بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وبالصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه لنهجه اقتفى.
حياكم الله في مجلس جديد من مجالس برنامج «تراث»، ونحن نعيش في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونحاول أن نستفيد قدر الاستطاعة من هذا الكلام النافع ومن هذا العلم الكبير، ومن هذا الجهد العظيم الذي بذله شيخ الإسلام ابن تيمية لإيصال العقيدة والأفكار والمناهج والرؤى والتصور الإسلامي الصحيح بإذن الله لهذه الأمة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تدبر هذه الكتب وفهمها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يفرج عن المؤمنين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن يعيننا على نصرة ديننا، وعلى الانشغال بما يصلح قلوبنا، وأن لا يحرمنا بذنوبنا وخطايانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما زلنا نعيش على شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «الاستقامة»، وما زالت مسألة السماع وما يتعلق بها هي التي تأخذ الحيز من هذا المجلد الأول، لعلنا ننهيه اليوم إن شاء الله ونشرح في المجلد الثاني. وهذه المسألة من إحدى المسائل الأساسية في الفكر الصوفي؛ لذلك حرص شيخ الإسلام ابن تيمية على مناقشة أبي القاسم القشيري فيما دونه في رسالته «القشيرية»، وطبيعة الاستدلالات التي اعتمد عليها القشيري لإثبات أن السماع طريقة للتعبد.
فأراد ابن تيمية أن ينسف هذا الأصل، ويبين أن السماع لم يكن في يوم من الأيام طريقة للتعبد، ولا إلى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما هو شيء من ترويح النفس كما قال الجنيد شيخ الطريق: «إن السماع فتنة لمن طلبه، وترويح لمن صادفه».
هذه هي القاعدة العامة التي أظن أننا نتفق عليها جميعاً؛ أن السماع للأناشيد والغناء وما شابه ذلك -وطبعاً هو يتكلم عن الأناشيد والغناء التي بدون معازف، فإذا اختفت المعازف والمنكرات حدث إشكال، لكن إذا اعتبرناها أنها كلام خالٍ من المعازف- فهي لا تصلح أن تكون طريقة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما تصلح أن تكون للترويح في رحلة أو في جلسة أو في شيء عام.
وصلنا لصفحة 402، قال أبو القاسم القشيري: بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم اغفر لنا شيخنا وللسامعين وللمستضعفين من المؤمنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد قال أبو القاسم حكاية عن الجنيد أنه قال: «السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الزمان والمكان والإخوان».
الزمان والمكان والإخوان؛ الزمان تسمع فيه، والمكان تسمع فيه، وإخوان يسمعون معك، يعني السماع وحدك لا يصلح على هذا الكلام. وطبعاً واضح أن الرسالة منقطعة الإسناد، هذه القصة منقطعة الإسناد عن الجنيد؛ لذلك قال ابن تيمية: «قال: هذه حكاية مرسلة، والمراسيل في هذه الرسالة لا يعتمد عليها إن لم تعرف صحتها من وجه آخر كما تقدم».
ولو صح ذلك، وأنه أراد سماع القصائد، لكان هذا أحد قوليه. نعم، لو صحت هذه المقولة عن الجنيد في أحسن أحوالها، لكانت أحد قوليه في المسألة، وله قول آخر وهو القول المشهور، ينهى فيه عن السماع ويقول فيه: «إكراه». وذلك أن قوله: «السماع فتنة لمن طلبه، وترويح لمن صادفه»، صريح بأنه مكروه مذموم منهي عنه لمن قصده، بخلاف من صادفه مصادفة.
قال: «وهذا هو الذي نقرره، فقول الجنيد رضي الله عنه من محض الذي قلناه، وقوله ترويح لمن صادفه لم يثبت منه، وإنما أثبت أنه راحة، وجعل ذلك مع المصادفة لا مع القصد والتعمد».
والعبارة هنا مجملة؛ ما معنى قوله «لم يثبت منه»؟ هو في الحاشية يقول: «الأصل: لم يثبت به»، وقوله «ترويح لمن صادفه» في الحاشية: «لم يثبت فيه»، والشيخ المحقق هو الذي حولها إلى: «إنه وإنما أثبتوا أنه راحة، وجعل ذلك مع المصادفة لا مع القصد». لكن ما معنى قول «لم يثبت»؟ هل يقصد أن هذا النص لم يثبت عن الجنيد بلفظ «الترويح»، وإنما ثبت عنه لفظ «الراحة»؟ هذا أحد الاحتمالات.
قال: «والمصادفة فيها قسم لا ريب فيه، وهو استماع دون الاستماع؛ كالمرء يكون ماراً فيسمع قائلاً يقول بغير قصده واختياره، أو يكون جالساً في موضع فيمر عليه فيسمع قائلاً يقول بدون ما يتقصد للسماع بغير قصده واختياره، أو يسمع قائلاً من موضع آخر بغير قصده. وأما إذا اجتمع بقوم لغير السماع، إما حضر عندهم أو حضروا عنده وقالوا شيئاً، فهذا قد يقال إنه صادفه السماع فإنه لم يمشِ إليه ويقصده، وقد يقال: بل إسقاءه إليه واستماعه الصوت يجعله مستمعاً فيجعله غير مصادف».
وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمُ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. فجعل القاعد المستمع بمنزلة القائل.
فأكثر ما يقال إن الجنيد أراد بالمصادفة هذه الصورة، وهو مع جعله ترويحاً لم يجعله سبباً للرحمة، وهذا غايته أن يكون مباحاً، لا يكون حسناً ولا رحمة ولا مستحباً. والكلام في إباحته وتحريمه غير الكلام في حسنه وصلاحه ومنفعته وكونه قربة وطاعة، فالجنيد لم يقل شيئاً من هذا. وقول القائل: «تنزل الرحمة على أهل السماع» إذا أراد به سماع القصائد، يقتضي أنه حسن وأنه نافع في الدين، وكلام الجنيد صريح في خلاف ذلك.
قال أبو القاسم: «وسئل الشبلي عن السماع، فقال: ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة تحل له السماع بالعبرة، وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية». قلت: هذا القول مرسل لم يسنده.
فالله أعلم به. فإن كان محفوظًا عن الشبلي، فقد نبهنا على أن الأئمة في طريق الحق الذين يعتد بأقوالهم، كما يعتد بأقوال أئمة الهدى هم مثل الجنيد وسهل ونحوهما، فإن أقوالهم صادرة عن أصل هم مستهدون فيها.
وأما الشبلي ونحوه، فلا بد من عرض أقواله وأحواله على الحجة؛ فيُقبل منها ما وافق الحق دون ما لم يكن كذلك؛ لأنه قد كان يعرض له زوال العقل حتى يذهب به إلى مارستان غير مارستان المستشفى، كما قال، وقد يختلط اختلاطًا دون ذلك.
إذا عرفنا دائمًا أن نظرة شيخ الإسلام للشبلي أنه ليس من أئمة التصوف الكبار، بل هو متوسط، بالتالي حتى لو قال قولًا، فالشبلي يحتاج أن يُستدل لأقواله. حتى الجنيد وسهل يحتاج أن يُستدل لأقوالهم، ليس فقط الشبلي من تُعرض أقواله على الحجة، بل حتى الجنيد يمكن يقول كلامًا خطأ؛ وذلك حتى لا يُفهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على غير محمله، لكن هو يقصد في النهاية أن الشبلي ليس كغيره، الشبلي يجب أن تتبع وراءه كثيرًا؛ لأنه أحيانًا يخلط، وأحيانًا كان يصير عنده إغماءات ويروح على المستشفى، بالتالي هو ليس متينًا في هذا، وإن كان رجلًا فاضلًا في الجملة.
قال: «ومن كان بهذه الحالة، فلا تكون أقواله وأفعاله في مثل هذه الأحوال مما يعتمد عليها في طريق الحق، ولا يكن له أقوال وأفعال حسنة قد عُلم حسنها بالدليل، فتُقبل لحسنها في نفسها، وإن كان له حال أخرى بغير عقله، أو اختلط فيها، أو وقع منه ما لا يصلح».
ومعلوم أن الجنيد شيخه، وهو الإمام المتبع في الطريق، وقد أخبر أن للسماع فتنة لمن طلبه، فتقليد الجنيد في ذلك أولى من تقليد الشبلي في قوله: "ظاهره فتنة وباطنه عبرة"؛ إذ إن الجنيد أعلى وأفضل وأجل باتفاق المسلمين. وقد أطلق القول بأنه فتنة لطلبه، وهو لا يريد أنه فتنة في الظاهر فقط، إذ من شأن الجنيد أن يتكلم على صلاح القلوب وفسادها، فإنما أراد أنه يفتن القلب لمن طلبه، وهذا نهي منه وذم لمن يطلبه مطلقًا.
وهذا مخالف لما أُثر عن الشبلي أنه قال: «من عرف الإشارة، حلّ له السماع بالعبرة». وهذا التفصيل يضاهي قول من يقول: "هو مباح أو حسن للخاصة دون العامة"، وقد تقدم الكلام على ذلك وأنه مردود؛ لأن قائله اختلف قوله في ذلك. وما أعلم أحدًا من المشايخ المقبولين يؤثر عنه في السماع نوع رخصة وحمد، إلا ويؤثر عنه الذم والمنع، فهم فيه كما يذكر عن كثير من العلماء أنواع من مسائل الكلام.
قال: «فلا يجد عالمًا في الأمة حمد شيئًا من ذلك إلا وعنه ما يخالف ذلك»، وهذا من رحمة الله بعباده الصالحين؛ حيث يردهم في آخر أمرهم إلى الحق الذي بُعث به رسوله، ولا يجعلهم مصرين على ما يخالف الدين المشروع، كما قال تعالى في صفة المتقين الذين أُعدت لهم الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].
أنا أعتقد أن التي في الأعلى التي عدلها الشيخ، وأنه مردود لأن قائله اختلف قوله في ذلك، هو يقول في الحاشية في الأصل إنه بدون اللام. وهذا التفصيل يضاهي قول من يقول: "هو مباح أو حسن للخاصة دون العامة"، وقد تقدم الكلام على ذلك وأنه مردود وإن قائله اختلف قوله في ذلك. لاحظ حتى السياق الذي بعده قال: «وما أعلم شيخًا من المشايخ المقبولين يؤثر عنه في السماع نوع رخصة، إلا ويؤثر عنه الذم والمنع».
ويريد أن يقول لك إن مشايخ التصوف الكبار الذين ينقل عنهم السماع، ينقل عنهم خلاف ذلك. فاعتقد تقدم الكلام على ذلك وأنه مردود، وإن قائله اختلف قوله؛ يعني الذي قال إنه يجوز السماع للخاصة دون العامة له كلام آخر يذم فيه السماع عمومًا.
قال: «وقول القائل: من عرف الإشارة حلّ له السماع بالعبرة»، وقد تقدم أن الإشارة هي الاعتبار والقياس؛ لأن يُجعل المعنى الذي في القول، مثلًا، مضروبًا لمعنى حق يناسب حال المستمع. هذا يشرح لنا ما معنى كلام الشبلي: "من عرف الإشارة حل له السماع"، ما معنى الإشارة عندهم؟ الإشارة معناها القياس؛ يعني من عرف كيف ينزل الكلام أو الأنشودة التي يسمعها ويقيس على حاله.
أنت قد تسمع أنشودة أو سماعًا في حب الإخوان، فتقيس على حالك في حب الله، أو تسمع أنشودة في مثل ما حكيت؛ شخص يتعشق فتاة، فتسقطها على نفسك في حبك لله. من عرف هذا النمط بدون فتنة فأموره طيبة، هذا معنى الإشارة؛ أنك تسمع كلامًا فيه رسالة ضمنية لك. تمامًا مثل القصة التي مرت معنا، "أبو الزعتر البري"، تذكر القصة التي قررها شيخ الإسلام الذي يسمع "زعتر بري" فحملها على نفسه "اسعَ تبرّ"، وهذا يعني شكلًا من الأشكال. فباختصار، هذا معنى الإشارة، وهي القدرة على أن تحمل الكلام على ما يناسب حالك، إذا كنت تستطيع أن تحمل الكلام على ما يناسب حالك حلّ لك السماع؛ هكذا يقول الشبلي على الأقل.
قال: «يقال له هب أنه يمكن الاعتبار به، لكن من أين لك أن كل ما أمكن أن يُعتبر به الإنسان يكون حلالًا له؟». يعني هل كل شيء يمكن أن أستفيد منه وأعتبر به، يُؤخذ من هذا أنه حلال؟ باختصار، هل الغاية تبرر الوسيلة؟ أنا غايتي والله أعتبر يا شيخ! لا، الغاية لا تبرر الوسيلة، حتى لو كان بإمكانك أن تستفيد من هذه الأنشودة أو الأغنية وتسقطها على حالك في علاقتك مع الله، لكنها قد تكون لها مفاسد من جهة أخرى، فيجب أن تُمنع من تلك الجهة. وبالتالي ليس كل ما لاح لك فيه شيء أو فضل، معناه أصبح حلالًا لك أن تتعامل معه.
قال: «مع أن الاعتبار قد يكون بما يسمع ويرى من المحرمات، فهل لأحد أن يعتبر بقصد النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية؟». نعم، يعني لو شخص قال: "أنا أيضًا أنظر للمرأة الأجنبية لأنني أريد أن أعتبر بإتقان الله للخلق وأشياء كثيرة"، وكذلك ممكن تحصل لي حالات نفسية جيدة وانطباع جيد عن نفسي.
بمجرد رؤية النساء الأجنبيات، هل هذا يقول خلص حلال النظر للأجنبيات بناءً على قال ما أحد يقول هكذا؟ نعم، قال: ويعتبر بقصد الاستماع إلى أقوال المستهترين بآيات الله وغير ذلك مما لا يجوز. ويقول لك برضه: ليش ما أجلس مع أهل الفساد حتى أعتبر بحالي؟ يقول: يا الله شوف هذول أهل الفساد شو في حالهم، خلص روح معهم في المقاهي وتقعد معهم حتى برضه تعتبر. فبالتالي يقول لك هذا طريقة في التفكير غير صحيحة، ليس مجرد وجود الاعتبار يحل لك أن تتخذ هذا الشيء وسيلة للتعب.
نعم، قال أبو القاسم: «وقيل لا يصح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي، فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور المشاهدة»، وهذا التفصيل من جنس ما تقدم الكلام عليه. قال: وسئل أبو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال: «حال يبدي الرجوع إلى الأسرار من حيث الإحراق». قلت: وهذا وصف لما يعقب السماع من الأحوال الباطنة وقوة الحرارة والإحراق والوجدية، وهذا أمر يحسه المرء يجده ويذوقه، لكن ليس في ذلك مدح ولا ذنب؛ إذ مثل هذا يوجد لعباد المسيح والصليب وعباد العجل وعباد الطواغيت ويوجد للعشاق وغير ذلك، فإن لم تكن هذه الأحوال مما يحبه الله ورسوله لم تكن محمودة ولا ممدوحة.
قال أبو القاسم: «وقيل سماع لطف، غذاء لطف لأهل المعرفة»، وهذا القول لم يسمّ قائله. ولا ريب أن السماع فيه غذاء، وقد قيل: إنما سمي الغناء غناء لأنه يغني النفس، يغني النفس يشبعها. نعم، قال: لكن الأغذية والمطاعم منها طيب ومنها خبيث، لكن هل كل غذاء يشبع النفس هو غذاء نافع في ماله؟ لا، أنت قد تتغذى بشيء يضرك، وهكذا هو السماع غذاء، وقد تشبع منه لكنه شبع مضر.
نعم، قال: وليس كل ما استلذه الإنسان لحسنه يكون طيبًا، فإن أكل الخنزير يستلذه أكله، وشارب الخمر يستلذها. ومما يبين ذلك أن سماع الألحان يتغذى به أهل الجهل أكثر مما يتغذى به أهل المعرفة، كما يتغذى به الأطفال والبهائم والنساء، وكما يكثر في أهل البوادي والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته، كما هو مشهود. فأما السماع الشرعي فلا، فإنه غذاء طيب لأهل المعرفة كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83].
ثم ذكر أبو القاسم قول أبي علي الدقاق: «اسمع طبعًا إلا عن شرع، وخرقًا إلا عن حق، وفتنة إلا عن عبرة». وهذه مرت معنا في الدرس الماضي، والتعليق عليها أن السماع طبع -أي هوى- إلا إذا كان سماعًا شرعيًا، وخرق -أي جهل- إلا إذا كان سماعًا للحق، وفتنة للقلب إلا إذا كان سماعًا طيبًا. وهذا كلام حسن وقد قدمنا ذكره؛ فإنه جعل ما ليس بمشروع هو عن الطبع، فلا يكون محمودًا مستحسنًا في الدين وطريق الله. وقوله: «خرق إلا عن حق وفتنة إلا عن عبرة» يقتضي أنه إذا لم يكن عن حق فهو مذموم، وإنه إذا لم يكن عن عبرة فهو فتنة، وهذا كلام صحيح. ولا يقتضي ذلك أن يستحب كل ما يظن أن فيه عبرة أو أنه عن حق إذا لم يكن مشروعًا. فبالتالي حتى لو كان في اعتبار أو حق، هذا بحد ذاته لا يدل على كونه وسيلة للوصول إلى الله.
نعم، قال: لأنه قد قال إنه طبع إلا عن شرع. قال أبو القاسم: «ويقال السماع على قسمين: سماع بشرط العلم والصحو، فمن شرط صاحبه معرفة الأسامي والصفات وإلا وقع في الكفر المحض، وسماع بشرط الحال، فمن شرط صاحبه الفناء عن أحوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة».
قلت: قوله «معرفة الأسامي والصفات» يعني أسماء الحق وصفاته، وذلك أن المسموعة هو المشروع من الصفات التي يوصف بها المخلوقون، وهم إنما يأخذون مقصودهم منها بطريق الإشارة والاعتبار كما تقدم، ويحتاج ذلك إلى أن نفرق بين ما يوصف به الرب ويوصف به المخلوق، لئلا تجعل تلك الصفات صفات الله فيكون فتنة وكفرًا، وهذا إذا كان صاحبه صاحيًا يعلم ما يقول، وأما إذا كان فانيًا عن الشعور بالكائنات لم يحمل القول على ذلك لعدم شعوره به. فلا بد أن يكون شاعرًا بالأحوال البشرية، ويكون متنقيا عن الحظوظ البشرية التي تتميز بها المخلوقات، وذلك بظهور سلطان التوحيد على قلبه.
ما يريد أن يقوله هو نفس ما قلنا قبل قليل؛ أن يكون عارفًا بالإشارة التي ذكرناها، لأنك عندما تسمع القصائد والأناشيد ربما تتكلم عن صفات المخلوقين، فأنت تريد أن تنقلها لصفات الخالق، فيقول لك: يجب أن تكون قادرًا أن تعرف الفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، حتى لا يؤدي سماعك لهذه القصيدة وإسقاطها على علاقتك مع الله إلى شيء من التجسيم وقياس صفات المخلوقين على صفات الخالق. فلا بد أن يكون الإنسان يعرف الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين، لأن القصيدة في العادة تكون في صفات المخلوقين، فأنت ستسقطها في علاقتك مع الله، وقد تتخيل أنها تتكلم عن صفات الله، فتخشى أن تدخل في شيء من التجسيم؛ فيقول لك يجب أن يكون السامع واعيًا للفرق بين الخالق والمخلوق.
نعم، قال: والفتنة تحصل بالسماع من وجهين: من جهة البدعة في الدين، ومن جهة الفجور في الدنيا. أما الأول، فلما قد يحصل به من الاعتقادات الفاسدة في حق الله، أو العبادات الفاسدة التي لا تصلح لله، مع ما يصده عن الاعتقادات الصالحة والعبادات الصالحة. إذا هذه المشكلة الأولى؛ أن السماع يؤدي مفسدة في الدين، وفسدته في الدين على نوعين: إما أن يجعلك تعتقد في الله ما لا يصح مثل العقائد، أو يجعلك تتقرب إلى الله بعبادات لا تصح. نعم، قال: تارة بطريق المضادة، وتارة بطريق الاشتغال، فإن النفس تشتغل وتستغني بهذا عن هذا.
وأما الفجور في الدنيا، فلما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم والبغي، تارة بطريق المضادة وتارة بطريق الاشتغال. يعني أحيانًا تكون نفس هذا الفعل هو مضاد لمراد الله، أو يشغل عنه فقط. فنقول إن السماع يؤدي إلى اعتقادات باطلة وأحوال باطلة، وعبادات باطلة، إما بطريق المضادة -أنه يؤدي إلى شيء من التقرب يكون مضادًا تمامًا لمراد الله في التقرب أو عقيدة مضادة للعقيدة التي يريدها الله- أو أن يشغلك بعقائد وأفكار أو عبادات ليست في أعلى مقامات الله.
يريدها الله حقًا كالصلاة والقرآن، فكل واحد اشتغل بالسماع -حتى لو قلنا إن السماع لا يؤدي إلى شيء مضاد- لكنه يشغلك عن ماذا؟ يشغلك عن القرآن، يشغلك عن السنة، يشغلك عن طلب العلم النافع، فهذا اسمه اشتغال وإن لم يكن مضاده.
قال: ففي الجملة جميع المحرمات قد تحصل، إما الفجور في الدنيا فما يحصل، قال: فلما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم والبغي على الناس، ففي الجملة فجميع المحرمات قد تحصل فيه، وهو ما ذكره الله في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. فالسماع يحصل منه المعاصي والمحرمات الدينية والدنيوية، هذا الذي يقصده في قوله: "في الجملة جميع المحرمات قد تحصل فيه"، تشوهات عقدية وتشوهات في المعاصي والذنوب.
قال أبو القاسم: وحكي عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال: سألت أبا سليمان عن السماع فقال: «من اثنين أحب إلي من الواحد»، قلت: هذه المقالة ذكرها مرسلاً فلا يعتمد عليه، كأنه يقول إنه أحب أن يسمعه كثيرًا وأن يسمعه من اثنين أحب إليه من أن يسمعه من واحد، لكن هذه القصة لا تصح عن أبي سليمان الداراني؛ فإنه ليس معروفًا ممن يشتغل بالسماع أصالة.
قال: وإن أريد بها السماع المحدث فهي باطلة عن أبي سليمان، فإن أبا سليمان رضي الله عنه لم يكن من رجال السماع ولا معروفًا بحضوره، كما أن الفضيل بن عياض ومعروف الكرخي رحمهم الله ونحوهما ما كانوا ممن يحضر هذا السماع.
قال أبو القاسم: سئل أبو الحسين النوري عن الصوفي فقال: «من سمع السماع وآثر الأسباب». أبو الحسين النوري سئل: من هو الصوفي؟ فقال: «الصوفي هو من سمع السماع وآثر الأسباب». برأيكم هذا مدح ولا ذم؟ "آثر" تعني فضل، قصدك تقول لك أنا آثرت هذا الشيء، شو يعني؟ رأيكم هو الآن مدح الصوفي ولا ذمه؟
الآن القشيري أخذ هذه العبارة على أنها مدح، لكن ابن تيمية يقول له: هذه العبارة بدي أحللها على المذهب الصوفي بتطلع ذم. أنت حملت كلامًا، سُئل أبو الحسين: من هو الصوفي؟ قال: من سمع السماع، لكن ابن تيمية كمل الجملة، ماذا قال؟ "وآثر الأسباب" على طريقة التصوف، أن تؤثر الأسباب مقبول ولا مردود على طريقة المتصوفة؟ بالعكس، المتصوفة لا يريدون الأسباب، يقول لك امشِ في الدنيا كالريشة بدون أسباب. إذا هو يقول لك: من آثر الأسباب، إذاً هو يتكلم عن الصوفي المذموم كما يقول ابن تيمية وليس عن الصوفي المحمود، فاستدلاله غلط.
هكذا يقول شيخ الإسلام؛ لأنه قال: "الصوفي من سمع السماع وآثر الأسباب"، هذا الصوفي المذموم من يؤثر الأسباب، وبالتالي يكون قول "من سمع السماع" إنما أراد به على وجه الذم له وليس على وجه المدح للصوفي. قال: قلت هذا النقل مرسل فلا يعتمد عليه، ولعل المقصود بهذا هو الصوفي المذموم عندهم، المدعي التصوف الذي يدعي التصوف وليس صادقًا فيه.
قال: فإنه جمع بين إيثار السماع الذي يدل على الأهواء الباطلة وضعف الإرادة والعبادة، وإيثار الأسباب التي تنقصه عندهم عن التوكل، فضعف كونه يعبد الله وضعف كونه يستعين به، وإلا فالنوري لا يجعل هذا شرطًا في الصوفي المحقق، يعني لا يمكن أن يقول لك النوري -وهو من أئمة الصوفية- إن الصوفي هو الذي يؤثر الأسباب. النوري من أئمة الصوفية لا يمكن أن يقول إن الصوفي الصح هو الذي يؤثر الأسباب، العكس، لابد أن يقول إيش الذي يستغني عن الأسباب، وإن كان هذا بغض النظر عن موقفنا منه.
تفضل، أنا فاهم أنت تريد أن تحكي أنه النوري أراد شيئًا صحيحًا، وهو أراد أن يقول لهم إنه لا غلط تتركوا الأسباب، فالصوفي الحقيقي هو الذي يأخذ الأسباب، لكن الأصل "يؤثر"؛ يعني هو الذي يخوف شوي كلمة "يؤثر"، حتى عندنا نحن نعتبرها مبالغة، أنا لا أؤثر الأسباب، أنا أستعين بالأسباب، لو قال "يستعين بالأسباب" لقلنا والله كلام النوري في مكانه، يعني هو يريد أن يعمل حركة تصحيحية كما تفضلت، لكن كلمة "يؤثر الأسباب" أعتقد أنها كلمة عالية جدًا، أنت هكذا لن تصلح الصوفية، أنت هكذا ستجعلهم يظلون كما هم، لأنك استعملت عبارة أحد الأحاديث ربما ينفون عن استعمالها في باب الأسباب.
قال أبو القاسم: وسئل أبو علي الروبباري عن السماع يومًا فقال: «ليتنا تخلصنا منه رأسًا برأس»، قلت: يعني ليتنا تخلصنا منه بدون ذنوب؟ يعني كيف أقول لك أخرج منه كفافًا لا لي ولا علي؟ قال: قلت هذا الكلام من مثل هذا؟ شيخي الذي هو من أجل المشايخ الذين صاحبوا جنيدًا وطبقته يقرر ما قدمناه من أن حضور الشيخ للسماع لا يدل على مذهبه واعتقاده واعتقاده حسنة، فإنه يتمنى أن يكون عليه فيه إثم، بل يخلص منه لا عليه ولا له. إذاً هذه الجملة لا تخدم القشيري، بالعكس هي تدل على عكس مراد القشيري؛ لأنه هو يذم، إيش يقول؟ "ليتني أخلص منه بدون إثم"، إذاً هو لا يراه طريقة للتعبد أصالة، هذا معنى الكلام.
يا أخ، شو ممكن يكون المراد بالقشيري من إيراد هذا الأثر؟ يعني لا يقصد كلامه، هو يريد أن يقول لك إن كان هذا الشيخ كان يحضر السماع، فاستدل بأصل السماع، لكن ابن تيمية يقول له: في النهاية هو لا يعتبر طريقة للتعبد، وهذا هو موطن النقاش. أنا ما عندي مشكلة أن تسمع أنشودة، مشكلتي في التصوف واعتبار هذا منهجًا من مناهج التعبد.
قال: ولو كان من جنس المستحبات لم يقل ذلك فيه إلا لتقصير المستمع لا لجنس الفعل، وليس له أن يقول ذلك إلا عن نفسه، لا يجعل هذا حكمًا عامًا في أهل ذلك العمل، كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: «وددت أني أنفلت من هذا الأمر رأسًا برأس»، قال: هذا بعد توخي الخلافة لفرط خشيته بأن يكون قد قام بحقوقها، ولم يقل هذا في أبي بكر رضي الله عنه، بل ما يزال يشهد له بالقيام في الخلافة بالحق، ولذلك كان خوف عمر يحمله على ذلك القول، فقول أبي علي ليس من...
هذا الجنس بل وصف الطائفة كلها بذلك، فعلم أنه لا يعتقد فيه أنه حسن وإن كان فاعلاً له.
وقال أبو القاسم: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: «من ادعى السماعة ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وصفير الرياح فهو مفتر». هو لاحظ حتى نفهم ماذا قال في الصفحة التي قبلها؛ ولو كان من جنس المستحبات عنده، لو فرضا بدنا نقول إن الروذباري يرى أنه من جنس المستحبات، قال: «ولو كان من جنس المستحبات» لم يقل ذلك فيه، لم يقل ليتنا تخلصنا منه رأساً برأس إلا لتقصير حصل عند المستمع.
لو كان الروذباري يرى أن جنس السماع مستحب، لكن هو يقول عن نفسه «ليتني أخلص منه رأساً برأس» لكان هو يلوم نفسه، ولو كان من جنس المستحبات عنده لم يقل ذلك فيه إلا لتقصير حصل منه في السماع. لكن لو كان هذا مقصده، لو أراد أن يذم نفسه وليس لأن جنس السماع ليس محبوباً، لم يكن له أن يقول ذلك إلا عن نفسه، بس هي العبارة التي قالها الروذباري: «ليتنا». هو يتكلم عن نفسه وعن إخوانه، لو كانت المشكلة عندك، يعني لو كنت تعتقد أن السماعة مستحب ولكن أنت عندك تقصير، كان قال «ليتني» بضمير المتكلم، لكن النص ماذا قال؟ «ليتنا»، إذاً هو يتكلم عن جماعة الصوفية كلهم، ما دام يتكلم على لسان الجماعة إذاً أنت لا تتكلم عن تقصير حصل منك، لا، أنت تتكلم أن جنس الفعل هو السماع مشكلة.
فذهب ابن تيمية لقضية «ليتني» و«ليتنا». نعم، قال وإن كنت أنا، هذا لا أعتبره من أقوى الأدلة؛ لأنه ممكن أحياناً البعض يستعمل «ليتنا» وهو يقصد نفسه، فليس شرطاً أن تأخذها حرفياً فتصبح شغلة متعبة؛ لأنه أحياناً قد يتكلم عن نفسه فيقول: «والله ليتنا ما عملناها»، يقصد عن نفسه «ليتني»، لكن أحياناً قد يستسمح لنفسه التعبير بـ «ليتنا». فكيف إذا كانت العوامل، هذا من باب اللوازم، بس في النهاية أقول لك المشكلة عنده قد تكون حتى لو كان شيخاً، ممكن هو عنده تقصير في جانب نفسي معين أو غيره، فصعب أن تأخذ منها قاعدة عامة.
وقال أبو القاسم: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: «من ادعى السماعة ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وصفير الرياح فهو مفتر مدعٍ». قلت: هذا الذي قال أبو عثمان هو مما يفصلون به بين إسماع العبرة وإسماع الفتنة؛ فإن إسماع العبرة الذي يحرك وجد السالكين بحق يحصل معه إسماع هذه الأصوات، لا يقف على السماع الذي يهواه أهل الفتن.
يريد المغربي أن يقول: ما هو الصوفي الصادق في السماع؟ يسمع كل صوت يذكره بالله، لا ينتقي الأصوات التي له فيها هوى. الصوفي الصادق في السماع يسمع كل الأصوات، تسمع خرير الماء وصوت الطيور والأنشودة، ما عندي مشكلة، هكذا يتكلم المغربي. أما أنك تختار الأنشودة فقط وما فيها من الاختلاط، ولأنه صوت نساء، ولما يأتي صوت الطيور وكذا لا تعتبر به، فمعناتها أنت مخلط، أنت أصلاً تريد أن تسمع شيئاً معيناً، ولست تريد أن تعتبر حقيقة بالأصوات.
وقال أبو القاسم: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: سمعت أبا الطيب أحمد بن المقاتل العكي يقول: قال جعفر، كان ابن زير من أصحاب الجنيد شيخاً فاضلاً، فربما كان يحضر موضع السماعي، فإن استطابه فرش إزاره وجلس، وصوفى مع قلبه، وإن لم يستطبه قال: «السماع لأرباب القلوب مر»، وأخذ عليه.
قلت سأتكلم، وقوله «وصوفى مع قلبه» فاصلة هي الآن، شيء آخر. وإن لم يستطب، إذا ما أعجبه الصوت يقول: «السماع لأرباب القلوب مر»، ويأخذ عليه، يظل مروحاً. فهذه فقرتين، «وصوفى مع قلبه» يعني يدور مع قلبه، في المكان الذي يجد فيه قلبه؛ إذا وجدت مجلساً لقيت قلبي فيه بقعد، وإذا حسيت قلبي ليس فيه أمسك حالي وأغادر.
قلت سأتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال، وهو المشي مع طيب القلب وما يذوق الإنسان ويجد فيه ويجد فيه صلاح القلب. ونبين أن السلوك المستقيم هكذا، من غير اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ذلك؛ أما ذلك الحال فمذموم في الكتاب والسنة، ضلال في الطريق، هو مبدأ ضلال، من ضل من العباد والنساك والصوفية والفقراء ونحوهم. وحقيقته اتباع الهوى بغير هدى من الله، وقد تقدم من كلام المشايخ في ذم هذا ما فيه كفاية.
فإن مجرد طيب القلب ليس دليلاً على أنه إنما طاب لما يحبه الله ويرضاه، بل قد يطيب بما لا يحبه الله ويرضاه، مما يكرهه أو لا يكرهه أيضاً، لا سيما القلوب التي أشربت حب الأصوات الملحنة؛ فقد قال عبد الله بن مسعود: «الغناء ينبت النفاق في القلوب كما ينبت الماء البقل». وإطلاق القول بأن «صوفى مع قلبه» هو من جنس ما ذم به هؤلاء المتصوفة حتى جعلوا من أهل البدع لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياء لم يشرعها الله، فكان له نصيب من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
كما ذكر خلاله بإسناده عن عبد الرحمن المهدي وذكر الصوفية، فقال: «لا تجالسوا أهل الكلام، وعليكم بأصحاب القماطر، فإنهم بمنزلة المعادن، هذا يخرج درة وهذا يخرج قطعة ذهب». ويروى عن الشافعي أنه قال: «لو تصوف رجل في أول النهار لم يأتِ نصف النهار إلا وهو أحمق». قال أبو القاسم: سمعت محمد بن الحسين رحمه الله.
يقول: سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصفي يقول: سئل ريم عن وجود الصوفية عند السماع، فقال: يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم، فتشير إليهم، فيتنعمون بذلك من الفرح، ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاءً، فمنهم من يخرق ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي، كل إنسان على قدره.
قلت: هذا الوصف لما يعتريه من الحال ليس في ذلك مدح ولا ذم، إنما مثل هذه الحال يكون للمشركين وأهل الكتاب، إذ قد يشهدون بقلوبهم، ثم يفرحون بها، فتتبع ذلك المحبة، فإن الفرح يتبع المحبة؛ فمن أحب شيئًا فرح بوجوده وتألم لفقد، والمحبوب قد يكون حقًا وقد يكون باطلاً. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165].
في هذه الصفحة 413، أظن النص مشكل أيضًا في كلام الشيخ لما قال: "قلت من البداية سنتكلم إن شاء الله على مثل هذا الحال، وهو المشي مع طيب القلب وما يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب، ونبين أن السلوك..."، أضاف كلمة "المستقيم"، هذه أشعر أنها أحدثت دربلة. ونبين أن السلوك بدونها بجوز أفضل؛ دعونا نفكر، أن السلوك هكذا من غير اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ذلك، أما ذلك الحال فهو مذموم في الكتاب والسنة، ضلال في الطريق.
يعني أعتقد العبارة ملتبسة قليلاً، وكأنه يريد أن يقول: سنتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال، وهي مسألة أن الصوفيين يمشون مع ما يجدون في قلوبهم بدون النظر في الكتاب والسنة. فهو يريد أن يقول: سنتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال، وهو المشي مع طيب القلب، وما يستطيبه القلب، وما يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب، ونبين أن السلوك مع ما يستطيبه الإنسان ويتذوقه وما يجده بدون اعتبار للكتاب والسنة ضلال في الطريق.
فكلمة "ضلال في الطريق" لازم تكون خبرًا؛ يعني أن السلوك بهذه الطريقة دون اعتبار لما جاء في الكتاب والسنة ختامها هو ضلال في الطريق. وهو مبدأ ضلال من ضل من العباد والنساك، ما هو؟ أنهم يجعلون الشرائع مبنية على ما تستطيبه القلوب والأذواق دون الاعتبار بما ورد من مشروعيته في الكتاب والسنة، هذه لازم تكون خلاصة الفقرة.
فهمتم؟ الآن ما خلاصة الفقرة؟ ابن تيمية يبين أن استعمال استطابة النفس للشيء، إذا كان بمجرد أن تستطيب نفسك في شيء وتوجد قلبك في هذا المكان، جوز أن يكون هذا المكان يقودك إلى النار. هل تمشي مع قلبك أم مع النص والدليل؟ المؤمن إذا أراد أن يتبع شيئًا يجب أن يمشي مع النص والدليل، فأعتقد أن العبارة يجب أن تسير بهذا الاتجاه.
ونبين أن السلوك هكذا، من غير اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ذلك في الكتاب والسنة، ضلال في الطريق. ما هو الضلال في الطريق؟ هو أن تمشي مع طيب القلب، فالضلال هو أن تمشي مع ما يستطيبه قلبك دون النظر فيما يقتضيه الكتاب والسنة.
الآن كيف تحاولون تغيير النص بهذه الطريقة؟ هذه شغلتكم يا شباب. كيف تحاول أن ترى مشكلة النص هنا؟ هو أضاف كلمة "أن" وكلمة "المستقيم"، وهي إضافة الشيخ المحقق. الآن لو قلنا: سنتكلم إن شاء الله عن مثل هذه الحال، وهو المشي مع طيب القلب وما يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب، ونبين -وفي النسخة خمسة يقول: وتبيين السلوك هكذا- ولعل الصواب ما أثبته؛ في وجهة نظر الشيخ: وتبيين السلوك هكذا، ونبين مثلاً أن السلوك... كلمة "المستقيم" هنا أحدثت إرباكًا.
رأيك يا شيخ أبو رقية؟ ونبين أن السلوك هكذا، مشيًا مع استطابة القلب، ولكن المشكلة في "ما جاء بعدها"؛ "من غير اعتبار لطيب القلب". أنا أظن أن "من غير اعتبار لطيب القلب" هي التي جعلت الشيخ يضيف كلمة "المستقيم"، فنقول: ونبين أن السلوك المستقيم من غير اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ذلك... أضفت الكلام الأول بعدما نبين.
المشكلة في آخر سطرين، أنه قال: "بدي أمشي"، فتم المشي معه، انتهى. نقطة أخرى، "أما ذلك الحال فهو مذموم في الكتاب والسنة ضلال في الطريق". هو وصلنا لنفس النتيجة، لكن لم أشعر أن الكلام يأتي بهذا الاتجاه. ممكن في النهاية الكلام الذي قرأه يوصل لنفس النتيجة وحاول أن يعمل لك فقرتين، ولكن هل هكذا هو سياق الكلام ابتداءً؟ ربما عملها فقرتين من خلال إدخالات أدخلها على النص؛ أن السلوك المستقيم لا يكون باعتبار طيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة، أما الطريق الخاطئ فهو المخالف للكتاب والسنة، فهذا ضلال في الطريق.
قلت: "وصف لما يعتريه من الحال ليس في ذلك مدح ولا ذم، إذ مثل هذه الحال تكون للمشركين وأهل الكتاب، إذ قد يشهدون بقلوبهم، فيفرحون بها، فتتبع ذلك المحبة، فإن الفرح يتبع المحبة، فمن أحب شيئًا فرح بوجوده وتألم لفقد، والمحبوب قد يكون حقًا وقد يكون باطلاً". قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وقال تعالى: ﴿أَشْرَبُوا فِيهَا كَرَةً بِكُفْرِهِمْ﴾ [المائدة: 76]. فقد يكون المرء محبًا لله صادقًا في ذلك، لكن يكون ما يشهده من المعاني السارة خيالات لا حقيقة لها، فيفرح بها ويكون فرحه لغير الحق، وذلك مذموم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۚ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَمَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ هُمْ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ أَضَلُّونَا ۖ فَدَعُوا لَنَا دُعَاءً ۖ ... * كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * بِذَٰلِكَ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّخَذُوا مَا إِنَّهُ لَا يُسْمِعُهُمْ شَيْئًا مِنَ السَّمَاءِ مَا يَفْرَحُونَ بِهِ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَمْرَحُونَ﴾ [سبأ: 40-41].
إنما ذكره الله في القرآن عن المشركين، ولا يخلو من نوع شرك جلي أو خفي، ولهذا يحكى عنهم تلك الأمور الباطلة التي بدت لهم أولاً، كما قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ۖ وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ [النور: 39]. ومع هذا، فقد يكون في تلك المعاني التي تشاهد وتحتجب من حقائق الإيمان ما يفرح به المؤمنون أيضًا، لولا ما فيه من ذلك لما التبس...
ولولا ما فيه من ذلك لم التبس على فريق من المؤمنين، لكن قد لبس الحق فيه بالباطل. السماع الصوفي قد يحصل من بعض الحقائق الإيمانية التي تتجلى، لكنها ليست حقائق إيمانية صافية، بل مخلوطة مع كثير من الباطل.
يقول البعض بالعكس: لولا وجود شيء من الحقائق الإيمانية لما فعل السماع كثير من أئمة الصوفية، لولا أنهم وجدوا بعض الحقائق تحصل لهم. وهذا أمر مهم جداً يا إخواني، وهي فكرة كررناها؛ أن الشيء الذي يُنهى عنه بمجرد أن يكون إثمه أكثر من نفعه. نحن لا نقول إنه لا يوجد نفع أبداً، أو أنك لا يمكن أن تحصل على أي معنى إيماني بأي حال من الأحوال.
يقول ابن تيمية: يمكن بالعكس، لولا وجود بعض المعاني التي قد تظهر، لكان كثير من الصوفية ما وقعوا في السماع. لكن ما الذي جرهم للسماع؟ وهي فلسفة الشيطان؛ أن الشيطان يعرف أن هؤلاء علماء كبار أو ناس ثقال، وليس من السهل أن أغريهم بسماع كله فساد وباطل، فلا بد أن يغريك، يعطيك الطعم.
كيف يعطيك الشيطان الطعم؟ يعطيك شيئاً من الحقائق الإيمانية مقابل كثير من الباطل المخلوط فيها، فتصير الرؤية عندك متشوشة. كأن تفتح السماع لجهة ما، ويظهر لك معنى إيماني فيه. لنرجع ونقول: سماع الأناشيد العادية؛ يعني عندما يشعر الإنسان -أخي والله- لما أسمع أناشيد للمقاومة أني أشعر أني منتمي لأمتي، أنت لولا وجود هذا المعنى الذي هو حق المعنى الجميل ما سمعت الأناشيد، خاصة وأنك تكون إنساناً مسلماً ملتزماً وحافظاً، ولكن عندما تحكي: والله بتذكرني بالقضية وبأخواننا، فبحب أسمعها، والله يا أخي بتخليني أدعي لهم.
فهذه هي فلسفة الشيطان معك، أنه يعطيك بعض المعاني الحق لأن هي الطريقة التي سيستدرجك بها إلى الباطل، ولن يجعل الطريق كله باطلاً. أما أولئك الفاسدون الذين طُبع على قلوبهم، فسيجعل كل طريقهم باطلاً، أما أنت لأنك ملتزم ومحافظ، فلا بد أن يعطيك بعض المعاني الحق ليلبس عليك الحق بالباطل.
قال: هذا الأمر منه ليس بحق محض أصلاً، وبحق؛ بالحق الذي فيه نفع على من نُفع عليه من المؤمنين وزهادهم. وبالحق الذي فيه هذا السماع الصوفي، لما فيه من بعض المعاني الإيمانية، نَفَقَ سوقه؛ أي مشى واستطاع أن يخدع كثيراً حتى الأفاضل. قال: وزهادهم وصوفيتهم وفقرائهم وعبادهم، لكن لضعف إيمانهم نَفَقَ عليهم، ولو تحققوا بكمال الإيمان لتبين لهم ما فيه من الشرك ولبس الحق بالباطل.
ولهذا تبين ذلك لمن أراد الله أن يكمل إيمانه منهم، فيتبون منه كما هو المأثور عن عامة مشايخهم الكبار الذين حضروه، فإنهم تابوا منه كما تاب كثير كبار العلماء مما دخلوا فيه من البدع الكلامية. كما أن كثيراً من علماء الكلام تابوا من البدع الكلامية، كثير من علماء الصوفية تابوا عن بدع الصوفية.
قال أبو القاسم: سمعت محمد بن أحمد بن محمد التيمية يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الحصري يقول في بعض كلامه: «أي شيء أعمل بسماع ينقطع؟ وإذا انقطع من يستمع منه؟ ينبغي أن يكون سماعك سماعاً متصلاً غير منقطع». وقال الحصري: «ينبغي...». ما معنى هذا الكلام؟ ما الفائدة من حالة إيمانية مرتبطة بمجرد شيء؟ السماع إذا كان في أنشودة والحالة الإيمانية مرتفعة، فبمجرد أن تنتهي الأنشودة يرجع ذلك الإنسان عابثاً، ويقص على كثير من الأمور.
ما فائدة الأنشودة إذا كانت هي فقط تعمل لك حالة حماس واندفاع عند سماعها، وبعدما تطفي الأنشودة أنت راجع تأكل وتشرب وكأن شيئاً لم يكن؟ فهو يقول: ما فائدة السماع، العلم الذي ينقطع إذا انقطع من يستمع منه؟ فهو يقول: ينبغي أن يكون سماعك سماعاً متصلاً غير منقطع، يعني الحالة الإيمانية لازم تكون حالة متواصلة قدر المستطاع، ليست حالة متعلقة بالأنشودة بمجرد ما انتهت ذهبت الحالة.
قال: وقال الحصري: «ينبغي أن يكون ظمأً دائماً وشرباً دائماً، فكلما ازداد شربه ازداد ظمأه». هذا الكلام فيه عيب لأهل هذا السماع، وبيان أن المؤمن عمله دائم ليس بمنقطع، كما قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه صاحبه». فيكون اجتماع قلبه لمعان القرآن دائماً غير مقطع، كأنه لا يزال عطشاناً شارباً.
إذ تالي القشيري لما أتى بهذا الكلام، أتى به ليست له، لكن يقول ابن تيمية: ترى هذا الكلام عليك لا لك، هذا الكلام لا يدل على أن السماع شيء مطلوب، بل يدل بالعكس على أن هذا السماع حالة وهمية حالة مؤقتة، وهذا خلاف السنة؛ السنة أن يكون عمل المؤمن دائماً.
قال: كما قال تعالى لنبيه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. وقال الحسن البصري: لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلاً دون الموت. وقد اعتقد بعض الغلط من هؤلاء أن المعنى: اعبد ربك حتى تحصل لك المعرفة ثم اترك العبادة، وهذا جهل وضلال بإجماع الأمة. بل اليقين هنا كاليقين في قوله: ﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [الصافات: 147]، فاليقين هنا بمعنى الموت، وليس معناها حتى تصير قطب الأقطاب وبالتالي تترك العبادة.
قال: وفي الصحيح لما مات عثمان رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: «أما عثمان فقد أتاه اليقين من ربه، والله ما أدري وإن رسول الله ما يفعل به». فاليقين الذي هو صفة العبد، فذاك قد فعله من حين عبد ربه، ولا تصح العبادة إلا به، وإن كان له درجات متفاوتة، فهو شرط من شروط "لا إله إلا الله": العلم واليقين والقبول.
قال: قال تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 3-4]. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. وقال عن الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قَالُوا مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: 11].
قال أبو القاسم: وجاء مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: 15]، أنه سماع من الحور العين بأصوات شهية: "نحن الخالدات فلا نموت أبداً، ونحن النعمات فلا نبس أبداً". وهذا فيه أنهم ينعمون في الآخرة بالسماع، وقد تقدم كلامي على هذا.
وإن تنعم بشيء في الآخرة، لا يقضي أن يكون عملاً حسناً أو مباحاً في الدنيا، بل بالعكس، بل أكثر الأمور التي تتنعم بها في الجنة أنت ممنوع منها في الدنيا أصلاً، مثل الخمر وغير ذلك، والذهب والفضة، والحرير للرجال. قال: وقيل السماء...
والوجد قصد، وهذا كلام مطلق، فإن المستمع يناديه ما يسمعه بحق تارة وبباطل أخرى. والواجد هو قاصد يجيب المنادي الذي يدعو إلى حق، وقد يدعو إلى باطل، فإن الواجد تجد في نفسه إرادة وقصداً.
قال: وسمعت محمد بن حسين يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: الوجد هو ما نسميه نحن الوجد الصوفي، يعني المشاعر الداخلية. قال أبو عثمان المغربي: «قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماع مفتوحة»، وهذا كلام حسن.
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَمِعُوا وَأَطِيعُوا وَأَشْرِكُوا﴾ لا، بل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَمِعُوا وَأَطِيعُوا﴾. قالوا: وهو حاضر القلب ليس بغائب. وصف الله الكفار بأنهم صم بكم عمي، لا يسمعون ولا يعقلون، وفي آذانهم وقر، وأنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم.
قال: وسمعت أبا عبد الرحمن يقول: سمعت أبا سهل الصعليكي يقول: المستمع بين استتار وتجلٍ؛ فالاستتار يوجب التلهيب، والتجلي يورث الترويح. والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو محل الضعف والعجز، والتجلي يتولد منه سكون الواصلين وهو محل الاستقامة والتمكن، وذلك وصف للحضرات ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا﴾ [الأنعام: 91]. قلت: هذا كلام على أحوال أهل السماع، وهو مطلق في السماع الشرعي والبدعي، لكنه إلى وصف حال المحدث أقرب، وهو وصف لبعض أحوالهم، فإن أحوالهم أضعاف ذلك. وأما الاستدلال بالآية وفيه كلام ليس هذا موضعه.
وقال أبو عثمان الحيري: السماع على ثلاثة أوجه: وجه منها للمريدين والمبتدئين، يستدعون بذلك الأحوال الشريفة، ويخشى عليهم في ذلك الفتنة والمراء، والثاني للصادقين، يطلبون زيادة في أحوالهم، ويستمعون من ذلك ما يفقهم أوقاتهم، والثالث لأهل الاستقامة من العارفين، وهؤلاء لا يختارون على الله فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون.
قلت: هذا الكلام مطلق في السماع يتناول القسمين؛ الشرعي، أن تسمع الكتاب والسنة، والبدعي.
فصل في محبة الجمال: ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان». ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر. وفي رواية: «أن لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: إن رجلاً يحب أن يكون ثوبه حسناً على حسنه، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال».
فقوله: «إن الله جميل يحب الجمال» قد أُدرج فيه حسن الثياب التي هي المسؤولة عنها، فعلم أن الله يحب الجمال، والجميل والجميلة من اللباس يدخل في عمومه، وبطريق الفحوى الجميل من كل شيء. هذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي: «إن الله نظيف يحب النظافة»، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «إن الله طيب يحب الطيب». وهذا مما يستدل بها على استحباب التجمل في الجمع والأعياد.
كما في صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى حلة تباع في السوق، فقال لرسول الله ﷺ: لو اشتريت هذه تلبسها؟ فقال: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة». وفي السنن عن أبي الأحوص الجشمي قال: رآني النبي ﷺ وعليّ أطمار، فقال: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قال: «من أي المال؟» قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والغنم، قال: «فلترى نعمة الله عليك، ولترى نعمة الله وكرمته عليك». وكذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». لكن هذا ظهور لنعمة الله، وما في ذلك من شكره، والله يحب أن يشكر، وذلك لمحبته الجمال.
وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه عليه، وآخرون عارضوا غيرهم ولم يهتدوا للجمع. فالأولون قد يقولون: كل مصنوع رب جميل، لقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، وقد يستدلون بقول بعض المشايخ: المحبة نار تحرق القلب كل ما سوى مراد المحبوب، والمخلوقات كلها مراده. هو لا يقوله قائلهم، فصرح بإطلاق الجمال، وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله، والنهي عن المنكر، والبغض لله، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده.
أش، عمر، أحسنت. الآن ما إشكالية هذه العبارة؟ لو قلت: كل مصنوع الرب جميل، هذه العبارة صحيحة أم خاطئة؟ خلينا نركز، العبارة مهمة. وهذا الحديث «إن الله جميل يحب الجمال» عمل كركبة في الجماعات الإسلامية القديمة. فالأولون الذين تأولوه على غير مراده ماذا قالوا؟ قالوا ما دام الله جميلاً يحب الجمال، إذاً استنتجوا قاعدة: كل مصنوع يحبه الله، أو كل مخلوق الرب جميل.
هنا أين مشكلتهم؟ هؤلاء لم يفرقوا بين الفعل والمفعول. الفعل هو الذي قام في ذات الله وهو الخلق، فالخلق الذي قام في ذات الله قطعاً جميل، سواء خلق الله الأشياء النافعة لنا أو...
خلقه حتى للأفعال التي فيها زنا وفحش وخمر، وكذا فعل الفعل الذي هو خلق الله، وهذا فعل قام في ذاته الشريفة، الفعل جميل قطعًا، لكن الناتج وهو المفعول هل كله جميل؟ ها هنا النقاش.
فقول الأولين لما حملوا أن «إن الله جميل يحب الجمال» ماذا قالوا؟ وضعوا قاعدة عامة قالوا: كل مصنوع الرب جميل، المصنوع هذا هو المخلوق، هذا المنتج الذي في الخارج هل كله جميل؟ أم أن الله سبحانه يخلق الأشياء الجميلة ويخلق الأشياء التي تكون فيها قبح؟ يخلق إليهما. ففعل الله كله جميل، لكن المنتجات؛ منها ما هو جميل ومنها ما هو قبيح.
الصوفية وبعض أهل الكلام ماذا فعلوا؟ قالوا لا يجب أن نقول كل مخلوقات الله جميلة. شوفوا هذه لوين أدت، الفكرة المغلوطة أين أدت بهم؟ قالوا كل مخلوقات الله جميلة. طيب من مخلوقات الله؟ إبليس من مخلوقات الله، أفعال الكفار من الزنا والخمر وقتال المسلمين. التزموا بهذا اللازم بعضهم فقالوا: فلان من مخلوقات الله فنحن نرضى ونحبها ونراها جميلة، فنحن نرى إبليس جميلًا، ونحن نرى الكفار جميلين، ونحن نرى أفعال الكفار من الزنا والقتال جميلة.
وشوف لوين وصلوا! وبعدين أدت بهم الفكرة إلى الاستسلام للأقدار باعتبارها مخلوقات الله؛ فصار الكفار يغزون بلاد المسلمين، فماذا يقول الصوفية؟ هذه الأفعال مخلوقة لله، إذا ما دامت مخلوقة لله فهي جميلة، خلهم يغزوا بلاد المسلمين! طيب إذا اغتصبوا أخواتنا، إذا فعلوا ما فعلوا مخلوقات لله، إيه؟ هذه الفكرة كارثيتها أين تذهب؟ عندما تقول كل مخلوقات الله جميلة وتستطرد مع هذا التفكير، ستؤدي بك إلى ما حصل عند غلاة الصوفية من المشي مع لازمها.
لذلك صرح بإطلاق الجمال، وقال: أقل شيء يصيب الذين يطلقون هذه العبارة أنهم يتركون الغيرة لحرمات الله إذا انتهكت بحجة أنها مخلوقات لله فهي جميلة؛ فإذا رأوا الزنا والخنا والفواحش وكذا لا يغارون ولا ينهون عن المنكر، وما عندهم البغض في الله والجهاد في سبيل الله وإقامة حدود الله لأنه كل شيء جميل، وهذا كلام بالتأكيد باطل.
نعم، قال هم في ذلك متناقضون، إذ لا يتمكنون من الرضا بكل شيء؛ لأنه لو جاء شخص سرق ماله، يلا بدي أشوف الجميل تاعك! سيدي لو جاء شخص سرق ماله لهذا الصوفي، يلا جميل! لو جاء شخص عبث بعرضه، أحد يقبل هذا؟ يعني هذا الكلام يتناقض مع الفطرة، فأنت لا ترى جميلًا أن يزني الزاني بعرضك، وإلا بدك تستطرد مع أقوالك ستقع في ورطات.
قال: فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم، ويبقى أحدهم مع طوعه وذوقه وهواه ينكر ما لا يكرهه ذوقه، وينسلخون عن دين الله، وربما دخل أحدهم في الاتحاد المطلق، ينكر ما يكرهه ذوقيًا فقط وليس شرعيًا، فإذا رأى محرمات ذوقه لا يكرهها، يقول: يا أخي هذه مصنوعات لله وهي جميلة، بس إذا شيء مش متناسب معه يصير ينكر. طيب أنت هنا تضطرب، وقت ما بدك بتنكر ووقت ما بدك ما بتنكر، هذا لا يصلح.
قال: ومنهم من يخص الحلول أو الاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح، وابن أبي بيب وغيرهما من المشايخ والملوك المردان، بعضهم طبعًا وصل به الحال للقول بالحلول والاتحاد، وأن المصنوع هو الصانع، أو أن الصانع حل في المصنوع على أقوالهم. فيقولون بحلوله في الصور الجميلة ويعبدونها؛ منهم من لا يرى ذلك لكن يتدين بحب الصور الجميلة، من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك، ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله ويحبه هو، ويلبس المحبة المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه، وإذا فعلوا فاحشة قالوا: «وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا» والله أمرنا بها، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
والآخرون قالوا: ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». معلوم أنه لم ينفِ نظر الإدراك، ولكن نظر المحبة. وقد قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾.
الآن الذين رأوا الطائفة الأولى عرفنا ما فكرتهم، والطائفة الثانية التي رأت حديث «إن الله جميل يحب الجمال» جعلته معارضًا لأحاديث أخرى، معارضًا لحديث «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم»، بمعنى أن الله عز وجل لا يهتم إلى صورتك جميلة أو قبيحة، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. طبعًا النظر هنا ليس نظر الإدراك لأن الله مدرك لصورنا وبواطننا، ولكن فسروا هنا أنه نظر محبة؛ يعني لا ينظر نظر محبة إلى صوركم وأعمالكم، فلان شكله جميل فلان شكله قبيح، الله سبحانه وتعالى لا ينظر نظر المحبة إلى هذا أو هذا، وإنما نظر المحبة إلى داخلك؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، الله ينظر إلى باطنك.
وهذا فعلاً يستدل به البعض على أنه يبقى شكله مهترئًا، يا أخي الله لا ينظر إلى صورنا، مش مشكلة لو كانت لحيتك مبعثرة وشعرك مكنفش والدنيا تعبانة، الله ينظر إلى القلوب والأعمال. أنت يا شيخ عندك مادية زيادة، تنظر إلى الصور وتطالبنا أن نهتم بها وهي ليست محل نظر الله سبحانه وتعالى، فعملوا نوعًا من المعارضة.
شوف الآن المعارضة التي عملوها وكيف سيعالج ابن تيمية؛ قال: وقد قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، فبالعكس، الاهتمام بالأشكال والمظاهر من صفات المنافقين، ربنا شو وصف المنافقين؟ تعجبك أجسامهم، لابس كرافات وحاط له جل، هي صفات المنافقين أصلاً.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، والرئيا يعني المنظر كما فسرها البعض، يعني منظرهم متقدم الحضارة الغربية اليوم، والأثاث هو المال من اللباس نحوه، والرئيا المنظر؛ فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأموالا، لنتبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به.
قال النبي ﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بتقوى». وفي سنن عنه أنه قال: «البذاذة من الإيمان»، وأيضًا البذاذة يعني أن يكون شكلك مسكينًا.
وكذا بالعكس، تكون ثيابك مقطعة وشكلك أشعث أغبر، هكذا فهموا هذا التيار من الإيمان.
قال: وأيضًا لقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وأنيته من الفضة ما هو أعظم الجمال في الدنيا، وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء كطالة الثياب؛ حتى ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا». وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». وفي الصحيح أيضًا قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء، خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
وقد قال تعالى في حق قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79]، قالوا: ثياب الأرجوان. ولهذا ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: رآني الرسول ﷺ وعلي ثوبان معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها»، قلت: أغسلهما؟ قال: «احرقهما». ولهذا كره العلماء المحققون الأحمر المشبع وحمرته، كما جاء النهي عن الأحمر للرجال، يكره الأحمر الخالص. وكما جاء النهي عن المئزر الأحمر، وقال عمر بن الخطاب: «دعوا هذه الرايات للنساء»، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضعها.
وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، إلى قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: 31]. وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «العينان تزنيان وزناهما النظر». وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ عن النظر الفجأة فقال: «اصرف بصرك». وفي سنن أنه قال لعلي: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة».
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: 88]. والآية التي ذكر فيها زيد الناجع: ﴿تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾، وهذا كله من الجمال الدنيوي وقد ذكر على وجه الذم والمذام.
وقد قال مع ذمه لمذام من هذه الزينة: ﴿قُلْ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّۯتیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِ﴾ [الأعراف: 32]، ﴿قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا﴾ [الأعراف: 32]. فنقول: اعلم أن ما يصفه به النبي ﷺ من محبة الأجناس المحبوبة من أعيان وصفات وأفعال، وما يبغضه من ذلك، هو مثل ما يؤمر به من الأفعال وينهى عنه؛ فإن الحب والبغض هما أصل الأمر والنهي، وذلك نظير ما يعد به على الأعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب. فأمره ونهيه، وعده ووعيده، وحبه وبغضه، وثوابه وعقابه، كل ذلك من جنس واحد.
والنصوص النبوية تأتي مطلقة عامة من الجانبين، فتتعارض في بعض الأحيان الأفعال التي تندرج في نصوص المدح والذم، والحب والبغض، والأمر والنهي، والوعد والوعيد. وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين وفروعه؛ فإن من أكبر المسائل التي تتفرع عنها مسألة الأسماء والأحكام في فساق أهل الملة، وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقول أهل السنة والجماعة أم لا يجتمع ذلك؟ هل يكون الشيء الواحد محبوبًا من وجه، مبغوضًا من وجه، محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه كما يقول جمهور الخوارج والمعتزلة، ولا يكون الفعل الواحد مأمورًا به من وجه وناهيًا عنه من وجه؟ وقد تنازع في ذلك أهل العلم والفقهاء وغيرهم.
التعارض بين النصوص إنما هو لتعارض المقتضيات؛ فالمدح والذم من الصفات القائمة بذاته تعالى، ولهذا كان هذا الجنس موجبًا للكفر أو الفتنة. فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي؛ فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد والخلود في النار وحكموا بكفره، ووافقتهم المعتزلة على دخوله في نصوص الوعيد وخلوده في النار ولكن لم يحكموا بكفره. فلو كان الشيء خيرًا محضًا لم توجب الفتنة، ولو كان شرًا محضًا لم يخفَ أمره، لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجبت الفتنة. وكذلك مسألة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل.
فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي لها بس هنا للفائدة في الفقرة السابقة، لما قال: وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقول أهل السنة والجماعة، أم لا يجتمع ذلك كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة؟ هذه لازم تكون تابعة للفقرة؛ يعني إذا لاحظتم في صفحة 430 الفقرة قال: فإن من أكبر المسائل التي تتفرع عنها مسألة اجتماع الوعد والوعيد في الشيء الواحد، أو الخير والشر في الشيء الواحد، من أكبر المسائل التي تتفرع عن هذه المسألة، مسألة الأسماء والأحكام في قضية الفاسق الملي.
فهل يمكن للإنسان المسلم أن يكون مسلما فاسقا؟ هل يمكن أن يكون الشخص مسلما فاسقا؟ هكذا يقول أهل السنة والجماعة. من الذي خالفنا؟ الخوارج والمعتزلة. فالخوارج يقولون لك: لا، يا مسلم يا كافر، والفاسق كافر. وطبعًا هناك خلاف بينهم؛ فالخوارج يقولون لك: هو كافر، والمعتزلة يقولون لك: في الدنيا منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة كافر.
فإن من أكبر المسائل التي تتبع مسألة اجتماع الأمر والنهي في الشيء الواحد، أو الوعد والوعيد في الشيء الواحد، والثواب والعقاب في الشيء الواحد؛ مسألة الأسماء والأحكام في فساق أهل الملة، وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب من جهة على طاعة، والعقاب من جهة أخرى كما يقول ذلك أهل السنة، أم لا يجتمع ذلك كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة؟
بقيت مشكلة هنا؛ هو أضاف قبلها سؤالًا لما قال: أم لا يجتمع ذلك؟ وهل يكون الشيء الواحد محبوبًا من وجه، مبغوضًا من وجه، محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة؟ هذا غلط؛ لأن الذي يقول إن الشيء يكون محبوبًا من وجه ومبغوضًا من وجه ليس قول الخوارج والمعتزلة، هذا قول أهل السنة. فالفقرة فيها إشكال؛ لو شاء الله ماذا يريد أن يخرج؟ "أم لا يجتمع ذلك بحيث يكون الشيء الواحد محبوبًا من وجه ومبغوضًا من وجه كما يقوله الخوارج والمعتزلة". هكذا يستقيم الكلام؛ أن أهل السنة هم الذين يرون إمكانية الاجتماع، أن يكون الشيء محبوبًا من وجه ومبغوضًا من وجه.
يجتمع فيه الأمر والنهي، يجتمع فيه الثواب والعقاب. الخوارج والمعتزلة لا عندهم هكذا؛ يا يمين يا شمال، يا أبيض يا أسود. ليس عندهم إمكانية أن يكون مثلاً مؤمنًا ضعيف الإيمان، أو مؤمنًا ناقصًا، بل يا مسلم مؤمن تام، يا كافر وانتهت القضية. فبالتالي النص يحتاج إلى تعديل.
أنا رأيي أولاً تشيل علامة الاستفهام، أم لا يجتمع ذلك؟ فلا يكون الشيء الواحد محبوبًا من وجه، ومبغوضًا من وجه. بدل هل نحط "فلا"؟ خلص بيمشي حالها.
قال: «وقد تنازع في ذلك الآن أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، والتعارض بين النصوص إنما هو تعارض المقتضي للحمد والذم من الصفات القائمة بذاته تعالى، ولهذا كان هذا الجنس موجبًا للكفر أو الفتنة».
فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي؛ فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد والخلود في النار كحكم بكفره. فالخوارج وصفوا الفاسق الملي -يعني هو الفاسق من ملة الإسلام، باختصار المسلم الذي يفعل كبائر- هكذا وصفوه. هؤلاء نحن أهل السنة والجماعة نسميه الفاسق الملي، أما الخوارج فكيف تعاملوا معه؟ قالوا: كافر، خلص وريحوا حالهم، قالوا: من فعل الكبائر فهو كافر، فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد والخلود في النار وحكم بكفره.
أما المعتزلة، فقد أدرجوه في نصوص الوعيد والخلود في النار، لكن لم يحكموا بكفره في الدنيا؛ قالوا هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكن في النهاية في الآخرة سيكون في النار.
قال: «فلو كان شيئًا خيرًا محضًا لم يوجد بفرقه، ولو كان شرًا محضًا لم يخفَ أمره، لكن الاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة». وكذلك مسألة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل، فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات، وأنها غير محبوبة له ولا مرضية له بل منقودة، موضة لكونها من المنهيات؛ نفس الشيء.
مسألة القضاء والقدر أيضًا تتفرع على إمكانية اجتماع الأشياء المختلفة في الشيء الواحد. الآن من ظل في مسألة القضاء والقدر؟ المعتزلة والأشاعرة. مشكلتهم أن الأشاعرة والمعتزلة لم يتصوروا إمكانية اجتماع أن يكون الشيء مرادًا لله من وجه، ومنهيًا عنه مبغوضًا له من جهة الشرع، فهم من قصوا فذهبت المعتزلة وقالت: لا، مش ممكن يكون الشيء مرادًا لله كونًا ومبغوضًا شرعًا. فماذا كان حلهم؟ نفوا الإرادة الكونية، قالوا: هذه الأفعال لا يريدها الله كونًا، نحن نخلق أفعالنا بأفعالنا دون تدخل مشيئة الله.
الأشاعرة ذهبوا إلى الجهة الأخرى، فقدموا الإرادة الكونية، ونفوا قضية أن يكون الشيء مبغوضًا؛ يعني ما معنى نفي البغض في الشرع؟ ليس بمعنى أنهم رأوا أن كل ما يفعل كونًا إذًا هو محبوب لله ومراد لله، يعني يريده الله ويحبه ويرغب فيه، وإن كانت في شوية استدراكات على هذا الإطلاق، لكن هذا خلاصة ما يصلون إليه.
قال: «فقال طائفة من أهل الكلام: الإرادة والمحبة والرضا متلازمة»، ثم قالت القدرية: والله لم يحب هذه الأفعال، لم يرضها، فلم يردها، فأثبتوا وجود الأفعال بدون مشيئة. المعتزلة الذين هم القدرية ماذا قالوا؟ الله لا يحب الزنا ولا يحب شرب الخمر ولا كذا، إذًا هو لم يردها كونًا، فكيف صارت؟ نحن الذين اخترنا، ونحن أصحاب المشيئة، ونحن الذين خلقنا أفعالنا.
قالوا لهذا لما قال غيلان: «يا ربيعة، نشدتك بالله، أترى الله يحب أن يُعصى؟» فقال له ربيعة: «أفترى الله يُعصى قسرًا؟» فكان ما ألقه حجرًا. يقول له: نزهت الله عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة. ما ينفع تقول أنا أريد تنزيه الله بهذه الطريقة، المعتزلة ماذا قالوا؟ نحن نريد أن ننزه الله أنه يحب وجود الزنا في الكون، طيب ما حالكم حتى تنزهوا الله عن ذلك؟ تنفون إرادة الله لها وأنها صارت بدون إرادة الله. يقول له ربيعة: أنت تريد أن تنزه الله عن محبة الزنا، فرحت ماذا فعلت؟ رحت سلبت القدرة وقلت إن هناك شيئًا يحدث في العالم بدون قدرته ومشيئته، أنت لم تحل القضية بهذه الطريقة.
قال: «وقال ابن عارضة: قدرية، بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه». ولازم من عارض القدرية الذين هم الآن الأشاعرة -الفكر الأشعري والما تريده والجبري عمومًا- ماذا قالوا؟ لا، كل ما أراده الله كونًا فهذا يستلزم أنه أحبه ورضيه. وهذه مشكلة أيضًا في الجهة الأخرى، أن مثلاً إذا أراد الله كونًا وجود الزنا والشراب والخمور، فمعناه ربنا أحب هذا وراضٍ به، والعياذ بالله، وهذه مشكلة أيضًا.
هم بالعكس قالوا: ما يصير يكون شيء في الكون بدون إرادة الله، أرادوا أن يثبتوا الهيمنة الكاملة، لكن لما أثبتوها أثبتوها برضه بطريقة غلط. أنت أثبت الهيمنة الكاملة، لكن أثبتت معها أشياء باطلة، وهو أنه إذا أراد شيئًا لا بد وأن يكون محبًا لوجوده، وهذا غلط، فالله أراد أشياء وإن كان لا يحبها ولا يرضاها، إن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر. الله لا يرضى الكفر وإن كان خلقه وأراده.
قال: «وقالوا أيضًا يأمر بما لا يريده، وكل ما أمر به فالحسنات، فإنه لم يرده ربما»، قالوا: «ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد، ولكن أمر به وطلبه». فقيل لهم: هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضا؟ هذا جمع بين القضيين فتحيروا.
فقيل للأشاعرة والما تريديه: هل يمكن أن الله يطلب منك شيئًا وهو لا يحبه؟ لا يمكن، إذًا إذا الله طلب مني شيئًا فهو يحبه، فكيف تقول إن الله طلب من أبي جهل الإيمان ولكنه لا يحب منه الإيمان؟ ما تركب هكذا.
قال: «فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته»، هؤلاء سلبوا محبته ورضاه وإرادته، والمعتزلة سلبوا الرب القدرة والخلق لبعض الأشياء.
على الأقل، الأشاعرة سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية. ما معنى سلبوا محبته؟ أنه جعلوا المحبة مرتبطة بالإرادة الكونية فقط، مش أنها منفصلة. وأهل السنة والجماعة أثبتوا إمكانية وجود الشيئين؛ إمكانية وجود شيء يريده الله كونًا لكن لا يحبه شرعًا. تمام؟ القدرة على الجمع نفس الشيء في الفاسق الملي؛ أهل السنة والجماعة أثبتوا إمكانية وجود شخص مسلم موحد لكن عنده معاصٍ وكبائر.
فهذه القاعدة العامة التي يؤسسها شيخ الإسلام ابن تيمية: أننا استطعنا أن نجمع بين الشيئين، سواء في مسألة الإيمان والكفر، أو في مسألة القضاء والقدر. استطعنا أن نتخيل وجود فاسق ملي منزلة بين منزلتين، واستطعنا في القضاء والقدر أن نتخيل وجود شيء أراده الله كونًا لكن لم يحبه شرعًا. استطعنا أن نجمع، وهذا أصل الأصول؛ أن تفهم أن الشيء قد يجتمع فيه الأمران، مش القضايا أبيض وأسود.
نعم، قال: «وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه، وإرادته الدينية، وما يصحبها من أمره». وينه من ذلك؛ فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابًا والإمام معاقبًا، فهؤلاء لم يبينوا أن الفعل الواحد يكون مرادًا من وجه دون وجه، مراد غير محبوب، بل إما مراد محبوب وإما غير مراد ولا محبوب. نعم، أما الصحيح أن قد يكون مرادًا كونًا غير محبوب شرعًا، والعكس.
قال: «ولم يجعل الإرادة إلا نوعًا واحدًا». والتحقيق أنه يكون مرادًا غير محبوب ولا مرضي، ويكون مرادًا من وجه دون وجه، ويكون محبوبًا مرضيًا غير مراد الوقوع. والإرادة نوعان: إرادة دينية، وهي المقارنة للأمر والنهي والحب، فالإرادة الدينية هي المقارنة للأمر والنهي، فكل ما أمر الله به فهو إرادة دينية، وكل ما نهى عنه لم يرده دينًا. وهي الحب والبغض المتعلق بالإرادة الدينية، والرضا والغضب المتعلق بالإرادة الدينية؛ لأنها مرتبطة بما أمر به ونهى عنه.
والنوع الثاني من الإرادة، قال: «وإرادة كونية»، وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة. وكما تفرقوا في صفات الخالق، يتفرقوا في صفات المخلوق. فأولئك لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل، وهؤلاء لم يثبتوا إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل. أولئك نفوا القدرة، ونفس الشيء لا مسألة شرحناها في أصول الفقه في درس الاستطاعة.
قال: «وكما تفرقوا في صفات الخالق، كذلك اختلفوا الأشاعرة والمعتزلة في صفات المخلوق». فالمعتزلة أثبتوا أن للمخلوق استطاعة قبلية، فقال: «فهؤلاء لم يثبتوا إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل»، تمامًا وهي مناطق التكليف، الاستطاعة القبلية. وقال: «وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل»، الأشاعرة.
إيش قلنا؟ وهذه أنا بينتها حقيقة بعد بحث وتصفح، هذا مش مذهب كل الأشاعرة. الذين قالوا إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل، هذا قول لبعض الأشاعرة، وإلا في الحقيقة هناك أشاعرة يقولون بقول أهل السنة -وإن كان عندهم مشكلة في الجبر- لكن يقولون بوجود استطاعتين: استطاعة قبلية واستطاعة مع الفعل. لكن قول تيار من الأشاعرة أن القدرة والاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، وأنت قبل الفعل لا تملك أي استطاعة يتوجه التكليف إليها، وكلاهما خاطئ.
المسلم، أهل السنة والجماعة أثبتوا استطاعتين: في استطاعة قبل الفعل، ومعناها وجود الآلات، وهذه التي يوجه إليها التكليف؛ أن الله يقول لك: صَلِّ، حج البيت، صُمْ، لما أمرك بهذا. فتقول: والله هل أنا مستطيع الصيام؟ يعني هل بدني وصحتي والآلات تعينني على هذا الشيء؟ أه والله، فلان بدنه وآلاته تعينه، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. ما هي الاستطاعة المطلوبة هنا؟ الاستطاعة القبلية.
أما الاستطاعة مع الفعل، فما هي؟ هي أن الله يعطيك توفيقًا لتقوم بالفعل، يخلق فيك القدرة التي ستفعل بها هذا الفعل، وهذه تكون مع الفعل، لكن هذه ليست هي مناطق تكليفه. ربنا لما يكلفك ويقول لك فلان مستطيع للقيام في الصلاة، غير مستطيع، عاجز؛ الاستطاعة والعجز الذي بناء عليه تنبني الأحكام هي القبلية. أما المقارنة للفعل، فهذه نعم هي توفيق من الله لك أن يخلق فيك القدرة على فعل هذا الفعل ويوفقك إلى إنجازه. فأهل السنة والجماعة أثبتوا الاستطاعتين.
قال: «أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل، وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التي بها يأمر الله العبد». وهذا من أصول تفرقهم في مسألة التكليف بما لا يطاق. وانقسموا إلى: قدرية مجسية، تثبت أمر الله وتنفى القضاء والقدر، وإلى قدرية مشركة، شر منهم، تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك، وإلى قدرية إبليسية، تصدق بالأمرين ولكن ترى ذلك تناقضًا مخالفًا للحق والحكمة.
وهذا شأن عامة، ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل تجد فريقًا يقولون بهذا ودون هذا، وفريقًا بالعكس، وفريقًا رأوا الأمرين واعتقدوا تناقضهما وصاروا متحيرين أو معرضين عن التصديق بهما جميعًا، أو متناقضين معها. فقوله: «أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل»، من هم؟ هم المعتزلة. شو يعني المعتزلة؟ يعني المعتزلة نفوا القدرة الكونية التي يكون بها الفعل؛ قلنا المعتزلة ماذا أثبتوا يا جماعة؟ الاستطاعة القبلية. أما الاستطاعة مع الفعل فهم نفوه، لأن المعتزلة يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، فنفوا وجود الاستطاعة المقارنة للفعل، وهي التوفيق وخلق قدرة فيك لتفعل الفعل. قالوا: بس الاستطاعة التي ربنا خلقها فيك هي القبلية.
الأشاعرة بعكسهم، فقال: «وهؤلاء نفوا القدرة الدينية». القدرة الدينية هي الاستطاعة القبلية التي يتوجه بها التكليف إليك. طبعًا برجع وأقول، هذا مش قول كل الأشاعرة بل قول طائفة منهم. قال: «وهذا من أصول تفرقهم في مسألة تكليف ما لا يطاق». وهذه كلها درسناها في أصول الفقه؛ ليه؟ لأننا قلنا في أصول الفقه في درس "بلغة الوصول" لما الأشاعرة قالوا إن التكليف مبني على الاستطاعة المقارنة فقط، وأنت مجبر عليها ما لك علاقة فيها، إذا قالوا هذا من باب تكليف ما لا يطاق، إذاً تكليف ما لا يطاق جائز.
مش شايف مرت معنا في درس "بلغة الوصول"؟ قلت لكم، الأشاعرة لما قالوا -طبعًا بعض الأشاعرة- إن الله سبحانه وتعالى كلفنا بناءً على الاستطاعة المقارنة للفعل وليس بناءً على الاستطاعة السابقة؛ طيب الاستطاعة المقارنة أنا لي علاقة فيها؟ ولا هذا شيء ربنا بيجبرني عليه؟ قالوا: هذا شيء ربنا بيجبرك عليه، إذاً صار التكليف هو تكليف بما لا يطاق؛ أن أنت بتكلفني على شيء أنا ليس في يدي.
المعتزلة؛ لأنهم قالوا: لا الاستطاعة تكون إلا قبل الفعل، وبالتالي قالوا لا يجوز التكليف بما لا يطاق، وهذه مسألة كبيرة قلناها في الخلاف بينهم في ذلك.
قال: وسُموا قدرية. بعض الأشاعرة كذلك، لكن هذا الكلام مبني عند الأشاعرة على نفي الأسباب. نحن قلنا إن الاستطاعة قبل الفعل هي الأدوات التي وضعها الله سبحانه وتعالى فيه، وهم أصلاً في الأصول ينفون الأسباب.
هذا ليس عند كل الأشاعرة، فهم أصلاً ينفون الأسباب، لكن زكريا الأنصاري وغيرهم من مشايخهم وحتى الجويني يقولون إن هناك استطاعة قبلية، لكن قصدي أن هذا مخالف لأصلهم. فلما نقول هذا قول الأشاعرة بناءً على أصلهم الذي يعتقدونه، فممكن البعض خالف في هذا، رغم أن التيار كبير فيهم.
لكن أنت تحتاج أن تفهم كيف وجهوا المسألة، هل هي مسألة إثبات الاستطاعة القبلية ضرورة مقترنة بمسألة إثبات الأسباب؟ هم يعتبرون الأسباب أمارات عموماً، وبناءً عليها، لكنها ليست مؤثرة بذاتها، ليس عندهم مشكلة في هذا التخريج وهم متفقون عليه عموماً. لكن هذا في النهاية لا يعني أنهم لا يثبتون استطاعة قبلية، لكن هل الاستطاعة القبلية مؤثرة بذاتها أم هي أمارات فقط؟ هي أمارات، الاستطاعة ليست سبباً. إذا كانت أمارات فهي ليست موجودة أصلاً، وهذا هو إلزامك لهم، لنسمه لازم المذهب.
لكن لكي أكون منصفاً معهم، فالبعض يقول: هم لا يثبتون الاستطاعة القبلية، لكن في كتبهم إثبات للاستطاعة القبلية عند تيار كبير؛ كالرازي والبيضاوي والسبكي، وجمع الجوامع هم الذين ذهبوا إلى نفي الاستطاعة القبلية صراحة، لكن التيار الأكثر يقولون: لا، في استطاعة قبلية.
فلسفة الاستطاعة القبلية نخرجها على أصولهم في نفي الأسباب، وأنها مجرد أمارات يوجد بها عندها الفعل وليس بها، وهذا الكلام الذي تفضلت به.
قال: وانقسموا إلى قدرية مجوسية تثبت الأمر والنهي وتنفي القضاء والقدر، وإلى قدرية مشركة شر منهم تثبت القضاء والقدر وتكذب الأمر والنهي، وإلى قدرية إبليسية تصدق بالأمرين لكن ترى ذلك تناقضاً مخالفاً للحق والحكمة.
هذا شأن عامة، ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل، تجد فريقاً يقولون بهذا ودون هذا، وفريقاً بالعكس، وفريقاً رأوا الأمرين واعتقدوا تناقضهما فصاروا متحيين أو معرضين عن التصديق بهما جميعاً أو متناقضين. هذا تجده في مسائل الكلام، والاعتقادات، ومسائل الردة والعبادات، كمسائل السماع الصوتية ومسألة الكلام ومسائل الصفات وكلام الله وغير ذلك من المسائل.
وجماع القول في ذلك أن كل أمرين تعارضا فلا بد أن يكون أحدهما راجحاً أو يكونان متكافئين، فيحكم بينهما بحسب الرجحان وبحسب التكافؤ. فالعملان والعاملان إذا امتاز كل منهما بصفات فإن ترجح أحدهما فهو الراجح، وإن تكافآ سُويا بينهما في الفضل والدرجة، وكذلك فالعاملان: إما أن يترجح أحدهما وإما أن يتكافأ.
قال: ولا يجوز أن تتكافأ الأدلة في نفس الأمر عند الجمهور. ما معنى "في نفس الأمر"؟ يعني في الواقع؛ فلا يصير قطعي يعارض قطعي في الواقع، بل يكون ظني يعارض ظني في الواقع. الأدلة الشرعية في نفس الأمر في الواقع لا تتعارض، وإنما التعارض دائماً في ظن المجتهد.
قال: وأما كون الشيء الواحد من وجه واحد ثابتاً ومنفياً، فهذا لا يقوله عاقل؛ أكيد من وجه واحد ومن نفس الجهة لا يمكن أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود، أو قائماً وغير قائم من نفس الجهة، لا يمكن.
قال: وأصل هذا كله العدل بالتسوية بين المتماثلين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. وقد بسط القول في ذلك وبيّن أن العدل جماع الدين والحق والخير كله. وفي غير موضع، العدل الحقيقي قد يكون متعذراً إما علمه وإما العمل به، لكن التماثل من كل وجه غير ممكن وغير معلوم، فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل وأقرب إليه، وهي الطريقة المثلى. وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: 152].
وعلى هذا، فالحق الموجود وهو الثابت الذي يقابله المنفي، والحق المقصود وهو المأمور به المحبوب الذي يقابله المنهي عنه المبغوض، ثلاثة أقسام.
قال: "والعدل الحقيقي قد يكون متعذراً إما علمه وإما العمل به". أنا اعتقادي أنها "إما علمه" وليس "عمله". ما رأيكم في النص هكذا؟ "العدل الحقيقي قد يكون متعذراً إما علمه وإما العمل به". ما الفرق؟ قد لا أعلم ما هو العدل الحقيقي، ولو علمته قد يتعذر عليّ أن أعمل به. أن تصل للعدل الحقيقي، ما المشكلة؟ قد يكون متعذراً علمه، قد يتعذر عليّ أن أعلم ما هو العدل الحقيقي في كثير من الصور، وأحياناً قد أعلمه لكن يكون صعباً أن أعمل به.
لاحظ ماذا قال: "لكن التماثل من كل وجه غير ممكن أو غير معلوم". أنا أعتقد لكون التماثل من كل وجه إما أن يكون غير ممكن مع أنني أعلم التماثل، أو غير معلوم. وهذا تنظيل للجملة السابقة. وماذا قال؟ "العدل الحقيقي قد يكون متعذراً علمه وقد يكون متعذراً العمل به"؛ لكون التماثل من كل وجه هو العدل الحقيقي، فإما أن يكون التماثل غير ممكن وإن كنت أنا متصوراً له، فهذا يتعلق بالعمل، أو غير معلوم، وهذا يتعلق بالعلم.
فإذاً قال: لكون التماثل إما غير ممكن أن أفعله وإن كنت أعلمه، أو غير معلوم أنا لا أعلمه أصالة؛ فهذا نوع من اللف والنشر العكسي. فبالتالي، إذا كان العدل الحقيقي إما متعذراً علمه أو العمل به، فما المطلوب مني؟ قال: "فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى". بالتالي، المطلوب منك هو أقرب ما يحقق العدل وإن لم تفعل العدل الحقيقي مئة بالمئة.
سبحانه، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: 152]. لا نكلف نفسا إلا وسعها، أنت حاول أن تصل إلى أقرب صورة إلى العدل في المكيل والميزان، لا نكلف نفسا مش ضروري تكون واصل ١٠٠٪ بالمسطرة، سقف الممكن.
خلينا نقول دائماً، الحق الموجود وهو الثابت الذي يقابله من فيه، والحق المقصود وهو المأمور به المحبوب الذي يقابله المنهي عنه المغضوب، ثلاثة أقسام؛ فإنها في الحق المقصود إما أمر ترجحت مصلحة محبوبه فيه وهذا يؤمر به، وإما أمر ترجحت المفسدة فيه، المفسدة المكروهة فهذا ينهى عنه، وإما أمر استوى فيه هذا وهذا فهذا لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا يترجح فيه الحب ولا يترجح فيه البغض بل يكون عفواً.
وما دون أن كان مثل هذا موجوداً فإن الناس يتنازعون في وجوده؛ فقيل هو موجود، وقيل بل هو يقدر في الفعل لا وجود له، بل لابد من الرجحان كما قيل مثل ذلك في تكافؤ الأدلة. وعلى هذا فالأمر الذي ترجحت فيه المصلحة وأمر به، غلب فيه جانب المحبة مع أن الذي فيه مفسدة مبغض لكنه مراد، فهو مراد بغيض. والأمر الذي ترجحت فيه المصلحة محبوب لكنه مراد الترك، لكنه مراد الترك محبوب.
الآن كل فكرة العدل الحقيقي هو ليش أتى بها؟ يعني ما سياقه ضمن كلامه في التكافؤ والترجيح؟ هو يريد أن يقول لك بناءً على هذا، فالأفعال التي تفعلها في الحياة هي مبنية في العادة على فكرة الخير الخالص ولا الخير الراجح؟ الخير الراجح، وهذا يكفي لتحقيق العادة. لأنه يقول لك إن تصل إلى العدل الحقيقي ١٠٠٪، أن تأتي بخير خالص لا شر فيه من أي شكل، هذا صعب، فنحن نكتفي بوجود الخير الراجح، وهذا يكفينا مع أنه هذا الخير الراجح فيه جانب من الشر مبغض لا يريده الله، لكن لماذا في النهاية طلب الفعل؟ لما فيه من الخير الراجح، وهذا يكفي لتحقيق العدل.
قال: فحاصله أن الإرادة، أن المراد إرادة جازمة هو أحد الأمرين. قال: لكن ملازمته لما هو بغيض وجب أن يراد تركه تبعاً لكراهة لازمه، فإنه بغض اللازم ونفى المنفي الملزوم. فحاصله أن المراد إرادة جازمة هو أحد الأمرين: إما الفعل وإما الترك، والأول هو المأمور به والثاني هو المنهي عنه.
لكن مع هذا فقد يشتمل المفعول على بغيض محتمل، ويشتمل المتروك على حبيب مرفوض. هذا أصل نافع، لكن مع هذا قد يشتمل الشيء المفعول على بغيض محتمل، يعني محتمل نتحمل وجوده، يقول لك في بغيض بس هو محتمل وجوده تحصيلاً للمحبوب الأعلى، والعكس؛ قد تترك أشياء لما فيها من البغيض وإن كان فيها مطلوب لكنه محتمل عدم تحصيله دفعاً للمفسدة الأعلى.
قال: فهذا في الفعل الواحد، وأما المتروك فيشتمل على حبيب، يعني الأشياء التي ربنا نهاك عنها ينهاك عنها وإن كان فيها بعض الأشياء المحبوبة، لكن هو هذا المحبوب مرفوض، الآن ليش مرفوض؟ لأنه المفسدة هي الأرجح في هذا الفعل.
قال: فهذا في الفعل الواحد، وأما الفاعل الواحد. طب نشوف حتى في الفاعلين نفس الفكرة، لأنه قال الفعل والفاعلين، عليك أن تقدم الأرجح في كل حال. قال: وأما الفعل الواحد الذي يعمل حسنة وسيئتين معاً، وهو وإن كان التفريق بينهما ممكناً لكنه يعملهما جميعاً ويتركهما جميعاً، لكون محبته لأحدهما مستلزمة لمحبته للأخرى، وبغضه لأحدهما مستلزماً لبغضه للأخرى، فصار لا يؤمر إلا بالحسن من الفعلين، ولا ينهى إلا عن السيء منهما، وإن لزم ترجيح الحسنة، لا ينبغي أن يأمره في مثل هذا بالحسنة المرجوحة فإنه يكون أمراً بالسيئة، ولا ينهى عن السيئة المرجوحة فيكون عن الحسنة الراجحة، وهكذا المعين يعين على الحسنة الراجحة ويترك المرجوحة.
إذن هذا الكلام كثير قلناه، أنه إذا كان شخص لا يفعل حسنة إلا إذا فعل معها سيئة، ماذا تقول؟ واحد يقول لك أنا ما بعمل هذه الحسنة إلا وأعمل معها سيئة، ماذا تفعل الآن؟ الفاعل في الوضع الطبيعي يمكن أن يفصل بين الأمرين، يمكن يفعل الحسنات ويمكن يترك السيئات، فبالتالي هنا أنت تأمره بالخير وتنهى عن الشر. لكن في بعض الأحيان قد تجد الفاعل لا يفعل حسنة إلا وفعل معها سيئة، فهل تأمره ولا تنهاه؟ بدي أعمل موازنة: إذا كان أمري بالحسنة يحصل مصلحة أعلى من مفسدة السيئة التي سيفعلها، فأمر بالحسنة وأبغض الطرف عن السيئة، والعكس، إذا كان أمري بالحسنة يؤدي إلى مصلحة مرجوحة لكن مفسدة النهي أعلى، فلا أنهى به ولو أدى إلى تفويت الحسنة.
فهو ميزان كثير ما تكلم عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، مهم في السياسة الشرعية، مهم في علاقة الدول والمنظمات والأشخاص والجماعات؛ أنه متى يأمر ومتى ينهى، واعرف فلسفة ذلك.
قال: وهذا أصل عظيم تدخل فيه أمور عظيمة مثل الطاعة إلى الجور وترك الخروج. ما حكينا السياسة الشرعية ولا جاب لك إياها، لكنه قال هذا أصل عظيم وتدخل فيه الطاعة مثلاً؛ الطاعة لولاة الأمر إذا كانوا يفعلون حسنات وسيئات، فالقاعدة العامة ما هي؟ تجد دائماً عند السلف ما هي؟ ترك الخروج عليهم وإن كانوا يفعلون المنكرات، ليه؟ لأن المفاسد المترتبة على الخروج أعلى من المصالح المتوقع حصولها من الخروج، المفاسد المتوقعة من الخروج من الدماء والسجون وما شابه ذلك أعلى من المصالح المرجوة.
الإمام الغزالي رحمه الله عليه في «الغياثي» أكد هذه القاعدة، فبين أنه حتى لو كان الحاكم يستحق العزل، قال يجب أن ينظر ما الناس مدفوعون إليه، فإذا كانت الحالة التي سيدفع إليها من الخروج تؤدي إلى سفك الدماء وهتك الأعراض والسجون والدنيا، فهي أعلى من المصلحة المرجوة، وهنا يأتي دور العالم فيقول لهم لا ما تطلعوا، لأنك بتتكلم عن مفاسد أعلى وإن كان هذا الحاكم فيه أشياء تستحق القلق. وأما إذا الناس مدفوعون إليه، فيقول لك لا ما في شيء أسوأ من هيك، يعني نحن واصلين لأسوأ حالة، فما نتوقع لو خرجنا يكون أسوأ من الحالة التي نحن فيها، ساعتها بنقول هذا موضوع آخر يدرس في مكانه وضمن فتاواه.
فهذا يقول هذه مسألة الحسنة الراجحة والحسنة المرجوحة، والموازنة بينها وبين السيئة الراجحة والسيئة المرجوحة، هذا علم إخواني، هذا مش واحد على السوشيال ميديا بيحكي فيه، مش واحد سنة أولى جامعة بيحكي فيه، مش مثقف أو صحفي أو إنسان لا يقرأ كتب العلم وليس متمرساً يتكلم فيه، هذا إذا ما كان عالماً راسخاً.
بقدر حاله ما يتكلمش ولا يورطش الناس، لأن أكثر ما ورط الناس اليوم للأسف، أكثر ما ورط الناس اليوم بيطلع لك صحفي أو مبرمج في شركة بيعمل لك ثورة على السوشال ميديا، بتلاقي الناس دبت معه، بتلاقي الدنيا راحت، بتلاقي الشباب في السجون. طيب شو هذا؟ هو هكذا تبنى الأمم والحضارات وهكذا تسير الشعوب الواعية؟
الطائفة، المجتمع الذي أفعلها على حسنات وسيئات، بمنزلة الفاعل في ذلك، وبما ذكرناه في الفعل الواحد والفاعل الواحد أمور كثيرة. أما الحق الموجود؛ إما أن يكون الشيء في نفسه ثابتاً منتفياً، لكن كثيراً ما تحصل مقابله من إثبات عامل ونفي، ويكون الحق في التفصيل هو ثبوت بعض ذلك العام وانتفاء بعضه، وهذا هو الغالب على المسائل الكبار التي تنازع فيها أحزاب الكلام والفسحة.
والدليل إما أن يكون دليلاً معلوماً، فهذا لا يكون إلا حقاً، لكن كثيراً ما يظن الإنسان عن شيء معلوم ولا يكون معلوماً، وحينئذ إذا ظن ظان تعارض الأدلة المعلومة كان غالطاً في تعارضها، بل يكون أحد الأمرين لازماً، إما كلها وإما بعضها غير معلوم.
وحينئذ إذا ظن ظان تعارض الأدلة المعلومة كان غالطاً في تعارضها، لأن الأدلة المعلومة اليقينية لا تتعارض في ذاتها، بل يكون أحد الأمرين لازماً غير معلوم، يعني لا بد أن يكون في الاثنين، أنت متصورهم معلومات وفي نفس الوقت متعارضات، وهذا لا يمكن. طيب، شو الخطأ الذي يصير؟ الخطأ أنه في واحد معلوم يقيني وفي واحد غير معلوم.
أما إن كان معلوم كله، أو على الأقل بعضه، قال: وأما إن موجب الدليل يحق التعارض وإن ظن الظن، إذاً الآن شيئين يتعارضان وأنت تعد أنه هذا معلوم وهذا معلوم، احتمال إما أنه في أحد الدليلين أنت مفكره معلوم وهو ليس كذلك، أو أنه كلاهما معلوم لكنك لست متفكرها متعارضة. في الواقع هناك عارضين يصلان لنتيجة صحيحة، بس أنت شايف النتيجة متعارضة وهي إمكانك أن تجمع بينهما.
قال: الحق الموجود لا ينافي الحق، فالحق إذا كان حقاً موجوداً مش ممكن يتعارض، 100% يمكن الجمع بينه، بس إيش المشكلة في دماغك؟ إذا كان حقاً موجوداً مش ممكن يتعارض، بس تفهم كيف تجمع بينهما. قال: بخلاف الحق المقصود، فإنه قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة، لكن لا يوجد ضدان.
وإن كان الدليل مغلباً للظن، الآن بتلاحظوا استعمل قبل قليل كلمة "الحق الموجود" و"الحق المقصود"، صح؟ شو الفرق بين الحق الموجود والحق المقصود حتى استعملها قبل شوي؟ لأنه هو استطرد في الحق المقصود وبعدين الآن رجع للحق الموجود، أظن هي رح تخدمه الآن في موضوع تعارض حديث «إن الله جميل» مع حديث «إن الله ينظر إلى صوركم».
الآن شو الفرق بين الحق الموجود والحق المقصود؟ الحق المقصود أن يكون هو أمر مطلوب، أو هو أمر لم يحصل بعد، أما الحق الموجود فهو أمر ثابت مستقر، الحق الموجود هي الحقائق الثابتة في الخارج ما لها دخل فيك، أما الحق المقصود فهو الشيء الذي أنت بدك تعمله الذي أنت تقصده لتعمله.
في الحق المقصود، قد أقول للشخص: افعل هذا الفعل لأن فيه حسنات راجحة، وإن كنت أعلم أن فيه جانباً من السيئات، بس في النهاية بدي أغض الطرف عنها تحصيلاً للمصلحة الراجحة. أما بالنسبة للحق الموجود، لا يختلف الموضوع، لا يمكن أن يتعارضا.
لذلك أعد الفقرة، ماذا قال؟ قال: فالحق الموجود لا ينافي الحق الموجود، بل يكون كل منهما موجوداً، بل يكون كل منهما موجوداً 100%؛ إذا كان هذا حقاً وموجوداً في الخارج وهذا حق موجود، مش ممكن يتعارضا، لا بد وأن يكون كلاهما موجوداً بصورة لا تعارض بينها، وإن كنت أنت كفقيه أو كمجتهد أو كطالب علم تتخيل في ذهنك تعارضهما.
قال: بخلاف الحق المقصود، فإنه قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة، لكن لا يوجد الضدان. يعني يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة، هناك أمران مقصودان شرعاً، مطلوبان، كلما هذا مستحب أو واجب، ولكن لا يمكن أن يجتمعا، إما أن تفعل هذا أو هذا، فيكون كلهما مطلوباً ولكن لا يمكن أن تفعلهما.
يعني لا يمكن أن أفعل إلا واحداً منهما، إما أن أصلي الآن مثلاً قضاء صلاة، أو أن أصلي قيام ليل، فكلاهما مقصود شرعاً، ولكن كل واحد فيه من المصالح، وليس موجوداً في الآخر، ولا يمكن اجتماع كليهما في نفس المحل مباشرة. هل هذا هو المقصود هنا؟
قال: بل يكون كل منهما موجوداً بخلاف الحق المقصود، فإنه قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة، بس أنت حملتها على اختلاف الأوقات، لا، هو في نفس الوقت، لا يمكن أن يكون كذلك، هو يقول قد يقصد الضدان، يعني مثل مثال هنا: إما أن أقول لك أمر بهذا وأمر بهذا، أمر مثلاً بقضاء الصلوات وأمر بالنفل فرضا، هذان ضدان لا يجتمعان في نفس الوقت، في حالة معينة لا يجتمعان، فعل أحدهما هو ضد للآخر، لا يمكن أن تفعلهما معاً.
لا بد أن يُحمل هنا الكلام، قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة لكن لا يوجد الضدان، لأنه الآن هو يتكلم عن الحق الموجود والحق المقصود، بالنسبة للحقائق الموجودة، الحق الموجود لا يجتمع ضدان، أما في الحق الموجود والحق المقصود...
الحق الموجود لا يمكن أن يجتمع ضدان. أنت متوهم أن هما ضدان، هما مش ضدان، لكن الحق المقصود يتصور اجتماع الضدين، ركز في الحق المقصود، يعني في الأفعال التي تريد أن تفعلها قد يتصور اجتماع الضدين لما فيهما من المصالح المقصودة.
أنا أشعر أنه يريد معنى آخر غير هذا المعنى الذي يتطرق إليه. أنت الآن عندما يكون عندك حقيقة موجودة تتكلم عنها الشريعة، وحقيقة موجودة تتكلم عنها الشريعة، لا يمكن لهذه الحقائق الموجودة أن تتعارض. مثلا: أن الله جميل يحب الجمال، والله ينظر إلى صوركم وأعمالكم؛ هل هذا حق موجود؟ وهذا حق موجود، هل هما متعارضان؟ هو لا يتكلم عن فعل تريد أن تفعله، بل يتكلم عن أشياء كحقائق، الله جميل ويحب الجمال، وهذه حقيقة موجودة، والله ينظر إلى صوركم وأجسادكم، وهذا حق موجود، هل هما متعارضان؟ لا.
الجماعة الثانية رأونا متعارضين، فهو يقول لهم يا جماعة الخير، هناك حديث وصحيح وحديث غلط، وهذا ليس وارداً معنا هنا؛ بل هناك حديثان صحيحان، إما أن هذه حقيقة وهذه حقيقة وكلاهما موجودة ولكن أنت لا تعرف كيف تجمع بينهما، هذا ما يريد أن يوصلك إليه، فيقول لك: الحقائق الموجودة لا يمكن أن تتعارض، لو كانت هناك مشكلة عندك فأنت إما إذا كانت حقاً وحقاً لا يمكن أن يتعارضا.
أما بالنسبة للحق المقصود، فيقول: قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة. ما زلت أعتقد أن الكلام يحتاج إلى تحليل أكثر في قوله "قد يقصد"، بل يكون بخلاف الحق المقصود فإنه قد يقصد الضدان على بُعديها بناءً على فهم الفكرة. ممكن بعدها يأتي جمع بين الحديثين حتى لا نقرأ، نأخذ أصل الفكرة، لكن أصل الفكرة أنا لم أقتنع بالمثال نفسه أنه هذا هو المقصود بالضدين هنا.
لا يمكن اجتماعهما، يمكن ارتفاعهما، مثلما ذكرت؛ فأنت مثلاً قد يكون هناك عبادتان في نفس الوقت، أنت لا تستطيع الجمع بينهما، هذا مقصود وهذا مقصود، وهذا فيه خير وهذا فيه خير، لكن لن تستطيع أن تجمع بينهما، قال لك: لما فيه من المصالح المقصودة. لكن ما هما الضدان؟ أنت لماذا متصور أن هذا خير وهذا خير فهما ضدان في استيعابهما في نفس الوقت؟
خلونا نفكر فيها، أريد أن أفكر فيها بعمق؛ الحق المقصود كان يؤصله قبل قليل بطريقة أنه فعل الأفضل الأشياء وإن كان فيها مفاسد، أو ترك شر الأشياء وإن كان فيها مصالح. كان يتكلم بهذا المنظور، وليس بمنظور أن هاتين عبادتين، هذه طاعة وهذه طاعة ولكن أنا لا أستطيع الإتيان بهما في نفس الوقت. لا يمكن، لكن لا يوجد ضدان بالنسبة للحق الموجود، هو الآن يقول لك بالنسبة للحق المقصود قد يقصد الضدان، بس بالنسبة للحق الموجود لا يوجد الضدان.
فهذه رجوع للحق الموجود هنا؛ الحق المقصود يقول قد يقصد الضد، لكن بالنسبة للحق الموجود لا يوجد الضدان، فهو يريد أن يقول لك فرق بين الحق الموجود والحق المقصود. الحق الموجود هو الحقائق التي في الخارج، فبالنسبة للحق الموجود الحقائق في الخارج لا يجتمع فيها ضدان، مش ممكن يكون الشيء جاء وزيد وما جاء زيد في نفس الوقت.
أما بالنسبة للأشياء التي قلت لك عنها بالنسبة للحق المقصود، قوله: "قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح والمفاسد أو من المصالح المقصودة". هنا في اعتقادي، وسامحوني على هذه الفكرة التي ذكرتها، أنه قد يقصد الضدان أن تفعل شيئاً فيه أمر ونهي، ولكن لماذا أقصد أنهما ضدان؟ لأنهما ضدان لأن جانب الأمر غلب جانب النهي، فيصور لك الشخص الذي لا يفعل حسنة إلا إذا فعل معها سيئة، فيقول له: اذهب وافعلهما، وهذا مقصود لدي لما سيترتب من المصالح الأعلى المطلوبة في هذا المكان.
فتصورنا اجتماع الضدين، افعله لماذا؟ لأجل المصالح الأعلى، كذلك إذا كان الشيء مأموراً منهياً عنه لكن نهيه أكثر، سيحدث الضدان، ما هو؟ ترك الطاعة وترك المعصية، هذان ضدان؛ أن أترك الطاعة وأترك المعصية. لماذا أصبح مطلوباً؟ لما في المفسدة الغالبة مما يطلب ترك الأمرين، وإن كان ترك الطاعة يصبح هنا ترك الطاعة وترك المعصية مقصوداً في نفس الوقت.
فأنا أقصد فعل الطاعة وأقصد ترك المعصية، لكن لأنهما ضدان لا يمكن أن يجتمعا في نفس الوقت، فهنا يصير ارتكاب الخلاف. الحق المقصود: إما أمر ترجحت المصلحة المحبوبة فيه فيؤمر به، وإما أمر ترجحت فيه المفسدة فينهى عنه وإن كان فيه مصلحة، وذاك الأول يؤمر به وإن كان فيه أشياء منهية عنه.
إذن نفس الحق المقصود قد يكون شيئاً مثل عبادة أو ترك معصية، لكن كيف يقصد الضدان؟ تقصد فعل الطاعة وتقصد ترك المعصية، كلاهما مقصودان، فما هما الضدان المقصودان هنا؟ هل هما المصلحة والمفسدة، أم الفعلان اللذان يتضمن كل واحد منهما مصلحة ومفسدة؟ هذا هو نقاشي، لأنه يحاول أن يعطيك الفرق بين الحق الموجود والحق المقصود؛ يقول لك في الحق الموجود لا يجتمع ضدان، أما في الحق المقصود يمكن أن يجتمع ضدان. أنتم متصورون الضدين؟ هو أصل الأمر والنهي، كأنه فعلان؛ فعل مأمور أو منهي عنه، وفعل مأمور أو منهي عنه، كأنهما فعلان منفصلان.
هذا ليس قسط الخضر، ممكن يكون في مثال قريب. هذا الكلام زي مثلاً خلق السفينة؛ هو في الأصل منهي عنه لكن الاجتماع لمصلحة، هذا اللي نتكلم فيه. هو يتكلم في قضية تقريب المصلحة مع وجود شيء من المفسدة.
حتى لا يطول الأمر في هذا، خلينا نكمل إذا ظهر شيء نتكلم فيه. قال: «وإن كان الدليل مغلباً للظن اعتد به، وإذا تعارضت هذه الأدلة رجح راجحها وسوي بين متكافئيها». إذا تقرر ذلك فنقول: قول النبي ﷺ -وبعد كل هذا رجع للحديث لأنك ما قلت لكم هي هذان الحديثان المتعارضان من قبيل الحق- «إن الله جميل يحب الجمال»، مع حديث «إن الله لا ينظر إلى صوركم».
قال: إذا تقرر ذلك فنقول: قول النبي ﷺ «إن الله جميل يحب الجمال» كقوله للذي علمه الدعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. وإن الله نظيف يحب النظافة، فسبحانه، إذا كان يحب العفو لم يوجب هذا يكون في بعض أنواع العفو من المعارض الراجح ما يعارض ما فيه من محبة العفو، ولولا ذلك لكان ينبغي أن يعفو عن كل محرم، فلا يعاقب مشركاً ولا فاجراً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا خلاف الواقع.
ولوجب أن يستحب لنا العفو عن كل فاجر وكافر، فلا نعاقب أحداً على شيء، وهذا خلاف ما أمرنا به وخلاف ما هو صالح لنا ونافع في الدنيا والآخرة. وكذلك محبته للمتطهرين ومحبته للنظافة لا تمنع حصول المعارض الراجح؛ مثل أن يكون الماء محتاجاً إليه للعطش، فمحبته لسقي العطشان رجحه على محبته للطهارة والنظافة. وكذلك سائر ما يتزاحم من الواجبات والمستحبات، فإنها جميعها محبوبة لله، وعند التزاحم يقدم أحبها إلى الله والتقرب إليه بالفرائض أحب إليه من التقرب إليه بالنوافل، وبعض الواجبات والمستحبات أحب إليه من بعض.
وكذلك إذا تعارض المأمور والمحظور، فقد تعارض حبيبه وبغيضه، فيقدم أعظمهما في ذلك؛ فإن كانت محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قدم، وإن كان بغضه لهذا أعظم من حبه لهذا قدم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين وشر الشرين، ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين.
الله سبحانه يحب صفات الكمال مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». وفي الصحيح عنه أنه قال: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». وفي الصحيح أيضاً عنه قال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». وفي السنن حديث ثابت عنه: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
ومع هذا فقد قال تعالى في حد الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2], وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]. وهذا في الحقيقة من رحمة الله بعباده، فإن الله إنما أرسل محمداً رحمة للعالمين، وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها. لكن قد تكون الرحمة المطلوبة لا تحصل إلا بنوع من المشقة تلحق بعض النفوس، كما ورد في الأثر: «كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟».
وكذلك كون الفعل عفواً وصفاً يقتضي محبة الله لهذا، إذا عارضه ما هو أحب إلى الله منه أو اشتمل على بغض الله له أعظم من محبته لذلك العفو، يقدم الراجح. فكون شيء جميلاً يقتضي محبة ورحمة الله له، وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه، إذ كل موجود فلا بد فيه من وجه الحكمة التي خلق الله لها، ومن ذلك وجه يكون حسناً محبوباً وإن كان من وجه آخر يكون مستلزماً شيئاً يحبه الله ويرضاه أعظم مما فيه من البغض.
فهذا موجود فينا، وقد يفعل الشخص الفعل كشرب الدواء الكريه الذي بغضه له أعظم من حبه له، ولهذا لما تضمن ما هو محبته له أعظم بغضه الدواء أراده وشاه وفعله، فأراد بالإرادة الجازمة المقارنة للقدرة فعلاً فيه مما يبغضه أكثر ما يحبه؛ لكونه مستلزماً لدفع ما هو إليه أبغض ولحصول ما محبته له أعظم من بغضه، لأن بغضه للمرض ومحبته للعافية أعظم من بغضه للدواء.
فالأعيان التي نبغضها كالشياطين والكافرين، وكذلك الأفعال التي نبغضها من الكفر في سوق الأسانيد، خلقها وأراد وجودها لما تستلزمه من الحكمة التي يحبها، ولما في وجودها من دفع ما هو إليه أبغض، فهي مراده له وهي مبغضة له ومسخوطة كما بينا هذا في غير هذا الموضع.
وأما الجمال الخاص، فهو سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال، والجمال الذي للخلق من العلم والإيمان والتقوى هو أعظم من الجمال الذي للخلق وهو صورته الظاهرة، وكذلك الجميل من اللباس الظاهر، فلباس التقوى أعظم وأكمل، وهو يحب الجمال الذي لباس التقوى أعظم مما يحب الجمال الذي للباس الرياش. ويحب الجمال الذي للخلق أعظم مما يحب الجمال الذي للخلق كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».
فإذا ثبت مثلاً أن البذل من الإيمان، هذا لا يتنافى مع كونه يحب الجمال العام؛ فالله يحب الجمال العام جمال الظاهر ويحب أكثر جمال الباطن. فإذا أنت بعض الناس يبين الاعتناء بجمال الباطن وينسى الجمال الظاهر ويظن أنهما متعارضان، لا، فهو يقول لك هي مراتب في الحب، يعني ما تستحضر لي الآيات والأحاديث التي تتكلم عن جمال الباطن، وهذه لا تتعارض مع الأحاديث والآيات التي تتكلم عن جمال الظاهر، فتلك أحاديث لها مواطنها وهذه أحاديث لها مواطنها.
ونحن نعلم أن «إن الله لينظر إلى صوركم وأعمالكم»، لا ينفي هذا أن الله لا يحب الجمال الظاهر، لكنه ينفي أن يكون هذا هو الأحب، ينفي أن يكون الجمال الظاهر هو الأحب إليه من جمال الباطن، لا بل جمال الباطن بالتأكيد أحب إليه. هذا مراد ذلك الحديث «إن الله لا ينظر إلى صوركم»، لكن لا يتعارض مع حديث أن الله يحب الجمال الظاهر، والاستدلال به على الجمال الظاهر لأن ذاك مقام في الجمال وهناك مقام أخص منه.
قال: كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». وفي صحيح مسلم عن نواس بن سمعان قال: سأل الرسول عن البر والإثم، فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». فسئل عنه أنه قال: «أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن»، وروي عنه أنه قال: «سلامة يوم سلمت فيه بخير».
الدنيا والآخرة، ومن المعلوم أن أحب خلقه إليه المؤمنون، فإذا كان أكملهم إيمانًا أحسنهم خلقًا، كان أعظمهم محبة له. الحسن هو الخلق والدين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، قال ابن عباس: «على دين عظيم»، وأحمد وابن حنبل وغيرهما.
وكما قد بيناه في غير هذا الموضع، قاله سبحانه يبغض الفواحش ولا يحبها ولا يأمر بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]. فإذا كان الجمال متضمنًا لعدم ما هو أحب إليه، أو لوجود ما هو أبغض له، لازم من ذلك فوات ما في الجمال المحبوب.
فإذا كان في جمال الثياب بطر وفخر وخيلاء، وهو سبحانه لا يحب كل مختال فخور، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، بل هو يبغض البطر، البطر الفخور المختال والمسرف، وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 31]. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء وبطرًا فإنه يبغضه فلا ينظر إليه».
وإن كان فيه جمال، فإن ذلك غرق في جانب ما يبغضه الله من الخيلاء. ولأن الخصم استدل بماذا؟ استدل بالنصوص أن الله يكره الخيلاء، على أن الله لا يهتم بالجمال أو لا يريد الجمال الظاهر، أقول لك: لا، النصوص التي ذمت الخيلاء لا تعني أن الله لا يحب الجمال الظاهر، لكن إذا أصبح الجمال الظاهر وسيلة إلى الإسراف أو وسيلة للخيلاء يصبح غير محبوب في هذه الصورة، فلا تأتِ بحالة استثنائية تضرب بها الأصل العام وهي محبة الجمال الظاهر عمومًا.
قال: وكذلك حرير فيه من السلف والفخر والخيلاء ما يبغضه الله. ومن نافع التقوى التي هي محبوب الله، كما ثبت في الصحيحين عنه أنه نزع فروع الحرير، وقال: ينبغي هذا للمتقين. وكذلك سائر ما حرمه الله وكرهه مما فيه جمال، فإن ذلك لاجتماعه على مكروه أعظم مما فيه من محبوب. يعني هو باختصار أن ذلك في اجتماعه على مكروه أعظم مما فيه من المحبوب، أي شيء حرمه الله من الثياب الجميلة فذلك لاشتمال هذا الثوب الجميل على مكروه أعظم مما فيه من المحبوب، ولتفويته ما هو أحب إلى الله منه.
وكذلك الصورة الجميلة من الرجال والنساء، فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئًا، من يكون فاجرًا أو كافرًا معلنًا أو منافقًا، كان البغض أو المقت لخلقه ودينه مستعانًا به على بغض الجمال، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 204]، فهؤلاء إنما أعجبه صورهم الظاهرة للبصر وأقوالهم الظاهرة للسمع، فما فيه من الأمر المعجب، لكن لما كانت حقائق أخلاقهم التي هي أملك بهم مشتملة على ما هو أبغض الأشياء وأمقتها إليه، لم ينفعهم حسن الصورة والكلام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وكذلك مروءة الصبي إذا كان فاجرًا، فإن ذلك يفوت حسن الخلق والتقوى التي هي أحب إلى الله من ذلك، ويوجب بغض الله الفحشاء ولصاحبها، وسوء الخلق من وقته وغضبه عليه ما هو أعظم بكثير مما فيه من الجمال المقتدر للمحبة.
وكذلك القوة، إن كانت من صفات الكمال التي تحبها الله، فإذا كانت الإعانة على الكفر والفجور الذي أبغضه الله ومقته عليه، وتفويته لما يحبه من الإيمان وعمل الصالح، أعظم بكثير من مجرد ما في قوته من أمر المحبوب، ترجح جانب البغض بقدر ذلك. فإذا كانت هذه القوة تستعمل للإعانة على الكفر والفجور تصبح هذه القوة غير محبوبة عند الله من هذا الجانب.
أما إذا كانت القوة في الإيمان، فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». ومن المعلوم أن الله يحب الحسنات وأهلها، ويبغض السيئات وأهلها، ويحب كل ما أمر به، أمر إيجاب أو أمر استحباب، وكل ما حمده وأثنى عليه من الصفات مثل العلم والإيمان والصدق والعدل والتقوى والإحسان وغير ذلك. ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، والذين يقاتلون في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص، ويبغض الكفر وأنواعه والفواحش والبغي، وكل ما حرمه يبغضه.
فإذا كان مع الجمال أو غيره مما فيه وجه محبة ما هو بغيض من الفواحش والكذب والظن وغير ذلك، كما ذكر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، من ذلك يفوت ما هو أحب إلى الله من الجمال بكثير، ويوجب من مقت الله وبغضه ما هو أعظم بكثير مما لمجرد جمال المحبوب، ويوجب النهي عما يوجب هذه السيئة الكثيرة، ويفوت الجمال الأفضل وهو كمال الخلق وحسنه، وما في ذلك من المبغضات وترك المحبوبات راجحًا على الحب الذي للجمال.
وعلى هذا يجري الأمر على محبة الإنسان إلى الشيء الجميل من نصوع الصورة والنظر إليه، ما يدخل في ذلك من قوة الحب وزيادته التي تسمى العشق، فإن ذلك إذا خلا عن المقت الراجح، مثل أن يحب الإنسان امرأته وجاريته حبًا معتدلًا، أو يحب ما لا فتنة فيه من الجميل من الدواب والثياب، ويحب ولده وأباه وأمه ونحو ذلك مما من محبة الرحم كنوع من الجمال، فالحب المعتدل هذا حسن.
أما إذا أحب النساء الأجانب أو المردان ونحو ذلك، فهذا الحب متضمن للمحبة الحيوانية، وليس في ذلك مجرد حب محبة الجمال، والمحبة الحيوانية مما يبغضه الله ويمقته وتوابعها منهي عنها، سواء كان مع المحبة فعل الفحشة الكبرى أو كان التمتع بالنظر والسماع وغير ذلك، فالتمتع مقدمات الوطء؛ فإن كان الوطء حلالًا حلت مقدماته، وإن كان الوطء حرامًا حرمت مقدماته، ولو كان في هذه المقدمات رفض للجمال، فارفض هذا الجمال لأنه سيقودك إلى الفاحشة، فإنه مما يبغضه الله ويمقت عليه أعظم مما في مجرد الجمال من حب متضمن، وذلك المتضمن لتوفيق محب الله من التقوى والعفاف والإقبال من ناحية الدنيا.
والدين أعظم بكثير، ما فيها مجرد حب الجمال؛ فلهذا كانت هذه مذمومة منهياً عنها، حتى حرم الشارع النظر في ذلك بلذة وشهوة، وبغير لذة وشهوة فإذا خاف الناظر الفتنة والفتنة مخوفة في النظر إلى الأجنبية الحسنة، والآمر الحسن في أحد قولي العلماء الذي يصححه كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وهذا قد يختلف باختلاف العادات والطبائع.
وأما النظر لحاجة من غير شهوة ولا لذة فيجوز، ولهذا لم يؤمر الله ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان بعشق الصور الجميلة، ولا أثنى على ما كان كذلك. هذا الكلام، أنتم فاهمين ما فائدته؟ فهمت عليّ أنه ابن تيمية يقول أحد الأقوال، وهذا كلام طبعاً لا يقال للعامة، لكن هذا أحد الأقوال الفقهية التي يجب عليكم كطلاب علم متقدمين أن تفهموا أن أحد أقوال العلماء في النظر إلى المرأة الأجنبية هو أنه يحرم النظر إليها إذا خاف الفتنة، وأما إذا أمن الفتنة، لذلك قال: «وأما النظر للحاجة من غير شهوة ولا لذة فيجوز»؛ يعني قال إذا كانت هناك حاجة وما في شهوة ولا لذة فيجوز.
والحاجة مفهوم عام، أحياناً كثير من الشباب يسأل في الجامعات وفي التعامل العام، الوسط يجوز، لكن أنت الناس ما تعطيهم هذا الكلام على إطلاقه حتى لا يتم توظيفه بالشكل الذي يلبي فيه رغباتهم. قال: «ولهذا لم يؤمر الله ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان بعشق الصور الجميلة، ولا أثنى على ما كان كذلك»، وكذلك عقلاء من جميع الأمم، ولكن طائفة من المتفلسفة والمتصوفة تأمر بذلك وتثني عليه؛ لما زعموا أنه فيه إصلاح للنفس ورياضتها وتهذيب للأخلاق واكتساب الصفات المحمودة من السماحة والشجاعة والعلم والفصاحة والختيال ونحو ذلك من الأمور.
حتى إن طائفة من فلاسفة الروم والفرس ومن تبعهم من العرب تأمر به، وكذلك طائفة من المتصوفة، حتى يقول أحدهم: ينبغي للمريد أن يتخذ له صورة يجتمع قلبه عليها ثم ينتقل منها إلى الله، ربما والعياذ بالله! يعني لازم تطلع على امرأة أجنبية أو امرأة حتى يجتمع قلبك عليها بعد أن تنتقل بها إلى الله والعياذ بالله. قال ربما قالوا إنهم يشهدون الله في تلك الصورة، ويقولون هذه مظاهر الجمال، ويؤولون قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» على غير تأويله.
فهؤلاء وأمثالهم ممن يدخل في ذلك يزعمون أن طريقهم موافق لطريق العقل والدين والخلق، وإن درج في ذلك من أمر الفاحشة من درج، وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28]. انظر كيف الإسقاط على الواقع عند ابن تيمية؛ استحضار القرآن أنه معقول في واحد يحكي عن الفاحشة ويقول الله أمرنا بها فعلاً؟ وصلت وفي ناس تنتسب للإسلام! الواحد لما يقرأ الآية كثيراً يقول لك معقول في واحد يفعله ويقول الله أمرنا بها؟
هي المثال الصوفي، بعض الصوفية -حتى أكون منصفاً- الذين يعشقون الصور الجميلة صور النساء الأجانب والمردان ويتخذون ذلك وسيلة إلى الوصول إلى الله؛ هذا هم، يعني يقولون الله أمرنا بهذا العشق، الله أمرنا بالنظر لهذه الصور، ما دمت اتخذتها عبادة إذاً أنت تراها طريقاً من طرق التدين إلى الله، إذاً الله يرضى عن هذا الطريق في التدين، هذا معنى "الله أمرنا بها"، أي أن الله يرضى ديانة بهذا.
قال: «لكن العرب الذين كانوا سبب نزول هذه الآية، كانت فاحشتهم التي قالوا فيها ما قالوا، طوافهم بالبيت عراة، لأن ثيابهم التي عصوا الله فيها لا تصلح أن يعبد الله فيها»، فهذا أصل نزول الآية؛ الطواف بالبيت عراة، وهذه فاحشة. قال: فكانوا ينزهون عبادة الله عن ملامسة ثيابهم، فيقعون في الفاحشة التي هي كشف عوراتهم. وأما هؤلاء فأمرهم أجل وأعظم، إذ غاية ما كان أولئك يفعلون، طواف رجال عراة، أما أنتم وصلتم إلى عشق النسوان والمردان؛ هؤلاء بعض الصوفية الذين وصلوا إلى عشق النسوان والمردان أسوأ من كفار قريش، كفار قريش كانت مشكلتهم فقط في الطواف عراة، أما أنتم وصلتم إلى أنكم تتعبدون بالعشق المحرم.
قال: حتى كانت مرة منهم تقول: اليوم يبدو بعضه كله وما بده، فلا أحله، ولم يكن ذلك الاختلاط والاجتماع إلا في عبادة ظاهرة لا يتأتى فيها فعل الفاحشة الكبرى، ولم يقصد بالتعري التنزه من لباس الذنوب بزعمهم، فالذين يجتمعون من الرجال والنساء والمردان، يسمعون مع البكاء والتزييف للمصابيح حتى لا يرى أحدهم الآخر، حتى اجتمعوا على غناء وزنا وطعم خبيثة وجعلوا ذلك عبادة، فلم شر من أولئك؟ فإن هؤلاء فتحوا أبواب جهنم.
كما روى أبو هريرة قال: سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أكثر ما يدخل الناس النار؟» قال: «الأفواه والفروج»، وقال الترمذي: حسن صحيح. وكذلك روي عنه أنه قال: «أخف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن». وفي الصحيح عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: «حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة بالمكاره»، وفي رواية مسلم: «حُجبت»، وإذا كانت النار محجوبة ومحفوفة بالشهوات لم يدخل النار إلا بها، وإذا كانت الجنة محجوبة ومحفوفة بالمكاره لم يدخل الجنة إلا بها.
وفي صحيح البخاري عن سد بن سعد أنه قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». وما بين اللحيين يتناول الكلام والطعام، كما ثبت في الصحيح عن حديث أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي أن الرسول قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، فبين صلى الله عليه وسلم أنه من ضمن له هذين ضمن له الجنة، وهذا يقتضي أن من هذين يدخل النار.
ولهذا حرم الله فواحش ما ظاهر منهما البطن، وحرم أيضاً انتهاك الأعراض وجعل في قذف الفاحشة من العقوبة المقدرة حد القاذف ثمانين جلدة، وبين صلى الله عليه وسلم أن الزنا من الكبائر، وأن قذف المحصنات الغافلات من الكبائر، قال: وهو نوع من الكبائر إذا لم يأتِ عليه قاذف بأربعة شهداء، وإن كان قد وقع فإنه أظهر ما يحب الله إخفاءه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].
وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من مجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا»، بات يستر ربه ويصبح يكشف ستره. وقال: «ومن ابتلي من هذه القذورة بشيء فليستر ما ستر الله عليه»، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم.
عليه كتاب الله. وفي الصحيحين عن صفوان بن حرز أن رجلاً سأل ابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: «يدنو منه كذا وكذا»، نعم، يقول: عملت كذا وكذا، فيقول: «نعم»، فيقرره، ثم يقول: «عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم».
هو يقول لك بالعكس، وقد استدل بها على شكل آخر غير الذي خطر في ذهنك، أنه يقول لك الستر أفضل على الذي يفعل الزنا؛ لأنه إذا أردت أن تشهد فكأنك تحب أن تشيع ذكر الفاحشة في المجتمع، فاستر عليه. هو أراد أن يستدل على أن هذا قد يكون شكلاً من أشكال شيوع الفاحشة وانتشار الخبر بأن فلان فعل كذا، فاستتر بستر الله، وليست القضية قضية عذاب أليم.
قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ومن الناس من يبتلى بالفاحشة وإن كان ممسكًا عن الكلام، ومن الناس من يبتلى بالكلام والاعتداء على غيره بلسانه وإن كان عفيفًا عن الفاحشة.
وأيضًا فإن من الكلام المنهي عنه الخوض في الدين بالبدع والضلالات مع تضمنه لشهوة الطعام وما بين الفرجين، إذ يتضمن أقوى الشهوات، وذلك من الاستمتاع بالخلاق في الدنيا؛ كما جمع الله تعالى بينهما بقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُم مِّن قَبْلِ الَّذِينَ اسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَخَالِصِ الَّذِينَ خَاضُوا﴾ [الأعراف: 169]. فالأول يتضمن الشبهات والثاني يتضمن الشهوات، الأول يتضمن الدين الفاسد والثاني يتضمن الدنيا الفاجرة.
«خضتم كالذي خاضوا» في الشبهات، و«استمتعتم بخلاقكم» في الشهوات. هذه مرت معنا، أظنها في اقتفاء الصراط المستقيم؛ إذ يقول ابن تيمية: هذه الآية تدل على الاستمتاع بالشهوات، و«خضتم كالذي خاضوا» في الشبهات.
قال: وكان السلف حذروا من هذين النوعين: المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه. كل من هذين النوعين -وإن لم يكن كفرًا محضًا- فذاك من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة. جنس البدع إن كان شرًا، لكن الفجور شر من وجه آخر؛ وذلك أن الفاجر المؤمن لا يجعل الفجور شرًا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض، لكنه مقرون باعتقاده لتحريمه، وتلك حسنة في أصل الاعتقاد.
أما المبتدع فلا بد أن تشتمل بدعته على حق وباطل، لكنه يعتقد أن باطلها حق أيضًا، ففيه من الحسن ما ليس في الفجور، ومن السيء ما ليس في الفجور، وكذلك بالعكس. قال: فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة.
وهذه هي الثلاثة: الكلام منهي عنه، والطعام منهي عنه، والنكاح منهي عنه. فإذا اقترنت بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرًا، فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقيدة ودينًا؟ وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم؛ كما ثبت في الصحيح أنه يكون في هذه الأمة من يُمَسَّخ قردة وخنازير، وكما روي أنه سيكون فيها حفد وقذف ومسخ. وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 65]، أي من ظالمي هذه الأمة. في ذلك من الأحاديث ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وفي عامتها يُذكر سخطهم واستحلالهم لها.
بالنظر الآن، ولأني أتحقق مع الشيخ المحقق، هو يقول في الأصل: «وذلك أن الفاجر المؤمن لا يجعل الفجور شرًا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض». أنا أرى أن الحاشية هي الصحيحة؛ فالمؤمن الذي يفعل الفجور هو يعتقد شريته من أنه حرام محض، ولكنه يقع فيه لضعف نفسه وعدم امتلاك شهوته. فما أضافه المحقق ليس سليمًا في النص، فالصواب: «وذلك أن المؤمن يجعل الفجور شرًا -حتى لو سقط فيه- من وجه آخر وهو أنه يعتقد أنه حرام محض»، قال: «لكن مقرونًا باعتقاده لتحريمه»، وتلك حسنة في أصل الاعتقاد؛ أي أن شيئًا من المنيح في المؤمن الذي يعصي هو أنه يفعلها وهو عارف أنها معصية، وأما المبتدع فالمشكلة في بدعته أنه يفعلها وهو يعتقد أنها صح وخير وتقرب إلى الله.
المهم، كمل فقال: وأصل الضلال والغي من هؤلاء الذين يستحسنون عشق الصور ويحمدونه ويأمرون به، وإن قيدوه مع ذلك بالعفة. إن المحبة هي أصل كل حركة في العالم، فالنفس إذا لم يكن فيها حركة ولا إرادة قوية حتى تحصل على محبة شديدة، كانت تلك هي أصول الشر، وهي التي إذا ظهرت قامت الساعة.
قال كما في صحيح حديث أنس رضي الله عنه، أنه قال: «لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعته من النبي ﷺ»، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيوم واحد»، أي مسؤول واحد يدير شؤونهن.
قال: في ظهور الجهل ظهور الكلام في الدين بغير علم، وهو الكلام بغير سلطان من الله، وسلطان الله كتابه. ومن ظهور الزنا وظهور اللواط -وإن كان له اسم يخصه فهو شر من ظهور الزنا-. قال: فهو شر نوعي للزنا؛ لكون ظهور شهوات الغي (البطن والفرج) هي أغلب ما يدخل الناس النار، كما ذكر ذلك النبي ﷺ فيما أخرجه الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن»، والتوبة معروضة بعد.
وسرقة المال هي أعظم مقصود للأكل، ولهذا يعبر عن أخذه بالأكل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. وهذه الثلاثة هي التي يعقد الفقهاء فيها أبواب الحدود: باب حد الزنا، وباب حد السرقة، وباب حد شرب الخمر، ورابعها باب حد القذف. والسرقة لازم ترجع للفقرة السابقة التي هي الزنا وشرب الخمر، ثم أضاف السرقة.
قال: ورابعها باب حد القذف مندرجة فيما بين الحية وبين رجليه. وقد روى هذا حديث البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن». كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه.
ثم أخرجها، فإن تابعه إليه هكذا وشبك من أصابعه، فإذا اقترن بهذه الكبائر تلك المحبة في نفس صاحبها، فإنها تجب حركته وقوة رادته، فيعطي من المال ما لم يكن يعطيه، ويقدم على مخاوف فلم يكن يقدم عليها، ويحتال ويدبر ما لم يكن يحتاله ويدبره قبل ذلك، ويصير والها من التفكر والنظر ما لم يكن قبل ذلك.
فلما رأوا ما فيهم هذه الأمور التي هي من جنس المحمودات حمدوه بذلك، وهذا من جنس من حمد الخمر لما فيهم من الشجاعة والكرم، يسرون نحو ذلك. وذلك أن هؤلاء كلهم لاحظوا ما فيها من جنس المحبوب، وأغفلوا ما تتضمنه وهو من جنس المذموم؛ فإن الذي يورثه العشق من نقص العقل والعلم.
نرجع الآن للكلام عن أصل الفكرة، وهي أن الصوفية دخلوا في محبة النساء والنظر إليهم باعتقاد أن هذا يقرب إلى الله، فلما رأوا أنفسهم يتنشطون للعبادة مع العلاقات ومع كذا، نظروا إلى جنس المحبوب وما نظروا إلى ما فيه من المذموم؛ فإن الذي يورثه هذا العشق للنساء أو المردان من نقص العقل والعلم وفساد الخلق والدين، والاشتغال عن مصالح الدين والدنيا، أضعاف ما يتضمنه من جنس المحمود الذي ادعوه، حيث يقول: «يا شيخ بصير يحمسني هذا للطاعة، بصير يخليني أنشط على كذا، بصير يخليني أحضر الدروس». فإنه نظر إلى الجنس المحمود، بس ما نظر إلى المفاسد العظمى الموجودة وهي أكثر وأكثر.
وأصدق شاهد على ذلك ما يعرف من أحوال الناس وسماع أخبار الناس بذلك، فهو يغني عن معاينته وتجربته، فمن جرب ذلك وأعينه اعتبر، بما فيه كفاية؛ فلم يوجد قط عشق إلا وضرره أعظم من منفعته. ولهذا قال أبو القاسم القشيري في رسالته: «من أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة المردان، وإن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع شيوخه هذا عبد أهانه الله».
انظر إلى القشيري، إذاً يجوز هذه الفكرة التي جعلت ابن تيمية يأتي بهذا الفصل، إذ يقول القشيري إن من أعظم البلايا التي وقعت لكثير من الصوفية صحبة المردان والعلاقة بهم، والعياذ بالله. قال: «بل عن نفسه شغله، ولو لآلف ألف كرامة أهله، وإن بلغ رتبة الشهداء». يعني لو حصل لك ما حصل من الكرامات، إذا أنت مبتلى بصحبة المردان فقد أهانك الله.
وفي الخبر: «مات بلغ الله منازل الشهداء أنه عشق فكتب فمات»، طبعاً الخبر ضعيف، ولكن أليس في النهاية قد انشغل قلبه بمحبة لا تنفعه؟ وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك سيراً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
وهذا الواسطي رحمه الله يقول: «إذا أراد الله هوان عبد، أقاذى إلى هؤلاء الانتاني والجيف»، يعني جعله يحب هذه الأشياء الدنيئة. وقال: «سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن أبي أحمد النجار يقول: سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: سمعت فتحاً الموصلي يقول: صحبت ثلاثين شيخاً كانوا يعدون من الأبدال، فكلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا لي: اتقِ معاشرة الأحدث».
ومن ارتقى في هذا الباب عن الأبدال -وهم طبقة عالية من الصوفية- قال: «ومن ارتقى في هذا الباب عن حال الفسق، وأشار إلى أن ذلك من بلايا الأرواح وأنه لا يضر، فما قالوه من التغاضي عن السماع ويرد الحكايات عن بعض الشيوخ؛ كان الأولى بهم إسدال الستر على هناتهم وآفاتهم، وذلك نظير الشرك وقرين الكفر. فليحذر المريد من مجالسة الأحدث ومخالطتهم، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان وبدء حال الهجران، ونعوذ بالله من قضاء السوء».
وهذا كله كلام القشيري، وليس كلام ابن تيمية هنا. وهنا أصل عظيم نافع يجب اعتباره، وهو أن الأمور المذمومة في الشريعة كما ذكرناه هي ما ترجح فساده على صلاحه، كما أن الأمور المحمودة هي ما ترجح صلاحها على فسادها. فالحسنات تغلب فيها المصالح، والسيئات تغلب فيها المفاسد.
والحسنات درجات، بعضها فوق بعض، والسيئات بعضها أكبر من بعض؛ فكما أن أهل الحسنات ينقسمون إلى برين: مقربين وسابقين، فأهل السيئات ينقسمون إلى فجار ظالمين وكفار مكذبين، وكل هؤلاء هم درجات عند الله. ومن المعلوم أن الحسنات كلما كانت أعظم كان صاحبها أفضل، فإذا انتقل الرجل من حسنة إلى أحسن منها كان في مزيد التقريب، وإن انتقل إلى ما هو دونها كان في التأخر والرجوع. وكذلك سيئاته، كلما كانت أعظم كان صاحبه أولى بالغضب واللعنة والعقاب.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النساء: 95].
أراد أن يأتي بهذه الآيات التي تدل على تفاوت الأعمال. معلوم أن التوبة هي جماع الرجوع من السيئات إلى الحسنات، ولهذا لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة والردة. والردة هي جماع الرجوع من الحسنات إلى السيئات، ولهذا لا يحبط جميع الحسنات إلا الردة عن الإيمان. وكذلك ما ذكرناه في تفاوت السيئات هو في الكفر والفسق والآثام، فالكفار بعضهم دون بعض.
ولهذا يذكر الفقهاء في باب الردة والإسلام انتقال الرجل كحد الزوجين من دين إلى دين آخر؛ انتقال إلى دين خير من دينه أو دون دينه أو مثل دينه. فيقولون: إذا صار الكتابي مجوسيا أو مشركا فقد انتقل إلى شر من دينه، وإذا صار المشرك أو المجوسي كتابيا فقد انتقل إلى خير من دينه. وحتى الأديان المخالفة للإسلام مختلفة في شرها؛ فأيهما أفضل: الكتابي أم المجوسي؟ أيهما أفضل: المجوسي أم المشرك؟ وإذا تهود النصراني أو بالعكس فقد انتقل إلى نظير دينه. والتمجس يقر عليه بالاتفاق، وأما الإشراك فلا يقر عليه إلا بعض الناس عند بعض العلماء الحنفية.
والصابئة نوعان عند المحققين، وعند آخرين نوعان. ومعرفة مراتب الأديان محتاج إليها في مواضع كثيرة. معرفة مراتب الأديان هي فكرة جميلة؛ فأنت تحتاج أن تعرف أي الأديان أسوأ من بعض، حتى قد تنبني على ذلك بعض المسائل الفقهية في الدولة المسلمة؛ في حال أن رجلا كان على دين فأراد أن ينتقل إلى دين آخر، ينظر هل الدين الذي سينتقل إليه أسوأ من الدين الذي هو فيه أو مثله أو أحسن منه؟
فبعض الفقهاء قال: إذا كان سينتقل إلى دين أحسن من الدين الذي هو عليه، كمشرك عندك في الدولة المسلمة أراد أن يصبح يهوديا، فبعض الفقهاء يقر له. لكن واحد يهودي يريد أن يصبح مشركا وثنيا، لا يقر له، يقول له: يا تظل يهوديا يا تسلم يا أقتلك. وبعضهم قال: لا يقر إلا على الإسلام، ولا حتى يخليه يرجع لليهودية، والكلام طويل في هذه المسألة.
قضية معرفة مراتب الأديان هذه تساعدك في معرفة مراتب الحسنات، كأنه يقيس كما كان يفعل مثلا في باب القدر. هو يقول لك فكرة؛ ومعرفة مراتب الأديان محتاج إليها في مواضع كثيرة لمعرفة مراتب الحسنات. وأقصد بها أن الإنسان يعرف مراتب الأديان، وهذه من العلوم المقصودة عند أهل العلم.
والفقهاء يذكرون ذلك لأجل معرفة أحكامهم وتناكحهم وذبائحهم وفي دمائهم وقتالهم وإقرارهم بالجزيَة المضروبة عليهم ونحو ذلك من الأحكام التي جاء بها الكتاب والسنة في أهل الملل والأحزاب، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [الحشر: 13]. وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الشورى: 15].
والعدل هو وضع كل شيء في موضعه، كما أن الظلم وضع شيء في غير موضعه. ولهذا لما اقتتلت فارس المجوس وروم النصارى، كان هو وأصحابه يحبون أن تغلب الروم لأنه أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تغلب فارس لأنهم ليسوا أهل الكتاب، وأنزل الله في ذلك: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: 2-3]. والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والمغازي.
وإذا كان كذلك، فقد يكون الرجل على طريقة من الشر عظيمة، فينتقل إلى ما هو أقل منها شرا وأقرب إلى الخير، فيكون مدح تلك الطريقة ومدحها لكونها طريق الخير الممدوحة. مثال ذلك أن الظلم كله حرام مذموم؛ فأعلاه الشرك، فإن الشرك ظلم عظيم والله لا يغفر أن يشرك به. وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان، وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله.
فإذا كان رجلا مشركا كافرا، أسوأ في الباطن والظاهر، حيث صار مؤمنا وهو مع إسلامه يظلم الناس ويظلم نفسه، فخير من أن يبقى على كفره ولو كان تارك ذلك الظلم. وأما إذا أسلم ظاهرا فقط ومنافق في الباطن، فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وأما في الدنيا فقد يكون ضرا للمسلمين، منه ولو بقي على الكفر فقد لا يكون كذلك. فإن ضرار المنافقين بالمؤمنين قد يختلف باختلاف الأحوال، لكن إذا أسلم نفاقا فقد يرجع له حسن الإسلام فيصر مؤمنا كمن أسلم تحت السيف، وكذلك من أسلم لغلبة أو لهبة، نحو ذلك.
فالإسلام والإيمان أصل كل خير. وكذلك من كان يظلم الناس في نفوسهم وأعراضهم، فانتقل عن ذلك إلى ما يظن به نفسه خاصا من خمر وزين، فهذا أخف ثمه وأقل عذابه. وكذا النحل التي فيها بدعة؛ قد يكون رجلا رفضيا فيصير زيديا فذلك خير له، وقد يكون جهميا فقدریا فيصير زيديا، وهي أفضل صور الشيعة. وقد يكون جهميا غير قدري أو قدريا غير جهمي، أو يكون من الجهمية الكبار فيتجاهم في بعض الصفات دون بعض، ونحو ذلك.
فهؤلاء المتفلسفة والمتصوفة ممن مدح العشق والغناء ونحو ذلك، وجعلوه مما يستعينون به على رياضة أنفسهم وتهذيبها وصلاحها، فإِن هؤلاء في طريقهم من الشرك والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال؛ فإن المتفلسفة قد يعبدون أوثانا وشمسا وقمرا ونحو ذلك. فإذا صار أحدهم يروض نفسه بعشق العبادة لله وحده، أو رياضة مطلقة لا يعبد فيها غير الله، كان ذلك خيرا له من أن يعبد غيره.
وكذلك الاتحاديون الذين يجعلون لله هو الوجود المطلق، أو يقولون إنه يحل في الصور الجميلة؛ متى تاب الرجل منهم من هذا وصار يسكن نفسه بعشق الصور، وكان لا يعبد إلا الله وحده، كانت هذه الحالة خيرا من تلك الحال. يحاول أن يعطيك فلسفة في كيفية التعامل مع أهل البدع؛ يقول لك لو كان رجل أصل عقيدته الاتحاديين -وهو اعتقاد أن الله اتحد مع الكون- فترك هذه العقيدة، حتى لو دخل في باب العشق للنساء والمردان، فنحن نقول له: هي الحال على سوئها أفضل من حالك السابقة. وهذه مهمة في التوجيه؛ لأنه إذا قلت له أنت بعض...
الناس يجي يقول لك لشخص تاب، بس ما زال يفعله معصية أخرى، يجي بعض الشباب متحمس مندفع، يقول له: والله ما فرقت! لا، ما فرقت.
مهم جدا أن تعرف مراتب المعاصي والكفر والفسوق؛ لأن هذا يخليك تعرف كيف توجه النصيحة للشخص المخطئ. فإذا شخص ترك باباً من أبواب الشر ففتح على نفسه باباً آخر، كيف أتكلم معه؟ أنظر لهذا الباب الجديد الذي فتحه، إن كان أهون من الباب السابق، ما راح أقول له: والله أهون من اللي عملته، أن هذا الشيء الجديد اللي فتحته من الشر؛ بل أقول له: إذا أنت مصر عليه، فبظل هذا أهون، أن ترجع للطريقة الأولى، لا ترجع للي أنت فيه الآن غلط، بس يبقى أهون. هذا مهم، في قضية الأهون هذه من القضايا للأسف غائبة في الفكر الإسلامي في النصح والإرشاد والتوجيه.
قال: فهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من عدم التوحيد مع هذه الذنوب. ولهذا نجد الناس يفضلون مكاناً من الملوك ونحوهم، إنما يظلم نفسه بشر الخمل وزنا وفحش، ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم، على ما كان يتجنب الفواحش وخمر وزنا ويتنصب لظلم الناس في أنفسهم ومع بعضهم. وهؤلاء الظالمون قد يجعلون الظلم ديناً يتقربون به لجهلهم، كما أن أولئك الظالمين أنفسهم قد يجعلون ذلك بجهلهم ديناً يتقربون به، فالشيطان قد زين كثير من هؤلاء وهؤلاء وسوء أعمالهم، فراوح حسنة.
لكن كثير من الناس يجمعون بين هذا وهذا؛ فينا من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، والحسنات والسيئات وقد تتلازم ويعد بعضها إلى بعض. كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً». فصدق يفتح كل خير، كما أن الكذب يفتح كل شر. ولهذا يقولون عن بعض المشايخ أنه قال لبعض أصحابه: «أنا لا أوصيك إلا بالصدق»، فتأملوا، فوجدوا الصدق يدعو إلى كل خير.
ولهذا فرق الله سبحانه بين أهل سعادته وأهل شقاوته، وذلك فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَيُجْزِيهِمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: 31-35].
ما فائدة الصدق هنا؟ ولماذا يستحضر بعد الصدق هنا في هذا السياق؟ هو قال في الأخير: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ثم استدل بحديث أن الصدق حسنة، فعليكم أن الصدق يهدي إلى البر، وأن الكذب والفجور معصية، كيف أنها قادت إلى معصية أخرى؛ فالصدق مفتاح كل خير كما أن الكذب مفتاح كل شر.
قال: وترتيب الكبائر ثابت بالكتاب والسنة. كما في الصحيح عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله، إذا عظم ذنب؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خالقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68].
ولهذا قال الفقهاء: أكبر الكبائر الكفر، ثم قتل النفس بغير حق، ثم الزنا. لكن النبي ﷺ ذكر لابن مسعود من جنس أعلى فأعلى؛ فالكفر هو أن تجعل لله نداً بخلاف الخلاف الكتابي الذي ليس بمشرك، فإنه دون ذلك. وأعظم القتل: أن تقتل ولدك، وأعظم الزنا: زنا بحليلة الجار. لأن الفقهاء لما يقولون أعظم شيء الكفر ثم القتل ثم الزنا، لكن النبي ﷺ في سؤال ابن مسعود أعطى تخصيصاً أكثر؛ أن أعظم الشرك أن تجعل لله نداً وهو خالقك، وأعظم الزنا أن تزاني بحليلة جارك، فأعطاه أنواعاً معينة من هذه الأمور هي الأعظم.
وهذا كما ذكرنا أن الظلم ثلاث مراتب: شرك ثم ظلم للخلق ثم ظلم للنفس. فالقتل من ظلم الخلق، فإذا كان قتلاً للولد الذي هو بعضك كان فيه الظلمان، والزنا هو من ظلم النفس، لكن إذا كان بحليلة الجار صار فيه الظلمان أيضاً، لكن المغلَّب ظلم الزنا وظلم الجار. لكن المغلَّب في القتل ظلم الغير، وظلمه في الزنا ظلم النفس. ولهذا كان القود حقاً لآدمي إن شاء عفا عنه، وكان حد الزنا حداً لله ليس آدمياً فيه حق معين، لكن قد يقترن ببعض أنواع الزنا ويقتضي أموراً تضر الناس، فيكون بها أعظم من قتل لا يضر به إلا المقتول فقط.
وأيضاً قتل النفس يدخل فيه من التأويل ما ليس يدخل في الزنا؛ فإن حلاله بين وحرامه بخلاف القتل، فإن فيه ما يظهر تحريمه وفيه ما يظهر وجوبه واستحبابه وحله وفيه ما يشتبه، ولهذا جعل الله فيه شيئاً ولم يجعل ذلك في الزنا بقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68]. وضع استثناء في القتل، لكن الزنا هل في استثناء فيه؟ لا. هذا معنى أن الله جعل في القتل حالة استثنائية جائزة، لكن الزنا لم توجد حالة استثنائية.
هكذا انتهى المجلد الأول من كتاب الاستقامة، ونشرح في المجلد الثاني مستعينين بالله.
فصل: في الغيرة وأنواعها وما فيها من محمود ومذموم. قال: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه من العبد، ومن أجل ذلك بعث المنذرين المبشرين». وفي رواية لمسلم: «وليس أحد أحب إليه من العبد العذر من الله». جمع في هذا سبحانه أكمل المدح، وأعلى هو أكمل محبة، وأكمل بغض للأمور المذمومة سبحانه وتعالى.
قال: في الصحيح عن المغيرة بن شعبة، قال: سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لأضربنه بسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عجبنا من غير سعد، والله أغير مني، ومن أجل غيرته الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين المبشرين».
ومن أجل ذلك وعد الله الجنة. قال البخاري: وقال عبيد الله بن عمر عن عبد الله عن عبد الملك: «لا شخص أغير من الله». وترجم البخاري على ذلك بابًا في الصحيح.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الله يغار، ويغار المؤمن أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه». وفي الصحيح عن أسماء أنها سمعت الرسول ﷺ يقول: «لا شيء أغير من الله». وفي الصحيحين عن عائشة، قال النبي ﷺ: «يا أُمَّهاتِ المؤمنين، ما أحدٌ أغيرُ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته».
وفي سنن المسلم أنه قال: «إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يكرهه الله؛ فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة، والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة. وإن من الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله؛ فالخيلاء التي يحبها اختيال الرجل نفسه عند الحرب وعند الصدقة، والخيلاء التي يبغضها الله اختيال الرجل في البغي والفخر».
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «دخلت الجنة فرأيت امرأة تتوضأ، فقلت: أين أنت يا عمر؟»، فقال عمر بن الخطاب: «غيرتك بأبي أنت وأمي، أو عليك أغار».
وفي حديث أسماء، لما كانت تنقل للزبير، قالت: فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال لي: «ليحملني»، أنزل الجمل ليحملني خلفه. فصحتُ سير مع الرجال فذكرت غيرته، وكان أغر الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد صِحتُ فمضى. فجئت الزبير فقلت له: «لقد حملتَ على رأس النوى ومعه نفر من أصحابي فأنختُ الإبل، فصحتُ منه وذكرت غيرتك»، فقال: «والله لحملك النوى كان أشد عليّ من ركوبك معي».
كانت تخرج إلى مزرعة الزبير تحمل على رأسها نوى التمر، ربما ليكون علفًا لفرسها، فقد جاء في الرواية أنها كانت تعلف فرسها. فقال لها: «والله إن طلوعك للمزرعة وحملك النوى هي أغير لي، أنا بالنسبة لي أشد غيرة من مجرد ركوبك مع النبي ﷺ». قالت: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسته الفرس، فكأنما أعتقني. فقد أخبر النبي ﷺ أن لا أحد أغير من الله، وأن الله يغار أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه، وهذا يعمم جميع المحرمات.
قال: ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظن منها وما بطن، فهذا تخصيص لغيرته بالفواحش. وكذلك في حديث عائشة: «لا أحد أغير من الله أن يزني عبده وتزني أمته»، فهذه الغيرة من الفواحش، وكذلك عامة ما يطلق من الغيرة إنما هو من جنس الفواحش.
وبين النبي ﷺ أنه أغير من غير المؤمنين، وأن المؤمن يغار والله يحب الغيرة وذلك في الريبة، ومن لا يغار فقد جاء في الحديث: «لا يدخل الجنة». فالغيرة المحبوبة هي موافقة غيرة الله تعالى، وهذه الغيرة هي أن تنتهك محارم الله، وهي أن تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة.
لكن غيرة العبد الخاصة هي من أن يشركه الغير في أهله، فغيرته من فاحشة أهله ليست كغيرته من زنا الغير؛ لأن هذا يتعلق بغيرته الخاصة. فهناك غيرة عامة، الله يغار وأنت يجب أن تغار، وهي الغيرة على وجود معاصي الله في المجتمع. أما الإنسان فله غيرة خاصة، وهي من لوازم المخلوق، وهي الغيرة على عرضه وأمه وأخته وما شابه ذلك. فلذلك إذا زنى شخص من عرضه كان أكثر غضبًا واستشاطة مما لو زنى غيره، فكلاهما يغار منه، ولكن زنا المحارم غير زنا الغير.
وهذا يتعلق به وذاك لا يتعلق به إلا من جهة بغضه لمبغضه، ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على أهله، ويعظم ذلك امرأته ثم أقاربه ومن هو تحت طاعته، ولهذا كان له إذا زنت أن يلاعنها لما عليه في ذلك من ضرر، بخلاف ما إذا زنى غير امرأته، ولهذا يحد قاذف المرأة التي لم يكتمل عقلها ودينها إذا كان زوجها محصنًا.
فالغيرة الواجبة ما يتضمنه النهي عن الشيء المخزي، والغيرة المستحبة ما أوجبته من الصيانة. أما الغيرة في غير ريبة، وهي الغيرة في مباح لا ريبة فيه، فهي مما لا يحبه الله بل ينهى عنه إذا كان فيه ترك لأمر الله. ولهذا قال النبي ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم مساجد الله»، فإذا كانت امرأتك مأمونة ليس لك أن تمنعها، فهذه نوع من الغيرة الزائدة التي لا يريدها الله إذا كانت مأمونة والزمان مأمون.
وأما غيرة النساء بعضهن من بعض، فتلك ليس مأمورًا بها، لكنها من أمور الطباع، كالحزن على المصائب. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «غارت أمكم لما كسرت القصعة». وقالت عائشة: «أولا يغار مثلي على مثلك؟».
ما غارت خديجة ولا غارت فاطمة، إنها قالت للنبي ﷺ: «إن الناس يقولون إنك لا تغار بناتك»، لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل. وخطب النبي ﷺ وذكر سهراً له من أبي العاص، وقال: «حدثني فصدقني، وعدني فوفاني». وقال: «إن بني العاص استأذنوني في أن يزوجوا ابنتهم عليًا، وإني لا أذن، ثم لا أذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويزوج ابنتهم، والله لا تجتمع بنت رسول الله، بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل أبداً».
فهذه الغيرة التي جاءت بها سنة رسول الله ﷺ. وغيره الله أن يأتي العبد ما حرم عليه، وغيرته أن يزني عبده وتزني أمته، وغيرة المؤمن أن يفعل ذلك وخصوصاً في حقه. والغيرة التي يحبها الله هي الغيرة في ريبه، والغيرة التي يبغضها الله هي الغيرة في غير ريبه.
هنا انقسم بنو آدم أربعة أقسام: قوم لا يغارون على حرمات الله، ولا على ما حرم الله، مثل الديوث والقوادي، وغير ذلك من أهل الإباحة الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق.
لاحظ أنه حمل عمل حديث غيرة النبي ﷺ من بنت أبي جهل على نوع من الغيرة الطبيعية الجبلية، لا من الأمور التشريعية؛ يعني لما خرج فقال: «إن بني العاص استأذنوا في أن يزوجوا ابنتهم عليًا وإني لا أذن»، ثم لا أذن، يعني تشعر كأن ابن تيمية صنف هذه القصة ضمن مصاف القصص التي تدل على الغيرة الطبيعية. فهل لما فعله النبي ﷺ تشريع هنا لما قال: «لا تجتمع بنت رسول الله مع بنت عدو الله»؟ هل هو تشريع أم غيرة طبيعية؟ قال: هي من الغيرة الطبيعية التي حتى يمكن أن يقع فيها النبي ﷺ وهو غير مذموم في ذلك، شيء طبيعي مباح، لكن ليست هي تشريعاً يتعبد به.
نعم، قال: ومنهم من يدع ذلك سلوكاً وطريقة، وإذا فعلوا فاحشة قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَأَمَرُونَا بِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. وقوم يغارون على ما حرم الله وعلى ما أمر به مما هو من نوع الحب والكره، يجعلون ذلك غيرة، فيكره أحدهم من غيرته أموراً يحبها الله ورسوله. ومنهم من يجعل ذلك طريقاً وديناً، ويجعلون الحسد والصد عن سبيل الله وبغض ما أحبه الله ورسوله غيرة.
وقوم يغارون على ما أمر الله به دون ما حرمه، فإنراهم في الفواحش لا يبغضونها ولا يكرهونها، بل يبغضون الصلوات والعبادات، كما قال تعالى فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله، وهؤلاء هم أهل الإيمان.
فصل: ومن أسباب ذلك ما وقع من الإشراك في لفظ الغيرة في كلام المشايخ على الطريق، فإنهم تكلموا فيها بمعانٍ بعضها هو عم يأت بمفهوم الغيرة هنا من سياق الصوفية، يستعملون لفظ الغيرة بمعانٍ غير شرعية، هذه من الألفاظ التي يستعملها الصوفية لكن يستعملونها بطريقة غير شرعية.
قال: فإنهم تكلموا فيها بمعانٍ بعضها موافق لعرف الشارع وبعضها ليس كذلك؛ بعضهم حمد منها ما حمده الشارع، وبعضهم حمد منها ما لم يحمده الشارع بل ذمه. وقد تقدمت الغيرة التي وصف الله بها نفسه، إما خاصة وهو أن يأتي المؤمن ما حرم عليه، وإما عامة وهي غيرته من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإما الغيرة في الصلاح.
طائفة من أهل الطريق، فقال أبو القاسم القشيري: «الغيرة كراهة مشاركة الغير». وإذا وصف الحق بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة غير معه فيما هو حق الله له تعالى من طاعة عبده له. فقوله: «الغيرة كراهة مشاركة الغير»، أشار بلفظ الغير إلى اشتقاق لفظ الغيرة، وهذا أقرب؛ فإن الغيرة إما من تغير الغائر وإما من مزاحمة الغير، لكن قوله «كراهة مشاركة الغير» هو اصطلاح خاص ليس بمطابق لاصطلاح الشارع، بل هو أعم منه من وجه وأخص منه من وجه.
أما كونه أعم، فندخل فيه مشاركة غير الغير المباحة، كالمشاركة في الأموال والعبادات والطاعات، وهذه ليست غيرة مأموراً بها. فإذا قلنا كما قال القشيري: «الغيرة كراهة مشاركة الغير»، هل هذه الغيرة مطلوبة شرعاً على هذا العموم؟ لا، لأنه في غيره قد يشاركك في طلب العلم، أو قد يشاركك في فضيلة، فهل هنا مطلوب منك أن تغار؟ لا.
فإن كان هذا المصطلح الذي قاله القشيري أعم من الاصطلاح الشرعي، فإنه يدخل فيه مشاركة الغير لك حتى في الأمور المباحة، كالمشاركة مثلاً لإخوانك لك في أموالك، أو يشاركونك في عبادات وطاعات، فهل هذه الغيرة مطلوبة هنا؟ لا، ليست مطلوبة، بل بالعكس، دع إخوانك يشاركونك في المال وتساعدهم، أو تدخل أنت وياهم شراكة في مصانع أو في طلب علم، فهذه ليست الغيرة المأمور بها، بل بعضها قد يكون محرماً وهو شكل من أشكال الحسد. ويدخل فيها المشاركة في البضع، وهي المشاركة في عرضك، والغيرة هنا مطلوبة؛ فالغيرة على العرض هي الغيرة المشروعة. فكلمة «الغيرة كراهية مشاركة الغير» فيها أشياء صحيحة وفيها أشياء غير صحيحة، فيها أشياء على الأقل مأمور بها، وفي أشياء منهي عنها على حسب طبيعة المشاركة المقصودة هنا.
وأما كونه أخص، فإنه يخرج منه الغيرة التي لا يشاركه فيها الغير، مثل غيرة المؤمن أن يزني أقاربه، أو غيرته أن تُنتهك محارم الله، فإن الله يغار من ذلك والمؤمن موافق لربه ويحب ما أحبه. فكون هذا التعريف «كراهية مشاركة الغير» أخص من الغيرة بالمعنى الشرعي، فإنه يخرج منه الغيرة التي لا يشاركك فيها الغير؛ لأن هناك غيرة مبنية على أن محارم الله انتهكت، حتى لو لم يؤثر عليك شخصياً، فهذه شكل من أشكال الغيرة، فتعريف القشيري لا يشملها، ما عاد جامعاً لها.
والمؤمن موافق لربه فيحب ما أحب ويكره ما كره، ولهذا وصف غيرة الله بما يوافق اصطلاحه، فقال: غيرة الله أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من طاعة عبده، وهذه الغيرة أعم.
بما يوافق اصطلاحه، فقال غيره إنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له على عبده. عندما عرّف القشيري الغيرة بأنها كراهية مشاركة الغير، ثم أسقط هذا المفهوم على غيره الله، ماذا صارت غيرة الله في مفهوم القشيري؟ فقط هي أن الله يغار أن يعبد معه إله آخر. صارت الغيرة عنده في ما إذا أسقطها على لفظ الجلالة ماذا أصبح معناها؟ أن الله يغار أن يشرك معه عبداً آخر.
ممكن أعم من طاعة عبده، يعني ليس فقط شرك العبادة، بل الطاعة عموماً. غيرة الله أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له؛ فالله هو الوحيد الذي يطاع، فإذا أصبحت تطيع غير الله، فالله يغار، وأصبح ذلك شركاً سواء أوصلك هذا للشرك الأكبر أو للشرك الأصغر بغض النظر.
قال: وهذه الغيرة أعم مما ذكره النبي ﷺ من وجه، وأبعد عن المقصود. الغيرة التي ذكرها النبي ﷺ من غيره الحق سبحانه، فقد فسّر غيرته أن يأتي المؤمن ما حرم الله بأن يزني عبده أو تزني أمته، وقال: «من أجل غيرته حرم الفواحش ما ظاهر منهما وما بطن». فجعل الغيرة مطلقة متعلقة بفعل المحرمات، وجعل على عظمها وسلطانها في أن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن جعلها لنفي المشاركة في حقه، كان دخول الشرك في الله في الغيرة عنده أولى من دخول الفواحش، وكان استعمال لفظ الغيرة في الشرك أولى من استعمال لفظ الغيرة في الزناء.
وأيضاً إذا جعلناها لنفي المشاركة فيما هو حق له من طاعة عبده، فقد يدخل في ذلك ما يفعله العبد من المباحات لغير وجه التقرب، فإن هذا لم يفعله لله، ومع هذا فليس من غيرة الله التي وصف بها الرسول ﷺ ربه. مما يعترض عليه أنه العبد إذا فعل المباحات، أليس هذا للذة نفسه؟ فإذا قلنا الله يغار من كل شيء يفعله العبد لا على وجه الطاعة، ستدخل فعل المباحات فيما يغار الله منه لأنها فعلت للذة النفس، هكذا يقول. وهذا ليس بصحيح، فإن الله لا يغار إذا فعل الإنسان طاعة مباحة لا على وجه التقرب.
قال: وأيضاً في المشاركة فيما هو حق له، قد لا يدخل فيه فعل الفواحش والمحرمات إذا لم يقصد العبد بها طاعة غيره، وإن كان مطيعاً فيها للشيطان، وإنما يدخل فيه ما فعله من الطاعات لله ولغيره، براً ولغيره ونحوه. ومع هذا فقد يقال: بل كل ما كان من ترك واجب أو فعل محرم ففيه مشاركة الغير معه، سواء أنك عبدت غير الله أو عملت الشهوات عبادة للشيطان. لذلك ابن تيمية استدرك فقال: «ومع هذا فقد يقال: بل كل ما كان من ترك واجب وفعل محرم ففيه مشاركة الغير معه فيما هو من حقه سبحانه». وعلى هذا يدخل كل ذنب فيما يغار الله منه.
قال: سواء كان ترك واجب أو فعل محرم، وهذا المعنى حسن وموافق للشريعة؛ فإن الله يبغض ذلك ويمقته، فيكون لفظ الغيرة مرادفاً للفظ البغض والتقص و السخط، لكنه أعم مما يظهر في عرف الشارع، حيث جعل غيرته أن يأتي المؤمن ما حرم الله، وجعل غيرته أن يزني عبده أو تزني أمته، ومن غيرته أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وهذه الغيرة أخص من مطلق البغض، إلا أن يقال: ترك للشريعة، وأما تسميته غيرة فهو من المصطلح، ونزاع فيه لفظي.
ثم إنه ذكر عن بعض المشايخ مذهبين في الغيرة: أحدهما يتضمن الغيرة مما لا يغار الله منه بل يحبه، والثاني يتضمن ترك الغيرة مما يغار الله منه ويحب الغيرة منه ويأمر بذلك، وكلاهما باطل. الصوفية يزيدون: الغيرة من أمور لا يغار منها، والعكس: ترك الغيرة من أمور يغار الله من وجودها. قال: وكلاهما مذهب مذموم، متضمن إما لترك محبوب مأمور يحبه الله، أو في فعل مكروه يكرهه الله.
وذكر من كلامه وكلام شيخ ما هو حسن مقبول، فاشتمل كلامه في الغيرة على الأقسام الثلاثة. القسم الأول: ما هو كراهة توبة العاصين وعبادة المقصرين. كما ذكر عن الشبلي أنه سئل: متى يستريح؟ قال: «إذا لم أرَ له ذاكراً». ويقصد إذا لم أرَ له ذاكراً هنا، الشيخ علي ممكن يقصد أن هذا القسم من الغيرة مرادف للحسد، أو هل يقصد أنه يغار أن يكون هناك واحد يعبد الله معه؟ عند الصوفية موجود أنه يحب أن يحس نفسه أنه هو الوحيد الذي يعبد الله، بحيث لا يكون هناك واحد يعبد الله معه.
ثم ذكر قصة: حُكي أن الشبلي مات ابن له كان اسمه أبو الحسن، فحزنت أمه عليه وقطعت شعرها، ودخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته، أي حلق لحيته لأن النورة تستعمل في الحلق. فكل من أتاه معزياً له، كان يقول: «ما هذا يا أبا بكر؟» فلما رأى حالقاً لحيته، فكان يقول موافقة لأهله. فقال له بعضهم: أخبرني يا أبا بكر لما فعلت هذا؟ قال: علمت أنهم يعزونني على الغفلة، ويقولون: أجرك الله تعالى، ففديت ذكرهم لله تعالى على غفلة بلحيتي.
وقال: وأذن الشبلي مرة، فلما تأهب للاثنتين قال: «لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك». وسمع نورياً رجلاً ليؤذن فقال: «طعنه وسمع الموت»، وسمع كلباً ينبح فقال: «لبيك وسعديك». قيل له: إن هذا ترك للدين، لأنه يقول للمؤذن: «شوي شوي». فاشتمل الكلام في الغيرة على الأقسام الثلاثة. القسم الأول ما هو كراهة توبة العاصين وكراهة عبادة المقصرين، وهذه غيرة شرعية. كما ذكر مثال على هذا الموضوع كما ذكر عن الشبلي أنه سئل: متى يستريح؟ فقال: «إذا لم أرَ له ذاكراً».
يعزونني على الغفلة ويقولون: «أجرك الله تعالى» على الغفلة التي صدرت منه ومن زوجته، هذا يقصد على الغفلة، أي المعنى الذي صدر منه. فقال له بعضهم: أخبرني يا أبا... لما فعلت هذا؟ قال: علمت أنهم يعزونني على الغفلة ويقولون: «أجرك الله تعالى»، ففديت ذكرهم لله تعالى.
لا أنتظر قليلاً، قال: علمت أنهم يعزونني على الغفلة ويقولون: «أجرك الله»، ففديت ذكرهم لله تعالى على الغفلة بلحيتي. لأنني أشعر بالمعنى أنهم لما يجيئون ليعزوني يذكرون الله على غفلة، فيقولون لي: «عظم الله أجركم»، مش بقولوها وهم غافلون، فأقول أنا أغار أن الله سبحانه وتعالى يُذكر بهذه الطريقة على غفلة، فماذا أفعل؟ أعلق لحيتي عشان كل واحد يشوفني بدل ما يقول لي: «عظم الله أجرك»، يقول لي: ماذا أفعل بلحيتك؟ فتصبح القضية أنني شغلتهم بلحيتي عن موضوع "أجرك الله".
إذا نرجع لأول الفكرة، فالأول من الغيرة كراهة توبة العاصين. الآن وضحت أكثر، النوع الأول من الغيرة عندهم ما هي كراهة توبة العاصين؛ لما يكون إنسان مصراً على معصية ويتوب، تكون توبته غير صادقة، فيكره هذا النوع من التوبة. يقول الصوفية: هذه توبة العاصين، نريدها لأن هذا إنسان عاصٍ ومذنب ومع ذلك يتوب ويرجع ويعصي ومستمر على هذا الموضوع.
كذلك كراهة عبادة المقصرين، وهي التعزية؛ لما يجيء واحد يعزيك: «عظم الله أجرك» وهو غافل مقصر، يقول لك: هذه نريدها، فيغار من التوبة وهذا غلط يا أخي، حتى العاصي لو تاب خليه يتوب، ممكن يرجع يعمل وكذا وكذا، لكن خليه يتوب. وكذلك عبادة المقصرين، لو واحد عبد الله على تقصير، أدى حق الواجب فالعزاء، وقال لك: «عظم الله أجرك» وهو غافل.
لماذا يقول الصوفية بعضهم يغار أن الله يُعبد بهذه الطريقة؟ أخي كيف أنت تعبد الله وأنت غافل؟ أو مثلاً واحد يقرأ القرآن وهو غافل، لأعطيك أمثلة واقعية أكثر، ممكن يكون الشخص يقرأ القرآن وهو غافل، فتجد شخصاً يغار فيقول له: يا أخي لا تقرأ القرآن، سكر المصحف، مش مشكلة يعني هو ماشي صح مش مركز، ممكن يكون مشغولاً بشغله، لكن هو يقول: أنا أغار أن كلام الله يُقرأ بهذه الطريقة.
أو أحياناً قد تكون المرأة في البيت مشغولة، التلفزيون يعمل وهي تجلي وتنشط وتقضي أمور المنزل، وممكن يجيء شخص يقول: هذه أنا أكره عبادة المقصرين، هذه ليست أفضل طريقة لسماع القرآن، فيقول: أنا أغار أن القرآن يُسمع بهذه الطريقة. فهذا الذي صار مع الشبلي، ونقول هذا كلام ليس صحيحاً بهذا الإطلاق. لو كانت المرأة مشغولة وتتحدث مع صاحباتها وضحك وكذا، وهي تمشي في المنزل تروح وتجيء، ولو كانت هذه العبادة ليست في أعلى أنواع العبادة، لكن في مشكلة، لا تقل لي: والله أغار أن يُسمع كلام الله بأي طريقة، هذه الغيرة فيها مشكلة.
يقول ابن تيمية وذكر قصة الشبلي، عندما حلق لحيته، فقالوا له: لماذا تحلق لحيتك؟ قال: لأن الناس لما يجيئون ليعزوني سيقولون: «عظم الله أجرك» وهم ليسوا في كافة استحضارهم أنها عبادة ويعظمون فيها الله، فبالتالي حتى لا ينشغلوا بذكر الله على غفلة، رحت شغلتهم في نفسي، فماذا فعلت؟ حلقت لحيتي، فكل واحد يراني يدخل عليّ، وبدل أن يقول لي: «عظم الله أجرك»، يقول: الشبلي حلق لحيته! إيش هذا يا شبلي؟ فيصبح الاتناقش معي في موضوع حلق اللحية أفضل من أن يقول لي: «عظم الله أجرك» وهو غافل. يعني هي الطريقة إن صحت عن الشبلي القصة، طبعاً أنا في النهاية لا أقول إنها صحت.
قال: وسمع النوري رجلاً يؤذن، فلما انتهى إلى الشهادتين قال: «لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك». هل يقصد شهادة أن محمداً رسول الله مثلاً؟ هذا الذي يظهر لي، أنه حابب فقط يذكرك أنت، «فلولا أنك أمرتني ما ذكرت»، أو ربما يقصد أنه يشهد، يعني قد يكون ليس من شهادة محمد رسول الله، لأن قد يكون ذكر نفسه في هذا المقام، اشهد أنا، فبالتالي صار في استحضار لوجودي. فالأصل ألا يكون كل الكلام لك دون أن يكون لي أنا وجود في أثناء الأذان، تقول: «أشهد أن لا إله إلا الله»، فكأنه لما انتهى إلى الشهادتين قال: لولا أنك أمرتني أن أقول «أشهد» وأستحضر نفسي، لجعلت الأذان كله فقط ذكر لك: «الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح» بدون أن يكون لي حضور.
قال: وسمع النوري رجلاً يؤذن، فقال: «طعنة وسم الموت»، وسمع كلباً ينبح فقال: «لبيك وسعديك». فقيل له: إن هذا ترك للدين، قال له: أنت كفرت! سمع واحداً يؤذن قال له: «سم عليك وموت»، وسمع صوت كلب ينبح فقال: «لبيك وسعديك»، فماذا قالوا للنوري؟ قالوا: هذا كفر، أنت تستغفر الله العظيم! على الأذان تقول له: «سم»، وللكلب تقول: «لبيك وسعديك»؟ فقال: إن المؤذن يقول في تشهده: «طعنة وسم الموت»، ويلبي عند نباح الكلب. فسئل عن ذلك فقال: أما المؤذن فإنه يذكره على رأس الغفلة، أما الكلب فإن الله يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، فالمؤذن هذا يذكر وهو غافل بالتالي دعوت عليه، أما الكلب فإنه كل حيوان وجماد عوى أو صرخ، فإنه يذكر الله.
طيب هل هذا كلام مقبول؟ يا أخي خلي المؤذن يؤذن على غفلة، هل يحق لك أن تقول له هذا؟ طبعاً هذه إن صحت القصة عن النوري، ولكن من باب الفائدة. مثل هذه الكلمات والحكايات لا تصلح أن تُذكر للاقتداء أو سلوك سبيلاً، لما فيها من مخالفة أمر الله ورسوله، والذي يصدر عنه أمثال هذه الأمور، إن كان معذوراً بقصور في اجتهاده أو غيبة في عقله، فليس من اتبعه بمعذور مع وضوح الحق والسبيل، وإن كانت سيئته مغفورة.
لمقت ترن بها من حسن قصد وعمل صالح، فيجب بيان المحمود والمذمون لئلا يكون لبسا للحق بالباطل. قال أبو الحسين الوراق وأبو بكر الشبلي رحمهما الله: كانا معروفين بتغيير العقل في بعض الأوقات، يعني كان عقلهم يذهب في بعض الأيام. قال حتى ذهب الشبلي إلى المارستان مرتين، والوراق رحمه الله كان فيه وله، أي الرجل له إيجابيات وعليه سلبيات. قال وقد مات بأجمة قصب لما غلب عليه الوجه حتى أزال عقله.
ومن هذه حاله لا يصلح أن يتبع في حال لا يوفق الله ورسوله، وإن كان صاحبه معذورًا أو مغفورًا له، وإن كان له من الإيمان والصلاح والصدق والمقامات المحمودة ما هو من أعظم الأمور؛ فليس هو في ذلك بأعظم من السابقين الأولين والمهاجرين والأنصار والذين يتبعون بإحسان، فإنهم يتبعون في الطاعة ولا يذكرون إلا بالجميل الحسن، وما صدر منهم من ذنب أو تأويل وليس مما أمر الله به لا يتبعون فيه.
فهذا أصل يجب اتباعه. حلق اللحية منه عنه، مثله كرهها الله ورسوله. والمعزي أو المؤذن إن لم يكن معه كمال الحضور، فلا يجد سبه وذمه على ما أظهره من ذكر الله، بل يؤمر بما يكمل ذلك من حق القلوب والمحمودة. وإن كان ذاكرًا لله بلسانه، فأعظم مراتب ذكر الله بالقلب واللسان، ثم ذكر الله بالقلب، ثم ذكر الله باللسان. وقد روي أن الملائكة حضرت محتضرًا لم تجد له حسنة إلا أن لسانه يتحرك بذكر الله، فكان ذلك مما رحمه الله به.
وقد قال رجل للنبي ﷺ: «أوصني»، فإن شر سخطت علي، فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». وقال الله تعالى: ﴿أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي﴾ [البقرة: 152]، والذكر يكون بلسان الإنسان ولكن يكون لقلبه من ذلك نصيب؛ إذ الأعضاء لا تتحرك إلا بإرادة القلب، لكن قد تكون غفلة غالبة عليه، وذلك خير من عدم، والله يحبه ويأمر به.
وكان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن لم يغزه إلا أغار. وكثير من المؤذنين لا يكون كامل الحضور، بل المنافقون الذين يظهرون الإيمان بألسنتهم دون قلوب، يقولون على ذلك في الظاهر بامر الله ورسوله، فكفى بالمؤمن.
في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها إذا رأت شيطانها، وإذا سمعتم صياح الديك فاستأذنوا من فضل الله، فإنها رأت ملكًا». وفي سنن أبي داود عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم بقهقهة ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله منهم». فكيف تقول لنهيق الكلب لبيك وسعديك؟ أنت ما المأمور أن تقول لنهاب الكلب؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. على هذه الزيادة فأنت تقول لبيك وسعديك، وهذا خلاف النص النبوي.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي بالتثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول اذكر كذا، اذكر كذا». لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى؟ فإذا كان الأذان يطرد الشيطان، ونباح الكلب يكون عن رؤية الشيطان، فكيف يصلح أن يقال إلا أن هذا طعن في الموت لأجل تقصير، هذا بسبب غفلة في قلبه.
ولهذا لبيك وسعديك -لكون الكلب يسبح بحمده- فإن هذه حجة فاسدة، أما ذلك الغافل فإن أجره ينقص بغفلته. كما روى أبو داود في سننه عن عمار رضي الله عنه أنه قال: «إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها، حتى قال: إلا عشرها». فلا ريب أن الأجر ينقص بالغفلة، لكن استحقاق العقوبة نوع آخر، وإذا استحق العقوبة لم يجوز أن تكون عقوبته مقابلة لما أظهره من الحسنة.
وأما نباح الكلب إن كان تسبيحًا، فصوت المؤذن أولى أن يكون تسبيحه؛ في كل حال لا يكون نباح الكلاب الذي يقترن به الشيطان أدنى من ذلك من صوت المؤذن الذي هو سبب لهروب الشياطين. فلذلك إن كان لدلالته على الربوبية فصوت المؤذن أكمل، وإن كان لعبادته بما يستحقه الرب من الألوهية فصوت المؤذن أعظم. عبادة الله من نباح الكلب، فتسبيح كل شيء بحمده يدخل فيه المؤذن بكل حال أعظم مما يدخل فيه الكلب؛ فكيف يدخل الكلب النابح ويخرج المؤذن؟ نوع من الغفلة.
فهذا والكلب محرم اقتناؤه إلا لضرورة من صيد أو حرث أو ماشية، ومن اقتنى كلبًا بغير ثلاث نقص كل يوم من عمله قيراطًا. وتلبية الكلب في نباحه أمر منكر لا وجه له أصلًا، فلا يتبع أحد في ذلك وإن كان معذورًا أو مغفورًا له أو مشكورًا على حسنات غير هذا.
وكذلك الحكاية عن الشبلي أنه لما انتهى إلى شتى، قال: «لولا أن كرتني ما ذكرت معك غيرك»، فإن ذكر هذا في باب الغيرة منكر من القول وزور، لا يصلح إلا أن أبين أن هذا من الغيرة التي يبغض الله صاحبها، بل الغيرة من الشهادة لرسله بالرسالة من الكفر وشعبه. وهل يكون موحدًا شاهدًا لله بالألوهية إلا من شهد للرسل بالرسالة؟ وقد بينا في غير موضع من القواعد وغيرها أن كل من لم يشهد برسالة المرسلين فإنه لا يكون إلا مشركًا، يجعل مع الله إلهًا آخر، وإن التوحيد ونبوته متلازمان. وكل من ذكر الله عنه في كتابه أنه مشرك فهو مكذب للرسل، ومن أخبر عنه أنه مكذب للرسل فإنه مشرك، ولا تتم شهادته لله بالألوهية إلا بشهادة عبده بالرسالة، كما جاء مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. قال: «لا أذكره إلا ذكرت معي، ولا تتم لأمتي خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي».
وكذلك الحكاية التي سمعها من بعض الفقراء عن أبي الحسن الخزفاني أنه قال: «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله من داخل القلب، محمد رسول الله من القرد». قال أبو القاسم: من ينظر إلى ظاهر هذا اللفظ يتوهم أنه من غر الشرع، ولا كأن القرد...
القرط، وهي شحمة الأذن التي توضع فيها أقراط النساء، وكذلك الحكاية التي سمعتها بعض الفقراء عن أبي الحسن أنه قال: «لا إله إلا الله من داخل القلب، ومحمد رسول الله من الأذن». قال أبو القاسم: ومن ينظر إلى ظاهر هذه العبارة يتوهم أنه استصغر الشرع، أو كما يخطر بالبال؛ إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق متصاغرة في التحقيق.
وهذه الحكاية أيضًا من أقبح الكلام، وذكر هذا في باب الغيرة من أنكر المنكر، فإن هذا الكلام لا يقال إنه استصغار للشرع، بل هو من أكبر شعب النفاق وأعظم أركان الكفر، وصاحبه إن لم يغفر الله له لحسن قصده في تعظيم الرب. كما غفر الذي قال: «إذا مت إذا أنا مت فحرقوني واسحقوني وذروني في اليم»، فغفر الله له شكه في قدرته على عادته خشية هو.
ما المشكلة في هذا الكلام؟ لأن هذا الرجل لما قال: «لا إله إلا الله من داخل القلب ومحمد رسول الله من القرط»، كأنه يقول لا يخرجان عندي من منبع واحد، غير أنه يذكر مع الله محمدًا ﷺ، فيقول ابن تيمية: «هذا الكلام ليس من مجرد الاستخفاف بالشرع، هذا كلام كفر؛ يعني أن تقول محمدًا ﷺ أذكر اسمه من الأذن وأما لا إله إلا الله فهي من القلب، هذا ليس مجرد استصغار، هذا نوع من الاستهانة بالشريعة».
قال: «بل هو أكبر شعب النفاق وأعظم أركان الكفر وصاحبه إن لم يغفر الله له لحسن قصده». وإلا مات كافرًا؛ لأنه لا يصير أن تقول: لا إله إلا الله أقولها من قلبي، بس محمد رسول الله من باب الغيرة يعني أقولها من القرط.
لذلك نفس القشيري شعر أن فيها مشكلة في العبارة، فقال: «ومن ينظر إلى ظاهر هذا اللفظ يتوهم أن هذا الرجل استصغر الشرع...» كما يخطر بالبال، يعني هو يقول لك لا، كأنه هذه ليست كما يخطر في بالك؛ إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق متصاغرة في التحقيق. يعني هو يقول إذا أردت أن تضيفه إلى الله فإن خطره سيكون أقل حتى لو كان رسولًا من رسل الله، هكذا حاول القشيري أن يدافع عن هذه العبارة.
«الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق متصاغرة»، شو يعني الأخطار؟ الأخطار هي القيمة أو الأهمية، يقول لك هذا شيء خطير يعني له أهمية. والأغيار: كل ما سوى الله يسمى غيرًا، فيقول كل خطر لغير الله، يعني كل قيمة وكل أهمية لغير الله، بالإضافة إلى قدر الله تبقى متصاغرة، حتى يقول لك حتى ولو كان في مقام محمد ﷺ فإن خطره إذا قُنّ بخطر الله، في النهاية هو خالق ومخلوق فلا يمكن أن يقارن بينهما. لكن حتى لو كان هذا مقصوده، فليس من الأدب ولا من الاحترام ولا من التقدير أن تقول: لا إله إلا الله من القلب ومحمد ﷺ من القرط، ليس بهكذا طريقة يعبر عن مقام سيدنا محمد ﷺ.
قال: «وذلك أن الإيمان بالرسل عليهم السلام ليس من باب ذكر الأغيار، بل لا يتم التوحيد لله والشهادة له بالوحدانية والإيمان به إلا بالإيمان برسالة». فمن جعل الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله غيرًا للإيمان به، وجعل الإعراض عنه من باب الغيرة المعظمة عند المشايخ، فقد ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعًا. ومن لم تكن الشهادة بالرسالة داخلة في ضمن قلبه بشهادة بالألوهية فليس بمؤمن.
وفي مثل هذا جاء الحديث المتفق عليه في الصحيحين عن أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل وقريبًا من فتنة الدجال، يؤتى رجل في قبره فيقال له: ما علمك بهذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فإما المؤمن وإما الموقن، فيقول: هذا هو محمد عبد الله ورسوله جاء بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه، وإما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته».
ثم إنك تجد هؤلاء الذين يغلون بزعمهم في التوحيد حتى يعرضون عن الكتاب والسنة ويستخفون بحرمتهما، ويعظم أحدهم شيخه ومتبوعه أكثر مما يعظم الرسول ﷺ، وتجدهم يشركون بالله في استغاثاتهم بغيره، وخوفهم ورجائهم لغيره، ومحبتهم لغيره، فتجد فيه من أنواع الشرك الجلي والخفي التي نهى الله عنها ورسوله، ومع هذا فيعرضون عما هو من تمام التوحيد زعمًا أنهم يحققون التوحيد.
وأما اعتذار أبي القاسم عنه بأنه الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق متصاغرة، فذلك عذر باطل؛ وذلك أن الشاهد للرسول بالرسالة لم يجعله ندًا لله، لأنه لما تقول بعد "أشهد أن لا إله إلا الله" "أشهد أن محمدًا رسول الله" وتقولها من قلبك، هل أنا جعلت النبي ﷺ ندًا لله بهذه الطريقة؟ لا داعي لهذه المبالغة، لم يجعله ندًا لله بمجرد ذكره بعده، ولا شريكًا له ولا ظهيرًا، وليس هذا من مقصودي.
وهذا الكلام يريق بمن يقول إن الله ثالث ثلاثة، أو يجعل لله شريكًا وولدًا. لو أن واحدًا يعتقد أن النبي ﷺ ابن الله -والعياذ بالله- كما تقول النصارى، ربما تفهم كلامكم أيها الصوفية، لكن نحن لما نقول أشهد أن محمدًا رسول الله نحن لا نعتقد كما تعتقد النصارى الولد أو الابنية أو ما شابه ذلك.
قال: «أو بمن يستغيث بمخلوق ويتوكل عليه أو يعمل له أو يشتغل به عن الله، فيقال له فاعبده واصطبر لعبادته، هل تعبد له سميًا؟ ويقال له فاعبد الله مخلصًا له الدين». ﴿إِلَّا اللَّهَ ۚ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۗ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الزمر: 3].
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ۖ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 43-44]، إلى أمثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجد التوحيد وتحقيقه، وقطع ملاحظات الأغيار في العبادة والاستغاثة والدعاء والمسألة والتوكل والرجاء والخشية والتقوى والإنابة ونحو ذلك، مما هو بخصائص حق الربوبية التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل. فأما الإيمان بالكتاب والرسول فهذا من تمام...
الإيمان بالله وتوحيده لا يتم إلا به، وذكر الله بدون هذا غير نافع أصلاً، بل هو سعي ضال وعمل باطل. لم يتنازع المسلمون في أن الرجل لو قال أشهد أن لا إله إلا الله ولم يقر بأن محمداً رسول الله، فإنه لم يكن مؤمناً ولا مسلماً ولا يستحق إلا العذاب. ولو شهد أن محمداً رسول الله لكان مؤمناً مسلماً عند كثير من العلماء. وبعضهم يفرق بين من كان معترفاً بالتوحيد كاليهود ومن لم يكن معترفاً به، وبعضهم لا يجعله مسلماً إلا بالنطق بالشهادتين، وهي ثلاثة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره.
وهذا معنى ما يروى في بعض الآثار: «يا محمد، تذكر ولا أذكر فارضى، وإذا ذكرت ولا تذكر فاقبض». ومعنى ذلك: إذا ذكرك الله برسالته فقد تضمن ذلك ذكر الله، وأما من ذكر الله ولم يذكره برسالته فإنه لا يكون مؤمناً. وحيث جاء في الأحاديث: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وأسعد الناس بشفاعته من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه»، ونحو ذلك؛ فذلك مستلزم للإيمان بالرسالة كما بيناه في غير هذا الموضع، وأنه لا تصح هذه الكلمة إلا من المقرين بالرسالة وبما وقع فيه هؤلاء وأمثالهم من ضعف الإيمان بالكتاب والرسول، وبعض أنواع الضلالة والجهالة حتى في الشرك الذي زعموا أنهم فروا منه. فنسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه، آمين.
وكذلك قول الشبلي لما سئل: متى تستريح؟ فقال: «إذا لم أرَ له ذاكراً». وذكر هذا في الغيرة التي هي من طريق أولياء الله وعباده الصالحين، ومن أعظم المنكرات ومن القول الذي يبغضه الله ورسوله وأولياؤه من المؤمنين الأولين والآخرين؛ أَيغار المؤمن أن يذكر الله؟ أو يغار أن تنتهك محارم الله؟ وليس لهذا القول وجه يحمد به، وأما قائله فلعله كان مسلوب العقل حين قال ذلك، فقد كان كثيراً ما يزول عقله. وهذا مشكلة الشبلي، ابن تيمية مسكه على هذه القضية، فكل ما جاء يلبّي من سامحه، كان دائماً يذكر له قصة المستشفى. سبحان الله، بعض الناس يقع في مواقف الحياة محرجة وتبقى بصمة في حياته.
فإن قصد به أن أحداً لا يذكره كما يستحقه، فالذي يستحقه هو العبادة التي هي حق الله على عباده، وهو لا يكلفهم أكثر من طاقتهم، وهذا هو الذي يؤمرون به ويقبله الله منهم. وإن قصد أنهم يقصرون في الواجب، فبعض الواجب خير من تركه كله، وإن كان هذا لضيق في نفسه وحرج في فؤاده، فهذا من الغيرة التي يبغضها الله ورسوله، وهو شر من الحسد.
ومما يشبه هذا ما ذكره لي مرة بعض أصحابنا الفقراء وفيه خير ودراية ومعرفة، أنه كان يصلي بالليل، فقام آخر يصلي، فقال: أخذتني الغيرة! فقلت له: هذا حسد وضيق وعظم وليس بغيرة؛ إنما الغيرة إذا انتهكت محارم الله. والله تعالى واسع عليم، يسع عباده الأولين والآخرين، وهو يحب ذلك ويأمر به ويدعو إليه، فكيف يبغض المؤمن ما يحبه الله؟
لذلك يا إخواني هذا شديد، وهذا يحصل أحياناً في بيئات طلب العلم والبيئات الخيرة؛ أنك تقوم وأنت تفعل طاعة، فتجد أخاك قام يفعل مثلها، فتتأول أنه غيرة، وتقول: أنا أريد ربي لي، وربنا واسع. الله عز وجل يسمع الأصوات ويرى الجميع، أنت صلي وهو يصلي، وأنت تدعو وهو يدعو. فهذه فكرة نشأت عند بعض الصوفية؛ قضية الغيرة بأنني الآن أخاطب الله فانت لا تدخل، والعياذ بالله، هذا حسد أنت تلبسه لباس الغيرة وجهل بأن الله سبحانه وتعالى يسع كل الأصوات ويسع كل الناس، فتظن أنك إذا تكلمت مع الله، فإذا جاء واحد نافسك فدعى الله سيشغل الله عنك. فهذا يحذر منه لأنه وقع فيه بعض الصوفية.
وهذا القدر واقع كثير في من أرباب الأحوال حتى يقتل بعضهم بعضاً ويعتدي بعضهم على بعض. يقولون: هذا غيرة على الحق، وإنما هو تعدٍ لحدوده وظلم لعباده وصد عن سبيله، وتمثيل فيه للحق تعالى بالأمر الذي يتغير عليهم الفساق لضيق المحل. هذا شغل دنيا ونساء؛ أن تكون على علاقة مع محرمة فتجد شاباً غاراناً على البنت إذا جاء شاب آخر يريدها تجده يتقاتلون. أما الإله أمره أعظم وأجل، والعياذ بالله من أن نقاس بهذه الحالة الدنيئة.
إن الذي يتغير عليهم الفساق لضيق المحل هو من طلب الفساد والعلو في الأرض، وطلب الانفراد بالتأليه؛ لا لأجل الله، لكن لأجل الاستعلاء في الأرض، فهو من الكبر والحسد، من جنس ذنب إبليس وفرعون وأخوي بني آدم. فهذا طلب الانفراد بالتأليه؛ بأن هذا الشيخ يريد أن يكون هو الذي يمارس العبوديات وحده، وهذا شكل من أشكال طلب العلو في الأرض.
وكأن بكلمة الشبلي: «عندما لا أجد له ذاكراً»، يريد أن يكون هو الوحيد الذي يذكر ربه، فيقول لك: أنا غيور على الله! وهذه شبهة والعياذ بالله فاسدة دخلت عند بعض الصوفية. فهو من الكبر والحسد، لا من أعمال عوام الخلق، فضلاً عن مؤمنيهم وفضلاً عن أولياء الله المخلصين. ولهذا نجد أمثال هؤلاء من أقل الناس غيرة إذا انتهكت محارم الله؛ فالمؤمن الذي يفكر بهذه الطريقة، إذا رأى الناس تزني وكذا، يقول: ليس مشكلة، خليهم يزنوا، لأنني أنا الذي أريد أن أتفرد بالعبودية لله سبحانه وتعالى.
موافق لمقصده، وإذا رأى مثلاً طالب علم إخوانه في الله، مثلاً كان يطلب علماً ترك، أو كان شخصاً يشتغل في حقول دعوية وانشغل، تقول لك: الحمد لله ربنا شغله، صرت أنا المتصدر في الباب الدعوي، أنا الوحيد الذي يحكي، فيفرح عندما يرى داعية مثلاً سُجن، أو يفرح إذا رأى داعية ابتُلي، أو إذا رآه مات.
ليه؟ لأنه يريد العلو في الأرض، هو يريد أن يشعر أنه أنا الداعي الوحيد، أنا الوحيد الذي أقدم للناس والناس تسمع مني، وإن كان يصوره أنه غيره، وأنه يريد أن يكون هو عند الله أكثر شيء، لكن هو حسد؛ لبس لباس الغيرة، ليس هو غيرة بالمعنى الحقيقي.
لذلك نجد أمثال هؤلاء من أقل الناس غيرة، إذا انتهكت محارم الله ويكون المؤمنون منهم في تعب والمشركون منهم في راحة، ضد ما نعَت الله به المؤمنين حيث قال: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. فهؤلاء مَن يفرح فيهم المشركون؟ هذا النوع من المشايخ مَن يفرح به؟ المشرك؛ لأنه يقول لك هذا يخدمنا، هذا يريد أن يكون هو فقط، ولذلك يصطادونه المشركون والمؤسسات الدولية عموماً.
الفائدة: إذا شافت شيخاً أو داعية متصدراً حابب يكون هو الكل، الكل بيفرحوا فيه. ليه؟ هذا مشروع تستثمر فيه أمريكا، أن هذا الرجل يريد أن يسقط غيره حتى يخلو له الجو، يعني هو لا يعرف التعاون في الحقول الدعوية، ما يعرف يشترك مع إخوانه، وأن أخي هذا الشيخ الفلاني سد ثغراً للأمة، وأخونا فلان الشيخ سد ثغراً، وأنا أحد الثغور التي تسد، مش لازم أكون أنا وحدي.
دائماً المشركون يحبون هذا النوع ممن يحب الاستئثار، أنه يخدم فكرتهم، هو سيسعى دوماً إلى إسقاط المخالفين له، وبالتالي بتلاقي ممكن حتى أمريكا أو غيرهم، استخباراتهم وأذنابهم يشترونه ويحاولون تحريضه على غيره من الدعاة أو على غيره من المصلحين، أو يفتحون له قنوات معينة أو بطريقة ما يساعدونه في الترويج لمقاطعه؛ لأنه هذا مشروع يستثمر فيه، هذا واضح حابب يكون الجو له، استثمروا فيه استثماراً وخلوه يسقط غيره من الدعاة وهكذا.
طبعاً بحجة أنه أنا حابب يكون حدا أكثر مني إنجازاً للأمة، هيك بيجي الشيطان أنه أنت لازم تحب أن تكون أنت أكثر شخص منجز للأمة، وإذا شفت داعية عم بينجز أكثر منك أو له أيادي بيضاء أكثر، لا، لازم تعرف كيف تسقطه أو تبقى تكسر مجاديفه، حتى تقول: "يا رب أنا والله مش حاسد، بس أنا حابب أن أكون أنا الأكثر أداءً". لا، أنت حاسد، بس أنت بتحاول تضبطها نفسياً لحتى يظهر لك الموضوع أنه أنا بس والله من باب حب الخير أن أكون أنا أفضل شخص عند الله، أن أكون أنا القائم بحق الدعوة في هذا الزمان وحامل اللواء والراية، فيلبس الحسد لباس الغيرة.
على الله، هذه شوف كيف امتدادها من فكر الصوفي، أو موجودة على الأقل عند الفكر الصوفي. وقال تعالى: ﴿أَعِزَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 56]. فشانهم من جنس الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان».
يتعب منهم المؤمنون؛ هذا النوع ممن يتصدر للدعوة وهدفه يسقط الدعاة الآخرين، أنتم شايفين بعض الفرق بدون ذكر أسماء، الذين 24 ساعة تبديع وتبديع وإسقاط وكذا، وبس هم الشيخين الثلاثة الذين يمكن يركن إليهم ولا غير كذا من مشايخ الأمة وعلمائها، هؤلاء يجب إسقاطهم، هو يلبس ذلك لباس الجرح والتعديل، وإنما هو في الحقيقة نوع من الحسد.
تجد شيخاً ربنا بارك في دعوته وإصلاحه بين الناس وله آثار، كمشايخنا يظلهم وراءهم حتى يتم اعتقالهم، أو وراءهم حتى كذا. طبعاً شو الفكرة؟ يقول لك نحن هدفنا أن نمنع الحزبيين ونمنع السروريين، ويجيب لك أسماء وألقاب وينزل كلام كله كلام مرسل لم يسق، وفي النهاية هو هدفه أن فقط الشيخ تاعه هو الذي يكون بارزاً، والشيخ يأمر تلاميذه بهذه الطريقة، وتنشأ الفساد في الأمة.
لذلك كما قال، لاحظ هؤلاء ما حالهم كما قال عنهم شيخ الإسلام: "يكون المؤمنون منهم في تعب والكافرون منهم في راحة"، لأنه مشتغل فقط في المشايخ والدعاة والمصلحين، يعني يا ليته آذى المشركين، أو يا ليته فعلاً أزعجهم أقلقهم، فعكسه هو، قد يكون كما قلت لك أحد الاستثمارات الناجحة للمشركين.
وأما المذهب الثاني، فإنه قال: «ومن الناس...»، المذهب الأول في الغيرة الفاسدة، ما هو المذهب الذي حمل على الشبل؟ مذهب الذين يكرهون توبة العاصين ويكرهون عبادة المقصرين، الذين يقولون أنا ما بحب واحد يعبد ربنا وهو مقصر، ويكره برضه توبة العاصين، والظاهر أنه يكره توبة العاصين مش لأنها عن غفلة، بل الذي فهمته يكره توبة العاصين لأنه يريد هو يعبد وحده، يعني عاصين؛ لأنه يريد أحداً يشاركني في عبادة ربنا، أنا بدي أعيد ربنا وحدي. طيب اللي هو الآن الانفراد بالتأله، عجبني هذا المصطلح.
وأما المذهب الثاني، فقد قال القشيري: "ومن الناس من قال إن الغيرة من صفات أهل البدائه، وأن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس له فيما يجري في المملكة تحكم، بل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضي".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي... إيش يعني هذا الكلام؟ هذا الكلام اللي هو الاستسلام للقدر. الطرف الثاني، لأن شيخ الإسلام ذكر أن الصوفية عندهم ثلاثة أشكال من الغيرة: غيرة موافقة لأهل السنة، وغيرتان مذمومتان.
الطرف الأول: أن يغار على أشياء لا يريد الله غيرها منها، وهي طريقة الشبل التي ذكرها إن صحت عنه. الطرف الثاني نقيضها، وهي أنه لا يغار على شيء من المعاصي والذنوب التي تحصل في الأرض بحجة أنه هذا قضاء الله وقدره، ذكرناها في أول الكتاب، ويعتقد أن الغيرة هذه من البدائه، يعني كأنك لم تصل بعد إلى مرحلة الفناء، فإن تشاهد الله في كل شيء حتى أن تشاهد فعل الله في المعاصي والذنوب، فيقول إن الغيرة من صفات أهل البدائه، يعني كأنها صفات أهل البدائه الذين ما زالوا بسيطين، لم يصلوا إلى مرحلة أن يفهموا الأمور كما هي، وأن الموحد...
الحقيقي لا يشهد الغيرة؛ لأنه يشهد أن كل شيء في الكون هو إرادة الله، فيحب كل شيء، حتى الزنا حتى الفجور، وهذا والعياذ بالله مشكلة، وقد يصل بصاحبه إلى الكفر.
ذكر في القشيرية، والبداية تكون أوضح في نسخة أخرى، البداية برضه بضبط؛ يعني صفات أهل البداية، لساته في الخطوة الأولى، لم يصل لمرحلة الفناء وهي قمة التوحيد عندهم.
قال: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: «الغيرة من عمل المريدين، فأما أهل الحقائق فلا مريد». هذا لساته كيان. قال: سمعت أبا نصر الإصبهاني يقول: سمعت الشبلية يقول: «الغيرة غيرتان؛ فغيرة البشرية على النفوس، وغيرة الإلهية على القلوب».
قال: قلت: أما نفي الغيرة مطلقًا وجعلها من عمل المريدين، فهذا يضاهي قول من يشهد توحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ولا يشهد توحيد الألوهية وطاعته ورسله؛ فلا يفرق بين المؤمن والكافر، والأعمى والبصير، والظلمات والنور، وأهل الجنة وأهل النار. فهؤلاء الذين يشهدون فقط الربوبية.
ما معنى ذلك؟ أن يشهدون أن كل شيء في الكون وفي مصدره الرب، فبالتالي كل شيء بالنسبة لنا لازم نقبله بدون ما نغار؛ لأنه مصدره الرب. ولا يشهد توحيد الألوهية، أن هذه الأفعال والأشياء والمنتجات والمصنوعات، ماشي صحيح ربنا خلقها، لكن منها ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله، فهذا مقام قوم الألوهية يشهد أيضًا.
قال: وقول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]؛ فإن المشركين استدلوا بالقدر على نفي الأمر والنهي والمحبوب والمكروه والطاعة والمعصية، ومن سلك هذا المسلك فهو في نوع من الكفر البين.
وقول القائل إن الموحد لا يتصف بالاختيار؛ كلام مجافٍ، فإن أراد به أنه لا يختار بنفسه ولنفسه فقد أحسن، وإن أراد به أنه لا يختار ما اختاره الله وأمره وأحبه ورضيه، وأمره هو أن يختاره ويريده ويحبه، فهذا كفر. قلت: إذا نفيت الاختيار بهذا المعنى فهذا كفر، بل لابد أن تختار ما يحبه الله ويرضى.
بل المؤمن، أما إذا كنت تقصد أن المؤمن لا يختار أن كل شيء في حياته بقضاء وقدر، فهذا صحيح، المعنى الأول صحيح بس المعنى الثاني ما يصح. بل المؤمن عليه أن يريد ويختار ويحب ويرضى، والله منحه القدرة، أعطاك إرادة حرة هنا. ويطلب ويجتهد فيما أمر الله به وأحبه ورضيه وأراده واختاره دينًا وشرعًا.
وكذلك قوله: «ليس له فيما يجري في المملكة تحكم»، إن أراد به أنه لا يعارض الله في أمره ونهيه فهذا حسن وحق؛ فإن عليه أن يرضى بما أمر الله به ويسلم لله، ومن ذلك التسليم لرسوله كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
ثم ذكر الآيات التي تدل على وجوب التسليم لشرع الله والانقياد له، وقال النبي ﷺ: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد خالف أمر الله في أمره».
وقوله: الموحد لا يتصف بالاختيار؛ فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، فهو توحيد الألوهية، وهو مستلزم لتوحيد الربوبية، وهو أن يعبد الحق رب كل شيء. طبعًا إحنا عادة بنقول توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، هنا العبارة جابها بالعكس؛ عادة في المتأخرين ماذا نقول؟ توحيد الربوبية يستلزم التوحيد وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية. لكن نلاحظ هنا ابن تيمية ماذا قال؟ توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية.
أنت فهمتوا الفرق بين العبارتين؟ نحن عادة ماذا نقول؟ توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، لكن ابن تيمية ماذا قال؟ توحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية. بالتالي، أعتقد أن العبارة ما فيها مشكلة أن تقول توحيد الألوهية إذا اخترت الله إلهًا فهذا يستلزم أن تعتقده ربًا. أحيانًا نحن نشدد شوي في الألفاظ، نقول هنا يستلزم وهنا يتضمن، لا عادي، ابن تيمية عبر في كلا الحالتين؛ يستلزم توحيد الربوبية، ويستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية، يعني ما تشد كثير في الألفاظ.
شيخنا، الحاشية قال: في الأصل كان أن يشهد غيرها المحق أن يعبد، هل لها وجه؟ فهو أن يعبد الله وحده، وهو أن يعبد الحق رب كل شيء. أما مجرد توحيد الربوبية، قال: وهو شهود ربوبية الحق لكل شيء، فهذا التوحيد كان في المشركين كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].
وكذلك إن أراد اعترافه بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وشهوده لفقره وعبوديته وفقر سائر الكائنات، وأن الله هو رب كل شيء وعالم بكل شيء ومليكه، لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يعطي ولا يمنع إلا هو، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع؛ قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2]. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ وَإِنْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
فإن أراد هذا المشهد فهذا أيضًا من الإيمان والدين؛ فالأول الإقرار بالأمر والنهي واتباع ذلك هو عبادته، وهذا الإقرار بالقضاء والقدر وشهود الافتقار إلى الله هو استعانته، ولهذا قال في الصلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. قال الله: «هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». وعلى هذا يخرج قول أبي يزيد: «إرادتي لا إرادة لي»، أي لا إرادة لي بنفسي ولنفسي، بل لا إرادة إلا ما أمرتني أنت به، إذا هكذا يضبط؛ يعني أريد أن أختار إلا ما تختاره وما تحبه وما ترضاه.
قال: وأما عدم الإرادة مطلقًا فمحبته وطلبه محرم شرعًا، والمقر بذلك فاسد العقل والدين.
والمنهي عنها كافر بدين الله وما جاءت به رسله. وأما المريد لما أمر أن يريده ويعمله، والكاره لما نهي عنه، فهذا هو المؤمن. الواحد يعني أن تريد كل شيء أن يحصل، الخير والشر، الأمر والنهي؛ إذا أردت حصول كل هذا كفر؛ لأنك تريد الزنا وتريد العفة، تريد الكفر وتريد الإيمان، إذا أنت تريد كل هذا يحصل فهذا كفر. لكن إذا كنت تريد ما يحبه الله ولا تريد ما لا يحبه الله فهذا هو التوحيد المطلوب.
قال: فإن أراد بقوله الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، أنه لا يختار شيئا أصلا، لا مما أمر به ولا مما نهي عنه، فهذا مع بطلانه في الواقع وفساده في العقل، فهو من أعظم المروق من دين الله؛ إذ عليه أن يريد كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه له ويحبه له، لأنه أصلا لا يمكن أن لا تريد. فلو أن الإنسان قال المطلوب منك أن لا تريد أي شيء، إذا كان هذا المراد فهذا شيء مخالف للواقع؛ أنه الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون أن يريد، وفي نفس الوقت هو خروج من الدين؛ لأن المطلوب منك أن تريد ما يريده الله، فإذاً هو مخالف للطبيعة ومخالف للشريعة.
قال: ويستعين الله على هذه الإرادة والعمل بها، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال: وأصل صلاح القلب صلاح إرادته ونيته، فإن لم يصلح ذلك لم يصلح القلب، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد.
وكذلك قوله: ليس له فيما يجري في المملكة تحكم، إن أراد به أنه لا يغار إذا انتهكت محارم الله، ولا يغضب لله، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يجاهد في سبيل الله، فهذا فاسق مارق بل كافر وإن أظهر الإسلام، وإن كان له نصيب من الزهد والعبادة. ومعلوم أن المؤمن لا يخلو من ذلك بالكلية، ومن خلا من ذلك بالكلية فهو منافق محض وكافر صريح؛ إذ المؤمن لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، ولا بد أن يتبرأ من الإشراك بالله وأعداء الله.
كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]، وكذلك الآيات التي بعدها في دلالة أن المؤمن مهما نقص إيمانه ومهما ضعف لابد أن يبقى له حد أدنى من أشياء يبغضها لله، أما إذا ما في أبدا أي شيء تبغضه لله حتى الشرك معنا، أنت خرجت خارج دين الإسلام.
ثم قال: وأيضا فالقائل إن الإنسان ليس له أن يبغض شيئا أو أن يختار، وأن هذا من قبيل التحكم، بل لا يثبت عليه، بل لا بد له أن يكره أمورا كثيرة مضرة؛ أليس أنت تكره واحدا يضربك؟ ولا تحب أيضا واحدا يضربك، أو تحب واحدا يجيء يسرق بيتك؟ فجد أن بعض الأقوال من الناحية الفلسفية لا تطبيق لها من الناحية الواقعية، وكثيرا ما يعتدي في إنكاره حتى يخرج عن العدل.
يعني بعض الناس يقول لك يجب أن ترضى بكل شيء، بس خليه يسرق منك، ليس أنه فقط ينكر الإنكار الشرعي، تجده يرفع قضية وبعدها قضية ويبهدل ويعمل مشاكل. يا ابن الحلال، أنت لست صاحب صوفي وتقول إنه الواحد لازم يرضى بكل شيء خيرا أو شرا، إذا سرق منك دينار، ألم تنهه بالقدر المعقول وتعمل مشاكل وكبرتها وصار قضية حق؟ وقول لك هذا كلام لا ينطبق على صاحبه، فهذا خروج عن العقل والدين، بل حتى إن الإنسان لا يكره أي شيء هذا خروج عن الإنسانية كلها، يقول لك بالتأويل عن الإنسانية بالكلية؛ ما في إنسان يحب كل شيء، هذا لا يوجد.
قال: وعن الإنسانية بالكلية إذا أخذ على عمومه، وأما أن يقبل ذلك في بعض الأمور بحيث يترك الكراهة أحيانا لما كرهه الله، والغيرة أحيانا إذا انتهكت محارم الله، فهذا ناقص، هذا ناقص بحسب ذلك.
قال: بل قد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فإن لم يكن في القلب إنكار ما يكرهه ويبغضه لم يكن فيه إيمان. وفي صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق».
وتحقيق ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: 24]. وقد ذكر الله في سورة براءة وغيرها من صفة المنافقين ما فيه عبرة لهؤلاء، ووصف المؤمنين والمؤمنات بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71].
وكذلك قوله: بل الحق أولى بالأشياء، فيما يقضي على ما يقضي فيه تقصير في خلق الرب وأمره، بل الحق -يعني هو الحق هنا هو الله- بل الله أولى بالأشياء فيما يقضيها، فهذا فيه تقصير في خلق الرب وأمره. فإن قوله "أولى" قد يفهم منه أن له شريكا، بل لا خالق إلا الله، لأنك تقول "بل الحق أولى"، والأولوية ماذا تفهم منها؟ أن هناك شخصا له في ذلك نفوذ لكن الله هو أولى من يفعل ذلك. وحقيقة إذا حملت أفعال التفضيل على أنها مشكلة، فمشكلتك أن أفعال التفضيل يمكن أن لا تُحمل على بابها، وأنه لم يقصد بالأولوية ضرورة أن يفهم أن له شريكا في ذلك، حتى نعتذر أيضا لصاحب الكلام.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: 22].
قال: وأما الأمر فإنه سبحانه أمر العباد ونهاهم، فعلى العبد أن يفعل ما أمره به من الغيرة وغيرها، فإذا كان قد أمره بأن يغار لمحارمه إذا انتهكت، وأن ينكر المنكر بما يقدر عليه من يده ولسانه وقلبه، فلم يفعل فإنما هو فاسق عن أمر ربه، لا تارك لمشاركته؛ إذ لا سبيل له إلى الشرك بحال، وهو سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فلا تحتج بكونه أولى من العبد بخلقه على ترك ما أمر به من محبوبه ومرضيه وطاعته وعبادته في الأمر بالمعروف، فإن تحتج بكون الله سبحانه وتعالى تعالى أولى من العبد بخلقه، وهو الأحق، يقضي فيهم ما يقضي، أن تحتج أنت أيها الصوفي بذلك على تركك لما أمر الله به من محبوبه ومرضيه، وتركك لطاعته وعبادته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فيه أمران قبيحان؛ أولا توهم أنه أصلاً هناك منافسة بين الله وبين العبد على الناس، توهم نوع مشاركة من العبد له إذا أطاعه وعبده. قال: وإسقاط ما أمر به وأحبه من الغيرة. وهذا الكلام كان قائله لم يغالب المقادير بنفسه لنفسه مثل الملوك المتغالبين والأمم المتعادين من أهل الجاهلية، الذين ليس فيهم من هو مطيع لله ورسوله بجهاده، بل كلاهما متبع هواه خارج عن طاعة مولاه.
إذا أعرض المؤمن عنهم ولم يعن واحداً من منهما، لا بباطنه ولا بظاهره، إذا كانا في معصية الله سواء، فهو محسن في ذلك. وأما إذا كان الأمر عبادة لربه وهو مستعين به فيه، فكيف يكون الإعراض عن هذا الأمر طريقة عباد الله الصالحين وأولياء الله المتقين؟ وهل الإعراض عن هذا إلا من طريقة الجاهلين الظالمين الفاسقين عن أمر رب العالمين؟
وأما قول شيخ أبي عثمان: «الغيرة من عمل المريدين»، فأما أهل الحقائق فلا. فلم يرد والله أعلم بذلك الغيرة على محارم الله وهي الغيرة الشرعية، فإن قدر الشيخ أبا عثمان أنه أجل من أن يجعل الغيرة التي وصف الله بها نفسه وكان رسوله فيها أكمل من غيره، وهي مما أوجبه الله وأحبه، من عمل المريدين دون أهل الحقائق. وإنما الغيرة الاصطلاحية التي يسميها هؤلاء المتأخرون غيرة، كما قدمناه، مثل الغيرة المتضمنة للمنافسة والحسد، التي هي الغيرة بالمعنى الأول المذموم؛ أنك تغار أن واحداً ينافسك في طلب العلم، أو تغار أن واحداً يعبد الله مثلك، أو واحداً يقوم الليل مثلك، هذه من شغل الأطفال الصغار المريدين، أما أهل الحقائق فما يليق بمقامهم هذا.
قال: مثل أن يغار أحدهم إذا رأى أحداً سبقه إلى الحق أو نال منه نصيباً وافراً ونحو ذلك، فإن هذا كثير جداً في السالكين. فقال الشيخ إن هذه الغيرة تعرض للمريدين حيث لم يشهدوا الحقائق، وأن الله هو المعطي المانع. فأما أهل الحقائق الذين يشهدون أن الله هو المعطي المانع وأنه لا رب غيره، فإنهم لا يغارون على ما وهبه الله عباده من هباته المستحبة أو المباحة، ولا يعتبون على الحوادث، ولا يعتبون على الأقدار؛ ليس لأن القدر ما جاء معي وجاء مع فلان.
قال: كما يفعله من الناس في سبهم الدهر، كما ثبت في صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الأمر، يقلب الليل والنهار». ويقول الله تعالى: ﴿يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [الحديث]. فهذا الذي فسر به شيخ أبو عثمان هو الفرقان.
وكذلك ما ذكره الشبلي أنه قال: الغيرة غيرتان؛ فغيرة بشرية على النفوس، وغيرة إلهية على القلوب. قال الشبلي: الغيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله. إذا فسر بأن البشر يغرون على الحظوظ مما هو من جنس المنافسة والمحاسدة، وليس هذا بمحمود، وأما الغيرة الإلهية على القلوب على ما يفوتها من محاب الحق ومن رضيه، فهذا كلام حسن من أحسن كلام الشبلي رحمه الله عليه. فإن كان هذا يغار على نفسه فلا كلام، وإن كان يغار من حال غيره ففيه شبه من قول النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً وسلطه على هلكته في الحق». فإنه أخبر أنه لا ينبغي لأحد أن يغبط أحداً إلا على هذا.
وكذلك ما ذكره أبو القاسم القشيري، بالتالي سيكون هناك معنى صحيح لكلام الشبلي لما قال: الغيرة غيرتان، غيرة بشرية على النفوس، وهي الغيرة على حظوظ الدنيا وهذه مذمومة، وغيرة إلهية على القلوب؛ لأنه يكون أنا لست في المنافسة على الدنيا، وإنما أغار أن تنشغل أنفاسي بغير مراد الله. والله إذا كان هذا قصد الشبلي بالغيرة الإلهية على القلوب، يعني تغار أن يكون قلبك فيما سوى الله، فأقول لك هذا كلام ممتاز وهو من أحسن كلام الشبلي.
وكذلك ما ذكره أبو القاسم القشيري بعد ذلك حيث قال: والواجب أن يقال الغيرة غيرتان: غيرة الحق على العبد، وهو ألا يجعله للخلق فيظن به عليهم، وغيرة العبد للحق، وهو أن لا يجعل شيئاً من أحواله وأنفاسه لغير الحق. فلا يقال أنا أغار على الله، ولكن يقال أنا أغار لله. فإن الغيرة على الله جهل وربما تؤدي إلى ترك الدين، والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له.
فهذا كلام جيد، لكنه بالاصطلاح الحادث ليس هو بالاصطلاح القديم؛ فإن النبي ﷺ قد بين أن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله، وهذا يشترك فيه السابقون والمقتصدون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم السابقون يجعلون أعمالهم كلها لله، فإنهم الذين لا يزلون يتقربون إلى الله بالنوافل حتى يحبهم، ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. فإذا صانهم عن العمل لغيره، صارت أعمالهم كلها لله، وتركوا المحارم وأتوا بالواجبات والمستحبات.
وهذا معنى قول القشيري في قوله: «الغيرة غيرتان: غيرة الحق على العبد، وهو ألا يجعله للخلق فيظن به عليهم». شو يعني ألا يجعله للخلق؟ يعني أن لا يجعل هذا الإنسان يفعل شيئاً للناس، بل يجعل هذا الإنسان من السابقين الذين يجعلون كل أفعالهم له، فيظن بهذا العبد عن الخلق. واضح كلامي؟ هذا معنى غيرة الحق على العبد على طريقة القشيري، وهو أن الله يظن بهذا العبد فيجعل هذا العبد أربعاً وعشرين ساعة شغالاً في خدمة الجناب الإلهي، فلا يفعل شيئاً للناس فيظن به على الناس. بس بقول لك ابن تيمية هذا تعبير، وإن كنت أفهم أنه صحيح، لكن هو ليس تعبير الكتاب والسنة.
هو تعبير المتأخرين؛ قال: «وقد شبه تنزيههم عن فضول المباح وعن فعل المكروهات وترك المستحبات غيره من الحق عليهم». فهذا أمر اصطلاحي، لكن المعنى عموماً صحيح، ما في مشكلة أن تقول إن الله جعل هذا العبد وقفاً له، فكل حياته سخرت لله، فليس للناس حظ فيها، وهذا حال المقربين.
وأما قوله: «غيره العبد للحق»، يعني شبه ماذا؟ شبه تنزيه الله لهؤلاء المقربين، تنزيههم عن فضول المباحات لتشتغل بخدمته، وعن فعل المكروهات والمحرمات، بأنه غيره من الحق عليهم، شبهها بأنها غيره. وهل تسمى هذه غيرة في اصطلاح المتأخرين وإن كان المعنى صحيحاً؟
قال: «وأما قوله غيره العبد للحق، أن يجعل شيئاً من أحواله وأنفسه لغير الحق، فهذا غيره على نفسه»، أي أن يكون شيء من عمله لغير الله؛ غيرة العبد على نفسه أن يكون شيء من أعماله لغير سيده، وهذا أيضاً هو حال السابقين المقربين الآتين بالأفراد، والنوافل، والمجتربين بالمحارم والمكاره، كما قال: «المسارعة بالخيرات»، ولا ريب أنه يدخل في هذه الغيرة؛ فإذا انتهجت محارم الله، فإنه إذا لم يغر لله حينئذ مع أمر الله له بالغيرة، لم يكن عمله الذي اشتغل به عن هذا الحق لله، وكان للشيطان.
وكذلك قوله: «لا يقال أغار على الله، ولكن يقال أنا أغار لله»، كلام حسن وجيد؛ فكما قالوا: «الغيرة على الله جهل»، إنما تقال في العشق: «أغار على فلانة»، أما الله فلا يصير أن تقول: «أغار على الله»، هذا ليس من مقامات الأدب.
قال: «وهي كما قدمناه، حسد وكبر»، يسمونه غيرة، فيحب أحدهم ألا يشركه أحد في التقرب إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه، ويريدون أن يسموا ذلك باسم حسن لكي لا يذموا عليه، فهم حاسدون لبعضهم في الساحة الدعوية لكن يريد تسميتها غيرة.
ويسمونها غيرة لأن من عادة البشر، إذا أحب أحدهم إنساناً محبة طبيعية، سواء كانت محبته محرمة كمحبة المرأة الأجنبية، أو غير محرمة كمحبة الأم، فإنه ببشريته يغار من أن يشاركه في ذلك أحد، فجعلوا محبتهم لله بمنزلة هذه المحبة، وهذا من أعظم الجهل والظلم؛ بل محبة الله من شأنها أن يحب العبد أن جميع المخلوقات يشركونه في ذلك.
وهذه صفات النبي ﷺ، فمن شدة محبة النبي ﷺ لله، كان يريد أن كل البشر يحبون الله، وأن كل البشر يوحدون الله، وكان يحزن ﷺ إذا لم يوحد أحد الله سبحانه، وهذا مقتضى المحبة الحقيقية لله.
قال كما قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه».
ومثل هذه الغيرة المذمومة ما ذكره طائفة من السلف، قالوا: «لا تقبل شهادة القراء»، أو قال بعض الفقهاء: «لا تقبل شهادة بعضهم على بعض لأن بينهم حسداً كحسد النفوس على زريبة الغنم»، ويقال: «فلان وفلان يتصاولان على الرئاسة»، أي يتناطحان عليها كالفحول. فلا ريب أن فحول البهائم تتناحر وتتحاسد على الإناث.
ويطلب كل منهما من الآخر ألا يزاحمه، كما تتناحر الفحول، وهذا فيما أمر الله به محرم، كما قال رسول الله ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً». وكذلك شبه تناحر الضرائر، لكن هنا قد يعترض أمر فيه شبهة؛ وهو أن يكون من المعارف والأحوال ما يقال فيه إنه لا يصلح لبعض الناس، فيغار أحدهم أن تكون تلك الأمور كذلك.
المنقوص الذي يصنع مثل ذلك، يصفون الله بالغيرة أن يجعل هذا كهذا، فهذا قد يكون حقاً وإن لم يسمى في الشرع غيرة؛ فإن الله سبحانه يكره ويبغض أن يكون مع العبد ما يستعين به على معصية الله دون طاعته، وأن يكون ما جعله للمؤمنين كحال الكفار والمنافقين. وكذلك المؤمنون ينبغي أن يكرهوا ذلك، فكل ما نهى الله عنه وأمر المؤمنين بالمنع منه وإزالته فهو يكرهه.
وهذا كقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]، قال طائفة من السلف: "امنع قلوبهم عن فهم القرآن"، هذا ما ذكره عن السري أنه قرئ بين يديه، وإذا قرئ القرآن: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45]، فقال السري لأصحابه: "أتدرون ما هذا الحجاب؟ هذا حجاب الغيرة"، ولا أحد أغير من الله تعالى.
فهذا يشبه قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 110]، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، فإن الله عاقب المعرض عن اتباع ما بعث به رسله بالحجاب الذي في قلوبهم، فسمى السري هذا حجاب الغيرة.
ما هي الشبهة التي يتكلم عنها؟ يقول: "لكن هنا قد يعترض أمر فيه شبهة، وهو أن يكون من المعارف والأحوال ما يقال فيه إنه لا يصلح لبعض الناس، فيغار أحدهم أن تكون تلك الأمور كذلك". يعني أن ترى حالة سنية مثلاً من السعة في الدنيا أو الراحة فيها وتجدها عند الكفار، فتغار أن ترى كافراً مستريحاً بينما أخوك المؤمن وضعه المادي تعبان.
أو أن ترى بعض المعارف، كالعلوم التكنولوجية مثلاً، لما تشوفها عند الكفار وتشوف المسلمين مستواهم ضعيف، لا تغار لماذا هؤلاء يفهمون في التكنولوجيا ونحن ليس لنا علاقة؟ لما ترى بعض المعارف من الغنى أو الشجاعة تراها عند الناقصين من الكفار والفاسقين ولا تراها عند المؤمنين، فيصفون الله بالغيرة أن يجعل هذا كهذا، فهذا قد يكون حقاً؛ أفيجعل المسلمين كالمجرمين؟
حقًا وإن لم يسمى في الشرع غيره، فإن الله سبحانه يكره ويبغض أن يكون مع العبد ما يستعين به على معصية الله دون طاعته. مشيئة الله تغار أن يكون في يد الكافرين، مثلا من التكنولوجيا، ما يستعينون بها على معصية الله، وأن يكون ما جعله للمؤمنين -وهي الدنيا- الأصل أن تكون مع أهل الإيمان لا أن توجد مع الكافرين والمنافقين.
وكذلك المؤمن ينبغي أن يكره ذلك، لازم المؤمن يكره أن يرى التكنولوجيا في أيدي عدوه، لأنه يعلم أنهم سيستعينون بها على معصية الله. فكل ما نهى الله عنه وأمر المؤمنين بالمنع منه وإزالته، فهو يكره أن يراه المؤمن في يده، ويمكن أن يعبر أنه يغار على ذلك. فهذا بقول لك، وهذا كقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146].
قال: طائفة امنعوا قلوبهم عن فهم القرآن لأنهم لا يستحقون ذلك، فهذا نوع من الغيرة على القرآن أن يكون فهمه عند الذين لا يضعونه في موضعه. تجد واحد منافق ويتكلم عن القرآن بفهم، في نوع من الغيرة أن يكون هذا عنده؛ لأنه نعرف أنه سيستعين بذلك على مثلاً هدم الدين أو إثارة شبهات. هذا ما ذكره عن السنة.
قلنا بين يديه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45]. فقال الصحابة: أتدرون ما الحجاب؟ هذا حجاب الغيرة، ولا أحد أغير من الله، فإن الله لا ينزل القرآن إلا في قلب يستحقه ويتعامل معه بالجدية.
قال: فإن الله عاقب المعرض عن اتباع ما بعث به رسوله بالحجاب الذي في قلوبهم، فسمى الشرح هذا "حجاب الغيرة"؛ لأنه تعالى يكره ويبغض أن يكون هؤلاء الذين كفروا وفسقوا عن أمره يُعطون ما يُعطى المؤمن من الفهم. لسبب هذه الغيرة التي وصف بها الرسول ﷺ. ولذلك الله عز وجل فعلاً لا يعطيهم من الفهم في الإيمان والكون ما يعطي أهل الإيمان، وإن كان قد يعطيهم من التكنولوجيا وأمور الدنيا إذا أخذوا بأسبابها، فعلاً ما يربو على أهل الإيمان.
قال: فإن غيرته أن يأتي العبد ما حرم الله ذكرها النبي ﷺ، وهي غيره على ما هو من أفعال العبد التي نهى عنها. وأما هذه الغيرة فهي غيره على ما هو من فعل الرب. والنبي ﷺ لم يصف الله بأنه يغار على ما يقدر عليه من الأفعال، لكن لما رأى الشرح أن الشيء المحبوب -والنفس تغار عليه- أن يكون الشيء المحبوب للنفس في غير محله، سمى ذلك حجاب الغيرة، وإن كانت في الشريعة لم يسمى ذلك غيرة، لكن هكذا سماه الشرح.
والله يحب العبادي أن يفعلوه من جهة كونهم مأمورين به، لكن سبحانه وتعالى لا يفعله بهم، ولا يحب من يفعله بهم. فلا بد من التفريق بين مواقع الأمر والنهي ومواقع القضاء والقدر، وإن كانت الأفعال الواقعة من العباد يشترك فيها الأمر والنهي. وأما أحوال القلب وأنفاسه، فإن الأحوال هي تحولات القلب والنفس والهوى الذي يحمل الصوت، فهما ألطف ما في الإيمان.
العبارات التي تبدأ من قوله: "أما أحوال القلوب" إلى هذا الموضع رقيقة وغير واضحة، وأخشى أن يكون فيها نقص. هنا الشيخ يقول المحقق إنه هي الفقرة الأخيرة فيها إشكال، وأنا فعلاً شايف أنه فيها إشكال.
نقف إن شاء الله عند هذا القدر. فقط عندي تعليق على الجملة التي سألني عنها عمر قبل قليل في قضية المرأة التي تزن؛ في صفحة ثمانية لما قال: "ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي غيرته على أهله، وأعظم ذلك امرأته، ثم أقاربه ومن هو تحت طاعته، ولهذا كان له إذا زنت أن يلاعنها".
إذا زنت امرأة الإنسان، لماذا شرع الإسلام للزوج أن يلاعن زوجته؟ لأنه هو غيرته على زوجته أعلى شيء، فمستحيل يلاعنها إلا إذا كانت الأمور وصلت لهذا الحد. لماذا شرع الإسلام للزوج أن يلاعن زوجته مع أن في هذا فضيحة؟ لأن الإنسان الزوج العاقل لا يقدم على ملاعنة زوجته لأنه هذا فضيحة لفراشه، إلا لما تكون الأمور استوت.
بخلاف ما إذا زنى غير امرأته، فإنه قد يقدم على قذفها حتى ولو لم يتأكد من زناها. فلهذا لأن الإنسان قد يتساهل فيحد فيقذف النساء، أباح الإسلام حد أو أن يحد قاذف المرأة التي لم يكمل عقلها ودينها وظهرت منها أمارات الريبة، بمجرد أن يكون زوجها محصناً. الإحصان هنا بمعنى العفة.
نحن نعرف في المذهب المعتمد متى يحد قاذف المرأة؛ إذا كانت عفيفة، أما إذا كانت ظهرت منها أمارات الفجور، فلو الشخص قذفها قد يعزر لكن لا يقام عليه الحد. لكن هناك قول، وهو أحد الأقوال في المذهب عند الحنابلة والشافعية، وهو أن الرجل إذا قذف امرأة -حتى ولو كانت المرأة عقلها ناقص ودينها ناقص، يعني في أمارات غريبة- بمجرد أن يكون زوجها عفيفاً، ما يحق لك تقذفها. لو امرأة لا يظهر منها العفة لكن زوجها عفيف معروف، إذا أنت قذفتها يقام عليك الحد. لا تقل لي شرط العفة فيها، شرط العفة في زوجها. لماذا الإسلام شدد في هذه القضية؟ لأن...
الإنسان قد يتساهل في قذف نساء الغير، ليش؟ لأنه الغيرة بتكون عليهم ايش؟ قليلة جداً جداً فيتساهل في قذف النساء بأدنى أدنى ريبة. فبقول لك بعض المذاهب أوصلت الموضوع من باب إغلاق الباب؛ أنه إذا قذفت امرأة حتى ولو كانت غير سوية بمجرد أنه زوجها عفيف أنت تُقام عليك الحد، وما تقول لي ما هي غير عفيفة؟ من باب ماذا؟ أن الإنسان قد يتساهل في هذا الموضوع بخلاف موضوع أهله، فإن الإنسان بمجرد أن يقذف يلاعن زوجته تقبل منه الملاعنة؛ لأنه لا يمكن أن يصل لهذا السبب شدة الغيرة، ويريد أن يخبرك عن مساحة الفرق بين قولين.
نعم، يعني أو ممكن يكون المعنى أنه يعني إذا زوجها المحصن مش حاكي عليها، أنت كيف تحكي عنها؟ هذا قد يكون بعد في هذا، بس هو بده يقول لك إنه هي لو كان قل عقلها ودينها، يعني امرأة مبينة أنها مش دين، ومش دات عفوا مش بين عليها أمارات العفة، لكن بمجرد أن زوجها عفيف أنت بدك تعتبر قاذف ويقام عليك الحد. ولا نقول إن الشرط غير موجود حتى يقام عليه الحد، الشرط موجود مش فيها بس في زوجها؛ ليه؟ لأن الناس تتساهل في القذف وتضع من أوامر الريبة أشياء بتخترعها وبتقذف النساء بها بس لأنها مثلاً مش محجبة، لا، حتى لو مش محجبة ما بيطلع لك تعتبرها هي شكل من أشكال الريبة التي تسمح لك بأنك ايش؟ تقذفها ما دام زوجها محصناً رجلاً عفيفاً طاهراً في هذا الباب.
فقط هذا تعليق على هذا، ونختم إن شاء الله اليوم بهذا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، جزاكم الله خيراً شيخ.
التي لم يكمل عقلها ودين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل