دخولتسجيل الدخول

الاستقامة (8) | المجلس الثاني والعشرون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات عبر البث المباشر أيضاً. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في اوقاتنا وأعمالنا، تأكد من جودة الصوت في البداية. ما شاء الله، دكتور طارق، شرنا عنكم أهل حمص تكونوا بخير وعافية دوماً، الله أعد عليكم الخير في بلادكم جميع بلاد المسلمين بإذن الله، معنات الصوت جيد، نبدا إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يحب ربنا ويرضى، وصل وسلم على النبي المصطفى صلاة تدرى، وعلى آله وصحبه ومن نهج اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في تراث، حيث نواص في تراث الأئمة المحققين الكبار، ونقف على مقاصد كلامهم، ونحاول أن نتفهم ما كتبوه لهذه الأجيال وما سطرته الانامل والعقول والافكار.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في فهومنا، وأن يبارك في علمائنا، وأن يجزيهم عنا خير الجزاء. ما زلنا نعيش أيها الأحبه في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، وبالتحديد الآن نعيش مع كتاب الاستقامة، شيخ الإسلام ابن تيمية، هذا الكتاب الذي كتبه شيخ الإسلام في السجن، كما قلنا في خطرات أراد أن يبين بها منهج ومسلك في التعامل مع التصوف وأفكار التصوف. والكتاب في جملته هو مناقشة لأبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى عليه فيما دونه في كتابه المشهور الرسالة القشيرية، وهي تعتبر من أمهات كتب التصوف، سواء في الاعتقاد، سواء في مسائل السماع، وما شابه ذلك من الأخلاقيات والآدابيات التي هي معروفة عند الصوفية.

أراد شيخ الإسلام أن يبين المنهج الصحيح المتوازن في التعاون مع هذه القضايا التي طرحها القشيري، ويبين أماكن الخطأ والزلل نعم، بيان أماكن الصواب، وخطرات خطرت في ذهنه وأفكار سنحت له. وهذا المنهج عموماً تقرأ لمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، يعلمك أساليب النقاش الراقي، وأساليب الفهم الصحيح، وطرق معالجة الأفكار وآليات الرد، وكيف يتوازن الإنسان في التعامل مع المخالف للعديد من الأدبيات والأساليب التي لا يمكن لطالب العلم حقيقة أن يأخذها من مجرد المتون، أو من مجرد هكذا درس عام أدبي، أو مجرد قراءة كتاب معين. في هناك جزء من المعرفة لطالب العلم لا تؤخذ إلا من خلال كثرة القراءة، تبدأ تتشكل لديك ملكات وتصورات وفهم لطريقة تفكير العلماء رحمه الله تعالى عليهم.

يعني أحياناً ليس المطلوب أن تصبح عالماً، يعني صدقني أحياناً المطلوب على الأقل أن تعرف كيف يفكر في المسائل الشرعية، حتى لو لم تكن أنت صاحب القرار، لكن على الأقل لو لم تستفد من رحلة التراث ورحلة القراءة في الكتب والغوص فيها إلا أن تعرف في واقعه المعاصر من الذي يتكلم بعلم وبرؤية صحيحة ويملك أدوات المعرفة ويتكلم على منهج العلماء، ومن الذي يتكلم ببادي الرأي وبما يخطر في ذهنه وبكلام يشرق فيه ويغرب. اليوم أحياناً الإنسان فعلا يعني أصبح من مقاصد طلب العلم، حتى لو لم أصبح عالماً، أن أعرف من الذي يتكلم بمعرفة وعمق ومن هو السطحي الذي يتكلم في القشور. هذا كيف تعرفه؟ لما تدمن النظر في كتب العلماء، تصبح تعرف أن العالم كيف يعالج الأمور بعمق وباتوازن وبالتركيز على قضايا اليوم.

كثير ممن هو متصدر للكلام في دين الله من رؤوس الطوائف والجماعات والأفكار هو بعيد غاية البعد تماماً عن مثل هذا العمق الاستراتيجي الذي يبعثه العلماء، هم يتكلمون في مسائل السياسة والاجتماع والأفكار والمعاملات والعقود ورؤيتهم للنفس، وكل هذه الأمور تجد بونا شاسعاً بين القديم والحديث، السبب في ذلك أنه قل من ينبغ أو يصل إلى العمق العالي جداً لتحرير المسائل كما يحرره العلماء الكبار. وليس المطلوب أن تصل لدرجة العلماء الكبار قديماً، وإن كان هذا ليس عجزاً، يعني ليس شيئاً عاجزاً أن تصل إلى عقلهم أو إلى كثير من عقولهم، لكن على الأقل أن يقارب مستواك في طرح المسائل الشرعية وتحليلها والتفكير فيها والتوازن، أن يقارب مستواك مستوى الكبار، هذا شيء مطلوب في حياة طالب العلم الذي يريد أن يتصدى للعامة، ويريد أن يحدّث الناس بأمر دينهم ودنياهم، ويعالج معهم المشاكل الفكرية والسياسية والواقعية إلى غير ذلك من الأمور.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفهمنا، ولعلنا اليوم إن شاء الله يعني نختم كتاب الاستقامة؛ لأننا سنجد أن هناك جزء من الجزء الثاني، وهي الباب المتعلق بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر هي نفسها رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي علق عليها سابقاً، لكنها مطبوعة مع كتاب الاستقامة. ولذلك أنا أعتقد الجزء الثاني لم يبق منه فعلياً إلا قرابة مئة وخمسين إلى مئة وسبعين ورقة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ختامها فضلاً أن هي بشكل عام أيضاً محاورها سهلة، يعني ليست من المحاور العميقة الكلامية.

بسم الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجي إخواننا المستضعفين من المؤمنين آمين آمين.

قال أبو القاسم قال أبو القاسم رحمه الله: ربط الحق باقدامهم الخذلان، واختار لهم البعد، وأخرجهم عن محل الكرب ولذلك يؤخرون، وفي ذلك أنشدوا وفي معناه أنشدوا وفي معناه أنشدوا: أنا صب لمن هويت، ولكن ما احتيالي لسوء رأي الموالي؟

وقال وفي معناه قالوا: سقيم لا يعاد ومريد لا يراد.

سمعت الاستاد أبا علي يقول: سمعت أبا العباس المززي يقول: كان لي بداية حسنة، فكنت أعرف كم بقي بيني وبين الوصول إلى مقصود من الغفر بمراده، فرايت ليلة من الليالي في المنام كأنّي أتهدم من حالق جبل، يعني كأنني أسقط من جبل نعم، قال فأردت الوصول إلى غروته، قال فحزنت وأخذني النوم، فرايت قائلاً يقول: يا عباس، الحق لم يرد منك أن تصل إلى ما كنت طلبت نعم، ولكنه فتح على لسانك الحكمة، قال فأصبحت وقدمت كلمات الحكمة.

وقال سمعت الاستاد أبا علي يقول: كم شيخ من الشيوخ له حال ووقت مع الله، فخفي مدة لم يُرى بين الفقراء، ثم ظهر بعد ذلك لا على ما كان عليه من الوقت، فسئل عنه فقال: وقع الحجاب.

قال: وكان الاستاذ أبو علي إذا وقع شيء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول: هذا من غيره الحق، يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء في من صفاء هذا الوقت، يريد أن يجري ما يجري من صفاء هذا الوقت. وأنشد في معناه: همتاني حتى إذا نظرت إلى رات نهاها وجهها الحسن، ما كان هذا جزائي بمحاسنها، عذبت بالهجر حتى شفني الحزن.

الآن، كل هذه النصوص التي أتى بها القشيري نتكلم، ما زلنا في فصل الغيرة، وكيف أن الغيرة لها معاني صحيحة عند أهل السنة والجماعة وعند أهل السلوك الحق، وكيف أن الغيرة أحياناً تعبأ بمعاني غير صحيحة في الفكر الصوفي أحياناً. فمن معاني غير الصحيحة للغيرة عند الفكر الصوفي، كما ذكرنا في الدرس الماضي، قضية أن حصول الغيرة بين السالكين إلى الله، أن كل شخص منهم يريد أن يقول: إن الله لي وليس لك، ولا لا تعبد الله، اريد أن أعبد الله.

فبين شيخ الاسلام أن هذه الغيرة والعياذ بالله لا تصح في مقام الله سبحانه وتعالى، هذه الغيرة التي تكون يعني كما يغار اثنان أو رجلان على امرأة والعياذ بالله لا يجوز أن تكون في طريق السالكين إلى الله، فإن الله عز وجل هو معبود الجميع وسبحانه وتعالى، إقبالك عليه لا يعني أنه سينشغل بك ويعرض عن الآخرين تماماً. فهذه من الأفكار الخاطئة التي انتشات عند الصوفية: الغيرة بين السالكين باعتبار أن كل شخص يقول: اريد الله لي وليس لك، فأنت إياك أن تعبد الله مثلي، وإذا رايتك تجتهد في العبادة وحاول أن أسقطك. ولكن هو في الحقيقة، كما قال شيخ الإسلام، هو نوع من الحسد يلبس ملابس غيره.

أيضاً من الأفكار التي عندهم في الغيرة أنهم يعني يقولون أحياناً إن الله سبحانه وتعالى يغار على أن يذكره الغافلون، يغار على أن يذكره الغافل، فإذا رأى شخصاً غافلاً يذكره فيمكن أن يسقط عنه الحجاب أو يسقط عنه الوصول. وهذه هي هذه النصوص التي أتى بها القشيري هي ضمن هذه البوتقة، بوتقة ايش يعني؟ سواء قصة أبي علي قص في الموضعين، وكذلك قصة العباس المروزي وغيره، أنه أقوام وناس شعروا أنهم كانوا يريدون الوصول أو في حال صفاء، فحجبهم الله أو أسقطهم الله أو منعهم الله أو حرمهم الله. هذا مبني على ماذا؟ قال القشيري: إن هؤلاء غار الله سبحانه وتعالى أن يصلوا إلى مقامات عالية، فأعجزهم أو أوقفهم عند مرحلة معينة أو قدر عليهم صفائهم. كما قال هنا مثلاً أبو علي: أي لما حصل تشويش في المجلس قال هذا من غيره الحق، يريد ألا يجري ما يجري من صفاء هذا الوقت، لماذا؟ خلص الله عز وجل الغارة أن يققال في هذا المجلس لما فيه مثلاً من الغفلة أو شيء من ذلك.

الآن شيخ الإسلام ابن تيمية ماذا يعلق على هذه القصص أو هذا النمط من التفكير؟ قضية أن الله سبحانه وتعالى يغار أن يذكره الغافل فماذا يصنع سبحانه وتعالى؟ يحجب عنه. يقول شيخ الإسلام: قلت: ذكر هذه الأمور في باب الغيرة مضر، ومع أن الحق يغار أن يعطي بعض الناس ما يعطيه لأوليائه المتقين من السابقين والمقربين، فقد سموا منع الحق غيره كما تقدم. لكن هذا لفظ يشعر بأن الحق منع ذلك العطاء العظيم عنده وكون العبد ليس أهلاً له، كما يغار على الكريمة أن تتزوج بغير الكفر.

الآن هذه الطريقة في التفكير، إطلاق أن الله سبحانه وتعالى يحرم الغافل، الآن نعم، الله سبحانه وتعالى قد يحرم بعض الغافلين، لكن تسمية حرمان الله سبحانه وتعالى لبعض الغافلين من الوصول إليه غيره، ماذا يقول؟ يقول: لكن هذا اللفظ، إطلاق الغيرة على هذا التصرف، يشعر بأن الحق سبحانه منع ذلك العبد العطاء العظيم عنده، وكون العبد ليس أهلاً له، كما يغار على الكريمة أن تتزوج بغير الكف. كيف أنت يكون عندك بنت كريمة فيعز عليك انك ايش؟ تزوجها بأيش بغير الكفر؟ هسه هذا ربما في مقام البشر ممكن نسمي والله الاب غار على بنته أن يتزوجها، أنه يزوج هذا الشخص ليس كفئاً. لكن هل يصح إطلاقه بهذه الطريقة على الله سبحانه وتعالى؟ يعني في باب البشر قد يتفهم شيء من هذا، لكن في حق الله سبحانه وتعالى هل يصح إطلاق مثل هذا اللقب؟

نعم، قال: وهذا المعنى صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. إذاً ما هو المعنى الصحيح؟ المعنى الصحيح: نعم، أن الله سبحانه وتعالى، كما قلنا، قد يحرم بعض الناس من الوصول إلى المراتب العلية بما يرى فيهم من الغفلة أحياناً، قد يحجبك بسبب معاصيك، قد يحجبك بسبب تقصيرك، فكعنى معنى الحجب نحن متفقين عليه وهذا شيء واقع لا اشكال فيه بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

ما وجه دلالة شيخ محمد؟ أنه ليس كل القلوب تصل، أن تصل إلى الدرجات العلى، فكقول ابن القيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] أصلاً وفرعاً، أصلاً في الأنبياء وفرعاً في ورثة الأنبياء، ليس كل الناس يصلح أن يكونوا علماء، ليس كل الناس يصلح أن يكونوا أولياء، لما في كثير من الغفلة والذنوب والمعاصي.

طيب قال: وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمِ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 52-53]. إذاً في ناس ربنا بمنّ عليهم يوصلهم إلى المراتب العلى، وفي ناس يحجبهم سبحانه نعم، أليس الله بأعلم بالشاكرين؟

قال: وهذا المعنى إذا ذكر إذا ذكر العبد وذل، وأقامة الحجة عليه، أو بيان حكمه رب وعدله، كان حسناً. فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]، وهو لا يمنع من ذلك ما يستحقه العبد أصلاً، ولا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه وهو العمل الصالح.

طيب، إذاً هو ايش يقول؟ الآن هو ابن تيمية يعلق على الفقرة السابقة، هو من المشاكل التي أيضاً شعر بها، ما هي؟ أن لفظ الغيرة هنا استعماله ماذا يقول في الفقرة السابقة؟ لكن هذا اللفظ قد يشعر بأن الحق منع ذلك العطاء العظيم عنده، يعني قد يشعر أن الله سبحانه وتعالى منع العبد عطاء، لكن حقيقة الله عز وجل لا يمنع العبد عطاء هكذا، يعني قد يشعر أنه يمنع العبد بدون أي سبب.

لكن هو ماذا يقول هنا؟ وهو لا، لذلك ماذا قال في الفقرة الآن التي نحن فيها؟ وهو لا يمنع من ذلك ما يستحقه العبد أصلاً. هو مش أنت شيء تستحقه هو يمنعك منه، يمنعك من الوصول إليه، اللي بيقرا القصص السابقة زي هذه قصة شو اسمه العباس المروزي يشعر أنه هو كان حاول ويفعل ما يستطيع، ومع ذلك ربنا حرمه وقال له: لا اريد منك الوصول إلى الذروه ويكفيك كذا.

فهو أحياناً تشعر أنهم يحاول الصوفية فهم أن الله قد يمنع العبد شيء من دون سبب. وهنا ماذا يقول شيخ شيخ الإسلام؟ وهو لا يمنع من ذلك ما يستحقه العبد أصلاً، ولا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، يعني لا يمنعك شيء وأنت تستحقه وأنت قائم بسببه وسببه وهو العمل الصالح، أما مع وجود

السبب وهو العمل الصالح، فالله عز وجل يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112]. الله عز وجل إذا راك تعمل لا يحرمك، لكن إذا حرمت السبب حرمت النتائج، لماذا أحرم السبب؟ وهو العمل الصالح لأمور كثيرة. قد تكن من تقصيرك، من غفلاتك، تعود فيها على نفسك، ثم هو سبحانه صاحب الأمر من قبل ومن بعد، نعم قال: وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، لكن منع على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح ثم لم يمنعه، موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرى بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلا يبقى سببه وهو العمل الصالح، يعني هي قاعدة: الله سبحانه وتعالى إذا وفقك للعمل الصالح لا يمكن أن يمنعك سبب.

طبعا تفضلا منه؛ لأنه صاحب الفضل سبحانه وتعالى، لو أراد أن يمنعك منعك، لكن أقول لأنه وعده حق وأصدق قيل، وعده حق وأصدق، وقيل: إذا راك تعمل الأعمال الصالحة لا يحرمك من الخير، لكن إذا أراد أن يحرمك من الثواب يحرمك من العمل الصالح من السبب. نعم قال: ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة وهو عدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالح من الحكمة الوعد. فهون بيجي السؤال: طيب لماذا يمنع الله عز وجل بعض الناس من الأعمال الصالحة من السبب؟ لحكمة عرفها، ولعل في عباده عرفه من عرفه وجهله ومن جهله. نعم.

وأما المسببات بعد وجود أسبابها فلا يمنعها بحال، إلا إذا لم تكن أسباب صالحة؛ أما لفساد في العمل، وأاما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع. إذاً، لما أنت تفعل السبب حتى في أصول الفقه شو بنحكي؟ إذا وجد السبب متى لا يحصل النتيجة؟ إذا تخلف شرط أو وجد مانع، هي نفس الفكرة. السبب هنا العمل الصالح، العمل الصالح الأصل قال لا يمنع النتيجة بحال، إلا إذا لم يوجد الشرط أو وجد مانع. نعم قال: وإذا كان منعه عقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح ابتداء حكمة منه عدلاً فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل وكل عقوبة منه عدل.

قال: وهذا الموضع يغلط فيه كثير من الناس في تمثلهم بالأشعر وفي مواجبهم، فإنهم يتمثلون بما يكون بين المحب والمحبوب، والسيد والعبد، من العباد من صدق المحب والعبد في حبه واستفراغه وسعه، وبحب المحبوب والسيد وإعراضه وصده، يعني هنا ما بصير، يعني عند الصوفية كثير في هذه المقامات بصير أشعار، اللي أنا يا ربي بذلت وكذا فلا تعرض عني، وبتعرف هذه قصائد الغزل التي تكون من واحد يحب واحدة ويبذل لها كل الأسباب، وهي أداة عنه ولا تريد أن تعطيه وهو يحاول يتقرب، يقول هذا في دنيا الناس، أما لا تجعل علاقتك مع الله سبحانه علاقة عاشق بمعشوقه، وأنك تحاول الوصال وهي تمنع هذا، والعياذ بالله، ليس من مقامات الأدب مع الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال لك البيت الذي أنشده حيث قال: أأصف بمن هويت ولكن ما احتيل لسؤر الموالي، وفي معناه قال: سقيم لا يعاد ومريد لا يراد. قال: وهذا التمثيل يشعر بأن العبد هو لما يقول: أنا سقيم لكن الهي لا يعود، ومريد لكن هو لا يريدني، لا عيب أن تتكلم مع الله بهذه الطريقة، يعني كأنك لو كنت تتكلم مع معشوقة، آه بتتكام والله أنا مرضت ومعشوقتي لا تزورني وأنا بدي إياها وهي مش بدي، يعني هذا في مقام الدنيا بيمشي الحال، لكن في مقام العلاقة مع الله ما بصير يتكلم الإنسان بهذه الطريقة.

نعم، قال: وهذا التمثيل يشعر بأن العبد صادق الإرادة تام السعي، وإنما الإعراض من الله فقط ولا العبد، وهذا غلط بل كفر. هذا الكلام اللي بدك تسير معه كما قال كفر، فإن الله يقول: «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، وقد أخبر أنه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وانه يضاعفها لمن يشاء ويضاعفها أضاعفا كثيرا، واخبر أنه من هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضاعف كثيرة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن تركها لله كتبت له حسنة كاملة، وإن عملها لم تكتب عليه إلا سيئة واحدة.

وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: 20] إلى أمثال ذلك. فكيف يظن أن يقال إن العبد يتقرب إليه كما يتقرب العبد والمحب الصادق إلى محبوبه وسيده وهو مع ذلك لا يقرب إليه ولا يتقرب منه، بل يصده ويمنعه، كما يفعل ذلك المخلوق أما لبخله وأما لتضرره وأما لغير ذلك؟ قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه - يعني أنت لما تتقرب لواحده أو لشخص وهو يصد عنك، أما هو بخيل ما بدو يعطيك، أو لأنه يعني عم شايف العلاقة معك بتجيب وجعة راس - لكن في العلاقات مع الله موضوعها مختلف تماما، وهذا من أكبر التشبيه، المشكلة أن الصوفية يتهمون أهل السنة بأنهم مشبهة، وهذا من أكبر التشبيه: أن تشبه علاقتك مع الله عز وجل كما هو علاقتك مع المخلوقين، متى يقطعك المخلوق ومتى يوصلك بالمشاعر وما شابه ذلك، ليس هذا من أكبر التشبيه لله سبحانه وتعالى مخلوقاته.

نعم، ممكن تقول هذا، قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يرى راحلته إذا وجدها عليها طعامه وشرابه»، لمن يكون بتوبة العبد أعظم؟ لمن يكون بتوبة التائب أعظم فرحا من الواجد طعامه وشرابه ومركبه بعد الخوف المفضي إلى الهلاك؟ كيف يتمثل له بالتجنب والصد والإعراض؟ إله يفرح بتوبة العبد، إله أشد فرحا بتوبة العبد من توبة الرجل الذي قال: أنا ربي وأنا عبد، ومع أنت ربي أو أنت عبدي وأنا ربي، هل هذا الإله يقال إن هو أنت تقبل عليه وهو يصد عنك ويعرض عنك؟ هل هذه الأدبيات تصلح مع الله عز وجل أو الألفاظ تصلح مع الله؟

نعم، قال: كيف يتمثل له بالتجنب والصد والإعراض وسؤر الموالي وبحق الله مما يفعله سادة لعبيدهم، والمحبوب مع محبه به، وكيف يتمثل له بقولهم: سقيم لا يعاد مريد لا يراد؟ وهل في الصادقين مع الله سقيم لا يعاد؟ وهل أراد الله أحد بصدق فلم يرد الله؟ هل الإنسان أقبل على الله بحق والله أعرض عنه؟ أليس هذا اتهام لله سبحانه وتعالى؟

نعم، وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله يقول: «عبدي مريضت فلم تعدني»، قال: ربي كيف أعدك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «أما علمت أن عبدي فلانا مريض فلم تعده، أما لو عدته لوجدتني عنده»، والله قد أخبر أنه من كان يريد حرث الآخرة نزل له في حرثه، وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. وفي جملة فهذا باب تكريم بما وعده بما وعده الله عباده الصالحين، ونسبة الله إلى ما نزه نفسه عنه من ظلم العباد بإضاعة أعمالهم الصالحة بغير ذنب لهم ولا عدوان، وتمثيل لله بالسيد البخيل الظالم ونحوه، وإقامة العذر لنفسه ونسبتها إلى إقامة الواجب، ففيه من الكبر، الكبر أنت كأنك تقول: أنا عملت العلي ورب سبحانه وتعالى ما أعطاني، أليس هذا أنك يعني تعتقد أنك عملت العالي فعلا في حق الله؟

قال: والحق الذي لا ريب فيه أن ذلك جميعه لا يكون إلا لتفريط العبد وعدوانه، بأن لا يكون العمل الذي عمله صالحا، أو يكون له من السيئات ما يؤخر العبد، وإنما العبد ظالم جاهل يعتقد أنه قد أتى بما يستوجب كمال التقديس، ولعل الذي أتى به إنما يستوجب به اللعنة والغضب، بمنزلة من معه نقد مكشوش جاء ليشتري متاعا رفيعا فلم يبيعه، فظن أنهم ظلموه وهو الظالم، وهو في ذلك شبيه بأحد هو الظالم، أنت معاك عملة مزيفة ما تحكي والله ما باعوني والله أجيت له، هو أنت اللي معك مزيفه، لا تشتكي المظالم وأنت الذي أتيت ببضاعة مزجاة بين يدي مولاك، كما قال تعالى: ﴿ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فُتُقُبَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

وعلى هذا الأصل تخرج حكاية عباس، تخرج حكاية العباس وأمثالها، فإنه لم يعين مطلوبهم مراده وما العمل الذي عمل، فقد طلب أمرا ولم يأت بعمله الذي يصلح، وأما كون الحق لم يرد منه أن يصل إلى مطلوبه، فقد - عباس اللي هو عباس المروزي اللي مرت معنا قصته قبل شوي صفحة 48 لما قال لما شفت المنام إني بوقع من جبل وكذا فقيل لي: لم أرد منك أن تصل - هذه تخرج على هذا.

نعم، قال: وأما كون الحق لم يرد منه أن يصل إلى مطلوبه فقد يكون لعدم استهلاله، وقد يكون لتضرره لو حصل، نعم، بعض الناس سبحان الله بقول يا شيخ أنا أشعر أني بطلب العلم بس ما بصير عالم، أحيانا من لطف الله بك أنك ما تصبحش عالم؛ لأنك إذا صرت رح تتضرر، يعني أحيانا مش كل الناس يصلح أن يكون عالما، شخصيته ونفسيته فلذلك يقول: وقد يكون لتضرره لو حصل له، أحيانا بعض المراتب العالية في الدين قد يحرم الله منها بعض الناس، لأنه هذا هو الأصلح له، إنه لو وصلها لفسد، لو وصلها لوصالت عنده كبرة، أو لو وصلها لأفسد دين الناس، فمن رحمه الله بكثرة أنه يحرمك منها.

نعم، قال: وكم من يتشوق إلى الدرجات العالية التي لا يقدر أن يقوم بحقوقها، التي لا يقدر أن يقوم بحق حقوقي، هذه قاعدة: وكم ممن يتشوف إلى الدرجات العالية، بده يصير عالم، بده يصير متصدر، بده يصير داعية معروف، بده يصير كذا، ولا يعرف أن كل شيء له ثمن، أن كل شيء له ضريبة، وكم ممن يتشوف إلى الدرجات العالية التي لا يقدر أن يقوم بحقوقها! أنت تفكر أنك تصير عالم سهلة؟ هذه لها ضريبة، تظن أنك تصبح داعية والله لك جمهورك سهلة؟ هي لها ضريبة، أن بعض الناس يريد حلوها ويتبرأ من مرها، لا، هذا الطريق له ضريبة في حلوه ومره، وقد تكون أنت نفسية وشخصية لا تستطيع ذلك، فاحمد الله حيث بلغك، فاحمد الله حيث أوصلك.

نعم، قال: فيكون وصوله إليها وبالا في حقه، وهذا في أمر الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: 75-77]. قال: وغالب من يتعرض للمحن والابتلاء ليرتفع به ينخفض بها لعدم ثباته في المحن، بخلاف من ابتدأ الحق ابتداء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أن تَلَقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم - أنت إذا طلبت المنازل العالية سياتيك الامتحان كما هؤلاء الصحابة تمنوا الموت والذين قالوا نريد الجهاد، إذا تمنيت الشيء اعلم أنك ستبتلى، تمام؟ فإذا لم تكن مستعدا قد تسقط، قد تسقط فعلاً - بخلاف الذي لا هو أصلًا ما طلب هذه المنازل وابتلي ابتداء بها، ابتلي ابتلاء بمعركة، هذا يأتيه من العون الإلهي والمدد ما هو أكثر، لذلك لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموه فاسبقوا.

نعم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»، وقال: نعم، لذلك دائما طالب العلم ماذا يقول؟ اللهم إني أسأل أن أنفع الناس أن أكون نافعا، الآن هل يسأل الله أن يكون مثلا يريد أن أصبح يا رب داعية مشهور مثلا؟ هل يسأل الله سبحانه وتعالى يريد يا رب أن أكون معروف عند الناس؟ ولا يسأل الله سبحانه وتعالى: يا رب أريد أن أقدم شيئا ينفعني وينفع الناس، يعني أريد أن أترك أثرا، الآن خلص، خليه الأمر لله يختار لك. أما أن تحدد: لا، أنا بدي أكون فلان الفلاني المشهور، لا، أنا اريد أن أحاكي فلانا وأن أصبح لي جمهور، يا رب بدي أسير، الآن لما تقول: طب أنا شيخ، أريد أن أصبح مثل ابن حجر، تريد أن تصبح مثله في العلم ولا في الشهرة؟ وهذا شي، هسه في العلم النافع جميل، اطلب ما الائتساء بالعلماء كما تريد من حيث المادة العلمية والمعرفة، أما إذا كنت تريد أن تصبح لا، أنا اريد نتف الشهرة واجتماع الناس حولي، لا، هي بقول لك خليها - لأسف - لا تقحم نفسك في امور قد تكون اصعب. معقول يا رب اختار لي الخير، يا رب استخارة، يا رب اختار لي الخير، إن كنت أعلم أنني كذا خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي، إن كنت ترى في شر لي فيا رب فوضت أمري إليك وأسلب نفسي إليك.

ما تعرف والله وين خير لك، المهم أن تطلب العلم النافع، وأن أي مكان يضعك الله عز وجل فيه تنفع الناس هذا هو المطلوب نعم.

وقال: إذا سمعتم بالطاعون ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منها.

قال أبو القاسم: واعلموا أن من سنة الحق مع أوليائه أنهم إذا ساكنوا غيره أو لاحظوا شيئًا أو راجعوا بقلوبهم شيئًا شوش عليهم ذلك، فيغاب على قلوبهم بأن يعيدها خليصة لنفسه فريغة عما ساكنوا.

وقال: سمعت سلمية يقول: سمعت أبا زيد المغوزي الفقيه يقول: سمعت إبراهيم بن سيمانية سمعت قال: سمعت محمد بن حسن يقول: بينما أنا أدور في جبل لبنان -بس هو سؤال بس قضية يعني ما وجه الشاهد في أحاديث إذا سمعتم الطاعون ببلد فلا تقدموا عليه يعني إيش علاقاته بالموضوع اللي احنا فيه؟ هدوم إلى هذا من التعد البلاء أحسنت يعني لا تعرض نفسك للبلاء اللي هي الفكرة اللي نحن بنحكي فيها-.

طيب قال أبو القاسم: نعم، بينما أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج علينا رجل شاق قد أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلي ولى هاربا فتبعته وقلت له تعظني بكلمة، فقال: احذروه فانه غير لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه. احذروه يعني سبحانه احذروا الله عز وجل، فانه -طبعا الحذر الذي يعني مش الحذر الذي جعلك تهرب منه بمعنى تهرب إليه- فانه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه.

طيب وقال سمعت السلمية يقول: سمعت النصر هدديه يقول: الحق غيور، ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقًا سواه.

قلت: هذه الغيرة تدخل في الغيرة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه».

وأعظم الذنوب أن تجعل لله ندًا وخلقك، وتجعل معه إلهًا آخر، والشرك منه جليل ومنه دقيق، فالمقتصدون قاموا بواجب التوحيد، والسابقون المقربون قاموا بمستحبه مع واجبه، ولا شيء أحب إلى الله من التوحيد، ولا شيء أبغض إليه من الشرك، ولهذا كان الشرك غير مغفور، بل هو أعظم الظلم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تارة تميلها ت مثل الشجرة الطيبة التي تفيئها الرياح بالبلاء» -يعني من يبتلى- قال: «تاب تميلها وتعدلها أخرى، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتا على» شجرة الأرز -شجرة الأرز مش هي الموجودة في عالم لبنان اللي هي شجرة قوي يعني شجرة صلبة- المنافق بظله حياته قل فيها البلاء يتنعم في الدنيا وبيعيش حياته وكذا، لأن الله يستدرج بقله البلاء ليجتثه اجتثاثًا والعياذ بالله، فلا يأتيه من البلايا ما تذكره بلقاء الله.

نعم قال: «لا تزال ثبوته على أصلها حتى يكون انجيحاقها مرة واحدة».

قال: فالله تعالى يبتلي عبده مؤمنًا ليطهره من الذنوب والمعاي من رحمته لعبده المخلص أن يصرف عنه ما يغار عليه من، كما قال تعالى: إذا هذه الغيرة مقبولة، يعني هذه الغيرة التي يتكلم عنها هنا في القشيري بشكل عام يقول شيخ الإسلام مقبولة، تدخل في قضية أن الله سبحانه وتعالى يغار أن يأتي عبده المحرم، لأن إتيانك للمحرمات مات معناها أن هناك شيئًا يزاحم محبة الله في قلبك.

نعم كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، وكما قال: ﴿أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99].

فإذا صرف عنه ما، فإذا صرف عنه ما يغار عليه منه كان ذلك من رحمته به واصفًا إياه، وإن كان في ذلك، وإن كان في ذلك مشقة عليه فهو ترثا يمنعه مما يكرهه له، وترث ليطهره منه بالابتلاء، فإذا كان يغار من ذلك فإذا فعل العبد ما يغار عليه فقد يعاقب على ذلك بقدر ذنبه، كما قال أبو القاسم وحكي عن السري أنه قال: السري سقوطه كبار الصوفية يقول هون فإنه غير نعم، انك تقول عن الله عز وجل غيور حتى في المعنى الصح نعم جائز أصلًا.

هل يعني زي م نعم أن الله يغار النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يغار» جائز أنه الإنسان يحكي مثلا مش الله عز وجل ذكر في بعض الآيات صفة المكر؟ جائز الإنسان يقول إن الله مكر. لا الآن صفة المكر تقم على المقابلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَمْكُرُ لِلْمَاكِرِينَ﴾ بهذا القيد.

وهنا أنه سبحانه وتعالى غيور بالك يغار على قلب عبده أن يرى فيه سواه، كما كما هو في الحديث الذي ذكر على النبي عليه الصلاه والسلام مش قال: «أن لا يغار أن من غيرته» هذا من باب الأخبار ما في مشكلة، بس بشرط أن تحمل الغيرة المعنى الصحيح ولا تحملها معاني باطله أو متكلفة، هذا هو المعنى ما في إشكال.

نعم شيخ في باب الخليل على الخليل سوا نعم صحيح.

قال: وحكي عن السري أنه قال: كنت أطلب رجلًا صديقًا مرة من الأوقات فمرضت في بعض الجبال، فاذا أنا بجماعة زمن ومرضى وعميان زمن مقعدين مشلولين يعني نعم.

قال: فسالت عن حالهم فقالوا هاه رجل يخرج في سنة مرة فيدعو لهم فيجدون الشفاء، فصبرت حتى خرج حتى خرج ودعا لهم فوجدوا شفاء، فقوت أثره وتعلقت به وقلت له بي علة باطنة فما دواؤها؟

قال: يا سري خلي عنك خلي عن خلي عني فإنه غير لا يراك تسا غيره لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.

قال: وهذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22] -يعني لا تجعل الله يراك مائلًا إلى غيره، لئلا تسقط من عينه كان بهذا المعنى والالفاظ-.

نعم وقوله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الششعراء: 213]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]، وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]، وقوله: فامسوا الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين.

وأما مقام الرجل وأمثاله في ذلك الزمان بجبل لبنان؛ فإن جبل لبنان ونحوه كان ثغرًا للمسلمين لكونه بساحل البحر مجاورًا صار بمنزلة عسقلان والأسكندرية وغيرهم من الثغور، وكان صالح المسلمين يقيمون بالثغور للرباط في سبيل الله، أما ورد من الآثار بفضل هذه البقعية فلفضل الرباط في سبيل الله -يعني جبل لبنان ظاهر بيروت يعني أظنه أو على ساحل يعني لبنان حاليًا يعني منطقة على البحر الأبيض المتوسط كان يقام فيها من أجل الدفاع، كانت تاتي الغارات الصليبيين من البحر-.

طيب قال: وكان صالح المسلمين يقيمون ثغرًا الأراض في سبيل، ومر.

قال: وأما بعد غلبه النصارى عليها والقرمطة والروافض فلم يبق فيها فضل، وليس به في تلك الأوقات أحد من الصالحين -لأصفي لبنان من التاريخ القديم النصارى قاعدين فيها والرافضة جالسين فيها، للأسف يعني لبنان من التاريخ القديم وهي معباة بالطوائف والاشكالات والأفكار المتناقضة-.

نعم قال: فلم يبق فيها فضل، وليس به في تلك الأوقات أحد من الصالحين، ولا وإن كان فيها كثير من الأفاضل الذين خرجوا -يعني كثير من الحنابلة البعلبكيين صاحب بداية العابد ابن ملبان أصله من بعلبك، كثير من الحنابلة الفقهاء من بعلبك ومن مناطق لبنان، لكن مشكلتها بلد الطوائف والف يعني-.

نعم قال: ولا يشرع في ديننا سكن البوادي والجبال إلا عند الفرار من الفتن، إذ كان المقيم بالمصر يلجا إليها عند الفتنة في دينه فيهاجر إلى حيث لا يحت، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وقد بسطنا هذا في غير موضع.

قلت: فقد ظهر أنهم يعنون بغيره الحق نحو ما نحو ما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم أن من غيرته على عبده أن يأتي محارما، فيدخل فيدخلون في ذلك ما لا يحبه من فضول المباح، وقد يعنون به غيرته على مواجده وعطاياه التي لأوليائه أن يضعها في غير محلها.

قال: فجعلوا الغيرة تارة في أمره ونهيه، وتارة في قضائه وقدره، وأما الغيرة من أهل الطريق فقد يعنى بها المعنى الشرعي وهو أن يغار المؤمن أن تنتهك محارم الله، ويدخلون في ذلك آباء المقربين من غيرتهم أن يكون شيء من أمورهم بغير الله، وذلك قد يعني بها أن يغار الإنسان على محب الحق ومرضاته أن تكون في غير محلها وهذا قريب، وقد يعنى بها أن يغار الإنسان وأن يشاركه غيره في طريق الحق وموهبته، ويكون هذا حسدًا واستكبارًا وشبهًا بغيره الضلائر على الرجل أو مرت معنا الدرس الماضي نعم أو غيره الفحول على الأنثى، وقد يعنى بها أن يغرى على الحق أن يذكره أحد أو أن يعرفه أحد أو أن ينظر إليه أحد كما يغر الإنسان على محدوده العزيز عنده، وكما تقدم عن الشريي وكما حكاه عن بعضهم قال قيل لبعضهم: أترييد أترييد أن تراه؟ فقال: لا، قيل: ولما؟ قال: أنزل ذلك الجمال عن نظري -قال شوف هذا الكلام البعيد عن المنطقية والواقعية المعبو-.

نعم قال: وفي المعنى أنشدوا: إني لأحسن ضي ال عليك حتى أفضي إذا نظرت إليك وأراك تخطر في شمائ في شمائك التي هي فتنتي فأغار منك عليها

قال: وكما ذكر في أسام -يعني ما بدي أتذكرك لأنه إذا تذكرتك بقاف إذا ذكرتك بغاء إذا ذكرتك عليك- هذا قمة يعني بسموها الوله، لكنه بهذه المفاهيم لا يصح إسقاطها على الله بهذه الطريقة، للأسف يعني كثير من الصوفية وليس جميعًا كثير أخطأوا في عبارات لا تليق في جناب الله سبحانه وتعالى.

قال: وكما ذكر وكما ذكر في باب المحبة فقال: سمعت شيخ أبا عبد الرحمن السلمانية يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت شكلية يقول: المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبه مثله، وهذا أيضًا وزن فازد جدًا وهو جل بالله وبما يستحبه وتشير له بالمحب من البشر، وظن وظن وظن وظن من هذا القائل أنه إذا رأى الله حصل، إذا رأى الله حصل، إذا رأى الله حصل في ذلك، وظن من هذا القائل أنه إذا، وظن من هذا القائل أنه إذا رأى الله ماذا سيحصل؟ إذا رأى الله حصل بذلك نقص في حق الله أو ضرر عليه، وظن من هذا القائل أنه إذا رأى الله ماذا سيحصل إذا رأى الله حصل بذلك نقص في حق الله أو ضرر عليه.

طيب قال: فان الإنسان عندما يغار على محوبه لما فيه عليه ضرر أو على المحب فيه ضرر، فيغار من الشركة لما فيها لما فيه من الضرر، وقد يغار عليه من نفسه لاستشعار به أن ذلك نقص ولا كل حال في حق الله -هو يعلق على البيت السابق قال: فأغار منك عليك- يعني والله سبحانه وتعالى إذا نظرت إليه سيتضرر كما تتضرر المحل، هذه الأمور كلها تدق في مقام العلاقة مع الله.

وقال: هذا قد يقول: أغاروا عليه من المحبة ومثل لا يستطيع أن يعبده، وإنما أعبد وإنما أعبد من يعبده، ونحو ذلك مما زينه الشيطان للمشركين وأهل الضلال، فاصبح بعضهم يعبد مشايخه ولا إيش بتعبد شيخ الطريقة؟ يقول: أنا مثلي والله لا يستحق أن يعبد الله أعلى وأجل من مثلي يعبد، بروح بعبد شيخ الطريقة، وشيخ الطريقة هو الذي يسب، وهذا كله من تزيين الشيطان.

قال: وذلك أنهم قد يدخلون في غيره الله منعه لمواهله وعطاياه من الذين امنوا من صالحاته وتقربوا إليه باصناف القربات، كما قد يمنع السيد والمحبوب عبيده والمحبة ما يستحقون، وهذا أيضا ج هذا هو المعنى اللي سبق معنا قبل شوي جهل بالله وتكذيب بوعده وتجوير له وتزكية لنفوسه وهو باطل.

وفي الجملة الغيرة المحمودة إما تركوا ما نهى الله عنه أو تلق ما لم يأمر الله به ولا أوجبه ومن لم يكن فيه أحد الحالين فهو ممن فسخ عن ربه، والثانية حال الكم للصادقين، أما الغيرة على ما لم يحارمه أو على ما أباحه الله لعباده أن يفعلوه وهو لا يكره ولا يصفه فهو مذوم كله كما تقدم، فهذه الغيرة الاستلاحية من مدحها مطلقًا فقد أخطاء ومن دامها مطلقًا فهطا، فصواب أن يحمد.

طبعا قالوا: في الجملة فالغيرة المحمودة إما ترك ما نهى الله عنه فقط أو تزيد على ذلك بترك المباحات، وهو ترك ما لم يأمر الله به ولا أوجبه، ومن لم يكن فيه كلا الحالين مش أحد الحالين ومن لم يكن فيه يعني يقول أنا أعتقد هو الشيخ اضاف زدته عبارة أحد الحالين هي مش أحد الحالين من لم يكن فيه الحالة الأولى اكتب هكذا ومن لم يكن فيه الحال الأول فهو ممن فسق على من ربه، واما الثانية فهي حال الكمل الصادقين، يعني الان قلت الغير المحمودة أن تترك أولا ما نهاك الله عنه، ما نهاك الله عنه ه اذا هي مش عندك فأنت أصلا فاسق، إذا أنت لا تترك ما نهاك الله وأنت فاسق، واما الثانية وهي أن تترك المباحات فضول المباحات فهذه لمين المرتبه؟ هذه للمكمل يعني مش الكل مطلوب منه أن يصل لهذه المره، فقوله: ومن لم يكن في أحد الحالين أنا لا أعتقد أن العبارة دقيقة التي أضافها المحقق، مش أحد الحالين الحالة الأولى بالتهديد فف فسق عن أمر ربه.

قال: وأما الغيرة على ما على ما لم يحرمه أو على ما أباحه لعباده أن يفعلوه وهو لا يكره ولا يسخطه، طيب قال أباح العبادة أن يفعلوه ولا يكره ولا يسقط فهو مثوم كله كما تقدم.

نعم قال: فهذه الغيرة الاصطلاحية.

مِن مَدَحَهَا مُطْلَقًا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَمَنْ ذَمَّهَا مُطْلَقًا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَدَ مِنْهَا مَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُذَمَّ مِنْهَا مَا ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا لِلسَّالِكِينَ فِي هَذَا الْخُلُقِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ يُنْكِرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الطَّرِيقِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَالْآخَرُونَ يُعَظِّمُونَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ.

أَمَّا الْغَيْرَةُ عَلَى مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَعَلَى مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ عِبَادُهُ يَفْعَلُوهَا وَلَا يَكْرَهُ وَلَا يُسْقِطُهَا، هُوَ مَضْمُونٌ كُلُّهُ أَنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْعِبَارَةَ أَيْضًا لَيْسَتْ هَكَذَا، أَعْتَقِدُ أَنَّ الْعِبَارَةَ هِيَ لَيْسَتْ هَذِهِ الْإِضَافَاتِ مِنْ قِبَلِ الْمُحَقِّقِ، بَلْ هِيَ اجْتِهَادٌ مِنْهُ فِي مُحَاوَلَةِ فَهْمِ النَّصِّ، لَكِنْ لَا أَعْتَقِدُ أَنَّهَا هَكَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْغَيْرَةُ الْمَحْمُودَةُ أَمَّا تَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَوْ تَرْكُ مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ وَلَا أَوْجَبَهُ، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يُوجِبْهُ هُوَ دَائِرَةُ الْمُبَاحِ أَوْ فُضُولِ الْمُبَاحَاتِ كُلِّهَا.

قَالَ: فَأَمَّا الْغَيْرَةُ عَلَى مَا طَلَبَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَفْعَلُوهُ أَوْ نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَكْرَهُهُ وَلَا يَسْقَطُهُ، فَهُوَ مَذْمُومٌ كُلُّهُ، الَّتِي هِيَ زَيْ مَا حَكَيْنَا أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ خَيْرًا وَلَكِنْ لَا تُرِيدُ غَيْرَكَ أَنْ يَعْمَلَ خَيْرًا زَيْكَ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ غَيْرَةً مَحْمُودَةً وَإِنَّمَا هِيَ غَيْرَةٌ مَذْمُومَةٌ.

عُمُومًا لَا أَعْتَقِدُ النَّصَّ كَانَ بِالْإِضَافَاتِ الَّتِي قَدَّمَهَا الشَّيْخُ، فَهَذِهِ الْغَيْرَةُ الِاصْطِلَاحِيَّةُ مَنْ مَدَحَهَا مُطْلَقًا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَمَنْ ذَمَّهَا مُطْلَقًا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَدَ مِنْهَا مَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُذَمَّ مِنْهَا مَا ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا لِلسَّالِكِينَ فِي هَذَا الْخُلُقِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ يُنْكِرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الطَّرِيقِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَالْآخَرُونَ يُعَظِّمُونَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ.

وَالصَّوَابُ الْفُرْقَانُ ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النُّور: 40]. لِمَاذَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تُنْكِرُ هَذَا الطَّرِيقَ طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ؟ لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبَعْضُ النَّاسِ لِمَاذَا تُعَظِّمُ طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ؟ لِمَا تَرَى فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَا هُوَ؟ الْفُرْقَانُ.

الْفُرْقَانُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الصُّوفِيَّةَ أَحْسَنُوا هُنَا وَهَذَا حَقٌّ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَخْطَأُوا هُنَا وَأَسَاءُوا هُنَا وَهَكَذَا، فَالْإِنْسَانُ لَا يَظْلِمُ وَلَكِنَّهُ أَيْضًا لَا يَغْلُو فِي مَقَامِ الْمَدَحِ وَالثَّنَاءِ، بَلْ يَقِفُ عِنْدَ الْحَقِّ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الْبَاطِلِ فَيُعْطِي كُلَّ ذِي قَدْرٍ قَدْرَهُ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي بَابِ الرِّضَا عَنْ شَيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْضَ أَلَّا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

الْآنَ انْتَهَيْنَا مِنْ مَوْضُوعِ الْغَيْرَةِ وَعَرَفْنَا أَنَّ فِيهَا مَعَانِيَ صَحِيحَةً يَذْكُرُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَتَتَّفِقُ مَعَانِي الصُّوفِيَّةِ فِيهَا، وَهُنَاكَ مَعَانِيَ خَاطِئَةً يَذْكُرُهَا الصُّوفِيَّةُ وَلَا نَتَفَقُ مَعَهُمْ فِيهَا، الْآنَ سَنَنْتَقِلُ وَهَذَا حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي سَيَأْخُذُ تَقْرِيبًا مَا بَقِيَ مِنَ الْكِتَابِ، بَقِيَتْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ وَفِكْرَةٌ أُخْرَى وَانْتَهَى الْكِتَابُ تَقْرِيبًا.

فِكْرَةُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ مَقُولَةٌ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ مَاذَا يَقُولُ؟ الرِّضَا مَتَى تَكُونُ رَاضِيًا تَمَامَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ؟ هَذَا يُنْقَلُ عَنْهُ أَنَّ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ أَنْ تَصِلَ لِمَرْحَلَةِ أَلَّا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يُنَاقِشَ هَلْ هَذِهِ الْمَقُولَةُ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ؟ لِأَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، ثَانِيًا لَوْ أَنَّ أَحَدًا قَالَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، بِرَأْيِكُمْ هَلْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ صَحِيحَةٌ؟ أَنْ تَقُولَ كَمَالُ رِضَاكَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ خَلَاصٌ لَا تَسْأَلُ اللَّهَ جَنَّةً وَلَا تَسْتَعِيذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَأَيْنَمَا وَضَعَكَ اللَّهُ تَذْهَبُ هَذَا مَعْنَاهُ بِمِثَالَيْنِ: أَيْنَمَا وَضَعَكَ اللَّهُ تَذْهَبُ، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَضَعَكَ فِي الْجَنَّةِ وَضَعَكَ، أَرَادَ أَنْ يَضَعَكَ فِي النَّارِ تَكُونُ رَاضِيًا، هَذَا هُوَ تَمَامُ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ؟ هَلِ التَّفْكِيرُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ صَحِيحٌ؟

قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّ النَّاسَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْكَلَامِ فَمِنْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَمِنْ مَنْ قَبِلَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِهِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ.

أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِإِسْنَادٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْهُ فِي رِسَالَتِهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمَشَايخِ وَغَيْرِهِمْ تَارَةً يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادٍ وَتَارَةً يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا، وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ فِي الرِّسَالَةِ: وَقِيلَ عَنْهُ كَذَا.

ثُمَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْإِسْنَادِ تَارَةً يَكُونُ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا وَتَارَةً يَكُونُ ضَعِيفًا بَلْ مَوْضُوعًا، وَمَا يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا وَمَحْذُوفًا فَلَا أَوْلَى أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ.

هَذَا كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مَا هُوَ صَحِيحٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ، وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الرَّقَائِقِ وَالتَّصَوُّفِ مِنَ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ الَّتِي فِيهَا الصَّحِيحُ وَفِيهَا الضَّعِيفُ وَفِيهَا الْمَوْضُوعُ.

إِذًا هَذِهِ أَوَّلُ مُشْكِلَةٍ، هَلْ هَذَا الْأَثَرُ ثَابِتٌ أَصْلًا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ؟ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي يَنْقُلُهَا سَوَاءً كَمَا قَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ أَوْ عَنْ أَئِمَّةِ التَّصَوُّفِ، بَعْضُهَا تَجِدُ يَذْكُرُ لَهُ إِسْنَادًا وَبَعْضُهَا يَأْتِي بِهِ مُرْسَلًا بِدُونِ إِسْنَادٍ، وَهَذَا بِالتَّالِي يَجْعَلُنَا نَتَفَحَّصُ أَنَّنِي لَا أَقْبَلُ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ خَاصَّةً الَّتِي لَمْ يَذْكُرْ لَهَا أَسَانِيدَ، بَلْ أَنَا أَحْتَاجُ أَنْ أُفَتِّشَ حَتَّى لَا أَنْسُبَ لِلْعُلَمَاءِ أَشْيَاءَ لَمْ يَقُولُوهَا.

فَيَقُولُ لَكَ كِتَابُ الْقُشَيْرِيِّ مِثْلُهُ مِثْلُ كُتُبِ الْفُقَهَاءِ، كَيْفَ كُتُبُ الْفُقَهَاءِ تَبَعُ الِاسْتِدْلَالَ الْفِقْهِيَّ؟ تَجِدُ يَذْكُرُ حَدِيثًا عَادَةً بِالتَّبَعِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَتَّى مَوْضُوعًا، زَيْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا فِي اسْتِقْبَالِ النَّيِّرَيْنِ وَأَنَّ فِيهَا نُورَ اللَّهِ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَجَلَّى، وَهَذَا حَدِيثٌ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.

وَهَذَا أَمْرٌ نَعَمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ فِيهَا هَذَا وَفِيهَا هَذَا، نَفْسُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ فِيهَا هَذَا وَهَذَا، وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةِ فِي التَّفْسِيرِ فِيهَا هَذَا وَهَذَا، مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَقْرَبُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولَاتِ وَفِي كُتُبِهِمْ هَذَا وَهَذَا، فَكَيْفَ غَيْرُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَالصُّوفِيَّةِ؟ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكْثُرَ عِنْدَهُمُ الضَّعِيفُ وَالْمَوْضُوعُ فِي كُتُبِهِمْ.

وَالْمُصَنِّفُونَ قَدْ يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الْفِقْهِ أَوِ التَّصَوُّفِ أَوِ الْحَدِيثِ وَيَرْوُونَ هَذَا تَارَةً لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الدِّينِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَتَارَةً يَذْكُرُونَهُ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا أَنَّ قَصْدَهُمْ رِوَايَةَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، أَيْ أَنْ يَرْوِيَ مَا وَجَدَ بِغَضِّ النَّظَرِ صَحِيحٌ ضَعِيفٌ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ حَقِيقَةً إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ الْأَصْلُ أَنْ تُبَيِّنَ.

وَرِوَايَةُ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ مَعَ بَيَانِ أَنَّهَا كَذِبٌ جَائِزٌ، وَأَمَّا رِوَايَتُهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ رِوَايَةَ عَمَلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ». لَا يَصِحُّ حَتَّى إِذَا أَنْتَ رَوَيْتَ حَدِيثًا مَوْضُوعًا لَيْسَ أَنْتَ الَّذِي أَلَّفْتَهُ وَلَكِنْ أَنْتَ نَقَلْتَهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَلَمْ تُبَيِّنْ وَضْعَهُ، فَأَنْتَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا وَإِنَّمَا نَقَلُوا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ، وَهَذَا يَسْهُلُ إِذَا رَوََوْهُ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَكَذَا لَا لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا يُوجَدُ فِي الرِّسَالَةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْحَدِيثِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ سَلَفِهِ، فِيهِ صَحِيحٌ وَفِيهِ ضَعِيفٌ وَفِيهِ الْمَوْضُوعُ؛ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْمَوْضُوعُ الَّذِي قَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى كَذِبِهِ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي رَوَاهُ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ أَمَّا لَيْسُوا بِحُفَّاظٍ وَأَمَّا لِاتِّهَامِهِمْ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِيهِ فَإِنَّ الْفَاسِقَ قَدْ يَصْدُقُ وَالْغَالِطَ قَدْ يَحْفَظُ، وَغَالِبُ أَبوَابِ الرِّسَالَةِ فِيهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ.

وَمِنْ ذَلِكَ بَابُ الرِّضَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، وَهُوَ حَدِيثُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا». وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأُسْتَاذُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ لَكِنْ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ.

وَذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا ضَعِيفًا بَلْ مَوْضُوعًا، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَدَرٍ عَنْ جَابِرٍ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ فَإِنَّ حَدِيثَ فَضْلِ بْنِ عِيسَى مِنْ أَوْهَى الْأَحَادِيثِ وَأَسْقَطِهَا، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا، فَإِنَّ الضَّعْفَ ظَاهِرٌ عَلَيْهَا.

وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الزُّهَّادِ وَالْفُقَهَاءِ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِمْ لِسُوءِ الْحِفْظِ لَا لِاعْتِمَادِ الْكَذِبِ، وَهَذَا أَبُو قَاسِمٍ يَتَّفِقُ عَلَى ضَعْفِهِ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ الْعَامَّةُ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ هَذَا الشَّأْنُ، حَتَّى قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: لَوْ وُلِدَ فَضْلٌ أَخْرَسُ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، فَضْلٌ الرَّقَاشِيُّ لَوْ كَانَ وُلِدَ أَخْرَسَ كَانَ أَحْسَنَ لَهُ حَتَّى لَا يُحَدِّثَ فِي الْأَحَادِيثِ.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَا شَيْءَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: رَجُلُ سُوءٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.

وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآثَارِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ آثَارًا حَسَنَةً بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ، مِثْلَ مَا رَوَاهُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سَلَا الْعَبْدُ عَنِ الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ. أَيْ إِذَا سَلَا، أَيْ إِذَا تَرَكَ الْعَبْدُ التَّفْكِيرَ فِي الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ، أَيْ مِنْ مَقَامَاتِ الرِّضَا أَنْ تَسْلُوَ أَنْ تَنْسَى الشَّهَوَاتِ وَلَا تُفَكِّرَ فِيهَا.

فَإِنَّ هَذَا رَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ بِإِسْنَادِهِ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ لَهُمْ عِنَايَةٌ بِجَمْعِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَحِكَايَاتِهِمْ وَصَنَّفَ فِي الْأَسْمَاءِ كِتَابَ الطَّبَقَاتِ، طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ هَذَا كِتَابٌ لِلسُّلَمِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَنَّفَهُ ذَكَرَ فِيهِ كَلَامَ عُلَمَاءِ التَّصَوُّفِ بَيَّنَ مَنْ هُوَ الدَّارَانِيُّ وَذَكَرَ فِيهِ وَكِتَابَ زُهَّادِ السَّلَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَمُصَنَّفَاتُهُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَذَكَرَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّصْرَبَاذِيَّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّ الرِّضَا فَلْيَلْزَمْ مَا جَعَلَ اللَّهُ رِضَاهُ فِيهِ.

فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، فَإِنَّ مَنْ لَزِمَ مَا يَرْضَى اللَّهُ مِنْ امْتِثَالِ أوامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَا سِيَّمَا إِذَا قَامَ بِوَاجِبِهَا وَمُسْتَحَبِّهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ لَزِمَ مَحْبُوبَاتِ اللَّهِ أَحَبَّهُ اللَّهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ» الْحَدِيثَ.

وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الرِّضَا بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إِلَى الْمَحْظُورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَة: 62]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التَّوْبَة: 59]. فَهَذَا رِضَا وَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ ذَمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا منها إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التَّوْبَة: 58].

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الرِّضَا بِالْمَصَائِبِ كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ، فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ وَاجِبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ الرِّضَا فِي الْبَلَايَا مُسْتَحَبٌّ وَالْوَاجِبُ هُوَ مَاذَا؟ الصَّبْرُ؛ الصَّبْرُ هِيَ الْمَنْزِلَةُ الْوَاجِبَةُ.

الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الصَّبْرُ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرِّضَا عَزِيزٌ، وَلَكِنَّ الصَّبْرَ مِعْوَلُ الْمُؤْمِنِ، أَنْتَ تَعُولُ عَلَى الصَّبْرِ وَالرِّضَا إِذَا حَصَّلْتَهُ حَصَّلْتَ.

وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِرِضًا مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا».

وَأَمَّا الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ فَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يُرْضَى بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى بِهِ.

يرضاه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]. أما أن يرضى الإنسان بوجود الكفر والمعاصي والفسوق -وإن كان الله قدر وجودها- فهذا لا يجوز، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].

وهذه من إحدى المشاكل في فكر التصوف؛ أنه قالوا: عليك أن ترضى بكل شيء موجود في العالم من المقدورات، فعليك أن ترضى بالزنا، وترضى بالخمر، وترضى بالشك. وهذا سيبين أنه من أكبر الاشكاليات في فهم الصوفية لباب القضاء والقدر؛ أنه هل القضاء والقدر يتطلب مني أن أرضى بوجود الكفر في الأرض، أن أرضى بوجود الزنا في الأرض؟ يقول لك: طب ما شاء الله عز وجل أرادها! يقول: أرادها كونا، لكنه لم يردها شرعا. فالتخليط في هذه المسألة سيأتي لابن تيمية يبين كم وقع فيه من الآثار السيئة.

نعم، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]. وقال تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 28]. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: 68]. وقال: ﴿فَسَاءَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 80]. وقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55]. كل هذه النصوص تدل على ماذا؟ أن الله يسخطون أو يغضبون؛ الله يغضب على أشياء يفعلها البشر، يسخط على أشياء يفعلها البشر، حكم على ناس بأنهم كفار ومنافقون بسبب أعمالهم.

إذاً، هو سبحانه وتعالى لا يرضى عن كثير من الأشياء الموجودة في الكون وإن كان هو قدرها، فكيف أنت ترضى بها؟ نعم.

قال: فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عمله بل يسخطه ذلك، فهو يسخط عليهم ويغضب عليهم، فكيف يسوغ للمؤمن أن يرضى ذلك وألا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه؟ وإنما ضل هنا فريقان من الناس؛ فريق من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في المناظرة القدرية، ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته، وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية. نعم، هذا هو مذهب عموما الأشاعرة وغيرهم، أنهم جعلوا صفة المحبة والرضا والغضب والسخط ليست صفات حقيقية تقوم في ذات الله، وإنما أعادوها كلها إلى صفة واحدة وهي صفة الإرادة، ثم فسروا الإرادة بأنها الإرادة الكونية، فهمتم ماذا حصل؟ وبالتالي أصبحت جميع ما سيكون في هذا الكون هو إرادة كونية، والارادة الكونية هي كلها متعلقة بهذه الأمور.

نعم، شيخ، ممكن يكون فساد يعني إنكار المحبة يصبح يعني إنكار صفة المحبة، لأن كل شيء مراد بالتالي لا فرق بين... نعم، أو تفسير المحبة بأنها مجرد الإرادة. تفسير المحبة بالإرادة سيؤدي إلى هذه القضية. نعم قال: وقالوا هو أيضا محب مريد لها. ثم اخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا: لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين، ولا يرضى لعباده الكفر بمعنى لا يريده أي لا يريده للمؤمنين. وهذا غلط عظيم، فإن هذا عنده بمنزلة أن يقال لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان بمعنى لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين.

نعم، قال: وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فانه يكون مستحبا يحبه، ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون... لاحظ ماذا قالوا؟ فقالوا: ما معنى لا يحب الفساد؟ مش الآن في كثير من الآيات أن الله عز وجل لا يحب الفساد؟ ما معنى لا يحب الفساد عند هؤلاء من الأشاعرة وغيرهم؟ فسروا الحب والبغض بمعنى الإرادة، فلما أتوا إلى آية لا يحب الفساد قالوا: بمعنى لا يريد الفساد، بمعنى لا يريد الفساد. طيب شو معنى لا يريده كونا؟ لا يحب الفساد، لا يريد الفساد. ما معنى الإرادة؟ الإرادة الكونية. فمعنى لا يحب الفساد: لا يريد الفساد كونا. طبعا لا يريده لمن؟ للمؤمنين، لأن المؤمنين هم لا يفعلونه. قال ابن تيمية: طب هذا غلط عظيم، لأنه إذا بدك تعكس شو رح تحكي؟ أن الله لا يحب الإيمان، ما ايش يعني لا يحب؟ يعني لا يريد الإيمان. طيب لا يريد الإيمان لمن؟ للكافرين، لأنهم لم يفعلوه. فإذا أنت عم تفسر الحب بمعنى الإرادة الكونية ستنشأ مفاهيم مغلوطه. إذا أنت تفسر الحب بمعنى الإرادة الكونية ستنشأ مفاهيم مغلوطة، وستتعلق الأمور بناء فقط على القضاء والقدر، وليس أن هناك معنى غير الإرادة الكونية اسمه الحب، واسمه الغضب، واسمه ما يرضيه، واسمه ما لا يرضيه.

طيب، وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فانه يكون مستحبا يحبه، ثم قد يكون مع ذلك واجبا، وقد يكون مستحبا ليس بواجب، سواء فعل أو لم يفعل. والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع. والفريق الثاني من غاليّي المتصوفه شربوا من هذه العين، فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها وعلموا أنه قدر كل شيء وشاءه، وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويعطيهم من ط... إذا هنا فريقين بتكلم عنه؛ الفريق الأول من علماء الكلام والماتريدية الذين ربطوا المحبة والغضب بصفة الإرادة الكونية، ومن شرب من هذه العين -بس مش من علماء الكلام، علماء الصوفية الذين أيضا استسلموا للقدر- فشهدوا أن كل ما قدره الله يجب أن أرضى به.

وهذا بيفسر لك هنا، شوف هذا الكلام، وهذا يفسر لك سبب التقارب الكبير بين الأشاعرة والصوفية، أنك بتقول ليش كثير من الأشاعرة، بل الأصل في الأشاعرة الصوفية أو الأصل بالعكس؟ الأصل في الصوفية أنهم أشاعرة حتى أكون دقيقا، لأنه هو الفكر الصوفي الذي يناسب في هذه المقامات الفكر الأشعري، الفكر الصوفي السلوكي الذي يناسبه في هذا المقام؛ مقام أن أشهد أن كل ما في هذا الكون جميل؛ الزنا جميل، وشرب الخمر جميل، والإيمان جميل، والكفر جميل. ليش يا جماعة؟ كله إرادة الله الكونية، لازم أرضى بكل شيء. مين ما هو المنهج العقدي الذي يساعد الصوفية على هذا الطريق؟ الأشعري، منهج الأشاعرة والماتريدية الذين يرون أن المحبة والغضب هي فقط الإرادة الكونية. فلذلك هذا الاطراد دائما بعض يقول لك يعني ليش دائما الصوفية... قل من المتاخرين طبعا الصوفية المتأخرة، عرفت لماذا قل انك تجد رجل من أهل الحديث على عقيدة، كلهم أشاعرة ماتريدية، لأن العقيدة الأشعرية كفكر عقلي تساعد الصوفية على هذا الفكر، قضية...

ماذا؟ فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعا، وعلموا أنه قدر كل شيء وشاءه، وظنوا أنهم لا يكونون راضين عن الله حتى يرضوا بكل ما قدره الله من الكفر والفسوق والعصيان. هذا خلاصة يعني ما وصل أكثر الصوفية. نعم قال: وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويقضيه من الكفر والفسق والعصيان. حتى قال بعضهم: المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب. قالوا: والكون كله مراد محبوب. وظل هؤلاء والكون كله بما فيه من الكفر والفسق والعصيان كله مراد للمحبوب، فيجب إذا أن تحبه، كل ما في هذا الكون حتى من الكفر والفسق والعصيان أنه مراد محبوبك.

نعم، قال: وظل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرق بين الإرادة الدينية والكونية، والذنب الديني والكوني، والامر الديني والكوني، والبعث الكوني والديني، والارسال الكوني والديني، كما بسط في غير هذا الموضع. وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يفرقوا بين المحظور والمأمور، وأولياء الله وأعداء الله، والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويجعلون المتقين كالفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين. لأنهم في النهاية كل هؤلاء هم مراد الله؛ المسلم مراد الله، والفاجر مراد الله، والزنا مراد الله، والصلاة مراد الله. فإذا لا نفرق بينها، خلها من باب واحد، كلها مراد الله. أه، تمام، بس هذه كلها مراد الله إيه كونا، بس هي ليست مراد الله شرعا. فالمسلم هو الذي يريده الله شرعا، والكافر لا يريده الله شرعا. الطاعة هي التي يريدها الله شرعا.

فبقول لك: هؤلاء لما ألغوا الإرادة الشرعية ولم يهتموا بها ولم يجعلوا إلا الإرادة الكونية، سيؤول بهم الأمر إلى ايش؟ إلى اعتبار الكل من باب واحد. ثم بعد ذلك آل بهم الأمر إلى منهج الاتحاد والحلول، وهذه مرت معنا فكرة كثيرا في رسالة العبودية وغيرها، كيف أن منهج الصوفية هذا، عدم مشاهدة الفرق بين الإرادة الكونية والارادة الشرعية، أدى بهم في مآلات ابن العربي وابن سبعين وغيرهم إلى القول بمذاهب عقيدة الحلول والاتحاد والعياذ بالله.

نعم قال: ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشواهد، وربما سموا هذا حقيقة ولا عمري، سموا هذا نحن شهدنا الحقيقة. هم يسمون أنك تصل لمرحلة لا ترى الفرق بين الكفر والاعتبار، وتعتبره كله هو مراد الله، هي الحقيقة التي من أجلها نعيش والله هذا هو الكفر وليس شيئا من الحقيقة في شيء.

نعم قال: ولا عمري أنه حقيقة كونية، لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. وقال: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-85]. قال: فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه. فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان غايته أن يكون كعباد الأصنام؛ عباد الأصنام كانوا مؤمنين بوجود الإرادة الكونية.

نعم قال: والمؤمن إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله، هو الإيمان بالإرادة الشرعية، وجود الأمر والنهي. هنا ميزتنا عن الكفار والمشركين. نعم قال: وبتصديقهم فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واتباع ما يرضاه الله ويحبه، دون ما يقضيه ويقدره من الكفر والفسق والعصيان. ولكن يرضى بما أصابه من المصائب، لا بما فعله من المعايب. فهو من الذنوب يستغفر، قال: كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55]. فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على مصائبه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. وقال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

والقصد هنا أن ما ذكره الأشعري عن ابن ابادة من أحسن الكلام، حيث قال: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه. وكذلك قول الشيخ أبي سليمان -يعني الطاعة- فليلزم ما جعل الله رضاه فيه، يعني فليلزم طاعة. نعم قال: وكذلك قول الشيخ أبي سليمان: إذا سلّ العبد عن الشهوات فهو راض. نعم، إذا سلّ العبد عن الشهوات يعني إذا ترك المعاصي فهو راض، بلغ منزلة إذا تركت المعاصي ووقفت عند الطاعات أنت هكذا راض. نعم قال: وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعه طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل استخ... فإذا سلّ عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق. يعني هي طريقة أخرى في التفسير؛ يعني إذا سلّ عن رغبات النفس اشتغل بما رضا الله، يعني رضي بما قسمه الله سبحانه وتعالى له من الأرزاق.

طيب قال: وكذلك ما ذكره معلقا، قال: وقيل قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال الجنيد: قول كذا، قول كذا، قول كذا؛ ضيق صدر. وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. الجنيد سمع الشبلي يقول لا حول ولا قوه إلا بالله، فقال له: قولك لا حول ولا قوة إلا بالله ضيق صدر، وضيق الصدر لأنك لا ترضى عن... شو رايكم؟ يعني هل الجنيد هو ينكر لا حول ولا قوة إلا بالله؟ لا، طبعا الجنيد إمام الطريق، لكن هو الآن في ملحظ جميل مهم في حياتنا العملية، في ناس بحكي لا حول ولا قوة إلا بالله لأنه مش راضي. بحكيها الآن: لا حول ولا قوة إلا بالله، عبارة نتكلمها في مقام إيش؟ التصبر، وليس في مقام التسخط. في ناس بتشوف شغلة تعجبها، لا حول ولا قوة إلا... لا، يقولها تصبرا، يقولها ضيقا. فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ليس كلمة تقال للضيق، هي كلمة تقال للصبر وتعزيز معاني التوكل على الله سبحانه وتعالى، وليس أنه شيء ما يعجبك بتقول لي لا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا الذي أنكره الجنيد على الشبلي؛ أنه قالها ضيق صدر وليس تصبرا.

نعم قال: وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعان... نعم، لا حول ولا قوة إلا بالله هي كلمة ايش؟ استعانة، لا كلمة استرجاع. يعني أنت لما تشوف مصيبة شو بتحكي؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه استرجاع. أما

ما بتقول لا حول ولا قوة إلا بالله تمام؟ هو بده يقول لك أنت في مقام لا حول ولا قوة إلا بالله بتقولها ما بدك تستعين على شيء بالله؛ أن الله يصبرك يمنحك، وأما في مقام المصائب، في مقام الضيق بشكل عام: إنا لله وإنا إليه راجعون أو كلمة أخرى. فاستخدام هذه الكلمه في غير مكانها يرسل لك رسالة أن هذا الشخص لا يملك الرضا الحقيقي.

نعم، قال: وكثير من الناس يقولون عند المصائب بمنزلة الاسترجاع؛ كثير من الناس يقول لا حول ولا قوة إلا بالله عند المصائب بمنزلة ايش؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا وضع للكلمة في غير محلها، مش حرام يعني، بس هي الفكرة أنك وضعت الكلمة في غير محلها.

نعم، قال: ويقولها جزعاً لا صبراً. صح، بتلاقيه الناس: لا حول ولا قوة إلا بالله، بقولها وهو مش راضي، يعني مش أنه هو شاعر يعني -لو قال وهو يطلب المدد من الله يعني قد يكون له وجه-، لكن تقولها وأنت على وجه الجزع فهذا ليس مقام الكلمة ولا حقها.

نعم، قال: فالجنيد أنكر، أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها؛ إذ كانت حالاً ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه. وفيما ذكره آثار ضعيفة، مثل ما ذكره معلقاً.

قال وقيل: قال موسى: إلهي دلني على عملي إذا عملته رضيت عني. فقال: إنك لا تطيق ذلك. فخر موسى ساجداً متضرعاً، فأوحى الله إليه: يا ابن عمران، رضائي في رضائك عني. قال: فهذه الحكاية الإسرائيلية فيها نظر؛ فانه قد يرضائي يعني رضائي يكون إذا أنت رضيت عني.

نعم، قال: فانه قد يقال لا يصلح أن يحكى مثله عن موسى عليه السلام، ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ليس لها إسناد، ولا تقتضي بها حجة في شيء من الدين، إلا إذا كانت منقولة لنا نقلاً صحيحاً؛ حيث ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه حدثنا به عن بني إسرائيل. ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه؛ فإن موسى عليه السلام من أعظم أولي العزم وأكابر المرسلين.

نعم، الآن الإسرائيليات عموماً منهجنا: لا نصدقها ولا نكذبها إلا إذا ظهرت قرينة تدل على كذبها، مثل هذه القصة مثلاً. يقول شيخ الإسلام: لماذا هذه القصة في قرائن تدل على أنها مكذوبة؟ قال: إن موسى من أولي العزم. طيب، قال: فكيف يققال إنه لا يطيق أن يعمل بما يرضى الله به عنك؟ نعم، كيف يردني على عمل يرضيك عني؟ قال: يا موسى إنك لا تستطيع أن تفعل عمل يرضيك عني تمام، رضيت عني أو يرضيني عليك. طب موسى عليه السلام معقول لا يطيق أن يعمل عمل يجعل الله يرضى به عنه؟! إذا كان الأولياء والصالحون قد يعملون أعمالاً يرضى الله عز وجل بها عنهم، فموسى من أولي العزم معقول لا يستطيع أن يفعل عمل يرضى الله عز وجل به عنهم؟! والله تعالى رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم أقل من موسى.

نعم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَهْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 7-8]. ومعلوم أن موسى عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

نعم، قال: ثم إن القشيري قرن هذه الكلمة الثابتة عن أبي سليمان بكلمة أحسن منها؛ فانه قبل أن يرويها قال: وسئل أبو عثمان -يعني أبا عثمان الحيري النيسابوري- عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ». فقال: لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا. فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد.

ثم أسند بعد هذا عن شيخ أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون عرفت طرفاً من الرضا؛ لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضياً. قال: فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا، وإنما هو عزم على الرضا، وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء.

وإذا كان هذا عزماً على الرضا فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ، وما أكثر انفساخ عزائم الناس! ولهذا قيل لبعضهم بمعرفة الله: قال بفسخ العزائم. ونقل الإمام -شوف هذا الكلام الجميل- قيل لبعضهم: بما عرفت الله؟ قال: بانفساخ العزائم.

كثير من الناس تجده والله عزم عزائم كثيرة في حياته: بدي أحضر برامج علمية وبدي أعمل كذا وبدي أقرأ كتب وبدي وبدي كذا، فجأة تجد ماذا؟ لم يفعل شيئاً، وإنما فقط جالس في منزله ينظر في الجوالات ويتابع! فهو سبحان الله هنا توقن أن هناك إلهاً -يعني تستغرب من الناس: كثير ما يخططونه لبرامج ومشاريع وأخبار وكذا وأحوال، ويقول لك: بدي أصير وبدي أفعل وبدي كذا، ولكني آخر السنة لم ينزل شيء-. قال: بما عرفت الله؟ قال: بانفساخ العزائم. تعرف أن هناك إلهاً يقرب المقربين ويبعد البعداء، وانه الإنسان قد تجده يفعل ويخطط ويرتب ويفعل ثم الله سبحانه وتعالى لا يفسخ عزائمه عن العمل لشيء وراه في حاله أو في معاصيه أو ذنوبه أو أخباره أو ما شابه ذلك؛ فلا تظن مجرد عزمك على الشيء أن هذا الشيء سيحصل.

نعم، قال: فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا، وإنما هو عزم على الرضا، وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء. وإذا كان هذا عزماً على الرضا فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ، وما أكثر انفساخ عزائم الصوفية! ولهذا قيل لبعضهم بمعرفة الله: بانفساخ العزائم ونقض العزائم.

وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشايخ: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلَقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُموهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. وفي الترمذي أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه! فانزل الله هذه الآية.

وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 77]. الآية. فهؤلاء الذين قالوا قد عزموا، فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه، لما ابتلوا به كرهوه وفرغوا منه، وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذي لا طاقة لأحد به؟!

ومثل هذا يذكر عن سمنون المحب أنه قال: وليس لي في سواك حظ، فكيف ما شئت فاختبرني. يعني هذا سمنون كان يقول يعني من الناس المنشغلين بمحبه الله، فكان يقول: يا رب أنا بحبك، اختبرني باللي بدك إياه. طيب شو النتيجة؟ فاخذه الأسر من ساعته؛ أي حصر بوله، فابتلاه الله بحصر البول، لم يستطع أن يبول أربعة عشر يوماً قيام! مش أنت تقول ابتليني بما شئت لأني أنا بحبك يا الله؟! بحصر البول. قال: فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب. قال: فكان يلف على الصبيان الصغار ويعطيهم جوز، قل: ادعوا لعمكم -يعني عن حاله أن ربنا يفرج عنه- لأنه قال: يا رب ابتليني ما شئت. يا عم أنت مش قد هذا الكلام، سيبك من هالكلام هذا.

نعم، قال وحكي أبو نعيم الأصفهاني عن أبي الوسطي أنه قال: سمنون: يا رب قد رضيت بكل ما تلقيه علي. فاحتبس بوله أربعة عشر يوماً فكان يتلوى كما تتلوى الحية على الرمل، يتلوى يميناً وشمالاً، فلما أطاق قوله قال: يا رب تبت إليك. إذاً، الصحيح كما قال في الصفحات السابقة أن الرضا يكون بعد القضاء؛ هذا هو الرضا الحقيقي، أما قبل ما يأتي البلاء تقول: أنا راضي، هذا مش رضا، هذا عزم على الرضا.

الشيخ قال عن كلمة أبي سليمان الداراني السابقة بس أبو سليمان شو قال؟ أرجو أن أكون عرفت طرفاً من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضياً. هسه هذا مش رضا الآن؛ لا، أنا لسه أنت ما دخلت النار، هذا عزم على الرضا، الرضا متى يكون؟ كما جاء في الحديث: «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ». فالكلام سهل، الكلام سهل قبل ما تبتلى، أنا الحمد لله راضي عن ربنا شو ما يعمل، هذا ليس رضا، خليني أشوفك متى تمام، خليني أشوفك في جدها وكدها.

قال أبو نعيم: فهذا الرضا الذي ادعاه سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى. هذا مع أن سمنون كان يضرب به المثل في المحبة وله مقام مشهور، حتى روي عن إراهيم بن فاتك أنه قال: رأيت سمنون يتكلم على الناس في المسجد الحرام، فجاء طائر صغير فقرب منه.

قال: فجاء طائر صغير فقرب منه ثم قرب، فلم يزل يدنو منه حتى جلس على يده، ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر. قال: ورايته تكلم يوماً في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضاً. وقد ذكر القشيري في باب الرضا، قيل إن هذا الرجل من كثرة ما هو كلامه في المحبة عالي، كان في مسجد يعطي كلاماً عن محبة الله، قناديل المسجد ضربت بعضها البعض! أحياناً بعض القصص يعني بدك تمشي معها، لا أمدري ما مدى صحة هذه القصص.

قال: وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم -رويم المقري الرفيق لسمنون هذا، رويم صديق ولا سمنون؟- نعم، قال: حكاية تناسب هذا، حيث قال رويم: الرضا أن لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره. هذه ايش؟ الرضا عن الله، أنك إذا جعل الله جهنم عن يمينك ما تطلب خلص أن يحولها عن يسارك. قال: فهذا يشبه قول سمنون: فكيف ما شئت فامتحني. وإذا لم يطق الصبر على عسر البول، أفيطيق أن تكون جهنم عن يمينه؟!

والفضيل بن عياض كان -يعني إذا كان صاحبه سمنون لم يطق عسر البول- رويم بده يطيق أن تجعل جهنم عن يمينه؟ نعم. قال: والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول، فغلبه الألم حتى قال: حبي لك ألا فرجت عني. فالفتيل بن عياض من أئمة الصوفية. ولاحظ أنه بالعكس، ما طلب البلاء وإنما طلب انكشاف البلاء؛ لما أصاب عسر بول ماذا قال الفضيل؟ يا رب حبي لك فرج عني! فمن الجهل الذي وقع عند بعض متأخرة الصوفية أنه أصبح يقول: لأني أحب الله فيا رب ابتليني باللي بدك إياه، ثم لما يبتلى بصير يعيط ويبكي! لا يا رب فرج عني. أليس من الصواب ومنهج الحق أن الإنسان لا يطلب البلاء وإنما يسأل الله العافية؟

قال: ورويم وإن كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة، بل الصوفية يقولون إنه رجع إلى الدنيا. ورويم الذي كان يقول: لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره، هو نفسه ترك التصوف ورجع لأهل الدنيا! صار إنسان طبيعي ومع السلاطين وكذا. ماشي هو جيد، ما يعني ما إنه إنسان انتكس والعياذ بالله لمراد، لكن هو نفسه يعني تأثر في الدنيا وعاد إليها.

قال: بل الصوفية يقولون إنه رجع إلى الدنيا وترك التصوف، حتى روي عن جعفر الخلدي صاحبه أنه قال: من أراد أن يستكتم سيراً فليفعل كما فعل رويم؛ كتم حب الدنيا أربعين سنة. فقيل: وكيف يتصور ذلك؟ قال: ولي إسماعيل بن إسحاق القاضي قضاء بغداد، وكانت بينهما مودة أكيدة، فجاذبه إليه وجعله وكيلاً على بابه، فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديباج وأكل الطيبات وبنى الدار. وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها، فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها. قيل إن رويم اتهم أنه كان يحب الدنيا، لكن لما كانت لا تواتيه أظهر أنه لا يحبها، فلما استطاع أن يسب السلاطين أظهر ذلك.

قال فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها؛ هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ما هو معروف، وكان فقيهاً على مذهب داود الظاهري.

قال وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها، لا تجعل طريقاً ولا تتخذ سبيلاً، ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبه ونحو ذلك، وما معه من التقصير بمعرفة حقوق الطريق وما يقتل عليه.

من التقوى والصبر، وما لا يقتل عليه من التقوى والصبر، والرسول صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح؛ فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما، وإن لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا.

ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض كالفقر، فقال: هل كنت دعوت الله بشيء؟ فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. هذا أحد الصحابة كان يقول: اللهم ما كنت معذبا به في الآخرة عجل لي في الدنيا، وهذا كله من الأدعية الخاطئة، إن الإنسان يسأل الله العافية نعم.

قال: فقال: سبحان الله، لا تستطيعها أو لا تطيقها، هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قال: فهذا أيضا حمله خوفه من عذاب الآخرة ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا، وكان مخطئا في ذلك غالطا، والخطأ والغلط مع حسن قصد وسلامته وصلاح رجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكرامته كثير جدا؛ فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب.

قال: وأفضل أولياء الله بعد رسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما عبر الرؤيا: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا».

قال: ويشبه والله أعلم أن أابا سليمان لما قال هذه الكلمة: لو ألقي في النار لكنت بذلك راضيا، أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعنى أنه قال: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار. قال: وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا تدل على رضاه بذلك، ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك، نعم، يعني قال: لو ألقاني الله في النار لكنت راضيا، هي تدل على عزمه وليس أنه الآن راضٍ نعم.

قال: ونحن نعلم أن ذلك العزم لا يستمر بل ينسخ. نعم، طبعا هذا كلام أنه في النهاية العبرة في الواقع؛ يعني هل الفعل لو ألقيت في النار ستكون راضيا؟ هذه عزيمة على الرضا وليس هو رضا حقيقي.

قال: وإن مثل هذه الكلمة كان تركها احسن من قولها، فبالتالي كان الأفضل ألا تققال هذه الكلمة؛ يعني ما يقول الإنسان: لو ألقاني في النار لكنت راضيا، هذه عزيمة أنت لا تعرف ماذا سيقع معك، إن صحت طبعا الكلمة عن أبي سليمان الداراني نعم.

قال: وإنها مستدركة كما استدركه دعوة سميون روي وغير ذلك، فإن بين هذه الكلمه وبين تلك فرقا عظيما؛ فإن تلك الكلمه مضمونها أن من سال الله الجنة واستعاده من الليل يكون راضيا، وفرق بين من يقول: أنا إذا فعل لي كذا كنت راضيا، وبين من يقول: لا يكون راضيا إلا من لا يطلب خيرا ومن لا يهرب من شر.

طيب، ماذا أن يقول: وتلك الكلمه التي قال أبو سليمان مع أن لا تدل على عزم، نحن نعلم أن ذلك العزم لا يستمر ينفسخ، وإن مثل هذه كلمة كان تركها احسن من قولها، وإنها مستدركه كما استدركه دعواه أي سميون وروم وغير ذلك؛ فإن بين هذه الكلمه وبين تلك فرقا عظيما، فإن تلك الكلمة -طبعا ايش تلك الكلمة التي بدانا بها اصل الباب الكلمه رجع الكلمه التي بدانا باصل الباب وهي انه ايش الرضا الا تسال الله الجنه ولا تستعيده من النار- قال: فإن بين هذه الكلمة وبين تلك فرقا عظيما؛ فإن تلك الكلمة التي بدانا بها هذا الفصل وهي موضع النقاش أن الرضا أن تسال الله الجنة ولا تستعيذ به من النار، فان تلك الكلمة مضمونها أن من سال الله الجنة واستعاذ به من النار لا يكون راضيا؛ قال: الرضا ألا تفعل، إذن شو مفهوم المخالفة؟ أو أنه إذا أنت فعلت ذلك لم تكن راضيا عن الله، وفرق بين من يقول: أنا إذا ادخلني النار كنت راضيا، وهذا مضمون الكلمة الثانية، وبين من يقول: لا يكون راضيا إلا من لا يطلب الخير ومن لا يهرب من الشر، وهذا مضمون الكلمة الأولى.

فلسه الكلمة الثانية أهون من الكلمة الأولى؛ يعني قوله: لو ادخلني النار لكنت راضيا، لسه هذه أهون من الكلمة الأولى التي مضمونها: لا يكون راضيا إلا من لا يطلب الخير الجنه ولا يهرب من الشر من النار، وإن كان الكلمتين فيهم نوع استدراك بس أيهما ألطف نوعا ما؟ لسه الثانية قد يقول ألطف من الأولى، ففرق بين من يقول: أنا إذا ادخلني النار كنت راضيا، وبين من يقول: لا يكون راضيا إلا من يفعل كذا.

قال: وبهذا وغيره يعلم يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام؛ يعني احنا لا نتوقع أن أبا سليمان قال هذه الجملة أن الرضا أن تسال الله الجنة ولا تستعيذ به من النار، وإن كان القشيري نسب إليه لكن مقام أبو سليمان الداراني أعلى من أن يكون مثل هذه الجمله نعم.

قال: فإن شيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم ومن اتباعهم للشريعه حتى أنه كان يقول: إنه ليمر بقلب النكته من نكته القوم فلا أقولها إلا بشاهديه. نعم، يعني أبو سليمان كان يقول: أي فكرة صوفية أنا ما كنت أقبلها إلا بشاهد من الكتاب والسنة فهو متبع لا مبتدئ.

قال: فمن لا يقبل نكة قلبه إلا بشهدين يقول مثل هذا الكلام؟! وقال شيخ أبو سليمان أيضا: ليس لمن الهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه باثر؛ فإذا سمع فيه باثر كان نورا على نور، بل صاحبي أحمد بن أبي الحواري كان من أتبع المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان؟!

وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام يظهر بالكلام في المقام الثاني، وهو قول القائل كائنا من كان: الرضا ألا تسال الله الجنة ولا تستعيده من النار. قال: ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب، وذلك أن قوما -قال وهو قول القائل الرضا ألا تسال الله جل علم النار- إذن هو بقول لك: إذا بدك تعرف مقام أبو سليمان أنه أجل من أن يقول هذه الجمله خليني أفهيمك شو معنى الجملة بغض النظر من القائل أقول لك: بغض النظر من قائدها إذا فهمت معنى...

نعم، قال: ونقدم قبل ذلك بمقدمة يتبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب، وذلك أن قوما كثير من الناس من المتفقهة والمتصوفه والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق. نعم، بدنا نتدارس هذه الجملة ونعرف ما فيها من الأخطاء: جملة الرضا ألا تسال الله الجنة ولا تستعيذ من النار، ما الذي يجعل الإنسان يخطئ هذا الخطا ويقول مثل هذا الكلام؟ رح يعطيك أصل المشكلة عند بعض الصوفية أنه بعض الناس قال...

أما جنس الرضا ويجوز أن تقول الرضا بالمعنى التام؛ يعني برضه هذا أحد الاحتمالات، قد لا ينفي هو أصل الرضا عنك إذا دعوت لكن لم تصل إلى حقيقته الكامله التامة ممكن.

قال: وذلك أن قوما كثير من الناس من المتفقهة والمتصوفه والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ولباس ونكاح وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة، ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك.

ثم صاروا حزبين: حزب أنكروا أن يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بهذه الأمور المخلوقة وأشباهها؛ ثم من هؤلاء من أنكر أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما...

إذن، إذا في هناك نظرية عند كثير من المتكلمين والصوفية وما شابه ذلك، أن نعيم الجنة هو فقط تنعم بالمخلوق، أن تتنعم بأشياء مخلوقة تمام، وصلوا إلى هذه الفكرة أن نعيم الجنة هو فقط أن تتناعم بأشياء مخلوقة.

ثم بعد ذلك انقسموا إلى قسمين: حزبان أنكروا أن يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بهذه الأمور المخلوقة وأشباهها، فقالوا الجنة هي فقط الأشياء المخلوقة ولن يكون هناك نعيم إلا هذه الأشياء المخلوقة؛ ثم من هؤلاء من أنكر أن يكون المؤمنون... وبالتالي ماذا يقودهم هذا؟ أنه أنكروا رؤية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل ليس مخلوق بل هو الخالق ممتاز، فليس النظر إلى وجهه من النعيم بالمخلوق، بالتالي هو أساسا الجنة هي فقط التنعم بالمخلوقات، إذا رؤية الله سبحانه وتعالى ليست هي من قبيلة التنعم بالمخلوقات وبالتالي هي ليست من الجنة، طب ليست من الجنة هي موجودة ولا مش موجودة؟ منهم من أنكرها أصلا قال: ما في شيء أصلا اسمه رؤية وجه الله كما فعل ذلك الجهمية والمعتزلة.

طيب قال: ثم من هؤلاء من أنكر أن يكون المؤمنون يرونهم كما ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، ومنهم من أقر بالرؤية؛ إما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وإما برؤية فسرها بزيادة كشف أو علم أو جعلها بحاسه سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب إليها ضرار بن عمر وطوائف من أهل الكلام المنتسبين إلى نصر أهل السنة في مسألة الرؤيا، وإن كان ما يثبتونه من جنس ما نفته المعتزلة والضرارية.

وكثير من المتكلمين أثبت الرؤية الواردة في الأحاديث النبوية، لكن لم يثبتها رؤية عين وإنما أثبتها رؤية بحاسه سادسة أو أنها تجلي في القلب، وبالتالي حقيقة ما في فرق بينهم وبين المعتزلة؛ لأن المعتزلة إنما نفت رؤية العين وأنت وافقتهم، فبالتالي لم يخرج قولك عن قولهم.

المهم قال: والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم أهل السنة معنوي، ولهذا كان بشر... فالاشاعرة حقيقة حتى الأشاعرة في أقوالهم... النزاع بينهم وبين المعتزلة لفظي، فالمعتزلة ينفون رؤية الله بالعين، والأشاعرة ينفون رؤية الله بالعين، طب الأشاعرة في كتبهم يا شيخ يثبتون رؤية الله؟ يثبتون رؤية نفسية قلبية علمية وليست رؤية بصر عينية.

نعم، قال: ولهذا كان بشر المريسي وأمثاله يفسرون رؤيته بنحو من ظهور هؤلاء نحو البشر المريسي هو من المعتزلة كان يفسر الرؤيا يوم القيامة كما يفسر الكثير من الضرارية والأشعرية؛ إذن الخلاف بينهم لفظيا ليس أكثر.

قال: والمقصود هنا أن مثبتة الرؤيه... منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته لربه، قالوا: لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم.

إذن الذين أثبتوا الرؤية الآن كما قلنا في هناك ناس اختاروا أصلا نفي رؤية الله سبحانه وتعالى وهم المعتزلة والجهمية، ومنهم من أثبت رؤية الله، هس هناك أهل السنة والجماعة يثبتون رؤية الله سبحانه ونعتبرها من الجنة، لكن مشكلتنا بالطائفة الثانية التي أثبتت رؤية الله ولكن لم تجعلها من ايش؟ رؤية حقيقية، وإنما جعلتها رؤية ماذا؟ مجرد رؤية قلب.

والمقصود هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه، الآن الذين أثبتوا أن الرؤيا رؤية عين يقول لك بعضهم يقول أو نفى أن يكون المؤمن ينعم ويشعر باللذه بهذه الرؤية، ليش يا جماعة؟ قالوا: لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم، وهي فكرة مرت معنا أكثر من كتاب أنه يقول: إن الله قديم ونحن حادثون، فلا يمكن أن يحدث مناسبة وتلذذ في رؤية المحدث للقديم سبحانه، وهذا كلام فاسد.

نعم، قال: كما ذكر ذلك الاستاذ أبو معالي الجبيري في الرسالة النظامية، وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في بعض كتبه، ونقل عن ابن عقيل أنه سمع قائلا يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك، فقال: يا هذا هب أن له وجها، أله وجه يلتذ بنظري اليه؟ قال: وذكر أنه نفى التلذذ.

نعم، قال: وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية، فاما... وهذا كلام فاسد؛ أبو المعالي بيقول لك: أنت إذا نظرت إلى وجه الله كيف تحصل اللذه عندها؟ أن الله يخلق لك نعيم ببعض المخلوقات عندما تنظر إلى وجه... يعني أنت تنظر وجه اللَّه فتحصل لك اللذة لأنك تتنعم ببعض المخلوقات عند هذه الرؤية، وهذا كله كلام فاسد.

نعم، قال: فأما التنعم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من أسرار التوحيد، وهذا ليس أسرار التوحيد وإنما هذا كله من فساد عقائده.

نعم، قال: وأكثر مثبتي رؤيته يقرون بتناعم المؤمنين برؤية ربهم، وهو مذهب سلف الأمة وائمتهم؛ أما أهل السنة والجماعة فنحن نثبت رؤية الله أنها رؤية عين ونثبت أننا نتنعم ونتلذذ بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.

قال: كما جاء في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم بعلمك».

الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك لذة النظر إلى وجهك.

وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم بيض وجوهنا؟ نعم». فقال: «إذا في الحديث فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه».

إذا نحن نتلذذ، وكلما كان الشيء نعم، وكلما كان الشيء أحب، كانت اللذة بنيله أعظم. هذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ طريق الصوفية الأوائل، نعم قال: كما روي عن الحسن البصري أنه قال: «لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة، لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه». وكلامهم في ذلك كثير، يعني تخيل انك ستذهب إلى الآخرة ولن ترى وجه الله فيها، لا في الدنيا رأيت وجه الله ولا في الآخرة! المحب الصادق لله سيتألم جدا جدا لو كانت الآخرة لا يرى فيها وجهه.

نعم، قال: ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشايخ على التنعم بالنظر إلى الله تعالى، وتنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك. وتنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك؛ فذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله لا تحب نفسه، وإنما المحبة محبة طاعته وعبادته. لما نقول أننا نحب الله ما بيصير، قالوا: أنك تقول إنك تحب ذاته؟ لا، أنه لا مناسبة بين المحدث والقديم، وعشان هيك قالوا: لا تحب ذاته، هي مرت معنا مع مسألة العبودية وغيرها، وإنما إذا قلت إنك تحب الله، فأنت تقصد أنك تحب طاعته، أما أنك تحب نفسه وذاته سبحانه، ما بيصير! وهذا الكلام فاسد.

وقالوا: هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين، وإنما محبته، الآن هذه مفهوم أنهم اصلا لا يرون إثبات صفة المحبة لله، وأن محبة الله للمؤمنين وإنما هي إرادة الإحسان بهم، نعم قال: إنما محبته إرادته للإحسان إليهم ولإثابتهم. ودخل في هذا القول من انتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام، حتى وقع فيه طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء.

وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال؛ فإن أول من أنكر المحبة في الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان، هو أول من أنكر المحبة. فضحك خالد بن عبدالله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا فتقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالعد بيرم؛ لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه.

والذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وائمتها وجميع مشايخ الطريق، أن الله يحب ويحب. ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام، كأبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي وأمثالهما. ونصر ذلك أبو حامد في الإحياء وغيره، وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريقة الصوفية، كما في كتاب أبي طالب المكي المسمى بقوت القلوب. وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية، استند في ذلك لما وجده في كتب من كتب الفلاسفه من اثبات نحو ذلك حيث قالوا: يعشق ويعشق، وأن الإه يعشق ويعشق، هذه أخذها من كتب الفلاسفة الغزالي.

نعم، قال: وقد بسطت الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه. وقد قال الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وقال تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 24]، وحديث من كان حلاوة الإيمان أن يقول: الله ورسوله أحب إليه ما سواهم.

والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة، يلزمهم أن ينكروا التلذذ بالنظر إليه. نعم، لأنه إذا أنت أنكرت حقيقة المحبة لله، إذا يلزم من ذلك أن تنكر التلذذ بالنظر إليه، لأن التلذذ بالنظر إليه هو مبني على حبك له، وهذا ليس في الحقيقه عندهم إلا. ولهذا ليس في الحقيقة عندهم إلا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك، لذلك هؤلاء أصبح بالنسبة لهم نعيم الجنة ما هو؟ حقيقة نعيم الجنة هو فقط الأشياء المخلوقة؛ أكل، شرب، حور عين، بيوت، قصور. وأما الله سبحانه وتعالى فالنظر إليه ليس فيه تلذذ وتنعم، ليه؟ لأنه تلذذ وتنعم ناتج عن محبتك لذات الله، ونحن هيك بيحكوا هم أن ننفي محبة ذات الله، إذا ما في نعيم في الجنة إلا مجرد الطعام والشراب وما شابه ذلك.

طيب ليش يا إخوان ما في محبة لذات الله؟ لان الحديث شو اسمه؟ لا مناسبة بين الحادث والقديم، هذه كلها فلسفات خاطئة هيئة نشات في الفكر الكلامي. نعم قال: هذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف أمتي ومشايخها.

فهذا أحد الحزبين الغالطين، والحزب الثاني طوائف من المتصوفه والمتفقرة والمتنسكة، هذا أحد الحزبين. إذن الآن نرجع للصفحة الأولى التي تكلم فيها هنا، صفحة 96، لما قال: وذلك أن قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة ظنوا أن الجنة ليست إلا التنعم بالمخلوق؛ من أكل وشرب ولباس ونكاح وسماع أصوات طيبة وشم روائح.

ثم هؤلاء الذين قالوا إن الجنة هي فقط التنعم المخلوقات صاروا حزبين: حزب أنكروا أن يكون للعباد نعيم غير تنعمهم بهذه الأمور المخلوقة وأشبابها، ثم من هؤلاء من أنكر الرؤية ومنهم من أثبتها ولم يعتبرها من نعيم الجنة، ومنهم من قال يخلق الله نعيما مخلوقات عنده دخلوا في الحشق هذه.

والحزب الثاني طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هؤلاء على أن المحبة ليست إلا الأمور التي يتنعم بها المخلوق؛ الطعام والشراب، الحور العين، ولكن وافقوا السلف والأئمة على إثبات رؤية الله وتنعم النظر إليه، وأصابوا في ذلك وصاروا يطلبون هذا النعيم وتسمو همتهم إليه، ويخافون فواته، وصار أحدهم يقول: ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك، ولكن لأنظر إليك أو إجلالا لك، وأمثال هذه الكلمات.

ومقصودهم بذلك طلبوا ما هو أعلى من الأكل والشرب والتمتع للمخلوق. ولكن، انا اعتقد بس دقيقه واحده الحزب الثاني طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتنسكة وافقوا هؤلاء على أن الجنة، ما أظن أن المحبة هذه، على أن الجنة ليست إلا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق، وافقوني -يعني هو حط المحبة- لكن أنا أعتقد أن الجنة، أنه هو مو قضية الجنة ما هي مش هذا هو أصلا نقاش، فاعتقد أقول أن النص هكذا: طوائف من المتصوفة والمتفقرة وافقوا هؤلاء الحزب الأول -يعني وافقوا الحزب الأول- على أن الجنة ليست إلا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق؛ حور عين طعام شراب.

ولكن وافقوا السلف على إثبات رؤية الله والتنعم بالنظر إليه. هسا إثباتهم رؤية وجه الله والتنعم بالنظر إليه اصابوا فيه، نحن متفقين على هذا، وصاروا يطلبون هذا النعيم -اللي هو رؤية وجه الله- وتسمو همتهم إليه ويخافون فواته، فعلا يريدون رؤية وجه الله. وصار أحدهم يقول: ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك، ولكن لأنظر إليك أو إجلالا لك، وأمثال هذه الكلمات، ومقصود بذلك طلب ما هو أعلى من الأكل والشرب والتمتع بالمخلوق.

لكن ولكن وين مشكلة هؤلاء؟ يعني هؤلاء ترى هم ألطف من القسم السابق، أن هؤلاء أثبتوا التنعم برؤية وجه الله، لكن وين مشكلتهم واضحة؟ إيش هي؟ أنهم أخرجوا التنعم برؤية وجه الله من الجنة، يعني جعلوه مش شيء في الجنة. هم أثبتوا رؤية وجه الله وانه فيها نعيم، لكن وين مشكلة هذا الفريق؟ اعتقادهم أن رؤية وجه الله والتنعم بهذه الرؤية ليست من نعيم الجنة، فهؤلاء يعني غلطوا هنا، وإن كانوا ألطف من الفريق الأول. الفريق الأول شو عمل أصلا؟ أنكر رؤية وجه الله، واللي فيهم أثبت رؤية وجه الله كبعض الأشاعرة وكذا لم يجعل فيها نعيم. لماذا لم يجعل فيها نعيم؟ لأنه أصلا ما بصير تتلذذ بالله بوقت وجه الله، ليه؟ لأنه فش محبة! ودخلوا في هذه الدوامة.

الفريق الثاني لا، يعني أفضل قليلا، لا، هم قالوا: الله يرى، ويتنعم بالنظر إلى وجهه ويتلذذ، لكن شو مشكلتهم؟ أنهم جعلوا النعيم والتلذذ برؤية وجه الله ليس من داخل -يعني ليس الأمر المتعلق بالجنة- فمن هنا أتى الخلال. ولعل الداراني أو من قال تلك المقولة: أن الجنة الرضا أن تسال جنة، يعني يدخل في عنده هذا الاشكال، لذلك قال: ولكن غلطوا في إخراج ذلك من الجنة.

شايف شو قال؟ ولكن غلطوا في إخراج ذلك من الجنة، وقد يغلطون أيضا في ظنهم أنهم يعبدون الله بلا حظ ولا إرادة، أنهم لا يريدون شيئا، وأن كل ما يطلب منه وأن كل ما يطلب من، يعني أنهم يعبدون الله: يا رب نعبدك ولا نريد أي شيء لأنفسنا ولا حظ لها ولا مطلب، ويعتقدون أن كل ما يطلب من أي شيء تدعو الله أن يحصله لك حتى في الدنيا -يعني إذا دعوت الله أن يزوجك، إذا دعوت الله أن يرزقك- ما بصير هذا حظ النفس، يجب أن ننزه عبادتنا لله! وتوهموا أن البشر يعمل بلا إرادة شيء ولا مطلوب ولا محبوب، وهو سوء معرفة بحقيقه الإيمان والدين والآخرة.

وسبب ذلك أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبه ومعبوده تفنيه عن نفسه، نعم صار عندهم فناء عن النفس، أننا ما بصير نطلب من الله أن يقضي حوائجنا، ليه؟ لأنه أنا لازم أفنى في ذات الله، يعني أفنى في محبه الله وكذا. هذا الفناء ينسيني نفسي فلا أعود أطلب من الله قضاء حوائجي، هذا هيك الصوفية بقول لك: إنه إذا أنت طلبت من الله أن يقضي حوائجك الشخصية أنت ما زلت تشاهد لنفسك حضورا، ويجب ألا تشاهد لنفسك حضورا وتفنى في محبوبك، هيك أدبيات الطريق عندهم.

طيب قال: فيظن أنه يفعل بغير مراد، والذي طلبه وعلق به همته وغاية مراده ومحبوبه ومطلوبه، وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين وأرباب الأحوال والمقامات، يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق سليم، لكن ليس له عبارة تبين مراده، فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده، وإن كان من الناس من يقع منه غلط في مراده واعتقاده.

هؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام إذا عنوا به طلب رؤية الله تعالى أصابوا في ذلك، لكن أخطأوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا عن الجنة. فهو إيش بده يقول لك بالتالي؟ اللي بيقول إن الرضا أن تسأل الله الجنة ولا كذا، إذا كان يقصد أنه أنا يا رب بس بدي أكون معك وبدي أشوف وجهك الكريم، وانه الجنة اللي هي مكان المخلوقات فقط، يعني أنا مش هو مطلبي، شيخ الإسلام بيقول: هو قد يكون قصده جيد، تمام، لكن وين غلط؟ أن العبارة اللي أنت استعملتها يعني سوء العفو حسن القصد لا ينفي سوء العبارة، حسن القصد لا ينفي سوء العبارة! أنه إذا أنت كنت قصدك أنه يا رب انا اريد أن أطلب جنة رؤيتك، وانه موضوع الجنة اللي هي المخلوقات ليست هي أسمى مرادي، يقول شيخ الإسلام ابن تيميه هذا وإن كان قد يعني نحسن قصده لكنه أخطأ أنه جعل رؤية الله والنعيم بها خارجة عن الجنة.

نعم قال: فأَسْقَطَ حرمة اسم الجنة، ولزم من ذلك أمور منكرة، ونظير ذلك ما ذكره عن الشبلي رحمه الله، أنه سمع قارئا يقرأ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] قال: فصرخ فصرخ الشبلي! طيب، فأين من يريد الله؟ يعني الشبلي بقول: الآية وضعتنا بين خيارين؛ منكم ما يريد الدنيا ومنكم ما يريد الآخرة، طيب الذي يريد الله، الذي ما بده دنيا ولا آخرة بس بده ربنا، وين خطأ الشبلي طب؟ إن صح هذا الكلام، طب أن ربنا عز وجل ما هو في الدار الآخرة رح تشوفه، هي ضمن الآخرة، لماذا أنت؟

اخرجتها. نعم. قال: فيحمد منه كونه أراد الله، ولكن غلظ في ظنه أن الذين أرادوا الآخرة أرادوا الآخرة هم لا يريدون. من قال لك هذا الكلام؟ نعم. قال: وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم أفضل الخلق، فإن لم يريدوا الله أفيريد الله من هو دونهم كالشبلي؟ يعني هي الآية ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] في الصحابة. يعني الصحابة بدهم الآخرة.

بدهم خلاف والشبلي وأمثالهم منهم أقل مرتبة من الصحابة يبحثون عن مرتبة أننا نريد الله. فيقول هذا واضح مغالطة كبيرة. نعم. قال: ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض المشايخ أنه سئل مرة عن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. قال: فإذا كانت الأنفس والأاموال في ثمن الجنة، فالرؤية بما تنال؟ يعني هسا الأنفس والأموال ثمن الجنة، طيب ما هو ثمن رؤية وجه الله؟ قال: فأجابهم على أساس أنه واحد أن رؤية وجه الله ما لهاش علاقة بالجنة. يعني هذه المشكلة المغالطة اللي عندهم. نعم. قال: فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال - مش واضح ايش يعني بما يشبه هذا السؤال، المهم.

طيب، قال: والواجب أن نعلم أن كل ما أعده الله لأوليائه من نعيم من نعيم بالنظر إليه وما سوى ذلك فهو في الجنة، كما أن كل ما تواعد به أعداؤه هو في النار. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: 17]. كل نعيم وعدنا الله به هو في الجنة ومنها رؤية وجه الله. نعم. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». بلها ما اطلعتم عليه، بلها يعني دعك، لسه ما اطلعتم عليه وعرفتم وجوده في الجنة. وكذلك في الحديث أن أدنى الجنة من ينزل من ينظر في ملكه مسيرة ألف عام. وقول حديث: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة لكم عند الله موعداً. إذا هذا كله داخل الجنة.

وإذا علم أن جميع ذلك أمثال داخل الجنة فالناس على درجات متفاوتة. نعم. كما غرد: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21]. وكل مطلوب للعبد بعبادة أو قربة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة، فهو في الجنة. نعم. قال: وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبيائه ورسله وجميع أولياء الله السابقين والمقربين وأصحاب اليمين. كما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بعض أصحابه: كيف تقول في دعاك؟ قال: أقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فكيف تقول؟ الرضا لا تسأل الجنة؟ يعني هذا كله يدور حول أن المقولة الأولى التي نسبت إلى الداراني أن الرضا لا تسأل الجنة مخالف لطريق الانبياء والصالحين. نعم. قال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن.

فقد أخبر أنه هو صلى الله عليه وسلم ومعاذ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدندنون حول الجنة. أفييكون قول أحد فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار؟ ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة. قال: وأهل الجنة نوعان: سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18]، وهؤلاء من الأبرار أصحاب اليمين. ثم قال: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 26-28]، هؤلاء المقربون.

طيب قال ابن عباس: تمزج لأصحاب اليمين مزجاً ويشربها المقربون صرفاً. قال: وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سال لي الوسيلة حلت له شفاعتي». فقد أخبر أن الوسيلة التي لا تصلح إلا لعبد واحد من عباد الله ورجي أن يكون هو ذلك العبد هي هي درجة أيضاً داخل الجنة. نعم. فهل بقي بعد الوسيلة شيء أسمى منها يكون خارجاً عن الجنة يصلح للمخلوقين؟

وثبت في الصحيح أيضاً في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس الذكر قال: فيقولون للرب تعالى: وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك. فيسألهم الرب: ماذا يطلبون؟ قال: الجنة. إذا في عيب أن نطلب الجنة يا جماعة؟ هو الحديث الصحيح يطلبون الجنة، فكيف يجعل الصوفية أو بعض الصوفيه بعد ذلك أن الرضا لا تسأل الجنة؟ يقول لك هذا مخالف للأحاديث النبوية والآيات القرآنية. وأيضاً في النبي صلى الله عليه وسلم التي تليها لما بايع الأنصار ليلة العقبة قالوا: ما لنا يا رسول الله؟ فقال: ايش لكم الجنة. معقول أعطاهم الجنة ولم يعطهم ما هو أعلى منها؟ النبي عليه الصلاة والسلام أنا عم بركز على مواطن الشواهد من الأحاديث حتى نمشي.

طيب هؤلاء الذين بايعوا نعم هم من أعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلاً لنفوسهم وأموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتاخرين، قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة، فلو كان هناك مطلوب أعظم من ذلك لطلبوه، لكنهم علموا أن في الجنة كل محبوب ومطلوب، بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه، فإن الطلب والحب والإرادة تفرع عن الشعور والإحساس والتصور، فما لا يحسه الإنسان ولا يتصوره ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده، والجنة فيها هذا وهذا. كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]. وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71].

ففيها كل ما يشتهونه وفيها مزيد على ذلك، وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه. كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وهذا باب واسع. أنت الآن ايش اللي بيخليك تطلب الجنة وتحبها وتريدها؟ قال: هذا طلبنا للجنة وحبنا لها هو فرع عن شعورنا بها صح؟ فرع عن إحساسنا بالجمال اللي فيها تمام. قال: والجنة فيها هذا وهذا، يعني في أشياء أنت عم بتتصورها الآن وبتحس فيها إحساس داخلي بتجعلك تشتاق إليها، وفيها أيضاً مزيد: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، وفيها المزيد اللي أشياء أنت ما بتحس فيها الآن لكنك يوم القيامة سترى ما فيها من البهاء والجمال ما لا عين رأت.

طيب قال: فإذا عرفت هذه المقدمة فقول القائل: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار. لاحظ الآن قال: فقول القائل - ما عad شيخ الاسلام ينسبها للداراني، قال الله أعلم، الداراني أجل من أن يقولها - نعم قال: إن أراد بذلك ألا تسأل الله ما هو داخل في مسمى الجنة الشرعية، فلا تسأله النظر إليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع الأنبياء والأولياء، وأنك لا تستعيذ به لا من احتجابه عنك ولا من تعذيبك في النار، فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح المعقول. وذلك أن الراضي ليش هذا الكلام أصلاً متناقض؟ شوف قال نعم قال: وذلك أن الراضي الذي لا يسأل إنما يسأله لرضاه عن الله.

لما نقول: الراضي الذي لا يسأل الجنة ولا يسأل البعد عن النار، لماذا لا يسأل؟ لماذا أنت لا تسأل؟ لرضاك عن الله صح؟ مش هيك فكرتك؟ أنه أنا راضي عن الله، حطني في الجنة، حطني في النار، أنا راضي، مش هيك أنت مضمون كلامك الآن؟ هذا الراضي لماذا لا يسأل؟ إنما لا يسأل لأنه راضي. طيب قال: ورضاه عنه إنما هو بعد معرفته به ومحبته له. فإذا رضاك عن الله هو ثمره معرفتك بالله ومحبتك له صح؟ طيب قال: فإذا قدر أنه حجب فرضي بزوال كل نعيم - فإذا إذا قدر أنك حجبت عن الله يوم القيامة وبتقول: لازم أرضى، رضي بزوال كل نعيم عنه، فرضي بزوال ايش؟

قال: فرضي بزوال رضاه عن الله وبزوال محبته لله. فأنت هكذا من الأشياء التي سترضى بها رضاك بماذا ترضى؟ بزوال رضاك عن الله. قال: لأنه إذا حجب عن هو مفهوم من المفاهيم من المفاهيم يقول ابن تيمية: الداخله في أنه يحجبك عن أن ترضى، يحجبك عن أن ترضى. طبعا هذا إذا ربما الحجب في الدنيا يقصد، قد أكون أنا قلت الحجب في الآخرة، ممكن يقول الحجب في الدنيا، من حجب الله لك في الدنيا ما هي مش أنت تقول الرضا أنك تقبل كل شيء يفعله الله بك صح؟ طيب ممكن يفعل الله بك الحجب أن يجعلك لا ترضى عنه، بدك ترضى بأنه جعلك لا ترضى عنه؟ تناقض هنا.

سامحونا، أطلقت الحجب على الآخرة، لكن هو أنا أظن يقصد الحجب في الدنيا، حتى يعطيك وين هذا كلام متناقض عقلياً، أنه إذا قلت: أنا راضي عن الله شو ما بيسوي في راح أكون راضي، من الأشياء التي ممكن يسويها ويقدر سبحانه أن يفعلها بك أن يزيل رضاك عنه، فأنت بدك ترضى أنه أزال رضاك عنه. وهذا كله تناقض، كيف بدك ترضى أن يزيل هو إذا أزال رضاك عنه، إذاً أنت مستحيل ترضى فهمت علي؟ إذا سلب منك أن ترضى عنه ومنحك خصلة الرضا عنه كيف بدك ترضى بأن رضا. فدعاؤك أن يا رب أن الرضا أني أنا أرضاي عنك بيخليني لا أطلب شيئاً وأنك تفعل بي ما شئت هذا أيضاً سيؤدي إلى تناقض لا عقلي ولا بد.

لأنه إذا كان سيفعل ما يشاء من الأشياء التي يمكن أن يفعلها أن يجعلك غير راض عنه، فبالتالي اصبح في هناك مشكله كيف ترضى بزوال رضاك عنه؟ فهمتم وين المشكلة الآن؟ طيب قال: وإذا لم يبق معه رضا عن الله ولا محبة لله فكانه قال: يرضى ألا يرضى. وهذا جمع بين النقيضين لا يمكن. نعم قال: ولا ريب أنه كلام من لم يتصور ما يقول، وهذا فعلياً اللي بيحكي هذا الكلام: اللهم إني لا أسألك الجنة، أنه هو مش فاهم أنه بتؤدي إلى هذه النتيجة. يعني هو لا يتصور أن الأمر يؤول بهذا إلى هذا البعد. نعم قال: يوضح ذلك أن الراضي إنما يحمله على احتمال المكاره والآلام ما يجده من لذة رضا وحلاوته. أكيد أنت شو اللي بيخليك أصلاً ترضى في الآلام في المصائب؟ شعورك بلذه الرضا. نعم قال: فاذا فقد تلك الحلاوة واللذه امتنع أن يحتمل ألماً ومرارة. فكيف يتصور أن يكون راضياً وليس معه من حلاوة رضا ما يحمل به مرارة المكاره؟

وإنما هذا من جنس كلام السكران والفاني الذي وجد في نفسه حلاوة الرضا. يعني قال في هذه العبارة: إن الرضا لا تسأل الجنة ولا تسأل النار، نعتبرها كلام إنسان كالسكران اللي بيحكي كلام مش فاهم شو هو، أو الذين وصلوا بحالة الفناء فيزول عنهم العقل بصيروا يحكوا كلام مش فاهمين شو هو، لكن واحد مصحصح مستيقظ يتكلم بهذا الكلام ومش فاهم ماذا يقول، هذا طيب. قال: فظن أن هذا يبقى معه على أي حال كان وهذا غلط عظيم، كغلط سمنون كما تقدم. كغلط السمنون اللي حكينا اللي قال: يا رب اعمل لي افعل في ما شئت فحصر.

وإن أراد بذلك ألا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو أعلى من ذلك فقد غلط من وجهين، من جهة أنه طب أما إذا واما وإن أراد الذي قال الله: الرضا ألا أسأل الله الجنة ولا أستعيذه من النار. الآن شيخ الإسلام يقدم فهمين لهذه الجملة. نرجع للجملة الأصلية اللي حوليها النقاش أنه نسب إلى أبي سليمان أنه قال: الرضا ألا تسأل جنة ولا تستعيذ من النار. الآن شو الفهم الأول للجملة؟ أن المعنى: أني أنا راضي يا رب، ماذا ستفعل بي؟ حطيتني في الجنة، حطيتني في النار، أنا راضي، هذا الفهم الأول لهذه العبارة. أن يكون مقصوده أن الرضا عن الله ألا تناقش أين سيضعك الله في الجنة أو في النار، فترضى عن النتائج بغض النظر.

قال لك: إذا هذا المعنى رح يؤدي إلى لوازم خطيرة، معناتها أنت بدك ترضى عن الله في أي شيء عمله فيك، ومن الأشياء اللي رح يعمل ممكن يعملها فيك أنه يخليك ما ترضى عنه، وبالتالي صار في تناقض عقلي، فأصبحت الجملة جملة ملغية بهذا الفهم. طيب الفهم الثاني الممكن لهذه الجملة: أن الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ من النار، إنه لا هو مش قصده أن ترضى وين ما ربنا وضعك في الجنة أو في النار، لا، بعد آخر. أن يكون قصده أن الرضا أن يكون طموحك رؤية الله، مش هذا كثير؟ هذا بيقول أنه أنا يا رب ما عبدتك شوقاً لجنتك ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك لذاتك.

قال: قد يكون هو مقصد هذه العبارة، وبرضه هذا قصد غلط. لو كان قصده أن الرضا أن يكون مقصودك أن يدخلك الله الجنة وأن لا يكون مقصودك أن يبعدك عن النار - خلص، أنا هذه الأمور مش التفاتي إليها، مقصودي هو أنت - اللي هي مرتبة الفناء بيسموها هذه.

احتمال آخر أن يكون هو المراد بهذه الجملة. فهمتم الفرق بين المعنيين؟ في معنيين مختلفين تماماً: المعنى الأول للجملة: الرضا أن ترضى عن الله وين ما وضعك. المعنى الثاني: أن يكون مقصده أن الرضا أن تكون مقصودك في العبادة الجنة أو النار، وإنما مقصودك فقط رؤية الله أو الفناء في الله.

ويقول: وحتى هذا المعنى أيضاً هو معنى غير صحيح بهذه الطريقه. لماذا؟ قال: فقد غلط من وجهين: من جهة أنه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة، ومن جهة أنه أيضاً اثبت أنه طالب مع كونه راضياً. فإذا كان الرضا لا ينافي هذا الطلب، فلا ينافي طلباً آخر إذا كان محتاجاً إلى مطلوبه. أحسنت. يعني أنت الآن على المعنى الثاني: الرضا فيه طلب، صح؟ على المعنى الثاني إيش هو الطلب؟ أنني الرضا أن أعبدك طلباً لك وليس طلباً للجنة. وإذاً هنا على المعنى الثاني: الرضا لا ينافي أن تطلب.

طيب، أنت شو طالب؟ طالب رؤية وجه الله. طيب، رؤية وجه الله وين راح تكون؟ في الجنة. إذاً اطلب الجنة، هذا الذي يقول. فإذا كان هذا الرضا على المعنى الثاني يجوز فيه الطلب، طلب وأنت تريد رؤية وجه الله، فهذا إذاً لا يتنافى أن تطلب الآلة والوسيلة التي سيحصل بها هذا المطلوب وهو طلب الجنة.

إنه الجنة هي الوسيلة التي بها ستر الله أو فيها ستر الله. فهذا معنى قوله: فإن كان الرضا لا ينافي هذا الطلب -وهو طلب الله- فلا ينافي إذاً طلباً آخر هو كالوسيلة المحتاج إليها لتحقيق المطلوب الأول. فما دمت طلب -يعني خلينا أعتبر الجنة وسيلة ورؤية وجه الله مطلب مقصد- كما أنك تطلب المقصد اطلب الوسيلة لهذا المقصد وهي الجنة. نعم.

قال: ومعلوم أن تنعمه بالناظر لا يتم إلا بسلامته من النار. صح؟ يعني أنت مش بدك مش بتريد الله؟ شو الوسيلة؟ أنك تدخل الجنة وما تروح على النار. إذاً اطلب دخول الجنة وعد تروح على النار. يعني ما هذا لا يتنافى مع هذا. نعم.

قال: لا يتم إلا بسلامته من النار، وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر. وما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب؛ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. نعم.

قال: فيكون طلبه لنظر طلباً لوازمه التي منها النجاه من النار. فيكون رضاه لا ينافي طلب حصول المنفعة، ولا دفع المضرة عنه، ولا طلب حصول الجنة ودفع النار. قال: ولا غيرهما مما هو من لوازم النظر. فتبين تناقض قوله.

وايضا فإذا لم يسأل الله الجنة، قال ولم يستعذ به من النار، فإما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج إليه من جلب منفعة ودفع مضرة، وإما أن لا يطلب. طب يعني إذا أنت الآن لم تطلب من الله الجنة ولم تستعذ به من النار؟ أما أن تطلب ما هو دون الجنة ودون النار؟ نار تطلب في الدنيا حوائجك الأصلية: يا رب بدي أتجوز، بدي أنجح في الجامعة، بدي كذا كذا. يقول: فاما بدك شيء. فاما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك، فاما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج إليه في الدنيا من جلب منفعة ودفع مضرة، وإما أن يطلب حتى حوائج الدنيوية.

طيب، قال: فإن طلب ما هو دون ذلك واستعاذ بما هو دون ذلك فطلبه لجنة أولى؟ تمام. لاطلب الجنة فهي أولى أن تطلبها. نعم. قال: واستعاذه من النار أولى. وإن كان الرضا ألا يطلب شيئاً قط ولو كان مضطراً إليه، ولا يستعيذ من شيء قط ولو كان مضراً به، فلا يخلو إما أن يكون ملتفتاً بقلبه إلى الله في أن يفعل به ذلك، وإما أن يكون معرضاً عن ذلك. فإن التفت بقلبه إلى الله فهو طالب مستعيذ بحاله.

طيب، الآن إذا كان مفهوم الرضا عندكم أيها الصوفية أنه لا تطلب من الله أي شيء، لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، حتى أمر الدنيا: الزواج، العافية من المرض، ما بصير تطلبه. بقول لك: طيب، إذا نزل بك هذا البلاء، المرض أو الفقر أو شيء؟ إما أن يكون أنت بلسانك ما طلبت -صح، ماشي على طريقة التصوف- بس بقلبك تنظر إلى الله نظر أنه: يا رب إنه يروح المرض، يا رب أن يزول الفقر، بس أنت بدك تسلك طريق الصوفية فمش مسترجي تطلب بلسانك حتى لا تخرم آداب الطريق. فأنت تنظر إلى الله بقلبك أن يشفيك. إذاً هذا طلب شئت وأبيت، لكنه طلب بالحال وليس باللسان.

طيب، قال: ولا فرق بين الطلب بالحال والمقال بل هو بهما أكمل وأتم والمقال. طبعا بل هو بل هو بهما -يعني الطلب باجتماع الحال والمقال- أكمل وأتم. قال: فلا يعدل عنه. وإن كان معرضاً عن جميع ذلك، فمن المعلوم أنه لا يحب بما يقيم حياته ويدفع مضاره، فذلك الذي به يحي من طلب جلب المنافع ودفع المضار، أما أن يحبه ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده.

قال: فإن أحبه وطلبه واراده من غير الله، قال: كان كان مشركاً. نعم، كان مشركاً مذموماً فضلاً عن أن يكون محموداً. وإن قال: لا أحبه ولا أطلبه ولا أريده لا من الله ولا من خلقه. قيل: هذا ممتنع في الحي. نعم، خلي هذا ممتنع في الحي. في إنسان حي فيش له مطلوب من الله لحياتك ما بتمشيش. فان الحي يمتنع عليه ألا يحب ما به يبقى. نعم، وهذا أمر معلوم بالحس، ومن كان بهذه المثابة امتنع أن يوصف بالرضا؛ فإن الراضي موصوف بحب وإرادة خاصة، إذ الرضا مستلزم لذلك، فكيف يسلب عنه ذلك كله؟

قال: فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام في العقل. واما الرضا في سبيل الله وطريقه ودينه فبوجوه: أحدها أن يقال: الراضي لابد أن يفعل ما يرضاه الله، وإلا فكيف يكون راضياً عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله؟ وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ويذمه وينهى عنه؟

وبيان هذا أن الرضا المحمود إما أن يكون الله يحبه ويرضاه، وإما أن لا يحبه ويرضاه. فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأموراً به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب. فإن من الرضا ما هو كفر، كرضا الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم، ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهون.

الآن وبيان هذا أن الرضا المحمود في الشريعة إما أن يكون الله يحبه ويرضاه، وإما أن لا يحبه ويرضاه. فإن لم يكن يحبه ويرضاه، فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأموراً به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب. فإن من الرضا ما هو كفر، كرضا الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم. في هذا أن الرضا -أنا أظن كلمة المحمود هنا فيها مشكلة ولا أنتم مش معي في هذه الفكرة؟ وبيان هذا أن الرضا إما أن يكون الله يحبه ويرضى بدون كلمة المحمود، أنا في اعتقادي أن هذه فيها شك أنه أراد أن يقسم الرضا إلى نوعين: رضا يحبه الله ويرضاه، ورضا لا يحبه الله ولا يرضاه.

فإن لم يكن يحبه الله ويرضاه -ما هو الرضا الذي لا يحبه الله ولا يرضاه؟- لم يكن هذا الرضا مأموراً به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب. فإن مثلاً من الرضا ما هو كفر؛ مثلاً أن ترضى عن الشرك، أن ترضى عن إلغاء الشريعة، هل هذا الرضا يحبه الله ويرضاه؟ لا، فلا يجوز أن ترضى به، والرضا بهذا كفر. طيب، فكلمة وبيان هذا أن الرضا كلمة المحمود لا أتعتقد أنها صحيحة في هذا المقام.

نعم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 28]. فمن اتبع ما يسخط الله برضاه وعمله فقد أسخط الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن شهدها». فمن اتبع ما يسخط الله بأن رضي بأشياء لا يحبها الله وعمل بأشياء لا يحبها الله فقد أسخط الله. نعم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن شهدها ورضيها كمن شهدها». إذا أنت رضيت بالخطيئة أنت محاسب عند الله وآثم إذا رضيت بالخطيئة لو لم تعملها. إذاً هل هذا الرضا محمود؟ هذا الرضا ليس محموداً، لا يحبه الله ولا يرضى. نعم.

قال: ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها. وقال صلى الله عليه وسلم: «سيكون بعدي أمراء تعرفون من أمورهم أشياء وترونها صحيحة وتنكرون عليهم أشياء، قال: فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع». طيب، ومن رضي -مين المح- هل الحكام وحدهم مسؤولين عن جورهم؟ لا، برضه الذي يرضى بما يفعل الحكام -حتى لو هو ما بيشتغل معهم، لكن يرضى بما يفعل الحكام من المعاصي- ومعهم. نعم.

وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]. فرضان عن القوم الفاسقين ليس مما يحبه الله ويرضاه، وهو لا يرضى عنهم.

وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]. فهذا رضا قد ذمه الله.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: 7]. فهذا أيضاً مذموم.

وشواهده هذا كثيرة. فمن رضي بكفره وكفر غيره، وفسقه وفسق غيره، ومعاصيه ومعاصي غيره، فليس هو متبع لرضا الله، ولا هو مؤمن بالله، بل هو مسخط لربه، وربه غضبان عليه، لاعن له، ذم له، المتواعد له بالعقاب.

وطريق الله التي يأمر بها المشايخ المهتدون إنما هي الأمر بطاعة الله والنهي عن معصيته. فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينعاقب اصحابه، فهو عدو لله لا ولي لله، وهو يصد عن سبيل الله وطريقه، ليس بذلك لسبيله وطريقه.

وإذا كان الرضا الموجود في بني آدم منه ما يحبه الله ومنه ما يكرهه ويسخطه، قال: ومنه ما هو مباح لا من هذا ولا من هذا؛ كسائر أعمال القلوب من الحب والبغض وغير ذلك، كلها ينقسم إلى أشياء محبوبة مكروهة مباحة عندنا أوامر ونواه ومباحات. فكذلك أعمال القلوب منها ما هي أشياء يحبها الله، وفي أشياء في القلوب يبغضها الله، وفي أشياء في قلبك لا يحبها الله ولا يبغضها وهي المشاعر المباحة: أنك بتحب الطعام الفلاني، بتكره الطعام الفلاني، تبقى مشاعر مباحة تسمى هي.

طيب قال: فاذا كان الامر كذلك، فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من النار، يقال له سؤال الله الجنة واستعاذته من النار: أما أن تكون واجبه -شوف الان هو يوصله الان أن تسأل الله الجنة هذا الشيء، وهي المشاعر: مشاعر بحبها الله ولا ما بحبها ولا مباحة؟ صنف لي اياها-.

طيب قال: أما أن تكون واجبه وأما أن تكون مستحبه وأما أن تكون مباحه وأما أن تكون محرمة وأما أن تكون مكروهة -أعطاها الأحكام الخمسة-. يعني خلينا نحكي هي ثلاث: يا مطلوبة يا غير مطلوبة يا مباحة.

طيب قال: ولا يقول المسلم إنها محرمة ولا مكروهة. هسا في واحد بحكي إن سؤال الجنة محرم أو مكروه؟ تمام، في واحد عاقل بحكي إن سؤال الجنة محرم ومكروه؟

قال: وليست أيضاً مباحة مساوية الطرفين. والأصل أيضاً أنها ليست مباحة. نعم. قال: ولو قيل إنها كذلك، ففعل المباح المستوي الطرفين لا ينافي الرضا. لو لو قلنا إن سؤال الجنة مباح، فعل المباح لا ينافي الرضا، إذ ليس من شرط الراضي ألا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور. يعني قال إنه الآن انا إذا انا راضي عن قدر الله هل معناته أني ما آكل ولا أشرب؟ إذاً فعل المباحات لا ينافي الرضا، إذاً سؤال الجنة لا ينافي الرضا لو قلنا إن سؤال الجنة مباح، لكن سؤال الجنة الجنة أعلى من المباح. نعم.

قال: فإذا كان ما يفعله من هذه الأمور لا ينافي رضاه، أينافي رضاه دعاء وسؤاله؟ ما هو مباح أن يسأل الله الجنة وأن يستعيذ به من النار، إذا فرضنا أن هذا السؤال فقط مباح. طبعا.

قال: وإذا كان الدعاء والسؤال كذلك واجباً أو مستحباً، فمعلوم أن الله يرضى بفعل الواجبات والمستحبات. فكيف يكون الراضي -الذي هو من أولياء الله- لا يفعل ما يرضاه الله ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه؟ أحسنت. يعني كيف تقول: أنا راضي عن الله وتعتبر حالك واصل لمرتبه الولاية، وأنت لا تفعل ما يحبه محبوبك؟ تمام. قال: وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله.

والقشيري قد ذكر هذا في أوائل باب الرضا فقال: اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله الذي أمر بالرضا به، إذ ليس -شايف هو نفسه القشيري- أن يرضى بقضاء الله الذي أمر بالرضا به، وفي أقضية لله حصلت أنت مطلوب منك تسخطها كمقضيات مش كفعل الله: كالزنا والخمر. وهذا أظن القضية ناقشنا فيها: هل أنا مطلوب مني أرضى بكل الأشياء الموجودة في الكون؟ لو بدي أقول هذا باطلاق، إذاً معناته لازم أطلب مني أرضى بالزنا وأرضى بالكفر. فالمقدورات لا منها ما أرضى بها ومنها ما لا أرضى بها، وهذا ما يريده الله مني، هو سبحانه لا يريد مني أن أرضى.

بالمقدورات التي هي معاصي وذنوب يريد مني أن لا أرضاها ولا أحبها. نعم، قال القشيري: إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد، أو يجب على العبد الرضا به، لا يجوز أن ترضى ببعض الأشياء، نعم قال: كالمعاصي وفنون محن المسلمين. وهذا الذي قاله بصير، يعني تكون والله أنت راضي عما يحصل مع إخواننا في غزة تمام! أنت شايف وين القضية؟ حتى تعرف الفكر الصوفي أحياناً وين بتكون مشاكله الفكرية عميقة؛ أنه إذا أنت واصل لمرحلة أنه أنا لازم أرضى عن كل شيء يكون في الكون وأحبه، إذاً كما قال هنا القشيري أو ابن تيميه هذا اللي قال محن المسلمين قشيري آه، يعني بدك ترضى بما يحصل للمسلمين من محن لإخوانك في غزة، لإخوانك في الشام، لإخوانك في السودان، لإخوانك تكون راضي ومبسوط؟ ليش؟ لأنها قضاء الله. شوف أنت هون بتعمل لي نوع من الانفصام في الشخصية، أنه أنا كل هي الآلام التي أراها بدي أكون راضي ومبسوط فيها لأنها ايش؟ قضاء الله وقدره، بدي أكون جداً مبسوط وراضي. شوف الانفصام كيف بده يصير ومشاعر التي تخالف الفطر سبحان الله.

لذلك عقيدة أهل السنة عقيدة فطرية، عقيدة منسجمه حتى مع مشاعرك وأحاسيسك، فأنا عارف أنه هذا قضاء الله وقدره، لكن ليس مطلوب مني أن أرضى وأحبه هذا النوع. نعم قال: وهذا الذي قاله قاله قبله وبعده وغيره ومعه غير واحد من العلماء كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأمثالهما، لما احتج لما احتج عليهم بعض القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها، ورضا بما نهى الله عنه لا يجوز. فاجابه أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة، قال أحدها وهو جواب هؤلاء وجماهير الأئمة: إن هذا العموم ليس بصحيح، فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضي وقدر. طبعا أنتم مركزين؟ المطلوب منك أنك ما ترضى فيه مش البلاء، المعاصي اللي بيفعلها اليهود، القتل والإجرام هذا، يعني حتى نكون دقيقين البعض بجوز تختلط عليه. هسا إذا ربنا ابتلاك ببلاء تمام بموت أو شيء هذا بدك ترضى فيه، يعني مش من الأمور المطلوب منك تسخطها لا. الآن في مقضيات هي اللي ربنا هو طلب منا نسخطها، اللي هي الكفر والفسوق والمعاصي، وكقتل بني إسرائيل للمحدين للمؤمنين وكذا، فهذه الجرائم هي المطلوب مني أني ما أرضى فيها وأكرهها. أما البلاء الذي حل بهم كبلاء لا، هذا ما بصير تكرهه لأنه هذا قضاء الله وقدره، يعني حتى تفهموا أو لأنه هذا يعني فيما حل بهم هم بدهم يرضوا بالبلاء، لكن نفس الإجرام الذي يفعل هذا لا يرضى به ولا يقبل، حتى نعمل شويه انفكاك جهة هنا.

نعم يا شيخ، ممكن نقول أنا أرضى بالفعل لا بالمفعول. شو الفعل المفعول؟ يعني الفعل الذي هو من الله. هسا فعل الله كله بدك ترضى فيه نعم، لكن المفعول إذا كان يصنف في الإسلام معاصي وذنوب وفسق بدي أكرهها، أما إذا كانت تصنف أنها مصائب خارج عن الطاقة البشرية زي وقوع حجر عليك، لا هون أنت مش رح تقول أنا أكره هذا الشيء وكذا، أنت المطلوب منك يعني ليس من الأشياء المطلوب منك أن تكرهها أو لا ترضى بها من جهة الفسوق والمعاصي أن هذه أمور مباحة عموماً قد لا تحب وقوعها شخصياً (قد لا في واحد بحب وقوع شخص حجر عليه)، لكن ليس أقصد هي الجانب التعبدي اللي بحكي عنه ابن تيميه أن هذا لازم تبغضه لازم تكرهه، لأنه هذا لا يرضي الله ولا يحبه.

نعم السلام عليكم. قال: فلست مأمورين أن نرضى بكل من قضي وقدر، ولم يجيء في الكتاب والسنة أمر بذلك، ولكن علينا أن نرضى بما أمرنا بالرضا به كطاعة الله ورسوله، وهذا هو الذي ذكره أبو القاسم. قال: والجواب الثاني أنهم قالوا: إنا نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعل صفة الله أو فعله، ولا نرضى بالمقضي الذي هو مفعوله، وفي هذا الجواب ضعف قد بيناه في غير هذا الموضع. نعم قال: الثالث أنهم قالوا إن هذه المعاصي لها وجهان؛ وجه إلى العبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه، وجه إلى الرب من حيث من حيث إنه خلقها وقضاها وقدرها، فنرضى من الوجه الذي يضاف به إلى الله، ولا نرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد، إذ كونها شرا وقبيحة ومحرمة وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك إنما هو من جهة كونها مضافة إلى العبد. وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والاسرار لما قد ذكرنا مما ذكرنا في غير هذا الموضع، يعني هذه أجوبة نجيب عنها في مكان آخر إن شاء الله عموما.

نعم قال: ويحتمل هذا المكان فإن هذا متعلق بمسائل الصفة والقدر، وهو من اعظم مطالب الدين وأشرف علوم الأولين والآخرين ودقها على عقول أكثر العالمين. والمقصود هنا أن مشايخ الصوفية وغيرهم من العلماء قد بينوا أن من الرضا ما يكون جائزا ومنه ما لا يكون جائزا، فضلا عن كونه مستحبا أو من صفات المقربين، وأن أبا القاسم ذكر في الرسالة ذلك أيضا.

فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه أمر بين واضح، فمن اين غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار، وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا من كان؟ قيل: غلطوا في ذلك لانهم رضوا؛ لانهم راوا أن الراضي بامر لا يطلب غير ذلك الامر، فالعبد إذا كان في حال من الأحوال فمن رضاه ألا يطلب في غير تلك الحال. يعني اللي هي فكرة الصوفية أنه إذا أنت الآن في قدر معين لا تطلب من الله تغيير هذا القدر، خلص أنا الآن الكفار متسلطين علي الرضا أنك لا تطلب تغيير هذا القدر. مين قال لك هذا الكلام؟ ومن وين أتيتم هي الفلسفة؟ هذا كلام فاسد.

الرضا عن الله هل يتنافى مع طلب تغيير الحال التي نحن فيها؟ أنت في حال فقر اطلب من الله يوسع عليك، أنت العدو متسلط عليك، ولذلك كثير من الصوفية عبر التاريخ كانوا خنجرا في المشروع الاسلامي؛ لأنهم كان العدو إذا احتل بلاد المسلمين كثير منهم يقول لك يا أخي ما بصير نطلب من الله تغيير هذا القدر، خلص قدر الله أن العدو يتسلط علينا لازم نرضى فيه. طيب يا جماعة روح جاهده، روح قاتله في سبيل الله؟ لا، أنت هيك تطلب تغيير القدر، تغيير الواقع والرضا أن تستسلم للواقع. طب هذه مصيبة، معناته ما حدا رح يجاهد، ما حدا رح يقاتل، ما حدا سيدافع، البلاء بالبلاء، وهذا لا يصح.

حتى تعرفوا كيف بعض الأفكار -طبعا للإنصاف مش كل الصوفية كان عندهم هذا البعد، عرفت؟ يعني زي عمر المختار وغيرهم بعض الناس لا كان عندهم شيء من التصوف، لكن كان عندهم نفس الجهاد والقاتال في سبيل الله- لكن هذا النفس طغى على كثير من غلاة الصوفية في يعني حقب قديمة ومعاصرة. لذلك إلى اليوم للاسف نقول إلى اليوم، يعني الذي يقود مشاريع المرابطة والقتال في سبيل الله هم عادة أهل الحديث، عادة يعني مسألة الحديث النوعية النظيفة اللي أنت عرفت عموما. طبعا في هناك غلاة وخوارج وفي هناك مرجئة وكذا، لكن بشكل عام الذي يقودها يكون يغلب عليهم هذا الطابع، يغلب عليهم معناه أنه ما في صوفية؟ بعضهم يقاتل، لكن إذا نظرت أنا يعني أنظر بشكل عام وأتبع وقائع كثير في مآسي في العالم الاسلامي، عادة بيكون كثير من التصوف موقفهم سلبي ولا له علاقة، بس يجي نظام جديد يلا نحن وين حقنا الأقليات أنت! يعني طب وين كنت أنت أثناء القتال والرباط؟ وين حضرتك؟ ولا أنت في الأربطة والزوايا والخبايا ما بتصحصح إلا بس يجي نظام جديد بتصير تطالب بحق حقك، وأنه نحن أصلا بلد ما انتشر فيها التصوف ولازم تراعوا حقنا ولازم تعطونا! طيب وين أي آثارك في قتالك على الظالمين المستبدين الذين كانوا في بلدك؟ عرفتم؟ هكذا هم عادة يعني لا يستيقظون إلا بعد يعني نجاح الأمور أو هذا، بيستيقظ حتى يطلب نصيبه، أما أن يكون مقاتلا مدافعا لا لا، يعتبر هذا من الأمور التي يجب أن نرضى، وأرضى بالواقع ظلم استبداد فجور كذا أنت لا تغير. وهذه مشكلة حقيقة تؤثر على واقع المسلمين.

نعم قال: ثم إنهم رأوا أن أقصى المطالب الجنة وأقصى المكاره النار، فقالوا ينبغي أن لا يطلب شيئا ولو أنه الجنة، ولا يكره شيئا ولو أنه النار، فهذا وجه غلطهم ودخل الضلال عليه من وجهين؛ أحدهما ظنهم أن الرضا بكل ما يكون بكل ما يكون أمر يحبه أمر يحبه الله، أنه لازم ترضى بكل ما يكون كفر معاصي وجود ظالمين كذا، هيك ربنا بحب وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله. فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال يكون فيها العبد طريقا يوصلهم إلى الله، فضلوا بهذه الفكرة ضلالا مبينا.

والطريق إلى الله إنما هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه، لا أن ترضى بكل ما يحدثه في الكون، فإنه لم يأمرك بذلك. وهو سبحانه لم يأمرك أن ترضى بكل ما يحدثه في الكون ولا رضيه لك ولا أحبه لك، بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض أعيانا أو أفعالا موجودة هو خلقها. يعني هو سبحانه خلق أشياء وهو يبغضها، أنت بدك تكون لا تقول أنا ما أبغضها، أنت إذا أنت خالفت صفات ربك سبحانه وتعالى في ذلك. ولاية الله أن توافقه بأن تحب ما يحب هو وأن تبغض ما يبغض إلهك وتكره ما تككره وتسخط ما يسخط وتوالي من توالي وتعادي من تعادي، فإن كنت تحبه وترضى ما يسخطه ويكرهه كنت عدوه لا وليه، وكان كل ذم نال من رضي ما أسخط الله فقد نالك.

قال: فتتبر هذا فإنه تنبيه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة ما لا يص. هذه الفكرة أنه غلط تظن أنه لازم ترضى وتحب كل شيء مقدور في الكون، غلط هذه الفكرة فاسدة جدا. المعاصي والذنوب هي من أقدار الله بس لازم تكرهها ولا تحبها وتسعى لإزالتها وتغييرها. هذه الفكرة غلط فيها كثير من الناس والفرق الإسلامية قديما.

نعم قال: الوجه الثاني أنهم لم يفرقوا بين الدعاء الذي أمروا به أمر إيجاب وامر استحباب، وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه. فإن دعاء العبد لربه ومسألته إياه ثلاثة أنواع؛ قال نوع أمر به العبد إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، مثل قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، ومثل دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يامر به أصحاب عذاب جهنم إلى آخره. فهذا دعاء أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، والأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها ويعلم أصحابه يدعو بها لا تخرج أن تكون من الأدعية الواجبة أو المستحبة، وكل واحد من الواجب المستحب فالله يحبه ويرضاه.

وطيب، ونوع من الدعاء اثنين ينهى عنه كالاعتداء في الدعاء؛ مثل أن يسأل الرجل ما لا يصلح له مما هو من خصائص الأنبياء، واحد يا رب اجعلني من الأنبياء، لا هذا دعاء غلط يعني الله يرضى عليك مش رح تصير نبي يعني تمام. أو خصائص الأنبياء أنه يا رب أذن لي أني أصير أتزوج أكثر من أربعة نساء كذا، هذه مما هي خصائص الأنبياء ما بصير تدعو بهي الأدعية التي فيها اعتداء، مثل أن يسأل نفسه الوسيلة، يا رب أنا أريد الوسيلة لنفسي لغاية الوسيلة للنبي عليه الصلاة والسلام تمام لله الفردوس الأعلى. مثل أن يسأل نفسه الوسيلة التي لا تصلح إلا لعبد من عباد الله أو يسأل الله. فهذا ونوعه جهل بالله واعتداء في الدعاء وإن وقع في ذلك نوع من المشايخ، ومثل أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت هذا برضه غلط، فإن الله لا مكره له، اعزم اعزم في الدعاء.

وربما هو من خصائص ربي سبحانه وتعالى، بعدين مثل بالمخلوق. ومثله أن ومثله حط واو. ومثله أن يقصد السجع في الدعاء ويتشحق ويتشدق ويكون دعاء كله شهيق وزفير. فهذه الآية كلها منهي عنها. ومن الدعاء ما هو مباح كطلب المفضول، يا رب بدي هاي السيارة، يا رب بدي كذا وظيفة معينة، عموما يعني هذا قد يدخل تحت المباح. المهم الدعاء فيه منه ما هو مطلوب، منه ما هو مباح، منه ما هو منهي عنه.

والمقصود هنا الرضا؛ أن الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحب. فدعاء الذي هو الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا أحسنت. فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب ومنه دعاء الله الجنة والاستعاذة من النار موطن النقاش، لا يكون تركه من الرضا عن الله، كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون من الرضا المشروع، ولا فعل المحرمات من الرضى المشروع.

فقد تبين نعم، فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن رضا مشروع بكل مقدور، ومن جهة أنهم لم يميزوا بين دعاء المشروع إيجاباً أو استحباباً ودعاء غير المشروع. وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أن طلب الجنة من الله والاستعاذة به من النار هو من أعظم الأدعية المشروعة لكل أحد من المرسلين والنبيين وجميع الصديقين والشهداء والصالحين، وأن ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو مستحبا وطريق أولياء الله التي.

يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات، إذ ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين. ثم إنهم مما وقع، ثم إنهم مما أوقع هؤلاء في هذا الغلط أنهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون الله جلب المنافع ودفع المضار، حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة كون ذلك عبادة وطاعة وخيرا، بل من جهة كون النفس تطلب ذلك، فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده.

من الأغلاط الواقعة عند الصوفية أيضا أنهم ظنوا أنه من آداب التصوف، من آداب السلوك إلى الله، ألا تسأل شيئا فيه هو للنفس أو مطلب للنفس، وهذا عمموه، يعني هذه طبعا هذا غلط بس أنت بدك تفهم شو فكرتهم، من أغلاطهم أيضا غير غلطهم أنه لازم ترضى عن أي مغدور، من أغلاطهم بقول لك إنه من آداب التصوف ألا تسأل الله أي مطلب للنفس فيه حظ، يعني أنا بدي أتزوج؟ بصير تحكي: يا رب بدي أتزوج؟ في هيك آداب التصوف؟ ليه؟ لأنه هذا حظ نفسك، لا تسأل الله إلا، يعني إذا بدك تدعو الله أدعو الله سبحانه وتعالى بشيء ليس لك فيه حظ، فإذا سالت الله الجنة؟ آه والله هذه حظ نفسك، إذا لازم ما تسأل الجنة، إذا سالت الله الاستعاذة من النار؟ هذه حظ نفسك، فهيك بقول: آداب التصوف ألا تسأل شيئا فيه حظ للنفس، وهذا غلط.

أكمل: فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده، أن يكون لأحدهم إرادة أصلا، بل يكون مطلوبه، بل يكون مطلوب الجريان تحت القدر كائنا من كان. نعم، قال: وهذا هو الذي أدخل كثير منهم في الرهبانية والخروج عن الشريعة، حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه ولا تتم مصلحة دينهم إلا به، فانقطعوا عن الطعام والشراب، ليه بقول لك: هذا حظ النفس، نحن لا نمنكح ولا نشرب ولا ناكل ولا نسكن ونطلع على الصحاري ونسكن في الـ...

قال: فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمر... تعد هذه الأمور عباده بحكم الطبع والهوى والعادة -طبعا، أي طبعا بجوز كلمة «عباده» هنا يعني فيها نظر- فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمور هي أمور طبائعية وأمور عادية، مش أمور عبادية، فقالوا: نحن نكون مثل العامة، فإذا بنترك الطعام والشراب والزواج، ومعلوم أن الأفعال التي تقع على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا طاعة ولا قربة، فرأى أولئك إذا أن الطريق إلى الله إذا نترك هذه الأمور لأنها من الطبائع والعادات، فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق، ما أوقعهم للأسف في ايش؟ في ترك الواجبات والمستحبات وفعل المكروهات والمحرمات، يعني لم يؤد ذلك إلا إلى شر.

طيب، كلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به، ولا طريق إلى الله طريق المفرطين الذين فعلوا هذه الأمور المحتاج إليها على غير وجه العبادة والقربه. نعم فنحن أكيد ما بنوافق إلى العامة أن يكون زواجك وطعامك وشرابك فقط أشياء مباحة، نحنا ما بنوافق، بل لازم يكون فيها جانب من التعبد، أنه أنا باكل أتقوى على طاعة، للزواج من أجل التربية والأسرة، فنحن ما بنوافق العمل، لكن في نفس الوقت ايش نقول؟ وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال بحجه أنه والله هذه تفعلها الناس عادات نحن إذا لازم ما نفعلها، برضه أنت غلط، لا أنت روح افعلها بس افعلها قربات.

قال: وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال، بل المشروع أن تفعل بنية التقرب، تفعل بنية التقرب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 172] وفي الصحيح: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكل المباح، ايش بعد؟ فيحمده، أو يأكل الأكل فيحمده عليها» إلى غير ذلك من الأحاديث، إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها صدقة. فكذلك الأدعية، هب أن من الناس من يسال الله جلب المنفعة ودفع المضرة عنه، عادة لا شرعا وعبادة، فليس من المشروع لي أن أَدع الدعاء مطلقا لأجل تقصير هذا وتفريطا، يعني إذا في واحد يدعو أدعية فقط من أجل هواه: يا رب بدك تزوجني فلانة، يا رب بدك كذا، هل معنى هذا أني أنا أروح أترك الدعاء لأنه والله في ناس تدعو إلى الله طلبا لأهوائهم؟ يا اخي، إذا هو دعا إلى الله طلبا لأهواء أنت ادعو الله طلبا للجنة، طريقتك في التفكير مش صحيحة، أنت ما بتترك الشغل الصح لأنه في واحد يمارسها ممارسه مغلوطة، أليس كذلك؟ لا يترك الصواب لوجود من يمارسه ممارسه مغلوطة أو منا أو ممارسة فيها مثلا شيء من النقص أو الخلل.

ثم اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة نعم إنما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه المحمودة، فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته، قال بخلاف الذي يفعله، طبعا، فانه إنما يفعل مصلحة الدنيا، مصلحة دنياه فقط، واحنا مأمورين أن نقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]. إذا هل هذا غلط؟ ربنا قد علمنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]. إذا أن يطلب الإنسان مصلحة الدنيا، أن يطلب مصلحة الدنيا والآخرة وحظه من الدنيا والآخرة، هذا ربنا علمنا إياه، فاصلا كيف تعتقدون أن طلب حظ الدنيا والآخرة مما يخالف السير إلى الله؟

وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ بالنار إنما يطلب حسنة الآخرة، فهو محمود. ومما يبين الأمر، ومما يبين الأمر في ذلك أن يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا، فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيء من الخير؛ فإن ذلك إنما فائدته حصول الثواب ودفع العقاب، قال فإذا كان هو لا يطلب حصول الثواب الذي هو الجنة ولا دفع العقاب الذي هو النار، فلا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا، ويقول: أنا راضي بكل ما يفعله بي، وإن كفرت وفسقت وعصيت، بل يقول: أنا أكبر وأفسق وأعصي حتى يعاقبني وأرضى بعقابه، فإن درجة الرضا بقضائه! وهذا قول من هو أجهل الخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم.

شو معنى هذا الكلام مشايخنا؟ ومما يبين هذا أنه ماذا يرد على قول هؤلاء الذين يقولون إنه أنت لازم تستسلم للقدر ولا تطلب شيئا فيه حظ للنفس أو نتيجة للنفس؟ قال: يلزم على قول هؤلاء إنه الإنسان لا يفعل مأمورا ولا يترك أي محظور، خلص لا تعمل شيئا، لا تصوم ولا تصلي ولا تزكي ولا تترك الزنا وما شابه ذلك، لماذا؟ لأنه إذا أنت بتصوم بتصلي شو بتطلب؟ ثواب، لا، بتطلب ثواب، وبتترك الحرام أنت ايش؟ تبعد عن العقاب، صار في طلب، صار في حظ للنفس، إذا خلص لا تفعل طاعات ولا تترك محرما، بل شو ما يصير معك كفر، عصيان، صلاة، يعني بيصبح ما في أصلا شريعة، لأنه أنت الشريعة طلب المامورات لتحصيل الثواب وترك المنهيات البعد عن العقاب وهذا طلب وعلى طريقتكم لازم ما تطلب شيئا فيه حظ للنفس، إذا اترك الشريعة، وهذا لا يقوله إلا مغفل.

كما قال: أما جهله وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر، ولأن ذلك مستلزم ممتنع متعذر حتى على المستوى الدنيوي العقلي، يعني مش فقط حتى على المستوى الشرعي نعم، ولأن ذلك مستلزم للجمع بين النقيضين، وأما كفره فلانه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسوله وأنزل به كتبه، ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت كثيرا من أهل الإرادة من الصوفية في أن تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به إما ناقصين محرومين، وإما عاصين، وإما فاسقين، وإما كافرين. طبعا قضية إنه استلزم الجمع بين النقيضين على الطريقة اللي ذكرناها قبل شوي: أن ترضى أنك لا ترضى، تمام، هذا معنى قول...

نعم قال: وقد رايت من ذلك ألوانا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وهؤلاء والمعتزلة ونحوهم من القدرية في طرفي نقيض، هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن الأمر، وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن القدر، نعم، لذلك دائما الصوفية على جهة والمعتزلة بالعكس، المعتزلة جعلوا العبد يخلق فعله بنفسه وألغوا وجود إرادة لله، عكسهم دائما مين؟ الجبرية من الصوفية وغيرهم الذين ينظرون أن كل شيء جبر من الله وأن العبد ليس له أي اثر ولا يطلب منه مدافعة القدر، فأنت ما بين طرفي نقيض، وأهل السنة لا، نحن نثبت وجود إرادة للانسان وأثر للإنسان، ولكن كل شيء ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30] بععلم سابق وإرادة سابقة لله.

نعم قال: والطائفتين تظن أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر، كما أن طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل، وهذه الأصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية والقدرية الابليسية، هي أصناف الثلاث عنها في مقام آخر ابن تيمية حقيقة ولعلنا ناتي إليها إن شاء الله في كتاب آخر من كتبه، أنه هو يقال لك: القدرية ثلاث، قدرية مجوسية الذين هم مين؟ المعتزلة الذين ينكرون إرادة الله الكونية ويقولون العبد يخلق فعله بنفسه، طبعا إرادة الله الكونية في أفعالنا، وعكسهم من المشركية الذين يحتجون بالقدر، سميهم القدرية المشركية ابن تيمية الذين يحتجون بالقدر على معاصيهم لأن المشركين هم اللي قالوا في القرآن: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] فيقول: كل من احتج بالقدر على معاصيه فهم القدرية المجوسية وهؤلاء المشركية، عفوا، هؤلاء الجبرية تستطيع تقول نوعا ما يمثلهم الجبرية في عالمنا. والنوع الثالث هم القدرية الإبليسية.

وقالوا: هم الذين يجعلون هناك تناقض بين البابين، فيقولون هناك تناقض بين باب إرادة الله الكونية وبين باب ايش؟ أمر الله سبحانه وتعالى، فيرون أن والعياذ بالله والعياذ بالله أن هناك في ظلم وتناقض، وهذا قال إبليسية لأنه إبليس هو أول قال من اعترض على الله، إبليس هو أول من اعترض على الله في خلق آدم: ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61]، فهؤلاء الذين يعارضون بين القضاء والقدر وبين الأمر والنهي ويرون أن هناك تنافي بينهما وأنه في هناك ظلم في الكون، يسمون القدرية الإبليسية، الذين يحتجون بالقدر على معاصيهم هؤلاء الجبرية يسمونهم قدرية مشركية، الذين ينفون وجود قدر سابق وأن الأمر أنف وأن الإنسان ولا يفعل ما يشاء وأن الله ليس له علاقة، بيسموهم قدرية مجوسية، يعني هذا بس تعريف سريع بهؤلاء.

طيب قال: وأكثر ما يبتلى به سالكو أهل الإرادة والعامة في هذا الزمن هي القدرية المشركية اللي هم الجبرية، يعني أكثر الصوفية هم من قبيل القدرية الإبي... المشركية اللي هم مين؟ الجبرية، الذين ماذا يقولون؟ الذين يحتجون بالقدر على معاصيهم. نعم قال: فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر، كما قال فيه بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري. نعم، عند الطاعة ايش؟ قدري، بتلاقي الصوفي عند الطاعة بشوف حاله أنه أنا عملت وأنا سويت، ولما يفعل معصية: يا اخي خلص قدر الله ما شاء فعل، لا تعترض، هذا قدر الله النافذ، بصير عند الطاعة قدري يؤمن أنه هو يفعل فعله بنفسه ويزكي نفسه، وعندما تفعل معاصيه بقول لك: خلص هذا قدر الله النافذ، فيصبح على طريقه الجبرية بدل من أن يستغفر ويتوب.

نعم قال: أي مذهب وافقه كذا مذهبت به، وإنما المشروع العكس، وهو أن يكون عند الطاعة يستعين الله عليها أحسنت، الأصل بالعكس، عند الطاعة يعني تكون شبه جبري، يعني شبه جبري، يعني عند الطاعة تقول: توفيق الله واستعانة بالله، وعند المعصية شبه قدرية بمعنى أنك تلوم نفسك وأن هذه بنفس المقصرة وأستغفر الله وأتوب إليك.

طيب قال: ويشكره عليها بعد الفعل ويجتهد أن لا يعصي، فإذا أذنب وعصى بدر إلى التوبة والاستغفار، كما في الحديث سيد الاستغفار أن يقول العبد: «بوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي». وكما في الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». ومن هذا الباب دخل قوم من أهل الإرادة في ترك الدعاء، وآخرون جعلوا التوكل والمحبة ونحو ذلك من المقامات العامة، والمقامات العامة الخاصة ما بتوكلوا، ما لا يحبوا، بل الخاصة في مقامات الفناء. أمثال هذه الأغلاط التي كان في غير هذا الموضوع بين الفرق بين الصواب والخطا في ذلك.

ولهذا أمثال يوجد في كلام... أيوه، في كلام، في كلام أئمة هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم والشريعة، لقول سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: العمل بالاقتداء... لذلك مشايخ الصوفية الأوائل كانوا يعرفون، ماذا؟ كأنهم يستشرفون المستقبل ماذا سيحصل باتباعهم، أنه يا إخوان هذا طريق الصوفية بده هدوء، بده تتبع الشريعة، لذلك قال: ولهذا هذا يوجد في كلام أئمة هؤلاء أئمة هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم والشريعة، أنه من سلك الطريق إلى الله بدون كتاب وسنة ضاع وأضاع.

نعم قال: العمل بالاقتداء عيش النفس والعمل بالاقتداء عذاب على النفس، أكيد، لأنه فيه مخالفة للهوى. نعم، وقال: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. وقال جنيد بن محمد: من لم يقرا القرآن ويكتب الحديث لا... وهذه كثير مرت معنا. وقال ابن الحواري: من عمل عملا باتباع السنة... إلى آخره.

طيب، الآن سياتي إلى فصل جديد، خلصنا موضوع التعليق على كلمة الـ... هذا الآن سياتي لفوق السكر وأسبابه وأحكامه. السكر من المفاهيم الصوفية واللي بيستعملها القشيري وغيرهم ويعنون بها الفناء، طبعا أحيانا بسموه سكر وأحيانا بسموه الفناء. ابن تيميه بده يحاول يأصل لك هاي الفكرة ويناقش متى يكون الفناء.

محمودا، ومتى يكون مذموما؟ طبعا الفناء عموما أن الصوفية يعتقدون أن الإنسان السالك إلى الله في بداية طريقه يعني بيكون يجاهد نفسه ويراها ويشاهد الناس، ويسير إلى الله، إذا ارتقى يصل لمرحلة أن لا يشاهد نفسه ولا الناس، وإنما فقط يشاهد الله.

طبعا لسه هؤلاء أخف من الذين بعديهم. الذين بعدهم من هم؟ الصوفية الاتحادية، الذين لا يشاهدون خالقا ومخلوقا، إنما يقول: اتحاد الخالق بالمخلوق. فهي ثلاثة أنواع: ثالثها كفر، وأولها صواب، والمتوسط منها يعذر صاحبه، لكنه ليس هو المقام الكامل. المقام الكامل أن تشاهد الله وأن تشاهد حيا الآن.

سيقول ابن تيمية؛ يقرأ قال رحمه الله: قد تكلمت فيما مضى من القواعد على معاني الفناء الموجود في كلام المشايخ والصوفية، وانه ثلاثة أقسام: قسم كامل للسابقين، وقسم ناقص لأصحاب اليمين، وقسم ثالث للظالمين الفاسقين والكافرين.

فالأول الفناء عن عبادة ما سوى الله والاستعانه به، إذا فسرنا الفناء بأنك لا تعبد إلا الله ولا تستعين إلا بالله، فهذا فناء المقربين نعم، بحيث لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا بالله، وهذا هو دين الإسلام.

والثاني الفناء عن شهود ما سوى الله، بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده، وهذا نعم بحيث يغيب بمشهوده، وهو الله عن شهوده. يعني تصبح أنه ما تشوف نفسك، ما تشوف المخلوقات، وإنما فقط ترى في الكون الله؛ ترى وأنت تذهب إلى الجامعة ترى وهو يبتليك، ترى وهو يقودك إلى الصلاة، لا ترى للناس أي وجود وأي حركة.

في هذا هس هذا المقام بهذه الطريقه هو ليس مطلوبا، وليس هذا الكمال في حال النبوة نعم. وهذا لمن لم يقدر على الجمع بين شهود الحقائق وعبادة الخالق، نعم. الأصل أن الإنسان يستطيع أن يشاهد الخالق ويشاهد الحقائق، وهم الناس والبشر وحركة الحياة، لكن الذي يعني خلص وصل في الصوفية لمرتبه شهود الله وعدم مشاهده الحقائق، قد يعني نقول إن شاء الله أنه معذور نعم.

قال: بل ما شهده عنده ومعبوده واحد، نعم لأنه أصبح يرى المشهود في الشاهد نعم. قال: فمشهوده واحد، وهذا يعتري كثيرا كالعيسوية من هذه الأمة الذين لهم وصف العبادة دون الشهادة، فلهم قوة في العبادة والإنابة. كان العيساوي أظن فرقة من فرقهم، يعني الله أعلم شكلها فرقة من فرق الصوفية الذين يعني يغيبون عن الحقائق بمشاهده الخالق.

طيب فلهم قوة في العبادة والإنابة، يجتذبهم ذلك إلى معبود ومقصودهم، وليس لهم قوة على شهود سائر ما يقوم به البشر من حركات وأفعال، وما يستحقه سبحانه من الأسماء والصفات. فهؤلاء إذا لم يتركوا واجبا لم يضرهم، يعني هؤلاء إذا لم يتركوا الواجبات الشرعية من الصلاة والزكاة والصيام وبر الوالدين وحق الأزواج، يعني إن شاء الله أن هذا يكون معفو عنهم.

نعم قال: وإن تركوا مستحب المشتغلين عنه بما هو أفضل منه، لم ينقلوا عن مقامهم، وإن اشتغلوا عما تركوه من المستحب بما ليس مثله، فانتقالهم إلى ذلك الأفضل أفضل إن أمكن، وإلا ففعل المقتدور عليه من الصالحات خير من الاهتمام بما يعجز عنه ويصد عن غيره. وإن تركوا واجبا أو فعلوا محرما مع إمكان العلم والقدرة، فهم مؤاخذون على ذلك، وإن كان مع سقوط التمييز لسبب يعذرون به، مثل زوال العقل بسبب غير محظور أو سكر بسبب غير محظور، أو عجز لا تفريط فيه، فلا ذم عليهم.

وإن كان مع التكليف فسبب الذم قائم، ثم لهم حكم الله فيهم كما لسائر المؤمنين، من كون الذنب صغيرا أو كبيرا مقرونا بحسنة ناحية، أو غير ذلك من أحكام السيئات، ما لم يخرج إلى القسم الثالث وهو فناء الكافرين. فناء الكافرين كما قلنا الذين هم جماعة ابن عربي الذين يقولون إن الله اتحد بالكون.

نعم قال: وهو جعل وجود الأشياء هو عين وجود الحق، أو وجود الحق هو الله. جعلوا وجود الكون هو نفسه وجود الله، فليس فرق بين خالق ومخلوق، نعم. قال: أو وجود نفسه عين وجوده، أو وجود جود نفسه عين وجود الكون، الله أفاض نفسه على الوجود فجاد بنفسه فأوجد الكون.

نعم قال: كما بيناه من مذاهب أهل الحلول والاتحاد في غير هذا الموضع، فإن هذا كفر وصاحبها كافر بعد قيام الحجة عليه، وإن كان جاهلا، شوف هذا الكلام! شوف هذا الكلام حتى في الاتحادية، شو يقول؟ حتى في الاتحادي جماعة ابن عربي ماذا يقول؟ الذي يقول إن وجود الكون هو وجود الله.

الآن هي المقولة كفر، نحن متفقون عليها، وصاحبها متى يكفر؟ بعد قيام الحجة عليه، وإن كان كمل جاهلا أو متأولا، يعني بيتكلم هذه العبارات وهو متأول فيها لمعاني، فماذا يقول؟ كما تأول الشخص الذي قال في الحديث: إذا مت فأحرقوني وذروني، فهذا أمره إلى الله.

فشوف ابن تيمية حجم العذر بالجهل أو بالتأويل عنده، أنه يرى أنه حتى من يكرر عبارات ابن عربي، لكنه متأول فيها تأولات، ولم تقم عليه الحجة في بيان أن هذا الأمر يؤدي إلى الكفر، قد يكون معذور عند الله، ايش قال؟ أمره إلى الله، أنا لا أكفر عينا، لكن أقول المقولة كفر.

بعد ذلك ياتيك شخص يقول لك يعني ابن تيمية يكفر الأشاعره وكذا. انت إذا ابن تيمية مع من يقول بالحلول والاتحاد ويقول لك إذا لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، تيجي أنت تتكلم أنه ابن تيمية يكفر أعيان علماء وأئمة في الأشاعره والماتريدية؟ أقول لك: أحيانا بعض الناس تصل لمرحلة أنه لا تريد تناقشه أصلا، لأنك تعرف خرج عن أساليب القراءة العلمية، أصبح في هوى في انتقائية، يريد أن يختار ما يشاء نصوص مجملة متشابهة لابن تيمية، ويترك الواضحات القطعيات من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية في مساحة العذر عنده بالجهل أو التأويل.

نعم قال كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُم سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول، فمتى كان لا يعلم ما يقول فهو في السكر، وإذا علم ما يقول خرج عن حكمه. فهذا أصل يجب اعتماده. وهذا هو حد السكران عند جمهور...

هذا حد السكران في ايش؟ في المحسوسات. فبده يقول لك: قس عليه السكران في الذهنيات؛ السكران الذي وصل لحالة الفناء، خلص هذا مش مكلف، ويمكن يخرج منه أشياء يعذره الله فيها ليه؟ لأنه هو سكران. بده يقيس السكر في الذهنيات على السكر في الحسيات.

نعم قال: أحمد قال أحمد بن حنبل بما نقله عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا لم يعلم بثيابه من ثياب غيره ولا نعله من نعال غيره. هذا السكر في الحسيات. متى يصير الإنسان سكران؟ الذي شفته بخربط بين نعل ونعل غيره، يعرف أنه ودعي الشيخ. طيب.

فجعل ذلك عدم التمييز من ثبوت بغيره. ويروى عن الشافعي أنه قال: إذا اختلط كلامه المنظوم. متى بنقول مثلا شخص شرب خمر فسكر؟ إذا صار يخلط المنظوم بالمنثور بتعرف أنه مثلا سكر.

طيب، فالسكر إذا يجمع معنيين. ركز الآن في هذا، كلام ليبني عليه. إذا السكر يجمع معنيين: وجود لذة وعدم تمييز. سواء سكر في الحسيات أو سكر في الروحانيات، نحن بيهمنا الآن السكر في الروحانيات طبعا، بس هو بده حتى تفهم هذا، بدك تفهم هذا السكر مبني على شغلتين: في لذة، يعني هؤلاء الذين يسكرون، لماذا يسكرون؟ هناك لذة تمام، ويسير بعدها أثر آخر وهو ايش؟ عدم تمييز، بضيع.

والذي يقص، والذي يقصد السكر قد يقصد أحدهما. يا واحد لأنه مبتلى وهموم كثير، يقول لك بدي خلص بدي اطلع من عقلي، لأنه عندي مشاكل كثير في الحياة، فيطلب بالسكر ايش؟ عدم التمييز. أو لا، هو مش عنده هموم ومشاكل، بده يعني بس بده اللذة التي يجدها بشرب الخمر. طيب، قال: وقد يقصد، وقد يقصد كلاهما، يعني بده الاثنتين يا سيدي.

طيب، قال: وهو آثم، فإن النفس لها أهواء وشهوات تلتذ بنيلها وإدراكها، والعقل والعلم بما في تلك الأفعال من المضرة في الدنيا والآخرة يمنعها عن ذلك، فاذا زال العقل الحافظ انبسطت النفس في اهوائها، وحرم الله السكر لسببين ذكرهما الله في كتابه.

بقوله: وهو آثم، السكر لماذا هو آثم؟ قال: لأن النفس لها أهواء وشهوات، ما الذي يمنع النفس من التبسط في أهوائها وشهواتها؟ العقل، أصلا العقل لماذا سمي عقلا؟ لأنه ماسكك، ماسكك من تلبيبك مثل ما يقولوا، وإذا لو ما في عقل تنبسط في الأهواء والشهوات، فيقول لك النفس لها هوى وشهوات، العقل هو ماسكها عن الوقوع فيها، فإذا زال العقل بالسكر انبسطت النفس. فالاسلام لا يريد منك أن تزيل هذا العقل، لذلك حرم عليك السكر الحسي.

الآن بدنا ننقل هذه الفكرة للسكر الروحاني كمان شوي. قال: وحرم الله السكر لسببين ذكرهما، قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 91]، فأخبر أنه يوجب المفسدة الفاشية من النفس بعدم العقل، ويمنع المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل، التي خلق لها العبد وهي ذكر الله والصلاة.

وقد يكون سبب السكر من الألم كما يكون من اللذة، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2], فأخبر أنهم يرون سكارى وما هم بسكارى. فإذا عرف ذلك فسبب السكر ما...

وقد يكون سبب السكر من ايش؟ من الألم. شدة الألم أيضا تسبب سكر، يعني مش دائما السكر يكون بتناول شراب كما في الحالة السابقة، أحيانا يعني في سكر يكون بأن تتناول شراب فيه لذة، وأحيانا يكون السكر شو سببه؟ شدة البلاء يخلي الواحد عقله يضيع، وهذا الشكل من أشكال السكر، ولذلك يوم القيامة وصف الله الناس بأنهم سكارى، بمعنى ايش؟ تطيش العقول بسبب هول المشهد.

فاذا عرف ذلك فسبب السكر ما يوجب اللذة ويمنع العلم، فمنه السكر بالطعمة والأشربة المسكرة، فإن طاعمها يحصل له بذلك لذة وسرور، وهو الحامل لأكثر الناس على شربها، ويغيب عقله فتغيب عنه الهموم والأحزان تلك الساعة.

ومن الناس من يقصد المنفعة للبدن، ولكن يحصل له من المضرة بالأفعال والأقوال التي تتولد عن السكر، ويمنع عن المنفعة بذكر الله والصلاة وغيرهما ما هو أعظم إثما من منفعتها، فإن اللذة الحاصلة بذكر الله والصلاة بقية دافعة للهموم والأحزان، ليس دفعة إياه وقت الصلاة فقط، كما قال تعالى...

مسكين، يعني يقول لك مسكين هؤلاء الذين يسكرون مشان يزهزه حتى ينسى همومه، يا اخي الكريم شوف الصلاة هي التي تعطيك الراحة، والراحة التي تعطيك إياها الصلاة ودفعها للهموم، مش فقط أثناء الصلاة، بل يبقى أثر ودفعها للهموم بعد الصلاة، بخلاف السكر؛ السكر ماشي، ممكن يزيل عنك الهم لما تفقد عقلك، بس كم مدة إزالته للهم؟ فقط بس مدة زوال عقلك، مجرد ما يرجع لك عقلك ترجع لك الآلام بأضعاف، فاطلب الدواء الرباني، (هي استطرادة شوي من ابن تيمية).

كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45] وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45], ففي هذه اللذة والمنفعة العظيمة الشريفة الدافعة لمضار ما يغني عن تلك القصيرة المانعة مما هو أكمل منها، والجالبة لمضرة تربي عليها تربي عليها.

قال: وهذا سكر جسماني. طيب هذا السكر الجسماني بس أعطاك فلسفته، الآن بدنا نروح على السكر الروحاني.

قال: ومن السكر ما يكون بحب الصور، إما النساء وإما الصبيان، فانه إذا استحكم الحب وحصل للمحب اتصال فقد يسكر كما قال...

الآن من أشكال السكر الروحاني أو النفساني -ما أعرف شو بيسموه- السكر بالتعلق بالنساء؛ بتحب وحدة، كل ما تشوفها بتفصل تمام، كل ما تشوفها بتفصل، بقول لك هذا سكر نفساني، أنه شدة تعلقك وولهك بصورة معينة، وترى هذا واقع، لأنه لما يفصل بيصير يدفع لها مصاري، بتحكي: إذا هذا صاحي ولا نايم؟ وشاري لها سيارة، وشاري لها كذا، وحق السيارة 300,000 وكذا، فبتعرف أن هذا لا هذا فاصل، هذا عقله مش معاه، لأنه لو كان صاحي ما بعطيها 20 دينار، هو الآن فاصل فعم بعطي، أعطيها 100,000 و200 و500,000.

تمام، فأنت فعلا السكر النفساني بخليني الإنسان يتصرف تصرفات المجانين، ويفعل في بذل المال والحياة والطعام والشراب أفعال تقول: هذا لا يمكن يفعل عاقل.

نعم كما قال بعضهم: سكران سكر هوى وسكر مدامة فمتى أفاق من به سكران هذا واحد سكران بالعشق وبالخمر المدام الخمر قال هذا كيف بده يصحى.

نعم قال: ووقت الجماع ينقص تمييز أكثر الناس أيضا، وهو مبدأ سكر.

نعم قال: ومن السكر أيضا ما يكون بحب الرئاسة والمال، أو شفاء الغيظ. هذا انتبهوا له، هناك سكر شفاء الغيظ؛ أنه لما أنت تكون حاقد على شخص معين، حقدك لما يوصل لمرحلة كبيرة بخليك تفصل، فبتصير تفعل أي شيء، يعني حتى -سامحوني- في البيئات الدعوية أحيانا والجماعات، أنك في شيخ بتحسه راكز، بس في مقام معين تقول: الشيخ واضح أن كل هذه التصرفات هي مش نمطه، مش هو مش في حالته الطبيعية، فتعرف ساعتها أنه لا، في واضح نوع من السكر عنده، بس هذا مش سكر طبعا جسماني، سكر نفسي؛ أن شدة غيضه على مخالفه بتخليه مثلا يصرخ صراخ غير طبيعي، يتحرك حركات مش حركات إنسان سوي، مع أني أنا بعرف والله هذا الشيخ أو الداعية أو كذا في الوضع الطبيعي لا يعني راكز كذا بيحكي كلام.

أرى أنه يتكلم كلاماً خارجاً عما يُعرف من حاله، فتعرف أن عنده بدايات من السكر سببها شدة الغيظ على مخالفيه والحسد. شوف شدة الحسد، شدة الغيظ، شدة حقنك على شخص تجعل تصرفاتك تخرج عن تصرفات الأسوياء؛ ونوع من السكر.

قال: «فإنه إذا قوي ذلك أوجب سكراً». وإنما كانت هذه الأشياء قد توجب سكراً لأن السكر شبيه بما يوجب اللذة القاهرة التي تغمر العقل، وسبب اللذة إدراك المحبوب. مرت معنا كثيراً، والسبب -كما يذكر ابن تيمية في الغلط الذي دائماً يحكيه- أن اللذة ليست هي إدراك المحبوب، بل اللذة هي ثمرة إدراك المحبوب بعده في العبودية وغيرها من الرسائل. فيقول لك: إذا كانت اللذة نتيجة، فما سببها؟ أني أدركت ووصلت إلى شيء يلائمني، فإدراكي لشيء يلائمني يثمر لذة في حياتي.

قال: «فإذا كانت المحبة قوية، وإدراك المحبوب قوياً، والعقل والتمييز ضعيفين، كان ذلك سبباً للسكر». فإذا كانت المحبة قوية والعقل ضعيف، سينتج سكر. وضعف العقل تارة يكون من ضعف نفس الإنسان بالمحب، وتارة يكون من قوة السبب الوارد. ويكون ضعف العقل أحياناً من نفس شخصية هذا الإنسان، وأحياناً يكون السبب الوارد من الخارج هو الذي عمل له ضعف عقل، مثل يوم القيامة؛ تجد ناساً عقلاء لكنهم صاروا سكارى لأن هناك سبباً وارداً من الخارج وهي أهوال يوم القيامة.

قال: «ويحصل من السكر للمبتدئين في إدراك الرئاسة والمال والعشق والخبر ما لا يحصل لمن اعتاد ذلك وتمكن عليه». يعني الإنسان أول مرة يعشق فتاة، أو أول مرة يشرب خمراً، يفصل بسرعة؛ لأنه الوارد شديد عليه وتفاجأ بقوته. أما الذي اعتاد الحرام، فتصبح الأمور بالنسبة له عادية، قد ترى النساء أمامه عاريات ولا يشعر بزوال عقله؛ وهذا ليس شيئاً إيجابياً، لكنه يدل على أنه اعتاد واستمر على الغلط، فلم يعد الوارد شديداً عليه، بخلاف الشاب البعيد عن الحرام الذي فجأة يجري عليه وارد قوي فيفصل ولا يتحمل قوة المشهد.

قال رحمه الله: «فصل، ومن أقوى الأسباب المقتضية للسكر سماع الأصوات المطربة من وجهين». ولذلك سألتم عن مشكلة سماع الأغاني أو الأناشيد؛ أحياناً بعض الأصوات المطربة الناعمة الرقيقة أو المؤثرة تعمل حالة من السكر تجعل العقل يضعف وتشتغل على العاطفة، فتتوقف عن رؤية الواقع كما هو. تحس أنك انتصرت ووصلت لنهاية المعركة، بينما أنت لا تزال في نفس الشبر الأول، وما زال العدو فوقك، لكن الأنشودة نقلتك إلى مقام بعيد وأحلام، وكأننا حكمنا العالم!

ما الذي جعله يعيش أجواء الانتصار وهو في مكانه لم يتحرك شيء؟ كما قال: إن الأصوات المطربة تصنع نوعاً من السكر، وهو ذهاب العقل وخفته. سبحان الله، في المعازف أحياناً من يسمعها يبدأ بالتحرك وعمل حركات بيديه ورجليه دون أن يشعر. ولذلك نجد حتى الكثير من النساء -وسامحوا أخواتنا- أن خفة الرقص الشديد تجعل المرأة الوقورة الرزينة مع الصوت المطرب تفصل، وتدخل في حالات من التخلع.

تعرف أن الصوت المطرب يحصل ميلاً للإنسان نحو حركات اليد والجسد، وتجعله يخف عن مستواه الطبيعي. والمرأة لأنها أميل للأصوات المطربة، تظهر منها حركات الجسد أكثر، وكلما ازدادت الحركات تخلعاً، عرفت أن خفة العقل ازدادت. لذلك كان مشايخنا يتكلمون أن الرقص الذي كانت تعرفه نساء العرب قديماً ليس هو الرقص المعروف حالياً؛ الرقص الذي كانت تعرفه النساء العرب الوقورات هو مجرد حركات اليد الخفيفة، أما ما يحصل اليوم من الحركة الشديدة فليس مما تعرفه العرب، بل البعض كان ينهى عنه ويقول هذه من خفة العقل، وليس من الشيء الذي يمدح. البعض قد يعتقد أنه من ممارسة أنوثة المرأة، لا، بل هناك حد معين، وقد أصبحنا نقلد الغرب في التخلع، فأصبح نوعاً من السكر الزائد في الحركات، وليس هو الحد المقبول للمرأة المتزنة.

حتى لو كان الأمر في إطار الزوج، فلي حد معين بحيث لا تخرج عن كامل الوقار. هذا التخلع دخل علينا من الغرب وليس وليد الحالة الإسلامية العربية الأصيلة التي فيها المحافظة على المروءة والهيبة. لقد أصبح هذا كله لشدة دخول المعازف بقوة، فالمعازف اليوم أصبحت شيئاً مرعباً في تطورها.

قال: «من وجهين؛ من جهة أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل، ومن جهة أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها كائناً ما كان، فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع ما قد تخيل المحبوب وتصوره لذات عظيمة تقهر العقل، فتجتمع لذة الألحان والأشجان». ولهذا يقرن سماع الألحان بشرب الخمر؛ كان السكر عندهم إما شراب الأجسام، وإما شراب النفوس، وإما شراب الأرواح، وهو ما يقترن بالصوت من الأقوال التي فيها ذكر الحب والمحبوب وأحوالهما.

فإن سماع الأقوال شراب وغذاء وقطع للقلوب، فيجتمع سماع الحروف الطيبة والأصوات الطيبة، فيكون ذلك أقوى مما إذا انفرد أحدهما؛ مثل سماع كلام يطيب للمستمع بلا أصوات ملحنة. قال: «مثل من يناجي بحديث لحنه أو يجهر به جهراً قريباً، ومثل سماع أصوات طيبة لا حروف فيها، كأصوات الطيور، أو خرير الماء». هذه لا تعمل انفصالاً لأنه لم تجتمع أشياء كثيرة.

قال: «وأصوات الآلات المصنوعة من العيدان والأوتار والشبابة، والصوت الذي يلحنه الآدمي بلا حروف، والصوت الذي يلحنه...»

الأدمي بلا حروف ونحو ذلك، فأما إذا اجتمع هذا وهذا فهو أقوى ويؤثر في النفوس تأثيرًا عظيمًا كتأثير الخمر أو أشد. فصل: إذا تبين هذا فاعلم أن اللذة والسرور أمر مطلوب، بل هو مقصود كل حي، وكونه أمرًا مطلوبًا ومقصودًا أمر ضروري من وجود الحي، وهو من المقاصد والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادئ والمقدمات؛ من المعلوم بالضرورة ومن البدايات أن كل إنسان يبحث عن السعادة.

هذه الخلاصة من البديهيات النفسية التي لا يحتاج الإنسان أن يغارط نفسه فيها؛ أن كل واحد فينا يبحث عن اللذة والسعادة. فإن الإنسان، بل وكل حي، له علم وإحساس وله عقل وإرادة، فعلمه لا يجوز أن يكون كله نظريًا استدلاليًا يقف على الدليل، بل لا بد له من علم بديهي أولي؛ لأنه لو وقف كل علم على علم آخر لزم الدور أو التسلسل. فإنه إذا توقف العلم الثاني على علم أول، فإن الأول إذا توقف على ذلك الثاني بحيث لا يكون إلا بعده لزم الدور، وإن توقف على شيء قبله قبل ذلك الأول لزم التسلسل.

فلا بد من علم أول يحصل ابتداءً بلا علم قبله، ولا دليل ولا حجة ولا مقدمة، وذلك علم بداهة النفس وابتدأ فيها، وهو أول فيسمى بدهيًا، لذلك سمي بدهيًا لأنه بده النفس، ومن نوع ما تضطر النفوس إليه فيسمى ضروريًا؛ فإن النفس تضطر إلى العلم تارة وإلى العمل أخرى.

استطرد شيخ الإسلام يريد أن يقول لك إنه كل نفس تبحث عن السعادة، فإذا قلت له دلل لي، قال: أنا لا أدلل عليها، هي من المعلوم بالضرورة من البديهيات. ثم استطرد ليقول إن هناك أشياء في الإنسان لا يحتاج أن يستدل عليها لأنها بديهيات وضروريات، وفي أشياء لا، هي نظرية استدلالية يحتاج أن يبحث عنها. وطبيعة الكائن الحي هذا الإنسان أن كل العلوم النظرية لا بد أن تعود في النهاية إلى بديهيات ضرورية لا يستدل عليها؛ لأن كل جملة وكل شيء في عقلك سيستدل عليه سيؤدي إلى التسلسل العقلي أو إلى الدور، وكلاهما ممنوع.

وكما أن هناك ضروريات علمية تنشأ مع الإنسان، كذلك ضروريات عملية؛ وذلك العمل الاختياري الإرادي له مراد، فذلك المراد إما أن يراد لنفسه أو لشيء آخر، ولا يجوز أن يكون كل مراد لغيره؛ لأنه إن كان الذي قبله دائمًا لزم الدور، وإن كان الذي بعده دائمًا لزم التسلسل، فلا بد من مراد مطلوب محبوب لنفسه. فإذا حصل المحبوب المطلوب المراد، فاقتران اللذة والنعمة والفرح والسرور به على مقدار قوته، على مقدار محبته وإرادته وقوته في نفسه، أمر ذوقي وجودي ضروري.

بالتالي الإنسان يعمل، وكل عمل يطلب به الوصول إلى شيء، والأشياء التي تريد الوصول إليها إما أشياء مطلوبة لنفسها وإما مطلوبة لغيرها، فإذا وصلت إلى المطلوب لنفسه فمن الطبيعي أن الشيء الذي أردته حتى وصلت إليه أن يحدث ذلك عندك شيء بدهي ضروري؛ وهو اللذة. فلذلك قال: «فإذا وصلت إلى المطلوب فحصول اللذة عند ذلك هو أمر ذوقي وجودي ضروري لا يناقش فيه عاقل».

ولهذا غلب على كلام العباد الصوفية -أهل الإرادة والعمل- استعمال أسماء كأنهم جماعة الذوق؛ فالشهوة والإرادة والمحبة والطلب ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، إذا تعقبها الذوق والوجد والإدراك والوصول والنيل والإصابة ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، تعقب ذلك النعمة والسرور والطيب ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة. فإن جنس اللذة يتعقب إدراك الملائم المطلوب، وليس هو إدراك الملائم نفسه؛ لأن هذه أنكرناها كما يعتقد بعض الفلاسفة والمتكلمين، فاللذة تحصل عقب إدراك الملائم وليست هي نفس الإدراك.

وكما غلب على أهل التصوف والعبادة ذكر ذلك، وغلب على كلام العلماء والمتكلمين -أهل النظر والبحث والكلام- أهل البديهة والنظر والضرورة والدليل والاستدلال. يريد أن يقول لك إنه هناك أمور كثيرة لا تطلق في علم الكلام وهناك أمور تطلق في علم التصوف؛ ففي علم التصوف يطلق: محبوب وحب وإرادة وذوق ووجد، وفي علم الكلام: دليل واستدلال ونظر. كل علم له مصطلحاته ومفرداته، وكل واحد من هذين الأمرين تحته أجناس وأصناف، بعضها حق وبعضها باطل. ففي التصوف عباراتهم هذه ذوق ووجد، بعضها صح وبعضها غلط، ونفس الشيء في علم الكلام في عبارات النظر والاستدلال، بعضها صح وبعضها خطأ.

فلهذا وجب اعتبار ذلك جميعًا بالكتاب والسنة. والمقياس كيف يكون لمعرفة الخطأ من الصواب والعودة للكتاب والسنة؟ قال: فخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ. ولهذا كان أئمة الهدى -ممن يتكلم في العلم والكلام أو في العمل والهدى والتصوف- يوصون باتباع الكتاب والسنة وينهون عما خرج عن ذلك كما أمرهم الله والرسول، وكلامه في ذلك كثير ومنتشر. إذا عرفنا لماذا كان الشيوخ الصوفية يأمرون بضبط معاني الذوق والوجد والحب بمعاني الكتاب والسنة؛ كما حكينا قبل قليل: "ولا تخرجوا عن العلم الشرعي"، لأن العلم الشرعي يضبط لك معيار الميزان: ما هو المعنى الصحيح للذوق، وما هو المعنى الفاشل.

وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تُذم إذا أعقبت ألمًا أعظم منها. الآن إذا كانت اللذة أو السعادة مطلوبة للإنسان ويبحث عنها، متى تذم هذه اللذة أو السعادة؟ إذا كانت تورث بعدها ألمًا أعظم، أو شرًا أعظم، أو منعت من لذة أفضل منها. وتُحمد هذه اللذة والسعادة إذا أعانت على اللذة المستقرة، وهو نعيم الآخرة؛ إنما الاستقرار لا يكون إلا في الجنة التي هي دائمة عظيمة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ تَبْطَؤُ عَيْنَاهُ ۚ يَأْتِيهِ أَخَوَهُ مِن بَعْدِ أَن تَأْكَأَ عَيْنُهُ ۚ وَلَأَصْبِرَنَّ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 96-97]، ولأن أجر الآخرة مستقر. أما الدنيا فزائلة، وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 17]. إنما تُقضى هذه الحياة الدنيا، والله خير وأبقى. فإذا كانت اللذة الدائمة المستقرة هي فقط الجنة، فكل لذة في الدنيا أعانت على الوصول إليها فهذه لذة محمودة، وكل لذة في الدنيا حرمتك من الوصول إلى الجنة...

أضاعت فرصة فهي لذة مذمومة. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [الغاشية: 10-11]. إنما خلق الخلق لدار القرار وهي الجنة، فأما الدار الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو ولا تدوم أبدًا، بخلاف الآخرة فإن لذاتها ونعيمها صافٍ من الكدر، دائم غير منقطع، ليس فيها حزن ولا نصب ولا لغوب، وأهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتنفسون من ما يشنفسهم.

هذا المعنى الذي قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار». فإذا عُرف أن لذات الدنيا ونعيمها إنما هي متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، وكذلك خُلقت، فكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهو مما أمر الله به رسوله، ويثاب على تحصيل تلك اللذة بما يؤوب إليه منها من لذات الآخرة التي أعانت هذه اللذة الدنيوية على تحصيلها.

ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه، ما دمت تقصد بها وجه الله، ولباسه ونكاحه وشفاء غيظه بقهر عدوه في الجهل في سبيل الله، بل ولذة علمه وإيمانه وعبادته وغير ذلك، ولذات جسده ونفسه وروحه من اللذات الحسية والوهمية والعقلية. وكل لذة أعقبت ألمًا في الدار الآخرة أو منعت لذة الآخرة فهي محرمة، مثل لذات الكفار والفساد في الأرض، والعكس: كل لذة أعقبت ألمًا أو منعت لذة في الآخرة فتكون لذة محرمة، مثل لذات الكفار بعلو في الأرض وفسادهم، مثل اللذة التي تُحصد بالكفر والنفاق، كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ولذة العقائد الفاسدة وعباداتهم المحرمة، ولذة انتصارهم على المؤمنين الصالحين وقتل النفس بغير حق، والزنا والسرقة؛ هي اللذة التي يراها نتنياهو وغيرهم اليوم، هذه كلها من اللذات المحرمة التي مالها إلا الفساد.

وأما اللذة التي لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألمًا، هي اللذة المباحة التي لا تنتج ألمًا ولا تنتج سعادة في الدار الآخرة، فهذه لذة تُعتبر عندنا في النظر الإسلامي -وإن لم تكن حرامًا- أنها لذة باطلة؛ «كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل»، حتى ولو لم يكن حرامًا. إذ لا منفعة فيها ولا مضرة، وزمانها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر، وهي لا بد -حتى ولو كانت مباحة- أن تشغلك عما هو خير منها، وإن لم تشغل عن أصل اللذة في الآخرة لكنها ضيعت شيئًا من وقتك. وهذه اللذة المباحة هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: «إن الرجل ليلهو، فلا ينفع به ولا يضر»، أو كما ورد في معناها.

وكقوله لعمر لما دخل عليه وعنده جواري: «إن هذا رجل لا يحب الباطل». كيف النبي ﷺ معقول يسمع الباطل؟ هو مش قصده بالباطل الحرام، قصده بالباطل المشغل الذي لا يعين على اللذة. ركزوا في هذه الفلسفة: بعض اللذات المباحة التي نحن نعتبرها من الباطل لكنها ليست محرمة، أحيانًا تكون مطلوبة؛ لبعض الأجناس من النساء أو الصبيان أو الشباب الذين همتهم ضعيفة، حتى تعينهم بها على لذات الحق.

هذا الكلام يعني أن بعض الناس يقول لك: خلص، لذات باطل إذا ما بدي أفعلها أبدًا، لا، أنت أحيانًا مضطر تفعلها حتى تستصلح النفس للذات الحق. ولكن ما عُني بالمقصود من الجهاد والنكاح فهو حق، وأما ما لم يُعنَ فهو باطل لا فائدة فيه، ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يُحرم ولم يُنهَ عنه، ولكن قد يكون فعله مكروهًا لأنه يصد عن اللذة المطلوبة؛ إذ لو اشتغل الله حينها بما ينفعه ويطلب له وهذه المقصودة لكان خيرًا له.

والنفوس الضعيفة كنفوس الصبيان والنساء قد لا تشتغل بما هو خير منها، بل يكون التقرب إلى الله، فيكون تمكينها من باب الإحسان إليها والصدقة عليها كإطعامها وإسقائها. فلهذا قال النبي ﷺ: «إن بعض أنواع اللهو من الحق»، وكان الجواري الصغيرات يضربن بالدف عنده، وكان ﷺ يمكنهن من عمل هذا الباطل بحضرته إحسانًا إليهن ورحمة بهن، وكان هذا الأمر في حقه من الحق المستحب المأمور به؛ لأنه وسيلة إلى الحق من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كان في الأصل من اللهو الباطل.

وإن كان هذا الأمر في حقهن من الباطل الذي لا يؤمر أحد سواه به، كما كان إعطاؤه المؤلفة قلوبهم مأمورًا به في حقه وجوبًا أو استحبابًا، وإن لم يكن مأمورًا به لأحد، كما كان مزاحه مع من يمزح معه من الأعراب والنساء والصبيان تطيبًا لقلوبهم وتفريحًا لهم، مستحبًا في حقه يثاب عليه وإن لم يكن أولئك مأمورين بالمزح معه ولا منهيين عن ذلك.

فيمكن أيضًا فهمها بهذه الطريقة: أنه يقصد بالنسبة لفعل النبي ﷺ لهذا الأمر أنه سيكون حقًا في حقه ﷺ أنه يستصلح به الناس، وإن كان هم أنفسهم مش مطلوب منهم ذلك أن يفعلوه، لكن هو في حق الداعية إلى الله يكون حقًا؛ أن مثلاً تمازح الصغار من باب أنك تستصلحهم به. فالنبي ﷺ يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما تألفها بها على الحق المأمور، ويكون المبذول مما يلتذ به الأخذ ويحبه، لأن ذلك وسيلة إلى غيره.

صلى الله عليه وسلم، ذلك مع من لا يحتاج إلى ذلك، مش كأن بعض الناس نكلهم إلى ما في قلوبهم من الإيمان، كالمهاجرين والأنصار، بل بذل لهم أنواعًا أخرى من الإحسان والمنافع.

دينهم وعمر لا يحب هذا الباطل ولا يحب سماعه، وليس هو مأمورًا ذاك من التأليف بما أمر به النبي ﷺ حتى تصب نفسه على السماع، فكان إعراض عمر عن الباطل كمالًا في حقه، وأما في حق النبي ﷺ فكان كمالًا، ولعله لذلك يقول، إن البعض يقول: كيف النبي ﷺ يسمع الباطل؟ له حق في حقه ﷺ لأنه يستصلح به الناس.

قال: ومحبة النفوس للباطل نقص، لكن ليس كل الخلق مأمورين بالكمال، ولا يمكن ذلك فيهم، فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة لم يحرم عليهم ما لا يمنعهم من دخولها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كم من الرجال...» ولم يكن من النساء إلا الآباء، هذا مع العلم بأن الجنة يدخلها كثير من النساء، والرجال أكثر من الذين كملوا من الطائفتين.

قال رحمه الله: فصل، فإذا تبين أن السكر مؤلف من أمرين: وجودي وهو اللذة، وعدمي وهو عدم العقل والتمييز. وقد تقدم الكلام على اللذة، وإن جنسها لا يذم إلا لمعارض راجح من فوات منفعة أو دخول مضرة، فتُحمد إذا كانت مقصودة أو معينة على المقصود. وأما الوصف الآخر وهو عدم العقل والتمييز، فهذا لا يُحمد بحال من جهة نفسه.

نعم، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ مدح وحمد لعدم العقل والتمييز، بل قد مدح الله العلم والعقل والفقه ونحو ذلك في غير موضع، وذم عدم ذلك في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] إلى آخر الآيات التي امتدح الله بها العلم.

فإذا تبين أن جنس عدم العقل والفقه لا يُحمد بحال في الشرع، بل يُحمد العلم والعقل ويؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، ولكن من العلم ما لا يؤمر به الشخص نوعًا.

سؤال: هل هناك أنواع من العلوم والمعقولات لا تُمدح عليها؟ قال: ولكن من العلم ما لا يؤمر به الشخص نوعًا أو عينًا؛ إما لأنه لا منفعة فيه له، أو لأنه يمنعه عما هو أولى به، وقد يُنهى عنه إذا كان فيه مضر له. بعض العلوم قد تضر عينًا من الناس وإن كانت لا تضر صدًا، وذلك أن من العلم ما لا تحمله عقل الإنسان فيضره، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتُحبون أن يُكذب الله ورسوله؟».

وقال عبد الله بن مسعود: «ما من رجل يحدث قومًا بحديث لا تبلغ عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم». ومن الكلام ما يسمى علمًا وهو جهل، مثل كثير من علوم الفلاسفة وأهل الكلام، هي ليست علومًا. قال: والأحاديث الموضوعة هو تقليد فاسد، وأحكام النجوم، ولهذا روي: «إن من العلم جهلًا، ومن القول عيًا، ومن البيان سحرًا».

ومن العلم ما يضر بعض النفوس لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب والمال للفاجر. ومنه ما لا منفعة فيه لعام الخلق، مثل معرفة دقائق الفلك وثوابته وتوابعه الذي لا فائدة منه. فمثل هذه الوجوه يذم العلم بكونه إما ليس علمًا في الحقيقة وإن سماه أصحابه علمًا، وهذا كثير جدًا، أو يكون هو علم مفيد لكن يعجز هذا الإنسان بعينه عن عمله، أو يدعوه ويعينه على ما يضره أو يمنعه عما ينفعه.

وقد يكون في حق الإنسان لا محمودًا ولا مذمومًا، هذا كله في جنس العلم؛ إذ هناك علوم تضرك، وهناك علوم تنفعك، وهناك علوم مباحة. وكذلك القوة التي بها يعلم الإنسان ويعقل وتسمى عقلًا، فهذه لا يحمد عدمها أيضًا، إلا إذا كان بوجودها يحصل ضرر.

سؤال منطقي: متى يكون العقل بكونه مذمومًا؟ الأصل وجود العقل ممدوح إلا إذا كان في وجوده ضرر عليك. والآن سيذكر مثال جميل وله تطبيقات كثيرة، قال: فإن من الناس من لو جن لكان خيرًا له، فإنه يرتفع عنه التكليف، وبالعقل يقع في الكفر والفسوق، يعني هو عاقل مصحصح يعمل كفرًا وفسوقًا، هذا إذا جن يصير أمره أحسن، فإنه يرتفع عنه التكليف.

فإن العقل قد يراد به القوة الغريزية في الإنسان التي بها يعقل، وقد يراد به نفسه أن يعقل ويعي؛ هي كلمة العقل لها إطلاقات كثيرة، يطلق على الآلة التي يتعقل بها عقل، ويطلق أيضًا على نفس المعلومات التي عندك عقل. فالأول إطلاق العقل على الغريزة، نُسب إلى أحمد أنه قال: «العقل غريزة». والثاني قول طائفة من أصحابنا أن العقل هو يطلق على بعض العلوم الضرورية.

قال: وكلاهما صحيح، فإن العقل كالبصر في العين، يراد به الإدراك تارة، ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الإدراك تارة. فكل واحد منهما له قوة، ولكل منهما قوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا تجد المشايخ الأصحاء من الصوفية يوصون بالعلم ويأمرون باتباعه، كما تجد الأصحاء من أهل العلم.

فصل: فهكذا زوال العقل بالسكر هو من نوع زواله بالإغماء والجنون ونحو ذلك، فهذا لا يؤمر به المؤمنون بحال ولا يحمد منهم، وإن حصل لهم مع ذلك ذوق إيماني ووجد عرفاني.

فإذا هو يريد أن يصل للسكر الصوفي؛ هل السكر الصوفي وزوال العقل المطلوب؟ هذه خلاصة ما نريده، فنحن نقول: لا، هذا مش مطلوب. حتى لو حصل معه ذوق إيماني ووجد عرفاني، مش مطلوب أن تصل لمرحلة من السكر الصوفي أن يزول عقلك. نعم، قال: وإن حصل لهم مع ذلك ذوق إيماني ووجد عرفاني، كما هو مما هو محمود به، فذاك هو المحمود لا عدم العقل. نعم، حصول الحالة الإيمانية مطلوب، بس أن يزول عقلك هذا نحن لا نريده. ولهذا لم يكن في الصحابة السكر الروحاني الصوفي؛ هذا ما كان موجوداً في الصحابة أن يزول عقلهم عند سماع القرآن أو السنة، ويصير عنده حالة من الدروشة لا عند سماع القرآن ولا عند غيره. ولا تكلم الأولون من الصوفية الأوائل بالسكر، وإنما تكلم بطائفتهم متاخرو الصوفية، صار يحصل له نوع سكر بما في قلوبهم من الذوق والوجد مع سقوط التمييز والعقل.

ويفرقون بين الصحو والسكر، والسكر لهؤلاء هو من جنس الإغماء والغشي الحاصل عند السماع الصوفي الذي حدث في بعض التتابعين من البصريين وغيره. فإن السكر والإغماء والغشي كلها هي أشكال من أشكال زوال العقل والتمييز، لكن في هناك هم يفرقون في علم التصوف بين السكر والإغشاء. الإغشاء هو نوع من الإغماء، لا السكر، أنت صاحي بس يعني مش عارف شو أقول لك، مزهزه شوية، أو يعني مش مش مدرك تماماً.

طيب، لكن تفترق أسبابها وأذواقها؛ فقد يكون أحد الذوقين والوجدين عن محبة ولذة، وقد يكون عن خشية وألم، وقد يكون عن عجز عن الإدراك لفرط العظمة التي تجلت للإنسان كما وقع لموسى عليه السلام. قال: فهذه الأمور يجب أن يعرف أنها ليست كمالاً مطلقاً كالفناء، لكن يحمد ما فيها من الأمور المحمودة الإيمانية من ذوق أو وجد إيماني مشروع، أو محبة إيمانية، أو خشية إيمانية، ولا يحمد منها ما زاد على المستحب وما شغل عما هو أحب منه، ويذم منها ما تضمن ترك واجب من علم أو عمل أو فعل محرم. لكن إذا كان المذموم بغير تفريط من العبد ولا عن عدوان منه لم يذم؛ يعني إذا كان السكر خارج عن إرادتك غلب عليك، عاد: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

طيب، قال: وكما ذكرت مثل ذلك في قاعدة المجانين وعقلاء المجانين والمغلوبين في أحوالهم، ومن يسلم إليه حاله ومن لا يسلم إليه حاله، فإن السكر نوع من الغلبة، ويذم من لم يحصل له من هذه الأحوال ما يجب حصوله، كما ينقص من عدم منها ما يستحب حصوله، فهكذا يجب التفصيل في هذه الأحوال، والله أعلم.

قال رحمه الله: فصل: فقد تبين أن أحد وصفي السكر منفعة في الأصل والوصف الآخر إثم، كما قال تعالى عن الخمر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مَن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. وقد يقترن باللذة ما يمنع أن تكون مصلحة، إذا استعين بها على إثم وعدوان، كما يستعان بالأكل والشرب على الكفر والفسوق والعصيان. وقد يقترن بعدم العقل ما يمنع أن يكون مفسدة، إذا استعين به على ترك الإثم والعدوان. فالاصل حمد علم القلب وذوقه ولذته ما لم يشتمل على مفسدة راجحة، بل وذوق الجسم ولذته مع علم القلب وعقله؛ لأن هذه كلها خيرات، فإن العلم خير وذوق القلب خير واللذة به خير، لكن قد يعارضها ما يجعلها شرا.

وإذا لم يجتمع التمييز واللذة، بل إما صحو بلا لذة أو لذة بلا صحو، فقد يترجح هذا مرة وهذا تارة. فأما المؤمنون فالصحو خير لهم، فإن السكر يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، وكذلك العقل خير لهم لأنه يزيدهم إيماناً. وأما الكفار فزوال عقل الكافر خير للمسلمين؛ نعم، أما له فلأنه لا يصده عن ذكر وعن صلاة، فلا يصده عن الكفر والفسق، وأما للمسلمين فلأن السكر يوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيراً للمؤمنين. وليس هذا إباحة للخمر والسكر، ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما.

شوف هذا الكلام العظيم إخواني في السياسة الشرعية؛ الآن سيعطيك فتوى كثير نحن بنناقش فيها الإخوة نفهمهم، ونحاول نفهمهم أن آلة تطبيق الشريعه وتنزيلها على الواقع ليست دائماً هي آلة جامدة، بل هي تتلائم مع مصلحة الإسلام والمسلمين. فيقول: إنه أحياناً ترك الكفار يشربون الخمر ده من واقع معين، وأن يأخذوا أريحيتهم في هذا الموضوع قد يكون مصلحة للمسلمين. فأنا كمنطقة معينة أو كحاكم مسلم في منطقة معينة قد أغض الطرف عن بعض الكفار الذين يشربون الخمر؛ ليه؟ لأني أنا بدي اياهم يضلهم في لهوهم وعبثهم، لأنه لو صحوا رح يشتغلوا في الإسلام في المسلمين، ورح يشتغلوا في قتالنا وحربنا.

طيب، فيقول شيخ الإسلام: أليس هذا من إباحة الخمر؟ كيف أنت تخلي الكفار في منطقة معينة تحت حكمك يشربون الخمر ويدخلون في هذا؟ ايش يقول؟ هذا ليس من إباحة الخمر، بل هذا ما اسمه؟ دفع شر الشرين بارتكاب أدناهما. شوف هو ماذا افتى في التتار؟ قال: ولهذا كنت أمر أصحابنا أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم.

شيخ الإسلام ابن تيمية لما هجم التتار على بلاد المسلمين، كان يقول لأصحابه: اتركوا الخمر توصل لهم. يعني كانت الخمر تباع في دمشق والشام وما حولها، كان يقول لأصحابه: خلوهم يشربوا خمر، لا تقولوا لهم هذه... إنه التتار هم أصلاً كانوا بيحكوا أنهم مسلمين طبعا، فكان يقول لهم: لا تنكروا عليهم، هذول مجرمين خلوهم يشربوا الخمر. معقول شيخ الإسلام ابن تيمية يقول لهم خلوهم يشربوا الخمر؟ ماذا قال؟ قال: واقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد. قال: هذول إذا شربوا الخمر وسكروا، هذول بيقيدونا أنهم يسكروا، لأنهم إذا صَحُوا رح يقتلوا المسلمين، فخلوهم يسكروا؛ لأنه يعني هم، عفوا، لو بيستيقظوا رح يصيروا يصلوا ويصوموا ويذكروا الله، هذول إذا استيقظوا سيشيعون في المسلمين، فالمصلحة لنا كمسلمين كمجتمع أن يسكروا ولا ما يسكروا؟ أن يسكروا. طبعا هذا الكلام مين بيفهم هي العقلية في الإفتاء في دين الله سبحانه؟ واحد فقيه النفس يعرف ما هو المطلوب.

نعم، قال: ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وذلك مصلحة للمسلمين فصحوهم شر منسكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره. قال: فهذا في حق الكفار ومن الفساق الظلمة، من إذا صحا كان في صحوه من ترك الواجبات، واعطاء الناس حقوقهم، ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس والاموال ما هو اعظم من سكره، فانه اذا كان يترك ذكر الله والصلاه في حال سكره ويفعل ما ذكرته في حال صحوه لم يكن سكره شر من صحوه، واذا كان في حال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم يكن في شربه ما هو اكثر من ذلك. لذلك قال: بل يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره.

هذه قاعدة يا إخواني، بل يجب أو يستحب دفع شر المجرمين بالوسائل المتاحة، ولو كانت هذه الوسائل في أصلها معاصي؛ يعني لو كان في الأصل أنه يسكر، اه خليه يسكر؛ لأنه هذا إذا صحي رح يشتغل فيهم، يعني إذا صحي ما في فائده من أنه يصحى، مش أنه إذا صحي رح يعمل خير، يعني لو صحي ثلاث أحوال: يا بيعمل شر يؤذي المسلمين، يا مش رح يعمل شيء، يا إنه ايش رح يفعل خير. إذا مش رح يعمل شيء أو يفعل خير بمنع السكر، بس إذا عارف أن استيقاظه أسوأ لا، لا يجوز أن أخليه مستيقظاً، لا، خلي يعني يذهب في سكره.

نعم، قال: ثم إذا كان في سكره يمتنع من ظلم الخلق في النفوس والأموال والحريم، ويسمح ببذل أموال تؤخذ على وجه فيه نوع من التحريم ينتفع بها الناس، كان ذلك أقل عذابا ممن يصحو فيعتدي على الناس في النفوس والأموال والحريم، ويمنع الناس الحقوق التي يجب أداؤها. فالحاصل أنه تجب الموازنة بين الحسنات والسيئات التي تجتمع في هذا الباب وأمثاله وجوداً وعدماً، كما قررت مثل ذلك في قاعدة تعرض السيئات والحسنات، فإن السكر والصحو قد يكونان من هذا الباب.

وهذا السكر والصحو في الأذواق الإيمانية والمواجيد العرفانية؛ نعم في سكر في الأجساد وفيه ذكر في المواجد. طيب، قال: فمن السالكين من إذا حصل له سكر حصل له فيه منفعة وإيمان، وإن كان فيه من النقص وعدم التمييز مما يحتاج معه إلى العقل ما فيه، فيكون خيراً من صحو ليس فيه إلا الغفلة عن ذكر الله. يعني بعض السالكين يسكر في الذكر الإيماني، صح هو نقص، بس أحسن من حالة استيقاظه، إذا كان مستيقظ يكون دائما في غفله عن الله، فشكره الوجدي وإن كان ضعفاً، لكنه أنفع له من استيقاظه.

طيب، قال: ليس فيه إلا الغفلة عن ذكر الله وقسوة القلوب والكفر والفسوق والخيلاء ونحو ذلك من ترك الحسنات وفعل السيئات. وأما صحو المشتمل على العلم والإيمان وتذوق صاحبه طعم الإيمان ووجد حلاوته فهو خير من السكر بلا شك. فعليك بالموازنة في هذه الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة، حتى يظهر لك التماثل والتفاضل وتناسب أحوال أهل الأحوال الباطنة لذوي الأعمال الظاهرة، لا سيما في هذه الأزمنة المؤخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بسيئة في جميع الأصناف، لنرجح عند الازدحام والتمانع خير الخيرين، وندفع عند الاجتماع شر الشرين، ونقدم عند التلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها. فان غالب رؤوس المتأخرين وغالب الأمة من الملوك والامراء والمتكلمين والعلماء والعباد وأهل الأموال يقع غالباً فيهم ذلك.

أحسنت؛ يعني أن بعد الخلافة الراشدة، بعد الأزمنة الصالحة، عادة الجماعات والطوائف والحكام وعادة تتلازم عندهم الحسنات والسيئات، بمعنى أنه لا يفعل حسنة إلا إذا معها سيئة، فالآن شو أعمل؟ زي ما اخذنا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: انظر أيهما أولى.

لذلك شوف شو الفقرة الختامية الجميلة قال: واما الماشون على طريقه الخلفاء الراشدين فليسوا أكثر الأمة. تفهموا إخواني؛ لانه بعض الناس شوي مثالي حتى في الطرح السياسي هذا يقول لك يا اخي سبحان عمر بن الخطاب ايش كان يسوي! الذين يمشون على طريقه الخلفاء الراشدين، حتى من الدعاة والمصلحين، قلة جداً جداً. فالدعاة والمصلحون والاسلاميون، حتى الاسلامي لما يكون سياسي أو الاسلامي لما يكون كذا، ترى لا يعني لا تعتقد فيه أنه رح يكون عمر بن الخطاب ولا علي بن أبي طالب ولا عثمان بن عفان، لا تطلب فيه نموذج الخلفاء الراشدين، بل عادة ما يمكن أن نفعله بعد زمن الخلافة الراشدة أن نحصل خير الخيرين وندفع شر الشرين. أما أن تريد إعادة المجتمعات اليوم للمجتمعات بصورتها الجميلة الرائقة في زمن الخلافة الراشدة أنت واهم وستكسر المجتمعات.

مش انت واهم بس انت ستسبب لي كوارث؛ انه كل حاكم مسلم أو انسان ما عجبك طريقته في الحكم، يا ذا بيعمل زي عمر بن الخطاب؟ خلص، شباب اخرجوا عليه! لا، استفدنا. كل جماعة إسلامية مش على طريقة الصحابة الأوائل، هذول مش على طريقة الصحابة الأوائل، طيب شو الحكم؟ اقتلوه، ما في مشكلة! يعني هكذا لن يستقر لنا شيء، لا، بدك تفهم، كما قال شيخ الاسلام هي جمالية شيخ الاسلام الواقعية، أنه أنا بعد الخلفاء الراشدين ما بطالب بعمر بن الخطاب ولا عثمان بن عفان، لن يوجد؛ انتهى: «خيركم قرن، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، انتهت تلك القرون الجميلة.

الان، كما يقول ابن تيمية: نحن في زمن الاستصلاح؛ أفضل شيء موجود سقف الممكن نرضى به، ونحاول أن نصلح إلى أن نصل إلى ما أعلى منه، ضمن ما يكتبه الله عز وجل لنا.

نعم، قال: ولكن على هؤلاء الماشين على طريقة الخلفاء أن يعاملوا الناس بما أمر الله به ورسوله من العدل بينهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإقامة الحدود بحسب الإمكان. أحسنت، هؤلاء الدعاة المصلحين الذين هم فعلاً فاهمين طريقة السلف ويريدون إعادة الناس إليها، ماذا يقول لكم ابن تيمية؟ عاملوا الناس على قدر استطاعتكم، وأمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر على قدر الامكان. شوف كلمة الإمكان، حطها حتى 15 خط: أصلح على قدر ما يمكن، ولا تحمل الناس فوق طاقتهم، ولا تعافس الأقدار بطريقة تسبب فيها أشلاء ودماء وحروب وفتن واقتتال؛ بس لانه الناس مش واصلة للسقف اللي كان في زمن عمر بن الخطاب، ما هو مش رح توصل، لا؛ لأنه في بعض المجتمعات والمنكرات في البلد، ما هو مش رح نرجع لزمن الخلافة الراشدة، بدك تفهم هذا الواقع. أصلح على قدر الموجود، وراعي ما الناس مقبلون عليه. لو أنك أدخلت الناس في فتنو ومعارك، ماذا سنشتري؟ في أتون التكفير وكذا، كثير من الأمور نحن رأينا، عفوا، عواقبها في الواقع المعاصر؛ ملايين الشهداء، ملايين السجناء، ملايين المهجرين، ملايين كذا؛ فكل شيء يجب أن يكون محسوب النتائج والعواقب.

كمل، قال: إذ الواجب هو الأمر بمعروفه وفعله.

ونهي عن المنكر وتركه بحسب الإمكان، فإذا عجز أتباع الخلفاء الراشدين عن ذلك، قدموا خير الخيرين حصولاً، وشر الشرين دفعاً، والحمد لله رب العالمين.

قال رحمه الله، فصل: قال الله تعالى لما أهبط آدم ومن معه إلى الأرض: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38-39]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123-124].

فأخبر سبحانه بنعمته على بني آدم بما أنزله من اللباس الذي يواري سوآتهم من الريش، وانزاله له كما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25]، وأنزل لكم من الأنعام.

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء».

قال: وأخبر سبحانه أن لباس التقوى خير من هذا اللباس، كما خير من اللباس الحسي، نعم، كما قال لما أمرهم بالزاد فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ زَادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، فهما لباسان وزادان.

ثم قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتَنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27]، فنهى بني آدم، نعم، فنهى بني آدم أن يفتتنوا بفتنة الشيطان كما فتن أبويهما؛ وذلك بمعصية الله وطاعة الشيطان في خلاف أمر الله ونهيه، وأنه لما نزع عن أبوي لباسهما، فكذلك قد ينزع عن الذرية لباس التقوى ولباس البدن ليريهما سوآتهما.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27].

ثم صارت شيخ الإسلام ابن تيمية الآيات التي تتكلم عن جهود الشيطان في صد الناس عن عبادة الله، ومنها الآية الأخيرة التي بده يعلق عليها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28].

فقولهم، نعم، قال: فقولهم «والله أمرنا بها» يقتضي أنهم متدينون بها، يرونها عبادة وطاعة، يعني بيفعلوا معاصي ويتدينون بها، كما كان مشرك العرب يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها إلا الحمس، هم قرشيون فكانوا يطوفون في ثيابهم باعتبارهم يعني الطبقة المثقفة، وكان غيرهم قد يطوف في ثياب أحمسي، يعني يا بتطوف في ثياب القرشيين يا بتطوف بالبيت عاري، ويجعلون العري عبادة مع أنه فحشاء، وهذا أصلاً سبب نزول الآية قيل وهو الطواف بالبيت عراة.

نعم، قال: إلا طاف عرياناً حتى كانت المرأة تطوف عريانة وربما سدر فرجها بيدها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بد منه فلا أحله.

وكان من طاف في ثيابه من الحمس ألقاها فسميت لقى وحرمت عليه، وكانوا أيضاً في الإحرام لا يأكلون من الدهن الذي في الأنعام.

ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كان القرشيون إذا واحد طاف في ثوب يلقي هذا الثوب ويسمى هذا الثوب بعد ما يلقى لقى ويقول بعد ذلك: وقال وحرمت عليه هذه الثياب ما يلبسها مرة أخرى.

ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وغزا تبوك أنزل الله براءة، وأمره الله بالبراءة إلى أهل العهد المطلق من الشرك من الشرك وبسيرهم في الأرض أربعة أشهر، وقال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميراً على نعم القصة الطويلة وكيف نادى في العام: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، هذا موطن الشاهد أنه كان من الأمور التي حرمها الإسلام الطواف عراة.

فكان أولياء الشيطان إذا فعلوا هذه الفاحشة وهي إبداء السورات في الطواف يحتجون بأمرين؛ بالتقاليد والعادات، وب والعياذ بالله ينسبون إلى الله أنه هو الذي أمرهم بالطواف عريانين، والله عز وجل قال: إن الله، قل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]، النفي الثاني، أما الأول إلى عادات وتقاليد هذا صح أنتم عن آبائكم.

قال: فإن الفاحشة قبيحة منكرة تنكرها القلوب بفطرتها، والله لا يأامر بمنكر، وهذا يقتضي أن الأفعال القبيحة السيئة تكون على صفات تمنع على صفات تمنع معها أن يأمر الله بها، وفي هذا نزاع معروف بين الناس بيناه في غير هذا الموضع.

ثم قال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]، أي أتقولون إنه أمر بهذا وأنتم لا تعلمون أنه أمر به؛ إذ ليس معكم إلا عادة آبائكم ودينكم.

قال: وانتم لا تعلمون أن الله أنزل به هذا سلطاناً، فهذه الآية يدخل فيها كل من تعبد بفاحشة وأمر بمنكر وإن احتج بالعادة التي بسلفه، أو زعم أن الله يأمر بذلك، أو لما يذكره من الأسباب كقول المشركين العرب: هذه الثياب عصينا الله فيها فلا نطوف له فيها، ويريدون وقت العبادة أن يجتنبوا ثياب المعصية، وكذلك تقسيمهم الناس إلى حمص وغير حمص، وإباحتهم الحمص ما يحرم على غيرهم، هذا كله من اللعب، من الطعام، وعدم دخول البيوت المنقوبة في الإحرام من أبوابها، وإسقاطهم عن الحمس الإفاضة من عرفة بالإفاضة من مزدلفة، فمن هذا الباب ما يدعي قوم من أشرف بني هاشم ومن يزعمون أنهم منهم لموافقتهم لهم على رأي كالتشيع أنهم مختصون به في العبادات والمحظورات، فهذا نظير مكانة الحمس.

هذا بعض الشيعة الذين حصلوا بعد ذلك كانوا يعتقدون أنفسهم لهم خصائص، قال: هذا أنتم فعلتم كما فعلت كفار قريش، خصت أنفسها بخصائص ما أنزل الله بها من سلطان.

ومن هذا الباب أيضاً -وهذا موطن الشاهد يعني- هو ما تفعله بعض الصوفية من التعبد بكشف العورات أو ما شابه ذلك في سماعاتهم وحماماتهم ويقولون: والله هذه الطريقة توصلنا إلى الله وينسبونها إلى الله، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28].

وأبلغ من ذلك تعبد الطوائف من المتزهدة والمتعبدة والعياذ بالله بمعاشره النساء الأجانب والنظر إليهم يجعلون هذا طريقاً، هذا كله سبحان هذه هي استثارة القرآن في واقعك، أنه هو فعلوا ما فعل المشركون بالضبط، نسبوا إلى الله والعياذ بالله إشكالياتهم في المعاصي والذنوب، وهذا ابتداه المشركون الذين هم أولياء الشيطان الذين هم مشركون، كما ذكر ابن سينا في كتابه الإشارات وزعم أنه مما يعين على السلوك والتأله أي العشق العفيف، بقول لك يعني من الأشياء اللي بتدربك على حب الله أنك تبدا تحب امرأة أجنبية، محبتك لامرأة أجنبية بتبلش تدربك على ايش؟ إذا حب بقول لك هذه من التدريبات يعني التي ينصح بها ابن سينا.

ويذكر هو وطائفة، وهذا من النصارى أيضاً منه جانب قوي، وهم أيضاً قد ابتدعوا شركاً لم ينزل به الله سلطاناً، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دونِ اللَّهِ﴾ [التوب: 31]، ولهذا كثروا هذا في طوائف من الزهاد والعباد من هذه الأمة من المبتدعة الخارجة عن الشريعة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه، وإن كانوا من وجه آخر داخلين فيه.

يعني هو ابن تيمية يقول لك: أنا لا أكفر هؤلاء الزهاد والعباد على هذه المعاصي والذنوب، لكن هم في هذه المعاصي فيهم شعبة من الكفر وإن كانوا داخلين في الشريعة من باب آخر، فهذا شأن الطرائق المبتدعة يجتمع فيها الحق والباطل.

ومن المعلوم أن هذا الذي يفعلونه من مصاحبة النساء والمردان والتعشق واعتبار ذلك من العبوديات من الفواحش الظاهرة أو الباطنة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 33]، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120].

وفي الصحيحين: «العندان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع»، إلى آخر الحديث.

فما كان من السمع والبصر واللسان في هذا الباب فهو من زناه، والزنا من الفواحش، والله لا يأمر بالفواحش.

فالله تعالى لا يأمر أن يعبده ويتقرب إليه بمعاشرة المردان، أقرأ اقرأ يا شيخ اقرأ، قال: ويتقرب إليه بالعشرة للمردان الصباح والنظر إليهم والاصغاء إلى كلامهم ونحو ذلك: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]، فلقد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وإن أتى هذه الفواحش معتقداً تحريمها فهو من المسلمين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق»، فإن المسلم الذي يأتي بفاحشة إما أن يتوب إلى الله ويستغفره فيدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 135-136].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].

وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].

وفي الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، معروف أن الحسنات يمحو الله عز وجل بها السيئات، إلى آخره.

والسلم إذا أتى الفاحشة لا يكفر وإن كان كمال الإيمان الواجب قد زال عنه، معروف أن الفاحشة الكبائر تزيل عنك اسم المؤمن لكن تجعلك في دائرة مسلم، كما قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فأصل الإيمان معه أي مفاعل الكبيرة، وهو قد يعود إلى المعصية ولكنه يكون مؤمناً إذا فارق الدنيا لا نعتبره كافراً.

كما في الصحيح عن عمر أن رجلاً كان يدع حماراً كان يشرب الخمر فبعض الصحابه سبه، فقال: «لا تسبوه، أو لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله»، وذلك أن معه أصل الاعتقاد، كما في الصحيح عن أبي هريرة: «أذنب عبدي ذنبا فقال يا رب»، الحديث الذي يدل على عفو الله سبحانه وتعالى، قال ذلك في الصحيح من غير وجه، حديث الذي لم يعمل خيراً قط وقال لأهله: إذا مت فحرقوني كيف عفا الله عز وجل عنه.

وكذلك من أفضل الأعمال للمؤمن التوبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للغامدية التي أقرت على نفسها: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكْسٍ لغفر له».

وحديث صلاة التوبة أيضاً محفوظ في السنن عن علي أنه من ما من مس من يذ مذما فيتوضأ ويحسن الصلاة ويحسن الوضوء فما يصلي ركعتين إلا غفر الله له.

وهذا باب واسع، أيوه، فان الذنوب التي ابتلى بها العباد يسقط عنهم عذابها إما بتوبة تجوب ما قبلها، وإما باستغفار، وإما بحسنات يذهبن السيئات، وإما بدعاء المسلمين وشفاعتهم، أو بما يفعلونه له من البر، وإما بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فيه يوم القيامة، وإما أن يكفر الله خطاياها بما يصيبه من المصائب، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ما يصيب المسلم من أذى شوكة فما فوقها إلا يريد أن يقول إنه هي المعاصي التي يقع بها أصحاب الطرق والصوفية وغيرهم أرجو أن يعفو الله عز وجل عنهم بها من خلال التوبة الاستغفار حسنات ماحية.

قال: فأما استحلال ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الفواحش وغيرها فهو كفر ومثله، يعني أنت ممكن تفعل معاصي لكن أهم شيء انك ما تستحلها.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 82-83].

وقد روي عن قتادة: «من الظالمين من هذه الأمة»، وقد روي أنه يكون فيها خسف وقذف مسخ، وقد شرع الله سبحانه في شريعة اهل التوراه وشريعة اهل القرآن رجم الزاني المحصن بالحجارة.

روي عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83]، أي المراد من الظالمين من هذه الأمة ليس تلك العذابات ببعيدة، هذا تفسير للآية.

وقشر الله سبحانه في شريعة اهل التوراه وشريعة اهل القرآن رجم الزاني، كما رجم أهل الفاحشة، واما أهل الفاحشة واللوطية فيرجمان سواء كان بكرين أو ثيبين عند جمهور العلماء، كما رجم الله يعني اللواط عند الجمهور يرجم فيه البكر والثيب، بس عندنا الحنابله لا اللواط مثله مثل الزنا يفرق فيه بين البكر والثيب.

وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين، وكذلك ما يعاقب به اهل ذلك صحيح.

قال: كما رو كما روى البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به وهو داخل في الصحيح الذي شرطه عن أي من صور عقاب الله عز وجل لأهل المعاصي والكبائر في الدنيا حديث القوم اللي يكونون من أمتي أقامون يستحلون الحر والحرير، ثم قال: «ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليها بسارحه لهم ياتيهم لحاجتهم»، يعني هذا القوم مر هذا حديث في الاعتصام في قبل فترة حديث الناس اللي عم بيسمعوا أغاني ومعازف جنب جبل، وكيف أن الله سبحانه وهم بيسمعوا المعازف والأغاني ويشربون الخمر ومع النساء ينزل عليهم عذاباً ويمسخهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة.

فالعقوبة بما عوقبت به الأمم المتقدمة من قذف ومسخ وخسف إنما يكون لمن شاركهم فاستحل ما حرم الله ورسوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكون يقامون يستحلون»، وهذا الاستحلال قد يكون الاستحلال بالاعتقاد، وقد يكون الاستحلال كما قال الشاطبي بايش بالتكيف مع المعاصي ونشرها والتعايش معها، هذا شكل من أشكال الاستحلال وإن كان هذا الاستحلال لا يكفر، لكنه يجعل العقوبة تصلك، يصل العقوبة تصلك من خس ومسخ وقذف تمام.

فالاستحلال الذي يكون من موارد الاجتهاد وقد أخطأ المستحل في تأويله، ومما غفر الله لهذه الأمة به في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، كما استحل بعضهم أنواعا من الربا، واستحل بعض العلماء نوعاً من الفاحشة وهو الاتيان النساء في دبورهن متأولاً، واستحل بعضهم أنواعا من الخمور واستحل.

بعضهم استمع المعاز، واستحل بعضهم دماء بعض بالتأويل، ما استحل، فهذا إذا كان متأولاً نرجو من الله أن يغفر لهذه المواضع التي تقع من أهل الإيمان والصلاح، تكون سيئات مكفرة أو مغفورة أو خطأ مغفور لصاحبه.

ومع هذا، فيجب بيان مع كل هذه الأخطاء والشبهات؛ نحن ليس مطلوب منا أن ننزل ضرورة الأحكام على الأعيان، لازم نكفر، لكن على ما هو المطلوب من العلماء؟ بيان ما في الكتاب والسنة من الهدى ودين الحق، والأمر بذلك والنهي عن خلافه بحسب الإمكان.

ثم هذه الأمور -نعم- التي كانت من أولئك تكثر وتتغلظ في قوم آخرين بعدهم، حتى تنتهي بهم إلى استحلال محارم الله والخروج عن دين الله.

وإذا تغلظت هذه الأمور وعاقب الله أصحابها بما يشاء، وقد كان بعض الصحابة ظن أن الخمر حرمت على العامة دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات فشربها متأولاً، فأحضره عمر واتفق هو وأئمة صحابته، علي وغيره، على أنهم لو أصروا على الاستحلال لكفروا، نعم، وإن أقروا بتحريمه جلدوا، فأقروا بتحريمه، ثم حصل لذلك نوع من اليأس والقنوط لما فعل، فكتب إليه عمر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: 1-3].

نعم، هذا الصحابي وهو -أظنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط-، لا، الوليد بن عقبة هذا كـ... أي، كان أحد الصحابة، وهو الذي نزلت فيه: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، تأول شرب الخمر وظن أن تحريمها على العامة دون الخاصة، فعمر رضي الله عنه جلده وعاقبه، ولكن لم يكفر لوجود التأويل، وقال: إذا استحللت كفرك.

فهذا الصحابي الله يرضى عنه شعر بالخطأ، شعر بتأوب الضمير، ثم جاء شعور اليأس والإحباط من نفسه، فعمر تذكره قال: لا، ما أصيبكش ياس وإحباط من خطاك، فإن الله عز وجل غافر الذنب وقابل التوبة.

قال: ثم حصل لذلك -أي لذلك الصحابي الذي استحلها متأولاً- نوع من اليأس والقنوط لما فعل وشرب بتأوب الضمير، فعمر أرسل إليه هذه الآية، وأظنه قال: ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المعصية -اللي هي الخمر- بالتأويل، أم ياسك من رحمة الله أن الله لا يغفر لك؟

وهذا من علم أمير المؤمنين وعدله، فإن الفقيه كل الفقيه لا يؤيس الناس من رحمة الله، حتى لو الناس -إخواني- عندها فجور، عندها معاصي واقعة في بعض الناس، بعض الدعاة بقول: هلك الناس، يشعر الناس أنكم لا خير فيكم؛ الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يجرئهم في نفس الوقت على معاصي الله.

الخطاب الدعوي المتوازن؛ استحلال المحرمات كفر، لكن اليأس أيضاً من رحمة الله كفر من جانب آخر، ولهذا كان دين الله بين الحرورية -الذين هم الخوارج- والمرجئة، دين الإسلام وسط بين الخوارج والمرجئة؛ فالمسلم يذنب ويتوب كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «إنكم تخطئون بالليل والنهار»، والأحاديث المتكررة المختلفة في التوبة.

طبعا هنا استقراها: إن ليفت المؤمنين ثم يتوبوا، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، إلى غير هذه الآيات؛ فمن تاب من هذه الاعتقادات الفاسدة، وهو استحلال شيء من المحرمات أو التدين بشيء منها -صفحة 194- قبل الله توبته.

وأما من استحل ذلك أو تدين به، حتى ولو لم يفعله فالذي يفعل ذلك وهو معتقد للتحريم أحسن ممن يستحل المحرمات وهو لا يفعلها، فإن هذا مؤمن مذنب، وأما المستحل والتدين بها فهو كفر.

فأما أهل الإباحة الذين لا يحرمون شيئاً من الفواحش كغلاة الصوفية الذين يرون أن الإنسان إذا وصل لمرتبه من العبادة خلاص يستطيع أن يفعل الفواحش كما يشاء، فهؤلاء كفار من أعظم الناس كفراً، وكذلك استحلالهم للوطية -والعياذ بالله- ويدخلها تحت قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فيفعل الفاحشة بعبده، ويقول لك: العبد هو مما ملكت يميني.

ويتناول الذكران يقول لك الآية، أو يظن أن قوله: العبد المؤمن خير من مشرك، أنك يجوز أن تطأ عبد مؤمن بس لا يجوز أن تطأ عبد مشرك -والعياذ بالله- هذا كله من التفاسير التي أقرب إلى الكفر منها للإيمان.

قال: فهذا يكفر بإجماع المسلمين، ومثل هؤلاء قد يعاقبهم الله بما عاقب به قوم لوط وقد يحشر معهم لأن دينه دينهم، بخلاف المقر بالتحريم ولو وقع في المعصية فعسى الله أن يتوب عليه.

وأما التدين بذلك، يعني الآن -شوف- هي مراتب: ناس بتفعل المعاصي وهي خايفة، ناس بتستحل المعاصي وترى أنها جائزة، ناس بتستحل المعاصي وترى أنها جائزة وتعتبرها طريق في التعبد، أيهما أسوأ؟

الثلاث، اللي هو لا مش بس استحل معصية، لا، معتبرها سيدنا الشيخ طريقة للتعبد إلى الله، فهذا من أسوأ الناس، وهؤلاء المتدينون ما يكادون يتدينون بنفس فعل الفاحشة الكبرى -يعني ما بتدين بالزنا- لكن بيش يتدين؟

عموماً الذي وقع في الصوفية: التدين بالنظر إلى النساء، التلذذ بالنظر إليههن، المباشرة والعشق للنسوان، ويزعمون أن ذلك يصفي النفوس ويدربها إلى حب الله، وفيه من يزعم أنه يخاطب من تلك الصور وتتنزل عليه أسرار ومعارف، تمام، يعني أنه هو لما يتكلم مع هي المرأة الأجنبية يعني عنده مخاطبات عرفانية.

وببعضهم -العياذ بالله- يقول أن الله يحل بها، وفي من يترقى لغير ذلك فيقول إنه يتجلى له في هذه الصورة للمراه الأجنبية الحقائق الإلهية، ربما زعم أن الله يحل فيها -شايفين؟- أسأل الله -العياذ بالله- أن يرحمنا من رحمته.

ومن هؤلاء من يزعم أن دحية الكلبي الصحابي الجليل كان أمرد ولذلك جبريل كان يأتي في صورته، وهذا -قوله والعياذ بالله- من الكلام الفارغ.

وفي من يتاول قوله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي فيحسن صورة» أنه إن الله يحل في صور المردان، وهذا كله من الكلام الكفري، وهؤلاء الحلولية والاتحادية منهم من يخصه سبحانه -الذين يقولون بأن الله يحل في المخلوقات- هؤلاء الكفار، منهم من يخصه أن الله لا ينزل إلا في الصور الجميلة، ومنهم من يقول أن الله ينزل في كل صورة، لكن هو يتخذ لنفسه من المظاهر ما يحبه، فهو كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23] هذا يعبد هواه، إلى غيره.

وهؤلاء يجعل أحدهم معبوده من جنس موطوئه، يجعل أحد معبوده من جنس موطوئه، فهو يطأ النساء فيعبد النساء ويجعل الله يحل في النساء، نعم، وهذا كله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

طيب، الآن نحن وصلنا لصفحة 198، الآن هنا يقول: فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذا الفصل كله هو نفس رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي علقنا عليها قبل -أظن- شهرين حتى صفحة 311، يعني هذا كله فصل دخل في هذه الرسالة، وطبع مع رسالة الاستقامة.

فصل الأمر بالمعروف هي نفسها الرسالة السابقة التي علقنا عليها تمام، بس الإكراه ما علقنا عليه، هذا لو داخل فيها ما علقنا عليه، هذا الإكراه نتركه للدرس القادم حتى يكون في تركيز في عطائه، وإن شاء الله في الدرس القادم -يعني خلال الأسبوع- سنعلن عن الكتاب الذي سنشرح فيه.

الدرس القادم هو هذا الفصل الأخير من كتاب الاستقامة: فصل في الإكراه وما يتعلق به من الأحكام، يعني فصل قصير ربما لا يأخذ معنا -إن شاء الله- يعني نصف ساعة و40 دقيقة الدرس القادم، ثم ننتقل إلى كتاب جديد.

جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع، سامحونا إن أطِل، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.