حياكم الله جميعاً في هذا الصباح الطيب المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير، ونتاكد من جودة الصوت ابتداءً. اللهم يسر وأعن. الصوت جيد مشايخنا الكرام، دكتور طارق عبر اليوتيوب الصوت عندكم جيد؟ ماشي، طيب. التليجرام جيد إن شاء الله؟
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجِّ المستضعفين في غزة خاصة. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم آمنهم بأوطانهم، اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. اللهم أمر لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى عن المنكر، ويُحكم فيه بكتابك، وترفع فيه شريعتك، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
حياكم الله أيها الإخوة في صباح طيب مبارك من صباحات تراث. وما زلنا نعيش في تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، رحلتنا الكبيرة التي بدأناها مع كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) على بولس الأنطاقي فيما زعمه وادعاه لدين النصرانية وعلى دين الإسلام.
وقد بدأ شيخ الإسلام بن تيمية في تفنيد الشبهة الأولى التي انطلق بها بولس الأنطاقي، وهي شبهة أن النبي عليه الصلاه والسلام مرسل إلى العرب خاصة. وقوام ولد شيخ الإسلام بن تيمية يقوم على نقطتين: النقطة الأولى أن يثبت أن هل النبي عليه الصلاة والسلام أولاً هو قال بنفسه أنه مرسل للعرب خاصة؟ هل هو قال بنفسه إنه مرسل للعرب خاصة؟
فهذا الذي أراد أن ينفيه ابن تيمية؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه أنه قال إنه مرسل للعرب خاصة، لا في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف، ولا في حديث موضوع سهل يمكن تخترع، لكن هو لا يوجد في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف أنه قال إنه مرسل إلى العرب خاصة.
طيب، ما بعد ذلك؟ إذاً كيف سنرد على بولس؟ سنثبت أنه بالعكس، أنه قال إنه مرسل إلى العرب والعجم؛ أما بلسان الحال، واما بلسان المقال، وأما من خلال تصرفاته وأفعاله التي كانت في حياته، والتي ترسخ في ذهن كل من يقرأ هذه السيرة العطرة أنه أراد أن يبين أنه مرسل إلى الجميع.
قبل أن يأتي لسرد أحداث السيرة وأقواله صلى الله عليه وسلم التي تبين عموم رسالته، وضع مقدمتها الأولى؛ ما هي يا أسامة؟ مجرد أن يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله. أحسنت، هذا يقتضي أن يكذب جميع أقواله؛ اقتضى أنه ليس نبياً، أي أن يكذب جميع القس.
إذا كذبت نبياً من الأنبياء عموماً في قول صحيح ثبت عنه قطعاً، فيجب أن تكذب بكل أقواله؛ لأنه هذا يعني أنه بالنسبة لك أنت سقطت عصمته في النبوة لأنه كذب في مقام من المقامات. وهذا ماذا سيستفيد منه ابن تيمية؟ يريد أن يوفظه في المقدمة الثانية، وهي أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا ودلنا أنه مرسل للعرب والعجم، ثبت بالتواتر. فإذا هذه المعلومة ثابتة عنه بالتواتر، أنت كذبت بها، فعليك أن تكذب بكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
إنه هذه قاعدة من قواعد علم مقارنة الأديان -إذا صحت التسمية في علم الأديان- من كذب بشيء مما أتى به نبي فيلزمه أن يكذب بكل شيء؛ لأن النبي هذا سقطت عصمته. فبعد أن بين ابن تيمية المقدمة الأولى، شرع في المقدمة الثانية، وهي أنه يبين من القصص والوقائع والسيرة أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه مرسل إلى النصارى والى اليهود وإلى غيرهم من الأديان.
وكان عماد هذه الأحوال النبوية التي تبين هذا المشهد، وهو أنه مرسل إلى النصارى كما مرسل إلى العرب، قصة وفد نجران. قصة وفد نجران وهم وفد أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجح ابن تيمية والمحققون من علماء السير أنهم قدموا في عام الوفود، بل هم من آخر الوفود التي أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وفد من النصارى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم هذا الدين وناقشوه وسألوه ثم عادوا، وقالوا: ارسل لنا -طبعاً الأصل أنهم عادوا غير مسلمين تماماً- لكنهم قبلوا أن تفرض عليهم الجزية، وقالوا: ارسل لنا من يدير أمور المنطقة عندنا، فأرسل أبا عبيدة بن الجراح.
ثم إنه لما عادوا في الطريق، عاد سيداها: السيد والعاقب، فأعلنا إسلامهما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الوفد نزل الصفحات الأول من سورة آل عمران، الصفحات الأول التي في سورة آل عمران إنما نزلت بوفد نجران. فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم -كما يزعم بولس الأنطاقي- ليس مرسلاً إلى النصارى، لما جاءه نصارى نجران، ولما خاطبهم، ولما فرض عليهم الجزية، ثم في زمن عمر، عمر ألغى بقاءهم في نجران وارتحلوا إلى الكوفة والعراق والشام وأوصى بهم، وكل هذه التعاملات كل هذا يدل على أنهم مخاطبون، والا لماذا يتعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم؟
لو جاءك وفد نجران وهم نصارى وأنت لست مسؤولاً عن مخاطبتهم، فماذا ستقول لهم؟ تقول لهم: والله أنا لست مسؤولاً عن مخاطبة النصارى، أنا فقط مسؤول عن مخاطبة الجاهليين من العرب، وانتهى النقاش عند هذه النقطه. لكن هذه المخاطبات وهذا التعامل المستمر يؤكد أنهم عرفوا جميعاً مما هو مستقر لدى أهل تلك المرحلة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الجميع وليس العرب خاصة كما يزعم بولس الأنطاقي.
نكمل إلى حيث انتهى بنا الحديث في قضية وفد نجران.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين آمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل وكان قبل قصه نجران قد آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم كثير من اليهود والنصارى، رؤساؤهم وغير رؤسائهم، لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم.
إذاً، قبل قصة نجران هل هناك أيضاً يهود ونصارى أعلنوا إسلامهم؟ قلنا: وفد نجران في آخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام، قبل ذلك بكثير هل جاء نصارى ويهود وأعلنوا إسلامهم وهذا يدل أنه تبين لهؤلاء أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله إليهم كما أنه رسول الله إلى العرب؟ نعم.
قال: كما آمن به النجاشي ملك الحبشه وكان نصرانياً. هو هذا أول النماذج، النجاشي ملك الحبشة نعم.
قال: وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان أصحابه مستضعفين بمكة، وكان الكفار يظلمونهم ويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمان بالله ورسوله، فهاجر منهم طائفة مثل عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب وغيرهم من المهاجرين.
إذاً، ابن تيمية يرجح أن النجاشي أسلم متى؟ وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم. أنا سابني على هذا بعض القضايا في السياسة الشرعية بعد قليل. ابن تيمية إذاً يقول إن النجاشي متى آمن؟ وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما كان أصحابه مستضعفين، إذاً كان إيمانه في مرحلة مبكرة هذا الرجل.
طيب، قال: وكان ملكاً عادلاً، فأرسل الكفار خلفهم رسلاً إلى أرض الحبشة أرض النجاشي بهدايا ليردهم إليهم، فامتنع من عدله أن يسلمهم إليهم حتى يسمع كلامهم، فلما سمع كلامهم وما أخبروه به من أمر النبي صلى الله عليه وسلم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وآواهم، ولما سمع القرآن قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.
ولما سألهم عن قوله في المسيح عليه السلام، قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسسها رجل، فقال النجاشي وفر لجعفر بن أبي طالب: والله ما زاد عيسى بن مريم على ما قلت هذا العود. فنخرت أصحابه، فقال: وإن نخرتم! وإن نخرتم! نعم.
قال: وبعث ابنه وطائفة من اصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب، وقدم جعفر -هو أخذ أخذ عوداً من الأرض وقال: ما قلته لم يزداد، يعني أنت ما قلته في حق عيسى صواب لم يزد ولم تقل كلمة زائدة عن هذا العود-.
نعم، قال: بعث ابنه وطائفة من اصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب، وقدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم خيبر. وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء والحفاظ كأحمد بن حنبل في المسند، وابن سعد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية وغيرهم، وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه، وهي متواتر عند العلماء.
قال أحمد: حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورناها بخير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئاً نكرهه.
فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدُم، فجمعوا إليها أدماً كثيراً. الأدُم اللي هو الجلد، قيل الجلد المدبوغ، يعني هذا ما أتوه.
نعم، قال: ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية. ثم بعد بالطريق إخواني مش حيوان ها! بطريق هذا اسم مرتبة المراتب الكنسية نعم أو الزعامة نعم.
قال: ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل. في التاريخ أن قريشاً بعثت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة في محاولة إعادة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة إلى مكة.
نعم، قال: وأمروهما، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم؛ رشوة يعني، اعطوا رشوة لزبانية النجاشي.
نعم، قال: ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرج فقدم على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبقَ من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي، ثم قال لكل بطريق منهم: إنه قد صبأ إلى بلد الملك من غلماننا -إلى بلد الملك من غلماننا- سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا دين -صبأ يعني مال وذهب إلى بلدكم هذا غلمان لنا-.
نعم، قال: وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى -وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم.
فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قربا هدياهما إلى النجاشي فقبلهما -فقبلها منهما- ثم كلمه، فقال له: أيها الملك، إنه قد صبأ إلى ولدك منا غلمان سفهاء، فارقوا -سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامنا. فقالت بطارقته حوله: صدقوا.
لماذا يعني عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة؟ قالت اللي هي أم سلمة: يعرفان أن النجاشي رجل عادل، أنه إذا سمع كلام هؤلاء الصحابه المهاجرين إليه سيصغي إليهم، وبالتالي سيعرف الحقيقة، وأن هؤلاء قوم استضعفوا في بلادهم، أن هؤلاء ليس قوم يعني خرجوا مجرد حركة عصيان مدني، لا، هؤلاء قوم استضعفوا، وهذا رجل عادل لن يسمح بإعادة هؤلاء إلى بلاده.
طيب قال: فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فاسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله، أعلى بهم عيناً! ما معنى قومهم أعلى بهم عيناً؟ أها، هم يعني أحسن رعاية لهم، إنما قومهم أحسن رعاية لهم. أمم، أها، طيب.
نعم، هذا الذي يظهر معنى أبصر في شأنهم؛ أعلي فيهم عيناً يعني أنا بعرف أكث- يعني بعرف أموركم أكثر من غيرك يعني أعلى بهم عيناً، أبصر في شأنهم من غيرك.
طيب، قالت: فغضب فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله، إذاً لا أسلمهما اليهما ولا أكاد قوماً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي. ولا أكاد يعني لا أكيد بمعنى لا أقع في كيد.
نعم، قال: حتى أدعوَهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله...
عقد اجتماع طارئ قبل ما يذهبوا إلى النجاشي: ماذا سنقول للرجل؟ هل سنصرح بالحقيقة، وهو أننا نؤمن بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عيسى رسول، أم ستلبسون الموضوع؟
فقالوا: إنما سنقول الحقيقة. نعم. قال: كائن في ذلك ما هو كائن. يسير اليسير زي... نعم.
قال: فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته ومعهم، ثم صاففهم حوله، فسألهم، فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، قال: أيها الملك، قلنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
قالت: فعدد عليه أمور الإسلام. قال: فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدى علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.
فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، أخرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك. شوف إيه دبلوماسية يعني! تمام.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال النجاشي: فقرأه عليه. فقرأ عليه صدراً من سورة مريم. قال: أول صفحة من سورة مريم إلى قولة: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: 39] بداية الصفحة الثالثة. طيب.
فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم. أخضلوها يعني بلوها. و... نعم.
قال: ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم قال لعبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص: انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليككما أبدا ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرج من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا أعيبهم عنده، ثم أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عمرو بن العاص وكان داهية -هذا كان قبل أن يسلم سيدنا عمرو بن العاص، فعمرو بن العاص كان داهية-: أنا بعرف كيف أجي اليوم الثاني وأعطيه معلومة عن هؤلاء أستأصلهم بها، اللي هي إيش؟ أنهم لا يقولون في عيسى ابن مريم كما تقول. طيب.
قال: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أبقى الرجلين فينا، عبد الله بن أبي ربيعة كان أرأف من عمرو بن العاص في الصحابة، يعني كان... يعني ما بدنا نعمل فيهم نحن مشاكل، خلص يا عمرو بن العاص امشيها، مع أنه كان هو السفير الثاني معه، لكن كان أبقى، أي أرأف بنا- نعم. قال: لا تفعل، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم... دائماً فكرة في الحياة الاجتماعية؛ في لا حتى المشرك أصناف، المشرك المحارب لك في شخص عنيف وحشي، وفي شخص هو معاند لك بس لا يبلغ به السوء ما يبلغ، ويمكن أن تتفاهم معه دبلوماسياً. يعني حتى هذا يعطيك طبائع الناس والبشر، أن بعض الناس يظن أنه كل الأعداء على نفس المستوى من الحقد، هذا مش صحيح، أعدائك هم بشر وفيهم طبائع؛ في واحد طبيعته تميل إلى الحرب الوحشية، وفي واحد طبيعته تميل إلى نوعاً ما عدم الاستئصال الكامل، طبائع نفسية، وبالتالي أنت كمسلم بدك تفهم هذا في نفوس الأعداء لتعرف مين ممكن تستميله، مين ممكن تبعده، مين الشخص الذي ممكن تفتح معه حوار، مين الشخص الذي ما فيش مساحة مع هذا، من العلوم النافعة حقيقة. نعم.
قال: ثم غدا عليه الغدو، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثله ولم ينزل بنا مثله! يعني قالت أم سلمة: هي مصيبة هذه، ما نزل بنا مثلها، عرفنا أن هذه مصيبة المصائب. نعم.
قالت: فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، كائناً في ذلك ما هو كائن. قال: يعني الصحابه قالوا: يحصل ما يحصل. نعم.
قال: فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. معك لم يتجاوز هذا العود. نعم، بالضبط؛ يعني أنت قلت بالضبط ما هو في حق عيسى. نعم.
قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن... وهذا إن دل فإنما يدل على أنه ربما النجاشي أصلاً قبل قدوم الصحابه وقبل أن تحصل الرجل كان يفكر مع نفسه كثيراً في عيسى بن مريم؛ هل فعلاً عيسى بن مريم كما يقول النصارى اللي حولي أنه ابن الله؟ يعني هل هذا القرار السريع الذي صدر من النجاشي أنا في اعتقادي أنه نتيجة أصلاً تفكر قديم في حياة الرجل، أنه مش مقتنع كثير بقضية أن عيسى ابن الله وكذا، لكن ساكت عن الموضوع خاصة أنه ما في يعني شيء أفضل مما هو موجود، فيقرهم في الظاهر للبطارقة والأساقفة، لكن الرجل كأنه سر بهذه الإجابة ووجدها توافق أفكار لديه سابقة كانت تجول في ذهنه. نعم.
قالت: فقال: وإن نخرتم، والله اذهبوا فأنتو سيوم بأرضي، والسيوم... وإنخرتم يعني قال: أساقفتي ولا بطارقتي، انخروا ما شئتم وعصبوا ما شئتم، هؤلاء ضيوفي وأمناء لدي. نعم. من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم! فما أحب أن لي دبراً ذهب وأذيت رجلاً منكم، والدبر بلسان الحبشة الجبل، الدبر الجبل بلسان الحبشي. طيب.
قال: ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فأخذ الرشوة فيه! شوف سبحان الله، هذا الكلام عرف النجاشي أن الهدايا هي رشاوي، قال: أنا ما دمت عرفت أنها رشاوي من أجل أن أُرضي هؤلاء لا أخذها. نعم. فربي لما أعطاني هذا الملك ما أخذ مني رشوة، هذا يدل على النزاهة، النقاء، النظافة، وبالتالي لا أخذ رشوة من شخص أبداً. نعم. قال: وما أطاع الناس في، فأطيعهم فيه. نعم.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاء به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت: فوالله إن نحن على ذلك، إذ نزل به يعني من من ينازعه في ملكه. قالت: فوالله ما علمنا حزناً قط أشد من حزن حزناه، وعند ذلك تخوفنا أن يظهر ذلك على النجاشي، فياتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه.
وروى عبد الله بن عامر بن الزبير عن أبيه قال: لما نزل بالنجاشي عدوه من ارضه، جاء المهاجرون -الان تعرفوا خرج رجل من يريد أن ينازع النجاشي في ملكه ويريد أن يقاتله في ملكه إذاً- قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به، شو يعني إذ نزل به؟ يعني حصلت فتنة في أرض الحبشة، نزل به من ينازعه في ملكه، خرج رجل -يعني محاولة انقلاب عسكري كما يقولون- يريد أن يأخذ بالحكم.
قالت أم سلمة: فوالله ما علمنا حزناً قط أشد من حزن حزناه عند ذلك؛ لماذا؟ تخوفنا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي ويستبد بالحكم، ويأتي رجل هذا الرجل يكون لا يعرف حقنا ولا حرمتنا، ولا يكون على صفات النجاشي من العدل، فنقع في مصيبة ونرد إلى... طيب.
قال: وروى عبد الله بن عمرو بن الزبير عن أبيه قال: لما نزل بالنجاشي عدوه من أرضه، جاء المهاجرون فقالوا: نحن نخرج إليهم فنقاتل معك، وترى جزائنا، ونجزيك بما صنعت بنا.
طيب، إخوان، وقف لي شوي وأنا في إخواني في مسألة ربما هي خارج نطاق الكتاب، لكن الكتاب يفتح الآفاق إلى مسائل حتى في السياسة الشرعية. في بداية هذا الفصل قلنا إن ابن تيمية يرى أن النجاشي أسلم متى؟ في أول، في البداية ممتاز.
إي، الآن النجاشي إذا هو بمفهوم السياسة الشرعية اليوم هو رجل مسلم كما يقول ابن تيمية، لكنه يراس مجموعة من القوم المشركين ولا يحكم بشريعة الإله، وليس كذلك، يعني هو رجل مسلم، ابن تيمية يقول أسلم منذ البدايه تمام. هل كان مطلوب منه أن يبحث عن ما هي شريعة النبي عليه الصلاه والسلام الذي آمنت به في الحكم حتى أمارسها في الحكم؟ والنبي عليه الصلاة والسلام لم يرسل إليه رسالة يطالبه فيها بأن يحكم ماذا بالشريعة؟ لم يسأله طالب يحكم بالشريعة، لماذا؟ لأن طبيعة هذه المنطقة هو في النهاية المنطقة التي هو فيها لن تقبل أصلاً الشريعة، أنه هو الشعب الذي يحكم شعب كافر، وأصلاً الشعب ربما لا يعرف أن حاكمه قد أسلم، يعني قد يكون أبطن الرجل هذا الموضوع في نفسه، وبالتالي النبي عليه الصلاة والسلام أذن ضمنياً للنجاشي -إذا كان النجاشي قد أسلم بناء على ما يقول أسلم في بداية الأمر- أذن ضمنياً للنجاشي أن يبقى في المنطقة التي هو فيها، يدير الحبشه وما حولها، ولا يصرح بأنه يديرها بالإسلام، يصرح بأنه يديرها بالعدل، يصرح بأنه يديرها بماذا؟ بالعدل، ويعطي للناس عقوبة.
طيب، الآن الصحابة الكرام في هذه المرحلة ماذا فعلوا؟ شوف رواية عبد الله بن الزبير هنا، ماذا فعلوا الآن؟ هناك رجل مجرم مشرك آخر أراد أن يخرج على النجاشي، الخلاف هو خلاف على إيش الآن؟ هذا مش خلاف دين، هذا خلاف حكم، هذا الصحابة الكرام يطرحون على النجاشي أن يقاتلوا معه لتثبيت هذا النظام، اللي هو هل هو نظام يحكم بالإسلام؟ لا، متفقين على ذلك، النظام هذا لا يحكم بالإسلام، لكن في النهاية هذا النظام ضمن المرحلة الحالية هو أفضل الموجود، هذا النظام ضمن المرحلة الحالية هو إيش؟ هو أفضل الموجود لمصلحة المسلمين.
فهل تثبيت هذا النظام الذي لا يحكم بالإسلام ضمن المرحلة الحالية، هل تثبيته يعتبر من خرم قواعد الدين والمنكر، تثبت حكماً لا يحكم بشريعة رب العالمين، وأن هذا من نواقض الإسلام ومن الطوام الكبار، ولا هذا من صلب الدين؟ من صلب دين الإسلام أنك ترى أين مصلحتك أنت كمسلم وكطائفة مسلمة في مرحلة معينة، فتثبت من هو أخف الضررين على المجتمع المسلم. هذا هكذا واقع الحقيقة.
هل الآن -لاحظ بعض الناس بيستخدموا هي العبرات وهو لا يعرف، إنما خلص الكلام العاطفي بدون الموضوعية العلمية- هؤلاء الصحابة، البعض يقول لي لا، أنا ناقشت أحد الإخوة مرة يقول لي لا، النجاشي هذا لم يكن مسلما في تلك الفترة. طيب اعتبره لم يكن مسلما، لسه هذه أطم وأطم، اعتبره كان مشركا، ويقول يعني ويريد أن يقول أن من قال لك أن النبي عليه الصلاة والسلام أقر لهذا الرجل المسلم أن يستمر على حكم منطقه بغير شريعة الإسلام؟ مش صحيح، النجاشي هذا لم يكن مسلما وإنما هذا أحد الاحتمالات يا اخي. طيب اعتبره كان مشركا، ما عندي مشكلة، الاحتمال الآخر أنه يعني أسلم فيما بعد وليس في هذه المرحلة.
النتيجة النهائية التي اريدها؛ حتى لو كان مشركا وكان وبالتالي يحكم بلاده بالشرك، الصحابة الكرام يعرضون على النجاشي، يعرضون على النجاشي تثبيت هذا الحكم الذي هو مشرك وتحته مشركون، ليه؟ لأنه المصلحة الإسلامية لتلك الطائفة المقيمة هناك تثبيت هذا النظام، ولا يعتبر هذا شكلاً من أشكال الرضا بالطاغوت ولا الرضا بالشرك ولا الرضا بالعلمانية ولا الرضا بهذه الأمور، وإنما هي القواعد الإيمانية والموازين الشرعية الصحيحة في التفكير، أن هذه المنطقة وهي الحبشه هي لا تعني النموذج الإسلامي المتكامل، مين قال لك أن الحبشة هي التي تمثل الدولة المسلمه في تلك المرحلة التي ينبغي لا، الحبشة هي موئل ومنطقة معينة أوى إليها المسلمون كحالة استثنائية إلى أن يفرج الله سبحانه وتعالى على المسلمين، ويجد الدولة والنظام الإسلامي المتكامل الذي سيصلون إليه تدريجياً.
هذه فكرة جداً مهمة في تطبيقاتها في السياسة الشرعية؛ لأن بعض الناس اليوم ممن يسارع ويهوى نظام فكرة التكفير والغلو في هذه المناطق، يظن أن كل هذه المسائل هي مسائل عقدية، ولا هذه المسائل مسائل فقهية. العقيدة هي أن تبقى محافظاً على الثوابت؛ زي ما فعلوا الصحابة عند النجاشي، ماذا فعلوا؟ ماذا ستقولون له؟ نقول العقيده، مش رح نقول إن عيسى ابن الله إرضاء له، لن نغير مبادئ العقيدة ولا ثوابتها إرضاء للنجاشي ولا لهؤلاء، ولن نقول كفراً تمام، لكن في النهاية هذه عقيدة، وما يفعلونه من حيث تثبيت هذا النظام وعدم تثبيته لأن المصلحة معه، هذا سلوك، هذا سلوك فقهي، فمحاورة دائماً خلط الأوراق وعدم تحرير المسائل عند كثير.
من المندفعين أو المنظرين أو الجماعات تجعل أحكامهم في السياسة الشرعية وفي العقائد أحكام توقع المسلمين في حرج ومشقة لا يأتي بها الإسلام.
من قال لك إن تثبيت مثل هذا النظام ضمن مرحلة معينة أنت تعلم أنها مصلحتك كمسلم يعتبر خرماً لقواعد الشريعة ورضا بالطاغوت وعدم حكم بما أنزل الله؟ هذه الأدبيات والسجلات التي تأتي بها هذا كلام غير صحيح وغير علمي، وغير صحيح وغير علمي ولا ينسجم مع قواعد الشريعة العملية. الشريعة الإسلامية شريعة عملية تطبيقية تأتي مع قاعدة درء مفقدم أعظم الامرين بارتكاب أدناهما.
طبعاً سيخرج لك فيقول لك لا هذه قصة أنهم أرادوا مشاركته في القتال هذه قصة وردها الحاكم في مستدركه لكن في إسنادها شيء من اللين. نقول طيب هل يعقل أن الحاكم يعني طب ماشي إذاً، إلى أين تريد أن تصل في النقاش إذا قلت إنه هذه رواها الحاكم في مستدركه أنهم أرادوا تثبيت عرش النجاشي وفيها شيء من اللين؟
طيب بالتالي أنت ترى هذا التصرف إذاً ايش؟ ناقض من نواقض الإسلام لو صح، يعني أنت شايفه هذا أصلاً ناقض من نواقض الإسلام، والقصة هي التي تستدل بها أنت. قلت لو كانت ناقض من نواقض الإسلام لوجب على الحاكم أن يضاعف الحديث! كيف الحاكم يروي في مستدركه حديثاً يخالف العقيدة لو كان ما سيفعله الصحابة شرك أو كفر أكبر في تثبيت عرش النجاشي؟ كيف يحق للحاكم في مستدركه أن يروي حديثاً من علامات الحديث الموضوع ما هو؟ أن يخالف قواعد الإسلام، أن يتضمن شركاً، ويتضمن كفر، ويتضمن ردة.
على قاعدتك هذا يتضمن شركاً وكفراً وردة، وبالتالي الحاكم يخرج حديثاً يعني يخالف قواعد الدين والملة، ويتضمن شركاً وكفراً وردة أيضاً. كيف يستحل ابن تيمية أن ينقل هذه القصة ولا يعلق عليها؟ ابن تيمية الذي ما ترك شاردة ولا واردة إلا تجده يستطرد فيها، أما كان ينبغي أن يقول وما ذكره الحاكم في مستدركه هذا لا يصح على قواعد الدين لأنه لا يجوز للصحابة أن يثبتوا عرشاً شركياً؟ يعني ابن تيمية يرويها رواية المقر لها، لما أخرج هذا النص المستدرك هو ينقله ولا يرى أن هذا النص -سواء قيل طبعاً أنتم بتعرفوا في السيرة لا يشدد في الأسانيد كما يشدد في مقام آخر هذه قصة أخرى أنه في السيرة لا يشدد فيها ما يد- لكن حتى لو بدنا ناتي بالمعايير العلمية التي الآن أنت تريد تبحث إقرار العلماء برواية هذه الآثار وعدم استبعادها يدل على أن في اتفاق عملي مثل هذه المشكلة. قد تكون في شيء من الإسناد وليس في مضمونه وفي متنه ما يخالف قواعد الدين والملة، ليس في المتن كفر أو شرك قام به الصحابة يجعلون والله المتن شاذ لأن في تعرف متى يحكم على المتن بالشذوذ؟ على المتن مش بالإسناد المتن يحكم عليه بالشذوذ خلال ورد فيه ما يخالف قواعد الدين. ما أحد حكم على هذا المتن بالشذوذ لأن إخواني هذه الفكرة فكرة أعود فأقول مستقره عند العلماء منذ القدم.
يعني النقاش في هذه الأبعاد وأنه هذا لا يجوز، وأنه هذا تثبيت لعرش الشرك، هذا حقيقة ما نشأ إلا عند الخوارج الأوائل سامعني؟ الخوارج الأوائل وعند أي ضعفاء الفقهاء المعاصرين عبر تاريخ الأمة. لا يوجد عالم ينكر مثل هذه السياسة الشرعية، كل العلماء العقلاء الراسخين اقرأ للقرافي والعز بن عبد السلام والجويني والغزالي وابن تيمية وابن القيم والذهبي وكل العلماء الذين يمرون على تاريخ الأمة يفهمون أن هذه نطاق العمل يختلف عن نطاق التأصيل.
أنا التأصيل نحن متفقون أننا نريد أن نصل إلى نموذج الدولة المسلمة الكاملة التي يحكم فيها بشرع الله بكتابه وسنته لكن حتى أصل لهذا الطموح سامر بعقبات ومراحل تتطلب مني القبول أحياناً بسقف الممكن. أما أن يكون نموذجك يا أصل للمثال الكامل أو أهلك دونه معناته لن تفعل شيئاً وستبقى كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل، كما قال الشاعر، يعني زي اللي بينطح صخرة ما رح تضبط معك لأنه الحياة تقوم على سنن. إذا مع الجيل الأفضل والأكمل وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم اتبعوا هذه السياسة، سياسة القبول في بعض المناطق بتخفيف الضررين دفعاً لأعلاهما، أنت في جيل وجيلي بدنا نحاول بدنا نكون مثاليين أكثر من المثالي.
فهذا الفهم إخواني وقراءة الكتب والنظر فيما يقرره العلماء وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام قراءة صحيحة تجعلك تفهم فعلاً أن كثير مما يروجه اليوم من المتشددين أو المتلفقين أو الغلاة ممن لم يعلو كعبهم في العلم فقط وجدوا أمور استهووها وأعجبتهم نظرياتهم ثم أتوا لمثل هذه القُصص كلما احتج عليهم لا لا هو النجاشي ما كان مسلم لا لا هو النجاشي كان ما كل ما أتيت به قلت له أنت سواء قلت مسلم ولا مشرك هي النتيجة واحدة. النتيجة واحدة هي ضدك لأنه سواء مسلم ولا مشرك النبي صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ما صنعوه من ماذا؟ من الوقوف معه، لأن هذه حالة استثنائية نحتاج فيها أن نقف مع هذا الشخص مصلحتكم أيها المسلمون معه.
لكن هل كان نموذج الحبشة هو النموذج الإسلامي الكامل المتماثل الذي فعلاً نرنو إليه وهي دولة علمانية كما يقولون أو دولة حلف الفضول؟ لا، كانت الدولة تقام في مكان آخر، يعني كان النموذج المتكامل عم يسعى ويقام في مكان آخر في ظروف معينة وهي نموذج المدينة. تلك كانت مصلحة جزئية يقبلها الإسلام وقواعد الشريعة تقبلها، ومن رفضها فهذا كما قلت هذا لا يريد حقيقة مصلحة الإسلام والمسلمين، وإن أتاك غرد لك بقضية الحفاظ على التوحيد والحفاظ على كذا ومحاربة الطاغوت والقصص هذه التي تدور.
هذا في واقعنا اليوم في واقع الأمة الإسلامية اليوم، بدي أجي اليوم بعد نحن نرى أن كثير من المناطق في الدول المعاصرة تثبيتها والوقوف معها لمرحله معينة هو أفضل من زوالها لأن هي في النهاية أفضل الموجود. هي لا تعني النموذج الإسلامي المتماثل هي ليست دولة المدينة، هي ليست دولة المدينة النبوية لكن هي أفضل الموجود هي في النهاية قد تكون فيها شيء من العدالة غير موجودة في أماكن أخرى فبالتالي أن تقف معها وأن ترسخها وأن تبقى موجودة وقائمة هذا مصلحة للمسلمين المستضعفين الذين يعيشون فيها.
كذلك النموذج الشامي وغيره من المناطق في النهاية أنت تصل لمرحله معينة أن هذا أفضل ما يمكن أن أقدمه في المرحلة الحالية أو يزول ملكي. إذا كان هذا أفضل ما يمكن أن تقدمه في مرحله الحالية أو يزول ملكك لا قدم سقف الممكن وأنت لا تعتبر طاغوتاً ولا حكمت بغير شرع الله ولا كفرت ولا أتيت بهذه الموشحات التي يأتي بها الغلاة ويحاولون إسقاطها على واقع المسألة.
في النهاية هناك سقف ممكن، أنا في النهاية عندما أزيل المستبد الظالم وأفرغ السجون وأحمي أعراض النساء والأطفال من هؤلاء المجرمين المستبدين لكن قصارى ما ممكن أصل إليه هو ثلاثون بالمئة إلى أربعون بالمئة من الدين غير هيك ما بقدر. غير هيك أنتظروا الصواريخ والبارجات تحط في بلادكم وتنزل عليكم الأحقاد. من عنده حل آخر يتفضل، كل هذا ما يسمى بسقف الممكن، سقف المعقول، المساحة الموجودة هذا يجب أن يفهمه الإنسان ولا يتسارع في مجرد الكلام والخوض. أن تجد رجل متكئاً على أريكته آمناً في بطنه يأكل دجاجاً ولحماً وينظر على إخواني لا وأنت ترى ما حكمت بالشريعه، طيب تفضل تفضل أعطيني حلك أنت وشوف شو بده يصير معك. وأحن جربناكم كثيراً دائماً ما تأتون بالمهالك والمازق وتوقعون الأمة في شر أفعالكم بحجه طبعا هي البروباجندا التي تروج دوما لديهم التوحيد هذه المشكله الكل يعني اصبحت يعني هذا الذي يكفر النووي ابو حنيفه وهذا شمعة التوحيد وهذا الذي يريد أن يكفر إخوانه وكذا كل كل يعلق قضاياه أنه يريد دافع عن التوحيد ترى الخوارج اللي قاتلوا علي بن أبي طالب ترى هم برضه كان يقول التوحيد تمام.
الخوارج اللي قاتلوا علي بن أبي طالب وخرجوا على جيل الصحابه هم كانت البروباغندا بتاعتهم شو هي أيضاً التوحيد إن الحكم إلا لله وأنتم يا علي بن أبي طالب ومعاويه وعمرو أنتم خالفتم التوحيد ومقتضياته. دائماً شماعة الغلو هي التوحيد لأن هي التوحيد هي تصنع نوع من اللذاذة النفسية تجعل الإنسان اه يعني يستهين بسفك الدماء والخروج وقتل الأبرياء بحجة ايش؟ حماية التوحيد حماية التوحيد.
فاستطاع الشيطان أن يجعل أعظم شيء في الوجود شماعة للوصول إلى أبشع شيء، شوف هذا الشيطان اشرف شيء في الوجود هو التوحيد استطاع الشيطان أن يغر هؤلاء الخوارج وأجنابهم وأشكالهم وأطرافهم أن يقنعهم بماذا؟ استغل أن يستغل هذه النقطه ليجعلها وسيلة وأداة عند هؤلاء ليخرجوا بها ولينقضوا بها عرى التوحيد. الشيطان غريب أو قوي، تجعل التوحيد وسيلة لنقض على التوحيد لأنه بالطريقة التي يفكر فيها الخوارج لن تقوم أو يصعب أن تقوم أقول للتوحيد قائمة.
أنت نريد التوحيد لكن نريد أن نصل إليه بالبناء الصحيح أما هم لا لا يصلوا بطريقتهم لتحقيق التوحيد أصالة في حياة الأمم والمجتمعات لأنهم كلما أجادوا بنيانهم بطريقتهم هُدم لأن الإسلام يقوم على منطقية الأسباب ومنطقية القبول بسقف الممكن إلى أن تاتي الفرصة السانحة فتنقض عليها لكن هذه فرصة قدرية الله يهيئها وأنت تبذل الأسباب للوصول إليها في الوقت المناسب تنقض عليها وتمسك بها أما ما سوى ذلك فأن تشتت المسلمين تضعف قواهم تنخر بهم تجعل التكفير هو الذي يحكم حياتهم وأن يكفر بعضهم بعضاً ويعتدي بعضهم على دماء بعض.
وحقيقة العدو الخارجي خارج أمريكا ومؤسساتها الكبرى راند وغيرهم هم من خلال دراستهم للشرق الأوسط ما يسمونه استطاعوا أن يدركوا هذه النبتة نبتة الغلو وأن هي الورقة الرابحة لأمريكا وللصهيونية العالمية اليوم الغلو هي إحدى الأوراق الرابحة ليه؟ لأنه هم يعرفون أنك طائفة من المسلمين من جهالهم ومتوسطيهم خلص هي الفكرة هي المسيطرة عليهم فكرة أننا نريد أن نصل للصورة الكاملة وأن أي وصول لحلول جزئية بده كفر وردة فبالتالي أصبحت أمريكا تستغل هؤلاء لضرب هؤلاء. خلص جيب لي خل هم ما رح يوصلوا الصورة الكاملة وفي ناس منهم بدهم سيكفرون من يقبل بسقف الممكن، فظلك جيب هؤلاء ينطعون هؤلاء جيب هؤلاء يكفرون هؤلاء فيبقى بأسهم بينهم شديد ونحن نبقى بالسيادة والقيادة وتبقى لنا الأمور.
وليش أمريكا تستنزف جنودها؟ ليش الصهيونية العالمية تدخل بقواها؟ لا، ما هو عندك الحل البديل أنه هم يقتل بعضهم بعضاً، بكون أنا حافظت على جنودي، حافظت على قوتي، حافظت على نفسي، وخلي هذاك يغني اللي بدياه، خليه يطلع لك أناشيد في التوحيد وحماية التوحيد ويغني لك إياه ويرفع راياته وينزل، كله كلام فارغ، كله كلام فارغ تعرفه أمريكا وأعتادت عليه وأصبحت تدرس جيداً، كله كلام فارغ. لكن المشكلة أنني أحزن ويفت كبدي على هؤلاء الشباب الذين يظنون بأنشودة أنهم رفعوا راية ولا أنزلوا راية أنهم وصل ولا يعرف أنهم بالعكس هناك من يصمم له هذه المقاطع وينتج له هذه الأفكار ليقنعه أنه استمر استمر في غلوك استمر في تفتيت شباب الأمة استمر وأنت تحقق أحلامك هو لا يحقق إلا السراب، سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
تفضل شيخ ما كانت يعني أحكامه ما في شيء الآن لا يوجد أي شكل من أشكال الشرائع موجود أبداً ولا في بعض الشرائع نزلت اللي هو الحجم الموجود، حجم الموجود ثم فرضا حتى لو بعد ذلك هو في النهاية لم يأمره بأن يصرح بإسلامه. هو أصبح خلص عادي هو لم تطالب بالتصريح بإسلامك بل تصنع أن أنه لو كان صرح بإسلامه ابن تيمية يقول إنه أسلم في البداية لو صرح بإسلامه لقتلوه قالوا أنت رجل مسلم تحكمنا ونحن كنا شعب، تمام فلم يُطالب بأن يُظهر لهم، فبالتالي أكيد يعني ما دام لم يصرح بإسلامه إذا أذن بظهور معالم الشرك والنصرانية في بلاده يعني هذا هو الوضع الطبيعي المتصور أنه سيأذن أن يمارسوا في بين يديه وأمام حضرته وفي الأماكن العامة والخاصة أعيادهم وكذا.
فهو لو لم مش ضروري يطبق الحدود تمام حتى يقام، لكن في النهاية هو أذن بأن تستمر كل مظاهر الشرك والكفر وسينظر إليه وهو يبتسم يعني في النهاية أن هو الحاكم ولا يقبل منه ما سوى ذلك إذا لم يؤمر بالمفاصلة ولا بالمباينة ولا بهجرة اليه لأنه بقاؤه في تلك النقطة في تلك المرحلة من حياة الأمة كان مطلوب بقاء هذا الرجل في تلك النقطة كان فيه مصلحة. فبالتالي خلي مظاهر الشرك موجودة عندك على ما فيها ولا نرتضيها لكن الآن بالنسبة لنا مصلحة وجودك في هذه النق هذه المنطقة مش مطلوب منها الآن تكون النموذج الإسلامي الكامل لكن المطلوب منها أن تكون موئلاً -فهمت- هذه حتى سياسة المناطق هي المنطقة أنا مش طموحي أن تكون هي الدولة المسلمه الآن طموح أن تكون موئلاً لمجموعة من المستضعفين إلى أن يأتي الله سبحانه ويأذن الله للدولة المسلمة بمكان مهيا صحيح تستطيع أن تقوم فيه بشكل منطقي ومح يعني في منطقية في التعامل فهذا الذي اريد هذا السقف يكفيكم طبعاً ممكن هذا اللي هو ما كان في شرائعه المكي لكن بعض الصحابة رجعوا من الحبشة في عام فانه حتى بعد العهد البدني بعد نزول التشريع بعد قيام ليلة المدينة لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب، ولو كان لو لم يكن يسعه لبعث إليه.
صحيح لا يمكن، يعني هي استمرت القضية حتى جاء العام السابع من الهجرة، وهم عند هذا الرجل تمام؛ لأنه البعض -طبعا البعض- يقول: لا، هو مات وجاء واحد بعده، واللي بعده هو الذي أرسل له النبي صلى الله عليه وسلم رسله، وهو الذي نعاه. البعض بقول -برجع بقول- إنه في هناك قول آخر غير قول ابن تيمية يرى أنه النجاشي الذي أسلم رجل آخر متأخر، وأنه هذا الذي ذهب إليه الصحابة أولا واحد آخر لم يعلن إسلامه، بقي له شرك، وبتبقى القضية نفسها. يعني أنا برجع: لو بقي مشركا، أنا في النهاية موطن الاستدلال كيف أن الصحابة سيثبتون ملكا غير إسلامي؟ هذا موطن الاستدلال النهائي، كيف سيثبت الصحابة ملكا غير إسلامي؟ لأن المصلحة ذلك، سواء كان هذا النجاشي هو الذي أسلم أو تأخر هو ليس المسلم، وإنما الذي أسلم شخص آخر، أن نفهم أن السياسة الشرعية شيء، وأن العقائد التي لا نقبل المساومة عليها شيء. العقائد: هذا شيء في قلبك تؤمن به، تجهر به بين جماعتك، لكن الآن لما يأتي وقت العمل والانزال على الواقع، هذا مقام آخر، هذا مقام ينبني على سقف الممكن وأخف الضررين. أما المزايدة بين هذا وهذا وخلط الأوراق فيها، هذا يدل على حقيقة جهل بقواعد الشريعة.
في هذه الحالة التي لم نستطع... لا، أخي الكريم، ليس مناط المسالة الاستدامة أو الأحداث، يعني هذا ليس هو مناط المسألة هنا. مناط المسألة ما هو؟ المصلحة المرجوة، مناط المسألة: ما هي المصلحة المرجوة وسقف الممكن؟ فبالتالي إذا أنا استطعت أن أصل الآن -حتى مثلا يوسف عليه السلام كما يقر جمهور المفسرين- إنه النظام الملكي الذي كان في زمن يوسف، والرجل لم يكن مسلما، ملك مصر، قالوا لم يكن مسلما، لكن يوسف عليه السلام قبل أن يحدث شيئا من الإصلاح والتغيير ضمن هذه البوتقة، وقبل بسقف الممكن؛ لأنه في النهاية يوم يوسف عليه السلام أنا مش رح أصير ملك مصر، لكنني أستطيع أن إيش؟ أن أصنع ضمن هذا النظام، أن أصنع ضمن هذه البوتقة التي هو موجود فيها بدون... بس مع المحافظة على مبادئ وقيمي وعقائدي. فأعود فأقول: هذه كلها ممارسات، ونقلها إلى سماء أنه هذه العقيده وبالتالي من يدافع عنها وكذا طاغوتية أو ما شابه ذلك، هذا حقيقة لم يقرا النصوص في الكتاب والسنة قراءة جيدة، وإنما قراها قراءة مجتزأة؛ لأنه بنى فكرة سابقة، فلما وجد نصوصا متشابهة عليه ومواقع في السيرة تشتبه، قام بصرفها وتاويلها وإحداث أمور يعني مخالفة لما يرغب. فإعادة قراءة النصوص الشرعية قراءة صحيحة، إخواني، مهم؛ حتى لا نوقع أمتنا ولا نوقع الشباب والرجال والنساء والشعوب في أمور نحسب أنها دعوة ونحسب أنها ضريبة الدعوة والتوحيد وهي ليست ذلك، وإنما هي مغامرة غير محسوبة النتائج.
نعم، فقال: ذو ينصره الله خير من الذي ينصره الناس، يقول: الذي ينصره الله خير من الذي ينصره الناس، فأبى ذلك، بمعنى الذي، وهذه إحدى معاني ذو. نعم، قال: رجعنا إلى حديث أم سلمة، قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا الخبر؟ فالنجاشي المهم رفض أن الصحابه يخرجون معه، قال: أنا أكتفي بنصره الله لي. فالصحابه بقوا في أماكنهم يدعون الله سبحانه وتعالى أن ينصر النجاشي، والصحابه بعثوا مبعوثا لهم لينظر إيش حصل في نتيجة الاقتتال بين النجاشي والذي ينازعه. الظاهر يعني -طبعا- النجاشي نحكي إريتريا، الحبشة هي إريتريا تاريخيا بالضبط يعني، إثيوبيا وإريتريا. فلما يقول وصلوا عرض النيل، الظاهر أن الذين ينازعوه كان حاكم مصر ولا شيء من ذلك؟ دائما المشاكل بين مصر والسودان قائمة شكلها.
آه، ممكن، صه. إثيوبيا، صدقت أحسنت، باعتبار أنه مش اليوم في مشاكل بين مصر وإثيوبيا على أحقية حبر؟
طيب، قالت: فقال زبير بن العوام أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنا. فقالت: فنفخنا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح حتى خرج إلى ناحية النيل. عملنا له قربة ورميناه في النيل، وهو صار يمسك بالقربه ويمشي. نعم، قالت: ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: تدعون الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده. قالت: والله أنا لعل ذلك متوقعين لما هو كائن؛ إذ طلع الزبير يسعى ويلوح بثوبه، ويقول: ألا أبشروا، قد ظهر النجاشي، قد أهلك الله عدوه. فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط.
تمام، اليوم لو كان شخص: الله أكبر، يفرحون بنظام غير إسلامي يبقى، يا أخي، تمام، يا أخي أنت يرحم أمتك، هذول الجماعة مستضعفين، ويعني يقول لك: ما فرحنا فرحة أنه ظل النجاشي لنتورط، لنتورط ونرجع إلى كفار قريش ويسوموننا سوء العذاب، كيف تفرحون بالنظام الشركي؟
هي أحيانا بسميها أنا الأدبيات الفارغة، اللي بيضغطك نفسيا وفكر حاله بيتكلم بعلم، يا اخي خلي الناس، هؤلاء قوم ما عندهم حل، خلهم يفرحوا بوجود هذا الرجل ووجود نظامه، وهو أفضل من وجود نظام آخر.
نعم، قالت: فرجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده. استوسق يعني اجتمعت عليه أرض الحبشة. استوسق يعني استتب ملكه. نعم، قالت: فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى جمل هذه القصة أبو داود في سننه من حديث أبي موسى، في الصحيحين من حديث ابن موسى، عن أبي موسى، قال: قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا واخواني لي -أنا أصغرهما- في اثنين وخمسين رجلا من قومي. فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى نجاشي بالحبش. عرفوا أبو موسى الأشعري؟ الأشاعرة.
تمام، الله يرضى عنهم، هؤلاء أبو موسى الأشعري وجماعته، أصلهم قوم في اليمن. وحتى أبو الحسن الأشعري صاحب العقيدة، يعني كلمة أشعري هي في أصلها ماذا يا جماعة؟ هي قبيلة يمنية، اسم قبيلة يمنية. فلما كان أبو الحسن الأشعري صاحب العقيدة منسوب إليها، صار فكرة العقيدة الأشعرية، لكن هي أصل كلمة أشعري، أبو موسى الأشعري وأصحابه من الصحابة الكرام، قبيلة يمنية. أرادوا أن يركبوا سفينة، سبحان الله، لياتوا إلى المدينة النبوية، فالسفينة جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، جاءت الرياح فألقتهم إلى أين؟ إلى الحبشه، بدل ما تكون السفينة تتجه إلى المدينة، قدر الله أن الرياح هبت فألقتهم إلى الحبشة. فوجد نفسه أبو... أبو موسى، وجد أبو موسى الأشعري نفسه عند الحبشة، وجد الصحابة الكرام هناك، قال: فمكثت معهم أنا وقومي حتى قدمنا في عام السابع أيضا من الهجرة.
نعم، قال: فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. قال: وافقنا أن وجدنا... فوافقنا أن وجدنا جعفر في الحبشة. نعم، قال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وامرنا -يعني- بالاقامة فأقم معنا. قال: أقمنا معه حتى قدمنا جميعا. قال: وافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر فقسم لنا منها، وما قسم لأحد غائب عن فتح خيبر غيرنا إلا لمن شهد معنا؛ أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم. تعرفوا النبي عليه الصلاه والسلام فتح خيبر، وهو -سبحان الله- صادف فتح خيبر قدوم الصحابة الكرام من الحبشة، قدوم جعفر وأبي موسى الأشعري، فالنبي عليه الصلاة والسلام تطيبا لخاطر هؤلاء الصحابة الذين قدموا من الحبشة، أعطاهم من غنائم خيبر مع أنه ما شاهدوا المعركه، ما حضروها، أعطاهم من غنائم خيبر -يعني- هدية لهم على هذا القدوم وتطيبا، ولم يعطي أي شخص لم يشهد خيبر شيئا منها إلا هؤلاء؛ أصحاب سفينة أبي موسى الأشعري وأصحاب جعفر بن أبي طالب.
نعم، قال: وكان ناس من الناس يقولون لنا، يقولون لنا -يعني اهل السفينة-: سبقناكم بالهجرة. قال: ودخلت أسماء بنت عميس -وهي ممن قدم معنا- على حفصة زائرة، وقد كانت هاجرت إلى نجاشي في من هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر: رحم الله أسماء، من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس. فقال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. عمر بقول: آه، هي الحبشية اللي سافرت على الحبشة؟ أسماء بنت عميس البحرية اللي جات من البحر؟ قالت أسماء: نعم، أنا الحبشية البحرية، إيش عندك يعني؟
قال: فقال... فقال عمر: نحن سبقناكم بالهجرة إلى المدينة. طيب، قال: فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فغضب... فغضبت، وقالت: يا عمر، كلا كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله تبارك وتعالى وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. نعم، راح أجيب المعلومة زي ما هيك، كما يخبرني النبي عليه الصلاة والسلام.
نعم، قال: فلما جاء النبي... فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا. قال رسول الله: فماذا قلت له؟ قالت: قلت كذا وكذا. قال: ليس بأحق بي منكم، وله ولاصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان. آه، فالنبي عليه الصلاة والسلام طيب خاطرها، قال لها: أنتم لكم هجرتين، هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة. نعم، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الإنسان المحافظ على حقه، -يعني شوف- أسماء بنت عميس ما استحت من عمر بن الخطاب وقالت له: خلص، اللي بدك اياه يا عمر، خلص أنت وأصحابي، لا، دافعت عن حقها، وهذا شيء يجب يفهم الإنسان حتى في شخصيته؛ أن الإنسان إذا له حق يدافع عن ويطلب، والنبي صلى الله عليه وسلم لا، ذكر لها حقها، ما قال إن عمر والله مقرب مني بالتالي خلص يا أسماء ترجعي عليه مشي له إياه، لا، النبي صلى الله عليه وسلم هنا يعلم الإنسان أن يحافظ على حقه: أنا فهاجرت إلى الحبشة وكنت في أرض مستبعدة ضعيفة، وأنت جالس مع النبي عليه الصلاة والسلام يأويكم يدير باله عليكم، نحن كنا لحالنا النبي عليه الصلاة والسلام ما كان معنا، كنا في حالة صعبة. فمدافعه الإنسان عن حقه ومطالبته بها، هذا لا يعني سوء أدب، يعني بعض الناس يربط أنه المدافع عن الحق دائما هو سوء أدب، لا، أسماء بنت أبي عميس دافعت عن حقها، وهذا جزء من شخصية الإنسان القوي، حتى لو كانت امرأة تأخذ حقها وتدافع عن... طبعا بأدبيات والكلام المسموح، ضمن الحد المعقول.
نعم، قالت: فلقد رايت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسالوني عن هذا الحديث، ما من شيء أهم هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. صار أبو موسى الأشعري وكل أصحابه كل شوي ياتون على أسماء بنت عميس: والله عيدي لنا شو الحديث اللي قال لك اياه النبي عليه الصلاه والسلام؟ مبسوطين أن النبي عليه الصلاه والسلام قال لهم: لكم هجرتان.
نعم، قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. أخرجه في الصحيحين البخاري ومسلم. أخرج في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، قال: «استغفروا لأخيكم». وعنه رضي الله عنه قال: نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي يوم توفي، وقال: «استغفروا لأخيكم». ثم خرج بالناس إلى المصلى فصفوا وراءه وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات. أخرجه...
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعا. اخذ الصح...
نعم، قال: فصل وكان أول ما... ما أنزل الله تعالى عليه الصلاة والسلام الوحي، وع... وكان أول ما أنزل عليه وسلم الوحي عرض خديجة، عرضت... عرضت خديجة امراته أمرة على عالم كبير من علماء النصارى يقال له ورقة بن نوفل. طيب، النموذج الثاني للنصارى الذين أسلموا مبكرا، نموذج أيضا مين؟ ورقة بن نوفل. وقد جاء في بعض الأحاديث وإن كان في أسانيده شيء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ورقة بن نوفل في الجنة؛ لأن ورقه بن نوفل النصراني، تمام، أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لم يدرك قالوا زمن الصدع بالدعوة، وتوفي في المراحل الأولى التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بعد بدايه الدعوة، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رايته في الجنة».
نعم، قال: وكان من العرب المتنصرة. فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى بن عمران، ليتني فيها جذعا حين يخرجك قومك؛ يعني ليتني أكون شابا، فانه كان شيخا كبيرا قد كف بصره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجيهم؟» قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما أوتيت به إلا عودي... أو أوتيت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. رواه أصحاب الصحيح.
وقدم إليه بمكة طائفة من أهل الكتاب من النصارى فآمنوا به، فآذاهم المشركون فصبروا واحتملوا أذاهم، فانزل الله فيهم. وهذا نموذج آخر، قيل إن الطائفة من النصارى أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكه فآمنوا به، وجاء أبو جهل فسبهم وشتمهم فلم يردوا عليه شيئا، وهؤلاء الذين أنزل
الله فيهم، في سورة القصص: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107]، إلى آخر الآيات. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55]، وقيل اللغو هنا شتم حكَم أبي جهل لهم، فأعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالسلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين.
نعم، قال: وروى البيهقي في كتاب دلائل النبوة وأعلام الرسالة عن أبي عبد الله الحاكم، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس عن بن إسحاق قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلاً وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره في الحبشة، فوجدوه في المجلس فكلموه وسألوه ورجال قريش في أنديتهم حول الكعبة.
فلما فرغوا من هؤلاء الوفد الذين أسلموا -الظاهر أنهم قدموا من الحبشة، لأنه قال: أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره في الحبشة، فممكن يكون من الحبشة أو من مناطق حولها- نعم، قال: ثم قدم عليه وسلم رجل مكة قريبا من ذلك، قال: عفواً ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله وتلا عليهم القرآن.
فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتدون لهم، فتاتونهم بخبر الرجل، فلم تطيعوا مجالسكم عنده حتى فرقتم دينكم وصدقتموه بمقال ما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم، أو كما قال لهم.
فقالوا: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نجاهلكم يعني لا نشتمكم كما شتمونا، هذا معنى لا نجاهلكم. نعم، قالوا: لا نألو لأنفسنا إلا خيراً، ويقال والله أعلم أن فيه نزلت هؤلاء الآيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: 52] إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55].
فصل: ولما كان بعد عام الحديبية ومهادنة قريش، أرسل صلى الله عليه وسلم، أرسله إلى جميع الطوائف، فارسل إلى النصارى، نصارى الشام ومصر، فأرسل إلى هرقل ملك.. هذا الشاهد الذي يريد أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل رسائله إلى ملوك الأرض، أرسل أيضاً إلى من أرسل؟ إلى هرقل ملك النصارى، وأرسل إلى المقوقس الذي كان في مصر وهو أيضاً نصراني على فصيلة الأقباط.
طيب لو كان عليه الصلاة والسلام ليس مرسلاً إلى النصارى، هل خاطب هرقل؟ هل خاطب المقوقس في مصر؟ فهذه المخاطبات تدل دلالة يقينية أنه مسؤول عن مخاطبتهم ودعوتهم. نعم، قال: وقد قيل إن هرقل هذا هو الذي زادت النصارى له في صومهم عشرة أيام لما اقتتلت الروم والفرس، وقتل اليهود، قتل اليهود بعد أن كان قد امنهم، فطلبت منه النصارى قتلهم، وضمِنوا له أن يكفروا خطيئاتهم بما زادوه في الصوم.
يعني قال النصارى لزعيمهم: اقتل اليهود ونحن بنكفر خطيئتك -مش بقول لك النصارى عند قضية الخطية؟ نحن بنكفر عنك خطيئتك شو بتعمل؟- طيب، حتى تكفروا خطيئتي؟ بنصير نصوم لك كمان 10 أيام. طيب، قال: وكانت الفرس مجوساً، والروم نصارى، وكانت المجوس الفرس غلبت النصارى أولاً، وكان هذا في أوائل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة واتبعه قليل، ففرح المشركون بانتصار الفرس أنهم أقرب إليهم من أهل الكتاب، واستاء المسلمون لذلك.
فدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على.. نعم، المشركون كانوا يحبون انتصار الفرس، إنه كان يجمعهم مع الفرس أنهم ليسوا أهل كتاب، بينما المسلمون كانوا يحبون انتصار الروم لأنهم أهل كتاب، صح هم حرفوا كتابهم ولكن حتى هذا البعد، وهي كل أفكار أنت بدها تفكر فيها أنه هل معقول أنه أنا أفضل انتصار دين على دين وإن كان كلاهما باطل، أو كلاهما فيه شرك، أو كلاهما فيه تحريف، هذا يتصور هذا البعد.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يلغ هذه العاطفة، ما قال لهم كلهم مشركون تمام، ولا هذا اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرج المسلمين سالمين زي ما بحكوا الناس اليوم، تمام؟ ترى هذا مش صحيح، بس علمياً هذا الإطلاق بهذه الطريقة مش صح، حتى المخالف لك يعني هذا كافر وهذا كافر، تمام، بس هم متفاوتون في المراتب، وبالتالي فرح الإنسان بغلبه شخص على شخص هذه لا تعني وجود انتقاص في العقيدة، بل قد تكون أيضاً لها أبعاد من السياسة الشرعية المطلوبة للمسلم أن يفهمها، فدائما هذه الإطلاقات العريضة..
أنا أعرف أنها إطلاقات العوام إخواني، يعني هسا أما في مجالس العوام نحن ما بنعلق لأني أنا أعرف المستوى الذهني في الفهم، هي الأمور: خلص يا شيخ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، شوف العوام امشي له إياه مش مشكلة، خلص هذا شو بدك تحكي يعني؟ يا بدك إنت وإياه يا بده يطلعك مع هذول ولا مع هذول، فخلص شيخ خليني أحكي مش مشكلة.
وهذا بده يكون سقف عندك أنه مش كل شيء أنت تؤمن به تحتاج أن تتكلم به، لا، إنتم الآن طلبة علم وغداً تكونوا أسياد قوم، بالتالي بدك تفهم في أمور معينة أحياناً نخلي العوام يحكوا، لأنه أولاً ما حدا سائل، مش رح ينبني على أقوالهم شيء، ومحاورة الإصلاح أحياناً في نطاق معين من الألفاظ بتكون متعبة وقد تأتي لك أنت بوجع الراس والناس تكلم وكذا، لكن في السياقات العلمية طلاب باب العلم يجب أن تفهموا حقيقة أنه يعني الأمور مش بهذا الإطلاق الصرف فقط: اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، لا، فيها أبعاد في السياسة الشرعية، لأنه أنت قد تكون مصلحتك في مرحلة معينة أحد الفصيلين بغض النظر من هو الآن، قد تكون مصلحتك أحد الفصيلين قد يكون هو الأخف ضرراً، عادي جداً أن يكون هو الأخف ضرراً، وبالتالي أنت مصلحتك أنه هو الذي يفتك الآن، ثم ممكن في مرحلة أخرى تكون مصلحتك أنه الثاني يفتك في مرحلة معينة، هذه أمور يخضع لها الواقع والدراسة وما شابه ذلك.
نعم، الإسلام الإنسان يريد انتصار الإسلام كلياً، لكن ضمن الصراعات الاستضعاف كان الصحابه بالنسبة لهم انتصار الروم أحب إلى قلوبهم، وإن كان الروم نصارى ومشركون وكذا وكفار أحب من انتصار الفرس، والنبي عليه الصلاة والسلام ما قال هذا بعد غير صحيح في حياتكم، ما قال إن هذا يمس جناب العقيدة، ما قال هؤلاء ظالمون وادعوا الله أن يخرجكم من بينهم سالمين، هذه كلها كلام يمشي الحال، النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا لهم، بل بالعكس يعني يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ربما فعلاً أن في تلك المرحلة أن النصارى كانوا أقرب لأهل الإسلام من اليهود مع أن كليهما مشرك.
قال سبحانه: ﴿لَتَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] في مرحلة معينة هذا مشرك وهذا مشرك، بس هذا أفضل حال بالنسبة لي من غيره، هذا ممكن أتفاهم معه على سقف معين ونصل، لكن ذاك همجيته وقتله أكثر وقس على ذلك أفكار كثيرة، هذا فقط يعني أقول لكم كطلبة علم تفهموا أنه ما تكونوا كعوام المسلمين بل هناك أبعاد معينة يجب أن تنظروا فيها.
صلحاً أيضاً، حديث: «ستصالحون الروم صلحاً آمناً وتقاتلون أنتم وهم عدواً من ورائكم»، تمام، يعني هناك أفكار كثيرة يمكن تجد في السياسة الشرعية يجب أن يفهمها الإنسان ويعقلها.
طيب قال: فدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على رسول الله وسلم أخبر مصار فلوس على الروم، فانزل الله تعالى الملام: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ [الروم: 1-5]، وكان هذا مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون فكان كما أخبر.
ولما ذكر ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كذبوه، فرهن أبو بكر الصديق وكما ذكر هذا المفسرون والمحدثون، قال سنيد في تفسيره وشيخ البخاري قال: حدثنا حجاج عن ابن أبي ذئب عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي أنه قال: لما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5].
خرج أبو بكر وهو يقرأها بمكة رافعاً بها صوته: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 1-4]، فقال له رؤوس أهل مكه: ما هذا يا ابن أبي قحافه؟ لعله مما يأتي به صاحبك. قال: لا والله ولكنه كلام الله وقوله تبارك وتعالى. قالوا: فذلك بيننا وبينك إن ظهرت الروم على فارس في بضع سنين. فرهنهم أبو بكر، ففتح الله للروم على فارس في بضع سنين دون التسع، فأسلمت عند ذلك خلق كثير من المشركين.
قال ابن مكرم: وإنما كانت قريش تستفتح يومئذ بالفرس لأنهم وإياهم أهل تكذيب بالبعث وأهل أصنام، وإنما كان المؤمنون يستفتحون يومئذ بالروم لأنهم وإياهم أهل نبوة. يستفتحون يعني يرجون انتصار الروم.
نعم قال: فانزل الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ [الروم: 4-5] وهذا الحديث رواه الترمذي في جامعه فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 1-4] فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4-5].
وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا باهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 1-4].
قال الناس من قريش إلى أبي بكر: فذلك بيننا وبينك وبينكم زعم صاحبكم إلى الروم ستغلب الفارس في.. ولاحظ هنا يعني كيف أن الصحابه الذين كانوا يفرحون بانتصار الروم في مرحلة معينة هم بعد ذلك هم قاتلوا الروم وذبحوهم ذبحاً في الشام.
يعني أنا أصدق أنه أنا في مرحلة معينة أرغب أنه هذا ينتصر على هذا مصلحتي، لا يعني أن هذا معناته أن أنا لا.. هذا جاي له أنا مخبي له مشوار مرتب، تمام؟ وقاتلوا الروم قتالاً عنيفاً حتى استأصلوا خضراءهم في الشام، بس هذه مشاعر معينة ومراحل معينة في النهاية والله أنا مصلحتي الثاني ينتصر على فلان، عادي جداً ما فيا مزاودات هنا يعني هذه مشكلة مزاودة، هي مش مزاودة، هذا واقع أن أنا في مرحلة معينة بدي فلان تنتصر على فلان، بدي أوكرانيا تنتصر على روسيا، روسيا تنتصر على أوكرانيا، يعني جداً طبيعي هذا التفكير في الأبعاد السياسية وايش مصلحة الإنسان بينهم، لأنه بعض الشباب هو يقول لك يظن أن المواضيع سهلة هكذا كلها تؤخذ بالسهولة وأنه إن شاء الله روسيا وأوكرانيا تعيانياً، بالنسبة لك قد يكون أذية طرف معين أكثر أهمية، يعني هي مصلحتك ولك فيها بعد معين أنت تريدها الآن، هذا ولا يعني أن الطرف الآخر بالنسبة لك مقبول، وإنما بالنسبة لك أنت تعد له لقاء آخر مش هذا وقته، هكذا تفهم القضايا.
نعم، قالوا: أفلا نراهنك على ذلك؟ فارتهن أبو بكر والمشركون، فظهرت الروم على فارس في بضع سنين، وأسلم بعد ذلك ناس كثير من المشركين.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، يعني غريبه من هذا الوجه وإلا فهو مشهور متواتر عند أهل التفسير والمغازي وحديث الفقه، والقصة متواترة عند الناس.
وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم على فارس لأنهم اهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثان، قال: فذكروا ذلك لأبي بكر فقال: فذكروا أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فانزل الله صل وسلم وبارك عليه، فانزل الله الروم.. نعم نعم الآيات.
نعم، قال: فذكر أبو بكر المشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا وإن غلبوا كان لنا كذا وكذا. هذا الرهان وهذا كان لم يأت الإسلام بتحريمه بعد، فهذا كان في مكة، فأبو بكر بحكي إذا المشركين ستنهزم الفرس بنص القرآن، المشركين في مكة قالوا: لا، ما راح تهزم الفرس، إيش نخلي بيني وبينك؟ نعمل رهان، قال: إذاً أبو بكر قال: أنا قابل بالرهان، فماذا قال؟ قال: اجعل بيننا وبينك أجل، احكي مثلاً على خمس سنين إذا انتصر الفرس نحن.. أنت بدك تدفع لنا 100 دينار وإذا انتصر الروم أنت بتدفع لنا..
لما جاء تحريم القمار بعد ذلك صار حراماً، لكن في تلك المرحلة المكية لم يكن هذا الرهان حراماً بعد. طيب قال: فذكر ذلك.. فذكر ذلك أبو بكر.
فقال له: هل احتطت أفلا جعلته إلى العشر؟ طبعاً هو فأن أبو سفيان وضع لهم الرهان على خمس سنين اثنين، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: الآية شو قالت؟ في بضع سنين. البضع من ثلاثة إلى تسعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سفيان: روح عدل صيغة الرهان، قول لهم: لتسعة؛ لأنه هذا أقصى شيء في الرهان، في البضع عفى، فانت احتط خلّه للتسعة.
نعم، قال: قال سعيد بن جبير: والبضع ما دون العشر. قال: فغلبت الروم ثم غلبت، فذلك قوله: ﴿الٓمٓ غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: 1-2]، هي كانت غلبت ابتداءً ثم غلبت فعلاً قبل أن تنتهي التسع سنوات.
نعم، قال: وهذا أيضاً أخرجه الترمذي عن الحسين بن حريث، حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن زيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة. ورواه أيضاً من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه أيضاً من حديث الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وذهب طائفة العلماء إلى أن الخبر جاء بظهور الروم على فارس يوم بدر، وذهب آخرون إلى أنه يوم الحديبية، وهذا هو الصحيح، وهو الراجح الصحيح أن انتصار الروم على فارس كان في عام الحديبية.
كان عام إيش؟ مش يوم بدر، في عام الحديبية، عام ستة هجري؛ لأنّه بعديها قالوا إن ملك الروم شكراً لله ذهب إلى بيت المقدس مشياً على أقدامه.
نعم، قال: وهِرقْل كان قد مشى شكراً لله من حِمْص إلى بيت المقدس شكراً لله لما نصره على فُرس، فوفاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه للإسلام عقب نصر الروم على فارس، ففرح النبي صلى الله عليه. الكتاب الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابي وصل إلى ملك الروم عقب انتصاره على الفرس.
نعم، قال علماء السير: فلما انتصرت الروم وخرج هِرقْل ملك الروم من منزله من حِمْص ماشياً على قدميه إلى بيت المقدس متشكراً لله عز وجل حين رد عليه ما رد ليصلي فيه، فلما انتهى إلى بيت المقدس صلى فيه، وقدم عليه حينئذٍ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية الكلبي أدعوه إلى الإسلام. دحية بن خليفة الكلبي هو الصحابي الذي كان مسؤولاً عن توصيل الرسالة إلى ملك.
نعم، قال: قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس قال: حدثني أبو سفيان قال: كنا قوماً تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حصرتنا حتى قد هلكت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني التي عقدت يوم الحديبية)، فلما عقدت الهدنة أمنا، فخرجت في نفر من قريش. أبو سفيان بالحرب كان لم يسلم بعد، يعني بعد صلح الحديبية لسه أبو سفيان كان كافراً في تلك الفترة.
نعم، قال: خرجت في نفر قريش تاجراً إلى الشام، وكان وجه متجرنا فقدمتها حين ظهر هِرقْل على ما كان عرضه من فارس وأخرجهم منها. هذا هو موطن الشاهد، يعني ابن تيمية أتى بهاته، فاتيتها لما ظهر هِرقْل على فارس، إذاً هذا يدل على أن انتصار الروم على فارس كان في فترة صلح الحديبية.
نعم، قال: وانتزع له صليبه الأعظم، وقد كانوا سلبوه إياه، فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ له، وكانت حِمْص منزلة، فخرج منها على قدميه متشكراً لله عز وجل حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس، وبسط له الطريق بالبسط وتلقى عليها الرائحين. فلما انتهى إلى إيليا وقضى فيها صلاته ومعه بطارقة (إيليا اللي هي بيت المقدس).
نعم، قال: واثاقفته الروم، قال: وقدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية الكلبي، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هِرقْل عظيم الروم، السلام على من تبع الهدى، أما بعد: فاسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين (يعني الأكارين).
نعم، قال ابن إسحاق: وقال ابن شهاب: حدثني أسقف من نصارى في زمان عبد الملك بن مروان، زعم لي أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره هِرقْل وعقله قال: لما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية أخذه فجعله على خاصرته، ثم كتب إلى رُومِيَّة، كان يقرأ من عبرانيته، يذكر له أمره، ويصف له شأنه، ويخبره ما جاء منه. فقال: فكتب إليه صاحب رُومِيَّة: أنه النبي الذي ننتظره لا شك فيه، فاتبعه وصدقه.
فأمر هِرقْل ببطارقته الروم فجمعهم له في دسكرة (يعني هِرقْل لما جاءه هذا الكتاب بعث رسالة إلى رجل، يعني كأنه راهب ولا شيء من أهل رُومِيَّة، هذه منطقة لا أدري أين هي الآن، وهذا الرجل كان يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب السابقة، فهِرقْل سأل هذا الرجل الذي يثق به: إيش رايك بهذا الكتاب وبهذا الرسول الذي خرج في جزيرة العرب؟ وهذا الرجل الذي الراهب أو الأسقف الذي يذكر في رُومِيَّة كتب إلى هِرقْل: هذا نبي صح، هذا النبي الذي تنتظره لا شك فيه، ونصح هِرقْل بأن يتبعه وأن يصدقه).
طيب، هِرقْل ماذا فعل؟
نعم، قال: فجمعهم له في دسكرة ملكه، وامر بها فأشرجت عليهم أبوابها، ثم اطلع عليهم وخافهم على نفسه. وقال (هِرقْل كان خايف، يعني شوف هِرقْل كان رجل واعي حقيقة، حقيقة كان رجل واعي ورجل يبحث عن ومتعلم، مش انسان عفوًا أهوج وشغل، لا، انسان مثقف ومتعلم وبيحاول يبحث عن الحقيقة، ولما سأل تبع رُومِيَّة وقال له تبع رُومِيَّة: هذا نبي صح، يعني بدك تتبعه وتصدقه، فهِرقْل وقع في يده إيش يسوي؟).
فقال: فجمع بطارقته وأساقفته وكذا في داخل إيش القصر، دسكرة ملكه يعني في القصر، وأمر بإغلاق أبواب القصر من الخارج تمام، أمر بإغلاق أبواب القصر من الخارج، بعدين خرج، ما طلع بين أيديهم خاف أن يقتلوه، طلع على شرفة داخل القصر يخاطبهم من الشرفة العالية حتى لا يسارع أحد فيقتله.
طيب، قال: وخافهم على نفسه، وقال: يا معشر الروم، إي أني قد جمعتكم لخبر أنه قد أتاني كتاب هذا الرجل ليدعوني إلى دينه، وأنه والله للرجل الذي كنا ننتظر ونجد في كتبنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه. فبدا المهم، قال: أنا بدي أحكيه ابتداءً الآن أمامهم وأرمي هالكَلِمة وأشوف كيف تجاوبهم وكيف تفاعلهم معها. فلما طلع على الشرفة هِرقْل (تخيل هذا هِرقْل زعيم الروم تمام)، وبدا يتكلم أنه جاءني كتاب من هذا الرجل وسألت عنه أنا الأساقفة الصادقين وقالوا هو نبي صحيح وهو الذي ننتظره، فإيش رايكم نتبعه ونصدقه؟
فماذا قالوا؟ قال: فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
نعم، قال: فنخروا، نخرت رجل واحد! هذا تعون النجاشي واضح النخر هذا عند الأساقفة، نخروا نخرة ورفضوا، وكيف وكيف نغير ديننا وهذه القصص.
قال: ثم ابتدروا أبواب الدسكرات ليخرجوا منها، وصار في فوضى في المكان وصاروا هم إيش يطلعوا من القصر (نوع من الفوضى العارمة والرفض التام). فلما أرادوا بده يفتحوا أبواب القصر وجدوا أنه هِرقْل كان مسكرها زي ما حكينا، مسكرها من البداية.
نعم، قال: فوجدوها قد أغلقت دونهم، فقال: كرّوا عليه وخافهم على نفسه. فكرّوا عليه، آه، قال: فصار يحكي، جنّده الجنود، خلص رجعوا، رجعوا الأساقفة، رجعوهم، بدي أتفاهم معهم مرة ثانية. وأخاف، هذه مشكلة هِرقْل للاسف، يعني هنا يفشل الإنسان أحياناً لما يخاف على ملكه مقابل دينه. الرجل لا قدم الدنيا على الدين، ولا هو كان يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم وقال في وخاطبته لأبي سفيان: أن ملك ابن أخيك سيصل إلى مكان قدمي. كان يعرف كل شيء، رجل متعلم مثقف قارئ، مش رجل أهوج، لكن في النهاية لماذا فشل؟ اللي هو يعني كما نقول أن أبا طالب أيضاً فشل في النهاية، أن أبا طالب فشل على ملة عبد، خلص قضية مثلاً موروث الآباء. هنا الملك هذا مثلاً بالنسبة لأبو طالب كانت إشكالية الفشل اللي هي التقاليد التي خاف يتجاوزها والسمعة.
هون المشكلة كانت مشكلة الملك الذي خاف أن يزول، وبالتالي هو فضل أن يبقى ملكاً على الروم من أن ينقذ نفسه من نار جهنم. فنسأل الله عز وجل أن يقينا من هذه القضايا، يعني من المؤثرات الخارجية التي تحول بين الإنسان وبين قبول الحق. هناك مؤثرات كثيرة تؤثر على الإنسان تجعله يرى الحق لكن لا يتبع تأثيراً لهذا المؤثر.
نعم، قال: فكرّوا عليه، وقال: يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة التي قلت لكم لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي حدث. يعني قالهم: أنا ترى إنما أردت أن أختبركم فقط، شوف هل أنتم متمسكون بدينكم الرومي أنا فقط لما قلت لكم دعونا نتبع هذا النبي هو اختبار لكم حتى أختبر هل أنتم متمسكون بهذا الدين أو لا، مش أكثر، ولا أنا ما بدي أتبعه.
نعم، قال: فقد رايت منكم الذي أُسرُّ به، فوقعوا سجوداً، وأمر باب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا. وهذا حديث مشهور من حديث محمد بن إسحاق، وهو ذو علم وبصيرة بهذا الشأن، حفظ ما لا يحفظه غيره (قال تزكية من ابن تيمية لابن إسحاق).
نعم، شفق يهرب بنفسه هذه أقل الأحوال.
نعم، هل مثلاً؟ لا هو الأصل أنه يهرب بنفسه، خلص أنا عارف هذول الجماعة ما رح يقبلوا أكون أنا زعيم الروم ومسلم، وأنا أعرف أن هذه دولة ولا تقبلني، بالتالي عليه أن يهرب بنفسه. حتى لو الآن أكره على أن يقول خوفاً، بعدين كان لازم يهرب بنفسه يعني ماشي ممكن يقول في هذا الموقف بحد ذاته كان بإمكانه أن يخرج لهم أنه أنا لسه كذا من باب أنه ينجو بنفسه من القتل، لكن ما بعدها الأصل أنك هربت دبرت حالك في أرض من أرض الله. لا الرجل بقي مصراً على ملكه ومستمراً عليه.
نعم، فإصلا شوف إيش ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف ملك الروم ماذا قال؟ قال: ظن بملكه. هيك الحديث جاء، وهذا بالتالي توصيف من النبي عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق عن المؤثر الحقيقي، المؤثر على مش خوفاً، قال: ظن بملكه (يعني هو حب الملك فلذلك رفض الإسلام، مش قضية أنه إكراه).
أحسنت، هو ما فعله ولم يذهب إلى اتجاه الإسلام بل خلص كما فعل أبو طالب يعني خلص قال: يا عمي الإسلام مش هالشيء الكبير بالنسبة لي الآن خليني أحافظ على ملكي، فالرجل ظن بملكه.
أم في النهاية بعد هذا الموقف تحية وأعطاه داي وأخبره بأنه أسلم كذب؟
والله ما أعرف ما، والله ما أعلم، صراحة.
قال: قال ابن إسحاق: وأخذ هِرقْل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله في قصبة من ذهب وأمسكه عنده تعظيماً لهذا. وهذا يدل على أن هِرقْل كان ردّه محترم على الأقل، أفضل من رد ملك الروم الذي ملك الفرس الذي مزق الرسالة.
نعم، قال: وهذه القصة مشهورة ذكرها أصحاب الصحاح في البخاري ومسلم، والسياق للبخاري عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هِرقْل أرسل إليه فرق من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان مادّ بها أبا سفيان بن حرب وكفار قريش، فاتوه أولياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يسمع أنه نبي؟
فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقرب نسباً. فقال: أدْنوه وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال ترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه.
قال أبو سفيان: والله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ الكذب لكذبت عليه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول قول أحد منكم قبله؟ قلت: (يعني هل ادعى أحد النبوة قبله؟). نعم. قال: فهل كان من آبائهم ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس تبعوها أم ضعفاؤهم؟ قلت: ضعفاؤهم. فقال: أي يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد منهم أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: هذه يعني الجملة الوحيدة التي استطاع أبو سفيان يدخلها، قال: هو لا يغدر لكن احنا الآن في صلح والله يستر يعني شو رح يسوي فينا. يعني قال: هي الكلمة الوحيدة التي أدخلتها فيها هوى.
نعم، قال: ولم يمكنني، ولم يمكنني كلمة أدخل أدخل فيها.
قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: حرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: فماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال لي الترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت لا، فقلت: لو كان أحد قال بهذا القول قبله, قلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان في أبيه ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس تبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم تبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه. شوف الإجابات، يعني رجل متعلم، رجل مثقف، رجل يعرف الإيمان كيف تخالط بشاشة القلوب وأثر ذلك. نعم، قال: وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بما يأمرك؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. شوف حتى الاحتراميات: لو كنت عنده لغسلت قدميه.
نعم، قال: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقراه فإذا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من تبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن إثم الأريسيين عليك، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنََّّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، فرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فانا مع النبي عليه الصلاة والسلام.
هرقل ملك الروم قرأ الرسالة أمام أبو سفيان، وكانوا لسه مش مسلمين فابو سفيان انضغط يعني، قال: أمر أمر ابن أبي كبشة. طبعا أبو كبشة قالوا هذا أحد أجداد النبي عليه الصلاة والسلام، أحد أجداده يلقب بأبي كبشة. أحد أجداده من أمه، طيب أنا ما عرفت أن من أمه، لكن قال: أحد أجداده كان يلقب بأبي كبشة، وقيل أبو هذا أحد هذا الجد، لماذا أبو سفيان نسبه إليه؟ قيل يعني في حقيقة سيناريوهات كثيرة قرأتها، لكن البعض قال إنه كان رجل متنسكاً، يعني متنكاً من رجال العرب، هذا أبو كبشة من أجداد النبي عليه الصلاة والسلام.
الشيخ عمر يضيف أنه من جهة أمه، أي كان رجل متنسكاً، فلذلك قال له النجاشي، فلذلك أبو سفيان قال يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام، مش النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من أهل العبادة والتنسك كحال أحد أجداده، فلذلك نسبه إليه.
وكان ابن الناطور صاحب إيليا أسقفاً على نصارى أهل الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوماً خبيث النفس، فقال له بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور، وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوا: زي كاهن، كاهن، هذا معنى حزاء: «إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن ملك الختان قد ظهر، فمن يختن من هذه الأمة؟». قالوا: ليس يختن إلا اليهود، فلا يهمك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود.
فبيناهم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ملك غسان والغساسنة عموماً كانوا في جنوب الأردن وما حولها، وكانوا ولاؤهم من الروم. فهذا ملك غسان بعث رسالة للزعيم الأكبر لهرقل أن هناك رجل من العرب خرج يدعي النبوة.
فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا المختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، قال: هم مختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل فعرف هرقل أن هذا الذي سيخرج ليس من اليهود، إذاً هو من العرب هم أمة ختان أيضاً.
ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان هرقل نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأيه، كأنه لم يفارقها، لم يخرج عن حمص إلا وقد وصل إليه كتاب صاحبه من رومية، يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي.
فأذن هرقل لعظماء الروم في دير له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع عليهم فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتتابعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم ويئس من الإيمان منهم قال: ردوهم، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عليه، فكان آخر شأن هرقل.
قلت: وكان هرقل من أجل ملوك النصارى في ذلك الوقت. وقد أخبر غير واحد أن هذا الكتاب إلى الآن باق عند ذرية هرقل في أرفع صوان وأعز مكان يتوارثونه كابراً عن كابر. وأخبر غير واحد أن هذا الكتاب باق إلى الآن عند ألفونس صاحب قشتالة. بلاد الاندلس، يعني هذا يروى أن وصل هذا الكتاب تداوله ملوك الروم حتى وصل هذا الرومي مسؤول عن قشتالة في الاندلس في اسبانيا، وجدوه آخر ما وجدوه عند ملك قشتالة وقشتالة في اسبانيا، يفتخرون به وهذا أمر مشهور معروف.
قال شارح السيرة، وهو القاسم السهيلي -السهيلي الذي هو صاحب الروض الأنف الذي علق على سيرة ابن هشام-: وضع هرقل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم يتوارثونه كابراً عن كابر في أرفع صوان وأعز مكان حتى كان عند أدفونس الذي تغلب على طليطلة في إسبانيا، ثم كان عند ابن بنته المعروف بالسليطين.
قال السهيلي: وحدثني بعض أصحابنا من أجناد المسلمين كان يعرف بابن سعيد أنه رآه عندهم، قال: فأردت تقبيله وأخذه بيدي فمنعوني من ذلك صيانة له ظن أن علي به. وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إسماعيل الأنصاري: يصونون كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل ويمنعون المسلمين أن يقبلونه حرصاً على الكتاب.
وصل هذا الكتاب إلى إشبيلية عام ستمئة وستة وثمانين واردًا على إمام المسلمين الناصر أمير المؤمنين من البابوج ملك ليون مفتخراً به ومتشرفاً بوراثته، وهو اليوم بيد ولده فرناندو وارثه ووارث أمه بنت أدفونس صاحب قشتالة وبلاد الأندلس، أو بلاد الأندلس اليوم بيده كقرطبه وإشبيلية وجيان وما أخذها.
قلت: وقد حدثني أيضاً من رأى هذا الكتاب عندهم إلى الآن. وقد روى السعيد -وهو شيخ البخاري في تفسيره- قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا حسين عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، قلت: الذي يظهر هذا السهيلي مش ابن تيمية، صح؟ الذي يظهر أن هذا السهيلي يقصد مش ابن تيمية.
وقد روى هشيم -وهو شيخ البخاري- قال: في تفسيره قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا حسين عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فقرا كتابه وجمع الروم فابوا عليه، فلما كان يوم الأحد لم يحضر أسقفهم الكبير وتمارَض، فارسل إليه فأبى، ثم أرسل إليه فأبى ثلاث مرات، فركب إليه فقال له: ألم تقف على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: ألم تر ما ركبوا مني، فأنت أطيع فيهم مني، فتعال فادعهم. قال: وتأذن لي في ذلك؟ قال: نعم. قال: اذهب وذا أجيء. قال له: هذا رئيس البطارقة عند هرقل، قال له: خلص أنت روح للقصر وهيني أنا لاحقك.
فجاء بسواده إلى كنيسته العظمى، فلما جاء هذا رئيس البطارقة بسواده -يعني كأنه لابس سواد، بتعرفوا كيف لبس الأساقفة الكبار أسود وطيلساناً سوداء على راسه- فلما رأوه خروا له سجداً، الملك وغيره، يعني حتى ملك الروم كان يسجد لهذا رئيس البطارقة. فقام في المذبح فقال: يا أبناء الموتى، هذا النبي الذي بشر به عيسى، وأنا أشهَد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فنخروا ووثبوا إليه فعضوه بأفواههم حتى قتلوه، هذا الرجل مسكين تمام! وهذا الرجل الذي يظهر لنا أنه مات مسلماً فنسأل الله أن يرحمه لأنه أعلن أمامهم الإسلام. رئيس البطارقة أعلن أمامهم الإسلام، فوثبوا إليه أتباعه فعضوه بأفواههم حتى قتلوه، أنت متخيل الوحشية؟ قتلوه عضا! قال: فعضوه بأفواههم حتى قتلوه، وجعلوا يخرجون أضلاعه بالكلاليب حتى مات. الرجل فضّع بجسده، هذه بتعرفوا الكلاليب هي التي تعلّق عليها الشياه، كانوا يخرجون أضلاعه بالكلاليب حتى مات الرجل تمام. معناتها مع حق، مادام القوم بهذه الوحشية، هرقل عرف كيف يعني يخرج من الموضوع من فوق، طلع على راس السطح.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً أيضاً إلى ملك مصر المقوقس ملك النصارى، وهذا بيهمّنا أيضاً لأنه هذا أيضاً كان نصرانياً ومع ذلك خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى الإسلام، مقوقس مصر اللي هو زعيم الأقباط. وكان الرسول إليه حاطب بن أبي بلتعه رضي الله عنه. قال حاطب: قدمت على المقوقس واسمه جريج بن مينا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك. قال: هات.
قلت: إن لك ديناً لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي بعد ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس إلى الله فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل من أدرك نبياً فهو من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركت هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به.
ثم ناوله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأه قال خيراً: قد نظرت في هذا فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالسحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة. ثم جعل الكتاب في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى خازنه، وكتب جوابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن نبياً قد بقي وقد أكرمت رسولك.
وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتين وبغلة تسمى الدلدل، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم هديته، اصطفى الجارية الواحدة واسمها مارية القبطية، تعرفوا مارية القبطية هي من هدايا المقوقس أخذها، والجارية الثانية أعطاها لحسان بن ثابت، فولدت منه عبد الرحمن. وعشت البغلة إلى زمن معاويه، البغلة التي اسمها دلدل وهي أشهر بغال النبي عليه الصلاة والسلام بقيت إلى زمن معاوية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ضن الخبيث بملكه»، ولا بقاء لملكه. وهذا أيضاً إذاً قد تكون الرواية وردت في المقوقس أنه قال ضن الخبيث بملكه.
قال ولا بقاء لملكه، وفعلاً سنوات إلا بالصحابة الكرام يفتتحون مصر.
نعم قال محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن عمر، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية، وكتب إليه معه كتاباً يدعوه فيه للإسلام. فلما قرأ الكتاب قال له خيراً، وأخذ الكتاب وكان مختوماً فجعله في حق من عاج وختم عليه، ودفعه إلى خازنه، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواب كتابه ولم يسلم، وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم.
طبعاً هو ابن تيمية عم بيستقرئ القصة من أكثر من مصدر من كتب التاريخ ليؤكد أن هي القصة صحيحة، يعني البعض بيقول ايش يا ابن تيمية عم بطول النفس هون حتى يقول لك أن هذه القصة مش قصة ضعيفة وردت في كتاب مجهول من كتب التاريخ، ابن سعد ذكرها، ابن إسحاق ذكرها، فلان ذكرها، لما تذكر القصة في أربع خمس مصادر تاريخية وفي كل مصدر بسند إذا هي قصة صحيحة.
نعم قال في كل من الملكين عظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواضع له ولكتابه، واعتبر بأنه الرسول المنتظر الذي بشرت به الأنبياء عليهم السلام. وهذا معنى «لتجدن أقرضهم مودة للذين آمنوا». والذين قالوا إن نصارى عموماً هم ألين من غيرهم.
نعم قال وقد كان المقوقس يعرف أنه حق بما يسمع من صفاته من أهل الكتاب، ولكن ظن بملكه ولم يؤمن، وكان قد خرج إليه المغيرة قبل إسلام المغيرة فحدثه بذلك. قال محمد بن عمر: سياتي قصة -الآن سيذكر قصة المغيرة بن شعبة ولقائه بالمقوقس قبل أن يسلم المغيرة، شوف القصة-.
نعم قال محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني محمد بن سعد الثقفي وعبد الرحمن بن عبد العزيز وعبد الملك بن عيسى وعبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن يعقوب بن عتبة عن أبيه وغيرهم، كل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة منه. قال قال المغيرة بن شعبة في خروجه إلى المقوقس مع بني مالك، وأنهم لما دخلوا على المقوقس قال: كيف خلصتم إلي من طائفتكم ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر وقد خفناه على ذلك -المقوقس بيسأل المغيرة بن شعبة وجماعته: كيف استطعتم الوصول إلى مصر ومحمد صلى الله عليه وسلم يعترض قوافلكم؟ تعرفوا النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا يقطعون طريق البحر، طبعاً هذا كله قبل أن يسلم المغيرة-.
نعم قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: ما تبعه منا رجل واحد. قال: ولما ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد لا تدين به الآباء ولا يدين به الملك. ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحداثهم. وقال: ولا يدين به الملك -اللي هو أنت، يعني دين جديد أول مرة بنسمع فيه، لا دين آبائنا ولا دينك-.
قالوا: تبعوا أحداثهم، وقد لاقاهم من خلفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن، مرة تكون عليهم الدائرة ومره تكون له، الحرب سجال.
نعم قال: ألا تخبروني إلى ماذا يدعو إليه؟ قالوا: يدعونا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة. قال: وما الصلاة والزكاة؟ قالوا: لها إلهاً وقت يعرف وعدد تنتهي إليه. قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات لمواقيتها وعدد قد سموه له، ويؤدون من كل مال بلغ عشرين مثقالاً نصف مثقال. قال: وأخبروه صدقة الأموال كلها.
نعم قال: أفرايتم إذا أخذها أين يضعها؟ قالوا: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم ووفاء العهد وتحريم الزنا والخمر، والأكل مما ذبح لغير الله. قال فقال المقوقس: هذا نبي مرسل إلى الناس، ولو أصاب القبط والروم اتبعه، وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم، وهذا الذي تصفون منه بعث به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينزع أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر ومنقطع البحور، ويشك قومه أن يدافعوه بالراح.
قالوا: فلو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا. قال المغيرة -طبعاً يعني هذول جماعة المغيرة بن شعبة قالوا: لو دخل كل الناس في دين هذا الرجل لن ندخل-.
قال المغيرة: فانغض المقوقس رأسه وقال: انتم في اللعب! ثم قال -يعني المقوقس قال لهم: أنتم في اللعب، الرجل راح يمسككم راح يأخذ جزيرة العرب بعد سنوات قليلة، أنتم يعني بتضحكوا على أنفسكم زي ما بتقول يعني-.
ثم قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسباً. قال: كذلك وأوسطهم -الوسط هنا معنى الأعل-.
كذلك والمسيح الأنبياء تبعث في نسب قومها.
ثم قال: فكيف حديثه؟ قلنا: ما يسمى إلا الأمين من صدقه. فقال: انظروا في أمركم، أترونه يصدق فيما بينكم وبين عينه ويكذب على الله؟
قال: ثم تبعه؟ قلنا: الأحداث. قال: هم والمسيح اتباع الأنبياء قبله -هذا يقسم بالمسيح! هم وأقسم بالمسيح اتباع الأنبياء قبله، وهو يحلف بالمسيح ابن مريم-.
نعم قال: فما فعلت يهود يثرب فهم أهل التوراة؟ قلنا: خالفوه فأوقع بهم فقتلهم وسباهم وتفرقوا في كل وجه. قال: هم قوم حسدوه، أما أنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاماً دللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم أو ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم وخضعنا له -هنا يعني فعلياً الكلام اللي قاله المقوقس لهم جعل قوم المغيرة بن شعبة يتقبلون أكثر فكرة الإسلام، الرجل أعطانا معلومات خلانا نتقبل أكثر فكرة المسلم-.
وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه في بعد أرحامهم منه، ونحن أقرباؤه وجيرانه ولم ندخل معه وقد جاءنا داعياً إلى منازلنا معقول؟
نعم قال المغيرة: فرجعت إلى منزلنا، فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها، وسألت أساقفتها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان أسقفهم من القبط هو رأس الكنيسة كنيسة يوحنا، كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم، لم أر قط أشد اجتهاداً منه، فأتيته فقلت: هل بقي أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، آخر الأنبياء ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد، هو نبي مرسل وقد أمرنا عيسى باتباعه، هو النبي الأمي العربي اسمه أحمد، ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، وليس بالأبيض ولا بالآدم، يعفي شعره ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزي بما لقي من الطعام، سيف على عاتقه ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه ومعه أصحابه يفدونه بانفسهم، هم له أشد حبا من أولادهم وآبائهم، يخرج من أرض حرم ويأتي إلى حرم، يهاجر إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم عليه السلام.
قال المغيرة: فقلت له: زيدني في صفته. قال: تثير على وسط، ويغسل أطرافه، ويخص بما لا تخص به الأنبياء قبله، كان النبي يبعث إلى قومه، وبعث إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً أينما أدركته الصلاة صلى، ومن كان قبله مشدداً عليهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس، أما المسلم فيصلي في أي بقعة من الأرض.
نعم قال المغيرة بن شعبة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره، وما سمعت من ذلك. قال: فذكر الواقدي حديثاً طويلاً في رجوعه وإسلامه.
نعم فرجع المغيرة بن شعبة إلى جزيرة العرب ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه.
نعم ما أخبر به من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعجب النبي صلى الله عليه وسلم ويحب أن يسمعه أصحابه، قال المغيرة: فكنت أحدثهم بذلك، وهذا أمر معروف عند علماء أهل الكتاب وعظمائهم.
طبعاً هنا أراد ابن تيمية بسرد قصة المغيرة بن شعبة أن يثبت أن يعني قضية أن النصارى يعرفون ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم هذا مشهور، يعني المقوقس وهذا الرجل في الإسكندرية وأساقفة الإسكندرية الكل يعرف، يعني هذه قضية مشهوره معروفة، وليس كما يزعم بولس الأنطاكي.
وقد أخرج أبو حاتم في صحيحه عن عمرو بن العاص أنه قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميره حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظماؤهم: أخرج إلي رجلاً يكلمني وأكلمه. فقلت: لا يخرج إليه غيري. فقال: فخرجت إليه ومعي ترجماني ومعه ترجمانه.
قال فقال: ما أنتم؟ فقلت: نحن العرب ونحن أهل الشوك ونحن أهل بيت الله الحرام، كنا أضيق الناس أرضاً -أهل الشوك يعني إشارة إلى أن أراضيهم صعبة، يعني إحنا أصحاب أراضي وظروف صعبة-.
قال: كنا أضيق الناس أرضاً وأجهدهم عيشة، نأكل الميتة والدم، ويغير بعضنا على بعض، حتى أخرج فينا رجل ليس بعظمنا يومئذ ولا بأكثرنا مالاً، فقال: أنا رسول الله إليكم، فأمرنا بما لا نعرف، ونهانا عما كنا عليه وكان عليه آباؤنا، فكذبناه ورددنا عليه مقالته، حتى خرج إليه قوم غيرنا فقالوا: نحن نصدقك ونؤمن بك ونتبعك -قوم غيرنا اللي هم الأوس والخزرج-.
قال: ونتبعك ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم وخرجنا إليك فقاتلناه فقاتلنا وظهر علينا وغلبنا، وتناول من يديه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، ولو يعلم من وراء من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش.
فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، فإن انتم اخذتم من أمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يشاوركم أحد إلا ظهرتم عليه -ولم يشارركم يعني يطلب لكم الشر، ولم يشارركم أحد إلا ظهرتم عليه-.
قال: وإن فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر نبيكم لم تكونوا أكثر عدداً منا ولا أشد منا قوة. الرجل واضح يعني هذا النصراني.
قال رحمه الله فصل: ثم بعد رسالة إلى الملوك أخذ صلى الله عليه وسلم في غزو النصارى.
فاصلة، طب الدليل الذي يليه إذا ذكرنا دليل النجاشي، ذكرنا دليل ورقة بن نوفل، ذكرنا دليل رسائل إلى زعماء النصارى، لأن الدليل الذي يليه على إرساله إلى النصارى أنه قاتلهم، يعني النبي عليه الصلاه والسلام لو كان مبعوثاً إلى العرب لماذا يقاتل النصارى سواء في غزوة مؤتة، في غزوة تبوك، إرسال جيش أسامه، كل هذه البعوث إلى النصارى ومقاتلتهم تدل على يقيناً وقطعاً أنه مأمور بمخاطبة هذا الجنس.
نعم قال: ثم بعد الإرسال إلى الملوك أخذ صلى الله عليه وسلم في غزو النصارى، فأرسل أولاً زيد بن حارثة وتولى جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه في جيش، فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك، وقال لأصحابه: «أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة». فقتل الثلاثة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الثلاثة في اليوم الذي يقتل فيه، أخبر أنه أخذ الراية خالد بن الوليد فتح الله على يديه.
ثم إنه بعد هذا غزا النصارى بنفسه، وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه في الغزاة ولم يأذن في التخلف عنه لأحد، وغزى في عشرات الآلاف غزوة تبوك، فقدم تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم ورومهم وغيرهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم، فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه، وأنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة براءة، وذم تعالى الذين تخلفوا عن جهاد النصارى ذماً عظيماً، والذين لم يروا جهادهم طاعة جعلهم منافقين كافرين لا يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم»، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [التوبَة: 84].
إذ كان هذا حكم الله ورسوله فيمن تخلف عن جهادهم إذ لم يره طاعة ولا يراه واجباً، فكيف حكمه فيهم أنفسهم؟ حتى قال تعالى: ﴿قُل إن﴾ -يعني إذا كان هذا حكم الله فيمن تخلف عن جهاد النصارى، فكيف حكم الله فيمن لم يسلم من النصارى؟ فهمتم إذا أنتم أيها النصارى مخاطبون بهذه الدعوة-.
نعم قال: حتى قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكَ وُأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].
ثم عند وفاته صلى الله عليه وسلم أمرنا باخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وفي صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما».
وروى الإمام أحمد وأبو عبيد عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا يهود أهل الحجاز ونصارى أهل نجران من جزيرة العرب». وقام خلفاؤه رضي الله عنهم.
بعده بمدة صلى الله عليه وسلم فأرسل أبو بكر الصديق الجيش لغزو النصارى بالشام، وجرت بين المسلمين وبينهم عدة غزوات، ومات أبو بكر وهم محاصرون دمشق، ثم ولي عمر بن الخطاب ففتح عامة الشام ومصر والعراق وبعض خراسان في خلافته، وقدم إلى الشام في خلافته، ووسع النصارى بيت المقدس لما رأوه من صفته عندهم.
قال أبو عبد الله محمد بن عائشة: لأنهم وجدوا في كتبهم النصارى، في كتبهم وجدوا أنهم سيسلمون بيت المقدس مفاتيح لرجل صفته صفة عمر؛ فلما رأوا أن عمر صفته هي صفة من وجد في كتبهم أنهم يسلمونه مفاتيح بيت المقدس، سلموا المفاتيح.
قال أبو عبد الله محمد بن عائشة في كتاب الفُتوح: قال عطاء الخرساني: لما نزل المسلمين في بيت المقدس قال لهم رؤساؤهم: إنا قد أجمعنا لمصالحتكم، وقد عرفتم منزلة بيت المقدس، وأنه المسجد الذي أُسري بنبيكم إليه، ونحن نحب أن يفتحها ملككم.
وكان الخليفة عمر بن الخطاب فبعث المسلمون وفداً، وبعثوا أيضاً وفداً مع المسلمين حتى أتوا المدينة، فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين، فقالوا لترجمانهم: عن من يسألون؟ قالوا: عن أمير المؤمنين، فاشتد عجبهم وقالوا: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر وليس له مكان يعرف به، وبهذا غلب الأمم!
فوجدوه قد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائماً فازدادوا تعجباً، فلما قرأ كتاب أبي عبيدة أقبل حتى نزل بيت المقدس، وفيهم اثنا عشر ألفاً من الروم وألف من أهل الأرض، فصالحهم، وكان من جملة المصالحه ألا يدخل عليهم من اليهود أحد.
ثم دخل المسجد فوجد زبالة عظيمة على الصخرة، فأمر بكنس زبالة الصخره -اللي هي قبة الصخرة اليوم، تحت ما كانتش القبة موجودة طبعا، كانت بس الصخره- فدخل عمر فوجد هناك قمامة وأذى وعلى الصخرة، فأمر عمر بتنظيف الصخرة. تمام، عمر كان قائل للنصارى: ما تدخلوا اليهود على بيت المقدس، رجال البريطانو دخلوا لك اليهود ودولهم وخلونا هي الورطة في بيت المقدس إلى يومنا هذا، الله المستعان.
نعم، قال: تنظيف المسجد، وأمر ببنائه وجعل مصلاه في مقدمته -نعم، اللي هو المصلى المسجد القبلي اليوم، اللي هو الذي يصلي فيه الناس، هو الذي أمر عمر ببنائه- ثم رجع إلى المدينة وقصته مشهور في كتاب الفتوحات.
ثم قدم مرة أخرى أو مرة ثانية إلى أرض الشام لما تم فتحه، فشارط بوضع الخراج وفرض الأموال، وشرط أهل الذمة على شروط المسلمين، فأتم بها المسلمون بعده، نعم.
قال: وقد ذكرها أهل السيرة وغيرهم، فروى سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم، قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام.
وش هذا الفائدة من أن تعرف أن عمر صالح النصارى وفرض عليهم جزية وما شابه ذلك؟ طب كل هذه الشروط والعهود، ألا تدل أن عمر كان يعرف من حال الدعوة الإسلامية أن هؤلاء مخاطبون بها، وأنهم إذا رفضوا فإنهم يقرون تحت الجزية؟
نعم، قال: وشرط عليهم ألا يحدثوا في مدينتهم ولا ما حولها ديراً ولا كنيسة ولا نعم. النصارى لا يجوز أن يحدثوا في بلاد المسلمين كنيسة جديدة؛ إذا فتح الإسلام أرضاً كان النصارى فيها يقرهم على كنائسهم القديمة، لكن أن يحدثوا كنيسة جديدة لا يقبل.
نعم، قال: ولا صوم راهب، ولا جَدَّ ما خَرِب، ولا يمنع كنائسهم أن ينزل أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا الشرك، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا المسلمين بشيء في لباس في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسمى باسم المسلمين ولا يكتنوا بكناهم، ولا يركبوا السرج، ولا يتقلّدوا سيفاً، ولا يتخذوا شيئاً من سلاح، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجذُّوا مقادم رؤوسهم.
وأن يجزوا -يعني مقادم رؤوسهم- كان المطلوب منهم أن يجزوا هذه المناطق ليتميز أن هؤلاء نصارى، نعم، وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا، وأن يشدوا الزنانير، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من شعائر المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين.
الشعانين: هذا عيد من أعيادهم، يعني منعهم أن يظهروا هذا العيد.
طيب، قال: فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منه ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، أخرجه أبو داود في سننه.
وقال أبو عبيد في كتاب الأموال: حدثنا النضر بن إسماعيل عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه... قال عمر بن الخطاب... قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا يرفأ، اكتب إلى أهل الأمصار في أهل الكتاب أن يز... يرفأ! هذا خطا، نعم، قال: أن يجزوا نواصيهم، وأن يربطوا الكستيجات في أوساطهم ليعرف زيهم من زي أهل الكتاب.
وحدثنا أبو المندر... الكستيجات يعني زي الخيط زي الزنار.
طيب، قال: وحدثنا أبو المندر ومصعب بن مقدام كلاهما عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن أسلم، قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة.
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن نافع عن أسلم، أنه أمر في أهل الذمة أن يجزوا نواصيهم، وأن يركبوا على الأكف -الأكف الأكف اللي جمع إكاف، الأكف فهم، لا يركبون سرجاً، وإنما يركبون حماراً، وعلى الحمار إكاف، لأنه بتعرفوا الإكاف للحمار كالسرج للحصان- نعم، قالوا: وأن يركبوا عرضاً، لا يركب عرضاً! يركب بالعرض، يركب بطوناً!
شوف، هذا لما كان المسلمين لهم دولة وقوة، كان بامكاننا نفرض شروطنا تمام. قال: لا يركب كما يركب المسلمون، وأن يوثقوا المناطق، قال: يوثق المناطق أي الزنانير.
نعم، قال أبو عبيد: يعني الزنانير، وكما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل ذمة هذه الشروط والتزموها، أوصى بهم نوابه ومن يأتي بعده من الخلفاء وغيرهم، وهذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته عند وفاته: وأوصي الخليفة من بعدي بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلف إلا طاقته.
وهذا امتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه من حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنَا حجيجُه يوم القيامة»، رواه أبو داود.
فكان هذا في النصارى الذين أدوا إليه الجزية، هو عمر بن الخطاب، نعم. الروايات زي ايش خفيفه لا هو ما أظن، نعم، بس في بعض الروايات مثل ايش يعني بس حتى يعني ما في هي الآن هي أكيد رويت بأسانيد مختلفة، وأبو عبيد في كتاب الأموال روى جزء منها، في كتاب آخر يروى جزء منها، هي لم تجمع في مكان واحد، لكن هي في النهاية متواترة، وأكيد ليس المراد كتم الأنفاس، وإنما المراد تحقيق التمايز في أماكن معينة، لكن بتفتح بعض الأنفاس في أماكن أخرى، فبدك تجمع يعني حتى تنظر وين الاختلاف حتى نستطيع نقول إنه في مشكلة يعني في الأسانيد والمتون.
طيب، هو هذا هو العدل، يعني كل الشغلات اللي عملناها عليه تشريعات، مع ذلك احنا عاملين... آه، هذا الدين هكذا يجب أن يفعل، وهو التمايز التمايز في الشكل والهيئة والمظهر بيننا وبينهم كما قال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
نعم، قال عمر بن الخطاب لما فتح الشام وأدى إليه الجزية عن يد وهم صاغرون: أسلم منهم خلق كثير لا يسعدهم إلا الله تبارك وتعالى، فإن العامة والفلاحين وغيرهم كان عامتهم نصارى، ولم يكن في المسلمين من يعمل فلاحة، ولم يكن للمسلمين في دمشق مسجد يصلون فيه إلا مسجد مسجد واحد لقلتهم، ثم صار أكثر أهل الشام وغيرهم مسلمين طوعاً لا كرهاً، فإن كره أهل الذمة على الإسلام غير جائز، كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّه فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
قال أبو عبيد في كتاب الأموال عن ابن الزبير قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: أنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، لهما لهما وعليههم عليهم، ومن كان على يهودية أو نصرانية فانه لا يفتن عنها وعليه الجزية.
قال فصل: وقاتل عمر بن الخطاب الفرس المجوس وفتح أرضهم، وظهر تصديق وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل»، أخرجه في الصحيحين.
وهذا بعد أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسوله إلى المجوس وكتب كتاباً إلى كسرى ملك الفرس، كما كتب إلى ملوك النصارى كما تقدم عن قيصر والمقوقس، ولكن ملوك النصارى تأدبوا معه وخضعوا له فبقي ملكهم، أما ملك الفرس فمزق كتابه، فدعا عليهم فقال: «اللهم مزق ملكهم كل ممزق» فلم يبق له ملك.
قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى، فدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قراه -يعني كسرى- مزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.
وقال ابن إسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ووضعه عنده، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما هؤلاء -يعني كسرى- فيمزقون، وأما هؤلاء فستكون لهم بقية».
قال ابن إسحاق: بعث رسول الله... يعني الفرس لن تقوم لهم قائمة إلى قيام الساعة، بالتالي أي مشروع لإحياء دولة فارس إلى يومنا هذا مشروع سيكتب له الفشل، يكون على ثقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما هؤلاء فيمزقون» لا يمكن أن تقوم لفارس دولة أخرى مهما يعني مهما حاولوا وسعوا، قالوا: وأما هؤلاء -الروم- فستكون لهم بقية، نعم.
قال وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إلى كسرى بن هرمز ملك الفرس، والكتبة: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من تبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. فاني أدعوك بدعاية الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فاسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شققه وقال: اكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي!
قلت: وسبب قول كسرى هذا واستعلائه أن الحبشة كانوا قد ملكوا اليمن، ملكهم سار إلى مكة بالفيل ليخرب البيت، وكانوا نصارى، فأرسل الله كسرى... س هذا أن الحبشة كانوا قد ملكوا اليمن، الحبشة كانوا ملكوا اليمن، وملكهم سار إلى ملكي... مش بتعرفوا أن أبرهة النصراني أبرهة صاحب الفيل كان نصراني، وراح للكعبة مشان يهدمها، ثم الله عز وجل أبادهم بالطير الأبابيل، وهذا أدى إلى إضعاف وجود الحبشة النصارى في اليمن، وبالتالي استطاع بعد ذلك ملك الفرس أن يبسط هيمنته على اليمن، وأصبحت اليمن تابعة لمين؟ لكسرى لملك الفرس.
طيب، قال: فارسل الله عليهم من ناحية البحر طيراً أبابيل، وهي جماعة في تفرقة تحمل حجارة من طير، فألقتها على الحبشة النصارى فأهلكتهم، وكان هذا آية عظيمة خضعت بها الأمم للبيت وجيران البيت، وعلم العقلاء أن هذا لم يكن... وهي جماعات في تفرقة، هذا معنى الأبابيل، شو معنى الأبابيل؟ يعني جماعات متفرقة، جماعات متفرقة، طيراً أبابيل، طيراً على شكل جماعات، لكن يعني كأنه سرب سرب بعد سرب.
قال: فالقتل على الحبشة النصارى فأهلكتهم، وكان هذا آية عظيمة خطات بها الأمم للبيت وجيران البيت، وعلم العقلاء أن هذا لم يكن نصراً من الله لمشرك العرب، فإن دين النصارى خير من دينهم، أكيد دين النصارى خير من دين مشركي العرب الوثني، نعم.
قال: وإنما كان نصراً للبي... هذا كان نصر للبيت وليس نصراً لمشركي مكة، ينتبه لهذا، نعم. وقال للأمة المسلمة التي تعظمه للنبي المبعوث من البيت، وكان ذلك عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فانزل الله في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1-5].
ثم إن سيف بن ذي يزن هذا ذهب إلى كسرى وطلب منه...
سيف بن ذي يزن هذا أحد الملوك العرب في تلك الفترة؛ ذهب إلى كسرى وقال له: أعطيني جيشاً حتى أغزو به الحبشة النصرانية وأجعل ولائها لكسرى الفارسي. فأرسل معه عسكر من الفرس مجوس؛ فأخرجوا الحبشة من اليمن. وصارت اليمن في يد العرب وبها نائب، فأصبحت اليمن عربية وفي يد سيف بن ذي يزن، لكن ولائهم لكسرى. لذلك قال كسرى عن النبي عليه الصلاة والسلام إنه عبد والعياذ بالله. وسيف بن ذي يزن هذا ممن بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره وأخبر بذلك، لذلك جده عبد المطلب مرة صار إلى اليمن مشان يبحث وكانت قضية ايش اللي صار فيها؟ عبد المطلب إلى اليمن كان في بينه وبين كفار قريش مرة هيك قديمة، وأرادوا أن يذهبوا إلى عاقل يحكم بينهم، فذهبوا إلى ذي يزن، وذي يزن أخبرهم أن سيخرج فيكم نبي.
فلما كانت اليمن مطيعة لكسرى لهذا أرسلنا إلى نائبه على اليمن أن ياتيها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إن عسكر اليمن في العادة يقهر أهل مكة والمدينه، فكسرى بعث إلى نائب على اليمن أنه أرسل لي بمحمد صلى الله عليه وسلم هذا الرجل الذي يدعي النبوة. وكانت ملك اليمن في ذاك الفترة كملك قوي، كان أقوى من ملك الحجاز والمدينة، يعني كان جيش جرار من أهل اليمن في تلك الفترة. قال ابن إسحاق: فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مزق الله الملك» حين بلغه أن شقق كتابه.
ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمن يعني؛ باذان هو الرجل اللي كان مسؤول عن اليمن لصالح كسرى. قال أن يبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فيأتيان به، هيك مفكر كسرى الشغلة سهلة يعني. فبعث باذان قهرمانه بابويه -وقال غيره: فيروز الديلمي وكان حاسباً كاتباً- وبعث معه لرجل من الفرس، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى. وقال لبابويه: ويلك! انظر من الرجل وكلمه وأتني بخبره. فخرج حتى قدم الطائف، وقول باذان قبل ما يطلع: جيب لي معلومات، يعني حاول تتعرف على الرجل وطبيعة هذه الدعوة التي يقولها.
فخرج حتى قدم إلى الطائف قال فسألها عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هو بالمدينه، واستبشروا -يعني الكفار- وقالوا: قد نصب له كسرى، كفيتم الرجل. فخرج حتى قدم المدينه على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقريش اللي في الطائف فرحوا قالوا معناتها كسرى هسه تسلط على النبي عليه الصلاة والسلام أي كفيت شره. فكلمه بابويه وقال: إن شاهنشاه يا مالك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيك به، وقد بعثني إليك فانطلق معي، فإن فعلت كتب معك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به، خلص اطلع معنا بدون مشاكل ونخلي باذان يكتب كتاب إلى كسرى انك كنت هادي وما عملت إشكاليات. ومفكرين الموضوع بهي السهولة تمام؛ فهم يحكوا له اطلع معنا ونحن رح نرسلك إلى كسرى ورح نخلي باذان يكتب كتاب يتوصى فيك، لا تقلق.
كيف رد عليه الصلاة والسلام؟ فهو ممن قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، أنت هذا ملك كسرى لا تعبث معه يهلك أهلك ويهلك أهل بلادك. وكان قد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلق لحاهما وألقيا شواربهما، فكره نظر إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهما: «وويلكما من أمركما بهذا؟» قال: أمرنا بهذا. شايف يعني هذا النبي عليه الصلاة والسلام شافهم حارقين لحيتهم وحاط شارب، قال: يعني لماذا تشوهون وجوهكم؟ حتى تعرفوا أن اللحية زينة الرجال. اليوم يعني لو كان النبي صلى الله عليه وسلم بيننا ورأى رجال أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم حالقين -كثير منهم أقصد حالقين لحاهم ومطربين شواربهم يقلدون الغرب- ماذا سيقول لهم؟
النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلين من الفرس قد حلقا لحاهما وأخرجوا شواربهما اعتبرها مثلة. النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد أن ينظر إلى هذا حالق لحيته، ليس هذا من سيما الرجال ولا من سيما الكبار أن يكون الرجل حالقاً لحيته كما يفعل النساء. وقال لهما: «ويلكما من أمركما بهذا؟» قال: أمرنا بهذا ربنا -يعني كسرى- كسرى هو اللي أمرنا أن نحلق لحيتنا. فضل تلقي الويل على حلق اللحية له، يعني مش من هنا الاستناد، يعني هو النبي صلى الله عليه وسلم يسجرهما عن هذا الفعل عرفت، لكن هؤلاء برضه في النهاية كفار كانوا الاثنين يعني، فانت صعب أنك تأخذ من اللفظة أن يطلق له ويلك، خاصة أن العبارة هنا أيضاً كان يمكن أن تحمل نوع من القرع كيف يقول ويحك، يقول لك ويحك لماذا تفعل كذا، يعني يسجر لكن لا يظهر لي أنها هنا بحد ذاته مستند أن يطلق الويل على كل حالق لحية والله أعلم.
فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكن ربي عز وجل أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي». ثم قال لهما: «ارجعوا حتى تاتيان الغد». النبي عليه الصلاة والسلام قال لهما استريحوا في المدينه، شوفوا مكان أو مضافة معينة وغداً تأتي. وجاء الخبر من السماء أن الله عز وجل سلط على كسرى ابنهم شيرويه فقتله في شهر، سبحان الله، وهذه من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام؛ في تلك الليلة اللي هم استراحوا فيها الله سبحانه وتعالى سلط على كسرى في بلاد الفرس ابنه شيرويه فقتله، انتهى ملك كسرى. في شهر كذا في ليلة كذا في ساعات كذا، فلما أتي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو ربما ليس في تلك الليلة بالضبط يعني وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة أن ابن كسرى استولى على الحكم في شهر كذا في ليلة كذا-.
فلما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم من الغد النبي صلى الله عليه وسلم صدمهم أعطاهم الخبر مش عارفين هذه المعلومه كلها، فقال لهما: «إن ربي قتل ربكما ليلة كذا في شهر كذا». ثم قالوا ربنا أمرنا قصدا، قال: «إن ربي قتل ربكما زعيم الفرس ليلة كذا في الشهر كذا، بعدما مضى من الليل كذا سلط عليه ابنه شيرويه فقتله». فقال له: هل تدري ما تقول؟ أنا قد نقمنا منك وما هو أيسر من هذا، فنكتب بهذا عنك ونخبر الملك به؟ قال: نعم، أنت تحكي أن ربنا مات دير بالك هسا بنكتب هي المعلومه عنك إلى ربنا بقول نحن نقمنا عليك أقل من هذا، ترى هسا بنكتب هي المعلومة في خبر الاعتقال أنه أنت أخبرت عن ملك كسرى أنه قتل وأن ابنه كذا وكذا، وهذه ستزيد حقد ملك الفرس عليك. ترجوليه مساكين يظنون أن القضية عبث.
قال: نعم أخبره ذلك عني وقول له أن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملكك صلا، وأنت خ... ممتاز اكتب هذا، خلي ربك أو زعيمك يكتب اكتبا إلى ربكما بهذا الخبر أنني قلت أنه قتل، وأخبر أيضاً زيادة -يعني معلومة زائدة- أن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وأنتهي إلى منتهى الخف والحافر. وقول له أنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، ملكتك وملكتك على قومك من الأبناء. وأعطى رفيقه منطقة من ذهب وفضه كان أهداها له بعض الملوك. المنطقه هو شيء يوضع على الخصر. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهذين الرجلين: ارجعوا لبادان، باذان اللي هو مين الآن؟ زعيم اليمن لصالح كسرى. ارجعوا إلى باذان وقولوا له: اتبع هذا النبي فإن ملك كسرى سيزول، وإذا ما اتبعت هذا النبي فإنه سيبقيك على ملك اليمن ونجعلها لك.
وفي نفس الوقت -وهذا من عادات الملوك- أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم هدية شوف هذه الأدبيات، هذه أدبيات الملوك حتى ملك كان كافر الآن هدية يعني أدبية إعطاء الملوك وتهاديها الهدايا، فأعطاه منطقة -مثل حزام من ذهب وفضه كان أحد الملوك الآخرين هداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم-. فخرجا من عندي حتى قدما على باذان في اليمن وأخبراه التفاصيل، فقال: والله ما هذا بكلام ملك عرف، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول، ولا ننتظر لنا ما قد قال، بدي أنتظر حتى ياتيني الخبر لأنه ملك كسرى قتل، أنتم قديماً ما في تلفونات إخواني، الخبر حتى يوصل من الفرس إلى اليمن أن ملك كسرى تم قتله هذه بدها لحالها ثلاث أشهر. فكان ما قال ما قد قال حقاً ما بقي فيه كلام أنه لنبي سل، إذا كان حقاً إذا هذا نبي، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد، فإنني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضباً لفارس لما كان قد استحل من قتل أشرافهم وتجميلهم في بعوثهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي إلي الطاعة من قبلك وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب اليك فيه فلا تهجه. طبعا هنا يقول الحاشية ومعنى تجميرهم في بعوثهم أنه كان يحبس الجيش في الثغر فترة طويلة ويمنع الجيش من العوده إلى أهله يعني نوع من القسوة على الجيوش والفرق العسكرية. وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فيه فلا تهجه حتى ياتيك أمري. واما -يعني قال له شيرويه- الرجل الذي بعث اليك والدي فيه وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا تبلشش معه عشان لا تهج يعني تبلشش معه حتى أنا أخبرك ماذا سنفعل.
فلما انتهى الكتاب كتاب شيرويه إلى باذان، قال: أن هذا الرجل رسول الله وأسلمت لله وأسلمت أ... فلما انتهى الكتاب كتاب شيرويه إلى باذان مباشرة باذان أعلن إسلامه، أعلن باذان ملك اليمن إسلامه لأنه عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق حيث أخبر بالضبط بمقتل كسرى. وأسلمت أبناء فارس من كان منهم باليمن، تبعه على إسلامه من كان معه من أبناء فارس في اليمن. فكانت حمير تقول -لخرخسرة ذو المعجزة للمنطقة التي أعطاه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم- والمنطقة بلسان حمير هكذا كانت حمير تقول. هذا الرجل من هو؟ قال هذا رفيق بانويه مبعوث معه، مش هو باذان بعث رجلين للنبي عليه الصلاة والسلام؟ الرجل الأول ايش اسمه كان؟ بانويه. باذان بعث بانويه وبعث معه رجل ثان الرجل الثاني هيك اسمه تمام -يعني أنا مش عارف أحكي اسمه خلص اسمه زي ما هو موجود عندكم خرسرة-.
والمنطقة بلسان حمير المعجزة، فبانويه اليوم ينسب إليها، المعجزة المعجزة ركزوا بالمعجزة؛ المعجزة هي المنطقة، لأنه النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه منطقة أنطقت. فبانويه اليوم ينسب إليها خسر ذو المعجزة. وقد قال بانويه لباذان: ما كلمت رجلا قط واهيب عندي منه. فقال له باذان: هل معه شرط؟ قال: لا. قال: في حوالي شرطه يعني، قال: لا ما يتكلم معنا بهدوء بدون شرطه.
وقال أبو معشر، حدثني المقبوري قال: جاء فيروز الديلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كسرى كتب إلى فيروز الديلمي -أحد رجالات اليمن الذين أسلموا ومعروف كان متزوجاً بأختين شقيقتين، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما-. إن كسر كتب إلى باذان بلغني أن في أرضك رجلا تنبأ فاربطه وابعث به إليه، وابعث به إلي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربي غضب على ربك فقتله فدمه بنحره سخن الساعة». هذا يدل على أن القتل كان في تلك اللحظة على الرواية الثانية أن القتل في تلك اللحظة. فخرج من عنده فسمع الخبر فأسلم وحسن إسلامه. وكان رجلا صالحا له في الإسلام آثار جميلة منها قتل الأسود العنسي الكذاب الذي نعم؛ فيروز الديلمي هو الذي قتل الأسود العنسي الذي ادعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم. الذي ادعى النبوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأسود جباراً استدعى بأبي مسلم الخولاني فقال له: أتجهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: ما أسمع. فقال له: أتجهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فردد ذلك عليه مراراً، فامر بنار عظيمة فاضرمت ثم.
أمر بإلقاء أبي مسلم فيها فلم تضره، فأخمدها الله تعالى حين ألقي فيها، فقيل له: اخرج هذا عنك من أرضك لئلا يفسد عليك اتباعك، فأخرجه. لأن أبا مسلم حدث معه كرامة تشبه معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
قال: فقدم أبو مسلم المدينة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، فأسلم الخولاني وصل المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام، سبحان الله لم يكتب له شرف الصعبة، فكان من كبار المخضرمين من التابعين.
قال: فأناخ راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد فقام يصلي إلى سارية، فبصر به عمر فقام إليه، فقال: من الرجل؟ قال: من أهل اليمن. قال: ما فعل الذي حرقه الكذاب؟ قال: ذلك عبد الله بن ثوب. قال: أنشدك بالله أأنت هو؟ قال: اللهم نعم، فاعتنقه ثم بكى، ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن.
ثم خرج فيروز الدلمي على الأسود العنسي فقتله، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله في مرض موته، فخرج فأخبر أصحاب بذلك، وقال: «قتل الأسود العنسي الليلة، قتله رجل صالح من قوم صالحين» وأنعم بها من تزكية لفيروز الدلمي.
وقصته مشهورة، وكذلك قصة مسيلمة الكذاب ونحوهما من المتنبئين الكذابين.
ولما فتح خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعثمان العراق وخراسان، ضربوا الجزية على المجوس كما ضربوها على النصارى، بعد أن دعوهم إلى الإسلام كما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الجزية على اليهود والنصارى والمجوسي بعد أن دعاهم إلى الله عز وجل، فانه صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي صاحب هجر، وهي قرية من البحرين، بكتابه صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام.
قال العلاء: فلما دخلت عليه قلت: يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تقصرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم العرب ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحي من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر: هل ينبغي لمن لا يكذب أن تصدقه؟ ولمن لا يخون أن تأمنه؟ ولمن لا يخلف أن تثق به؟ فإن كان هذا هكذا، فهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به؛ لأنه كل ما أمر به فهو عدل، وكل ما نهى عنه فهو عدل، أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفقهه، وكل أحكام الشريعة تأتي على وفق العقول الصحيحة، لا زيادة ولا نقصان.
فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الممات؟ ولقد أجبت أمس ممن يقبله، وأجبت اليوم ممن يرده، وإن من أعظم من جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر.
ثم أسلم المنذر وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام.
وقال عمرو بن عوف: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة إلى البحرين فأتى بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه وقال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأملوا ما يسبضكم، فوالله للفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». أخرجه في الصحيحين.
وأخرج البخاري عن بجالة بن عبدة أنه قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وقال ابن شهاب: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر، وأخذ عمر بن الخطاب الجزية من مجوس فارس، وأخذها عثمان بن عفان من البربر.
قال ابن شهاب: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما بلغنا وكانوا نصارى، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوساً، ثم أدى أهل أيلة وأهل أذرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية، وصالحه أكيدر دومة الجندل على الجزية.
قال أبو عبيد: الجزية مأخوذة من أهل الكتاب بالتنزيل، ومن المجوس والبربر وغيرهم بالسنة. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مرسل إلى الروم، مرسل إلى المجوس، مرسل إلى البربر، وليست رسالته إذاً للعرب خاصة كما يزعم بولس الأنطاكي.
وأخرج مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس بالنجاشي الذي نعاه لأصحابه في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلات على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
وقال صلى الله عليه وسلم: «كان النبي بعث إلى قوم خاصة، وبثت إلى الناس عامة». وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28].
وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان، وجميع الانس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة، وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فكيف يققال إنه لم يذكر أنه بعث إلا إلى العرب خاصة، وهذه دعوته ورسله وجهاده لليهود والنصارى والمجوس بعد المشركين، وهذه سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم؟
وأيضاً فالكتاب متواتر عنه وهو القرآن، يذكر فيه دعاؤه لأهل الكتاب إلى الإيمان به في مواضع كثيرة جداً. بل يذكر الله تبارك وتعالى فيه كفر من كفر من اليهود والنصارى، ويأمر فيه بقتالهم. فهذه الدلائل وأضعافها مما يتبين أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رسول الله إلى النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، وأنه دعاهم وجاهدهم وأمر بدعوتهم وجهادهم، وليس هذا مما فعلته أمنته بعده بدعة ابتدعوها، كما فعلت النصارى بعد المسيح عليه السلام، فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم أن يغيروا شيئاً من شريعته، فلا يحلل ما حرم، ولا يحرم ما حلل، ولا يوجب ما أسقط، بل الحلال عندهم ما أحله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحرام ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعاً لم يشرعها المسيح عليه السلام، ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة.
وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم، قال: وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى كما تنازعوا في المسيح وغير ذلك. فاليهود لا يجوزون على الله سبحانه وتعالى أن ينسخ شيئا شرعه -الان هذه مرت معنا الفكرة أن اليهود من معتقداتهم أنه لا يجوز النسخ في الشرائع، ولذلك أصلا هم رفضوا الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بحجة أن شريعته تنسخ شريعة موسى ونحن لا نؤمن بالنسخ- ففكرتهم العقدية لا يجوز النسخ في الشرائع.
وأما النصارى على عكسهم تماما، يجوزون النسخ حتى من غير الأنبياء بل يجوزون لأحبارهم ورهبانهم أن ينسخوا ما قاله عيسى ويأتوا بأحكام جديدة ويقولون إنه عيسى بيمشيها ويقبلها لنا إن شاء الله. وأما المسلمون فيقبلون بالنسخ لكن من له أحقية النسخ؟ فقط النبي عن الله سبحانه، وأما بعد النبي فلا أحد ينسخ. قال: فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح.
كما وضع لهم ثلاثمائة وثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك، الأمانة التي اتفقوا عليها ولعنوا من خالفها من الأريوسية وغيرهم، وفيها أمور لم ينزل الله بها كتابا بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفة الأريوسية -الأريوسية هنا يقول في الحاشية: فرقة نصرانية كانت تعتقد في المسيح اعتقادا صحيحا أنه عبد مرسل مخلوق وليس بإله ولا رب فكان النصارى يلعنون هذه الفرقة من أطرافهم لأنهم لم يوافقوا هم على أن عيسى ابن الله والعياذ بالله-.
فقالوا فيها: نؤمن بإله واحد أب ضابط الكل خالق السماوات والأرض كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح خالق السماوات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى -يعني خالق كل شيء-. الوحيد مولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن بشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب -يعني هيك هم اعتقادهم في عيسى أن عيسى تألم من أجلهم ثم قتل وقبر وبعد ثلاث أيام من قبره صعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب-.
هذه الأمانة التي تعاهدوا عليها، ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب مع الآب والابن مسجود له وممجد الناطق في الأنبياء، وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، ونترجى قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه طبعا وفي هنا شيء، أمين -يعني هذه وثيقة كتبوها أنه لازم تقبل إنه في رب وفي ابن رب وفي روح قدس وتؤمن في أنه في قيامة للموتى، وهذه سموها الأمانة وتحالفوا عليها-.
فهذه أغلبها مين حطها؟ هل حطها عيسى بن مريم هذه الوثيقة ولا زعمائهم ورؤساؤهم ورهبانهم؟ ووضعوا لهم من القوانين والناموس ما لم يوجد في كتب الأنبياء ولا تدل عليه، بل يوجد بعضه في كتب الأنبياء وزاد أكابرهم شيئا من عندهم لا توجد في كتب الأنبياء، فهذه الرسائل التي كتبوها بعضها مأخوذ من كتب الأنبياء وقسم منها أتوا به من بنات عقولهم وغيروا كثيرا مما شرعه الأنبياء.
فما عند النصارى من القوانين والنواميس التي هي شرائع دينهم، فبعضها منقول عن الأنبياء وبعضه عن الحواريين، وكثير منه من ابتداع أكابرهم مع مخالفته لشرع الأنبياء، فدينهم من جنس دين اليهود قد لبس الحق بالباطل. وكان المسيح عليه السلام بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة كل ما سواه، وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة فنسخ بعض شرع التوراة.
وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية، فبعث المسيح عليه السلام رسولا يدعونهم إلى دين الله -الروم واليونان ماذا؟ كان دينهم في تلك الفترة كانوا وثنيين الرومان واليونان كانوا وثنيين، وبالتالي فبعث المسيح رسله يدعون الروم واليونان إلى دين الله سبحانه وتعالى-.
فذهب بعضهم في حياته في الأرض وبعضهم بعد رفعه إلى السماء فدعوهم إلى دين الله تعالى، فدخل من دخل في دين الله وأقاموا على ذلك مدة، ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح، فابتداع دينا مركبا من دين الله ورسله أي دين المسيح، ومن دين المشركين، فصارت اليونان وأفكار اليونان وأفكار الروم خليط من الوثنية ومن دين المسيح.
لذلك حتى ما يقوله أرسطو وأفلاطون وغيره من فلاسفة اليونان من كان يظن أنهم قالوا ذلك فقط من بنات عقولهم فهذا غير صحيح، بل كثير مما قاله أرسطو قالوا لابد وأن يكون هو جزء من أديان سابقه أتت في برضه هو -نعم أرسطو ما كان لديه وحي ولا يعتمد على وحي يعتمد على عقله وتأملاته لكن لابد قالوا أن يكون دين سابق كان موجود في اليونان ركب منه من الأفكار الموروثه منها أرسطو بعض الأفكار العقلية وخرج بعقيدة اليونان-.
فما وصل إليه اليونان إياك أن تظن أنه كله فقط من عقولهم، بل لابد قالوا لوجود موروث ديني وإن كان هذا أرسطو لا يعرف من أين أتاه، لكن هذا موروث ديني أثر على أفكاره وعلى توجهاته. وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسده التي لها ظل -وهذه الأصنام المجسدة التي لها ظل هي التماثيل؛ لأن التماثيل لها ظلال-.
وكان هذا دين الروم واليونان، وهو دين فلاسفة أهل مقدونيا وأثينا كأرسطو وأمثاله من فلاسفة المشائين وغيرهم، لذلك شايف حتى دين الفلاسفة المشائين أرسطو وغيرهم كانوا وثنيين، لكن كانوا وثنيين مع شيء من بقايا الدين المسيحي الذي كان لديهم -أو هو ليس دين المسيح هو أرسطو قيل إنه كان في أراضيهم مش من موروث الدين المسيحي، قيل كان في أراضيهم بقايا أديان سابقة وصلتهم وركبوا عليها فكرة الأصنام والأجساد؛ لأن أرسطو فيما سياتي ويقول لك إنه أصل كان قبل المسيح لكن كان في هناك بقايا أديان سابقة في اليونان أرسطو وغيرهم ركبوا عليها أيضا أفكارهم العقلية ونتج عندهم ما نتج من الفكر اليوناني-.
وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة -فهو وزير شايف يقول لك أرسطو كان أصلا تاريخيا قبل المسيح ابن مريم بنحو ثلاثمائة سنة، فقد تكون مثلا من رسائل موسى بن عمران ممكن، الله أعلم ما هي الأديان التي وصلت إلى أثينا قبل دين المسيح-.
وهو وزير الإسكندر بن فيليبس اليوناني المقدوني الذي تؤرخ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى، وهذا كان مشركا يعبد هو وقومه الأصنام ولم يكن يسمى ذو القرنين هو إسكندر المقدوني هذا ليس هو ذو القرنين المذكور في القرآن، ولا هو ذو القرنين المذكور في القرآن هو بيعطي معلومات يعني هو أصلا مش لقب ذو القرنين أصلا ولا هو ذو القرنين المذكور في القرآن ولا وصل هذا المقدوني إلى أرض الترك ولا بنى السد على يأجوج ومأجوج، وصل إلى بلاد الفرس.
ومن ظن أن أرسطو كان وزير ذي القرنين المذكور في القرآن فقد غلط غلطا يتبين أنه ليس بعارف بأديان هؤلاء القوم ولا بأزمانهم -شوف يعني ابن تيمية حتى الاستقراء التاريخي له ويحاول يصحح معلومات تاريخية-. ولما ظهر الدين المسيحي بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان -جعلوا هذه الصور المرقومة في الحيطان التي ليس لها ظل، وهو بده يقول لك قبل المسيح كان أرسطو وجماعته يعبدون الأصنام اللي كانت تماثيل لها ظل، بعدين اجى المسيح والدين المسيحي انتشر في أثينا وما حوله اليونان فانتشر التوحيد، ثم بعد ذلك عادت البدع من جديد للظهور في اليونان وأصبحوا يصورون الصور التي ليست تماثيل لا صور ذوات الأرواح الموجودة في الحيطان والجدران وهذا كثير اليوم حتى ادخل على الكنائس الكنائس عندهم قضية الصور المرسومة في الحيطان والجدران لذوات الأرواح-.
ولذلك أم سلمة أم حبيبة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت وصف له كنيسة في الحبشة قال وذكر فيها من التصاوير، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولئك شرار الخلق كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح».
وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب -وكان أولئك قبل عيسى ابن مريم كان الناس تسجد اللي جماعة أرسطو اللي كانوا قبل عيسى كانوا يسجدون للشمس والقمر والكواكب نفسها، فصار هؤلاء الذين في أثينا واليونان بعد عيسى ابن مريم يسجدون إلى الشمس إلى جهة المشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب-. هذه فكرة هذا ما أراد ابن تيمية أن يقول إنه أثينا بعد المسيح عيسى بن مريم دينها مركب من بقايا دين المسيح مع بقايا ما كان في زمن أرسطو، مركب من الوثنية التي كانت موجودة في زمن أرسطو وما قبله ومن دين المسيح فاصبح دينهم كوكتيل كما يقولون.
ولهذا جاء خاتم الرسل عليه صلوات الله وسلامه الذي ختم الله به رسالته وأظهر به من كمال التوحيد ما لم يظهر بما قبله، فأمر صلى الله عليه وسلم ألا يتحرى أحد بصلاة طلوع الشمس ولا غروبها -ولذلك أمرنا نهينا عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا نتشبه بالنصارى، يعني أنهم يسجدون إلى جهة الشمس وليس للشمس، يعني هم النصارى لا يعبدون الشمس صح هم لا يعبدون الشمس هم عندهم الأب والابن والروح القدس لكنهم جعلوا الشمس قبلة، فأنت تصلي إلى جهتها وليس تصلي لها كرجل مثلا يصلي إلى القبور أي إلى جهتها ولا يصلي للمقبور فهذه بدع لكنها ليست شرك بخلاف من يصلي للمقبور هذا كفر اليس كذلك-.
من كمال التوحيد قال إن المشركين يسجدون لها تلك الساعة، فاذا صلى المصلي في تلك الساعة صار في ذلك نوع مشابهة لهم فيتخذ ذريعة إلى السجود لها، وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور.
ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن ابي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فامرني: «ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته». وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا.
قال وفي الصحيحين أنه قال قبل موته بخمس ليال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك». ولما ذكروا الكنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها قال: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة».
ولذلك تعرف لماذا شدد الإسلام في موضوع الصور ذوات الأرواح وموضوع القبور -بعض الناس يسأل لماذا أنتم يا مشايخ بتشددوا في موضوع الصور ذوات الأرواح وموضوع القبور أنه هي كما يقول لك ابن تيمية من أعظم أسباب عبادة الأصنام والأوثان في تاريخ البشرية الغلو في الصور والغلو في التصوير والغلو في القبور هذا كان من أحد أبرز أسباب انتشار عبادة الأوثان-.
فالإسلام لما شدد في موضوع الصور ذوات الأرواح وموضوع القبور وعدم تعظيمها إنما أراد حماية دين الناس وقطع أي ذريعة يمكن أن تؤدي باجيال لاحقة إلى نفس النتيجة التي وصلت إليها الأجيال السابقة من تاريخ الإنسانية.
ونهى أن يستقبل الرجل قدام القبر في الصلاة حتى لا يتشبه المشركين الذين يعبدون القبور. قال في الصحيح: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وإلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، فإن هذا ممن يصور صور المخلوقين في الكنائس ويعظمها ويستشفع بمن صورت على صورته.
وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح عليه السلام إلا هذا؟ والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها، ولم يأمر أحد من الأنبياء الصلاة إلى الشمس هو ذريعة إلى السجود لها.
ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ هذه الصور والاستشفاء بأصحابها، ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب. وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع، بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها. يعني لو ورد في قصص من الإسرائيليات أن داود أو سليمان أو شيئاً صنع صورة لمصلحة، لكن حتى هؤلاء ما أحد ورد أو ثبت عنه أنه أمر بالسجود لصورة أو الاستشفاع بصورة. نعم، يعني مش كل الشرائع شددت في موضوع التصوير وحرمته لذوات الأرواح، لكن كل الشرائع حرمت السجود لصورة والاستشفاع بها. نعم، فإن هذا لم يشرعْه نبي من الأنبياء ولم يأمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله عز وجل، لا عند قبره ولا في مغيبه، وليس يشفع به في مغيبه بعد موته تروح على القبور وتدعو الميت.
بخلاف، نعم، قال: بخلاف الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل إليه بدعائه وبالإيمان به، فهذا مشروع، فهذا من شرائعهم عليهم السلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال مع قراءة ابن تيمية: يوحى إليه، هذه قراءة أبو عمرو.
قال وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يوناس: 18]. هنا، يعني قراءة أهل الشام في زمن ابن تيمية قال هي قراءة أبي عمرو. نعم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزُمَر: 1-4].
قال: وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول إن المخلوقات خالقون منفصلون متماثلون في الصفات، فإن هذا لم يقلْه طائفة معروفة من بني آدم. ولكن الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون إن العالم صادر عن أصلين؛ النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم. وبعضهم يقول إن الظلمة هي الشيطان، وهذا ليجعل ما في العالم من الشر صادراً عن الظلمة. ومنهم من قال إن الظلمة قديمة أزلية مع أنها مذمومة عندهم ليست مماثلة للنور. ومنهم من قال بل هي حادثة، وأن النور فكر فكرة رديئة فحدثت الظلمة عن تلك الفكرة الرديئة. فقال لهم أهل التوحيد: إن النور فكر فكرة رديئة؟ النور كان في يوم من الأيام فكر فكرة رديئة، هذه الفكرة الرديئة أنجبت الظلمة. نعم.
فإذاً هو يريد أن يقول عموماً أن المشركين في تاريخ الإنسانية لا يوجد من المشركين صنف قالوا بوجود إلهين خالقين متماثلين في نفس المرتبة، أما أناس كانوا يقولون إن الخالق واحد ويجعلون الأصنام وهذا زلفى، وأما أناس مثل المجوس كانوا يقولون بوجود خالقين إلهين لكن أحدهما أقوى من الآخر، أما إلهين متماثلين في نفس المرتبة فهذا ما قاله أحد. نعم.
قال: فقال أهل التوحيد: أنتم بزعمكم كرهتم أن تضيفوا إلى الرب سبحانه وتعالى خلق ما في العالم من الشر وجعلتمه خالقاً لأصل الشر، وهؤلاء مع إثباتهم اثنين وتسمية الناس لهم بالثنوية، فهم لا يقولون شيء. نعم.
فقال الذين قالوا إن الظلمة هي أن النور فكر فكرة رديئة فحدثت الظلمة عن تلك الفكرة الرديئة، وصارت الظلمة هي بعدين تنتج الشر في العالم. تمام، هو ابن تيمية عمد على أصحاب الفكرة الأخيرة من المجوس أنه أنتم بعضهم ايش بقول لك: النور فكر فكرة غلط، الفكرة الغلط أنتجت شو؟ الظلمة، والظلمة هي اللي صارت تعمل الشر في العالم. فقال أهل التوحيد لهؤلاء ايش قالوا لهم: أنتم بزعمكم كرهتم أن تضيفوا إلى الرب أنه خلق الشر في العالم، صح؟ بس جعلتم الرب خلق أصل الشر في العالم وهو الظلمة، يعني أنت لما تقول إن النور هو كان سبب الظلمة والظلمة سبب كل الشر، ماشي، أنت ما حكيت إن الرب النور بيعمل الشر، بس جعلتم النور هو اللي أوجد أصل الشر وهو الظلمة، يعني شو هالكلمة؟! هربت من شيء فوقعت فيما هو أفسد منه.
وهؤلاء مع إتيانهم باثنين، تمام، سميت الناس لهم بالثنوية، هذه المجوس يسمونهم الناس بالثنوية، طبعا هم مش كل المجوس، الثنوية هم صنف من المجوس. نعم.
قال: فهم لا يقولون إن الشرير مماثل للخير. وكذلك الدهرية، دهرية فلاسفة وغيرهم، منهم من ينكر الصانع للعالم كالقول الذي أظهره فرعون لعنه الله، اللي هم الملاحدة الدهرية الذين سموهم دهرية الفلاسفة معتقدات وأفكار، في قسم منهم من ينكر وجود إله وهذا مثل فرعون لعنه الله. طيب.
ومنهم قال: ومنهم من يقر بعلة يتحرك الفلك للتشبه بها، اللي بيسموه ومنهم من يؤمن بوجود إله بس شو بيسموه؟ العلة الفاعلة، ما بيسموه إله، وهذول جماعة أرسطو، الفلاسفة المشاؤون، جماعة أرسطو يعتبر يؤمنون يقرون بوجود نقطة بداية لهذا الكون بيسموها ايش؟ العلة الفاعلة، الإله يسمونه علة فاعلة، وأن الفلك والكون يتحرك من أجل أن يتشبه بهذه العلة الفاعلة، هذه فكرة أرسطو الأساسية. ومنهم من يقر بعلة نحن بنسميها إله، هم بيسموها علة الأرسطيين، يتحرك الفلك للتُّشبه بهذه العلة. نعم.
قالوا: ومنهم من يقول بالموجب بالذات المستلزم للفلك كابن سينا والسهروردي المقتول بحلب وأمثالهما من متفلسفة. ومنهم من يسميه، ايش بيسميه؟ علة، بيسميه الموجب بالذات، يعني وجوده واجب بذاته، وهذا الوجود الواجب بالذات المستلزم لوجود ماذا؟ الفلك، المستلزم للفلك، وهذه عقيدة ابن سينا والسهروردي الذي قتلوا صلاح الدين الأيوبي في حلب أو أمر صلاح الدين الأيوبي بقتله في حلب. نعم.
وأمثالهما من متفلسفة الملل ما لا يجعلون، لا يسمون الله إلهاً ابتداءً، ماذا يسمونه؟ الواجب بالذات. هذا قريب من كلام أرسطو، العلة الفاعلة؛ أرسطو بيسمي الإله علة فاعلة، ابن سينا وأشباهه بيسموه أنه موجب للذات وأن ذاته تستلزم وجود الفلك وهكذا.
وأما مشركون العرب وأمثالهم فهم أحسن حالاً ترى من أرسطو لعلمك، فكانوا مقرين بالصانع وبأنه خلق السماوات والأرض. نعم.
قال: وبأنه خلق السماوات والأرض، فكانت عقيدة المشركين العرب خيراً من عقيدة هؤلاء الفلاسفة الدهرية، إذ كانوا مقرين بأن هذه السماوات مخلوقة لله حادثة بعد أن لم تكن، وهذا مذهب جماهير أهل الأرض ومن أهل الملل الثلاثة المسلمون واليهود والنصارى، ومن المجوس والمشركين. وهؤلاء الدهرية من الفلاسفة وغيرهم يزعمون أن السماوات أزلية قديمة لم تزل. وكان المشركون العرب يقرون بأن الله قادر يفعل بمشيئته ويجيب دعاء الداعي إذا دعاه. وهو لا يملت، حتى فلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئاً بمشيئته ولا يجيب دعاء داعٍ بل ولا يعلم الجزئيات، ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي، ولا يعرف إبراهيم بن موسى بن محمد صلى الله عليه وسلم وغيره بأعيان من رسله، بل منهم من ينكر أنه مطلقا كأرسطو وأتباعه، ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله.
ومعلوم أن كل موجود في الخارج فهو جزء معين، فإن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات. طبعا الغزالي في تهافت الفلاسفة قبل ابن تيمية كفر ابن سينا، كفر ابن سينا وأشباه الذين يقولون بأن الله يعلم فقط الكليات لا يعرف التفاصيل والجزئيات. ومعلوم أن كل موجود في الخارج فهو جزء معين، فإن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات المعينة؛ لأن الكلي وين وجوده يا إخواني؟ الكلي وجوده فقط في الذهن مش وجود في الخارج. أما الإنسان لفظ كلي، مش هيك اخذنا في درس الأصول الأخير لفظ كلي؟ معنى موجود في الذهن، لكن الموجود في الخارج ما هو؟ هو جزئيات الإنسان. فلما تقول إن الله فقط يعلم الكليات كأنك تقول إن الله يعلم فقط الأشياء الموجودة في الذهن، لكنه لا يعرف أي شيء في الواقع الخارجي؛ لأنه في الخارج لا يوجد إلا جزئيات.
فيقول: ومعلوم أن كل موجود في الخارج في الواقع الحياتي فهو جزئي معين، فإن لم يعلم سبحانه إلا الكليات كما تزعمون، إذاً هو فعلياً لا يعرف شيئاً موجوداً في الواقع الخارجي، وإنما يعرف فقط المعاني الذهنية الموجودة في أذهاننا، فإذاً هو لا يعرف لا الأفلاك ولا الأملاك ولا غير ذلك من الموجودات أعيانها، وهذا وصف لله بقمة الجهل والعياذ بالله، وهذا كفر. نعم.
قال: والدعاء عندهم، قال: والدعاء عندهم هو تصرف النفس القوية في هيولى العالم، كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله. والهيولى لفظ فلسفي هذا، الهيولى يقصد به المادة، مادة العالم. نعم.
قال: وزعموا أن اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية، فالدعاء، طبعا هذا كله ترى هو ينقل الآن في كل هذا النص وينقل في فكر ابن سينا؛ فابن سينا كان يقول إن الله يعرف الكليات لا يعرف الجزئيات، وأن ما معنى الدعاء أنك تدعو الله عز وجل أن يحقق لك شيئاً أو أن يفعل. قال: والدعاء عندهم هو شيء نفساني هيك حالة نفسية، تصرف النفس القوية في مادة العالم حتى تحقق لها الآمال والطموح، قال كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله، وزعموا أن اللوح المحفوظ اللي مذكور في القرآن هو ايش؟ هو النفس الفلكية.
تمام، وأن حوادث الأرض كلها إنما تحدث عن حركة الفلك، كما قد وصف الرد عليهم في غير هذا الموضع. وهذا معنى أن ابن سينا باطني؛ ما معنى أن ابن سينا وأتباعهم باطنية؟ أنهم أتوا إلى كل ألفاظ القرآن؛ لفظ الدعاء، لفظ اللوح المحفوظ، لفظ العرش، أعطوا هذه الألفاظ معاني باطنية لا تدل عليها الظاهر بشكل من الأشكال، فلذلك يصنف هؤلاء من الباطنية. من هم الباطنية؟ الذين يقولون ظاهر ألفاظ القرآن غير مقصودة وأنها رموز لأفكار نحن فهمناها، جماعة ابن سينا؛ فاللوح المحفوظ هو رمز للفلك والابصر والرمز، وهذا كله من الكفر والعبث بالكتاب والسنة. نعم.
قال: والمقصود هنا، والمقصود هنا أن المشركين لم يكونوا يثبتون مع الله إلهاً آخر مساوياً له في الصفات والأفعال، بل ولا كانوا يقولون إن الكواكب والشمس والقمر خلقت العالم، ولا أن الأصنام تخلق شيئاً من العالم. ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين، أو أن الخليل عليه السلام لما قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أراد به رب العالمين، فقد غلط غلطاً بيناً. إذاً ابن تيمية يخبرنا أن الذين حاورهم إبراهيم عليه السلام قالوا هذا ربي، هؤلاء أنفسهم ما كانوا يعتقدون أن الشمس والقمر والنجوم آلهة، ولا حتى إبراهيم لما كان يقول هذا ربي أراد أن يقول إنني معتقد أنه رب هذا الذي يعتقد. ابن تيمية يعتبر أن هذا تفسير غلط بين. كمل.
هو يرى على ذلك أنه كان مناظراً. نعم، كان مناظراً وليس مقراً، لذا قال: بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا، وكانوا يشركون بعبادته كأمثاله من المشركين. قال تعالى عن الخليل: هم لم يقولوا أنها، يعني هو أن يقول إن قوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن الشمس والقمر والكواكب تخلق فكرة الخالققية الصانع، وإنما كانوا يتقربون إلى الشمس والقمر وهذا باعتبارها زلفى زي ما كان كفار قريش يتقربون لأصنامهم زلفى. فإبراهيم لم يقل هذا، من قال إن هذا ربي أراد أنه الرب رب الخالق الصانع، إبراهيم لم يقل هذا أبداً، حتى على القول الذي يرى أن إبراهيم كان قال ذلك -وإن كنت أنا حقيقة ما بتجه إلى هذا التفسير- لكن هو لا يصل بالربوبية هنا أنهم يقرون بأنها صانع لهذا الكون. طيب.
ثم ذكر قصة إبراهيم مع قوله: ما الدليل على أن إبراهيم لما حاور هؤلاء أن هؤلاء لم يكونوا يعتقدون أن الشمس والقمر خالقة؟ ما ورد في سورة الشعراء لما قالوا: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 98]. الآن هذا نص في سورة الشعراء، الصفحة هي موطن الشاهد فيها أنهم ماذا قالوا في نهايتها؟ ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. إذاً هم كانوا مقرين برب العالمين وأن هناك خالق، لكن كانوا من حيث العبادة والتقرب يتقربون للشمس والقمر والنجوم، وهذا معنى أنهم سووها برب العالمين في التوجه والقصد، وليس تسويتهم لها برب العالمين أنها تخلق وتفعل. نعم.
قال: فأخبر تعالى عن الخليل أنه، طيب اقرأ. نعم قال: فأخبر تعالى عن الخليل أنه عدو لكل ما يعبدونه إلا لرب العالمين، وأخبر أنهم يقولون يوم القيامة: تالله إن كنا لفي ضلال مبينين، إذ نسويكم (يعني آلهتهم) برب العالمين. كما قال تعالى في الموضع الآخر: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 26-27]. إذاً، إلا الذي فطرني. والأصل أن.
الاستثناء يكون متصلاً وليس منقطعاً؛ إذ هم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام أو الكواكب والنجوم، فقال: إنني براء من كل ما تعبدونه إلا شيئاً واحداً تعبدونه وأنا لا أتبرأ منه، وهو رب العالمين؛ هذا على أن الاستثناء متصل. قال: وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]، ولم يقل من المعطلين؛ فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون اللعين، فلم يكونوا جاهدين للصانع، بل ماذا قال لقومه وما أنا من المشركين؟
شوف تدقيق ابن تيمية في الألفاظ؛ أنه بعد أن انتهى ابن تيمية من مناظرتهم في النجم وفي الكوكب والقمر والشمس -تمام- مش قال في آخر شيء في الشمس هذا رب؟ فلما أفل قال: يا قومي إني بريء مما تشركون. إذا هذا واضح أنهم كانوا يشركون الشمس والقمر والكواكب مع الله، مش كانوا يعتقدون أنها هي الله؛ أنه لو كانوا يعتقدون هي الله لما قال لقال لهم إني بريء مما تكفرون، لما تعطلون! لما قال إني بريء مما تشركون؟ إذاً هم أشركوا هذه الأفلاك السماوية بعبادة الله.
نعم، قال: فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون، فلم يكونوا مجاهدين للصانع، بل عدلوا به وجعلوا له أنداداً في العبادة والمحبة والدعاء. وهذا كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مع اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الش شعراء: 213]. وقال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22]. وقال تعالى في حكاية عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: 23-24].
قال ابن عباس وغيره من العلماء: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوها. وهكذا عند النصارى عن المسيح عليه السلام في كتاب سر بطرس -الذي يسمى بشمعون وسماعان وصفا وبطرس، والأربعة اسم لمسمى واحد عندهم- عنه كتاب عن المسيح فيه أسرار العلوم، وهذا فيه عندهم عن المسيح؛ فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان. وهكذا قال عالمهم الكبير الذي يسمونه فم الذهب، ومن أكبر علماء النصارى فم الذهب، يقولون ولد في أنطاكيا واختير أسقفاً للقسطنطينية، اسمه يوحنا ولقب بفم الذهب لفصاحته وبلاغة عبارته، له مقالات ورسائل وتفسير الإنجيل.
قال: ولما ذكر تولد ذنوب الكبار عن الصغار، قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصاً يعظم بعضهم بعضاً فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات. قال: وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 56-57].
فقال طائفة من العلماء: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح وغيرهما، فبين الله تبارك وتعالى أن هؤلاء عباد كما أنتم عباد، يرجون رحمته كما ترجون رحمته، ويخافون عذابه كما تخافون عذابه، ويتقربون إليه كما تتقربون إليه. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80]. فبين تعالى أن من اتخذ الملائكة والنبيين أرباباً فهو كافر مع اعتقاده أنه مخلوق، فانه لم يقل أحد قط إن جميع الملائكة والنبيين مشاركون لله سبحانه في خلق العالم.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: تسألهم من خلق السماوات والأارض يقولون الله، وهم يعبدون غيره. وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38] في غير موضع؛ فأخبره تعالى عن المشركين أنهم كانوا يقضون بأن خالق العالم واحد مع اتخاذهم آلهة يعبدونهم من دونه سبحانه، فيتخذونهم شفعاء إليه أو يتقربون بهم اليه.
قال فصل: وكذلك تعظيمهم للصليب واستحلالهم لحم الخنزير وتعبدهم بالرهبانية وامتناعهم من الختان وتركهم طهرة الحدث والخبث، فلا يجيبون غسل جنابة ولا وضوء، ولا يجيبون اجتناب شيء من الخبائث في صلاتهم لا عذرة ولا بولاً ولا غير ذلك من الخبائث؛ إلى غير ذلك كلها شرائع أحدثوها وابتدعوها.
لأنه هذا كله امتداد لكلامه أن النصارى بطبيعتهم لا يقفون في الشرائع على ما شرعه نبيهم -هي الفكرة التي ابتدأنا بها، أي صفحة بدنا نرجع لبدايه الفصل- لما يقول: فهذه الدلائل وأضعافها تبين أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رسول إلى النصارى وإلى غيرهم من أهل الكتاب، وأنه دعاهم وجاهدهم؛ وليس هذا -أنه دعاهم وجاهدهم أمر بدعوتهم وجهادهم- وليس هذا مما فعلته أمته، يعني نحن لما قاتلنا النصارى ودعوناهم إلى الإسلام هل هذا شيء احنا اخترعناه؟ هذا مش شيء احنا اخترعناه، احنا مش أهل اختراع زي ما أنتم يا نصارى أهل اختراع.
بعدين استطرد ابن تيمية في اختراعات النصارى -هذا بيهمني حتى ما تضيع مع الكتاب، أن تفهم وين نحن- إذا هو قرر ابن تيمية في النهاية أن إذاً هذه القصص التي أوردها عن دعوة النصارى وجهاد النصارى عن النبي عليه الصلاة والسلام وفعلها الصحابة، تدل على أنه ما فعلناه نحن إلى يومنا هذا من دعوتنا للنصارى بالدخول إلى الإسلام وقتالنا للنصارى على هذا الدين، هذا ليس شيئاً ادعاه اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقل به محمد عليه الصلاة والسلام، بل هذا ورد الآن في السيرة وأعطيتك التوثيقات عليه.
ثم أراد أن يؤكد أننا أهل أمة الإسلام، أهل اتباع ولسنا أهل ابتداع، فأراد أن يبين أن النصارى عكسنا، النصارى أهل ابتداع وليسوا أهلاً للاتباع. فكيف جاء بفكرة الابتداع؟ بقول لك: أصلاً كل فكرة العقيدة النصرانية هي خليط ما بين الوثنية القديمة -صح؟ التي كانت أيام أرسطو- وما بين أدبيات المسيح عيسى بن مريم أو ما أتى به المسيح عيسى بن مريم؛ فهمت؟ من جاء بعد المسيح عيسى بن مريم خلط بين ما أتى به المسيح عيسى بن مريم وبين ما كان أيام أرسطو وما قبله من الوثنيات، فنتجت هذه العجينة النهائية التي هم فيها. وبعدين استطرد في بيان كيف وقعت فيهم عبادة الأصنام والتصاوير وما شابه ذلك في النصرانية.
ثم أعاد الآن ليبين أيضاً أن تعظيم النصارى للصليب واستحلال النصارى لحم الخنزير وتعبدهم بالرهبانية وامتناع النصارى من الختان وتركهم طهارة الحدث والخبث، كل هذا أيضاً من البدع التي أحدثها النصارى، فهم ليسوا أهل اتباع بل أهل ابتداع؛ نعم كلها شرائع أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح، ودان بها أئمتهم وجمهورهم، ولعنوا من خالفهم فيها، حتى صار المتمسك فيهم بدين المسيح المحض مغلوباً مقموعاً قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم.
لذلك كان الرهبان اللي زارهم سلمان الفارسي إذا بتذكروا، كانوا رهبان متخفيين ليه؟ أنه ما الراهب بحق المتمسك بدين المسيح الذي لم يحرف ما كان يستطيع أن يظهر نفسه، وكان ينبذ ويعتبر مبدلاً، وأما الذين بدلوا هم كانوا أصحاب القيادة والسيادة في المجتمعات؛ نعم.
لما سأل رجل عن الكتاب، سأل رجل ممكن يعني كان صديقاً له مثقفاً قارئاً ومتعلماً، أحسنت نعم قال: وأما المسلمون فكل ما أجمعوا عليه إجماعاً ظاهراً يعرفه العامة والخاصة، فهو منقول عن النبي عن نبيه صلى الله عليه وسلم لم يحدث ذلك أحد بعده، مش بدعة؛ يعني ما في شيء أحدثه الناس وليس من دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا باجتهاده ولا بغير اجتهاده، بل ما قطعنا بإجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي شيء نقطع أنه مجمع عليه فانه يوجد مأخوذ عن النبي، ما في مسألة أجمع عليها أهل الاسلام إلا مستندها في الكتاب والسنة.
نعم قال: وأما ما يظن فيه إجماع ولا يقطع به، فمنه ما يكون ذلك الظن خطأ ويكون بينهم فيه النزاع؛ ثم وأما ما يظن أن فيه إجماع ولا يقطع به فمنه ما يكون ذلك الظن بالاجماع خطأ، أنه ما في إجماع في المسألة وهذا كثير يحصل ادعاء الاجماع في الاسلام وفي مسألة لا إجماع فيها. نعم قال: ثم قد يكون نص الرسول صلى الله عليه وسلم مع هذا القول وقد يكون مع هذا القول، إذاً كثير من الأمور ينقل فيها الإجماع ولا يكون فيها إجماع، وبعد أن نكتشف أنه ما فيها إجماع لو بدنا نبحث في الكتاب والسنة، قد نجد سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا القول وقد نجدها مع القول المخالف.
وأحياناً كان هو بعض الناس لك المسالة فيها إجماع، بعدين بتكتشف أن القول الموجود في السنة هو خلاف ما يدعون فيه إجماعاً، فعندها تعرف أن المسألة هي أصلاً من البداية مش إجماع وأنه هناك من استعجل فادعى الإجماع على قوله. اليوم حتى الأشاعره وغيرهم مش بقولوا أصلاً أن قولهم هو إجماع؟ ولما تجي تنظر في الكتاب والسنة كل الكتاب والسنة عكس قولكم! فكيف تزعمون أن قولكم الباطل هو الإجماع؟ فالاستسهال في نقل الإجماع هو المخيف حقيقة، نعم.
ولذلك قال أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب؛ مش سهل أنك تدعي أن فيه إجماع في مسألة. نعم قال: ومنهم من يكون ظن الإجماع عليه صواباً، ويكون فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر خفي خفيت دلالته أو معرفته على بعض الناس، وذلك أن الله تبارك وتعالى -فمنه ما يكون ذلك الظن بالإجماع خطأ ومنه ما يكون ظن الإجماع عليه صواباً-. نعم قال: وذلك أن الله تبارك وتعالى أكمل دينه بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وبينه وبلغه البلاغ المبين، فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئاً من دينه.
لماذا نحن لا نحتاج إلى أحد يبدل دين النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأن الله أكمل هذا الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. فإذاً نحن لا نحتاج إلى أحد من العلماء يغير شيئاً من معالم الدين، وإنما نحتاج إلى معرفة الدين الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم.
وأمته لا تجتمع على ضلالة، بل يزال في أُمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة. والمقصود هنا إنما أجمعت أن الله طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة، فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فأظهره بالحجة والبيان، وأظهره بالسيف والسنان، ولا يزال في أمته أمة ظاهرة بهذا أي بالحجة والبيان، وبهذا أي بالسيف والسنان حتى تقوم الساعة. والمقصود هنا -أيوه والمقصود هنا- أن ما أجمعت عليه الأمة إجماعاً ظاهراً تعرفه العامة والخاصة، فهو منقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم -اللي هو ما نسميه المعلوم من الدين بالضرورة- والذي تعرفه العامة والخاصة، فهو منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً واضحاً بيناً.
نعم قال: ونحن لا نشهد بالعصمة إلا لمجموع الأمة، وأما كثير من طوائف الأمة ففيهم بدع مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضها من جنس بدع اليهود والنصارى، وفيهم فجور ومعاصٍ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُل إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: 216]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني».
قال: وذلك مثل إجماعهم على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الأمم، أهل الكتاب وغير أهل الكتاب؛ فإن هذا تلقوه النبي... طيب، الآن من ضمن الإجماعات الوثيقة التي يؤمن بها أهل الإسلام أن محمداً -يعني هذا موطن هذا كله توطئة- الآن ما هي المعلومة التي يريد أن يصل إليها؟ من الإجماعات الوثيقة التي يعلمها الخاصة والعامة من أهل الإسلام أن محمداً صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الأمم، إلى أهل الكتاب وإلى غير أهل الكتاب؛ فإن هذا تلقوه عن نبيهم وهو منقول عنه نقلاً متواتراً معلوماً بالضرورة. فليست قضية والله اخترعها أحد ولا ادعاها أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك نعم قال: وكذلك إجماعهم على استقبال الكعبة البيت الحرام في صلاتهم؛ فإن هذا الإجماع منهم على ذلك مستند إلى النقل المتواتر عن نبيهم صلى الله عليه وسلم. وكذلك الإجماع على وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق الذي بناه إبراهيم خليل الرحمن ودعى الناس إلى حجه وحجته الأنبياء، وحتى حجة موسى بن عمران ويونس بن متى وغيرهما. وإجماعهم على وجوب الاغتسال من الجنابة وتحريم الخبائث وإيجاب الطهارة للصلاة؛ فإن هذا كله مما تلقوه عن نبيهم، وهو منقول عنه صلى الله عليه وسلم نقلاً متواتراً ومذكور في القرآن.
وأما النصارى فليست الصلوات التي يصلونها منقولة عن المسيح عليه السلام، ولا الصوم الذي يصومونه منقولاً عن المسيح، بل جعل أوله قلهم الصوم 40 يوماً ثم زادوا فيه عشرة أيام ونقلوه إلى الربيع، وليس هذا منقولاً عندهم نقلوه إلى فصل الربيع. نعم قال: وليس ذلك هذا منقول عندهم عن المسيح عليه السلام -يعني هو الآن عم بيضرب على أوتار بولس الأنطاكي بقول له-.
احنا كل ما ندين به منقول بالنقل الثابت. أما أنت ورجيني دينك يا بولس الانطاكي، دينك كله اختراعات من الرهبان والأساقفة وما شابه ذلك، وما تتعبدون به ليس له مستند ولا أصل، فحري بك أنك أنت تراجع أدبيات دينك قبل ما تأتي تتكلم عن المسلمين وعن أدبياتهم.
قال: وكذلك حجهم لكنيسة القيامة بتسمى كنيسة القمامة مش يحجون هم لكنيسة القيامة في بيت المقدس تسمى أيضا كنيسة القمامة، ولبيت لحم، وكنيسة الصدناية ليس شيء، الصدناية معروفة طلعت في التاريخ كان فيها كنيسة وحج لكنيسة الصدناية اليوم خلوها مسلخ بشري، حسبي الله في المجرم.
قال: ليس شيء من ذلك منقول عن المسيح عليه السلام. وكذلك عامة أعيادهم مثل عيد القلندس وعيد الميلاد وعيد الغطاس وهو القداس وأغلب أعيادهم اخترعوها من عند.
قال: وعيد الخميس وعيد الصليب الذي جعلوه في وقت ظهور الصليب لما أظهرته هيلانة الحرانية الفندقانية أم قسطنطين بعد المسيح عليه السلام بمائتين من السنين، وعيد الخميس والجمعة والسبت التي في آخر صومهم، وغير ذلك من أعيادهم التي رتبوها على أحوال المسيح والأعياد التي ابتدعوها لكبرائهم؛ فإن ذلك كله من البدع التي ابتدعوها بلا كتاب نزل من الله تعالى، بل هم يبنون الكنائس على اسم بعض من يعظمونه.
كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله. مش بتلاقيهم بقول لك هذه كنيسة القديس فلاني، هيك أسماء كنائسهم: كنيسة القديس الفلاني وكنيسة الأسقف الفلاني؛ فيسمون أسماء كنائسهم على أسماء معظميهم، وهذا بخلاف المساجد التي تبنى لله.
قال: كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: 29]. وقال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ [التوبة: 18].
نحن بالنسبة لنا المساجد كلها لله، كل المساجد لله ما في مسجد فلان ومسجد فلان، هذه أسماء بحطها: والله هذا مسجد فلان، كونه باني للمسجد مش لأنه المسجد له ولأبيه، هذا ماشي، وإن كان الأولى حتى أن يسمي الإنسان مسجدا باسم أبيه، خلص المساجد لله سبحانه وتعالى دون أن تقول مسجد فلان وعلتان.
والنصارى كأشباه المشركين يخشون غير الله ويدعون غير الله. والمقصود هنا أن الذي يدين به المسلمون ومن أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله مستحق للجهاد، هو مما أجمع مع أهل الإيمان بالله ورسوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب؛ فإنه تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، الحكمة اللي هي السنة.
ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم، كما ابتدعت النصارى كثيرا من دينهم بل أكثر دينهم، وبدلوا دين المسيح وغيروه. ولهذا كان كفر النصارى... لما فاتهامتنا يا بولس الانطاكي أننا اخترع نحن هذه الفكرة، أنت حري أن توجه إليك هذه التهمة. هذه الخلاصة أن هو مش بولس اتهم أن المسلمين هم اللي اخترعوا هاي الفكرة ونبيهم ما قال، فكانه يقول: لا تزاود علينا في موضوع الاختراع، فأنتم يا أيها النصارى أكثر من اخترعوا في دينهم.
قال: إن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم كما ابتدعت النصارى. ولهذا كان كفر النصارى... مثلكم كفر اليهودي لما بعث المسيح عليه السلام؛ فإن اليهود كانوا قد بدلوا شرائع التوراه قبل مجيء المسيح فكفروا بذلك، ولما بعث المسيح اليهم كذبوه فصاروا كفارا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه وببتكذيب الكتاب الثاني.
فإن اليهود كانوا قد بدلوا شرع التوراة قبل ما أصلا يبعث المسيح، طبعا اليهود بيجوا بقول لك: نحن النسخ عنا مرفوض، بعدين هم لعبوا بالتوراه، فهؤلاء هم اليهود بقولوا النسخ ممنوع عندنا بعدين لعبوا بالتوراه وحرفوها، فاعتبروا هكذا كفروا بالتوراه لما عبثوا بها، ثم جاء المسيح ودعاهم فكفروا بالمسيح، فهكذا هم كفروا بالمسيح بالتوراه لما بدلوها وكفروا بالكتاب الثاني وهو الإنجيل الذي جاء به المسيح لما كذبوه.
وكذلك النصارى نفس الشيء تصرفوا، كانوا بدلوا دين المسيح قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فالنصارى هم أنفسهم كفروا بالإنجيل لما عبثوا به فابتدعوا من التثليث والاتحاد أن الله اتحد في جسد عيسى والعياذ بالله، وتغيير شرائع الإنجيل أشياء لم يبعث بها المسيح بل تخالف ما بعث به، وافترقوا في ذلك فرقا متعددة وكفر فيها بعضهم بعضا؛ يعني النصارى حتى هم في آخرهم فرق يكفر بعضهم بعضا.
فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه فصاروا كفارا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه، وببتكذيب الكتاب الثاني، الكتاب الأول هو الإنجيل أقصد به هنا، وببتكذيب الكتاب الثاني وهو القرآن، كما يقول علماء المسلمين إن دينهم مبدل منسوخ.
وإن كان قليل من النصارى كانوا عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم متمسكين بدين المسيح، كما كان الذين لم يبدلوا دين المسيح كله على الحق، فهذا كما أن من كان متبعا شرع التوراة عندما بعث المسيح كان متمسكا بالحق، تمام كسائر من اتبع موسى، فلما بعث المسيح صار كل من لم يؤمن به كافرا. الآن اللي كانوا متمسكين بالتوراة الصحيحة، اليهود اللي كانوا متمسكين بالتوراة الصحيحة عند مبعث المسيح إذا ما آمنوا بالمسيح شو صار حكمهم؟ كفار. فبقول لك: فكذلك النصارى اللي فرض منهم كان مجموعة متمسكين بالنصرانية الصحيحة عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يقروا الإمام محمد صلى الله عليه وسلم أصبحوا كفارا.
فلما بعث المسيح صار كل من لم يؤمن به كافرا حتى المتمسكين بالتوراة الصحيحة. وكذلك لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم صار كل من لم يؤمن به كافرا حتى من كان متمسكا بالإنجيل الصحيحة.
والمقصود في هذا المقام بيان ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من عموم رسالته، وأنه نفسه الذي أخبر أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم، وأنه نفسه صلى الله عليه وسلم دعا أهل الكتاب وجاهدهم وامر بجهادهم. فمن قال بعد هذا من أهل الكتاب اليهود والنصارى إنه لم يبعث إلينا، بمعنى أنه لم يبعث إلينا بمعنى أنه لم يقل هو صلى الله عليه وسلم إنه مبعوث إلينا، كان مكابرا جاحدا للضرورة العلمية والمعرفية التي ثبتت بالأسانيد التاريخية، مفتريا على الرسول فرية ظاهرة تعرفها الخاصة والعامة.
وكان جحده لهذا كما لو جحد أنه جاء بالقران مع أن القران موجود إلى اليوم ويتلى، أو جحد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قال إن هناك صلوات خمس مع أن هذا منقول بالتواتر، وصوم رمضان وحج البيت الحرام. وجهد محمد صلى الله عليه وسلم وما تواتر عنه أعظم من جهد اتباع الحواريين المسيح عليه السلام، وارساله أعظم من جهد اتباع الحواريين للمسيح وإرسالهم لهم إلى الأمم، ومجيئه بالإنجيل ومجيء موسى عليه السلام بالتوراه.
وجحد أنه كان يثبت، فإن النقل عن محمد صلى الله عليه وسلم مدته قريبة؛ يعني تاريخيا أي النصوص المنقولة عن موسى ابن عمران أو النصوص المنقولة عن المسيح ابن مريم بتلاقي في فترة حُقَب طويلة تصل إلى آلاف السنوات بين النص وبين ما ينقل عنه.
أما النقل عن النبي عليه الصلاة والسلام في زمن ابن تيمية نفسه كم كان مدته؟ صار له في زمن ابن تيمية بين ابن تيمية وبين النبي عليه الصلاة والسلام سبعمائة سنة ولا فما بالك في البخاري ومسلم؟ النقل مدته قريبة، بالتالي هو أوثق من النقول المنقولة عن المسيح وعن عيسى؛ لأن المنقولات المنقولة عن عيسى عليه السلام بتلاقيها بعد عيسى بثلاثمائة سنة هذا أول واحد نقل هذه القصة، فمين بده يكون أكثر مصداقية؟ أكيد الذي ينقل عن النبي من مدة قريبة مصداقيته ستكون أعلى ممن ينقل عنه بعد مرور آلاف السنوات.
وأضعاف أضعاف أضعاف من اتصل به نقل دين موسى عليه السلام؛ فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما زالوا كثيرين منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها، وما زال فيهم من هو ظاهر بالدين منصور على الأعداء، بخلاف بني إسرائيل فإنهم زال ملكهم في أثناء الأمر لما خرب بيت المقدس الخراب الأول بعد داوود عليه السلام، ونقص عدد من نقل دينهم حتى قد قيل إنه لم يبق من يحفظ التوراه إلا واحد.
تخيل أن التوراه قيل لم يحفظها إلا واحد آخر شيء، بخلاف دين الإسلام الذي بالعكس هو في نمو مستمر، وحفظة القرآن في زمن الصحابة ثم زمن التابعين أصبحوا أكثر، ثم في زمن التابعين أكثر وأكثر، فأي الأديان أكثر دقة في النقل؟ دين الإسلام، أنه ما كان في تناقص في فترات بل ما أتى جيل إلا والذي بعده أكثر عدد حفاظ وأكثر عدد اهتمام وبدأ ينتشر انتشار هرمي.
والمسيح عليه السلام لم ينقل دينه عنه إلا عدد قليل، لكن النصارى يزعمون أنهم رسول الله معصومون مثل إبراهيم وموسى، وسياتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى إذا وصلنا إليه، إذ المقصود هنا بيان أن من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقول إنه لم يبعث إلا إلى مشرك العرب؛ فانه في غاية الجهل والضلال أو غاية المكابرة والمعاندة، فإن هذا اعظم جهلا وعنادا ممن ينكر أنه كان يأامر بالطهارة والوسط من الجنابة ويحرم الخمر والخنزير، وأعظم جهلا وعنادا مما ينكر ما تواتر من أمر المسيح وموسى عليهم السلام. وقد ظهر بهذا بطلان قولهم علمنا أنه لم يأتي إلينا بل إلى جاهلية العرب.
فهكذا رد على بولس في... فاذا عرف هذا، فاحتجاج هؤلاء بالايات التي ظنوا دلالتها على أن نبوته خاصة بالعرب تدل على أنهم ليسوا ممن يجوز لهم الاستدلال بكلام أحد على مقصوده ومراده، وأنهم ممن قيل فيه: ﴿فَمَا لَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78].
فليسوا أهلا لأن يحتجوا بالتوراة والإنجيل والزبور على مراد الأنبياء وسائر الكلام المنقول عن الأنبياء على مراد الأنبياء عليهم السلام، بل ولا يحتجون بكلام الأطباء والفلاسفة والنحاة واهل وعلم أهل الحساب والهيات على مقاصده؛ ليش؟ لأنه ثبت فشلهم في فهم المنهج المعرفي والعلمي.
يعني بقول لك: إذا عرف هذا فاحتجاج بولس الانطاكي بآيات القرآن الكريم على أن محمدا صلى الله عليه وسلم للعرب خاصة، لا يحق له أن يحتج به؛ لأنه فشل. ثبت لنا ماذا؟ فشل المنهج المعرفي والعلمي الذي يتبعه بولس الانطاكي، أنه كل هذه القصص والمعلومات من الدين بالضرورة والتي تثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال وأشار إلى أنه مرسل إلى الجميع، كلها لم تكتشف منها يا بولس الانطاكي أن محمد صلى الله عليه وسلم قال إنه مرسل للعرب إيه للجميع كلها؟ لا تحقق لك هذا الاستدلال إذا أنت فاشل في عملية الاستدلال، فلا نسلطك على النصوص حتى تستدل بها لأنك فاشل في عملية الاستدلال، فلا نعطيك سلطة على النصوص لتستدل بها، حتى مش نصوص الأنبياء حتى نصوص الأطباء والفلاسفة، لا تقول لك يعني فاشل تماما في الاستدلال فلا نسلطك حتى على نصوص الفلاسفة ولا الحكماء؛ لأنه عندك نقص في الفهم ونقص في التحليل ونقص في القدرة على فهم دلالة الأشياء على مدلولاتها. فهمتم لماذا يقول حتى على كلام الأطباء والفلاسفة والنحاة لا نسمح له أن يستدل به؟
الذي يضل على عموم الاستدلال؛ يعني أي عملية استدلال أنت لا يحق لك الاستدلال بها، ليه؟ لأنك ثبت لك أنه إذا الأمور الواضحة البينة بالنسبة لك لا تعطي دلالة، طب إذا هذه معلومة من الدين بالضرورة وأشياء واضحة معرفيا وبالنسبة لك لم تعط دلالة، إذا كيف ستستدل؟ كيف سأثق أصلا بعقلك الاستدلالي؟
الناس كلهم متفقون على أن لغة العرب من أفصح لغات الآدميين وأوضحها، ومتفقون على أن القرآن في أعلى درجات البيان والبلاغة والفصاحه، وفي القرآن من الدلالات الكثيرة على مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم التي يذكر فيها أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم ما لا يحصى إلا بكلفة.
ثم مع ذلك، يعني لا يمكن أنك تستوعب الآيات وتعد الآيات اللي فيها الخطاب يا أهل الكتاب يا أهل الكتاب إلا بعد تعب. آخر شيء بتيجي بولس الانطاكي بقول لك: القرآن ما بيحكي إن محمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى النصارى، معناه أنت عندك مشكلة في طريقة الاستدلال والتعامل.
ثم مع ذلك، ثم من النقول المتواترة عن سيرته صلى الله عليه وسلم في دعائه أهل الكتاب وأمره لهم.
بالإيمان به وجهادهم وجهاده لهم إذ كفروا به، ما لا يخفى على من له أدنى خبرة بسيرته صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر قد امتلا العالم به، وسمعه القاصي والداني.
طيب، فإذا كان الناس، المؤمن به وغير المؤمن به، يعلمون أنه كان يقول إنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم، وأن ظهور مقصود دعوته بذلك مما يعلمه بالاضطرار الخاصة والعامة، ثم شرعوا يظنون أنه كان يقول: إني لم أبعث إلا إلى العرب واستمر على ذلك حتى مات، دل على فساد نظرهم. وإذا عندك مشكلة في النظر، مشكلة في العقل، أو مشكلة في العناد والمكابرة.
طيب، قال: وكان الواجب إذ لم يكن لهم معرفة معاني هذه الآيات التي تستدل بها على خصوص رسالته أن يعتقدوا أحد أمرين: أما أن لها معاني توافق ما كان يقوله، أو أنها من المنسوخ. نعم، وكان الواجب على بولس الأنطاكي إذ لم يكن لهم معرفة بالمتواتر بمعاني هذه الآيات التي استدلوا بها على خصوص رسالته كما يزعمون، كان بإمكانك يا بولس أنك تحترم عقليتك وتعتقد أحد أمرين؛ ما دام ثبت بالمعلوم من الدين بالضرورة أنه مرسل إلى العرب وإلى غيرهم، هي الآيات اللي أوهمت عليك وجعلتك تعتقد أنها تدل على أنه مرسل إلى العرب خاصة، كان ينبغي أن يكون موقفك منها أحد موقفين: أما أن تقول لا، أنها ترد إلى المحكمات، اعتبرها من المتشابه وردها إلى المحكم، وتقول بالتاكيد لها معاني صحيحة تتفق ما هو معلوم من دينه بالضرورة أنه مرسل للنصارى واليهود وغيرهم، فترد المتشابه إلى المحكم، أو على الأقل تقول أنها ايش؟ أن الآيات التي تقول إنه مرسل إلى العرب منسوخة بالمتواتر المعلوم بالضرورة أنه مرسل إلى العرب والعجم واليهود والنصارى. كان هذا الاحتمالات هي الاحتمالات الأكثر منطقية بالنسبة لك يا بولس.
طيب، فقد علمت... قال: فقد علمت... ضيعت والله! فقد علمت العامة أن محمد صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد هجرته إلى بيت المقدس نحو سنة ونصف، ثم أمر بالصلاة إلى الكعبة، فالأنبياء فيها ناسخ ومنسوخ، مع أن ما ذكروه من الآيات ليس منسوخا، ولكن المقصود صدود أن المعلوم من حال الرسول صلى الله عليه وسلم علما ضروريا يقينيا متواترا لا يجوز دفعه، فإن العلم بأنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الخلق معلوم لكل من عرف أخباره صلى الله عليه وسلم سواء صدقه أو كذبه، ويعلم بأنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الناس، ممكن قبل أن يعلم أنه يعلم أنه نبي أو ليس بنبي، كما أن العلم بنبوته وصدقه ممكن قبل أن يعلم عموم رسالته، فليس العلم باحدهما موقوفا على الآخر.
ولهذا كان كثير ممن يكذبه يعلم أنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الخلق، وطائفة ممن تقر بنبوته وصدقه لا تقر بأنه رسول الله إلى جميع الخلق. يعني إيمانك بأنه كان يقول إنه مرسل إلى جميع الناس علميا ليس متوقف على إيمانك بأنه نبي؛ يعني آمنت أنه نبي أو لا، إيمانك ومعرفتك بأنه كان يقول إنه مرسل إلى الجميع مش مرتبط معرفيا أنك تصدق أنه نبي أو لا، لأنه هذا خلص، هناك رجل يقول إنه مرسل إلى الجميع، نقل عنه هذا نقلا متواترا، آمنت أنه نبي أو أنه ليس بنبي هي قضية أخرى، لكن الإيمان أنه كان يقول ذلك ويدعو إليه واضح جلي مبني على التواتر المنقول عنه.
نعم، والمقصود هنا الكلام مع هؤلاء بأن العلم بعموم دعوته لجميع الخلق، أهل الكتاب وغيرهم، هو متواتر معلوم بالاضطرار كالعلم بنفس مبعثه ودعائه الخلق إلى الإيمان به وطاعته، وكالعلم بهجرته. هل في هناك أحد عاقل اليوم من اصحاب الديانات ينكر وجود محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ الإنساني؟ هل في أحد من أي دين ينكر وجود محمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج في جزيرة العرب ودعا وبدأ... هل في أحد ينكر هذا؟ ما حد ينكر! حتى روح على البوذيين وعلى النصارى، لأن هذا أصبح منقولا نقلا متواترا لا يمكن لعاقل أن يجحد هذا، نقل متواتر أممي.
فكما أن النقل المتواتر الأممي على وجود مبعثه وانه خرج يدعو إلى الخالق إلى الإيمان والطاعة، فكذلك هناك إجماع أممي صحيح دقيق على أنه لم يقل إنه مرسل إلى العرب فقط بل إنه مرسل للجميع، يعني هذه كانت بمنزله هذه.
نعم، قال: وجيء... وكالعلم بهجرته مكة إلى المدينة، وجيء بهذا القرآن.
نعم، قال: والصلاة الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق وأيجاب الصدق والعدل وتحريم الظلم والفواحش وغير ذلك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: بل في القرآن ما يقتضي أن رسالته خاصة وفيما يقتضي رسالته عامة، وهذا تناقض! قيل: هذا باطل، ويعلم بطلانه قبل العلم بنبوته، فإن من المعلوم لكل أحد، آمن به أو كذبه، أنه كان من أعظم الناس عقلا وسياسة وخبرة، وكان مقصوده دعوة الخلق إلى طاعته واتباعه، وكان يقرأ القرآن على جميع الناس ويأمر بتبليغه إلى جميع الأمم، وكان من طلب منه أن يؤمنه حتى يقرأ عليه القرآن من الكفار وجب عليه أن يجيبه ولو كان مشركا، وكل من طلب منه أن يؤمنه حتى يقرأ عليه القرآن من الكفار وجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يجيبه ويعطيه فسحة ليسمع القرآن ولو كان هذا الذي طلب الامان مشركا، فكيف إذا كان مشركا يعني وثنيا؟ فكيف إذا كان الذي طلب الأمان كتابيا؟
نعم، قال: كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]. وكان قد أظهر أنه مبعوث إلى أهل الكتاب وسائر الخلق، وأنه رسول إلى الثقلين الجن والانس، فيمتنع مع هذا أن يظهر ما يدل على أنه لم يبعث إليهم، فإن هذا لا يفعله من له أدنى عقل.
نعم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كل من خبره، حتى من أعدائه، يعرفون أنه كان في كمال العقل صلى الله عليه وسلم وفي كمال السياسة وكمال الذكاء، وبالتالي مستحيل لمن وصف بهذه الصفات في السياسة والدهاء أن ينقل أن يأتي بنصوص تدل على أنه مرسل إلى العرب خاصة ثم يأتي بنصوص يفهم منها أنه مرسل إلى الجميع ويظهر منها التناقض. فهمتوا ماذا يقول؟ يقول: يعني هذا ما له علاقه الان بكونك تصدق أنه نبي أو لا، هو ابن تيمية عم يناقش شخص نصراني، فهو يقول: يعني سواء انت صدقت أنه نبي أو لم تصدق، من عرف صفاته التي عرفها عنها أعداؤه قبل أصدقائه يعرف أن هذا النبي العظيم وهذا الرسول الكريم لا يمكن أن يتناقض ويخبر مره أنه أنا فقط مرسل للعرب خاصة، ثم يخبر مرة أخرى لا، أنا مرسل إلى الناس عامة، ثم يعود فيتناقض! هذا لا يمكن أن يصدر من شخص عرف خصومه قبل أحباؤه صدقه وسياسة وذكاؤه وفطنته.
نعم، قال: فكيف يفعله أو فكيف يفعل مثل هذا من اتفقت عقلاء الأمم على أنه أعقل الخلق وأحسنهم سياسة وشريعة؟ وايضا فكان اصحابه والمقاتلون معه لعدوه ينفض عنه، وقد كان عادتهم أن يستشكلوا ما هو دون هذا! لو كان في تناقض كما تزعم، لكان الصحابه أول من لاحظوا هذا التناقض ولقالوا: يا رسول الله، نحن أنصارك واتباعك لكننا نرى تناقضا، فأحيانا تقول لنا انك مرسل للعرب وأحيانا توهمنا انك... كان ينبغي أن يقوله ولم يقل ذلك أحد من الصحابة والاتباع، مع أنهم كانوا يستشكلون أخف الأشياء، اليس كذلك؟ ومع ذلك لم يستشكلوا! إذا المشكله في فهمك انت يا بولس، وليس أن هناك تناقض حقيقي.
نعم، ثم بعد هذا فلو قدر... ثم بعد هذا فلو قدر أن في القرآن ما يدل على أنه لم يبعث إلا إلى العرب وفيه ما يدل على أنه بعث إلى سائر الخلق، كان هذا دليلا على أنه ارسل إلى غيرهم بعد أن لم يرسل إلا إليهم، يعني على الأقل اللي هو النسخ، يعني كان هذا ربما أقل شيئا يقول إنه كان يقول إنه مرسل إلى العرب، ثم أخبر أنه مرسل إلى الجميع، ففي النهاية أصبحت النتيجة النهائية أنه مرسل إلى الجميع، وأن ما غبر له ابتداء أنه مرسل إلى العرب اعتبره يا سيدي مرحلية، مرحلية، ثم بعد ذلك أذن بإعلام جميع البشر وأن الله عم بدعوته بعد أن كانت خاصة، إذا فلا تناقض بين هذا وهذا، فكيف وليس في القرآن أصلا آية واحدة تدل على أنه ابتداء قال إنه مرسل للعرب خاصة، وإنما فيه إثبات رسالته إليهم، أي إلى العرب، كما أن فيه إثبات رسالة إليهم... عفوا إلى النصارى، كما أن فيه إثبات رسالة إلى قريش، وليس هذا مناقضا لهذا.
طيب، قال: وليس هذا مناقضا لهذا، قال: وفيه... وفيه إثبات رسالته إلى أهل الكتاب كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: 47]. كما فيه إثبات رسالته إلى بني إسرائيل قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 40]. وليس هذا التخصص لليهود... التخصيص لليهود منافيا لذلك التعميم.
قال: تخصيص الشخص بخطاب لا ينفي تعميم الكلام لغيره، لما اقول يا طلاب بعدين اقول يا زيد، هل قولي يا زيد ينافي أن اقول يا طلاب؟ تخصيص الخطاب باحد الاصناف لا يلغي خطابي للعموم.
نعم، وفي رسالته... قال: وفي رسالته خطاب اليهود تارة للنصارى تارة، وليس خطابه لاحدى الطائفتين ودعوته لها مناقضا لخطابه للأخرى ودعوته لها. وفي كتابه خطاب للذين امنوا من أمته في دعوته لهم إلى شرائع دينه وليس في ذلك مناقضة يخاطب أهل الكتاب، وصل... لأنه من جهالة بولس الأنطاكي واتباعهم إلى اليوم أنه لما يأتي لآية بكون فيها النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب المهاجرين والأنصار تقول لك: ها، شايف، إذا هي بخاطب المهاجرين والأنصار إذا نحن ما لنا علاقه! فيقول ابن تيميه: تخصيصه الخطاب في بعض الأحايين لبعض الطوائف لا ينفي في عموم رسالته إلى الجميع، فأنت لا يجوز أن تستدل ببعض الخطابات الخاصة على إلغاء الرسالة العامة، هذا جهل في عملية الاستدلال.
نعم، قال: وفي كتابه خطاب للذين امنوا من امته في دعوته لهم إلى شرائع دينه وليس في ذلك مناقضة من يخاطب أهل الكتاب ويؤوهم، وفي كتابه أمر من قتال أهل الكتاب والنصارى حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. ثم لم يكن هذا مانعا أن يأمر بقتال غيرهم من اليهود والمجوس حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
نعم، فبالتالي هذه الآية الله أمر فيها بقتال أهل الكتاب، هل يأتي الشخص فيقول إذا خلاص لا يجوز أن يقاتل غير أهل الكتاب؟ لا، هنا نعم هي الآية تتكلم عن قتال أهل الكتاب لكن لا تنفي يقاتل غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى أو أن تؤخذ الجزية من غيره مثل المجوس، فتخصيص الخطاب في بعض الأحايين لا ينفي تعميمه في سياقات أخر. هذا اللي كان يفعله بولس، بيجي على آيات فيها خطاب للمهاجرين والأنصار أو شيء أو للعرب فيقول: إذا ها شايف، الخطاب للعرب! طيب والايات الأخرى العامة التي تقول إن الخطاب للجميع؟ فهذه كانت إحدى الممارسات الخاطئة التي يفعلها... الانتقائية تسمى هذه، تسمى اليوم من الأخطاء في الجدال والمناظرة الانتقائية، أن تنتقي النص الذي يناسب فكرتك.
نعم، قال: ثم لم يكن هذا مانعا أن يأمر بقتال غيره من اليهود والمجوس حتى يطال جز... عن يد وهم صاغرون، بل هذا الحكم ثابت في المجوس بسنته واتفاق أمته، وإن قيل أنهم ليسوا من أهل الكتاب فهذا كله... طبعا هو كانه جعل هذه النص من الذين أوتوا الكتاب حتى يأتوا الجزية أنه نص في قتال النصارى لأنه قال ثم لم يكن هذا مانع يأمر بقتال غيرهم من اليهود والمجوس، بس أنا مش عارف ليش ما اعتبروا أيضا نص لقتال اليهود؟ انتم شايفين شو قال؟ وفي كتابه أمر بقتال أهل الكتاب النصارى، واعتمد على هذي الآية. طبعا هو لماذا اعتبرها في النصارى؟ لأنها سورة، هي في أي سورة؟ سورة التوبة، وفي التوبة كان تتكلم عن تبوك، وتبوك قتال للنصارى، فكان ابن تيمية يعتبر هذه الآية أساسا للنصارى ودخل اليهود والمجوس فيها تبعا.
نعم، قال: وإن قيل أنهم ليسوا من أهل الكتاب فهذا كله مما يعلم باضطرار من دينه قبل العلم بنبوته، فكيف ونحن نتكلم على تقدير نبوته؟ والنبي لا يتناقض قوله.
وإذا كان العلم بعموم دعوته وإرسالته معلوما بالاضطرار قبل العلم بنبوته وبعد العلم بنبوته، فالعلم الضروري اليقيني لا يعارضه شيء، ولكن هذا شأن الذين في قلوبهم زيغ من أهل البدع النصارى وغيرهم، يتبعون المتشابه ويداعون المحكم. وبسبب مناظرة النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم للمتشابه وعدولهم عن المحكم أنزل الله تتبارك وتعالى فيهم: هو الذي انزل عليه الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتن. هذه الآية نزلت في أول آل عمران وهي السورة التي جادل فيها النبي صلى الله عليه وسلم النصارى، ليخبرك أن النصارى أصلا من طبيعتهم اتباع الزيغ.
نعم، قال: فالتاويل يراد به تفسير القرآن ومعرفة معانيه، وهذا يعلمه الراسخون، ويراد به ما استأثر الرب سبحانه وتعالى بعلمه عن معرفة كنهه وكنه... فالتاويل في قوله تعالى: وابتغاء تأويله، يعني ابتغاء تفسيره.
طبعا هنا سيأتي معنا أن التأويل له عدة معاني، ابن تيمية يختار من التأويل هنا ليس التفسير، والمراد بالتأويل معرفة المعنى الخارجي للشيء والحقيقة الخارجية. قال لا، هو الآن سيعطي تفصيلًا أيضًا؛ التأويل يراد به تفسير القرآن ومعرفة معانيه، هذا أحد معاني كلمة التأويل التفسير. الآن التأويل بمعنى تفسير القرآن ومعرفة معانيه هذا يعلمه الراسخون، هذا اللي هو التأويل بمعنى التفسير هذا يعلمه الراسخون.
ويراد بالتأويل ما استأثر الرب بعلمه، وهو من معرفة ما يؤول إليه الشيء في الخارج، وكيف تكون كُنهه وحقيقته. وهذا نعم لا يعرفه الراسخون، وإنما يعرفه الله فقط، مما يكون من في المستقبل ويوم القيامة ونحو ذلك، فهذا مما استأثر الله بعلمه. والضلال نعم يذكرون -قال والضلال يذكرون آيات تشتبه عليهم معرفة معانيها فيتبعون تأويلها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها- وليس من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويلها، مع أن هؤلاء الآيات التي ذكروها من أوضحها. الضلال يذكرون آيات يفسرونها بأهوائهم، وهم ليسوا من الراسخين في العلم الذين يحمَوْنَ الدخول في تفسير هذه الآيات وإنزالها من منازلها الصحيحة.
نعم، قال وهذا الذي سلكوه في القرآن نظير ما سلكوه في الكتب المتقدمة وكلام الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها؛ فإن فيها من النصوص الكثيرة الصريحة بتوحيد الله وعبودية المسيح ما لا يحصى إلا كلفة، وفيها كلمات قليلة فيها اشتباه؛ فتمسكوا بالقليل المتشابه الخفي المشكل من الكتب المتقدمة وتركوا الكثير المحكم المبين الواضح؛ فهم سلكوا في القرآن ما سلكوه في الكتب المتقدمة.
لكن تلك الكتب يقرون بنبوة أصحابها، ومحمد صلى الله عليه وسلم هم فيه مضطربون متناقضون؛ فأي قول قالوه فيه ظهر فساده وكذبهم فيه إذا لم يؤمنوا بجميع ما أنزل إليه. وإن قالوا: كلامه تناقض ونحن نحتج بما يوافق قولنا إذ مقصودنا بيان تناقضه؛ قيل لهم عن هذا أجوبة. إذا قيل: طب الآن إذا وصلوا إلى أن يقولوا كلام محمد صلى الله عليه وسلم متناقض، ونحن نحتج بما يوافق قولنا إذ مقصودنا بيان تناقضه. نعم، قال قيل أحدها: إنه في الكتب المتقدمة مما يظن أنه متعارض أضعاف ما في القرآن وأقرب إلى التناقض؛ فاذا كانت تلك الكتب متفقة لا تناقض فيها، وإنما يظن تناقضها من يجهل معانيها ومراد الرسل، فيكون كما قيل: وكم من عائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم. فكيف القرآن الذي هو أفضل الكتب؟ يعني إذا كانت التوراة والإنجيل تمام، والقرآن أعلى منها من حيث الإعجاز والفصاحة وما شابه ذلك، إذا كانت تلك الكتب متفقة لا تناقض فيها وإنما يظن التناقض فيها من هو جاهل، فمن باب أولى وأحرى القرآن الذي هو سيد تلك الكتب ومهيمن عليها أن من ظن أن فيه تناقضًا فالمشكلة في فهمه وليس في النص.
الثاني قال: الثاني أنهم متمسكون بالمتشابه في تلك الكتب ومخالفون المحكم منها كما فعلوه بالقران وأبلغ. الثالث: أنه إذا كان ما جاء به متناقضًا لم يكن رسول الله؛ فإن ما جاء به من عند الله لا يكون مختلفًا متناقضًا، وإنما يتناقض ما جاء من عند غير الله. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. فكل كتاب ليس من عند الله لابد أن يكون فيه تناقض، وما كان من عند الله لا يتناقض. وحينئذ فإن كان متناقضًا لم يجز لهم الاحتجاج بشيء منه؛ فانه ليس من عند الله. نعم، فبالتالي هم يقولون: إن كلام محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن متناقض، بس نحن رح نختار من كلامه اللي بيوافق راينا وهو أنه مرسل إلى العرب خاصة. فبقول لهم: يعني إذا ثبت أن القرآن متناقض، إذا هذا الكلام كله لا يجوز الاحتجاج به؛ فلا تحتجوا به لا على قولكم ولا على ضد قولكم، مش هيك المنهج المعرفي.
نعم، قال فإذا لم يكن متناقضًا فهذا سيثبت فيه عموم رسالته وأنه رسول إليهم، وليس فيه شيء يناقضه؛ فإن ما جاء من عند الله لا يتناقض. فبالتالي إذا قلتم إن القرآن متناقض نفس الشيء سقط الاستدلال به على طريقتكم، صح؟ إذا زعمتم متناقض يجب أن يسقط الاستدلال به، أما تنتقوا منه ما يوافق رغبتكم وتثبتوا به أنه مرسل إلى العرب خاصة وتتركوا ما يدل على أنه مرسل إلى الجميع بحجة أن القرآن متناقض، هذا مش مسلك معرفي. إذا متناقض إذا هو في مشكلة في هذا المصدر.
الرابع: فان نبين أن ما فيه من عموم رسالته لا ينافي ما فيه من أنه أرسل إلى العرب، كما أن ما فيه من إنذار عشيرته الاقربين وامر قريش لا ينافي ما فيه من دعوة سائر. لما قال الله له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]؛ هل بيجي شخص بيقول من أهل الأوس والخزرج أو من سكان اليمن: نحن مش مخاطبين بهي الرسالة ليه؟ لأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: انذر عشيرتك، إذا نحن مش مخاطبين بك. كما أن هذا لم يقله أحد، نفس الفكرة في قضية أن خطابه للعرب لا يعني أنه ليس مخاطبا للنصارى والعدو. نعم، فإن تخصيص بعض العام بالذكر إذا كان له سبب يقتضي التخصيص لم يدل على أن ما سوى المذكور يخالفه، هي قاعدة من قواعد أصول الفقه.
إذا قلت: أكرم زيدًا؛ إذا أنا قلت لك: أكرم زيدًا، وفي مقام آخر قلت لك: أكرم الطلاب. هل قولي: أكرم زيدًا، يعتبر متناقضًا مع قولي: أكرم الطلاب؟ لا؛ لأن تخصيصي لزيد بالإكرام لا يعني أنني لا أريد إكرام الباقين، لكن هذا نوع اهتمام بزيد في هذه المرحلة، نوع والله إكرام له أكثر من غيره، هي قضية أخرى. لكن إذا قلت لك: أكرم زيدًا، ثم قلت: أكرم الطلاب، لا يوجد عاقل يقول والله هذا الرجل متناقض ليه؟ قال لي: أكرم زيد، بعدين قال لي: أكرم الطلاب! كيف تقول لي: أكرم زيد، بعدين أقول ما في تناقض؟ أنا قلت لك: أكرم زيد، بعدين تكرم الطلاب، أنت ستفهم تلقائيا أنني اريد الاعتناء بزيد أكثر الآن في هذه المرحلة، وليس أن إكرامه يعني ألا تكرم أحدا غيره. تمام، وهذا يعني ما يسمى مفهوم اللقب، وهو أن مفهوم ضعيف لا عبرة به إلا إذا ظهرت قرينة تدل على أن تخصيص زيد المراد به نفي غيره. أما إذا لم تظهر قرينة على أن تخصيص زيد بالذكر لا يعني نفي غيره، لا يجوز لك أن تعتبر التخصيص معارضا للتعميم. وهذا الذي يسمى مفهوم المخالفة ودليل الخطاب، بس هون بده يكون دليل مخالفة. مفهوم اللقب كما قلنا لا عبرة به.
فإذا قيل لك: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، هل هذا يعني أن غيره من الأنبياء ليسوا رسل الله؟ تخصيص هذا اللقب هذا الاسم بهذا الحكم لا ينفي غيره، نفس الشيء قيس على هذه الفكرة. طيب والناس كلهم، قال: والناس كلهم متفقون على أن التخصيص بالذكر متى كان له سبب يوجب الذكر غير الاختصاص بالحكم، لم يكن للاسم اللقب مفهوم، بل ولا للصفة. نعم، بل هناك أصلاً قاعدة عامة في مفهوم المخالفة حتى في غير مفهوم اللقب.
إيش القاعدة في مفهوم المخالفة اللي أخذناها في أصول الفقه؟ بتذكر في النظم الصغير أخذنا قاعدة في اعتبار مفهوم المخالفة، ما هي؟ أنه لا يخرج من مخرج للتكثير للتهويل للذكر. بدك تصيغ القاعدة أنت الآن، شو هي القاعدة؟ متى شرط أن لا تكون... ما شرط اعتبار مفهوم المخالفة؟ وأن تخصيص الحكم بالمنطوق يعني نفي الحكم عما سواه، ما شرط ذلك؟ إيش هو؟ ألا يكون مفهوم في ذات السياق، هو مفهوم المخالفة لسه مش هي القاعدة الكلية، لا في قاعدة أنا ذكرتها في النظم الصغير هي الجامعة: ألا يظهر أيوه، يعني ألا يظهر من تخصيص المنطوق بالحكم فائدة سوى إرادة نفي الحكم عما عداه، يعني مفهوم المخالفة.
فالان بتعرفوا أصل الحنفية لا يقبلونه هذا الأصل، والجمهور الذين يقبلون الاستدلال بمفهوم المخالفة يقولون: ما هو القاعده؟ قاعدة اعتبار مفهوم المخالفة: ألا يظهر من تخصيص المنطوق بالحكم فائدة سوى إلغاء الحكم عما سواه، أما إذا ظهرت أي فائدة لتخصيص الحكم المنطوق غير فائدة إلغاء الحكم عما سواه فيذهب إلى تلك الفائدة، كما ذكرت الآن أنت منها؛ فارك أن يكون قصد الحكم بالمنطوق للتهويل، للتكريم، لأن له خطر أكبر، وليس مقصده أن ينفي الحكم عما سواه. فبالتالي يقول ابن تيمية: والناس كلهم أي الفقهاء متفقون على أن التخصيص، تخصيص الشيء بالذكر متى كان له سبب يوجب ذكره هو بالتحديد غير اختصاص الحكم به عما سواه، لم يكن هنا لا لمفهوم اللقب، بل قالوا ولا لمفهوم الصفة أي قيمة.
كقوله تعالى مثلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةِ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: 151]. هل هذا معناه أنه بصير نقتل آباءنا يا شيخ؟ قال: لا تقتلوا أولادكم، ما قالش: لا تقتلوا إخوانكم وآباءكم، لا، هو ذكر الأولاد هنا وخص الحكم بهم لوجود ما يقتضي هذا التخصيص، وأن من عادة العرب كانوا يقتلون أولادهم عند الفقر بس ما كانوش يقتلون إخوانهم، بس مش قول: لا تقتل ابنك، معناتها إذا مفهوم المخالفة بصير اقتل أبوي واخوي! ما حدا بيفهم كده في اللغة. فانه نهاهم عن ذلك لأنه هو الشيء الذي كانوا يفعلونه ويصدر منهم، وقد حرم في موضع آخر عموم قتل النفس بغير حق سواء كان ولدا ولا أبا ولا أخا، ولم يكن ذلك مناقضا لتخصيص الولد بالذكر في هذه الآية.
الخامس، نعم، الخامس أن أنه في ذلك أسوة بالمسيح عليه السلام؛ فإن المسيح خص أولا خص أولا بدعوته ثم عم، كما قيل في الإنجيل. نعم أنه في ذلك -يعني إذا قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم على فرض ابتداء كان مخاطبا به العرب ثم خاطب به الجميع- كان مثل المسيح لا فرق بينه وبين المسيح حيث كان في رسالته أولا خص ثم عم. كما قال في الإنجيل: ما بعثت وارسلت إلا لبني إسرائيل. وقال أيضا في الإنجيل: ما بعثت إلا لهذا الشعب الخبيث. ثم عم فقال لتلامذته حين أرسله، مش قلنا إنه أرسل الحواريين إلى أيضا إلى اليونان وبعض ملوك الأرض كحين أرسلهم كما في الإنجيل: كما بعثني أبي أبعث بكم. أبعث بكم كما بعثني أبي.
طبعا كلمة أبي هون عليها علامه استفهام، طبعا ها أبعث بكم فمن قبلكم فمن قبلكم فقد قابلني، فبعث الحواريين إلى بعض المناطق التي ليست في لبني إسرائيل. تفضل تفضل. أبيض الصفحات المقدسة ما فيها إشكال نفسي فقال عن المسيح أنه قال: أنتم أبناء الله باعتباري أنتم مؤمنون أنتم تحت رعاية الله فكأنكم أبناؤه. فهذا لا يطلق على كل مؤمن أنه ابن لله والله عجل أبوه هذا تمام، لكن أقصد هل هذه لفظة ثابتة نستطيع أن نجزم بثبوتها؟ هذا سؤالي. قص حتى على اصطلاح الإنجيل أو على أنا فهمت عليك أنه حسب اصطلاح الإنجيل يمكن أن تقبل لأن لها تأويل عندهم فهمت، لكن أقصد هل هي ثابتة يعني هل هي فعلا ثيل ولا هو اصطلاح اصطلحوه ماشي يمكن يفهم بوجه صحيح، فانا دائما أبحث عن هل هكذا الإنجيل كلام الله؟ فهمت علي؟ فهل هذه كلام الله هكذا كان أم هذا مصطلح هم استحدثوه وإن كان يمكن أن يحمل له وجه صحيح على مصطلحات الإنجيل؟ يعني هذه نقطة أنا متوقف فيها لست لا أدي بها.
طب وقال: أرسلني أبي وأنا أرسلكم، وقال: كما أفعل أنا بكم كذلك فعلوا وأنتم عباد الله، فسيروا في البلاد وعمدوا الناس باسم الاب والابن والروح القدس، يعني زي هي الألفاظ ما برضه مشكلة يعني. ولا يكون لأحدكم ثوبان، بمعنى أنه خلوكم زهاد خلص يكفيك ثوب واحد، ولا يحمل معه فضة ولا ذهب ولا عصا ولا حدا. إذن المسيح كانت رسالته خاصة، بعدين صارت عامة. يعني طبعا عامة ضمن مساخ معين أن هو أصلاً قال عليه الصلاة والسلام من خصائصه: وكان النبي يبعثه إلى قومه خاصة، وبعث إلى الناس عامة. إذن أكيد حتى تعميم لسادة المسيح ليس التعميم الأممي وإنما ربما إلى بعض الجهات إن صح هذا الك.
وقال ونحو ذلك مما هو في الاناجيل التي بين أيديهم من تخصيص الدعوة ثم تعميمها؛ فليش ترفضون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خصه بالدعوة ابتداء العرب ثم عممها إذا كانت مقبولة عند المسيح؟ لماذا لا تكون مقبولة عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو صادق في ذلك كله؟ فكيف يسوغ لهم إنكار ما في الإنجيل عن المسيح نظيره؟ وهذا من الالزامات، هذا الذي تستفيد من هذا الكتاب اللي هو منهج الإزام؛ كيف ألزمني بشيء أنت أولى به من يعني أنت تلزمني وأنا ألزُمُك.
ثم يقال في بيان الحال: إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم كما بعث المسيح وغيره، وإن كانت رسالته أكمل وأشمل كما نذكر في موضعه؛ فأمره بتبليغ رسالته بحسب الامكان إلى طائفة بعد طائفة، وامر بتبليغ الاقرب منه مكانا ونسبا، ثم بتبليغ طائفة بعد طائفة حتى تبلغ النهارة إلى جميع أهل الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، أي من بلغه القرآن فكل من بلغه القرآن فقد أنذره محمد صلى الله عليه وسلم. طبعا هنا شو المشكلة؟ بيجي أخمة
أو شيخ فاضل بيجي بيقول لك: هاء إذا الحجة، كيف تقوم يا شيخ بالبلوغ؟ ليش أنا شوف شو قال ابن تيمية هون: فكل من بلغه القرآن فقد أنذره. يا أخي، بيجي بياخد هذا النص وبترك نصوص ابن تيمية التي يناقش فيها مفهوم قيام الحجة، وأن هل مجرد البلوغ هو معناه قيام الحجة؟ الحجة هون ابن تيمية ليس في سياق بيان كيفية إقامة الحجة، هو فقط عم يبين أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مطلوب بها العرب وغير العرب وما شابه ذلك. أكثر شيء مؤذي في عمليات الاستدلال هو هي الانتقائية في غير السياق.
الان لما تقول: ما مذهب ابن تيمية في معنى إقامة الحجة؟ بتذهب إلى النصوص التي هو بين فيها مذهبه تفصيلياً. أما تأتي لنص في سياق مختلف ترى موافق لفكرتك كأن قيام الحجة يكتفى في مجرد البلوغ -طبعا هو ما حكى مجرد بس أنت هيك فهمت- وتبنيه عليه: والله ابن تيمية قال بالبلوغ! بتلاقيه جايب هذا النص باحث عليه على المكتب الشامي، لوين قال؟ بلغ بلغ بلوغ، بتلاقي أخد المشتقات وبالتالي هاي قال بلوغ.
نفس الشيء بيعمل اللي يرى أن ابن تيمية يكفر الأشاعرة وغيره. نفس الآليات، بروح بيشوف نص ابن تيمية وين قال عن هذول إنهم مشركون كذا، بيقتطع لك اياها من سياقها حتى يوهم الشباب. مشكلة الكسل المعرفي هي إحدى المشاكل المعاصرة، أنه الطالب أو الشاب لما يتابع واحد على السوشيال ميديا ما بيروح بيتبع وراه من وين جايب النصوص، وشو السياقات اللي فيها ابن تيمية، خلص بيثق أنه هذا الشاب المتصدر على السوشيال ميديا أكيد بحكي علم وحق، وأنه كل اقتطاعاته اقتطاعات في مكانها.
فبيجي: أها هي شيخنا أتى بنص عن ابن تيمية ونصين، أنتم اللي بتفتروا على ابن تيمية. بيكون شيخه زي ما قلت لك، جماعة الاقتطاعات من غير السياق. هي الآن هذا ليس سياق الكلام عن كيفية إقامة الحجة، الرجل بس بتكلم كلام سريع، قال: فكل من بلغه القرآن فقد أنذره محمد صلى الله عليه وسلم. طيب شو معنى البلوغ عند ابن تيمية ومعنى؟ بتروح على أماكن أخرى، هذا هو المنهج العلمي والمعرفي المهم.
وتبيّن هنا أن النذارة ليست مختصة بمن شافها هم فقط بالخطاب، بل ينذرهم به وينذر من بلغهم القرآن. فأمره الله تعالى أولاً بإنذار عشيرته الاقربين، وهم قريش، كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. ولما أنزل الله هذه الآية عليه، انطلق النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف... إلى آخر الحديث المشهور. وهذه قصة رواها ابن عباس وأبو هريرة وعائشة وغيره في الصحيحين وغيرها.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا. الظاهر كما يقول القرطبي أنها كانت آية تتلى ثم نسخت. خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي... إلى آخر الحديث: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وروى حديث أبو هريرة أيضاً: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أنقذوا أنفسكم من النار... إلى آخره. وقالت عائشة: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خرج فقال: يا فاطمة بنت محمد... إلى آخره.
ونقلها ابن إسحاق، ودعا قريشاً إلى الله، وأمره بعبادة الله وحده. وأنزل الله إليه في قريش: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: 1]. وقد أنزل الله عليه في غير موضع أمر جميع الخلق بعبادته في مقام آخر، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21]. فهذه إذاً تلك آيات خاصة، وهناك آيات عامة. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وقريش هم قومه الذين كذّبه جمهورهم أولاً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 66]. كما أن جمهور بني إسرائيل وهم قوم المسيح كذبوه أولاً.
ثم أمره الله تعالى أن يدعو سائر العرب، فكان يخرج بنفسه ومعه أبو بكر الصديق إلى قبائل العرب قبيلة قبيلة. وكانت العرب لم تزل تحج البيت من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام. فكان صلى الله عليه وسلم ياتيهم في منازلهم بمنى وعكاظ وذجنة وذي المجاز -بدك تحط المفتاح قال- فلا يجد أحداً إلا دعاه إلى الله، ويقول: يا أيها الناس، إني رسول الله، أمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما يعبد من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به. يا أيها الناس، إن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي، فمن يمنعني أن أبلغ كلام ربي حتى أبلغ كلام ربي إلا رجل معروف؟ طبعا هذه الأمور معروفة ومشهورة.
قال: وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن دعوته ويظهر رسالته ويدعو الخلق إليها، وهم يؤذونه ويجادلونه ويكلمونه ويردون عليه بأقبح رد، وهو صابر على أذاهم صلى الله عليه وسلم، ويقول: اللهم لك الحمد، لو شئت لم يكون هكذا. فلما اشتد عليه أمر قريش خرج إلى الطائف، من مدينة معروف، لأن هو استقراء تاريخي أنه كيف النبي صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته بالعشيرة الأقربين بعدين كيف توسعت الدعوة، وخرج بعد ذلك إلى الطائف، إلى كامل قصة الطائف.
طبعاً ما ذكر قصة الطائف، طبعاً في أشياء خلاص رح أقراها أتركها لكم، يعني هي قراءة تاريخية كيف توسعت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين حديث خباب بن الأرت: لقد كان من قبلكم يؤمش بالرجل... إلى أن قال: لكنكم تستعجلون. وذكر ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وقومه من الأذى والاستهزاء والإغراء، وهو صابر معتزم بالأمر، لا يبلغ رسالة، لا تاخذ في ملائم، مواجهة ما به يكرهون من عيب دينهم وآلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيهم وقتالهم، ما بلغ مبلغ القطع، يعني كل هذه القصص بلغت مبلغ القطع أنه واجه كفار قريش وصبر.
قال عكرمة عن ابن عباس: ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما حضر موسم الحج، نفر من الأنصار -الآن بدأت فكرة الأنصار- التقى بأول ستة من الخزرج، فانتهى النبي صلى الله عليه وسلم فريق منهم، فقرا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله، وأخبرهم بالذي آتاهم به، فأيقنوا واطمانت قلوبهم وعرفوا ما كانوا يسمعون به إلى غير ذلك ما كان. فلما رجعوا إلى قومهم جعلوا يدعونهم سرا ويخبرونهم بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم والذي بعث إليهم، فأسلموا حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيه ناس لا محالة.
وقد ذكر الله ذلك في القرآن، وأخبر أن أهل الكتاب كانوا يخبرون به العرب يستفتحون به عليهم، فكان أهل الكتاب مقرين بنبوته ضمنياً، مخبرين بها مبشرين بها قبل أن يبعث. فقال الله تعالى يخاطب به هذا الكتاب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّق لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 87 و 89]. فقد أخبرت أن أهل الكتاب كانوا يستفتحون على العرب بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، أي يستنصرون به، وكانوا هم العرب يقتتلون فتغلبهم العرب، فيقولون: سوف يبعث النبي الأمي وسنقاتله ونقتله معكم. وأخبارهم بذلك وأخبارهم بذلك كثيرة متواترة.
فلما جاء ما عرف كفروا به. وأخبر بما كان عليه اليهود بأنه كلما جاءهم رسول بما لا توافق كذب بعضهم وقتل بعضاً. وأخبر أنهم باءوا بغضب على غضب، فإنهم ما زالوا يفعلون ما يغضب الله عليهم. فأما أن يراد بالتثنية غضب على غضب، إما تكرار الغضب من الله عليهم، وأما أن يراد به أنه غضب مرتين؛ الغضب الأول كان تكذيبهم للمسيح والإنجيل، والغضب الثاني تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
نقف اليوم عند هذا القدر إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل