حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، وفي مجلس جديد من مجالس تراث، حيث نصول ونجول مع تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، في هذه الجولة الأولى من جولات هذا البرنامج. صبحك الله بالخير دكتور طارق. تابعونا عبر البث المباشر، حياكم الله وبياكم. صوت جيد أحسنت.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم أجِرنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد. اللهم نسألك ثباتا على هذا الدرب وعلى هذا الطريق إلى أن نلقاك، نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن يا أرحم الراحمين. اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وفي غزة خاصة، اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية.
حياكم الله أيها الأكارم في صباح جديد من برامج تراث، حيث مجلنا نعيش في أفياء الكتاب العظيم (الجواب الصحيح بدل دين المسيح) لشيبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، وهو يجيب بولس الأنطاكي عن الشبهات التي أثارها حول دين الاسلام، حيث حاول بولس الأنطاكي أن يدعم النصرانية لكنه فشل في ذلك، واستطاع شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قبله ومن بعده من العلماء الكبار أن يردوا على كل الشبهات التي طرحها هؤلاء النصارى حول صحة دينهم ومحاولتهم لتفنيد دين الإسلام، وما كان قويا يبقى قويا، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
ما زلنا نعيش في الشبهة الثانية التي طرحها على قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لماذا هو مرسل للعرب خاصة؟ الشبهة الثانية التي طرحها حول تخصصه بالعرب، قضية أن القرآن جاء بلسان عربي، وما دام أن القرآن جاء بلسان عربي، إذا فالاصل أن الذي يخاطب به أمة العرب، وأما أمة الروم وأمة الفرس وأمة الهند وغيرهم من الذين لا يتكلمون بالعربية فهم ليسوا مخاطبين بكتاب ليس بلسانهم. هذه هي الشبهة الثانية التي طرحها في هذا المجال بولس الأنطاكي، وشيخ الإسلام يوسف كعادته في الرد على هذه الفكرة وصلنا إلى قوله عليه رحمه الله، وأما قوله تعالى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قال رحمه الله تعالى: فصل: أما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3]، فهذا يتضمن إنعام الله به على عباده؛ لأن اللسان العربي أكمل الألسنة وأحسنها بيانا للمعاني، فنزول الكتاب به أعظم نعمة على الخلق من نزوله بغيره وهو تمام.
إذا شيخ الإسلام يريد أن يقول إن امتداح الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب بأنه عربي، ما الغرض من امتداح الله للقرآن بأنه عربي والامتنان على الناس بأن هذا الكتاب الختامي عربي؟ ما الغرض منه؟ قال: إظهار نعمة الله أنه أنزل آخر كتاب باعظم لغة، هذا هو الغرض منه، لذلك قول: فهذا يتضمن إنعام الله به على عباده لأن اللسان العربي أكمل الألسنة وأحسنها بيانا للمعاني فلذلك امتدح القرآن بأنه عربي، وليس لانه يريد أن يقول إن هذا القرآن للعرب خاصة، امتداح له بأنه عربي أي لأنه نزل على أكمل اللغات وأعلى نعم.
قال: وهو إنما خطب به أولا العرب ليفهموه، ثم من يعلم لغتهم يفهمه كما فهموه، ثم من لم يعلم لغتهم ترجمه له من عرف لغتهم، وكان إقامة الحجة به على العرب أولا والانعام به عليهم أولا لمعرفتهم بمعانيه قبل أن يعرفه غيره. نعم وهذا واضح، نعم العرب خوطبوا به أولا لكن غيرهم مخاطبون به، كيف مخاطبون به؟ أما هم يتعلموا العربية فيصبحوا يقراونه قراءة صحيحة، أو نحن نترجم لهم الكتاب بلغتهم فتقوم عليهم الحجه بلغتهم.
أما أن نقول إنه لانه عربي وبالتالي هم غير مخاطبين به فهذا غير صحيح، بل حتى الآن سياتي يبين حتى الانجيل سياتي ويبين ويقول إنهم يقولونه ترجم إلى لغات أخرى ويبين، إذا كان الانجيل أنتم ترون أنه ترجم إلى لغات أخرى ليخاطب به غير اصحاب اللسان العبراني، إذا ما المانع أن يترجم معاني القرآن إلى لغات أخرى؟
نعم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97]، واللد جمع الألد وهو الأعوج في المناظرة الذي يروغ عن الحق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». وقال: وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فهو كما قال تعالى وقوم محمد صلى الله عليه وسلم قريش وبلسانهم أرسل، وهو سبحانه لم يقل وما أرسلنا من رسول إلا إلى قومه، بل للرسول يبعثه الله إلى قومه وغير قومه، كما تقول النصارى إنه بعث المسيح عليه السلام والحواريين إلى غير بني إسرائيل وليسوا من قومه، فكذلك بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قومه وغير قومه، ولكن إنما يبعث بلسان قومه ليبين لهم، ثم يحصل البيان لغيرهم بتوسط البيان لهم أما بلغتهم.
نعم الآن الله عز وجل لما أخبر أن كل رسول أنه أرسل بلسان قومه، هل هذا ينافي أن يكون أنه أرسل إلى غير قومه؟ لا، هذه الفكرة أيضا أنهم يستدلون بالآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فالبعض ترد عليه شبهة أنه إذا كان أرسل بلسان قومه ليبين لهم، إذا من لم يكن من أهل هذا اللسان إذا هو ليس مرسلا إليهم، هذا خطأ، يقول شيخ الإسلام: إنما يبعث بلسان قومه ليبين لهم فيحصل البيان لقومه أهل العرب، ثم هؤلاء قومه الذين عرفوا وقامت عليهم الحجة وعرفوا معانيهم هم مطالبون بايصال هذا البيان إلى لغات العالم المتعددة، أو أهل اللغات الأخرى مطالبون بتعلم لساننا حتى يعرفوا ما عندنا.
نعم قال: ثم يحصل البيان لغيرهم بتوسط البيان لهم أما بلغتهم ولسانهم، واما بترجمته لهم، ولو لم يتبين لقومه أولا لم يحصل مقصود الرسالة لا لهم ولا لغيرهم، وإذا تبين لقومه أولا حصل البيان لهم لغيرهم بتوسطهم، وقومه إليهم بعث أولا ولهم دعا أولا وأنذر أولا، وليس في هذا أنه لم يرسل إلى غيرهم، لكن إذا تبين لقومه لكونه بلسانهم أمكن بعد هذا أن يعرفه غير قومه أما بتعلمه بلسانهم، وأما بتعريف بلسان يفهم به، والرجل أما بتعلمه بلسانهم يعني أن الأعجمي يتعلم لسان العرب فيصبح يفهم العربية ويفهم القرآن، أو العكس أن نعرف القرآن للأعاجم بلسان الأعاجم.
نعم قال: والرجل يكتب كتاب علم في طب أو نحو أو حساب بلسان قومه، ثم يترجم ذلك الكتاب وينقل إلى لغات أخرى وينتفع به أقوام آخرون، كما ترجمت كتب الطب والحساب التي صنفت بغير العربي وانتفع بها العرب وعرفوا مراد أصحابها، وإن كان المصنف لها أولا إنما صنفها بلسان قومه، كثير أصلا من كتب العالم اليوم تكتب باللغة الأجنبية ثم تترجم إلى كل لغات العالم، يعني هذا داب العلوم والمعارف أصالة أنها تكتب بلغة معينة ثم تترجم ولا حرج في ذلك.
نعم، إذا كان هذا في بيان الامور التي لا يتعلق بها سعادة الآخرة والنجاة من عذاب الله فكيف يمتنع في العلوم التي يتعلق بها سعادة الآخرة والنجاة من العذاب أن ينقلب من لسان إلى لسان حتى يفهم أهل اللسان الثاني بها ما أراده بها المتكلم الأول أولا باللسان الأول؟ نعم إذا كانت علوم الدنيوية التجريبية ترجم وهذا لا ينافي المعرفة العلمية، فما بالك بالكتاب الذي به سعادة الدارين؟ والمانع أن تترجم معانيه إلى لغات العالم؟
نعم قال: وأبناء فارس المسلمون لما كان لهم من عناية بهذا، لما كان لهم من عناية بهذا ترجموا مصاحف كثيرة فيكتبونها بالعربية ويكتبون الترجمة بالفارسية، وكانوا قبل الاسلام ابعد عن المسلمين من الروم والنصارى، فاذا كان الفرس المجوس قد وصل اليهم معاني القرآن بالعربي وترجمته فكيف لا يصل إلى أهل الكتاب وهم أقرب إلى المسلمين منهم؟ وعامة الأصول التي يذكرها القرآن عندهم شواهدها ونظائرها في التوراه والإنجيل والزبور وغير ذلك من النبوات بل من تدبرا.
نعم الآن يريد أن يقول: إذا كان أبناء فارس وهم أبعد عن أهل الاسلام من الروم واليهود لأن هؤلاء مجوس الفُرسيون الذين أسلموا، أُعنوا عناية شديدة بترجمة معاني القرآن إلى اللغة الفارسية وأصبحت بالتالي معاني القرآن واضحة لديهم مع أنهم ليسوا أصلا أصحاب كتب سماوية سابقه، فما بالك بالرومي واليهودي وغيرهم الذين هم أصحاب كتب سماوية سابقة، فأصول القرآن بالنسبة لهم الأصل أنها الأصل واضحة مسبقا ولسانهم أقرب إلى اللسان العربي من لسان أهل الفرس؟ فهذا يعني رد على النصارى في هذه الزاوية.
نعم قال: بل كل من تدبر نبوات الأنبياء وتدبر القرآن جزم يقينا بأن محمد رسول الله حقا، وأن موسى رسول الله صدقا لما يرى من تصادق الكتابين التوراه والقرآن، مع العلم بأن موسى عليه السلام لم يؤخذ عن محمد صلى الله عليه وسلم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يؤخذ عن موسى، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحاله كان أميا من قوم أميين مقيما بمكة، ولم يكن أميا لم يكن يقرا أصلا عليه الصلاه والسلام حتى يطلع على التوراه.
نعم قال: ولم يكن عندهم من يحفظ التوراه والإنجيل ولا الزبور، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بين ظهرانيهم ولم يسافر قطة إلى سفرتين إلى الشام خرج مرة مع عمي أبى طالب قبل الاحتلام ولم يكن يفارقه، ومره أخرى مع ميسرة في تجارته وكان ابن بضع وعشرين سنة مع رفقة كانوا يعرفون جميع أحواله، ولم يجتقط بعالم اخذ عنه شيئا لا من علماء اليهود ولا النصارى ولا من غيرهم لا بحيرى ولا غيره، ولكن كان بحيرى الراهب لما راه عرفه لما كان عنده من ذكره وناته فأخبر أهله بذلك وامرهم بحفظهم، واليهود ولم يتعلم لا من بحيرة ولا من غير كلمه واحدة، سنبين ان شاء الله الدلائل الكثيرة على أنه لم ياخذ عن أحد من أهل الكتاب كلمة واحدة، وقصة بحيرة مذكورة ذكرها ارباب السيار واصحاب والمسانيد والسنن.
قال الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي في جامعه: حدثنا الفضل أبو العباس البغدادي قال: حدثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نعبرنا يونس بن أبي إسحاق قال عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما اشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج اليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج اليهم ولا يلتفت، قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فاخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمه للعالمين.
فقال له شيخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين اشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدن إلا لنبي، واني اعرف الف بخاتم النبوة من غرض في غضروف كتفه مثل التفاح. ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما اتاهم به وكان هو في رؤية الإابل فقال: ارسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة وكان هو عليه الصلاة والسلام مش بتعرف لما دعاهم راهب جاؤوا جميعا وأبو طالب جعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الإابل يرعاه ما ما أتى به ابتداء معه.
نعم قال: فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجره فلما جلس مال في الشجره إليه، فقال: انظروا في إلى فيء الشجره مال عليه. قال: فبينما هو قائم يناشدهم أن يذهبوا به إلى الروم فإن الروم ثم إذا رأوه وعرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فاذا بسبب قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم الراهب فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بعث إليه بأناس وأن قد أخبرنا خبره بطريقك هذه. فقال: أرايتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فتابعوه.
فقال: فتابعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله يا معشر العرب، يعني هؤلاء هؤلاء السبعة من الروم كأنهم يعني تابعوا هذا الراهب وصاروا معه وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو آمنوا، هو الآن النبي عليه الصلاة والسلام لم يبعث بعد لكن هي فكرة يعني آمنوا بأنه يجب أن نتبع هذا النبي، يعني بحيرة مؤمن أنه بمجرد أن يخرج ولابد أن يتبع. تمام بتعرفوا الذين كانوا مع سلمان الفارسي الذين كانوا يقولون إنه هذا زمان غو، فبحيرة من هؤلاء الموحدين من النصارى الذي كان يعرف أنه بمجرد خروج محمد عليه الصلاة والسلام فيجب أن يتبع، فهؤلاء السبعة الروميون كانوا مبعوثين الظاهر من من الروم من الزعامة الرومية للبحث عن هذا النبي عليه الصلاة والسلام كأنه في كتبهم.
إن هذا النبي في عمر كذا وفي كذا سيخرج إلى أرض الشام تاجراً، فكأنهم بعد في عندهم معلومة سابقة بناءً على كتبهم السابقة. فخرجوا يبحثون عنه، فاستطاع بحيرى أن يقنع هؤلاء السبعة بأن يتبعوه، وأن يتركوا ما هم فيه من محاولة قتل النبي عليه الصلاة والسلام أو الوصول إليه.
قال: فقال أبو طالب الآن. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وزوده، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ورواه البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث العباس بن محمد عن قراد بن نوح، قال: وقال العباس: لم يُحدث به بهذا الإسناد غير قراد، وسمعه يحيى وأحمد من قراد. قال البيهقي: أراد أنه لم يُحدث بهذا الإسناد سوى هؤلاء، فأما القصة فهي عند أهل المغازي مشهورة.
وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن حسين، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج أبو طالب إلى الشام في العِير التي خرج للتجارة، فلم يزالوا بالراهب بحيرى، فقال بحيرى لأبي طالب في النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا: أمره أن يحتفظ به، فرده أبو طالب إلى مكة. وشَبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب يكلاه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم عن الفحش والأذى. فما رُؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً حتى سماه قومه الأمين لما جُمع فيه من الأمور الصالحة.
وقال ابن الجوزي: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، فنزل الركب ببصرى، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة بدمشق اليوم وهي درعا البعض يقول نعم أو شمال درعا. قال: وكان ذا علم بالنصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب ينتهي إليها علم النصرانية كابراً عن كابر، وفيها كتب يدرسونها، وكان كثيراً ما يمر الركب فلا يكلمهم، حتى إذا كان في ذلك العام نزلوا منزلاً قريبا من الصومعة فصنع لهم الراهب طعاماً ودعاهم، وإنما حملهم على ذلك شيء رآه. فلما رأى بحيرى ذلك نزل من صومعته وامر بذلك الطعام فحضر، وأرسل إلى القوم فقال: يا معشر قريش، أحب أن تحضروا طعامي ولا يتخلف منكم أحد. فقالوا: وهذا شيء تكرموني به. فلما حضروا عنده جعل يلاحظ النبي صلى الله عليه وسلم لحظاً شديداً وينظر إلى جسده، وجعل أبو طالب يخاف عليه من الراهب. ثم قال الراهب لأبي طالب: ارجع بابن أخيك، فإنه كائن له شأن عظيم، فإنا نجد صفته في كتبنا ونرويه عن آبائنا. فلما فرغوا من التجارة رجع به أبو طالب سريعا إلى مكة فما خرج بعد به أبو طالب خوفاً عليه.
هذا مع أن في القرآن من الرد على أهل الكتاب في بعض ما حرفوه؛ مثل دعواهم أن المسيح عليه السلام صلب، وقول بعضهم إنه إله، وقول بعضهم إنه ساحر، وطعنهم على سليمان عليه السلام وقولهم إنه كان ساحراً، ومن أمثال ذلك ما يبين أنه لم يأخذ عنهم. هذه هي الفكرة التي من أجلها أتى بقصة بحيرى؛ ألا وهي أن بعض النصارى يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام تلقى علمه عن النصارى، وبعض العرب كان يزعم هذه الفرية، أي أي شبهة طرحت أن النبي عليه الصلاة والسلام كل الرسالة التي أتى بها متلقاة عن نصارى الشام. طب قالوا لهم: من أين أتى النبي صلى الله عليه وسلم الشام؟ قالوا: ألم يخرج في شبابه إلى الشام والتقى بالنصارى؟ فدائما أهل العلم يركزون على تثبيت أنه التقاها لما ذهب إلى الشام جلس كم يوم، أي في عمر اثنتي عشرة سنة، وبحيرى الراهب أصر على أبي طالب أن يرجعه، والمرة الثانية كانت مرحلة التجارة، فلم يلتقِ بعلماء اهل الكتاب في الشام ويسمع منهم التوراة والتعارف ثم يأتي -كما يزعمون- إلى مكة ليعلن قيامه بالنبوة أو يخترعها كما يزعم هؤلاء. فدائماً تؤتى بقصة بحيرى لتأكيد أن الذهاب إلى الشام كان تجارة، ولم تكتمل المرة الأولى، وفي الثانية اكتملت في أموال خديجة، ولم يثبت أنه التقى بأحد من علماء النصارى.
قال: وفي القرآن من قصص الانبياء عليهم السلام ما لا يوجد في التوراة والإنجيل؛ مثل قص قصة هود وصالح وشعيب وغير ذلك. وفي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله وصفة الجنة والنار والنعيم والعذاب ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل؛ بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد، وعامة ما فيها من الوعد والوعيد فهو في الدنيا؛ كالوعد بالرزق والنصر والعاقبة، والوعيد بالقحط والامراض والأعداء. وإن كان ذكر المعاد موجوداً في غير التوراة من النبوات، ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد وقيام القيامة الكبرى وقت قيل إن ذلك مذكور في التورات أيضاً، لكن لم يبسط كما بسط في غير التوراة.
يقول: وأساساً لو اردت أن تنظر في طبيعة الخطاب القرآني، فهو يختلف أصلاً عن خطاب التوراة. يقول: القرآن ذكر فيه من المعاد وتفاصيل المعاد وتفاصيل الجنة والنار ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأتِ بالقرآن من التوراة والإنجيل، ولم يتعلم على يد علماء الشام ليأتي بكتاب مشابه لكتبهم. يعني إذا شخص حاول أن يتذاكر ويقول لك: هو تلقى من علماء الشام من أهل الكتاب ثم أتى بالقران من عنده، فنقول له: تفاصيل القرآن كمضمون تختلف في جزء كبير منها عن تفاصيل التورات والإنجيل، فمن أين أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام ما هذه ليست موجودة أصلاً في كتبكم.
قال رحمه الله: فصل. فان قالوا: إن الكتب التي عندنا من التوراة والإنجيل وغيرهما ترجمها لنا الحواريون، وهم عندنا رسل معصومون، وترجموها لجميع الأمم، بخلاف القرآن فإنه إنما يترجمه ما ليس بمعصوم.
فرع الآن هذه شبهة؛ يقولون إن الكتب التي عندنا من التوراة والإنجيل وغيرهما، الزبور مثلاً، ترجمها لنا الحواريون، وهم عندنا رسل معصومون. أولاً: زعموا أن الحواريين قاموا بترجمة التوراة والإنجيل إلى لغات متعددة. وثانياً: قالوا إن هؤلاء الحواريين أصلاً رسل بالنسبة لهم ومعصومون من الخطأ، وبالتالي نحن واثقون من الترجمة باعتبار أن الحواريين رسل معصومون. وثالثاً: قالوا إن الحواريين ترجموا التوراة والإنجيل لجميع الأمم.
هذه سيبدأ بهالشبهة سيعالجها: أنتم متاكدون أن الحواريين ترجموها لجميع الأمم؟ يعني معناتها في نسخة من التوراة والإنجيل عربية ما دام تقولون ترجموها لجميع الأمم، والاصل إذاً أن نصارى العرب لهم جزء من هذه النسخ، وصلت إليهم نسخة من التوراة والإنجيل العربية التي ترجمها الحواريون.
طيب قالوا: بخلاف القرآن، فإنهم في وجهة نظرهم أن القرآن الذي سيترجمه شخص غير معصوم، بالتالي في إمكانية للتلاعب بهم. ايش يريدون يقولون؟ لا يمكن أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً لغير العرب، ليه؟ لأن القرآن نزل عربي، فإذا طرحنا عليهم: طب يمكن ترجمته؟ قال: لا يمكن أن نثق بهذه الترجمة لأنها ترجمة غير معصومين، في النهاية ممكن شخص يتلاعب هيك، شخص يتلاعب بالترجمة. فهل سيقيم الله حجته على الروم والفرس بترجمة للقران يقوم بها من هو غير معصوم ويمكن أن يتلاعب؟ أما نحن فالتوراه والانجيل بالنسبة لنا صح نقلناها إلى لغات أخرى، لكن مين اللي نقلها؟ أناس معصومون وهم الحواريون، بالتالي ترجمة موثوقة.
الآن هذ يقولون، لا، بنبي يجيب عن هذا بإسهاب. قال: فان هذا أجيب بأحدها: أن هذا كذب بيّن؛ فإن من العرب من النصارى من لا يحصي عدده إلا الله تعالى، وكان فيهم نصارى كثيرون تنصروا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم قوم على دين المسيح الذي لم يبدل وهم مؤمنون من أهل الجنة كسائر من كان على دين المسيح عليه السلام؛ فإن كل من كان على دين المسيح الذي لم يبدل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فانه مؤمن مسلم من أهل الجنة. كل نصراني مات وكان على دين المسيح مات قبل البعثة هذا مسلم يدخل الجنة إن شاء الله.
قال: ومع هذا فليس على وجه الأرض توراه ولا إنجيل معرب من عهد الحواريين. التوراة، ومع هذا فليس على وجه الأرض ابن تيمية يرصد توراة معربة، فكيف تقول الحواريين ترجموا إلى جميع الأمم؟ طب أين نسخة العرب؟
قال: بل التوراه العبرية تنقل من اللسان العبرية وغيره إلى العربية، وكذلك الإنجيل ينقل من اللسان الرومي أو السرياني أو اليوناني أو غيرها إلى اللغة العربية. هذا الموجود، أنه توراه وأنجيل عبرية تترجم ترجمة فقط إلى اللغة العربية عند العرب بس ما في توراة والإنجيل عربية كتبها الحواري، وهذا غير موجود.
قال: فلو كان عند كل أمة من الأمم توراة وإنجيل ونبوات بلسانهم، لكان نصارى العرب أحق بهذا من نصارى الحبشة والتقالبة والهند؛ فإنهم جيران البيت المقدس وهم بنو إسرائيل وإسماعيل عليه السلام، والاناجيل عندهم أربعة، وهم يدعون أن كل واحد كتبها بلسان كتبت بلسان العبري والرومي واليوناني، بمعنى في بعض الأناجيل ما ليس في بعض مثل قولهم.
طيب هو بيجي بقول لك الآن بتعرف الأناجيل الأساسية عندهم أربعة مش هم بيقولوا إن الحواريين ترجموها؟ كل واحد من هي الأربعة الأصل أنه مترجم.
قال: نجد أن بعض الأناجيل فيها ما ليس في بعض، يعني بعض النسخ طب فيها أشياء مش موجودة في النسخة الأخرى. طيب كيف هذه الترجمة تكون موثوقة؟ كيف هذه الترجمة موثوقة إذا كنا نقارن بينها نجد نسخة فيها نص مش موجودة في النسخة الأخرى؟ بتطلع النسخة الثانية نسخة وفيها نصوص ليست موجودة في النسخة الثالثة. عن أي موثوقية تتحدثون؟
قال: مثل قولهم: اعمدوا الناس باسم الاب والابن والروح القدس، الذي جعلوه أصل دينهم، وهذا إنما هو قوله في إنجيل متى. وإذا كان كل واحد من أربعة كتب إنجيلاً بلسانه، لم يكن هناك إنجيل واحد أصلي ترجع إليه الأناجيل كلها. ثم هم مع هذا يدعون أنها ترجمت باثنين وسبعين لساناً، وهذا فيه من الكذب والتناقض أمور سننبه إن شاء الله على بعضها. لكن غاية ما يدعون أنه الترجمة باثنين وسبعين لساناً، ومعلوم أن اللسلات الموجودة في بني آدم في جميع المعمورة في زماننا وقبل زماننا أكثر من هذا، كما يعرفه من عرف أحوال العالم؛ بل اللسان الواحد كالعربي والفارسي والتركي جنس تحته أنواع مختلفة، أنواع مختلفة بمعنى اللهجات.
قال: لا يفهم بعضهم لسان بعض إلا أن يتعلمه منهم. وقال: العرب أقرب الأمم إلى بني إسحاق وبني إسرائيل والعيص؛ فإنهم بنو إسماعيل. العيص هو أخو إسرائيل يعقوب عليه السلام يقول إن له أخ اسمه عيسى فالعرب أقرب الأمم إلى بني إسحاق.
فمن أبناء إسحاق؟ إسرائيل والعيص. قال: فإنهم بنو إسماعيل وجيرانهم، فإن أهل الحجاز جيران الشام ومكة، ولم تزل تحج إليها العرب، ولم يكن قط عند العرب توراه ولا إنجيل عربي من عهد المسيح.
هو بيقول لك الآن: أنتم يا بني إسرائيل وين موطنكم؟ لما سيدنا يعقوب والعيص أين كنتم تسكنون؟ في الشام، معروف كان موطنهم في فلسطين وما حولها. طب من كان جيرانكم؟ العرب، معقول أن الحواريين ترجموا التوراة والإنجيل بكل اللغات، والعرب الذين هم جيرانكم لصق بلصق ما عندهم نسخة من التوراة والإنجيل بلغة عربية؟ وتكون النسخ الأخرى، طيب وين النسخ؟ يعني إذا كانت النسخ هذه فعلا حقيقة علمية موجودة معقول وصلت الحبشة وصلت إريتريا وصلت للعالم ولم تصل العرب الذين هم جيرانكم نسخة بلغتهم؟ أليسوا اولى الناس أن يكون هناك نسخة بلغتهم؟ طبعا نحن لا نوجد نسخة بهذا الكلام.
قال: بل ولا كان بمكة ولا لا توراة ولا إنجيل لا معرب ولا غير معرب. لهذا قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِهِ﴾ [السجدة: 3]. فلذلك الله وصف قريش: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبل إذاً، هم لم يكن عندهم لا توراه ولا إنجيل عربي يخبرهم بالرسائل السماوية.
قال: فكيف يدعى أن التوراة والإنجيل ترجمها الحواريون لكل قوم من جميع بني آدم شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بلسان يفهمون به؟ وهل يقول هذا إلا من هو من أكذب الناس وأجهدهم؟
الوجه الثاني يقال: ترجمة الكلام من لغة إلى لغة لا تحتاج إلى معصوم، بل هذا أمر تعلمه الأمم.
الآن سيجيب على شبهة أنه: أنتم يا أيها العرب المسلمون لو ترجمتم القرآن إلى لغات أخرى كما تزعمون، أنتم ترجمتكم ترجمة غير معصوم. يجيب شيخ الاسلام يقول: هل الترجمه تحتاج إلى شخص معصوم؟ هل حتى تكون الترجمة مقبولة وتقوم بها الحجة على الآخرين هل تحتاج إلى المعصومية؟ هذا ما سيجيبك.
قال: فكل من عرف اللسانين الترجمة هو يحصل العلم بذلك، إذا كان المترجمون كثيرين متفرقين لا تبطؤون على الكذب. يقول لك: كل واحد مثلاً درس في كلية اللغات عندكم، يعرف العربية ويعرف مثلاً إنجليزية، يستطيع أن يترجم القرآن من العربية إلى الإنجليزية كعملية ترجمة لا تحتاج إلى عصمة، ثم لما يترجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية.
عدد كبير يمتنع في العادة تواطؤهم على كذب في الأردن وسوريا ومصر والمغرب وما شابه ذلك، وكل هؤلاء الذين ترجموا القرآن إلى اللغة الإنجليزية توافقوا في النتائج النهائية. إذا هذا في المعرفة العلمية يدل على ماذا؟ على أن هذه الترجمة صحيحة ولا إشكال فيها. بالتالي التواتر في الترجمة يكفي لمصداقيتها دون الحاجة إلى العصمة في كل واحد من المترجمين.
بقرائن تقترن بخبر أحدهم وبغير ذلك، هذا موجود معلوم، بل إذا ترجمه اثنان كل منهما لا يعرف ما يقوله الآخر ولم يتواطأ، حصل بذلك المقصود في الغالب، وهم يذكرون أن التوراة ترجمها اثنان وسبعون حبراً من اليهود ولم يكونوا معصومين، وأن الملك فرقهم لئلا يتواطؤوا على الكذب واتفقوا على ترجمة واحدة، وهذا كان بعد الخراب الأول. فهكذا يمكن ترجمة غير التوراة، وهذه التوراة في زمان... وهم أصلاً يذكرون أن التوراة... بغض النظر، كأنه ابن تيمية يقول تنزلاً تنزلاً لو بدنا نفرض أن القصة صحيحة، هم يذكرون أن التوراة ترجمها كم شخص؟ اثنان وسبعون حبراً من اليهود. طب هؤلاء لم يكونوا معصومين، الآن إذا بالنسبة للإنجيل، قصة كلها مخترعة قصة الإنجيل أن الحواريين ترجموا، بس الآن هو رجع للتوراة شوي، رجع نقطة للتوراة، الآن التوراة ترجمها اثنان وسبعون حبراً من اليهود، هؤلاء كانوا معصومين؟ لا هؤلاء مش رسل، يعني الحواري قضية أنهم رسل هذه قضية يناقشها بعدين. هو يقول إن التوراة أنتم بتقولوا ترجمت إلى اثنين وسبعين لساناً، مين ترجمها؟ الأحبار، الأحبار أنتم متفقين معنا أنهم إيه ليسوا معصومين، طيب وأنه، والعكس، الملك في تلك الفترة لما أراد من هؤلاء الأحبار الاثنين والسبعين أن يترجموا، وضع كل واحد منهم في صومعة خاصة ولا في مكان خاص حتى لا يتواطؤوا على الكذب. طب إذا جوزتم هذا في التوراة، ما مانع أن أجوز هذا في القرآن أنه جائي بأناس غير معصومين من أماكن مختلفة تحيد العادة تواطؤهم، وهكذا، بالتالي نصل للموثوقية، إذا صح هذا في التوراة يصح في القرآن.
نعم، قال: وهذه التوراة في زماننا والإنجيل والزبور يترجم باللغة العربية ويعرف المقصود به بلا ريب، فكيف بالقران الذي يفهم أهله معناه ويفسرونه يترجمونه أكمل وأحسن مما يترجم أهل التوراة والإنجيل؟
الوجه الثالث: أن دعوة العصمة في كل واحد من الحواريين وأنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى عليهم السلام دعوة ممنوعة وهي باطلة. أجاب عن الشبهة الثالثة وهي أن فكرة أن الحواريين كانوا رسل معصومين هذه كلها فكرة ليس لها أصل، هؤلاء لم يكونوا رسلاً.
نعم قال: وإنما هم رسل المسيح عليه السلام بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم. نعم هم رسل المسيح بمعنى المبعوث رسول الرسول يعني أنهم مبعوثو الأنبياء إلى الأرض، أنتم جميعاً أيها الدعاة إلى الله أنتم رسل محمد صلى الله عليه وسلم بمعنى أنتم حملة هذه الرسالة إلى الأرض وليس بالرسول بالمعنى الشرعي المعصوم من الخطا.
نعم قال: وأكثر النصارى وكثير منهم وكلهم يقولون هم رسول الله وليسوا بأنبيآء، وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم، وإن كانت له خوارق وعادات كأولياء الله من المسلمين وغيرهم، فانه إن كانت لهم كرامات من الخوارق فليسوا معصومين من الخطا، والخوارق التي تجري على أيدي غير الأنبياء لا تدل على أن أصحابها أولياء الله عند أكثر العلماء، فضلا عن كونهم معصومين، فإن ولي الله من يموت على الإيمان، ومجرد الخارق لا يدل على أنه يموت على الإيمان بل قد يتغير عن ذلك الحال.
فقال: إن الحواريين جرت على أيديهم خوارق. فنقول: إن جريان الخوارق على أيدي هؤلاء لا يدل على ماذا؟ يعني لو أن إنسان جرت على يده خارقة نقول هي كرامة ككرامات الأولياء، ثم بتعرفوا أنتم مين؟ كيف بيستطرد، وأصلاً وجود خوارق عادات بحد ذاته ليس دليلاً حتى على الولاية مش على النبوة على الولاية نفسها، فإن أحياناً قد يكون ممن يستغيث بالقبور ويتوسل بها وكذا، وقد تخلق لهم بعض العادات ويكون هذا من الفتنة والبلاء لهم، فما بالك أن تقول لي والله خوارق العادات هي دلالة النبوة؟ هذا غير علم الكلام.
نعم، طبعا يعني علماء الصوفية وعلماء كثير يقولون إن خوارق العادات دلالة على الولاية، فهو الآن علماء بالمعنى العام بغض النظر يعني محقق مش محقق، بالمعنى العام علماء الإسلام.
وإذا قطعنا... قال: وإذا قطعنا بأن الرجل ولي لله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة فلا يجب الإيمان بكل ما يقوله إن لم يوافق ما قالته الأنبياء، بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإنهم معصومون لا يجوز أن يستقر فيما يبلغونه الخطا، ولهذا أوجب الله الإيمان بهم ومن كفر بواحد منهم فهو كافر، ومن يسب واحداً منهم وجب قتله في شرع الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَإِن تَّوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136-137]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَالَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]. وهذا مبسوط في موضوع آخر.
طبعاً قال فصل: طيب، الآن من الشبهة السابقة شبهة الترجمة، الحين إنا شبهة أخرى. قال: وأما قولهم: لا يلزمنا اتباعه لأننا نحن قد أتانا رسل من قبله يخاطبون بألسنتنا وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا، وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلغتنا على ما يشهد لهما الكتاب الذي أتى به هذا الرجل، حيث يقول في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36].
هذه الشبهة أشرت إليها قبل قليل، هم يزعمون أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو خاص للعرب؛ لأن كل نبي يرسل بلسان قومه، وأنتم أيضاً في كتاب هذا الرجل -هم يسمون الرجل وهو النبي عليه الصلاة والسلام- أنتم في كتابكم مش تقولون إن الله يقول: وما أرسلنا من رسول بلسان قومه؟ فهم يقولون هذه الآية حجة عليكم، إذاً محمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة. فيريد أن يبين هنا أن كونه أرسل بلسان قومه هو لا يدل على أنه لا يجوز أن يكون مبعوثاً إلى غيرهم كما ذكر.
اقرأ قال: فالجواب عنهم من وجوه: أحدها: أن إثبات الرسول من قبله إليكم لا يمنع إتيان رسول ثانٍ، فإن بني إسرائيل قد بعث الله إليهم موسى عليه السلام وكانوا على شرعة التوراة، ثم بعث الله تبارك وتعالى إليهم المسيح عليه السلام، وجب عليهم الإيمان به، ومن لم يؤمن به كان كافراً، وإن قال: إني متمسك بالكتاب الذي أنزل إليّ. فكذلك إذا أرسل الله رسولاً بعد المسيح وجب الإيمان به، ومن لم يؤمن به فكان كافراً، كما أن من لم يؤمن بالمسيح من بني إسرائيل كان كافراً.
إذاً هي النقطة الأولى؛ لأنهم ايش قالوا في شبهتهم؟ نحن لا يلزمنا أن نتبع محمد صلى الله عليه وسلم ليه؟ لأننا نحن اجانا نبي وخلص. الآن قضية أن جاءك نبي هذا لا يعني أنه لا يمكن أن يأتيك نبي بعده، فالامتناع عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بحجة أننا خلص اجانا نبي وأخذنا وأعطونا التوراة والإنجيل ويكفي ما في شيء بعد ذلك، قل هذا كلام لا يصح؛ إثبات رسول جاء إليكم لا يمنع إتيان رسول بعد ذلك بتوجيهات وتعديلات وتصويبات وأمور أخرى إضافات من الله سبحانه وتعالى.
قال: بنو إسرائيل أكثر اختصاصاً بموسى والتوراة من الروم وغيرهم، فالمسيح والإنجيل... فانهم... فالمسيح والإنجيل فإنهم كانوا عبرانيين عبرانيين والتوراة عبرانية.
نعم قال: الوجه الثاني دعواهم أنهم متمسكون في هذا الوقت بالدين الذي نقله الحواريون عن المسيح عليه السلام كذب ظاهر. يعني بنو إسرائيل أكثر اختصاصاً بموسى والتوراة من الروم، ليه؟ لأنه الروم لسانهم سرياني بخلاف بني إسرائيل لسانهم ايش؟ عبري، والتوراة نزلت بالعبرية.
نعم قال الوجه الثاني دعوى... ومع ذلك الله عز وجل أرسل بعد ذلك عيسى عليه السلام لهم للإنجيل.
نعم قال وجه ثانٍ: دعواهم أنهم متمسكون في هذا الوقت بالدين الذي نقله الحواريون عن المسيح عليه السلام كذب ظاهر، بل هم عامة بل هم عامة ما هم عليه من الدين عقائد وشرائع كالأمانات والصلاة إلى المشتق واتخاذ الصور والتمثال في الكنائس واتخاذها وسائط والاستشفاع بأصحابها وجعل الأعياد بأسمائهم وبناء الكنائس على اسمائهم واستحلال الخنزير وترك الختان والرهبانية وجعل الصيام في الربيع وجعل خمسين يوماً والصلوات والقرابين والناموس، لم ينقله الحواريون عن المسيح ولا هو موجود في التوراة ولا في الإنجيل، وإنما هم متمسكون بقليل مما جاءت به الأنبياء، وأما كفرياتهم وبدعهم فكثير جداً، لم ينقل أحد عن المسيح والحواريين أنهم أمروا أن يقولوا ما يقولونه في صلاتهم السحرية: تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا، وفي الصلاة الثانية والثالثة: يا والدة مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة.
الوجه الثالث -طبعا الوجه الثاني يريد أن يقول هم ايش قالوا: وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا، يقول لهم بالله رجاء كلمة هي متمسكون بها إياها من الشبهة كلها لماذا أنتم مش متمسكون بدينكم؟ يعني هو يقول لهم أنتم عرفتوا يرد على الشبهة، هم في اصل الشبهة ماذا قالوا؟ جاءنا خلص نبيين ونحن متمسكون بالدين، لا، أنتم مش متمسكون بالدين لأنه دين موسى وعيسى ما له علاقة بدين الذي أنتم عليه إلا النزر اليسير.
نعم قال: الوجه الثالث قولهم إنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل بلغاتهم، إنما يستقيم إن كان صحيحاً في بعض النصارى لا في جميعهم، فإن العرب من النصارى وغير العرب لم يسلم أحد لم يسلم أحد إليهم التوراة ولا إنجيلاً بلسانهم، وهذا أمر معروف ولا توجد قطراة ولا إنجيل معرب من زمن حواري، وإنما عربت في الأزمنة المتأخرة، فاذا كانت النصارى من العرب تقوم عليهم الحجة قبل محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب نزل بغير لسانهم ثم عرب لهم، فكيف لا تقوم على الروم وغيرهم الحجة بكتاب نزل بغير لسانهم ثم ترجم بلسانهم؟
نعم إذا قلتم إن نصارى العرب دينهم صحيح في إيمانهم بعيسى، إذاً قامت عليهم الحجة بالإنجيل مع أن الإنجيل ليس بلسانهم وإنما تم ترجمته، فإذاً لماذا تمنعون وترفضون أن يكون القرآن الكريم تقوم به الحجة على الروم مع أنه ليس بلسانهم من خلال أن يترجم؟ هذه الفكرة.
نعم قال: الوجه الرابع أن يقال إن الأمة إذا غيرت دين رسولها الذي أرسل أرسل إليها وبدلته، أرسل الله إليها من يدعوها إلى الدين الذي يحبه الله ويرضاه، كما أن بني إسرائيل لما غيروا دين موسى وبدلوه بعث الله إليهم وإلى غيرهم المسيح بالدين الذي يحبه ويرضاه، وكذلك النصارى لما بدلوا دين المسيح وغيروه بعث الله إليهم وإلى غيره محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين الذي يحبه ويرضاه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم مع ربهم وعجبهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»، وأولئك البقايا الذين كانوا متمسكين بدين للمسيح قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على دين الله عز وجل، أما من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن به فهو من أهل النار، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».
قال: طبعاً الوجه الرابع يقصد به أن بعثة الأنبياء وتجديد النبوة إنما يكون عندما يحصل تبديل في الدين السابق، وهذا الذي وقع فعلاً، فإنكم بدلتم دين عيسى عليه السلام فأحتاج هذا إلى إرسال نبي.
نعم قال: الوجه الخامس أن يقال دعواهم أن الرسل سلموا إليهم التوراة والإنجيل وسائر النبوات باثنين وسبعين لساناً باقية اليوم على لفظ واحد، دعوة يعلم أن قائلها يتكلم بلا علم بل مفتر كذاب، وذلك أن هذا يقتضي أنه الآن في الأرض هذه الكتب باثنين وسبعين لساناً كلها منقولة عن الحواريين وكلها متفقة غير مختلفة البتة، فهذا أربع دعاوى أنها موجودة باثنين وسبعين لساناً.
إذاً هي أربع دعاوى تفصيلية: أولاً أنكم تقولون أنها اثنان وسبعون لساناً، اثنين وأنها متفقة، وأن الاثنين والسبعين هذه التوراة اللي باثنين وسبعين نسخة، اثنين وسبعين لغة، أو الإنجيل باثنين وسبعين، كلها متفقة في مضمونها، ثلاثة قال: إنها كلها كلها منقولة عن الحواريين، كل أن الحواريين هم اللي كتبوها، أربعة الرابعة أنهم معصومون وأن الحواريين معصومون، اللي هي... وكل هذه المقدمات لا صلة ولا دليل على صحة واحد منها.
نعم قال فيقال: من منكم لو قدر أن هذه الكتب التي باثنين وسبعين لساناً هي عن الحواريين وهي موجودة اليوم، فمن الذي يمكنه أن يشهد بموافقة بعضها بعضاً؟ يلا جيبوا لنا اثنين وسبعين وأكدوا قل لنا إنه هي النسخة الثالثة والسبعين متوافقة في مضمونها، نحن الأناجيل الأربعة اللي عندكم هي مش متوافقة في مضمونها، فما بالكم بالاثنين والسبعين؟
نعم قال: وذلك لا يمكن إلا لمن يعلم الاثنين وسبعين لساناً ويكون ما عنده من الكتب يعلم أنها مأخوذة.
الحواريين ويعلم أن كل نسخة في العالم بهذا اللسان توافق النسخة التي عنده. احنا محتاجين حتى نأكد أن الاثنين وسبعين نسخة المزعومة متفقة، فيش فيها تلاعب، بدنا نجيب شخص بيعرف الاثنين وسبعين لغة. بدك تجيب شخص بيعرف اثنين وسبعين لغة، تمام؟ حتى يأكد لنا: آه والله، قرأت الإنجيل اللي باللغة الحبشية، وباللغة العربية، وباللغة الهندية، وباللغة كذا، ووصلت إلى قناعة أن كلها متفقة. إذا، نحتاج شخص يكون عارف بالأثنين وسبعين لسان، تمام؟ ويكون ما عنده من الكتب يعلم أصلاً أنها مأخوذة من الحواريين، ما حدا تلاعب فيها.
طيب، قال: ويعلم أن كل نسخة في العالم بهذا اللسان توافق النسخة التي عنده التي عنده. نعم، وإلا فلو جُمِع اثنان وسبعون نسخة باثنين وسبعين لساناً لم يعلم أن كل نسخة من هذه هي الماخوذة عن الحواريين، إن قُدِّر أنه أُخِذ عنهم اثنين وسبعون، أُخِذ عنهم اثنين وسبعون لساناً. ولا يعلم، ولا يعلم كل نسخة في العالم توافق، ولا يعلم كل نسخة في العالم توافق تلك النسخة؛ فانه من المعلوم أنه في زماننا وقبل زماننا لم تزل هذه الكتب تنقل من لسان إلى لسان، كما يترجم من العبرانية إلى العربية، ومن السريانية والرومية واليونانية إلى العربية وغيرها.
وحينئذ، فإذا وجدت نسخة بالعربية لم يعلم أنها مما عُرِّبَت بعد الحواريين أو هي من المأخوذ عن الحواريين، إذا قُدِّر أنه أُخِذ عنهم نسخة بالعربية، ولا يمكن لأحد أن يجمع جميع النسخ المعربة. هناك إشكاليات كثيرة حول هذا الطرح؛ أنه الآن نفرض مثلاً والله ذهبنا جزيرة العرب، وجدنا نسخة بالعربية من من الإنجيل، أولاً: هل تستطيع تضمِّن لي أن هي النسخة كتبها الحواريون؟ مش نسخة كتبت بعدهم، يعني أنا أول شيء بدي أتأكد أنه هي فعلاً كتبها الحواريون وليست من النسخ التي كتبت بعدهم، هذه إشكالية. ثم إذا بدنا نتأكد هل فعلاً كل النسخ -طبعاً جابوا لنا نسخة للعرب، ونسخة للحبشة، ونسخة للفرس، ونسخة للهند- طب جمعناها، طب هل نحن متأكدون أن مضمونها واحد؟ يمكن أن يكون في تلاعب فيها. طب محتاجين شخص متخصص يعرف كل هذه اللغات حتى يعمل مقارنة.
ما هو الآن مين اللي بعمل مقارنة بين النسخ؟ الشخص بيعرف الألسنة المتعددة يستطيع أن يعمل مقارنة ليقول لنا: آه والله، مضمون الإنجيل العربي يتفق مع مضمون الإنجيل الهندي، مع مضمون الإنجيل... هذه كلها أمور غير موجودة وغير متاحه ولم تحصل أصلاً. نعم، قال: بل وقد وجدنا النسخ المعربة يخالف بعضها بعضاً في الترجمة مخالفة شديدة تمنع الثقة ببعضها. قال: إذا كانت النسخ الموجودة بالعربية، نحن وجدنا في المقارنة بينها مخالفات شديدة؛ هذا لو بدنا نجيب الاثنين وسبعين لسان ونقارن بينهم، هذا رح يطلع ربما اثنين وسبعين إنجيل، يعني هذا، إذا النسخ اللي في العربية فقط، والتي يزعم أنها عن المسيح والحواريين، اللي بالعربية مختلفة فيما بينها. نعم.
قال: وقد رأيت أنا بالزبور عدة نسخ معربة بينها من الاختلاف ما لا يكاد ينضبط، وما يشهد بأنها مبدلة مغيرة لا يثق بها، ورأيت من التوراة المعربة من النسخ ما يكذب ما يكذب بكثير، ما يكذب بكثير من ترجمتها طائفة من أهل الكتاب. فكيف -لاحظ طبعاً هذه قضية الزبور، وقد رأيت أنا بالزبور يعني كان شيخ الإسلام كان في أيامه نسخة من الزبور، يقول: وقد رأيت أنا بالزبور عدة نسخ معربة بينها من الاختلاف ما لا يكاد ينضبط-. نعم، شيخ، أظن هو إلى الآن موجود ضمن كتبهم، الكتاب المقدس في جزء، إنه ممكن ناسي اسمه بالضبط، والسر... والله لا أعلم.
نعم، قال: فكيف يمكنه أن يجمع جميع النسخ التي بالأثنين وسبعين لساناً، يقابل بين نسخ كل لسان حتى يكون فيها النسخة القديمة المأخوذة للحواريين، ثم يقابل بين نسخ جميع الألسنة؟ ولا يمكن ذلك إلا لمن يكون عارفا بالأثنين وسبعين لسان معرفة تامة، وليس في بني آدم يقدر على ذلك، فيش بني آدم بيعرف اثنين وسبعين، يعني أشطر واحد فينا الفلته بكون بقول لك: بحكي خمس لغات، صح؟ ست لغات، يعني هذا فيش واحد بحكي باثنين وسبعين لغة. نعم، قال: ولو قُدِّر وجود ذلك، فلم يُعرف أن فلم يُعرف أن القادر على ذلك فعل ذلك وأخبرنا باتفاقها. ولو لقينا واحد بيعرف اثنين وعشرين لغة، لم نجد في العالم أو في فترة من الفترات شخص قارن الاثنين وسبعين أي نسخة من الإنجيل المزعومة هذه وقال أنها متطابقة.
نعم، قال: ولو وجد ذلك لكان هذا خبر واحد، أو أن يترجمك أو يترجم كل لسان من يترجم كل لسان من يعلم صحة ترجمته حتى تنتهي الترجمة إلى لسان واحد كالعربية مثلاً، ويعلم حينئذ اتفاقها. وإلا فإذا ترجم هذا الكتاب، أو أنه في احسن الأحوال أنه نجيب واحد بيعرف العربية والسريانية، وواحد بيعرف الهندية والسريانية، وواحد بيعرف الفارسية والسريانية؛ فبنخلي كل واحد يعني يترجم النسخة نسخته إلى لغة مشتركة، وبعدين نعرف هل هي متطابقة ولا لا؟ فهمت علي؟
يعني الإنجيل العربي بجيب واحد عربي بيفهم باللغة السريانية، والإنجيل الهندي بجيب واحد هندي بيعرف اللغة السريانية، فبنقول: يلا أنتم الاثنين وسبعين ترجموا لنا الإنجيل ستترجم لغة واحدة مشتركة، صحيح؟ بعدين بنصير ايش نشوف مطابقه: اللي ترجم من الهندي للسرياني هل ترجمته متطابقه مع من ترجم من العربي للسرياني؟ هل متطابق مع من ترجمه من الإنجليزي للسرياني مثلاً؟ فبتصير لازم نحط لغة مشتركة الكل بدو يترجم لها ونعمل الآن مطابقة بعد ذلك: هل هذه التراجم كلها متطابقة ولا طلع أصلاً في نصوص تتكلم بمواضيع مختلفة مش موجودة في مكان آخر؟
نعم، قال: وإلا فإذا ترجم -يعني بده يقول له: رح يطلع في الأخير خبر آحاد، وأنتم أصلاً رافضين ترجمة القرآن بحجة أنه سترجم غير ترجمة غير معصومة، فأنتم أكثر ما يمكن أن يقال إنه خبر واحد- نفس الشيء ما لستم أعلى منا في هذا المكان. نعم، قال: إلا فإذا ترجم ترجم هذا الكتاب بلسان أو لسانين أو أكثر، وترجم الآخر كذلك، لم يُعلَم اتفاقها إن لم يُعلَم أن المعنى بهذا اللسان هو المعنى بهذا اللسان، وهذا لا يكون إلا ممن يعرف اللسانين، أو من يترجم له اللسانان باللسان الذي يعرفه، ومعلوم أن أحداً لم يترجم له الاثنين وسبعين لساناً بلسان واحد أو ألسنة يعرفها، ولا يعرف أحد، ولا يعرف أحد باثنين وسبعين لساناً.
وحينئذ فالجزم باتفاق جميع الكتب المكتوبة باثنين وسبعين لساناً، أو الجزم بأن نسخ كل كل متفقة جزم بما لا يعلم صحته، لو لم يكن في الأرض اليوم الأثنين وسبعين لساناً منقولة عن الحواريين لم تختلط بالمترجم بعد ذلك، فكيف وأكثر ما بايدي الناس هو مما ترجم بعد ذلك بالعربية وغيره؟ هذا إذا ثبت أن الحواريين سلموها باثنين وسبعين لساناً، وأنها باقية إلى اليوم؛ هذا أمر لا يمكن أحداً معرفته، فليس اليوم تورات ولا إنجيل ونبوات يشهد لها أحد أنها متر ترجمة باللسان باللسان العربي من عهد الحواريين، بل ولا بأكثر الألسنة.
وإلا فإذا قُدِّر أن الحواريين سلموها باثنين وسبعين لساناً مع حصول الترجمة بعد ذلك وكثره المترجمات، أمكن وقوع التغيير في بعض المترجمات، وحينئذ فالعلم بأن تلك النسخة النسخة القديمة لا تغير فيها لا يمنع وقوع التغيير في بعض ما ترج ما ترجم بعدها أو في بعض لا تغيير فيها، وحين في العلم بأن تلك النسخ القديمة المزعومة لا تغيير فيها لا يمنع وقوع التغيير في بعض ما ترجم بعدها. نعم، أو في بعض ما نسخ ونقل منها. نعم، قال: ولا سبيل إلى العلم باتفاقها مع كونها باثنين وسبعين لسان، بخلاف القرآن الذي هو بلسان العرب وخط العرب؛ فإن العلم باتفاق ما يوجد من نسخة ممكن محفوظ في الصدور ولا يحتاج إلى حفظ في الكتب، فهو منقول بالتواتر لفظاً وخطاً.
الوجه السادس: قولهم وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا على ما يشهد لهما الكتاب الذي أتى به هذا الرجل. فيقال لهم: ليس في القرآن ما يشهد لكم بأن التوراة والإنجيل سلمت إليكم بلسانكم. نعم، هم يزعمون أن القرآن يشهد بأن التوراة والإنجيل سلمت إليهم بلسانهم لما احتجوا بآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فنقول: ليس في القرآن ما يشهد لكم بأن التوراة والإجيل سلمت إليكم بلسانكم. نعم، قال: فاستشهادكم بالقران على هذه الدعوة من جنس استشهادكم به على أن دينكم حق، على أن النصرانية حق؛ فكما أن هذا الاستشهاد باطل، كذلك الاستشهاد هذا باطل.
نعم، قال: وعن جنس استشهادكم بالنبوات على ما أحدثتموه وغيرتم به دين المسيح عليه السلام من التثليث والاتحاد وغير ذلك، وقولهم حيث يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: 36]. فيقال: لا ريب أن قوم موسى عليه السلام هم بنو إسرائيل، وبلسانهم نزلت التوراة، وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح عليه السلام، كان المسيح يتكلم، فلم يخاطب أحد من الرسولين أحداً إلا باللسان العبراني، ولم يتكلم أحد منهما لا برومية ولا سريانية ولا يونانية ولا قبطية.
هو طبعاً لماذا؟ لأنه بولس الأنطاكي، هؤلاء الروم الروم لسانهم سرياني، فلما أنت تجي لنصارى الروم يجوا يقول: احنا الحواريين سلمونا التوراة والإنجيل بلساننا! طب هو لسانكم سرياني، والتوراة والإنجيل نزلت باللسان العبري، فكيف تقول أنه نزل التوراة والإنجيل وسلم إليكم بلسانكم؟ لأنه أنت عاده بولس الأنطاكي وغيرهما كانو يخاطبون هم نصارى الروم وهؤلاء سريانيون ليسوا عبريين.
فقول: لا ريب أن قوم موسى كان هم بنو إسرائيل، وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح، وهؤلاء ماذا كان لسانهم؟ العبران اللغة العبرية، ولم يتكلم أحد منهم بالرومية ولا بالسريانية ولا ما شابه ذلك؛ فقولكم أن التوراة والإنجيل سلمت إليكم بلسانكم هذا كلام النصارى الروميين، هذا كلام غير صحيح. نعم، قال: وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ كلام مطلق. نعم، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24] ليس في هذا تعرض لكون التوراة والإنجيل سلمت إليهم بألسنتهم.
الوجه السابع: أن يقال عمدتهم في هذه الحجة أنهم يقولون: الحواريون هم عندنا رسول الله كإبراهيم وموسى، والمسيح عندنا هو الله، وأرسلونا هؤلاء فيجب أن يكونوا أرسلوا إلينا بلساننا، وأن يكونوا سلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا. فيقال لهم: هب أنكم تدعون هذا وتعتقدونه ونحن سنبين -إن شاء الله تعالى- أن هذه دعوة باطلة، لكن أنتم في هذا المقام تذكرون أن هذا الكتاب الذي هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يشهد لكم بذلك، وهذا كذب ظاهر على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه، وأنتم صدرتم كتابكم بأن كتابه يشهد لكم، ونحن نبين كذبكم وافتراءكم عليه، سواء أقربتم بنبوته أو لم تقربوا بها؛ فانه من المعلوم يقيناً عنه أنه لم يشهد للمسيح بأنه الله بل كفر من قال ذلك، ولا يشهد للحواريين بأنهم رسل أرسلهم الله، بل إنما شهد للحواريين بأنهم قالوا إن مؤمنون مسلمون، وأنهم قالوا: نحن أنصار الله، كما شهد لمن آمن به بأنهم مؤمنون مسلمون ينصرون الله ورسوله، وأنهم أفضل من الحواريين لكون أمته خير الأمم.
كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيُّونَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14].
كان ابن تيمية يريد أن يقول: أنتم تزعمون أن القرآن يشهد لكم بأن الحواريين سلموكم التوراة والإنجيل بلغتك؟ مش هيك بيقول النصارى الروم؟ أن القرآن يشهد لنا بأن رسلنا سلمونا التوراة والإنجيل بلغتنا؟ يريد أن يبين لهم كذب هذه الدعوة من خلال أن مضمون القرآن أصلاً ينقض مضمون التوراة والإنجيل التي بين أيديكم؛ يعني القرآن ينهى عن التثليث ويقول إن عيسى ليس ابن الله، ويقول من قال ذلك فهو كافر، فكيف يكون القرآن يشهد -بغض النظر الآن أقررت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا- القرآن الذي جاء محمد عليه الصلاة والسلام يفند ويكفر مضمون ما عندكم في التوراة والإنجيل المحرفة من أن عيسى ابن الله أو الإله وما شابه ذلك؟ فكيف يكون القرآن يشهد بصحه ما عندكم من التوراة والإنجيل وأنها سلمت إليكم بلغتنا ومضمونها أصلاً يتعارض مع مضمون القرآن؟
نعم، قال: وسيأتي الكلام على هذا مبسوطاً، ونبين أن الرسل المذكورين في سورة يس ليسوا هم ليس هم الحواريين ولا كانوا رسلاً للمسيح، بل كان هذا الإرسال قبل المسيح، وأهل القرية كذبوا أولئك الرسل فأهلكهم الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 28-29]. الرسل المذكورون في سورة يس هم ثلاثة، وكانوا في القرية، وكان في القرية رجل آمن بهم، وهذا وهذه وإن كانت أنطاكيا فكان هذا الإرسال قبل المسيح.
الآن النصارى يقولون: الدليل على أن القرآن يشهد أن الرسل جاؤونا وسلمونا قصة يس فيزعمون أن قصة يس: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] التي وردت في بداية القصة، أن هؤلاء الرسل الثلاث هم من الحواريين، وأنهم أتوا إلى أنطاكيا، وأنطاكيا اللي هي جنوب تركيا اليوم، ذهبوا إليها وسلموا الناس الأمانات، وهي القرآن يشهد بأن الحواريين كانوا رسل القرآن تبعكم يشهد أن الحواريين كانوا رسل، وين؟ في قصة يس أن هؤلاء الثلاثة، فيريد أن يقول لهم أنه هي القصة التي أنتم...
توهمتم أنها في الحواريين، لا يوجد الدليل أن هؤلاء الثلاثة كانوا من الحواريين، بل هذه القصة كلها أصلاً كانت قبل المسيح عيسى ابن مريم. هو كل هذه القصة هي كلها كانت قبل المسيح عيسى ابن مريم نعم، صحيح رأوا على أنطاكيا وهكذا ورد في الإسرائيلية، لكن هذا كان قبل المسيح.
قال والمسيح عليه السلام ذهب إلى أنطاكيا اثنين من أصحابه بعد رفعه إلى السماء، ولم يعززوا بثالث ولا كان حبيب النجار موجوداً. ذلك حبيب النجار اللي هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى. نعم، قال آمن أهل أنطاكيا بالمسيح عليه السلام، وهي أول مدينة آمنت به كما بسط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يشهد للمسيح بالإلهية، ولا للحواريين بأنهم رسول الله، ولا أنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل بلسانهم، ولا بأنهم معصومون. وما ذكروه من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] إنما يتناول رسول الله، بل رسل الله. يجوز أن يبلغ رسالات الرسل بلسان الرسل إذا كان هناك من يترجم لهم ذلك اللسان، وإن لم يكن هناك من مترجم لذلك اللسان كانت رسل الرسل تخاطبهم بلسانهم، لكن لا يلزم هذا أن يكون قد كتبوا الكتب الإلهية بلسانهم، بل يكفي أن يقرأوها بلسان الأنبياء عليهم السلام ثم يترجموها بلسان أولئك. وهو سبحانه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، ولم يقل وما أرسلناها من رسول إلا إلى قومه.
شوف هذا الكلام الجيد، يعني هي مقارنة جيدة. الله عز وجل لم يقل وما أرسلناها من رسول إلا إلى قومه، لا، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾. هذا فرق، لو قال وما أرسلناها من رسول إلا إلى قومه قالوا والله معكم حق تعترضون وتقولون إن محمد صلى الله عليه وسلم ليس مرسلاً إلينا، القرآن قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، لكن هذا لا يمنع أن يكون مرسلاً إلى غيرهم، ويكون المطالب هو ترجمة هذا اللسان.
نعم قال: محمد صلى الله عليه وسلم أرسل بلسان قومه أم قريش، وأرسل إلى قومه وغير قومه، كما يذكرونهم ذلك عن المسيح عليه السلام. واما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36] فحق. وتمام الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].
وهذا كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7]. في أصح الاقوال أي ولكل قوم داع يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، كما أنت هادٍ أي داع لمن أرسلت إليه. والهادي بمعنى الداعي المعلم المبلغ، لا بمعنى الذي يجعل الهدى في القلوب، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 52-53]، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [فصلت: 17].
ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء، بعث إليهم موسى وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون، حتى قيل إنهم ألف نبي، وكلهم يأمرون بشريعة التوراة ولا يغيرون منها شيئاً، ثم جاء المسيح بعد ذلك بشريعه أخرى غير فيها بعض شرع التوراة بأمر الله عز وجل. فإذا كان إرسال موسى والأنبياء بعده إليهم لم يمنع إرسال المسيح إليهم، فكيف يمتنع إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ وهم من حين المسيح لم يأتهم رسول من الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 19].
وهذه الفترة التي كانت بين المسيح ومحمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، وهي فيما ذكره غير واحد من العلماء كسلمان الفارسي وغيره، كانت 600 سنة. وقد قيل 600 سنة شمسية وهي 620 أو 18 هلالية.
يعني 600 شمسي بتطلع 620 بالقمري التقويم القمري.
قال أو 18 هلالية. قال لك وذلك أن كل 100 سنة شمسية تكون 103 سنين هلالية، كما قال بس في الحسبة الرياضية كل 100 سنة شمسية تساوي 103 هلالية هيك بحكي.
طيب واستدل بقوله تعالى ولبثوا في كهفهم أيوه قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25]. وهذه التسع وبعض العاشرة، يعني بتعرف بعض المفسرين ايش يقولوا؟ في كهفهم ثلاث مائة سنين هي شمسية وازدادوا تسعاً، إذا بدك تحسبها قمرية، ليه؟ لأنه ما هي كل 100 شمسي عبارة 103.
طب 300 شمسي بتصير 109 زائد 300 بيصير 309. بس هذه أنا ما فهمتها هنا لما قال وهذه تسع وبعض العاشرة، عندك النسخة؟
إيش وبعض العاشرة؟ وهذه تسع وبعض العاشرة.
طيب قال: أكمل، قال فصل والتاريخ تحسب فيه التامة وتحسب فيه الناقصة. من قال 20 حسب الناقصة ومن قال 18 حسب التامة فقط. ماذا قصد بالناقصة والتامة هنا؟ أيضاً هذا الكلام يحتاج إلى نظر، يعني ماذا قصد شيخ الإسلام هنا بكلمة تامة؟ هو طبعاً هو يجي يقول لك إنه ليش اللي قالوا 600 شمسي اختلفوا وبعضهم قال هي 620 والبعض قال هي 618؟ إذا لاحظتوا في النصف الأعلى قبل قليل: وقد قيل 600 شمسية وهي 620 أو 18. طيب اللي قال 20 ليش قال 20؟ واللي قال 18 قال ناقصة وتامة. ناقصة وتامة كبيسة وغير كبيسة يعني ولا شو؟
يمكن بالآية اللي هو التسعة، إنه يعني هي تمت 309 سنوات وبعض السنة العاشرة يعني. بعضهم قال 310 أنه باعتبار أنه يعني زي كأنه كملها، وأما 309 لا السنوات اللي تمت تماماً.
طيب بس ماشي، بس هذا نحن بنرجع عن 600، هل هو الآن قال: فمن قال 20 هسه هو بيرجع لفوق إن كل 100 اللي قال 620 إيش يعني أتم؟ كيف يعني أتم؟ قال: فمن قال 20 هي 620 حسب الناقصة ومن قال لا هي 618 حسب التامة فقط.
ماذا يقصد بكلمة التامة هنا؟ التمام والنقصان بأي باعتبار ماذا؟
والمستغرب تقرب من 618 620 بس 619 20 آه، أنا بقول لك يعني في النهاية تقول 20 ناقصة، 18 تامة. ماذا قصد بالتمام هنا؟ شو هي شو اسم الكبيسة؟
نعم، الشمس القلب بتيجي يوم، وهذا أنا أقصد هل هذا هو الذي قصده أنه هي بتيجي فيها شحطة زيادة؟ بعضهم بقول لك السنة 600 613 إلا ونص وشو عفواً 365. 300 إيوه وشحطة، 64 وربع ناس هيك بتكي، ناس هيك بتكي.
أنا أقصد أنا شعرت أنه يريد أن يتكلم عن السنة الكبيسة، إنه هو بقول لك هي بتيجي وشحطة وشحطة كل سنة. فإذا أنت بدك تحسب التامات التامات بدون نقص بتطلع 618 سنة بالضبط.
أستاذ هو هذه بالقمرية يعني السنة الكبيرة بالشمسية، بس هون بيحسب القمرية 18 26. لا ما أنت مش أنت أحسبها يقول لك إذا بدك تحسبها بالشمسية بعدد الأيام رح تطلع بالقمرية هيك. يعني أنت إذا أضفت على كل سنة ربع ربع ربع ربع بتطلع، بس هنا بقول لك قال: فمن قال 20 حسب الناقصة ومن قال 18 حسب التامة. بدك نمسك الآلة الحاسبة ونصير نشوف شو التامة ونقصها حتى تطلع معك.
المهم مش موضوع، أنا أستكمل بس أنا بحب إنه يفهم ماذا قصد حتى بالناقص أو التام هنا.
نعم قال رحمه الله: فصل، وأما قولهم نعلم أن الله عدل، وليس من العدل أن يطالب أمة يوم القيامة باتباع انسان لم ياتي إليهم ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم ولا من جهه داع من قبله، فيقال الجواب من وجوه.
أحدها أن هذا الكلام لا يجوز أن يقوله من كتب هذا الكتاب ولا أحد يفهم بالعربية، فإن هؤلاء يفهمون هذا الكتاب بالعربية. هي شبهة جديدة من شبهات بولس الانطاكي: أن الله عدل، وليس من عدل الله أن يطالب أمة يوم القيامة باتباع إنسان لم يأت إليهم، ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم، ولا من جهة داع من قبله. هل هذه الشبهة التي يطرحونها شبهة علمية؟ فهل فعلاً أن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم للعجم ينافي عدل الله باختصار؟
فيقول شيخ الإسلام: نعم. قال أحدها: أن هذا الكلام لا يجوز أن يقوله من كتب هذا الكتاب ولا أحد يفهم بالعربية، فإنهم يفهمون هذا الكتاب بالعربية، وقد قرأوه وناظروا به. وإذا كانوا مع ذلك يفهمون بغير العربية كان ذلك أبلغ في قيام الحجة عليهم، فإنهم يمكنهم فهم ما قال بالعربية وتفهم ذلك لقومهم باللسان الآخر.
إذاً أول شيء أن هذا الكلام لا يجوز أن يتقوله من كتب هذا الكتاب، يقصد بولس الانطاكي. أنت بولس الانطاكي واضح أنك تفهم العربية، وأنت أصلاً بتعرف القرآن وعارف، وأنت أصلاً عم تأخذ من القرآن وتقتبس منه. فإن هؤلاء الذين كتبوا الكتاب بولس الانطاكي ومن ناقل هؤلاء، واضح أنكم تفهمون العربية، ومش العربية أنت بتعرفهم العربية وبتفهم السريانية، وهذا كلامك حجة عليك أنك تفهم العربية وتفهم السريانية، وبالتالي تستطيع أن تنقل هذا الكتاب من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى.
فما دام تفهم العربية إذاً القرآن حجة عليك، لأنك تفهمه وتعرفه. يعني لو شخص لم يحسن العربية أبداً، يعني ليس له وجه أنه يتكلم وجه أنه يقول أنا مش قادر أفهم هذا الكتاب. ما أنت عربي واضح أنك تستشهد قاعد بالقران وآيات القرآن، فليس لك وجه أن تحتج اللهم علي بحجة كتابي ليس بلساني. أنت خلاص أصبحت الكتاب تماماً.
قال الثاني: كما أنهم يفهمون ما في كتبهم الرومية والسريانية والقبطية وغيرها ويترجمون العرب من النصارى العربية، فإذا قامت الحجة على العرب النصارى باللسان الرومي فلا تقم على الروم باللسان العربي أو لسان الروم التي ينطقون به بعد دخول الاسلام أكثر وأكفأها.
واضحة هي؟ شو واضحة؟ واضحة أنه إذا أنتم تزعمون أن النصرانية قامت بها الحجة على العرب وهذا من الترجمة، فلا عكس أن العربية تقوم بها الحجة على الروم، لأن اللسان العربي أوضح وأبي وأقدر على التفهم من اللسان السرياني.
نعم، وهذا من إلزام الخصم بنظير حجته. يكون به إلى غير أهل لسانه أيسر لكمال معناه وكثره العارفين به. فهؤلاء علماء النصارى يقرأون كتب الطب والحساب والفلسفة وغير ذلك باللسان العربي، مع أن مصنفيها كانوا عجماً من رومي ويوناني وغير ذلك. فما المانع أن يقرأ القرآن العربي وتفسيره وحديث النبي صلى الله عليه وسلم بلسان العجمي مع أنه أخذ عن الرسول بالعربي، فهو أولى بأن يعرف به مراد المتكلم به؟
قال الوجه الثالث: أن يقال الناس لهم في عدل الله ثلاثة أقوال. قيل كل ما يكون مقدوراً لله فهو عدل. وقيل خلونا نعرف العدل، ما معنى العدل أصلاً؟ يعني ابن تيمية يريد أن يقول: تعالوا نشوف أصلاً ما تفسير العدل عندكم؟ يقول الناس يعني أصحاب المقالات، الناس يعني أصحاب المقالات لهم في تفسير العدل الإلهي ثلاثة أقوال: قيل كل شيء في مقدور الله فهو عدل، وطبعاً هذا التعريف سيئ، هذا غلط. التعريف العدل ليس هو كل شيء يدخل تحت القدرة. الله سبحانه وتعالى يقدر أن يعذب المؤمنين تماماً، قادر سبحانه وتعالى على كل شيء، لكنه قال: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. فهل العدل كل شيء يدخل تحت القدرة؟ هذا تعريف العدل طيب.
وقيل العدل منه سبحانه وتعالى هو نظير العدل من عباده، وهؤلاء الذين قاسوا أفعال الله على أفعال المخلوقين، وهذا أيضاً خطأ وهذا قول المعتزلة، وبالتالي خرجوا بقضية التحسين والتقبيح العقلي من خلال نظرية مقارنة فعل المخلوق. وهذان قال علق شيخ الإسلام: وهما قولان ضعيفان.
وقيل قال: وقيل من عدله أن يجزي المحسن بإحسانه ولا ينقصه شيئاً منها ولا يعاقبه بلا ذنب. ومعلوم أنه إذا أمر العبد بما يقدر عليه كان جائزاً باتفاق طوائف أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، وإن كان الفعل مكروهاً للإنسان، فإن الجنة حفت بالمكاره.
طيب الآن ايش يقول؟ لأنه هو الآن هم شو بيقولوا؟ إنه ليس من عدل الله أن يكلفنا بأنه ايش نؤمن بقرآن لم ينزل بلغتنا. هم بحكوه هي أصل الشبهة بتاعتهم.
إيش يقول الآن؟ إذا كلف الله العبد بشيء يدخل تحت قدرته، لم يكلفك بما لا يطاق. تعرف هي المسألة الأصولية هل يجوز أن يكلف الله بالمستحيل بما لا يطاق؟ يقول: إذا كلف الله العبد بما يقدر عليه، بما هو داخل تحت القدرة البشرية، أليس هذا جائزاً؟ وهذا هو الواقع. هذا جائز عقلاً وواقعاً شرعاً.
قال: ومعلوم أنه إذا أمر العبد بما يقدر عليه كان هذا جائزاً عقلاً باتفاق جميع الطوائف مسلمين ويهود ونصارى. طيب، وإن كان الفعل مكروهاً للإنسان، حتى لو أنت ما بتحب الفعل، الجهاد مش هو مقدور؟ مقدور. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْه لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] مش ضروري تكون تحبه تماماً. أن يقول لهم إنه ايش؟ إنه ترجمة القرآن إلى لسانكم مقدورة ولا مش مقدورة يا اخي؟ ماشي، اعتبروا أنكم مكرهين عليها، لكن مقدورة ولا مش مقدورة يا اخي؟ مقدورة وداخل تحت القدرة البشرية، إذاً الله يمكن أن يكلف الناس بهذا، هذه الخلاصة أنا بعطيك اياها حتى تفهم لماذا يأتي بهذه الحجة.
طيب قال: فان الجنة حفت بالمكاره. يقول: حتى لو كان شيء مكروه بدك تعمله.
أصلاً الجنة حفت بالمكاره. من قال لك إن الجنة طريقها سهل؟ تريد تدخل الجنة؟ ترجم القرآن وتعلم أحكامه.
نعم قال: وقد كلفت بنو إسرائيل والنصارى من الأعمال ما هو مكروه لهم وشاق عليهم، فكيف يمتنع أن يأمرهم وينهاهم بلغة يبين بعض المسلمين معناها لهم والعرب؟ يعني شو المشكلة أن الله يأمرك وينهاك بلغتك؟ يا أيها الأعجمي يأمرك وينهاك بلغة أخرى؟ المطلوب من المسلمين العرب أن ينقلوها إليك، أو أنت على الأقل تتعلم اللغة العربية وتفهمها.
نعم قال: والعرب الذين نزل القرآن بلسانهم طبقوا الأرض، ومنهم النصارى لا يحصون، فكل من عرف بالعربية من النصارى أمكنه فهم ما يقال بالعربي، ومن كان منهم رومياً كان له أسوة من أسلم من سائر طوائف الأعاجم كالفرس والترك والهند والبربر والحبشة وغيرهم، وهو متمكن من معرفة ما أمره الله والعمل به، كما يمكن هؤلاء كلهم، بل الروم أقدر على ذلك من غيرهم، فلا أي وجه يمتنع أن يأمرهم الله بذلك؟
وما لا يتم الواجب إلا به إذا كان مقدوراً للعبد فعليه أن يفعله، باتفاق أهل الملل المسلمين أو اليهود والنصارى، قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. هذه القاعدة متفق عليها: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا كان مقدوراً للعبد، مش هذا ضابطها عندنا؟ وهذه القاعدة ليست فقط باتفاق أهل الإسلام بل باتفاق حتى الديانات الأخرى.
قال: وإنما تنازع الناس فيه؛ هل يسمى واجباً؟ فقيل: يسمى واجباً. وقيل: لا يسمى واجباً؛ فإن الأمر لم يقصده بالأمر، وقد لا يخطر بباله إذا كان الأمر مخلوقاً. قال هؤلاء: ولأن الواجب... طبعاً ايش هو يريد أن يقول؟ القاعدة المتفق عليها بين الاديان ما هي؟ ما لا يتم الواجب إلا به إذا كان مقدوراً للعبد فعليه أن يفعله، وهي نقطة اشتراك، لكن هل هذا الذي عليه أن يفعله هل يسمى واجباً؟
قال: وإنما تنازع الناس أصحاب الأديان؛ أنه هل نسميه واجباً ولا ما نسميه واجباً؟ فقيل: يسمى واجباً، وهذا مذهبنا ومذهب جمهور الأصوليين. وقيل: لا يسمى واجباً. لماذا؟ لأن الوجوب هو خطاب شرعي، والأمر لم يقصد هذه الوسيلة بالأمر، بل قد لا يخطر بباله إذا كان الأمر من جنس المخلوقين. ترى صح، يعني ممكن أمرك أنا بشيء، بس هذا الشيء يحتاج إلى وسيلة حتى يفعل، أنا مش خاطر ببالي أنك رح تعمل الوسيلة، وأنت محتاج تعمل الوسيلة، فهل أمري لك بشيء وكان هذا الشيء يتوقف على وسيلة يجعل هذه الوسيلة واجبة؟
الذين قالوا: لا نسميها واجبة، ايش وجهة نظرهم؟ يقولون: إن الأمر إنما أمرك بالنتيجة، ولم يقصد الأمر بالوسيلة. أمرك بايش؟ أصعد على السطح يا شباب، أقول لك اصعد على السطح، أنا أمرتك بالنتيجة، هسا أنت حتى تريد أن تصعد على السطح تريد ايش؟ تريد سلماً. كتب مثالاً بسيطةً، ويقول لك: الأمر أمر بالنتيجة اصعد السطح، لكن لم يقصد الوسيلة، فلا يجوز أن نقول إن الوسيلة واجبة. وإذا كان الأمر من المخلوقين هناك احتمال آخر، أنه يكون ايش؟ أنه هو أصلاً ناسي موضوع الوسيلة، الخالق ما بتقدر تحكي إنه ناسي لأن هذا والعياذ بالله تجويز على الخالق، لكن في لو كان الأمر من المخلوقين يمكن مش فقط لم يقصد، بل مش خاطر بباله كل الموضوع. هذا رأي طبعاً من يقول، لكن هو الصحيح لا، إنه يسمى واجباً، هذا كله كلام يعني بس لكن الصحيح أن الله سبحانه وتعالى إذا أمرنا بشيء فإنما يأمرنا تلقائياً بماذا؟ بوسائله، ويكون الأمر بالشيء أمر بوسائله، وإذا أوجب شيئاً أوجب وسائله العقلية والعرفية والشرعية، وهذا حسبنا في شرحها في بلغة الوصول.
نعم، هذا خلاف لفظي ولا له ثمرة، الذي يعني لا يظهر لي أن له ثمرة، لا يظهر لي، لا أقول إن له ثمرة، إنه قال: هم متفقون أن عليه أن يفعله، لكن هل يسمى واجب ولا لا يسمى واجب؟ نعم قال: قال هؤلاء... يعني ممكن البعض يرتب ثمرات في باب التكفير وعدم التكفير أو أشياء زي هيك، حتى ما نفصل مطلقاً.
نعم قال هؤلاء: لأن الواجب ما يذم تاركه شرعاً أو يعاقب تاركه شرعاً، أو ما يستحق تاركه الذم، وما يكون تركه سبب الذم والعقاب. وقالوا: وما لا يتم الواجب إلا به لا يستحق تاركه الذم والعقاب؛ فإن الحج إذا وجب على شخصين أحدهما بعيد والآخر قريب، ولم يفعلا، لم تكن عقوبة البعيد على الترك أعظم من عقوبة القريب، مع أن المسافه التي لابد لهما من قطعها أكثر! وكذلك من وجب عليه قضاء دينه من غير احتياج إلى بيع شيء من ماله ليست عقوبته على الترك بأقل من عقوبة من... مع المسافة التي لابد لهما من قطعها... ولا له!
شو رايكم؟ لهما ولا له! الأصل الأسلوب يكون... وإيش يريد أن يقول؟ قال: الذين رفضوا إطلاق كلمة الواجب ايش يقولون؟ يقولون: ما لا يتم الواجب إلا به... أنت شوف من قال هؤلاء الذين يرفضون تسمية واجب، قالوا: لأن الواجب ما يذم تاركه شرعاً أو يعاقب تاركه شرعاً، أو ما يستحق تاركه الذم... كل هي تعاريف للواجب عموماً تذكر عند الأصوليين. فلو أرادنا نطبق تعريف الواجب على الوسيلة، فإنه ما يذم تاركه، ما بزبط هيك بحكي! ليه؟ قال: وما لا يتم الواجب إلا به لا يستحق تاركه الذم والعقاب.
ثم حاولوا يضربون مثالاً: كيف يعني الذي يترك الوسيلة لا ينطبق عليه تعريف الواجب لأنه لا يستحق الذم والعقاب؟ قال: فان الحج إذا وجب على شخصين، واحد بعيد عن مكة ساكن في الأردن، والآخر قريب من مكة ساكن في مكة، ولم يفعلا -لا المكي حج ولا الأردني حج- قال: لم تكن عقوبة البعيد على الترك بأعظم من عقوبة القريب! الاثنين آثمان، وعقوبة البعيد رح تكون مثلها مثل عقوبة ايش؟ القريب، مع أن المسافة التي لابد للبعيد أن يقطعها أكثر! يعني ساكن في مكة قديش بده يمشي؟ ٢ كيلو. اللي ساكن في الأردن بده يمشي له ١٠٠٠ كيلو. فبده يقول لك: إنه لو كانت الوسيلة واجبة وصاحبها إذا تركها آثم، لكان الذي في الأردن إذا ترك الحج إثمه أكثر من المكي إذا ترك الحج! ليه؟ لأن الأردني سيعاقب على شغلتين: على ترك الحج وعلى ترك الوسيلة التي لا يمكن الحج إلا بها وهو قطع المسافة، وأما المكي سيحاسب فقط على ايش؟ على ترك الحج تمام، ولن يحاسب على... لأنه ما فيش وسيلة، باعتبار أنه هو ما فيش وسيلة، أنه هو كله ٢ كيلو. يعني يقول لك: هو ما عليهوش أن يقطع هذه المسافة، فالاستثناء إذاً أن يكون الأردني حجم الإثم عليه أكثر من الإثم الذي على المكي؛ لأن الأردني عليه يحاسب على الفعل تركه وعلى الوسيلة أنه تركها، ولكن في الواقع الأمر ليس هكذا! هيك الواقع، أن كليْهما نفس الإثم. إذاً، هذا يدل على أن الوسيلة ليست مما يعاقب على تركها؛ لأنه لو عوقب على تركها لكان الأردني ينبغي أن يكون إثمه أكثر من إثم ابن المكي. هيك طرحوا الموضوع.
طيب قال نعم له عندك... خلص معنا، كما قلت لك شاعر مع أنه في مشكلة... مع أن المسافة التي لابد له... أعطيني ولا دقيقة! قال: ما أن المسافة التي لابد له من قطعها أكثر، وكذلك من وجب عليه قضاء دينه من غير احتياج إلى بيع شيء من ماله ليست عقوبته على الترك في أقل من عقوبة من يحتاج إلى بيع مال الله ليقضي به دينه.
طبعاً الآن نفس الشيء مثال آخر، وأظن هذا أوضح أو أسهل، يعني شخص عليه دين، تمام، ترك... الآن عليه دين يستطيع أن يقضيه. الآن هناك حالتان: في شخص يستطيع أن يقضي الدين دون أن يحتاج أنه يبيع سيارته وبيته وأثاثه، وفي شخص يستطيع أن يقضي الدين لكن حتى يقضي لازم يبيع ايش؟ سيارته أو شيئاً من أثاث المنزل. فالقاني يحتاج إلى وسيلة، الوسيلة هي أن يبيع شيئاً من أثاث منزله أو شيئاً، الأول لا يحتاج إلى وسيلة. فيقول: إذا الاثنين تركوا قضاء الدين، سواء الأول أو الثاني، أثمهما واحد!
قال: فمن وجب عليه قضاء الدين ومعه سيولة لا يحتاج أن يبيع ورفض القضاء مش يكون آثماً؟ كذلك من كان عليه دين يستطيع أن يقضيه من خلال وسيلة وهي بيع أثاثه، يكون آثماً، وآثمه هذا نفس إثم هذا، إثم هذا نفس إثم هذا! إذاً أصبحت الوسيلة كأنه يريد أن يقول إيه؟ لا عبرة بها، أصبحت الوسيلة لا عبرة بها.
طيب شيخ، ممكن هذه الأمثله نفسها مش... لا نسلم بها؟ نعم، الأمثله نفسها هذه لا نسلم... أحسنت، لا، أنت لن تسلم بهذه القضية. أنا الآن حتى أقوم بشيء أحتاج إلى وسيلة حتى أستطيع أن أقوم به، أنت قد لا تحتاج إلى الوسيلة حتى تقوم به، فالآن أنا ساحاسب، أنا الآن إذا لم أقم بالواجب أنا ساحاسب، ويمكن أن أحاسب على ترك الوسيلة وعلى ترك الفعل، والشيخ أيضاً إذا لم يقم به سيحاسب بس هو مش مطالب بالوسيلة.
قضية الآثام يعني، هل فعلاً أنا لن أحاسب على كلا الأمرَين؟ هل أنا لن أحاسب على كلا الأمرَين؟ هذه أصلاً هي بحد ذاتها أنا أعتقد محل النقاش. ممكن أحاسب... من قال لك إن الأردني والمكي ليس نفس... يعني سيكون نفس الإثم، نفس درجة الإثم مترتبة عليهم؟ أمكن. هذا الأردني والمكي نعم ممكن يحكي إنه المكي من باب أولى يكون إثمه أعظم؛ لأنه أسهل عليه الموضوع أقوى.
لا، مش ضروري، هي مش ضروري كمية الإثم وأنا في النهاية... أنت في النهاية مكي، أنا الآن مطلوب... أنا مطالب بشغلتين، أنت مطالب بشغلة واحدة، أنا ساحاسب على هذا وعلى هذا، الحج كلياته مين إثمه أعظم بالصنف؟ لأنه أنت تركت الحج في النهاية تمام. هلا مثلاً بدي أقول: البعيد أخذ الدنيا إثمه أعظم بده يكون كمحصلة من القريب؟ مش ضروري الأعظمية أنا في اعتقادي في النقاش هنا. ولكن هل نقول إنه لن يحاسب على عدم أخذك بالوسيلة؟ بس بغض النظر ممكن زي ما تفضل، ممكن يكون المكي إثمه أعظم ككمية، بس هل يلزم من هذا أن الذي... أنك لن تحاسب على عدم أخذك بالوسائل المطلوبة منك؟ أنا في اعتقادي لا تلازم، لا، ممكن أحاسب ككمية نهائية، ممكن يكون المكي أكثر باعتبار أنك مساحة عندك أسهل والأمور متوفرة أكثر، ولكن هذا لا يلزم منه أنك لن تحاسب على عدم أخذك بالوسائل كما أنك لم تفعل المقاصد، يمكن أن تحاسب على هذا وهذا، ما الذي يمنع باختصار؟ ما الذي يمنع ذلك؟ فدعوى أن الإثم هنا نفس الإثم هنا، هذه دعوى ممنوعة بالنسبة لي، وهي تحتاج أصلاً إلى دليل.
نعم قال رحمه الله: وفصل الخطاب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو من لوازم وجوب الواجب، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، فالمأمور به لا يمكن فعله إلا بلوازمه، والمنهي عنه لا يمكن تركه إلا بترك ملزومه؛ لأننا أصلاً اخذنا وقلنا: هي القاعدة كلها هي أصلاً من دلالة الالتزام، أن الله إذا أمر بشيء فدلالة الالتزام أن يأمر بماذا؟ بما لا يتم هذا الشيء إلا به، سواء لا يتم إلا به عقلاً أو عرفاً أو شرعاً.
نعم قال: لكن هذا الملزوم لزوم عقلي أو عادي... لزومه... لكن هذا الملزوم -زي ما قلنا- ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون من قبيل الواجب العقلي، وقد يكون من قبيل الواجب العادي، وقد يكون من قبيل الواجب الشرعي. لكن البعض لماذا لا يذكر الشرعي؟ باعتبار أن الشرعي أنت ربما لا تحتاج أن تنص عليه؛ باعتبار أن الشريعة نصت عليه خلاص، يعني ما أنت لا تحتاج أن تذكره تحت القاعدة.
نعم قال: فوجوبه وجوب عقلي عادي، لا أن الأمر نفسه قصد إيجابه والذم والعقاب على تركه، وتنازع الناس: هل يقال ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب -سواء كان وجوبه شرعياً أو عقلياً- أو يحتاج أن يقال: ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب؟
فالجمهور أطلقوا العبارة الأولى، وبعض المتأخرين نعم... أو يحتاج أن يقal: ما ليس بالواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب؟ إذاً، هل نحتاج إضافة «وكان مقدوراً للمكلف» هذه المسألة؟ لأن البعض يقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. البعض يقول: ما لا يتم الواجب إلا به واشترط هذا القيد «وكان مقدوراً»؛ لأنه بعض ما لا يتم الواجب إلا... وليس داخل تحت قدرة المكلف، وبالتالي لا يكون واجباً، مثل ايش؟ الزكاة. أنت الآن ملكت النصاب، ولكن حتى يجتمع هذا... يعني حتى يلزمك إخراج الزكاة، تحتاج إلى ايش؟ مرور الحول. مرور الحول هذا مش داخل تحت قدرتي، أنا ايش علاقتي بمرور الحول؟ هذا أمر كوني سماوي. فيقول: هذا لا يكون واجباً، فبالتالي البعض يقول: هذه القاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» حتى نطبقها لازم يكون هذه الوسيلة داخلة تحت قدرة المكلف.
فإيش يقول ابن تيمية؟ الجمهور أطلقوا العبارة الأولى دون إضافة «وكان مقدوراً للمكلف»، وبعض المتأخرين من الأصوليين لا، أضافوا هذا القيد حتى تكون القاعدة دقيقة: ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً. قال: ولا حاجة إلى هذه الإضافة. لماذا؟ قال: فإنه
ما لم يكن مقدورا ينتفي الوجوب مع انتفائه، يكون شرطا في الوجوب لا في فعل الواجب. يعني قال: من فهم هذا؟ قال: يتمجوب قال.
أحسنت، قال: فان الشيء إذا لم يكن مقدورا ينتفي الوجوب مع انتفائه، يعني أنت أصلا ما راح يكون واجب عليك أنك تخرج الزكاة حتى يتم الحول، فإذا ما تم الحول الزكاة لم تتعلق بذمتك أصلا، الزكاة لم تتعلق بذمتك تماما. الشيء إذا تعلق بذمتك وأصبحت ملزم به قطعا لا يمكن أن يكون الوسيلة إلا مقدورة، لا يمكن، لا يمكن أن تكون الوسيلة إلا مقدورة، فأصبح كأن يقول: كان التنصيص عليه تحصيل حاصل.
نعم، قال: والجمهور قالوا: ما لا يتم الواجب إلا به فانه يجب. قال: والمقصود والمقصود هنا الآن، يعني هو شوي كان يستطرد تعمير القاعدة هي، نعم قال: والمقصود هنا أن الله إذا أوجب على العباد شيئا واحتاج أداء الواجب إلى تعلم شيء من العلم كان تعلمه واجبا، إذا كان معرفة العبد لما أمره الله به تتوقف على أن يعرف معنى كلام تتم تتكلم به، تكلم به بغير لغته هو، قادر على على تعلم معنى تلك الألفاظ التي ليست بلغته، أو على معرفة ترجمتها بلغته، وجب عليه تعلم ذلك.
قاعدة هذه، هذا هو مربط الفرس: أنتم تقولون أن عدل الله يأبى ذلك؟ نقول له: ما في مشكلة ولا شيء ينافي لحد الهدى، أنتم الله عز وجل أمركم بأن تعرفوا أوامره ونواهيه، ولا يتم هذا الواجب إلا بأن تتعلموا شيئا من اللسان العربي أو أن يترجم لكم اللسان العربي، صحيح؟ فنحن مثلا مأمورون بالتبليغ، ولا يتم هذا التبليغ إلا بأن نترجم لكم، فنحن واجب علينا الترجمة كام العرب، وأنتم أيضا واجب عليكم أن تتبعوا هذا الرسول، ولا يتم هذا الإيمان إلا مثلا بأن تعرفوا ما تقدرون عليه، فواجب عليكم أن تتعلموا ما تقدرون عليه، هذا كله داخل القدرة البشرية، نعم.
ولو جاءت رسالة من ملك إلى ملك بغير لسانه لطلب من يترجم مقصود الملك المرسل، ولم يجز أن يقول: أنت لم تبعث إلي من يخاطبني بلغته مع قدرته أن يفهم مراده بالترجمة، فكيف يجوز أن يقال ذلك لرب العالمين؟ ولو أمر به بعض الملوك بعض رعاياه وجنوده جنوده بلغته، وهم قادرون على معرفة ما أمرهم به أما بتعليم لغته وأما بمن يترجم لهم مقالة، لم يكن ذلك ظلما، فكيف يكون ظلما من رب العالمين؟ يعني لو أن بعض الملوك خاطب الرعايا والجنود بغير لغتهم، أو بلغة هذا الجند التي تخالف، لا بغير لغتهم.
إيش عندك والله في نسختك؟ ولو أمر بعض الملوك بعض رعاياه وجنوده بلغته مثلا، ويكون الجندي لغته مختلفة، وهم قادرون على معرفة ما أمرهم به، أما بتعلم لغة الملك وأاما بمن يترجم لهم، يعني أنا عندي مثلا عندك الجيش العربي فيه مثلا جندي في هذا الجيش إنجليزي، تمام؟ فأنت الآن أمرت هذا الجندي الإنجليزي أنه بدك تفعل أريده، فبالتالي في هي الحالة، يا هو بده يتعلم عربي عشان يفهم كلامك، يا أنه أنا بدي أترجم له، هل هذا ممتنع؟ وهل أنا بكون ظلمته لأني تكلمت معاه باللغة العربية؟ ليس هذا ظلم، نعم.
قال: ولو وجب لبعض الراية حق على بعض أو ظلم بعضهم بعضا، لوجب على الملك أن ينصف المظلوم ويرسل إلى الظالم من يؤمره بالعدل والإنصاف، ويعاقبه إذا لم يصف، إذا كان الظالم متمكنا من معرفة أمر الملك بالترجمة أو غيرها، وهذا هو العدل، وليس العدل أن يترك الناس ظالمين في حق الله وحق عباده. والله تعالى أرسل رسوله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
نعم، فليس لأحد ممن أرسل أرسل إليه رسول وهو قادر على معرفة ما أرسل به إليه بالترجمة أو غير الترجمة أن يمتنع بشرع الله الذي أنزله والقسط الذي بعث به رسوله لكل رسول، ليس لغت لغته لغته مع قدرته على أن يعرف مراده بطرق متعددة، والناس في مصالح دنياهم يتوسل أحدهم إلى معرفة مراد الآخر بالترجمة وغيرها، فيتبايعون وبينهم ترجمان يبلغ بعضهم يبلغ بعضهم عن بعض، ويتراسلون في عمارة بلادهم أغراض نفوسهم بالتراجم التي يترجمون.
نعم، إن الناس يعتمدون الترجمة في أشياء كثيرة، تجد أحدنا أيها الكرام إذا أراد مثلا يعرف نوع سيارة ومواصفاتها أو شيء، يدخل على المقاطع باللغة الإنجليزية ويسمع ويترجمها للغة العربية، يعني تجد هناك حرص كبير، حرص كبير على أي معلومة دنيوية أننا نبحث عنها، حتى ولو بلغة غيرنا، أليس الأولى لما هو في مصلحة دينك ونجاتك من النار أن تكون حريصا على أن تعرفه ولو كان بلغة غيرنا؟ نعم، قال: وامر الدين، يمكن التليفون بس أبشر.
أي بسم الله. قال: وكيف يكون أمر الدنيا أهم من أمر الدين إلا عند من أغفل الله قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه، وأعرض عن ذكر ربه ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم. قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: 29]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
الوجه الرابع: أن من العجب أن تعد النصارى مثل هذا ظلما خارجا عن العدل، وهم قد نسبوا إلى الله من الظلم العظيم على هذا الأصل ما لم ينسبه إليه أحد من الأمم، كما سبوه وشتموه مسبة ما سبه إياه أحد من الأمم. الوجه الرابع أنه النصارى آخر من يتكلم عن العدل، فانكم نسبتم إلى الله من أشكال الظلم في انجيلكم أو في دينكم المحرف ما لا يصل إليه أحد من الأديان الأخرى، نعم.
قال: فليس فليس النصارى هم من فهم من أبعد الأمم عن التوحيد، نعم، فهم من أبعد الأمم عن التوحيد وتمجده وحمده وثنائه عليه، وذلك أنهم يزعمون أن آدم لما أكل من الشجره يغضب الرب عليه وعاقبه، أن تلك العقوبه تبقيت في ذريته إلى أن جاء المسيح وصلب، وأنه كانت ذريته في حبس إبليس، فمن مات منهم ذهبت روحه إلى جهنم في حبس إبليس، حتى قالوا ذلك في الأنبياء: نحم ابراهيم وموسى وداود وسليمان وغيرهم.
ومعلوم أن إبراهيم كان أبوه كافرا ولم يؤاخذه الله بذنب أبيه، فكيف يؤاخذه بذنب آدم وهو أبوه الأبعد؟ هذا لو قدر أن آدم لم يتب، فكيف وقد أخبر الله عنه بالتوبة؟ ثم يزعمون أن الصلب الذي هو من أعظم الذنوب والخطايا به خلص آدم وذريته من عذاب الجحيم وبه عاقب إبليس، مع أن إبليس ما زال عاصيا لله مستحقا للعقاب من حين امتنع من السجود لادم، ووسوس لادم، ووسوس لادم إلى حين مبعث المسيح والرب قادر على عقوبته، وبني آدم لا عقوبة عليهم في ذنب أبيهم.
فمن كان قولهم مثل هذ مثل هذه الخرافات التي هي مضاحك العقلاء، التي لا تصلح أن تضاف إلى أجهل الملوك وأظلمهم، فكيف يدعون مع هذا أنهم يصفون الله بالعدل، ويجعلون من عدله أنه لا يؤمر الإنسان بتعلم ما يقدر على تعلمه وفيه صلاح معاشه ومعاده، ويجعلون مثل هذا موجبا لتكذيب كتابه ورسوله والإصرار على تبديل الكتاب الأول وتكذيب الكتاب الآخر، وعلى أنه يتضمن مخالفة موسى وعيسى وسائر الأنبياء والرسل؟ قال: والنصار الكتاب الأول اللي هو التوراة.
نعم، قالوا والنصارى يقولون إن المسيح الذي هو عندهم اللاهوت والناسوت جميعا إنما مكن الكفار من صلبه ليحتال بذلك على عقوبة إبليس، قالوا: فأخفى نفسه عن إبليس لئلا يعلم، ومكن أعداءه من أخذ أعداءه من أخذه وضربه والبصاق في وجهه، ووضع الشوك على رأسه وصلبه، وأظهر الجزع من الموت وصار يقول: يا إلهي لما سلطت أعدائي علي؟ ليختفي بذلك عن إبليس، فلا يعرف إبليس أنه الله أو ابن الله، ويريد إبليس أنه يأخذ أن يأخذ روحه إلى الجحيم كما أخذ أرواح نوح وإبراهيم وموسى وغيره من الأنبياء والمؤمنين، فيحتتج عليه الرب حينئذ ويقول: بماذا استحللت يا إبليس أن تأخذ روحي؟ فيقول له إبليس: بخطيئتك. فيقول: ناس لا خطيئة له كنواسية الأنبياء، فإنه كان لهم خطايا يستحق بها أن تؤخذ أرواحهم إلى جهنم، وأنا لا خطيئة لي. هذه كلها فيلم يعني هندي يعني صنعه.
طيب، وقالوا: فلما أقام الله الحجة على إبليس، جاز للبي حينئذ أن يأخذ إبليس ويعاقبه، ويخلص ويخلص ذرية آدم من إذهابهم إلى الجحيم. وهذا الكلام فيه من الباطل ونسبة الظلم إلى الله ما يطول وصفه، فمن هذا قوله، فقد قدح في علم الرب وحكمته وعده قدحا ما قدحه فيه أحد، وذلك من وجوه. أحد أنت تعرفوا أن النصارى هم يرون أن صلي بعيسى هو عشان يخلصنا من ايش؟ من الخطيئة اللي فعل على آدم عليه السلام، وهي فكرة الخطيئة وانه نحن لازمكوك الغفران، وهذه القصص من أشهر قصص النصارى، وأن عيسى إنما تحمل الصلب وتحمل أن يوضع الأذى عليه لأنه أراد أن ينجينا، لذلك بسمو يعني عيسى كان رحيم فينا ورؤوف فينا، أنه أراد أن يخلصنا من الخطيئة التي وقع فيها آدم عليه السلام.
نعم، قال: وذلك من وجوه، أحدها أن يقال: إبليس إن كان اخذ الذرية بذنب أبيهم فلا فرقة بين، الآن نقول هذا كله كلام باطل من وجوه: أول إبليس إذا كان اخذ روح نوح وإبراهيم وكل الأنبياء إلى النار بسبب خطيئة آدم عليه السلام، نعم.
قال: فلا فرق بين ناس الناسوت اللي هو الأظن معنى الجسد، يعني جسد عيسى، يعني شو الفرق بين جسد عيسى وجسد نوح وجسد إبراهيم وغيرها من الأجساد؟ إذا كانت القضية متعلقة بذنب أبيهم فلا فرق بين ناسوت المسيح وغيره، نعم. قالوا إنه إن كان بخطاياهم فلم يأخذهم بذنب أبيهم، وهم قالوا إنما أخذهم بذنب آدم، نعم، وإذا كان ال إبليس ياخذ روح نوح وإبراهيم بذنب نوح وإبراهيم مش بذنب آدم، هذا بخالف روايتكم، لأنه هم اصلا يعني يزعمون أن ما اخذهم إبليس بذنب آدم، وأن هي الخطيئة اللي اجا المسيح يخلصنا منها.
نعم، قال: الثاني أن يقال: من خلق بعد المسيح من الذرية كمن خلق قبله، فكيف جاز يمكن أن يمكن إبليس أن يمكن إبليس من الذرية المتقدمين دون المتاخرين، وكلهم بالنسبة إلى آدم السواء وهم أيضا يخطئون؟ يعني الآن طيب ليش؟ يعني حتى على السيناريو اللي فرضتوه الفيلم هذا اللي فرضتوه، ليش يجي المسيح بعد آلاف السنين من نوح وإبراهيم، يأتي ليخلص البشر من الخطيئة؟ يعني إيش الفرق بين البشر اللي قبل المسيح والبشر اللي بعد المسيح؟ ليش البشر اللي بعد المسيح رح يتخلصوا من الخطيئة، طيب اللي كانوا قبل المسيح اللي كانوا زمن نوح وعاد وثمود، هذول يعني ما يتخلصوا من الخطيئة؟ مش هذا ظلم؟ يعني راحت عليهم.
فيقول لهم: إيه، فكيف جاز أن يمكن إبليس من الذرية المتقدمين اللي قبل عيسى ويوديهم كلهم على جهنم، بينما المتاخرين آه، عيسى هو النقطة الفارقة في التاريخ اللي جاي يخلص من بعده من الخطيئة؟ طيب، قال: وهم أيضا يخطئون أعظم من خطايا الأنبياء المتقدمين، فكيف جاز تمكين إبليس من عقوبة الأنبياء المتقدمين ولم يمكن من عقوبة الكفار والجبابرة الذين كانوا بعد كانوا بعد أ؟
قال: والوجه الثالث أن يقال: أخذ أخذ إبليس لذرية آدم وادخالهم جهنم، أما أن يكون ظلما من إبليس، واما أن يكون عدلا. فإن كان عدلا فلا لو على إبليس ولا يجوز أن يحتال عليه ليمتنع ليمتنع من العدل الذي يستحقه، بل يجب تمكينه من المتاخرين والمتقدمين. وإن كان ظلما، فلما لا يمنع الرب منه قبل المسيح؟ قبل ما يأتي المسيح. فهمت علي؟
نعم، قال: فإن قيل لم يقدر، فإذا قيل إن الرب لم يستطع أن يمنع إبليس من اللي قبل المسيح، لم يستطع أن يمنعه من أخذ أرواحهم، معاناته هذا الرب عاجز، فقد نسبتموه أي الله إلى العجز والعياذ بالله. وإن قيل قدر الرب على دفع ظلم إبليس ولم يفعل، قال: فلا فرق بين دفعه في زمان دون زمان، وإن جاز ذلك في كل زمان، وان امتنع امتنع في كل زمان. قال: إذا فلا فرق بين دفعه في زمان دون زمن، وإن جاز ذلك جاز. إذا كان الله قادر في أي زمان أن يدفع ولم يدفع، إذا هو ظالم. وانتم قبل شوي بدك تعملوا أنكم تنفعوا عن الله الظلم وكذا في قضية كيف من العدل أن يرسل الله، طبعا هي ظلم هذا الذي تقولون به يؤول إلى أعظم أشكال الظلم، إذا كان الله قادرا على أن يدفع شر إبليس فلماذا لم يدفعه قبل المسيح؟ لماذا أخر ذلك؟
نعم، قال: الوجه الرابع أن إبليس كان معذورا قبل المسيح فلا حاجة إلى عقوبته ولا ملام عليه. وإن لم يكن معذورا استحق العقوبة ولا حاجة إلى أن يحتال عليه بحيله تقام بها الحجة عليه. الوجه الخامس أنه بتقديري أنه لم يقم عليه الحجة قبل الصلب، فلم يقم عليه حجة بالصلب، فانه يمكنه أن يقول: أنا ما علمت أن هذا سوته هو نسوت الرب، وانت يا رب قد أذنت لي أن آخذ جميع ذرية آدم فأرد بهم إلى الجحيم، فهذا واحد منهم، وما علمت أنك أو ابنك اتحد به، ولو علمت ذلك لعظمته، فأنا معذور في ذلك، فلا يجوز أن تظلمني.
الوجه السادس أن نقول إن إبليس يقول حينئذ: يا رب، فهذا الناسوت الواحد أخطأ، أخطأت في.
أخذ روحه، لكن أساء ببني آدم الذين بعده؛ لأنّه أحبس أرواحهم في جهنم كما حبس أرواح الذين كانوا قبل المسيح، إما بذنب أبيهم وإما بخطايا أنفسهم. وحينئذ فإن كان ما يقوله النصارى حقًّا فلا حجة لله على إبليس.
الوجه السابع: يقال هب أن آدم أذنب وبنوه أذنبوا بتزيين الشيطان، فعقوبة بني آدم على ذنوبهم هي إلى الله أو إلى إبليس؟ فهل يقول عاقل إن إبليس له أن يغوي بني آدم بتزيينه لهم، ثم له أن يعاقبهم جميعًا بغير إذن من الله في ذلك؟ وهل هذا يعني أن إبليس هو الذي يغوينا، ثم هو الذي يريد أن يعاقبنا ويأخذ أرواحنا إلى جهنم؟ غريب هذا. نعم، قال أهل هذا القول إلا من جنس قول المجوس الثنوية، الذين يقولون إن كل ما في العالم من الشر من الذنوب والعقاب وغير ذلك هو من فعل إبليس، ولم يفعل الله شيئًا من ذلك، فلا عاقب الله أحدًا على ذنب. ولا ريب أن هذا القول سرى إلى النصارى من المجوس، لهذا لا ينقلون هذا القول في كتاب منزل، ولا عن أحد من الحواريين. لهذا كان المانوية دينهم مركب، المانوية هؤلاء المجوس الذين يعتقدون بوجود إله النور وإله الظلمة. قال: دينهم مركب من دين النصارى والمجوس، وكان رأسهم ماني نصرانيًّا مجوسيًّا، فالنسب بين النصارى والمجوس بل وسائر المشركين نسب معروف.
الوجه الثامن: أن يقال: إبليس عاقب بني آدم وأدخلهم جهنم بإذن الله أو بغير إذنه؟ فإن قالوا بإذنه فلا ذنب له، ولا يستحق أن يحتال عليه ليعاقبه ويمنعه. وإن كان بغير إذنه، فهل جاز في عدل الله أن يمكنه من ذلك أم لم يجز؟ فإن جاز ذلك في زمان جاز في جميع الأزمنة، وإن لم يجز في زمان لم يجز في جميع الأزمنة؛ فلا فرق بين ما قبل المسيح وبعده.
الوجه التاسع: يقال هل كان الله قادرًا على منع إبليس وعقوبته بدون هذه الحيلة، وكان ذلك عدلًا منه لو فعله أم لا؟ فإن كان ذلك مقدورًا له وعدلًا منه لم يحتج أن يحتال على إبليس ولا أن يصلب نفسه أو ابنه. ثم إن كان هذا العدل واجبًا عليه، فواجب منع إبليس، وإن لم يكن واجبًا جاز تمكينه في كل زمان؛ فلا فرق بين زمان وزمان. وإن قيل لم يكن قادرًا على منع إبليس، فهو تعجيز للرب عن منع إبليس، وهذا من أعظم الكفر باتفاق أهل الملل؛ من جنس قول الثنوية الذين يقولون لم يكن يقدر النور أن يمنع الظلمة من الشر، ومن جنس قول ديمقراطيس والحرنانيين الذين يقولون لم يمكن واجب الوجود أن يمنع النفس من ملابسة الهيولى، بل تعلقت النفس بها بغير اختياره؛ والهيولى هي الجسد المادة. والحرنانيون جماعة من الصابئة الكلدانيين نسبة إلى حران، هؤلاء يقولون إن واجب الوجود وهو الله لم يتمكن من أن يمنع النفس من أن تتصل بالجسد بل تعلقت النفس بها بغير اختياره، فنشأ الإنسان والكائن الحي، وهذا كله كلام كفر.
الوجه العاشر: أن ما فعله به الكفار اليهود الذين صلبوه طاعة لله أو معصية؟ فإن كان طاعة لله يستحق اليهود الذين صلبوه أن يثيبهم ويكرمهم على طاعته كما يثيب سائر المطيعين له، والنصارى متفقون على أن أولئك من أعظم الناس إثمًا وهم من شر الخلق، وهم يستحلون من دمهم ولعنتهم ما لا يستحلونه من غيرهم، بل يبالغون في طلب اليهود وعقوبتهم، فأخر صومهم الأيام التي تشبه أيام الصليب. وإن كان أولئك اليهود عصاة لله فهل كان قادرًا على منعهم من هذه المعصية أم لا؟ فإن لم يكن قادرًا، لم يكن قادرًا على منع إبليس من ظلم ذريته في الزمن المستقبل، وإن كان قادرًا على منعهم من المعاصي ولم يمنعهم، كان قادرًا على منع إبليس بدون هذه الحيلة. وإذا كان حسنًا منه تمكينه من هذه المعصية، كان حسنًا منه تمكين إبليس من ظلم ذريته في الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى الحيلة عليه. واعلم أن الوجوه الدالة على فساد دين النصارى كثيرة جدًّا، وكلما تصور العاقل مذهبهم وتصور لوازمه تبين له فساده، لكن المقصود هنا بيان تناقضهم في أنهم يقيمون عذر أنفسهم في ترك الإيمان بكتابه ورسوله ودينه لكونه سبحانه عدلًا لا يؤمر الناس بما يعجزون عنه، وهو سبحانه لم يؤمرهم إلا بما يقدرون عليه، وقد نسبوا إليه من الظلم ما لم ينسبه إليه أحد من بني آدم.
يوضح هذا الوجه الحادي عشر، وهو أنه إما أن يقال في الظلم بقول الجهمية المجبرة الذين يقولون يفعل ما يشاء بلا حكمة ولا سبب ولا مراعاة عدل، وإما أن يقال بقول القدرية أنه يجب عليه العدل الذي يجب على المخلوقين، وإما أن يقال هو عدل منزه عن الظلم ولكن ليس عدله كعدل المخلوق. فهذه أقوال الناس الثلاثة هي نفس التعريفات السابقة؛ لأن الذين قالوا إن العدل هو أن يفعل كل مقدور هذا تعريف الجهمية، والذين قالوا إن عدل الله يقاس على عدل المخلوقين هذا تعريف المعتزلة، وأما أهل السنة والجماعة فقالوا إنه عادل منزه عن الظلم ولكن ليس عدله كعدل المخلوق.
فإن قيل بالأول جاز أن يسلط إبليس على جميع الذرية بلا ذنب، ليش؟ لأنه العدل على طريقة الجبرية ما هو؟ أن يفعل كل ما يقدر عليه. طب الله قادر أن يسلط إبليس على البشر؟ نعم، إذا هذا عدل على طريقة جهم بن صفوان، وأن يعاقبهم جميعًا بلا ذنب ولا حاجة حينئذ إلى حيلة؛ ولا إبليس يحتال ولا مش يحتال، لأنه هذا كله عدل أصلًا. وإذا قيل بالثاني، فمعلوم أن الواحد من الناس لو علم أن بعض مماليكه أمر غيره بذنب يكرهه السيد، فعل كان العدل منه أن يعاقب الآمر والمأمور جميعًا، وأما تسليط الآمر على عقوبة المأمور فليس من العدل، وكذلك تسليط الآمر الظالم على جميع ذرية المأمور الذين لم يذنبوا بذنب أبيهم ليس من العدل.
وإن قيل بل هو استحق أن يستعبدهم لكون أبيهم أطاعه، قيل فحينئذ يستحق أن يسر الأولين والآخرين، فلا يجوز أن يمنع من حقه بالاحتيال عليه. وإن قيل إنما يستحق أخذهم بخطاياهم، قيل فله أن يأخذ الأولين والآخرين، هذا ليس متعلقًا بما قبل عيسى ولا بعد عيسى. وإن قيل هو لما طلب أخذ روح ناسوت المسيح مُنع بهذا الذنب، قيل هذا إن كان ذنبًا فهو أخف ذنوبه؛ فإنه لم يعلم أنه ناسوت الإله. وإذا استحق الرجل أن يسترق أولاد غيره، فطلب رجلًا ليسترقه لظنه أنه منهم، لم يكن هذا ذنبًا يمنع استرقاق الباقين الذين سيكونون منهم حقيقة.
وإن قيل إن عدل الرب ليس كعدل المخلوقين، بل من عدله ألا ينقص أحدًا من حسناته ولا يعاقبه إلا بذنبه، لم يجز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم، ولم يجز أن يعاقب الأنبياء الذين ليس لهم ذنب إلا ذنب تاب منه بذنب غيرهم؛ فإن الأنبياء معصومون أن يقروا على ذنب، فكل من مات منهم مات وليس له ذنب يستحق عليه العقوبة، فكيف يعاقبون بعد الموت بذنب أبيهم إن قدر أنه مات مصرًّا على ذنب، مع أن هذا كل تقدير باطل؟ ولو قدر أن الأنبياء لهم خطايا يستحقون بها العقوبة بعد الموت وتسليط إبليس على عقوبتهم، فمن بعد المسيح من غير الأنبياء أولى بذلك؛ فكيف يجوز في العدل الذي يوجب التسوية بين المتماثلين عقوبة الأنبياء ومنع عقوبة من هو دونهم بل هم من الكفار؟
الوجه الثاني عشر: أن الرب إذا قصد بهذا دفع ظلم إبليس، فهل اتحد بناسوت بعض أولاد آدم ليحتال على إبليس فمنعه من ظلم من تقدم؟ أن المانع إما أن يكون الرب إذا قصد بهذا دفع ظلم إبليس، فهم فكرتهم أن الرب اتحد بجسد عيسى عشان يخلص البشر من فكرة تسلط إبليس عليهم، هكذا فكرة النصارى، أن الرب اتحد بجسد عيسى من أجل أن يحتال على إبليس، عشان يجي إبليس يطلب.
أخذ روح عيسى، بس هو مش عارف أنه هو الرب؛ فبتكون خطيئتك يا إبليس أنك طلبت أخذ روح الرب، هي وقعناك في الفخ. كيف تطلب أخذ روح الرب؟ يلا الآن رح نعاقبك. وبالتالي بيكون المسيح اتحد بالرب عشان يحتالوا على إبليس، عشان يوقعوا إبليس في الفخ.
المصير شو المصيدة اللي وقعنا فيها إبليس؟ أنه أنت طلبت أخذ روح الرب، وهو قعد على السيناريو وهو مش عارف أنه الرب؛ هو فكره عيسى، هو مفكر أنه إيش؟ عيسى. فلما طلب أخذه، أخذه على أنه عيسى. فبالتالي يقول هنا إن الرب -إذا قصد بهذا الاندماج مع عيسى، الذي تدعي النصارى أنه اتحد بجسد عيسى حتى يدفع ظلم إبليس عن البشر- لماذا لم يدفعه عمن كان قبل عيسى؟
طبعاً هي الفكرة، يعني لماذا انتظرت في تاريخ البشرية حتى يجي عيسى؟ طب قبل عيسى، عيسى من البشر، ما لهم حق هؤلاء ولا هذول؟ يجوز ظلمهم؟ واللي بعد عيسى ربنا بده يعني يعدل معه؟ طب أنتم هيك بالعكس، أنتم نصبتم الله إلى أعظم الظلم.
كما يعمل في المقارنات السابقة، فيقول إن الرب إذا قصد بهذا الاندماج مع عيسى دفع ظلم إبليس من خلال إيقاع إبليس في هذا الفخ، فهلا اتحد بناسوته، يعني بجسدي بعض أولاد آدم ليحتال على إبليس فيمنعه من ظلم من تقدم. ليش ما اتحد بنوح من البداية حتى يخلصنا من الخطيئة من البداية؟ قال: ﴿فَإِنَّ مَنْعَ الشَّرِّ الْكَثِيرِ أَوْلَى مِنْ مَنْعِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ﴾.
تخيل أن كل اللي صار من أيام نوح حتى سيدنا عيسى هذا كله يعني يُعفى؟ قال: ﴿فَإِنَّ مَنْعَ الشَّرِّ الْكَثِيرِ أَوْلَى مِنْ مَنْعِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ﴾. أتراه ما كان يعلم أن إبليس يعمل هذا الشر كله؟ فهذا تجهيل له، أي للرب، أو كان يعرف أن إبليس يفعل ذلك ولكنه عجز عن دفعه؟ وهذا تعجيز له للرب والعياذ بالله.
ثم ما الفرق بين زمان وزمان؟ بين زمان ما قبل عيسى وما بعد عيسى؟ إن كان ترك منعه عدلاً منه، فيجب أن يكون هذا العدل في كل زمن؛ فالله لا يظلم في بعض الأزمنة ويعدل في بعض الأزمنة، حاشا. فهذه كلها بيان أن دين النصارى فيه من نسبة الظلم إلى الرب من الأشياء المضحكة والحمقاء ما لا يسعهم بعد ذلك أن يقولوا: ليس من عدل الرب أن يرسل إلينا رسولاً بغير لساننا. أنتم أصلاً كل دينكم يقوم على نسبة الظلم لله، فآخر من يتكلم عن العدل الإلهي حضرتكم.
قال رحمه الله تعالى: فصل، وأما تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، بأن مراده قومه كما قالوا، وما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين أتاهم بلغتهم لا غيرهم ممن لم يأتهم بما جاء فيه.
يعني البعض الآن يقولون، وهم النصارى بولس الأنطاكي، إن هذه الآية: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المخاطب بها العرب فقط. قال: فيقال لهم من فسر مراد المتكلم -أي متكلم كان- بما يعلم الناس أنه خلاف مراده فهو كاذب مفتر عليه، وإن كان المتكلم من أحاد العامة، ولو كان المتكلم من المتنبئين الكذابين، فإن من عرف كذبه إذا تكلم بكلام وعرف مراده به لم يجز أن يكذب عليه.
يعني لو كان الرجل من أكذب أهل الأرض، متنبئ زي المختار بن أبي عبيد ولا غيره، وقال كلاماً في أي أمر من الأمور، ما يصير أفسر كلام المختار بن أبي عبيد على غير مراده وإن كان هو من أكبر الكذابين على كوكب الأرض، بس في النهاية المختار قال جملة، يجب إذا شرحت الجملة التي قالها المختار أن تشرحها على مراد المختار. ويريد أن يقول: أفجر الناس في الأرض إذا قالوا كلاماً، لا يجوز أن نفسر هذا الكلام بغير مراد المتكلم حتى ولو كان المتكلم من أفجار الناس.
طيب قال: فلم يجوز أن يكذب عليه، فيقال: أراد كذا وكذا، فإن الكذب حرام قبيح على كل أحد سواء كان صادقاً أو كاذباً. فكيف مراد الله ورسوله ﷺ بما يعلم كل من خبر حاله علماً ضرورياً أنه لم يرد ذلك؟ بل يعلم علماً ضرورياً أنه أراد العموم. فكيف من هم بسيدنا محمد ﷺ هو أطهر الناس، وكلام الإله سبحانه يفسر بما يعلم قطعاً أنه لم يرده الله ولا رسوله؟ هذا أليس من أكثر أشكال الكذب؟
قال: فإن قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ صيغة عامة، وصيغة "من" الشرطية من أبلغ صيغ العموم، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ثم إن سياق الكلام يدل على أنه أراد أهل الكتاب وغيرهم، فإن هذا في سورة آل عمران في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومنظرته للنصارى، فإنها نزلت لما قدم على النبي ﷺ وفد نجران النصارى، وروي أنهم كانوا ستين راكباً وفيهم السيد والأيهم والعاقب، وقصتهم مشهورة معروفة كما تقدم ذكرها.
وقد قال قبل هذا الكلام: يدم دين النصارى الذين ابتدعوه وغيروا به دين المسيح، ولبسوا الحق الذي بعث به المسيح بالباطل الذي ابتدعوه، حتى صار دينه مركباً من حق وباطل واختلط أحدهما بالآخر، ولا يكاد يوجد معه من يعرف ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره، والمسيح قرر أكثر شرع التوراة وغير البعض، وعامة النصارى لا يميزون ما قررهم مما غيره، فلا يعرف دين المسيح.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۚ أَيُّأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80]. فقد بين أن من اتخذ من الملائكة والنبيين أرباباً فهو كافر، فمن اتخذ من دونهم أرباباً كان أولى بالكفر. وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أرباباً بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرَهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. ثم قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم...﴾.
﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾. قال: أقررتم ما أخذتم على ذلكم؟ أصري؟ قالوا: أقررنا. قال: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قال ابن عباس وغيره من السلف: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق. لأن بعث محمد ﷺ وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته. لأن بعث محمد ﷺ وهم أحياء؛ ليؤمنن به ولينصرنه، والآية تدل على ما قالوا؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يتناول جميع النبيين.
اللام الأولى في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تسمى اللام الموطئة للقسم، واللام الثانية تسمى لام جواب القسم. والكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم، وقدم القسم، سد جواب القسم مسد جواب الشرط؛ لأن القسم جملتان والشرط جملتان. القسم عندك جملة القسم وجملة جواب القسم، مثل: "أقسم بالله لأفعلن كذا". والشرط عندك جملة الشرط وجملة جواب الشرط.
القاعدة في علم النحو -ذكرها ابن مالك وغيره- أنه إذا اجتمع الشرط والقسم تداخلا؛ ينظر أي الأداتين تقدمت. إذا تقدمت أداة القسم على أداة الشرط، فالجواب سيكون جواب القسم، ويكون جواب الشرط محذوفاً دل عليه جواب القسم. فقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ اللام هي لام القسم، وما أداة الشرط؟ ﴿لَمَا﴾. فأيهما تقدم؟ تقدمت أداة الشرط أم أداة القسم؟ أداة القسم تقدمت، فإذاً الجواب سيكون لصالح القسم ويسد مسد جواب الشرط. ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ أين الجواب؟ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾؛ "لتؤمنون" هي لام جواب القسم، فالجواب إذا كان لصالح القسم وسد مسد جواب الشرط هكذا نقول.
كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾، ﴿وَلَئِن قُتِلُوا لَا يُنصَرُونَهُمْ﴾، ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ﴾. مثلاً هنا: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾؛ لأن اللام لام القسم وبعدها أداة الشرط، فالجواب سيكون لصالح جواب القسم، وجواب القسم يسد مسد جواب الشرط؛ لذلك قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾، ﴿وَلَئِن قُتِلُوا لَا يُنصَرُونَهُمْ﴾، ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدِقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله: ﴿لَئِنْ آتَانَا﴾؛ لأن اللام لام القسم وبعدها الشرط: ﴿لَنَصَّدِقَنَّ﴾، فجواب القسم سد مسد جواب الشرط. وقوله: "أقسم بالله"، فإذا لم يذكر القسم فهو محذوف، ومراده: "والله لأفعلن". وهذه اللام الموطئة للقسم، قد يقول البعض: كيف يا شيخ هذا قسم؟ هذا كثير في اللغة العربية أن تذكر اللام أو الواو أو أداة القسم ويحذف المقسم به وهو لفظ الجلالة؛ فالتقدير: والله لأخرج، والله لأقتل. ومن محاسن لغة العرب أنها تحذف من الكلام ما يدل عليه المذكور اختصاراً وإجازة، لا سيما فيما يكثر استعماله كالقَسَم.
وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، "ما" شرطية، والتقدير: أي شيء أعطيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، لتؤمنن به ولتنصرنه، ولا تكتفوا بما عندكم عما جاء به، ولا يحملنكم ما أتيتم من كتاب وحكمة على أن تتركوا متابعته، بل عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه وإن كان معكم من قبلهم كتاب وحكمة؛ فلا يغنيكم ما أتيتم عما جاء به، فإن ذلك من عذاب الله.
فدل ذلك على أنه من أدرك محمد ﷺ من الأنبياء وأتباعهم، وإن كان معه كتاب وحكمة، فعليه أن يؤمن بمحمد ﷺ وينصره. فكيف تقولون بعد ذلك: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾؟ هذه مخاطب بها العرب، وهذا هو مراده؛ فالآية تدل على أن الأنبياء أخذوا الميثاق على أن من أدرك زمن محمد ﷺ أن يؤمن به. ﴿لَمَا آتَيْتُكُم﴾ يا أيها الأنبياء من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم -وهو القرآن- لتؤمنوا به وتنصروه. فإذا كان القرآن هو الذي يخبر أن الأنبياء أُخذ عليهم الميثاق بأن يؤمنوا بمحمد ﷺ، كيف تقول لي يا بولس الأنطاكي: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؟ هذه فقد خاطب بها العرب ونحن لسنا مخاطبين بها. فهو يريد أن يخبركم أنكم تفسرون القرآن بهواكم، وإلا فعلى ماذا تريد أن ترجع؟ تحاكم إلى القرآن، والقرآن يخبر أنه مرسل إليكم.
وقد أقر الأنبياء بهذا الميثاق، يشهد الله عليهم به، كما قال تعالى: ﴿أَقَرَرْتُمْ أ de أَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ أَصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۖ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قالت طائفة من السلف: لما أنزل الله هذه الآية، قال من اليهود والنصارى: نحن مسلمون. فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقالوا: لا نحج. فقال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فكل من لم يرَ حج البيت واجباً عليه ومنع الاستطاعة فهو كافر باتفاق المسلمين كما دل عليه القرآن، واليهود والنصارى لا يرونه واجباً فهو كافر، فهم من الكفار. حتى إنه روي في الحديث مرفوعاً إلى النبي ﷺ: «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً».
ومحفوظ من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "قد اتفق المسلمون على أن من جحد وجوب مباني الإسلام الخمس: الشهادتين، والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فإنه كافر". وأيضاً فقد قال تعالى في أول السورة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. هذا الشاهد أن الدين عند الله الإسلام. فقد أمر الله تعالى بعد قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، ولما قال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ﴾ في الآية التي تليها.
وقال للذين أوتوا الكتاب -وهم اليهود والنصارى والأميون وهم الذين لا كتاب لهم من العرب-..
وغيرهم أسلمت فالعرب والأميون يدخلون في لفظ الأميين باتفاق الناس، وأما من سواهم فإما أن يشمله هذا اللفظ أو يدخل في معناه بغيره من الألفاظ المبنية أو المبينة أنه أرسل إلى جميع الناس. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِن تَّوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]. فقد أمر أهل الإسلام كما أمر به الأميين، وجعلهم إذا أسلموا مهتدين، وإن لم يسلموا فقد قال إنما عليك البلاغ، أي تبلغهم رسالة ربك إليهم، والله هو الذي يحاسبهم.
فدل هذا كله على أنه عليه أن يبلغ أهل الكتاب ما أمرهم به من الإسلام كما يبلغ الأميين، وأن الله يحاسبهم على ترك الإسلام كما يحاسب الأميين. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه إلى هرقَل ملك النصارى: من محمد رسول الله إلى هرقَل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]. وأبلغ من ذلك أن الله تعالى أخبر في كتابه أن الإسلام دين الأنبياء كإراهيم ويعقوب وأتباع إلى الحواريين، وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، وأن الدين عند الله الإسلام في كل زمان ومكان.
قال تعالى عن نوح أول رسول بعثه إلى أهل الأرض: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ [يونس: 71]. فهذا نوح الذي أغرق الله أهل الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين من ذريته، يذكر أنه أمر أن يكون من المسلمين.
كذلك سيدنا الخليل، ماذا ختم؟ قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 131-132]. قد أخبر تعالى أمر الخليل والإسلام وانه قال أسلم لرب العالمين، وأن إيعقوب وصى بنيه ألا يموتن إلا وهم مسلمون. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
فاستقرئ الآيات كلها التي تدل على أن الإسلام هو دين الأنبياء؛ موسى السحرة الذين آمنوا موسى، سليمان بلقيس، أنبياء بني إسرائيل يحكم بها النبيون الذين أسلموا عن الحواريين ويشهد بأننا المسلمون. فهؤلاء الأنبياء وأتباعهم كلهم يقرون بالإسلام، وهذا ما يبين أن قوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: 85] وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] لا يختص بمن بعث إليه محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّنْ مَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 111-112].
فصل قال: قولهم ثم وجدنا قول رجع بوريس الأنطاكي وشبهاته. قال: قولهم ثم وجدنا في هذا الكتاب من تعظيم سيد المسيح وأمه حيث يقول في سورة الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]. وقال في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42]. مع الشهادات للسيد المسيح بمعجزاته أنه حبلت به أمه من غير مباضعة رجل لبشارة ما أي من غير الزنا برجل كما تزعم اليهود والعياذ بالله، ولو أنه تكلم في المهد وأحيى الميت وأبره الأكمه والأبرص وأنه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فكان طائرا بإذن الله. أي بإذن الله الذي هو كلمة الله المتهد في الناسوت.
وجدنا أيضا في الكتاب أن الله رفعه إليه. وقال في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 157-158]. وفي سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 55]. وقال في سورة البقرة: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]. وقال في سورة الحديد: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: 27]. وقال في سورة آل عمران: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114]. ثم وجدناه يعظم إنجيلنا.
الجواب: أما تعظيم المسيح وأمه فهو حق، وكذا مدح من كان على دينه الذي لم يبدل قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم، أو بقي على ذلك إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فامن به؛ فإن هؤلاء المؤمنون مسلمون مهتدون. وكذلك من كان على دين موسى الذي لم يبدل إلى أن بعث المسيح فامن به، فهؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون. وقد قدمنا أن المسلمين هم عدل متوسطون لا ينحرفون إلى غلو ولا إلى تقصير.
وأما اليهود والنصارى فهم على طرف نقيض؛ هؤلاء ينحرفون إلى جهة وهؤلاء إلى جهة، هؤلاء إلى الجهة التي تقابلها كما ذكرنا تقابلهم في النسخ، وكذلك تقابلهم في التحريم والتحليل والطهارة والنجاسة. فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات وهم يبالغون في اجتناب النجاسات، حتى إن الحائض لا يؤاكلونها ولا يساكنونها ولا يجامعونها، وكانوا لا يرون إزالة النجاسة من الثوب بل يقرض موضعها، يعني يقطع موضعها خطأ هذا الذي كان يلزمهم، ويستخرجون الدم من العروق إلى غير ذلك من الآصار والأغلال التي تخيل يعني مطلوبين.
كانوا يستخرجون الدم من عروق الغنم مش أنت بتذبح وخلص بتطبخ اللحم عن النار وبيكون في هذا الدم اللي في العروق معفوا، اليهود كانوا مطالبين يستخرجوا الدم من عروق الدجاج ومن عروق إلى آخره حتى يطيب لهم أكلهم. وهذا كله من الآصار والأغلال التي شدد الله بها عليهم لأنهم شددوا. وأما النصارى ففي مقابلتهم تجد عامتهم لا يرون شيئا حراما ولا نجسا إلا ما كره الإنسان بطبعه، ويصلون مع الجنابة والحدث وحمل النجاسات، وياكلون الخبائث كالدم والميتة ولحم الخنزير، إلا من كره منهم شيئا فتركه.
المسلمون وسط كما قال تعالى فيهم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. أي عدلا خيارا، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبَعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 156-157].
ولهذا كان من انحرف من المسلمين إلى شبه اليهود والنصارى مامورا بترك ذلك الانحراف واتبع الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، غير المغضوب عليهم كاليهود، وغير الضالين كالنصارى. وذلك مثل من يبالغ من اجتناب النجاسات فينجس ما لم ينجسه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويحرم ما لم يحرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويأخذه الوسواس في اجتناب النجاسات، ويحرم طيبات أحلها الله للمسلمين.
مثل من يرى أن النجاسة لا تزول لا بماء ولا بغيره، أو يرى أنها وإن زالت فلم يبق لها اثر فالمحل إذا لم تزل بما يشترطه هو من الماء أو غيره، أو يرى أن الطيبات التي أحلها الله حرام خبيثة لأنها مستحيلة عن محرم. مع أن الخل حلال، وأن كان قد كان خمرا باتفاق المسلمين إذا بدأ الله باحالته، أو يرى أن الماء الطيب والمائعات الطيبات التي ليس فيها أثر من الخبيث حرام لكون الخبيث لاقاها أو استهلك فيها مع أنها من الطيبات لا من الخبائث، أو يرى تحريم ما سوى موضع الدم الذي هو أذى إلى غير ذلك من أقوال قالها بعض العلماء ولكن غيرهم نازعهم في ذلك واتبع ما دل عليه الكتاب والسنة.
واعظم من ذلك من يرى أن الحائض ليس فقط محرم الجماع بل ما هو أوسع من ذلك، والصواب أن المحرم عليها فقط الجماع لأنه هو الذي أذى لما قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]. فالمحيض هو مكان الدم، أما المباشرة فيما غير موضع الدم ما في مشكله. والذي يحرم على الانسان أن يقترب من زوجته وهي حائض كلها، هذا أيضا من الاقوال غير الصحيحة.
واعظم من ذلك من يكفر من خالفه من المسلمين، ويرى نجاسه الكفار كما عليه كثير من أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم، فإذا أكل غير من وعائهم عندهم. وأما ما يفعله كثير من الناس من غير أن يقوله عالم، مثل ما يغسل يديه وثيابه وحصر بيته بتوهم نجاستها، أو يأامر الحائض طهرت أن تبدل ثيابها أو تغسلها، أو يمنع الجنب أن ياكل أو يشرب حتى يغتسل؛ فهذا كثير في من يشبه اليهود بل يشبه سامرة اليهود.
وأما من يشبه النصارى فمثل من يححسن الظن بما لا يتطهر ولا يصلي من المنسوبين إلى الفقر والزهد والعبادة، مثل من يكون في مواضع الشياطين والنجاسات كالحمام والآتين والمزابل وهو متلوث بالبول والعذرة ويعاشر الكلاب ولا يتوضأ ولا يغتسل من الجنابة بل ولا يصلي أو يصلي بلا وضوء. وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن الصلوات الخمس فرض على كل أحد، وأن الوضوء من الحدث والاغتسال من الجنابة فرض لا يصلي إلا به مع القدرة ولا يتمم مع القدرة، فمن انكر وجوب ذلك فهو كافر باتفاق المسلمين.
والان استقرأ مسائل فقهية لبعض الناس الذين تشددوا أو بعض العادات والتقاليد عند الناس؛ أول شيء استقرأ الأمور التي فيها تشديد زائد في النجاسات والطهارات وقال هؤلاء الذين يشبهون اليهود. الآن لما قال وأما من يشبه النصارى أراد الذي يستقرئ الاقوال التي فيها تمييع والتي ترى عدم التمييع في الجنابات والطهارات وأنه صلي بدون طهارة وصلي وكذا وعليك نجاسة في مشكلة، فقال هذه الاقوال التي تشبه اقوال النصارى هو أراد أن يثبت هو كل هذا الفصل كم على فكرة أنه هم شو بحكوا أنه انتم يا قرآن يا اهل الاسلام قرآنكم زكى عيسى وأمه.
نقول تمام نحن مش زي اليهود، يعني نحن إذا قلنا أن عيسى ليس إلها معناته نحن نذم عيسى نحن وسط في طرحنا والله نعطي لعيسى عليه السلام ما اثبته له الله عز وجل من الكرامة والصفات والكذا، ولكننا لا نرفعه فوق خانه، فنحن أمة الإسلام نتميز عنكم يا نصارى ويا يهود بأننا أمة الوسط في طرحنا في تعاملنا مع كل القضايا، ومنها قضية المسيح عيسى ابن مريم تعاملنا معها بكل وسطية فأعطيناه منزلة. بس تعرف ابن تيمية حتى يثبت وسطية الإسلام بدخلك في قصة طويلة في أنه يلا خلينا نستقرا وسطية الإسلام بين اليهودية والنصرانية في باب الطهارات، هي شوف هذا نموذج.
فاليهود يشددون في الطهارات حتى استخراج الدم من العروق، وهذا من الأغلال اللي ربنا وضع عليهم، والنصارى يميعون فيها حتى يأخذوا كل شيء ولو فيه نجاسات، والان بدي أعطيك أمثلة ونماذج. واعظم من ذلك من يكفر ما خالف، ويرى الآن هو يرى أن نجاسة الكفار وهذا يعني قول موجود الآن الحنفية يقولون.
بنجاسة الكفار إذا ماتوا، لكن القول بأن الكفار حيا وميتا هذا قول ضعيف جدا جدا، وهذا من الغلو في الدين. ومع فالنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا يتعاونون مع الكفار، وهذه من أعظم المسائل ظهوراً لو كانت موجودة، من وين طلعتوها أنتم هذه المسألة أن الكافر حيا وميتا؟
قال وهذا كما عليه كثير من أهل البدع، هو يرى كان من أقوال أهل البدع كالرافضة والخوارج وغيرهم، فإذا أكل غيرهم من وعائهم عندهم يعني الخارج كان إذا أكل يهودي أو نصراني من السدر اللي هو عليه خلص حكم على كل سدره بأنه وبين غسل السدر، هذه التجديدات في الطهارات تشبه تجديدات اليهود.
الشيء الأساسي هون إن هذول الخوارج والطبقة يكفرهم على محل أهل السنة؟ لا، لا، هو يتكلم عموماً يعني مش موضوع الآن أهل السنة والجماعة عموماً أن هم القول بأن الكافر حيا وميتا هذا من جنس أقوالهم، مش من جنس أقوال المحققين من الفقهاء. وهذا الغلو اللي عند الخوارج في هذه المسألة يشبه غلو اليهود وتطرفهم في قضية التجديد في الطهارة، فهمت عليه؟
هو إيش يريد أن يقول؟ ومش قضية الآن نحن شو ينظرون، هو يريد أن يقول إن غلو بعض الفرق الإسلامية في الطهارات والتجديد فيها هو من جنس غلو اليهود فيها، حتى لذلك ختم هذه الفقرة قال فهذا كثير في من يشبه اليهود. وأما من يشبه النصارى فهذا ذكر التمييع العكس، طيب إذا قالوا من جعل الزاهد العابد قال من جعل الزاهد العابد الذي له نوع من الخوارق مثل نوع من الكشف والتصرف الذي يكون من الشياطين والجهال يظنون أنه من كرامات أولياء الله، إذا لم يكن يستظلو الصلوات الخمس ويتوضأ ويغتسل من جنابة من المؤمنين أو من أولياء الله.
وهذا كثير من الصوفية الذين هم يشبهون النصارى في هذا، أنه يرى الشخص لا يتوضأ ولا يصلي ولا كذا، ويظهر عليه بعض الكرامات الشيطانية ويقول له أنه يقول لك إذا هذا سيدنا ولي وتجاوز القنطره، حتى ولو كان لم يغتسل من سنوات ولم يتوضأ من سنوات، قال فقال فهو كافر باتفاق المسلمين.
يعني الذي يجعل الزاهد العابد له نوع من الخوارق، إذا لم يكن من أهل الصلوات الخمس ولا يتوضأ، اللي بيقول لك هذا الزاهد ما في الصلوات الخمس من هذا كفر؟ العقيدة عقيدة كفرية نعم، انك تخالف مقتضى الكتاب والسنة مخالفة صريحة، هل أحد يصل للولاية بترك الصلوات الخمس وصيام رمضان والغسل من الجنابة؟ هذا مخالف عمن الدين بالضرورة نعم.
قال ومن لم يحرم الخبائث التي حرمها الله ورسوله كالبول والعذرة والدم والميته ولحم الخنزير والخمر فهو كافر باتفاق المسلمين، ومن جعل مستحيل ذلك مع العلم بمخالفته لدين الرسول صلى الله عليه وسلم ولياً لله فهو كافر باتفاق المسلمين.
وكذلك في من ينتحل الإسلام ويذم أهل الكتاب من من يكون منافقاً في الدرك الأسفل من النار، ويكون كثير من اليهود والنصارى أخف عذاباً في الآخرة منهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 145-146].
وكذلك المسلمون وأهل السنة في المسلمين، وكذلك ذلك في التوحيد؛ فإن اليهود شبه الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق وصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق فيما يختص بالخالق وصفات الكمال التي لا يستحقها إلا الله تبارك وتعالى.
فقد قال من قال من اليهود أن الله فقير ونحن أغنياء، وقالوا يد الله مغلولة وهو بخيل، وقالوا إنه خلق العالم فتعب فاستراح. وحكي عن بعضهم أنه قال بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، وانه نهى على بعض من أهلكه من عباده كما ينوح المصاب على ميتة من أمثال ذلك مما يتعالى الله عنه ويتقدس سبحانه وتعالى.
أيضا هم يستكبرون عن عبادة الله وطاعة رسله عليهم السلام، ويعصون أمره ويتعدون حدوده، ولا يجوزون له أن ينسخ من شرائعه بل يحجرون عليه، والنصارى يصفون المخلوق بما يتصف به الخالق. نموذج آخر من وسطية أهل الاسلام تمام.
أي أن النصارى عفونا أن اليهود يصفون الله سبحانه وتعالى شبه الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق، وهو صفات النقص والعيب، فقالوا الله فقير الله كذا والعياذ بالله، النصارى العكس يعطون للمخلوق صفات الخالق، فجعل المسيح إلهاً ورباً وما شابه ذلك، وأما أهل السنة والجماعة فوسط أيضا في هذا الباب.
فيصفون لله ما يستحقه من أوصاف الكمال من غير تشبيه ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. نعم قال والنصارى يصفون المخلوق بما يتصف به الخالق، فيجعلونه رب العالمين خالق كل شيء ومريكه والذي هو بكل شيء اليوم على كل شيء قدير. واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
واتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وصوروا تماثيل المخلوقات ويتخذوهم يشفعون لهم عند الله كما فعل عباد الأوثان، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18].
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شفيع لعلهم يتقون﴾ [الأنعام: 51]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: 4].
والمسلمون وسط يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص التي تمتنع على الخالق ولا يتصف بها إلا المخلوق، فيصفونه بالحياة والعلم والقدرة والرحمة والعدل والإحسان، وينزهونه عن الموت والنوم والجهل والعجز والظلم والفناء.
ويعلمون مع ذلك أنه لا مثيل له في شيء من صفات الكمال، فلا أحد يعلم كعلمه، ولا يقدر كقدرته، ولا يرحم كرحمته، ولا يسمع كسمعه، ولا يبصر كبصره، ولا يخلق كخلقه، ولا يستوي كاستوائه، ولا يأتي كأتيانه، ولا ينزل كنزوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
ولا يصفون أحداً من المخلوقين بخصائص الخالق جل جلاله، فالكل ما سواه من الملائكة والانبياء وسائر الخلق فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء.
كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ ولدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88-95].
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لَّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 171-173].
وكذلك هم في المسيح؛ فالنصارى يقولون وكذلك هم في المسيح، اختلف اليهود والنصارى، فالنصارى غلوا واليهود جفوا. نعم قال فالنصارى يقولون هو الله، ويقولون أيضا هو ابن الله، وهو إله تام وإنسان تام. واليهود يقولون هو ولد زنا و ابن يوسف النجار، ويقولون هو صحيح كذاب، ويقولون عن مريم أنها بغي بعيسى، كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 156].
وأما المسلمون فوسطيتهم في عيسى ابن مريم فيقولون هو عبد الله ورسوله، كلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه، ووجيه في الدنيا والآخرة ومقرب، ويصفونه بما وصفه الله به في كتابه، ولا يغلون فيه غلو النصارى، ولا يقصرون في حقه تقصير اليهود.
وكذلك قولهم في سائر الأنبياء والمرسلين وفي أولياء الله؛ فاليهود قتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس، والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
ومع هذا فقد شارك النصارى اليهود في نقص حق كثير من الأنبياء، فيقولون إن سليمان لم يكن نبياً، ويقولون إن الحواريين مثل موسى وإراهيم، ويقولون إن من عمل بوصايا الله من غير الأنبياء صار مثل الأنبياء وكان له أن يشرع شريعة. وبعض اليهود غلوا في عزير حتى قالوا إنه ابن الله، لهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
والله تعالى ذكر في القرآن في سورة الكهف قصة ابني خالة يحيى وعيسى -ويحيى يسمونه النصارى يوحنا، ويوحنا المعمداني عندهم- فقال تعالى بعد أن ذكر قصة يحيى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 16-19].
فذكر الله سبحانه قصة مريم والمسيح في هذه السورة المكية التي أنزلها في أول الأمر بمكة، وفي السور التي ذكر فيها أصول الدين التي اتفق عليها الأنبياء، ثم ذكرها في سورة آل عمران وهي من السور المدنية التي يخاطب فيها من اتبع الأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، لما قدم عليه نصارى نجران فكان فيها الخطاب لأهل الكتاب.
فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 33-34]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مولود إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخاً من الشيطان إلا مريم وابنها»، ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36].
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37]. إذاً فهو سبحانه قد ذكر قصة مريم والمسيح في هاتين السورتين مريم وآل عمران، إحداهما مكية نزلت في أول الأمر مع سور أصول الدين وهي سورة مريم، والثانية مدنية نزلت بعد أن أمر بالهجره والجهاد، ولهذا تضمنت مناظرة أهل الكتاب ومباهلتهم كما نزلت في سورة آل عمران.
فأخبر في السورة المكية أنها لما انفردت للعبادة أرسل الله إليها روحه، فتمثل لها بشراً سوياً، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. قال أبو وائل: علمت أن المتقي ذو نهية، أي تقواه تنهاها عن الفاحشه، وأنها خافت منه أن يكون قصده الفاحشة، فقالت أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، أي تتقي. وما يقول بعض الجهال من أنه كان فيهم رجل فاجر اسمه تقي فهو من نوع الهذيان ومن الكذب الظاهر الذي لا يقوله إلا جاهل.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19]. فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها بشراً سوياً أنه رسول ربها، فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها ليست صفة لغيرها، وأنه رسول من الله ليس صفة، أن هذا الروح ليس صفة لله بل هو كائن قائم بنفسه وهو جبريل.
نعم، قال ولهذا قال جماهير العلماء إنه جبريل عليه السلام، فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل. وهذا عند أهل الكتاب أنه تجسد من مريم ومن روح القدس، لكن ضلالهم حين يؤمنون أن روح القدس حياة الله وأنه إله يخلق ويرزق ويعبد، وليس في شيء من الكتب الإلهية ولا في كلام الأنبياء.
فالنصارى يقولون إن عيسى تجسد من مريم ومن روح القدس، لكن ضلالهم حين يظنون أن روح القدس هو صفة لله، أن روح القدس هي حياة الله حلت في مريم نعم، وانه إله، وبالتالي أصبح عيسى إلهاً يخلق ويرزق ويعبد، وليس في شيء من الكتب الإلهية ولا في كلام الأنبياء، لأن الله سمى صفته القائمة به صفة الحياة مثلاً، هل جاء شيء أن حياة الله اسمها روح القدس؟ لا، ولا سمى كلامه ولا شيئاً من صفاته حاشاه سبحانه ابناً.
نعم، قال هذا أحد ما يثبت به ضلال النصارى، وأنهم حرفوا كلام الأنبياء وتأولوه على غير ما أرادت الأنبياء، فإن أصل تثليثهم مبني على ما في أحد الاناجيل أن المسيح عليه السلام قال لهم عمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس، فيقال لهم هذا إن كان قد قاله المسيح وليس في لغة المسيح ولا لغة أحد من الأنبياء أنهم يسمون صفة الله القائمة به ولا كلمة ولا حياة ولا ابناً ولا روح قدس ولا يسمونه.
كلمة ابنا ولا يسمون نفسه ولا يسمونه نفسه ابنا ولا روح قدس، ولكن يوجد فيما يقولونه عنهم انهم يصفون المصطفى المكرم ابنا. وهذا موجود في حق المسيح وغيره، كما يذكر انه قال تعالى لإسرائيل: ﴿أَنْتَ أَبْنِي بِكْرِي﴾ [الزمر: 4] أي بني إسرائيل.
قال: والروح القدس يراد به قال: يراد به الروح التي تنزل على الأنبياء كما نزلت على داود وغيره، فإن في كتبه أن الروح القدس كانت في داود وغيره، وأن المسيح قال لهم: ابي وأبيكم والهي والهكم، فسمى أبا، فسماه أبا للجميع، لم يكن المسيح مخصوصا عندهم باسم الابن ولا يوجد عندهم لفظ الابن إلا اسما للمصطفى المكرم، ولا لا اسما لشيء من صفات الله، ولا في كتب الانبياء أن صفة الله تولدت منه.
وإذا كان كذلك كان في هذا ما يبين أنه ليس المراد بالابن كلمة الله القديمة الأزلية التي يقولون أنها تولدت من الله عندهم، مع كونها أزلية، ولا بروح القدس حياه الله، بل المراد بالابن ناسوت المسيح، وبروح القدس ما أنزل عليه من الوحي والملك الذي نزل به.
فييكون قد أمرهم بالإيمان به وبرسوله صلى الله وسلم وبما أنزل على رسوله والملك الذي نزل به، وبهذا أمرت الأنبياء كلهم، وليس للمسيح خاصة يستحق بها أن يكون فيه شيء من اللاهوت، لكن ظهر فيه نور الله وكلام الله وروح الله كما ظهر في غيره من الأنبياء والرسل، فإن غيره أيضا فيما يقول عنه الأنبياء يسمى ابنا وروح القدس حلت فيه، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على أن كلام الأنبياء عليهم السلام يصدق بعضه بعضا، وأنه ليس مع النصارى لا حجة سمعية ولا عقلية توافق ما ابتدعوه، ولكن فسروا كلام الأنبياء بما لا يدل عليه. وعندهم في الانجيل أنه قال أن الساعة لا يعلمها الملائكة ولا الابن وإنما يعلمها الاب وحده، فبين أن الابن لا يعلم الساعة، فعلم أن الابن ليس هو القديم الأزلي وإنما هو المحدث الزماني.
نعم، قال: فصل المضاف إلى الله نوعان، فإن المضاف إما أن يكون صفة لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة والكلام والحياة، وإما أن يكون عينا قائمة بنفسها. فالاول إضافة الصفات، كإضافة شيء في القرآن إلى الله، فهذا الشيء الذي يضاف إلى الله إما أن يكون شيئا لا يقوم بنفسه بل يحتاج أن يقوم بعين، أو أن يكون هذا الشيء قائما بنفسه مثل الكعبة وما شابه ذلك. فالاول يسمى إضافة صفة إلى موصوف بها.
قال قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: 255]، إضافة العلم إلى الله هي إضافة صفة إلى موصوف. نعم، قال وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حديث الاستخاره: «اذا هم احدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقول: اللهم اني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك»، كلها إضافة صفة إلى موصوف.
نعم، قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]، كلمة ربك الكلمه لا تقوم وحدها تحتاج إلى من تقوم فيه، فهذا صفة. نعم، قال وقوله: ﴿ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 10]، حكم الله صفة الموصوف. نعم، قال وقوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ﴾ [الطلاق: 5]، أمر الله.
نعم، قال: والثاني إضافة عين كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: 26]. نعم، أما إضافة العين إلى الله كقوله طهر بيتي، أضيف البيت إليه والبيت عين قائمة وحده، فهذه إضافة تشريف وتكريم.
نعم، قال وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13]، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6]، إضافة عين إلى الله إضافة تشريف.
نعم، قال في المضاف الأول: صفة لله قائمة به ليست مخلوقة له بائنة عنه. والمضاف في الثاني: مملوك لله مخلوق له بائن، لكن المفضل مشرف لما خصه الله به من الصفات التي اقتضت اضافته إلى الله تبارك وتعالى، كما خص ناقة صالح من بين النياق، وككما خص بيته بمكة من البيوت، وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]، فانه وصف هذا الروح بأنه تمثل لها بشرا سويا وأنها استعذت بالله منه إن كان تقيا وأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19].
قال: وهذا كله يدل على أنها عين قائمة من نفسها أو هي التي تسمى في اصطلاح النظار جوهرا، وقد تسمى الجوهر وليس العرض. نعم، قال: وقد تسمى جسما إذا كانت مشارآ إليها مع اختلاف الناس في الجسم هل هو مركب من الجواهر المفردة أم من المادة والصورة أم ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا.
وإذا كان الله قد بين أن المضاف هنا ليس من الصفات القائمة بغيرها بل من الأعيان القائمة بنفسها، علم أن المضاف مملوك لله مخلوق له لكن، وإذا كان الله قد بين أن المضاف هنا ليس من الصفات القائمة بغيرها تمام بل هو من الأعيان القائمة بنفسها، لما قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ﴾ ايش؟ ﴿رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]، إضافة الروح إلى الله هل هي إضافة صفة إلى موصوف ولا إضافة عين إلى الله تشريفا وتكريما؟
قال: إضافة عين، أن الروح شيء مستقل موجود مش صفة حتى نقول والله اضافتها إلى الله إضافة صفة تقوم في ذات الله، بل هي من الأعيان القائمة بنفسها، علم أن المضاف إذا مملوك لله مخلوق له، لكن اضافته إلى الله تدل على تخصيص الله له من الاصطفاء والاكتلاف وبيسموها إضافة تشريف.
وقد ذكرت قال فيما كنت كتبته قبل هذا من الرد، ذكرته فيما كنت كتبته قبل هذا من الرد على النصارى، الكلام في ذلك وغيره، وبينت أن المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات.
فالصفات إذا أضيفت إليه كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك، دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة، لأن الصفة لا تقوم بنفسها فلا بد لها من وصف تقوم به، فاذا أضيفت إليه فعلم أنها صفة له. لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول به، فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة أحيانا.
نقول: خلق الله، إذا كان المراد بالخلق عملية الخلق فهذه إضافة صفة إلى موصوف، لكن أحيانا يطلق الخلق ويراد به المخلوق، فهذه بدك تنتبه أنه لو أضيفت إلى الله ولكن قصد بالخلق المخلوق، لا هذه ستكون إضافة عين إلى الله.
فكلمة الخلق إذا قيل خلق الله تحتمل أن تكون إضافة صفة إلى موصوف إذا قصدت بالخلق معناها المصدري الحدث، ويمكن تحتمل أن تكون إضافة تشريف إذا قصدت بالخلق المخلوق، وهذا مستعمل في لسان العرب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، كالقدرة نفس الشيء.
قدرة الله إذا قصدت القدرة بمعناها الأول فهذا صفة وهي أضيفت إلى الله، وإذا قصدت بقدرة الله قلت والله هذا الشخص هذا قدرة الله سبحانه، ماذا تقصد؟ أنه قدرة الله مقدوره، فهذه تكون إضافة عين إلى الله وتكون إضافة تشريف، وهكذا.
نعم قال كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الرحمه يوم خلقها مئة رحمة». وقوله تعالى فيما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي لا عن عن ربهم وقول فيما يرويه عنه نبيه أنه قال: «الجنتي أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». ويقال المطر والسحاب هذه قد لاحظ رحمتي الرحمة هنا أطلقت على ماذا؟ على عين هي أصلها صفة تمام، لكن هنا قصد بالرحمة الجنة، فأصبحت الرحمة بمعنى الشيء الذي أرحم به الناس تمام، فأطلقت الرحمة على الجنة وبالتالي أصبحت إضافتها إلى الله إضافة تشريف.
نعم ويقال المطر والسحاب مثلا والله هذا السحاب قدرة الله، أطلقت القدرة على المقدور طبعا، وهذه قدرة عظيمة. ويقال في الدعاء غفر الله لك علمه، العلم هنا بمعنى ايش؟ معلومه فيك وهي ذنوبك وخطاياك.
بسم الله قال رحمه الله: وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق مثل كونها مخلوقة ومملوكه له ومقدورة ونحو ذلك، فهذه إضافة عامة مشتركة كقوله هذا خلق الله، فبالتالي هذه لا تكون إضافة تشريف ابتداء، وإنما بيان اختصاص أو شيء من ذلك أنه أضيف إليه كل شيء.
وقد تضاف العين إلى الله لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره مثل بيت الله وناقة الله وعبد الله وروح الله. فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الروح المقدسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح، فإن المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكه مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيله للمضاف على غيره.
وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه ويأمر به أو يعظمه ويحبه، فهذه الإضافة يختص بها بعض المخلوقات كإضافة البيت والناقة والروح وعباد الله من هذا الباب. وقد قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]. وقال في سورة التحريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 11-12].
فذكر فرعون التي ربت موسى بن عمران وجمعت بينه وبين أمه حتى أترضعته أمه عندها، وذكر مريم أم المسيح التي ولدته وربته، فهاتان المرأتان ربتا هذين الرسولين الكريمين، فلما قال هنا: فنفخنا فيها أي في المرأة وفيه أي في فرجها من روحنا، وقال هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19]، دل على أن قوله روحنا ليس المراد به أنه صفة صفة الله الحياة ولا غيره.
نعم قال: ولا هو رب خالق، فلا هو الرب الخالق ولا صفة الرب الخالق، بل هو روح من الأرواح التي اصطفاها الله وأكرمها كما تقدم في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]، وأن الأكثرين على أنه جبريل.
وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضل فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم، فإن كتب الأنبياء التوراه والانجيل والقران وغيرها أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه، فاختلف الناس في هذه الإضافة.
فقالت المعطلة نفاة الصفات من أهل الملل: أن الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به ولا علم قائم به ولا قدرة قائمة به ولا كلام قائم به ولا حب ولا بغض ولا غضب ولا رضا، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا أول ما ابتدعته في الإسلام الجهمية نفاة الصفات.
في الإسلام شو بنسميهم نحن؟ الجهمية، وجعلوا أي إضافة صفة إلى الله في القرآن هي إضافة مخلوق إلى خالق، حتى القرآن جعلوه إضافة مخلوق إلى خالق، وتبعهم المعتزله على ذلك في القرآن لما جاءت فتنه أن القرآن مخلوق، فأصبح أي إضافة لكلام الله أو للقران إلى الله في القرآن الكريم بالنسبة للمعتزله هي إضافة مخلوق وليست إضافة صفة.
وإنما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصحابة وأكابر التابعين لهم بإحسان، وكان مقدمهم رجل يقال له الجهم بن صفوان فنسبت الجهمية إليه، ونفوا الأسماء والصفات، واتبعهم المعتزلة وغيرهم فنفوا الصفات دون الأسماء، المعتزلة ما نفوا الأسماء بس نفوا الصفات.
نعم ووافقهم طائفة من الفلاسفة أتباع أرسطو مثل ابن سينا وغيرهم. وقال الحلولية: بل ما يضاف إلى الله قد يكون وصفا له وإن كان بائنا عنه، بل قال الحلولية -هذول على نقيض الجهمية- هذول قالوا ما يضاف إلى الله يعتبر صفة لله ولو كان منفصلا عن لله، حتى لو كان منفصلا عن الله يمكن أن يكشف لله، وهذا مشكل، لأنه كل ما هو منفصل عن الله مخلوق، فكيف يكون صفه لله؟ بل قالوا: هو قديم أزلي، فقالوا بالتالي روح الله قديمة أزلية صفة لله، حتى قال منهم إن أرواح بني آدم قديمة أزلية وصفة لله باعتبار أنها هي صفة لله.
إنما يسمعه الناس من أصوات القراء ومداد المصاحف قديم أزلي وهو صفة لله. وقال حذاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزلي وهو صفة الله، وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزلي، وأنه لم يزل راضيا محبا لمن علم أنه يطعه قبل أن يخلق، ولم يزل غضبان ساخطا على من علم أنه يكفر قبل أن يخلق، ولم يزل ولا يزال قائلا: يا آدم يا نوح يا إبراهيم قبل أن يوجدوا وبعد موتم، ولم يزل ولا يزال يقول: يا معشر الجن والإنس قبل أن يخلقوا وبعد ما يدخلون الجنة والنار.
وأما سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وأئمة المسلمين المشهورين بالامامة فيهم كالاربعة وغيرهم، وأهل العلم، وأهل العلم بالكتاب والسنة، فيفرقون بين مملوكاته وبين صفاته، فيعلمون أن العباد مخلوقون وصفات العباد وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم وأجسادهم وأرواحهم وكلامهم وأصواتهم بالكتب الالهية وغيرها ومدادهم وأوراقهم والملائكة والأنبياء وغيرها، ويعلمون أن صفات الله القائمة به ليست مخلوقة كعلمه وقدرته وكلامه وإرادته وحياته وسمعه وبصره ورضاه وغضبه وحبه وبغضه، بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفت به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن.
غير تكييف ولا تمثيل، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يؤولون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثلون صفات الله بصفات المخلوق، بل يعلمون أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل هو موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وليس له مثل في شيء من صفاته.
ويقولون إنه لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، لم يزل متكلماً إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالماً، ولم يزل قادراً، ولم يزل حياً سميعاً بصيراً، ولم يزل مريداً، فكل كمال لا نقص فيه يمكن الاتصاف به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متصفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.
والنصارى من أعظم الناس اضطراباً في هذا الأصل، فتارة يجعلون كلامه الذي تكلم به كالتوراة والإنجيل مخلوقاً منفصلاً وينفون عنه الصفات، وتارة يجعلون كلمته قديمة أزلية متولدة عن أنه لم تزل ولا تزل، ثم يقولون هذه الكلمه هي ابنه، ويجعلون هذه الكلمة علمه أو حكمته، ويقولون إن هذه الكلمة هي إله خالق، وهو الذي خلق السماوات والأرض، وأن هذه الكلمة هي المسيح، والمسيح إله خالق العالم.
ويقولون مع هذا أن هذه الكلمة ليست هي الآب الذي خلق السماوات والأرض، الكلام باختصار داخل ببعضه، أقول لك الكلمة هي المسيح، طيب، الكلمة هي علمه وحكمته، يعني، طيب، الكلمة هي المسيح، طيب، علمه وحكمته شيء ثاني، طيب، المسيح، فجاء أحياناً يعني بقول لك في اضطراب في الكلام تحت، لا تصل إلى فهم نهائي، ما هي الكلمة باختصار؟ هل هي شيء منفصل أم هي صفة من صفاته أم هي فيها لاهوت وناسوت، كما يظهر من كثير من كلامهم؟
قال: فيجعلون كلمته صفة قديمة أزلية، ويجعلونها ابناً له، إذاً كلمته صفة في نفس الوقت هي ابن له، طيب، ويجعلون الصفة إلهاً خالقاً، ويجعلون الصفة اللي هي ابن الله إلهاً خالقاً، طيب، ويجعلون المسيح هو الإله الخالق، ويجعلون المسيح بعدين بيطلع هو الإله الخالق، طيب، ويقولون مع هذا هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه، بعدين إذا هو الإله الحق بس هو إله حق بس جاي من إله حق آخر، اللي هو جوهر أبيه، كل هذه عقائد تشعر أنها يعني يضرب بعضها بعضاً بالتناقض والاضطراب.
ولهم في كلام الله وصفاته من التناقض والاضطراب ومخالفة كلام الأنبياء وتفسيره بغير ما أرادوه ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول ما سنذكره إن شاء الله منه مما يسره الله سبحانه وتعالى، إذ بيان فساد أقوال النصارى بالاستقصاء لا يتسع له هذا الكتاب.
ولما قص تعالى قصة المسيح قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]، أي يشكون ويتمارون كتمار اليهود والنصارى، ثم قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37]، فاختلف اليهود والنصارى فيه، ثم اختلفت النصارى فيه وصاروا أحزاباً كثيرة جداً، كالنسطورية واليعقوبية والملكية والبروبية والمريمانية والسميساطية والشمشاطية، وأمثال هذه الطوائف.
نعم، كما سنذكر إن شاء الله كثيراً من طوائفهم واختلافهم في مجامعهم، كما حكى ذلك عنهم أحد أكابرهم سعيد بن البطريق وغيره، فإنه ليس في الأمم أكثر اختلافاً في رب العالمين منهم، ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من هذه الطوائف كلها من مشهد يوم عظيم، يقول تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ كالنصارى الذين ظلموا بإفكهم وشركهم ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: 38]، ضلوا عن الحق في المسيح.
وقد وصف الله النصارى بالضلال في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذَرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 4-5]، لأن الغالب عليهم الجهل بالدين، وأنهم يتكلمون بكلام لا يعقلون معناه، ليس منقولاً عن الأنبياء حتى يسلم لقائله، بل هم ابتدعوه، وإذا سألتهم عن معناه قالوا هذا لا يعرف بالعقول، فيبتدعون كلاماً يعرفون أنهم لا يعقلونه وهو كلام متناقض ينقض أوله آخره.
ولهذا لا تجدهم يتفقون على قول واحد في معبودهم، حتى قال بعض الناس لو اجتمع عشرة نصارى افترقوا على أحد عشر قولا.
نعم، قال الربيعي: النصارى أشد الناس اختلافاً في مذاهبهم وأقلهم تحصيلا لها، لا يمكن أن يعرف لهم مذهب، ولو سألت قساً من أقساهم عن مذهبهم في المسيح وسألت أباه وأمه لاختلفوا عليك الثلاثة، ولقال كل واحد القس وأبوه وأمه كل واحد له رأي في المسيح، ولقال كل واحد منهم قولا لا يشبه قول الآخر.
وقال بعض النظار: وما من قول تقوله طائفة من العقلاء إلا إذا تأملته تصورت منه معنى معقولاً وإن كان باطلاً إلا قول النصارى، يعني الأقوال البدعية حتى لو كانت باطله يا أخي بتقدر تتصور شو يعني شو المقصود بقول الأشاعرة، شو المقصود بقول المعتزلة، إلا النصارى قولهم أنت بتفهمه إلى الآن مش عم تفهم بالضبط يعني ماذا يريدون به.
قال: إلا قول النصارى فإنك كلما تأملته لم تتصور له حقيقة تعقل، لكن غايتهم أن يحفظوا الأمانة أو غيرها، تعرفوا الأمانة التي اتفقوا عليها في اجتماع قسطنطين، وإذا طلبوا بتفسير ذلك فسره كل منهم بتفسير يكفر به الآخر، كما يكفر اليعقوبية والملكانية والنسطورية بعضهم بعضاً، لاختلافهم في أصل التوحيد والرسالة، إذ كان قولهم في التوحيد والرسالة من أفسد الأقوال وأعظمها تناقضاً، كما بين في موضعه.
نكتفي اليوم بهذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، إن شاء الله بعد انتهاء الدورة العلمية مدارج نعود أيها الكرام لإتمام ما نحن فيه التعليق على هذا الكتاب النافع، بارك الله فيكم وجزاكم الله كل خير.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل