السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات جميعا، ننتظر أن يخبرونا هل الصوت جيد، وننتظر الأخ ليشغل بث التليجرام. بسم الله.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد في التعليق على تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه.
في البداية نسأل الله سبحانه وتعالى للمستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها أن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. ونسأل الله عز وجل أن يفرج عن إخواننا في غزة، وأن ينصرهم على من عاداهم، وأن يجعل لهم من هذا الهم مخرجا قريبا وفرجا مدهشا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحيانا تصبح ديباجة الدعاء للمستضعفين ولغزة بعد طول الحرب ديباجة قد يقول لك بعض الناس: خلاص يا شيخ أصبحت مستهلكة. لكن سبحان الله، أحيانا الإنسان يعرف أنها أولا دعوة، والدعاء يبقى بإذن الله من الأسهم التي تصيب. وثانيا، لا يصلح ولو طالت الحرب أن يظهر الإنسان نفسه وكأنه متعامٍ عما يحصل؛ على الأقل أن تبقى شاعرا بأن لك إخوة. أنت الآن هنا تدرس العلوم الشرعية وتنظر، ولك إخوة الآن يقصفون ويقتلون، فأن يصنع الإنسان نفسه كأنه متعامٍ عن هذه القضية ولا يراها بحجة أنه أصبح الكلام متكررا في الدعاء لهم وأصبحت ديباجة لا تؤثر، هذا أيضا خطأ.
هم يريدونك أن تصل إلى هذا الشعور، بأنه أنا لا أستطيع أن أقدم شيئا وأن الموضوع طال، فتفتر وتصبح القضية معتادة. مشاهد القتل، ومشاهد حرق الخيام، ومشاهد سفك الدماء، ومشاهد الخذلان العظيم الذي تعاني منه الأمة، كل هذه المشاهد يريدونك أن تشعر أمامها بالاعتياد، ولا ينبغي أن نصل لهذه المرحلة. فيبقى الإنسان يدعو لإخوانه، ويكون بإذن الله واثقا أن الدعاء بإذن الله يصيب ولو بعد حين.
ثانيا، يبقى يذكر الناس من حوله مهما أصبحت حياتنا اعتيادية في مشارق الأرض وفي مغاربها. أنت الآن في أمان وفي خير، ولكن تذكر أن لك إخوانا في العقيدة، إخوانا في الدين يرابطون على أرض غزة، ويدافعون عن شرف الأمة، ثم يسامون سوء العذاب، يبيتون ولا يأتيهم الصباح إلا هناك حرقة وهلكة وأحوال عجب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنهم؛ هناك جوعة وأنت شبعان، هناك من يبكي وأنت آمن في أهلك وزوجك وأولادك. ينبغي أن تكون هذه القضايا تحيي قضية الجسد الواحد والأمة الواحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا، وأن يعيننا على نصرة قضايا المسلمين عموما، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا أيها الكرام في كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو يناقش القشيري في مسألة السماع؛ قضية الأناشيد والسماع الذي انتشر عند الصوفية، وجعلوها طريقة من طرق التعبد؛ استعذاب الأناشيد وما فيها، أحيانا تكون وحدها، وأحيانا تكون معها المزامير والضرب على الدفوف والطبول وما شابه ذلك. هذه المسألة أخذت حيزا من الفكر الإسلامي قديما لأنها أصبحت طريقة من طرق التعبد عند الصوفية، وحدث فيها نقاش كبير بين الكبار في مشروعيتها، وهل هي فعلا يمكن اعتبار سماع الأناشيد الدينية طريقة من طرق التعبد.
النقاش حصل وكبر في هذه المسألة كما قلنا، لأنه دخل فيه أساطين أهل العلم ما بين مجيز ومستحب، وما بين مانع ومنكر أن تكون الأناشيد الدينية طريقة من طرق التعبد. من أكبر من دافع عن مسألة السماع واعتبرها طريقة صحيحة الغزالي رحمه الله عليه في إحياء علوم الدين، وحاول أن يعقلنها، وأن يجعلها طريقة لم يحتج لها الأولون لكمال فهمهم من الكتاب والسنة وكمال طرائقهم، بينما احتاج إليها المتأخرون لما ضعفت الديانة. فوضع لها طريقة معينة في الفهم، ربما طالب العلم المبتدئ أو الإنسان الذي عنده ميل للسماع يعجب بطريقة الغزالي في طرح الفكرة، ويجد أن الرجل عقلنها؛ فالغزالي إنسان عاقل عموما لا يتكلم بعاطفية أو اندفاع، بل يحاول أن يعقلن الأمور بطريقة، وهو متحدث متكلم ذكي. وبالتالي احتاج بعد ذلك تيار أهل الحديث أن يردوا على هذه القضايا. طبعا القشيري أيضا ممن نصر هذه القضية، قضية السماع، ومتوقع من القشيري أن يفعل ذلك باعتباره قطب الرحى عند الصوفية. فلذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من هؤلاء العلماء الكبار كانوا يصنفون فصولا في ماذا عن السماع، وبيان خطورة استعمال الأناشيد الدينية طريقة من طرق التعبد وزيادة الإيمان.
قد تقول أنت: أنا ما عندي تعبد في هذا، قد يظن بعض من يسمعنا الآن أن هذه الأمور لا تتعلق بي، هذه تتعلق بالصوفية. لا، حقيقة إذا أردت أن أتحدث عن قضية السماع وأوسع دائرة الإشكال الواقع في الإنشاد الديني، أتوقع أن المشكلة عويصة حتى في واقعنا المعاصر. قضية الإنشاد الديني، يعني استعمال الإنشاد الديني وسيلة من وسائل تحفيز الهمم، وسيلة من وسائل غرس القيم، وسيلة من الوسائل خلق الدافعية عند الناس للمقاومة ومقارعة العدو. بل سأتوسع وأقول إن الإنشاد الديني بصورته العامة في واقعنا المعاصر هو مشكلة؛ مشكلة لأنه اعتمد كثير من الأفراد والجماعات بمختلف أشكال الجماعات طبعا على الإنشاد كوسيلة من الوسائل للتحفيز وغرس القيم وبث الحماس وما شابه ذلك بطريقة غير مبررة.
الفكرة التي أريد دائما أن أنبه عليها لأنها مهمة حقيقة، حتى لا يحمل الكلام فقط على أنها مشكلة تقع عند الجماعات؛ لا، هي مشكلة السماع التي سيناقشها ابن تيمية هي مشكلة عامة في أنماط التعبد المعاصر. أن كثيرا من الأفراد أو حتى مشاهير الدعوة المتصدين على اليوتيوب، وكذلك الجماعات، هي مش متعلقة بفئة معينة أو جماعة معينة، لا، هو صار نمطا متعدد ويتنافس فيها حتى الجماعات أو الأفراد أو بعض الدعاة؛ قضية استعمال الإنشاد وسيلة من وسائل استثارة مشاعر التعبد. وتصبح -سواء مشاعر التعبد للروحانيات، أو مشاعر تعبد التوبة والحزن، أو مشاعر تعبد الحماس والجهاد والقتال والاندفاع- وسيلة استثارة.
جاءت فترة، ربما الآن خفت قليلا لكنها جاءت فترة، أن أصبح للإنشاد محافله ومهرجاناته وطقوسه ورموزه؛ قضية حتى صنع رموز المنشدين الإسلاميين، وصار المنشد لأنه منشد إسلامي برضه له رأي في السياسي ورأي في الاقتصادي، اليوم يستضاف: إنه هو الأستاذ فلان المنشد، شو رأيك في الحالة السورية؟ فلان الأستاذ المنشد، شو رأيك في الوضع؟ طيب ايش علاقته؟ هو بيعرف ينشد صوته حلو، يعني أنت فاهم كيف تصنع شخصيات وهمية.
المهم، فكرة أنه صنعت قضية المهرجانات الإنشادية، ويجمع لها الرجال والنساء ويحصل فيها من الخفة حتى -للأسف- أن أخواتنا المتدينات والمحجبات والمنقبات وكذا، ويكون هناك التصفيق وكذا، ويكون هناك تعلق بشخصية المنشد، وضع هالة على المنشد وكأنه إنسان عظيم، شخصية رائقة رفيعة. وبعد ذلك -طبعا هذا كان لسه قبل اليوتيوب وانتشاره في أيدي الناس لما كنا في زمان صغار- هي قضية المهرجانات والاحتفالات وما شابه ذلك. بعدين انتشرت قضية "اللايفات" على اليوتيوب وصار المنشدون والكليب. قضية الكليب، وطبعا أنا ما بحكي عن الفجور يا إخوان، بحكي عن الحالة الدينية، بحكي عن الكليبات سواء الكليبات ما يسمى الجهادية وما شابه ذلك، ولا كليبات التائبين، ولا كليبات القضايا هذه. بعدين كليبات حتى "المائعين"، حتى اللي هم الدعوة اللي هيك الخفيفة، الجماعة الرطبين هذول، اللي ممكن تكون معه فتاة متدينة طالعة في الكليب بس هم طالعين بسيارة، يعني هذه الأشياء كلها حقيقة غسلت عقول الناس.
من أكبر تيارات الغلو لأكبر تيارات التمييع؛ عندما كنا نجلس مع الشباب الذين عانوا من غلو أو ما شابه ذلك، تشعر أن الشاب ممتلئ بكليبات الإنشاد أكثر من كونه ممتلئ بمعاني الكتاب والسنة. فهذا كيف بدك تعالجه وصولا لمرحلة الغلو وسفك الدماء وهو عبارة مش عن قرارات فقهية، ليس إنسانا متعلما قرأ في الكتب فوصل إلى قرار الغلو، لا هو إنسان فقط كان عايش على كليبات الأناشيد. هي كليبات الأناشيد بما فيها من كلمات وإقامة الدولة وما شابه ذلك، بتخليه يشعر أنه هو أصلا صار هناك، أنه هو فعلا وصل إلى منطقة التحرير، فإذا به يستيقظ من نومه ويغدو على الفراش. هي صناعة الوهم، صنعت أوهاما في عقول هؤلاء.
ونفس الشيء بتيجي على مختلف التيارات حتى في قضايا الأمة الشريفة التي يقاتل ويصام من أجلها، من الخطأ استثارة المشاعر من خلال أناشيد؛ خطأ لأنه هذا يصنع حالة من الوهم، حالة من الانتصار الوهمي، حالة من الإيمان الوهمي. بعض الناس نيجي الآن على الحالة اللي هيك الروحانيات، حالة من البكاء؛ ممكن شخص يسمع أنشودة في التوبة وكذا يبكي، فيظن أنه تعبد لله، يقول لك: ما شاء الله، بكت عيني من خشية الله لما سمعت هي الأنشودة اللي بتتكلم عن التوبة.
ربما ابن تيمية كثيرا ما تكلم أن الإنشاد والسماع ماذا يحفز؟ يحفز مشاعر عامة، لا يحفز مشاعر الخوف من الله، لأنه هو الصوت المطرب تميل إليه النفس، فيستثير مشاعر في داخلك. هذه المشاعر هي مشاعر ميل القلب نحو جمالية الصوت وما شابه ذلك، أنت بتحولها نحو دين الله أو بتحولها أنه كأنك تتعبد لله، وإلا هي نفس المشاعر للنسوان والمردان؛ هي نفس المشاعر التي بطبيعة القلب يميل إليها ويطلبها.
فلذلك أنا كنت أرى حقيقة في كثير من الشباب في الفترات السابقة، وكثير من الجماعات والأفراد، أنهم اعتمدوا في إقناع الناس بدعوتهم أو ميل الشباب والنساء إليهم بقضية ماذا؟ الإنشاد. وهذا لم يكن أبدا في زمن النبوة حاضرا؛ أي أن يكون وسيلة من وسائل التعبد. بيجي بيقول لك: يا أخي أنت شوفوا، هذه ابن تيمية يركز عليه، قضية القضايا الخاصة لما تجعلها قضية عامة. يقول لك: النبي صلى الله عليه وسلم أنشد وهو يحمل في بناء المسجد النبوي، وأنصر الأنصار والمهاجرة. يا شيخ، أنت بتيجينا على بيت بيتين قالوه خلال خمس دقائق، بتخليها قضية تعبد عام؟ كليبات ومقاطع وإنشاد؟ شيخ الإسلام ناقش هي القضايا الخاصة، لا يجوز أن تتحول لحالة عامة.
ما بصير تجيني والله جاء شاعر كعب بن زهير فقالها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعها النبي عليه الصلاة والسلام. كان يسمع الصحابة في المسجد وهم يتناشدون أشعار الجاهلية. حداء أنجشة، ورفقا بالقوارير، هذا من أكبر أخطاء الاستدلال، أن تناقش قضية بهذه الصورة. أنت بتيجي تتكلم عن قضية عين ما استمرت خمس دقائق بقضايا أصبحت منهجا عاما في حياة الناس في التعبد.
أنا ما عندي مشكلة، بل نحن قد نفعل ذلك، ممكن يكون في عرس لأحد الشباب واحد ينشد ونكون مسرورين بهذا، ما عندنا مشكلة. ممكن تكون أنت في سيارة وسبحان الله هيك جاء على بالك شيخ أنشودة هيك جميلة لطيفة في معانيها، هذا مطلوب أحيانا كان هيك تخفيف كالملح على الطعام. لكن أن تصبح مطلوبة ومقصودة، ويصنع هالة حول المنشدين وكأنهم رموز وأشخاص رائعون مبدعون، لا، هذا نوع من المبالغة التي ربما، ما أدري، هل هي نوع من التسابق مع الحالة الغربية؟ لما أصبح المغني في الغرب ظاهرة وحالة وله صار هناك، لا مقابل لازم نوجد البديل، فكرة البديل هذه أيضا من الأفكار -للأسف- التي دائما نحن المسلمين نتأيا فيها، أنه إذا الغرب كان عندهم مغنيين وكذا وبيصنعوا لهم هالة، نحن يلا شو البديل الإسلامي؟ لا، البديل الإسلامي ما فيه؛ في عندك كتاب وسنة وتتعلم القرآن وتعيش مع معاني القرآن.
الفكرة الخطيرة في الإنشاد أنه كلما كنت أجد الشاب أو الفتاة منشغلة بالإنشاد أو يميل هذا النوع، كلما قل إقباله على الكتاب والسنة. وهذه من أسباب ضعف تدبر القرآن في واقعنا المعاصر، ضعف تدبر القرآن في الحالة الدينية، كثير من الناس خلص بيقول: أنا أعتمد على أني بحفظ القرآن وبسمع أناشيد، شو المشكلة؟ أنت بتحفظ قرآن بس أنت مش عارف تفهم القرآن، هذه برضه مغالطات النفس هنا، أنه هو ممكن يرضي نفسه بأنه يحفظ. ممكن أكون حافظا للقرآن بس هو مش مستوعب القرآن وما عنده مجال يفهمه ومش معطيه حقه من التأمل، ليه؟ لأنه هو أصلا.
ومتابعة المنشدين والمغنين فحقيقة هي تصنع شخصيات هشة إيمانية. تمام، يعني ممكن تلاقي الحفل عاده يبتدئ بقراءة القرآن وكذا، كل واحد شغال بهاتفه وجواله، القرآن يعني متعودين بس، لما تجي المنشدين بتلاقي كل الرجال والنساء عينيهم على المنشد، وحماس، وبلش يوقف ويهيج مشاعر. طيب ايش اللي صار؟ يعني القرآن ما سمعته أنت بهذه الطريقة ولم يحدث عندك هذه المشاعر؟ هذا كله من الفساد الذي حصل في الأمة، هذا كله من الفساد وضعف التدين. وحتى المشكلة هي دائما، يعني كان ابن تيمية يواجهها ونحن نواجهها، أنه وجود طرف آخر يشرعن هذه القضية من الدعاة أو ممن ينسب نفسه إلى العلم، يعني ابن تيمية الآن بده يتكلم مع القشيري بده يتكلم مع الغزالي، أن المعاصرين ممن ينصرون هذه الحالة ممكن يأتي إلى شيء من كلام الغزالي، وصدقني لو كان الغزالي موجوداً لم يشرعن هذا. يعني الغزالي حتى هو بيتكلم عن السماع لكن لا يتكلم عن السماع بهذه الصورة المعاصرة، التي هي توضع للمنشدين والكليبات ويصبح هناك طريقة للتعبد العامة وتهيج المشاعر. لا، الغزالي أصلاً كان شغال بحالة علمية، كان مدرساً في المدرسة النظامية، يعلم الشرع والدين، يعني ما كان فاضي الغزالي أنه يقضيها إنشاد ويتابع منشدين على تليفونه ويحط أنشودة. مش هيك كان الغزالي زي ما بيتصور البعض، زلمة عالم لكن بأصل المسألة فقط كنوع من التأصيل العلمي.
حتى القشيري في زمنهم، إخواني الأمور مختلفة تماماً في حجم آلات الموسيقى والمعازف والطرق والكاميرا والصوت في زمنهم عن زماننا. فأحياناً بتزعل من بعض إخواننا المشايخ الذين ينصرون طريقة الأناشيد وما شابه ذلك، أنه بصير يستدل لك بكلام السابقين. هسّه طبعاً هذا الكلام سيناقش، كلام السابقين أصلاً فيه أخطاء كبيرة، بس حتى إسقاطه على حالتك أنت! يا شيخ ضيعت كثيراً من شباب الأمة وبنات الأمة بما تسميه الإنشاد، ضاعوا في تيارات التمييع أو الغلو، ولم نبني أمة قوية متينة مجتمعة على مادة الوحي، منتبهة له، مركزة عليه.
وحتى لسه الإنشاد، سيبين ابن تيمية أن أمر النساء أسهل من أمر الرجال، يعني قد يقال وقد يصحل فيه من النساء أكثر، لأن النساء تميل إلى شيء من الطرب، شيء من اللهو؛ في هذا الجنس الأنثوي قد يقبل منه شيئاً من ذلك. لكن جنس الشباب والرجال الذين نعول عليهم في بناء الأمة والفكر والإصلاح والهداية، لا، الله يرضى عليك يا أخي، دعك من كل هذا، عِش عشك وواقعك. برجع بقول: الإنشاد قد يصنع حالة من الانتصارات الوهمية، حالة من شعور الإنسان أنه في قمة النشوة والنصر، وهو مسكين يتآمر عليه ويضحك عليه. بل قد تكون الأناشيد هي جزء من المؤامرة، أنا مش كثير بحب نظريات المؤامرة، بس قد يكون جزء من الكليبات هذه التي تشاهدها في الإنشاد هي جزء من اللعبة، وجزء من قياسهم لمدى خفة عقلك، أنك تفكر أنك بنشيدة تكلمت عن النصر والعزة وكذا أنك منتصر، ويكون العدو شغال نحت فينا من الأسفل ويبني مشاريعه، وأنت عايش بس في وهم السماع.
فإذا استيقظت على واقعك، يا عرفت يا بتكون في السجن، هذا أحد الخيارات المتاحة لأن حضرتك؛ أو أنك تكون بشكل عام تجد نفسك عاجزاً، أنه أنا مش قادر أعالج الأمور، مش قادر أعالج تعقيدات الواقع، مش قادر أفهم أنه فيه مشاكل تحتاج سياسة شرعية، تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى فقه، تحتاج إلى كل هذه الأمور، ليست في قاموسك لأنه أنت صنعت وهم الانتصار؛ فمش راضي ترضى الآن بحقيقة الضعف. صنعت وهم الانتصار فأنت لا قادر تتقبل نفسياً أني اللي سمعت عن الإنشاد والخلافة والدولة، بدك إياها أرضى أني أنا عم أدخل في تحالف مع دولة صليبية في مرحلة! يعني هذه بالنسبة لك ستعتبر ثقيلة، أنه أنت أخذت النشيدة ببعدها النفسي وكذا وفكرت نفسك وصلت إلى نهاية الطريق، وأنت لا ترى رصادك في أول شبرين، وحال الأمة بدها هدنة مع بعض الظالمين، توازنات مع بعض الفاسدين، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام خاض معركة الإسلام، كان فيه هدنة، كان فيه توازنات، كان فيه عقود سلام هنا وهنا. طبعاً سلام مش بالمفهوم، سلام بمعنى الهدنة والهدوء، وأنه اصرف شري عني وتصرف شرك عني لأنه أنا عندي معركة أخرى، كان فيه عهود ومواثيق وأمانات، وفي هناك بعض التنازلات المادية الحياتية من أجل تحقيق مصلحة أعلى. هي هكذا الحياة، وهذا للاسف اللي ما يدركه الشباب في السياسة الشرعية وخطواتها، أنه في شيء اسمه الانتصارات السريعة، ما في شيء اسمه مباشرة تدخل في معركة هي معركة الإسلام الكبرى وانتصرت ورفعت الراية، ما في؛ فما بالك في واقعك المعاصر المليء بالتعقيدات والإشكالات.
فهل هذا اللي ما أخشى عليه دائماً من الشباب المتحمس المندفع الذي يبني كثيراً من أفكاره على أنشودة ولا يعرف شيئاً في الواقع، والمشكلة بيبني عليها برضه صار كفر وإيمان؛ يعني مش أنه صارت تتطور أنه اللي مش مآمن بمعاني النشيدة هو عبارة عن كافر أو مرتد أو بيتعامل مع قوة ظلامية، أو أنه لا يجد عذراً لإخوانه، أنه في نهاية هدنة، في تحالفات هي طبيعة الحياة، التقاء مصالح، لا يجد عذراً لهم. هذا كله هو وريث كليبات الإنشاد، فبقدر ما تكلمنا عن هذه الظاهرة وأثرها السيء على شباب الأمة، الكلام يطول، لكن دائماً أوجهكم أن حذروا الشباب أن تتخذ الإنشاد طريقة لصناعة الفكر، أن تتخذوه ديدناً عاماً، بعدك عن القرآن مرتبط بمقدار تعلقك بالنشيد، هذه قاعدة عندي أنا أجزم بها. بعدك عن فهم القرآن، طب أقول لك بعدك عن القرآن ما أقصد حفظه، ممكن تحفظه ما عندي مشكلة، بس أنا ما عبرة عندي محافظ مش فاهم، بعدك عن فهم القرآن وشعورك بهدايات القرآن وبناء إيمانك من القرآن، يعني تتطرد علاقة عكسية مع الإنشاد؛ كلما زاد اهتمامك بالإنشاد وهذه الأمور، سيتأقل اهتمامك بالكتاب والسنة. وهذا ما سيركز عليه ابن تيمية الآن: أن الذين أقبلوا على السماع ضعف تدبرهم لكتاب الله سبحانه وتعالى.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجلِ المستضعفين المؤمنين. قال المصنف: فصل يتعلق بالسماع. قال أبو القاسم القشيري في باب السماع: قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17-18]. قال أبو القاسم: اللام في قوله القول تقتضي التعميم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتباع الأحسن. نعم، قلت وهذا يذكره طائفة. تمام، فالآن أبو القاسم القشيري يريد أن يستدل على جواز السماع الصوفي للأناشيد والضرب عليها بماذا؟ بالعموم. قال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾، أل القول هي الاستغراقية؛ هو أي بدعة كما كان يقول الشاطبي، سيستدل عليها بالكتاب والسنة. فأي بدعة سيستدل عليها بالكتاب والسنة، فهنا القشيري يستدل بأل الاستغراقية، قال: الذين يستمعون القول يعني كل قول فيتبعون ماذا أحسنه، وبالتالي الأناشيد هي تدخل تحت القول، تدخل تحت هذا العموم فيتبعون أحسن الأناشيد.
فابن تيمية الآن سيرد على هذا الاستغراق الذي فهمه القشيري. يقول: قال قلت هذا يذكره طائفة منهم أبو عبد الرحمن السلمي وغيره وهو غلط باتفاق الأمة وأئمتها لوجوه. إذاً هذا الفهم للآية بهذه الطريقة غلط بالاتفاق، يقول ابن تيمية لوجوه: أحدها أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر باستماع كل قول بإجماع المسلمين، أكيد لأنه فيه قول محرم، صح؟ لو بدك تحمل أل في الآية على العموم، الأناشيد التي تحكي في الفجور ما هي قول؟ الكلام الذي فيه سحر قول، الكلام الذي فيه غيبة ونميمة قول؛ فأنت كيف تقول يستمعون كل قول فيتبعون ماذا أحسنه؟ لا، فيه قول لا يجوز أن أسمعه ابتداءً وهذا بالاجماع. قال لا يأمر باستماع كل قول بإجماع المسلمين حتى يقال اللام للاستغراق والعموم، بل من القول ما يحرم استماعه ومنه ما يكره. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة». مثلاً أن تسمع حديث قوم وهم له كارهون، هذا لا يجوز أن تسمعه مثلاً.
قال وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]. واما مثلاً هذه أيضاً الذين يخوضون في آيات الله ما بصير تسمع لهم، فقد أمر سبحانه بالإعراض عن كلام الخائضين في آياته ونهى عن القعود معهم، فكيف يكون استماع كل قول محموداً؟ وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. فجعل الله المستمع لهذا الحديث مثل قائله، فكيف يمدح كل مستمع كل قول؟ وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 1-3]. وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 63، 72]. وروي أن ابن مسعود سمع صوت لهو فأعرض عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان ابن مسعود لكريماً»؛ لأنه بناء على أنه إذا مروا باللغو مروا كراماً، ولكنه يحتاج أن نتأكد من سند هذا الحديث.
قال: فإذا كان الله تعالى قد مدح وأثنى على من أعرض عن اللغو ومر به كريماً لم يستمع له، فكيف يكون استماع كل قول ممدوحاً؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وقد أخبر أنه يسأل العبد عن سمعه وبصره وفؤاده، ونهاه أن يقول ما ليس له به علم. وإذا كان السمع والبصر والفؤاد كل ذلك منقسم إلى ما يؤمر به وإلى ما ينهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك كله، كيف يجوز أن يقال كل قول في العالم فالعبد محمود على استماعه؟ هذا بمنزلة أن يقال كل مرئي في العالم فالعبد ممدوح على النظر إليه، ولهذا دخل الشيطان من هذين البابين على كثير من النساك؛ من باب النظر وباب السمع.
قال: فتوسعوا في النظر إلى الصور المنهي عن النظر إليها، واستماع الأقوال والأصوات التي نهوا عن استماعها، ولم يكتفِ الشيطان بذلك حتى زين لهم أن جعلوا ما نهوا عنه عبادة وقربة وطاعة، فلم يحرموا ما حرم الله ورسوله ولم يدينوا دين الحق. كما حكي عن أبي سعيد الخراز أنه قال: رأيت إبليس في النوم وهو يمر عني ناحية، فقلت له: تعال، مالك؟ فقال: بقي لي فيكم لطيفة، السماع وصحبة الأحداث. صحبة الأحداث يعني صحبة المردان، يعني كأنه ابتعد عن الصوفية لكن قال بقي لي فيكم مدخلان: السماع، أن أغريكم دائماً بالسماع، وأغريكم بماذا؟ بصحبة المردان. هي صحبة المردان ظاهرة قديماً كثر نهي العلماء عنها لأنها كانت تؤدي إلى الفساد المستطير.
قال وأصحاب ذلك وإن كان فيهم من ولاية الله وتقواهم ومحبته والقرب إليه ما فاقوا به على من لم يساويهم في مقامهم، فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف المقتتلين في الفتنة. وأصحاب ذلك أريد أن أقول لك الذين جوزوا السماع واشتغلوا به، ولو كان في بعضهم من الأفاضل من الصالحين، بل حتى من الأولياء، لكن كونه من الصالحين أو من الأولياء لا يصحح خطاه، فإن السلف كان فيهم من الصحابة الكرام وصار بينهم اقتتال، وهل هذا يشرع الاقتتال؟ لا، فبيقول لك لا تستدل لي بجواز السماع أنه فعله السلمي ولا فعله فلان من الأئمة، فهؤلاء وإن كانوا أفاضل لكن يصيبون ويخطئون والعبرة بالدليل.
قال فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف المقتتلين في الفتنة، والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة، بتعرفوا بعض السلف من التابعين كانوا يستحلون شرب النبيذ خاصة من أهل الكوفة، هذا على تأويل ولكن هو شيخ الرجل فاضل واستحل شرب النبيذ متأولاً، فهل هذا يجعله دليل على جواز شرب النبيذ؟ لا، سيبقى النبيذ خطأً ويبقى للعالم حرمته وصيانته، هذا هو التوازن، صيانة حرمة العالم وإدراك أنه متأول لكن في نفس الوقت لا أصحح خطأه. قال والمستحلين لربا الفضل والمتعة، والمستحلين للحشوش، كما قال عبد الله بن المبارك؛ مستحل للحشوش يعني اعتقد أن هي الوطء في الدبر، الوطء في الدبر للمرأة، وهذه من المسائل التي خالف فيها جملة من أهل العلم، ولكن الكلام خطأ. قال كما قال عبد الله بن المبارك: رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة، كانت منه الهفوة والزلة، لا يقتدى به في هفوته وزلته. هذا كلام عظيم، هذه قاعدة من عبد الله بن المبارك أحد أئمة السلف: رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة، لكن كانت منه الهفوة والزلة، يعني شيء طبيعي، بعض الناس يستهول أنك تخطئ شيخه أو عالمه أو مثلاً أن ابن تيمية يخطئ في شيء مثلاً ونحن بنقرأ تراثه، أو أن أحد الصحابة يمكن، لا هذا شيء طبيعي، يقول لك عبد الله المبارك: رجل يكون له قدم في الإسلام ورسوخ، ولا ينفي رسوخه في الإسلام صدور الهفوة منه. بس انتبه لهذه الهفوة، طيب كيف بدي أعرف أنها هفوة؟
إن الحق له نور، هذا أولاً. وثانياً: قالوا ألا تشبه باقي كلامه، يعني تنظر في جملة كلامه فتشوف كل كلامه يتجه باتجاه معين، بس في شغلة صدرت مني يا أخي مش مع السياق العام لكلامه، فتعرف أنه عليها علامة استفهام. فالمهم فلا يقتدى به في هفوته وزلته، ويحفظ حرمته ورسوخه في الإسلام؛ يعني هذا ملف وهذا ملف.
قال: والغلط يقع تارة في استحلال المحرم بالتأويل، وفي ترك الواجب بالتأويل، وفي جعل المحرم عبادة بالتأويل كالمقتتلين في الفتنة حيث رأوا ذلك واجباً ومستحباً، وكما قال طائفة مثل عبد الله بن داود الحربي وغيره إن شرب النبيذ المختلف فيه أفضل من تركه. شوفوا وين وصلوا هؤلاء، إن شرب النبيذ الذي اختلف فيه أن تشربه أفضل من أن لا تشربه، هو متهيب الحربي في هذا الكلام وغفر الله له.
قال: فالتأويل يتناول الأصناف الخمسة، فيجعل الواجب مستحباً ومباحاً ومكروهاً ومحرماً، ويجعل المحرم مكروهاً ومباحاً ومستحباً وواجباً وهكذا في سائرها. فبالتالي كثر التأويل في العلماء، أي عالم له قدم في الإسلام ورسوخ لو قال قولاً شذ فيه يعلم أنه متأول، هذا حسن ظننا أنهم متأولون أجد له عذراً.
قال: ومما يعتبر به أن النساك وأهل العبادة والإرادة توسعوا في السمع والبصر، وتوسع العلماء وأهل الكلام والنظر في الكلام والنظر بالقلب، حتى صار لهؤلاء الكلام المحدث ولهؤلاء السماع المحدث. أراد أن يقارن بين أهل الكلام وأهل السماع، أهل الكلام المتكلمون الأشاعرة المعتزلة، وأهل السماع الصوفية، فيقول كما أن الصوفية كثر فيهم السماع المحدث فالأشاعرة والمعتزلة كثر فيهم الكلام المحدث، هؤلاء أوتوا من هنا وهؤلاء أوتوا من هنا.
قال: هؤلاء في الحروف، وهؤلاء في الصوت. هؤلاء في الحروف المتكلمون يعني في الكلمات جوهر وعرض وجوهر فرد والقصص هذه، وهؤلاء في الأصوات والمعازف. قال وتجد أهل السماع كثير الإنكار على أهل الكلام كما صنف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي مصنفاً في ذم الكلام وأهله وهما من أئمة أهل السماع، ونجد أهل العلم والكلام مبالغين في ذم أهل السماع، كما نجده في كلام أبي بكر بن فورك وكلام المتكلمين في ذم السماع وأهله وصوفيته ما لا يحصى كثرة.
تلاقي أهل السماع الصوفية والمتكلمين أحياناً ضائقين ببعض، المتكلمون يقولون للصوفية أنتم تضيعون وقتكم في السماع وكذا ولازم تمشوا على طريقتنا، والصوفية يقولون للمتكلمين أنتم مضيعين وقتكم في الكلام في الجوهر والعرض وكذا خليكم في روحانياتنا، وهذا طبعاً كلاهما مخطئ من جهته. قال وذلك أن هؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف اليهود، هؤلاء اللي هم المتكلمون، فيهم انحراف يشبه انحراف اليهود أهل العلم والكلام، وهؤلاء فيهم انحراف يشبه انحراف النصارى أهل العبادة والإرادة، وهؤلاء اللي هم الصوفية، الآن كل أخطأ من جهته.
قال: وقد قال الله في الطائفتين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 113]. هذه ما يسمى استثارة القرآن؛ قدرة ابن تيمية على إسقاط الآيات على القضايا الفكرية في زمانه، من قوة شخصية ابن تيمية أو قوة عقليته أنه يأتي بالآيات التي تتكلم في القرآن في جهات معينة، يرى نظائر وأشباه لها في واقعه المعاصر في الخلافات العقدية أو الفكرية، والخلاف المتكلمين مع الصوفية كخلاف اليهود مع النصارى، كل منهم مخطئ ويقول عن الآخر ليس على شيء، طبعاً ولا يقصد أنهم يهود ونصارى، إنما يقصد الإشكال نفس الإشكال وطريقة التفكير؛ كلا الطائفتين عندها خطأ وتخطئ الأخرى.
قال: ولهذا تجد تنافراً بين الفقهاء والصوفية وبين العلماء والفقراء من هذا الوجه، والصواب أن يحمد المراد بالفقراء الصوفية أيضاً، يعني هذا من مصطلحات الصوفية أن يسمون أنفسهم الفقراء. قال والصواب أن يحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة، ويذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة، ويجتهد المسلم في تحقيق قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون». وقد تكلمنا على بعض ما يتعلق بهذه الأمور في غير هذا الموضع في مواضع.
قال الوجه الثاني: إن المراد بالقول في هذا الموضع القرآن، كما جاء ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 51]. فإن القول الذي أمروا بتدبره هو الذي أمروا باستماعه والتدبر بالنظر والاستدلال والاعتبار والاستماع، فمن أمرنا باستماع كل قول أو باستماع القول الذي لم يشرع استماعه فهو بمنزلة من أمر بتدبر كل قول والنظر فيه أو بالتدبر للكلام الذي لم يشرع تدبره والنظر فيه، فالمنحرفون في النظر والاستدلال بمثل هذه الأقوال من أهل الكلام المبتدع.
وذلك أن اللام في لغة العرب هي للتعريف، فتنصرف إلى المعروف عند المتكلم والمخاطب، وهي تعم جميع المعروف، فاللام في القول تقتضي التعميم والاستغراق، لكن عموم ما عرفوه بمعنى أنهم يستمعون القول. العموم هنا عموم ما يقتضيه السياق، المراد بالقول إحنا بنتكلم عن القرآن فالمراد الذين يستمعون كل قول في القرآن، فالعموم والاستغراق ليس استغراق أي شيء في الوجود، لا، استغراق ما متعاهد عليه في خطاب المتكلم معك، يعني نحن وإياك بنتكلم في موضوع القرآن بقول لك يا أخي اسمع القول تستفيد منه، الآن كلمة القول ما هو العموم الذي ستعم به؟ ما هو موضوع نقاشنا أو موضوع حوارنا؟ اللغة التي بيننا فيكون العموم عموم ما عرفه المتكلم والسامع، وهذا هو عموم نصوص الكتاب والسنة.
وهذا أصلاً ما تتكلم عنه سورة الزمر، تتكلم عن لذلك حتى في الآية التي تليها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: 23] في نفس الصفحة، مش معقول الآن يستدل القشيري ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]، شو هو القول الوارد في الصفحات التالية؟ القرآن، فيجب أن يكون العموم فيما هو لغة السامع والمتكلم.
قال هو القول المعهود المعروف بين المخاطب والمخاطب، ومعلوم أن ذلك هو القول القرآن، هو القول الذي أثنى الله عليه وأمرنا باستماعه وتدبره واتباعه؛ فإنه قال في أول هذه السورة: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 1-2]. إذاً أول السورة بيتكلم عن القرآن الكتاب.
قال فذكر في السورة كلامه ودينه الكلم الطيب والعمل الصالح، وخير الكلام كلام الله، وأصل العمل الصالح عبادة الله وحده لا شريك له، كما في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الزمر: 14-15] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18]. ثم قال بعد ذلك: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: 22]، ثم قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]. يعني كله كلام عن القرآن ومعاني القرآن.
فأثنى على أهل السماع والوجد للحديث الذي نزله وهو أحسن الحديث، ولم يثني على مطلق الحديث ومستمعيه، بل تضمن السياق الثناء على أهل ذكره والاستماع لحديثه، كما جمع بينهما في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ جمع بين الذكر والقرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: 205]. كثيراً ما اقترن الذكر بالآيات القرآنية في مواطن عديدة.
ثم قال بعد ذلك نعود إلى سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 27-28]. فذكر القرآن وبين أنه قدر فيه من جميع المقاييس والأمثال المضروبة لأجل التذكر؛ فدعا هنا إلى التذكر والاعتبار بما فيه من الأمثال، وذلك يتضمن النظر والاستدلال والكلام المشروع، كما أنه في الآية الأولى أثنى على أهل السماع والوجد، وذلك يتضمن السماع والوجد المشروع.
جمالية ابن تيمية يقول لك يعني سورة الزمر تشير إلى أن علم الكلام المشروع هو الكلام القرآني مش طريقة المتكلمين، كما أن السماع المشروع هو السماع القرآني، ويعني ضرب عصفورين بضرب المتكلمين والصوفية؛ أنه القرآن لما يقول لك يعني سورة الزمر تتكلم عن مركزية القرآن، سواء من حيث السماع وهذا رد على الصوفية، ومن حيث النظر والاستدلال وهذا رد على المتكلمين.
ثم قال بعد ذلك: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 32-33]. ذكر البخاري في صحيحه تفسير مجاهد وصح تفسير التابعين، قال والذي جاء بالصدق القرآن، وصدق به المؤمن يجيء يوم القيامة يقول هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه. فذكر الصدق والمصدق به مثنياً عليه، وذكر الكاذب والمكذب للحق، وهما نوعان من القول ملعونان هما وأهلهما، فكيف يكون مثنياً على من استمعهما؟
ولا ريب أن البدعة الكلامية والسماعية المخالفة للكتاب والسنة تتضمن الكذب على الله والتكذيب بالحق، كالجهمية الذين يصفون الله بخلاف ما وصف به نفسه فيفترون عليه الكذب، أو يروون في ذلك آثاراً مضافة إلى الله، أو يضربون مقاييس ويسندونها إلى العلوم الضرورية والمعقول الصحيح الذي هو حق من الله، وكل ذلك كذب ويكذبون بالحق لما جاءهم وهو ما ورد به الكتاب والسنة من الخبر بالحق والأمثال المضروبة له. وكذلك كثير من الأشعار التي يسمعها أهل السماع قد تتضمن من الكذب على الله والتكذيب بالحق أنواعاً.
إذاً هذا أيضاً من استثارة القرآن عند ابن تيمية، أسقط آية الكذب على الله وكذب بالحق جاء بشكل من الأشكال على ماذا؟ على الطرق الكلامية والصوفية، أن فيها من الكذب على الله والخطأ عليه والتكذيب بالحق أيضاً بالإعراض عن الكتاب والسنة، ما فيها.
جميل أنك تأخذ ليكون أحد أبحاث طلاب العلم مادة استثارة القرآن عند شيخ الإسلام ابن تيمية، كيف أسقط ابن تيمية آيات القرآن على واقعه المعاصر وعلى الأفكار؛ ستجد مادة غنية جداً تعلمك أنت في المستقبل كيف تستثير القرآن وتنزل على المشاكل الفكرية في زمنك، أنه نحن دائماً مشكلتنا أو أعتقد أن من أكبر مشاكل التدبر اليوم أنه أنت دائماً لما تسمع مصطلح التكذيب في القرآن أو الكفر أو الإشكال دائماً يروح ذهنك على بس من نزلت الآية في شأنه؛ يهود، نصارى، كفار قريش.
ويضعف إسقاطك الآيات على واقعك المعاصر وعلى مشاكله الفكرية، لا، أقول لك يا شيخ بصير؟ طب أنا أسقط آية بتتكلم في الكفار وعن التكذيب على أناس مسلمين عندهم أخطاء، أنت تسقطها على ممارستهم، يعني مش ضروري أنه هو كافر، لا، لكن أنا أسقطها على نفس الممارسة وعلى نفس الأسلوب وعلى نفس الأداء، هكذا يكون الاستهداء بالقرآن.
يعني هذا هو حقيقة ما يسمى تدبر القرآن، أنه كثير من الشباب لما تيجي تتكلم معهم عن القرآن أنه هذا القرآن يعالج مشاكلك الفكرية وكذا، بينفتح القرآن بيصير بيقول لي يا شيخ والله ما وجدت أنه في معالجة المشاكل الفكرية، يعني أنا مش فاهم كيف بتقول القرآن يعالج المشاكل الفكرية المعاصرة، أنا مش فاهم ما معنى هذا الكلام. هذا، نعم، لأنه هذا عندنا عموماً ضعف في الساحة العلمية في قضية هذه الاستثارة، قدرتك على أن تفهم دلالة النص من حيث واقعك، ابن تيمية في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ قدرته على أن يفهم هذه الآية ضمن واقع نقاشه مع الفرق الكلامية والصوفية، كيف استطاع يسقطها هذه قدرة يعني ذكاء وفهم وحنكة، هكذا يُستثار القرآن وهكذا.
يكون يهدي للتي هي أقوم في كل قضايا حياتنا المعاصرة. نعم، قال: ونفس الانتصار لما خالف الشريعة من السماع وغيره يتضمن الكذب على الله، مثل أن يقول القائل إن الله أراد بقوله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ مستمع كل قول في العالم؛ فهذا كذب على الله، وإن كان قائله منا، ولأنهم يكذبون بالحق المخالف لأهوائهم.
نعم، ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: 41]. فأخبر أنه أنزل القول الذي هو الكتاب بالحق، وأن المهتدي لنفسه، وأن هداه وضلاله على نفسه، والرسول ليس بوكيل عليهم يحصي أعمالهم ويجزيهم عليها، بل إلى الله إيابهم، وعلى الله حسابهم. ثم قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] إلى قوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: 55]. وهذا الأحسن هنا هو الأحسن الذي في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].
هذا قول لك في سورة الزمر، آخرها ماذا قال؟ ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾. إذاً ما هو الأحسن؟ ما أنزل من ربنا. إذاً هذا الذي ينبغي أن نحمل عليه أول السورة ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
ممكن يرجع المقابل يحكي لك: "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم" جاء في بعض التفاسير أنه "أحسن ما أنزل إليكم" تتبع المستحبات للواجبات، أن ترتفع لمستوى أعلى؛ فيدل على هذا لا يدل على عدم جواز المرتبة الأقل منها أو على عدم الأحسن. ماشي، بس هو كل هذا ضمن أي مساحة؟ ضمن مساحة القرآن. ماشي أنت تتبع الأحسن والأعلى وترتقي، لكن كل الكلام ضمن مساحة ﴿مَّا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾، مش في مساحات أخرى إنشادية أو ما شابه ذلك.
قال: وفي قوله لموسى عن التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145] كما سنذكره إن شاء الله. ثم قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 71-72]. فالآن كانت مشكلة الكفار أنهم ما سمعوا الآيات القرآنية، إن لم تكن مشكلة في السماع، مشكلتهم لم يسمعوا القرآن. إذاً سورة الزمر هذه معيد ابن تيمية أن يرسخها من أولها إلى آخرها؛ كلامه عن قيمة القرآن وأثر القرآن وضرورة استماع القرآن والتاثر بالقرآن، ما لها علاقة أبداً بقضية أي سماعات أخرى.
فجعل الفرقان بين أهل الجنة وأهل النار هذه الآيات التي تتلوها الرسل عليهم، فمن استمعها واتبعها كان من المؤمنين أهل الجنة، ومن أعرض عنها كان من الكافرين أهل النار. والكتاب هو الذي جعله الله حاكماً بين الناس كما قال: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]. هذا كله إذا تدبره المؤمن علم علماً يقينياً أن الكتاب والقول والحديث وآيات الله، كل ذلك واحد، والمحمودون الذين أثنى الله عليهم هم المتبعون لذلك، استماعاً وتدبراً وإيماناً وعملاً. أما مدح الاستماع لكل قول، فهذا لا يقصده عاقل فضلاً عن أن يفسر به كلام الله.
وهذا تؤكد بالوجه الثالث؛ الآن سينتقل للوجه الثالث في الرد على القشيري في استدلاله بالآية، وهو أن الله في كتابه إنما حمد استماع القرآن وذم المعرضين عن استماعه وجعلهم أهل الكفر والجهل الصم البكم. فأما مدحه لاستماع كل قول، فهذا شيء لم يذكره الله قط، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
وهذه أيضاً من طرق النقاش المهمة، التي يمكن يا شباب أيضاً أن تفهم طريقة ابن تيمية في النقاش؛ نحن هنا نناقش مسألة السماع، لكن الطريقة ستنقلها إلى أي مسألة تناقش فيها مخالفاً لك يستدل بالكتاب والسنة. ما هو الأسلوب الذي يستعمله ابن تيمية في نقاشه في الوجه الثالث؟ بنى على فكرة معينة، وهو المحكم هنا. ماذا فعل؟ العمومية، الاستقراء. قال: أنا بدي أستقرئ لك آيات القرآن كلها في مواطن أخرى حتى أؤكد أن الاستماع الذي مدحه القرآن هو استماع القرآن فقط.
هذا أسلوب أنه أنت لما يجي شخص يستدل بآية معينة لشبهته أو بدعته، يقول له: لا يا عمي، أنا ما برضى هذا من المتشابه، يجب أن نتتبع أسلوب القرآن كاملاً لنعرف ما هو الاستماع الذي يؤكده القرآن، وهذه مهمة في النقاش الفكري. أنه يأتيك اليوم أهل البدع أهل الباطل فيركز على آية يمكن أن يلوي عنقها لتوافق رأيه، فممكن بعض الشباب يصطدم، آه والله الآية ممكن... لا، انتبه، حاول أن تتتبع هذا المعنى الذي يقصده المبطل، هل القرآن أشار إليه في مواطن أخرى؟ أم القرآن حاربه وواجهه؟ الفكرة أن دائماً إذا استطاع أهل البدع أن يستدلوا بآية أو نص، لا بد مباشرة أن تذهب لاستقراء النصوص الأخرى حتى تخرج بالقاعدة الكلية، فيرد المتشابه إلى المحكم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. أيضاً الآيات التي بعدها هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين، قال: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. هذا موطن الشاهد، إذاً كل الكلام عن آيات الرحمن. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: 83] مش الإنشاد. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107].
وقال في ذم المعرضين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]. ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون. وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: 171]. حال النبي ﷺ وهو يتلو عليهم القرآن كحال الذي يدعو البهائم فلا يسمع إلا نداءً، يعني البهائم التي لا تسمع إلا مجرد الدعاء والنداء دون أن تفهم المعنى.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73]. وقال الذين كفروا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]. فما لهم عن التذكرة معرضين؟ كأنهم حمر مستنفرة. والتذكرة بالقرآن، ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 59-61]. والسمود هو الغناء، يعني أنتم تغنون. إذاً كل المعركة الدائرة في القرآن هي معركة حول سماع القرآن، ومن لا يريد أن يسمع القرآن، فليس في القرآن أي سماع لغير القرآن.
قال: فذم المعرض عما يجب من استماع، المشتغل عنه باستماع الغناء كما هو فعل كثير من الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وحال كثير من المتنسكة في اعتياضهم بسماع المكاء والتصدية عن سماع قول الله تعالى. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 6-7]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، وقر مش قادرين نسمع القرآن الذي تريد أن تسمعنا إياه. ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفاً؟ ايش بيستمعوا إليك؟ القرآن ومعاني القرآن. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25]. طبعاً هذا يدل على قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في استحضار الآيات؛ تذكر أن هذا الكتاب كتبه في السجن، فاستحضار الآيات كاملة متتبعاً لها سريعاً، شدة التعلق بالقرآن وتتبعك لآياته يخلي عندك مثل هذه القضايا، أني أستطيع أن أستقرئ كل الآيات وآتي بها، الآيات التي تتكلم عن هذا الموضوع، الآيات التي تتكلم عن هذا الموضوع. هذا مش سهل، حتى لو كنت حافظاً للقرآن، أن تأتي بالآيات التي تصب في هذا الاتجاه.
الوجه الرابع: أنهم لا يستحسنون استماع كل قول. إذاً في الوجه الثالث خلاصته استقراء أسلوب القرآن في الحث على الاستماع، فإذا به يحث على القرآن ولم يحث على شيء آخر.
الوجه الرابع، قال: الوجه الرابع أنهم لا يستحسنون استماع كل قول منظوم أو منثور، بل هم من أعظم الناس كراهة ونفرة لما لا يحبون من الأقوال ومنظومها ومنثورها. الوجه الرابع هذا ايش يسموه في علم الاستدلال؟ قلب الدليل، نوعاً ما، التي هي فكرة أنه أنت بتقول الآية معناها على العموم، أنت نفسك مش ملتزم بهذا العموم. إذاً هو ربما لا يسمى قلباً وإنما ممكن يسمى أنه نفسك أنت غير منضبط، عدم التزام الطرف الآخر بمقتضى الدليل. لو بدي ألزمك بمقتضى دليلك، إذاً أنت برضه لازم تسمع كل قول. هل أنت أيها الصوفي تسمع كل قول؟ أنت يا قشيري تسمع كل قول؟ لا، بل من ينظر في كلامهم فهم يذمون كثيراً من الأقوال ولا يسمعونها ويرون سماعها أصلاً منكراً، فالعموم أصلاً منتقض عندك وأنت نفسك غير ملتزم به.
قال: ونفورهم عن كثير من الأقوال أعظم من نفور المنازع لهم في سماع المكاء والتصدية عن هذا السماع، وإذا لم يكن العموم مراداً بالاتفاق كان حمل الآية عليه باطلاً.
الوجه الخامس: أنه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17-18]. فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، معلوم أن كثيراً من القول ليس فيه حسن فضلاً عن أن يكون فيه أحسن، وهذا أيضاً مما يبطل العموم بطريقتكم. فيتبعون أحسنه؛ إذاً هذا القول فيه حسن، لكن الحسن مراتب. لو أردنا أن نحمل الآية على العموم المطلق، في كلام فيه قبح، في كلام فيه حرام، في كلام فيه غيبة. فما دام الله قال فيتبعون أحسنه، إذاً القول ما مقصود به هنا القول الذي كله حسن وأنا أتبع أحسنه. طب ما هو القول الذي كله حسن؟ الوحي الإلهي. وأما كلام البشر ففيه الحسن والقبيح؛ فلا يمكن أن يحمل القول على كلام البشر بإطلاق.
بل فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]. يعني هذا دلالة وجود كلمات خبيثة لا تستمع، هذا موطن الاستدلال بالآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 21]. هذا الكلام فيه حسن؟ اللي فيه افتراء على الله الكذب ما فيه حسن. وكذلك ذم المفترين، الافتراء ما فيه حسن، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 9].
قال: فقد استدل بقوله فيتبعون أحسنه على العموم، وهو حجة على ضد ذلك كما تقدم. وقوله فيتبعون أحسنه كقوله في هذه السورة: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾. فهذه الكلمة مثل هذه الكلمة سواء بسواء، وهذا من معاني تشابه القرآن كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]. فاتباع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا هو اتباع أحسن القول، وبهذا أمر بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145].
صح، الآن انتهى الرد على أول آية استدل بها القشيري. إذاً أول آية استدل بها القشيري على جواز سماع الأناشيد ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. طب الآية الثانية التي استدل بها؟ قال: ثم قال أبو القاسم: وقال تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15]، جاء في التفسير أنه السماع. تمام، أن أهل الجنة لما جاء في مدحه، ماذا جاء؟ قال سبحانه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، جاء في التفاسير أن ما معنى يحبرون؟ أنهم يستمعون الأصوات الجميلة؛ فبده يستدل بأيش؟ أنه ما دام نعيم أهل الجنة في...
السماع مشروع أو كيف يكون نعيم أهل الجنة؟ في شيء طيب؛ ما هو أنت ممكن ترد عليه بسهولة. إيش هو؟ الخمر هو الخمر؛ يعني الخمر في الجنة جائزة وفي الدنيا مش جائزة، فهذا يعني من ركيك الاستدلال. وهذا سيبين ابن تيمية نعم قال: قلت، فهذا قد ورد عن طائفة من السلف أنه السماع الحسن في الجنة، وأن الحور العين يغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بأحسن منها. لكن تنعيم الله تعالى العبادة بالأصوات الحسنة في الجنة واستماعها لا يقتضي أنه يشرع أو يبيح سماع كل صوت في الدنيا؛ فقد وعد في الآخرة بأشياء حرمها في الدنيا مثل الخمر.
نعم، قال بل قال صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة»، وقال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، وقال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». وهذه الأحاديث من صح المشاهير المجمع على صحتها، قد أخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرها لا يستعمل في الآخرة. فلو قيل له: هذا السماع الحسن الموعود به في الجنة هو لمن نزه ما سمعه في الدنيا عن سماع الملاهي؛ لكان هذا أشبه بالحق، وهذا هو المنطق بالعكس؛ يعني أنه من نزه نفسه عن السماع الدنيوي عوضه الله بالسماع الأخروي، فهذا يكون قلب الدليل؛ إنه يكون الدليل لنا وليس لكم.
نعم قال: وقد ورد به الأثر، يقول الله يوم القيامة: إن الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أدخلوهم وأسمعوهم تحميدي وتمجيدي والثناء علي، وأخبروهم أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ثم قال أبو القاسم: واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظوراً، أو لم يسمع على مذموم في الشرع، ولم ينجر في زمام هواه، ولم ينخرط في سلك لهوه؛ مباح في الجملة. طيب الدليل الثالث ما هو الذي اعتمد عليه القشيري؟ أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم إذا لم يؤدِّ إلى استماع محظور في الإسلام، ولم يؤدِّ إلى انجرار في زمام الهوى؛ فهو مباح في الجملة، ولا خلاف. سيستدل بماذا؟ بأنه هذا كان موجود في زمن النبوة. قال: ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها، فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان؛ هذا ظاهر من الأمر.
ثم ما يوجد؛ لا بقول لك: فإذا طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يسمع بدون ألحان، قال: فإذا جاز سماعها بغير الألحان فلا يتغير الحكم بأن سمعت مع ألحان؛ يعني هذا وصف غير مؤثر، كله جائز. نعم قال: ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات وتذكر ما أعد الله لعباده المتقين من درجات، ويحمله على التحرز من الزلات، ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات؛ مستحب في الدين ومختار في الشرع. ثم ختم بالاستدلال فقال: الإنشاد والسماع الذي يؤدي إلى تحفيزك إلى الطاعة؛ هذا الذي تكلمنا عنه اليوم في البداية قضية الإنشاد والاعتماد عليه في تحفيز الإنسان على الطاعة والرغبة في الخير والجهاد وكذا، وهي القصص التي صلفوا فيها اليوم؛ هذه الأمور مختارة في الشرع. إيش بدك أحسن من إنشاد يؤدي إلى حالة من الصفاء الإيماني أو الحماس أو الإقدام؟ إذاً هذا سيكون يعطي أفضلية للسماع وليس فقط إباحة، سيعطيه أفضلية، وهذا وجه أيضاً اعتمد عليه الغزالي في إحياء الدين في مشروعية السماع.
طيب قال: وقد جرى على لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعراً، وذكر الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك قال: كانت الأنصار يحفرون الخندق فجعلوا يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة». وقال: ليس هذا لفظ منه صلى الله عليه وسلم على وزن الشعر. قلت: يعني قال هو وليس ولم يقصد الشعر، وإنما جاء على بحر الشعر. نعم طيب.
قلت الآن، قبل ما ندخل، إيش أكبر الأخطاء الواردة في هذا الاستدلال للقشيري؟ حتى برضه نحن نطور إمكانياتنا شوي.
أه، بس قبل ذلك، يعني هو الآن مش قضية الألحان وقضية الاستدلال بهذه الوقائع على جواز الإنشاد، ما هو الألحان أصلاً في أصلها بتأثر في القلب وتميل الهوى وإلى آخره، هذا ألحان يعني مستحيل أنك تسحبها عن حصده. أنت قلت القضية أولاً: اعتباره الألحان وصف مش مؤثر، هذه قد تكون منطقة نزاع؛ يعني إذا قلنا على كلامك وكلامه، القياس الذي قاسه أنه كان يستمع بدون ألحان، بس صرنا نستمع بألحان؛ قضية أن الألحان وصف غير مؤثر هي مسألة النزاع أصلاً، فكيف تلزمني فيها أو تعتبر أن القضية انتهت؟ لا، ونحن أصلاً نقاشنا هل الألحان مؤثرة ولا مش مؤثرة؟ مثلاً، بس هناك ما هو أعلى في هذا الموضوع، اللي هو إيش قضية؟
يلا، سهل الذهن، يلا يا شيخ، أن هو أول شيء صادر على المطلوب. نعم صادر على المطلوب، قال: إن هو هذا مستحب إذا لم يعتقد مسوغاً محظوراً، وصادر قال لك إنه هذا أصلاً ليس محظوراً، فقال لك هذا الاستماع كله ليس محظوراً إلا إذا وجد فيه محظور، هو صادر على أن سماع الأشعار بالألحان ونغم مستلذة إذا لم يعتقد المسلم محظوراً مباح، قال: إيش؟ مباح. هو صادر على المطلوب ابتداءً؛ لأنه نحن أصلاً نقاشنا هسا؛ هل نحن بنخالفه؟ خلينا نقول، يعني هل نحن بنخالفه أن سماع مجرد أنشودة بصوت لحن حرام؟ لا، يعني نحن ما بنخالفه. فوين المصادرة على المطلوب؟ أنه هو أعطاك مقدمة مسلمة نقول إنه مباحة على الجملة، هو فيه مع بعض المضار، حتى لا أخليك الآن كمباح على الجملة، أنت ركز معه في المقدمة كمقدمة أولى؛ أن سماع الأشعار بلحن جميل، في أحد بيننا خالف على هذا؟ نحن ما بنخالف في هذا، لكن نحن نقاشنا في النقطة التي تليه: أن تستعمل كطريقة تعبد ونمط وتحفيز ويصبح طريقة. فأنا أعتقد أنه هنا في هي الزاوية الأولى فيه مصادرة؛ هو لأنه يعرف أن منطقة النقاش هي بينه وبينه محل اتفاق؛ أنه لو أجاك واحد قال لك: يا شيخ، بصير أسمع أنشودة بصوت جميل؟ في الجملة، في الجملة الآن، دعكم من التفاصيل؛ ادخل في الجملة، نحن متفقين أنه لو واحد أنشد بصوت جميل في حفل في كذا، أنا ما عندي مشكلة معه. طيب إذاً ها شو بده يصير؟ بده يأخذ هي المقدمة يبني عليها أن يجوز أن يكون الإنشاد الإسلامي حالة مستدامة مطلوبة مقصودة. تمام، طيب كيف بدك تخليها استدلال بحالات؟
أه، كلامه مباح في الجملة؛ أنه هو بس قاعد يقرر المسألة مش قاعد يستدل، الاستدلال بدأ من...، ولا صح ولذلك هي مقدمة سيبني عليها هو. فعلياً هنا ما استدل؛ هو حط قاعدة الاتفاق، هسا أنا وإياكم متفقين هيك، أنا وإياكم متفقين أن الاستماع بصوت جميل بشكل عام مباح في الجملة، صح؟ الآن وين بدأ الاستدلال؟ بعد.
أحسنت؛ على الإباحة بس أنه هذا ممكن أنه أعيان لا عموم، أنا هذا أريده؛ أنه أنت لا تجي تستدل أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع مرة من صحابي كذا، سمع مرة واحد مشى في الشارع وقال كذا وكذا، مرة الصحابة، هذه وقائع أعيان لا تمثل حالة دينية مستمرة كما أنت تؤصل، أنت لا تشعرني أو خلينا نقول إنه أنت بتحاول، خلينا نقول على الأقل، إنه أنت بتحاول تأتي لحالات فردية وقعت في ثواني معدودة ودقائق معدودة، بدك تجعلها حالة عامة في الفكر الإسلامي وفي طريقة التدوين وأنماطها؛ تعميم هذه الأفعال، هذا خطأ، هذا من الأخطاء: تعميم الخاص. وهذا سيركز عليه ابن تيمية الآن.
قال قلت: تضمن هذا كلامه شيئين؛ أحدهما إباحة سماع الألحان والنغامات المستلذة بشرط ألا يعتقد المستمع محظوراً وألا يسمع مذموماً في الشرع ولا يتبع منه هواه، والثاني أن ما أوجده للمستمع الرغبة في الطاعات والاحتراز من الذنوب وتذكر وعد الحق ووصول الأحوال الحسنة إلى قلبه فهو مستحب. على المقدمتين بنا من قال بإصحاب ذلك مثل أبي عبد الرحمن السلمي وأبي حامد وغيرهما، ففي هؤلاء من قد يوجبه أحياناً إذا رأوا أنه لا يؤدى الواجب إلا به؛ يعني قد يصل في بعض الغلو أن يعتقد وجوب السماع للأناشيد إذا اعتقد أنه لا يؤدي الواجب إلا به. طيب قال: وكذلك قد يفضلونه على سماع القرآن إذا رأوا أن ما يحصل بسماع الألحان أكثر مما يحصل بسماع القرآن، هم في ذلك يضاهون لمن يوجبه من الكلام المحدث ما يوجبه، ولمن يفضل ما فيه من العلم على ما يستفاد من القرآن والحديث. لكن في أولئك من يرى الإيمان لا يتم إلا بما ابتدعوه من الكلام، وفيهم من يكفر مخالفه ويفسق السماع، أيضاً فيهم من يرى الإيمان لا يتم إلا به، وفيهم من يقول في منكره الأقوال العظيمة؛ يعني إذا رأوا شخصاً أنكر السماع، "أنت لا تحترم المشايخ"، "أنت لا تعظم الغزالي"، وينزل فيك ويقول فيك الأقوال العظيمة، كما أن المتكلمين يقولون فينا الأقوال العظيمة أننا مبتدعة ومجسمة، كذلك أهل السماع يقولون على من ينكر عليهم السماع الأقوال العظيمة.
نعم قال: وقد يكون يسعى في قتل منكره. يعني هو يقارن الصوفية بالمتكلمين، نفس الفكرة هو يقارن بين الصوفية والمتكلمين. قال: فالصوفية في سماعهم يفضلون الإنشاد على سماع القرآن، وهم في ذلك يضاهون أهل الكلام الذين يفضلون أقيستهم الكلامية على الأقيسة القرآنية والطرق القرآنية في تقرير العقائد. وكما أن المتكلمين يبدعون من يخالفهم بل قد يرمونه بكفر أو فسق، كذلك الصوفية يرون من ينكر عليهم سماعهم وأغانيهم بماذا ينكرون عليه؟ بالأقوال العظيمة، بل قد يسعون في قتل من ينكر عليهم، هكذا فهمت سياق الكلام.
في إيش؟ لمن يوجبه وهم في ذلك يضاهون لمن يوجبه من الكلام المحدث ما يوجبه؛ يعني من يرى وجوب الكلام المحدث والانشغال به وما يوجب الكلام المحدث ويقرره، ما فهمت شو المشكلة فيه؟ مثل ما يوجب منطقة معينة من الكلام؛ منطقة مش يعني هم حتى مش أقول لك الصوفية أحياناً يرون بعض الإنشاد يجب من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ كذلك المتكلمون، فإن كثيراً منهم يعتقد أن أدلته الكلامية واجبة ولا مناص لك إلا أن تستعمل هذه الطريقة ولا يكمل الإيمان إلا بها، فيوجب هذه الأمور وهي ليست واجبة، أنت صنعت هذا الوهم في ذهنك.
نعم قال: لكن جنسهم كان خيراً من جنس المتكلمة مما فعلوا وغير ذلك من ذنب، كما يستحبون علم الكلام ويوجبونه ويذمون تاركه ويسبونه ويعاملونه؛ أنا هون شعرت أن النص شوي داخل ببعض، يعني حتى أخونا المحقق الشيخ رشاد سالم الله يرضى عليه زاد كلمات وحذف كلمات مشان يزبط معه، بس أنا برضه ما شعرتش أنه زبط معه؛ يعني أنا شاعر أنه في مشكلة. المهم قال: ويذمون تاركه ويسبونه ويعاملونه من العدوة بما يعامل به الكافر. وبإزاء استحباب هؤلاء، أن قوماً من أهل العلم يكفرونهم باستحب ذلك أو إيجابه؛ لهذا، بس هون هي النقطة، وبإزاء استحباب هؤلاء للإنشاد أو إيجابه، نجد دائماً ابن تيمية يحاول يمسك العصا من المنتصف، نجد أن من ينكر عليهم قد يكفرهم، فيقول لك: والله هؤلاء الصوفية كفار مشتغلون بالسماع، بل إنهم يرونه طاعة وهذا من الكفر، لا ابن تيمية؛ أنت برضه هؤلاء متأولون؛ يعني برضه أنت ما ترفع سقف إنكارك لدرجة أن ترمي إخوانك من الصوفية في أنهم كفار فيما تأولوا به.
قالوا: إذاً وفي إزاء استحباب هؤلاء أو إيجابهم للسماع، تجد قوماً من أهل العلم يكفرونهم؛ يكفرون الصوفية لأنهم استحبوا ذلك أو أوجبوه. ولهذا تجد، نعم قال: ولهذا تجد في المستحبين له وفي المنكرين له من الغلو ما أوجب الافتراق والعداوة والبغضاء. وهذه دائماً قضية مهمة ومركزية في طريقة ابن تيمية يا إخواني، أن الإنسان عندما يعالج المنكرات الموجودة في المجتمع والأفكار الخاطئة، يجب أن يكون متوازناً، ولا يبعثك إنكاري لمنكر عند جماعة أو طائفة أو عند شخص أن أغلو في هذا الإنكار لدرجة أنني مباشرة أتخذ قرار تكفيره أو تفسيقه. بالعكس، عكس هذا حجة الضعيف أنا في اعتقادي؛ يعني تستعمل الإرهاب الفكري، أنه أنت خالفتني أنت مبتدع، أنت فاسق، أنت كافر؛ يعني بتصير هي الكلمات هي الأساسية، لا، أنت هدفك الإصلاح، استعمال هذه الكلمات هذا حكم شرعي يحتاج إلى هدوء واتزان، وأن تتأكد هل هو كافر فعلاً؟ هل توفرت الشروط وانتفت الموانع؟ هل هو مبتدع فعلاً؟ فابن تيمية يعتقد أن أحد أسباب افتراق الأمة أن الذين يعالجون الأخطاء من بعض أهل العلم عندهم غلو في معالجة الأخطاء، فيظل الخلاف قائماً. فأنت لما تحكي لواحد صوفي "أنت كافر لأنك بتسمع"، يقول لك: "أقول لك أنت الكافر"، بتصير القضية نوع من المذاكرة كما يسمى ونوع من المعافسة، مش أنه فيه حل. وبالتالي الدعاء إلى الله وأهل...
العلم يجب أن يكون فيه نوع من الرحمة والهدوء، وألا تغلو وأنت ترد، وألا تغلو وأنت تعالج المشكلة؛ ولا يحملك وجود منكر على أنك تعمل منكراً آخر من جهتك.
قال: "وسبب ذلك ترك الفريقين جميعاً لما شرعه الله من السماع الشرعي الذي يحب الله ورسوله وعباده المؤمنون، وهاتان المقدمتان كلاهما غلط مشتمل على دليل مجمل". ابن تيمية يرى حتى المقدمة الأولى غلط، يعني حتى مقدمة أن سماع الألحان مباح في الجملة يرى أن فيها غلط؛ لأنه فيها كلام مجمل. خلينا نشوف ماذا سيقول.
قال: "من جنس استدلالهم بما ظنوه من العموم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، بما وعد الله به في الآخرة من سماع الحسن". ولهذا نشأ من هاتين المقدمتين التي لُبس فيهما الحق بالباطل، قول لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها. فإنه وإن نقل عن بعض أهل المدينة وغيرهم أنه سمع الغناء، فلم يقل أحد منهم إنه مستحب في الدين ومختار في الشرع أصلاً، بل كان فعل ذلك منهم يرى مع ذلك كراهته، وأن تركه أفضل، أو يرى أنه من الذنوب، وغايته أن يطلب سلامته من الإثم، أو يراه مباحاً.
من أعظم من يستدل أنهم كانوا يسمعون الغناء أهل المدينة؛ دائماً إذا طُرِح موضوع المعازف يقول لك: "أبناء الماجشون" في المدينة النبوية كان عندهم نوع من سماع شيء من المعازف وشيء من الغناء، فاشتهر في الكتب أنه يا أخي أهل المدينة كانوا أهل سماع. فيقول لك حتى الذين نقل عنهم وهم عائلات محدودة، حتى الذين نقل عنهم من أهل المدينة السماع كأبناء الماجشون لما كانوا فقهاء عموماً، ما أحد قال منهم نحن بنسمع تعبداً، لا، بل كان حالهم في السماع كما قال بل كان فاعل ذلك منهم يرى مع ذلك كراهته، الذي يفعله بس خلص نفسه تميل إليه مع أنه يراه مكروهاً أو أن تركه أفضل، يجوز ما بيشوفه مكروه بس في لحظة خفة مع أن تركه أفضل، أو بالعكس ممكن يشوفه ذنب بس هو ضعيف أمامه، يعني هل هناك عصمة كاملة؟ قد يكون هذا الفقيه عنده ضعف بشري أمام هذه القضية، وهذه ليست حالة عامة في أهل المدينة.
قال: "وغايته أن يطلب سلامته من الإثم أو يراه مباحاً، كالتوسع في المآكل والمشارب والملابس. فأما رجاء الثواب بفعله والتقرب إلى الله، فهذا لا يحفظ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل المحفوظ عنهم أنهم رأوا هذا من إبداع الزنادقة". كما قال الحسن بن عبد العزيز الجروي: سمعت الشافعي يقول: "خلفت بغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن". التغبير هو نوع من الإنشاد، كانوا يضربون فيه على جلدة أو على طبلة أو شيء من ذلك، نوع من إنشاد أنشئ في بغداد يكون فيه جلدة أو زي الطبل ويضرب عليه واحد ينشد إنشاداً دينياً. فماذا سماه الشافعي؟ شيء أحدثته الزنادقة يصدون به الناس عن القرآن. اعتبر أن هذا النوع من الإنشاد الديني هو نوع من إبعاد الناس عن مساحة القرآن وتدبره.
قال: "والتغبير هو الضرب بالقضيب على غبر، أي يثير غباراً، وهو آلة من الآلات التي تقرن بتلحين الغناء". والشافعي بكمال علمه وإيمانه علم أن هذا مما يصد القلوب عن القرآن ويعوضها به عنه، كما قد وقع؛ أن هذا إنما يقصده زنديق منافق من منافقي المشركين وصابئة أهل الكتاب، فإنهم هم الذين أمروا بهذا في الأصل، كما قال ابن الراوندي: "اختلف الفقهاء في السماع، فقال بعضهم مباح، وقال بعضه محرم، عندي أنه واجب". هذا ابن الراوندي، وتعرفون أحد الزنادقة الكبار في التاريخ الإسلامي.
قال: "وهذا مما اعتضد به أبو عبد الرحمن في مسألة السماع، وهذا متهم بالزندقة". وكذلك ابن سينا في إشاراته، كذلك ابن سينا وهو أحد الزنادقة أيضاً، في كتابه الإشارات أمر بسماع الألحان وعشق الصور، وجعل ذلك مما يزكي النفوس ويهذبها ويصفيها، وهو من الصابئة الذين خلطوا بها من الحنيفية ما خلطوا وقبلها. وهو من الصابئة؛ يعني أصلاً ابن سينا رجل من الصابئة، كلامه في شيء من أديان الصابئة وفي شيء من الحنيفية، عمل دين كوكتيل جديد، وهذا دين ابن سينا، وهذا الذي يرسمونه للأسف لأطفالنا في المدارس أنه الطبيب المسلم، نموذج معري في إسلامه وهو مصيبة على الإسلام والمسلمين في أفكاره وتاريخه. وقبله الفارابي، الفارابي ماذا كان؟ موسيقار، أنتم بتعرفوا الفارابي كان موسيقاراً وكان ملحناً، وهذا لما يتكلموا اليوم في الإعلام يطلع لك واحد زي عدنان إبراهيم يقول لك الفارابي، يحب يسمعك كلمتين أنت بتفكر الفارابي إيش هو رأس الكون في الفهم، وهو كان رجل موسيقار وشغل ألحانه، فلا لا تستهوي لأنك الأسماء والكتب والفكر وهي عبارات اليوم مهجنة. بده يحاول الذين ينصرون ابن سينا والفارابي اليوم أن يشعروك أنه رأس في الفكر، في النهاية رجل كان ضائعاً تائهاً عن ربه، عاش مع الفلاسفة ولم يعرف الله سبحانه وتعالى، كلهم ضلال عبارة عن مجموعة من الضلال.
قال: "وقبله الفارابي كان إماماً في صناعة التصويت موسيقاوياً عظيماً". فهذا كله يحقق قول الشيخ رضي الله عنه. ونحن نتكلم على المقدمتين إن شاء الله بكلام ناس وما كتبته هنا. فأما احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ما أنشد بين يديه من أشعار لمكره، وأنه قال ما يشبه الشعر، فيقال بل الشعر أعظم مما وصفته، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من الشعر حكمة». وقال: «جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم». وكان ينصب لحسان منبراً لينشد الشعر الذي يهجو فيه المشركين، وقال: «اللهم أيده بروح القدس»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه»، وقال عن عبد الله بن رواحة: «إن أخاكم لا يقول الرفث». وقد استنشد الشريد بن سويد للثقفي مئة قافية من شأن أمية بن أبي الصلت ويقول: هيه هيه، زدني زدني.
قال: "وسمع قصيدة كعب بن زهير، وهذا باب واسع". وقد قال الله تعالى في كتابه بعد أن قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 224-227]. فلم يذم الذين آمنوا بالصالحات وذكروا الله كثيراً من الشعراء المنتصرين من بعد ما ظلموا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه» -يريه يعني حتى يهلكه- «خير من أن يمتلئ شعراً». فذم الممتلئ بشعر الذي لم يستعمل بما يوجب الإيمان والعمل الصالح وذكر الله كثيراً، ولم يذم الشعر مطلقاً، بل قد يبين معنى الحديث ما قاله الشافعي: "الشعر كلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه". وهذا قوله في الشعر مع قوله في التغبير ليبين أن إباحة أحدهما غير مستلزمة للآخر. جميل، دائماً الإشكالية تحصل في النقاشات خلط، يعني أحياناً بعض الصوفية وهو يناقشك يجي قال الشافعي وقال كذا، لا بدك تفرز، هذا كلام يحمل على الشعر وهذا كلام على استعماله كنمط من أنماط التدين، لا توضع كل الأوراق في مكان واحد وتخلط لي إياها بحيث تقنعني أنك أتيت بحجج متعددة.
أحسنت، هي لبس الحق بالباطل والكلام الصحيح إدخاله مع الكلام الباطل لإخراج منتج معين فكري.
قال: "وأما قوله فإذا جاز سماعه بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن تسمع بالألحان الطيبة، فهذا ظاهر من الأمر فإن هذه حجة فاسدة جداً". هذا القياس واعتبار أن الألحان وصف غير مؤثر هذا فاسد جداً. قال: "والظاهر إنما هو عكس ذلك، إن نفس سماع الألحان مجرداً عن كلام يحتاج إلى أن تكون مباحة مع انفرادها، وهذا من أكبر مواقع النزاع". أصلاً نحن موطن نزاعنا هل الألحان وحدها، الألحان اللي هي الآهات خلينا نقول أو شيء، هل الألحان وحدها جائزة قبل ما تخلطها مع الكلام؟ يعني عندك شيئين؛ عندك الغناء اللي هو الكلام، وعندك الألحان. فهو إيش يقول لك؟ فإن نفس سماع الألحان مجرداً عن كلام يحتاج إلى أن تكون هي أصلاً مباحة في انفرادها، وهذا أصلاً من مواطن النزاع؛ يعني نحن أصلاً مش موافقين أن الألحان وحدها جائزة.
قال: "فإن أكثر المسلمين على خلاف ذلك، ولو كان كل من الشعر أو التلحين مباحاً على الانفراد". ثم قال جدلاً: لو قلنا إنه الشعر وحده مباح، وقلنا إنه التلحين وحده مباح، فإذا اجتمع مع بعضهما البعض لا يلزم أن يكون التركيب مباحاً؛ فهو عبارة عن شغلتين، أولاً نحن مخالفينك أن الألحان وحدها مباحة، ثم جدلاً على سبيل التسليم لو قلنا أن الألحان وحدها مباحة والشعر وحده مباح، هل المنتج النهائي من خلط الألحان مع الشعر ضرورة يستلزم عقلاً أن يكون مباحاً أو شرعاً أن يكون مباحاً؟ لا. فيقول ولو كان كل من الشعر أو التلحين مباحاً على الانفراد لم يلزم الإباحة عند الاجتماع إلا بدليل خاص، فإن التركيبة لها خاصية يتعين الحكم بها.
أحسنت، وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال أن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند الانفراد لم يفد العلم مع القرائن؛ فجحد العلم الحاصل بالتواتر. وبمنزلة ما يذكر عن إياس بن معاوية أن رجلاً قال له: "ما تقول في الماء؟" قال: حلال، قال: "التمر؟" قال: حلال، قال: "النبيذ؟" قال: ماء وتمر، فقال له إياس... مثلاً إياس بن معاوية، ما تقول في الماء؟ المي لحالها شو حكمها؟ حلال، التمر وحده شو حكمه؟ حلال، إذا خلطنا الماء والتمر؟ قال فالنبيذ؛ النبيذ شو هو؟ ماء زائد تمر، قال: عبارة عن ايش؟ هو ماء زائد تمر، إذا هو مباح؟ لا يا عمي، هذا منتج جديد خلط في الماء زائد التمر فصار مسكراً، فكيف تجعل كل واحد على الانفراد إباحة دليل على جوازه في حالة التركيب هذه؟
قال: "فقد نفس الشيء مثلاً لما أقول خبر الواحد وحده ظن، طيب إذا اجتمع مع غيره يقين صار، فمين قال لك إنه يبقى ظن؟ يريد أن يقول لك أن التركيب له أثر على الأشياء، ما بصير أنت تأخذ حكم الشيء مفرداً كحكمه مركباً، خبر الواحد إذا اعتفت به القرائن لا يصبح يفيد العلم، هو يريد أن يقول لك أن فكرة اعتبار المفرد والمركب نفس الشيء هذا خطأ". طبعاً هذا كله رد على قياسه، لأنه هو شو قال؟ الشعر بدون ألحان كالشعر بألحان، يعني زيادة الألحان شو بدها تأثر؟ مش هيك بقول لك القشيري؟ لا يا عمي الله يكرمك، أنت مين قال لك أن اعتبار الزيادة زيادة هيك مش مؤثرة؟ وهكذا يرد على طريقة القشيري في التفكير. ماذا قال القشيري؟ "فإذا جاز سماعه بغير الألحان فلا يتغير الحكم بأن تسمعه بالألحان". هيك بيقول القشيري، كيف ما بيتغير الحكم وهذا موطن نزاعنا؟
قال: "فقال له إياس بن معاوية: أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بكف من تبن أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلتها طينة وتركته حتى يجف وضربتك بها أأقتلك؟ قال: نعم. قال: كذلك النبيذ". يقول إن القاتل هو القوة الحاصلة بالتركيب، والمفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بتركيب الماء مع التمر.
وكذلك هنا الذي يذكر النفوس ويلهيها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة قد يكون في التركيب، وليست الأصوات المجتمعة في استفزازها للنفوس وإزعاجها، أما بنياحة وتحزين وأما باطراب وإسكار وأما بإغضاب وحمية، بمنزلة الصوت الواحد. وهذا القرآن الذي هو كلام الله قد ندب النبي صلى الله عليه وسلم.
اجتماع الأصوات ليس في قوة الصوت الواحد، أنا ممكن أعطيك آهات وحدها تسمع الشيخ أديب، أعطيك آهات لا تعمل لي مشكلة، ممكن واحد يعطي شعراً وحده لا يستفزني، لكن لما أديب يعطي آهات معها شعر، اجتماع الأصوات يؤثر تأثيراً سواء في الحمية والغضب والجهاد، أو في الأناشيد، أو في النياحة والتحزين؛ لا، بتعطي مفعولاً مختلفاً. فما يصير أنك تساوي بين الحالتين، وهذا القرآن الذي هو كلام الله، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحسين الصوت به، وقال: «زينوا القرآن بأصواتكم».
وقال لأبي موسى: «لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك»، فقال: لو علمت أنك تسمع لاستمعت لحبرته لك تحبيراً. وكان عمر يقول: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». وقال: «لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته»، أذناً يعني إنصاتاً، يعني الله أشد إنصاتاً إلى الرجل الحسن من صاحب المغنية إلى مغنيته.
قال: ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ القرآن بألحان الغناء، ولا أن يقرن به من الألحان ما يقرن به، يعني أقول لك: القرآن اللي إحنا متفقين على جوازه، بل مستحب ويجب أن يقرأ، ومع هذا لا يجوز خلطه بالألحان، فما بالك بالشعر الذي هو أصلاً منطقة نقاش وفيه مشاكل كثيرة؟ فما بالك أن يخلط بالألحان؟ الذي يظهر يتكلم عن الألحان بمعنى المقامات اليوم المشهورة، أنه تسقطها بهذه الطريقة وتسقطها على قواعد السلم الموسيقي، اقرأ القرآن بعفويتك.
قال: ولا أن يقرن به من الألحان ما يقرن بالغناء من الآلات وغيرها، لا عند من يقول بإباحة ذلك ولا عند من يحرمه، بل المسلمون متفقون على الإنكار على أن يقرن بتحسين الصوت والقرآن الآلات المطربة، والزمر، وباليد الغرابيل. فلو قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن، وقد استقرأه من ابن مسعود، وقد استمع لقراءة أبي موسى وقال: «لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود»، فإذا قال قائل: إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان فلا يتغير الحكم إن زدت ألحانك، كان هذا منكراً من القول وزوراً. واتفاق المسلمين يعني هو عم بيقول له: إذا على طريقتك يا قشيري ممكن واحد يجي يقول: النبي صلى الله عليه وسلم سمع القرآن وأنصت للقرآن بدون ألحان، فلو جاء شخص فوضع معه الألحان إذا جاز، مش أنت هيك بتحكي في السماع؟ طيب في حدا بيحكي بهذه الطريقة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع القرآن بدون ألحان فلو جاء شخص فأضاف الألحان لجاز؟ لأنه هذا وصف غير مؤثر، لا يا عمي، وصف مؤثر، مين قال لك أنه وصف غير مؤثر؟ وأنت مشيتها، زيادة الألحان وصف مؤثر في المسألة.
قال: والمقدمة الثانية، وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة: إنما أوجب للمستمع أن يوفر الرغبة على الطاعات، ويذكر ما أعد لعباد الله المتقين من درجات، ويحمله على التحرز من الزلات. إذاً هو رد على المقدمة الأولى وهي قضية «أنا بدي سامعوني»، بدي أرجع للمقدمة، إذا ابن تيمية ربما كان أعمق منا في قضية أنه واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة مباح، ابن تيمية عم ينازع فيها أصلاً كمقدمة، يعني هو يقول سماع الأشعار بالألحان الطيبة، مين قال لك أنه مباح؟ يعني هي نفس المقدمة عند ابن تيمية مش محل اتفاق، أنت سقتها يا قشيري كأنها محل اتفاق. لا، أنا بشوف أنها مش محل اتفاق، وأن الأشعار وحدها لو كانت مباحة لكن زيادة الألحان عليها لا، عم بغير حكمها، وقضية أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الشعر فبالتالي زيادة اللحن لن تؤثر، هذا هو خطأ، يعني هو كأنه هو كيف قرر القاعدة الأولى أن الأشعار بالألحان الطيبة مباحة؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الشعر، ثم هو زاد، القشيري: ما دام سمع الشعر بدون ألحان فلو زاد معه مع الألحان مش راح يفرق، قال له: لا هون نحن مختلفين، نحن ما، مين قال لك أنه إذا أضيفت الألحان لن يؤثر؟ هكذا يعني نسف المقدمة الأولى.
يجي الآن على المقدمة الثانية، فقال: وما المقدمة الثانية؟ وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة: إنما أوجب للمستمع أن يوفر الرغبة على الطاعات، ويذكر ما أعد الله لعباده المتقين من درجات، ويحمله على التحرز من الزلات، ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات، مستحب في الدين ومختار في الشرع. اعتبار أن الإنشاد الإسلامي، أنا بحب أستعمل عبارات المعاصرين عشان نضلنا مستحضرين، وسيلة لإيش؟ زيادة الخير وتوفير الطاعة وما شابه ذلك، هل الغاية تبرر الوسيلة؟ هذه القاعدة اللي بدنا نتكلم عنها الآن، هل الغاية غاية شريفة؟ إحنا بدنا إياك تصير متحمس لقضايا الإيمان وتتذكر الله، وهل الغاية تبرر الوسيلة؟ هذه القاعدة التي يجب أن تحرر كثيراً اليوم وأيضاً عند الأقدمين.
قال: فنقول: تحقيق هذه المقدمة أن الله سبحانه يحب الرغبة فيما أمر به، والحذر مما نهى عنه، ويحب الإيمان بوعده ووعيده، وتذكر ذلك، وما يوجبه من خشيته ورجائه ومحبته وإنابته إليه، ويحب الذين يحبونه، فهو يحب الإيمان أصوله وفروعه والمؤمنين. وسماع يحصل المحبوب وما يحصل المحبوب فهو محبوب، فالسماع محبوب، خلص اللي هي الغاية تبرر الوسيلة، ما يحصل معه ما يحبه الله سيكون محبوباً لله، فالسماع بخليك تنتعش إيمانياً إذاً السماع محبوب. هذا خلاصة الدليل، وهذه المقدمة بناها على أصلين، أحدهما قال: معرفة ما يحبه الله، والثاني أن السماع يحصل محبوب الله، خالصاً أو راجحاً. فهي قد مبنية على أصلين: أن الله يحب أن تكون مؤمناً مخبتاً خاشعاً، كذا. المقدمة الثانية أن السماع يوصلك إلى الإخبات والخشوع وما شابه ذلك، طيب فإذا حصل، قال: فإنه إذا حصل محبوب ومكروه والمكروه أغلب كان مذموماً، وإن تكافأ فيه المحبوب والمكروه فإن لم يكن محبوباً ولا مكروهاً.
أما الأصل الأول هو معرفة ما يحبه الله فهي أسهل، وإن كان غلط فيها كثير من الناس، وأما الأصل الثاني وهو أن سماع المحدث يحصل المحبوبات فالشان فيها، ففيها زل من زل، فالشان فيها يعني النقاش فيها، على نقاشنا أن السماع هل فعلاً يوصل إلى محبوبات الله من الخشوع والإنابة؟ فهذه فيها زل من زل، وضل من ضل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نحن نتكلم على ذلك بوجه نبين به إن شاء الله المقصود، رجعنا أولاً أن نقول: يجب أن يعرف أن المرجع في القرب والطاعات والديانات والمستحبات إلى الشريعة، ليس لأحد أن يبتدع ديناً لم يأذن به الله، هي أول قضية، إذاً الغاية لا تبرر الوسيلة، فحتى الوسائل يجب أن تكون على ما شرعه الله، وليس بالذوق والهوى، حتى وسائل الطاعات يجب أن تكون وفق قواعد الشريعة. قال: ليس لأحد أن يبتدع ديناً لم يأذن الله به ويقول: هذا يحبه الله، بل بهذه الطريق بدل دين الله وشرائعه، وابتدع في الشرع ما لم ينزل له به سلطاناً. وكل ما في الكتاب وسنته وكلام سلف الأمة وأئمة الدين ومشايخه من الحض على اتباع ما أنزل إلينا من ربنا، واتباع الصراط المستقيم، واتباع الكتاب، واتباع شريعته، ونهي عن ذلك، فكله نهي عن هذا، وهو ابتداع دين لم يأذن الله به، سواء كان الدين فيه عبادة غير الله، وعبادة الله بما لم يأمر، بل دين الحق أن نعبد الله وحده لا شريك له بما أمرنا به على ألسنة رسله.
كما قال فضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وكلام المشايخ الذين ذكرهم أبو القاسم في هذا الأصل كثير، مثل ما ذكره عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: ربما تقع النكتة في قلبي من نكت القوم أياماً، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وعن صاحبه أحمد بن أبي الحواري أنه قال: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله. وعن سري بن عبد الله التستري أنه قال: كل فن يفعله العبد بغير اقتداء طاعة، كان معصية، فهو عيش النفس، عيش النفس يعني هو.
قال: وكل فن يفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس، عذاب على النفس، أي مخالفة للهوى يعني أن الذي يقتدي ويتبع يخالف هواه فهذا بمعنى أنه عذاب على نفسه من هذه الجهة. قال حفص النيسابوري أنه قال: من لم يزن أفعاله وأحواله كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال. وعن الجنيد بن محمد أنه قال: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وعن الجنيد أيضاً أنه قال: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
وعن أبي عثمان النيسابوري أنه قال: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. وعن أبي حمزة البغدادي قال: من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه، لا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأفعاله. وبيمرو ابن وجيد قال: كل حال لا يكون نتيجة علم فإن ضرره أكثر على صاحبه من نفعه، وسئل عن التصوف فقال: الصبر تحت الأمر والنهي. وعن أبي يعقوب النهري قال: أفضل الأحوال ما قارن العلم. مثل هذا كثير في كلام أئمة المشايخ، وهم إنما أوصوا بذلك لما يعلمونه من حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبع سبيل الله التي بعث بها، وهذا من نوع الهوى بغير هدى من الله.
إذاً هو أراد استقراء أقوال سادة الصوفية الأوائل أن نثبت أن الصوفية الأوائل لا يقولون الغاية تبرر الوسيلة. كل هذا الكلام يدل على أنه حتى في الوسائل الصوفية الكبار الجنيد وغيرهم يقول لابد من اتباع ولا يجوز الابتداع، وأنتم باستعمالكم الإنشاد وسيلة لتقرير الإيمان أنتم خالفتم طريق مشايخكم الذين كانوا يحرصون على الاتباع في تفاصيل الطريق. ولماذا الصوفية الكبار شددوا في هذه القضايا؟ قال: وهم أي علماء مشايخ الصوفية الأوائل، إنما أوصوا بذلك لما يعلمونه من كثير من السالكين أنهم يقدمون الذوق والوجد والهوى على اتباع سبيل الله سبحانه وتعالى، وهذا من نوع الهوى بغير هدى من الله.
قال: والسماع المحدث يحرك الهوى، السماع المحدث هو نوع من الهوى، ويحرك الهوى. قال: لهذا كان بعض المشايخ مصنفين في ذمه، سمى كتابه "الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الكابو الفاضح"، ولهذا كثيراً ما يوجد في كلام الشيخ الأمر بمتابعة العلم، يعنون بذلك الشريعة، كقول أبي يزيد البسطامي رحمه الله: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتفتت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد. وقال أبو الحسين النوري: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم والشريعة فلا تقبل منه. وقال أبو عثمان: صحبة الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم بالرحمة عليهم.
وذلك لأنه لما كان أصل الطريق هو الإرادة والقصد والعمل، وذلك فيه من الحب والجد ما لا ينضبط، فكثير ما يعمل السالك بمقتضى ما يجده في قلبه من الحب، وما يدركه ويذوقه من طعم العبادة، وهذا إذا كان موافقاً لأمر الله ورسوله، وإلا كان صاحبه في ضلال من جنس ضلال المشركين وأهل الكتاب الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله. فبالتالي كثيراً ما يدخل الهوى في وسائل التعبد، انتبهوا لكثيراً ما يدخل الهوى في وسائل التعبد.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]، وقال: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، ثم قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا﴾.
تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل. واتباع الهوى وكثيراً ما يُبتلى كثير من أهل السماع بشعبة من حال النصارى من غلوهم في الدين واتباع أهواء قوم قد ضلوا من قبل. وإن كان فيهم من فيه فضل وصلاح، فهم فيما ابتدعوه من ذلك ضالون عن سبيل الله، يحسبون أن هذه البدعة تهديهم إلى محبة الله، وإنها لتصدهم عن سبيل الله؛ فإنهم عشوا عن ذكر الله الذي هو كتابه، عن استماع الذكر واتباعه عشوا، أي ابتعدوا.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]. فالشريعة التي جعله عليها تتضمن الأمر به، وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة من أهواء الذين لا يعلمون؛ فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله إلى عباده من هداه. ولهذا قال في إحدى الآيتين: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119]، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
فكل من اتبع ذوقاً أو وجداً بغير هدى من الله، سواء كان ذلك عن حب أو بغض، فليس لأحد يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه ديناً، وينهى عما يبغضه ويذمه ويتخذ ذلك ديناً إلا بهدى من الله، شريعة الله التي جعل عليها رسوله. وإن تبع ما يهواه حباً وبغضاً بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله.
ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ويذمونهم بذلك ويحذرونهم بأن لا يُغتر بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال، مثل المكاشفات وخرق العادات. كقول يونس بن عبد الأعلى: قلت للشافعي: أتدري يا أبا عبد الله ما كان يقول فيه صاحبنا؟ أراد الليث بن سعد وغيره، كان يقول: لو رأيته يمشي على الماء لا تثق به ولا تعبأ به ولا تكلمه. قال الشافعي: إنه والله ما قصر.
قال عاصم: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإن الإسلام لا تحرفوا الإسلام يميناً وشمالاً، وعليكم بسنة نبيكم التي كان عليها أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس البغضاء. فحدثت حفص بن سيرين، قال: يا أبا علي، أنت حدثت محمداً بهذا؟ قال: لا. قال: فحدثه إذاً.
وقال أبي بن كعب: عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله، ففاضت عيناه من خشية الله فيعذبه، وما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها، ولتحط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها. وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. هذا موطن الشاهد، أن تكون معتدلاً لكنك متبع للسبيل والسنة بدون اختراعات، خير من أن تكون مجتهداً وتتعب لكن بالبدع والأهواء المذمومة. فانظروا أن يكون عملكم -إن كان اجتهاداً أو اقتصاداً- أن يكون ذلك على منهاج أنبيائهم وسنتهم.
وكذلك قال عبد الله بن مسعود: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. وقيل لأبي بكر بن عياش: من السني؟ قال: الذي إذا ذُكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها. أي إذا ذُكرت أمامه لا يغضب، لا يدافع عنها؛ فإذا ذُم أمامه الروافض ما يزعل، إذا ذُم أمامه النواصب برضه ما يزعل، إذا ذكر أمامه المجسمة الحقيقية يزعل، وإذا ذُم أمامه المعطلة؛ لأن هو ليس على طريقة من هذه الأهواء، فهو لا يغضب لشيء منها لأنه على السنة.
هذا أصل عظيم من أصول سبيل الله وطريقته، وهو أن التعبد في وسائله أيضاً يقوم على الاتباع. وذلك أن كثيراً من أفعاله قد يكون مباحاً في شريعته ومكروهاً ومتنازعاً في إباحته وكراهته، وربما كان محرماً وتنازع في تحريمه، فتستحبه طائفة من الناس، يقرونه على أنه أحسن ومستحب ودين وطريق يتقربون به، حتى يعدون من يفعل ذلك أفضل ممن لا يفعله، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقتهم إلى الله أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله، ويكون ذلك خطأً وضللاً وابتداع دين لم يذمه الله.
مثال ذلك حلق الرأس في غير الحج والعمرة وغير عذر، إن الله قد ذكر في كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك، وذكر حلقه لعذره. حتى يفهم إخواننا أن الحلق المراد به الموس، اللي هو الحلق على الصفر بالموس، حتى ما يظن أنه الكلام عن حلق الرأس بالمفهوم العرفي عندنا أن الحلق ما فيه مشكلة، لكن الكلام عن حلق الرأس بالموس كان بعض الصوفية يعتبرونه طريقة من طرق التعبد، أنه اللي بده يسلك في طريق هذه الطائفة لازم يحلق شعره على الموس. فبيقول شيخ الإسلام: إنما تعبدنا الله بالحلق وين؟ في الحج والعمرة بس، يعني ما في عبادة حلق إلا في هذا المقام.
وذكر حلقه لعذر في قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]. وأما حلقه لغير ذلك فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعاً معروفاً. على قول عندنا روايتين في المذهب في قضية أنه هل يجوز حلق الرأس أصلاً مش تعبداً في الوضع الطبيعي بالموس، هناك من يقول مباح وهناك من يقول إنه مكروه أصلاً، الحلق بشكل عام أن تحلق شعرك على الموس بدون تعبد فيه خلاف ترى في مشروعيته.
ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يشرع ولا يستحب ولا هو من سبيل الله وطريقته، ولا من للمتعبدين للمسلمين، ولا مما أثنى الله به على أحد. ومع هذا فقد اتخذت طائفة من النساك الفقراء -اللي هم الصوفية- ديناً، حتى جعلوا شعاراً وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله المشير إلى الفقر والصوفية، حتى إن من لم يحلق ذلك يكون منقوصاً عندهم خارجاً عن طريقتهم، فضلاً محموداً عندهم، وإن فعل ذلك دخل في هذه طريقهم. وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك ديناً وشعاراً لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، بل جعله علامة على المروق من الدين، أقرب بالعكس، حلق الرأس على الصفر جعله علامة على المروق أقرب من جعله علامة على التقرب؛ لأنه أصلاً كان من سيم الخوارج في زمن الصحابة الكرام، من سيماهم التحليق كما جاء في الحديث.
وإن فعله صاحبه عادة لا عبادة، يحتج بأنه من سيم الخوارج المارقين الذين جاءت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذمه من غير وجه، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «سيماهم التحليق». إذا كان لأن العلماء الذين قالوا حلق الرأس على الموس في غير الحج والعمرة مكروه، استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله من سيم الخوارج، فلذلك كرهوه باعتباره من علامات أهل البدعة. فإذا كان هذا سيما مارقين في النص، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، كان هذا على بعده من شعار أهل الدين أو لا؟ من العكس، أولى من أنك تخليه من شعار أهل الدين يعني.
لهذا لما جاء صبيغ بن عسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله عما سأله متشابهاً ابتغاء الفتنة، ضربه ضرباً عظيماً، كشف رأسه فوجده ذا ضفيرتين، فقال: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك، يعني ضربت رأسك. تعرفوا أن عمر بن الخطاب كان صبيغ يثير أسئلة فيها فتنة، وعمر ضربه، ثم كشف عن رأسه بده يعرفوا من الخوارج ولا لا، فلا فوجدوا أن شعره عنده ضفيرتين، قال: ربنا رحمك أنك أنت يعني عندك شعر وضفيرتين، وإلا لو وجدتك محلوقاً لعرفت أنك من الخوارج فلكسرت رأسك.
لأنه لو وجده محلوقاً استدل بذلك على أنه خارجي مارق، وكان يقتله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ولا ريب أن الخوارج كان فيهم من الاجتهاد في العبادة والورع ما لم يكن في الصحابة كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما كان على غير وجه مشروع أفضى بهم في الدين اجتهاد في بدعة.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: اقتصاد في السنة خير من اجتهاد في بدعة. وقد تأول فيه علي بن أبي طالب الذي قاتل أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قتالهم من أعظم حسناته وغزواته التي يُمدح بها، يعني أعظم مناقب علي بن أبي طالب أنه قتل الخوارج، أعظم مناقبه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على قتالهم، وقال: «لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وقال: شوف هذه العبارة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن أدركت الخوارج لأقتلنهم قتل عاد»، يعني قتل إبادة. هو بيتكلم عن الناس بتلاقيه بيصلي زي صلاتك وأكثر، وبيجتهد زي اجتهادك وأكثر، ويقول: «لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»؛ لأنه هؤلاء الجماعة فسادهم في الدين عريض، لا تفسد الإسلام إلا بالخوارج من داخله، من حيث فساد المشاريع الإسلامية وأتعابها، كل فرقة عندها مشاكل لكن هي الفرقة فسادها أنها تمد أيديها على الدماء.
هل ممكن تقرر القاعدة أن المعاملة في الدنيا ليست على مجرد قبح القول في ذاته؟ نعم، بل على المنظومة الكلية التي يحملها صاحب هذا الفكر. قد يكون إنسان يقول قولاً كفرياً، نعم، لكن في حالة معينة تعامله باحترام وأدب وأخوية، وفي نفس الموقف يكون هناك شخص آخر لا يقول بهذا القول الكفري بل لا يقول قولاً كفرياً ولكن قد يقاتل على ذلك. هي خلينا نقول على حسب المفسدة التي تترتب من أقواله؛ هي مش لازم أنه بحسب ذات القول يكون التعامل، على حسب المفسدة التي ستنتج، في واحد مفسدته قد تكون فكرية ذهنية في النقاش، وقد تكون أسوأ من قول ذاك الرجل في حجم سوءها على تربية الأجيال، بس ذاك نقاش معه فكري، فليس -زي ما تفضلت- ليس ذات القول يستوجب عليه دائماً القتل، على حسب طريقة القول ماذا ينتج عنه من آثار يكون التعامل.
وقال: «أينما لقيتهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». في الصحيح عن علي أيضاً: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل»، خلص يعني بيقتلوا الخوارج، قاعد طول عمره بيشرب، مبسوط أن راح يدخل الجنة. وكانوا يتشددون في أمر الذنوب والمعاصي، حتى كفروا المسلمين وأوجبوا لهم الخلود في النار. إن كثيراً من النساك والعباد والزهاد قد يكون في شعبهم من الخوارج، وإن كان مخالفاً لهم في شعب أخرى، فلزوم زي معين من اللباس أو كان مباحاً أو كان مما يقال إنه مكروه بحيث يجعل ذلك ديناً ومستحباً وشعاراً لأهل الدين، هو من البدعة.
أيضًا فكما أنه لا حرام إلا ما حرّمه الله، فلا دين إلا ما شرع الله. الوجه الثاني: أن قولهم إن هذا السماع يحصّل محبوب الله، وما حصّل محبوبه فهو محبوب له، قول باطل. لا خلينا بس حتى نضبط أمورنا، الآن كان الوجه الأول ما هو؟ نحن الآن بنرد على صفحة 248 قضية أن السماع وسيلة للتعبد، وأراد ابن تيمية أن يبين أنه ليس لك أن تضع وسيلة للتعبد إلا بشرع، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة. ثانيًا قال: الوجه الثاني أن قولهم إن هذا السماع يحصّل محبوب الله، وما حصّل محبوبه فهو محبوب له، قول باطل. وكثير من هؤلاء وأكثرهم حصل له الضلال والغواية من هذه الجهة، مش حصل لهم محبوب الله، بالعكس حصل له الضلال والغواية من هذه الجهة.
نعم، قال: فظنوا أن السماع يثير محبة الله، ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلب، وبكمالها يكمل، وهي فيما يذكر أبو طالب وغيره نهاية المقامات. وربما قال بعضهم -أبو طالب المكي صاحب كتاب قوت القلوب-: هي المقام التي يرتقي مقدمة العامة وساقة الخاصة. الذي يلتقي، مش يرتقي، يعني أن أحسن ناس في العوام مع أضعف ناس من الخواص يلتقون في هذه النقطة تمامًا؛ يعني بتعرف أنت الصوفية يقسمون خاصة وعامة، الخاصة هم الأولياء وكذا، والعامة هم عوام الناس، فأحسن الناس في العوام مع أقل الناس في الخواص وين نقطة التقائهم؟ في هذه النقطة.
ويقول من يقول منهم إن السماع هو من توابع المحبة، وأنهم إنما فعلوه لما يحركه في محبة الله سبحانه وتعالى. إذاً السماع يحرك من كل قلب ما فيه، فمن كان في قلبه حب الله ورسوله حرك سماعه هذا الحب وما يتبع الحب من الوجد والحلاوة وغير ذلك، كما يثير من قلوب أخرى محبة العشاق والصلبان وإخوان الخلان والأوطان والعشراء والردان والنسوان. ولهذا يذكر عن طائفة من أعيانهم سماع القصائد في باب المحبة كما فعل أبو طالب، يقال إنما يهيج هذا السماع المبتدع ونحوه من الحب وحركة القلب ليس هو الذي يحب الله ورسوله. فيقال: كيف نرد على الصوفية يقول إنما يهيجه هذا السماع المبتدع من الحب والحركة ليس هو الحب والحركة الذي يحبه الله ورسوله؟
نعم، قال: بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى ما يبغضه أكثر من اشتماله على ما يحبه، وما يبغضه وحده عما يحبه الله ونهي عن ذلك أعظم من تحريكه لك لما يحبه الله. نعم، قال: وإن كان يثير حبًا وحركة ويظن أن ذلك يحبه الله، وأنه مما يحبه الله، لأنه كما قلنا الآن الإنشاد -ما يسمى الإنشاد الإسلامي- أنت كمان بتسمع نشيدة بتفكر أنها عم بتقودك للجهاد أو بتقودك للحماس، وهي فعليًا شوي شوي عم تأكل من إيمانك، عم بتصدك عن تدبر القرآن، عم تحرمك من قدرتك على الانتفاع والانسجام مع الكلام النافع، لأن خلاص عبئ الوعاء بما لا يصلح له. طيب، قال: فإن ذلك وأنت تظن أنك تحسن عن هذه المشكلة، نعم، قال: فإن ذلك من باب اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى.
ومما يبين ذلك أن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه محبته، وذكر موجباتها وعلاماتها، وهذا السماع يوجب مضادًا لذلك منافيًا له، وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. هذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله: إخلاص دينهم، ومتابعة رسوله، وجهاد في سبيله.
فإنه أخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، فالمؤمنون أشد حبًا لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله. فمن أحب شيئًا غير الله كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين، ومحبة رسوله من محبته. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث متفق عليه في الصحيحين: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». وفي صحيح البخاري أن عمر قال له: يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال: «لَا يَا عُمَرُ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فقال: أنت أحب إليّ من نفسي. قال: «فَأَنْتَ الْآنَ يَا عُمَرُ».
قال في الصحيحين إنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»، وفي لفظ: «لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ بِثَلَاثِ خِصَالٍ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].
وبيّن أنه إن كان الأهل والمال أحب إليهم من الله ورسوله والجهاد في سبيله، فليتربصوا حتى يأتي الله بأمره. فلم يرضَ منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله -الذي هو تمام حبه وحب رسوله- أحب إليه من الأهل والمال. فهذا يقتضي أن يكون حبه لله ورسوله مقدمًا على كل محبة، ليس عندهم شيء يحبونه كحب الله بخلاف المشركين.
قال: ويقتضي الأصل الثاني وهو أن يكون الجهاد في سبيله أحب إليه من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]. فهذه المحبة الصادقة، ويريد أن يقول لكم أهل جهاد في سبيل الله وقتال وتقديم محبوبات الله، وليسوا أهل الغناء والضرب والدف.
آه شيخنا، هذا المشهد الثاني الذي ذكره صراحة مش كثير فاهمينه، يعني أحس جميع الآيات التي ذكرها يعني كان نفس الأرض الكلام، أي كلام؟ يعني مثلا قال إن قولهم إن هذا السماع يحصل محبوب الله، ومن حصّل محبوبه فهو محبوب له، الآن فهو محبوب له يمكن مثلاً نتناقش معهم فيها، بس اللي قبل أن هذا السماع يحصل محبوب الله، ومن حصّل محبوبه يعني خلينا نقول يعني مثلاً يكون مباحًا، وما حصل العمل يعني وين الإشكال فيها يا شيخ؟ أن هذا السماع يحصّل محبوب الله، وما حصّل محبوب الله فهو محبوب لله، هيك بده يجي يقول لك، يعني هو يناقش فكرة أنه ما أظن أنه مناقشة بس يعني أن فكرة أنه هو صار الشيء مستحب.
لا، هو يناقش هذه المسألة أنه هو إيش بقول لك من البداية؟ وهذا قول باطل، وكثير من هؤلاء بالعكس هي الأناشيد لم تحصل لهم محبوبات الله. ويريد أن يقول لك أنا أمنع هذه المقدمة أن الإنشاد هو يحصل محبوبات الله، وكيف استقرأ نصوص الكتاب والسنة فوصل أن الذي يوصل محبوبات الله ثلاثة أشياء، قال قبل قليل الذي يحصل محبوبات الله ثلاثة أصول، ما هي؟ إخلاص الدين، ومتابعة النبي، بدايات: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، والجهاد في سبيل الله. أنت إذا استقرأت القرآن يقول لك الذي يحصل محبوبات الله هي هذه الأمور.
طيب، هل يحصّل محبوبات الله بطريقة غير الطريقة التي يذكرها الله؟ وهي هي النقطة، هل رجعنا هل الغاية تبرر الوسيلة؟ ما هو، هل الله عز وجل لما ذكر هذا كان على سبيل الحصر؟ يعني يمكن مثلاً ما هذه النقيشة، ما هي النقطة التي ناقشناها في الوجه الأول؟ هل لك أن تخترع طريقة لم يأت بها الإسلام لتحصل محبوبات الله؟ هون هذه النقاط، هل رجعنا هل الغاية تبرر الوسيلة أن اخترع أي وسيلة لأحصل محبوبات الله أم حتى الوصول إلى الله يكون بما شرعه الله؟ لكن هل ما شرعه الله عز وجل كان على سبيل الحصر؟
أقول لك: إذا أنت قلت ما شرعه الله، أكيد على سبيل الحصر، كيف يكون ما شرعه الله، وبعدين تريد وسيلة للوصول إلى الله غير ما شرعه الله؟ يعني مثلاً على فهمي يا شيخ، والله أنشودة جميلة كذا، شيء والله أنا سمعتها حثتني على عبادة أو زادت إيمانيات، وهذه مشكلة، فوين الإشكال؟ لا، هذه أنا عشان أنك جئت متأخرًا عن الدرس، احضر المقدمة، أنا في المقدمة برشتهم هؤلاء الجماعة التي هي فكرة أن تكون طريقتي في أحث نفسي على الإيمانيات والروحانيات من خلال الإنشاد، هذا أكبر جريمة إذا ما أصبح منهجًا دائمًا. لأنه بقدر اشتغالك في هذا الذي يحفزك على الطاعة، بقدر ما سينقص من قدرة تأثرك بالقرآن. لأننا في واقعنا المعاصر ليش أكثر الشباب والنساء حتى البيئات الملتزمة وطلاب العلم هو ضعيف التأثر بالقرآن، ضعيف التدبر للقرآن؟ لأنه أصبحت طريقته في استثارة المشاعر الإيمانية أن يشوف له أنشودة جهادية، وأنشودة حماسية، وأنشودة كذا، وهذه كارثة. لأنه لا تستجلب الأمور الصحيحة النافعة إلا بما وضعه الله وشرعه، فهو الكمال والصواب والصلاح.
احنا قلنا لو أنه هكذا عرضًا أنت طالع بسيارة شغلت لك أنشودة، ما في مشكلة، لو أنت تليفونك كذا، أو واحد سمعك، أو في عرسك ما في مشكلة، شيء عرضي. أما أن يتخذ هذا منهج وأسلوب متكرر يُدعى إليه الشباب ويُحفزوا عليه، فهذا خطأ، ولا يمكن أن يقاوم التعبد، وهذا الذي أصلًا جاب لنا المشاكل مع كل الفرق والجماعات، مع كل الفرق والجماعات؛ اعتماد الإنشاد وسيلة لزرع قضايا الإيمان أو التضحية للأمة أو ما شابه ذلك، صنع وهم، وهم الانتصار، وهم الجماعات، في الشيء؛ اسمع المقدمة لما تعود إن شاء الله.
قال بذلك شيخ أسامة، تلتقي في هكذا في مدارج السالكين، السال من الأصل، بس نقطة كذلك ممكن ترفع إيمان شخص معين، لكن هي بالأصل هي في هذه، هي مفترضة دائمًا أنه والله ترفع إيمان أو كذا، هي وسيلة، لا، ما دامت ما شرع كذا، ومع الواقع أن كثير من الناس لا تسبب لهم ضلال وغواية، يعني ليست سببًا مباشرًا، لا، قصدي ليست سببًا مطردًا مستمرًا، قد ترفع الإيمان في لحظة معينة، لكن أنا أعود وأقول حتى لما ترفع إيمانك في لحظة معينة حصل منها فساد من جهة أخرى، أنا هذا الذي أبدأ بركز عليه.
يعني أنت ماشي ممكن أنها دفعتك أن أكون في مقامات الرباط والثبات، لكنك إذا أنت استمريت عليه حصلت فساد بعدك عن القرآن. هي إذا أُخذت كالملح على الطعام جميلة وتعطي دافعية، بدلالة أن الصحابة استعملوها أثناء، يعني هي إذا كانت كالملح على الطعام مفيدة وجميلة، لكن كلامنا إذا استُعملت منهجًا لتحفيز الإنسان، حتى لو حفّز هذا الإنسان وصار يتعبد بسبب الأناشيد، بس أنا بعرف أنه حصل له من فساد القلب بسببها من جهة أخرى الشيء الكبير؛ زي كثير من الشباب الذين دخلوا في أتون الجماعات الجهادية ولا غيرهم، أنه هو ماشي بجوز أثارت في فكره معينة، بس في المقابل عملت له مئة فساد نفسي وقلبي وروحاني ووجداني وغلو في جوانب كثيرة، فهمت شو الفكرة؟ هي قد تعطي لمحة إيمانية، قد تعمل لك إضاءة في جانب، بس ماذا ستحصل هي نفسها في جوانب أخرى؟ غلو، أقدام غير مفهوم، ضياع للأمة، حماسات غير مبررة، هذه كلها نتيجة إيش؟ وهم الأنشودة الذي هو عم بيستحضرها، يا أخي ماشي أشعلت فيك شغلة، بس دمرت فيك عدة أشياء؛ دمرت فيك اهتمامك بطلب العلم النافع، وسماعك للعلماء، ورغبتك في الانضباط الشرعي وما شابه ذلك، أنت كل ما تحط النشيدة بتفصل، كل ما تحط النشيدة بتنسى كل كلام العلماء والهدوء وكذا وطلب العلم، وبتروح على فكرة إيش؟ لا، إسلام وكذا وإقامة الأذى.
طب يا شيخ الحياة ليست بهذا الوهم التي بتعيشك إياه. شوف، أنا أقول والله أعلم أن الإنشاد مشكلته لو أثار قضية إيمانية، لكنه في المقابل يهدم كثير من القضايا في مقابلها، لذلك لن يُعبد الله بأفضل مما شرع، لأنه ما شرعه يعطيك الهداية والنور والشفاء، ويثيرك بشكل منضبط، ويعطيك العلم النافع، فيجب أن يوجه الشباب نحو هذه القضايا، ولا يوجهوا نحو العلاجات غير النافعة. نعم، آه شيخ عبد الرحمن بالنسبة لهذا.
هذه الوسيلة بنفس القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام، أنه مثلاً الغاية لا تكون في الوسيلة، هذا على إطلاقه شوي رح يقيد كثيراً من الأمور. يعني الآن ماشي أنا ممكن مسألة نفس الغناء إثارته للإيمان، ولا هي الأمور فيها إشكال لأنه يتعارض مع كلام الله سبحانه وتعالى.
كأصل للقاعدة: هل كل وسيلة لم يأتِ الشرع بها نقول لا هذه مشروعة؟ ما هو ما معنى الوسيلة؟ خلينا نحرر هذه النقطة. الوسيلة يقصد بها وسيلة التعبد، أن تأتي بطريقة تعبد وتعتمدها كالحب كالإنشاد، تقول هذه تضاهي القرآن أو السنة في الوصول إلى الله؛ هذا معنى الوسيلة.
مش الآليات، وهذا يصير فيه خلط بين المعاصرين، أحياناً ممكن تكون أنت دروس فقهية فرضا أو دروس علمية، هذا مثلاً بيستخدم الباوربوينت، هذا بيستعمل الداتا شو، هذا بيستعمل طرقاً جديدة في الذكاء الاصطناعي، هذا ما في مشكلة، هي سأسميها آليات، أي آليات في أداء وسيلة مشروعة.
حتى لما ذكر شيخ الإسلام وسائل لتحقيق محبة الله، تحقيق محبة الله غاية، بالضبط، وهذه تتحقق من خلال العبادات والعبادات لا بد أن تكون مشروعة، هذا تمام. لكن الآن أحياناً أنا ممكن إنشاد أو غيره ما أستعمله للتحقيق، محبة الله تتحقق من خلال العبادة، العبادة لا بد أن تكون توقيفية.
نعم، لكن نفس الوسيلة هذه حتى ممكن أحقق فيها عبادة، مثل هي أنا أحس ممكن هذا يكون ملحظاً شوي دقيقاً في مسألة الإنشاد، أنه أنا ممكن إذا الإنشاد فقط بدي إياه لمحبة الله والإيمانيات عموماً أشعر أنه هذا سيقوم مقام كلام الله.
لكن أنا ممكن أستخدم الأنشودة للتشجيع على عبادة جميل، مش لتحقيق المحبة هو، على الطيران، زي إثارته لتشجيع مثلاً على الجهاد، إثارته مثلاً لبعض قيام الليل، أسمع بتشجعني بتثيرني أني أروح أقيم الليل، هنا أتخيل الموضوع يختلف عن أنه يكون الإنشاد أو الغناء يحقق أصل محبة الله، وهون صار كأنه قام مقام عبادة.
كيف القرآن عبادة تحقق محبة الله، فأصبح الغناء عبادة تحقق محبة الله، هون فيه إشكال أن أصبحت مقام عبادة. أما إذا كانت فقط مجرد إثارة لعبادة وهذه العبادة أصلها مشروعة، فبتخيل طيب.
هذا الكلام جيد، هذا مناقشته قضية أن يكون هو إثارة لعبادة، بعوز أقول هو كالملح للطعام، يعني خطأ يكون دأبه ما يثير لطلب العلم. هو دائماً الإنشاد بده يوصل لمرحلة من المرونة النفسية أن أستطيع أن ألاحظ فضل العلم من الكتاب والسنة، وأن يكون عندي ما يثيرني لهذا الموضوع من نفسه ومن قضايا إيمانية صحيحة.
الآن إذا جاءت النشيدة عرضاً كالملح للطعام، والله ذكرتني بأيام الطلب، ذكرتني بكذا، ممكن، بس أن تصبح منهجاً! هو شيخ الإسلام عم بيناقش قضية الاضطراد فيها، أن تصبح وسيلة متكررة مستمرة حتى لإثارتي لعبادة، يمكن نقاش بفاعلية هذه الوسيلة.
نعم هذا هو، أنه هل مثلاً أنا كوسيلة استخدمتها لإثارة طلب العلم أو لهكذا، هل هي كيف فعلاً تكون وسيلة مؤثرة؟ إذا كانت كالملح على الطعام، إذا صار فيه زيادة لن تحقق المقصود، بالعكس رح تيجي بنتيجة سلبية، أصبح النقاش في مدى فاعلية هذه الوسيلة مش في أصل هل هذه الوسيلة مشروعة ولا لا.
حتى أنا بتخيل لما بدنا ننزل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الكلام على الغناء الصوفي، غناء الصوفي تشعر أن الغاية منه هو إثارة أصل الإيمان وأصل المحبة، مش مجرد التشجيع على عبادات معينة.
إذا اعتبرنا هذا، رح نغلق كثيراً من الأبواب، ليش؟ يعني أنا إلى الآن، بس خلينا حتى يكون الإخوة بيسمعونا على هذا، نحن بنقول نشيدة كالملح للطعام ما عندنا مشكلة فيها، وقلنا يفعل ذلك، بس ما هو أنت، بس ما هي حتى كلمة وسيلة كالملح للطعام، أنا بيهمني هذا أن هي أن تصبح شيئاً مضطرداً للاستثارة في قضايا الإيمان، لا هو خطأ هذا.
أن يصبح هذا وسيلة مضطردة للإثارة في قضايا الإيمان، سواء الإثارة لأصل محبوبات الله أو حتى التنشيط، يعني واحد ما بيصلي، لازم تحط له نشيدة كل ما بده يصلي؟ أنا يا شيخ أنا وهي وسيلة بس أنا ما بصلي!
إذا هي ما عادت وسيلة نافعة، فانا أقصد إذا أغلقنا هذا الباب وين ممكن هذا يضر في أبواب أخرى؟ يعني مثلاً على ضوء في القيام، نعم أروح أطفي، نعم حلو، أو أنا مثلاً السماعات تكون مثلاً صوتيات كذا، هي الآن وسيلة بتخليني أنا كثير في الخشوع في الصلاة، هل هذا مشروع؟ مشروع مثلاً.
ماشي، بس بدنا نركز هون على الفرق، هنا نحن نتكلم شيخ في مسألة السماع أن أصبح السماع هو المثير، السماع هو المثير. لكن أنت تتكلم في مسألة لا، أنا رايح أصلي، وأنا أصلاً جاي أصلي، جاي أصلي الآن كأشياء حولي، لا كأشياء حولي عفواً، إنارة الضوء، مش إنارة الضوء، أنا هذا الضوء يزعجني ما يزعجني، هي مش هي المثيرة للعبادة، هي يعني أنت مش أنك رح ما رح تقوم الليل أو ما رح يستفزك لقيام الليل إلا إطفاء الضوء، لا، أنت أصلاً رايح تقوم الليل في الوضع الطبيعي، بس أنا بالنسبة لي حتى أحصل خشوع في هذا الموضوع، في هناك نوع من الأمور بتعمل لي انزعاج، بتعمل لي نوع من القلق، فالعبادة حاصلة حاصلة، لكنني اخترت المكان الأنسب لأدائها الظروف الأفضل.
إحنا كلامنا في أشياء تعتبر أصبحت وسيلة مضطردة لتقريب محبوبات الله، هي التي تفعلها. أما الشكليات برجع للآليات، بسميها في مكان معين، أنا والله بحب أصلي في مكان معين، أو والله في مسجد معين، هذه أنا أعتقد أنها آليات، وليست هي الوسائل اللي بناقش، مش وسائل هي آليات.
شيخنا فيه كمان قضية على كلام الشيخ أبو رقية، الشيخ ممكن ينظر في أنه هل هذا الأمر له أصل في الدين؟ موضوع الأضواء وكذا، ممكن يسأل عليه بحديث أبي جهم لما الخميصة التي لها أعلام، أبعاد المشتتات، هو أمر له أصل في الشريعة، فقد يكون هذا أيضاً النقاش، أنه كملاحظة بعض الوسائل لها أصول في الشريعة، هذا ليس له أصل.
أمر ما، ماذا القرآن مثلاً؟ الوسائل مثلاً زي بعض الوسائل ما تزاحم شيء ما، ليس مفسدة. وهذا هو بده يحكيه هو أبو رقية، بده يركز على هذه القضية، مش بأصل كقاعدة أننا هون بيصير الكلام في نفس هذه الوسيلة، فيها إشكال في نفسها، وسيلة الغناء فيها إشكال أنها بتعمل نفس من جوانب، بس إذا كانت الوسيلة ما بتعمل مشكلة، شو بدنا نحكي هون؟
ممكن تكون ما جاءت في أو مش مشروعة في أصل، نعم، لكنها مثلاً تثير لعبادة معينة وكذا، هل نغلق هذا الباب تماماً؟ الأصل نعم. أنا في اعتقادي أن الأصل إغلاق هذا الباب.
زي المسبحة، المسبحة لا أنت كل هذا له أصول، لا برجع أقول أنا أعتقد أنه وسيلة جديدة ليس لها أصل مشكلة، لكن كل ما ستقوله سواء من المسبحة أو هذا، ستجد أن هناك من نصوص الكتاب والسنة أو أحداث السيرة أو مواقف النبي عليه الصلاة والسلام ما يشير إلى أصل فكرته.
بيصير لأنه هذه المواقف مثل الأشعار وكذا، بقول لك هي له أصل، اه أصل، اه أصل، اه، مو هذه الفكرة، أصل! ما هو الملح للطعام، ما هي برجع بنقول أنت استدللت بها، نحن ما عندنا مشكلة أن تستدل بها على المشروعية، ما عندنا مشكلة أن تقول والله في لحظة غناء أو في لحظة كذا، أو الشباب رايحين على معركة أو شيء واحد حكى له شغلة، نحن مع تقريرها على حجمها الطبيعي.
أما تحويلها لوسيلة مضطردة، وأسلوب ونمط من أنماط التعبد، لا، هذا ليس له أصل في الشريعة، فلذلك حتى الوسائل أكيد في واقعك المعاصر ظروف الحياة بتختلف عن الواقع القديم، لكن حتى الوسائل يجب أن يلتزم بها بضوابط الشريعة، يعني لا يجوز إحداث وسيلة ليس لها أصل في التعبد واعتبار أن المهم الغاية.
لا، لازم نحافظ أنه حتى الوسائل، مش قضية أنه لا هي تسبب مفسدة ولا لا، لا، هذا نوع من التشريع، هذا ما يقول ابن تيمية، هو نوع من التشريع يجب أن ينتهى عنه. أما أنه يكون لها أصل في الشريعة ما عندنا مشكلة إذا نستعملها، ما دام نبهت الشريعة على وسيلتها، وأنك تنظمها وترتبها على ما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ما عندنا مشكلة.
فلذلك كان ابن تيمية يقول خلي الإنشاد وفق ما نبهت عليه الشريعة، مواقف عارضة، هكذا حوادث، لا يجمعها أصل مطرد، ما عندنا مشكلة. أما أن تصبح عادة وأسلوب ونمط كما وقع في واقعنا المعاصر وكما وقع في كلام الصوفية، هذا هو الخطر، أنا هكذا أفهمها.
كانت الأصل في الشريعة، زاد عن هذا الأصل في الشريعة، زاد عن القدر الموجود في الشريعة، هذا ممكن يدخل قضية مضاهاة التشريع، اللي هي المضاهاة التي ذكرها الشاطبي في الاعتصام، ما لها أصل في الشريعة.
لكن ما كان أصلاً متاحاً، والله مثل الميكروفون؟ ما إحنا هذه ذكرناها قضية زي المصالح المرسلة، إذا لم تنتج بسبب ضعف دين الناس، أنه حتى الغزالي لما شرع جواز السماع هو مقر أن القرآن أفضل، لكن على ماذا اعتمد؟ على ضعف حال الناس والفتور الذي وقع في القرون المتأخرة، فأصبح الناس يحتاجون إلى إحداث وسائل تنشطهم.
هو نفس الشيء الآن الذي يعمل المولد النبوي والموالد، شو بقول لك؟ بقول لك يا أخي الصحابة كانوا في قمة حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فنحن نحدث وسائل جديدة لتفعيل المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام، فبنعمل عيد مولد نبوي، هي اللي اعترض عليها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم لما قال: إذا كان إحداث الوسائل أو الإحداث لشيء بسبب ضعف دين الناس، قال فهذا الإحداث غير مقبول، لا تقل لي أنا والله ضعف دين الناس بدي أحدث لهم وسائل جديدة، بل الأصل أن تعالج ضعف الناس بالوسائل الصحيحة بدون إحداث وسائل جديدة تحت شعار والله ضعف دين الناس. تمام، والنقاش يطول في هذه القضية.
نعم، قال وبذلك وصف أهل المحبة في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. وأخبر سبحانه بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيله، وأنهم لا يخافون لومة لائم، فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك.
وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، والله يحبهم وهم يحبونه. ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحب الله ورسوله، ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون عليه ويسمون بالملامتية.
الملامتية فكرة هؤلاء الطائفة الصوفية، اسمهم الملامتية، هؤلاء مشان يحافظوا على إخلاصهم، يظهرون المعاصي والذنوب عشان الناس تذمهم وتلومهم ويبطنون محبة الله، هيك بيحكوا، يعني أننا لازم نحافظ على إخلاصنا، المحافظة على الإخلاص أن نعمل حالنا مشاع، نعمل حالنا سيئين في الظاهر، مش حتى يكون نحن بباطنا مخلصين لله سبحانه وتعالى.
فيفعلون ما يلامون عليه حفاظاً على الإخلاص، وهل هذه طريقة صحيحة؟ شوف، يعني خلص صارت وسيلة في التعبد عندهم، وهذا من التشريع، هذه لا تكون وسيلة بهذه الطريقة.
نعم، قال ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليهم من المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم، وهم في ذلك إنما يباينون الأنفس.
نعم، قال إن ذلك المكر الذي يكره الله ورسوله لا يكون فعلهم مما يحب الله ورسوله، ولا يكون الصدق والإخلاص فيحب الله ورسوله والناس يلامون عليه، وسلام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلم يحب الله ورسوله ولائمون عليه كثير.
إذ كثير الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، هم أما مخذلون مفترون للهمة والإرادة فيه، وأما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18]. وقال تعالى: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60].
وأما الأصل الثالث هو متابعة السنة والشريعة النبوية، قال الله تعالى، الأصل هو الأصل الأول ايش هو؟ في ثلاثة أصول: إخلاص الدين، ومتابعة الرسول، والجهاد. فتكلم عن الإخلاص وتكلم عن الجهاد، بعدين رجع للمتابعة.
نعم، قال وأما الأصل الثالث وهو متابعة السنة والشريعة النبوية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. قال طائفة من السلف: ادعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأنزل هذه الآية، فجعل حب العبد لربه موجباً ومقتضياً لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجباً ومقتضياً لمحبة الرب عبده، فأهل اتباع الرسول يحبهم الله، ولا يكون حباً لله إلا من يكون منهم.
وإذا عرفت هذه الأصول، فعامة أهل السماع المحدث مقصرون في هذه الأصول الثلاثة، هم في ذلك متفاوتون تفاوتاً كثيراً بحسب قوة اعتياضهم بالسماع المحدث عن السماع المشروع وما يتبع ذلك، حتى الأمر بآخره إلى الانسلاخ من الإيمان بكلية، ونصيره منافقاً محضاً أو كافراً صرفاً، وأما عامتهم.
هم الذين فيهم حب الله ورسوله، وما يتبع ذلك فهم فيه مقصرون، تجد فيه من التفريط بالجهاد في سبيل الله وما يدخل فيه من أمر معروف أو نهي عن منكر، والتفريط في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعته وسنته وأمر الله عز وجل أمراً عظيماً جداً. كذلك في أمر الإخلاص لله تجد فيه من الشرك الخفي أو الجلي أموراً كثيرة، ولهذا كان هذا السماع، سماع المكاء، وتصديته، إنما هو في الأصل سماع المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].
وفيهم من اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ما ضاهوا به النصارى في كثير من ذلك، حتى إن منهم من يعبد بعض البشر، ويعبد قبورهم، فيدعوهم، ويستغيث بهم، ويتوكل عليهم، ويخافهم، ويرجوهم، إلى غير ذلك مما هو من حقوق الله وحده لا شريك له. يطيعون سادتهم وكبراءهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ويقول بعضهم باتحاد الله أو حلوله فيهم، شبيه ما قالته النصارى في المسيح عليه الصلاة والسلام. ولهذا يكون كثير من سماعهم الذي يحرك وجدهم ومحبتهم إنما يحرك وجدهم ومحبتهم لغير الله، كالذين اتخذوا أنداداً يحبونهم كحب الله، أما الشريعة وما أمر الله به ونهى عنه وأحله وحرّمه فهم من مخالفة ذلك، بل من الاستخفاف بمن يتمسك به ما الله به عليم، حتى سقط من قلوبهم تعظيم كثير من أمر الله وتحريم كثير من حرماته.
هم مخالفون للشريعة، وهذا ما يريدونه؛ فهم لم يتبعوا الشريعة. فذكر مخالفتهم للإخلاص وللجهاد، والآن يذكر مخالفتهم للشريعة وتفاصيلها: فكثير ما يضيعون فرائضه، ويستحلون محارمه، ويتعدون حدوده تارة اعتقاداً وتارة عملاً. وأكثر من خيارهم الذين هم مؤمنون يقعون في كثير من فروع ذلك، وإن كانوا مستمسكين بأصول الإسلام، وأما غير هؤلاء فيصرحون بترك فرائض كالصلاة الخمس وغيرها، ويحلون الخبائث من الخمر والفواحش أو الظلم؛ أولئك صوفية أهل الإباحة.
وغير ذلك لهم تزول عن قلوبهم محبة الله لكثير مما يحب الله ورسوله، كالمحبة التامة التي هي كمال الإيمان، بل لا بد أن ينقص في قلوبهم حب ما أحب الله ورسوله، فيبقى للقرآن والصلاة ونحو ذلك في القلب من المحبة والحلاوة والطيب وقرة العين ما هو معروف لأهل كمال الإيمان، بل قد يكرهون بعض ذلك ويستثقلونه، كما هو من نعت المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ﴾ [النساء: 142]. وقد يهجرون القرآن الذي ما تقرب العباد إلى الله بحب إليه منه، بل قد يستثقلون سماعه وقراءته لما اعتادوا عنه من السماع. وقد يقومون ببعض هذه العبادات الشرعية صوراً ورسماً كما يفعل المنافقون، لا محبة ولا حقيقة، حتى إنك لا تشعر أنك تحب القرآن، قد يبصر الرجل يقرأ القرآن في رمضان وفي غير رمضان، محافظاً على ورده عموماً، لكن يؤديها صورة ورسماً فقط ظاهراً، لكن في الباطن تعال انظر مستوى تدبره للقرآن واستهداؤه بالقرآن، منحدر جداً.
أما الجهاد في سبيل الله، فغالب عليهم أنهم أبعدوا عنه من غيرهم، حتى نجد في عموم المؤمنين من حب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحبة والتعظيم لأمر الله والغضب لمحارم الله وقوة المحبة المائلة إليه، وقوة البغض والعداوة لله ما لا يوجد فيهم، بل يوجد فيهم ضد ذلك. حتى لو نظرت في واقعنا المعاصر، كثير -وليس كل، بل كثير- من الجماعات الصوفية هم أكثر الناس موالاة لأعداء الأمة، وأكثر الناس انبطاحاً وتبعية ووقوفاً مع الظالمين والمستبدين في كل مناطق الصراع، هم أهل السماع هؤلاء. ومعلوم أن أهل الإيمان والصلاح منهم لا يفقدون هذا بالكلية، لكن هذا السماع المحدث هو تبعة ومسبب ومظنة لضد الجهاد في سبيل الله، حتى إن كثيراً منهم يعدون ذلك نقصاً في طريق الله وعيباً ومنافي سلوك الكامل إلى الله.
ومن السبب الذي أضل به هؤلاء وغووا، ما وجدوه في كثير ممن ينتسب إلى الشريعة من داعين للجهاد من ضعف حقيقة الإيمان وسوء النيات والمقاصد وبعدهم عن النيات الخالصة لله وصلاح قلوبهم وسرائرهم، وعن أن يقصدوا بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله؛ كما وجدوه في كثير ممن يذم السماع المحدث من قسوة القلب والبعد عن مكارم الأخلاق وذوق حقيقة الإيمان.
فهذا التفريط في حقوق الله والعدوان على حدوده الذي وجد في هؤلاء وأمثالهم ممن لا يتدين بسماع محدث، بل يتدين ببعض هذه الأمور، صار شبهة لأولئك أهل السماع. كما أن التفريط والعدوان الموجود في أهل السماع المحدث صار شبهة لأولئك في ترك كثير مما عليه كثير منهم من تحقيق الإيمان وطاعة الرسول. فهذا تفرق هؤلاء في الدين، وصارت كل طائفة مبتدعة لدين لم يشرعه الله، ومنكرة لما مع الطائفة الأخرى من دين الله، وصار فيهم شبه الأمم قبلهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 14].
وأما كون الشعر في نفسه لا يستمع إليه إلا إذا كان من المباح أو المستحب، والشعر المقول في سماع المكاء والتصدية كثير منه أو أكثره ليس كذلك، هذا مقام آخر نبينه إن شاء الله، فصار احتجاجهم بما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر على سماع الغناء مردوداً بهذه الوجوه الثلاثة.
قال أبو القاسم: وقد سمع الأكابر الأبيات بالألحان، فمن قال بإباحته مالك بن أنس، وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء، فأما الحداء فإجماع منهم على إباحته. هذا النقل يتضمن غلطاً بإثبات باطل وترك حق، وقد تبع فيها أبا عبد الرحمن على ما ذكره في مسألة السماع. وذلك أن المعروف عند أئمة السلف من أصحاب التابعين، مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم عن أئمة التابعين، ذم الغناء ومكرهته، وكذلك من بعده من أئمة الإسلام، حتى ذكر زكريا بن يحيى الساجي في الكتاب الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافهم، وذكر أنهم متفقون على كراهته إلا رجلين: إبراهيم بن سعد من أهل المدينة، وعبيد الله بن حسن العنبري من أهل البصرة.
وأما نقل إباحته عن مالك وأهل الحجاز كلهم فهذا غلط من أصله، فإن أئمة أهل الحجاز على كراهته وذمه، ومالك نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمه وكراهته، بل هو من المبالغين في ذلك حتى صنف أصحابه كتباً مفردة في ذم الغناء والسماع. وحتى سأله إسحاق بن عيسى الطباع عما يتلخص في أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله عند الفساق. فمالك قال عن الغناء: إنما يفعله عند الفساق؛ فإنه كما قلت المدينة خرج عليها سمع أن بعض فقهائها عنده غناء ويحب الغناء زي اللي هم جيشون هؤلاء، فقال: إنما يفعله الفساق. مالك قال: أوعك تغتر يعني أن بعض الفقهاء عندنا يفعلونه. وقد ذكر محمد بن طاهر في السماع حكاية عن مالك أنه ضرب بطبل وأنشد أبياتاً، هذه حكاية مما لا تتباعد معرفتها في أنها كذب على مالك.
يقول: صار مالك أيضاً يطبل، انه ضرب بطبل، قال: هذه حكاية مكذوبة على مالك. أنت مش كل شيء تقرأه تصدقه. نعم، قال: وكذلك الشافعي، لم يختلف قوله في كراهته. وقال في كتاب معروف بأدب القضاة: الغناء مكروه يشبه الباطل. الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. شايف؟ يعني المنشد سفيه ترد شهادته! المنشد نحن اليوم يطلعوا لك إياه مثقف وصحفي وكذا وتأخذ منه آراء السياسة. قال: من استكثر منه، هو الكلام ما استكثر منه هذا حاجة، قال: فهو سفيه ترد شهادته. هم ما بيتكلموا عن الغناء اللي فيه حرام، ركز، يتكلم عن الغناء العادي، غناء أهل المدينة، شو أهل المدينة أيام مالك كان يغنوا، أو أيام الشافعي يعني؟ ما بيتكلم عن كأنه واحد بيحب واحدة، لا الغناء العادي في الأوطان والأديان، ولا هذا من استكثر منه سفيه ترد شهادته، هكذا رأي العلماء الأقدمين.
طبعاً أنت اليوم لا تأخذها تسقطها على الواقع المعاصر لأن الدنيا دخلت في بعضها اليوم، الناس أصبحت لها مشاربها، لكني بس بدي إياك تفهم شو نظرة الأقدمين للإنشاد المستمر، يعني الذي يمارسه كمهنة ويستكثر منها، مش اللي أنشدها مرة وكذا. نعم، قال: وركز وبيتكلم برضه عن الغناء مش عن الشعر، يعني الشعر حسان بن ثابت كان شاعراً عادياً، هي قوة وعبارة، لكن بيتكلم عما هو نمط الألحان والاستكثار من هذه القضية، وأن تصبح وظيفة لك، قال: سفيه ترد شهادته. نعم.
الكلام الذي فيه الألحان، مش الشعر بدون ألحان، الكلام المبني على الألحان أن يصبح نمطاً عاماً في حياتك، أنك أنت تسوق هذا وتروج له، هذا ليس دلالة رجحان عاقل، بل دلالة سفه. لا، المعازف باب آخر، الغناء إذا أطلق عندهم المراد الكلام الملحن. فلان يقول غناء وكذا أيضاً معازف في حالات، لا هذا خلط أوراق، أنت بدك تقرأ كل سياق وتفهم ماذا يقصد. أنا أقول لك إذا ما بدك تأخذ الاصطلاح المعاصر، في الاصطلاح القديم الغناء في كلامهم هو إنشاد الشعر الملحن أو الكلام الملحن، فيفرقون بين الشعر وبين الغناء وبين الملاهي، وإن كان بعضهم قد يطلق الغناء ويقصد به الغناء المصحوب بآلات المعازف، لكن العرف المشهور إذا أطلق الغناء فهو الإنشاد بالألحان والآهات وما شابه ذلك. ليه نحن بنسميه اليوم الإنشاد عموماً؟ نعم.
قال: وقد قال عن سماع الدين المحدث خلفت بغداد، شيء أحدثته السماع الديني، السماع الديني المحدث هو نفسه الذي قال عنده التغبير، طيب قال: يصدون به الناس عن القرآن. ثم نعم، كان كثير من أهل المدينة يسمع الغناء، وقد دخل مع في ذلك بعض فقهائهم، فإما أن يكون هذا قول أهل الحجاز كلهم أو قول مالك فهذا غلط. نعم، قال: وكان الناس يعيبون مثل ذلك من أهل المدينة كما عابوا على غيرهم، حتى كان زيد يقول: من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة، وبقول أهل المدينة في الغناء، أو قول أهل مكة في المتعة؛ لأنه ابن عباس كان يقول بجواز المتعة فيما ينقل عنه والصحيح أنه رجع عنه، والصحيح أنه برضه ابن عباس ابتداءً كان يقول بربا الصرف لأنه لم يبلغه حديث أن الربا كان يظن أن الربا فقط في النسيئة حتى بلغه حديث أن الربا أيضاً يكون في الصرف، وبقوله قال بقول دين في الغناء، أو قالوا الحشوش والغناء قد فقد جمع، يعني شرحناها لكم قبل قليل.
نعم، قال: فقد جمع شراً كله أو كلاماً من هذا. شوف كلام الأوزاعي، يعني يقول لك إذا أنت بدك تتبع كل زلة عالم، قال الأوزاعي: الذي بده يأخذ بقول قول أهل الكوفة في جواز شرب النبيذ المسكر، وبده يتتبع خطأ أهل مكة في جواز المتعة، وبده يمشي مع قول أهل المدينة في الغناء، بده يتزندق في النهاية، هذه نهايتك أنت، كل زلة لعالم بدك تعتبرها أصلاً عندك، من يريد أن يتتبع الزلات سيتزندق، سيضعف دينه، ستختل فيه الأوراق. وأما فقهاء الكوفة، قال: وأما فقهاء الكوفة فمن أشد الناس تحريم الغناء، ولم يتفق فقهاء الكوفة، صح أول في النبيذ فشربوه، لكنهم أشد الناس إنكاراً للغناء، مش تروح تأخذ من فقهاء الكوفة النبيذ وتترك إنكارهم للغناء عشان تعمل ديناً هكذا يتكيف معك. هيك بعض الناس يقول لك هذا العالم شو عنده رخصة جيبها، وهذا شو عنده رخصة جيبها، ما يؤخذ الدين لا، يا بتأخذ فقهاء الكوفة يا بتأخذ كذا، لأنه هؤلاء كانوا متوازنين في أنفسهم، أما إذا أخذت الرخص من جميعهم فأنت هنا كما قالوا: من اتبع الرخص تزندق.
قال: ولم يتنازعوا في ذلك، ولم يكونوا يعتدونها كما كان يفعل أهل المدينة، بل كانوا مفتونين بالنبيذ المتنازع فيه، وقد سكت عما يتلخص فيها بعض أهل المدينة من الغناء، فقال: لا، إنهم يفعل عند الفساق. وقد سُئل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: إذا ميز الله الحق بالباطل فمن أي قسم يكون غناء؟ نعم، ثم قال: يكون مع الباطل ولا مع الحق. طيب، قال: ثم قال أبو القاسم، وقد تتابعت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، وروي عن ابن جريج أنه كان يبيح السماع، فقيل له: إذا أتي بك يوم القيامة يؤتى بحسناتك وسيئاتك ففي أي الجنبين يكون سماعك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات، يعني أنها مباحات. قلت: ليس ابن جريج من أهل مكة ممن يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم أنهم كانوا يعيرون من ذلك من أهل المدينة، والمعروف عنهم عن المتعة والصرف، ثم هذا الأثر وأمثاله حجة على من احتج به، فإن لم يجعل منه شيئاً من الحسنات ولم يجعله.
يعني في النهاية ابن جريج كان يبيح الغناء بس ما كان يجعله طريقاً في التعبد ويراه حسنة. نعم، قال: ولم ينقل عن سلف أنه عد شيئاً من أنواع حسنة، فقوله على ذلك لا يخالف الإجماع، وإن فعل شيئاً من ذلك على أنه من اللذة الباطلة التي لم تضق فيها، فهذا كما يرخص للنساء في الغناء والضرب. قال: من فعل من العلماء أو الفقهاء الغناء فهذا يعني فعله على أنه من اللذة الباطلة، الشأن الباطل هنا الشيء الذي لا نفع فيه، هذا معنى كلمة الباطل هنا، ومن فعل شيئاً من هذا الغناء من العلماء الأفاضل فهذا فعله على أنه من اللذة الباطلة التي لا مضرة فيها ولا منفعة، بس هيك يعني تضييع وقت، وهذا يمكن يقع من بعض العلماء لأنه في النهاية نحن بشر. قال: فهذا كما يرخص للنساء في الغناء والضرب بالدف في الأعراس. نعم، قال: مثل قدوم الغائب، العيد، بل يؤمرون بذلك في الأعراس كما روي: أعلنوا النكاح واضربوا. نعم، في العرس بالتحديد يسمى الضرب صحيح.
قال: وهو مع ذلك باطل في الحديث الذي في سننه، يعني وهو مع ذلك باطل، شو يعني باطل؟ لا نفع فيه، انتبه هنا كلمة باطل يعني لا نفع فيه، لن تترتب عليه مصلحة إيمانية، بس أنه خلص يعني للنساء، مش مشكلة، لأن من طبيعتهن محبة الله. وهنا سيقرر قاعدة نفيسة في استصلاح البشر، لاحظوا ماذا قال: نعم، قال: كما في الحديث الذي في السنن أن امرأة نذرت أن تضرب لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدف، فلما قدم عمر أمرها بالسكوت وقال: إن هذا الرجل لا يحب الباطل. يعني النبي عليه الصلاة والسلام نذر إذا عاد من سفر، فنذرت امرأة إذا عاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة لأضربن بالدف بين يديه، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من السفر قال: لا خلص ماشي، ما دمتِ نذرتِ اضربي بالدف، وهي بتضرب من اللي أجا؟ أجا سيدنا عمر، قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: اسكتي، خلص وقف الضرب، فإن هذا رجل لا يحب ايش؟ الباطل. فالمراد بالباطل الشيء الفاضل، الفراغ اللي ما في منه فائدة، فعمر رجل ما يعني، النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كماله أنه قد يراعي الضعف في النساء، فأذن لها أن تضرب، طبعاً هو ضرب جائز مش يكون حراماً، هو جائز، لكن هو النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أنه لا فائدة منه، لكن من باب ايش مراعاة الضعف في المرأة، أن عندها ميلاً لهذا فأذن لها، عمر رضي الله عنه لحسمه لا يقبل هذا بأي شكل من الأشكال، وأكيد حال النبي صلى الله عليه وسلم أكمل لأنه يراعي الضعف الإنساني عند هذا الجنس، فيقبل منه ما لا يقبله من غيره من الرجال.
نعم، قال في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق». والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، وهذا يرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، هذا ركز شو اللي بينفع، القراءة السريعة، قال: والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة. الآن هنا مصطلح للباطل بدك تفهمه، موجود في بعض نصوص الشريعة، أن يطلق الباطل ليس على الحرام، لا، يطلق على شيء مباح لكن لا منفعة فيه، قال: فالباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، هذا متى يرخص فيه؟ قال: فهذا يرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع.
هسا الأصل في الرجل القوي والشاب طالب العلم هذا أو الإنسان أنه دائماً حياته تكون في ماذا؟ في شيء ينفع، وترويحه يكون في الترويح المباح الذي ينفع، يعني الترويح المباح الذي يعيد له الهمة، ويكون مثلاً يطلع مع الشباب في كشتة معينة، كذا في الأشياء التي بطبيعتها تزيده همة وتروح عليه ليعود إلى العمل النافع. قال: أما بعض الناس قد لا يقوى على أن يستمر في العمل النافع طول وقته، يعني في ناس شخصيتهم ما بيقوى على أن يبقى في العمل النافع، فهذول زي الشباب، كيف الشباب اليوم؟ كثير من الشباب المعاصرين شو بدك تضطر تعملهم يا شيخ عبد الرحمن؟ تظلك تعمل لهم قعدات وكذا، ويلا سهرة عند الشيخ عبد الرحمن وقاعدة عند شبلان وقهوة وشاي عند هذول وكذا، بس مشان الله يصلي! تمام؟ بدك تظلك تترجاه مشان يجي يصلي، فمشان يجي يظل يصلي ويظل معك بتضلك تعمل له كثيراً من الشغلات التي أنت عارف أنها من الباطل، بمعنى لا منفعة فيها، وكلها قعدات شباب بتضيع الوقت والأعمار والحياة، بس بعرف أن هذا الشخص ضعيف، فلن يقوى على أن يستمر على النفع والخير إلا باستمالته من خلال هذه الأشياء التي تعتبر من الباطل الذي لا منفعة فيه، وليست كل الناس نفسيتهم واحدة.
وهذا هو سيبرر به لماذا الشريعة أعطت للنساء مجالاً للرقص والغناء، الغناء طبعاً بدون معازف، ليش أعطتهم المساحة أكثر للنساء؟ قال: لأن هذا ما يناسب طبيعتهن حتى يستصلحن، يعني حتى يستصلح حالهن، لا بد أن يعطين من المساحة ما لا يعطى الرجل. لا، أنا مطلوب منك الشدة على نفسك شوي، لكن النساء فُتحت لهن من المساحة في هذه الأمور، وإن كانت من الباطل، أنه قد يستصلح من حالها بهذه الأشياء ما لا يستصلح في الرجل. نعم، قال: وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك، الأعياد والأعراس وقدوم الغائب ونحو ذلك، وهذه نفوس النساء والصبيان فهن اللواتي كن يغنين في ذلك. وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه، يعني هذا الباطل الذي لا منفعة فيه، إذا استعملته في مكانه المناسب يكون حقاً، هذا الباطل اللي هو بمعنى لا منفعة فيه، إذا استعملته قال: وهو الحق في القدر الذي يحتاج إليه، هو باطل لا منفعة فيه لكن متى يكون حقاً؟ إذا استعملته للاستصلاح بالمساحة. فمثل ايش؟ قال: مثل الأوقات التي تقتضي ذلك، الأعياد؛ فغناء النساء في الأعياد هو أصل فكرة الغناء، لكن هي هنا حق لأنها تستعمل في استصلاح نفوسهم، والأعراس وقدوم الغائب ونحو ذلك. وهذه قالوا هذه نفوس النساء والصبيان فهن اللواتي كن يغنين في ذلك على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وكن يغنين.
وأما رجاله فلم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغني مخنثاً لتشبهه بالنساء. ولهذا روي... شو أسوي أنا؟ والله ما الحكي. طيب، قال: ولهذا روي: «اقرأوا القرآن بلحون العرب وإياكم ولحون العجم». عمرك سمعت أنه في واحد من الصحابة كان يضرب على الدف وشغال ضرب على الدف؟ أقول لك يعني عمرك شفت عمر بن الخطاب، وأبا بكر، وعبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمر، أعطيني صحابياً واحداً من الصحابة الأعلام المشهورين الأثبات، يعني حتى مش عارف إذا في صحابي خطر يعني حتى من المشهورين، لا يعرف إلا ربما أعرابي من الأعراب الأفاضل اللي كان في حواشي المدينة أو بعيد عنها، لكن الصحابة اللي بنقرأ عنهم وسيرهم أبو هريرة ولا ما في سمعنا واحد فيهم كان منشداً، ولا واحد!
فيهم كان يضرب دف الحداء، والحداء هو إعراج الإبل، والحداء شيء طبيعي في حال الإبل. نحن نتكلم عن قضية ممارسة الإنشاد؛ مع أنه لم يكن مهنة في زمان الصحابة. لماذا اليوم هو مهنة؟ الإنشاد الإسلامي ما كان الصحابة فيه منشداً إسلامياً، يعني واحد ممكن يسأل لماذا لم يكن هناك منشد إسلامي؟ لو كانت منقبة سيقول لك: استصلاح النفوس؛ لأنهم كان عندهم من القرآن والسنة ومشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ما يغنيهم عن ذلك. أما اليوم فلضعف دين الناس صاروا يحتاجون أن يساقوا. هذه التي يقول ابن تيمية إنها خطأ، أنه لضعف دين الناس تبتكر لهم وسائل جديدة حتى تقودهم إلى الله. لا، اثبت على الوسائل القديمة، ممكن تستعمل آليات أو تستعمل شيئاً خارجاً عن نمط التعبد، وتأخذ الحداء كذا وكذا، لكن في النهاية وسيلة التعبد يجب أن تظل هي الوسيلة الصحيحة التي تقود الناس بها إلى الكتاب والسنة. أما الآليات والإجراءات فهذه مساحة اجتهاد بما يتلاءم مع العصر.
في العرس ونحوه ليس مشكلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعلنوا النكاح». الحنابلة أخذوها على عمومها، تمام، بس هي محدودة عندنا في أماكن معينة، وما سوى ذلك فيكره. قال: ولهذا روي: اقرؤوا القرآن بلحن العرب، وإياكم ولحن العجم والمخانيث والنساء. قال: ولهذا لما سئل قاسم بن محمد عن الغناء، فقال: سأل يا ابن أخي، أرأيت إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء؟ قال: في الباطل. قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فكان العلم بأنه من الباطل مستقر في نفوسهم كلهم، وإن فعله بعضهم مع ذلك، إذ مجرد كون الفعل باطلاً إنما يقتضي عدم منفعته لا تحريمه، إلا أن يتضمن مفسدة. إذ كون الفعل باطلاً يقتضي عدم منفعته، لكن لا يستلزم أنه حرام إلا إذا كان فيه مفسدة.
قال أبو القاسم الشافعي رحمه الله: فإنه لا يحرمه ويجعله في العوام مكروهاً، حتى لو احترف الغناء أو اتصف على الدوام بسماعه على وجه التلهي به، ترد به الشهادة، ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات. هذا تبهدل، يقول لك حتى لو احترف الغناء أو اتصف بأنه منشد على الدوام، قال الشافعي: ترد به شهادته ويعتبر من مخارم المروءة، لكن لا يقول إنه حرام. طيب ما هي بهدلة أنك تسقط مروءتك لأنك منشد وأن ترد شهادتك، فمن حالها تجعل الإنسان يقول لك: يا عم أنا ماذا أريد في القصة هذه كلها؟ أنا أريد أن أنشد، أنشد مرة، أنشد كذا مع شباب هيك بحث، أما أنه أصبح محترفاً، هذا الكلام عن كونه اتخذ حرفة. حتى بعض إخواننا لا يحمل الأمور أو يحمل نفسه، يقول لك: أنا والله بنشد للشباب أحياناً، لا عادي، مش مشكلة، نحن أحياناً حتى في قعداتنا، من صوته حلو بنخليه ينشد، بس الكلام على من اتخذها حرفة؛ يعني شغل شيخ، يجد فيها مصاري، ويجيب منها كسبة وكليبات، نحن نحكي عن هذا النمط الذي خلاص صارت حرفته في الحياة منشد إسلامي. هذا الذي ينتبه على نفسه؛ لأنه ترى الموضوع خطير، وأنه هذا مما استحدثه الناس في الواقع المعاصر وليس من الوسائل المحمودة. سعى كل واحد أن يختار ما يريد، أراد استصلاح النساء لهم، مثلاً الشباب ضاحكين أو سير الألعاب.
هل يمكن مثلاً من حيث التربوي أنه لساته هذا في بداية الطريق، فلما أغض الطرف عن هذا ما في مشكلة؟ نعم، بس بشرط أن تكون اللعبة التي سيلعب بها الأطفال لا تؤدي إلى مفسدة؛ مثل أن تؤثر عليه وتعمل له حالات إدمان زي البلاي ستيشن وهذه الألعاب، لا، خليه يلعب الألعاب التي أنت عارف أن فيها منفعة، لكن في النهاية تفرح قلبه وتوسع عليه حتى يجي معك على مركز القرآن، حتى يجي معك للحلقة، حتى كذا، بشرط كما قال أن لا تؤدي إلى مفاسد في المستقبل. مثلاً تكون نقاشاً، يقول مش لازم يكون فيها إتمام، وبقول الأحسن أنك تصرف وقتك بشيء أنفع، بس هو برضه حتى الأحسن أنك تصرف وقتك بشيء أنفع، ممكن يكون خطأ أحياناً مثال لبعض الشباب الصغار، لا، خليه يأخذ فترته لما يصير عنده أزمة عاطفية، بس يكبر تلاقيه محروم من اللعب، لا أنا أريده يعيش طفولته، خليه يعيش طفولته الطبيعية، خليه يلعب كرة قدم وخليه يمارس الرياضة والسباحة؛ لأنها أيضاً جزء من ثقل الشخصية المتوازنة. عرفت؟ لأنه أحياناً الجدية الزائدة في سن الصغر تولد شخصية شديدة، فلا أنت بدك نوع من التوازن في الطرح. أنا أحياناً بعض الأطفال لا، خليه يروح يلعب، بل أريده يلعب حتى يشعر أنه إنسان طبيعي يمارس أنشطة الحياة المعروفة في هذا الجيل، فهي نوع من الاستصلاح المطلوب، بس زي ما حكينا لا تؤدي لمفسدة.
شيخنا، أيضاً ممكن في هذا يكون هناك نظر معين في قضية الألعاب، أن الإنسان بعض الناس يتوسع كثيراً في هذه الأمور حتى يأتيك بمنظومة إفساد كاملة تحت غطاء المتعة. أو مثلاً الطالب خليه يلعب شوي، بجيب لك بلاي ستيشن، يعطيك منظومة إفساد كاملة مصنعة عالمياً وفيها مليارات المليارات بذلت حتى يعطيك منظومة إفساد كاملة، أو مثلاً ألعاب الكمبيوتر، وغيره من منظومات إفساد كاملة، يحكي لك: لا والله أنا بس بخليه يلعب اللعبة الكويسة، بس أنت أتيت بمنظومة إفساد كاملة وأدخلتها للطفل. لذلك هو يقول لك ذاك الكلام صحيح، لا مشكلة في شيء من الباطل الذي لا منفعة فيه، إلا إذا قال: «إلا أن يتضمن مفسدة». هذا قيد مهم، إلا أن يتضمن هذا الباطل مفسدة، هنا انتقلنا لمربع آخر. قال: وليس كلامنا في هذا النوع من السماع، في أن هذه الطائفة جلت مرتبتهم على أن يسمعوا بلهو أو يقعدوا للسماع بلهو أو يكون بقلوبهم متفكرين في مضمون لغو أو يستمعوا على صفة غير كفء. هو يقول لك: أنا مش كلامي عن السماع الذي للعوام الذي كرهه الشافعي وجعل الذي ينشد للعوام ساقط المروءة، لا، نحن كلامنا يا جماعة الخير عن سماع الصوفية. قال: نحن نتكلم عن نمط آخر من السماع المراد به الوصول إلى الله. قال: وليس كلامنا في سماع العوام، فإن هذه الطائفة، أي الصوفية، جلت مرتبتهم عن أن يسمعوا بلهو أو يقعدوا للسماع بلهو أو يكون بقلوبهم متفكرين في مضمون لغو أو يستمعوا على صفة غير كفء.
قلت: ولم يختلف قول الشافعي في كراهته ونهيه عنه للعوام والخواص، لكن هي أول شيء قال الصوفي الشافعي لما نهى عن الغناء، لم ينهَ عنه مطلقاً، ما قال للعوام مكروه وللخواص مطلوب، نهى مطلقاً للعوام والخواص، أنت من حددت هذا التحديد. ثانياً، قال: لكن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه أو تفضيل بين بعض وبعض؟ هذا مما يتنازع فيه أصحابه، وهذا قوله في سماع العامة، وأما السماع الديني الذي جعله أبو القاسم للخاصة، عند الشافعية هو من فعل الزنادقة كما قال. أنت مفكر أن الشافعي لما قال عن سماع العامة مكروه، يعني سماع الخاصة عنده مشروع؟ لا، هو أصلاً سماع الخاصة عنده من فعل الزنادقة، أسوأ من سماع العامة. قال كما قال: خلفت بغداد شيئاً أحدثته يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن، فعنده أن هذا السماع أعظم من أن يقال فيه مكروه أو حرام، هو عنده مضاد للإيمان وشرع دين لم يؤذن له به ولا نزل به من سلطان، وإن كان مشايخ الصالحين من تأول ذلك بتأويله واجتهاد يغفر الله له خطأه على ما مع التنوير من عمل الصالح، فذلك لا يمنع أن يقال ما في الفعل من الفساد. إذ التنوير من باب المعارض في حق بعض الناس، تدفع به عنه العقوبة كما تدفع بالتوبة والحسنات الماحية، وهذا لمن استفرغ وسعه في الطلب. يعني كون بعض الصالحين وقع في هذا الخطأ، وكان من أهل السماع كما ينقل كأنه عن العز بن عبد السلام وهؤلاء، هذا لا يعني أن أقول: لا، ما دام السماع وقع فيه العز بن عبد السلام، معناته أنه لا، تحفظ حرمة الرجل وعلمه وأنه متأول، والتأويل يدفع عنه ماذا؟ المذمة، شو فائدة أن أقول إن العز متأول؟ أن أدفع عنه المذمة وإسقاط الهيبة، لكن في النهاية سأبقى أنص على أن السماع من عيوبه كذا وكذا.
قال: فقول الشافعي رضي الله عنه في هؤلاء كقوله في أهل الكلام، حكى في أهل الكلام يضربون بالجريد والنعال، وضاف بهم في العشاء والقبائل، ويقال هذا جهل الكتاب والسنة. أقول: الكلام يعني كما أن الشافعي قال في أهل الكلام يضربون بالجريد والنعال، قال عن أهل السماع إنهم: تركت في بغداد شيئاً يفعله الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به عن دين الله، فالشافعي له كلمات تضرب هنا وتضرب هنا على هذين الوترين. وقال: وقوله: لأن يبتلى العبد بكل ما خلق الله من شرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام، ومع هذا فقد ابتلي ببعض ذلك على وجه التأويل طوائف من أهل العلم والدين، وتوفى العبادة، يعني ابتلي بالكلام طوائف من العلماء، نغفر الله لهم، لكن في النهاية سأبقى أنص على أن علم الكلام خطأ بهذه الطريقة. قال: ولهذا كان الكلام في السماع على الوجهين، أحدهما سماع اللعب والطرب، فهذا يقال فيه مكروه أو محرم أو باطل أو مرخص في بعض أنواعه، والثاني سماع محدثة الدين والقربة، فهذا يقال فيه إنه بدعة وضلالة.
إذاً، السماع والأناشيد نوعان: أناشيد للعوام، للعب واللهو والأناشيد الوطنية وما شابه ذلك، فهذا يناقش فيه ما هو مكروه ولا مباح ولا كذا على حسبه. أما النشيد بدون معازف، ركزوا، ما أتكلم عن المعازف، النوع الثاني لا، اللي هو منطقة نقاشنا، النشيد الديني الذي يطلب منه القربة واستثارة الإيمان والتقرب إلى الله، فهذا يقال فيه: هذا مش بس يناقش فيه، إنه بدعة وضلالة، مش يناقش فيه إنه محرم أو مكروه، يناقش فيه من جهة أخرى؛ لأنه وضع وسيلة للتعبد بخلاف الأناشيد الوطنية العامة التي لم توضع وسيلة للتعبد، بل هي من طبيعتها أو من طبيعة اللهو واللعب. قال: فهذا يقال فيه إنه بدعة وضلالة، مخالف للكتاب وسنة الرسول والسابقين جميعهم، وإنما أحدث في الأمة لما أحدث الكلام، فكثر هذا في العلماء وهذا في العباد، لما ظهر علم الكلام ظهر السماع عند التصوف، وكأنه ردة فعل، هؤلاء غلوا في العقليات حتى خرجوا عن السكة، فجاء من يقابلهم فغلا في ماذا؟ في الأناشيد والسمعيات، ولهذا كان يزيد بن هارون الواسطي، نعم قال: هم أتباع تابعين وآخر قرن ثلاثة، تجتمع في مجلسه الأمم العظيمة، وكان أجل مشايخ الإسلام، فكان ينهى عن الجهمية وعن المغيرة، هؤلاء أهل الكلام مخالف، والمغيرة والمغبرة ممكن، يعني كان ينهى عن الجهمية وهؤلاء أهل الكلام، وينهى عن المغبرة، أهل التغبير، ذمهم الشافعي، أصحاب السماع الصوفي.
وهؤلاء أهل السماع المحدث مخالفون للكتاب والسنة، وهذا لم يصدر عن أحد، ولهذا لم يصدر أحد ممن يستحب السماع المحدث وسنته أن يحتج لذلك بأثر عمن مضى، ولا بنص من الكتاب والسنة. قال أبو القاسم: وقد روي عن ابن عمر آثار في إباحته السماع، وكذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. والآن من عادة الذين يستدلون بالغناء أو يحتجون لجوازه، ينقلون آثاراً عن عبد الله بن عمر وآثاراً عن عبد الله بن جعفر. الآن قضية آثار عبد الله بن عمر هذه، يعلم أنها مكذوبة، عبد الله بن عمر أورع من ذلك، وأما الآثار عن عبد الله بن جعفر، عبد الله بن جعفر ليس من أئمة الشأن، يعني ليس من الفقهاء الكبار، وليس ممن يقصد، فاعتبره أخطأ ما عندناش مشكلة في ذلك، يعني لا يحتج به وبفعله، فإنه ليس من الأئمة المشهورين بالفقه والعلم. قلت: أما النقل عن ابن عمر فباطل، بل المحفوظ عن ابن عمر ذم الغناء والنهي عنه، وكذلك عن سائر أئمة الصحابة كابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم ممن بهم يقتدى في الدين. وأما ما يذكر من فعل عبد الله بن جعفر في أنه كان يقريه يسمع غناء في بيته، عبد الله بن جعفر ليس ممن يصلح أن يعارض قوله في الدين فضلاً عن فعله لقول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم. من احتج بفعل مثل عبد الله في الدين وفي مثل هذا، لازمه أن يحتج بفعل معاوية في قتاله لعلي، وفعل ابن الزبير في قتاله وفرقته وأمثال ذلك، قال: إذا بدك تحتج بفعل عبد الله بن جعفر، إذاً احتج بفعل عبد الله بن الزبير لما قاتل ورفض البيعة للخلافة الأموية، وهذا خطأ فيه طبعاً.
إذا استدل بفعل عبد الله بن الزبير، أو استدل بفعل معاوية رضي الله عنه لما قاتل علياً؛ لا يستدل في الفقه إلا بكلام علماء الصحابة. أما لا تذهب إلى أي من أحفاد الصحابة، أو من أبنائهم، أو واحد من الصحابة الذي لم يشتهر بالفقه وتحتج بقوله؛ فهذا لا يصح. كيف يقول لك أحد: احتج بقول أعرابي من الصحابة؟ الاحتجاج لا يكون هكذا، إنما يحتج العلماء بفقهاء الصحابة، وليس بعوام الصحابة. مجتمع الصحابة مجتمع فيهم العلماء، وفيهم الفقهاء، وفيهم العباد، وفيهم المجاهدون، وفيهم الإنسان البسيط؛ كلهم صحابة على الرأس والعين، لكن في الاستدلال إنما ينظر لفقهائهم. أما تجيب لي أعرابياً من الصحابة تستدل به وتعارض به كلام عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وأبي بكر الصديق؛ فليست هذه طريقة أهل العلم.
أما بخصوص من كان فقيهاً، فإذا خالفه من هو أفقه منه، لا يعارض به أيضاً؛ هذا كلام صحيح. وما هو الأثر عن عبد الله بن جعفر؟ هل كانت له جارية تغني له؟ وهل هذا فيه إشكال؟ ابن تيمية نفسه يقرر أن هذا قد يكون أحياناً مستساغاً. لا أقول أحياناً، بل اعتبر أنه كل يوم يذهب إلى الدار ويسمع جاريته، هذا لا يعتبر تعبداً، بل اعتبره حالة إنسانية شخصية متعلقة بحياته. الرجل يحب أن يسمع صوتاً؛ كل ما يروح على البيت يسمع جاريته وهي الأمة بتاعته؛ هو يحاول أن يأخذ لك جزئيات معينة ويسلط عليها الضوء كأنها هي الحالة الطبيعية في التقرب. عبد الله بن جعفر أولاً ليس من كبار الصحابة المشهورين، وطريقته ليست مسلكاً مطرقاً، وهي حالة بشرية إنسانية خاصة به، فلا تذهب تجعلها حالة أصلية تصنف فيها وتستدل بها.
هناك بعض المعاصرين يستدلون بجواز الملاهي والمعازف بعبد الله بن جعفر، وهذا لا ينفع، ليس هكذا الاستدلال. والمشكلة أن هذا الرجل له منصبه في المعاصرين وصاحب مكانة كبيرة، ذهب إلى ربه يرحمه، لكن الفكرة أن ليس هكذا الاستدلال، وليس هكذا طرق أهل العلم. والمشكلة أن الشباب الجدد لما يسمعوا شيخنا حكى كذا وكذا في كتابه، يظنون أن شيخهم سلك مسلكاً صحيحاً في الاستدلال، وهو مسلك ركيك جداً. وهذه فائدة أن تعود لقراءة كتب الأوائل.
قال: وأهل الحقائق لا يصلح لهم أن يتركوا سبيل المتقدمين بالنسك والزهد بين الصحابة ليتبعوا سبيل غيرهم. ومن أحسن ما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله إن تبعتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم بأيمان وشمال لقد ضللتم ضلالاً بعيداً». فما الذي فعله عبد الله بن جعفر؟ كان في داره، ولم يكن يجتمع عنده على ذلك، ولا يسمعه إلا من مملوكته، ولا يعده ديناً وطاعة، بل هو عنده من الباطل. وهذا مثل ما يفعله بعض أهل الساعة من استماع الغناء من جاريته في بيته ونحو ذلك، فإن هذا لو كان مما يصلح أن يحتج به، فكيف وليس بحجة أصلاً!
كذلك عمر وغيرهم في الحداء؛ أما الحداء فقد ذكر الاتفاق على جوازه، فلا يحتج به في موارد أخرى. وقد ثبت أن سلمة بن الأكوع كان يحدو للصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سلمة، لولا أمتعتنا به». وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعبد الله بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم يقول: «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداءً لك ما اقتفينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، وألقِ سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أتينا، وبالصياح عوّلوا علينا». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: «يرحمه الله». فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به. لأنه كان إذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم لرجل يرحمك الله، فمعناه أنه سيستشهد.
وكذلك ثبت في الصحيح حديث أنجشة الحبشي الذي كان يحدو، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رويدك يا أنجشة، سوقك بالقوارير»، يعني النساء، أمرُه بالرفق بهن لئلا تنزعج الإبل في السير إذا اشتد سيرها، وتنزعج النساء بصوت الحادي. وفي الصحيحين عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير». قال أبو قلابة: يعني النساء. واحتجاجهم بإنشاد الشعر كما قال ابن القاسم، وأنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم الأشعار، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه استنشد الأشعار، فهذا من القياس الفاسد كما تقدم.
ومن المشهور حديث الجاريتين؛ كانت تغنيان في بيت عائشة بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا يومنا». وقد تقدمت الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان؛ أمرٌ مضت به سنتك، يرخص لهم في غير ذلك من لعب، ولكن لا يجعل الخاص عاماً. ولهذا لما قال أبو بكر: «مزمار الشيطان» في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يُنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية؛ لأن استعمال أبي بكر كلمة مزمار الشيطان، هل النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لا يا أبا بكر هذا ليس من مزامير الشيطان؟ لا، لم ينكر عليه استعمال مفردة مزامير الشيطان، لكنه لماذا قبلها؟ لأنه كما قلنا، هو من الباطل الذي لا منفعة فيه، ويُستصلح به النساء.
الصحابة لم يكونوا يفضلون شيئاً من ذلك، ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمراً خاصاً بقوله: «إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا». فهذا مقبول في النساء في العيد، مثل قوله لعمر: «لو رآك الشيطان سالكاً فجاً، لسلك فجاً غير فجك». فعلم من هذا أن هذا الغناء، وإن كان من الشيطان -أي فكرة يثيرها الشيطان- لكن رُخص فيه لهؤلاء، أي للنساء والصبيان في هذه المواسم، لماذا؟ لئلا يدعوهم إلى ما يفسد عليهم دينهم، إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطبائع من الباطل. يعني النساء وعموماً بعض الشباب أيضاً، لو أردت أن تغلق كل أبواب الباطل في وجههم هذا قد يفسدهم؛ فبالتالي أنت تعطيهم شيئاً من وجبات الباطل الذي لا منفعة فيه، حتى تستصلح استقامتهم معك في الطريق. فنحن نعطي النساء هذه المساحة من اللهو، حتى نصلح عليهم دينهم؛ لأن الشد التام والإغلاق التام يخالف طبائعهم فتنكسر. فهو نوع من الاستصلاح بارتكاب شيء من المفسدة الخفيفة تحصيلاً للمصلحة الأعلى، وارتكاب المفسدة الخفيفة إذا كان يؤدي إلى مصلحة عليا، تصبح حقاً في هذه الحالة.
لكن قصة عمر في الكلام الذي قد لا يكن فيه كمال الأدب، والذي لو فعله الرجال لا شدد عليهم فيه، ممكن هذا الكلام أحسنت. نعم، عمر كان هناك شيء مزمور الشيطان، صوت النساء وهن يغنين، والصوت الحسن يسمى مزمارًا. ألم يقل لأبي موسى الأشعري: «لقد أعطيت مزمارًا من مزامير آل داود»؟ فهنا مزمار للقرآن، أما هنا في الغناء سماه مزمار الشيطان.
والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وبتحصيل أعلى المصلحتين. هذا أيضًا مهم؛ فهم المصطلحات القديمة أو الألفاظ الشرعية القديمة، لأنه بعض الناس اليوم يأتي ويقول: ها يصير يسمع المزامير، هي أبو بكر قال مزمور الشيطان في بيت النبي، إذا كان فيه مزمور والنبي صلى الله عليه وسلم سكت عنه؟ يا عم الله يرضى عليك، أنت مش فاهم كل الكلام. المزمور مش أنه كان فيه مزمار يعزف بآلة، هو الصوت الحسن يسمى مزمارًا. لأن هنا يصير بعض أصحاب الأهواء من المعاصرين يتلقف مثل هذه ليستدل بها على باطله في جواز استعمال المزامير وآلات المعازف، وهذا كله من عدم تحرير المصطلح.
قال: وتدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما، فإذا وُصف المحتمل بما فيه من الفساد، مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يكون قد وقع بما هو أحب إلى الشيطان منه، ويكون بإقرارهم على ذلك مشروعًا. فهذا أصل ينبغي تفهمه؛ الفكرة أن الشيء قد ترتكب فيه المفسدة الأدنى لتحقيق المصلحة الأعلى. قال: لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تحصل أعظم المصلحتين مع ارتكاب أدناهما، هي قاعدة الشريعة. فأنا إذا أردت في كثير من الشباب والنساء أن أستصلحهم، سأضطر أن أرتكب مفسدة جزئية لتحقيق مصلحة أعلى، فهذا جائز في الشريعة، ولو كانت هذه المفسدة الجزئية هي من آثار الشيطان ومن مزامير الشيطان، فلا مشكلة من جهة أنها تحصل لي مصلحة أعلى. وهذا قياس المنطق والإسلام في التعامل مع طبائع البشرية.
والشيطان يوسوس لبني آدم في كثير من المباحات كالتخلي والنكاح وغير ذلك، ويجري من ابن آدم مجرى الدم، فلا يمكن حفظ جميع بني آدم من كل ما للشيطان فيه نصيب. لكن الشارع يأمر بالتمكن من ذلك كما أشرت، فالسعادة عند التخلي والنكاح وغير ذلك، ولو لم يفعل الرجل ذلك لم نقل إنه يأثم بالتخلي ونكاح امرأته ونحو ذلك. وكذلك ذكر العرس وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأنصار في لهوهم، ولو أرسلتم من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم». وقد قدم الخاص لا يجعل عامًا. ومدار الحيرة في هذا الباب يعود إما على قياس فاسد وتشبيه الشيء بما ليس مثله، كل كلام القشيري، كل أدلة القشيري في جواز السماع تعود إما على استعمال أقيسة فاسدة وتشبيه الشيء بما ليس مثله؛ وهو القياس الفاسد أن ترد فرعًا إلى أصل لا يشبهه.
وإما أن يجعل حوادث خاصة وفي أماكن خاصة عامة، التعميم للخاص هو أيضًا يعتبر من القياس الفاسد، لأنه شكل من أشكال القياس، أن تنقل الخاص إلى العام هو نوع من أنواع الأقيسة. وإما احتجاجهم بما ليس بحجة أصلاً، لا حجة فيه بشكل من الأشكال.
قال: ثم احتج أبو القاسم بما هو من جنس القياس الفاسد، فذكر حديث عبد الله بن عزب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا»، وحديثًا عن أنس مرفوعًا: «لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت»، وهذا ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن محرز وهو ضعيف، احتج به. وقال: دل هذا الخبر على فضيلة الصوت. قلت: هذا دل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله، لم يدل على فضيلته بالغناء، ومن شبه هذا بهذا شبه الباطل بالحق. هذا أيضًا من المشكلة أن الكلام مقيد وهو راح أطلقه، هو قال عن حسن الصوت بالقرآن، القشيري ألغى كلمة القرآن هنا، وقد يدل على فضيلة الصوت، هو لا، فضيلة الصوت بالقرآن. هذا قيد مهم، أنت كيف حذفته؟ كيف أخذت المقيد وجعلته مطلقًا؟
قال: وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69]، فكيف نشبه ما أمر به من تلاوة كتابه وتحسينه بالصوت، بما لم يؤمر بتحسين الصوت به؟ هذا مثل من قال: إذا أمر بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والرمي دل على فضيلة الضرب والطعن، ثم يحتج بذلك على الضرب والطعن والرمي في غير سبيل الله. زي من قال: إذا أمر الله في سبيل الله بالضرب بالسيف والرمح والرمي، فدل ذلك على فضيلة الضرب والطعن، اسمعوا؛ حديث يقول لك فضيلة الضرب والطعن في سبيل الله، بهذا القيد، تروح تأخذ لي من الحديث فضيلة الرمي والطعن، بعدين تروح تنقل الرمي والطعن على وين؟ في المشاكل والهوش، تقول: شو الدليل على جواز الطعن في المشاكل والهوش؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن جواز الطعن والرمي في الحرب في سبيل الله. هو قال لك في سبيل الله، هذا الذي فعله القشيري، أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح الصوت الحسن في القرآن، إذا يدل على فضيلة الصوت، إذا راح نقلها على السماع، إذا يدل على جماع الأناشيد! الإسلام ليس هكذا الاستدلال.
قال: ومثل من قال: إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله دل على فضيلة المال، ويحتج بذلك على إنفاق المال في غير سبيله. أو قال: إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء، ويحتج بذلك على فضيلة النساء، ويحتج بذلك فضيلة ما لم يذهب إليها من الكهف. يعني أمر الله عز وجل بالاستعفاف بالزواج من النساء، قال: دل هذا على فضيلة النساء، وإذا دل على فضيلة النساء إذا يجوز أن نقيم علاقات مع النساء! لا يا عمي، هو دل على فضيلة النساء في النكاح بهذا القيد في النكاح، مش دل على فضيلة الارتباط بالنساء عمومًا بأي شكل من الأشكال.
وكذلك كل من يعين على طاعة الله من تفكر أو صوت أو حركة وقوة وغير ذلك، فهو محمود في حال إعانته على طاعة الله ومحابه ومرضاته، ولا يستدل بذلك على أنه في نفسه محمود على الإطلاق، ويحتج بذلك على أنه محمود إذا استعين به على طاعة الله، ويحتج به على من ليس هو من طاعة الله، بل هو من البدع في الدين أو فجور في الدنيا. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد أذنًا إلى رجل حسن الصوت بالقرآن»، وصاحب قينة لقينته، وقال: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يجهر به»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، يقتضي أن التغني المشروع هو بالقرآن، وإنما من تغنى بغيره فهو مذموم، ولا يقال هذا يدل على صحة حسن التغني، لا يجوز إطلاق جواز التغني أو استعذاب التغني، التغني بالقرآن بهذا القيد.
قال: قوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، إما أن يريد به الحث على الأصل الفعلي وهو نفس التغني بالقرآن، أو يريد به مطلق التغني، وهو على صفة الفعل، والأول هو أن يكون تغنيه إذا تغنى بالقرآن لا بغيره. وهذا كما وقع في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]، هل هو أمر بأصل الحكم أو بصفته إذا حكم؟ والمعنى الثاني ذم لمن تغنى بغناء مطلقًا، دون من ترك التغني به وبغيره.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل