السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك.
استغفر الله العظيم ونتوب إليه. الصوت جيد إخواننا الله يرفع فضلكم عشان أقرأ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا على آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجهم في غزة خاصة. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية. اللهم يا رب ابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، يأمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر. اللهم ارزقنا همة على الاشتغال بالعلوم النافعة وطلبها وتحصيلها وتعلمها وتعليمها وتطبيقها في حياتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
حياكم الله في مجلس جديد من مجالس تراث، هذه المجالس التي نستهدف بها قراءة تراث الأئمة الكبار رضوان الله تعالى عليهم. وما زلنا نعيش في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي هذا الكتاب العظيم من كتبه كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، الجواب على الاستشكالات التي عرضها بولس الأنطاكي وحاول به أن يثبت النصرانية، فجاء شيخ الإسلام بهذه الرسالة البديعة لتفنيد أصول رسالة بولس.
كنا في الدرس الماضي تكلمنا عن مجموعة من الأفكار المتعلقة بتثبيت أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل عنه نقلاً متواتراً من أقواله وأفعاله وأحواله أنه مرسل إلى النصارى واليهود وإلى غير العرب، وليس كما زعم بولس أنه لم يثبت عنه أنه قال ذلك أو أشار إلى ذلك، وأن هذا إنما افتراه أصحابه وأتباعه من بعده. وأعطى الأدلة على ذلك من خلال استقرائه لحادثة نجران وغيره من الحوادث التي حصلت في حياته عليه الصلاة والسلام.
ثم بعد ذلك تطرق إلى نظر عقلاء أهل الكتاب وجهلاء أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهناك من عقلائهم من ينظر إليه على أنه ملك عادل ورجل فاضل جاء بحكم وما شابه ذلك، لكنه لم يقر له بالرسالة. وأما الجهال منهم فإنهم تعاملوا معه على أنه ملك من ملوك الأرض أتى بالسيف وأتى بالقتال وأتى بالحرب مثله مثل جنكيز خان وبخت نصر وغيره من هؤلاء.
فأراد شيخ الإسلام رحمه الله عليه أن يبين دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. أراد أن يبين دلائل النبوة، وهذه فكرة دلائل النبوة وتثبيت حجية صدق النبي عليه الصلاه والسلام أهل السنة والجماعة فيها أوسع من طريقة المتكلمين. إذا دخلت في طرائق المتكلمين في تثبيت حجية النبي صلى الله عليه وسلم، بأنك تجدهم يسيرون على أقيسة منطقية تمام، دليل المعجز، ما يسمونه بدليل المعجز في إثبات حجية النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه في النبوة.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه سلك مسلكاً علمياً ومنهجاً واسعاً أوسع بكثير من الدلائل الكلامية في تثبيت هذه الحجية، وإعطاء الإنسان المسلم -وهذه ميزة هذا الفصل الذي سنقرأه- أي المشاهد والوقائع والأساليب التي من خلالها يثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات دعوته.
دعونا ننظر في هذه الأساليب التي أتى بها ابن تيمية رحمه الله عليه في إثبات النبوة للنبي عليه الصلاة والسلام ونستفيد منها. هنا أنا أعتقد هذا الفصل مهم في الكلام عن هذه الجزئية، كيف تثبت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل فقط دلالة المعجزه؟ دلالة المعجزة بمعناها الأصولي وهو خرق السنن الكونية هي الدليل الوحيد على صدق النبي عليه الصلاه والسلام؟ أم هناك دلائل أخرى على صدق النبي صلى الله عليه وسلم غير المعجزة؟
لأنه دائماً إذا حصرت الأمر بالمعجزة، أن الدليل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام فقط هو المعجزة، كأنك تقول لا يوجد هناك ما يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة إلا المعجزة، لولا المعجزة الخارقة للسنن الكونية لما عرفنا ذلك. هل هذا الكلام صحيح؟ لا، غير صحيح. وهذا ما سيبينه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام.
أقرأ الفصل. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونج المستضعفين من المؤمنين، آمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل، وكان يأتيهم بالآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم. معجزاته تزيد على ألف معجزة، مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، ومثل القرآن المعجز، ومثل أخبار أهل الكتاب قبله وبشارة الأنبياء به، ومثل أخبار الكهان والهواتف به، ومثل قصة الفيل التي جعلها الله آية عام مولده وما جرى عام مولده من العجائب الدالة على نبوته، ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين بخلاف ما كانت العادة عليه قبل مبعثه وبعد مبعثه، ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليمه الله عز وجل من غير أن يعلمه اياها بشر.
فأخبرهم بالماضي مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح وهود وشعيب وصالح وغيرهم، وبالمستقبلات. وكان قومه يعلمون أنه لم يتعلم من أهل الكتاب ولا غيرهم، ولم يكن بمكة أحد من علماء أهل الكتاب ممن يتعلم منه، بل ولا كان يجتمع بأحد منهم يعرف اللسان العربي، ولا كان هو يحسن لساناً غير العربي، ولا كان يكتب كتاباً ولا يقرا كتاباً مكتوباً، ولا سافر قبل نبوته إلا سفرتين؛ سفرة وهو صغير مع عمه أبي طالب لم يفارق ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب ولا غيرهم، وسفرة أخرى وهو كبير مع ركب من قريش لم يفارقهم ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب. وأخبر من كان معه بأخبار أهل الكتاب بنبوته مثل أخبار بحيرا الراهب بنبوته وما ظهر لهم منه مما دلهم على نبوته، ولهذا تزوجت به خديجة قبل نبوته لما أخبرت به من أحواله.
وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر، لكن المقصود هنا التنبيه بأن محمد صلى الله عليه وسلم له معجزات كثيرة، مثل نبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومثل تكثير الطعام القليل حتى أكل منه الخلق العظيم، وتكثير الماء القليل حتى شرب منه الخلق الكثير، وهذا قد جرى غير مرة، له ولامته من الآيات ما يطول وصفه. فكان بعض أصحابه يحيي الله له الموتى من الناس والدواب، كحذيفة بن أسيد وغيره من التابعين.
قال: وبعض اتباعه يمشي بالعسكر الكثير على البحر حتى يعبروا إلى الناحية الأخرى، ومنهم من ألقي في النار فصارت عليه برداً وسلاماً، وأمثال ذلك كثير.
لكن المقصود هنا ذكر بعض ما في القرآن من أنه كان يخبرهم بالامور الماضية خبراً مفصلاً لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبياً أو من أخبره نبي، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر. وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على ما يطعنون به عليه لم يمكنهم أن يطعنوا طعناً يقبل منهم. وكان علم سائر الأمم بأن قومه المعادين له المجتهدين في الطعن عليه وهم لم يمكنهم أن يقولوا إن هذه الغيوب علمه إياها بشر يوجب على جميع الخلق أن يتحققوا أن هذا لم يعلمه إياهم بشر.
يعني علم سائر الأمم بأن القوم الخاصين بالنبي عليه الصلاه والسلام هم كفار قريش، وهم أكثر الناس حرصا على عداوته، إذا كان كفار قريش وهم أحرص الناس على العداوة لم يمكنهم أن يقولوا إن هذه الغيوب التي مر ذكرها علمه إياها بشر، فإن هذا بالتالي يلزم جميع البشر الأبعد حلقة عن النبي عليه الصلاه والسلام أن يتحققوا أنه صادق صلى الله عليه وسلم، وأن كل ما أتى به لم يكن بتعليم أحد.
قال: ولهذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: 49]. فأخبر أنه لم يكن يعلم ذلك هو ولا قومه، وقومه تقر بذلك، ولم يتعلم من أحد غير قومه.
ولهذا لما زعم بعضهم أنه تعلم من بشر ظهر كذبه لكل أحد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] الآية الأخيرة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103].
عرفوا الآن، كفار قريش زعموا أن النبي عليه الصلاه والسلام كان يتعلم هذا القرآن من رجل أعجبي، حداد رومي أو صانع رومي في مكة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي﴾ أنتم اللي بتكحوا عن أنه هذا رجل أعجمي، ولسان محمد صلى الله عليه وسلم لسان عربي مبين، كيف يكون هذا الكلام المعجز العربي من شخص رومي أعجمي؟
قال: وكان بمكة رجل أعجمي مملوك لبعض قريش، فادعى بعض الناس أن محمداً كان يتعلم بذلك الأعجمي، فبين الله أن هذا كذب ظاهر، فإن ذلك رجل أعجمي لا يمكنه أن يتكلم بكلمة من هذا القرآن العربي، ومحمد صلى الله عليه وسلم عربي لا يعرف شيئاً من ألسنة العجم، فمن تكلم بغير العربية لا يفقه كلامه، فلا ذاك الرجل يحسن التكلم بالعربية ولا محمد صلى الله عليه وسلم يفهم كلاماً بغير العربية. فلهذا قال تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه﴾ أي يميلون إليه ويضيفون إليه أنه علم محمداً أعجمي، ﴿وهذا لسان عربي مبين﴾.
وكذلك قال بعض الناس عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَعَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]. وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 5-6].
تبين سبحانه أن قول هذا من الكذب الظاهر المعلوم لأعدائه فضلاً عن أوليائه، فإنهم يعلمون أنه ليس عنده أحد يعينه على ذلك، وليس في قومه ولا في بلده من يحسن ذلك ليعينه عليه. فلهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، فإن جميع أهل بلده وقومه المعادين له يعلمون أن هذا ظلم له وزور. ولهذا لم يقل هذا أحد من عقلائهم المعروفين.
وكذلك قولهم: ﴿أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً﴾، فإن قومه المكذبين له يعلمون أنه ليس عندهم من يملي عليه كتاباً، وقد بين ما يظهر كذبهم بقوله: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض﴾، فإن في القرآن من الأسرار ما لا يعلمه بشر إلا باعلام الله إياه، فإن الله يعلم السر في السماوات والأرض.
ثم لما تبين بطلان قولهم هذا ذكر ما قدحوا به في نبوته، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: 7-8]. هذا كلام المعارضين له الذين أنكروا أكله ومشيه في الأسواق التي يباع فيها ما يؤكل وما يلبس. وقالوا: هلا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يستغني عن ذلك بكنز ينفق منه، أو جنة يأكل منها. وقال الظالمون: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8].
قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 9]. يقول: مثلوك بالكاذب وبالسحور والناقل عن غيره، وكل من قال هذه الاقوال يظهر كذبه لكل من عرفك، ولهذا قال تعالى: ﴿فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾.
والناقل عن غيره في قوله: ﴿وعانه عليه قوم آخرون﴾ في أول الآيات. ولهذا قال تعالى: ﴿فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾، والضال الجاهل العادل عن الطريق فلا يستطيع الطريق الموصلة إلى المقصود، بل ظهر عجزهم وانقطاعهم في المناظرة.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133]. فإنه أتاهم بجلي ما في الصحف الأولى كالتوراة والإنجيل، مع علمهم بأنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئاً. فإذا أخبرهم بالغيوب التي لا يعلمها إلا نبي أو من أخبره نبي، وهم يعلمون أنه لم يعلم ذلك بخبر أحد من الأنبياء، تبين لهم أنه نبي، وتبين ذلك لسائر الأمم، فانه إذا كان قومه المعادين له وغير المعادين له المقرين بانه لم يجتمع باحد يعلمه ذلك صار هذا منقولاً بالتواتر، وكان مما أقر به مخالفوه مع حرصهم على الطعن لو أمكن. فهذه الأخبار بالغيوب المتقدمة قامت بها حجة على قومه وعلى جميع من بلغه خبر ذلك.
وقد أخبر إذاً من دلائل النبوة الإخبار بالغيوب، من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم كان يخبر بالغيوب. هذه الغيوب الماضية أو المستقبلية، معلوم أن النبي عليه الصلاه والسلام لم يلق نبياً ليخبره بها، فلم يبق هناك دليل أو فلم يبق هناك وسيلة لأن يعرف بهذه الغيوب، سواء الماضية التي حصلت في القرون الماضية أو المستقبلية، إلا بأنه يوحى إليه من الله سبحانه وتعالى.
قال: وقد أخبر بالغيوب المستقبله، وهذه تقوم بها الحجة على من عرف تصديق ذلك الخبر، كما قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: 2-3] كما قال لما أخبرهم أن الروم ستغلب، واخبرهم بهذا الحدث المستقبل قبل وقوعه. ثم قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: 3-5].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾. فاخبر
إنهم لن يفعلوا ذلك في المستقبل. وكما لم يستطيعوا أن يفعلوا وأن يتحدوه في آية واحدة، نعم قال: ﴿قُل لَّوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. فاخبر أنه لا يقدر الإنس والجن إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وهذا الخبر قد مضى له أكثر من سبعمائة سنة ولم يقدر أحد من الإنس والجن أن يأتي بمثل هذا القرآن.
وقال عن الكفار وهو بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]. وظهر تصديق ذلك ببدر وغيره بعد ذلك بسنين سنين كثيرة. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. وكان الأمر كما وعده، وظهر تصديق ذلك بعد سنين كثيرة.
وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28]. فأظهر الله ما بعثهم به من الآيات والبرهان واليد والسنان. قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12]. فكان كما أخبرهم، غلبوا في الدنيا كما شاهده الناس، وهذا يصدق الخبر الآخر وهو أنهم يحشرون إلى جهنم وبئس المهاد.
وقد أيده تأييداً لا يؤيد به الأنبياء بل لم يؤيد أحد من الانبياء كما به. كما أنه بعث بأفضل الكتب إلى افضل الأمم بأفضل الشرائع، وجعله سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. فلا يعرف قط أحد ادعى نبوته إلا وهو كاذب، إلا قضع الله دابره واذله وأظهر كذبه وفجوره وكل. نعم هذه أيضا من دلائل النبوة أخرى. وهذه أيضا من دلائل النبوة وهو يقول إنه ما من أحد ادعى النبوة في التاريخ وهو كاذب إلا الله سبحانه وتعالى قطع دابره واذله وكشف للناس عواره ولو بعد حين.
فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الجنس كما يزعم لظهر ذلك ولكشفه الله، ولا هذه سنة الله في التعامل مع من يدعي النبوة. واما امر النبي صلى الله عليه وسلم فانه لا يزال يكبر ويكبر ولا تزال الدلائل واللوائح على صدقه تظهر وتظهر. فهذه السنة سنة أن الله عز وجل يهلك ويكشف كذب الكاذبين ممن يدعي النبوة هذه لم تحصل مع النبي عليه الصلاه والسلام. الذي حصل معه العكس أنه ظهر امره وفشى دينه وظهر تمكينه وعبر القرون تتوسع دولته واتباعه، فهذا أيضا من دلائل النبوة هذه أيضا من دلائل النبوة وان لم تكن معجزة. لاحظ هذه من دلائل النبوة بس هي مش معجزة وانما هي سنة الله المتكررة.
فتستطيع أيضا أن تستدل بها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، والان سيستفيض في هذا الجانب قال وكل من أيده الله من المدعين بالنبوة لم يكن إلا صادقاً، كما أيد نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان بل وأيد شعيبا وهودا وصالحا. فان سنة الله انه ينصر رسله والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد وهذا هو الواقع. فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعاده فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما صنع.
من كان يعلم ذلك بمقتضى حكمته فإنه يعلم أنه لا يؤيد من ادعى نبوته وكذب عليه تأييداً لا يمكن أحداً معارضته. إذا فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعاده. يعني إذا كان شخص يحتاج أن يعرف يعني لا يعلم الشيء إلا إذا عرف عادة الله وسنته في الكون فنقول فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما صنع. يعني هذه عادة الله وسنته أنه يهلك الكاذبين ممن يدعي النبوة وينصر الصادقين ممن قال إنه نبي.
ومن كان يعلم ذلك بمقتضى الحكمة فإنه يعلم أنه لا يؤيد. يعني اللي بده يأخذ هذا الموضوع من جهة ما الحكمة في الإله أن يفعل. يعني أنت ممكن تدرس موضوع النبوة ودلائلها من جهة العادة، ممكن تأخذ موضوع النبوة ودلائلها من جهة الحكمة فتقول: إذا كان هناك إله ما الحكمة في الإله أن يفعل؟ إذا كان هناك يخرج رجل يدعي النبوة الحكمة في الإله أن يفعل أن يهلك هذا الرجل حتى لا يتألّى على الله. والحكمة أن من ادعى النبوة وهو صادق أن يؤيده بالمعجزات والادله الباهرات.
فأنت قضية نظرتك إلى دلائل النبوة إذا بدك تنظر إليها بالنسبة للعادة الجارية فالعادة الجارية في الواقع أنه يهلك المكذبين الكاذبين في ادعاء النبوة. وإذا بدك تنظر للموضوع من جهة الحكمة فحكمة الإله تقتضي أن يهلك الكاذبين في ادعاء النبوة. فمن كل الجهات لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يترك الكاذبين في ادعاء النبوة لهم سطوتهم وحياتهم ويكثر اتباعهم وينتصر أمرهم، هذا ليس عادة ولا مقتضى حكمة. وكذا الأمران لم يحصلا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام بل العادة الجارية في حياته وحياة اتباعه والحكمة الظاهرة في أمره أنه ما زال يكبر أمره صلى الله عليه وسلم وينتشر.
نعم قال وهكذا أخبرت الأنبياء قبله أن الكذاب لا يتم الله امره ولا ينصره ولا يؤيده. فصار هذا معلوما من هذه الجهات، ولهذا أمر سبحانه أن نعتبر بما فعله في الأمم الماضية من جعل العاقبة للأنبياء واتباعهم وانتقامهم ممن كذبهم وعصاهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5]. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 40-44].
فكيف كان نكير، دائما هذا مضحك جميل أن تلتفت إليه في موضوع القصص القرآني: أن الله سبحانه وتعالى لما يذكر لنا قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة لوط وقصة موسى وقصة عاد وثمود، كل هؤلاء هؤلاء الأنبياء مع اقوامهم هناك ملحظ يجب أن تلحظوه في هذه القصص، أن الله سبحانه وتعالى يريدك أن تنظر إلى سنته الجارية أن الرسل في النهاية ينتصرون وأن الاقوام الذين كذبوا يكسرون. يعني هنا من فائدة تكرار هذه القصص في القرآن، البعض بيقول لك لماذا الله عز وجل يكرر لنا قصة هود وصالح وموسى وإبراهيم ونوح عشرات المرات في القرآن؟ نقول: هذا التكرار هدفه ترسيخ سنة الله في الوجود، أن سنة الله في الوجود أن النبي الصادق أنصره ولو بعد حين. وهذه الآن شيخ الاسلام سيستقري قصص الأنبياء كثيرا.
فهذه مثلا في سورة الحج في السورة التي تليها قال وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9]. فكل من عاند الرسل سنة الله فيه أنه هو الذي يهزم بعد حين.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: 5]. شو النتيجة؟ ﴿فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5]. إذاً هذه هي سنة الله يتم ترسيخها في ذهن قارئ القرآن من خلال تكرار هذه الفكرة عليه أكثر من مرة.
وكذلك: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: 9] إلى قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: 45]. نفس الفكرة أنه قوي شديد العقاب. والتي تليها: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: 83]. فلما رأوا بأسنا إلى آخره قال في ختام الآية: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: 85]. إذاً تكرار هذه الفكرة المراد بها ترسيخ السنن.
وكذلك: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ ۚ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: 12-14]. قضية السنن وقص على ذلك الآيات التي تليها: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 5]. فأخبر إذا الشيخ أن المكذبين أخبر قال فاخبر أن المكذبين له سياتيهم في المستقبل أخبار القرآن الذي استهزئوا به، بين أن ما أخبرهم به من حق به حق بوقوع المخبر مطابقاً للخبر وكان الأمر كذلك.
ومثله قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. أخبر أنه سيريهم في أنفسهم وفي الآفاق ما يبين أن القرآن حق بأن يروا ما أخبر به كما أخبر به ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. فانه قد شهد للقرآن بأنه حق بالايات بالبينات والبراهين الدالة على صدقه التي تتبين بشهادة الرب بأنه حق فلا يحتاج مع الشهادة الحاضرة إلى انتظار الآيات المستقبله.
وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: 1-5]. أخبر باقتراب الساعة وانشقاق القمر. وانشقاق القمر قد عاينوه وشاهدوه وتواترت بالأخبار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل الجمع والأعياد ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار. وكل الناس يقر ذلك ولا ينكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلوماً عند الناس عامة.
ثم ذكر حال الأنبياء ومكذبيهم ليخبر عن سنة الله الجارية أن الأنبياء لا بد أن ينتصروا في النهاية وأن مكذبيهم لا بد وأن يضحضوا. نعم فهذه سنة الله نعم قال ثم ذكر حال الأنبياء ومكذبيهم فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9] إلى آخر الآيات المتعلقة بقصة سيدنا نوح.
طيب قال فأخبر أنه أبقى في السفن آية على قدرة الرب وعلى ما جرى لنوح مع قومه. ثم قال: ﴿فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 16]. وكذلك ذكر قصة عاد وثمود ولوط وغيرهم يقول في عقب كل قصة فكيف كان عذابي ونذر ونذره إنذاره وما بلغته عنه الرسل من الإنذار وكيف كانت عقوبته للمنذرين. والإنذار هو الإعلام بالمخوف، فتبين بذلك صدق ما أخبرت به الرسل من الإنذار وشده عذابه لمن كذب رسله. وذكر قصة فرعون فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: 13] هذا كله استقراء لسورة القمر.
كذبوا بآياتنا كلها فأخذناها أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر. وذكر في قصة محمد صلى الله عليه وسلم مع الناس أنواعا من ذلك فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيُّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]. وقال تعالى في يهود بني النضير: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: 2]. وختم الآية بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب، هذه سنة الله.
قال مثل هذا كثير في القرآن منذ من ذكر دلائل النبوة وأعلام الرسالة. ليس هذا موضع بسطه وإنما المقصود هنا التنبيه على جنس ذلك، وأراد شيخ الإسلام أن يبين أن القرآن إحدى المواضيع الأساسية التي عالجها القرآن بطرق متنوعة تثبيت دعائم النبوة. وعرف ذلك من عرف وجهل ذلك من جهل في أثناء تدبره للقرآن. أحد المقاصد الأساسية لكتاب الله سبحانه وتعالى هو تثبيت دلائل النبوة ودلائل صدق النبي عليه الصلاه والسلام بطرق وأساليب. من ذلك هذه الطريق، وهي تثبيت سنة الله سبحانه وتعالى في التعامل مع الرسل، أن كل من كان رسولاً حقاً فانظروا ماذا حصل معه في التاريخ الإنساني.
ها كل من كان رسولاً حقاً انظروا ماذا حصل معه في التاريخ الإنساني، بعد طول العناء ينتصر هو ويهزم أعداؤه. قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود، قوم صالح، كل هؤلاء حصلت لهم هذه النتيجة. ثم انظروا ماذا سيحصل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاذا تطابق حال النبي صلى الله عليه وسلم مع حال إخوانه من الأنبياء السابقين إذا هذا من دلائل نبوته عليه الصلاه والسلام.
وما يذكره بعض أهل الكتاب أو غيرهم من أنه نصر فرعون ونمرود وسنحاريب وجنكيز خان وغيره من الملوك الكافرين، جوابها ظاهر؛ فإن هؤلاء لم يدع أحد منهم، إذا رجع الفكرة السابقة وهي فكرة أن بعض جهال أهل الكتاب كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم انتصاراته كانت مثل انتصارات الملوك الجبابرة في الأرض كجنكيز خان وغيرهم من الملوك الكافرين، هذه انتصاراته فإيش يقول له؟ قد قياس مبطل. فإن هؤلاء جنكيز خان ولا سنحاريب ولا غيرهم لم يدع أحد منهم النبوه وأن الله أمره أن يدعو إلى عبادة الله وطاعته.
نعم قال وأن الله أمره أن يدعو إلى عبادة الله وطاعته ومن أطاعه دخل الجنة ومن عصى النار، بخلاف من ادعى أن الله ارسله بذلك أنه لا يكون إلا رسولاً صادقاً ينصره الله ويؤيده وينصر اتباعه يجعل العاقبة لهم، أو يكون كذاباً فينتقم الله منه ويقطع دابره، ويتبين من أن ما جاء به ليست من آيات البراهين التي لا.
تقبل معارضة، بل هي من جنس مخارق السحرة والكهان والكذابين التي تقبل المعارضة؛ كأنه يقول ابن تيمية: إن سنة الله أن الملوك الجبابرة إذا قاتلوا وقتلوا وفعلوا ما فعلوا، يمكن لهم في الأرض دهراً من الزمان، إلا إذا هذا الرجل الجبار ادعى النبوة كاذباً، فإن سنة الله أن يفضحه وأن يقسمه، يعني أن تكون جباراً ظالماً بس بدون ما تدعي النبوة يمكن أن يمكن لك فترة من الزمان وصالحاً منها، أما لو أن رجلاً من هؤلاء الجبابرة ادعى النبوة كاذباً، فإن سنة الله سبحانه وتعالى أن يقطع دابره وأن يفضحه على رؤوس الأشهاد.
بل هي من جنس مخارق السحرة والكهان والكذابين التي تقبل المعارضة، فإن معجزات الأنبياء من خواصها أنه لا يقدر أحد أن يعارضها ويأتي بمثلها، بخلاف هؤلاء الجبابرة الذين قد يدعي بعضهم النبوة، لو أتى بشيء من الخوارق لا تكون فعلياً خارقة لسنة كونية، وإنما ما يأتي به هؤلاء الجبابرة والكذابون يكون من جنس السحر والكهانة التي يمكن معارضتها وأن يأتي شخص بما هو أقوى منها، وأما معجزات الأنبياء فخاصيتها أنه لا يمكن معارضتها ولا أن يأتي شخص بما يبطلها.
بخلاف غيرها فإن معارضتها ممكنة فتبطل دلالتها، والمسيح الدجال يدعي الألوهية ويأتي بالخوارق، طب فإذا اعترض عليك بالمسيح الدجال، هي المسيح الدجال يأتي بخوارق لا يستطيع أحد أن يعارضها؟ اعتراض منطقي لو الشخص قال لك: ماشي، جنس السحر والكهان وما شابه ذلك يمكن معارضته، طيب لما المسيح الدجال يأتي آخر الزمان بأمور خارقة للسنن الكونية وهذه الله عز وجل يعطيها إياه، طب ويدعي إيش؟
فالان ماذا نقول؟ المسيح الدجال نعم صحيح، الله عز وجل يعطيه الخوارق، لكن الذي يدل على كذبه هنا ما هو؟ الشيء الذي ادعاه، هو لم يدع أنه نبي وادعى أنه إيش؟ إله، فيقول هنا يظهر أمره لكل مؤمن، يظهر أمر كذبه لكل مؤمن من جهة أخرى، من جهة طبيعة الشيء الذي ادعاه، أن مضمون دعوته ليس أنه نبي، يعني لو المسيح الدجال ادعى أنه نبي بنقول: آه والله، في عنا قضية مشكلة ستصبح، لماذا؟ لأنه عادة الأنبياء أن معجزاتهم تدل على صدقهم، فإذا المسيح الدجال ادعى أنه نبي وأيده الله بمعجزات خوارق لا يمكن معارضتها، هنا يعني لك أن تعترض، لك أن تقول: والله يا شيخ، في لبس، في اشتباه، لأنه المسيح الدجال يأتي بمثل ما أتى به الأنبياء، وبالتالي الاصل أن هذا يدل على صدقه.
نقول: النبي الذي يدعي أنه نبي، دعوة النبوة ممكنة عقلاً، وبالتالي اتيان المعجزات عليها دليل على وجودها واقعاً، أما أن يدعي شخص أنه إله، دعوة غير ممكنة عقلاً، هذه دعوة أن يدعي كائن من البشر تماماً أنه إله، لا، هي أصلاً غير ممكنة عقلاً من البداية، فعرف كذبها دون أن ينظر إلى ما سياتي بعدها، فإذا جاء هذا المدعي أنه إله بخوارق، نعرف أن هذا بلاء من الله سبحانه وتعالى، فلا يشتبه الأمر علينا بمعجزات الأنبياء، فلذلك ابن تيمية طرح هذا الاستشكال، وهو أن المسيح الدجال، اقرأ قال: والمسيح الدجال يدعي الألوهية ويأتي بخوارق، ولكن نفس دعواه الألوهية دعوة ممتنعة في نفسها، أي ولكن نفس دعواه أنه إله ممنوع عقلاً، فأنا مباشرة عرفت أنه كذاب دون النظر في خوارقه من خلال مضمون ما يدعيه.
يرسل الله عليه المسيح ابن مريم فيقتله ويظهر كذبه، ومعه ما يدل على كذبه من وجوه؛ منها أنه مكتوب بين عينيه كافر، وهو ما يدل على كذب المسيح الدجال، أصلاً ليس فقط مضمون دعوته الممتنعة عقلاً ادعاء أنه نبي، بل حتى إنه مكتوب بين عينيه كافر، ومنها أنه أعور، والله لا يمكن أن يكون أعور، ومنها أن أحداً لن يرى ربه حتى يموت، فبالتالي لا يمكن أن يكون المسيح الدجال هو الرب لاننا نراه، ويريد أن يقتل الذي قتله أولاً فيعجز عن قتله.
هي العلامة الرابعة أنه أولاً يقتل، ثم بعد ذلك الشخص الذي يريد أن يقتله، هذا ذاك المؤمن اللي هو أفضل أهل الأرض يحاول أن يقتله مرة أخرى المسيح الدجال فيعجز عن قتله كما جاء في الحديث، طب إذا عجز عن قتله معناه هو يفتقر لمقومات الألوهية، هو غير قادر المسيح الدجال، فهذا كله يعرب منه، طيب لماذا أيده الله بالخوارق التي بجنسها يؤيد الأنبياء؟ ليكون بلاء، يكون ابتلاء يعني، لو سالت: طيب لماذا أيده الله بجنس الخوارق الذي لا يؤيد به في العادة إلا الأنبياء؟ قال: ليكون بلاء، فهذا أمر الله وشانه.
فهذه حقيقة يعني شبهة جيد أنك تحسن الإجابة عنها، أنه قد يعترض بها عليك في قضية استدلالك بالمعجزات، أن المعجزات أمر خارق فهي بالتأكيد تدل على صدق صاحبها، فإذا اعترض عليك بالمسيح الدجال أنه أتى بهذه الخوارق التي جنسها للأنفياء، فتقول: عرف كذب صاحبها من خلال طبيعة دعواه بالإضافة إلى العلامات الأخرى التي ذكرها.
قال: فمعه من الدلائل الدالة على كذبه ما يبين أن أنما معه ليس آية على صدقه، بخلاف معجزات الأنبياء، فانه لا يمكن أحد من الانس والجن أن يأتي بنظيرها ولا يبطلها، مثل قلب العصا حية لموسى، وإخراج ناقة صالح من الأرض، وإحياء الموتى للمسيح، وانشقاق القمر، وإنزال القرآن، وغير ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم.
إن المشركين لما سالوا النبي صلى الله عليه وسلم آية واقترحوا عليه انشقاق القمر، فأراهم بذلك، وقد أخبر الله تعالى بذلك في القرآن، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمَّرٌ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ * وَلَقَد جَّاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۙ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 1-7].
ثم ذكر تعالى ما جرى قبله للمكذبين مع رسلهم، فذكر قصه قوم نوح وهود وصالح ولوط وفرعون، وهذه السورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرا بها في أعظم اجتماعات الناس عنده وهي الأعياد، نعم معروف في العيد يسن قراءة ق والقمر، ما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في العيدين ق القرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر.
والناس كلهم يسمعون ما يذكره من انشقاق القمر وقول المكذبين له أنه سحر، والناس كلهم المؤمن به والمنافق والكافر يقرون على هذا، لم يقل أحد منهم إن القمر لم يشق ولا أنكره أحد، وفي صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب وصحابة كانوا يقولون إنه سحر، لكن ما في أحد أنكر الانشقاق كواقعة حصلت، ما أحد أنكرها لأنهم راوها بأعينهم.
قال في صحيح مسلم: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيه بقاف القرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر. ومعلوم بالضرورة في مضطرد العادة أنه لو لم يكن انشق، لأسرع الناس المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلاً عن أعدائه من الكفار والمنافقين، لا سيما وهو يقرأ عليهم ذلك في أعظم مجامعهم في العيد يعني.
وأيضاً فمعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان من أحرص الخلق على تصديق الناس ولا هو إتباعهم إياه، مع أنه كان أخبر الناس بسياسة الخلق، فلو لم يكن القمر انشق لما كان يخبر بهذا ويقراه على جميع الخلق ويستدل به ويجعله آية له، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان أخبر الناس بسياسة الخلق صح، فلو كانت هذه المعلومة غير دقيقة كما أخبر بها في المجامع العامة، فمع معرفته بطبائع الناس وهو أن الناس بطبيعتهم يكذبون ما لا يقع ويهاجمون مدعي شيء لم يقع، مع معرفته بطبائع الناس مع ذلك كان يحرص أن يؤكد هذه الآية العظيمة انشقاق القمر في كل محفل من المحافل العامة ولا يخرج أي من شخص يكذب، إذا هذا دليل على أنها وقعت وشاهدوها بأعينهم.
مع أنه كان أخبر الناس بسياسة الخلق، فلو لم يكن القمر انشق لما كانوا يخبر بهذا على جميع الخلق ويستدل به ويجعله آية له، فإن من يكون من أقل الناس خبرة بالسياسة لا يتعمد إلى ما يعلم جميع الناس أنه كاذب فيجعله من أعظم آياته الدالة على صدقه ويقراه على الناس في اعظم المجامع، وقال: اقتربت الساعة وانشق القمر بصيغة الفعل الماضي، ولم يقل قامت الساعة ولا ستُقوم، بل قال: اقتربت أيدنت وقربت وانشق القمر الذي هو دليل على نبوة محمد، وكان على إمكان خرق الفلك الذي هو قيام القيامة.
وهو سبحانه قرن بين خبره باقتراب الساعة وخبره من شراق القمر، فإن ما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو من أشراط الساعة هو على قربها، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى.
وقد قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: 18]. وعلم الساعة أخفاه الله عن جميع خلقه، كما يذكر ذلك عن المسيح في الإنجيل، لأنه لما سئل عنها فقال: إنها لا يعلمها أحد من الناس ولا الملائكة ولا الابن، وإنما يعلمها الأب وحده، وهذا مما يدل على أنه ليس هو رب العالم.
وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك لما سئل عنها، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تسالوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله».
فانشقاق القمر كان آية على شيئين؛ على صدق الرسول، وعلى مجيء الساعة وإمكان انشقاق ذلك وإمكان انشقاق الفلك، فإن المنكرين لقيام القيامة الكبرى قيام قيام الناس من قبورهم لرب العالمين وانشقاق السماوات وانفطارها، سواء أقر بالقيامة الصغرى وأن الارواح بعد الموت تتنعم أو تعذب كما هو قول فلسفة الإلهيين، أو أنكروا المعاد مطلقاً كما أنكر ذلك من أنكرهم المشرك العربي والفلاسفة الطبيعيين وغيرهم.
ينكر هناك الفلاسفة على نوعين؛ هناك الفلاسفة الإلهيون الذين ينكرون حشر الأجساد لكن يقولون: إن الارواح بعد أن تموت أو عفواً، أن الابدان بعد أن تموت فان الارواح تنعم أو تعذب، هذا صنف يعني هذا يسمون الفلاسفة الإلهيين الذين ينكرون حشر الأجساد لكن يقولون ماذا؟ إن الارواح بعد الموت تنعم أو تعذب، هي بيسموها القيامة الصغرى.
والفلاسفة الطبيعيين وبعض مشركي العرب لا، كان ينكر وجود أصلاً شيء بعد الموت، يقول لك: بعد الموت هو الفناء المطلق، ما في اي شيء.
وزعم هؤلاء الدهرية أن الأفلاك لا يجوز عليها الانشقاق، كما ذكر ذلك أرسطو وأتباعه، وزعموا أن الانشقاق يقتضي حركة مستقيمة، وهي ممتنعة بزعمه في الفلك المحدد إذ لا خلاء وراءه عندهم، وهذا لو دل فكأنه بقول لك فهمته يعني على الأقل قال إنه إذا انت بدك تشق السماء، الانشقاق يقتضي ماذا؟ لو بدك تشق شيئاً مش لازم يمشي بهذه الطريق، يعني تخيل أن السماء تنشق، دائماً أنت تريد أن تشق ثوباً، تريد أن تشق هذا الكاس، الانشقاق يقتضي حركة مستقيمة، يعني مش عارف إذا استطيع أقرب لكم الصورة أنت لما تشق شيئاً لازم يتحرك بهذه الطريقة، نعم، زي ورقة أيوه سيتحرك بهذه الطريقة المستقيم فرح يدخل هكذا، أنت تفتح تفتح تفتح هكذا.
فيقول لك لو كانت السماء تنشق، أرسطو بقول لك: لو كانت السماء تنشق فهذا سيقتضي هكذا الانشقاق صح، إذا في حركة مستقيمة إلى العمق، في حركة مستقيمة باتجاه العمق ستحصل، فيقولوا لا يوجد عمق أصلاً بعد السماء، ما يعني هذا الذي نرى فقط ولا يوجد شيء بعده، فكيف سيحصل انشقاق هكذا وتكونك حركة مستقيمة؟
فماذا يقول له؟ قال: إذ لا خلاء وراءه عندهم، إذ لا خلاء وراءه عندهم يعني السماء ما في وراها شيء، فش فراغ، لا خلاء وراء السماء على فكرة أرسطو، بالتالي إذا بدك تشق السماء وين الحركة المستقيمة التي وأين ستذهب حركة الانشقاق؟ لا يمكن أن يكون هناك انشقاق إلى الداخل إلى العمق.
نعم قال: وهذا لو دل فانما يدل على ذلك في فلك الأطلس لا فيما دونه، فكيف وهو باطل؟ فإن حركة.. فلك الأطلس أنا مش عارف شوف شو عندك بالله مع في علم الفلسفة ماذا يقولون؟ هل مراد به السماء السابعة يعني؟ فيقول شيخ الاسلام: وهذا لو دل تماماً، فانما يدل على ذلك في الفلك الأطلسي لا فيما دونه، اللي هي السماء الأولى ممكن، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، أن السماء الأولى في لها عمق في السماء الثانية، والثانية لها عمق للسماء الثالثة، يعني كلامك يا أرسطو لو بدنا نمشيه في الآخر يعني في الطبقة الأخيرة أنه ها، لكن في السماء الدنيا شو المشكله أن تتشقق السماء الدنيا أنه في وراها سماء ثانية.
نعم قال: فان الحركة المستقيمة هناك بمنزلة جلال الأفلاك ابتداء في هذه الأحياز التي هي فيها، سواء سمي خلاء أو لم يسم، كما هو مذكور في غير هذا الموضع، فالشيخ الإسلام يقول: حتى الفلك الأطلسي بجوز هو الفلك.
الأخير، يعني الأخير صحيح؛ التاسع الفلك. التاسع الذي هو يسمونه الفلك الأخير على طريقة أرسطو؛ قال: فإن الحركة المستقيمة هناك في الفلك الأطلس يعني في الاخير بمنزلة جعل الأفلاك ابتداء في هذه الأحياز التي هي فيها، سواء سمي خلاء أو لم يُسمَ. يعني هو يرى شيخ الإسلام أنه سواء الفلك الأطلس أو ما دونه، وحتى الفلك الأطلس لا يمكن أن هو أكيد في حيز! صح ولا لا؟ هل هذا الفلك الأطلس ليس هو في حيز؟
ما دام هو في حيز، إذن لابد وأن يقبل انشقاقه، سواء سميت ما بعده خلاء أو لم تسمه خلاء. هذا يعني هي فكرة شيخ الإسلام؛ قال: فإن الحركة المستقيمة هناك بمنزلة تجعل الأفلاك كلها ابتداء في هذه الأحياز التي هي فيها، سواء سمي ما بعدها خلاء أو لم يُسمَ، كما هو مذكور في غير هذا الموضع، وهذا ممكن سياتي معنا أصلاً في كلام بعد.
طيب؛ قال: والمقصود هنا أنه تعالى أخبر من شقاق القمر مع اقتراب الساعة؛ لأنه دليل على إمكان شقاق الأفلاك وانفطارها، الذي هو قيام الساعة الكبرى، وهو آية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والذي هو من أشراط الساعة. والله تعالى في كتابه يجمع بين ذكر القيامة الكبرى والصغرى، كما في سورة الواقعة ذكر في أولها القيامة الصغرى، التي هي الموت، والقيامة الكبرى يوم القيامة -نعم-. قال: كما في سورة الواقعة ذكر في أولها القيامة الكبرى، وفي آخرها القيامة الصغرى -نعم-؛ في آخرها ذكر القيامة الصغرى في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 88-91]، فإن جمهور المفسرين على أن هذا الكلام في البرزخ في القبر -نعم-.
قال: وذلك كثير في سور القرآن؛ مثل سورة ق، وسورة القيامة، وسورة التكاثر، وسورة الفجر، وغير ذلك. وقد استفاضت الأحاديث بانشقاق القمر؛ في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين؛ فرقة فوق الجبل، فرقة دونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا».
للأسف اليوم يخرج لك بعض من يدعي أنه من علماء الشريعة، يقول لك: هذا قضية انشقاق القمر هذه أمور فلسفية ولا تصدق المشايخ ولا الدعاة! ويعتبر أنه هو يعني يفهم في هذا، لما يكون بيتكلم بكلام علمي لما ينفي انشقاق القمر، ويؤكد يقول لك: ما انشق ولا هيك بعضهم ذكر الشريعة للأسف!
شيخ الإسلام يقول لك: هذا ما هو معلوم بالاضطرار، يعني يقول بالتواتر عن الأئمة. لكن للأسف يعني هذا فقط أقول حتى أنصح الناس؛ أنه ليس كل انسان حمل شهادة الشريعة وخرج لكم على الشاشات يتكلم باسم الدين تظن أنه من أهل العلم أو صاحب منهج سوي؛ لأن من ينكر هذه البدع قديماً هم كان كثير منهم من المعتزلة، فهذا لا يُعرف في التاريخ من علماء الإسلام من أنكر انشقاق القمر إلا من أصحاب المعتزلة أو أفراخهم من الحداثيين المعاصرين أو ما يسمون أنفسهم -طبعاً- المدرسة العقلانية المعاصرة، وهم أبعد الناس -طبعاً- عن العقل.
نعم؛ قال في لفظ: ونحن معه بمنا. فقال كفار قريش: سحركم سحاركم ابن أبي كبشة. فقال رجل منهم -تعرفوا يعني قريش يسمون النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة، وقلنا هذا لماذا ينسبونه إلى أحد اجداده سواء من جهة أمه أو أن هذا رجل متنسك راهب، هذا يعني أفضل ما قيل، ولا هو ابن أبو كبشة؟ اختلفوا كثيراً في أمره؛ البعض قال: لا، إن هذا الرجل كان يعرف بعدم الصدق، هذا رجل من اجداده قيل إنه كان يعرف أنه كان يدلس على الناس أو شيء من ذلك أو يمارس الكهانة أو ما شابه ذلك. والبعض قال: إنه رجل عرف بالترهب، وبالتالي كانوا يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك-.
نعم؛ قال: فقال رجل منهم: إن محمداً إن سحر القمر، فانه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسالوا من ياتيكم من بلد آخر هل راوا هذا؟ فاتوا فسالوهم، فأخبروهم أنهم رأوا ذلك! يعني إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم سحر أهل مكة، طيب خلونا نشوف أهل اليمن هل شافوا انشقاق القمر في هذا اليوم؟ فاستنوا حتى جاء ناس من أهل اليمن ولا من أهل الشام، فسألوهم قالوا: أه والله، في هذا اليوم رأينا انشقاق القمر.
نعم؛ قال: لا يصل إلى لا يمكن أن يعم الكرة الأرضية أو يوسع أثره بهذه المساحة. نعم؛ قال: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم شقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهما. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حتى كان جبل حراء بينهما؛ لأنه كما قلنا فلقة كانت في الأعلى، القسم الثاني من القمر كان في الأسفل، فكان جبل حراء كأنه بينهما، بين الفرقتين.
نعم؛ قال: فأراهم شقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهما، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1-2]. وهذا حديث صحيح مستفيض رواه ابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس، وهو أيضاً معروف عن حذيفه. قال أبو الفرج بن الجوزي: والروايات في الصحيحين في شقاق القمر عن عمر بن مسعود وابن عباس وأنس رضي الله عنهم.
ولما زعموا أن هذا قرآن هو ألفه، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 33-34]. ثم تحداهم بعشر سور فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]. ثم تحداهم بسورة واحدة؛ قال: ثم تحدى بسورة واحدة، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]. فعجزوا جميع الخلق؛ قال: فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، ثم اسجل على جميع الخلق بالعجز إلى يوم القيامة بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. فأخبر من ذلك الزمان أن الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يقدرون على معارضة القرآن بمثله، فعجز لفظه ومعناه؛ عجزهم عن الاتيان بمثل لفظ القرآن ومعناه ومعارفه وعلومه أكمل معجزه وأعظم شاناً.
نعم؛ قال: الأمر كذلك، فانه لم... الآن كلمة حديث عام، يشمل القليل والكثير، يعني يشمل أقل آية ويشمل أكثر آية؛ كلمة حديث، الحديث عام يشمل حتى الآية الواحدة، مما يظهر فيه -طبعاً- حد الاعجاز، فهو أولاً أعطاهم العشرة، بعدين قال لهم: ايتوا بحديث، أي آية مع يظهر فيها حد الاعجاز، طبعاً ايتوني بمثلها الحديث بعدين...
يا رب، أنا ما زال من يقولون تقوّله فلياتوا بحديث مثله، ثم تحداهم بعشر سور، ثم تحداهم بسورة واحدة. يعني أنا الذي أعرفه أن الحديث عاده يقولون هو أخف مراحل الاعجاز وليس أعلى مراحل الاعجاز، ممكن ابن تيمية هنا -رحمه الله عليه- رأى أن هذا يعني كان تحدياً عاماً ثم بدأ يخصص لهم طب عشرة، بسورة، ممكن ينظر للموضوع أو ابن تيمية على الأقل نظر للموضوع بجهه معاكسة؛ أن الحديث عام يشمل كل القرآن أو نصفه أو ربعه أو خمس، أقول لك: ايتني بمثل هذا الكتاب، أو فهذا يشمل كله نصفه وثلثه، بعدين صار في تخصيص: طب عشرة خلينا نحدد رقم نتفق عليه، بعدين سورة، يمكن أن يظل الموضوع بهذه الطريقة، وليس غلطاً، وإن كان مش هذا نحن في نظرتنا.
والبعض يقول: لا، أقلها آية يظهر فيها الاعجاز، مش ضروري يكون سورة، قالوا: إذا كانت آية يظهر فيها زي آية الدين وما شابه ذلك، لا يمكن يظهر حد الاعجاز فيما هو أقل من سورة. نعم؛ قال: الأمر كذلك، فانه لم يقدر أحد من عرب وغيرهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على إبطال أمره بكل طريق وقدرتهم على انواع الكلام أن ياتوا بمثله. وانزل الله إذ ذاك آيات بين فيها أنه رسول إليهم، ولم يذكر فيها أنه لم يصل إلى غيرهم؛ فقال تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَا كُنْتَ بِالْجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمْرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43-46].
طبعاً بس هنا فقط للفائدة في قراءة النص السابق، قال: يعني أنا أعتقد فـ فعجز لفظه، مثل الصفحة السابقة، قال: فعجز لفظه نقطة، ثم قال: ومعناه ومعارفه وعلومه أكمل معجزة وأعظم شأناً من اللفظ. هو كأنه يريد أن يقول: إن التحدي كان الاتيان بمثل الألفاظ، ممتاز انتهت، ومعاني القرآن ومعارف القرآن وعلوم القرآن أكمل معجزة وأعظم شأناً، فكانه يقول إن كل هذا فقط كان تحدي في الألفاظ، لسه ما دخلنا في أمور المعارف والعلوم والاخبار بالمغيبات وما شابه ذلك، لسه هذه قضية أخرى. فيقول: فكان العجز فقط بمجرد اللفظ، واما المعاني والمعارف والعلوم القرانية فهي أكمل معجزة وأعظم شأناً، يعني كان هذا النص بهذه الطريقه يقال.
طيب؛ قال: وقال في سورة السجده: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]. وقال في سورة ياسين: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: 1-6]. ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث نعمته على هؤلاء وحجته عليهم بإرساله، وذكر بعض حكمته في إرساله، وذلك لا يقتضي أنه لم يرسل إلا لهذا الصنف وهم العرب.
هي إيش الآية؟ قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾؛ هي من الآيات التي كان بولس الانطاكي يستدل فيها على أن النبي صلى الله عليه وسلم للعرب خاصة، أن الله ماذا قال له؟ أن الله قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، قال: مين الذين لم يُنذر آباؤهم؟ هم العرب، وبالتالي إذا محمد صلى الله عليه وسلم ليس مرسلاً للنصارى واليهود، لأن هؤلاء أنذر آباؤهم. هنا ابن تيمية سيقول: لا، سيستقرئ حتى سيصبح، فهي فكرة ابن تيمية سيستقرئ لها العديد من الآيات أن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى حكمة من الحكم لتصرف معين لا يعني هذا عدم وجود حكم أخرى، وإذا أعطى مقصد معين من مقاصد تصرف معين لا يعني هذا عدم وجود مقاصد أخرى.
فإخبار الله أن محمداً صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قوم لم يُنذر آباؤهم، هل هذا يقتضي بالعقل اللغوي ولا المنطقي أنه لم يرسل إلى قوم أُنذر آباؤهم؟ هل مفهوم المخالفة يستلزم ذلك؟ إذا قلت أنا: أرسلتك يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قوم لم يُنذر آباؤهم وهم العرب، هل هذا يستلزم أنه لم يرسل إلى من أُنذر آباؤهم من اليهود والنصارى؟ لا يستلزم ذلك. طب يا شيخ، لماذا خص ذكر العرب فقط هنا؟ قد يكون هذا هو من باب التدرج في الخطاب؛ ايش قالوا في البداية؟ نرجع: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، بعدين وسعت الدائرة شوي شوي، وهذا أصلاً استقراه سابقاً ابن تيمية؛ أن الله سبحانه وتعالى كان خطابه لنبيه أن يبدأ بعشيرته، بعدين وسع الدائرة لكفار قريش، بعدين وسع الدائرة للجزيرة، ثم وسع الدائرة للناس جميعاً، فهذا من أشكال التدرج في الخطاب، فأنت ابتداء ستخاطب قوماً ما أُنذر آباؤهم، لكن هل هذا يستلزم أنه لا يجوز أن تخاطب انتهاء دائرة أوسع؟ لا يدل.
نعم؛ قال: بل مثل هذا كثير، كثير معروف في اللسان العربي وغيرهم؛ قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]. ومعلوم أن في هذه الدواب منافع غير... الآن سيستقرئ آيات كثيرة بهذه الفكرة؛ أن الله يذكر مقصد من مقاصد الشيء وهذا لا ينفي وجود مقاصد أخرى، فمثلاً الله عز وجل لماذا خلق الخيل والبغال والحمير؟ أعم قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. إذن ما في أي منفعة أخرى غير لتركبوها وزينة؟ لا، في منافع أخرى أصلاً، لكن ما ذكرها في الآية. طب لماذا ذكر هاتين المنفعتين؟ أنت عاد هنا مجال التفسير والتدبر؛ أعظم المنافع هي المقصودة في هذا السياق.
وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [المؤمنون: 15-16]. وقد أخبر أنه ينزل ملائكة الوحي على الأنبياء لينذروا يوم القيامة، وذلك لا يمنع أن يكونوا نزلوا ببشرى المؤمنين والامر والنهي بالشرائع. مثلاً نزول الملائكة على الروح، وهو جبريل، على النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الآية ايش قال؟ أن الله يلقي الروح من أمره لينذر يوم التلاق. هل معنى هذا أن الروح لا ينزل إلا فقط لينذر يوم التلاق ولا له مقاصد أخرى في نزوله، لكنها لم تذكر في هذا السياق لعدم الحاجة إلى ذكره؟ طب ما هو جبريل نزل أيضاً بالبشارة إلى المؤمنين وليس بالنذارة فقط، جبريل نزل بالشرائع الصلاة والصوم والزكاة والحج وأخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. إذن ذكر مقصد معين من المقاصد لا ينفي وجود مقاصد أخرى وحكم أخرى.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]. فاخبر تعالى انه خلق العالم العلوي بالسفلي ليععلم العباد قدرته وعلمه. ومع هذا، ففي خلق ذلك له من الحكمة امور اخرى غير علم العباد، اكيد له فوائد اخرى لم تذكر في الاية.
قال مثل ذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 97]. ومعلوم ان في جعل الكعبة قياماً للناس والهدي والقلائد حكماً ومنافع اخرى. وقال تعالى ليس فقط لتعلم ان الله يعلم ما في السماوات، بل جعل ذلك ايضا فيه حكم اخرى، لكن ذكرت هذه الحكمة.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31]. ومعلوم ان في ملك الله حكماً اخرى غير جزاء المحسن والمسيء. وكذلك قوله: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 22].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 163-165]. ومعلوم ان في ارسال الرسل من سعادة من امن بهم وغيرها، حكمة اخرى غير دفع حجة الخلق على الله. وكذلك قوله تعالى، هل ارسال الرسل فقط فائدته ان الناس لا يحتجوا على الله يوم القيامة؟ هذا احد مقاصده ان لا يحتج الناس على الله يوم القيامة فيقول: وعذبتنا ولم ترسل لنا رسلاً، بل من مقاصدهم ان ينشروا الخير والطمأنينة في الأرض.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: 37]. ومعلوم ان في تسخيرها حكماً ومنافع غير التكبير الذي ذكر في الاية. وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَانْنَهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 32-34]. ومعلوماً ان لله حكماً في خلق الشمس والقمر والليل والنهار غير انتفاع بني ادم.
وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]. وفيها حكم اخرى. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]. وفي انزال الكتاب من هدى من اهتدى به واتعاظه وغير ذلك مقاصد، غير الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: 38-39]. ومعلوم ان في بعث الخلق يوم القيامة مقاصد غير بيان المختلف في علم هؤلاء. ومما يبين ذلك انه قال في الاية الاخرى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6]. معلوم انه لم يبعث لمجرد الانذار، بل وليبشر من امن به، وللامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، وغير ذلك من مقاصد الرسل، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: 165]، وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: 48].
إذن من الايات التي استدل بها بولس الانطاكي، تعرف بولس الانطاكي صار ياتي بايات قرانية تدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم مرسل للعرب، منها ما ورد في سورة يس، ان الله قال له: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6]. فيقول شيخ الاسلام ومما يبين ذلك انه قال في الاية التي احتج بها النصارى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. ومعلوم انه لم يبعث لمجرد الانذار، بل هو ايضا بعث للتبشير، قال: وليبشر من امن به، ولامرهم بالمعروف ولنهيهم عن المنكر، ولتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، وغير ذلك من مقاصد الرسل. فاستدلالك يا بولس في هذه الاية على انه مرسل للعرب لانذار عربي خاصة لا يستقيم حتى لغة؛ لانه ليس فقط مرسل لانذار قوم ما انذر اباؤهم، بل قطعا هو مرسل لتبشير من امن منهم، وانه مرسل بالطيبات وبتحريم الخبائث، وهذا وارد في الايات القرانية الاخرى. فكيف تحصر مقصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقط في انذار العرب، مع ان هناك مقاصد اخرى حتى للعرب انفسهم؟
قال: وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: 1-4].
قال: وكان المسلمون مرة صلوا صلاة العيد بحضرة حصار النصارى، فقام خاطبهم، فخطب بهذه الاية، ولما قرا قوله: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أشار إلى جند الإيمان، ولما قرأ قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ أشار إلى جند الصلبان.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. وفي انزال الكتاب والميزان حكم اخرى من البشارة والانذار وغير ذلك. وكذلك فليس ليقوم الناس بالقسط فقط هي الحكمة الوحيدة، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ هذه احدى الحكم، لكن هناك حكم اخرى من انزال الكتاب والميزان كالبشارة والنذارة.
وقال تعالى عن اهل الكهف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: 12]. ماذا بعث الله اهل الكهف بعد ثلثمائة سنة؟ قال: بعثناهم لنعلم اي الحزبين احصى لما لبثوا امداً، بعدين في سياق بعد ايش قال؟ وكذلك اعثرنا عليهم ليعلموا ان وعد الله حق وان الساعة لا ريب فيها. اذا في اكثر من حكمة كان من بعثة اصحاب الكهف.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: 27-28]. ومعلوم ان في ذلك مقاصد اخرى من هداية الخلق وقيام الحجة على ما بلغهم وغير ذلك. وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وفيه حكم اخرى من قيام الحجة على الخلق وضلال من ضل به. ومثله قوله: ﴿وَهَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: 52]. معلوم ان في ذلك مقاصد اخرى من البشارة والامر والنهي وغير ذلك.
وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 28-29]. ومعلوم ان في جزاء المؤمنين مقاصد اخرى غير علم اهل الكتاب وما معهم.
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92]. ومعلوم ان فيه حكمة اخرى مثل تبشير من امن به والامر والنهي وانذار غير هؤلاء من العرب. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 69-70]. ومعلوم ان فيه حكمة اخرى غير الانذار.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: 12]. معلوم ان فيه حكمة اخرى من انذار الخلق كلهم وامرهم بالمعروف ونهي عن المنكر وتبشير المؤمنين.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَموسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: 7-8]. ومعلوم ان في اخذ الميثاق حكماً اخرى.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَةَ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: 1-2]. وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]. وهناك مقاصد اخرى غير لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: 12]. وهناك مقاصد اخرى غير هذه.
وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. وفي ذلك كله حكم اخرى لم تذكر في الايات.
وكذلك قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]. وان كانت هذه لام العاقبة، هي لام العاقبة مش التعليل، فيقول هذه وان كانت لام العاقبة لان فرعون لم يلتقط موسى ليكون له عدواً وحزناً، التقطه ليكون له سروراً وانساً، فهذه ربما تختلف عن الامثله السابقة ان هذه اللام ليست لام التعليل فعلا هي تسمى لام العاقبة. لكن عموما فليست العاقبة، يقول لك حتى لو كانت لام العاقبة فليست العاقبة منحصره في ذلك انه سيكون لهم عدواً وحزناً، بل كان من اهداف تقدير الله التقاط فرعون لموسى ان يتربى موسى في قصر فرعون، وان يجد رتبة في حاشيته، وغير ذلك من الحكم الاخرى، فحتى كعاقبة ليست هذه العاقبة الوحيدة.
مثل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 137]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]. وفي ارساله حكم اخرى.
وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]. وفي انزاله تبشير وانذار امر وعد وعيد. وليس فقط لتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، القرآن لم ينزل فقط ليحكم به، بل فيه البشارة والوعيد والشرائع وغيرها.
وكذلك قوله في عيسى بن مريم: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: 21]. ولماذا خلق الله عيسى بدون اب؟ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ. طب هل في حكمة اخرى غير كده؟ نعم في حكمة اخرى غير كده وان لم تذكر في الاية.
وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: 12]. وفي حكم اخرى كما قال في الاية الاخرى وهو الذي سخر.
اذاً سيستقرئ آيات كثيرة كلها نفس الفكرة نفس الآلية، إلى قوله: ومثل ذلك كثير في كلام الله عز وجل وغير كلام الله. إذا ذكر حكمة للفعل لم يلزم الا تكون له حكمه اخرى، هي القاعدة التي يريد ان يرسخها ابن تيمية هنا. انت ممكن تضع خطاً؛ اذاً هي الفكرة العامة لكل الايات السابقة: ان الله سبحانه، بل حتى في غير كلام الله، اذا ذكر شخص حكمة للفعل، لم يلزم الا تكون له حكمة اخرى ومقصد اخر، لكن لابد لتخصيص تلك الحكمة بالذكر في ذلك الموضع مناسبة.
يعني ماذا خص هذه الحكمة في هذا الموضع؟ في مناسبة انت بدك تفهمها من خلال فهمك لجو السورة، لجو النص، سياقات النص. هذه قاعدة من قواعد التفسير ايضا يمكن انك تلتفت اليها. قال: وهذا كالمناسبه في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. فالان خلينا نرجع نشوف لماذا في سورة يس قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾؟ لماذا خص هذه الحكمة في ارسال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فان هؤلاء كانوا اول المنذرين واحقهم بالانذار، فكان في تخصيصهم بالذكر فائدة، لا انه خصهم بانذار من سواهم، هي الفكرة.
فاذاً لان النبي صلى الله عليه وسلم، سورة يس سورة مكية ولا مدنية يا جماعه؟ مكية. مكية، اذا نحن لستاتنا في المرحلة المكية، النبي عليه الصلاة والسلام في المرحلة المكية ما زal الخطاب لمن؟ لكفار قريش، لسا الدعوة لم تتوسع لتشمل نطاقات اخرى ومساحات اوسع. بالتالي بقول: فالمناسب في سورة مكية نزل يخاطب بها المشركون في مكة ان يكون الكلام موجهاً اليه، هذه المناسبه لماذا ذكرت هذه الحكمة دون غيرها.
وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]. ومعلوم انه نزل به ليكون بشيراً وليامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث ويضع الاصار والاغلال صلى الله عليه وسلم.
فصل: واما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة: 151]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: 164]. هذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128].
حريص عليكم بالمؤمنين.
من الآيات التي احتج بها بولس الأنطاكي على أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة، غير الآية السابقة التي ناقشناها في سورة يس، قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: 151]. قال: كما أرسلنا فيكم؛ إذاً أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم مرسل لمن؟ للعرب، لأن ربنا قال: كما أرسلنا فيكم. وقال في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]. إذاً هذا الرسول من أنفسكم جاي يخاطبكم. إذاً هذه السياقات يمكن يفهم منها أهل الأهواء أنه مرسل إلى العرب خاصة، فهذا كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: 128]. قال: وهذا في عمومه نزاع.
نعم، قال: وهذا في عمومه نزاع، فانه إما أن يكون خطاباً لجميع الناس، ويكون المراد أنا بعثنا إليكم رسولاً من البشر إذ كنتم لا تطيقون أن تأخذوا عن ملاك من الملائكة، فمن الله عليكم بأن أرسل إليكم رسولاً بشرياً. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبَسُونَ﴾ [الأنعام: 8-9].
إذاً الآن أولاً هناك خلاف في تفسير هذه الآيات: ما معنى قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ هي "من أنفسهم" في سورة آل عمران، ولا في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. في خلاف بين المفسرين في عمومها: هل المراد "من أنفسهم" يعني من جنس البشر؟ فالمراد بها ليس الكلام للعرب "من أنفسهم يا عرب"، المراد "من أنفسهم يا ناس". عرفتم شو يعني في عمومه نزاع؟ هذا المراد "من أنفسهم"، هل العموم هنا عموم العرب، كل عموم الناس؟
فالقول الأول: أن يكون المخاطب "من أنفسهم" الناس جميعاً، ومعنى أنه من أنفسهم يعني من جنس البشر لم أجعه من جنس ملائكي. طيب هذا القول الأول.
وأما أن يكون المراد "من أنفسهم" لا، أن المراد يعني منكم يا أيها العرب، فالعموم هنا عموم للعرب. طيب، وعلى التقديرين -سواء قلنا إن "من أنفسهم" عموم الناس، أو إن المراد "من أنفسهم" يا عرب- قال: وعلى كلا التقديرين.. أيوه، قال: وعلى التقديرين؛ فإنما تضمن ذكر انعامه على المخاطبين بإرساله رسولاً من جنسهم، وليس في هذا ما يمنع أن يكون مرسلاً إلى غيرهم. فنقول في كُلا الحالتين: إنما تضمن هذا الكلام أنه يمن على المخاطبين، سواء كانوا الناس جميعاً أو العرب -سواء قلنا هذا أو هذا- أنه يمن عليهم سبحانه أن أرسل فيهم رسولاً من جنس -إذا قلنا من جنس الناس إذاً أنسيّ، وإذا قلنا العرب من جنس العرب تمام- وليس في هذا ما يمنع منطقياً ولغوياً أن يكون مرسلاً إلى غيرهم من العجم.
نعم، قال: فانه إن كان خطاباً للانس كلهم، فهو أيضاً مرسل إلى الجن وليس من جنسهم! بقول لك: إنه إذا كان خطاب للانس أصلاً نحن عندنا مشكلة أخرى: هل هو مرسل للجن؟ فإذاً ستصبح أيضاً إشكالية أخرى ستعرض لكم، إذا قلنا إن الآية تشمل بعمومها البشر، طيب الجن لو قلنا هو الذي بعث في الأميين رسولاً من أنفسهم، أو هنا مثلاً في آية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، إذا قلنا "من أنفسهم" أي يا أيها الناس الرسول مرسل من جنس البشر، رح تطرأ علينا مشكلة الجن وكيف أنه مخاطب بها. فنقول: إذاً قول الله للبشر "إنني بعثت فيكم رسولاً من جنسكم" لا ينفي هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الجن أيضاً، وأن يقول الله للجن: هذا الرسول الذي أرسلته من جنس البشر للبشر، أنتم مكلفون بأن تتبعوه. ما في شيء يمنع ذلك، وهذا ما حصل فعلياً: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] إلى غير ذلك.
نعم، قال: فكيف يمتنع -إذا كان خطاباً للعرب بما أمن به عليهم- أن يكون قد أمن على غيرهم بذلك؟ فالعجم أقرب إلى العرب من الجن إلى الانس؛ يعني إذا بدك تقارن بين الجن للانس ولا العجم إلى العرب، في النهاية العجم بالنسبة للعرب اثنين بشر، والجن إلى الانس هذول الجنسين مختلفين. فإن يكون العجم مخاطبون برسالة الإسلام أقرب من أن يكون منطقياً يقول: إن يكون الجن مخاطبون برسالة الإسلام؛ إذا بدك تجي للمنطق، لأن العجم لسه ما زالوا من جنس الانس بخلاف الجن، فهذا جنس آخر. وقد أخذ الله في الكتاب أن الجن لما سمعوا القرآن آمنوا به -طبعاً سيذكر الآيات التي تدل على ذلك إلى الصفحة التي بعدها-.
ونظير هذا أيضاً قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقومه قريش، ولا يمنع أن يكون ذكراً لسائر العرب بل سائر الناس. يعني لما الله قال في القرآن في سورة الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، هل هذا يمنع أن يكون القرآن أيضاً ذكراً لسائر الناس؟ إذا قلنا إن القرآن ذكر بالمعنى الذي يرجحه ابن تيمية، أن ابن تيمية يضعف القول بأن الذكر هنا بمعنى الشرف -بتعرف في قولين للمفسرين: القول الأول أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي أن هذا القرآن يذكرك ويذكر قومك وينبهكم ويرشدكم، هذا هو المعنى الذي يرجحه ابن تيمية-.
فإذا قلنا إن القرآن مرشد للنبي صلى الله عليه وسلم ومرشد لقومه: ﴿لَّذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، هل هذا يمنع أن يكون القرآن ذكر ومرشد لجميع العرب، قال: بل لجميع الناس؟ طب لماذا خص قومه في هذا السياق؟ والله أنت ارجع للتفسير؛ أن قومه هم المخاطبون ابتداءً، ولا ينفي هذا أن يكون القرآن ذكراً لسائر العرب، بل لجميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52] في آيات أخرى، وقال تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، إن هو إلا ذكر للعالمين سورة ص أيضاً في سورة التكوير ماذا قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 27]. وهذا طبعاً على أصح القولين.
أيوه، قال: هذا على أصح القولين، وأن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أنه ذكر لهم، يذكرونه فيهتدون به. وقيل: إن المراد أنه شرف لهم، وهذا التفسير الثاني أن بعض المفسرين يقول في تفسير: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ﴾ أي شرف لك، يعني هذا القرآن شرف لك ولقومك ترفعون به رؤوسكم. هل هذا التفسير محتمل؟ لكن ابن تيمية يضعفه، فأفاد إلى تفسير أن ابن تيمية يضعف هذا التفسير ويرى ليس بشيء. إيش قال؟ وليس بشيء، شأن وليس بشيء، ضعيف. هذا وجهة طبعاً نظر ابن تيمية تبقى.
نعم، قال: فإن القرآن هو شرف لمن آمن به من قومه وغيرهم، وليس شرفاً لجميع قومه، بل من كذب به منهم كان أحق بالذم، كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1], وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 66]. نعم، إذاً لماذا ابن تيمية ضعف هذا التفسير؟ يقول: إن إذا قلنا إن المراد بالذكر هنا الشرف، قال: لا يصلح هنا أن يعمم فيقال: "وإن القرآن لشرف لك ولقومك"، لأنه بعض قومك كفروا بالقرآن، فكيف يكون القرآن شرفاً لهم وهم مكذبون به؟
طبعاً يمكن أن يناقش ابن تيمية هنا بأن يقال ماذا؟ يقول: يعني أنه صح قال: ولقومك، لكنه عام يريد به الخصوص، يعني هو شرف لك ولقومك أي لمؤمني قومك، أو لمن سيؤمن به من قومك؛ فبحد ذاته هذا غير لازم أن يكون سبباً للتضعيف.
نعم، قال: بخلاف كونه تذكرة وذكرى، فانه تذكرة لهم ولغيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 57]، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90] فعمم العالمين جميعهم. فقال: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: 104].
فصل: هذا الكلام على الوجه الأول هو قول من يقول إنه لم يقل إنه أرسل إلا إلى العرب. طيب الآن بقول: انتهى الكلام عن الحالة الأولى، وهي قول من يقول إنه لم يرسل إلا إلى العرب، فعرفنا من خلال الوقائع النبوية أنه خاطب النصارى وغير العرب، وعرُفنا أيضاً أن الآيات التي استدلوا بها على أنه لم يرسل إلا إلى العرب وعرُفنا -يعني ذكرنا آية يس والأيه السابقة من أنفسهم- لا يصلح بها الاستدلال على ذلك، وأن هذه لها سياقات معينة لا تنفي إرساله إلى غيره.
ناتي إلى الوجه الثاني: الوجه الثاني ما هو؟ قال: أما الوجه الثاني هو أن نقول هو ذكر أنه رسول إلى الناس كافة، كما نطقت به القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 158]. وقد صرح فيه بدعوة أهل الكتاب وبدعوة الجن في غير موضع.
فاذا سلموا أنه ذكر ذلك، ولكن كذبوه في ذلك، فإما أن يُقَر برسالته إلى العرب أو لا يُقَر. فإن أقروا بأنه رسول أرسله الله، لم يمكن مع ذلك تكذيبه كما تقدم، بل يجب الإقرار برسالته إلى جميع الخلق كما أخبر بذلك، كما تقدم أن من ذكر أنه رسول الله لا يكون إلا من أفضل الخلق باصدقهم أو من شر الخلق وأكذبهم؛ فانه إن كان صادقاً فهو من أفضلهم، وإن كان كاذباً فهو من شرهم.
وإذا كان الله قد أرسله ولو إلى قرية، كما أرسل إلى يونس بن متى إلى أهل نينوى، كان من أفضل الخلق، وكان صادقاً لا يكذب على الله ولا يقول عليه إلا الحق. ولو كذب على الله ولو في كلمة واحدة لكان من الكاذبين، ولم يكن من رسل الله الصادقين؛ فإن الكاذب لا يكذب في كل شيء بل في البعض. فمن كذب على الله في كلمة واحدة فقد افترى على الله الكذب وكان من القسم الكاذبين في دعوة الرسالة لا من الصادقين.
وأيضاً فإن مقصود الرسالة تبليغ رسالة الله على وجهها. طيب، الوجه الثاني حتى نتذكر أنهم قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم -لأن هو قال رسالة بولس الأنطاكي في بدايتها تدل على أنه يقول ماذا؟ أنه لم يقل إنه مرسل إلى العرب وإنما ادعى هذا اتباعه، وقال في آخرها ما يدل على أن بولس الأنطاكي يقول: ولو ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال إنه مرسل إلى غير العرب فهو غير صادق في هذا-.
الوجه الثاني اللي قاله -إذا بتذكر في بدايه الكتاب قال: والوجه الثاني- وأخر رسالة بولس الأنطاكي تدل على أنه يقول إنه لو تنزلاً قلنا إن محمد صلى الله عليه وسلم قال إنه مرسل إلى غير العرب فهذا الكلام منه غير دقيق وغير صحيح. الآن سياتي بالقاعدة التي طبقها سابقاً ويقول: إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم كلامه غير دقيق هنا وغير صحيح هنا وكذبتموه في هذا، فهذا يلزم ألا تستدل بشيء من كلامه مطلقا، لأنه ثبت خطاه في ماذا؟ في جزئية من الجزئيات، فهذا يلغي نبوته عموماً للعرب ولغير العرب.
قال: وأيضاً فإن مقصود الرسالة تبليغ رسالات الله على وجهها، فإذا خلط الكاذب بالصدق لم يحصل مقصود الرسالة. وأيضاً فإذا علم أنه كذب في بعضها لم يتميز ما صدق فيه مما كذب فيه إلا بدليل آخر غير رسالته، فلا يحصل المقصود برسالته. ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عند الله عز وجل تبارك وتعالى. لم يقل أحد قط أن من أرسله الله يكذب عليه -يعني هذه هذه قاعدة متفق عليها بين أهل الاديان، بين اليهود والنصارى والمسلمين، هذه قاعدة متفق عليها أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله-.
نعم، قال: وقد قال تعالى ما يبين أنه لا يُقِر كاذبأً عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: 24].
قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ كلام مستأنف ليس داخلاً في جواب الشرط؛ فانه لو كان معطوفاً على جواب الشرط لقال "ويحق الحقّ" بالكسر التقاء الساكنين كما في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 2]. فلما قال: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ بالضم، دل على أنه جملة مستأنفة أخبر فيها أنه تعالى يمحو الباطل كباطل الكاذبين عليه، ويحق الحق كحق الصادقين عليه. فمحو الباطل نظير إحقاق الحق، ليس مما علق بالمشيئة بل لابد منه، بخلاف الختم على قلبه فإنه معلق بالمشيئة، ولا يجوز أن يعلق بالمشيئة محو الباطل كتعليق الختم، بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه.
وقال تعالى في صيانته وأحكامه لما تبلغه رسله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الحج: 52-53].
وَالْقَاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَأَيْضًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، وَقَدْ دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَكَفَرَهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَجَاهَدَهُمْ وَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ وَسَبَى ذَرِّيَّاتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ أَظْلَمُ النَّاسِ؛ مَنْ كَانَ نَبِيًّا قَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا. فَالْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ الْأَعْظَمُ بِدُونِ غَيْرِهِمْ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ عُمُومِ دَعْوَتِهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا أَنَّهُ رَسُولٌ فِي يَسْتَلْزِمُ رِسَالَتَهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ لَزِمَهُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رَسُولًا يَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي وَأَمَرَنِي بِجِهَادِكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا، هُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الرِّسَالَةِ وَإِلَّا فَلَا؛ فَالرَّسُولُ الْكَاذِبُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. أُولَئِكَ لَيْسُوا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُقِرُّ بِرِسَالَتِهِ الْعَرَبِيُّ وَلَا غَيْرُهُمْ، بَلْ قَالُوا فِيهِ مَا كَانَ يَقُولُهُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ سَاحِرٌ أَوْ مُفْتَرٍ كَاذِبٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَدَلِيلُكُمْ أَيْضًا بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْتَجُّوا بِتَقْدِيرِ تَكْذِيبِكُمْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، سَوَاءٌ صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ أَوْ فِي بَعْضِهِ أَوْ كَذَّبْتُمُوهُ، فَدَلِيلُكُمْ بَاطِلٌ. فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِكُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَمَا ثَبَتَ بُطْلَانُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَثْبُتُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ أَنَّكُمْ -يَعْنِي شُوفُوا كَيْفَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَقُولُ-.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، يَعْنِي إِذَا قَالُوا إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مُرْسَلًا لَا إِلَى الْعَرَبِ وَلَا إِلَى غَيْرِ الْعَرَبِ، بَلْ قَالُوا فِيهِ مِنْ جِنْسِ مَا قَالَهُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ سَاحِرٌ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَدَلِيلُكُمْ أَيْضًا بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْتَجُّوا بِتَقْدِيرِ تَكْذِيبِكُمْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. إِذَا كَذَّبْتُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْتُمْ أَصْلًا تُبْطِلُونَ دِينَكُمْ بِهَذَا، يَعْنِي هِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَصِلَ لَهَا تَكْذِيبُ هَذَا النَّصْرَانِيِّ بُولُسَ الْأَنْطَاكِيِّ. إِذَا قُلْنَا فَرْضًا: أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُكَذِّبَ بِأَصْلِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَلْ تَعْلَمُ يَا بُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ أَنَّ تَكْذِيبَكَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلَكَ إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَرْضًا لَيْسَ نَبِيًّا لَا إِلَى الْعَرَبِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِمْ، هَذَا يَنْقُضُ حَتَّى دِينَكَ النَّصْرَانِيَّ؟ كَيْفَ يَنْقُضُ دِينَ النَّصْرَانِيِّ؟ هَذَا سَيَأْتِي مَعَهُ هَذَا الَّذِي سَيَشْرَحُهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ.
فَيَقُولُ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَحْتَجُّوا بِتَقْدِيرِ تَكْذِيبِكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، تَمَامًا؛ سَوَاءٌ صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ أَوْ فِي بَعْضِهِ أَوْ كَذَّبْتُمُوهُ، فَدَلِيلُكُمْ بَاطِلٌ. يَعْنِي هُوَ يَقُولُ فَسَوَاءٌ إِذًا النَّتِيجَةُ النِّهَائِيَّةُ: سَوَاءٌ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ، أَوْ تُصَدِّقُونَهُ فِي الْبَعْضِ وَتُكَذِّبُونَهُ فِي الْبَعْضِ، أَوْ تُكَذِّبُونَهُ فِي الْجَمِيعِ؛ فَدَلِيلُكُمْ فِي النِّهَايَةِ إِيش؟ بَاطِلٌ. فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِكُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَدِينُكُمُ النَّصْرَانِيُّ سَيَبْطُلُ يَعْنِي فِي النِّهَايَةِ.
فِي النِّهَايَةِ أَنْتَ هُوَ شُوهَدُ بُولُسَ الْأَنْطَاكِيِّ مِنْ الرِّسَالَةِ أَلَيْسَ هُوَ تَدْعِيمَ الدِّينِ النَّصْرَانِيِّ؟ فَيَقُولُ: فَسَوَاءٌ صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ، بَكْرٌ لَكِنْ لَمْ تَقُولُوا إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ، يَعْنِي إِذَا صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ، لَكِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى النَّصَارَى، وَإِنَّ أَتْبَاعَهُ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَالنَّصَارَى فَفَنَّدْنَا هَذِهِ الشُّبْهَةَ. وَإِذْ يَعْنِي هُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: الْمَقَامَاتُ ثَلَاثٌ؛ إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ لَكِنْ هُوَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَتْبَاعُهُ، فَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ وَأَنَّهُ نَاقَشَ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْمَقَامَاتِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تُصَدِّقُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ وَتُكَذِّبُوهُ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ؛ تُكَذِّبُوهُ فِي مَاذَا؟ فِي أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى عَجَمٍ، لَكِنَّكُمْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهُ قَالَ: مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ، لَكِنَّكُمْ كَذَّبْتُمُوهُ فِي هَذَا وَصَدَّقْتُمُوهُ فِي الْبَاقِي، نَقُولُ: هَذَا يُبْطِلُ دِينَكُمْ. وَإِذَا لِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاذِبًا فِي شَيْءٍ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّبُوَّةِ كَمَا قُلْنَا.
وَإِذَا كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ فَهَذَا أَيْضًا يُفْسِدُ دِينَكُمُ النَّصْرَانِيَّ، فَأَنْتُمْ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ تَصِلُونَ إِلَى نَفْسِ النَّتِيجَةِ. فَهِمْتُمْ إِذًا؟ فَسَوَاءٌ صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ لَكِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ، أَوْ صَدَّقْتُمُوهُ فِي الْبَعْضِ وَكَذَّبْتُمُوهُ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ، أَوْ كَذَّبْتُمُوهُ فِي الْجَمِيعِ؛ فَعَلَى كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ دَلِيلُكُمْ بَاطِلٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ دِينِكُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَمَا ثَبَتَ بُطْلَانُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَدِينُكُمُ النَّصْرَانِيُّ إِذًا سَيَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْنِي فِي الْوَاقِعِ.
طَيِّبٌ، الْآنَ الْقَضِيَّةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَهِمْنَاهُمَا؛ كَيْفَ إِذَا صَدَّقْتُمُوهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَكَذَّبْتُمُوهُ فِي الْبَعْضِ، نَعْرِفُ كَيْفَ إِذَا كَذَّبْتُمُوهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي لَوْ قَالُوا إِنَّهُ لَيْسَ مُرْسَلًا أَصْلًا، كَيْفَ هَذَا يُبْطِلُ النَّصْرَانِيَّةَ؟ هَذَا الْكَلَامُ هَذَا مَا سَيُبَيِّنُهُ الْآنَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّكُمْ إِذَا كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْقَ لَكُمْ طَرِيقٌ تَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ تَكْذِيبِهِ الْقَوْلُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، بَلْ مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِ غَيْرِهِ، بَلْ يَكُونُ مُصَدِّقًا لَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِهِمْ لَمْ يَجُزْ احْتِجَاجُهُ قَطُّ بِأَقْوَالِهِمْ، بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ بِلَا عِلْمٍ وَمُحَاجَّةٌ. يَقُولُ: إِذَا كَذَّبْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّصَارَى الْيَوْمَ، يَا أَيُّهَا الْيَهُودُ الْيَوْمَ، تَرَى لَيْسَ لَكُمْ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ كَلَامِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ: فَيَمْتَنِعُ مَعَ تَكْذِيبِهِ الْقَوْلُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، بَلْ مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ -يَعْنِي إِذَا أَنْتَ كَذَّبْتَ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرَى أَنْتَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُثْبِتَ صِدْقَ عِيسَى وَمُوسَى.
هِيَ الْفِكْرَةُ يَقُولُ: إِذَا كَذَّبْتَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ادِّعَائِهِ النُّبُوَّةَ مَعَ كَثْرَةِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا وَكَثْرَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَنْتَ لِسْتَ مُقْتَنِعًا أَنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَإِذَا لَنْ يَكُونَ لَكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَعِيسَى؛ لِأَنَّ مُوسَى وَعِيسَى لَمْ يُؤَيَّدُوا بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ بِحَجْمِ مَا أُيِّدَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ مِئَاتُ الْمُعْجِزَاتِ أُيِّدَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضْرَتُكَ لَسْتَ تَرَى أَنَّهَا مُقْنِعَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، إِذًا مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُعْجِزَاتُ مُوسَى وَمُعْجِزَاتُ عِيسَى وَمُعْجِزَاتُ نُوحٍ لَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ! هَذَا هُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ.
هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِنَّكَ مَعَ تَكْذِيبِكَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ أَنْ تُصَدِّقَ غَيْرَهُ؛ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ؟ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُيِّدَ بِالْمُعْجِزَاتِ بِمَا لَمْ يُؤَيَّدْ بِهِ نَبِيٌّ سَابِقٌ، فَإِذَا أَنْتَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتُ كُلُّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ بِالنِّسْبَةِ لَكَ، إِذًا مِنْ بَابِ أَوْلَى مُعْجِزَاتُ مُوسَى وَعِيسَى لَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ. هَذَا هُوَ الْمَنْطِقُ فِي النِّقَاشِ.
نَعَمْ شَيْخُ، مُمْكِنٌ أَيْضًا مُمْكِنٌ وَجْهٌ آخَرُ؛ أَنَّهُ يَعْنِي الْأَسَانِيدَ فِي النَّقْلِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِمْ مَقْطُوعَةٌ لَيْسَ فِيهَا لَيْسَ فِيهَا إِسْنَادٌ أَصْلًا وَلَا تُنْقَلُ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا كَذَّبْتَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ لِمَعْرِفَةِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَخْبَارِ الْغَيْبِيَّةِ. أَمَّا أَمَّا سَنَدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مُنْقَطِعٌ أَصْلًا، فَلَيْسَ لَكُمْ أَيُّ سَنَدٍ تُصَدِّقُونَ بِهِ أَنْبِيَاءَ فِيمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَهُ.
أُسْتَاذُ، هَذَا الْكَلَامُ جَيِّدٌ إِذَا هُمْ أَقَرُّوا بِهِ، فَإِذَا الْخَصْمُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ سَنَدٌ مُتَّصِلٌ فَأَنْتَ نَعَمْ مُمْكِنٌ تُنَاقِشُهُ بِهَذَا الْبُعْدِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ لَيْسَ هَذَا نِقَاشَهُ، لَا، هُوَ نِقَاشُهُ مِنْ جِهَةِ كَمِّيَّةِ الْمُعْجِزَاتِ. لَاحِظْ مَاذَا سَيَقُولُ: قَالَ: فَإِنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَعِيسَى، وَمُعْجِزَاتُهُ أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ، وَالْكِتَابُ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ أَشْرَفُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ غَيْرُهُ، وَالشَّرِيعَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا أَكْمَلُ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، أُمَّتُهُ أَكْمَلُ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ مِنْ أُمَّةِ هَذَا وَهَذَا، وَلَا يُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عِلْمٌ نَافِعٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ، فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. فَمَا مِنْ مَطْعَنٍ مِنْ مَطَاعِنِ الْأَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ يُطْعَنُ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَيُمْكِنُ تَوَجُّهُ ذَلِكَ الْمَطْعَنِ وَأَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
نَعَمْ، قَالَ: وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ نَبْسُطْهَا هُنَا؛ لِأَنَّ جَوَابَ كَلَامِهِمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. فَيَمْتَنِعُ الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مَعَ التَّكْذِيبِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِ أَوْ مِنْ أَعْظَمِهِمْ عِنَادًا وَاتِّبَاعًا لِهَوَاهُ. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ احْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِهِمْ، بَلْ أَخَذُوا ذَلِكَ مُسَلَّمًا وَطَلَبُوا أَنْ يَحْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَبِمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ سَوَاءٌ صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوهُ، فَإِنْ صَدَّقُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ وَإِنْ كَذَّبُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ. فَإِنَّهُمْ إِنْ صَدَّقُوهُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ دَعَا جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا الْمَسِيحَ وَمُوسَى وَغَيْرَهُمَا مِنَ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ أَبْطَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ وَكَفَّرَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ -وَلِهَذَا كَانَ- وَأَنَّهُ أَبْطَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّحَادِ -الِاتِّحَادُ يَعْنِي ادِّعَاءَ أَنَّ الْإِلَهَ الْإِلَهَاتِ ثَلَاثَةٌ أَنَّهَا تَتَّحِدُ-.
قَالَ: وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ -لِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ إِلَى الْعَرَبِ- يُوجِبُ بُطْلَانَ دِينِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَكُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ دَعَا النَّصَارَى وَالْيَهُودَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا غَيْرَهُمْ، وَأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَبَعْدَهُ النَّارُ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ تَوَاتُرًا تَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ.
لِأَنَّهُ رَجَعَ يُأَصِّلُ الْفِكْرَةَ الْعَامَّةَ لِلْكِتَابِ هُنَا: أَنَّكُمْ يَا نَصَارَى إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، أَوْ تُصَدِّقُوهُ فِي الْبَعْضِ وَتُكَذِّبُوهُ فِي الْبَعْضِ، أَوْ تُكَذِّبُوهُ فِي الْجَمِيعِ وَتَقُولُوا إِنَّهُ لَيْسَ نَبِيًّا. فَإِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ لَيْسَ نَبِيًّا بِشَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَالِ، فَإِذَا أَبْطَلْتُمْ نُبُوَّتَهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تُبْطِلُوا نُبُوَّةَ مُوسَى وَعِيسَى؛ لِأَنَّ مُعْجِزَاتِهِ الْبَاهِرَةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَى مِنْ مُعْجِزَاتِ مُوسَى وَعِيسَى. وَإِنْ صَدَّقْتُمُوهُ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ وَكَذَّبْتُمُوهُ بِبَعْضٍ، فَهَذَا إِذًا يُفْسِدُ لِمَاذَا؟ فَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الْجَمِيعِ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي الْبَعْضِ وَكَاذِبًا فِي الْبَعْضِ، فَإِذَا كُذِّبَ إِذَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ تَصْدِيقِكُمْ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ وَتَكْذِيبِكُمْ لِبَعْضِ كَلَامِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الْجَمِيعِ، إِذًا عُدْنَا إِلَى النُّقْطَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَإِذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ كَذِبُ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِذَا صَدَّقْتُمُوهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ وَقُلْتُمْ: صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ لَكِنِ الْمُشْكِلَةُ عِنْدَنَا أَنْ لَا نُصَدِّقَ أَتْبَاعَهُ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَجَمِ وَأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَسَتَخُصُّ وَظِيفَتَنَا أَنْ نُثْبِتَ لَكُمْ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّ سِيرَتَهُ وَأَحْوَالَهُ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَاتَلَ النَّصَارَى وَدَعَا النَّصَارَى وَعَاشَ مَعَ النَّصَارَى؛ فَإِذَا لَمْ يُصْبِحْ لَكُمْ مَجَالٌ إِلَّا أَنْ تُكَذِّبُوا مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ -عَفْوًا الْخَبَرَ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ- وَهَذَا لَا تَسْتَطِيعُونَهُ. فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ بُطْلَانُ دِينِ النَّصَارَى وَصِحَّةُ دِينِ الْإِسْلَامِ. فَعَلَى الْأَحْوَالِ عَرَفْتُمْ هَذِهِ النُّقْطَةَ إِخْوَانِ هِيَ خُلَاصَةُ الْكِتَابِ فِي قِسْمِهَا الْأَوَّلِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً فِي ذِهْنِكَ. يَعْنِي فِي نِقَاطٍ بَسَامِحُكَ إِذَا أَنْتَ لَسْتَ فَاهِمَهَا، بَسْ هِيَ النُّقْطَةُ هِيَ جَوْهَرِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ الْآنَ؛ الْأَحْوَالُ الْمَنْطِقِيَّةُ ثَلَاثٌ: إِمَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ، أَوْ يُصَدِّقُوهُ فِي الْبَعْضِ وَيُكَذِّبُوهُ فِي الْبَعْضِ، أَوْ يُكَذِّبُوهُ فِي الْجَمِيعِ. عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ هَذَا يُبْطِلُ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهِمْتَ؟
وَكَيْفَ سَيُبْطِلُ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ؟ نُقْطَةٌ مُهِمَّةٌ. طَيِّبٌ، كَمَّلَ قَالَ: فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ ذِكْرُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ﴾ [البينة: 1]. لَا، الْآنَ سَيَذْكُرُ الْآيَاتِ الَّتِي تَوَاتَرَتْ تَوَاتُرًا عَامًّا وَخَاصًّا؛ يَعْنِي هَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّكْرَارِ شُلَيٌّ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ، أَحْيَانًا يَصِيرُ عِنْدَهُ الْآيَاتُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ أَنَّهُ مُخَاطِبٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَلِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: آيَةُ الْبَيِّنَةِ، آيَةُ آلِ عِمْرَانَ، آيَةُ الْمَائِدَةِ، آيَةُ الْمَائِدَةِ الثَّانِيَةِ، آيَةُ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171]، آيَةُ التَّوْبَةِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: 31]، آيَاتُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَإِذْ.
قال عيسى: ﴿وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] إلى آخر الآيات.
قال والنصارى قالت الأقوال، فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72] في موضعين، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، فالله سماكم كفاراً يا أيها النصارى الذين تقولون بالاتحاد، وأن اللاهوت والناسوت اتحدوا مع بعضهم، الله سماكم إيش؟ كفاراً في كتابه.
قال وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [المنساء: 171]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. والنصارى قالت الأقوال الثلاثة، فذكر الله عنهم هذه الأقوال. لكن الله عز وجل حكى أن النصارى ثلاثة أقوال في القرآن أنهم يقولونها؛ في سورة المائدة قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، هذا القول الأول لهم: أن الله هو المسيح. القول الثاني: قولهم إن الله ثالث ثلاثة. القول الثالث الذي حكاه الله عن النصارى في القرآن أنهم ماذا قالوا؟ وقالت النصارى المسيح ابن الله. إذاً، القول الأول لهم أن الله هو المسيح، القول الثاني لهم أن الله ثالث ثلاثة، القول الثالث للنصارى الذي حكاه الله عنهم في القرآن قولهم إن المسيح ابن الله. هذا استقراء جيد.
طيب، الآن هل هذه الآية الأولى هي قول طائفة من النصارى، والآية الثانية قول طائفة ثانية من النصارى، والآية الثالثة قول طائفة ثالثة، ولا هي الآيات الثلاث قول جميع النصارى؟ فهمتم؟ يعني هل كل هذا مذهب نصراني وهذا مذهب آخر ولا لا، هي الآيات الثلاث كلها تتجه بنفس الاتجاه، وهي من أقوال جميع النصارى؟ في هناك قولين للمفسرين، البعض يقول إن الله هو المسيح هذا قول طائفة نصرانية، والذين قالوا ثلاثة طائفة ثانية، والقول الثالث أن المسيح ابن مريم أن المسيح ابن الله طائفة ثالثة، لكن ابن تيمية لا يختار هذا، يقول: لا، هذه الآيات الثلاث يقول بها جميع فرق النصارى.
يقول بها جميع فرق النصارى، النصارى قالت الأقوال الثلاثة فذكر الله عنهم هذه الأقوال، لكن من الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم وهذا قول طائفة منهم، كما ذكر طائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والثعلبي وغيرهما. وظن ابن جرير أن هذه الطوائف كانوا قبل اليعقوبية والنسطورية والملكية، إذاً ابن جرير الطبري إمام المفسرين كان يرى القول الثاني أن كل قول أو كل آية تمثل قول طائفة من النصارى، بس ابن تيمية يقول: لا، ليس صحيحاً هذا التفسير، بل هذه الآيات يقول بها جميع النصارى.
نعم قال: ثم تارة يحكون عن اليعقوبية أن عيسى هو الله، وعن النسطورية أنه ابن الله، وعن المرقوسية أنه ثالث ثلاثة، وتارة يحكون عن النسطورية أنه ثالث ثلاثة، وعن الملكية أنه الله، ويفسرون قولهم ثالث ثلاثة بالآب والابن والروح القدس، والصواب أن هذه الاقوال جميعها قول طوائف النصارى المشهورة؛ الملكية واليعقوبية والنسطورية، فإن هذه الطوائف كلها تقول بالأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، فتقول أن الله ثالث الثلاثة، وتقول عن المسيح أنه الله، وتقول انه ابن الله، هم متفقون على اتحاد اللاهوت بالناسوت، وأن المتحد هو الكلمة، ومتفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك، وهو قولهم: نؤمن بإله واحد، أب ضابط الكل، خالق السماوات.. اللاهوت يعني هو الإله والناسوت هو عيسى.
فهو يقولون باتحاد، يعني هي عقيدة الحلول والاتحاد عندهم، أن الله يحل في عيسى عليه السلام والعياذ بالله، نعم قال: وهو قوله نؤمن بإله واحد، أب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل دهر، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: 171]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، فقد فسر في صور التثليث المشهور عنهم، المذكور في أمانتهم. ومن الناس من يقول إن الله مسيح مريم قول اليعقوبية، وقولهم ثالث ثلاثة هو قول النصارى الذين يقولون بالآب والابن والروح القدس، وهم قد جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة، وسموا كل واحد من الثلاثة بالإله والرب، وقد فسره طائفة بجعلهم عيسى وأمه إلهين يعبدان من دون الله.
قال السدي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] قال: قالت النصارى إن الله هو المسيح وأمه، فذلك قوله: ﴿أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]. وقد قيل قول ثالث أقرّ من ذلك عن أبي صخر قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] قال: هو قول اليهود وعزير ابن الله، وقول المسيح ابن الله، فجعلوا الله الثالث ثلاثة، وهذا ضعيف.
وقد ذكر سعيد بن البطريق في أخبار النصارى من أن منهم طائفة يقال لهم المريمية، يقولون إن مريم إله وأن عيسى إله، فقد يقال إن هذا قول هؤلاء، كما أن قول بأن عزير بن الله قول اليهود. وأما الأول فمتوجه، فإن النصارى متفقون على الأمانة كلهم يقولون.. أما الأول فمتوجه؛ الأول يعني التفسير الأول للتثليث وهو الآب والابن وروح القدس، هذا هو المشهور في تفسير التثليث. المشهور في تفسير التثليث ما هو؟ الآب والابن والروح القدس، هذا المشهور عنهم.
وأما القول في التثليث أن التثليث هو الله وعيسى وأم عيسى التي هي مريم، هذا قول لبعض النصارى طائفة، بس مش هو القول المشهور، يعني البعض قال التثليث هو الله وعيسى وأم عيسى التي هي مريم، تمام، ولكن هذا قول ضعيف عند النصرانية، وأما الأول فهو المشهور في تفسير التثليث أن الآب والابن وروح القدس هذا أشهر أقوالهم.
قال: فإن النصارى المتفقين على الأمانة.. الأمانة هي التي اتفقوا عليها حكينا في مؤتمر أوغسطين ومشى عليها الزعيم البيزنطي وأصبحت خلص هي المعتمدة عندهم في دينهم بيسموها الأمانة، كلهم يقولون في هذه الأمانة أن الله ثالث ثلاثة. نعم قال: فإن النصارى متفقين على أمانتهم، كلهم يقولون أن الله ثالث ثلاثة. الله تعالى قد نهاهم عن أن يقولوا ذلك فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: 171].
فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ونهاهم عنهما، وبين أن المسيح إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: 171] ثم قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: 171]، لم يذكر هنا أمه. وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] قال معمر عن قتادة: وكلمته ألقاها إلى مريم هو قوله كن فكان، وكذلك قال.. ما معنى وكلمته ألقاها إلى مريم؟ ما معنى أن عيسى كلمة الله؟ إنه خلق بكلمة الله، هذا معنى أن عيسى كلمة الله؛ إنه خلق بكلمة الله.
ما هي الكلمه؟ التي هي كن فيكون، أن الله قال له كن فكان، بدون وجود السبب وهو الأب مع الأم، إنما قال كن في رحم مريم فكان. نعم قال: وكذلك قال قتادة: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى. نعم قال قتادة: ليس الكلمة تحولت لعيسى كما يعتقد البعض من الجهال، لا، المراد أنه عيسى وجد بالكلمة بسببها.
نعم قال: وكذلك قال الإمام أحمد في مصنفه الذي صنفه في كتبه في الرد على الجهمية، وذكره عنه الخلال والقاضي أبو يعلى، قال أحمد: ثم إن الجهم ادعى أمرا آخر. لماذا يذكر في كتب الرد على الجهمية هذه المسألة؟ أن الكلمة خلق بها عيسى وليس أن عيسى هو الكلمة، لأن الجهمية من المعتزلة وأفراخهم يريدون أن يستدلوا على أن القرآن مخلوق بهذه الفكرة؛ أنه هي الكلمة، كلمة الله مخلوقة! كيف كلمة الله مخلوقة؟ المخلوق.. مش ما هي الكلمة أطلقت على عيسى، وعيسى مخلوق، إذاً كلام الله لا مشكلة أن يكون مخلوقاً! فننبهم: لا يا عمي، أنتم قاعدين تخلطون الماء بالزيت، ليست الكلمة هي عيسى، الكلمة خلق بسببها عيسى، وأما الكلمة فهي كن فيكون هذه ليست مخلوقة، وهذا ما أراد الإمام أحمد بن حنبل بيان خطأ فهم الجهمية لكتاب الله.
نعم قال: قال أحمد ثم إن الجهم ادعى أمراً آخر، فقال: أنا وجدنا في كتاب الله آيات تدل على أن القرآن مخلوق، قلنا: أي؟ قال: قول الله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: 171] وعيسى مخلوق، فقلنا إن الله منعكم فهمه في القرآن وعيسى الكلمة إذاً الكلام مخلوق! فقال لهم أحمد: إن الله منعكم فهم القرآن، سبحان الله.
نعم قال: عيسى عليه السلام تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن، أن عيسى تجري عليه تسمية مولود وطفل وصبي وغلام، ويأكل ويشرب، وهو يخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه الوعد والوعيد، وهو من ذرية نوح.. قال: عيسى يلقب بألقاب وتجري عليه أوصاف ليست من أوصاف القرآن، فعيسى مولود وطفل وصبي وغلام ويأكل ويشرب، وهو يخاطب بالأمر والنهي، ويجري عليه الوعد والوعيد، وهو من ذرية نوح من ذرية إبراهيم.
طيب، هل القرآن تجري عليه هذه الألفاظ؟ إذا قلتم عيسى كلام الله والقران كلام الله مش هيك بدكم تحكوا يا جهمية؟ هيك بيحكوا الجهمية: أن عيسى كلام الله وكلمته، ربنا سمى عيسى كلمته والقران كلام الله، فيقول لهم أحمد: عيسى يوصف بأوصاف المخلوقين مولود يحتاج إلى رزق.. والقران هل يوصف بهذه الأوصاف؟ هل يوصف القرآن بأنه ولد ووجد وغير ذلك من الأوصاف التي تتعلق بالمخلوقين؟ هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى ويصف القرآن بأن القرآن ولد في يوم معين ونشا في يوم معين وكبر القرآن في يوم معين؟ هذه أوصاف عيسى، عيسى وصف بأوصاف المخلوقية، أما القرآن لم يوصف أبداً بأوصاف المخلوقية.
نعم قال: ولكن المعنى في قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]، فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن، ولكن بالكن فالكن من الله قوله، وليس الكن مخلوقاً.
نعم وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله، كما يقال هذه الخرقة من هذا الثوب. وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة.
قال أحمد: وأما قوله جل ثناؤه: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] يقول: من أمره. وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها، كما يقال عبد الله وسماء الله.
نعم وتفسير الروح أنها إنما معنى أنها روح بكلمة خلقها، وليس المراد أن النصارى بماذا وافقت الجهمية؟ الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته، فقالت الجهمية: عيسى هو الكلمة ممتاز، والكلمة مخلوقة إذاً عيسى وعيسى مخلوق إذاً كلام الله مخلوق. النصارى ماذا فعلوا بالعكس؟ النصارى قالوا عيسى روح منه، فقالوا عيسى هو روح الله وروح الله من ذات الله، إذاً عيسى من ذات الله، نفس إيش؟ الجهمية بس في مجال آخر طبعا. الجهمية: عيسى كلمة الله وعيسى مخلوق، إذا وصلوا إلى أن كلام الله مخلوق، فيقول: في تجانس بين هذه الفرق في أي سفاهة الاستدلال إذا صح التعبير.
طيب فيقول: فروح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها، هذا معنى أنه روح الله، نعم قال: كما يقال عبد الله روح من الله، كما يقال عبد الله وسماء الله، هل معنى عبد الله أن هذا العبد من ذات الله؟ لا، يعني عبد خلقه الله، ونفس الشيء سماء الله.
قال في نسختين: روح خلقها الله خلقها الله، قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171] الكلمة حين قال له كن فكان، عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان. وقال الليث عن مجاهد: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] أي رسول منه، قال: رسول منه يريد مجاهد قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 17-18]. هذا تفسير آخر للروح أن الروح بمعنى الرسول، هذا تفسير آخر للروح أصلاً مختلف تماماً، أن الله جعل عيسى رسولاً منه، فمعنى وروح منه يعني إيش؟ رسول منه، لأن الروح في استعمالات القرآن يطلق أحياناً على الرسول، بدليل أنه قال عن جبريل: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] فسمى الله جبريل وهو رسول الله إلى الأنبياء وإلى مريم يسمى روحاً.
فالروح إما أنها روح مخلوقة خلقها الله في عيسى، أو الروح بمعنى الرسول الذي يرسله الله، والمعنى أن عيسى خلق من هذه الروح وهذا هو المشهور.
طيب قال: ومعنى أن عيسى خلق من هذه الروح وهو جبريل روح قدسي وسمي سمي روحاً كما سمي كلمة لأنه خلق بالكلمة، والنصارى في أمانتهم تجسد من..
مريم ومن روح القدس لأنه جاء كذلك في كتب المقدمة، لكن ظنوا أن الروح القدس هو صفة لله وجعلوها حياته وقدرته وهو رب، وهذا خطأ منهم فإنه لم يسم أحد من الأنبياء حياة الله ولا قدرته ولا شيئاً من ذلك. وإن عيسى خلق من هذه الروح، وهو جبريل روح القدس، والمعنى أن عيسى خلق من هذه الروح، يعني بسبب هذه الروح.
نعم، أظن يعني كلمة ابن تيمية اللي بعده يعني فسر الروح على اعتقاد النصارى بأنه قدرة الله وحياة الله، ولكن يعني مش عارفة هذا أظن هو مخالف المشهور عن النصارى. لا أنت سيبني من هذا أنا برجع على النص السابق، تعرف أنا بخيل هنا. معنى أن عيسى نعم خلق من هذه الروح، وهو إيش؟ جبريل روح القدس. هو قال بعدها، قال: والنصارى يقولون، لكن ظنوا أن روح القدس هو صفة لله وجعلوه حياته وقدرته وهذا غلط منه.
طيب، هسه هو بيحكي عن غلط النصارى، بس هناك بيحكي عن تفسير أهل السنة: والمعنى أن عيسى خلق من هذه الروح وهو جبريل روح القدس. نعم، يعني أنا بقول الذي يظهر أنه المعنى أن عيسى خلق من هذه الروح، إذا قلنا إن الروح جبريل، يعني أنت الروح هنا إما أنك الشيء الذي نفخ فيه بمعنى الروح المتعاهد عندنا، أو أن الروح جبريل، وفي كلا الحالين الروح هو ليس عيسى نفسه، يعني إطلاق الروح على أنه عيسى بمعنى أنه خلق أن الله خلق فيه روحاً منه، أو المعنى أن الله خلقه بواسطة روحه، وروح من هنا جبريل، فيكون المعنى أن عيسى خلق من هذه الروح أو بهذه الروح، يعني بسببها، وهو جبريل روح القدس الذي جاء إلى مريم فنفخ. إيش لما قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91]؟ من الذي نفخ؟ جبريل عليه السلام. فعلى كلا الحالين تسمية عيسى أنه كلمة الله أو روح الله، فإن هنا تكون للسببية: كلمة الله لأنه خلق بسبب كلمة الله، وروح لأنه خلق بسبب أو بواسطة الروح وهو جبريل عليه السلام، فكلها على السببيه، وإن كانت أطلقت على عيسى فكلها على السببية.
نعم، روح الملائكة، نعم جبريل بالطريقة غير المعهودة ليس بواسطة التقاء الرجل مع المرأة، وإنما جبريل أتى بروح محددة فقذفها في فرج مريم وانتهت القضية، يعني طريقة استثنائية هذا نعم. لذلك بعد ذلك قال: والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم. أيوه، قال: والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس لأنه جاء كذلك في الكتب المقدمة، لكن ظنوا أن الروح القدس هو صفة لله وجعلوه حياته وقدرته ورب، وهذا غلط منهم، فإنه لم يسم أحد من الأنبياء حياة الله ولا قدرته ولا شيئاً من صفاته روح القدس. بل روح القدس في غير موضع من كلام الأنبياء عليهم السلام يراد بها ما ينزله الله على قلوب الأنبياء كالوحي والهدى والتأييد، ويراد بها الملك.
فالروح في القرآن إما الوحي وإما الملك جبريل، وأما إطلاق روح الله بمعنى قدرة الله حياة الله فهذا فهم خاطئ، فبالتالي اللي قالوا إن عيسى روح الله ثم قالوا الروح هي قدرة الله صار عيسى جزءاً من الإله عندهم، أن عيسى قدرة الله وصفة من صفات الله أو جزء من ذات الله عند بعضهم. طيب، وهذا الذي أداهم إلى القول باتحاد اللاهوت بالناسوت فيما بعد.
وهكذا في تفسير ابن السائب، نعم قال: وهكذا في تفسير ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن عيسى بن مريم استقبل رهط من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء ساحر ابن ساحرة والفاعل من فعلته، فقذفوه وأمه. فلما سمع عيسى ذلك قال لهم: اللهم أنت ربي وأنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني ولم أت. وأنا من روحك خرجت، هذا موطن الشاهد، وأنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني، إذا هو خلق بالكلمة. تمام، وأنا من روحك خرجت هنا الروح سيكون بمعنى ماذا؟ جبريل عليه السلام، يعني هذا أظهر ما يظهر في السياق، قال: ولم أتيهم من تلقاء نفسي.
طيب، قال: وقد قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التريم: 12]. فهذا يوافق قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 17-19]. وهذا مبسوط في وضع آخر، والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمداً أو كذبوه فإنهم يلزمون دينهم على التقديرين، فانه كان نبياً صادقاً.
هنا يعني ممكن تفسير الآية بهذه الطريقة: ومريم عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا. هنا من روحنا ممكن يكون من روحنا من جبريل، يعني الروح هنا يريد تفسير أبي جبريل أصلاً، يعني فنفخنا فيه من أي بواسطة روحنا، من كأنه هنا بمعنى السببية فنفخنا فيه من روحنا أي من خلال جبريل. قال: وهذا الذي يتوافق مع قوله في الآية الأخرى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17]. ففي كلا الآيتين يجوز أن يفسر الروح بأنه جبريل لأن الذي نفخ في فرج مريم جبريل فهو من روحنا، نعم.
قال: والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمداً أو كذبوا في زملال مع التقديرين فإنه كان نبياً صادقاً، فقد بلغني الله في كتابه كفر النصارى في غير موضعهم إلى الإيمان به وامر بجهده. هو هذه أيضاً ملحظ آخر، أنكم إذا صدقتم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقول كيف يلزم من هذا بطلان دين النصرانية؟ أولاً إثبات الآن من سيرته هو صلى الله عليه وسلم أنه دعا النصرانية للإيمان به وقال لهم إيش؟ إذا لم تؤمنوا به أنتم كفار. وكذلك القرآن الذي جاء به، إذا صدقتم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقول، النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالقران، والقران ماذا قال عنكم؟ ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] هذا أصلاً هي موطن الشاهد، هي مشكلة ابن تيمية بدو يقرا له بغوص معه في شغلات بينسى شو أصل الفكرة.
هو نحن هسه مش نقاشنا في ثالث ثلاثة وروح منه وكلمة، لا هو يريد أن يقول لهم الفكرة القاعدة أو القاعدة العامة للكتاب: إذا قلتم أن محمد صلى الله عليه وسلم صادق في كل شيء هذا سيبطل دين النصرانية. كيف؟ إذا هو صادق في كل شيء، هو الذي قال وقرأ على الصحابة لقد كفر كفر الذين قالوا إن الله ثالث الثلاث، وأنتم يا نصارى تقولون ذلك، فإذا قلتم إنه صادق في كل شيء إذاً هو صادق في هذه الجملة، إذاً أنتم كفار.
نعم، قال: فإنه إن كان نبياً صادقاً فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان بأمر أبو جهل، فمن علم أنه نبياً ولو إلى طائفة معينة يجب تصديقه في كل ما أخبر، يعني لو قلتم إنه نبي صادق في كل ما يقول ولو إلى العرب فقط، فهو قال للعرب: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، فما دام قال ذلك للعرب فانتم يا نصارى كفار. إنه وقال للعرب: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وإن الله هو المسيح، وقد أخبر بكفر النصارى وضلاله.
وإذا ثبت هذا، قالوا: إذا ثبت هذا لم يغني عنهم الاحتياج بشيء من الكتب والمعقول، بل يعلم من حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على صحة دينهم فهو باطل، وإن لم يبين فساد حججهم على التفصيل، لأن الأنبياء لا يقولون إلا حقاً، كما أن المسيح عليه السلام لما حكم بكفر من كذبوه اليهود كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ذلك باطلاً. فكلما عرض قول النبي صلى الله عليه وسلم، كل ما عارض قول النبي المعصوم فهو باطل، كل ما عارض قول النبي المعصوم سيكون باطلاً، استدلال جميل حقيقة، نعم.
قال: وإن كذبوا محمداً تكذيباً عاماً مطلقاً وقالوا ليس هو نبي ليس نبياً أصلاً ولا أرسل إلى أحد لا إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان كذاباً كذابين، امتنع مع هذا أن يصدق أن يصدق بنبوة غيره، فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالطريقة الأولى. فإذا قالوا: علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر، قيل لهم: معجزات محمد أعظم وتواترها أبلغ، والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وموتها أفضل، وشرائع دينه أحسن، وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل، وهو صلى الله عليه وسلم قد جمع في شريعته بين العدل والفضل. فإن ساغ لقائل يقول هو مع هذا كاذب ومفتر، كان على هذا التقدير الباطل، كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك، فيبطل بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم جميع ما معه من النبوة، إذ حكم أحد الشيء حكم مثله.
فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة لكم لم تثبت نبوته، إذاً أولى أن تكون عيسى وموسى لم تثبت نبوته لأن هذا نظير هذا، فكيف بما هو أولى من؟ نعم. قال: فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداود وسليمان كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبياً، أو أن داود وسليمان ويوشع ويحيى كانوا أنبياء والمسيح لم يكن نبياً، أو قال ما تقول سمرت أن يوشع كان نبياً ومن بعده كداود أبو سليمان والمسيح لم يكونوا أنبياء، أو قال ما يقوله اليهود أن داود أبو سليمان وأشعيا وحقوق ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء والمسيح مريم لم يكن نبياً، كان كان هذا قولاً متناقضاً معلوم البطلان، فإن الذين نفى هؤلاء فإن في الذين نفى هؤلاء عنهم النبوة أحق بالنبوة وأكمل النبوة ممن أثبتوها له.
يعني أي نبوة يوشع ولا داود وسليمان؟ أكيد داود وسليمان أظهر في النبوة من يوشع، فقس فقال: كل من أثبتتم له النبوة ونفيتموها عن غيره، من نفيتم عنه النبوة دلائله أكثر وضوحاً ممن أثبتتم النبوة، فبالتالي هذا ليس منطقاً سوياً في الاستدلال. قال: فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي المفضول ونفي النبوة عن النبي الفاضل؟ هذا لا يقوله عاقل، طيب.
قال: وصار هذا كما لو قال قائل إن زفر بن القاسم والمزني والأثر ما كانوا فقهاء، وأبو حنيفة ومالك شيخ أبو أحمد يكونون فقهاء، مع أن هؤلاء تلاميذهم. يعني اللي بيقول زفر فقيه بس أبو حنيفة مش فقيه، طيب هو مين اللي طلع زفر؟ أبو حنيفة تمام. نفس الشيء، إذا قلت مالك فابن القاسم فقيه عبد الرحمن بن القاسم فقيه بس أنه ايش مالك مش فقيه، هذا يعني إذا أثبت الفقه لابن القاسم فأولى أن تثبت الفقه لشيخه وهو مالك، وقس على ذلك المزني التلميذ الشافعي والأثرم تلميذ أحمد بن حنبل، نعم.
قال: أو قال إن الأخفش وابن الأنباري وابن المبرد والمبرد كانوا نحاة، والخليل لم يكن نحاة، أو قال والخليل وسيب طب، الخليل وسيبويه هم أساتذة النحو، إذا كان الأخفش ابن الأنباري نحوي، فمن باب أولى أن يكون الخليل الفراهيدي وسيبويه والفراء نحوياً. أو قال قال إن صاحب المالكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء، وبقراط وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء، فإن هؤلاء يعني يعتبروا أطفال بالنسبة لأبقراط هذا وجالينوس، نعم.
قال: أو قال إن كوشيرا والخارقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة وبطلميوس ونحوه لم يكن لهم علم بالهيئة. من قال إن داود وسليمان ومليخا وعموس ودانيال الأنبياء ومحمد ومحمد بن عبد الله لم يكن نبياً فتناقضه أظهر وفساد وفساد قوله أبين من هذا من هذا جميعه، بل وكذلك من قال إن موسى وعيسى رسولان والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله ومحمداً ليس برسول قران لم ينزل من الله، بطلان قوله في غاية بي الظهور والبيان لمن تدبر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء بهم قبله، وتدبر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوته هؤلاء وشرائع دينه وشرائع في دين هؤلاء. وهذه الجملة مفصلة مشروحة في غير هذا الموضع، لكن المقصود هنا التنبيه على مجامع جوابهم.
وهؤلاء لم ي وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليل واحد يدل على صدق من احتجوا به من الأنبياء، فلو نظرهم من يكذب بهؤلاء من الأنبياء كلهم من المشركين وملائكته لم يكن فيما ذكروه حجة لهم ولا حجة لهم، ولا حجة لهم أيضاً على المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء، فإن جمهور المسلمين إنما ما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بأخبار محمد أنهم أنبياء صلى الله عليه وسلم فيمتنع أن يصدق بالفرع مع القدح في الأصل الذي به علموا صدقهم.
ونحن أصلاً كيف عرفنا نبوة عيسى وموسى وأيقنا بذلك من خبر محمد صلى الله عليه وسلم؟ إحنا لم نرى معجزات عيسى وما عشناش زمن موسى حتى نعرف هذه المعجزات، وإنما عرفنا نبوتهم من خلال النص القراني، نعم. قال: وأيضاً في الطريق الذي به علمت نبوة هؤلاء بما ثبت من بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم، وكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت المعجز وأخباره بالطريقة الأولى، فامتنع أن يصدق أحد من المسلمين بنبوة واحد من هؤلاء مع تكذيبهم محمداً في كلمة مجا.
جميل، قال: فصل وأما ينبغي أن يعلم أن كثيراً من النصارى إنما يعتمدون في النبوة على بشارة الأنبياء بمن ياتي بعدهم، فيقولون المسيح عليه السلام بشرت به الأنبياء قبله بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فانه لم يبشر به نبي. وجواب وجواب هؤلاء من الوجهين أحدهم
إن يقال بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة أعظم من بشارة المسيح. وكما أن اليهود يتأولون بشارة المسيح على أنه ليس هو المسيح عيسى ابن مريم بل هو آخر ينتظرونه وفي الحقيقه أنما ينتظرون المسيح الدجال فانه الذي يتبعه اليهود ويخرج معه سبعة آلاف مطيلس من يهود أصبهان، سبعة آلاف يهودي لبس الطيلسان من يهود أصبهان.
نعم، قالت ويقتله المسلمون معه، هو حتى يقول الشجرة أو الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتهل، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت أيضا في الصحيح عن هذا يدل على أن آخر الزمان أن إيران سيكثر فيها اليهود.
ما دام سيخرج مع المسيح الدجال في آخر الزمان سبعون ألف يهودي من يهود أصبهان من جهة هذا يدل على أنه في آخر الزمان تختلف المعايير والمقاييس وتصبح إيران مليئة باليهود، فالله أعلم ماذا يعد لهذه الأمة.
نعم، قال وثبت أيضا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقية دمشق فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية» ويقتل المسيح ويقتل مسيح الهدى عيسى بن مريم مسيح الضلالة الأعور الدجال على بضع عشرة خطوة من باب اللد، ليتبين للناس أن البشر لا يكون إلها، فيقتل من يقتل من ادعي فيه أنه الله وهو بريء مما ادعي فيه، من ادعي في نفسه أنه الله وهو دجال كذاب.
فهكذا البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة وقد يتأولها بعض أهل الكتاب على غير تأويلها كما قد بسط في موضع آخر، فإن بسط الكلام في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب له موضع آخر.
الجواب الثاني: أن يقال ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه، كما أن موسى كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة. وكذلك خليل عليه السلام أرسل إلى نمرود هي بس هيك حتى نحرر العبارة السابقة، فيقتل عيسى من ادعي فيه أنه الله وهو الذي يظهر أنه وهو الضمير يعود على عيسى وهو بريء ممن ادعى فيه ما ادعى.
المسيح الدجال في نفسه مش ما هو كأنه عيسى يريد أن يقتل الشخص الذي ادعى أنه الله، وفي هذا تبرئة لعيسى من أن يقول: إنني أوافق من يقول: إنني أنا الله. مش عيسى النصارى بيقولوا عنه إنه الله، فكان عيسى لما يقتل الذي يدعي أنه الله وهو المسيح الدجال كأنه يبرئ نفسه من أن يوافق أي أحد يدعي أن عيسى هو الله، عرفت؟ هذه هي يعني طبيعة العبارة: فيقتل عيسى من ادعي فيه أنه الله وهو أي عيسى بريء ممن ادعى فيه ما ادعى هذا الرجل في نفسه. عيسى بريء مما ادعي فيه مش عيسى قيل إنه الله، عيسى بريء من هذا، فهو بريء مما ادعي فيه مثل ما ادعى هذا الرجل في نفسه المسيح الدجال أنه الله.
نعم، قال بس هي العبارة وإن كنت يعني شاعر أن النص مش محقق تماما مئة بالمئة يعني، نعم. قال الجواب الثاني: أن يقال ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه، كما أن موسى كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة. وكذلك خليل عليه السلام أرسل إلى نمرود ولم يتقدم به بشارة نبي إليه. وكذلك نوح وهود وصالح وشعيب ولوط لم يتقدم بواحد من هؤلاء بشارة إلى قومهم مع كونهم أنبياء صادقين، فإن دلائل نبوة النبي لا تنحصر في أخبار من تقدمها، بل دلائل النبوة منها المعجزات ومنها غير المعجزات كما قد بسط في موضع آخر.
إذا قضية أصلا البشارة كلها هي ليست شرطا في صدق النبوة، هي أصلا ليست البشارة شرطا في صدق النبوة أن يبشر به نبي سابق.
طيب قالوا: هؤلاء النصارى إنما مستند دينهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك هو السمع، هو دعواهم أن الكتب الإلهية جاءت بذلك ليس مستندهم فيه العقل. فإذا تبين أنهم مع تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم يمتنع أن تثبت نبوة غيرهم تمتنع استدلالهم بسمعيات، أما العقليات فإن تشبثوا ببعضها فهم معترفون بأن حجتهم فيها ضعيفة وأنها على نقيض مذهبهم أدل.
الان شوف أحكي لك نصارى شوف ابن تيمية كيف بده يطلع معهم وقول هؤلاء النصارى تعالوا زي نصارى أنتم بتقولوا بالتثليث شو مصارتكم في التثليث؟ أن الله ثلاثة مسألة عقلية ولا سمعية؟ يعني هل العقل يوجب أن يكون الله ثلاثة ولا السمع؟ يقولوا لا هي مش مسألة عقلية مسألة سمعية، يقول لهم: ممن سمعتموها؟ سيقولون: من الأنبياء اللي قبلنا. من وين أخذتموها؟ السمع يعني نقلوها عن الأنبياء قبلهم عن عيسى أو عن موسى أو شيء بغض النظر يعني.
فسنقول لهم: إذا نحن اتفقنا نحن وإياكم الآن إذا كذبتم بالنبي صلى الله عليه وسلم سواء تكذيب جزئي أو تكذيب كلي فهذا يقتضي إيش؟ أن تكذبوا بالرسائل السابقة. فإذا كذبتم بالرسائل السابقة لم يعد لكم مستند سمعي على صحة التثليث. فهمتم هو كيف يبني النقاش معهم؟ هو يبني على أفكار قاعدة: إذا ثبت أن من كذب محمد صلى الله عليه وسلم في بعض قوله أو في كل قوله فهذا من باب أولى أن يكذب جميع الأنبياء السابقين كما قررنا قبل قليل.
إذا لم يعد هناك مستند سمعي صحيح على صحة التثليث، أخلصنا إذا من هي القضية هيك بده يحكي لهم. قال وأما العقليات فقال: وأما العقليات فإن تشبثوا ببعضها فهم معترفون بأن حجتهم فيها ضعيفة وأنها على نقيض مذهبهم أدل منها على مذهبهم، أما إذا بدك تيجي تستدلوا لا ما هو التثليث تدل على الأقيسة العقلية وقول لو بدنا نجي نستخدم العقليات فان العقليات تدل على نقيض مذهب التثليث وليس عليه.
نعم، قال وسنبين ان شاء الله أن لا حجه لهم في سمع ولا عقل، بل ذلك كل حجة عليهم، وما تمثيلهم الكتاب بالوثيقة التي كتب الوفاء في ظهرها فتمثيل باطل غير مطابق، أن الإقرار بالوفاء إقرار بسقوط الدين ولا مناقضة بين ثبوت الدين أولا وسقوطها آخرا بالوفاء بل أمكن مع هذا دعواه.
طيب بس بدك نوقف شوي الله بعينك بدك تقرا الحاشية هنا. ابن تيمية تكلم بكلام من رسالة يرد على بولس الأنطاكي في قضية أثارها بولس الأنطاكي، ابن تيمية يعني يتكلم عنها باعتبار أنه هو قارئ رسالة بولس الأنطاكي، فأنت ما رح تفهم هذا النص حتى تفهم شو حكى بولس الأنطاكي في رسالته. قال ماذا قال في الحاشية عندنا في رسالة بولس الأنطاكي؟ قال: فان قال فان المسلمين إذا احتج هذا كلام مين بولس؟ قال نعم قال: فان المسلمين إذا احتججنا عليهم بما في كتابهم يقولون إذا كنتم تحتجون ببعضه فيلزمكم قبوله كله. قالوا: ليس الأمر على هذه الصورة، لأنه إذا كان لإنسان على انسان كتاب بدين، بدين مئة دينار وقد ذكر في الكتاب أنه قد وفى فأظهر.
طيب الآن ركزوا معي: إذا كان لإنسان على انسان الكتاب في وثيقة مكتوب فيها إنه أنا إبراهيم بدي من عمر مئة دينار، نعتبر في وثيقة إيش مكتوب فيها؟ أنا إبراهيم بدي من عمر مئة دينار. طيب هي الوثيقة هذا الكتاب ذكر فيه أن عمر دفع المئة دينار لإبراهيم. إذا هي الوثيقة شو مكتوب فيها يا جماعة؟ شغلتين؛ مكتوب فيها إنه إبراهيم يريد مئة دينار من عمر ومكتوب شوف فيها جملة أخرى ما هي؟ إنه عمر وفى هي المئة دينار لإبراهيم دفعها.
طيب الآن لاحظوا ماذا سياسة قال: وقد ذكر في الكتاب أنه قد وفى فأظهر صاحب الكتاب وطالب المديون بالمئة دينار. فالآن أنا طلعت هذه الوثيقة وقلت لشيخ عبد الرحمن: هي مكتوب فيها إنه إبراهيم بده من عمر مئة دينار. أنت شو رح تقول لي؟ بس ما هو شيخ مكتوب فيها برضه تحت إنه عمر دفع المئة دينار. بصير أنا كإبراهيم أرفع الوثيقة وأقول: أنا بدي من عمر مئة دينار بدليل هي الوثيقة؟ ماشي صح مكتوب فيها إنه أنت بدك من عمر مئة دينار، بس هي نفسها نفس الوثيقة مكتوب فيها إنه سددتها.
يقول: فإذا أظهر صاحب الدين هذا الكتاب، هي الوثيقة، وطالب المديون بالمئة دينار أَيَجوز إذا احتج المديون بما في الكتاب من أنه قد وفى أن يقول له صاحب الدين: كما تقبل هذا اقبل المئة دينار واديها؟ يعني الآن مش أنا رفعت الوثيقة وقلت فيها مكتوب مئة دينار؟ إذا المديون اللي هو عمر اللي عليه الدين حكى: يا جماعة ترى مكتوب فيها إنه أنا وفيت. فهل بطلع لي أنا كصاحب دين أحكي يا الشيخ عمر زي ما أنت مكتوب فيها أنك وفيت ترى مكتوب فيها إنه أنا بدي منك مئة دينار؟ فاذا أنت صدقت بالجمله الثانية وهي انك وفيت بالمئة دينار صدق بالجملة الأولى أنه أنا بدي منك مئة دينار.
فالان إيش هو يقول؟ فأظهر صاحب الدين الكتاب وطالب المديون بالمئة، أَيَجوز إذا احتج المديون؟ المديون هنا في مثالنا مين؟ عمر. أَيَجوز إذا احتج المديون بما في الكتاب من أنه مكتوب فيه قد وفى أن بصير وعي يجي صاحب الدين يقول له: كما تقبل هذا يعني كما قبلت هذه الجملة أنك وفيت بالمئة دينار، اقبل المئة دينار اللي هي الجملة الأولى أن إبراهيم يريد من عمر مئة دينار وادينيها.
كلا، بل يدفع عنه المئة دينار التي في الكتاب. شو اللي بخلّي عمر يعني هل هذا منطق في الاستدلال أنه أنا إبراهيم أجي أحكي يا شيخ عمر زي ما أنت صدقت بالجملة الثانية أنك دفعت يا اخي صدق بالجملة الأولى أنه أنا بدي منك مئة دينار وادفع لي اياها، تقول لي ما هو تصديقي بالجملة الثانية يسقط عن الجملة الأولى؟
فهل يجوز لصاحب الدين أن يقول لعمر اللي أنا بصير كما صدقت أنك دفعت المئة دينار صدق بالجملة الأولى أنه بدي منك مئة دينار ويدفع لي اياها مرة؟ رح تقول لي: ما هي يا شيخ الجملة الثانية خلصت الجملة الأولى. فيقول: كلا، هذا غير مقبول، غير مقبول لصاحب الدين أن يطرح هذا الأسلوب في الطرح، كلا بل يدفع عن هذا المديون المئة دينار التي في الكتاب. شو اللي بيدفع عن عمر دفع المئة دينار التي في الكتاب؟ اللي هي تثبتها الجملة الأولى.
ما في الكتاب من الجملة الثانية أنه دفع المئة دينار الذي يدفع عن عمر المئة دينار الوارد أن إبراهيم يستحقها من عمر ما ورد في الكتاب أيضا من أن عمر قد وفى المئة دينار الذي يدفع عنك الجملة الأولى الجملة الثانية، هذا اللي بيخليك تقول لي أنا ما رح أدفع بدليل أنه حتى في نفس الكتاب أنه أنا قد دفعت لك.
قال: وكذلك أي شيء قيل عنا واحتج به علينا من هذا الكتاب دفعناه من نفس هذا الكتاب بما نجد فيه من الحجج لنا. فهمتوا شو فكرة بولس؟ واضح أن هذا الرجل عقله ساعده كثير تمام، أن يعني يعني أنت فاهم هو إيش بده يوصل للنهاية أنه إذا أنتم احتجيتوا علينا بايات من القرآن نحن رح نحتج على أنه ليس مرسل إلينا بايات من نفس القرآن.
فهو بولس الأنطاكي شو بيحكي لنا؟ بيحكي لنا أنتم زي رجل هي هي قصه الدين اللي حكيناهم أنتم زي رجل بده يطالب شخص بدين يقول له: عليك دين. ها شوف الجملة الأولى: أنا بدي منك مئة دينار، فبيدي أجي شخص بيقول له: طب ما هو الجملة الثانية بتحكي إنه أنا إيش؟ وفيت المئة دينار، ليش بدك إياني أخذ بالجملة الأولى وما أخذ في الجملة الثانية؟ ونفس الشيء أنتم يا مسلمين إذا أنتم تحتجوا علينا بايات أن محمد صلى الله عليه وسلم مرسل أنا بحتج عليكم بايات من نفس كتابكم تبطل المضمون السابق وتؤكد أنه ليس مرسل إلينا. هيك منطق بولس الأنطاكي في الاستدلال.
فالان ابن تيمية بده يرد عليه، والان هذا كلام بولس. الآن ابن تيمية بده يرد قال: وأما تمثيلهم الكتاب، ها الآن نرجع لكلام ابن تيمية فوق آه قال: وأما تمثيلهم الكتاب بالوثيقة التي كتب الوفاء في ظهرها فتمثيل باطل غير مطابق. قال: وأما تمثيل بولس الأنطاكي الكتاب، الكتاب اللي هو القرآن، واما تمثيله بولس الأنطاكي شبه القرآن بالوثيقة واما تمثيلهم الكتاب اللي هو القرآن بالوثيقة التي كتب على ظهرها أن عمر وفى إبراهيم، فهمتوا الآن هو كيف غوس قياس بولس الأنطاكي القرآن والتعامل معه على الوثيقة التي كتب على ظهرها الوفاء؟ فتمثيل باطل غير مطابق، يعني هذا تمثيل مع الفارق الفاضح.
لماذا؟ قال: إن الإقرار بالوفاء إقرار بسقوط الدين. نعم، لأن الجملة الثانية الإقرار بالوفاء هي مسقطة للجملة الأولى أن إبراهيم يطالب عمر بدين، الجملة الثانية مسقطة للجملة الأولى باتفاق العقلاء. طيب قال: ولا مناقضة بين ثبوت الدين أولا وسقوطها آخرا بالوفاء. واضح صح؟ قال بل أمكن مع هذا دعواه.
نعم، واما من يذكر أنه رسول الله فلا يمكن أن يقر بأنه رسول الله في بعض ما أنبأ به عن الله دون بعض، ولا يمكن اتباع بعض كتابه الذي ذكر أنه منزل من عند الله دون بعض. واما من يذكر أنه رسول الله فلا يمكن أن يقر بأنه رسول الله في بعض ما أنبأ به عن الله دون بعض، يعني واما من يذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول مرسل من الله أنت بولس.
الانطاكي أليس بتقول إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مرسل من الله للعرب؟ إذا ذكرتَ أنه صلى الله عليه وسلم مرسل من الله، فلا يمكن يا بولس أن تقر بأنه رسول من الله في بعض ما أنبأ به عن الله وفي بعض نصوص القرآن، وليس مصدقًا وليس رسولًا في القسم الآخر.
فلا يمكن أن يُقر بأنه رسول الله في بعض ما به دون بعض، ولا يمكن اتباع بعض كتابه الذي ذكر أنه منزل دون بعض. يعني أي علاقة أنه والله إذا احتجنا عليك بالقرآن، أنت تروح تحتج علينا بالقرآن بمسألة الدين التي ذكرتها؟ إذا مسألة الدين التي ذكرتها، الجملة الثانية تبطل الجملة الأولى. أما في القرآن، ما في جملة ثانية في القرآن تبطل جملة أولى، فأنت اللي بتعمله يا بولس هي الانتقائية، هو أنت فعليًا تنتقي من القرآن ما تتوهم أنه يخدمك، وتكذب بما تتوقع أنه ضدك.
أما قضية الوثيقة مختلفة تمامًا، في عندي نص واضح أن الجملة الثانية تبطل الجملة الأولى، فالقياس جدا ضعيف، ويعطيك قضية أنه سبحان الله أن هذا الرجل أهل الباطل دائمًا أقيستهم وأفكارهم وطريقة تحليلهم للأمور ركيكة؛ يعني يمكن أن يرد عليها طالب علم حتى متوسط بمثل هذا الكلام.
نعم، قال: فانه إن كان صادقًا في قوله إنه رسول الله، كان معصومًا في كل ما يخبر به عن الله، لا يجوز لا يجوز أن يكذب في شيء منه، لا عمدًا ولا خطأ، وجب اتباع الكتاب الذي جاء به من عند الله، ولم يكن ولم يمكن رد شيء مما ذكر أنه جاء به من الله. وإن كان كاذبًا في كلمة واحدة مما أخبر به عن الله، فهو من الكاذبين المفترين، فلا يجوز أن يحتج بشيء من دينهم ولا دين غيرهم بمجرد إخباره عن الله، بل ولا بمجرد خبره وقوله، وإن لم يذكر خبر أهل الله، كما لا يجوز مثل ذلك في سائر من عرف أنه كاذب في قوله إنه رسول الله، كمسيلمة الحنفي، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباب الرومي، وأمثاله من الكذابين.
والواحد من المسلمين، وإن كان الله لا يؤاخذه بالنسيان والخطأ، بل والرسول أيضًا، وإن لم يكن مؤاخذًا بالنسيان والخطأ في غير ما يبلغه عن الله عند السلف الأئمة وجمهور المسلمين، لكن ما يبلغه عن الله لا يجوز أن يستقر في خطأ؛ فانه لو جاز أن يبلغ عن الله ما لم يقله الله ويستقر ذلك ويأخذه الناس عنه معتقدين أن الله قاله ولم يقله الله، كان هذا مناقضًا لمقصود الرسالة، ولم يكن رسول الله في ذلك، بل كان كاذبًا في ذلك، وإن لم يتعمده.
وإذا بلغ عن الله ما لم يقله وصدق في ذلك، كان قد صدق من قال على الله بغير حق ومن تقول عليه لم يقله، وإن لم يكن متعمدا، امتنع في مثل هذا أن يصدقه الله في كل ما يخبر به عنه، أو أن يقيم له من الآيات والبراهين ما يدل على صدقه في كل ما يخبر به عنه، مع أن الأمر ليس كذلك. ومن قامت البراهين والايات على صدقه فيما يبلغه عن الله، كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب لا عمدًا ولا خطأ؛ هذا مما اتفق عليه جميع الناس من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر في خبره عن الله خطأ.
يعني هذه قاعدة من قواعد النبوات: أن الله سبحانه وتعالى ما دام أيد رسولًا من رسله بالمعجزات ليثبت صدقه، فهذا الرسول يجب أن يكون صادقًا في أي معلومة ينسبها إلى الله، فلا يمكن أن يخطئ في معلومة ينسبها إلى الله لا عمدًا ولا سهوًا. ممكن يسهو في حياته الشخصية هذا الرسول، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم سهى في الصلاة، لكن أن يسهو في معلومة يخبر بها عن الله، فهذا يتنافى مع فكرة النبوة والعصمة فيها.
نعم، قالوا: إنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط ما يستدركه ويبينه، فلا ينافي مقصود الرسالة، كما نقل ما ذكر تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتها لترتجى؟ يعني بتعرف الخلاف مثلًا: النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له أن يشتهد في مسألة شرعية ثم الله يصوبه إذا أخطأ مثلًا. أو ما حصل في مسألة تلك الغرانيق العلى لما قرأ سورة النجم، فقيل إنه جاء لسانه بالخطأ فقرأ: تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتها لترتجى.
نعم، قال: هذا فيه قولان للناس، منهم من منع ذلك أيضًا وطعن في وقوع ذلك، ومنها من قال إنهم سمعوا ما لم يقله. فمنهم من منع حتى مثل هذه الأخطاء أن تقع أثناء مثلا تبليغه لسورة يقرأ آية ليست مقصودة، لذلك حديث تلك الغرانيق العلى ضعفه كثير وجمهور أهل العلم. نعم، قالوا من هؤلاء من قال إنهم سمعوا ما لم يقله، فكان الخطا في سمعهم والشيطان ألقى في سمعه. ومن جوز ذلك -اللي صحح حديث تلك الغرانيق العلى- يقول: الخطأ لم يقع في كلامه صلى الله عليه وسلم، وإنما الخطأ وقع في ماذا؟ في سمع كفار قريش للاية، وأن الشيطان هو الذي ألقى في آذانهم مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأصنام؛ لأن ما هي الغرانيق؟ هي أصنامهم وآلهتهم.
فيقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مدح أصنامنا وهو يقرأ سورة النجم، إنه قال في أصنامنا: تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتها لترتجى. فهل هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم خطأ مما ألقاه الشيطان أثناء قراءته، أم أنه مما ألقي في أسماع المشركين ولم يقله النبي عليه الصلاه والسلام؟ لذلك قال: ومن جوز ذلك. نعم، قال من جوز ذلك: إذا حصل البيان ونسخ ما ألقى الشيطان، لم يكن في ذلك محذور، وكان ذلك دليلا على صدقه وأمانته وديانته، وأنه غير متبع لهواه.
وبعض العلماء جوز أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تكون صدرت منه هذه العبارة، وكانت مما ألقاها الشيطان، لكن مباشرة يتم تعديلها ومحوها، وتكون هي نوع من الفتنة والاختبار للبشر. إذا بعض العلماء جوز أن يقع مثل ذلك وأن يكون الشيطان ألقى في أمنية صلى الله عليه وسلم -الأمنية يعني القراءة- هذه الآية أو هذا -عفوًا- هذه الجمله، ثم الله عز وجل نسخ ذلك أي نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأمره أن ينبه الناس، وكان ذلك دليلاً على صدقه وأمانته وديانته، وأنه غير متبع لهواه ولا مصرًّا على كلمة صدرت منه على غير وجه الحق، كفعل طالب الرئاسة المصرّ على خطئه.
مما يؤكد أن النبي نبي، أنه إذا وقع سهو في كلامه وتبليغه عن الله، مباشرة بيعدل وبيقول للناس: أنا أخطأت وليس هذا هو الصواب، وقد جاءني الله بالصواب الآن. اعترافه تأكيد على نبوته وليست ضد نبوته، هذا طبعا إذا صححنا قضية الغرانيق العلى أصلاً. نعم، قال: وإذا كان نسخ ما جزم بان الله أنزله لا محذور فيه، فنسخ مثل هذا أولى أن لا يكون فيه محذور، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مَّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 52-54].
وعلى كل قول فالناس متفقون -يعني وإذا كان نسخ الآيات التي نجزم بأن الله أنزلها لا محذور فيه، مش إحنا في آيات كثير منسوخة؟ فإذا الآيات التي نجزم بأن الله أنزلها يجوز فيها النسخ، فالنصوص التي نجزم بأنها وقعت في كلامه صلى الله عليه وسلم سهوًا أولى أن يجذب بإمكانية النسخ فيها- هذا إن جوزنا وقوع تلك الحالة أصلاً.
وعلى كل قول فالناس متفقون على أن من أرسله الله وأقام الآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله، لم يكن ما يبلغه عنه إلا حقًا، وإلا كانت الآيات الدالة على صدقه دلت على صدق من ليس بصادق، وبطلان مدلول الأدلة اليقينية ممتنع. وبطلان مدلول الأدلة اليقينية اللي هي معجزات الانبياء هنا تدل على صدق النبي في كل ما يخبر به، فاذا كان لن يخبر بصدق عليه الصلاة والسلام فأبطلنا دلالة الأدلة اليقينية، وهذا ممتنع؛ فالليل اليقيني مدلوله لا يجوز أن يبطل.
نعم، قال: وصدق الذي هو مدلول آيات الأنبياء وبراهينهم هو أن يكون خبره عن الله -وآيات الأنبياء اللي هي معجزاتهم ما مدلولها؟ صدق الأنبياء- وهو أن يكون خبره عن الله يجب أن يكون مطابقًا للواقع لا يخالفه عمدًا ولا خطأ.
طيب، ولو قال قائل: أنا لا أسمى الخطا كاذبًا، أو قال إن المخطئ لا إثم عليه في خطئه، قيل له: هذا لا ينفع هنا، فإن الآيات دلت على أن الله أرسله ليبلغ عنه رسالاته، والله لا يرسل من يعلم أنه يخبر عنه بخلاف ما قال له، كما لا يجوز ارسال من يتعمد عليه الكذب، بل واحد من الناس لا يرسل من يعلم أنه يبلغ خلاف ما أرسله به، ولو علم أنه يقول عليه ما لم يقل وأرسله مع ذلك، لكان جاهلًا سفيهًا ليس بعالم حكيم. فكيف يجوز ذلك على علم العالمين وأحكم الحاكمين، سواء بالخطا أو بالعمد؟ يعني كيف يمكن في حكمة الله أن يرسل رسولاً وهو يعرف أن هذا الرسول والله بطبيعته بيغلط؟ تصور، هل من حكمة الله أن يرسل رسولاً وهو يعرف أن هذا الرسول والله من طبيعته ما بتعمد الكذب بس كثير الخطا والسهو في التبليغ عنه؟ أي أنت نفسك -أنت نفسك كإنسان مش رسول، نحن كبشر إذا بدي أوصل رسالة لشخص، أو بنتقي اللي بيعرف يوصل الرسالة وما بيغير فيها- فما بالك الإله سبحانه بعظمته وجلاله يريد أن يصلح للبشر دينهم ودنياهم، معقول يرسل رسولاً يتصور منه الخطا والسهو ألا يبلغ الرسالة كما هي؟ حاشاه سبحانه وتعالى.
وايضا فان الآيات والبراهين دلت على صدقه في كل ما يبلغه عن الله، وأن الله مصدقه في كل ما يبلغه عنه، فيمتنع أن لا يكون صادقًا في شيء من ذلك، ويمتنع أن يصدق الله في كل ذلك من لا يصدق في كل ذلك، فإن تصديق من لا يصدق كذب، والكذب ممتنع على الله.
وإذا تبين أن من ذكر أنه رسول الله إما أن يكون رسولاً صادقًا في جميع ما يبلغه -فيتمتنع مع هذا تناقض أخبار أنها كلها صادقة- وإما أن يكون غير صادق ولو في كلمة فلا يكون رسولاً لله، فلا يحتج بشيء مما يخبر به عن الله. كان تمثيل من ذكر أنه رسول الله بالمقر باستيفاء وثيقته تمثيلًا باطلًا، فإن صاحب الوثيقه الذي اقر بوفائها بعد كانت له حجه ثم استوفاها، ومن ذكر أنه رسول الله إما صادق إما كاذب، وعلى التقديرين لا يجوز أن يحتج بعض كلامه دون بعض.
وإذا قال القائل: مقصودي أُبين أنه متناقض، وأن نفس كلامه يبين أنه لم يرسل إلينا وأن ديننا حق، كما أن نفس كلام الذي كان حقًا هو المقر بالوفاء -قيل: إن كان كلامه متناقضًا فليس برسول، وحينئذ فلا يجوز- إذا قال بولس الانطاكي: أنا قصدي أن أثبت أن كلامه في القرآن متناقض، لأنه أحيانًا يقول إنه مرسل للعرب وأحيانًا يقول إنه مرسل للجميع.
وإذا قال القائل: المقصود أن يبين أنه صلى الله عليه وسلم -وحاشاه- متناقض، وأن نفس كلامه يبين أنه لم يرسل إلينا وأن ديننا حق، كما أن نفس كلام الذي كان له الحق هو المقر بالوفاء... يعني الذي يطالب بالدين هو نفسه مقر بالوفاء، فبالتالي هذا تناقض، يعني كيف أقول لك: أنا بقول لك ادفع لي هذا الدين مع أني أنا بقول إنك أنت سديت الدين؟ أليس هذا تناقض؟ فكذلك يريد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم تناقض، هيك بده يحكي بولس الانطاكي.
فإن قال قائل: إن أنا أريد أن أثبت تناقض النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن، أنه أحيانًا يقول شيئًا وأحيانًا يقول نقيضه، كما أن صاحب الوثيقة اللي هو أصلاً كاتب أنه فلان سدّ الدين عم يطالب بالدين! طيب كيف أنت بتطالب بالدين؟
وأنت مقر أنه سد الدين، مش هذا تناقض؟ فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام متناقض في الرسالة، بمعنى هذا الكلام هذا الذي يريد أن يقوله بولس -وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك-. قيل إن كان كلامه متناقضاً فليس برسول، وقيل إن كان كلامه متناقضاً إذاً هذا لا يصلح أن يكون رسولاً.
نعم، قال: وحينئذ فلا يجوز لك أن تحتج بشيء مما بلغه عن الله. بخلاف المقر بالوفاء، فإن إقراره مقبول على نفسه، فانه شاهد على نفسه بالوفاء، إقراره وشهادة المقر على نفسه مقبولة ولو كان كافراً أو فاسقاً، بخلاف شهادته على الله أن الله أرسله، إذا كذب في كلمة واحدة لم يكن الله أرسله، فلا يقبل شيء من خبره عن الله. فمن شبه إقرار المقر على نفسه بقول الذي يقول إنه رسول الله، دل ذلك على غاية جهله بالقياس والاعتبار والتمثيل. فإن إقرار المقر على نفسه حجة عليه ولو كان فاسقاً معروفاً بالكذب، ليس هو مثل شهادة الإنسان على غيره.
نعم، في فرق هائل بين صاحب الوثيقة وبين الرسول، أن صاحب الوثيقة هو في النهاية يقر على مين؟ على نفسه. أنت لما مكتوب في الوثيقة أنت كاتب أنه فلان سدك، أنت هون تقر على مين؟ على نفسك، أنه فلان سدك، مش هيك مكتوب؟ أنت فقط تقر على نفسك. فإذا رجعت طالبت بالدين أنت متناقض، لكنك فقط الإقرار هو إقرار على نفسك على خاصتك. بخلاف الرسول، فإن الرسول إذا كان متناقضاً فهو ليس متناقضاً في إقرار يعود على نفسه، هو متناقض في شيء يخبر به عن غيره، وهذا مختلف تماماً من حيث البعد والأثار.
يقول: فمن شبه إقرار المقر على نفسه بقول الذي يقول إنه رسول الله، دل ذلك على غاية جهله بطرق القياس. فإن إقرار المقر على نفسه هو حجة عليه، أنا إن أقررت ولو كان المقر فاسقاً معروفاً بالكذب، لو كان المقر رجلاً معروفاً بالكذب، في النهاية أقر على نفسه بحق هو في النهاية حجة عليه. قال: ليس هو مثل شهادة الإنسان على غيره، فإن شهادته على غيره لا تقبل إذا كان ماذا؟ معروفاً بالكذب. إقرار الإنسان على نفسه يقبل ولو كان معروفاً بالكذب، فلو الشخص راح عند القاضي وقال: يا قاضي ترى أنا علي مئة دينار، حتى لو كان معروفاً بالكذب عند الناس، إقرارك على نفسك يلزمك أمام القضاء حتى لو كنت، لكن إذا شهدت على غيرك بشيء تريد أن تثبت على غيرك شيئاً، هذا لا نقبله إذا كنت.
فقال: كذلك قياس صاحب الوثيقة على الرسول. نعم قال: فكيف بمن شهد على الله لأن الله أرسله؟ هي المشكلة أنه إذا كان الرسول -أي رسول يدعي- لو كان هذا الرسول غير صادق، هو لا يقر على نفسه، هو يشهد على الله بأنه أرسله، يشهد على الله بأنه أرسله، فمثل هذا لا يقبل. بخلاف المقر على نفسه بشيء فحتى لو كان هو فاسقاً أو كاذباً، يقبل إقراره على نفسه، فكيف تقيس هذه الحالة على هذه الحالة؟ فالمقر على نفسه يمكن قبول إقراره على نفسه ولا يقبل دعواه على غيره، وكذلك الشاهد قد تقبل شهادته فيما ليس هو خصماً فيه ولا تقبل شهادته على شيء هو الدعاة.
نعم قال: أما من يقول إنه رسول الله فلا يمكن أن يصدق في بعض ما يخبر به عن الله وكذب في بعض، بل إن كان كاذباً في كلمة واحدة فليس هو رسول الله، فلا يحتج بكلامه، وإن قدر أن الكلام في نفسه صدق، لكن نسبته إلى الله أن الله أرسله به وأوحاه، لا يكون صادقاً فيه. إن كذب في كلمة واحدة فإن الله لا يرسل كاذباً، وإن لم يكن كاذباً في كلمة واحدة وجب تصديقه في كل ما يخبر به، فلا يمكن تصديقه في بعض ما يخبر به عن إله دون بعض، بخلاف المقر والشاهد. وإن كان المقصودان بيان تناقضه، كان هذا احتجاجاً على أنه ليس برسول، فلا ينفعهم ذلك مع أنه تبين أنه ليس بمتناقض، وإن كان المقصود إلزام المسلمين به، فقد بينا أنه لا يلزمهم من وجوه متعددة، فهذا بيان أنهم لا يجوز لهم الاحتجاج بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم سواء صدقوه أو كذبوه.
ثم يقال لهم ثانية في الجواب عن التمثيل بالوثيقة: إن الاقرار بالاستيفاء يناقض استيفاء الحق، وأما القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في إخباره بأنه أرسل إلى قريش ثم إلى العرب، ما يناقض إخباره بأنه أرسل إلى جميع الناس أهل الكتاب وغيرهم ابتداءً، يعني وهذا أسهل.
نعم قال: كما أنه ليس في إخباره أنه أرسل إلى بني إسرائيل ومخاطبة الله لهم بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما يمنع أن يكون مرسلاً إلى اليهود من غير بني إسرائيل وإلى النصارى والمشركين، هو لم يقل قط: إنما أرسلت إلا إلى العرب، ولا قال ما يدل على هذا، بل ثبت عنه بالنقل المتواتر أنه قال إنه مرسل إلى جميع الجن والانس، إلى أهل الكتاب وغيرهم، ولو قدر أنه قال: إنه لم يرسل إلا إلى العرب ثم قال: إني أرسلت إلى أهل الكتاب، لكان قد أرسل إلى أهل الكتاب بعد إرساله العرب.
كما قال: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: 173]. فمن بعد هذا حرم الله أشياء، فلم يكن بين نفي تحريمها في الزمن الأول واثبات تحريمها في الزمن الثاني منافاة، ولكن يعني يقول لك لو فرضنا أنه استعمل أسلوب الحصر ابتداء فقال: إنما أنا مرسل إلى العرب فقط أو أنا لست مرسلاً إلا إلى العرب، هل هذا يمنع ما بعد ذلك أن ينسخ ذلك ويبين أنه مرسل إلى الجميع؟ طب ما هو سبحانه وتعالى قال لنبيه: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] فاستعمل أسلوب الحصر، وظاهر أسلوب الحصر أنه لم يحرم إلا هذه الأمور المحصورة، ثم بعد ذلك جاءت أمور أخرى حرمها الإسلام فيما بعد، فهذا استعمال الحصر ابتداء منع من إمكانية زيادة الأمور المحرمة لا.
فيقول جدلا جدلا: لو قلنا أنه قال ابتداء إنه ليس مرسلاً إلا إلى العرب، هذا الحصر ابتداء لا يمنع أن يعدل عن هذه المعلومة ويخبر أن الله عاد فأرسلني إلى الجميع، هذا كله ليس ممتنعاً. نعم قال: ولكن نظير الدين الذي إذا أوجب شيئاً ثم نسخ إيجابه كما نسخ إيجاب الصدقة بين يدي النجوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12] بعدين نسخ، صححتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فهنا نعم. نقول: النص الثاني هو إبطال للحكم أو نسخ للحكم المأخوذ من النص الأول، هذه وثيقة الدين التي تحكي عنها يا بولس، أن النص الثاني وهو أنني استوفيت حقي هو نسخ للجملة الأولى، وهو أنك تطالب عمر بالدين، هذا القياس الصحيح. أما أنه قال إنه مرسل إلى العرب ثم قال إنه مرسل إلى الجميع، فهذا لا تعارض بين الجملة الأولى والثانية حتى تنصب الخلافة بينهما.
نعم قال: في مثل هذا يتمسك بالنص الناسخ دون المنسوخ، كما يتمسك بالإقرار بالوفاء الناسخ للإقرار. كما أنك تتمسك بالإقرار بالوفاء الناسخ للإقرار بالدين.
نعم قال فصل: وقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يحتج بشيء من القرآن وما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم إلا مع التصديق برسالته، وأنه مع التكذيب برسالته لا يمكن الإقرار بنبوة غيره، ولا نحتج بشيء من كلام الأنبياء. فتكذيبهم به يستلزم تكذيبهم لغيره، وتكذيبهم بغيره، فاذا ثبتت نبوة غيره ثبتت نبوته، وذلك يستلزم بطلان دينهم، فكان صحة دليلهم يستلزم بطلان المدلول، وفساد المدلول يستلزم فساد الدليل، فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه، واذا تحقق الملزوم تحقق اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل، فإن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح. فإن كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بطلان دينهم، وإذا بطل دينهم لم يجوز أن يقوم دليل صحيح على صحته، وإذا لم يكن رسول الله لم يجوز الاستدلال بقوله. فثبت أن استدلالهم بقوله باطل على التقديرين.
ونحن نذكر هنا أنه لا يجوز استدلالهم بقول أحد من الأنبياء أو الرسل على صحة دينهم. وأيضاً فإن الذين احتجوا بقولهم مثل موسى وداود والمسيح وغيرهم، إما أن يكونوا عرفوا أنهم أنبياء بدليل على نبوتهم كالاستدلال بآياتهم وبراهينهم التي تسمى من المعجزات، وإما أن يكونوا قد اعتقدوا بذلك بلا علم ولا دليل، وإما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلمون نبوة هؤلاء، وعلى كل تقدير لا يصح استدلالهم بقولهم.
أما على الأول فلأنه أي طريق ثبتت بها نبوة واحدة من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، فإنه تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها وأعظم. هذا مر معنا: إذا استدللتم بنبوة هؤلاء الأنبياء بالمعجزات والبراهين، فمحمد صلى الله عليه وسلم أعظم من أعطي المعجزات والبراهين. طيب قالوا حينئذ، فإن لم يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمع أن كل دليل يدل على نبوة موسى وداود وعيسى وغيرهم يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لزم أن يكونوا قد نقضوا دليلهم فجعلوه قائماً مع انتفاء مدلوله، وإذا انتقض الدليل بطلت دلالته، فانه إنما يدل إذا كان مستلزماً للمدلول، فإذا كان تارة يوجد مع المدلول وتاره لا يوجد، لم يكن مستلزماً له، فلا يكون دليلاً.
الدليل لازم دائماً يكون معه مدلوله، الدليل يستلزم مدلوله، فإذا وجد الدليل ولم يوجد مدلوله، إذاً هذا ما عاد دليلاً. تمام، فبالتالي المعجزات هي دليل تستلزم مدلولها وهو صدق صاحبها، فإذا كانت المعجزات في حق موسى وعيسى دليلاً ووجد مدلولها ثم كانت موجودة بأعلى منها في حق محمد صلى الله عليه وسلم ولم يوجد مدلولها في ظنكم، إنه بالتالي إذا صار دليل المعجزات ليس دليلاً، لأن الدليل دائماً يجب أن يوجد معه ماذا؟ المدلول.
نعم قال: فإن من جعل المعجزات دليلاً على نبوة نبي وقال: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة ونحو ذلك مما يذكر في هذا المقام، وجعلوا ذلك دليلاً على نبوة موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، قيل له: إن كان هذا دليلاً، فهو دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن دليلاً، لم يكن دليلاً على نبوة موسى وعيسى، فانه قد ثبت عن محمد من المعجزات ما لم يثبت مثله عن غيره، ونقل معجزاته متواتر أعظم من نقل معجزة عيسى وغيره، فيمتنع التصديق بآياته مع التكذيب بآيات محمد صلى الله عليه وسلم، التصديق بآيات عيسى مع التكذيب بآيات محمد صلى الله عليه وسلم.
طيب قال إن قالوا: معجزات محمد صلى الله عليه وسلم لم تتواتر عندنا. قيل: ليس من شرط التواتر أن يتواتر عند طائفة معينة، بل هذا كما يقول المشركون والمجوس وغيرهم: لم تتواتر عندنا معجزات موسى والمسيح عليهم السلام، وإنما تتواتر أخبار كل إنسان عند من رأى المشاهدين له أو رأى من راهم وهلم جراً. ومعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين ودي قاعدة أن التواتر نسبي، يعني قد يكون الخبر متواتراً بالنسبة لي ومش متواتراً بالنسبة لك، كون مش متواتراً بالنسبة لك أنت لعوامل، لا يعني أنه مش متواتر بالنسبة لنا.
نعم قال: ومعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين رأوه ونقلوا معجزاته أضعاف أضعاف أصحاب المسيح عليه السلام، والتابعون الذين نقلوا ذلك عن الصحابة كذلك، فيلزم التصديق بمعجزات المسيح عليه السلام التصديق بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم، ومن التكذيب بمعجزات محمد التكذيب بمعجزات المسيح.
وإن قالوا: عرفت نبوة المسيح ببشارات الأنبياء قبله. قيل: وفي الكتب المتقدمة من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل ما فيها من البشارات بالمسيح وأكثر، كما سيأتي بعضها إن شاء الله. وإن تاولوا تلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يمنع دلالتها، قيل لهم: اليهود يتاولون بشارات المسيح بما يمنع دلالتها على المسيح، فإذا قالوا: تلك التأويلات باطله من وجوه معروفة، بين لهم أن هذه باطلة أيضاً بمثل تلك الوجوه وأقوى. فما من جنس من الأدلة يدل على نبوة موسى والمسيح إلا ودلالته على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأكثر، فيلزم من ثبوت نبوة موسى والمسيح ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الطعن في نبوة موسى والمسيح. وإن قالوا: إن المسيح إله، قيل لهم: ثبوت كونه إلهاً لو كان ممكناً، أبعد من ثبوت كونه رسولاً، فكيف إذا كان ممتنَعاً؟ وذلك.
إنه ليس معهم ما يدل على إهيته إلا ما ينقلونه من أقوال الأنبياء والخوارق، والخوارق لا تدل على الإلهية؛ فإن الأنبياء ما زالوا يأتون بالآيات خوارق العادة ولم تدل على إلهية أحد منهم. وأما أقوال الأنبياء عليهم السلام فلا ريب أن دلالتها على رسالته ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر من دلالتها على إلهية المسيح، فيمتنع الاحتجاج بها على إلهية المسيح دون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالة المسيح.
متى ثبت أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلت إلهية المسيح؛ فانه كفر من قال إنه الله ابن الله، بل وكذلك متى ثبت أن المسيح رسول الله بطل كونه إلهاً؛ فإن كونه هو الله مع كونه رسول الله متناقض. وقولهم إنه إله بلاهوته ورسول بنسوته كلام باطل من وجوه؛ منها: أن الذي كان يكلم الناس، وقولهم إن عيسى إله من جانبه اللاهوتي وعيسى رسول من جانبه الناسوتي الذي هو البشري، فهذا كلام أيضاً باطل من وجوه؛ لا يمكن عيسى أن يلعب الدورين؛ يعني يلعب دور الإله أحياناً ويلعب دور الرسول كما يقولون أحياناً.
قال منها: إن الذي كان يكلم الناس أن يكون هو الله أو هو رسول الله؛ فإن كان هو الله بطل كونه رسول الله، وإن كان رسول الله بطل كونه هو الله، ولهذا لما كان الذي كلم موسى عليه السلام من الشجرة هو الله، لم تنطق الكتب بأنه رسول الله، وهو وارد بأي وجه فسر الاتحاد؛ فانه من المعلوم أن الناس كانوا يسمعون لما موسى كان عند الشجرة كلمه الله، فلم يقل أحد إن الذي كلمه رسول الله.
قال: فانه من المعلوم أن الناس كانوا يسمعون من المسيح كلاماً بصوته المعروف، وصوته لم يختلف ولا حاله عند الكلام تغيرت، كما يختلف صوت الإنسان وحاله عند الكلام إذا حل فيه الجني وإذا فارقه الجني؛ الجني إذا تكلم على لسان مصروعي ظهر فرق بين ذلك ومصروع وبين غيره من الناس، بل اختلف حال المصروع وحال كلامه، وسمع منه من الكلام ما يعلم يقيناً أنه لا يعرفه، وغاب عقله بحيث يظهر ذلك للحاضرين، واختلف صوته ونغمته، فكيف بمن يكون رب العالمين هو الحال فيه المتحد به المتكلم بكلامه؟! إنه لابد أن يكون بين الكلام وصوته وكلام سائر البشر وصوته من الفرق أعظم من الفرق الذي بين المصروع وغير المصروع بما لا نسبة بينهما. يعني هو الآن قاص على فكرة المصروع؛ المصروع أن يكون تلبسه جني فلما يتكلم يظهر أن هذا مش كلامه ومش طبيعة كلامه، صح؟ هذا بيقول لك هذا مصروع إنسي تلبسه جني. فإذا كان عيسى يتلبس فيه الله والعياذ بالله كما يقولون، سيظهر الفرق بين كلام عيسى لما يتلبس به الله وبين كلامه لما يتكلم بصورته الطبيعية.
قال يبين هذا: أن موسى لما سمع كلامه سمع صوتاً خارقاً للعادة، مخالفاً لما يعهد من الأصوات، ورأى من الآيات الخارقة والعجائب ما يبين أن ذلك الذي سمعه لا يقدر على التكلم به إلا الله. أما المسيح فلم يكن بين كلامه وصوته طول عمره وكلام سائر الناس فرق يدل على أنه نبي فضلاً على أن يدل على أنه إله، وإنما علم أنه نبي بأدلة منفصلة، ولم يكن حاله يختلف، مع أنهم يقولون إن الاتحاد ملازم له من حين خلق ناسوته في بطن أمه مريم وإلى الأبد. من حين خلق جسده يعني في بطن أمه مريم وإلى الأبد وهو متحد مع الله؛ هم بحكون أن الاتحاد مع الله ملازم لعيسى من حين خلق جسده في بطن مريم، لا يفارقه الجانب اللاهوتي، لا يفارق اللاهوت لذلك الناسوت أبداً.
قال حينئذ: فمن المعلوم أن خطابه للناس إن كان خطاب رب العالمين لم يكن هو رسوله، وإن كان خطاب رسوله لم يكن ذلك سمت رب العالمين. الوجه الثاني: أن خطابه خطاب رسول ونبي، كما ثبت ذلك عنه في عامة المواضع. الثالث: أن مصير الشيئين شيئاً واحداً مع بقائهما على حالهما بدون استحالة واختلاط ممتنع في صريح العقل، وإنما المعقول مع الاتحاد أن يستحيل ويختلط كالماء والخمر واللبن؛ فانهما إذا صار شيئاً واحداً استحالا واختلطا.
مش بقولوا إن هناك جانب لاهوتي في عيسى وجانب ناسوتي؟ إذا الاثنين هذول تركبوا، الأصل أن يحدث نوع استحالة؛ الاستحالة التحول من صورة إلى صورة أو اختلاط. أما أن يتحد اللاهوت والناسوت في عيسى ويبقى كل واحد منهم مستقل عن الآخر، فهذا غير معقول، كما أنك لو تخلط الخمر مع اللبن بيختلطوا مع بعض، أي يكون نوع تأثر في هذا الاختلاط بشكل من الأشكال، أما أن يبقى اللاهوت مستقلاً عن الناسوت مع أنهما قائمان في جسد واحد، فهذا لا يعرف في طبائع الأشياء.
قال الرابع: أنه مع الاتحاد يصير شيئان شيئاً واحداً، فيكون الإله هو الرسول والرسول هو الإله، إذ هذا هو هذا. وإن كان الإله غير الرسول فهما شيئان، مهما مثلوا به قولهم كتشبيه ذلك بالنار في الحديد والروح في البدن، فانه يدل على فساد قولهم؛ فإن الحديد متى طرق أو وضع في الماء كان ذلك مسيباً للنار، وكذلك البدن إذا جاع أو صلب وتالم كان ذلك الألم مسيباً للروح، فيلزم أن يكون رب العالمين قد أصابه ألم الجوع والعطش، وكذلك الضرب والصلب على قولهم، وهذا شر من قول يهود إنه فقير وإنه بخيل وإنه مسه الغضب.
فصل: وإن كان مقصودهم الاحتجاج بذلك على المسلمين قيل لهم أولاً: هذه حجة جدلية، فما مستندكم فيما بينكم وبين الله في تصديق شخص وتكذيب آخر مع أن دلالة الصدق فيهما واحدة، بل هي في الذي كذبتموه أظهر؟ فان كانت حتى نرتب الكلام؛ أما الأول فلانه على أي طريقة ثبتت بها نبوة واحد من هؤلاء الأنبياء تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها أو أعظم منها.
وإذا كان مقصودهم الاحتجاج قال إنه هو في الصفحة 274 وضع عدة احتمالات: إن الذين احتجوا بقول مثل موسى وداود والمسيح، أما أن يكونوا عرفوا أنهم أنبيار بدليل على نبوتهم كالاستدلال بالآيات والبراهين، وأما أن يكونوا قد اعتقدوا ذلك بغير علم، وأما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأن المسلمين يسلمون بنبوة هؤلاء. وهم ليس شرطاً أن يسلموا بنبوتهم، بس خلص، مش أنت بتسلم بنبوة سليمان؟ خليني أقول لك سليمان ايش يقول هسا أنا بغض النظر أسلم بالنبوة ولا لا شيء ثاني، لأن هذا هو المعنى.
وأما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلمون نبوة هؤلاء وإن كانوا هم قد لا يسلمون، فبيقول: وإن كان مقصودهم الاحتجاج بذلك على المسلمين لأن المسلمين يسلمون بنبوة هؤلاء بغض النظر هل النصارى يسلمون بنبوتهم أو لا؟ قيل لهم أولاً: هذه حجة جدلية، فما مستندكم فيما بينك وبين الله في تصديق شخص وتكذيب آخر مع أن دلالة الصدق فيهما واحدة بل هي في الذي كذبتموه أظهر؟ فان كانت حقاً لزم تصديقه من كذبتموه فسد دينكم، وإن كانت باطلة بطل استدلالكم بها على دينكم، فثبت أنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم لا يستقيم لهم الاستدلال بكلام أحد من الأنبياء عليهم السلام.
وقيل لهم ثانياً: المسلمون إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بما دلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فان لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً لم يعرف صدق هؤلاء فيبطل دليلكم، وإن كان صادقاً بطل دين النصارى فيبطل دليل صحته، فثبت بطلان دليلهم على كل تقدير.
وقيل لهم ثالثاً: المسلمون لم يصدقوا نبوة أحد من هؤلاء إلا مع نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن قيل إنهم عرفوا ذلك بطريق آخر، فان الدليل الذي يدل على صدق واحد منهم يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بالطريقة الأولى، فلا يمكنهم تصديق نبي مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل لهم رابعاً: هم إنما يصدقون موسى وعيسى اللذين بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فان كان قد بشر به فثبتت نبوته، وإن لم يكونا بشرا فهم بشر به هم لا يؤمنون إلا بالمبشرين به والتوراة والإنجيل التي هي مكتوب فيهما، فان قدر عدم ذلك فهم لا يسلمون وجود موسى وعيسى وتوراة وإنجيل منزلين من الله ليس فيهما ذكره صلى الله عليه وسلم.
وإن قالوا: نحن صدقنا هؤلاء الأنبياء بلا علم لنا بصدقهم وطريق يدل على صدقهم. فيه الاحتمال الثالث إذا قالوا لا، احنا صدقنا هؤلاء الأنبياء، احنا ما قلنا ذلك تنزلاً، لا، احنا صدقنا هؤلاء الأنبياء لكن لم نصدقهم بطريق المعجزات والبراهين. وإن قالوا الاحتمال الثالث: نحن صدقنا هؤلاء الأنبياء بلا علم لنا بصدقهم وطريق يدل على صدقهم، فقط لأن هذا دين آبائنا وجدناهم يعظمون هؤلاء الأنبياء ويقولون هم أنبياء فاتبعنا في ذلك من غير علم، وهذا هو الواقع من أكثرهم. قيل: فإذا كان هذا قولكم في الأنبياء وفيما شهدوا به إن كانوا شهدوا، فيلزم ألا يكونوا عالمين به بل متبعين فيه لآبائهم بغير علم بالطريق الأولى.
وبهذا يحصل المقصود هو أن ما أنتم عليه من اعتقاد دين النصرانية لا علم لكم به ولا دليل لكم على صحته، بل أنتم فيه متبعون لآبائكم كاتباع اليهود ومشركين آبائهم. ولا ريب أن هذا حال النصارى، ولهذا سماهم الله ضالين في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. وقال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: 4-5]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: 157]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: 14]. ولهذا كان النصارى معروفين بالجهل والضلال، كما أن اليهود معروفون بالظلم والقسوة والعناد، فتبين بما ذكرناه أنه لا يمكنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة احتجاج بقول أحد من الأنبياء على شيء من دينهم ولا دين غيرهم.
فصل: وأما كون القرآن أنزل باللسان العربي وحده، فعنه أجوبة أحدها: طيب الآن من الشبهات التي أثار بولس الأنطاكي على أن النبي صلى الله عليه وسلم للعرب فقط، قضية أن القرآن عربي، لو كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً للجميع لأتى بقران عربي وفارسي ورومي ليخاطب به الجميع. فيقول شيخ الإسلام: أما استدلال بولس على خصوص رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالعرب بأن القرآن عربي، فهذا عنه أجوبة:
أحدها أن يقال: والتوراة إنما أنزلت باللسان العبري وحده وموسى عليه السلام لم يكن يتكلم إلا بالعبرية، وكذلك المسيح لم يكن يتكلم بالتوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعبرية، ثم وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد، باللسان الذي أنزلت عليه ولسان قومه الذين خطبهم أولاً، ثم يقول ليست في بعض النسخ ولعلها فعلاً زائدة: وكذلك سائر الكتب لا ينزله الله إلا بلسان واحد، باللسان الذي أنزلت عليه ولسان قومه الذين يخاطبهم أولاً.
قال: وسائر الأنبياء إنما يخاطبون الناس بلسان قومهم الذي يعرفونه أولاً، ثم بعد ذلك تبلغ الكتب وكلام الأنبياء لسائرهم، أما بأن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب، وأما بأن يتعلم الناس بلسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه، وأما بأن يبين للمرسل إليه معاني ما أرسل به الرسول إليه بلسانه وإن لم يعرف سائراً ما أرسل به. وقد أخبر الله في القرآن ما قالته الرسل لقومهم وقالوه لهم ما قالوا لهم، وأكثرهم لم يكونوا عرباً، وأنزل الله باللسان العربي، وحينئذ فإن شرط التكليف تمكن العباد من فهم ما أرسل به إليهم؛ كان القرآن نفسه هو فيه ترجمة لما قاله موسى لقومه، موسى مع قومه تكلم بأي لغة؟ بالعبرية، ومع ذلك القرآن ترجم لنا كلامه باللغة العربية، فالترجمة سهلة جداً وخيار سهل فتوصل به الرسالة للجميع، فليس من لازم أن ينزل القرآن بكل لغات الأرض.
نعم قال: وقد أخبر الله في القرآن ما قالته الرسل، وحينئذ فشرط التكليف تمكن العباد من فهم ما أرسل به الرسول إليهم، وذلك يحصل بأن يرسل بلسان يعرف به مراده، ثم جميع الناس متمكنون من معرفه مراده بأن يعرفوا ذلك اللسان؛ العجمي يتعلم اللسان العربي وبصير يفهم ما المراد، أو أو يعرفوا معنى الكتاب بترجمة، أو يعرف معنى الكتاب بترجمة من يترجم معنى، أو نحن نترجم لهم القرآن، يعني يا هم يتعلمون اللغة العربية بصيروا يفهمون مثلنا، أو إنه نحن نتعلم لغتهم نترجم القرآن إليها، وهذا مقدور للعباد ليس خارجاً عن سنن التكليف.
ومن لم يمكنه فهم كلام الرسول إلا بتعلم اللغة التي أرسل بها وجب عليه ذلك، فإن ما لا يتم الواجب به فهو واجب، بخلاف ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها لا في الأصل ولا في التتمام، فنحتاج أن نقول ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فواجب، فإن ما ليس مقدوراً عليه لا يكلف به العباد، فهذا ليس شرطاً يحتاج إلى التقييد به. بل وقد يكون.
مقدوراً عليه ولا يكلفون به. فلما كانت الاستطاعة شرطاً في وجوب الحج، لم يجب ولم يجب تحصيل الاستطاعة بخلاف قُطْر مسافته، فإنه ليس شرطاً في الوجوب؛ فلهذا يجب على الإنسان الحج مسافة البعيد والقريب إذا كان مستطيعاً.
وجمهور الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية؛ التوراة والإنجيل والقرآن، إلا بمن يبينها ويحسرها لهم، وإن كانوا يعرفون اللغة. فهؤلاء يجب عليهم، يعني أصلاً أقول لك أكثر العرب اليوم قُرآنهم مش فاهمين القرآن، هم عرب! أكثر الناس وهم أهل اللغة، لا يعرفون معاني كتابهم إلا مع وجود العلماء الذين يفسرونه، فما بالك بمن ليس من أهل هذا اللسان؟ بالتأكيد يحتاجون مَن يفسروا لهم. هل لأن العرب اليوم في زماننا لا يفهمون القرآن الذي هو بلغات العرب، بنقول خلص القرآن ليس حجة عليهم ليش؟ هم مش فاهمينه! لو كان عدم الفهم الأولي متكئاً ومستنداً في إسقاط التكليف، لكان العرب اليوم يسقط عنهم تكليف القرآن لأنهم مش فاهمين القرآن، وهذا غير صحيح.
وجمهور الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية، وإن كانوا يعرفون اللغة وهي جاءت بلغتهم؛ فهؤلاء يجب عليهم طلب علم ما يعرفون به ما أمرهم الله ونهاهم عنه، وهذا هو طلب العلم المفروض على الخلق. لذلك كل مسلم يا شباب عليه أن يطلب العلم، لأنه أنت كل مسلم مطلوب منه أوامر الله أمر به ونواهي ربنا نهى عنها، ولا يمكن أن يفعل ذلك بفعل الاوامر واجتناب النواهي إلا بمقدار ما لا يسع أن يجهل، نسميه ما لا يسع المسلم أن يجهله؛ فهذا المقدار هو الذي لا يسع المسلم أن يجهله وبه يقوم الإنسان بالأوامر ويترك النواهي، فرض عين.
وكذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من معاني الكتاب الذي أنزله الله عليه، يجب على الخلق طلب علم ذلك ممن يعرفه؛ إذا كانت معرفة ذلك لا تحصل بمجرد اللسان، كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجُه: تفسير تعريفه العرب من كلامها، وتفسير... لا، نعم، لما قال ابن عباس تفسير القرآن على أربعة أوجُه: تفسير يعتمد فقط على معرفتك باللسان العربي، يعني معرفتك باللسان العربي تكفي أن تفهم معنى الآية دون الحاجة إلى عالم. واثنان قال: وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، اللي هو المعلوم من كليات القرآن، اللي هو معلوم من الدين بالضرورة.
تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وهي كليات القرآن التي أصبحت معلومة بالضرورة. قال: وتفسير يعلمه العلماء، اللي هي تفاصيل مثلاً المواريث التي تكلم عنها القرآن، تفاصيل الأنكحة التي لم تصل لمرحلة المعلوم بالضرورة. قال: وتفسير لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، أو ما استأثر الله به من أمور الغيب، فكيف من ادعى فهو كاذب؟
نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، لم يقل: وما أرسلنا من رسول إلا إلى قومه، لكن لم يرسله إلا بلسان قومه الذين خاطبهم أولاً ليبين لقومه. فإذا بين لقومه ما أراده، حصل بذلك المقصود لهم ولغيرهم؛ فإن قومه الذين بلغ إليهم أولاً يمكنهم أن يبلغوا عنه اللفظ، ويمكنهم أن يقولوا عنه المعنى لمن لا يعرف اللغة، ويمكن غيرهم أن يتعلم منهم لسانه فيعرف مراده. فتقوم الحجة على الخلق ويحصل لهم الهدى بمن ينقل عن الرسول تارة المعنى وتارة اللفظ، ولهذا يجوز نقل حديثه بالمعنى، والقرآن يجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق علماء، وجوز بعض مَن يقرأ بغير العربية عند العجز عن القراءة بالعربية، وبعضهم جوزه مطلقاً، وجمهور العلماء منعوا أن يُقرأ بغير العربية، وهذا الصحيح.
الصحيح أن القرآن لا يُقرأ بغير العربية، وإن كان بعض الفقهاء جوز أن يقرأ بغير العربية عند العجز عن العربية، لكن هذا قول ضعيف، والجمهور على أنه لا يصح أن يُقرأ القرآن بغير العربية. وإن جاز أن يُترجم لتفهمه بغير العربية، كما يجوز تفسيره بيان معانيه، وإن كان التفسير ليس قرآناً متلوّاً، وكذلك الترجمة فالتفسير ليس قرآناً، كذلك ترجمة معاني القرآن ليست قرآناً، فلذلك جازت. أما القراءة فهذه لا تكون إلا بالعربيه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نضَّر الله امراً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرُبَّ حامل فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». وقال أيضاً في الحديث الصحيح: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجدبت أمسكت الماء فنفع الله به الناس فزرعوا وسقوا، وكانت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت الكلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن يبلغ حديثه وإن لم يتفقه، وقال: «رُبَّ حامل فقه غير فقيه»، «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
وقد كان العارفون باللغة العربية حين بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إنما يوجدون في جزيرة العرب وما والاها كأرض الحجاز واليمن وبعض الشام والعراق، وثم انتشر مصراً، أكثر ساكنين في وسط المعموره يعرفون عربية؛ حتى اليهود والنصارى الموجودون في وسط الأرض يتكلمون بالعربية كما يتكلم بها أكثر المسلمين، بل كثير من اليهود والنصارى يتكلمون بالعربية أجود. صارت الشام ومصر وشمال إفريقية يتكلمون بالعربية مع أنها لم تكن لغتهم قديماً.
وقد انتشرت هذه اللغة أكثر من انتشرت سائر اللغات، حتى إن الكتب القديمة من كتب أهل الكتاب ومن كتب الفرس والهند واليونان والقبط وغيرهم عُرفت بهذه اللغة، ومعرفة الكتب المصنفة بالعربية والكلام بالعربية أيسر على جمهور الناس من معرفة الكتب المصنفة بغير العربية؛ فإن اللسان العبرية والسريانية والرومية والقبطية وغيرها، وإن عرفه طائفة من الناس، فالذين يعرفون اللسان العربية أكثر من يعرف لسان أكثر ممن يعرف لسان من هذه الأمة. وأيضاً أكثر من يعرف لساناً من هذه الألسنة... ربما هذا في زمن ابن تيمية، لكن اليوم حقيقة لما أصبحنا أمة مقهورة أصبحت اللغات الصينية والأجنبية أكثر انتشاراً في العالم.
وأيضاً فمعرفة ما أمر الله به عباده أمراً عاماً هو مما نقلته الأمة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نقلاً متواتراً وأجمعت عليه، مثل الأمر بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه أرسل إلى جميع الناس أميِّهم وغير أميِّهم، وإقام الصلاة الخمس، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج، وإجابة الصدق، وتحريم الفواحش والظلم، والأمر بالإيمان بالله وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وما يعرف المسلمون معرفة عامة. ولا يحتاج الإنسان في معرفة ذلك إلى أن يحفظ القرآن، بل يمكن الإنسان معرفة ما أمر الله به على لسان الرسول وإن لم يعرف اللغة العربية، ويكفيه أن يقرا فاتحة الكتاب وصوراً معها يصلي بهن.
يقول له: حتى ولو قلنا إن القرآن كله عربي، مش أنت بولس الأنطاكي تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم من العرب بدلالة أن القرآن عربي؟ يقول: أصلاً أغلب أحكام القرآن الأساسية نقلها المسلمون بكل لغات العالم، فانت الأعجمي لا يحتاج في الدخول للإسلام وفهم كليات الإسلام أن يتعلم العربية؛ لأنها أصلاً منقولة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، منقولة بكل لغات العالم وبأيسر الأمور. فيقول: أنت أصلاً حتى تؤمن بهذا الدين وتدخل فيه، لا تحتاج لا أن تحفظ القرآن ولا أن تعرف قراءة أغلبه؛ لأن معانيه الكلية عموماً نقلت نقلاً معلوماً بالضرورة بكل اللغات، فإذا حصلتها، حصلتها، ويكفيك أن تقرأ فاتحة الكتاب، يعني القرآن كله الذي نحتاج منك تحفظه وتقرأه، فاتحة الكتاب في الصلاة، هذا ما نريده منك يعني كحد أدنى.
وكثير من الفرس والروم والترك والهند والحبشة والبربر وغيرهم لا يعرفون أن يتكلموا بالعربية الكلام المعتاد، وقد أسلموا وصاروا من أولياء الله المتقين، ومنهم من يحفظ القرآن كله، وإذا كلم الناس لا يستطيع أن يكلمه إلا بلسانه، وهذا ملاحظه لا... وإذا قرئ بالعربية لم يفقه ما قيل له، بس إذا قيل: اقرأ القرآن، بيقرؤوه بالعربية عن ظهر قلب.
الوجه الثاني: أن المسيح عليه السلام كان لسانه عبرية، وكذلك ألسنة الحواريين الذين تبعوه، ولا شك أنه أرسلهم إلى أمم يخاطبونهم ويترجمون لهم ما قاله المسيح عليه السلام، حتى المسيح أرسل الحواريين -زي ما مر معنا سابقاً- إلى بعض الأمم التي لا تتكلم العبرية ودعوهم بلسانهم.
فإن قالوا: إن رسل المسيح حولت ألسنتهم إلى ألسنة من أرسل إليهم، قيل: هذا منقول في رسل المسيح وفي رسل محمد صلى الله عليه وسلم الذين أرسلوهم إلى الأمم. ولا ريب أن رسل الله كرسل محمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام إلى الأمم لابد أن يعرفوا لسان من أرسلهم الرسول إليهم، أو أن يكون عند أولئك من يفهم لسانهم ولسان الرسول ليترجم لهم، يعني يقول: حتى الرسل الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة الروم والفرس و... هم أيضاً حولت ألسنتهم فتكلموا بما يتكلم به القوم. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم علم زيد بن ثابت اللغة، أو أمره أن يتعلم اللغة العبرية، ولذلك النبي لا يرسل رسولاً من عنده ليخاطب قوماً إلا أن يكون هذا المبعوث الذي يبعثه الرسول يحسن لسان هؤلاء القوم، فلذلك يختاره لذلك.
قال: ولا ريب أن رسل الله كرسل محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح إلى الأمم لابد أن يعرفوا لسان من أرسلهم الرسول إليهم، أو أن يكون عند أولئك من يفهم لسان العرب ولسان الرسول ليحصل الترجمة ليترجم لهم. فإن لم يكن عند من أرسل المسيح إليهم من يعرف بالعربية، فلا بد أن يكون رسوله ينطق بلسانهم.
وكذلك رسل النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلوا إلى الأمام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع... أرسل رسله إلى أهل الأرض. فإن لم يكن عند من أرسل المسيح إليهم من يعرف بالعبرانية، فلا بد أن يكون رسوله ينطق بلسانهم. فإن لم يكن عند من أرسل المسيح إليهم -هي القبيلة المسيح بده يستهدفها بدعوته- إذا لم يكن فيه من يعرف العبرية، فلا بد أن يكون رسوله... رسوله يعني المسيح بعثه من يعرف ينطق بلسان هؤلاء القوم الذين سيخاطبهم المسيح من خلال مبعوثه. وكذلك رسل النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم إلى الأمم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أرسل رسله إلى أهل الأرض.
فبعث إلى ملوك العرب باليمن والحجاز والشام والعراق، وارسل إلى ملوك النصارى بالشام ومصر قبطهم ورومهم وعربهم وغيرهم، وأرسل إلى الفرس والمجوس، والى الفرس المجوس ملوك العراق وخراسان؛ هي الرسائل كانت بلسان هذه الأمة أو تكون بالعربيه، ويكون هؤلاء الملوك عندهم من يترجم لهم هذه الرسائل.
قال محمد بن سعد في الطبقات، ذكر بعثه رسول الله عليه وسلم الرسل بكتبه إلى الملوك وغيرهم يدعوهم، وذكر ما كتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من العرب وغيرهم، ثم قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثنا... قال: حدثني معمر بن راشد ومحمد بن عبد الله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: وعن القدي... حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن أبي صُبْرَة عن مُسَيِّب بن رِفَاعَة، وحدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، وحدثنا بن سليمان بن أبي حَثْمَة عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن جدته الشفاء، وحدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي صُبْرَة عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمي، وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أهله عن عمرو الميثمري... دخل حديث بعض في بعض.
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذكر في ذي الحجة سنة ست، أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتاباً، وقيل يا رسول الله: إن ملوكاً لا يقراون كتاباً إلا مختوماً؛ فاتخذ رسول الله مختوماً يومئذ خاتماً من فضة، فصُّه منه، نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب. فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، وذلك في محرم سنة سبع، وأصبح كل واحد منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل دِحْيَة بن خليفة الكلبي، وإلى المقوقس صاحب مصر والاسكندرية حاطب بن أبي بلتعة، وإلى كسرى عبد الله بن حذافة السهمي، وأرسل إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني وكان نصرانياً بظاهر دمشق فبعث إليه شجاع بن وهب الأسدي، وأرسل إلى غير هؤلاء.
وقال أيضاً: أخبرنا هيثم بن عدي قال: أخبرنا دَهْلَم بن صالح وأبو بكر الهذلي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة عن ابن الحصيب الأسلمي، قال: وحدثنا محمد بن إسحاق عن زيد عن زيد بن رومان الزهري، وحدثنا حسن بن عُمَارة عن فراس عن الشعبي... ودخل حديث.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «ائتوني بجمعكم بالغداء». وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه قليلًا يسبح ويدعو، ثم التفت إليهم فبعث عدة إلى عدة. وقال صلى الله عليه وسلم لهم: «انصحوا لله في أمر عباده، فإن من استرعي شيئًا من أمور المسلمين ثم لم ينصح حرم الله عليه الجنة، انطلقوا ولا تصنعوا كما صنعت رسل عيسى ابن مريم، فإنهم أتوا القريب وتركوا البعيد».
فأصبح الرسل كل منهم يعرف بلسان القوم الذين أرسل إليهم، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا موطن الشاهد»، وكل منهم يعرف لسان القوم الذين أرسل إليهم. نعم، قال فقال: هذا أعظم ما كان من حق الله عز وجل عليهم في أمر عباده.
والوجه الثالث: أن النصارى فيهم عرب كثير من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من يفهم اللسان العربي يمكن فهمه للقران، وإن كان أصل لسانه فارسيًا أو روميًا أو تركيًا أو هنديًا أو قبطيًا. وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النصارى قد قرءوا المصحف فهموا منه ما فهموا، وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النصارى يقصد من أي جماعة بولس الانطاكي ومن حوله، مش أنتم أكيد قراتوا القران وفهمتوا، عشان هيك بتحتج به علينا، هيك بتفهموا لغة عربية، فكيف تقولوا إن القران باللغة العربية مش مفهوم؟
وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النصارى قد قرءوا المصحف فهموا منه ما فهموا، وهم يفهمونه بالعربي واحتجوا بآيات من القران، فكيف يسوغ عاد أن يقولوا كيف تقوم الحجة علينا بكتاب لا نستطيع أن نفهمه؟ طيب هي أنتم أصلاً شو بتعملوا، قاعدة عم بتردوا علينا من خلال نصوص القرآن، صح أنتم مش فاهمينه كثير يعني بس إنه.
قال الوجه الرابع: أن حكم أهل الكتاب في ذلك حكم المشركين، ومعلوم أن المشركين فيهم عرب وفيهم عجم وترك وھند وغيرهم، فكما أن جميع المشركين كمشرك العرب، وكذلك جميع أهل الكتاب كأهل الكتاب من أهل العرب، وفي اليهود والنصارى ممن يعرف بلسان العرب من لا يحصيه إلا الله عز وجل.
الوجه الخامس: أنه ليس فهم كل آية من القران فرضًا على كل مسلم، وإنما يجب على المسلم أن يعلم ما أمر به وما نهاه عنه بأي عارضة كانت، وهذا ممكن لجميع الأمم، ولهذا دخل في الإسلام جميع أصناف العجم من الفرس والترك والهندي والصقالبة والبربر. ومن هؤلاء من يعلم اللسان العربي، ومنهم من يعلم ما فرض الله عليه بالترجمة، وقد قدمنا أنه يجوز ترجمة القرآن في غير الصلاة للتفهم، كما يجوز تفسيره باتفاق المسلمين.
وإنما تنازعوا هل يقرأ بغير العربية تلاوة كما يقرأ في الصلاة؟ فجمهور العلماء منع من ذلك، وحينئذ فإذا قرأ الأعجمي فاتحة الكتاب وسورتين معها بالعربية أجزأه، وكذلك تشهد وغيره من الذكر المأمور به، وهذا أمر يسير أيسر من أكثر الواجبات، فكيف يمتنع أن يأمر الله تعالى عباده بذلك؟
وأما جمل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وهو صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وما حرمه الله من الشرك والفحش والظلم وغير ذلك، فهذا مما يمكن أن يعرفه كل أحد بتعريف من يعرفه؛ إما بلسان العرب وإما بلسان آخر، لا يتوقف تعريف ذلك على لسان العرب.
خلص نكتفي اليوم. قال بس نختم هنا قال: وأما العبادات التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بها فهذا مما يمكن أن يعرفه كل أحد بتعريف من يعرفه، تمام يمكن أن يعرفه بتعريف من يعرفه، أما باللسان العربي وأما بلسان آخر. ممكن أنا أعرفك إياه باللسان العربي، ممكن أعرفك إياه بالإنجليزي أحكي لك عن العبادات، ممكن بالإسباني أحكي لك عن العبادات فتعرفها، ولا يتوقف فهم الإنسان للعبادات والمطلوب فيها ضرورة على فهم لسان العرب.
فهذا آخر استدلال بولس الانطاكي أو الرد على استدلال بولس الانطاكي بأن القرآن عربي، وسيستمر الاستدلال أو الرد على استدلالات بولس الانطاكي من القرآن بما سيأتي إن شاء الله في الدروس القادمة إن كان لنا في العمر بقية، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل