دخولتسجيل الدخول

الاستقامة (6) | المجلس العشرون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله جميعاً في هذا الصباح الطيب المبارك.

فيكم الخير. هذا شيء صحي.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجِّ إخواننا المستضعفين في غزة خاصة. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم انصرهم على من عاداهم، وعليك بمن تآمر عليهم، وأسألك أن تفرج عنهم فرجاً مدهشاً عجيباً بقوة منك وكرم يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الإخوة في مجلس التراث. يوم الخميس في دراسة تراث الأئمة الكبار رضوان الله تعالى عليهم، وما زلنا نعيش مع شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة. كما قلنا، هذا الكتاب من الكتب التي سجلها شيخ الإسلام ابن تيمية في السجن، ولأنه في السجن أعتقد أن من الإشكالات التي فيها وجود بعض الفصول التي تشعر أنها غير مترابطة أحياناً. وكما قلت لكم سابقاً، هذا لعله يعود إلى قضية أن الإنسان السجين يحاول أن يكتب ما تذكر، وأحياناً يتشجع في السجن للكتابة، وأحياناً ينشغل بأمر آخر ثم يعود إلى ما هو فيه، لذلك تجد كما قلت لك بعض الفصول تفقد أحياناً وجه الترابط بينها وبين ما سبق؛ زي فصل الحركة، تشعر أنه فصل خرج مثلاً في نصف الكتاب، أنت لا تعرف ما ارتباطه بما قبله وما بعده. فمثل هذا يراعى فيه السجين.

ولكن ما شاء الله، من يعرف أنه كان سجيناً، ويعرف استحضار هذه الرسائل، هل كانت الكتب بين يديه؟ أحياناً جاءت فترة نعم، كانت يسمح له بإدخال الكتب، وكان إخوته يدخلون الكتب عليه في فترة من فترات سجنه، ثم جاءت الفترة الأخيرة، منع من إدخال الكتب عليه بالكلية، ثم بعد ذلك منع حتى من الكتابة فاشتغل بالختمة. فقبل أن يتوفى رحمه الله عليه كان معه أحد أهل العلم الأفاضل ونسيت اسمه، فقال: ختمنا مع شيخ الإسلام ابن تيمية ٨٣ ختمة؛ كان قبل وفاته انشغلوا بختم القرآن، فختموا ٨٣ ختمة، إلى أن ختم الختمة الأخيرة وتوفاه الله سبحانه وتعالى.

المهم، ما زلنا نعيش في القسم الثالث أو الموضوع الرابع من مواضيع الكتاب، وهو رده على القشيري في مسألة السماع. وهذا حقيقة أخذ تقريباً نصف المجلد الأول؛ الكتاب يطبع على مجلدين، نصف المجلد الأول قرابة ٢٥٠ صفحة وهو يتحدث عن السماع، من هنا إلى نهاية المجلد الأول صفحة ٤١٧-٤١٨ في مسألة السماع. قد يتطرق لاستطرادات خفيفة، لكن ضمن نقاش القشيري مع مسألة السماع.

كنا في نهاية المجلس السابق قبل أسبوعين تناقشنا في فقرة وشعرنا أنها مشكلة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. والشيخ محمد رشاد سالم عموماً رجل فاضل حقيقة، وهو من أوائل من حقق كتب شيخ الإسلام، وهو من الجيل القديم، أظن من تلاميذ أحمد شاكر وهؤلاء المشايخ الكبار، وله تحقيقات جيدة وتعب على الأقل، ربما تعامل مع المخطوط بناءً على ما وصل إليه وحاول واجتهد أن يفهم بعض الكلام، لكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يعرف أنه قد يكون وقع في أخطاء حقيقة، سواء في درء تعارض العقل والنقل في تحقيق عليه، وفي حتى في الاستقامة وغيرها من التحقيقات. فالرجل لا يبخس حقه، لكن في النهاية يناقش في كثير من الإضافات التي أضافها، وحقيقة ما كان ينبغي أن تضاف إلا بعد التركيز أكثر؛ لأنها لم توصل إلى المعنى الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موطن في الكتاب.

فكانت الفقرة التي أطلنا النقاش فيها وهي قوله صفحة ٢٩١: «وقوله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغنى بالقرآن»، هذا حديث أما أن يريد به الحث على أصل الفعل، وهو نفس التغني بالقرآن، وأما على صفة الفعل، وهو أن يكون تغنيه إذا تغنى بالقرآن لا بغيره. فأصبحت الفقرة هكذا: إن الحديث له معنيان: إما أن يريد به الحث على أصل الفعل، وهو نفس التغني بالقرآن، وإما الحث على صفة الفعل، وهو أن يكون تغنيه إذا تغنى بالقرآن لا بغيره.

فإذاً هو ليس حثاً على أصل التغني بالقرآن، أنه أنت لا بد أن تتغنى بالقرآن؛ لا، المعنى الثاني أنه أنت إذا حابب تتغنى فليكن تغنيك بالقرآن لا بغيره. وهذا كما وقع أيضاً، وهذان الاحتمالان واردان على تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، هل هو أمر بأصل الحكم، أي عليك أن تحكم بما أنزل الله بينهم؟ أو بصفته، إذا حكم؛ أي إذا حبيت تحكم فليكن حكمك بما أنزل الله؟ ثم أضاف ابن القيم بعدها قولين، دلالة على أن كلا القولين محتمل.

وبناءً على هذا، قوله بعد ذلك: المعنى الثاني أن يكون المراد بالحديث الحث على صفة الفعل فقط، أنه إذا تغنيت فليتغنَّ بالقرآن، فعلى المعنى الثاني هو ذم لمن تغنى بغيره مطلقاً، دون من ترك التغني به وبغيره؛ لأنه هو المعنى الثاني أنه إذا أنت حبيت تتغنى فليكن بالقرآن، إذا ما حبيت أصلاً تتغنى بشيء فالحديث لم يتطرق له. وعلى المعنى الأول، وهو أن يكون الحديث حائثاً على أصل الفعل، يعني هو يحضك على التغني بالقرآن، فيكون ذماً لمن ترك التغني بالقرآن، دون ذم من تغنى به ومن تغنى بغيره؛ فيكون الحديث لم يتطرق إلى هذه الجهة، فقط مقصود الحديث حثك على التغني بالقرآن، أما إذا حبيت تتغنى بالقرآن وبغيره، هذا موضوع آخر يؤخذ من دليل آخر مستقل.

هكذا يكون نعم المعنى صحيح، ودائماً طالب العلم إخواني يجب أن لا يستسلم سريعاً، هذه هي الفائدة التي نأخذها، لا ترفع الراية البيضاء سريعاً في فهم النصوص، بدك تظلك تبحث وتحاول، تبحث وتحاول لحتى تجد نفسك مقتنعاً بهذه المحاولة الحديثة دوماً على فهم النصوص. ربما بعض الإخوة حتى الدراسات الجامعية عودتهم هذا النمط، نمط أنه إذا ما فهمت فقرة شيخ الإسلام شو بتعمل؟ مش مشكلة الفقرة اللي بعديها فيها خير وبركة. هذا طالب العلم الذي يتعامل مع كتب التراث، كتب المعاصرين ممكن تتعامل معه بهذه الطريقة يمشي الحال، لكن كتب التراث كتب الأئمة الكبار لا، الإنسان يكون عنده نوع من النهم أنه لا بد كل شيء يكون مفهوماً، الكتاب من ألفه إلى يائه كل كلمة بدها تكون مفهومة في سياقها ودلالتها، هذا الذي يعطيك عمقاً معرفياً، وهذا الذي يجعلك تفهم وتكون إنساناً، لأنه كلما وقفت مع فقرة عجزت عنها فقفزت إلى التي بعدها ستجد أنه هناك فجوات معرفية في الكتاب لم تحل بعد، فالإنسان يستعين بالله سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله تعالى: وقال أبو القاسم: وقد روي أن رجلاً أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقبلت قبلت، فلا لها عارضان كالسبج أدبرت فقلت لها، والفؤاد في وهج السبج هو يقولون الخرز الأسود كخرج، نعم. هل علي ويحكما إن عشقت من حرج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حرج إن شاء الله».

قال قلت: هذا الحديث، طبعاً القشيري ما زال في سياق استدلاله على مسألة السماع، يريد أن يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأناشيد الغزلية والأناشيد التي فيها كذا، من هذه القصة التي أوردها. لأن هذه القصة قصة كما قال شيخ الإسلام قصة موضوعة، هذا الحديث كله موضوع لا أصل له. نعم، قال هذا الحديث موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث لا أصل له، وليس هو في شيء من دواوين الإسلام وليس له إسناد، بل هو من جنس الحديث الآخر الذي قيل فيه إن أعرابياً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قد لسعت حية الهوى كبدي، فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به، فعنده رقيتي وترياقي وهذا أيضاً موضوع باتفاق أهل العلم، كذب مفترى.

وكذلك ما يروى من أنهم تواجدوا، وأنهم مزقوا الخرقة ونحو ذلك، كل ذلك كذب لم يكن في القرون الثلاثة. نعم، تواجدوا يعني رقصوا حزناً، وهذا يعني فقط ما بالفاعل، دائماً نقول كلمة التواجد: وينك يا فلان؟ والله أنا هيني متواجد في المنطقة الفلانية، هذه كلمة خاطئة. نحن عادة في العرف المعاصر كثير في ناس تقول لك: والله أنا متواجد في المنطقة الفلانية، التواجد هو إما الرقص أو الحزن، فلما تقول أنا متواجد في المنطقة الفلانية يعني أنت بترقص في المنطقة الفلانية وبتحزن، الأصل تقول: أنا موجود في المنطقة الفلانية، أنا وجود مش أنا متواجد في المنطقة الفلانية. المهم، فبعضهم قال في حديث إن الصحابة تواجدوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ومزقوا الخرقة ونحو ذلك، هذا كذب لم يكن في القرون.

نعم قال: لم يكن في القرون الثلاثة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا بالعراق ولا خراسان من يجتمع على هذا السماع المحدث، فضلاً عن أن يكون كان نظيره على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان أحد يمزق ثيابه، ولا يرقص في سماع، ولا شيء من ذلك أصلاً. بل لما حدث التغبير في أواخر المئات الثانية ما كان أهله من خيار الصوفية، وحدث من جهة المشرق التي يطلع منها قرن الشيطان ومنها الفتن مشرق العراق هنا. نعم قال الشافعي رضي الله عنه: خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه تغبير يصدون به الناس عن القرآن.

قال: والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح غمرت حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات أو الخطأ في مواقع الاجتهاد، وهذا سبيل كل صالح في هذه الأمة في خطائهم وزلاتهم. نعم هذا هو إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه بعض الأفاضل وقع في التغبير، كبير بعض الأفاضل وقع في هذا السماع متأولاً، نسأل الله أن يغفر له وأن يكون هذا يغرق في بحر حسناته وغيره.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٥]. وذلك كالمتأولين في تناول المشكل من صالح أهل الكوفة ومن يتبعهم على ذلك، وإن كان تأويلاً نوع من المسكر؛ مش كانوا يشربون الخمور كانوا يشربون النبيذ.

نعم قال: ومن اتبعهم على ذلك وإن كان المشروب خمراً، لا يشك في ذلك من اطلع على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة. وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من أهل مكة متبعين لما كان يقوله ابن عباس وإن كان قد رجع عن ذلك أو زادوا عليه، إذ لا يشك في ذلك وأنه من أنواع الربا المحرم والنكاح المحرم. نعم إن نكاح المتعة نكاح محرم، وربا الصرف ربا محرم، لكن ابن عباس قال أقوالاً بإباحتها ابتداءً ثم رجع عن ذلك، هذا هو المشروع.

نعم قال: وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش من أهل المدينة. الحشوش مرت معنا الفكرة في الدرس السابق اللي هو الوطء في الدبر، نعم قال: وإن كان...

لا يشك في تحريم ذلك من طالع نصوص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك ما دخل فيه من دخل من السابقين والتابعين من القتال في الفتنة والبغي بالتاويل، مع ما علم في ذلك من نصوص الكتاب والسنة من ترك القتال والصلح. فما تأول فيه قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب أو منكوح أو مملوك أو مما قد علم أن الله قد حرمه ورسوله، لم يجز اتباعهم في ذلك، ومغفور لهم وإن كانوا خيار المسلمين. والله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو سبحانه يمحو السيئات بالحسنات، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. وبهذا يحصل الجواب عما ذكره الشيخ أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب؛ حيث ذكر أنه من أنكر السماع مطلقا غير مقيد فقد أنكر على سبعين صديقا.

هذه فكرة مهمة جدا في عمليات الاستدلال، وهو الاستدلال ببعض أهل البدع والأهواء، أو بعض الناس عندما تضعف حجته يصبح يستدل بالكثرة. الاستدلال بالكثرة أبدا ليس طريقا علميا؛ فقوله: سبعون صديقا سمعوا السماع الصوفي، هذا لا يدل على صحته، فدائما هذه من الحجج الضعيفة الواردة؛ وهي الاستدلال بوجود من فعل هذا من الأفاضل. لو كان من كان، نحن الحجة دائما بفعل النبي عليه الصلاة والسلام والإجماع، أما ما سوى ذلك فإنه لا يحتاج. قول الصحابي يحتاج في نقاش في مصدر حجيته، لكن خلينا نقول ما بعد الصحابة لا، هنا كلهم يحتاجون إلى أن يستدلوا على أقوالهم، وليسوا هم بحد ذاتهم دليلا.

قال: ولعل الإنكار اليوم يقع على خلق عظيم من الصديقين، لكن يقال: الذين أنكروا ذلك أكثر من سبعين صديقا. شيخ الإسلام يقول: ولعل الإنكار اليوم نحن ننكر على أكثر من سبعين صديقا، مئات المتأخرين وقعوا في السماع، شيخ الإسلام يقول له: لا، أنا بدي أقول لك مش سبعين صديقا، مئات الأفاضل من المتأخرين وقعوا في السماع البدعي، لكن هذا لا يعتبر دليلا. لذلك ماذا قال؟ لكن يقال الذين أنكروا هذا السماع البدعي هم أكثر من سبعين من السلف والأئمة الأوائل رضوان الله عليهم؛ مئات مئات أنكروا السماع البدعي، فإذا بدك تيجي تستدل بالكثرة أنا بجيب لك كثرة مقابلة، فهذا ليس منهجا علميا.

قال: وهم أعظم علما وإيمانا وأرفع درجة، فليس الانتصار بطائفة من الصديقين على نظرائهم، لا سيما على من هو أكبر وأكثر، بأدل من العكس. فإن القائل إذا قال: من شرع هذا السماع المحدث وجعله مما يتقرب به فقد خالف جماهير الصديقين من هذه الأمة ورد عليهم، كان قوله أصح وأقوى في الحجة، دع ما سوى ذلك. لو أن شخصا قال: من شرع هذا السماع فقد خالف الصديقين، كان هذا الكلام أكثر منطقية؛ أنت بتقول سبعين صديقا سمعوا، أنا ممكن أعكس عليك وأقول: بالعكس، من سمع السماع الصوفي فقد خالف الصديقين، هذا أدل وأقوى من حجتك.

قال: وهنا أصل يجب اعتماده، هو ذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يعصم آحادها من الخطأ، لا صديقا ولا غير صديق. لكن إذا وقع بعضها في خطأ فلا بد أن يقيم الله فيها من يكون على الصواب في ذلك الخطأ؛ لأن هذه الأمة شهداء على الناس، وهم شهداء الله في الأرض، وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلا بد أن تأمر بكل معروف وتنهى عن كل منكر، فإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا فلا بد أن يكون فيها من يأمر بذلك المعروف. فأما الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة نازعهم فيها أندادهم فباطل، بل لو كان المنازع لهم أقل منهم عددا وأدنى منزلة لم تكن الحجة مع أحدهما إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه بذلك أمرت الأمة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59].

قال: فإذا تنازعت الأمة وولاة الأمور من الصديقين وغيرهم، فعليهم جميعهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. ومن المعلوم أن الصديقين الذين أباحوا بعض المشكل كانوا أسبق من هؤلاء وأكثر وأكبر. الكوفيون الذين أباحوا شرب النبيذ من الأفاضل من علماء الكوفة الأفاضل كانوا قبل مسألة السماع أصلا وقبل ظهورها، وكانوا فضلاء، ومع ذلك لم يمنعنا أنهم فضلاء وعلماء أن ننكر عليهم وأن نبين خطأهم في شرب النبيذ، وأن تأولهم كان تأولا خاطئا.

وكذلك الذين استحلوا المتعة والصرف أو بعض المطاعم الخبيثة والحشوش، والذين استحلوا القتال في الفتنة متأولين ومعتقدين أنهم على الحق، وغير ذلك؛ هم أسبق من هؤلاء وأكثر وأكبر. فإذا نهي عما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد أن يقول: هذا إنكار على كذا وكذا رجلا من السابقين والتابعين؛ فإن هذا الإنكار كان على من نظرائهم ومن هو فوقهم أو قريبا منهم، وعند التنازع فالمرد إلى الله ورسوله. نفس الشيء كثير من المسائل اليوم الخلافية التي يجيء يقول لك: طب هي ابن حجر الهيتمي من الشافعية قال بها، هذا ليس دليلا، وهي فلان من الحنابلة قال بهذا ليس دليلا، زي مسألة الاستغاثة بالأموات وما شابه ذلك، لا يستدل فيها تقول: طب ما هو أفتى بها فلان، ما هو حتى لو أفتى بها فلان إذا كلامه خطأ انتهت القضية. وشاء الله أن يكون يعني إذا كان متأولا نسأل الله أن يغفر له ويسامحه، لكن أنا في النهاية كبحث علمي معرفي؛ قضية تكلم بها فلان، قال بذلك فلان، هذا ليس دليلا.

إذا كان رجل من أهل العلم الأفاضل يمكن ينظر في أدلته التي طرحها لأنه يتوقع أن يكون له أدلة، أما هو نفس كلامه لا يعتبر دليلا، وإذا كان خاطئا لا عبرة به مهما كان بلغ من الصديقين، حتى الإنسان الولي لله الصديق يتصور منه أن يزل في مسائل، هذا شيء طبيعي. ولكن من ذهب إلى القول المرجوح ينتفع به في عذر المتأولين، فإن عامة ما حرمه الله؛ مثل قتل النفس بغير حق، ومثل الزنا والخمر والميسر والأموال والأعراض، قد استحل بعض أنواعه طوائف من الأمة بالتأويل. وفي المستحلين أقوام من صالح الأمة وأهل العلم والإيمان منهم، لكن المستحل لذلك لا يعتقد أنه من المحرمات، ولا أنه داخل فيما ذمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فالمقاتل في الفتنة متأولا لا يعتقد أنه قتل مؤمنا بغير حق، والمبيح للمتعة والحشوش ونكاح المحلل لا يعتقد أنه أباح الزنا وسفاحا، والمبيح للنبيذ المتأول فيه ولبعض أنواع المعاملات الربوية وعقود المخاطرات لا يعتقد أنه أباح الخمر والميسر والربا. ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار من أسباب المحن والفتنة، فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك.

هذه فتنة فعلا في كل زمان ومكان؛ أن يكون رجل معظم من أهل الخير والصلاح يزل في مسألة، خذ عاد أقنع أتباعه أن الشيخ زل، هذه من أكثر الأمور تعقيدا، الحقيقة؛ ليست فقط في واقعنا الحديث بل حتى في تاريخ الأمة، إذا الشيخ العظيم صاحب الفضل زل في مسألة، من الصعب جدا جدا أن تقنع تلاميذه أو طلابه أن الشيخ زل.

عقود المخاطرات التي فيها غرر، وما يشبه القمار وما شابه ذلك. قال: فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك، والقوم قد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك، بل يتعدون ذلك ويزيدون زيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة، والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل وقد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم. هذه قضية مهمة، وأن الذي يحصل في تاريخ الأمة للأسف هو أن يوجد بعض العلماء أو بعض الأفاضل قد يخطئ في مسألة متأولا، فيأتي الطرف الآخر صاحب الحق لينكر عليه فيزيد في حجم الإنكار أيضا بطريقة غير شرعية، يصبح إنكاره للمنكر منكرا. قالوا: ومن هنا نشأت الفتنة في الأمة، أنه أنت تجد بعض الأفاضل وقعوا في شيء من الأخطاء أو البدع أو الأفعال غير الشرعية متأولا فيها، يظن أنه على صواب، فيأتي من ينكر عليه فيكون الإنكار فيه مبالغة عن القدر الشرعي فيه اعتداء، خاصة إذا بدأ ينزل عليه أنه أنت كافر أو أنت فاسق. يا عمي الله يرضى عليك، هو متأول في بعض المسائل ما في داعي أن يصبح إنكارك للمنكر لا ينتهي ولا يشفي غليلك إلا أن تصل إلى تكفيري، خلص أنا بشفي غليلي، أو إلى تفسيقه أو تبديعه عينا. فالكثير من الأمور يجب أن يراعى فيها التأول والعذر وفتح هذه المساحات، فشيخ الإسلام يعني عم يرصد لك الأخطاء من الجهتين؛ ممن هم أصحاب الباطل، وممن يرد على الباطل.

قال: ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيزيدون في الذنب؛ بيجي هذا الذي أنكر المنكر بيجي أتباعه بيزيدوا الطين بلة، فيزيدون في غيبة هؤلاء المشايخ الذين وقعوا في منكر، يستحلون غيبتهم والوقوع في أعراضهم بحجة ايش؟ ما هم يا شيخ مش شايفهم مبتدعة؟ طب يعني هو حتى لو مبتدع يعني أنت من قال لك إنه عرضه مستباح؟ هذا أولا، ثانيا في مساحة من التأويل، يعني هو يرى نفسه في عنده وجهة نظر، أنه عندي مشايخ وكذا، هي أنا أفهم أنه هذا خطأ بس بدي أفهم عقلية الطرف الآخر كيف يفكر. هذه إخواني طبعا هذه لكم إن شاء الله في المستقبل، أنتم جيل يكبر إن شاء الله وتكونوا علماء لهذه الأمة، دائما لما تحكم لا بد أن تفهم كيف يفكر الطرف الآخر؛ ما بصير تحكم على الشيء فقط من زاوية نظرك، أنا ماشي من زاوية نظري فاهم أنه هذا بدعة أو هذا خطأ وهذا منكر، لكن أنا لا بد أحاول أن أفهم عقلية الطرف الأمامي، ما الذي أوقعه في هذا؟ هو كيف ينظر للمسألة؟ كيف يفكر؟ إذا فهمت هو كيف يفكر لعلك تعذر، لعلك تفهم ما السبب الذي أوقعه في الحرج. لا تظن أن كل الناس نظرت للمسألة أو رزقت نفس الفهم أو نفس الاطلاع أو نفس البيئة التي أنت نشأت فيها، فهذا من أهم الأمور؛ مراعاة المخطئين والواقعين في أخطاء بدعية وما شابه ذلك تأولا.

قال: فهذا واقع كثير في موارد النزاع التي وقع فيه خطأ من بعض الكبار، واعتبر ذلك بمسألة السماع التي تكلمنا فيها، فإن الله سبحانه شرع لهذه الأمة ما أغناهم به عما لم يشرعه؛ حيث أكمل الدين وأتم عليهم النعمة ورضي لهم الإسلام دينا، وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة التي هي عماد دينهم، وفي غير الصلاة مجتمعين ومنفردين. حتى كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون يسمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فاقرأ وهم يستمعون. وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع، وإنما ذكرنا هنا نكتا تتعلق بالسماع، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. سيأتي يسرد الآيات التي تتكلم عن سماع القرآن وضرورته وخطورة هجر القرآن إلى غير ذلك، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن»، ومن قرأ القرآن؛ دلنا على أن هذا هو السماع الشرعي. الكتاب والسنة دلانا على أنه سماع القرآن والعلم النافع. فلما انقرضت القرون الفاضلة حصل فتور في هذا السماع المشروع الذي به صلاح القلوب وكمال الدين، وصار أهل التغيير فيه أحد رجلين: رجل معرض عن السماع المشروع وغير المشروع، ورجل احتاج إلى سماع القصائد والأبيات، فأحدث سماع القصائد والأبيات كالتغبير.

إذن فصاروا الناس رجلين، رجل أصلا ما عاد يسمع شيئا؛ لا شيء مفيد ولا شيء غير مفيد، لم يسمع القرآن ولا حتى الأناشيد واشتغل بالتجارة والأموال والدنيا، ورجل آخر للاسف أحدث سماع القصائد والأبيات وأنشأ التغبير وما شابه ذلك من الأمور التي نشأت. وكان الأكابر الذين حضروه لهم من التأويل ما لهم، فأقام الله في الأمة من أنكر ذلك، كما هو سنة الله في هذه الأمة؛ الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، وهؤلاء المنكرون فيهم المقتصد في إنكاره، ومنهم المتأول بزيادة في الإنكار غير مشروعة، كما قلنا بعضهم يزيد يبالغ في إنكار المنكر بطريقة غير مشروعة، كما أحدث أولئك ما ليس مشروعا.

الأيام يزداد المحدث من السماع، ويزداد التغليظ في أهل الإنكار، حتى مع الزمان تزداد الفوهة، ويزداد الذين يتأولون في السماع، وفي المقابل يزداد أيضًا الخطأ في الإنكار عليهم والتغليظ المبالغ فيه في الإنكار عليهم.

قال: حتى الأمر من أنواع البدع والضلالات والتفرق والاختلافات إلى ما هو أعظم من القبائح والمنكرات التي لا يشك في عظم إثمها وتحريمها من له أدنى علم وإيمان. وأصل هذا الفساد من ذلك التأويل في مسائل الاجتهاد، فمن ثبتَّه الله بالقول الثابت أعطى كل ذي حق حقه وحفظ حدود الله فلم يتعدَّها، ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه، فالشر في التفريط بترك المأمور أو العدوان بتعدي الحدود، وحصلت الزيادات في جميع الأنواع المبتدعة.

فإن أصل سماع القصائد كان تلحينًا بأنشاد قصائد مرققة للقلوب تحرك المحبة والشوق، أو الخوف والخشية، أو الحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلان؛ فيشترطون أن يكون المجتمعون -هكذا الصوفية- اجتمعها من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المنشد غير متضمن لما يكره سماعه في الشريعة، وقد يشترط بعضهم أن يكون القوال منهم، وربما اشترط بعضهم ذلك في الشاعر الذي أنشأ تلك القصائد أن يكون القوال -يعني المنشد- منهم، ومن المريدين، وممكن لا يجيبوا منشد خارجًا، يستضيفون منشدًا من بره.

قال: وربما ضموا إليه آلة تقوي الصوت، وهو الضرب بالقضيب على جلد مخدة أو غيرها، وهو التغبير. ومن المعلوم أن استماع الأصوات يوجب حركة النفس بحسب ذلك الصوت الذي يوجب الحركة. وللأصوات طبائع متنوعة تتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره؛ فيجمعون بين الصوت المناسب والحروف المناسبة لهم. وهذا الأمر يفعله بنو آدم من أهل الديانات البدعية كالنصارى والصابئة وغير أهل الديانات ممن يحرك بذلك حبه وشوقه ووجده.

هو يريد أن يقول لهم: إن ما تفعلونه من هذا الإنشاد وإدخال الدف والضرب وتحريك الأشواق والأحزان أو الأوجاد، هذه أصلًا لم تؤخذ من السلف، وإنما أخذت من أصحاب الديانات أو غير الديانات من أصحاب اللهو كالصابئة وغيرهم، هم الذين يكون تدينهم لله بهذه الطريقة. أما الإسلام، فمن قرأ سيرة النبي ﷺ وقرأ منهج الصحابة والسلف يعرف أن هذا لم يكن أبدًا طريقة من طرق التدين، وإنما إحداث هذا الطريق هو من طرق التدين، فأنتم تشاركون فيه أصحاب الديانات المحرفة أو أصحاب الأهواء والباطلين.

قال: فخلف بعد أولئك من صار يجمع عليه أخلاط من الناس، ويرون اجتماعهم لذلك شبكة تصطاد النفوس -بزعمهم- إلى التوبة والوصول في طريق أهل الإرادة. أحدث بعد أولئك أيضًا الاستماع من المخانيث المعروفين بأهل... الجيل الأول الذي أحدث السماع وصلوا للتغبير والمكان والإمكان والخلان، والجيل الثاني من أهل السماع الصوفي صاروا يجمعون عليه النساء والصبيان والمخانيث، ودخلت الأمور في ما هو أسوأ من ذلك، وهكذا البدعة إذا نشأت تنمو مع الوقت وتصبح أسوأ.

فقال: وحدث بعد أولئك أيضًا الاستماع من المخانيث المعروفين بأهل الفسوق والزنا، الذين هم مثل المغنيين الفجار اليوم، وربما استمعوه من الصبيان المردان أو من النسوان الملاح كما يفعل أهل الدساكر والمواخير، أي أهل الحوانيت والملاهي. وقد يجمعون في السماع أنواع الفساق والفجار، وربما قصدوا التكاثر بهم والافتخار إن كانوا من أهل الرئاسة والسيادة.

وكثير من الصوفية يستضيفون الأغنياء الفساق، فإلى اليوم تجد مجلس السماع تبعهم فيه من الأغنياء الفساق المعروفين كممثلين وفاجرين وكذا وكذا، فتلاقيه حاضرًا لمجلس سماع صوفي، وتجد الصوفية لماذا يحضرونهم؟ قال: يستكثرون بهم، أي والله نحن في مجلسنا الممثل الفلاني أو الفاسق الفلاني أو المرابي الفلاني. وكثيرًا ما يحضر فيه أنواع المردان، وقد يكون ذلك من أكبر مقاصد أهل السماع.

والعياذ بالله، الآن سيكز ابن تيمية على قضية المردان كثيرًا، والظاهر أنها قضية كانت منتشرة خاصة في بلاد الأعاجم، وقضية حضور المردان -والمردان هم الشباب الصغار الذين لم ينبت لهم لحا- كانت العلاقة بهم نوعًا من أنواع الشذوذ الموجود والمنتشر عند أصحاب السماع الصوفي في الأجيال المتأخرة. فلذلك يقول: وقد يكون ذلك من أكبر مقاصد أهل السماع وهو أن ينظروا إلى المردان، والعياذ بالله، وربما ألبسوا المردان الثياب المصبغة الحسنة حتى يصبح المرد مع الثياب الحسنة أجمل وأجمل، وأرقصوهم، ولو ارقصوهم في طابق الرقص والدوران، جعلوا مشاهدتهم بل معايقتهم مطلوبة لمن يحضر من الأعيان، وإذا غلبهم وجدوا الشيطان.

ورفعوا الأصوات التي يبغضها الرحمن، وكذلك زادوا في إنشاد القصائد، فكثيرًا ما ينشدون أشعار الفساق والفجار، وفيهم كثير ينشدون أشعار الكفار، بل ينشدون ما لا يستجيزه أكثر أهل التكذيب، وإنما يقوله أعظم الناس كفرًا برب العالمين وأشدهم بعدًا عن الله ورسوله ﷺ والمؤمنين. وزادوا أيضًا في الآلات التي يستثيرون بها الأصوات، مما يصنع بالأفواه والأيادي كأبواق اليهود ونواقيس النصارى من بليغ المنكرات كأنابيب الصفارات، حتى طوروا آلات الملاهي والمعازف التي يستعملونها.

قال: وإنواع الصلاص؛ الصلاصل والأوتار المصوتات، ما عظمت به الفتنة حتى ربى فيها الصغير وهرم فيها الكبير، حتى اتخذوا ذلك دينًا وديدنًا، وجعلوه من الوظائف الراتبة بالغداة والعشي، كصلاة الفجر والعصر، وفي الأوقات والأماكن الفاضلات، واعتادوا به عن القرآن والصلوات، وصدق فيهم قوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]، وصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]. إذ المكاء هو الصفير ونحوه من الغناء، والتصدية هي التصفيق بالأيادي، فإذا كان هذا سماع المشركين الذي ذمه الله في كتابه، فكيف إذا اقترن بالمكاء والصفارات؟

وجعل ذلك طريقًا وديناً يتقرب به إلى المولى الجليل، وظهر تحقيق قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل». النفاق؛ فالغناء ينبت النفاق في القلب، وكلما أكثر الإنسان من سماع الغناء كلما كما قلنا ضعفت إيمانه، حتى ما يسمى بالإنشاد الإسلامي، هذا كله يضعف إيمان الإنسان مع الوقت، ويصبح لا يقوى أو لا يتحرك قلبه إلا إذا سمع أنشودة، وإذا سمع القرآن ينفر أو لا يهتم أو يتشاغل عنه، ولا يشعر بالتدبر والهدوء والسكينة عنده، وإنما ينتظر سماع شدة حتى يتحرك قلبه، هذا كله من شعب النفاق والعياذ بالله.

قال بل أفضى إلى أن يجتمع في هذا السماع على الكفر بالرحمن، والاستهزاء بالقرآن، وذم المساجد والصلوات، وطعن أهل الإيمان والقربات، والاستخفاف بالأنبياء والمرسلين، والتحريض على جهاد المؤمنين ومعاونة الكفار والمنافقين، واتخاذ المخلوق إلهاً من دون رب العالمين، وشرب أبوال المستمعين وجعل ذلك من أفضل أحوال العارفين ورفع الأصوات بالمنكرات التي أصحابها شر من البهائم السائمة، الذين قال الله في مثلهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]. أولئك هم الغافلون الذين يفعلون في سماعاتهم ما لا يفعله اليهود والنصارى، ولهذا يتولون من يتولاهم من اليهود والنصارى والصابئة والمشركين، وقد كثر في الصوفية الميل إلى أعداء الأمة وتوليهم على حساب المؤمنين الصادقين والمجاهدين، قال ويجعلونهم من إخوانهم وأصحابهم وأهل طريقتهم مع معاداتهم للأنبياء والمؤمنين.

فصار السماع المحدث دائراً بين الكفر والفسوق والعصيان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكفره من أغلظ الكفر وأشده، وفسوقه من أعظم الفسوق، وذلك أن تأثير الأصوات في النفوس من أعظم التأثير، يغنيها ويغذيها، حتى قيل إنه لذلك سمي غناءً؛ لأنه يغنيها. هذه قاعدة عامة أن طبيعة الإنسان يتأثر بالأصوات الجميلة، فخلق الله الإنسان كائناً يتأثر بالأصوات وتحرك فيه شيئاً، ولذلك كان تأثير الأصوات في النفوس من أعظم التأثير، يغنيها ويغذيها.

حتى قيل إنه لذلك سمي غناءً لأنه يغني النفس، يعطيك نوعاً من الاستغناء لأنه يشبع نوعاً من أنواع الافتقار النفساني، فالأصوات الجميلة تعمل نوعاً من الشبع في أشياء نفسية معينة يغنيها ويغذيها. ففأنت تريد أن تختار ما هو نوع السماع والصوت الحسن الذي تريد أن تسمع معه، وهو يفعل في النفوس أعظم مما يفعل الخمر، حتى يوجب للنفوس أحوالاً عجيبة يظن أصحابها أن ذلك من جنس كرامات الأولياء، وإنما هو من الأمور الطبيعية الباطلة المبعدة عن الله، إذ الشياطين تمدهم في هذا السماع بأنواع الإمداد، كما قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يُمِدُّونَهُم بِالْغَيِّ﴾ [الكهف: 52].

وقال: «لأستفزن من استطعت منهم بصوتي»، فربما يخف أحدهم حتى يرقص فوق رؤوسهم، ويكون شيطانه هو المغري لنفوسهم، حتى تصل مرحلة أن الصوفي يرى أنه يرقص فوق الرؤوس، تنظر إلى سطح الغرفة تجده يرقص، شيخ الإسلام يقول هذا، يقول الشيطان هو الذي حمله، ويظن أن هذه من كرامات الأولياء أنه صار يرقص في سطح الغرفة والناس تنظر إليه تقول ما شاء الله، خلقت له المعجزة أو السنة الكونية أو ما شابه من ذلك، وهذا يكون كما قال من الشيطان.

ولهذا كان مرة في سماع يحضره الشيخ شبيب الشطي، فبينما هم في سماع أحدهم إذا بعفريت يرقص في الهواء على رؤوسهم فتاجبوا منه، وطلب الشيخ لمريده الشيخ أبا بكر ابن فينان وكان له حال ومعرفة، فلما رآه صرخ فيه فوقع، فلما فرغوا طلب منه أن ينصفه وقال هذا سلبني حالي، فقال الشيخ لم يكن له حال ولكن كان بالرحبة فحمله شيطانه إلى هنا وجعل يرقص به، فلما رأيت الشيطان صرخت فيه فهرب، ويُعرف هذا بالقصة المعروفة.

وقال وصار في أهل هذا السماع المحدث الذين اتخذوا دينهم لغواً ولعباً ضد ما أحبه الله وشرعه في دين الحق الذي بعث به رسوله ﷺ من جميع الوجوه، بل صار مشتملاً على جميع ما حرمه الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

فصار فيه من الفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي بغير الحق، والإشراك بالله ما لم ينزل به سلطان، والقول على الله بغير علم ما لا يحصيه إلا الله، فإنه تنوع وتعدد وتفرق أهله فيه، وصاروا شيعاً، لكل قوم ذوق ومشروب وطريق يفارقون به غيرهم حتى في الحروف المنشدة والأصوات الملحنة والأذواق الموجودة والحركات الثائرة والقوم المجتمعين، وصار من فيه من العلم والإيمان ما ينهاه عما ظهر تحريمه من أنواع الكفر والظلم الفاحش.

ويريد أن يحد حداً للسماع المحدث يفصل به ما بين ما يسوغ منه وما لا يسوغ، فلا يكاد ينضبط حد لا بالقول ولا بالعمل، فإن قرب في الضبط والتحديد بالقول لم ينضبط له بالعمل، إذ يندر وجود تلك الشروط. وهذا من جميل هذا الكلام، أن بعض الأفاضل يقول لك: أنا والله حابب أسمع سماع، بس حابب أسمع سماعاً منضبطاً، أريد أن أسمع أناشيد وسماع مجلس هادئ، لا أريد اللخبطة والكلام الفارغ والمؤثرات وما شابه ذلك، شيخ الإسلام يقول لهذا الرجل الفاضل الذي هو حابب يسمع أناشيد بصوت معتدل وهادئ بدون وجود إشكالات، حاول أن يضبط الإنشاد.

الإسلامي يحاول يوصل لقناعة معينة أن هذا هو حد الحلال من الحرام، فإذا لم ينضبط تجد عنده إشكالات، ودخلت المؤثرات الصوتية والمؤثرات الكذا، ففعلا هذا الباب التقليل منه أفضل.

قال: إذ يندر وجود الشروط الشرعية، يندر في الإنشاد، حتى إنه اجتمع مرة ببغداد في حال عمارتها ووجود الخلافة بها أعيان الشيوخ الذين يحضرون السمع المفتون، فلم يجدوا من يصلح له في بغداد وسوادها إلا نفر، إما ثلاثة وإما أربعة أو نحو ذلك.

قال: وسبب هذا الإضراب أنه ليس من عند الله، وما كان من عند غير الله وجدوا فيه اختلافا كثيرا؛ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].

ثم مع اشتماله على المحرمات كلها أو بعضها، يرون أنه من أعظم القربات، بل أعظمها وأجلها قدرا، وأن أهلهم هم صفوة أولياء الله وخيرته من خلقه، ولا يرضون بمساواة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسلف الأمة، حتى يتفضلوا عليهم، حتى يروا أنهم أفضل حتى من السلف الصالح بهذا السماع.

ابن تيمية يعطيك كيف سبحان الله بدعة تنشأ صغيرة ثم تصبح كأنها أصل من أصول الدين، والشكل من أشكال التعبدات المفضلة، مع أنها في النهاية -وفي البداية ربما أول جيل أنشأ هذه البدعة- ما كان يتصور أنها ستصبح رأسا من رؤوس العبادات، ربما أحدهم هكذا في لحظة ونسى، قال الشباب تعالوا ننشد، لكن البدع إذا نشأت سبحان الله اشتعلت. والسلف رضوان الله عليهم عندما كانوا يحذرون من مبادئ البدع كانوا على وعي ودراية أنه لا بد أن تسد الذرائع من بدايتها، ما ينفع الإنسان يتساهل في أشياء صغيرة بحجة أنها صغيرة، والشيء الصغير هو الذي أوصلنا اليوم إلى ما نحن فيه من المصائب.

قال: وفيهم من يساوون أنفسهم بالأنبياء والمرسلين، وفي من يتفضل أيضا على الأنبياء والمرسلين، على أنواع من الكفر التي ليس هذا موضعها. وجماع الأمر أنه صار فيه -وفيما يتبعه في وسائل ذلك ومقاصده في وجوده ومقصوده في صفته ونتيجته- ضد ما في السماع والعبادات الشرعية، في السماع البدعي وهو السماع الصوفي للأناشيد والأغاني وما شاء ذلك، ضد ما في السماع الشرعي وهو سماع الكتاب والسنة.

قال: صفته ضد ما في السماع والعبادات الشرعية في وسائلها ومقاصدها وجودها ومقصودها صفتها ونتيجتها، فذاك يوجب العلم والإيمان، وهذا يوجب الكفر والنفاق. ولهذا كان أرباب الناس أهل البوادي من العرب والترك والكرد وغيرهم أكثر استعمالا له من أهل القرى، فإنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229]، أشد كفرا ونفاقا.

ولهذا كان تحضره الشياطين، كما أن سماع أهل الإيمان تحضره الملائكة وتنزل عليهم فيه السكينة وتوحي إليهم. تتبتوا إخواني، سماع أهل الإيمان يقصد به الكتاب والسنة. قال: كما تنزل الملائكة على المؤمنين وتقذف في قلوبهم، فإن الملائكة تنزل عند سماع القرآن وعند ذكر الله، كما في الصحيح: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».

وفي الصحيح أن أسيد بن الحضير كان يقرأ سورة الكهف فرأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فقال النبي ﷺ: «تلك السكينة تنزلت لسماع القرآن». وفي الصحيح أن لله ملائكة فضوا عن كتاب الناس، فإذا رأوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، الحديث بطوله.

وهذا السماع المحدث تحضره الشياطين، كما رأى ذلك من كشف له، وكما توجد آثار الشياطين في أهله، حتى إن كثيرا منهم يغلب عليه الوجد فيصعق كما يصعق المصروع، ويصيح صياحه، ويجري على لسانه من الكلام ما لا يفهم معناه ولا يكون بلغته كما يجري على لسان المصروع، وربما كان ذلك من شياطين قوم من الكفار الذين يكون أهل ذلك السماع مشابهين لقلوبهم، كما يوجد ذلك في أقوام كثيرين كانوا يتكلمون في وجدهم واختلاطهم بلغة الترك والتتر الكفار، فينزل عليهم شياطينهم ويغوونهم ويبقون منافقين موالين لهم وهم يظنون أنهم من أولياء الله، وإنما هم من أولياء الشيطان وحزبه.

ولهذا يوجد فيه أعظم مما يوجد في الخمر من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ومن إيقاع العداوة والبغضاء حتى يقتل بعضهم بعضا، ولهذا يفعلونه على الوجه الذي يحبه الشيطان ويكرهه الرحمن.

الآن هو أعطاك قاعدة أن السماع الشيطاني -السماع الصوفي- يختلف عن السماع الرحماني سواء في وسائله أو في مقاصده؛ أي في النتائج التي تحصل منه، فإن السماع الرحماني يوصل إلى التقوى ومحبة الله، والسماع الشيطاني كما قال يوصل إلى الفحشاء والمنكر وما شابه ذلك، هذا من حيث المقاصد والنتائج. ثم يقول: ومن حيث الوسائل أيضا وطريق الفعل، السماع الرحماني يختلف في فعله وصفته عن السماع الشيطاني من حيث شكله وهيئته؛ فالسماع الرحماني يكون في العبادات المشروعة على سمت وهدوء وطهارة وابتعد الرجال عن النساء وما شابه ذلك، أما السماع الشيطاني فيكون في اختلاط وصحب مردان وسوء أدب وكذا، فهو من حيث الوسائل ومن حيث المقاصد كله على طرائق الشيطان.

الآن سيعطيك كيف أن السماع الشيطاني الصوفي الذي يتكلم عنه هنا يقع على وجه وأسلوب يختلف عن الطريقة الشرعية التي تقام بها العبادات وسماع كلام الرحمن. فقال أولا: أحدها أن العبادات الشرعية من مثل الصلاة والصيام والحج، قد شرع فيها من مجانبة جنس المباشرة المباحة في غيرها ما هو من كمالها وتمامها؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. قد شرع في العبادات الشرعية تقوم على فلسفة: قد شرع فيها من مجانبة جنس المباشرة المباحة في غيرها، أقصد مباشرة النساء.

مباشرة النساء المباحة في غير العبادات، النساء اللاتي هن زوجتك، هذا الذي يبيحه الله سبحانه وتعالى، أباح هذا الرجل أن يباشر زوجته في الأحوال الطبيعية، لكن لما تكون في مقام...

المباشرة المباحة لك في غير مقام التعبد تصبح محظورة عليك في مقام التعبد، مع أنها كلها مباحة. يقول ابن تيمية: «المباشرة لزوجتك وهي مباحة في غير مقام التعبد، لما تكون وأنت تؤدي العبادات تصبح غير مباحة».

مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. فالمعتكف هل يجوز له أن يباشر زوجته في المسجد أو أن يجامعها؟ ما يجوز. كذلك قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. فالصائم هل له أن يباشر زوجته ويجامع؟ ما يجوز.

وقال تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]. نعم، إن ملامسة النساء بالجماع توجب الغسل إذا أردت أن تصلي، لأن الآية في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فبالتالي توجب ماذا؟ الغسل حتى تستطيع أن تنتقل إلى العبادة الأخرى.

فهذا يقول لك إن فلسفة الشريعة تقوم على أن المباشرة المباحة لما تأتي مكان العبادات وأوقاتها، لا بد أن يكون في ابتعاد بين جنس الرجال والنساء، مباعدة. لاحظوا هذا الملحظ الجيد؛ لأنه يمكن أن نستفيد منه حتى في كثير من الأخطاء الدعوية اليوم. إن طبيعة العبادات تقوم على المباعدة بين الجنسين، التي قد تكون مباحة في أثناء عدم ممارستك للعبادات؛ فأنت لما تكون جالساً في منزلك أو حياتك، تستطيع أن تباشر الزوجة وتقوم بما يرضي الله عز وجل من اللذات المباحة، لكن لما تكون في مقام التعبدات، لا، الشريعة تريد لما أنت تتعبد أن تتباعد حتى عن زوجتك، المراد التباعد عن المباشرة لأن هذا يشغلك ويلهيك عن التفكير والخشوع وما شابه ذلك.

علاه يضرب السماع الصوفي؟ إن السماع الصوفي للاسف هو مباشرة ولغير زوجتك وللمحرمات واختلاط رجال بنساء، فيقولون لهم: أنتم خالفتم مقصد الشارع أصلاً في وضع العبادات.

وقال: «وأعظم ذلك الحج؛ فليس للمحرم أن يباشر فيه النساء ولا ينظر إليهن لشهوة، والمعتكف قريب منه، والصائم دونه». المصلي في الإحرام لا يجوز لك أن تتزوج ولا تخطب، كل موضوع النساء ينتهي تماماً في الحج، حتى إنك تخطب ممنوع.

وقال: «والصائم دونه، والمصلي لا يصافح النساء، بل يؤخرن عن صفوف الرجال». مثلاً في صلاة الجماعة، النساء في آخر الصفوف والرجال في أولها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها».

وليس للمصلي في حال صلاته أن ينظر إلى ما يلهيه عن الصلاة؛ لا نساء ولا غيرهن. بل قد ثبت في الصحيح أنه إذا مر بين يديه امرأة أو حمار أو كلب أسود وضع صلاته، وإذا كان قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وضع صلاته، يعني نقصت صلاته.

وقال: «إنه كان يصلي وعائشة مضطجعة في قبلته بالليل في الظلمة، فإذا أراد أن يسجد غمزها». فاللابث غير المار، ولم يكن ذلك يلهيه؛ لأنه كان بالليل في الظلمة، وكذلك مس النساء؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت نائمة.

هو يريد أن يقول لك الفرق بين هذا الحديث والحديث السابق؛ الحديث السابق أن المرأة إذا مرت تقطع صلاة الرجل المسلم، أما عائشة فهي ليست مارّة، هي لابثة نائمة. فما يقول لك أصلاً كانت الغرفة مظلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بالكاد يرى جسد عائشة، لذلك كان يغمزها.

فإذا كان هذا في النظر والمباشرة، والمباشرة المباحة في غير حال العبادة قد نهى الله عنه حال العبادة، فكيف بما هو من مبطلات العبادة والملابسات لها؟ فكيف بما هو حرام خارج العبادة كالنظر إلى البغي والمباشرة لها؟ إذا كانت المباشرة المباحة لا تجوز في العبادة لأنها تنافي حالة العبادة، فكيف بما هو أصلاً حرام قبل العبادة كالنظر إلى النساء الأجنبيات والبغي والمباشرة لهن؟

جعلوا المباشرة غير المباحة، المحرمة في غير العبادة، نوعاً من أنواع العبادات والطقوس، وأصبحت مباشرة النساء الأجنبيات والنظر إليهن من العبادات، وهذا والعياذ بالله من تبديل الدين والشريعة، هذا من تبديل دين الله.

فكيف بالنظر إلى المردان الصبّاح المخانيث وغير المخانيث والمباشرة لهم؟ وثم هذا قد يُفعل لمجرد شهوة. فكيف يكون قبيحاً مكروهاً خارج العبادة، فكيف في حال العبادة؟ وهؤلاء قد يجعلون ذلك مما لا يتم السماع إلا به، بل ويتخذونه في الصلاة وغيرها من العبادات؛ فيجعلون حضورهم في السماع، والسماع من النساء والصبيان من جملة القربات والطاعات، وهذا من أعظم تبديل الدين.

فإن الرجل لو جعل النظر إلى امرأته في الصلاة أو الصيام أو الاعتكاف من جملة العبادة كان مبتدعاً، بل كان هذا كفراً؛ يعني لو أن الرجل جعل النظر إلى زوجته أثناء الصلاة أو أثناء ممارسته للعبادات عبادة، يصل به هذا إلى الكفر. شيخ الإسلام يقول هذا، فما بالك بالنظر ليس إلى زوجتك، بل النظر إلى شيء يحرم عليك أن تنظر إليه كالمردان والنساء الأجنبيات وتجعله عبادة! ويصل بك الحال أن ترى أن هذا من أعظم القربات، هذا تشويه جداً لمعالم الدين.

فكيف إذا جعل النظر إلى المرأة الأجنبية أو المرد في الصلاة من جملة العبادات كما يفعله بعضهم؟ وقد أوقد شمعة على وجه المرد ليستجليه في الصلاة؛ أي يضع المرد أمامه ويضع شمعة حتى تعطي ظلالاً حمراء وكذا، وناس مفتونة، والعياذ بالله. وصلت بهم الأمور إلى هذه الطريقة؛ يضعون شموعاً في غرفة معتمة ويضعون المرد أمامهم حتى تعمل الظلال والانعكاسات على وجهه، ويعد ذلك من عباداته!

هذا من أعظم تبديل الدين والتأم، ومتابعات الشياطين. وهذا إذا كان العمل عبادة في نفسه كالصلاة والصيام، فكيف إذا كان العمل بدعة عظيمة؟ هو السماع والمكاء والتصدي، ظلمات بعضها فوق بعض. إليهم مشاهدة الصور الجميلة، وجعل سماع هذه الأصوات ورؤية هذه الصور من العبادات، فهذا من جنس دين المشركين.

حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ راه جمع الناس على مثل هذا الاجتماع: «يا شيخ، إن كان هذا هو طريق الجنة، فأين طريق النار؟».

يعني هذا ملك من ملوك الفاسدين، بجوز بس لما شاف الشيخ الصوفي قاعد ومع نساءه ومع كذا، وقال له: «شيخ، هكذا الجنة؟ يعني أنتم بتروحوا على الجنة كذا؟ كيف الواحد بيروح على النار؟».

الوجه الثاني من الفساد في ممارسة هذه الطقوس؛ الوجه الأول إذا اختلاط الرجال بالنساء واختلاطهم مع المردان، والوجه الثاني من الفساد الذي يمارسونه أثناء السماع الصوفي: إدخال آلات المعازف. قال: الوجه الثاني أن التطريب بالآلات الملهية محرم في السماع الذي أحبه الله وشرعه وهو سماع القرآن، فكيف يكون قربه في السماع الذي لم يشرعه الله؟ يعني لو كنت تسمع قرآن وسنة وإنسان أدخل أثناء سماع القرآن والسنة معازف، ماذا تقول؟ هذا حرام، فما بالك في إدخال المعازف على السماع الذي لا يرضي الله أصلاً وهو سماع الأغاني وما شابه.

قال: وهل ضم ما يشرعه الله إلى ما ذمه يصير المجموع المعين بعضه لبعض مما يحب مما أحبه الله ورضيه؟ يعني لو عملت شيئاً صح ولكن أضفت له شيئاً غلط، المجموع النهائي ماذا يكون؟ يكون غلط. يعني لو وضعت شيئاً صح مع شيء غلط لا يرضي الله، وهذا يعين هذا وهذا يعين هذا، فالمُنتج النهائي ماذا سيكون؟ سيكون خطأ لا يرضي الله عز وجل، حتى ولو كنت خلطته بشيء من الصواب.

قال: الوجه الثالث كثرة إيقاد النار بالشموع والقناديل وغير ذلك مما هو الوسيلة الثالثة التي يفعلونها أثناء السماع؛ كثرة إيقاد النار والشموع وما شابه ذلك، ويجعلونها أيضاً من طقوس السماع. قال: فيه من تفرقة القلوب وغير ذلك مما هو خلاف المقصود.

قال: الوجه الرابع التنوع في المطاعم والمشارب فيه، وهذا ليس شأناً من شؤون العبادات، وإنما شُرع نوع ذلك عند الفراغ من العبادة. أحسنت، الوجه الرابع أنه دائماً تجد في السماع الصوفي يكثر ماذا؟ المناسف والرز واللحم والقصص؛ فيقول هذا ليس من العبادات، يعني هذا عادة إذا فعل يكون بعد انتهاء العبادة، مثل رمضان أنه في نهاية صيامك لليوم يكون هناك إفطار، بعد انتهاء موسم الحج تأتي أيام أكل وشرب وذكر الله. فهو يقول لك: الأكل والشرب في الشريعة يكون بعد انتهاء أو في آخر العبادة، لا أن تكون العبادة في جذرها تقوم على الأكل والشرب.

قال: وأما أن يكون هذا التنوع في المطاعم والمشارب في السماع من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، فلا. وأما موجباته من الحركات المختلفة والأصوات المنكرة والحركات العظيمة، فهذا أجل من أن يوصف الآن.

انتهى الوجه الرابع، وأما ما يوجبه السماع البدعي من الحركات المختلفة كالرقص والوثب والأصوات المنكرة والزعيق الذي يكون، فهذا أجل من أن يوصف. قال: ولا يمكن رد موجبه بعد قيام المقتضي التام، يعني إذا الإنسان سكر بالسماع لا تستطيع أن ترد النتيجة، سيصبح قفزاً ووثباً وهذا يصرخ وهذا كذا. قال: كما لا يمكن رد السكر عن النفس بعد شرب ما يسكر من الخمر، بل إسكاره للنفوس وصده عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما في الخمر بكثير. فالإسكار هذا هو هذا السماع للأغاني.

قال: فإن الصلاة كما ذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. وهذا أمر مجرب محسوس، يجد الإنسان من نفسه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويجد أهل هذا السماع أن نفوسهم تميل إلى الفحشاء والمنكر، ولهذا يتعاطى كل أحد من الفاحشة حتى تعاطى كثير من المتصوفة صحبة الأحداث، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «العينان تزنيان وزناهما النظر». وغالب أهل السماع الصوفي يخالطون الأحداث والنسوان الأجانب.

قال: ومن امتنع منهم عن ذلك أو لوراء أو غيره، فإنه إنما ينتهي عن ذلك بغير هذا السماع. يعني الشيخ الصوفي الذي يعمل عنده سماع ويبتعد عن مخالطة النساء والمردان، هذا سيكون عنده شيء آخر؛ السماع يقوده إلى صحبة النساء والمردان، لكن ورعه الذي نتج عن حال أخرى أو أمر آخر هو الذي حاله والحمد لله دون وقوعه في هذا الحرام.

قال: وأما هذا السماع فلا ينهاه عن ذلك قطعاً، بل يدعوه إليه، لا سيما النفوس التي بها رقة ورياضة وزهد، فإن سماع الصوت يؤثر فيها تأثيراً عظيماً، وكذلك مشاهدة الصور، ويكون ذلك قوتاً لها. وبهذا اعتاد الشيطان فيما في من يفعل ذلك من المتصوفة، فإنه لم يبالِ بعد أن أوقعهم فيما يفسد قلوبهم وسمعهم وأبصارهم إلا أن يشتغل بجمع الأموال والسلطان، إذ قد تكون فتنة أحدهم بذلك أعظم من الفتنة بالسلطان والمال.

يعني الشيطان رضي من الصوفية اشتغالهم بالسماع، حتى لو صار زاهداً؛ لا أريده أن يشتغل بالسلطان والمال، خلص يكفي أنه اشتغل بالسماع الذي فيه نساء ومردان وكذا، لأنه أحياناً وقوعه في هذا السماع أشد سوءاً من اشتغاله بالسلطان والمال. وقوعه في السماع البدعي أشد سوءاً من أن يشتغل الإنسان بجمع المال في الدنيا أو أن يكون سلطاناً ويشتغل بأمور السلطنة، فلو وقع منه ظلم يبقى أخف من وصوله إلى هذا السماع البدعي. قال: إذ قد تكون فتنة أحدهم بذلك أعظم من الفتنة بالسلطان والمال، فإن جنس ذلك مباح، وقد استعان به، يعني جنس السلطان وجنس المال مباح، بل قد يستعان بها على طاعة الله، بخلاف السماع البدعي.

قال: وأما ما يشغل به هؤلاء أنفسهم فإنه دين فاسد منهي عنه، مضرته راجحة على منافعه. الوجه الخامس: تشبيه الرجال بالنساء، فإن المغاني إذا رجع للوجه الخامس، إذا جعل هناك وجهاً خامساً في وسائل ممارسة السماع الصوفي البدعي وهو أن الرجال يتشبهون بالنساء. قال: فإن المغاني كان السلف يسمونهم المغاني، الذين هم المغنون أنفسهم، لأن الغناء من عمل النساء، ولم يكن على عهد النبي ﷺ. حتى هذه ذكرناها في المجلس الماضي، أذكر صحيحاً كانوا يسمون هؤلاء.

المنشد، سواء كان منشد الصوفي أو غيره عمومًا، يشتغل بالغناء. سامحوني، عند السلف عيب أن يكون الرجل منشدًا. أن يكون شاعرًا، ليس عندهم مشكلة، بس أن يكون هو المنشد كحال الكليبات التي تظهر اليوم؛ الرجل عامل لك أجواء وكذا وسموا الدنيا، حتى لو أنشد إنشادًا إسلاميًا، ترى هذا ليس من صفات الرجولة.

من كمال الرجولة أن تنشد شعرًا عاديًا كما ينشد الرجال، أعطني معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي؛ هذا رجل تمام. أما أن تقعد تعمل لي كليبات بالإنشاد وتتحرك وتتمايل وتتقصد لبس لباس معين وتطريب الشعر، حتى لو كليبات إسلامية، فهذا عند السلف ليس من معالم الرجولة أبدًا.

لاحظوا ماذا يقول: كان السلف يعدون أمثال هؤلاء من المخانيث، يعني من الرجال الذين تشبهوا بالنساء. قال: «ولم يكن على عهد النبي ﷺ يقين في الأعراس إلا النساء»، كنا أن الغناء من عمل النساء. هذا ليس من شغل الرجل، أن يكون شغل الرجل إنشادًا بالألحان وكذا، بل كان حتى في زمن النبوة من كان يغني في الأعراس النساء والإماء والجواري.

هل مر عليكم معنى أن أبا بكر دخل على بيت فوجد مغنيًا؟ لا، كل الذي وجدهم أبو بكر وعمر جواري، إماء يغنين، نساء يغنين بين يدي النبي ﷺ ويتركه. أما هل وصل أن وجد رجالًا يغنون؟ هذا لم يكن معروفًا في سمة السلف ولا سمة الرجال الأئمة رضوان الله تعالى عليهم.

قال: «فإذا تشبه بهم الرجل كان مخنثًا، وقد لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء». وهكذا فيما يحضرون في السماء من المردان الذين يسمونهم الشهود، فيهم من التخنث بقدر ما شبهوا بالنساء، وعليهم من اللعنة بقدر ذلك. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بنفي المخنثين وقال: «أخرجوهن من بيوتكم». كيف نمر بقربهم ونعظمهم ونجعلهم طواغيت معظَّمين بالباطل الذي حرمه الله ورسوله ﷺ، وأمر بعقوبة أهله؟ وهذا مضاده في أمريكا.

ولذلك، هذه فتنة الإنشاد الإسلامي التي مرت بها الفترة الماضية. تجد هذا الشاب الذي يعمل كليبًا إسلاميًا ويضبط شعره ويخرج بطريقة التمايل وهو ينشد، يفتن النساء. حقيقةً صار هؤلاء المنشدون لهم معجبات من بنات متدينات؛ فالمغني الفاسق فاسق والذين يتابعونه في العادة فاسقات، فيم يدبرون حالهم؟ لكن أنا أتكلم للأسف عن التأول، أن يقول: «أنا بالعكس أنا أخدم القضية الفلسطينية»، يضعون كل شيء في ظهر القضية الفلسطينية. يقول: «أنا أخدم القضية الفلسطينية بهذا الإنشاد»، ولما تجتمع البنات يرفع السبابة وينزل السبابة والقصص، وتجد البنات قمن من الكراسي ونزلن من الكراسي واجتمعوا، والشباب مع البنات يدبكون من أجل القضية، وما أحد نصر فلسطين ولا عشرة!

هذا من عمل الشيطان، يضحك عليكم؛ يظن أنه هكذا ينصر الإسلام وترفع الرايات وتعادي الشريعة وتُعاد المقدسات. هذا أبدًا لا يصنع شيئًا، هذا أوهام فقط يعيشها الإنسان في ذهنه. قضية أن يوجد إنسان ينشد أمام النساء، ويكون الشاب يتحرك ويمشي على المنصة ويروح يمين وشمال ويفعل حركات، هذا ليس من معالم الرجولة، وإنما هذا من شغل الرجل الذي يتقرب إلى النساء.

بعضهم يتأول، وأنا لا أتكلم عن أعيانهم، إنما أتكلم عن وصف الفعل، هذا الفعل ليس من معالم الرجولة في شيء، وليس من الدعوة إلى الله في شيء. وإن لبس عليهم الشيطان، كما لبس على أصحاب السماع الصوفي حيث ظنوا أن سماعهم الصوفي يقود إلى الله. لبس على كثير من المعاصرين حيث تأولوا أن وجود هؤلاء المنشدين قد يخدم القضايا الإسلامية السامية. لا، لم يخدموا شيئًا، ولا فعلوا شيئًا، ولا رفعنا شبراً بهم، وإنما النساء ضاعت مع هؤلاء المنشدين وأصبحن يتابعونهن على الإنستغرام والسوشيال ميديا، ومعجبات بكذا، ويقلن: «أحب صوت فلان»، و«شوف فلان ما شاء الله صوته جميل»، و«شوف كيف شكله طالع على الكليب»، وصارت النساء -والعياذ بالله- تغرق في أوحال بسبب هؤلاء المفسدين، وإن كانوا متأولين. نسأل الله أن يغفر لهم، لكن علينا أن نعرف الخطأ.

أيا للمرأة المتدينة المحافظة، إياك أن تغتري بقول من يقول لك: «والله مثل هذا يخدم ديناً أو يرفع صرحاً أو يبني أمة»، هذا كلام فارغ، هذا لا يبني شيئًا. والله إذا كان سماع شدوة بدون النظر إلى رجل ويكون الرجل متزنًا، فهناك أشياء ممكن نمشيها، لكن ما يحصل الآن، أو ما حصل خلال الفترة الماضية لما ظهرت موجة النشيد الإسلامي وما شابه ذلك، حقيقةً كان كارثة ومشكلاً على الجيل.

أنتم ترون الآن آثار ذلك؛ نحن نرقع ما أفسده الدهر، ما أفسدته تلك الفترة من مما لم ينصر شيئًا، والحالة هي الفراغ العلمي والفراغ العقلي وعدم بناء النفوس وإصلاحها. كل هذا هو ثمار الانشغال بذلك الإنشاد وعدم الاهتمام بسماع القرآن وتدبر القرآن؛ فمعاني القرآن ضائعة، لأن ما كان أحد متفرغًا لهذا الموضوع أو يميل إليه. فسبحان الله، ما أحدث الناس بدعة إلا سلب الله منهم سنة، وما اشتغل الناس بما يصدهم عن القرآن إلا ذهب من معاني القرآن في حياتهم ما يتأسفون عليه بعد ذهابه.

فإن النبي ﷺ قال: «من حالت شفاعتي دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره» [أبو داود]. فإذا كان هذا في الشفاعة بالكلام، فكيف بالذي يعظم المتعدين لحدود الله ويعينهم على ذلك ويجعل ذلك ديناً؟ لا سيما التعظيم لما هو من جنس الفواحش؛ فإن هذا من شأنه إذا كان مباحًا ستره أو إخفاءه. قال: «وأهله لا يجوز أن يجعلوه من ولاة الأمور، ولا يكون لهم نصيب من السلطان»، بما فيهم من النقص في العقل والدين.

فالمغنون والمنشدون، لا يجوز أن يكون لهم منصب. لماذا؟ "والله ما هو أخونا، أصلاً صاحب جهود كبيرة في الإنشاد، يا عمي شو يصير له منصب ويصير يسمع رأيه"، كذا: "شو رأيك في المواقع السورية يا شيخ؟ أعطنا تحليلك للحالة السورية". لماذا؟ ليس هو أخانا المنشد الإسلامي! ما دخل هذا المنشد؟ وما علاقته أن يعلق على الواقع الإسلامي والسياسة الشرعية والأمور؟ هذا أصلاً عنده من الضعف...

العقل والدين ما يحجر عليه، أمثال هؤلاء فيهم من ضعف العقل والدين ما يقتضي أن يحجر عليهم، ليس أنه يسمح لهم أصلاً أن يتكلموا في أمر العامة ويصبح لهم رأي أو احترام أو تقدير بين الناس، هذا كله من السفه الذي أنتجته آلة الإعلام المعاصرة.

قال: فكيف بمن هو من جنس هؤلاء ممن لعنه الله ورسوله ﷺ؟ فإن من يعظم القينات المغنيات ويجعل لهن رئاسة وحكماً لأجل ما يستمع منهن من الغناء وغيره، عليه من لعنة الله وغضبه أعظم مما يؤمر المرأة؛ يقول الذي يجعل المرأة المغنية صاحبة مكانة في المجتمع، ولها القينات -اللواتي هن النساء المغنيات وقديماً عادته يكن من الإماء- بعض زعماء الترك والفرس في تلك الفترة كانوا إذا كانت عندهم امرأة مغنية، الظاهر كان يقدمها ويجعل لها حظوة حتى يستمتع بالنظر إليها والسماع منها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «تقدير هؤلاء المغنيات وجعل لهن حظوة في المجتمع هذا أسوأ عند الله سبحانه وتعالى من تمليك المرأة الحرة أمر المسلمين». أنتم تعرفون أنه لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، فهل يجوز للمرأة المسلمة أن تتولى قيادة الدولة المسلمة؟ هذا لا يجوز. لكن أن تجعل المرأة الفاجرة لها حظوة في الدولة، هذا أعظم عند الله سوءاً من مجرد تمليك امرأة حرة أمر المسلمين.

هذه منكر، ولكن ذاك منكر أشد. أنت لسه المرأة الحرة، قد تكون عاقلة، نحن عارفين أنه لا يجوز ولكن قد يكون عندها العقل والمنطق، أنت تروح تجيب لي مغنية مخنثة وتجعلها تتولى في أمر المسلمين أو لها رأي وسطوة! هذه هي المقارنة التي يعقدها ابن تيمية.

قال: وقد قال النبي ﷺ: «لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». فالذي يعظم المخنثين من الرجال ويجعل لهم من الرئاسة والأمر على الأمر المحرم، ما يجعل هو أحق بلعنة الله وغضبه من أولئك؛ فإن غناء الإماء والاستمتاع بهن من جنس المباح، وما زال الإماء وغيرهن من النساء يغنين على عهد النبي ﷺ وأصحابه في الأفراح، كالعرس وقدوم الغائب ونحو ذلك، بخلاف من يستمعون الغناء من المردان والنساء الأجنبيات ويجتمعون معهم على الفواحش، فإنما يكون ذلك من أعظم المحرمات، فكيف إذا جعل ذلك من العبادات؟ وقد كتبنا في غير هذا الموضع مما يتعلق بذلك ما لا يحتمله هذا الموضع.

الوجه السادس: أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به السنة. من الوسائل والممارسات الخاطئة في أثناء السماع الصوفي رفع الأصوات، والسنة في العبادات الشرعية ما هو إلا الأصل في العبادات الشرعية خفض الأصوات وليس رفع الأصوات. يريد أن يقول لك إن السماع الصوفي من حيث النتائج رديء، ومن حيث طرق ممارسته خالف الطرق الشرعية في العديد من الأمور، وهو الآن يعددها وجهاً بعد وجه، وصل إلى الوجه السادس في قضية رفع الأصوات.

قال: «الوجه السادس: أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به السنة». وإن كانت كلمة الجواز في أصول الفقه تشمل المحرم والكراهة، يعني يقولون إذا أطلقت كلمة غير جائز لا يستلزم ذلك أن يكون حراماً، يمكن إطلاقها بالمعنى.

قال: «الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به السنة، كالتلبية ونحو ذلك، فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا أصواتهم رفعاً شديداً». كما ثبت في الصحيح عن أبي موسى أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا علا علينا شرف كبرنا، فارتفعت أصواتنا، فقال: يا أيها الناس أربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».

وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]، وقال عن زكريا: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].

وفي هذا من الآثار عن سلف الأمة وأئمتها -والموضع ليس موضعها كما قال الحسن البصري-: «رفع الصوت بالدعاء بدعة»، وكذلك نص عليه أحمد بن حنبل وغيره. ولذلك حتى في المساجد للأسف تجد بعض الناس، مثلاً في صلوات القنوت في رمضان، بعض الناس يرفع صوت التأمين وراء الإمام بصوت مرتفع، هذا خطأ، ليس من السنة النبوية أن يرفع الإنسان صوته بالتأمين أو بالصراخ، بل يسمع الإنسان خشوعك بصوت منخفض.

وقال قيس بن عباد، وهو من كبار التابعين من أصحاب علي رضي الله عنه، روى عنه الحسن البصري قال: «كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر، وعند الجنائز، وعند القتال». هي ثلاثة مواضع يؤكد فيها على خفض الصوت: عند الذكر، وعند المشي مع الجنازة، وفي المعركة؛ فالناس في المعركة تظن أن الأصل الصراخ، والعكس، السنة في المعركة خفض الأصوات للمقاتلين المسلمين. وهذه المواطن الثلاثة تطلب النفوس فيها الحركة الشديدة ورفع الصوت، كالذكر والدعاء، لما فيه من ذلك.

النفس يطلب فيها الرفع، يعني المعركة، بالعكس الناس تحب فيها الصراخ. الجنائز، النساء خصوصًا، ويحبون فيها الصراخ والنياحة. وكذلك الذكر، الناس تحب فيه أن يسمع صوته بشكل عالٍ، فنص عليها بالتحديد: فهذه المواضع خفضوا أصواتكم.

قال: عند ذكر والدعاء لما فيه من الحلاوة ومحبة ذكر الله ودعائه، وعند الجنائز بالحسن والحزن والبكاء، وعند القتال بالغضب والحمية؛ ومضرته أكبر من منفعته، بل قد يكون ضررًا محضًا وإن كانت النفس تطلبه كما في حال المصائب. ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود». رفع الصوت أثناء المصائب هو ضرر محض، يعني حتى أثره أكبر من نفعه، فيش نفع أصلاً؟

قال ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». وتبرأ النبي ﷺ من الصالخة والحالقة والشاقة والصارخة التي ترفع صوتها بالمصيبة، وقال: «إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا» وأشار إلى لسانه. وقال: «إن النائحة إذا لم تتب، فإنها تلبس يوم القيامة درعًا من جرب وسربالًا من قطران»، وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح.

ولهذا عظم نهي العلماء عما ابتدع فيها من الضرب بالدفوف ونحو ذلك، وراء تقطيع الدف في الجنازة كما نص عليه أحمد وغيره، بخلاف الدف في العرس فإن ذلك مشروع. وأما القتال، فالسنة أيضًا فيه خفض الصوت. ولهذا قال حماس بن قيس بن خالد لامرأته يوم فتح مكة: «إنك لو شهدت يوم الخندقة إذ فر صفوان، وفر أكرمة، وأبو يزيد قائم كالمؤتمة، واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كل سعيد وجمجمة ضربًا، فلا يسمع إلا غمغمة».

الشاهد: «فلا يسمع إلا غمغمة»، ما يسمع إلا صوت خفيف منخفض، ما كان الصحابة يصرخون، بس كانت الرؤوس بتطير، هي الفكرة. قال: «هذه الدقاق والابواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى لم تكن تعرف في عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من الأمراء المسلمين، وإنما حدث في ظني من جهة بعض ملوك المشرق من أهل فارس؛ فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أمورًا كثيرة، صارت بعض الجيوش الإسلامية يكون معهم طبل ويكون في أصوات».

ويقول شيخ الإسلام: «هذا الذي حدث في الجيوش الإسلامية هذا من فعل العجم»، يعني هم الذين أدخلوه على الجيش الإسلامي ولم يكن هذا من حال جيوش السلف. قال: «وانبثت في الأرض لكون ملكهم منتشر حتى اقترب في ذلك الصغير وهرم فيها الكبير، لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه، حتى ظن بعض الناس أن ذلك من أحداث عثمان بن عفان وليس الأمر كذلك، بل ولا فعله عامة الخلفاء والأمراء بعد عثمان رضي الله عنه».

والله عثمان بن عفان رضي الله عنه ما في أحد بيعمل شغله إلا يضعها، إنه عثمان رضي الله عنه هو الذي أحدثها، وإلا عثمان رضي الله عنه كان من أفاضل الخلفاء رحمه الله عليه. قال: «ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، قالوا: فارس والروم؟ قال: لا، بل الناس». كما قال في الحديث الآخر: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن».

الحديثان في الصحيح أخبر بأن يكون في الأمة من يتشبه باليهود والنصارى، ويكون فيها من يتشبه بالفارس والروم. ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر أعجم من الفرس وغيرهم، حتى في اللباس وأعمال القتال والأسماء التي تكون لأسباب المرأة، مثل الألفاظ المضافة إلى "دار"، كقولهم: ركاب الدار، وطشت الدار، ورف الدار؛ هذا كثير في أسماء اليوم، حتى كلمة "دار" هذه يكون الشخص اسمه الجزء الأول وجزء ثاني "دار"، كقدارشفندار والقصص هذه.

قال: «فإن ذلك في لغة الفرس بمعنى صاحب وحافظ». فإذا قال كلمة "دار" بمعنى صاحب، يعني الشهبندر أو قدار يعني صاحب كذا. قال: «فإذا قالوا جان دار، فالجان هي الروح في لغتهم»، فالجان دار بمعنى حافظ الروح وصاحب الروح. وكذلك الركاب دار، أي صاحب الركاب وحافظ الركاب هو الذي يسرج الفرس ويلجمه ويكون في ركاب الراكب. وكذلك صاحب الطشت، الطشت الذي يغسل به الأبدان. وكذلك برد الدار وهو صاحب العتبة الموكل بدار الأمير، كالحداد والبواب الذي يمنع من الدخول والخروج ويأذن فيه.

وكذلك يقولون: جم دار، وسلاح دار، وجوكان دار، وبندق دار، ودوا دار، وخزن دار، واستادار؛ لصاحب الثياب الذي يحفظ الثياب وما يتعلق بذلك، ولصاحب السلاح والجوكان والبندق والدواه وخزانة المال، والاستدانه وهي التصرف في إخراج المال وصرفه فيما يحتاج إليه من الطعام واللباس وغير ذلك، ويتعدى ذلك إلى ولاة الطعام والشراب فيقولون: مرق دار، أي صاحب المرقة وما يتعلق بها. وشراب دار لصاحب الشراب. ويقولون: مهم دار، أي صاحب المهم، كما يقولون مهمان خاناه أي بيت المهمة، وفي لغتهم الضيف أي بيت الضيافة وصاحب الضيافة مهمان دار.

ولمثل رسول يند على الأمير والعيون الذين هم الجواسيس ونحو ذلك ممن يتخذ له ضيافة ويوجد منه أخبار وكتب ويعطى ذلك ونحو ذلك، فإن الألف والنون في لغتهم جمع، كما يقولون مسلمان وفقيهان وعالمان، أي مسلمون أو فقهاء. قال: «وفراش خاناه أي بيت الفرش»، ويقولون الزرد خانه أي بيت الزرد، والزرد هذا الخاص هو عام في العرف يراد به بيت السلاح مطلقًا.

يعني شوف اطلاع شيخ الإسلام على اللغات، هي الخلاصة التي بدنا إياها، يعني هو مطلع حتى على الألقاب واللغات ومعانيها في لغات الأتراك وما شابه. قال: «وإن ذكر لفظ الزرد خاصة كما كان الصحابة يعبرون عن...»

السلاح بالحلقة، والحلقة هي الدور جزء من أجزاء السلاح، يعني هو يقول مش دائما في الحديث النبوي، فـ النبي ﷺ فعاهدهم أو صالحهم على أن يأخذ منهم الحلقة. والحلقة -السلاح- لماذا يعبر عن الأسلحة بأنواعها بالحلقة مع أنه الحلقة جزء من أنواع الأسلحة؟ هذا من باب التعبير بالخاص عن العام.

فنفس الشيء الزرد هو نوع من أنواع الأسلحة، لكن أصبح يعبر به عن كل الأسلحة. قال: والحلقة هي الدروع المسرودة من السرد الذي يقال له الزرد، فنقلت السينزاية وربما قالوا الحلقة والسلاح أي دروع والسلاح. ولهذا لما صالح النبي ﷺ من صالحه من اليهود، صالحهم على أن لهم الحلقة، وفي السيرة كان في بني فلان من أنصار الحلقة والحصون، أي هم الذين لهم السلاح الذين يقاتلون بها، والحصون التي يأوون إليها.

كما يكون لأمراء الناس من أصناف الملوك المعاقل والحصون والقلاع ولهم السلاح، فإن هذه الأمور هي جُنَن القتال وجُنَنهم التي بها يحمي الإنسان نفسه؛ الجنن من الجنة وهي الحماية بها، ويمتنع المقاتلون. قال: بخلاف من لا سلاح له ولا حصن، فإنه ممكن من نفسه مقدور عليه، فمن ليس عنده قلعة ولا حصن مكن الناس من نفسه يصلون إليه ليقتلوه.

قال: وإن كان القتال على الخيل بالسلاح هو أعلى وأفضل من القتال في الحصون بالسلاح، فالحصان خير من الحصون. ومن لم يكن قتاله إلا في الحصون والجدر فهو مذموم؛ لأن هذا قتال اليهود: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14]. انظر ابن تيمية من أين أخذ هذه الفكرة؟ لماذا القتال على الخيل أفضل من القتال داخل الحصون؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل القتال داخل الحصون من سمات اليهود والمنافقين.

يعني الكلام أنه هو يذم هذه الألفاظ، لا يذمها هو يذم أنه أصبح الناس يستعملون هذه الألقاب وألفاظ العجم في حياتهم وأمورهم؛ يذم هذا التشبه، وأن الأصل الإنسان يحافظ على لغته وهويته العربية وهي لغة القرآن والدين. هل هو الذم فقط للمسلمين العرب؟ هو ذم لمن يستعمل، يخبرك كيف دخلت ألفاظ الأعاجم وما شابه ذلك على مفرداتهم مع أنها لم تكن في ذلك.

شيخ الإسلام حتى في «اقتضاء الصراط المستقيم» أشار لقضية العجم، وأنه ينبغي المحافظة على الهوية العربية في هذا الموضوع لمن كان عربياً، وأنه لا يحصل هناك رطانة العجم واستعمال المصطلحات والألفاظ؛ هي عندهم لغتهم، لكن أنت في النهاية لماذا تستورد لغتهم وأفكارهم؟ والأصل أن تبقى الأفكار التي نشأت في الزمن الأول والجيل الأول هي الحاكمة، خاصة إذا لا يوجد داعٍ، يعني لو في داعٍ لهذا التطوير نتكلم، لكن هي مجرد ألفاظ ومصطلحات وهيئات، فالأصل إبقاء المفهوم العربي.

المشكلة أن فترة طويلة من الداخل العجم هم الذين حكموا، وهو شيء طبيعي أن يحصل هذا ما دام العجم حكموا وأصبحت لهم الصولة والجولة، ولكن النبي ﷺ أخبر بذلك، ولذلك شيخ الإسلام قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم الفرس والروم»، يعني هو شيء طبيعي أن يحصل هذا، لكن هل هو حالة الكمال؟ ليس حالة الكمال وإن كانت فُرضت علينا، والله المستعان.

قال رحمه الله: والمحدثات في أمر الإمارة والملك والقتال كثيرة جداً ليس هذا موضعها، فإن الأمة هي في الأصل أربعة أصناف كما ذكر ذلك في قوله: ﴿فَقِرَاءٌ مَّا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ يَعْلَمُ سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۖ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 235].

فالصنف الواحد القراء هم جنس العلماء والعباد، ويدخل فيهم من تفرغ من هذه الأصناف من المتكلمة والمتصنفة وغيرهم. والصنف الآخر المكتسب بالضرب في الأرض، وأما المقيمون من أهل الصناعات والتجارات فيمكن أن يكونوا من القراء المقيمين أيضاً، بخلاف المسافر؛ فإن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم»، أخرجه في الصحيحين عن أبي موسى. والله سبحانه أنما ذكر هذه الأصناف في الآية ليبين من يسقط عنه قيام الليل من أهل الأعذار؛ فذكر المريض والمسافر الذين ذُكرا في الحديث، وذكر المسافرين في ضربين: الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله، والمقاتلين في سبيل الله وهم التجار والأجناد.

والمقصود هنا أن الأجناس الأربعة من المقاتلة والتجار ومن يلحق بهم من الصناع والقراء وأهل الأعذار كالمرضى ونحوهم، كل هؤلاء قد حصل فيهم من الأنواع أنواع مختلفة ما يطول وصفه. يعني أن الكل حصل فيهم من التغيرات في التاريخ ما لا يطول وصفه؛ سواء في العلماء تغير كثير من أحوالهم، وأصحاب الصناعات تغيرت، والمقاتلون كل هذا حصل مع مرور الأمة كثير من التغير في أحوالهم وصفاتهم.

قال: وأمورهم ما بين حسن مأمور به، وبين قبح منهي عنه، ومباح. واشتغال أكثر أمورهم على هذه الثلاثة: المأمور به والمنهي عنه والمباح؛ الواجب الأمر بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، والإذن فيما أباحه الله. لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأموراً إلا بمحظور أعظم منه، أو لا تترك مأموراً إلا لمحظور أعظم منه.

هنا شعرت أن في إشكال في النص بالفقرة الثانية، لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأموراً إلا بمحظور أعظم منه؛ يعني بعض الطوائف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قضية أنه كثرت المنكرات في الأمة لدرجة أنه أحياناً بدك تكون أنت الفقيه في توازنك بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي طوائف سواء من الحكام أو الأجناد أو الأمراء أو العامل، إذا أنت تريد أن تأمرهم بمعروف لا تفعل هذا المعروف إلا وترتكب محظوراً أعظم منه؛ يعني يقول لك أنا سأعمل لك هذه الشغلة، بس ما سأعملها إلا بعمل معها شغلة ثانية من المنكرات تكون مفسدتها أعظم من مصلحة المعروف الذي تريدهم أن يعملوه.

فرضنا قلت للشيخ: اذهبوا قاتلوا، يقول لك: نحن سنقاتل، بس نحن إذا قاتلنا سنرتكب مصائب مع القتال، أقول لهم: اقعدوا، لأنكم إذا أمرتكم بالقتال في سبيل الله، فماذا ستفعلون من المفاسد المحظورة في أثناء القتال؟

القتال ما هو أعظم؟ فالحل أني إيش أقول لهم؟ لا، إذا كان الشخص لن يفعل شيئاً مأموراً إلا بارتكاب محظور أعظم، فإن القاعدة ماذا تقول؟ لا درء المفاسد أو أعلى المصلحة الراجحة مقدم على جلب المصلحة المرجوحة.

الآن هذه واضحة، الجملة الثانية ماذا قال: «ولا تتركوا مأموراً إلا لمحذور منه»؛ ماذا يعني؟ لا تترك محظوراً إلا لمحذور منه، هكذا تستقيم. أنا أقول لك إني شاعر بأن هذا النص فيه مشكلة، حتى الشيخ -الله يكرم الشيخ محمد رشاد سالم- وضع كلمة محظور، وهو يقول زدتها ليستقيم الكلام.

أنا في اعتقادي أن النص: «لا تترك مأموراً إلا بمحظور أعظم منه». كاتب تحت عبارة «إلا لمحذور»، مش «محظور إلا لمحضور أعظم». أنا فاهم، مش مشكلة، هو زاد «إلا لمحذور»، أنا في اعتقادي النص بده يكون هيك طبيعته في الكتب الأخرى بشكل عام؛ «أو لا تترك محظوراً إلا بترك مأمور أعظم منه».

يا شيخ، لو شلنا التي أضافها، خليناها معطوفة على ما قبله، ماذا يصير؟ «لا تفعل مأموراً إلا بمحظور أعظم منه» أو «تترك مأموراً أعظم منه»، ممكن، بس هي تضل: «لا تفعل مأموراً إلا بمحظور أعظم منه» أو «تترك مأموراً أعظم منه». أنا في النهاية بدنا نعالج النص، أنا ما وقفت على مخطوطة، بس أقول لا بد أن يعالج النص بطريقة أنه الفكرة أنهم لا يفعلون مأموراً إلا ويرتكبون محظوراً أعظم منه، أو يتركون مأموراً أعظم منه، يصلح هذا منطقياً.

خلونا نكمل الفقرة بجوز تساعدنا، أقرأ ماذا قال بعدها؟ «فإذا كان هذا الحال فلم يامر أمراً يستلزم وقوع محظور راجح، ولم ينهَ نهياً يستلزم وقوع مأمور راجح». هذه بتهمني، «ولم ينهَ نهياً يستلزم وقوع مأمور راجح»، فيها مشكلة، أنا في اعتقادي: «ولم ينهَ نهياً يستلزم ترك مأمور راجح»، صح؟ يعني لم ينهَ على نفس النمط.

فأنا بدي أقول: لا أمره أمراً يستلزم وقوع محظور أرجح من الأمر، ولا نهاه نهياً يستلزم ترك مأمور راجح. ما يصير أن النهي عن هذا المنكر -إذا نهيته عنه وماشي ورح يتركه- لكن لما يتركه رح يترك معه مأموراً راجحاً هو أولى منه، فلذلك أنا عدلت العبارة السابقة بالمعنى، لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأموراً إلا بمحظور أعظم منه، أو لا تترك محظوراً إلا بترك مأمور أعظم منه، بتصير الكلام الذي بعده متناسق؛ لأنه صار في جملتين: «إما أن يفعلوا مأموراً يؤدي إلى وقوع محظور أرجح منه، أو لا يتركوا محظوراً إلا بترك مأمور أرجح منه».

عندئذٍ: «لا يؤمر أمراً يؤدي إلى وقوع المحظور الراجح، ولا ينهى عن ذلك المرجوح نهياً يستلزم ترك المأمور الراجح»، والله أعلم.

قال: «فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي بعثت به الرسل، والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزماً من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعاً. وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فساداً مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما، بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما».

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل وسلم وبارك على نبيك، ألا أبشركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحاقة، لا أقول تحرق الشعر ولكن تحرق الدين».

لكن المقصود هنا أن هذه الأصوات المحدثة في أمر الجهاد، وإن ظن أن فيها مصلحة راجحة، فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة، كما في أصوات الذكر؛ السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان أفضل من المتأخرين في كل شيء، من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه وغير ذلك، ومن الجهاد والإمارة وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في إصلاح الأموال وصرفها، فإن طريق السلف أكمل في كل شيء، ولكن يفعل المسلم من ذلك ما يقدر عليه.

كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال أبو القاسم القشيري: «وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صحبة من الناس». انتهى من الأوجه السبعة التي ذكرها في ممارستهم للسماع الصوفي وكيف أنها تخالف الطرق الشرعية في ممارسة العبادات. الآن أدلة أخرى ذكرها أبو القاسم القشيري في جواز السماع الصوفي ويرد ابن تيمية عليه.

قال القشيري: «وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صحبة من الناس، قال الله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1]، قيل في التفسير من ذلك الصوت الحسن، ودم الله سبحانه الصوت الفضيح فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]».

طبعاً هذا الاستدلال ركيك جداً؛ أن الصوت الحسن من الله عز وجل، طبعاً الله يحب الصورة الجميلة، لكن معناها أن تجعل النساء وكذا تخرج متبرجات بحجة أن الصورة الجميلة أيضاً مرغوبة ومطلوبة؟ كون الشيء جميلاً أو حسناً لا يعني أن يفعل به شيء منكر، أو يوظف بطريقة لا ترضي الله. فالعكس؛ الله عز وجل دائماً يأمرك أنه إذا رزقك الله شيئاً من النعم أن توظفها في طاعة الله.

قلت: كون الشيء نعمة لا يقتضي استباحة استعماله فيما شاء الإنسان من المعاصي، ولا يقتضي إلا حسن استعمال، بل النعم المستعملة في طاعة الله يحمد صاحبها عليها ويكون ذلك شكراً لله يوجب المزيداً من فضله. فهذا يقتضي حسن استعمال الصوت الحسن في قراءة القرآن. فصوتك الحسن ما دام نعمة، ألا توظفها في شيء ينفع الأمة؟ في سماع القرآن، مش تقول: والله لأن ربنا رزقني، الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. بالتالي يغني به، لا تطرب به المرأة المتبرجة وتقول: ما ربنا رزقني صورة حسنة، الله يحب أن يرى أثر نعمته، ثم تخرج.

متبرجة من باب إظهار هذه النعمة، هذا لا يقوله عاقل في باب الاستدلال بهذه الطريقة. قال كما كان أبو موسى الأشعري يفعل، وكما كان النبي ﷺ يستمع لقراءته، فقال: «لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا»، وقال: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داوود».

فأما استعمال النعم في المباح المحض فلا يكون طاعة، فكيف في المكروه أو المحرم؟ ولو كان ذلك جائزًا لم يكن قربة ولا طاعة إلا بإذن الله، ومن جعله طاعة لله بدون ذلك فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله. ومعلوم أن القوة نعمة، والجمال نعمة، وغير ذلك من نعم الله التي لا يحصيها إلا هو. فهل يجعل أحد مجرد كون شيء نعمة دليلاً على استحباب أعماله؟ أم يؤمر المنعم عليه بأن لا يستعملها في معصية، ويندب إلى أن لا يستعملها إلا في طاعة الله تعالى؟

فالاستدلال بهذا بمنزلة من استدل بأنعام الله بالسلطان والمال على ما جرت عادة النفوس باستعمال ذلك فيه من الظلم والفواحش ونحو ذلك. فاستعمال الصوت الحسن في الأغاني وآلات الملاهي مثل استعمال الصور الحسنة في الفواحش، واستعمال السلطان بالكباء والظلم والعدوان، واستعمال المال في نحو ذلك. ثم يقال له: هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع من الكفر والفسوق أكثر مما يستعملها المؤمنون في الإيمان؛ فإن استمتاع الكفار والفساق بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع المسلمين، فأي حمد لله بذلك إن لم تستعمل في طاعة الله ورسوله ﷺ؟

وأما قوله: إن الله ذم الصوت الفظيع، فهذا غلط منه؛ فإن الله لا يذم ما خلقه ولم يكن فعلًا للعبد، وإنما يذم العبد بأفعاله الاختيارية دون ما لا اختيار له فيه. وإذا كان صوته قبيحًا فإنه لا يذم على ذلك، وإنما يذم بأفعاله. وقد قال الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]. فإن الله لا يذم ما خلقه ولم يكن فعلًا للعبد.

ما رأيكم في هذا الكلام لشيخ الإسلام أن الله ذم الصوت الفظيع؟ يقول هذا غلط منه. مش ممكن البعض يقول إن الله قال: إن أنكر الأصوات صوت الحمير، مش يعني هو صوت بفعل العبد، إنه مثلاً يستعمل صوته في رفع الصوت؟ «واغضض من صوتك» إذا رفع صوته، فقال: إن أنكر الأصوات بصوت الحمير، يعني قول لك ربنا لا تفعل هكذا حتى لا تتشبه بالحمير، فإن أنكر الأصوات لصوت الحمير؛ مش هذا فيه ذم لصوت الحمير؟

ويقول شيخ الإسلام إن الله ذم الصوت الفظيع، يقول الشيخ الإسلام هذا غلط؛ فإن الله لا يذم ما خلقه ولم يكن فعلًا للعبد. يمكن بالنسبة لهذه الدابة مش ذم في حقها، بس بالنسبة للإنسان المكرم لما يرفع صوته، ماشي هذا ذنب، بس نفسه أنكر صوت هذه الدابة، هل هو ذم لصوت هذه الدابة؟ هو وصف لحالها.

هل يرتبط بالعقل؟ هل هو على العبد اختياري؟ العبد يتكلم عن الإنسان، لكن العبارة قال: فإن الله لا يذم ما خلقه. الإنسان على صوته، نعم، ولذلك صوت الحمار أنت مطلوب منك تستعيذ لما تسمعه لأنه يكون رأى شيطانًا، أو ممكن يكون من باب المجاز، كان صوت المتشبهين بالحمير، مش أنكر صوت الحمير، بل صوت العبد الذي يقرب من صوته بصوت الحمار. ماشي، هذا يدل على صوت الحمار، وفي النهاية لا يحبذ للعبد أن يقترب من صوته، إذ هو نموذج، «واغضض من صوتك»، هو أكيد بالنسبة للإنسان إذا رفع صوته مثل هذه الدابة ينكر عليه، لأنه حتى هنا قال إن هذا من فعله، رفع صوت العبد، هذا أحسنت، وذم العبد على شيء باختياره، أنا فاهم.

لكن لما تشبهه بصوت الحمار، «إن أنكر الأصوات»؛ يعني كيف أقول لك يا أخي لا تفعل هذا الصوت، فأنت إذا فعلته تذم لأنك هكذا صوتك يشبه صوت الحمير؟ «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير»؛ قص عمومًا البهائم، يعني الصفات التي في البهائم بالنسبة لها ما تكون ذمًا، بس الإنسان إذا تشبه عمومًا بأي شيء في البهائم يذم عليه، صح؟ هذا القدر نحن متفقين عليه تمامًا. لكن صوت البهائم هل نقول هل هو مذموم؟ أيوه.

يعني أن الله لا يذم ما خلقه هي العبارة الصحيحة. الله عز وجل قد يخلق شيئًا، عفواً، أفعال العباد مش ربنا خلقها، هو يتكلم عن الأفعال الاختيارية مش الاضطرارية. لأن كنت أتكلم عن الزنا أو المعاصي، فإن خلق الله سبحانه وتعالى كان ذمًا، لكن هذه الأفعال الاختيارية. نعم، فهم السياق أنه كما أنت تقول الأصل الإنسان يحسن الصوت، هذا يلزم منه أن الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى قريب أن يذمه، طب على ماذا؟ يعني هذا ليس صحيحًا، الله لن يذمني على شيء ليس من كَسبي.

إذا كان المراد بالذم الذم الذي فيه لوم وعتاب، ممكن هنا تحل المشكلة. بس هو يمشي مع كلام القشيري: إن الله ذم الصوت الفظيع، يقول هذا غلط، فإن الله لا يذم ما خلقه. الآن لو كان ورد بالذم بمعنى العتاب الذي يترتب عليه فعل ما، شابه ذلك، إحنا متفقين أن هذا يكون في الأفعال الاختيارية، هذا منتهين منه تمامًا. لكن هل يمكن أن يخلق الله شيئًا ويذمه؟

من الأشياء التي خلقها سبحانه وتعالى، هي كقاعدة، أحيانًا أنا أفكر في القاعدة نفسها، هل يمكن أن يخلق الله شيئًا ويقول لك يا أخي لا تتشبه بهذا الشيء؟ طيب لماذا خلقته؟ والله خلقته ابتلاء، خلقته لتعرف أن الله قادر على أن يخلق الجميل والقبيح، لكن الله سبحانه وتعالى يحب الشيء الجميل ويذم الشيء القبيح. ما المانع من هذا؟ هو في النهاية حتى لو كان كلام شيخ الإسلام، ممكن شخص يقول لك لا، قد تكون القاعدة تحتاج إلى تحرير أكثر أو نضوج أكثر، أننا نحاول نفهم كيف أن الله سبحانه وتعالى لا يذم ما خلقه حتى ولم يكن فعل العبد، بس الذم بالمعنى كما قلنا، ليس الذنب بمعنى العقاب، أو الذنب بمعنى أن يكون...

نعم، هلا شيخ، إنه يذم العبد بأفعال اختيارية. المقصود على السما، إذا إحنا عملنا الذم على العبد، إحنا خالصين، أن المراد الذم الذي هو اللوم والعتاب، هذا لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية.

بس أنت في النهاية، كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى كان في أحسن الأحوال، بما أن الله سبحانه وتعالى خلقه، فما في للعبد في أي اختيار. كيف يُذم؟ يعني ممكن يكون هو الله سبحانه وتعالى مثل صوت الحمير مستنكر بالنسبة للعبد.

مثلاً هنا الخمر، ربنا مذمومة ولا محمودة؟ مثلاً الأخ يقول: ما هي ربنا خلقها. طب هي نفسها كشراب مسكر، نقول إنها ممدوحة لأن الله خلقها؟ لا، هي مذمومة. حتى إبليس، إبليس ذُم لأفعاله، لكن الخبر نفسه باعتباره شيئًا جامدًا، خلينا نقول الزقوم، هي أشياء معينة قبيحة من جهة هيئتها وشكلها.

ولذلك حتى هي مرتبطة عند العرب؛ يعني مثلا الخمر مذمومة من جهة التعلق بها، حتى في بعض الأحاديث وُصفت الشجرة بالخبث، كالشجرة الخبيثة التي تخرج في أرض سبخة. حتى الثوم والبصل وُصفوا بالخبث أو ما شابه ذلك. أنا أقصد هذا فقط من باب التعميم، أننا أحيانا لا نريد أن نسلم في كل شيء في إطلاقه، بل في أشياء ممكن تقبل المناقشة.

هل أن الله ذم الصوت الفضيع؟ إلا أن نكون نحن لم نصل إلى مقصد شيخ الإسلام، يعني أن الله لا يذم الصوت الفضيع من الإنسان ويعاتبك عليه إذا كنت مضطرًا عليه، وإنما يذمك على الصوت الفضيع إذا كان باختيارك. فإذا كان الكلام عن الإنسان بقول ما، فليس هناك مشكلة، لكن إذا كان الكلام بإطلاقه وعمومه أن الله لا يذم شيئًا خلقه، فأعتقد أن هذا يحتاج إلى نظر أكثر لهذه القاعدة.

المفروض الكلمة تؤصل فكرة السماع، فالسماع دائمًا عنده نطق في صوت حسن، فيريد أن يبين أن هذا من النعم، وأن الصوت الفضيع في الإنسان... إذا حملتها على الإنسان فقط، فإذا أردنا تصحيح العبارة أن تُحمل على ما في الإنسان، فهذا ماشي؛ أن الله لا يذم الإنسان ويلومه على صوت فضيع صدر منه بغير اختياره، وإنما على ما كان باختياره، نكون متفقين مع شيخ الإسلام. أما إن تحملها على إطلاقها، فالله لا يذم ما خلقه.

المشكلة كما تفضلت أنه قال: «ولم يكن»، فالظاهر من السياق أنه يتكلم عما يكون في العبد في الإنسان بالتحديد. قال: «فأمره أن يغض من صوته كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، وكما أمره أن يقصد في مشيته»، وذلك كله فيما يكون باختياره، لا مدخل للذم وعدم لذته في ذلك.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]. وقال: ﴿وَلَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [الحجرات: 3].

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر في صفة النبي ﷺ في التوراة قال: «ليس بفضل ولا غريض، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر». وفي الصحيح أيضًا أنه أمر أن يُبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وعنه ﷺ قال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، صوت لهو ولاعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة، لطم الخدود وشق الجيوب ودعاء بدعوى الجاهلية». ثم قال أبو القاسم: «واستلاد القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده، فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحموله فيهون عليه بالحداء».

قال: وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]. وحكى إسماعيل بن عُلي: «قال: كنت أمشي مع الشافعي رحمه الله وقت الهجرة، فجزنا بموضع وقت الهاجرة، فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئًا، فقال منشد يمّر بنا...» ثم قال: «يضربك هذا! فقلت: لا، فقال: ما لك حس؟ قلت: أنت ما عندك ضمير؟ ما لك حس؟ أنت إنسان مش شاعري!».

القصة كلها تيمية يقول لك: ما لها أصل. قلت: قد كان مستغنيًا عن أن يستشهد بكلام القشيري هنا، لأن الكلام ضعيف جداً. جاء أن تقول لي: "والله الأطفال يحبون الصوت الجميل"، فمعناها خلص نذهب لعمل سماع صوفي! ما علاقة هذا بهذا؟ أو أن الجمل مع الحداء يتنشط، ما علاقة هذا بعمل سماع صوفي؟ كونه شيئًا وجد في الطبيعة، مثل صوت المياه، ليس له علاقة بالاستدلال.

قلت: قد كان مستغنيًا عن أن يستشهد على الأمور الحسية بحكاية مكذوبة على الشافعي، فإن إسماعيل بن عُلي شيخ الشافعي لم يكن ممن يمشي معه، ولم يُروَ هذا عن الشافعي، بل الشافعي روى عنه وهو من أجلاء شيوخ الشافعي. إسماعيل بن عُلي هذا شيخ الشافعي، ليس معقولًا أن يكونوا ماشين مع بعض بهذه الصورة، وكانوا مروا على منشد وقال الشافعي: "تمشي معي ما أجي معك؟"، الرتبة بينهما تأبى ذلك.

قال: وابنه إبراهيم بن إسماعيل كان متكلمًا، تلميذًا لعبد الرحمن بن كيسان الأصم أحد شيوخ المعتزلة، وهذا أحد الفاسدين، ابنه كان عنده شدودات كثيرة للأسف، إبراهيم بن إسماعيل بن عُلي هذا كان عنده شدودات خرج بها على إجماعات الفقهاء. وكان قد ذهب إلى مصر وكان بينه وبين الشافعية مناوأة، فكان بين الشافعي وبين ابن شيخه إبراهيم مناوأة حتى قال الشافعي: «أنا أخالف ابن عُلي في كل شيء حتى في لا إله إلا الله»، كنا مختلفين في كل شيء، كان فساده كثيرًا سبحان الله.

الذي كلم موسى من وراء الحجاب وهو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، الذي خلق في الهواء كلامًا يسمعه موسى. وهذا يذكر له أول... بعض يقول أول كتاب في أصول الفقه هو لإبراهيم بن... لكن هذا غير صحيح، وأول كتاب هو للشافعي.

نعم، قال: ويظن بعض الناس أن ابنه يشتبه بأبيه، فإن شيخًا فإنه شيخ الشافعي وأحمد وطبقتهما، فهذا أبوه هو شيخ الشافعي وأحمد وطبقتهما. لكن هذه الحكاية يعلم أنها مفترا من له أدنى معرفة بالناس، ولو صحت عمن صحت، فإنه لم يكن فيها إلا ما هو مدرك بالإحساس من أن الصوت الطيب لذيذ مطرب، وهذا يشترك فيه جميع الناس؛ ليس هذا من أمور الدين حتى يستدل فيه بالشافعي. والذكر للشافعي في مثل هذا غض من منصبه.

مثل ما ذكر ابن طاهر عن مالك رحمه الله حكاية مكذوبة، وأهل المآخذ أعلم بهذه المسألة من أئمة الدين. ولو حُكي مثل هذا عن إسحاق بن إبراهيم النديم وأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني لكان أنسب من أن يحكيها عن الشافعي. لو ترى واحدًا موسيقارًا هو الذي يقعد يحكي عن الأناشيد، لما جئت بالشافعي لتدحش في هذا المكان.

قال: ثم يقال كون الصوت الحسن فيه لذة أمر حسي، لكن أي شيء في هذا مما يدل على الأحكام الشرعية من كون مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، ومن كون الغناء قربة أو طاعة؟ بل مثل هذا أن يقول القائل: استرداد النفوس بالوطء مما لا يمكن جحوده، واستردادها بالمباشرة إلى الجميل من النساء والصبيان مما لا يمكن جحوده، واستلدادها بالنظر إلى الصور الجميلة مما لا يمكن جحوده، واستلدادها بأنواع المطاعم والمشارب مما لا يمكن جحوده. فأي دليل في هذا لمن هداه الله على من يحبه الله ويرضاه أو يبيحه ويجهزه؟

ومن المعلوم أن هذه الأجناس فيها الحلال والحرام، والمعروف والمنكر. وكان المناسب لطريق الزهد في الشهوات واللذات ومخالفة الهوى أن يستدل بكون الشيء الذي هو مشتهى على كونه مباينا لطريق الزهد والتصوف، يعني بالعكس؛ كون الشيء جميلًا عندكم ومشتهى الأصل أن يكون سببًا لتركه وليس لفعله على قواعد التصوف؛ لأنكم أنتم سادة الزهد وزهاد الانقطاع، فإذا كان الشيء جميلًا محبوبًا مرغوبًا الأصل تتخففوا منه لا لتطلبوا.

قال: كما يفعل كثير من المشايخ يزهدون بذلك في جنس الشهوات واللذات، وهذا مشايخ الصوفية يزهدون في العادة في جنس الملذات والشهوات، لمَ لم يزهدوا في الأصوات الجميلة؟ وهذا وإن لم يكن في نفسه دليلًا صحيحًا فهو أقرب إلى طريق الزهد والتصوف من الاستدلال بكون شيء لذيذ على كونه طريقًا إلى الله. يعني هو يقول: أنا عارف أنه هذا ليس استدلالًا مني، يعني ليس لأنه الشيء محبوب للنفس هذا يقتضي الزهد فيه، لكن هذا أولى بطريقتكم، حتى لا يقول أحد إنك تستدل على ترك الشيء بكونه ملذذاً به؛ لا، أنا لا أقول كل شيء يتلذذ به الإنسان ينبغي تركه، لكن هذا الأليق بطريقتكم، وكل من الاستدلالين باطل.

فلا يستدل على كونه محمودًا أو مذمومًا، أو حلالًا أو حرامًا، إلا بالأدلة الشرعية، لا بكونه لذيذًا ولا بغير لذيذ. ولهذا ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس اللذات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر». يقول لك أنا أعتقد أن من يترك اللذات زهدا في جنس اللذات هذا أيضًا مخطئ، كمن يستعمل اللذات وسيلة للتعبد أيضًا مخطئ.

قال: وقال الآخر: «أما أنا فأقوم ولا أنام»، وقال الآخر: «وأما أنا فلا أتزوج النساء»، وقال الآخر: «وأما أنا فلا آكل اللحم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وقد أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].

ثم إن أبا القاسم وطائفة معه تارة يمدحون التقرب إلى الله بتلك الجنس من الشهوات، وتارة يجعلون ذلك دليلًا على حسنه وكونه من القربات؛ يعني في تناقض في طرح القشيري أحيانًا. أنت تزهد في الشيء وتمدح التقرب إلى الله بترك جنس الشهوات، وتارة لما جاء الصوت الجميل جعلت هذه الشهوة وهذه اللذة سببًا في التقرب إلى الله، وهذا بحسب وجد أحدهم وهواه لا بحسب ما أنزله الله أو أوحى.

وهذا بالتالي، ما دام القشيري يتناقض في طرحه، فهذا يدل على أن القضية مبنية على ذوق هو وليس على الأدلة الشرعية؛ لأن الأدلة الشرعية دائمًا مضطردة في نتائجها. فهذا يدل على أن هذا الكلام فيه نوع من الذوق الشخصي وليس بناءً على دليل شرعي.

والتحقيق أن العمل لا يمدح ولا يذم لمجرد كونه لذة، بل إنما يمدح ما كان لله أطوع وللعبد أنفع، سواء كان فيه لذة أو مشقة؛ فرب لذيذ هو طاعة ومنفعة، ورب مشقة تكون إثمًا ومذمومًا، ورب مشقة هي طاعة ومنفعة، ورب لذيذ يكون عنه.

ثم لو استدل بهذا على تحسين القرآن لكان مناسبًا؛ فإن الاستعانة بجنس اللذات على جنس الطاعات مما جاءت به الشريعة، كما يستعان بالأكل والشرب على العبادات. ولو استدل به على تحسين القرآن لكان هو الأليق، أن تقول الله مدح الصوت الحسن، فالأولى أن يستعمل في القرآن. لماذا؟ لأن القاعدة والاستقراء يدل على أن الشريعة تطلب منك استعمال النعم في جنس طاعة الله. فمثلاً ربنا عز وجل أعطاك جسدًا قويًا، فلو استعمل في الصلاة لكان حسنًا، لا تروح تعمل فيه بدعة وتقول والله هو الجسد نعمة أعمل فيه بدعة. الشريعة تقول أو القاعدة العامة إن الاستعانة بجنس اللذات على القيام بجنس الطاعات هذا الذي جاءت به الشريعة كقاعدة عامة.

كما يستعان بالأكل والشرب على العبادة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّذِي رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، وقال: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]. وفي الحديث المتفق عليه قوله عليه الصلاة والسلام لسعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك».

إلى امرأتك، قال: في بضع أحدكم في أهله، يعني إذا أتيت الشهوة بالطريق الحلال في جنس الطاعات عمومًا، صدق. وكذلك حمده في النعم، كما في الحديث الصحيح، إن الله نفس الشيء؛ اللقمة الآن، اللقمة هي من جنس اللذات، إذا وضعتها في فم امرأتك، وإذا وضعتها في سد جائع فهي طاعة، فتصبح، فالله عز وجل يريدك أن تجعل جنس اللذات مصروفًا إلى جنس الطاعات.

قال: فلو قال إن الله خلق فينا الشهوات واللذات لنستعين بها على كمال مصالحنا، فخلق فينا شهوة الأكل واللذة به، فإن ذلك في نفسه نعمة وبه يحصل بقاء الجسم في الدنيا، وكذلك شهوة النكاح واللذة به، وهو في نفسه نعمة وبه يحصل بقاء النسل، فإذا استعين بهذه القوة على ما أمرنا به كان ذلك سعادة لنا في الدنيا والآخرة، وكنا من الذين أنعم الله عليهم بالنعمة المطلقة. وإن استعملنا الشهوات فيما حذرنا عليه، بأكل الخبائث في نفسها أو كسبها كالمظالم، أو بالإسراف فيها، أو بتعدينا أزواجنا أو ما ملكت أيماننا، كنا ظالمين معتدين غير شاكرين لنعمته.

وكان هذا كلامًا حسنًا، والله قد خلق الصوت الحسن وجعل النفوس تحبه وتلتذ به، فإذا استعملنا ذلك في استماع ما أمرنا باستماعه وهو كتابه، وفي تحسين الصوت به كما أمرنا بذلك، حيث قال: ﴿زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾، وكما كان يفعل أصحابه بحضرته، مثل أبي موسى وغيره، كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة وكان هذا حسنًا مأمورًا به. كما كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: «يا أبا موسى، ذكرنا ربنا فاقرأ وهم يستمعون». وكان أصحاب محمد ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، فهذا كان استماعهم.

وفي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عونًا لهم على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه، فيثابون على هذا الالتذاذ؛ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه، وكما يثاب على لذات قلبه بالعلم والإيمان، فإنها أعظم اللذات وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات ونفس التذاذه، وإن كان متولدًا عن سعته وهو في نفسه ثواب، فالمسلم يثاب على عمله، وعمل ما يتولد عن عمله، هو يثاب عما يلتذ به من ذلك مما هو أعظم لذة منه، فيكون متقلبًا في نعم ربه وفطنه.

فأما أن يستدل بمجرد استلذاذ الإنسان للصوت، أو ميل الطفل إليه، أو استراحه به، على جواز أو استحباب في الدين، فهو من أعظم الضلال، وهو كثير فيما من يعبد الله بغير العلم المشروع. ومن المعلوم أن الأطفال والبهائم تستروح بالأكل والشرب، فهل يستدل بذلك على أن كل أكل وشرب فهو حسن مأمور به؟

وأصل الغلط في هذه الحجج الضعيفة أنهم يجعلون الخاص عامًا في الأدلة المنصوصة، وفي عموم الألفاظ المستنبطة، فيجنحون إلى أن الألفاظ في الكتاب والسنة أباحت أو حمدت نوعًا من السماع، يدرجون فيها سماع المكاء والتصفيق. بل مثلًا يأتون إلى آيات مدحت سماع القرآن، فيأخذون سماع القرآن وهو خاص، فيعملون له عمومًا، إذا القرآن مدح السماع فيدخلون فيه سماعهم المبني على المكاء والتصدية. الألفاظ القرآنية التي تأتي خاصة أنت تحولها إلى عموميات، هذا خطأ. هي مدحت سماع القرآن، فتذهب أنت فتستدل بالآية على مطلق السماع لتدخل فيه سماعك المبني على التصفير والرقص، قال: هذا من التلاعب.

أو يجنحون إلى المعاني التي دلت على الإباحة أو الاستحباب في نوع معين من الأصوات، فيجعلون ذلك متناولًا لكل سماع حتى السماع الذي فيه مكاء وتصدية، فهذا من أكبر الإشكالات في الاستدلال. يجعلون ذلك متناولًا لسماع المكاء والتصفيق، وهذا جمع بينما فرق الله بينهما بمنزلات. قياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، هكذا صرنا مثل الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، الذين يقولون الله عز وجل أحل البيع، طيب يا شيخ، الربا شكل من أشكال البيوع؟ إذاً هذا مثل هذا؟ لا، عز وجل أحل البيع بصورة وحرم الربا وهي صورة أخرى، فلا تساوي بين ما فرقه الله.

وجعلوا لله أندادًا، سووهم رب العالمين في عبادتها أو يتخذوا عليها، وكذلك من عدل رسوله ﷺ متنبئًا كذابًا مسلماً، أو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلامًا آخر، أو قراءته أو سماعه، أو عدل بما شرع من الدين دينًا آخر شرعه لشركائه، فهذا كله من فعل المشركين وإن دخل في بعضه من المؤمنين متأولين، فالناس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وهذا مقام ينبغي للمؤمنين التدبر فيه، فإنه ما بدل دين الله في الأمم المتقدمة وفي هذه الأمة إلا بمثل هذا القياس، ولهذا قيل: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس؛ قياس ما لم يشرع على ما شرع، وهذا قياس مبني على الذوق والهوى.

وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل، مجرد أن تعدل بالله شيئًا من المخلوقات في بعض الأمور، خلص أنت وقعت في الشرك. ولا يظن أحد أن الشرك لا يكون إلا بأن تعدل مخلوقًا بالله في كل الأمور، ما في أحد عدل مخلوقًا بالله في كل الأمور، حتى كفار قريش ما عدلوا أصنامهم بالله في كل الأمور، وإنما في بعض الأمور. فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به، كمن عدل بكلام الذي أنزله وأمر باستماعه، فعدل به سماع بعض الأشعار.

وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». وروي أيضًا عنه: «ما تقرب العباد إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه»، يعني هو القرآن. وهذا محفوظ عن الأنبياء المرسلين السابقين، قال: «يا هذا، تقرب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه». فإذا عدل بذلك ما نزه الله عنه ورسوله ﷺ، يقول تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. فإذا عدل بذلك ما نزه عنه رسوله ﷺ.

أظنها الواو زائدة، فإذا عُدل بذلك ما نزّه عنه رسوله بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. فإذا عُدل بالشعر والأناشيد بالقرآن، وجُعل قراناً للشيطان، فإذا عُدل بذلك ما نزّه عنه رسوله بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ وجُعل قراناً للشيطان، كما في الحديث «فما قرآني؟» قال: الشعر. كان هذا قد عُدل كلام الرحمن بكلام الشيطان، وهذا قد جعل الشيطان عدلاً للرحمن، فهو من جنس الذين قال الله فيهم: ﴿فَكُبُّوا فِيهَا هُمْ وَالْغَارِقُونَ﴾ [الأعراف: 56]، وجنود إبليس أجمعون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ [الأعراف: 56]، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 95]، ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 59].

والاستدلال بكون الصوت الحسن نعمة، واسترداد النفوس به على جواز استعماله في الغناء أو استحباب ذلك في بعض الصور، مثل الاستدلال بكون الجمال نعمة ومحبة النفوس للصور الجميلة على جواز استعمال الجمال للصبيان في إمتاع الناس به مشاهدة مباشرة وغير ذلك، أو استحباب ذلك في بعض الصور؛ وهذا أيضاً قد وقع فيه طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة، كما وقع في الصوت أكثر من هؤلاء. لكن الواقعون في الصور فيهم من لهو بين العقل والدين ما ليس لهؤلاء، إذ ليس في هؤلاء رجل مشهور بين الناس شهرة عامة بخلاف أهل السماع، ولكن هم طرقوا لهم الطريق وذرعوا الذريعة، حتى آل الأمر بكثير من الناس أن قالوا وفعلوا في الصوت نظير ما قالوا وفعلوه في الصور.

يحتجون على بعض الناس -فضلاً- بأنهم أباحوا النظر إلى الصور المحرمة بحجة أنها نعمة من الله، فلماذا يغض الإنسان بصره عن الصور المحرمة؟ بل هذا من عكس أن الإنسان يحب الصورة الجميلة فينظر إلى الصور التي يستعذبها ولو كانت صوراً محرمة. قال: هذا وُجد عند كثير من المتفلسفة، وهؤلاء هم الذين فتحوا الباب لمن استعذبوا الصوت الحسن أيضاً في ماذا؟ في الغناء والمعازف وما شابه ذلك، فالذين استعذبوا النظر إلى الصور المحرمة كانوا كالبوابة لاستعذاب السماع المحرم.

قال: يحتجون على جواز النظر إليه والمشاهدة بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال»، وينسون قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ويحتجون بما في ذلك من راحة النفوس ولذتها، كما يحتج هؤلاء ويكرمون ذا الصورة على ما يبذله من صورته وإشادتهم إياها، كما يكرم هؤلاء ذا الصوت على ما يبذله من صوته وإسماعهم إياه. بل كثيراً ما يُجمع في الشخص الواحد بين الصورة والصوت، وبالتالي يفضله لكونه ينظر إلى صورته ويسمع صوته، فإنه يكون قد جمع بين حسن الصورة وحسن الصوت كما يفعل في المغنيات؛ صورة وصوت.

قال: وقد زين الشيطان لكثير من المتنسكة والعباد أن محبة الصور الجميلة -إذا لم يكن بفاحشة- فإنها محبة لله والعياذ بالله، فكان بعض المتصوفة ينظرون إلى صور النساء المحرمة ويعتقدون أن هذا من التعبد، وأن هذا يزيده محبة لله لأنك تنظر إلى الجمال الذي خلقه الله.

قال: كما زين لهؤلاء أن استماع هذا الغناء لله، ففيهم من يقول هذا اتفاقاً، وفيه من يظهر أنه يحبه لغير ذلك؛ فيظهر أنه لا ينظر للصور المحرمة فقط من باب معرفة نعمة الله سبحانه، لكنه في الباطن يريد الفاحشة ويريد الوقوع في الزنا، وكأنه يريد أن يقول بعضهم: هذا عفوياً، فعلاً هو لا يريد الفاحشة بل يظن أنه يحكي علماً وهو من أجهل الجاهلين. وبعضهم منافق يظهر في الظاهر أنه لا يريد إلا كل خير، وكثير ممن يختلطون بالنساء عموماً ويحتكون بهن في الجامعات والأوساط العامة والخاصة، يأتي ليقول لك: يا أخي أنا أشتغل شغلاً معها، الله يرضى عليك لا تتحدث معي، وهو في الباطن يحتك بها ليباشر وليصل وليبلغ مراده.

قال: لكن ما أظهره من الرأي الفاسد وهو أن يحب لله ما لم يأمر الله بمحبته، وهو الذي سلط المنافق منهم على أن يجعل ذلك ذريعة إلى الكبائر، ولعل هذه البدعة منهم أعظم من الكبيرة؛ مع الإقرار بأن ذلك ذنب عظيم. فالخوف من الزنا أهون من هذا الكلام؛ من أن تجعل النظر للنساء الأجنبيات ديناً تتقرب به إلى الله، هذا أسوأ من الزنا، يتوب صاحبه، لكن هذا يُشرعن ديناً أن النظر إلى النساء الأجنبيات ديانة يمكن أن يتقرب بها.

قال: فإن هذا غايته أنه مؤمن فاسق قد جمع سيئة وحسنة، الزاني في النهاية مسلم فاسق عنده سيئة وحسنة، لكن هذا شرع بغير ما أنزل الله. قال: وأولئك مبتدعة ضلال حين جعلوا ما نهى الله عنهم مما أمر الله به، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ فَرَآوَهَا حَسَنَةً ۚ وَمَا هُم بِهَادِينَ﴾ [الأنفال: 48]، وبمثلهم يضل أولئك حتى لا ينكروا المنكر إذا اعتقدوا أن هذا يكون عبادة لله. ومن جعل ما لم يأمر الله بمحبته محبوباً لله فقد شرع ديناً لم يأذن الله به، وهو مبدأ الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

فإن محبة النفوس والصورة والصوت قد تكون عظيمة جداً، فإذا جعل ذلك ديناً وسمي لله صار كالانداد والطواغيت المحبوبة تديناً وعبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [الأنبياء: 96]، وقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسْرِعُونَ فِي الْآيَاتِ﴾ [المرسلات: 15]. بخلاف من أحب المحرمات مؤمناً بأنها من المحرمات، فإن من أحب الخمر والغناء والبغي والمخنث مؤمناً بأن الله يكره ذلك ويبغضه، فإنه لا يحبه محبة محضة بالعقل، هو إيمانه يبغض هذا الفعل ويكرهه ولكن قد غلبه هواه. فهذا بعض الناس ممكن يكون مثلاً واقعاً في عشق مغنية، هو في الباطن عارف أن هذا لا يرضي رب العالمين لكن يحبها لأنه غلبه الهوى، لكنه أبداً ما حكى أنها ديانة، بالعكس هو يقر في عقله الباطن أن هذه معصية وتعلق به هذه المغنية حرام. المعترف أفضل من ذاك الضال المبتدع الذي ينظر إلى المغنية ويعتقد أن نظره لها عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه.

وتعالى، لا، هذا أهون بكثير من ذاك؛ بدرجات، هذا مبتدع وهذا مجرد عاصٍ. قال: فهذا قد يرحمه الله إما بتوبة إذا قوي ما في إيمانه من بغض ذلك وكراهته حتى دفع حب الهوى، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وما بغير ذلك.

فهذا الشاب المسلم الذي وقع مثلا في محبة مغنية أو شيء، وهو يعرف أن هذه معصية، ربنا يساعده على التوبة إما بمصائب تصيبه أو مكفرات أو يعين على التوبة. أما الثاني الذي أعتقد أن نظره إلى هذه المغنية هو محبة لله وجزء من الدين، قال: أما إذا اعتقد أن هذه المحبة لله، فإن إيمانه بالله يقوي هذه المحبة ويؤيدها، وليس عنده إيمان يزعه عنها، بل يجتمع فيها إيمانه بالله؛ لأنه مؤمن بالله وحاط مقدمة أن النظر إلى النساء الأجنبيات يقوي إيماني بالله، فإيمانه بالله يقوي هذه المحبة ويزيدها ويؤيدها وليس عنده إيمان الآن يزعه ويصرفه عنها، بل يجتمع فيها داعي الشرع والطبع؛ أنه أنا أصلاً النظر إلى النساء هو شريعة أنا أتقرب بها إلى الله، وذلك أعظم بالتالي من شرب النصراني للخمر.

فهذا المبتدع لا يتوب من هذا الذنب ولا يتخلص من وباله إلا بشيء عظيم يهديه الله عز وجل به؛ لأنه يعتقد النظر إلى النساء عبادة، بخلاف الذي يعترف أنه ضعف ونقص بشري وربنا يهدينا، فهذا أقرب إلى أن يتوب. قال: فتبين له أن هذه المحبة ليست محبة لله ولا أمر الله بها، بل كرهها ونهى عنها، وإلا فلو ترك أحدهم هذه المحبة لم يكن ذلك توبة؛ فإنه يعتقد أن جنسها دين بحيث يرضى بذلك، إلا أن يهدي الله.

أظن أن هذه جملة فقرة كاملة، وضع النقطة: «إلا أن يهدي». يعني هذا المبتدع كيف يكون هداه وتوبته؟ هذا المبتدع إذا ربنا هداه فيتبين له أن هذه المحبة -يا أخي التي أنت تنظر بها إلى النساء الأجنبيات- ليست من محبة الله في شيء، ولا أمر الله بها، بل كرهها ونهى عنها. وإلا فلو ترك هذا المبتدع هذه المحبة للنساء الأجنبيات، تركها تركاً وهو يعتقد أنها يمكن تكون طاعة، هذا لا يعتبر تائباً.

يعني إذا اعتقدت أن محبة النساء الأجنبيات طاعة ولكن لم تفعلها، ترى أنت مبتدع حتى ولو لم تفعلها، ولا تعتبر أنك تبت لأنك لم تفعلها؛ فإنه يعتقد أن جنسها دين بحيث يرضى بذلك من غيره ويأمره به. لأنه هو لو -فهذا أنه ماشي بجوز ما يمارسها- بس لو شاف واحداً يمارسها بينكر عليه؛ ليش؟ لأنه هي دين، محبة النساء الأجنبيات. فبالتالي مجرد الترك لها لا يعتبر توبة، فإنه الإنسان قد يرى كثيراً من أشياء طاعات ولا يفعلها، لكنه في النهاية يراها طاعات حتى ولو لم يباشرها ويفعلها.

فتوبة هذا المبتدع تكون بتصليح اعتقاده وتعليمه، وأن يتبين له أن هذا النوع من المحبة لا يرضي الله وليس في دين الله. قال: «وليس في دين الله محبة أحد لحسنه قط»، فإن مجرد الحسن لا يثيب الله عليه. لا، ما في عبادة في الدين أن تحب واحداً لأنه شكله جميل، ليس نوعاً من أنواع التعبدات أن يحب شيئاً لجمال شكله.

قال: «ولو كان كذلك، لكان يوسف عليه السلام لمجرد حسنه أفضل من غيره من الأنبياء». وإذا استوى الشخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسن صورة وأحسن صوتاً كان عند الله سواء؛ فإن «أكرم الخلق عند الله أتقاهم». يعم صاحب الصوت الحسن والصورة الحسنة إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصية، فليس هناك ارتفاع عند الله في المراتب بسبب أن صورتك أجمل من صورة صديقك؛ «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وليس أجملكم.

قال: كصاحب المال والسلطان، إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته، فإنه بذلك الوجه أفضل ممن لم يشرك في تلك الطاعة ولم يمتحن بما امتحن به حتى خاف مقام ربه ونهى نفسه عن الهوى. ثم ذلك، أيهما أفضل؟ رجل ما امتحن الله سبحانه وتعالى بالسلطان والمال أصلاً، ورجل ربنا امتحنه بالسلطان والمال واستعمل هذا السلطان والمال في طاعة الله؟ صاحب السلطان والمال الذي استعمله في طاعة الله أفضل ممن سلم من هذا البلاء.

طبعاً، هذا رجل سلم من هذا البلاء، ورجل امتحن بالسلطان والمال ففشل، لا؛ أكيد الذي سلم من البلاء أفضل ممن امتحن بالسلطان والمال ففشل. فأنت عندك ثلاثة أحوال: رجل امتحن بالسلطان والمال فاستعمله في طاعة الله، ورجل امتحن بالسلطان والمال فاستعمله في معصية الله، ورجل سلم من البلاء، ربنا ما رزقه مالاً ولا سلطاناً. فمن استعمل الشيء في طاعة الله أعلى ممن لم يمتحن، ومن لم يمتحن أعلى ممن رزق هذا الشيء فاستعمله في معصية الله، هذا هو الترتيب الثلاثي.

قال: ثم ذلك الغير، إن كان له عمل صالح آخر يساويه به، وإلا كان الأول أفضل مطلقاً. أيش يعني؟ الآن أنا امتحنت بالسلطان والمال واستعملته في طاعة الله، وأنت ما امتحنت فيه، فأنا أعلى منك؛ إلا إذا أنت عندك حسنات من جنس آخر تفوقني فيها، يمكن أنا وإياك نتساوى، وإلا ما كان عندك حسنات من جنس آخر سأظل أنا أفضل منك مطلقاً؛ لأنني امتحنت بالسلطان والمال ونجحت وأنت أصلاً ما امتحنت به، فهذا معنى: «ثم ذلك الغير الذي لم يمتحن بشيء».

إن كان له عمل صالح يساوي به من امتحن فنجح، ممكن يتساووا أو يفضل بعضهم على بعض، وإلا كان الأول الذي امتحن فنجح أفضل مطلقاً ممن لم يمتحن. يقال إنه أصلاً لا تصح المقارنة؛ أنه هو الثاني لم يمتحن، فلما يقع في الامتحان ونرى ما الذي سيقدمون نقارن الآن، ماشي، بس في النهاية الأفضل إذا التحق. لكن أنت تتكلم عن الواقع الآن: عند الله من حسناته أكثر؟ امتحن فنجح، حسناته أكثر ممن لم يمتحن أصلاً، إلا إذا الذي لم يمتحن كما قال عنده أعمال أخرى عوضت، فيمكن يتساويان أو يفضل. أما إذا أبداً ما عندك حسنات، فالموضوع في هذه الجزئية؛ فمن امتحن فصبر حسناته أعلى ممن كان ساذجاً لم يمتحن بشيء.

قال: «هذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله تعالى بها على بني آدم وابتلاهم بها، فمن كان فيها شاكراً صابراً كان من أولياء الله المتقين، ومن كان ممتحناً بمحبة حتى صبر أو شكر». هنا أنا أعتقد أن في مشكلة، والشيخ أيضاً أضاف كلاماً أشعر أنه عمل دربلة، وأنا أعتقد النص هكذا: «وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله تعالى بها».

على بني آدم وابتلاهم بها، فمن كان فيها شاكرا وصابرا كان من أولياء الله المتقين، وكان أفضل ممن لم يمتحن بمحنة حتى صبر وشكر. لذلك تلاحظوا في الحاشية ثلاث كلمات؛ ماذا قال في الأصل؟ «وكان ممن لم يمتحن بمحنة».

لكن ما في كلمة أفضل، في اعتقادي لازم أضع كلمة أفضل: «وكان أفضل ممن لم يمتحن بمحنة حتى صبر وشكر». هي نفس الفكرة السابقة، أنه من امتحنه الله فكان شاكرا صابرا أفضل ممن لم يمتحن، صح ولا لا؟ أفضل ممن لم يمتحن هذا الامتحان.

ثم ماذا قال؟ «وإن لم يكن المبتلى صابرا شكورا، بل ترك ما أمره الله به وفعل ما نهى عنه، كان عاصيا وفاسقا أو كافرا، وكان من سلم من هذه المحنة خيرا منه». وهي المرتبة، كما حكينا، إلا أن يكون له ذنوب أخرى؛ هذا الذي سلم قد تكون له ذنوب من جانب آخر يكافئ بها من امتحن فسقط، وهي الصورة المعاكسة.

شيخ، الأول لماذا كان أفضل؟ لأنه يقول لك: «فمن...»، وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله بها على بني آدم وابتلاهم بها. فمن ابتلاه الله بشيء من الغنى أو السلطان، فكان شاكرا وصابرا كان أفضل ممن لم يمتحن أصلا. ابتلي بالشيء، فكان شاكرا صابرا كان أفضل ممن لم يمتحن أصلا.

هو ذكر في آخر الفقرة: «وكان من سلم»، لم يذكرها مرتين. هذا الذي لم يمتحن، بدك تذكره مع الذي امتحن فصبر، ومع الذي امتحن فسقط. أنت عندك ثلاثة: من ابتلي فصبر، ثم ذكر من ابتلي فلم يصبر، ثم ذكر من سلم.

ما معنى هذه العبارة؟ أنا أعتقد أنه يقارن، لا، أنا أعتقد أنه قارن بين الاثنين، ثم رجع قارن بين اثنين؛ لأنه حتى لو قرأت الفقرة نفسها كما هي عليه، اقرأ على ما دون الشيخ محمد سالم، قال: «وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله بها على بني آدم، فمن كان فيها شاكرا... كان من أولياء المتقين، وكان ممن امتحن بمحنة حتى صبر».

ما دخل المحبة هنا؟ هل هي محنة أم محبة؟ هي محنة أصلا. يقول لك: «وكان ممن امتحن، وإن لم يكن المبتلى صابرا شكورا، فعلم أن الله كان عاصيا أو فاسقا». الآن لو رجعت للأصل، في الأصل هي: «وكان ممن لم يمتحن»، وبما أنه لم يضعها بين معقوفين معناها هي في إحدى النسخ، لكنه قال على الصواب أنا أثبتها.

المهم أن المفهوم واضح، وأنا أشعر أنه قارن بين هذين الاثنين، وإن جمع بين طاعة ومعصية، فإن ترجحت طاعته كان أرجح ممن لم يكن له مثل ذلك، وإن ترجحت معصيته كان سالما من ذلك خيرا منه.

فإن كان له مال يتمكن به من الوقوع في الفواحش والظلم، فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغى به وجه الله، أحب الله ذلك منه وأكرمه وأثابه. ومن كان له صوت حسن فترك استعماله في التخنث والغناء، واستعمله في تزيين كتاب الله والتغني به، كان بهذا العمل الصالح وبترك العمل السيء أفضل ممن ليس كذلك؛ فإنه يثاب على تلاوة كتاب الله، فيكون في عمله معنى الصلاة ومعنى الزكاة.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء كأذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»، وقال له: «أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته».

ومن كان له صورة حسنة فعف عما حرم الله تعالى، وخالف هواه، وجمل نفسه بلباس التقوى الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]. كان هذا الجمال يحبه الله، وكان من هذا الوجه أفضل ممن لم يؤت مثل هذا الجمال، فما لا يكساه وجه العاصي.

فإن كانت خلقته حسنة ازدادت حسنا، وإلا كان عليها من النور والجمال بحسبها. وأما أهل الفجور فتعل وجههم ظلمة المعصية حتى يكسف الجمال المخلوق. قال ابن عباس رضي الله عنه: «إن للحسنة لنورا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضا في قلوب الخلق».

قال: وهذا يوم القيامة يكتمل، حتى يظهر لكل أحد؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]. يعني يوم القيامة التمييز يكون بالوجوه واضح، يكتمل؛ وجوه أهل الطاعة بيضاء، ووجوه أهل المعاصي سوداء. في الدنيا ممكن تتفاوت شوي، لكن يوم القيامة واضحة.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60]، إلى آخر الآيات التي تتكلم عن اختلاف الناس في وجوههم وسيماهم، والسيما هي العلامة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نشأنا ونحن نعرف سيماهم»، فلعرفتهم بسيماهم، مثلاً: «لتميزن بين المؤمنين والكافرين بسيماهم». يريد أن يقول لك كيف أثر الطاعة يظهر على الوجه، وأثر المعصية وسيماها يظهر. فهذه السيما وهذا المنكر قد يوجد في وجه من صورته المخلوقة وضيئة؛ يعني قد تجد رجلاً وضيئاً من الكفار، هؤلاء الصليبيين، لكن شؤم المعصية في وجهه.

كما يوجد مثل ذلك في الرجال والنساء والولدان، ولكن بالنفاق قبح وجهه، فلم يكن فيه الجمال الذي يحبه الله، وأساس ذلك النفاق والكذب، والعكس؛ ترى إنساناً قد تكون خلقته ضعيفة، ليس جميلاً، لكن سبحان الله ترى فيه نور الطاعة وضياء القرآن.

ولهذا يوصف الكذاب بسواد الوجه كما يوصف الصادق ببياض الوجه كما أخبر الله بذلك. فلهذا روي عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزيل شاهد الزور بأن يسود وجهه ويركب مقلوبا على الدابة، فإن العقوبة من جنس الذنب. فلما سود وجهه بالكذب وقلب الحديث، سودوا وجهه وقلبوه في ركوبه؛ يعني كانوا يضعون عليه الفحمة أو شيئاً أسود.

قال: وهذا أمر محسوس لمن له قلب، فإن ما في القلب من النور والظلمة، والخير والشر، يسري كثيرا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطا بالقلب.

قال: وهذ يروى عن عثمان أو غيره أنه قال: ما أسر أحد بسريرة إلا أبدأها الله على صفحات وجهه وثغرات لسانه. قال: والله أخبر في القرآن أن ذلك قد يظهر في الوجه؛ فقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: 30]، فهذا تحت المشيئة. ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]، فهذا مقسم عليه محقق لا شرط فيه.

وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظم من ظهوره في وجهه؛ لذلك لما قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ علقها على المشيئة، بينما لما قال: ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أقسم أنك ستعرفهم في لحن القول، فمعرفة المنافق بلحن قوله أسهل وأيسر من معرفته بوجهه.

قال: لكن يبدو في الوجه بدوًا خفيًا يعلمه الله، فإذا صار خلقًا ظهر لكثير من الناس. وقد يقوى السواد والقتمة حتى يظهر لجمهور الناس، ربما مسخ قردا وخنزيرا كما في أمم قبلنا وكما في هذه الأمة أيضًا. وهذا كالصوت المطرب؛ إذا كان مشتملاً على كذب وفجور فإنه موصوف بالقبح والسوء الغالب على ما فيه من حلاوة الصوت.

فالصورة الحسنة إما أن يترجح عندها العفة والخلق الحسن، وإما أن يترجح فيها ضد ذلك، وإما أن يتكافأ الأمران. فإن ترجح فيه الصلاح كان جماله بحسب ذلك، وكان أجمل ممن لم يمتحن تلك المحنة. وإن ترجح فيه الفساد ولم يكن جميلاً وقبحًا مذموماً، فلا يدخل في قوله: «إن الله جميل يحب الجمال». وإن تكافأ فيه الأمران، كان فيه من الجمال والقبح بحسب ذلك، فلا يكون محبوبًا ولا مبغضًا.

والنبي ﷺ ذكر هذه الكلمة للفرق بين الكبر الذي يبغضه الله والجمال الذي يحبه الله؛ فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». فأخبر أن تحسين الثوب قد يكون من الجمال الذي يحبه الله كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، فلا يكون حينئذ من الكبر.

وقد يرد أنه ليس كل ثوب جميل وكل نائل جميل فإن الله يحبه، فإن الله يبغض لباس الحرير ويبغض الإسراف والخيلاء في اللباس وإن كان فيه جمال. فإذا كان هذا في لبس الثياب، فكيف في غيره؟ وتفسير هذا قوله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فعلم أن مجرد الجمال الظاهر في الصور والثياب لا ينظر الله إليه، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال. فإن كان الظاهر مزينًا مجملاً بحال الباطن أحبه الله، وإن كان مقبحًا مدنسًا بقبح الباطن أبغضه الله؛ فإنه سبحانه يحب الحسن الجميل ويبغض السيئ الفاحش.

وأهل جمال الصورة يبتلون بالفاحشة كثيرًا، واسمها ضد الجمال؛ فإن الله سماها فاحشة وسوءًا وفسادًا وخبيثًا. فقال تعالى: ﴿فَاحِشَةً﴾، وكلمة الفاحشة هي بحد ذاتها ضد الجمال، فبين كلمة الجمال والفاحشة نوع من التقابل. فأهل جمال الصورة فعلاً كثير من النساء لما ترزق الجمال الباهر يكثر فيهن الفساد، كما قال العلماء، إلا من صالت نفسها وعفت بمراضاة ربها.

قال: فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151]، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، وقال: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يَعْرِضُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: 82]، وقال: ﴿وَرُجِّعْنَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 83]، وقال: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 30]، وقال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 84].

فالفاحش هو الخبيث ضد الطيب والجميل، فإذا كان كذلك أبغضه الله ولم يحبه ولم يكن مندرجًا في الجميل. ونبض ذلك قوله ﷺ: «إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش»، وقوله: «إن الله يبغض الفحش البذيء». فلو أفحش الرجل وبدا بصوته الحسن كان الله يبغض ذلك.

ونفي المخنثين سنة من سنن النبي ﷺ الثابتة عنه في موضعين؛ في حق الزاني: الذين لم يحصنا كما قال: «جلد مائة وتغريب عام»، وفي حق المخنث وهو إخراجه من بين الناس. وذلك أن الفاحشة لا تقع إلا مع قدرة ومكنة، فالإنسان لا يطلب ذلك إلا إذا طمع فيه بما يراه من أسباب المكنة، فمن العقوبة على ذلك تقطع أسباب المكنة.

قال: فإذا تغرب الرجل عن أهله وأعوانه وأنصاره الذين يعاونونه وينصرونه، ذلت نفسه وانقهرت، فكان ذلك جزاء نكالًا من الله من الجلد. ولأنه مفسد لأحوال من يساكنه، فيُبعد عنه. هذه فلسفة لماذا شرع التغريب سواء في الزاني أو في المخنث؛ وذلك أن الفاحشة لا تقع إلا مع قدرة ومكنة، فالإنسان لا يطلب ذلك إلا إذا طمع فيما يراه من أسباب المكنة.

فمن العقوبة بالتالي على الزاني أنه إذا كان غير محصن، فبعد أن نجلده مائة، أن نغربه حتى نقطع عنه الذكريات في هذا المكان. سبحان الله كيف الإنسان لما يكون في مكان مارس فيه فاحشة، يصبح كلما مر على هذا المكان يتذكر ما مارسه، فترجع له المخيلة فيطمع أن يفعل الفاحشة في هذا المكان مرة أخرى لأنه في ذكريات، ونحن نريد أن نقطع له هذه الذكريات، فننفيه سنة عن بلده.

هذه فلسفة الإسلام العظيمة في معرفة طبيعة النفوس، وكيف أن وجود مكان المعصية أمامك، كالجامعة أو بيئة العمل المختلط، كلما رآه يرجع يتذكر، فيصير يريد أن يفعل مرة أخرى. فمن العقوبة قطع أسباب المكنة بالنفي؛ فإذا تغرب الرجل عن أهله وأعوانه وأنصاره الذين يعاونونه وينصرونه، عندئذ ذلت نفسه وانقهرت، فكان ذلك جزاء نكالًا من الله تعالى، وهي من الجلد، بل هي أكثر من الجلد؛ فكان ذلك جزاء نكالًا من الله.

بالنسبة للتعزير؛ الزاني أو المخنث الذي فيه تخنث وبالتالي يعاشر النساء، قال: مفسد لأحوال من يساكنه، فكان الحل أن يُبعد عنهم، ولأنه مفسد لأحوال من يساكنه فيُبعد عنه. وكذلك المخنث يفسد أحوال الرجال والنساء جميعًا، فلا يسكن مع واحد من الصف، لأن المخنث من فيه صفات الرجال والنساء في خلقه تمامًا، وغلب ذلك على طباعه بحيث يعاشر كلا الجنسين ويعرف صفات كلا الجنسين، فهذا ما له حل، هذا يفسد هذا على هذا.

ولذلك النبي ﷺ كان هناك مخنث يدخل على نسائه، وكانوا يعتقدون ابتداءً أنه لا يعرف ما عند النساء، فإذا به يدخل. مر النبي ﷺ إلى بيت عائشة أو أم سلمة فوجده يصف امرأة أنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: «أخرجوا لي هذا»، ونفاه؛ لأنه يظهر فيه من صفات النساء وصفات الرجال ما يجعله يعاشر كلا الجنسين، فإذا كان مستيقظًا يكون مفسدًا لكليهما، فبالتالي يُنفى هذا النوع من المخنثين.

وقد كان من سنة النبي ﷺ التمييز بين الرجال والنساء، والتمييز عدم الاختلاط، وكذلك بين المتأهلين والعزاب؛ فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في المقدمة ويكون النساء في المؤخرة. قال النبي ﷺ: «خير صف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صف النساء آخرها، وشرها أولها». وقال: «يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال رؤوسهن»، من ضيق الإزار، يعني حتى لا يرفع النساء فيرون عورات الرجال، لأنه كان الإزار ضيقًا فيمكن تنكشف العورة.

قال: وكان إذا سلم لبث هنيهة هو والرجال لينصرف النساء أولًا؛ لأن يختلط الرجال والنساء. وكذلك يوم العيد، كان النساء يصلين في ناحية، فكان إذا قضى الصلاة خطب للرجال ثم ذهب فخطب للنساء، وبعضهن يرفعن إليه النبي ﷺ، وقد قال عن أحد أبواب المسجد -أظنه الباب الشرقي-: «لو تركنا هذا الباب للنساء ما دخله عبد الله بن عمر حتى مات». وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال للنساء: «لا تحتكن الطريق»، ومشينا في حفته؛ يعني النساء لا في الشوارع الرئيسية، لا تمشين في منتصف الشارع بل تمشين في الجوانب، وأما منتصف الشارع فللرجال.

وقال علي رضي الله عنه: «ما يغار أحدكم أن يزاحم امرأته العلوج بمنكبها؟»، يعني ما يغار لما تشوف زوجتك ماشية في نص الشارع، بحيث يجي رجل يضربها في الكتف، أنت في منتصف الشارع يكون فيه الرجال الأشداء والصعبين، فالأصل أن المرأة لا تحتك بالرجال هذا الاحتكاك.

قد يقال: الذي خلقه أصلًا ما ذنبه؟ يعني أن يُنفى أحيانًا؟ يتحمل؛ في عدة نقاط منها أنه يتحمل الضرر الخاص دفعًا للضرر العام، وهذه لها مظاهر في الشريعة؛ أنه أحيانًا قد يكون شخص وجوده مقلقًا ويعمل إشكالًا، كما حصل في قصة صبيغ لما نفاه عمر بن الخطاب لجماله تمامًا.

سيذكر ابن تيمية أن الله في الشريعة الإسلامية جعل الإنسان يتحمل أحيانًا الضرر الخاص دفعًا للضرر العام؛ أنه أنت وجودك هنا يعمل لي مشكلة داخل المجتمع، فسامحني أنا عارف أن عزلك شوي ممكن يضرك، مع توفير الطعام والشراب له مش رح يموت، لكن هذا العزل لمصلحة عامة يجب أن تتحملها. فنعم، قد يكون هو من جانب معين غير آثم، لكن يجب أن يتحمل؛ ما هذه عقوبة، إنما نفيناه هو نوع من الحجر الصحي، وضعك ما بيسمح لك أن تظل مع المجتمع.

بعض الناس قد يُعدوا، فيتحمل الضرر. كلامك صحيح؛ اليوم في الواقع قد يُحجر على بعض الإخوة الأفاضل في جوانب معينة أنه قد يكون وجودهم عامل دربكة في المجتمع، فسامحنا بدنا نحجرك، أو الله يعينك اطلع. طيب يا شيخ ممكن أنا أتضرر بس اطلع؟ ما هو يا شيخ وجودك عامل دربكة لكل المجتمع، أنت في النهاية ضرر واحد ولا ضرر بلد كامل؟ هي قاعدة: يتحمل الضرر الخاص دفعًا للضرر العام، ومن القواعد المهمة في مقاصد الشريعة.

وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة، كان العزاب ينزلون دارًا معروفة لهم متميزة عن دور المتأهلين، فلا ينزل العزاب بين المتأهلين، وهذا كله لأن المتأهل المتزوج يظل يحكي للشباب عن قصص الزواج، تخيل أن الشاب العزابي جالس مع شباب متأهلين، فيظل يحكي لهم الزواج وينصحهم فيه، فكانت الفكرة أن العزاب ينزلون وحدهم والمتأهلين ينزلون وحدهم، لأن هذول لهم أفكارهم وطموحاتهم وهؤلاء لهم أفكارهم وطموحاتهم.

وكل هذا لأن اختلاط أحد الصنفين بالآخر سبب الفتنة؛ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب، وكذلك العزب بين المتأهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه.

وهنا تتكلم عن قضية الطواف حول الكعبة وكيف أصبح الاحتكاك فيه شديدًا بين الرجال والنساء، والله كلام صحيح حقيقة؛ شيء أصبح مرهقًا جدًا، وصلنا أننا عملنا كل شيء حول مكة بأفضل الطرق ولا استطعنا أن نحل مشكلة الطواف والاحتكاك الشديد بين الرجال والنساء في الطواف، وصل لهذه المرحلة، صار الطواف فتنة في كثير من صوره؛ الرجل يريد أن يغض بصره أثناء الطواف، فيقول: "اللهم سلم سلم"، ما تقع عينك على أنثى، خاصة من الأجانب.

أنت طورت كل شيء وعجزت عن تطوير آخر شيء، يعني أن تعمل طوابق تخصصه للنساء وطوابق للرجال، أعتقد أن في العقل البشري حلول لمشكلة الطواف في واقعنا المعاصر، فمع ازدحام الناس اليوم الطواف فيه احتكاك الجسد بالجسد والمنكب بالمنكب والقدم بالقدم، وحقيقة الإنسان يغار أن تكون زوجته أو بناته يحتك بهن الرجال هذا الاحتكاك الشديد، وكثيرًا ما يشكو ممن يتحرش بالنساء في الطواف، أظن أن المسؤولين عن هذا الأمر يجب أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وينظروا في مصلحة المسلمين في هذا، كما نظروا في المصالح الأخرى.

وهذا كله قال: وكذلك العزب بين الأهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه، فإن الفتنة تكون لوجود المقتضي وعدم المانع. فالمخنث الذي ليس رجلاً محضاً ولا هو امرأة محضة، أظن محضة، أيوه، قال: وله امرأة محضة لا يمكن خلطها بواحد من الصنفين، فأمر النبي ﷺ بإخراجهم بين الناس.

يعني هو بالنسبة للنساء مشكلة، وبالنسبة لوجوده أيضاً مع الرجال مشكلة. وجوده مع كلا الجنسين عامل مشكلة. قال: وعلى هذا المخنث من الصبيان وغيرهم لا يمكن من معاشرة الرجال، ولا يبغي أن تعاشر المرأة المتشبهة بالرجال من النساء. تخيل، المرأة المتشبهة بالرجال لا نسمح لها أيضاً أن تعاشر النساء؛ ليه؟ لأنها بتؤثر عليهم، يمكن هي -والعياذ بالله- تمارس دور الرجل مع امرأة ويصير السحاق تمام، فالمرأة المترجلة لا نسمح لها بمخالطة النساء؛ لأن إما أن تؤثر على أفكارهن وطبائعهن، أو العياذ بالله قد تفعل من العلاقات الشذوذ الجنسي ما ينبغي أن يحصن النساء عنه.

بل يفرق بين بعض الذكران وبين بعض النساء، يعني يفرق بين الرجال وبين الصبيان المردان، ويفرق بين النساء المترجلات والنساء اللي على وضعها الطبيعي إذا خيف الفتنة. قال كما قال النبي ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وقد نهي عن مباشرة الرجل في ثوب واحد، وعن مباشرة المرأة في ثوب واحد. ومنهِي أن الرجل والرجل يكونوا تحت لحاف واحد عند الحنابلة، طبعاً قيدوها بقيد أن يكونوا متجردين، وأن المرأة تكون مع المرأة في لحاف واحد متجردات.

قال: مع أن القوم لم يكونوا يعرفون التلوط والسحاق، مع أن السلف -يعني لما نهوا عن ذلك- ما كانش عندهم فكرة السحاق والتلوط، ومع ذلك سُدت الذريعة في هذا الباب. قال: وإنما هو من تمام حفظ حدود الله كما أمر الله بذلك في كتابه.

وقد روي أن عمر -بل أبلغ من ذلك أنه نُفي من شغب النساء- وهو نصر بن حجاج، لما سمع امرأة تشبب به وتشتهيه. نصر بن حجاج كان في مشكلة، عمر نفاه لأنه جادل بالقرآن. نصر بن حجاج كان جميلاً جداً، فكانت نساء المدينة يتغزلن به، فعمر رضي الله عنه ما عرف شو بده يسوي فيه، جابه أول مرة جز شعره على الصفر لعله يصير -فماذا؟- لعله يذهب الجمال نوعاً ما، فوجده أجمل لما جز شعره، أصبح بعد الحلق أجمل منه قبل الحلق، فنفاه إلى الكوفة أو إلى البصرة.

قال: فأرسل به إلى البصرة، ثم إنه بعث يطلب القدوم إلى وطنه ويذكر أنه لا ذنب له. فسأل نصر -قال له يا عمر بعد فترة- اشتاق نصر أن يعود إلى المدينة النبوية، قالوا أنا إيش علاقتي؟ أنا ربنا خلقني جميل. الفكرة اللي حكيتها، فعمر قال له: «أما وأنا حي ما ترجع»، اللي هي قضية يتحمل الضرر، يعني أنا عارف يا نصر أنه أنت ما لك دخل وأن ربنا خلقك كذا، بس في النهاية أنا بدي أحافظ على مصلحة المجتمع وأنت بتتحمل، وهذا من البلاء الذي ابتلاك الله به. كيف واحد يُبتلى؟ ربنا مرض أنت ابتلاك، ربنا ابتلاك بجمال باهر، بدك تتحمل.

هذه هي السياسة الشرعية المتعلقة بهذه المسألة. قال: فإذا كان في الرجال من قد صار فتنة للنساء، أمر أيضاً بمباعدة سبب الفتنة؛ إما بتغيير هيئته، وإما بالانتقال عن المكان الذي تحصل به الفتنة فيه، لأن بهذا يحصن دينه ويحصن النساء دينهن.

هنا سؤال: الكوفة لا يوجد فيها نساء؟ الكوفة لا يوجد فيها نساء؟ يعني أنت لما نفيت لنصر بن حجاج، مش ضيعنا نساء الكوفة بنصر بن حجاج؟ إيش ممكن يقال في هذا؟ ربما هو في المدينة معروف اسمه ومنطقته، أما أن نكون في مكان آخر هو غريب، فما عنده أصلاً هذا المجال.

وكذلك أنه خاصة في الزمن القديم، قبل ما تصير هي الوسائل ومعايير جمال عالمية، كل أهل بلد أو كذا يميلون إلى نفس الجنس، فإذا ذهب إلى مكان آخر ممكن ما يكون نفس الهيئة. أنا أعتقد أنه ربما طبيعة العراق في تلك الفترة وما فيها حسن من الاختلاط والعجم، أنه يوجد أمثال نصر بن حجاج كثار، يعني مش رح توقف عليه، لكن المدينة التي هي الحجاز والعرب، وعادة بتعرفوا عموماً أشكال العرب والبدو وما شابه ذلك محدده، فإنه يظهر فيهم هذه الفلتات تعمل دربلة داخل المجتمع، بخلاف لما تكون في مكان آخر. ربما بالنسبة لجمال نصر بن حجاج بالنسبة لأهل الكوفة قد يعتبر طبيعياً، لكن بالنسبة لأهل المدينة ومن حولهم، فكان بالتالي القرار أن يذهب هناك لأنه يضيع جماله بين الناس الموجودة هناك، والله أعلم.

قال: وذلك احتجاجاً إلى المباعدة التي تزيل الفتنة. إذا كان هناك احتجاج إلى المباعدة، فتبعيد الواحد أيسر من تبعيد الجماعة. يعني أنا بدي أبعد كل الجماعة ولا أبعد واحد؟ لا، يعني واحد يتحمل الضرر الواقع عليه أفضل من أنه الجماعة كلها تتحمل الإشكالية.

قال: إذا كان ذلك غير ممكن، فتحفظ حدود الله ويجانب ما يوجب تعدي الحدود بحسب الإمكان. وإذا كان هذا في من لا ريبة فيه ولا ذنب، فكيف بمن يعرف بالريبة والذنب؟ يعني إذا كان هذا إبعاد لشخص هو مش غلطان، فكيف بإبعاد شخص هو مخطئ ويتلاعب ويتقصد النساء أو ما شابه ذلك؟ هذا من باب أولى وإحراء.

قال: وهكذا المرأة التي تُعرف بريبة تفتن بها الرجال، تُبعد عن مواطئ الريب بحسب الإمكان، فإن دفع الضرر عن الدين بحسب الإمكان واجب. فإذا كان هذا هو السنة، فكيف بمن يكون في جمعة من أسباب الفتنة ما الله به عليم؟ الرجل الذي يتشبه بالنساء في زيّهن، هذا كله يقول لك إنه الرجل الذي يتخنث كما تتخنث النساء ويغني وكذا ويتشبه بزيّهن...

كيف يجتمع على السماع له وطلب الصوت منه وما شابه ذلك؟ أليس هذا مخالفًا لمقاصد الشريعة التي تدعو إلى التباعد؟

نعم، قال: واستعمال أسماء الجمال والحسن والزينة ونحو ذلك في الأعمال الصالحة، والقبح والشين والدنس في الأعمال الفاسدة، أمر ظاهر في الكتاب والسنة وكلام العلماء، مثل اسم الطيب والطهارة والخبث والنجاسة، أو الطيب مقابل الخبيث.

قال: ومن ذلك ما في حديث أبي ذر المشهور، وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من حكمه آل داوود: حق على العقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يكون فيها مع أصحابه الذين يخذونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل». فذكر الحل والجمال، وهذا يشهد لقول الفقهاء في العدالة إنها صلاح الدين، والمروءة، وقالوا: والمروءة استعمال ما يجمله ويزينه، وتجنب ما يدنسه ويشينه.

وهذا يرجع إلى الحسن والقبح في الأعمال، وأن الأعمال تكون حسنة وتكون قبيحة، وإن كان الحسن هو الملائم النافع، والقبيح هو المنافي. فشيء يكمل ويجمل ويحسن بما يناسبه ويلائمه وينفعه ويلتذ به، كما يفسد ويقبح بما ينفيه ويضره ويتألم به. والأعمال الصالحة هي التي تناسب الإنسان، فالإنسان إنما يجمل بها.

قال: وأعمال الفاسدة هي التي تنافيه، وبالتالي يقبح بها. قال: ولهذا قال بعض الأعراب: إن مدحي زين وذمي شين. فمدحه يزين عنده لأنه مدحه بحق، وذمه يشينه لأنه حق.

وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه. فإذا أصل الحسن والجمال في المفهوم الشرعي هو حسن وجمال الأعمال وليس الأبدان، فنحن نعترف أن الحسن موجود في الأبدان، لكن في المفهوم الشرعي تقييم الحسن والجمال بالأعمال. وهذا الحسن والجمال في الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه فيظهر حسن وجمال على الوجه نتيجة الأعمال الصالحة التي في هذا الإنسان. والقبح هو شيء في الأعمال الفاسدة يسري على الوجه كما تقدم، فترى السواد والقتر في وجوه أهل المعصية.

قال: ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة؛ فكلما كثر البر والتقوى قوي الحسن والجمال، وكلما قوي الإثم والعدوان قوي القبح والشين، حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح. فكم ممن لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله. قد يكون الإنسان إمكانياته في الجمال محدودة لكن أعماله الصالحة تجعله أمام الناس منورًا، وفي المقابل رجل تجده صبيحًا من الأوروبيين الشقر وكذا، ولكن أعماله الخبيثة تجعلك تشمئز عندما تنظر في وجهه. ولهذا يظهر ذلك ظهورًا بينًا عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت.

قال: فنرى وجه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها، حتى يكون أحدهم في كبره أحسن وأجمل منه في صغره. ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها. تذكر لما تشوف الرافضة في الحرم الكبيرين في السن، منهم تشعر أنك لا تستطيع النظر في وجهه، تشعر فعلاً أن وجهه ليس وجهًا سهلاً سمحًا، ترى فعلاً أثر قبح معصية الله والبدعة في وجهه. هذا معنى قوله: إنه لما يكبروا في السن أهل البدع يظهر في وجوههم الكبر على أخبث الأشكال، بخلاف أهل الطاعة ومشايخنا علماء السلف، لما ترى شابت لحيته تجد وجهه جميلًا وتنشدع الصدور عند رؤيته، هذه من بركات أهل السلف، وتجد أن وجوههم مشرقة حتى عند آخر أعمالهم، بخلاف أهل البدع تجد أشكالهم.

والآن أظن ابن تيمية سيذكر وجوه الرافضة، اقرأ ماذا قال: «قال حتى ليست نظر إليها من كان منبهراً بها في حال الصغر لجمال صورتها». وهذا يعني تلاقيه هو صغير، هذا الرافضي جميل وكذا ويغني لهم قاعد في الندبيات واللطميات، لما يكبر يصبح -والعياذ بالله- ممسوخًا. ولهذا قال: «وهذا ظاهر لكل أحد في من يعظم بدعته فجوره»، مثل الرافضة. إذاً هي الظاهرة مش عندنا فقط في واقعنا بل حتى قديماً، ابن تيمية يحظ أن وجوه الرافضة عندما يكبرون تصبح تشمئز من النظر إليها.

قال: فإن الرافضية كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه. هذا هو كلامه، الرافضية كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه، عظم يعني الشكل والأسلوب كله تشمئز منه. قال: حتى يقوى شبهه بالخنزير ربما، وسخ خنزيراً وقرداً كما قد تواتر ذلك عنه. هذا بسوء تكلمه في عائشة، وفي سوء تكلمه في أبي بكر وفي سوء تكلمه بعمر والصحابة والسلف، من أساء الكلام في صحابة النبي ﷺ مسخ وجهه.

قال: ونجد المردان من الترك ونحوهم قد يكون أحدهم في صغره من أحسن الناس صورة، ثم إن الذين يكثرون الفحشة تجدهم في الكبر أقبح الناس وجوهاً. حتى إن الصنف الذي يكثر ذلك فيهم من الترك ونحوهم يكون أحدهم أحسن الناس صورة في صغره وأقبح الناس صورة في كبره، وليس سبب ذلك أمراً يعود إلى طبيعة الجسم، بل سببه ما يغلب على أحدهم من الفاحشة والظلم، فيكون مخنثاً ولوطياً وظالماً وعوناً للظلمة، فيكسه ذلك قبح الوجه وشينه.

ومن هذا طبعاً الأخوة، ما هذه تعتبر قواعد أغلبية، يعني مش بكره واحد يشوف الرافضي يشكله مين يقول ها ابن تيمية قاعدته اختلت، لا، هذه قواعد يغلب عليهم هذا، ممكن رافض لا يبقى وجهه نوعًا ما معتدل، يعني هي مش قاعدة علمية تطبق 100% لكن يكثر هذا فيه.

طلب من هذا أن الذين قوي فيهم العدوان مسخهم الله قرادة وخنازير من الأمم المتقدمة، وقد ثبت في الصحيح أنه سيكون في هذه الأمة أيضاً من يمسخ قردة وخنازير، فإن العقوبات والمثوبات من جنس السيئات والحسنات كما قد بين ذلك في غير موضع.

قال: ولا ريب أن ما ليس محبوباً لله من مسخوطاته وغيرها تزين في نفوس كثير من الناس حتى يروها جميلة وحسنة، يجدون فيها من اللذات ما يؤيد ذلك، وإن كانت اللذات متضمنة لآلام أعظم منها، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ...﴾ [آل عمران: 14]. فالشهوات أنت تمارسها وتفعلها وتراها جميلة وحسنة وتجد فيها لذة بالتأكيد، لكن هذه اللذة مورثة للآلام عند تناولها وبعد تناولها من جلد النفس.

الشواهد من النساء، وقال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقال: ﴿وَزُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. فالمعاصي والشهوات تتزين لأهلها.

وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، ﴿لَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]. فهو سبحانه يزين لكل عامل عمله فيراه حسنا، وإن كان ذلك العمل سيئا، فإنه لولا يراه حسنا لم يفعله، ولو رآه سيئا لما أراده أكيد، الإنسان لما يعمل الشهوة ويراها جميلة، لو رآها قبيحة لما فعلها.

الإنسان مجبول على محبة الحسن وبغض السيء، فالحسن الجميل محبوب مراد، والسيء القبيح مكروه مبغض. والأعيان والأفعال المبغضة من كل وجه لا تقصد بحال، كما أن المحبوبة من كل وجه لا تدرك بحال، ولكن قد يكون الشيء محبوبا من وجه، مكروها من وجه، ويقبح من وجه ويحسن من وجه.

ولهذا كان الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن، والسارق لا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن كامل الإيمان؛ فإنه لو كان اعتقاد بقبح ذلك الفعل اعتقادا تاما لم يفعله بحال. ولهذا كان كل عاص لله تعالى جاهلا، كما قال بذلك أصحاب محمد ﷺ: «إنه لو كان عالما حق العلم بما فعل لم يفعل القبيح ولم يترك الواجب».

وقد زين لكل أمة عملهم، لكن العاصي إذا كان معه أصل الإيمان فإنه لا يزين له عمله من كل وجه، بل يستحسنه من وجه ويبغضه من وجه. العاصي إذا كان عنده من الإيمان قد يستحسن الزنا أو شرب الخمر من وجه، ويستقبح من وجه أنه لا يرضي الله سبحانه. ولكن حين فعله يغلب تزيين الفعل، فلما وقع في الزنا في تلك اللحظة غلبت عليه جمالية اللذة وضعف عنده قبحها.

ولذلك قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. فهنا شيئان: حب الشهوات، وأنه زين ذلك الفحش وحسنه، فرأوا تلك المحبة حسنة، فاستقرت هذه المحبة عندهم وتمتعوا بهذه المحبات. فإذا رأوا ذلك الحب قبيحا لما يتبعه من الضرر لم يستقر ذلك في قلوبهم؛ فإن رؤية ذلك الحب حسنا يدعو إليه، لكنه يؤدي إلى قبيح فينفّر عنه. إذا رأيت أن رؤية ذلك الحب حسنا لكنه يؤدي إلى قبيح فإنك ستنفر عنه.

وكذلك ذكر في الإيمان أنه حببه إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم حتى رأوه حسنا، فإن حبب وزين لم يترك بحال. هنا أخبر سبحانه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وفي الشهوات قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ولم يقل المزين.

لم يذكر المزين سبحانه وتعالى، بل ذكر العموم، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ بصيغة لم يبنَ فاعله، وكذلك قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. وكما حذف المزين هناك، جعل المزين هنا باعتبار أنه أصبح نائب فاعل، أي جعل الشيء المزين هو نفسه الحب، ولم يجعل المزين هو المحبوب (الشهوات).

لم يقل: «زين للناس الشهوات»، بل قال: «زين للناس حب الشهوات»، يعني لم يجعل المزين هو نفس الشهوات، جعل المزين هو حبك أنت لهذه الشهوات، فجعل المزين هو نفس الحب للشهوات، ولم يجعل المزين هو نفس المحبوب الذي هي الشهوات، كما أخبر أنه زين لكل أمة عملها.

فإن المزين هو نفس الحب، ولم يجعل المزين هو المحبوب الذي هو الشهوات. وإذا كان المزين هو نفس الحب والعمل، لم ينصرف القلب عن ذلك؛ لأن الذي زين فيه هو الحب نفسه، وهو عمل قلبي هو الذي تزين، بخلاف ما لو كان المزين هو نفس الشيء المحبوب، فهنا يمكن أن ينصرف القلب عنه، فقد يزين الشيء المحبوب ولكن الإنسان لا يحبه لما يقوم بقلبه من العلم بحاله والبغض.

هو يقول لك فرق بين أن تتزين المحبة وبين أن يتزين الشيء المحبوب؛ أنت ممكن ترى امرأة مزينة ولكن لا تحبها وتعرض عنها، فهي شيء محبوز وهو المتزين وهو منفصل عنك، فهو شيء خارجي، والأشياء المزينة في الخارج ليس شرطا أن تتعلق بها ويمكن أن تعرض عنها لما ترى أنها عاصية لله وفاسدة.

لكن المشكلة أين؟ المشكلة تصبح أصعب إذا كانت المحبة هي نفسها التي تزينت لديك، إذا المحبة هي التي تزينت، فالتزيين ليس في الشيء الخارجي بل وقع في قلبك أنت، في قلبك حصل تزيين محبة الشيء والرغبة فيه، هنا تصبح عملية الانفكاك عنها صعبة.

أما الحالة الأولى إذا كان التزيين خارجيا، فأنت ما زلت صاحب قرارك، يمكن أن تنصرف لما فيه من سلبيات. أما إذا حصل التزيين في القلب، فهنا يصبح هناك شيء تحتاج فيه إلى مكافحة. ولذلك الله قد زين حب الشهوات بين النساء والبنين ليخبرك أن الإنسان يتعب في مكافحة هذه المحبة المزينة في قلبه، ويحتاج إلى جهد في مقاومتها وتهذيب النفس وإصلاحها تجاهها.

هو يقارن بين السياقين، سياق سبحانه وتعالى ذكر فيه نفسه، والسياق الآخر لم يذكر فيه نفسه بالتزيين.

ما هو المزين؟ هو نعم في أحيان يذكر نفسه زيناً وأحياناً لا يذكر، لكن المراد في كلا الآيتين: قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلُهُمْ﴾ [الأنعام: 137]، فما هو المزين؟ العمل. وفي الآية هذه قال: ﴿نُسِّيَ الْحُبُّ﴾، فما هو المزين؟ الحب. فالأعمال والحب هو المزين، وليس الشيء المعمول أو المحبوب؛ لأنه ذاك شيء خارجي منفصل عنك، فلذلك هو ماذا قال؟ لأنه لاحظ ماذا قال: فإن المزين إذا كان نفس الحب -وهذا في الآية الثانية- والعمل -وهذا في الآية السابقة- ﴿زُيِّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلُهُمْ﴾، فإن المزين إذا كان نفس الحب والعمل لم ينصرف القلب عن ذلك، يعني يصعب للقلب أن يترك ذلك؛ لأن أنت العمل نفسه أو الشيء أو الحب نفسه هو المزين.

بخلاف ما لو كان المزين هو نفس المحبوب الخارجي، فقد يكون الشيء الخارجي مزيناً ولكن الإنسان لا يحبه لما يقع في قلبه من العلم بحاله وبغده. ممكن تشوف شيء مرآة مزينة بس تعرف أنت بواطنها وأحوالها فتبغضها، لكن المشكلة إذا وقع حب في قلبك وزين حبها في قلبك، هنا عاد أخلص من هذا الحب.

قال: ففرق بين التزيين المتصل بالقلب والتزيين المنفصل عن القلب. فالتزيين المتصل هو تزيين المحبة في داخلك، والتزيين المنفصل هو أن يكون المحبوب الخارجي متزيناً. وهذا فيه رد على القدرية الذين يجعلون التزيين هو فقط المنفصل ولا يؤمنون أنه هناك تزيين متصل. التزيين المتصل سيدخل في قضية أنه ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [سبأ: 8] وهم لا يرون ذلك.

أحسنت، يعني القدرية تقوم على أن الإنسان يخلق فعله بنفسه، وأن الله عز وجل ليس له أي علاقة بك، فبالتالي إذا كان في تزيين متصل بالقلب، يعني كان فيه نوع من الجبر، أي أن الله سبحانه وتعالى أدخل على قلبك هذا الشيء وزينه فيك، وهم لا يؤمنون أن الله يزين شيئاً في قلبك بحيث لا تنفك عنه؛ لأن هذا عندهم يخالف العدل، فبالتالي التزيين فقط هو التزيين المنفصل في الخارج وأنت صاحب قرارك تحبه ولا ما تحبه. أما أن يكون يزين الله شيئاً في قلبك، أن يزين المحبة، هم لا يؤمنون بهذا؛ لأن هذا يخالف أصولهم العقدية في خلق أفعال العباد، وأن الله يضل من يشاء.

طيب، قال: وكذلك قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، فهو سبحانه امتن في الإيمان بشيء بأنه أحببه إلينا وزينه في قلوبنا، فالنعم تتم بهما بالعلم والمحبة. وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي ﷺ أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وفي الصحيح أيضاً أنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهين من النساء بالرجال.

وفي الصحيح أنه أمر بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت، كما روى البخاري في صحيحه عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»، وفي رواية: «لعن النبي ﷺ المخنث من الرجال والمترجلات من النساء»، وقال: «أخرجهم من بيوتكم»، فأخرج النبي ﷺ فلاناً وأخرج عمر فلاناً.

فإذا كان الرجل الذي يتشبه بالنساء في لباسهن وزيهن وزينتهن مدعواً قد لعنه رسول الله ﷺ، فكيف بمن يتشبه بهن في مباشرة الرجال فيما يتمتع الرجال به بتمكينه من ذلك لغرض يأخذه؟ فكيف بمن يتشبه بالنساء في السماح للرجال أن يعاشروه -والعياذ بالله-؟ فكيف بمن يتشبه بهن في مباشرة الرجال له فيما يتمتع الرجال به من الملامسة بتمكينهم من ذلك لغرض يأخذ بعطوه مصاري مقابل أن يسمح لهم بأن يمسوا جسده؟ وهذا -والعياذ بالله- من أعظم التخنث واللوطية.

قال: فكلما كثرت مشابهته لهن كان أعظم للعلانة، وكان ملعوناً من وجهين: من جهة الفاحشة المحرمة التي يُسمّى أن تحصل معه، فإنه يلعن على ذلك ولو كان هو الفاعل، ومن جهة تخنثه لكونه من جنس المفعول بهن؛ فمن جعل نفسه من جنس المفعول بهن صار هو المفعول به -والعياذ بالله-.

قال: فمن جعل شيئاً من التخنث ديناً، أو طلب ذلك من الصبيان مثل تحسين الصبي صورته أو لباسه لأجل نظر الرجال واستمتاعهم بذلك في سماع وغير سماع، أليس يكون مبدلاً لدين الله؟ من جنس الذين إذا فعلوا فاحشة قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28]، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. وإذا كانت فاحشة، العرب المشركين كشفوا عوراتهم عند الطواف، ألا يطوفوا في ثياب، عصب الله فيها. فكيف يبقى ما هو أعظم من ذلك؟

والمخنث قد يكون مقصوده معاشرة النساء ومباشرتهن، وقد يكون تخنثه بمباشرة الرجال ونظرهم ومحبتهم، وقد يجمع الأمرين. وفي المتنكسين والمتنسكين من الأقسام ثلاثة، كثير -والعياذ بالله-.

قال: وهؤلاء شتى؛ ممن يفعل هذه الأمور على غير وجه التدين، فإنه يوجد في الأمم الجاهلية من الترك ونحوهم من يتشبه فيهم من النساء، يعني من يتخنث لكن ليس على وجه التدين، فاحشة بس، بضل أفضل أو أشوى -زي ما يقولوا- ممن يفعل التخنث ديانة وتعبداً ويعتقد أنه هكذا يتقرب إلى الله من خلال التخنث.

قال: ومن يتشبه من الرجال والنساء خلقاً، حتى يكون النساء من الأمر والملك والطاعة والبروز للناس وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال ما ليس للنساء غيرهم، وحتى إن المرأة تختار لنفسها من شاءت من ممالكها وغيرهم لقهرها للزوج وحكمها، ويكون في كثير المرأة عندهم أقوى من الزلمة.

قال: وحتى يكون في كثير من صبيانهم من التخنث وتقليب الرجال له وإكرامهم لذلك أمر عظيم، حتى قد يغار بعض صبيانهم من النساء -والعياذ بالله-، فيصبح الصبي يغار من امرأة الرجل لأنها تنافسه على هذا الرجل. قال: وحتى يتخذهم الرجال كالسراري -والعياذ بالله-، يعني يصبح الرجال يعاملون الصبيان كالسراري التي يتم وطؤها ومعاشرتها. حتى تعرف أن هذا اللواط وهذه العلاقات المحرمة كثرت حتى في المجتمعات القديمة للأسف.

قال: لكنهم لا يفعلون ذلك تديناً، فالذين يفعلون ذلك تديناً شر منهم؛ فإنهم جعلوا الفجور ديناً والفاحشة حسنة.

لما في ذلك من ميل الطباع، فهكذا من جعل مجرد الصوت ذاتها. أنا شايف، شو رأيكم؟ فالذين يفعلون ذلك ديدنهم شر منهم، فإنهم جعلوا الفجور ديناً والفاحشة حسنة.

هو بيقول لك الشيخ هنا: «لما في ذلك من ميل الطباع»، ولا أعتقد بدون «لا» ممكن تستقيم على الاثنين، لو بدون «لا» ما هو إذاً ما هو قال أنا أضفتها ليستقيم، فإذا هي مش في وضعها الطبيعي؛ يعني فإنهم جعلوا الفجور ديناً والفاحشة حسنة لما في ذلك من ميل الطباع، وليس لأنها فعلاً ترضي الله سبحانه وتعالى. ما في ذلك من الشهوات جعلوها ديانة، فأنا أعتقد أن «لا» التي أضافها الشيخ هنا ليست صحيحة.

فهكذا قال: «فهكذا من جاء مجرد الصوت الذي تحبه الطباع». حسناً، في الدين فيه شبه من هؤلاء، لكن في المشركين من هذه الأمة من يتدين بذلك لأجل الشياطين، كما يوجد في المشركين من الترك والتتار وساحرهم الطاغوت صاحب الجبت، الذي تسميه الترك «البوق»، وهو الذي تستخفه الشياطين وتخاطبه ويسألها عما يريد ويقرب بها القرابين.

يعني هذا الساحر الأكبر عند الأتراك يسمونه «البوق»، والشياطين تتواصل معه شخصياً. قال: «ويقرب لها القرابين من الغنم المنخنقة وغير ذلك، ويضرب لها بأصوات الطبول ونحو ذلك». ومن شرطه أن يكون مخنثاً يؤتى كما تؤتى المرأة. فكلما كانت الأفعال أولى بالتحريم كانت أقرب إلى الشياطين، يعني كلما كان الرجل أقرب إلى الفواحش كان أقرب إلى الشيطان.

قال: «وهذا الذي ذكرناه، من أن الحسن في الصورة والصوت وسائر من أنعم الله عليه بقوة أو بجمال ونحو ذلك، فإذا اتقى الله فيه كان أفضل ممن لم يؤتَ ما لم يمتحن به، فإن النعم محن». فالنعم محن. فإن أهل الشهوات من النساء والرجال يميلون إلى هذه الصورة الحسنة ويحبونه ويعشقونه ويرغبونه بأنواع الكرامات، ويرهبونه عند الامتناع بأنواع المخوفات، كما جرى ليوسف عليه السلام وغيره.

وكذلك جماله يدعوه إلى أن يطلب ما يهواه، لأن جماله قد يكون أعظم من المال المبذول في ذلك. وكذلك حسن الصوت قد يدعى إلى أعمال في المكروهات، كما أن المال والسلطان يحصل بهما من التمكن ما يدعى مع ذلك إلى أنواع الفواحش والمظالم؛ فإن الإنسان لا تأمره نفسه بالفعل إلا مع نوع من القدرة. المال والسلطان هما اللذان يساعدان الإنسان على فعل الفواحش.

قالت: «ألا وشهوات الغي مستكنة في النفوس، فإذا حصلت القدرة قامت المحنة، فإما شقي وإما سعيد». أسأل الله العافية. «قالوا يتوب الله على من تاب، أهل الامتحان إما أن يرتفعوا وإما أن ينخفضوا». أي إنسان امتحنه الله إما أن يرتفع حيث يوظف ما امتحنه الله به من الصوت أو الجمال في طاعة الله، وإما أن يخسر.

«وأما تحرك النفوس عن مجرد الصوت، فهذا أيضاً محسوس، فإنه يحركها تحريكاً عظيماً جداً بالتفريح والتحزين والإغضاب والتخويف ونحو ذلك من الحركات النفسانية». كما أن النفوس تتحرك أيضاً عن الصورة بالمحبة تارة وبالبغض أخرى، وتتحرك عن الأطعمة بالبغض تارة والنفرة أخرى. فتحرك الصبيان والبهائم الهائمة عن الصوت هو من ذلك، لكن كلما كان أضعف كانت الحركة به أشد؛ كلما كان المخلوق أضعف عقلاً كلما كانت حركته بسبب الصوت أشد.

كلما ضعف العقل كلما كان استفزاز الصوت له أكثر، فالبهائم تستفز بالصوت أكثر من الصبيان، ثم بعد ذلك الأصل النساء بتتحرك للصوت أسرع، فالرجل كلما قل عقله كلما كان يكثر في هذا الرقص والدبك والقصص على المستوى البعيد. قال: «فحركة النساء به أشد من حركة الرجال، وحركة الصبيان أشد من حركة البالغين، وحركة البهائم أشد من حركة الآدميين». فهذا يدل على أن قوة التحرك عن مجرد الصوت لقوة ضعف العقل، إذاً هي علاقة عكسية.

تعرف بعض الناس بس مجرد يسمع صوت دحية بتلاقيهم كلهم نزلوا. طيب يا عم شوي، الفكرة سرعة الانجذاب للصوت والتحرك به خاصة عند النساء، وكذا يدل هذا كله على طبائع النفوس؛ الصوت يحرك في النفوس أشياء كثيرة، هكذا خلق الإنسان. فعليك أن تعرف ما هو الصوت الذي تسمع، وما هي الأشياء التي فعلاً تسمعها، وهذا يدل على رجحان عقلك.

يعني إذا أردت أن تعرف عقل الرجل نوعاً ما من مؤشراته أنظر ماذا يسمع؛ إذا وجدته طالب السيارة جاي على الأغاني والأناشيد، هذا يعلم أن عقله ضعيف وأنه أشبه بالنساء منه بالرجال. أما إذا رأيته على سماع الكلام النافع والمحاضرات القيمة وعلى سماع الكتب، أعرف أن هذا رجل عاقل متزن عموماً.

هذا لا يمنع أنه أنت مرجع، أقول لك حتى ما حدا يحمل نفسه فوق طاقته، أنه أنت طالع في رحلة مع بعض الشباب، أحياناً التكلفة بيرسم فيها على إخوانه أنه طالعين رحلة. لا، ليس هكذا الموضوع، بالعكس النبي ﷺ كان في بعض الفقرات المحدودة في هذا النوع، لكن أنا أقصد الديدن، أنا كلامي عن الديدن المستمر، هو طالع وهو يتعامل دوماً مع الأصوات الجميلة.

قال: «فلا يكون في ذلك حمد إلا وفيه من الذم أكثر من ذلك، وإنما حركة العقلاء عن الصوت المشتمل على الحروف المؤلفة المتضمنة للمعاني المحبوبة، وهذا أكمل ما يكون في استماع القرآن». وهذا الذي يحرك أصحاب النفوس السوية.

قال: «وأما التحرك بمجرد الصوت، فهذا أمر لم يأتِ الشرع بالندب إليه، والعقلاء من الناس يأمرون بذلك، يعدون أن تحرك لمجرد سمعت بصوت آهات أو أي صوت هذا ليس شيئاً يمر به الشرع، ولا عقلاء الناس يتحركون لأي صوت، بل يعدون ذلك من قلة العقل وضعف الرأي، كالذي يفزع من مجرد الأصوات المفزعة المرعبة، وعن مجرد الأصوات المغضبة فقط».

هكذا أنت تتحرك إذا كان الصوت جميلاً. قال أبو القاسم: «وقال النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن»». وروى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أذن الله لشيء، ما أذن الله لنبي يتغنى بالقرآن». الأذن أنت عارف معناها، أصغى. وقال: «وقيل إن داوود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن».

والأنس والوحش والطير، إذا قرأ الزبور، وكان يحمل من مجلسه 400 جنازة ممن قد مات ممن سمعوا قراءته. وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري: «لقد أُعطيت مزمارًا من مزامير داود». وقال معاذ لرسول الله ﷺ: «لو علمت أنك تسمع لحبطت لك تحبيًا»، قلت: هذا القول لأبي موسى، لم يكن لمعاذ.

ومضمون هذه الآثار استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وهذا مما لا نزاع فيه. فاستدلال بذلك على تحسين الصوت بالغناء أفسد من قياس الربا على البيع، إذ هو من باب تنظير الشعر بالقرآن كما قلنا. وهذا كله يدل على حسن سماع الصوت بالقرآن، فما علاقته بذلك أن تقيس عليه سماع الصوت العام؟

قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: 210-211]. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 225-226]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 41-42].

وهذا القياس مثل قياس سمع المكاء والتصدي الذي ذمه الله في كتابه، وأخبر أنه صلاة المشركين، على سمع القرآن الذي أمر الله به في كتابه، وأخبر أنه سماع النبيين والمؤمنين. وقياس أئمة الصلاة كالسلف والخلفاء من أئمة المؤمنين بالمخنثين المغاني؛ أن تقيس المخنثين المغاني على أئمة المسلمين أصحاب قراءة القرآن.

وقد روى الطبراني في معجمه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي قرآنًا، قال: القرآن الكذب، قال: اجعل لي مؤذنًا، قال: مؤذنك المزمار، قال: اجعل لي كتابًا، قال: كتابتك الوشم، قال: اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمام، قال: اجعل لي طعامًا، قال: إطعامًا لا يذكر اسم الله عليه». فمن قاس قرآن الشيطان بقرآن الله فالله يجازيه بما يستحقه.

وقد قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلَفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. فهؤلاء يشتغلون بالشهوات عن الصلاة، ولهذا فإن من هؤلاء الشيوخ من يقصد الاجتماعات في الحمام ويكون له فيها حال وظهور؛ لماذا في الحمام يكون له حال وظهور؟ حيث يحضر الشيطان. هذا الشيخ يظهر أثره في الحمام، مراد الحمام مكان الاغتسال، حيث لم يجد مكانًا يجتمع فيه بحاشيته إلا في الحمامات. قال: لكون مادته من الشياطين، فإن الشيطان يظهر أثره في بيته، وفي الحديث السابق: بيت الشيطان الحمام.

وعند أوليائه وتأذين مؤذنه وتلاوة قرآنه كما يظهر ذلك، وعند أوليائه وتأذين مؤذنه؛ أذان الشيطان المزمار، ما قرآن الشيطان إلا الشعر.

وإذا كان السماع نوعين: سماع الرحمن وسماع الشيطان، كان ما بينهما من أعظم الفرقان. لكن الأقسام هنا أربعة: إما أن يشتغل العبد بسماع الرحمن دون سماع الشيطان، أو بسماع الشيطان دون سماع الرحمن، أو يشتغل بالسماعين معًا، أو لا يشتغل بهذا ولا بهذا السماع.

فالأول حال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم، الذين كانوا يشتغلون بسماع القرآن ولا يشتغلون بسماع الشيطان. وأما الثاني فحال المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]، فهو حال من يتخذ ذلك دينًا ولا يستمع القرآن. فإن كان يشتغل بهذا السماع شهوة لا دينًا ويعرض عن القرآن فهم الفجار والمنافقون إذا أبطنوا حال المشركين.

وأما الذين يشتغلون بالسماعين فكثير من المتصوفة، والذين يعرضون عنهما على ما ينبغي كثير من الأعراب الذين لا يهتمون بسماع القرآن ولا بسماع الشيطان، كمن يشغل بحياته الطبيعية.

فهذه النصوص المأثورة عن النبي ﷺ التي فيها مدح الصوت الحسن بالقرآن والترغيب في هذا السماع، يحتج بها على المعرض عن هذا السماع الشرعي الإيماني، لا يحتج بها على حسن السماع البدعي الشركي. بل الراغبون في السماعين جميعًا، والزاهدون في السماعين جميعًا، خارجون عن محض الاستقامة والشريعة القرآنية الكاملة؛ هؤلاء معتدون وهؤلاء مفرطون، وإنما الحق الرغبة في السماع الإيماني الشرعي، والزهد في السماع الشركي البدعي.

ثم ذكر أبو القاسم حكاية أبي بكر الرقي في الغلام الذي حدي بالجمال حتى قطعت مسيره ثلاثة أيام في يوم من شدة سرعتها لما سمعت الأنشودة، فلما نزل عنها ماتت الإبل، وحد بجمل فهوى على وجهه وقضى نحبه. وقال الرقي: «لم أظن أني سمعت صوتًا أطيب منه»، ووقعت لوجهي حتى أشار علي بالسكوت فسكت.

مضمون هذه الحكاية أن الصوت البليغ في الحسن قد يحرك النفوس تحريكًا عظيمًا خارجًا عن العادة. ونحن متفقون أن الصوت يؤثر، لكن نحن نريد التأثير الرحماني الذي يرضي الله، لا التأثير الشيطاني الذي يصبح الإنسان فيه كالسكران.

فإن الأصوات توجب الحركات الإرادية بحسنها، وهي اللا إرادية بحسنها، وهي في الأصل ناشئة عن حركات إرادية، ويختلف تأثيرها باختلاف نوع الصوت وقدره. بل هي من أعظم المحركات، وإذا اتفق قوة المؤثر واستعداد المحل قوي التأثير؛ فالنفوس المستعدة للصغر أو الأنوثة أو الجزع ونحوه، أو للفراغ وعدم الشغل أو ضعف العقل، إذا اتصل بها صوت عظيم حسّت به غاية الإزعاج. وهذا يكثر عند كثير من البطالين أو الصغر أو الأنوثة، فهذه كلها عوامل تساعد على تأثير الصوت بشكل كبير في الإنسان.

لكن هذا لا يدل على جواز ذلك ولا فيه ما يوجب مدحه وحسنه، بل مثل هذا أدل على الذم والنهي منه لا على الحمد والمدح؛ فإن هذا يفسد النفوس أكثر مما يصلحها، ويضرها أكثر مما ينفعها.

وإن كان فيه نفع فأثمه أكثر من نفعه. وقد قال الله للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 62]؛ فالصوت الشيطاني يستفز بني آدم. وقال النبي ﷺ: «استفز»، لذلك سمى الله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾؛ صوت الشيطان يستفز الإنسان فيجعله يفعل أفعالًا غير منضبطة.

وقال النبي ﷺ: «إنما أنهى عن صوتين أحمقين فاجرين»، وذكر صوت النعمة وصوت المعصية، وصفهما بالحمق والفجور والظلم والجهل. وقال لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾. والمغني بهذه الأصوات لم يغض من صوته، والمتحركون بها الراقصون لم يقصدوا في مشيهم، بل المطوتون أتوا بالأحمق الجاهل الظالم الفاجر من الأصوات، والمتحركون أتوا بالأحمق الجاهل الظالم الفاحش من الحركات. ربما جمع الواحد بين هذين النوعين وجعل ذلك من العبث، تجد يرقص، فالرقص هو خلاف ﴿اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ مع الغناء، وهذا خلاف ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾؛ فالرقص مع الغناء مخالفة للآية.

ثم قال القشيري: قال أبو القاسم، سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عمر الأنماطي قال: سمعت الجنيد يقول. وسئل: ما بال الإنسان يكون هادئًا فإذا سمع السماع اضطرب؟ قال: فقال إن الله لما خاطب الذرة في الميثاق الأول بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح، فإذا سمعوا السماع حركهم.

ذكر ذلك، هذه قصة، يعني أن الأرواح في القدم سمعت كلام الله لما قال لها: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأصبح كل صوت حسن يسمعونه من مغن أو مغنية يذكرهم بصوت هذا الكلام. يعني ما كان ينبغي أن يذكر القشيري هذا أبدًا، ما يصلح هذا الكلام أبدًا أن يذكر. وغفر الله للشيخ السلمي الذي ذكر مثل هذا الكلام؛ هل معقول أن أصبح كل صوت يذكر الأرواح بالصوت القديم لله لما خاطبها؟ من أين أتت هذه القصة؟

قلت: هذا الكلام لا يعلم صحته عن الجنيد، والجنيد أجل من أن يقول مثل هذا؛ فإن هذا الاضطراب يكون لجميع الحيوان ناطقًا وأعجميًا، حتى يكون في البهائم أيضًا، ويكون للكفار والمنافقين. ثم إن الاضطراب قد يكون لحلاوة الصوت ومحبته، وقد يكون للخوف منه وهيبته، وقد يكون للحزن والجزع، وقد يكون للغضب.

ثم من المعلوم أن الصوت المسموع ليس هو ذاك أصلاً، ولو سمع العبد كلام الله كما سمعه موسى ابن عمران، لم يكن سماعه لأصوات العباد محركًا لتذكر صوت الله أبدًا؛ بل المأثور بالعكس، أن موسى لما سمع صوت الآدميين بعد أن سمع صوت الله ما قطع الآدميين، بالعكس هذا لازم ينفرك. ثم التلذذ بالصوت أمر طبيعي، لا تعلق له بكونهم سمعوا صوت الرب أصلاً.

ثم إن أحدًا لا يذكر ذلك السماع أصلاً إلا بالإيمان. يعني أنت لو واحد سألك: هل تذكر سماع الله لما ربنا أخرج روحك من ظهر آدم؟ ما في أحد يتذكر هذا السماع أصلاً حتى نقول والله إن سماع صوت المنشدين يذكرني بسماع صوت الله، ما أحد؛ نحن بس مؤمنون بهذه القضية إيمانًا. وإن كان حتى الحديث أصلاً في تأويلات كثيرة، أن البعض يقول هو ليس إخراجًا حقيقيًا، وإنما هو الفطرة التي فطرنا عليها، وهذا الذي رجحنا فيه كثيرًا. لكن عمومًا لو قلنا بهذا الرأي الثاني، وهو أن الله أخرج الأرواح وسمعت صوتًا، نحن لا نستذكر هذا الصوت الإلهي وإنما مؤمنون به إيمانًا.

والناس متنازعون في أخذ الميثاق في ذلك السماع، بما ليس هذا موضعًا، زي ما حكينا متنازعون أصلاً؛ يعني هل هو فعلاً سماع حقيقي وخطاب، ولا كان هو الفطرة التي فطرهم عليها؟

ثم إن مذهب الجنيد في السماع كراهة التكلف لحضوره والاجتماع عليه، وعنده أن من تكلف السماع فتن به. فكيف يعلل؟ مستحيل أن يكون الكلام السابق من كلام الجنيد؛ فالكلام السابق نُسب إلى الجنيد فيقول يستحيل أن يكون الكلام السابق كلام الجنيد، لأن الجنيد أصلاً كان يكره تقصد السماع، وإنما يرى أن السماع يكون بالمصادفة وفاقًا.

وقد ذكر أبو القاسم ذلك، فقال: سمعت محمد بن الحسين قال: يقول سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر قال: سمعت أبا بكر ابن ممشاد قال: سمعت الجنيد يقول: «السماع فتنة لمن طلبه، وترويح لمن صادفه». شايف ماذا يقول الجنيد؟ «السماع فتنة لمن طلبه»؛ الذي يذهب للمهرجانات الإرشادية، أو يذهب لمجالس السماع فتنة، ولكنه «ترويح لمن صادفه»، وهذا كلام صحيح؛ أن تكون مع واحد من الشباب أو طالعين في رحلة، يكون ترويحًا، لكن أن تذهب تطلبه ويصبح هذا مطلوبًا ومقصودًا وتدفع له بطاقات وتذاكر من أجل تحضر الحفلات، فهذا فتنة. فأخبر أنه فتنة لمن قصده وبحث عنه، ولم يعله لمن صادفه حتى مستحبًا ولا طاعة، بل جعله مجرد ترويح. فكيف يقال إنه أظهر خطاب الحق المتقدم؟ كيف يزعم أن الجنيد يقول إن الأصوات الجميلة هي تذكر الناس بكلام الله المتقدم؟ هذا يستبعد أن يكون الجنيد قاله.

وقال أبو القاسم: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم. قلت: قدم أبو القاسم في ترجمة الشيخ أبي علي الروذباري، وهو قديم توفي بعد الجنيد بالطبقة الثانية، وكان يقول أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الفقه أبو العباس بن سريج، وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي. وقال فيه أبو القاسم: هو أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة.

الروذباري قال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سأل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأني وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال، فقال: نعم قد وصل. إلى أين وصل؟ هو وصل، ولكن وصل إلى جهنم. فكيف يظن أن الكلام السابق لأبي علي الدقاق هو كلام أصحاب الطريقة؟ أن السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، ومباح... يعني هو يعتقد أن هذا يعارض ما نقلته أنت يا قشيري من كلام روذباري.

ثم إنه ذكر بعد هذا أنه سمع الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: السماع طبع إلا عن شرع. ثم نفس أبو علي الدقاق، أنت نقلت عنه أيها القشيري أنه قال السماع طبع، إلا عن شرع؛ طبع يعني ختم على القلب. السماع طبع إلا إذا كان سماعًا شرعيًا يخرق الحمق.

إذا كان عن حق فتنة، إلا إذا كان عن عبرة. وهذا الكلام الذي ذُكر عن الدقاق هنا هو الذي يوافق كلام الروذباري وليس كلام الدقاق السابق، يعني كان ابن تيمية يقول إن كلام الدقاق أجل من أن يكون الكلام السابق، ولعل تلك المقولة السابقة لم تصح.

قال: ويخالف قوله أنه بحل الزهاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحاب الحياة قلة، فإنه جعل كل سماع ليس بمشروع فهو عن الطبع. ومعلوم أن سماع المكايب والتصدية ليس مشروعًا، فإذاً ممكن يكون السماع طبعًا؛ ليس كما حكى "طبع على القلوب"، لا؛ هو يقول: فإنه جعل كل سماع ليس بمشروع فهو عن الطبع، يعني الشهوة، السماع طبع يعني شهوة، إلا إذا كان عن شرع. قال: فإنه جعل كل سماع ليس بمشروع فهو عن الطبع، يعني من مجرد رعونات النفس وطبائعها، ومعلوم أن سماع المكايب بالتصدية ليس مشروعًا فيكون مسموعًا بالطبع مطلقًا، بمجرد الطبع وليس له علاقة بالشرع.

وقال رحمه الله: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر الصوفي يقول: سمعت الوجيه يقول: سمعت أبا علي الذرباري يقول: كان الحارث بن أسد المحاسبي يقول: «ثلاث إذا وجدناهن نتمتع بهن وقد فقدناهن: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الصوت مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء». وهذا الكلام ثبوته عن الحارث المحاسبي في حقيقته؛ أن يقول: "ثلاث إذا وجدناهن نتمتع بهن وقد فقدناهن"، إنسان حسن الوجه مع صيانة ولكن بدون حرام، وحسن الصوت مع ديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.

قلت: قد قررت قبل هذا المعنى بأن الحسن في الصورة والصوت إن لم يكن مع تقوى الله وإلا لم يكن إلا مذمومًا، ومن الديانة أن يكون حسن الصوت مستعملًا فيما أمر الله به. قال أبو القاسم: وسئلت ذو النون المصري عن الصوت الحسن فقال: «مخاطبة الطبات وإشارات دعها الله كل طيب وطيبة». هكذا عرف ذو النون المصري الصوت الحسن.

قال: وسئل مرة أخرى عن السماع فقال: «وارد وارد حق يزعج القلوب إلى الحق، فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق». يعني من أصغى إليه بحق وإيمانيات تحقق وصل للحقيقة، ومن أصغى إليه بمجرد طباع نفسه تزندق.

قال: هذا الكلام لم يستند عند النون، وإنما أرسله. ومن يرسل في هذه الرسالة قد وجد كثيرًا منه مكذوبًا على أصحابه، وإما أن يكون أبو القاسم سمعه من بعض الناس فاعتقد صدقه، أو يكون من فوقه كذلك، أو وجده مكتوبًا في بعض الكتب فاعتقد صدقه. المهم أنه لا يظهر أن هذا الكلام من كلام ذي النون؛ الذي يعرف ذي النون المصري يعرف أن مثل هذا الكلام لا يصدر عنه.

قال: ومن كان من المرسلين لما يذكرونه من الأولين والآخرين يعتمد في إرساله لصحيح النقل والرواية عن الثقات، فهذا يعتمد إرساله، وأما من عرف فيما يرسل كثيرًا من الكذب لم يوثق بما يرسله. فهذا التفصيل موجود فيما يرسل النقول عن الناس من أهل المصنفات، ومن أكثر الكذب الكذب على المشايخ المشهورين، وهذا للأسف مشتهر عند جميع الطوائف؛ أن يكذبوا على المشايخ المشهورين فينسبوا إليهم كلامًا لم يقولوه.

قال: فقد رأينا ذلك وسمعنا ما يه (يهون)، وهذا أبو القاسم مع علمه ورواياته بالإسناد، ومع هذا ففي هذه الرسالة قطعة كبيرة من المكذوبات. أنت القشيري يعرف الحديث، ليس رجلًا جاهلًا، يعني رجل فاضل، ومع ذلك في رسالته القشيرية كثير من القصص التي ليس لها أصل، التي لا ينازع فيها من له أدنى معرفة بحقيقة حال المنقول عنهم.

وأما الذي يسنده من الحكايات في باب السماع فعامته من كتابين: كتاب اللمع لأبي نصر السراج، وكتاب السماع لأبي عبد الرحمن السلمي؛ هي المادة التي أخذ منها القشيري الأدلة والقصص التي ذكرها. قال كتاب اللمع لأبي نصر السراج، فإنه يروى عن أبي حاتم السجستاني عن أبي نصر عن عبد الله بن علي الطوسي، ويروى عن محمد بن أحمد بن محمد التميمي عنه. ومن كتاب السماع لأبي عبد الرحمن السلمي، قد سمعه منه.

فإن كان هذا الكلام ثابتًا من جهة الاحتجاج، فإنه تفسير لا حجة؛ هذا كلام ذي النون المصري بدنا نشرحه من جهتين: أولاً هل هو بحد ذاته يحج؟ ذو النون المصري رجل فاضل جزاه الله خيرًا، لكن في النهاية كلامه يحتاج أن يُستدل عليه ولا يُستدل به، ومن جهة تفسير المنقول. تكلم عن الثبوت، بعدين الحجية، بعدين التأويل والتفسير؛ هذه ثلاث درجات. هو ماشي بشكل، ودائمًا ابن تيمية مرتب في حقيقة قضايا الردود.

فقال: أما الأول، فقد نقلوا أن ذي النون المصري حضر هذا السماع بالعراق. قال: وقد ذكر أبو القاسم حكاية بعد ذلك مرسلاً، فقال: وحكى أحمد بن مقاتل العكي قال: لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية، ومعه قوال، يقول شيئًا، قوال يعني منشد. قال: فاستأذنوه بأن يقول بين يديه، فأذن له، فابتدا يقول: «هواك عذبني فكيف به إذا احتنك؟ إذا احتنك وأنت صغير هواك؟» يعني الهوى الصغير، حب الصغير لك يا إلهي عذبني، فكيف إذا أصبح هذا الحب احتنكني؟ أي قادني، أصبح هذا الحب ملازمًا لي، فكيف سيفعل بي؟ «وأنت جمعت من قلبي هواً قد كان مشتركاً»، يعني كان حبي موزعًا، لما أصبحت أحبك خلص أصبح حبي موحدًا إليك، كنت أحب كذا وكذا وأحب فلان... «أما ترثي لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى».

قال: فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه، ولا يسقط على الأرض، ثم قام رجل من القوم يتواجد، يتواجد صار يعني يهز رأسه، فقال له ذو النون: «الذي يراك حين تقوم...» فجلس.

الرجل قال وسمعت أبا علي الدقاق يقول: كان ذو النون صاحب إسراف على ذلك الرجل، حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف حيث قبل ذلك منه فرجع.

لما قام الرجل يتواجد، قال له ذو النون: «إن الذي يراك حين تقوم...». أنا لا أعرف لماذا استدرك هذه الآية هنا، فجلس الرجل. "أنت لست في مقام أن تقف، فمن الممكن أن تفكر بأن الله يراك". المفروض العكس، "الذي يراك حين تقوم فلا تفعل هذه الأفعال التي ليست من أفعال الصالحين".

قد يكون هذا الكلام قاله جيدًا، أن الرجل قام يرقص فقال له: "ربنا شايفك". فالرجل كأنه من النوع الذي إذا قال له "ربنا شايفك حين تقوم" عاد الرجل. كان ذو النون صاحب إسراف على ذلك الرجل، حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه، وهو أن يرقص، فقال: "ربنا شايفك". وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف حين قبل هذه النصيحة وتراجع.

أعتقد أن المفترض أن ذو النون نفسه وقف، فهو يبدو ينكر أنه قام، ثم قام الرجل يتواجد، فذو النون لم يقم يتواجد. ماذا صار معه بالضبط؟ سمع القصيدة، فقام في المجلس وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه، ولا يسقط الدم على الأرض.

ثم قام رجل يتواجد، فذو النون لم يعجبه تواجه، فقال له: "لا، أنا وقفت وسقطت، لكن أنت قائم ترقص وتتواجد فربنا شايفك". فالرجل جلس وقال: "إذن لا أريد أن أتواجد". هذا هو. قد يكون الرجل قام فعلاً لأنه متأثر، فذل ذاك الرجل وقال له: "ربنا شايفك، لماذا قمت؟".

موضوع النوايا ممكن، لكنني أعتقد أن قضية التواجد هي التي أثرت هنا. ثم قام رجل من قوم يتواجد، فذو النون قام قيامًا عفويًا، ليس كالقيام المدهوش الذي سقط، بل تواجد وترنم وترقص. فهذا نحو الذي أشار إليه الأئمة.

قال الشافعي في قوله: "إن خلفت ببغداد شيئًا أحدثت، الزنادقة يسمون يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن". هذا الذي فعله ذو النون المصري، إذا صح، فهو نوع التغبير الذي ذمه الشافعي إن صحت القصة عند ذي النون أصالة، فيكون ذو النون هو أحد الذين حضروا التغبير الذي أنكره الأئمة والشيخ السلف، ويكون هو أحد المتأولين في ذلك، وقوله: "ويكون متأولًا، غفر الله له".

وقوله فيه كقول شيوخ الكوفة وعلمائها في النبيذ؛ استحلوا مثل سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، وأبي حنيفة، ومسعد بن كلام، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم من أهل العلم. وكقول علماء مكة وشيوخها فيما استحلوه من المتعة والصرف، كقول عطاء بن أبي رباح وابن جريج وغيرهما. وكقول طائفة من شيوخ المدينة وعلمائها فيما استحلوه من الحشوش. وكقول الواطئ في الدبل، كان معروفًا عن بعض أهل المدينة. وكقول طائفة من شيوخ الشاميين وعلمائهم فيما كانوا يستحلونه من القتال في الفتنة لعلي بن أبي طالب وأصحابه. وكقول طوائف من أتباع الذين قاتلوا مع من أهل الحجاز والعراق وغيرهم في الفتنة، إلى أمثال ذلك مما تنازعت فيه الأمة، وكانت في كل شق طائفة من أهل العلم والدين.

فليس لأحد أن يحتج لأحد الطريقين بمجرد قول أصحابه، وإن كانوا من أعظم الناس علمًا ودينًا؛ لأن المنازعين لهم هم من أهل العلم والدين. وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]. فالرد عند التنازع إنما يكون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

إذا ثبت عن بعض المقبولين عند الأمة كلام في مثل موارد النزاع، كان في ذلك حجة على تقدم التنازع في ذلك، وعلى دخول قوم من أهل الزهد والعبادة وسلكوا في مثل هذا، ولا ريب في هذا. لكن مجرد هذا لا يتيح للمريد الذي يريد الله ويريد سلوك طريقه أن يقتدي بذلك به، حتى لو كان ذو النون. ومع ظهور النزاع بينهم وبين غيرهم، وإن كان غيرهم عليهم، بل على المريد أن يسلك الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويتبع ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع؛ فإن ذلك هو صراط الله الذي ذكره ورضي به في قوله: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. وهذا أصل في أنه لا يحتج في مواضع النزاع والاشتباه بمجرد قول أحد ممن نُوزِع في ذلك.

وأما الوجه الثاني، فقول القائل إن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات الله. هذا الوجه الأول من جهة الاحتجاج بالقائل، وقد خلصنا فيه؛ أن المصري مثل غيره يحتاج هو أن يستدل على كلامه ولا يستدل به. ومن جهة تفسير المنقول عنه: "فقول القائل عن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات، دعه؛ كل طيب وطيبة". عرفنا ذو النون المصري يقول: "للصوت الحسن مخاطبات وإشارات، أودعها الله في كل طيب وطيبة".

فلا يجوز أن يُراد به كل صوت طيب كائنًا ما كان بأن الله أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده، فإن هذا القول كفر صريح؛ إذ ذاك يستلزم أن تكون الأصوات الطيبة التي يستعملها المشركون وأهل الكتاب في الاستعانة بها على كفرهم قد خاطب الله بها عباده، وأن تكون الأصوات الطيبة التي يستفز بها الشيطان بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ [الإسراء: 64].

بمعنى أن تعريف ذي النون المصري هو أن الصوت الطيب أو الصوت الحسن هي مخاطبات من الله لنا، ولكن ربنا يخاطبنا ليس من خلال سماعنا له مباشرة، بل من خلال ما يودعه الله سبحانه وتعالى في كل طيب وطيبة من هذا الصوت الحسن. هي مخاطبات من الله لنا، ولكن نحن لم نسمعها منه، سمعناها من أصحاب الأصوات الحسنة. فلهذا يقول: لا يجوز أن يُراد أن كل صوت طيب كائنًا ما كان بأن الله أودعها مخاطبات منه يخاطب بها عباده؛ لأن هذا الصوت الحسن موجود عند المغنيات الفاجرات وعند الكفار، فمعقول أن هذا الصوت الحسن الذي يخرج من المغنيات الفاجرات هو خطاب من الله لنا؟ هذا كلام كفر لو أردناه.

أن نحمله على ظاهره. نعم، قال: أن تكون هذه الأصوات الشيطانية، إذا كانت طيبة قد أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده، وأن تكون أصوات الملاهي قد أودعها مخاطبات يخاطب بها عباده؛ ومن المعلوم أن هذا لا يقوله عاقل، فضلاً عن أن يقوله مسلم.

ثم لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم يستمع الأنبياء والصديقون من الأولين والآخرين إلى كل صوت وصوت ويأمروا أتباعهم بذلك؟ لما في ذلك من استماع مخاطبات الحق، إذ قد علم أن استماع مخاطبات الحق من أفضل القربات. فقد ظهر أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون عمومه وإطلاقه حقاً، يبقى يقال: هذا خاص ومقيد في الصوت الحسن إذا استعمل على الوجه الحسن، فهذا حق؛ مثل أن يزين به كلام الله كما كان أبو موسى الأشعري يفعل، وقال له النبي ﷺ: «مرت بي البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أسمع لقراءتك»، فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرت لك تحبيراً. وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون.

فلا ريب أن ذا الصوت الحسن إذا تلى به كتاب الله فإنه يكون حينئذ قد أودع الله ذلك مخاطبات والإشارات، وهو ما في كتابه من المخاطبات والإشارات. فقد ظهر أن هذا الكلام إذا حمل على السماع المشروع الذي يحبه الله ورسوله كان محملاً حسناً، وإذا حمل على عمومه وإطلاقه كان كفراً وضلالاً.

يبقى بين ذلك العموم وهذا الخصوص مراتب؛ منها أن يحمل ذلك على ما يجيده المستمع في قلبه من المخاطبات والإشارات من الصوت، وإن لم يقصده المصوت المتكلم، فهذا كثيراً ما يقع لهم. وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع يشيرون إلى هذا المقصد. وصاحب هذه الحال يكون، أنه لما يكون يسمع نشيده يشعر بخطاب داخلي في قلبه أنه ربنا يخاطبني بهذه القصيدة، والله تكون القصيدة مثلاً كلام في الإخوة وكذا، فيبدأ يسقطها على نفسه، فيقول: والله هي رسالة من الله لي.

فيقول أحياناً البعض: لا، هو ماذا قصد المنشد بالمخاطبات؟ مش أنه نفس كلام المغنية هي خطاب من الله لي، لا، هي المغنية حكت كلاماً، ولكن الكلام الذي حكته يصدق على نفسه في كذا وكذا، فيبدأ يسقط قصيدة في الخلان والإخوان والحب والغرام على علاقته هو مع الله، وهذا يكثر عند الصوفية. فقوله هذا محتمل أن يكون هو المراد.

نعم، قال: وصاحب هذه الحال يكون ما سمعه مذكراً له على ما كان في قلبه من الحق. نعم، قال: وهذا يكون على وجهين: أحدهما من الصوت المجرد الذي لا حرف معه، كأصوات الطيور والرياح والآلات وغير ذلك، فهذا كثيراً ما ينزله الناس على حروف بوزن ذلك الصوت، وكثيراً ما يحرك منهم ما يناسبها من فرح أو حزن أو غضب أو شوق أو نحو ذلك؛ كقول بعضهم: وربَّ وُرْقاءَ تَفِي في الضُّحَى ... صَدَحَتْ في فَنَنٍ عَن فَنَنِ رُبَّما أَبْكِي فَلا أَفْهَمُهَا ... وَهِيَ قَدْ تَبْكِي فَلا تَفْهَمُنِي غَيْرَ أَنِّي بِالْجَوَاءِ أَعْرِفُهَا ... وَهِيَ أَيْضاً بِالْجَوَاءِ تَعْرِفُنِي

والثاني يكون من صوت، وهذا كما أبو تمام لما قال: وَقَدْ نَاحَ بِجَنْبِي أَبُو فِرَاسٍ ... حَمَامَةٌ يَا جَارَةُ لَوْ تَعْلَمِينَ

بحاله، إذ تصبح أصوات الطيور وكذا، فيبدأ الواحد يتحدث مع الطير، والطير يتحدث معه؛ الآن ما في كلام، بل مجرد صوت، فيقول: والله هي صوتها يذكرني بكذا. مثل صوت ناقة كيف تسمع صوتها في الشارع فتناد، فتجعلك تذكر بقصة صارت معك، ما في كلام، هي مجرد أصوات.

قال: والثاني يكون من صوت بحرف، منظومة إما بشأن أو بغيره، ويكون المستمع ينزل تلك المعاني على حاله، وهذا كثير كما قلت؛ إنه قصيدة في الحب، في الغرام، في الوطن، في الكذا، هو ينزلها على معاني هو يريد أن يستحضرها، مع أن القصيدة تتكلم عن هذه المعاني. وهذا كثير ما يقع في أغاني الحب، كثير من الصوفية يسقطونها على علاقتهم مع الله وإن كانت قيلت في علاقتهم مع بعضهم البعض.

نعم، قال: سواء قصد ذلك الناظم أو المنشد ذلك المعنى أو لم يقصد ذلك المعنى؛ مثل أن يكون في الشتم والتوبيخ، أو الأمر بالصبر على الملام في الحب، أو الذم على تقصير في القيام بحقوق المحبة، أو التحريض على ما فُرض للإنسان من الحقوق، أو تغضيبي على جهاد العدو ومقاتلته، أو الأمر ببذل النفس والمال في نيل مطلوب ورضا محبوب، أو غير ذلك من المعاني المجملة التي يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المرداني ومحب الإخواني ومحب الخلان. يعني هو نفس المعنى الذي يستعمله محب المرد، ويستعمله الذي يحب النسوان، ويستعمله الذي يحب ربنا، كنوع من العتاب على ترك واجبات المحبة مثلاً، فهذا أي واحد يمكن أن يستعمله بغض النظر عما كانت طبيعة المحبة.

وربما قال: وقرع السمع حروفاً أخرى لم ينطق بها المتكلم على وزن حروفه؛ كما يذكر عن بعضهم أنه سمع قائلاً يقول: «زعتر بري»، فوقع في سمعه: «اسعى ترى بري». هذا واحد كان ماشياً في الشارع، واحد ينادي في سيارة خضراء: «زعتر بري، زعتر بري»، فهو كيف سمعها؟ الحروف أنت يمكن تسمعها بطريقة مختلفة: «اسعى يا عبدي ترى بري». فهو يقول: وربما قرع السمع حروفاً أخرى لم ينطق بها السامع، سبحان الله، يقول لك هكذا سمعتها، هو يقول «زعتر بري» وأنا سمعتها «اسعى ترى بري».

نعم، قال: وقد ذكر ذلك فيما بعد أبو القاسم، فقال: سمعت محمد بن أحمد بن محمد المدوفيه يقول: سمعت عبد الله بن علي الطوفيه يقول: سمعت يحيى بن علي العلوية يقول: سمع ابن الحلوان الدمشقي طوافا ينادي: «يا زعتر بري»، فسقط مغشياً عليه. نعم، قال: فلما أفاق سُئل فقال: «حسبته يقول اسعى ترى بري».

ونعم، سمع عتبة الغلام رجلاً يقول: «سبحان رب السماء، إن المحب لفي عناء»، فقال عتبة: «صدقت». وسمع رجل آخر ذلك القول فقال: «كذبت». فكل واحد يسمعه من حيث هو. نعم، قال: لدي سيماء، وأكثرها أنما وضعتم محبة لمحببة لا يحبها الله ورسوله، محبة النساء أو المرد، مثل بعض هذه الأجناس، وإنما المدعي لمحبة الله ورسوله...

مثل بعض هذه الأجناس التي هي حب النردان والخلان الأوطان. قال: وإنما المدعي لمحبة الله ورسوله ﷺ يأخذ مقصوده منها بطريق الاعتبار والإشارة التي يذكرونها، ولهذا قال: مخاطبات وإشارات.

هذا معنى قولي: وإشارات؛ أنك تسمع قصيدة في حب النساء، فهي إشارة من الله لك أن توثق حبك مع الله. قال: والإشارات كدلالة القياس، ولا بد أن يكون قد علم أن تلك المخاطبات والإشارات إنما يفهم منها المستمع، ويتحرك فيها حركة يحبها الله ورسوله ﷺ، يكون قد علم من غيرها أن ما يقتضي من الشعور والحال مرضي عند ذي الجلال من الآية والكتاب والسنة، وإلا فإن مجرد الاستحسان بالذوق والوجدان إن لم يشهد هو الكتاب والسنة إلا كان ضلالا. قال: ومن هذا الباب ظل طوائف من الضالين.

وإذا كان كذلك، فمن المعلوم أن مثل هذا جميعه لا يجوز أن يجعل طريقا إلى الله ويجمع عليه عباد الله، ويستحب للمريدين وجه الله. قال: لأن ما فيه من الضرر هو أضعاف ما فيه من المنفعة لهم. لكن قد يصادف السر الذي يكون في قلبه حتى حق بعض هذه المسموعات، فيكون مذكرا لهم. ومنها كونه أنت في شيء بينك وبين الله، سمعت قصيدة فذكرتك، ما عندنا مشكلة، بس ما تكون طريقة وأسلوبا تعبديا.

قال: وهذا معنى قول الجنيد: «السماع فتنة لمن طلبه، ترويح لمن صاده». يعني ممكن فعلا تسمع قصيدة في الحب تذكرك بمعنى بينك وبين الله، بس يكون هذا مصادفة وليس على قصد التعبد ومنهج.

وأما قول القائل: «السماع وارد حق، يزعج القلوب إلى الحق، فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق». فالسماع الموصوف أنه وارد حق الذي يزعج القلوب إلى الحق، هو أخص من السماع، ما قد يوجب التزندق؛ فالكلام في ظاهره متناقض، لأن قائله أطلق القول بأنه وارد حق يزعج القلوب إلى الحق، ثم جعل من أصغى إليه بنفس تزندق. وارد الحق الذي يزعج القلوب إلى الحق لا يكون موجبا للزندقة.

لكن قائله قصد أولا السماع الذي يقصده أهل الإرادة لوجه الله، فلفظه إن كان فيه عموم فاللام لتعريف المعهود، أي يزعج قلوب أهل هذه الإرادة إلى الحق لكونه يحرك تباكيهم ويهيج باطنهم، فتتحرك قلوبهم إلى الله الذي يريدون وجهه، وهو إلههم ومعبودهم ومنتهى محبوبهم ونهاية مطلوبهم.

ثم ذكر أنه من أصغى إلى هذا السماع تزندق، وهو من أصغى إليه بإرادة العلو في الأرض والفساد، وهو جعل محبة الخالق من جنس محبة المخلوق، وجعل ما يطلب من الاتصال بذي الجلال من جنس ما يطلب من الاتصال بالخلق؛ فإن هذا يوجب التزندق في الاعتقادات والإرادات، فيصير صاحبه منافقا زنديقا. وقد قال عبد الله بن مسعود: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء والبقل»، ولهذا تزندق بالسماع طوائف كثيرة كما نبهنا عليه قبل.

ومن المعلوم أن النفس سواء أريد بها ذات الإنسان أو ذات روحه المدبرة لجسده، أو عُبر بها عن صفات ذلك من الشهوة والنفور والغضب والهوى وغير ذلك، فإن البشر لا يخلو من ذلك قط. ولو فرض أن قلبه يخلو عن حركة هذه القوى والإرادات، فعدمها شيء وسكونها شيء آخر، والعدم ممتنع عليها، ولكن قد تسكن. ولكن إذا كانت ساكنة ومن شأن السماعي أن يحركها، فكيف يمكن للإنسان أن يسكن الشيء مع ملابسته لما يجب حركته؟

فهذا أمر بالتفريق بين المتلازمين والجمع بين المتناقضين، وهو يشبه أن يقال له: أدم مشاهدة المرأة والصبي والأمرد، أو مباشرته بالقبلة واللمس وغير ذلك من غير أن تتحرك نفسك أو فرجك للاستمتاع به ونحو ذلك، فهل الأمر بهذا إلا من أحمق الناس؟ إنك تأمر أن يفعل هذا إلا من الحمق.

ولهذا قال من العلماء العارفين: إن أحوال السماع بعد مباشرة تبقى غير مقدورة للإنسان، بل تبقى حركة نفسه وأحوالها أعظم من أحوال الإنسان بعد مباشرة شرب الخمر؛ فإن فعل هذا السماع في النفوس أعظم من فعل كحمى الكؤوس.

وقوله: «من أصغى إليه بحق تحقق»، فقالوا فيه وجهان: أحدهما أن يقال إن من أصغى إليه بحق مأمون الغائلة أن يخالطه الباطل، أمر غير مقدور عليه للبشر أكثر مما في قوة صاحب الرياضة والصفاء التام أن يكون حين الأصغاء لا يجد في نفسه إلا طلب الحق وإرادته، لكنه لا يثق بوقايته على ذلك، بل إذا سمع خالط الأصغاء بالحق الأصغاء بالنفس.

إذا تجرد الإنسان عن صفاته اللازمة إلى ذاته محال ممتنع، إذ أي إغضاء للحق لا بد وأن يكون معه إغضاء بالنفس، لا يتصور انفكاك الجهتين. فمن أصغى إليه بنفس، هو الشيء الطبيعي أني سأصغي إليه بنفس، والشيء الطبيعي أنني إذا أصغيت إليه بالنفس سيحدث في ذلك حركة في داخلي وتأثر، فأنت تطالبني بشيء مستحيل حين لا أصغي إليه بنفسي، فلا بد أن أصغي إليه بنفسي. فهو يعتبر أن الجملة ركيكة.

أكثر مما في قوة صاحب الرياضة والصفاء التام أن يكون حين الأصغاء لا يجد في نفسه إلا طلب الحق وإرادته، لكنه لا يثق بوقايته على ذلك، بل إذا سمع خالط الأصغاء بالحق الأصغاء بالنفس.

الوجه الثاني: «ومن أين يعلم أن كل من أصغى إليه بحق تحقق، بل المصغي إليه بحق يحصل له من الزندقة والنفاق علما وحالا ما قد يشبهه». يعني قد تسمع بحق وتصبح عندك زندقة، كما قال عبد الله بن مسعود: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء والبقل»، والنفاق هو الزندقة.

ومن المعلوم أن البقل ينبت في الأرض شيئا فشيئا، ينبت في الأرض شيئا فشيئا لا يحس بنباته، فكذلك ما يبدو في القلوب من الزندقة والنفاق قد لا يشعر به أصحاب القلوب، بل يظنون أنهم ممن تحقق، ويكون فيهم شبه كثير ممن تزندق. وهذا كلام مهم إخواني، أنه كلام ابن مسعود، «كما ينبت الماء البقل» جميل هذا الكلام، ابن تيمية أنه يصور لك ولماذا شبهه.

كما ينبت الماء البقل، إنه النفاق بسبب سماع الأناشيد والغناء، رويدًا رويدًا يخرج. قد تكون جلست فترة طويلة مغرمًا بالأناشيد الإسلامية، وضعف تأثرك بالقرآن، وأنا والله شيخ مشارك في مركز قرآني، وعن ضعف القرآن؛ قد تكون ختمت القرآن، لكن قلبك يموت ويعاني النفاق وأنت مش شاعر. في مرحلة معينة مع الاستمرار في هذا السماع، ستشعر أنك فقدت روح القرآن وفقدت جمالية القرآن، وما عدت أبدًا تعيش معه، فتجيء عندك من شعب النفاق مرة واحدة وتظهر بشكل مفاجئ، لكنها ليست مفاجئة، هي نبتت رويدًا رويدًا مع كثرة سماعك للإنشاد وما شابه ذلك.

فيحذر الإنسان وينتبه؛ ألا تظن أن الإنشاد يصنع منك أو من روحانياتك شيئًا، بالعكس، الإنشاد استعماله طريقة للتدين وإيقاظ الإيمان مخادعة، ونوع من التلبيس على النفس، والشيطان يغرك بهذا، يقول لك: يا أخي اسمع إنشادًا بجوز أن تتحرك فيك مشاعر. هذا من الشيطان، بل عليك أن تحرص أن يكون سماعك صحيحًا، ولا تقل: هين، سمعت يا شيخ ما سكت منافق، لا، ليس من أول أنشودة، يعني لن تصبح منافقًا، لا، هو الشيطان يقودك من نشيدة إلى نشيدة إلى أن تصبح مدمنًا في هذا العالم، فتفقد الإيمانيات التي ينبغي أن تكون عندك.

قال ابن تيمية: «إن دعاوى التحقيق والحقائق قد كثرت على السنة أقوام هم من أعظم الناس زندقة». أقول لك، وهذا قول أهل التحقيق، وهذا سماع بحق، ابن تيمية يقول لك: كثرت كلمة حق وتحقيق وسماع التحقيق، وهذه كثرت على السنة أناساً من يعرف حالهم؛ يعرف أنهم حتى في الواقع المعاصر، من يغلو في التصوف يقول لك: ظهرت لنا الحقيقة حقيقة، وهو تجده مواليًا للظالمين والفاسدين، وأيدي في يد الفاجرين، يقول لك: ظهرت الحقيقة، فابن تيمية يقول لك: هذه مجرد دعاوى واستعراضات أن يقول لك حق وحقيقة وسماع أهل التحقيق والقصص هذه.

ومن الباطنية القضامطة والمتفلسفة الاتحادية وغير هؤلاء كذلك. وقوله: «وهو وارد حق يزعج القلوب إلى الحق»، قال: يقال له إن كان قد تنزعج به بعض القلوب أحيانًا إلى الحق، فالأغلب عليه أنه يزعجها إلى الباطل، وقلما يزعجها إلى الحق. ومعنى يزعج القلوب يعني يحركها إلى الحق.

وقال: وقلما أن يزعجها إلى الحق محضًا، بل قد يقال إنه لا يفعل ذلك بحال، بل لا بد أن يضم إلى ذلك شيئًا من الباطل، فيكون مزعجًا لها إلى شرك جلي أو خفي؛ فإنما يزعج إلى القدر المشترك بين الله وبين خلقه، فإنما يزعج إلى القدر المشترك، وذلك هو الإشراك بالله، فهو إنما يزعج إلى القدر المشترك مجرد المحبة، وهي المحبة لله وللناس، فهي أزعجت إلى القدر المشترك، وهذا شرك لأن الله لا يقبل شريكًا.

ولهذا لم يذكر الله السماع في القرآن إلا عن المشركين، الذين قال فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]. فلا يكون مزعجًا للقلوب إلى إرادة الله وحده لا شريك له، بل يزعجها إلى الباطل تارة، وإلى الحق والباطل تارة. ولو كان يزعج إلى الحق الذي يحبه الله خالصًا أو راجحًا، لكان من الحسن المأمور به المشروع، ولكان من سنة رسول الله ﷺ بقوله أو فعله، ولكان من سنة خلفاء الراشدين، ولا كان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلون ذلك، ولا يتركون ما أحبه الله ورسوله وما يحرك القلوب إلى الله تحريكًا يحبه الله ورسوله.

وأيضًا، فهذا الإزعاج إلى الحق قد يقال إنه إنما قد يحصل لمن لم يقصد الاستماع، بل صادفه مصادفة سماع شيء يناسب حاله، بمنزلة الفعل لمن خرج في حاجة. أما من قصد الاستماع إليه وتغنى به، فقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن». يعني قصار هذا الانزعاج إلى الحق من سماع نشيدة أو شيء، إنما يكون إذا كان مصادفة، تمامًا كما أن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل الحسن ويحركه، بمعنى أنه يطرب له ويرى فيه جمالًا مصادفة، أما أن يكون مقصودًا بذاته، أن يكون السماع للأناشيد طريقًا إلى التعبد والانزعاج إلى الحق، فهذا مخالف لقوله ﷺ: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن».

نغير القارئ، جزاك الله خيرًا يا شيخ أسامة. قال أبو القاسم، وحكى جعفر، بسم الله: قال أبو القاسم رحمه الله، وحكى جعفر بن نصير عن الجنيد أنه قال: «تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن: عند السماع، فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ولا يقومون إلا عن وجد، وعند أكل الطعام، فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند مجاراة العلم، فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء».

وذكر عقيب هذا، فقال: سمعت محمد بن الحسين يقول، سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول، سمعت الجنيد يقول: «السمع فتنة لمن طلبه، ترويح لمن صادفه»، وذكر العلم الذي عندهم هو فقط ذكر صفات الأولياء، هذا معنى مجاراة العلم، لذلك تتنزل الرحمة على الفقراء لأنهم إذا تكلموا بعلم ما علمهم ذكروا صفات الأولياء.

وذكر عقيب هذا، قال: سمعت محمد بن الحسين يقول، سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول، سمعت الجنيد يقول: «السمع فتنة لمن طلبه». ثم قال: سمعت محمد بن الحسين يقول، سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول، سمعت الجنيد يقول: «إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من بطالة».

قلت: فهاتان المقالتان أسندهما عن الجنيد، وأما القول الأول فلم يسنده بل أرسله. وهذان القولان مفسران، والقول الأول مجمل، فإن كان الأول محفوظًا عن الجنيد فهو يحتمل السماع المشروع؛ فإن الرحمة تنزل على أهله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، فذكر أن استماع القرآن سبب الرحمة.

وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه أن الرحمة تحصل بالقرآن، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، وقال: ﴿بَصَائِرَ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 203]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: 64]. ويبين ذلك أن لفظ السماع يدخل فيه عندهم السماع الشرعي كسماع القرآن والخطب.

بالشرعية والوعظ الشرعي، وقد أدخل أبو القاسم هذا النوع في باب السماع، وذكر في ذلك آثارًا. فقال: سمعت محمد بن أحمد بن محمد بن تيمية يقول: سمعت عبد الله، قال ابن علي الصوفي يقول: سمعت الرقية يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: كان بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة، يقال لأحدهما جبل، وللثاني رزيق.

فزار رزيق يومًا جبلًا، فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيئًا، فصاح رجل من أصحاب جبل صيحة فمات. فلما أصبحوا قال جبل لرزيق: أين الذي قرأ بالأمس فليقرأ؟ فقرأ، فصاح جبلته صيحة فمات القارئ. فقال جبل: مش الجبل اللي مات؟ القارئ الذي مات، ولا أدري لماذا مات؛ قد يكون من خوفه ورعبه أم من صوته. فقال جبل: واحد بواحد، والبادي أظلم.

يعني هو قال: أنت قتلت لي واحدًا من أصحابي، أنا سأقتل لك واحدًا من أصحابك. في اليوم الأول واحد من جماعة رزيق قرأ فمات واحد من جماعة جبل، فاليوم الثاني قال له جبل: جيب لي هذا صاحبك الذي قرأ وقتل واحدًا من جماعة، فقرأ فصرخ، فمات. قال: فواحد بواحد والبادي أظلم. فهذا من سماع القرآن، وأما الموت بالسماع فمسألة أخرى ونتكلم عليها إن شاء الله في موضعها.

ابن تيمية ليس مقتنعًا بقضية الموت من سماع آية، يعني دائمًا يعتبر أنه ليس هذا حال النبي ﷺ والسلف أن يموت بسبب سماع آية. قال أبو القاسم: وسئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عند السمع، فقال: بلغني أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله إليه: قل له قصَّه، يعني أعطاهم قصة، فمن شدة التأثر واحد فيهم مزق قميصه، فأوحى الله إليه: قل له مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك. فهذا سماع لقصص الأنبياء.

قال أبو القاسم: ويريد ابن تيمية أنه حتى نكون منصفين، أن كلمة السماع عند الصوفية يدخل فيها أيضًا سماع القرآن وسماع الوعظ، يعني حتى لا نقول إنه فقط عندهم السماع وسماع الأناشيد والرقص، لا، عندهم نوع من سماع ماذا؟ من سماع القرآن، وهذا يدخل تحت مفهوم السماع، حتى إذا أطلق في كلام بعضهم يمكن أن يحمل على هذا من بعض الوجوه.

قال أبو القاسم: وسأل أبو علي المغازلي الشبلي، فقال: ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله عز وجل فتحدوني على ترك الأشياء، تسوقني وإلى الأعراض عن الدنيا، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس. فقال الشبلي: ما اجتذبك إليه فهو عطف منه عليك ولطف، وما ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك؛ لأنه لا يصح لك التبري من الحول والقوة في التوجه إليك. وهذا يعني كما قال النبي ﷺ: «وهو أول ساعة فساعة»، كما قال لحنظلة. فهذا سماع في القرآن.

قال: وسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أحمد بن مقاتل العكية يقول: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة في شهر رمضان وهو يصلي خلف إمام له وأنا بجنبه، فقرأ الإمام: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَذَهَبْنَا بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86]، فزعق زعقة، قلت: طارت! طارت مع الشيخ وهو يرعد ويقول: بمثل هذا يخاطب الأحباء، يردد ذلك كثيرًا. فهذا سمع القرآن.

وحكى عن الجنيد أنه قال: دخلت على السري يومًا فرأيت عنده رجلًا مغشيًا عليه، فقلت: ما له؟ فقال: سمع آية من كتاب الله تعالى. فقلت: تقرأ عليه؟ فقال: بمثل هذا يخاطب الأحباء. إنه أصعب شيء على الإنسان المحب أن يذهب الله القرآن من قلبه: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَذَهَبْنَا بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يعني لو تأتي لشخص اليوم تقول له ربنا يرفع القرآن عنا، بجوز ما يشعر، أقول لك خلص ربنا أرادته، لا يشعر بالحزن والأسى، لكن الذي حافظ للقرآن ويشعر بقيمة القرآن، تأتي تقول له ربنا يسحب القرآن منك، يقول لك هذا الذي يخاطب به الأحباء.

إنه يا رب، هذا شيء صعب لا أستطيع أن أتحمله أن تذهب بالذي أوحيت به إلي من قلبي. فيقول: فهذا هو خطاب الأحباء، هكذا يقول الشبلي، أنه بمثل هذا يهدد الأحباء أو يخاطب الأحباء؛ أني بشير منك الشيء الجميل الذي أعطيتك إياه. فهذا شيء شديد على النبي ﷺ لأنه يعرف قيمة الوحي، أما الذي لا يعرف قيمة الوحي وليس من أحباء الله، قد لا يرى أنه في مشكلة أن يرتفع الوحي كله من الأرض.

وحكي عن الجنيد أنه قال: دخلت على السري يومًا فرأيت عنده رجلًا مغشيًا عليه، فقلت: ما له؟ فقال: سمع آية من كتاب الله، فقلت: تقرأ عليه ثانية؟ فقرئ فأفاق، فقال لي: من أين علمت هذا؟ فقلت: إن قميص يوسف ذهبت بسببه عين يعقوب عليه السلام ثم به عاد بصره، فاستحسن مني ذلك.

وسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت عبد الواحد بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد، فكان إذا سمع شيئًا من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يومًا: إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني. فكان إذا سمع شيئًا يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر من كل شعره، يعني يشد على حاله حتى لا يزعق، يصير وجهه يتغير ألوانه، أهم شيء أنه لا يصرخ. قال: حتى كان يقطر من كل شعره من بدنه، وفي يوم من الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه. فهذا سماع الذكر، لا يختص بسماع شعر ملحن.

فقول القائل: "تنزل الرحمة عليهم عند السماع"، يصف أن المراد به هذا السماع المشروع، وقوله: "لا يقومون إلا عن وجد"، يعني أنهم صادقون ليسوا متصنعين بمنزلة المظهر لوجد من غير حقيقة. لكن قد يقال قوله: "لا يستمعون إلا عن حق"، هذا التقييد لا يحتاج إليه في السماع الشرعي فإنه حق، بخلاف السماع المحدث فإنه يسمع بحق وباطل. فيقال: وكذلك سماع القرآن وغيره قد يكون رياء وسمعة، وقد يكون بلا قلب ولا حضور ولا تدبر ولا فهم ولا ذوق. وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، والصلاة مشتملة على السماع الشرعي، وقد أخبر الله عن كراهة المنافقين للسماع الشرعي في غير موضع كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ﴾ [محمد: 20].

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا هُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 124-56]. إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 67].

فهؤلاء المنافقون ينصرفون عن السماع الشرعي. وبالجملة، فإذا كان المسند المحفوظ المعروف من قول الجنيد -رحمه الله- أنه لا يحمد هذا السماع المبتدع، ولا يأمر به، ولا يثني عليه، بل المحفوظ من أقواله ينافي ذلك؛ لم يجوز أن يُعمد إلى قول مجمل روي عنه بغير إسناد فيُحمل على أنه مدح هذا السماع المبتدع.

وقد روى بعض الناس أن الجنيد كان يحضر هذا السماع في أول عمره ثم تركه، وحضوره له فعل، والفعل قد يُستدل به على مذهب الرجل وقد لا يُستدل به؛ ولهذا ينازع الناس في مذهب الإنسان. هل يوجد من فعله؟ وقال بعضهم: هل يجوز أخذ مذهب إمام من خلال أفعاله فقط؟ نعم.

وقال بعض السلف: أضعف العلم الرؤية، وهو قوله: رأيت فلانًا يفعل. وقد يفعل الشيء بموجب العادة والموافقة من غير اعتقاد له فيه، وقد يفعل نسيانًا لا لاعتقاده فيه، أو حظًا، وقد يفعله ولا يعلم أنه ذنب ثم يعلم بعد ذلك أنه ذنب، ثم يفعله وهو ذنب، وليس أحد معصومًا عن أن يفعل ما هو ذنب.

لكن الذي فعله حقيقةً تمامًا يستدل به النبي ﷺ. نعم، لكن الأنبياء معصومون من الإقرار على ذنوبهم، فيُتأسى بأفعالهم التي أقروا عليها؛ لأن الإقرار عليها يقتضي أنها ليست ذنبًا، وأما غير الأنبياء فلا. فكيف بمن يكون فعل فعلًا ثم ترك؟ فالجنيد هجر السماع بعد أن كان يحضره ثم تركه؛ إذًا لا يُعتبر.

وقال: وأقصى ما يقال إن الجنيد كان يفعل أولًا هذا السماع على طريق الاستحسان له والاستحباب، أو يقول ذلك، فيكون هذا -لو صح- معارضًا لأقواله المحفوظة عنه، فيكون له في المسألة قولان. يعني هذا أعلى ما يمكن أن يقال في الجنيد أن له في السماع المبتدع قولان؛ أما أن تقول إنه يحث عليه قولًا واحدًا، فهذا لا يدل عليه مذهبه وأقواله.

نقف اليوم إن شاء الله عن هذا القدر، إن شاء الله الأسبوع القادم نختم هذا الجزء الأول. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.