعلم والقدرة. وهذا هو الذي ذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي عن مذهب السلفية في كتاب التعرف، وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث والطوائف من أهل الكلام، وليس هو قول الأشاعرة الذين سلك لك سبيلهم أبو القاسم القشيري، فإنهم ينفون وصف الله بالخلق والرزق، وإنما يجعلون الصفات سبعًا صحيحًا أو ثمانية، ولا يصفون الله بصفات الأفعال.

الأشاعرة لا يصفون الله بصفات الأفعال، ولا يصفونه بصفات الذوات فقط، التي هي الصفات السبع: العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ولكن أهل الحديث وأهل الصدق حتى من الصوفية يثبتون أن الله موصوف بأنه خالق رازق، كما أنه موصوف بصفات الذات كالعلم والقدرة. قال: الخلق والرزق عندهم عين المخلوق، ولا يستحق أن يسمى بالخالق والرازق إلا بعد وجود هذه المفعولات؛ هذا كلام الأشاعرة. الأشاعرة عندهم أن الخلق والرزق ليس فعلاً يقوم في ذات الله، وإنما الخلق هو نفس المخلوق والرزق هو نفس المرزوق، وليس فعلًا يقوم في ذات الله سبحانه وتعالى باختياره متى شاء. صحيح، هذا الأصل نافٍ لقضية أنهم لا يؤمنون بالصفات.

الاختيارية أصل ثلاثة، فعند الأشاعرة ومن شارك مسلكهم؛ الخلق هو نفس المخلوق، والرزق هو نفس المرزوق، ولا يؤمنون كما يؤمن أهل السنة أن هناك فعلاً يقوم في ذات الله هو اسمه الخلق وينتج عنه المخلوق؛ فالخلق عندنا ليس هو المخلوق، الخلق فعل يقوم في ذات الله، والرزق فعل يقوم في ذات الله وينتج عنه مخلوقات ومرزوقات.

وقوله مثلا: "ولا يستحق أن يسمى بالخالق والباعث إلا بعد وجود هذه المفعولات"، وهذا أيضاً من الكلام الخطأ الذي رده الطحاوي في عقيدته؛ فمنذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق، بل الله خالق قبل أن يخلق الخلق، ورازق وباعث قبل أن يرزق وقبل أن يبعث، فقوله: "ولا يستحق أن يسمى بالخالق إلا بعد وجود هذه المفعولات" أيضاً هذا كلام خاطئ رد عليه الطحاوي في عقيدته، فالله منذ القدم خالق، قال الله خالق قبل أن يخلق الخلق.

كيف يكون خالقاً قبل أن يخلق الخلق؟ يعني هو متصف بأنه خالق قبل أن يخلق، ما يسمى اليوم خالقاً بالقوة، وإن كنت أحب أن أسقطها في مقامات إلهية، فهناك فرق بين خالق بالقوة وخالق بالفعل، فالله خالق. وكيف أقول لك الإنسان متكلم حتى ولو لم يتكلم؟ إذا رأيت طفلاً صغيراً، هل تقول هل الطفل متكلم؟ نعم، ليس معناه أنه الآن متكلم، لكنه متصف بالقدرة على الكلام، فهي صفة فيه ولو لم يفعلها الآن.

قال: "والنزاع في أن الفعل أهل صفة لله وليصف بالأسماء الفعلية في الأزل، وقد بسطنا الكلام في هاتين المسألتين، ليس هذا موطنهما". لكن الله سبحانه وتعالى يقوم فيه أفعال كالخلق والرزق والكلام والنزول، وهذه صفات أزلية موصوف بها بالأزل، وتتجدد أحادها وفق مشيئته؛ يتكلم متى شاء، يخلق متى شاء، يأتي متى شاء، كله متعلق بمشيئته.

قال: سمعت أن الإمام أبا إسحاق الإسفراييني يقول: لما قدمت من بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور في مسألة الروح، وأشرح القول أنها مخلوقة، وكان أبو القاسم النيسابوراذي قاعداً متبعداً عنا، فجز بنا بعد ذلك بأيام قليلة فقال لمحمد الفراء: «أشهد أني أسلمت جديداً على يد هذا الرجل» وأشار إليه. يعني نصر بعد الذي نحن نتكلم عنه، كان عنده خطأ كأنه في مسألة الروح، والله أعلم ما هو، وتعلم أن الروح مخلوقة مثلها مثل الجسد من خلال درس أبي إسحاق الإسفراييني، قلت لعلّه كان عنده بعض شبهة أو رأي فاسد في خلقها كما يعرض مثل ذلك لبعض الناس.

وقال: سمعت محمداً بن الحسين السلمي يقول: سمعت أبا حسين الفارسي يقول: قال سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد يقول: «متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير بمن له شبيه ونظير؟ هيهات! هذا ظن عجيب، إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة، إلا إشارة يقين وتحقيق إيمان».

قلت: هذا الكلام يقتضي أن العبادة إنما عرفوا ربهم بما لطف به من تعرفه إليهم، وهدايته إياهم بما أعطاهم، لا معرفة إدراك وإحاطة، وهذا حسن، وربما يتضمن نوعاً من الرد على طريقة أهل النظر الذين يجعلونه بمجرده محصلاً للمعرفة المطلوبة، أي بمجرد النظر تحصل المعرفة المطلوبة؛ بل عليك أن تؤمن أنه ليس مجرد نظرك ومشيك على الأقيسة المنطقية جعلك تعرف الله، بل تحتاج إلى لطفه وهدايته. هناك أنوار وألطاف يلطف الله بها بك، يكشف لك بها المعرفة، وليس مجرد أن تظن أن قضية رياضية: 1+1 يساوي 2، تضع مقدمة صغرى ووسطى وكبرى وتحذف الحد الأوسط، ثم تقول عرفت الله! لا، أنت تحتاج إلى ألطاف.

هذا الكلام يقتضي أن العبادة إنما عرفوا ربهم بما لطف به من تعرفه إليهم وهدايته إياهم بما أعطاهم، لذلك قال في النص السابق: ﴿إِلَّا بِمَا لَطُفَ اللَّطِيفُ مِنْ حَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ﴾، كأنه يقول إن المعرفة تنتج من ماذا؟ من تلطف الله لك بكشفه لك عن معانيه.

قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: سمعت عبد الواحد بن بكر قال: حدثني أحمد بن محمد البردعي قال: حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال: قيل ليحيى بن معاذ: أخبرني عن الله، فقال: «إله واحد»، فقال: «كيف هو؟»، فقال: «ملك قادر»، فقال: «أين هو؟»، فقال: «بالمرصاد»، فقال السائل: «لم أسألك عن هذا»، فقال: «ما كان غير هذا، كان صفة المخلوق، فأما صفته فما أخبرتك عنه».

أراد القشيري الاستدلال بهذا النصب من يحيى بن معاذ على إثبات... إذا قلت أين؟ لم يقل إنه فوق السماوات، قال: «بالمرصاد»، يعني هو لك بالمرصاد، فالسائل قال: أنا ما سألتك، قلت لك أين هو؟ فيحيى بن معاذ قال: ما كان غير ما قلته لك فهو صفة المخلوق وليس صفة الخالق. الآن هذا الكلام يوافق ما يريده القشيري في إثبات نفي العلو، وأنه إذا سئل أين الله فلا يجاب بأنه فوق السماوات.

فماذا يقول ابن تيمية؟ قال: قلت لا تعلم صحة هذا الكلام عن يحيى بن معاذ؛ إذ في الإسناد من لا نعرفه. يقول هذا الإسناد فيه أناس مجهولون. ثانياً: قال إن كلام يحيى بن معاذ عندهم هو دون كلام الكبار. شوف إدراك ابن تيمية، شوف عمق ابن تيمية، أنه حتى طبقات الصوفية ومقدار علمهم يعرفه، يعني يقول: يحيى بن معاذ ليس مثل الشبلي الذي مر معنا في الدرس الماضي، وليس من كبارهم. أنت لو قلت لي الجنيد، أقول لك كلامه فعلاً له وزنه، لكن يحيى بن معاذ ليس من كبار المحققين من الصوفية حتى يستدل بكلامه على هذا.

قال: "دون كلام الكبار من أهل التحقيق في المعاملات وغيرها، فإنه يتكلم في الرجاء بكلام يشبه كلام سفلة المرجئة". يعني يقول: بن معاذ له كلام في الإرجاء يشبه كلام سفلة المرجئة، يعني رجل تعبان في تحقيق بعض العقائد. قال: "لا يوفق أصول المشايخ الكبار المتمسكين بالسنة، ويدعي في التوحيد مقاماً هو الغاية، وقد أعابه عليه أبو يزيد وغيره، وكلامه يشبه كلام الوعاظ". وهي طريقة أبي القاسم، يعني هو أقرب أن يكون واعظاً منه إلى أن يكون عالماً؛ كلماته كلمات وعاظ، لما تقول: أين الله بالمرصاد؟ هذا ليس كلاماً علمياً، هذا كلام وعظي، يعني تريد أن تعطيني فكرة إيمانية جيدة، ولكن الكلام ليس كلام علماء محققين، بل هو أقرب لكونه كلام وعاظ.

قال: "وهذا الكلام المذكور في هذا الباب فإنه ليس كل ما يذكره في هذا الجواب بصفة المخلوق لله، بل لله صفات كثيرة عظيمة لم تدخل في هذا".

فإنه ليس كل ما لم يذكره، هل كل ما ذكره يحيى بن معاذ في جوابه هو ذكر حصر صفات الله؟ لا، أنت ذكرت صفة من صفات الله أنه إله واحد وأنه ملك قادر، لكن كثيرًا من صفات الله أنت أصلاً لم تذكرها، فهذا الجواب ليس حاصراً حتى يزعم فيه الحصر.

قال: بل صفات كثيرة عظيمة لم تدخل في هذا الكلام. ثم صفة المخلوق، إن كان لأجل الاشتراك بالاسم؛ فقوله ملك قادر وأنه بالمرصاد، كما قال تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 103]. يعني إذا كانت مشكلتك أنك لا تريد أن تستعمل صفة يشترك فيها الخالق مع المخلوق في اسمها، فكلمة "المرصد" هي أيضاً تطلق على الخالق وعلى المخلوق. أنت قلت: أين الله؟ قلت: الله بالمرصاد، فالمخلوق أيضاً يقعد بالمرصاد، وهو ربنا قال: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.

فهو يريد أن يقول: إذا أنت لا تريد أن تثبت لله صفة أثبتها الكتاب والسنة بحجة أنني لا أريد أن أشرك في الأسماء بين الله وبين المخلوق، فأنت ستشرك بقولك "بالمرصاد"؛ لأن هذه أيضاً من صفات المخلوق.

قال: وأيضاً فالجواب عن "أينه" خلاف الجواب الذي رضي به رسول الله ﷺ، وآخره وحكم بإيمان قائله، وخلاف ما أجاب منه هو سائله؛ فإنه لما قال: أين الله؟ فقيل له: في السماء، رضي بهذا وأقر صاحبه ولم يقل هذه صفة المخلوق، لم يقل إنه لا يجوز أن تقول هي صفة المخلوق. إذا قلت إن الله له مكان، فالله له مكان يليق بجلاله، وأنت المخلوق لك مكان يتعلق بمخلوقيته.

قال: وقد روى شيخ الإسلام الأنصاري الهروي، صاحب "علل المقامات" و"منازل السائرين"، في كتابه المسمى بـ"الفاروق" -بإسناد عن يحيى بن معاذ أنه قال-، ويحيى بن معاذ الذي جئت بكلامه يا قشيري، هنا نفس الهروي نقل عنه كلاماً واضحاً في كتابه الفاروق. قال: يحيى بن معاذ إن الله على العرش بائن من خلقه.

هذا الكلام المنصوص عن يحيى بن معاذ، فإذاً الرجل مقر بالعلو، مقر باستواء الله، فالكلام الذي جئت به يا قشيري هو كلام وعظ أقرب من أن يكون كلاماً علمياً وانتهت القضية. قال: إنه قال إن الله على العرش بائن من خلقه، وقد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. لا يشد عن هذه المقالة إلا جهمي رديء ظليل وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه ويخالط منه الذات بالأقذار والإتيان في هيئته، ويخالف إنكاره "الأين" في هذه الرواية. إذاً هذه رواية أخرى عن يحيى بن معاذ تدل على صراحته في إثبات علوه وبينونته عن خلقه.

قال: وقال أبو القاسم، حدثنا محمد بن حسين قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الروباريه يقول: كل ما توهم به المتوهم بالجهل أنه كذلك، فالعقل يدل على أنه بخلافه. قال: وسأل ابن شاهين: هذا كلام صحيح، كل ما تتصوره بعقلك عن الله فاعلم أن الله بخلاف ذلك؛ فالعقل لا يمكن أن يتصور ذات الله.

قال: وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى "مع"، فقال: "مع" على معنيين: "مع الأنبياء" كأن الله مع الذين آمنوا، وإن الله مع المحسنين، وإن الله مع الصابرين، ومع المحسنين؛ على ماذا تدل؟ فقال الجنيد: "مع" للأنبياء بالنصرة والكلاءة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، ومع العامة بالعلم والإحاطة. ومع العامة يعني الله هناك معية عامة ومعية خاصة؛ أظن تعرفون عقيدة أهل السنة، المعية الخاصة هي النصر والتأييد، والمعية العامة هي العلم والإحاطة.

قال: فقال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، فقال ابن شاهين: مثلك يصلح أن يكون دالاً للأمة على الله. قلت: هذا كلام حسن متفق على صحة معناه بين أئمة الهدى، وكانوا يقولون مثل هذا الكلام رداً على من يقول من الجهمية إن الحق بذاته في كل مكان؛ لأن الجهمية كانوا يستعملون "مع" للدلالة على أن الله بذاته في كل مكان، ويستدلون على هذا بقولهم: إن الله مع المحسنين، فإذاً إن الله بذاته في كل مكان. لا، المعية هنا لا تعني أن ذات الله موجودة في كل مكان، بل تعني النصر والتأييد والكلاءة والعلم والإحاطة، وليست أن الله "مع" بمعنى بذاته في كل مكان.

قال: ويدعي أن يكون فوق العرش، وقد وقع في ذلك طائفة من المتصوفة حتى جعله عين الموجودات ونفس المصنوعات، كما يقول أهل الاتحاد العام، جماعة ابن عربي.

قال القشيري: وسئلت ذو النون المصري عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فقال: أثبت ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه كما شاء. يعني القشيري أتى بكلام ذي النون المصري لأنه فهم من كلامه أنه نفى المكان، لأن ذي النون ماذا قال؟ معلقاً على الآية: أثبت ذاته ونفى مكانه.

طيب، هي الآية فيها نفي المكان؟ شيء، أين نفي المكان الموجود في الآية؟ فهذا ما ابن تيمية سينقده الآن، يقول: هذا الكلام كله غلط، ولا أعتقد أن ذي النون حتى قاله. قال: قلت هذا الكلام لم يذكر له إسناد عند ذي النون، وفي هذه الكتب من الحكايات المسندة شيء كثير لا أصل له، فكيف بهذه المنقطعة المسيئة؟ وفي هذه الكتب، يعني كتب القشيري ولا غيره، منهم كثير حكايات لا أصل لها وينقلها عن الأئمة وكأنها أشياء مقررة.

فقال: من الحكاية المسندة شيء كثير لا أصل له، فكيف بهذه المنقطعة المسيئة التي تتضمن... لأنه ماذا قال القشيري؟ "وسئل ذو النون". تعال حبيبي، هذه أصلاً منقطعة، ما هو الإسناد إلى ذي النون؟ يا أخي المسندة التي عندك أحياناً نبطلها، فما بالك تأتيني بمنقطعة تقول: وسئل ذو النون، على طريقتهم معلقة، يعني رواية فيها تعليق.

فقال: فكيف بهذه المنقطعة المسيئة التي تتضمن أن ينقل عن المشايخ كلام لا يقوله عاقل أصلاً؟ إنه هذا الاستدلال، كيف يعني: "أثبت ذاته ونفى مكانه"؟ ما علاقة "الرحمن على العرش استوى" بنفي المكان؟ أين تدل على هذا؟ فقال: فإن هذا الكلام ليس فيه مناسبة للآية، بل هو مناقض لها، بالعكس؛ هي الآية تثبت مكاناً لا تنفي مكاناً، لأنه قال: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، هذا إثبات لمكان وليس نفيًا لمكان. قال: فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفي مكانه بوجه من الوجوه، فكيف تفسر؟

بذلك، وأما قوله هو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه فهو حق؛ لأن كل الأشياء توجد بإرادته. هذا معنى أن الأشياء موجودة بحكمه، أي أن الله حكم بوجودها، ونحن لا نخالف في هذا.

لكن قال: ليس هذا معنى الآية؛ فأما قوله هو موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمه، فالآية تستوي على العرش ولا تتكلم عن هذا الموضوع وإن كان المعنى صحيحًا. قال: وسئل الشبلي عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: «الرحمن لم يزل والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى». هنا نُقل عن الشبلي أن «العرش بالرحمن استوى»، وهو عكس الآية؛ فالآية تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، والشبلي قال: «العرش بالرحمن استوى»، عكس ما تدل عليه الآية.

قال ابن تيمية: قلت هذا الكلام أيضًا ليس له إسناد عن الشبلي، وقال: وسئل الشبلي، ولم ينقله القشيري. وقال: وهو يتضمن من الباطل ما هو تحريف للقرآن. وأما قوله: «الرحمن لم يزل والعرش محدث» فهو حق، فالعرش مخلوق في النهاية.

وأما قوله: «العرش بالرحمن استوى»، فهو أولًا خلاف القرآن؛ فإن الله أخبر أنه هو الذي استوى على العرش، وليس العرش هو الذي استوى به. وثانيًا، فإنه إذا قال العرش استوى به، فهذا ليس أبلغ من قوله إنه استوى على العرش؛ فلو أراد أن العرش استوى به لكانت عبارة «استوى هو على العرش» أبلغ.

فلماذا يغير معنى الكلام؟ كما في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أهل حين استوت به راحلته؛ لأن الشبلي قد يكون أراد أن يقول بنفس المعنى في الحديث: كيف استوت به راحلته؟ أي نهضت به أو رفعت به. كذلك ممكن يكون قصد الشبلي أن العرش استوى به أي أن العرش رفعه، أو أن الله قد يكون بنفس المعنى، لكن حتى لو قصد ذلك، فعبارة القرآن أبلغ: ﴿اسْتَوَى﴾ هو على العرش.

هذا لو أحسنا الظن بعبارة الشبلي، لكن عبارة الشبلي قد تحتمل أصلاً معنى خاطئًا؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون العرش استوى بالله واستقل به وحمله، وإن لم يرد هذا المعنى. وإن كان الظاهر كذلك، ولم يرد هذا المعنى أصلاً، وإنما أراد أن العرش استوى بقدرة الله، فهذا مقصد الشبلي. ولو أردنا أن نحسن الظن بأن الشبلي أراد إثبات الاستواء بقوله «والعرش استوى به» بمعنى أن العرش حمله، لكن العبارة الأرقى هي أن تقول إن العرش حمله، ففي قولك «استوى به» شيء من التشويه، أما «استوى على العرش» فهي فيها تنزيه لله سبحانه وتعالى.

كأننا إذا سألنا شخصًا يحفظ القرآن، فأراد أن يعكس الآية من باب تعظيم الله، فربما أراد أن ينزه بأن الله استوى بمعنى لا يريد إثبات فعل لله وهو الاستواء، لكنه لما عكس فقال: «العرش استوى به»، فقد بين أمرين: إما أنه قصد أن العرش حمل الله، وهذه عبارة لا تليق بالله، وإما أنك قصدت بقولك «العرش استوى بالله» أن العرش اعتدل واستوى بقدرة الله، وهذا معنى أن العرش استوى واعتدل بدون إثبات أن الله سبحانه وتعالى على العرش.

هذا الكلام ليس تفسير الآية، بل هو معنى زائد؛ أي أن العرش استوى بقدرة الله، وهذا ليس هو معنى الآية بل تحريف صريح يستحق قائله العقوبة البليغة. وقال: ولا يصح أن يحكى مثل هذا عن قدوة في الدين، بل ولا عن أطراف الناس، وبالتالي فإن نسبة هذا الكلام إلى إمام قدوة كالشبلي هو عيب.

وسئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فقال: «استوى علمه بكل شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء». فسر الاستواء بأنه استواء العلم، وهذا من نمط الذي قبله، بل هو أسوأ من إجابة الشبلي. وقال: وهو أسخف من تأويلات القرامطة الباطنية، فإن اللفظ ليس فيه ما يدل على ذلك أصلاً، وجعفر بن نصير أجل من أن يقول هذا التحريف الذي لا يصدر مثله إلا عن بعض غلاة الرافضة والقرامطة والملحدين الطاعنين في القرآن، لأن الرواية منقطعة.

ومعنى كلامه أن علمه بكل الأشياء بنفس الدرجة؛ كأن الأشياء التي يعلمها عنده في نفس المرتبة، فاستوى بمعنى استوت كل المعلومات لديه، فكلها في نفس الدرجة من الدراية والإحاطة، ولا توجد معلومة أحاط بها مائة بالمائة ومعلومة تسعين بالمائة، بل كلها استوت لديه في نفس المرتبة من الوضوح والجلاء.

وقال جعفر الصادق: «من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك؛ إذ لو كان على شيء لكان...»

محمولًا، أو كان في شيء لكان محصورًا، أو كان من شيء لكان محدثًا. قال: يعني هذا نسبه إلى جعفر الصادق، من زعم أن الله على شيء فقد أشرك، وهذا يدخل في استوائه على العرش.

قال: وقال جعفر الصادق في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾؛ من توهم أنه بنفسه دنى، جعل ثم مسافة، وإنما تدانيه أنه كلما قرب منه بعده عن أنواع المعارف إذ لا ذنوب ولا بعد. قلت: هذا الكلام وأشباهه مما اتفق أهل المعرفة على أنه مكذوب على جعفر. جعفر الصادق من أئمة السلف، وكُذب عليه كثيرًا، خاصة من الروافض.

قال: مثل كثير من الإشارات التي ذكرها عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير، والكذب على جعفر كثير منتشر، والذي نقله العلماء الثقات عنه معروف، يخالف رواية المفترين عليه.

قال: ورأيت بخط الأستاذ أبي علي أنه قيل لصوفي: أين الله؟ فقال: «أسحقك الله! تطلب مع العين أثرًا؟ كيف تطلب مع وجود العين أثرًا؟». خلص، ما هو مبين الله، يعني كيف أقول لك إذا أصبح الشيء عيانًا فهل تبحث عن أثره؟ أصبح عيانًا لماذا تبحث عن الأثر؟

هذا الكلام إخواني، ما هو هذا الكلام؟ هذا كلام روحاني إيماني، هذا كلام ما تبني عليه يا قشيري عقائد. قيل له أين الله؟ قال: «أسحقك الله، ألَتطلب بعد العين أثرًا؟». هذا كلام إيمانيات وروحانيات، زي ما بيحكي الشيخ مجدي، يعني مش كلام هذا النص كلام علمي يؤخذ منه أنهم نفوا علو الله وتبني عليها قصة. قلت: هذا كلام مجمل، قد يعني به الصديق ما هو صحيح، ويعني به الزنديق ما هو فاسد؛ يعني الصديق يحمل على أحسن المحامل، والزنديق قد يقصد به كلامًا كفريًا.

قال: فإن السائل "أين الله" قد يكون سؤاله عن شك، عن معرفة ما يستحقه الله من العلو، وقد يكون الاستعلام عن حال مسؤول، كما سأل النبي ﷺ الجارية: «أين الله؟». فالذي سأل الصوفية "أين الله"، إن كان شاكًا في نعت ربه أو جاهلًا بحال المسؤول فهو ناقص، فيحتمل أن الصوفي كان عارفًا بالله، وقد عاين السائل من حاله ما عرف به صدقه، فقال: سؤالك سؤال من يريد أن يستدل بالأثر على... وأنت قد عاينت ما يغنيك عن ذلك، فقال: «أتطلب مع العين أثرًا؟».

كما أن المعروفين بالإيمان من الصحابة لم يكن النبي ﷺ يقول لأحدهم: «أين الله؟». شاهد أن النبي ﷺ مثلاً، هل قال لأبي بكر الصديق: "أين الله" ليختبره؟ لا، لإدراكه أن أبا بكر مثله لا يختبر، لأنه إنسان بالغ في العلم عتية، إن شاء الله. إنما قال ذلك لمن شك في إيمانه كالجارية.

وهذا كما يذكر في حكاية أخرى أن بعضهم لقي شخصًا فقال: أين ربك؟ فقال: لا تقل أين ربك، ولكن قل: أين محل الإيمان من قلبك؟ أي أن مثلي لا يقال له أين ربك، وإنما أسأل عما يليق بمثلي أن يُسأل عنه.

قال: بل كما في الحكاية المعروفة عن يزيد بن هارون الواسطي، ونحوها أيضًا لأحمد بن حنبل، أن منكرًا أو نكيرًا لما أتاه وسألاه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فقال: أتقولان لي هذا وأنا يزيد بن هارون الواسطي أعلم بالسنة ستين سنة؟ قيل إن يزيد بن هارون رُؤي في النوم بعد أن مات، فسئل: يا يزيد، ماذا فعل بك منكر ونكير؟ فقال: أتياني فسألاني: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فقلت لهما: تسألاني يزيد بن هارون من ربك وما دينك ونبيك وأنا أعلم الناس بذلك منذ ستين سنة؟ هذه رؤى يُستأنس بها. قال: فقال: «أعذرنا، فإنا بهذا أمرنا»، وانصرف وترك منكر ونكير، قالوا: سامحنا، بس نحن مطالبين نسألك.

وظاهر الأمر في حال الصوفي الذي ذكره الأستاذ أبو علي، أنه قصد هذا؛ لأنه قال للسائل: «أسحقك الله، أتطلب مع العين أثرًا؟». وهذا العين الذي أغناه عن الأثر، إما أن يكون في معرفته بربه، أو معرفته بحال المسؤول. فلو كان الأول لم يكن جاهلًا فيسأل "أين الله"، ولم يجب عليه الصوفي حتى يقول له: «أسحقك الله». فعلم أنه كان عارفًا بحال الصوفي، فطلب منه زيادة امتحان له عن معرفته بربه، فقال: «أتطلب مع...».

العين أثر، وأما المعنى الذي يعنيه الزنديق؛ فإن يكون من أهل الاتحاد، المعين فيعتقد أنه عاين الله بعين بصره في الدنيا، فيقول: "أتطلب مع العين أثرا؟". أو يعتقد أن الوجود المعاين هو عين الوجود الحق، كما تقول الاتحادية -أهل الاتحاد المطلق- أو نحو ذلك من مقالات الزنادقة المنافقين.

البعض قد يحمل هذه العبارة أن هذا الصوفي يريد أن يقول إن وجود الله هو نفس وجود العالم، التي هي عقيدة الاتحادية، فإذا سئلت: أين الله؟ ماذا قد يجيب الزنديق؟ "أتطلب مع العين أثرا؟ ألا ترى الله كاملا في هذا الوجود؟ أتطلب مع العين أثرا؟ ألا ترى الله في هذا الوجود؟". هي عبارات ابن عربي وغيرهم الذين يقولون إن الله هو عين العالم، فهذا معنى "أتريد مع العين أثره"، وهذا ممكن يكون كلام مقصد بعض الصوفية من عبارة "أتطلب مع العين أثرا".

ولكن ظاهر الحكاية لا يوافق هذا، فإنه عند هؤلاء الاتحادية العين والأثر واحد، فلا يقولون "أتطلب مع العين أثرا"، فقال "أتطلب مع العين أثرا" لا يتلاءم معهم. إن هذا الرجل صالح وصادق ويقصد ماذا؟ أنني أعلم أين الله فلا تسألني عن شيء أنا عارف به.

الآن لما جاء القشيري في هذا الكلام، يريد أن يستدل على عدم السؤال "أين الله"، أو أنه حتى لو سئل أين الله، فلا يجاب "أنه فوق السماوات". القشيري يقول لك: إما لا يريد أن تسأل أين الله، ولو سئل فالمهم أن الإجابة هكذا تطمئنك، أن لا تقول إن الله فوق السماوات. ولكن ما تفسير "مع العين"؟ هو لم يفسر هذا، لا يعطيه تفسيرات وشرحاً لهذا الكلام، وإنما ينقل هذه العبارات نقلاً سريعاً، وهذه مشكلة القشيري.

قال القشيري يريد أن يثبت أن الله ليس على علو، وهذه طريقة الصوفية، ثم يسرد لك النصوص ولا يعلق عليها. قال: "والصوفي قال: أتطلب مع العين أثرا؟ وهذا يقتضي أن السائل يصح منه طلب الأثر بعد العين، وليس في الحكاية مقصود لأبي القاسم من نفي كون الله على العرش". شايف، هذا هو مقصد القشيري من ذكر مثل هذه القصص.

قال: "ولا يقول أبو القاسم بأن العارف حصل له في الدنيا من معاينة الله تعالى ما يغنيه عن الأثر"، وهذا لا يقوله القشيري. قال أبو القاسم، وحدثنا الشيخ أبو عبد الرحمن، قال سمعت أبا العباس بن الخشاب البغدادي، قال سمعت أبا القاسم بن موسى، قال سمعت محمد بن أحمد، قال سمعت الأنصاري، قال سمعت الخراز يقول: حقيقة القرب فقدان جمالية الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله".

يعني حقيقة اقترابك من الله أن تفقد جمالية الأشياء، أن تصبح الأشياء كلها بالنسبة لك لا معنى لها، ويهدأ قلبك ولا يسعد إلا بالقرب من الله عموماً. قلت: هذه الحكاية في إسنادها من لا يعرف حاله، وإن صح هذا الكلام عن أبي سعيد الخراز، فليس مقصوده أن القرب من الله ليس إلا مجرد ذلك، ولكن أراد أن هذا هو الذي يحقق القرب، يعني أن تتخلى عن الدنيا وتتعلق بالله.

قال: "وحقيقة الشيء عندهم ما يحققه، فيكون علة لوجوده ودليلاً على صحته". كما يروون في الحديث الذي رواه ابن عساكر مرسلة، وروي مسنداً من وجه، وروي مسنداً من وجه ضعيف لا يثبت، أن النبي ﷺ قال لحارثة بن سراقة: «كيف أصبحت يا حارثة؟»، قال: «أصبحت مؤمناً حقاً»، قال: «فما حقيقة إيمانك؟»، فقال: «عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتمتعون فيها، وإلى أهل النار يعذبون فيها»، فقال: «عرفت، فالزم عبد عبودية الله قلبه».

فقولهم في هذا الحديث الذي يروونه: "ما حقيقة إيمانك؟" أي ما يحققه ويصدقه، فذكر ما يصدق. فالحقيقة هنا ليست الماهية، هو يناقش مفهوم الحقيقة. لما سئل الخراز: ما حقيقة القرب؟ هو لم يقصد حقيقة القرب أي كيف هو القرب في الواقع، المراد بالحقيقة ما البرهان على القرب؛ فالحقيقة ليست بمعنى الواقع، بل "ما حقيقة القرب" أي ما برهان قربك من الله؟ ما دليل قربك؟ فالحقيقة بمعنى الدليل وليس الحقيقة بمعنى الشيء في الخارج كما يقولون.

قال: "فذكر ما يصدقه ويحققه من اليقين والزهد"، كما جاء في الحديث: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد». فقول أبي سعيد: "حقيقة القرب" أي الذي يحققه والذي يدل عليه، وليس هو التعريف. أحياناً أنت تقول: ما حقيقة هذا الشيء؟ تقصد تعريفه، مثل: ما حقيقة العلم؟ وأحياناً تقصد: ما حقيقة حبك للعلم؟ أي ما الذي يحقق حبك للعلم؟ وهذا شيء آخر.

وهذا يدل إخواني أن قراءة كلام السلف أو قراءة كلام الأوائل ليست سهلة، أحياناً عبارات مثل هذه تتوهم أن قصد بها شيئاً وتكتشف أن المراد شيء آخر. لهذا نحن نحب نقرأ التراث، ولازم نقرأ الكتب كثيراً حتى يبدأ الإنسان يكون عنده ملكة في فهم إشكالات المصطلحات وإشكالات الإطلاقات، وأن الإطلاق ليس على ظاهره دوماً، وأنه أحياناً قد يكون أحد المتقدمين يحرف نظرك إلى صورة، ويكون مقصد المتكلم صورة أخرى.

القشيري رجل فاضل رحمه الله عليه، لكن في النهاية يستخدم الكلمات بطريقة توجه وجهك لطريقة معينة، ثم تكتشف أن المراد طريقة أخرى. فليس ما يفعله القشيري صحيحاً لمجرد أننا بالنسبة لنا الأقدمين لهم مكانة في القلب، فيصبح البعض يأخذ كل ما يقولونه مسلماً، أنه هو أكيد فهم أكثر مني. لا، ليس شرطاً كونه متقدماً أنه فهم أكثر منك؛ إذا أنت عاقل ونور الله قلبك وأنت متأخر في هذا القرن، ممكن تكون أكثر فهماً لبعض كلام السلف من القشيري ومن قبله ومن بعده.

وهذا لا يغض من الطر، فإن الإنسان يفهم ويفكر، والعقول ربنا عز وجل وزعها. ليس لأنه هو متقدم أكيد هو يفهم كل شيء أكثر مني وأعقل مني، لا، يصيب ويخطئ كما أننا نصيب ونخطئ. وتأتي أجيال بعدنا لما تسمع كلام فلان وتسمع كلام غيره، تقول: والله أصاب فلان في كذا وأخطأ في كذا، هل لأني أنا عشت في زمنه؟ معناها الذي سيأتي بعد خمسين سنة ما له.

الحق أنه ينتقدني، لا، في النهاية كل كلامنا كلام يقبل التخطئة ويقبل الإصابة، فكما الأجيال القادمة ستنظر إلينا، لذلك نحن نظرتنا إلى الأجياد التي سبقتنا؛ كلامهم يقبل المناقشة والإصابة والخطأ، وهذا ما نتعلمه من قراءة كتب التراث. كيف ابن تيمية يناقش القشيري، والقشيري قبل ابن تيمية، وابن تيمية يخطئ يقول له: «أنت فهمت خطأ، هذا ليس كذا».

لكن المهم طبعًا أنه يريد أن يخطئ أو يدخل في مجال النقل، يجب أن يكون على كعب، ليس شابًا يخطف الأجرامية ولا يخطف القرآن، لا، بل يجب أن يكون صاحب علم، إنسان متمرس في العلوم، عاش لها ثلاثين أو أربعين سنة في العلوم؛ والله هذا الذي يخرج لي يناقش كلام العلماء مع المحافظة على التوقير والإجلال والاحترام، ويكون الهدف هو ما يسمى النقد البناء، يعني الهدف الإصلاح وليس الهدف الإسقاط.

قال: «وهذا تحقيق الإخلاص والتوحيد الذي من حق من حققه كان أقرب الخلق إلى الله، وهو تحقيق كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، وهذا على درجتين، فأهل الفناء يفقدون إدراك الأشياء ومعرفتها مصطلمين في ذكر الله والملائكة».

مصطلمين يعني فنيين، الفناء معناها الاصطلاح بمعنى الفناء، قال: «مسلمين في ذكر الله والملائكة وأولو العلم»، وهو سبحانه شهد وحدانيتهم في ألوهيته متضمنة شهادته لجميع خلقه، فإنه شهيد عليم، ليس عن المخلوقات بغائب.

أهل الفناء يفقدون إدراك الأشياء ومعرفتها مصطلمين في ذكر الله والملائكة وأولي العلم. هسه الملائكة وأولي العلم، يعني أحس أنها معطوفة على أهل الفناء، مش على الله، يعني فأهل الفناء ومثلهم الملائكة وأهل المصطلمين في ذكر الله، أما إن تحول أنه مصطلمين في ذكر الله في شيء غلط بكون فيها.

قال: «فإنه شهيد عليم ليس عن المخلوقات بغائب»، حتى قال: «وأولو العلم»، ما قال «وأولي»، ما يدل على أنها معطوفة على المبتدأ مش على ذكر الله، لأنه لو قالت «على الله» لكانت «وأولي». قال: «فأولو العلم الشاهدون على أنه لا إله إلا هو، إذا لم يكن فيهم عجز يوجب الفناء، يعطون من القوة على ما يشهدون به الأمر، وتلك شهادة كاملة أكمل من شهادة أهل الفناء، فيفقدون تآلف قلوبهم للأشياء ووجدهم وطمأنينتهم إليها، معتضين بتآلف قلوبهم لله ووجدهم به وطمأنينة قلوبهم بذكره، لا يفقدون الشهادة التي تزيد في علمهم وإيمانهم من شهود الربوبية المحيطة جملة وتفصيلاً، والألوهية الواجبة جملة وتفصيلاً، وما يدخل في ذلك من أصناف المخلوقات والمأمورات».

فقال أبو القاسم: سمعت محمد بن الحسين، قال سمعت محمد بن علي الحافظ، قال سمعت أبا محمد القزويني، قال سمعت أبا علي الدلال، قال سمعت أبا عبد الله بن قهرمان، قال سمعت إبراهيم الخواص يقول: «انتهيت إلى رجل وقد صرعه الشيطان»، يعني مشروع، قال: «فجعلته أذن في أذنه، فناداني الشيطان من جوفه: دعني اقتله فإنه يقول إن القرآن مخلوق». يعني الشيطان يريد أن يقتله.

قلت: هذه الحكاية موافقة لأصول السنة، وقد ذكروا نحوها حكايات، واعترض في ذلك الغزالي وغيره بأن هذا استدلال بكلام الشياطين في أصول الدين. يعني هنا تريد أن تستدل بكلام الشياطين في أصول الدين مع العقيدة؟ لا تؤخذ من أفواه الشياطين.

قال: «وذكر عن الإمام أحمد في ذلك حكاية باطلة ذكرها في المنقول، فقال: رب رجل يعتقد الشيء دليلاً وليس بدليل كما يذكر». وجواب هذا أن الجن فيهم المؤمن والكافر كما دل على ذلك القرآن، ويعرف ذلك بحال المصرع، ويعرف بأسباب قد يقع بها أهل المعرفة. بالتالي، هذا الجني الذي موجود في هذا المصرع لا يمكن أن يكون مؤمنًا؟ ترى هو لما قال الشيطان، ليس ضروريًا أن يكون شيطانًا، ممكن يكون جنًا مؤمنًا فعلاً يريد أن يقتل هذا الإنسي الذي يقول إن القرآن مخلوق، فهذا ليس استدلالًا بكلام الشياطين بل بكلام صالح الجن.

قال: «فإذا عرف أن الجني من أهل الإيمان كان هذا مثل ما قصه الله في القرآن من إيمان الجن بالقرآن، وكما في السيرة من أخبار الهواتف». وإبراهيم الخواص من أكبر الرجال الذين لهم أخبار هواتف، يعني مش التلفونات إخواني، بالهواتف؛ تعرف أن جاءني هاتف فقال لي افعل كذا، كثيرة عند الصوفية: «سمعت هاتفا يهتف ولا يعلم شكله». وإبراهيم الخواص من أكبر الرجال الذين لهم خوارق، قال: فله علمه بأن هذا الجني من المؤمنين لما ذكر هذه الحكاية على سبيل الذم لمن يقول بخلق القرآن، فبالتالي إبراهيم الخواص يعرف أن هذا الجن مؤمن، فلم يستدل بكلام شيطان بل بكلام جن صالح.

قال: «فصل، قال أبو القاسم: وقال ابن عطاء: لما خلق الله الأحرف جعلها سرًا، فلما خلق آدم بث ذلك السر فيه، ولم يبث ذلك السر في أحد من الملائكة، فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون المعارف، فجعلها الله صورًا».

أراد القشيري بهذا الكلام أن يبدأ بذكر أن الأحرف مخلوقة، وبالتالي لا يمكن أن يكون الله متكلمًا بالأحرف بصوت وحرف، لأنه إذا قلنا إن الله متكلم بصوت وحرف والأحرف مخلوقة، إذاً هذا معنى أن المخلوقات أوقات حلت في الله. فابن تيمية سيفند هذه القصص التي يرويها القشيري. من أين أتى ابن عطاء بكل هذه القصة التي قالها؟ فضلاً أن القشيري يستدل بها على أن الأحرف مخلوقة؛ الأحرف أصوات، والأصوات تتبع من نطق بها، فإذا نطق بها المخلوق فهي مخلوقة، فأصواتنا مخلوقة، وإذا نطق بها الله فهي قديمة، لا توصف بأنها مخلوقة لأنها صفة من صفات الله. فمن الذي قال إن الأحرف مخلوقة؟ هذا الخطأ الذي عادة ما يتكئ عليه الأشاعرة في نفي كلام الله بصوت وحرف.

قال أبو القاسم: «صرح ابن عطاء رحمه الله بأن الحروف مخلوقة، قلت: لم يذكر لهذه الحكاية إسنادًا»، وهي أول مشكلة أن الحكاية كلها ليس لها سند. قال: «ومثل هذا لا تقوم به الحجة، ولا يحل لأحد أن يدل المسلمين في أصول دينهم بكلام لم تعرف صحة نقله، مع ما علم من كثرة الكذب على المشايخ المقتدى بهم، فلا يثبت بمثل هذا الكلام قول لابن عطاء ولا مذهب، بل قد ظهر على هذه الحكاية من كذب ناقلها وجهل قائلها ما لا يصلح معه أن يحمد الاعتقاد بها، فلو فرض أن هذه الحكاية قالها بعض الأعيان لكان فيها من الغلط ما يردها على قائلها، وكذلك أن الله لم يخص آدم بالأحرف».

وإنما خصه بتعليم الأسماء كلها، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، ثم عرضهم على الملائكة فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾ [البقرة: 31]. فالله سبحانه لم يعلم آدم أحرفًا، وإنما علمه أسماء الأشياء.

وقد تنازع الناس: هل المراد بها أسماء من يعقل؟ لقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، أو أسماء كل شيء؟ على قولين؛ والأول اختاره ابن جرير الطبري وأبو بكر عبد العزيز صاحب الخلال وغيرهما، وهو أن عرضهم استعمال ضمير المذكر للجمع، وهذا يكون للعقلاء، أما غير العقلاء فلا يستعمل له ضمير جمع المذكر وإنما يستعمل له ضمير جمع المؤنث: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. والخلاف ليس في موطنه.

والثاني أصح؛ لأن في الصحيحين في حديث الشافعات عن النبي ﷺ: «يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء». ويبين ذلك أن الملائكة كانوا يتكلمون قبل أن يعلمك أسماء هذا، وهذا هو موطن الشاهد؛ فقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَهَا كُلَّهَا﴾ يقتضي أنه علمه ما يعقل وما لا يعقل.

ويُبين ذلك أن الملائكة كانوا يتكلمون قبل أن يخبرهم آدم بالأسماء، وقد خاطبوا الله وخاطبوا آدم قبل ذلك، فهذا يدل على أن آدم لم يختص بالحروف؛ لأن الحروف كانت معروفة عند الملائكة أصلاً، كانوا يتكلمون بها قبل خلق آدم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30]. فهل استخدمت أحرف في الملائكة وكيف تكلموا؟

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لما خلق الله آدم، قال: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واسمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك من بعدك، فذهب إليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فزادوه». وأيضًا آدم عليه السلام تكلم قبل أن يعلمه الله أسماء كل شيء، كما في الصحيحين أن الله لما خلق آدم عطس فقال: «الحمد لله رب العالمين»، فقال الله له: «يرحمك ربك»، وهذا كان قبل أن يعلمه الأسماء.

وأيضًا من المعلوم أن الملائكة كانوا يسبحون الله ويمجدونه قبل خلق آدم وقبل إخباره إياهم بالأسماء، فكيف يظن ظان أن النطق كان مختصًا بآدم لما علم الأسماء؟ وأيضًا فإن هذه الحكاية من قائلها الأول مرسلة لا إسناد لها، ولم يؤثرها عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، وأحسن أحوالها أن تكون من الإسرائيليات التي إذا لم تُعرف أنها حق أو باطل لم يُصدق بها ولم يُكذب، ومثل هذا لا يُعتمد عليها في الدين بحال.

والمعروف عن بعض المشايخ حكاية لو ذكرها أبو القاسم لكان احتجاجه بها أمثل، وهو ما ذكره الإمام أحمد عن السري السقطي أنه ذكر عن بكر بن حبيب العابدي أنه قال: لما خلق الله الحروف سجدت له كل الحروف إلا الألف، فالألف رأسها وذيلها، فقالت: لا أسجد حتى أؤمر، فقال أحمد: هذا كفر.

سيُعلق عليها أنه قال: لما خلق الله الحروف سجدت له كل الحروف إلا الألف، فقالت: لا أسجد حتى أؤمر، يعني الأحرف سجدت وحدها، خلقها الله فسجدت مباشرة، إلا الألف قالت: لا أسجد حتى يؤمرني ربنا بالسجود. فقال أحمد: هذا كفر، وسيء الكلام.

لو أتى ابن تيمية بهذه القصة للقشيري، لقال: لو أتيت بهذه القصة أحسن من قصة ابن عطاء التي أتيتنا بها، لكن سيعلق فيقول: وهذا الكلام لم يقله بكر بن حبيب والسري ونحوه من العباد، إلا ليبين الفرق بين من لا يفعل إلا ما أمر به، ومن يبتدع بما لم يؤمر به من البدع، وهذا مقصود صحيح. هو يقول لك إنهم عادة يستدلون بهذه القصة على التفريق بين من لا يفعل إلا بناءً على أمر، وبين من يفعل على خاطره؛ فالألف رفضت أن تسجد لأنها متبعة، قالت: أنا لا أسجد حتى أؤمر، بخلاف الأحرف الأخرى المبتدعة فإنها سجدت ولم تُؤمر.

فإن العمل الصالح المقبول هو ما أمر الله به ورسوله، دون ما شُرع من الدين الذي لم يأذن به الله. لكن كثيرًا من العباد لا يحفظون الأحاديث ولا أسانيدها، فكثيرًا ما يغلطون في إسناد الحديث أو متنه، ولهذا قال يحيى بن سعيد: «ما رأينا في الصالحين أكثر منهم كذبًا في الحديث». وهذا دائمًا عند الأئمة علماء الحديث، يقولون: القصاص والوعاظ -ولو كانوا مشايخنا وأحبابنا صالحين- لا تأخذوا منهم قصة. لا أقول لك إن هذا رجل صالح يعطي درسًا في المسجد، لكن هذا الشخص لا يُعتمد عليه في نقد الأحاديث، فنقد الأحاديث يحتاج إلى متخصص متعلم.

وقال أيوب السختياني: «إن من جيراني لمن أرجو بركة دعائهم في السحر، ولو شهد عندي على جزرة بخن لما قبلت شهادته». في بعض الناس ما شاء الله، والله على الرأس والعين، لكن لا يقرب العلم؛ أنت رجل فاضل وادعُ لي في ظهر الغيب، ولكن لا تقرب العلم لأنه ليس صنعتك.

ولهذا يميزون في أهل الخير والزهد والعبادة بين الثابت بن بلال والفضيل بن عياض ونحوهما، وبين مالك بن دينار وفرقد السبخي وحبيب العجمي، وطبقتين، وكل هؤلاء أهل خير، لكن الطبقة الأولى يدخل حديثها في الصحيح، كالفضيل بن عياض وهو إمام متقن من الزهاد، أما مالك بن دينار فهو على الرأس والعين، لكنه واعظ زاهد وليس رجلًا متخصصًا في الرواية.

وقال مالك بن أنس رحمه الله: «أدركت في هذا المسجد ثمانين رجلًا لهم خير وفضل وصلاح، كل يقول حدثني أبي عن جدي عن النبي ﷺ، لم نأخذ عن أحد منهم شيئًا». وكان ابن شهاب يأتينا وهو شاب، فيقول مالك: إني في المسجد النبوي أدركت ثمانين رجلًا كلهم أفاضل محترمون، وكلهم يروون أحاديث عن أبيهم عن جدهم عن النبي ﷺ، ولكن والله ما أخذت عن حديثهم؛ لأنهم غير متخصصين فأخشى أن يكون حديثهم غلطًا. وكان ابن شهاب يأتينا وهو شاب فنزدحم عليه بخلاف...

ابن شهاب، ابن شهاب كان يجينا وهو عمره 25 أو 30 سنة، والله نروح نطلب العلم منه شاب صغير، وتركت المشايخ الحجيين الموجودين في المسجد النبوي. ليش فعلت هذا يا مالك؟ لأنه ابن شهاب متخصص، ابن شهاب عرف ذكاؤه وإتقانه فاستحق أن يؤخذ منه العلم.

فالقضية في طلب العلم هي مش قضية أن فلان رجل صالح ولا مش صالح، صلاح أحد العناصر، لكن برضه يجب أن يعرف مدى ذكائه ومدى فهمه. مشكلة الناس اليوم مثلا على اليوتيوب، بتشوف شيخ ما شاء الله حاط وكذا، والله وجهه منور، خلينا نسمع شو كلامه، وبيصير يأخذ منه. وإذا أنت حكيت له يا عمي والله الرجل هذا فاضي بس والله يحكي غلط، أنت افهم.

يا إخواني، الشغلة مش أن الرجل عارف يحط لك مقطع يوتيوب ولابس لك حطة خضراء وحطة صفراء وحطة كذا، ولحيته مضبطة بطريقة معينة، ويظهر عليه هيك السكون والورع؛ هذه مش علامات أن الرجل يتكلم بعلم، لكن العوام خلص هذه الأمور تبهرهم، فيصبح يظن أن الشكل والمظهر الخارجي وطبيعة المجلس توحي أن الرجل متعلم، وأن كل ما يقوله صواب.

مالك بن أنس يقول لك: وجدت ناس أفاضل في المسجد النبوي، ناس يستسقى بدعائهم، بس يا عمي والله في العلم ما بيزبط، لأنه ما تخصص ما تعب على نفسه في طلب العلم، مش شغلته هذه، هي أرزاق.

ابن شهاب كان فيه من مداخله الملوك وقبول جوائزهم ما لا يحبه أهل الزهد والنسوك؛ قال: «يختص كل قوم بما يختاره»، فأولئك النساك. رووا هذا الأثر ليفرقوا بين العمل المأمور به وما ليس بمشروع مأمور به. الرجل كان يرتاد الملوك، معروف، بس يرتاد الملوك مش لدنيا، يعظهم ينصح، وكانوا يعطونه، ورجل ربنا فات، بس مش شغلته شغل الزهاد المنقطعين عن الملوك، بس في النهاية رجل متخصص.

لا تأخذوا عنه هذا شغل سوشيال ميديا، هذا شغل إعلام، هيك عواطف، مش شغل إنسان يبحث عن علم، مش شغل إنسان يريد أن يصل إلى معرفة حقيقية. للأسف المعايير بتكلم عن التمييز، سبحان الله موجودة اليوم، أنه يقول لك والله هذا الشيخ مش عاجبني لأنه بيشتغل مع جهة معينة، بس في النهاية حكى علم ولا لا؟ إذا حكى علم بدك تقبله، شبر عنك، هسه خطأه وغلطه وربنا يحاسبه عليه، بس إذا حكى علم بدك تقبله، مش لأنه فلان من جماعتهم ولا من جماعتهم، إذا مش من جماعتهم والله ما بنقبل منه شيء، وإذا من جماعتهم، هذه أمور لا تدل على علمية ولا معرفية ولا عن إنسان يريد الحق دائما. التحزبات هذه سبحان الله.

قال: وليفرق بين العمل المأمور به وما ليس بمشروع مأمور به. وجاء في لفظ: «لما خلق الله الحروف»، فاحتج بهذا من يقول من الجهمية إن القرآن أو حروفه مخلوقة. الآن لما خلق الله، نرجع للقصة التي قال ابن تيمية لو استُدل بها لكانت أفضل؛ القصة لما خلق الله الحروف، عشان تعرف ليش قال أحمد في آخرها: «من قال هذا فهو كافر». وأحمد إيش قال؟ هذا كفر، لأنه أحمد يعرف أن من يستدل بهذه القصة يقصد نصر قول الجهمية أن القرآن مخلوق، قول المعتزلة، باعتبار أنه لما خلق الله إذا الحروف مخلوقة إذا القرآن مخلوق، فهي القصة كان يستدل بها من يرى أن القرآن مخلوق.

فقال أحمد: «هذا كفر؛ لأن فيه القول بخلق ما هو من القرآن»، وذلك الأثر لا يعرف له إسناد ولا يعرف قائله ولا ناقله، ولا يؤثر عن صحابي ولا تابع، ولعله من الإسرائيليات، فرد الاحتجاج به أسهل الأمور. وأما ما تضمنه من الفرق بين العمل الذي يؤمر به والذي لا يؤمر به، فهذا الفرق ثابت من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. يعني قضية أن الألف ما سجدت لأن الله لم يأمرها بخلاف الحروف فسجدت فكانت مبتدعة، أصل التفريق بين ما يؤمر وما لا يؤمر به معروف من أدلة أخرى، نحن مش محتاجين لهذه القصة أن الألف سجدت ولا ما سجدت حتى نفرق بين السنة والبدعة، لسنا محتاجين لمثل هذه القصص وأن نبني عليها عقيدتنا.

قال: متى كان في الأحاديث التي لا تعرف صحتها والأحاديث الضعيفة ما يوافق أصول الإسلام وما لا يوافق قيل الحق وترك الباطل، قبل الحق وترك الباطل؛ فنقبل من هذه الحكاية ما وافق الأصول وهو الذي أخذه بكر بن عبيد وسري وغيرهما، ونرد منها ما خالف الأصول وهو الذي رده الإمام أحمد وغيره من أئمة الهدى.

جميل، هذه القصة صح قبلها البعض من جهة ماذا؟ ما فيها من التفريق بين السنة والبدعة، ورفضها البعض وأنكر ما فيها من الجهل في قضية خلق الحروف؛ يعني يقول لك قبلها بعضهم من جهة أن الألف ما سجدت حتى أمرت، واستدل بها على السنة والبدعة وأن الإنسان لا يفعل إلا بأمر، وأحمد أنكر فيها ما فيها من الخطأ من جهة إثبات قول الجهمية ونحوهم أن القرآن مخلوق.

قال: مع أن أحمد من أعظم الناس قولاً لما قصده السري من الفرق بين المأمور وغير المأمور، وهو من أعظم الناس أمراً بالعمل المشروع ونهياً عن غير المشروع. يعني أحمد يريد التفريق بين السنة والبدعة، لكن في النهاية يقول لك هي القصة فيها مشاكل، يعني ما لم يقف الاستدلال على هذه القصة حتى أثبت بها.

قالوا: لعل حكاية السري لم يرد بها الحروف، إلا المِداد الذي تكتب به الحروف فاستجدت، ولعل المراد أن خلق الله الحروف المراد المِداد، الحبر الذي تكتب به، ولم يقصد نفس الحرف ابتداءً. قال: «فسجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أمر»، وهذه إشارة إلى انتصاب الألف وانخفاض غيرها، وهذه صورة ما يكتب به من المِداد؛ أن الألف مرسومة هكذا، هذا لا يعرف بالصوت، هذا يعرف بالخط، فهذه إشارة إلى أن المِداد هو الذي سجد ولم يسجد ذاك، فالكلام عن المِداد والحبر وهو مخلوق وليس عن صورة الحروف باللسان، لأن الحروف لا تظهر صورتها باللسان وإنما تظهر بالحبر.

قال: وهذه صورة ما يكتب به من المِداد، وأما الحروف التي أنزلها الله في كتابه فلا يختلف حكمها باختلاف ما يكتب به من صورة المِداد، ولعل هذا أيضاً هو الذي قصده في حكاية ابن عطاء إن كان لها أصل.

عطاء السابق له أصل، نعم. قال: فإنه قد ذكر ابن قتيبة في المعارف أن الله لما أنزل آدم، نزل عليه حروف المعجم في إحدى وعشرين صحيفة، هذه كلها إسرائيليات.

قال: فيكون ناقلها قصد أن آدم اختص من بين الملائكة بعلم الكتابة بهذه الحروف، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]. والملائكة -وإن كان الله قد وصفهم بأنهم يكتبون كما قال تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَرُسُلًا لَّدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ مَا يَفْعَلُونَ﴾- فلا يجب أن تكون حروفًا مكتوبة مثل الحروف التي يكتبها الآدميون. إذ يكون الذين قالوا إن الله خلق الحروف، أرادوا أنه خلق أصوات العباد، فلا ريب أن الله خالق أصوات العباد وأفعالهم، لكن هذا لا يقتضي أن حروف القرآن أو مطلق الحروف مخلوقة، بل يجب التفريق بين ما هو من صفات الله تعالى؛ فالحروف التي تكلم بها ربنا ليست مخلوقة لأنها صفة له، والحروف التي خرجت بأصوات العباد هذه مخلوقة لأنها صفة لنا، انتهت القضية.

قال: والتأويل من المداد ليس هو الظاهر من الحكاية، فإنه قال: فجرت الأحرف على لسان آدم، ولا هو أيضًا بذاك، ولكن ذكر أمثال هذه الحكايات لبيان المعتقدات نوع من ركوب الجهالات. فعمومًا أنك تعتقد قصة ابن العطاء هذه دليل على إثبات نفي الصوت والحرف عن الله، هذه كلها جهالات، هذه الأمور العقائد لا تبنى من هذه القصص.

قال: فإذا تبين أنها لا تصح، لا من ناقلها ولا من قائلها، وأنها مشتملة على أنواع من الباطل، كان بعد ذلك ذكر هذه التأويلات أحسن مما يذكره المحتجون بها من تأويلاتهم لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة. فبعد أن أثبتنا أن مثل هذه القصص لا يستدل بها، نحن لا نؤول هذه القصة، بل قصد عطاء أن هذا أهون من تأويلكم أنتم لنصوص الكتاب والسنة. نحن حفاظًا على حرمة هؤلاء الأئمة -لو صحت عنهم هذه القصص- نحاول أن نؤولها على أحسن محمل، وهذا أفضل من أن أعتبر قصصها، فالأصل هو القرآن والسنة، وأيهما يؤول؟ تأويل هذه أهون من تأويلكم لتأويل الكتاب والسنة.

قال: فتبين بذلك أن أهل السنة في كل مقام أصح نقلاً وعقلاً من غيرهم، لأن ذلك من تمام ظهور ما أرسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله؛ ظهوره بالحجة وظهوره بالقدرة. ثم إن هذه الحكاية المعروفة عن السري لما بلغت الإمام أحمد أنكرها غاية الإنكار حتى توقف عن مدح السري مع ما كان يذكر من فضله وورعه، ونهى عن أن يذكر عنه مدحه حتى يظهر خطؤه في ذلك، مع أن السري اعترف بأنه لم يقلها ذاكرة، وإنما قالها أثراً.

تخيل أن أحمد بن حنبل زعل من السري لما قال هذه القصة وبطل يمدحه، والسري اعترف أنه قال: يا جماعة أنا والله ما قلتها ذاكرة، مش أنا الذي أسستها، أنا فقط كنت أنقل عن غيري، أنني سمعته يذكر هذه القصة. فتخيل أن أحمد توقف عن مدح السري لهذه القصة.

قال: فذكر الخلال في كتاب السنة ذكر السري وما أحدث، قال: أخبرني أحمد بن محمد قال عن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالب حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طرسوس أن سرياً قال: لما خلق الله الحروف فسجدت الألف، فقال: لا أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا الكفر. قال الخلال: فأخبرنا أبو بكر المروذي قال: جاءني كتاب من الثغر في أمر رجل تكلم بكلام وعرضته على أبي عبد الله فيه، لما خلق الله الحروف فسجدت الألف، فغضب أبو عبد الله غضباً شديداً حتى قال: هذا كلام الزناقة، ويله! هذا جهمي. وكان في الكتاب الذي كتب به أن هذا الرجل قال: «لو أن غلاماً من غلمان حارث لخبر أهل طرسوس».

فقال أبو عبد الله: أشد ما ها هنا قوله: «لو أن غلاماً من غلمان حارث لخبر أهل طرسوس»، ما البلية إلا حارث! حذروا عنه أشد التحذير. يعني حارث المحاسبي هو الذي جاب لنا هذه المشاكل، أنه سلك طريق الكلابية. حارث المحاسبي -وإن كان له فضل في باب الورع- لكن بتعرف أن في مشكلة كانت بين أحمد وبين الحارث المحاسبي باعتبار أن الحارث المحاسبي سلك الطريقة الكلابية وأثار هذه القضايا.

وكان في الكتاب الذي كتب به أن هذا الرجل قال -والظاهر أنه يتكلم عن الطوسي-: «لو أن غلاماً من غلمان حارث لخبر أهل طرسوس»، يعني أحد طلابه لخبر أهل طرسوس. وهذا أكثر شيء يخوف أن ينتشر. فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن حارث المحاسبي هو من أسباب نشأة هذه الفتنة وظهور مثل هذا الكلام، وأن أهل طرسوس لو كان أحد تلاميذ الحارث المحاسبي في طرسوس لقال مثل هذا الكلام ولنشره.

قال أبو بكر المروذي: جاءني حسن بن البزاز برقعة فيها كلام هذا الرجل بخطه، قال: إن هذا خط وفيها مكتوب: «إني إنما حكيت عن غيري»، فإذا السري رجع كتب لهم رسالة: «يا عمي هذه الجملة التي نقلت عني إنما حكيتها عن غيري أثراً، لست أنا الذي أنشأها».

قال: فلما قرأتها قلت لحسن: قد أقر، قلت: فقوله «حكيت عن غيره»، قلت لأبي عبد الله: بأي شيء ترى؟ قال: دعه حتى يقر. وبلغ أبا عبد الله عن حسن أنه قال بعد مجيئه إلى أبي عبد الله: «ليس له عند أبي عبد الله إلا خيراً». يعني أحمد بن حنبل مشاها لما عرف أنه أقر بالخطأ وبين أن هذه قصة ذكرها أثراً وليست هو من أنشأها، فكان أحمد بن حنبل قد تجاوز عنه، قال: «اذهب إليه فقل له: قد علمت ما في قلبي، حتى على مثل هذا قل له: لا تحكي عني شيئاً».

فلقيت حسنا فقال: ليس أحكي عنه شيئًا. ثم أيضًا قول القائل: لما خلق الله الأحرف جعلها سرًا له، فلما خلق آدم عليه السلام بث ذلك السر فيه، ولم يبث ذلك السر في أحد من ملائكته، فزاده ظاهرًا من وجوه.

قال: أحدها، أن فيه أنه خلق الحروف قبل خلق آدم، وهذا لم يقله أحد من المسلمين؛ فإن الذين يقولون بخلقها يقولون إنما يخلقها إذا أراد إنزال كلامه على رسوله، فيخلق حروفًا في الهواء يسمعها جبريل أو غيره، ينزل بها ويفهمه المعنى الذي أراده بتلك الحروف، فيكون جبريل أول من تكلم بتلك الحروف وعبر بها عن مراد الله، وهو المعنى القائم بنفسه، كما يعبر عن الأخرص من فهم معناه بإشارته.

فأما أن يقال خُلقت الحروف قبل خلق آدم عليه السلام ولم تخاطب بها الملائكة، فهذا لم يقل أحد؛ يعني كأن الحروف خُلقت هكذا لحالها في جهة ولم يخاطب بها أحد، قال: هذا ليس عليه أي دليل. فالله عز وجل إذا أراد أن ينزل كلامًا على أحد الرسل يجعل جبريل، يعني يخلق في جبريل هذه الأحرف ليتكلم بها جبريل ثم ينزل بها جبريل على هذا، أما هو سبحانه فكلامه بحرف، هذا ليس مخلوقًا، لكن الكلام نعرف المخلوق؛ إذا أراد الله أن يجعل الأحرف مخلوقة لا يخلقها هكذا في الهواء، وإنما يخلقها في شخص يتكلم بها.

من الذي ينزل على الرسل؟ جبريل، فيخلق الله هذه الحروف والأصوات في جبريل فينزل بها جبريل. أما قضية أن الله خلق حروفًا هكذا في الهواء قبل أن يخلق رسولًا من الرسل، فهذا لا يوجد عليه أي دليل. نعم، يتحدث عن قول من يقول بخلق الحروف أنهم يقولون بخلقها عند إنزال الكلام، أما ما يُحكى في رواية ابن براء أنه يخلقها قبل الإنزال، قبل إنزال أي كلام على أحد الرسل، قبل خلق آدم، وقبل أن يكون هناك ملائكة تنزل إلى الأرض تعلم أحدًا، فيقول لك: هذا لم يوجد عليه أي دليل علمي أصلًا.

الثاني قال: إنه جعل الحروف لآدم دون الملائكة، ومن المعلوم أن الذين نزل بالقرآن وغيره من كلام الله هم الملائكة، فالملائكة هم الذين كانوا يتكلمون بالحروف وينزلونها على الرسل، وهم تلقوا الحروف عن الله قبل أن يتلقاها الأنبياء، فكيف يُسلبون ذلك؟

الثالث أن قوله: «جعلها سرًا له» كلام لا حاصل له ولا معنى له؛ لأن السر ما أسره الله فأخفاه عن عباده أو بعضهم، وهذه الحروف أظهر شيء لبني آدم، حتى إن النطق بها أظهر صفاتهم، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. وإن قيل إن الحروف تتضمن من المعاني ما أسره الله، فلا ريب أنها تتضمن كل ما يعبر عنه مثلما أنكم تنطقون، فالله سبحانه أخبر العباد أنهم ينطقون بالحروف، فكيف تجعل الحروف سرًا من أسرار آدم وهي قضية مشهورة في الجنس البشري؟ فلا اختصاص للسر بها.

قال أبو القاسم: قال سهل بن عبد الله: «إن الحروف لسان فعل، لسانت لأنها فعل في مفعول»، وقال: وهذا أيضًا صريح لأن الحروف مخلوقة. قلت: هذا الكلام ليس له إسناد عن سهل، وكلام سهل بن عبد الله وأصحابه في السنة والصفات والقرآن أشهر من أن يُذكر هنا، وسهل من أعظم الناس قولًا بأن القرآن كله حروف معانيه غير مخلوقة، بل صاحبه أبو الحسن بن سالم أخبر الناس بقوله، وقد عُرف قوله وقول أصحابه في ذلك، وهم أصحاب السالمية.

قال: «معنا ابن تيمية في أكثر من مكان يتفقون معنا في أمور ويخالفوننا في أمر»، وقد ذكر أبو بكر بن إسحاق الكلاباذي في «التعريف بمذاهب المتكلمين» عن الحارث المحاسبي وأبي الحسن بن سالم أنهما كانا يقولان إن الله يتكلم بالصوت، ومذهب السالمية -أصحاب سهل- ظاهر في ذلك، فلا يُترك هذا الأمر المشهور المعروف الظاهر لحكاية مرسلة لا إسناد لها.

ثم هذا الكلام في ظاهره من قلة المعرفة ما لا يصلح أن يُضاف إلى سهل بن عبد الله؛ لأن قوله: «لأنها فعل في مفعول»، إن أراد «فعل» فعلًا قائمًا بذات الله كما يقال تكلم وخلق ورزق عند الجمهور الذين يقولون هذه الأمور قائمة بذاته، فقوله بعد ذلك «في مفعول» لا يصلح؛ لأن الله ليس بمفعول. وإن أراد بها فعلًا منفصلًا عن الله، فكل منفصل عن الله فهو مفعول؛ فمثل قول القائل: «مفعول في مفعول»، فكل منفصل عن الله يعتبر مفعولًا.

قال: «فكل منفصل عن الله فهو مفعول، مثل قول القائل: مفعول في مفعول، وفعل في فعل»، وهذا لا يصلح أن يحتج به؛ لأنه متى عُلِم أنها مفعولة؟ فإذا كانت مفعولًا، سواء كانت في نظيرها أو لم تكن، فهي مخلوقة على كل الأحوال، فما الداعي لقول «فعل في مفعول»؟ ما معنى كلامك؟ إذا كان معنى كلمة «فعل» هو «مفعول»، فقد أطلق المصدر وأراد اسم المفعول، فمعنى قولك «فعل في مفعول» لا حاصل تحته؛ لأنها إذا كانت مفعولًا، سواء كانت وحدها أو في مفعول آخر، فهي في النهاية مخلوقة على هذا الكلام.

قال: وإن قيل إنه أراد أنها فعل في الآدمي الذي هو مفعول، فيقال: كلاهما مفعول.

أيضًا مفعول، والآدمي مفعول؛ لأنه فعل الله. قال: وأيضًا فهذا إنما يدل على أن أصوات العباد ومدادهم مخلوق، لا يدل على أن الحروف التي هي من كلام الله مخلوقة. قال أبو القاسم: وقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين: التوكل عمل القلب، والتوحيد قول القلب. قال أبو القاسم: هذا قول أهل الأصول أن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار.

القشيري الله يسامحه، الجنيد ماذا قال؟ الجنيد قال: التوكل عمل القلب، والتوحيد قول القلب. مش احنا ابن تيمية يقول: الإيمان قول وعمل وهناك قول للقلب؟ نحن لما نحكي إن هناك قولًا للقلب، هل نقصد أن أصل الكلام هو فعل القلب وليس فعل اللسان؟ القشيري أخذ هذا الكلام وبده يحمل لك إياه على أن الكلام بمعناه الحقيقي ليس حروفًا وأصواتًا، وإنما هو أمر نفسي. شوف كيف بيحمل كلام الجنيد على ماذا؟ على العقيدة، وكلام الجنيد كلام إيماني هنا. كما نقول إن الإخلاص هو قول القلب، هذا لا يقصد به أنه قول القلب؛ لأن كلمة قول أخذها أن الأصل أن الكلام معنى قائم في النفس، وأن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا. أنت عم تحمل كلام مشايخ الصوفية لتقرر به عقائد الأشعرية والماتريدية، وهذا حقيقة ليس مسلكًا صحيحًا، غفر الله له.

قال: قالت هذه المقالة لما أسند موضعها من كلام أبي القاسم الجنيد لم يكن فيها حجة لمطلوبه، فالمذكور عن المشايخ الكبار ليس فيه صريح لمطلوبه الذي يخالف به الأحاديث الصحيحة وإجماع السلف، بل إما أن يفقد فيه الوفاء أو أحدهما، وذلك أن الجنيد رضي الله عنه ذكر أن التوحيد قول القلب، فأضاف القول إلى القلب، وهذا مما لا نزاع فيه أن القول والحديث ونحوهما مع التقييد يضاف إلى النفس والقلب. ما عندناش مشكلة أن نقول ويقولون في أنفسهم، القول إذا أضيف إلى النفس مقيدًا أو إلى القلب ما عندنا مشكلة، هذا صحيح. لكن ما أصل الكلام؟ هل أصل الكلام نفسي أو صوتي؟ لا، أصل الكلام صوتي.

قال كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل». وقد قال ما حدثت أنفسها، هنا في قيد فيحمل على الكلام النفسي. قال: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وهذا كلام نفسي أيضًا. قال وقال أبو الدرداء: ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر. وقال الحسن البصري: تلعنه قلوب المؤمنين، هذا أيضًا كلام نفسي. قال: وقال الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعدون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماء وأبصار فنطقت بالعلم وأورثت الحكمة. يعودون يعني كيف أقول لك، بيرجع بهذا على هذا وبهذا على هذا، يقلبونها. قال: وأورثت الحكمة، فوصف القلب والنفس بأنه يقول ويأمر ويتحدث وينطق ونحو ذلك يستعمل في التقييد باتفاق المسلمين، ولكن النزاع في شيئين؛ أحدهما أن الكلام على الإطلاق من غير إضافة إلى نفس أو قلب أو نحو ذلك، هل هو اسم لمجرد المعنى أو لمجرد الحروف أو لمجموع المعاني والحروف؟ والصحيح أن الكلام هو لمجموع المعاني والحروف، ليس الكلام اسمًا للمعنى فقط ولا للحرف فقط، بل لمجموع الحرف مع معناه أو الكلمة مع معناها.

قال: هذا فيه ثلاثة أقوال، فالقشيري وطائفة يقولون بالأول؛ القشيري يعتقد أن الكلام اسم للمعنى، والمعنى أين هو؟ في النفس، والصحيح أن الكلام إذا أطلق عن الإضافات فهو للحروف والمعنى معًا. وطائفة أخرى من أهل الكلام والفقه والعربية تقول بالثاني، تقول إن الكلام هو مجرد الحروف. قال: وأما سلف الأمة وأئمتها فإنهم يقولون بالوسط، وهو الثالث: أن الكلام عند الإطلاق يتناول الحروف والمعاني جميعًا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به». قال: ما لم تتكلم، إذا في سياق الحديث، شو يعني تتكلم؟ أن تنطق بالشيء بمعانيه. قال: يفرق بين الحديث المقيد بالنفس وبين الكلام المطلق، قال ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، إذا الكلام هو في الأصل ليس حديث النفس، الكلام هو شيء يخرج على اللسان ويكون بمعناه.

المسألة الثانية التي اختلفوا فيها: أن معنى الكلام الذي تطابقه العبارة هل هو من جنس العلوم والإرادات أم ليس من هذا الجنس، بل هو حقيقة أخرى؟ وهذا فيه نزاع بين الطوائف المنتسبة إلى السنة والتي ليست منتسبة إليها، ففي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا، وفي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا. فتبين أن ما ذكره الجنيد من قول القلب ليس هو قول من يقول إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأما قول أبي القاسم إن هذا قول أهل الأصول بالعموم، فلا خلاف بين الناس أن أول من أحدث هذا القول في الإسلام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب. من أول من أخرج أو أتى بفتنة أن الكلام هو الكلام النفسي؟ من أول من أنشأ فكرة الكلام النفسي وأن الأصل في الكلام هو معنى النفس؟ ابن كلاب، منه نشأت وأخذه الأشعري وطورته الأشاعرة، ثم مشى عليه بعد ذلك الغزالي والرازي وغير هؤلاء. واتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ومن نصر طريقتهما، وكان يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة، ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالف به السنة، وإن كان لم يوافق المعتزلة مطلقًا.

هذا على هذا الرصد الجيد، إذاً ابن كلاب والأشعري كانوا يوافقون المعتزلة في بعض الأصول الكلامية، ولذلك بقيوا متأثرين بالطرق الكلامية. لاحظ، ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالف فيه السنة. إذاً أبو الحسن الأشعري صحيح هو ترك المعتزلة بعد 40 سنة، لكنه بقي متأثرًا في بعض أصول المعتزلة الكلامية، وهذا مش كلام فقط ابن تيمية، بل هذا الكلام نقل عن كثير من المتقدمين.

المعنى المقصد أن الألفاظ لها معاني، هذا هو الذي يظهر ابتداءً معنى الكلام؛ يعني المعنى الذي دلت عليه الألفاظ، هل هو من جنس العلوم والإرادات أم ليس من هذا الجنس بل هو حقيقة أخرى؟ وهذا فيه نزاع بين الطوائف المنتسبة إلى السنة والتي ليست منتسبة إليها، ففي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا، وفي هؤلاء وهؤلاء من يقول بهذا.

وهذه المسألة، مسألة حد الكلام، قد أنكرها عليهما جميع طوائف المسلمين، حتى الفقهاء والأصوليون المصنفون في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. طبعًا قبل ظهور الخلاف، لأنه أغلب الأشاعرة الذين كتبوا في أصول الفقه بعدين خلص صاروا يوافقوهم. قال: يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر، وما فيه من العام والخاص، وإن الصيغة داخلة في مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة، أصوليها وفقيهها ومحدثها وصوفيها، إلا عند هؤلاء. فكيف يضاف هذا القول إلى أهل الأصول عمومًا وإطلاقًا؟ ثم من العجب قول أبي القاسم، كل علماء الأصول مش عندكم، ابحث دلالات الألفاظ، يقول الأمر نهي عام خاص مطلق، طيب الأمر والنهي والعام والخاص هذا كله نقاش في أيش؟ في ألفاظ، فكيف تقول إن الكلام هو المعنى النفسي؟ بل أنتم تقسمون الكلام إلى أمر ونهي، وهذه كلها صيغ وألفاظ وعبارات.

ثم من العجب قول أبي القاسم عن أهل الأصول هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار. ومعلوم أن الأمر والنهي والخبر والاستخبار أنواع الكلام، والجنس ينقسم إلى أنواعه، واسمه صادق على كل نوع من الأنواع، كما إذا قسمنا الحيوان إلى طير ودواب يعمهما، فالأمر كلام، والنهي كلام، والخبر كلام، والاستخبار كلام، فالكلام هو الجنس وتحته أنواعه، والجنس يصدق على كل أنواعه، ويصدق اسمه على كل منها؛ فيجب أن يكون حد الكلام واسمه صادقًا على الأمر والنهي والخبر والاستخبار. فإذا كان الكلام ليس إلا مجرد المعنى، أصبحت الأمر والنهي والخبر والاستخبار مجرد معاني مش ألفاظ. فإذا قال إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر والنهي والخبر والاستخبار، كان قد جعل المعنى الذي للأمر غير الأمر، وهذا لا يطابق قول أهل الجماعة، بل كان حقه أن يقول المعنى الذي قام بالقلب من الأمر والنهي لا من معنى الأمر والنهي. لكنه تكلم في الأمر والنهي والخبر والاستخبار، فإما في الكلام فتكلم فيه بما تلقاه عن أولئك المتكلمين الذين أحسنوا في مواضع كثيرة ويرد بها على المعتزلة وغيرهم، وساءوا في مواضع خالفوا بها السنة وإن كانوا متأولين، والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

قال رحمه الله: فصل في الحديث الذي في الصحيحين عن جويرية أم المؤمنين لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندها ثم رجع إليها فوجدها تسبح بحصى، فقال لها: ما زلتِ منذ اليوم؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان...».

فكيف تقول إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر؟ فأصبح الأمر كأنه شيء ومعناه شيء آخر، مع أن الأمر هو نفس المعنى على طريقته، إلا أن يقال حقيقة؛ حتى اعتذر القشيري أن هذه إضافة بيانية، وليست إضافة أن هناك معنى والأمر شيء آخر، لا معنى هو الأمر، معنى هو النهي. فبالتالي رد ابن تيمية هنا قد ينتقد من جهة أن القشيري هل قصد فعلاً أن هناك أمراً وله معنى، فبالتالي أصبح معنى الأمر غير الأمر؟ ولا هذه إضافة بيانية، معنى هو الأمر لأنه هو قال: فإذا قال إن الكلام هو المعنى الذي قام بالقلب من معنى الأمر، كان قد جعل المعنى الذي للأمر غير الأمر. هذا إن قلنا إنه أراد ذلك فعلاً، لكن إذا قلنا إنها إضافة بيانية، وأنه معنى الأمر يعني معنى هو الأمر، لا أظن أنه يكون كلام القشيري مضطرداً والله أعلم.

قال رحمه الله: فصل في الحديث الذي في الصحيحين عن جويرية أم المؤمنين، لما خرج النبي ﷺ من عندها ثم رجع إليها فوجدها تسبح بحصى، فقال لها: ما زلت منذ اليوم؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتهن منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته». فيها فوائد ترد على الجهمية والمتفلسفة.

قال منها قوله: «زنة عرشه»، وذلك في معرض التعظيم لوزن العرش، وأنه أعظم المخلوقات وزناً، وذلك يدل على ثقله كما جاءت بقية الأحاديث بثقله، خلافاً لما يقوله من يقوله من المتفلسفة أن الأفلاك وما فوقها ليس بثقيل ولا خفيف، بناء على اصطلاح لهم: الثقيل ما تحرك إلى السفل، والخفيف ما تحرك إلى فوق، وأن الأفلاك لا تهبط ولا تصعد، وذلك أن الله أمسكها بقدرته، كما أمسك الأرض في مقرها، مع العلم بأن مقر الأجسام أمر عدمي، ليس فيه ما يوجب اختصاص شيء به دون الآخر.

ومنها قوله: «رضا نفسه»، فيه إثبات نفسه وإثبات رضاه، وأن رضاه ليس هو مجرد إرادته، فإنه قد قال «عدد خلقه»، والمخلوق هو الذي أراده وشاءه، فلو كان رضاه هو إرادته لكان مراده موجوداً. لأن الأشاعرة يفسرون الرضا بالإرادة، ولا يقولون إن الله موصوف بالرضا حقيقة، فإن مراده قد وجد قبل هذا الكلام، فإن ما شاء الله كان، وهذا الكلام يقتضي أن رضا نفسه أعظم من ذلك، ومن ذلك أنه جمع بين رضا نفسه ومداد كلماته، فأثبت له الرضا والكلام، والرضا مستلزم للإرادة وإن لم يكن هو عين الإرادة. فالرضا مستلزم لوجود الإرادة السابقة، لكن ليس الرضا هو نفس الإرادة كما تزعم الأشعرية.

ففيه إثبات كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته، وهاتان صفتان هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية، يعني صفة الإرادة وصفة الرضا وصفة الكلام؛ لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، لأن الخلة تقتضي وجود رضا من الله عن إبراهيم، فهو نفى أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلاً، إذا نفى وجود الرضا الإلهي، إذ لا محبة له ولا رضا، ولم يكلم موسى تكليماً، وهذا نفي صفة الكلام.

وعن ذلك نفت المعتزلة أن يكون له في نفسه إرادة أو كلام، ولم يجعلوا ذلك إلا مخلوقاً في غيره؛ لذلك المعتزلة أسوأ من الأشعرية، المعتزلة نفوا حتى الإرادة عن الله ونفوا حتى الكلام عن الله، وجعلوها مخلوقة في غيره في المخلوقات، فالإرادة مثلاً عندهم أن الله وجودك أنت كمخلوق هو الذي يمثل الإرادة، وليست الإرادة صفة عندهم قائمة في الله، ونفس الشيء الكلام، عبارة عن ماذا؟ أصوات يخلقها الله في الشجر وفي البشر وليس كلاماً حقيقياً، فالله عندهم لا يتكلم حتى بالكلام النفسي، لا يوجد ذلك عند المعتزلة.

وتقرب منهم طائفة من الأشعرية، فأثبتت الإرادة ولم يجعلوا المحبة والرضا صفة إلا الإرادة، وأثبتت الكلام ولم يجعلوا إلا معنى واحداً قائماً بذاته، فوافقوا المعنى النفسي هكذا أثبت الأشاعرة الكلام، فوافقوا أهل الإثبات في بعض الحق والجهمية في بعض الباطل. ومن ذلك أنه انتقل من صفة المخلوق إلى صفة الخالق، فذكر عدد المخلوقات وذكر وزن سقفها وأعظمها كما ذكر العرش، كما في الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنها وسط الجنة وأعلى الجنة، وسقفها عرش الرحمن».

وهذا يدل على أن الإنسان حتى في الأذكار عليه أن يستحضر ما فيها من إثبات العقائد، نحن كثيراً بنحكي هذا الدعاء: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته، هذا وإن كان ذكراً لكنه في نفس الوقت يثبت عقائد، يثبت أن لله كلاماً، وأن لله رضا، وأن هناك عرشاً، وأن هذا العرش ليس كما يفسره الفلاسفة أنه هو الأفلاك، بل هو عرش حقيقي له وزن، إلى غير ذلك.

نقف اليوم إن شاء الله عند هذا القدر، وفي الدرس القادم نبدأ التعليق على مسألة السماع الصوفي، وما سيناقش فيه ابن تيمية القشيري في مسألة السماع واستعمالها طريقة في التعبد إلى غير ذلك، والمعازف والملاهي، وحفلة ثانية غير الحفلة اليوم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.