دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (6) | المجلس الثامن والعشرون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

استغفر الله العظيم ونتوب إليه.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله الإخوة والأزواج في هذا الصباح المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن نهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمنانا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله في مجلس جديد من مجالس تراث، حيث نعكوف على تراث الأئمة الكبار الله تعالى عليهم، نقليب الصفحات وننظر ما فيها من العبر والأفكار.

وما زلنا نعيش في تراث ابن تيمية عليه رحمة الله وفي كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح الذي عالج فيه رسالة بولس الأنطاكي، وكما قلنا هذه الرسالة وهذا الكتاب يعني كتاب كبير يعتبر نوعاً ما من كتبه، يستفيد الإنسان منه في جوانب متعددة؛ سواء على مستوى المسائل، أو على مستوى الدلائل، أو على مستوى طرق الفهم والنظر والاستنباط وآلية الحوار، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تعدمها وأنت تقرأ تراث ابن تيمية عليه رحمة الله. وصلنا إلى قوله وهو يرد على بولس الأنطاكي ادعاءاته وأما قولهم فكان طيراً بإذن الله، صحيح هنا، نعم.

قال رحمه الله تعالى: فصل: وأما قولهم فكان طيراً بإذن الله اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت، فهذا إذا قالوه على انه مذهبهم. الآن سيعلق على تفسير بولس الأنطاكي قوله تعالى: ﴿وَيَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ويعلق على كيف بولس الأنطاكي يفسر هذه الآية؛ ما معنى فكان طيراً بإذن الله؟ الآيات التي تكلم الله عز وجل فيها عن معجزة سيدنا عيسى بن مريم بإذن الله، طيب ما معنى بإذن؟ فبولس الأنطاكي فسرها، قال: بإذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت.

طبعاً اللاهوت هو الجانب الإلهي والناسوت هو البدن العيسوي، واتحاد اللاهوت في الناسوت هذه العبارات التي يستعملونها بشكل متكرر. فشيخ الإسلام يعني يقول: هل هذا فعلاً معنى قوله تعالى فيكون طيراً بإذن الله؟ هل معناه اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت؟ رح يمسكها كلمة كلمة؛ يعني ما هي أصلاً كلمة الله وما معنى أن هذه الكلمة اتحدت في الناسوت، إلى غير ذلك.

قال: فهذا إذا قالوه على أنه مذهبهم من غير أن يقولوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم أراده، تكلمنا معهم في ذلك وبينا فساد ذلك عقلاً ونقلاً. واما قولهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقول أن المراد إذن اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت، فهذا من البهتان الظاهر على محمد صلى الله عليه وسلم. يعني فيقول هنا بين هناك مقامان؛ المقام الأول: إذا كان هذا تفسير لكم شخصي فنناقشكم بالادله النقلية والعقلية عليه، بس بشرط أنكم ما تنسبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. أما إذا كان هذا تفسير أنتم تزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قاله، فهذا كذب ظاهر نعم.

قال: ومن جنس قولهم أن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7] أراد به النصارى. ومن جنس قولهم أن قوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] أراد به العرب. الآن سيأتي مجموعة من الآيات بولس الأنطاكي فسرها على مزاجه، مثلاً اهدنا الصراط المستقيم بولس الأنطاكي المقصود بالصراط المستقيم دين النصارى، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه هذه الآية خاصة بالعرب، هكذا يقول بولس نعم.

قال: ومن جنس قولهم إن قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25] أراد بهم الحواريين. ومن جنس قولهم أن الرسل الذين أرسلوا بالبينات هم الحواريون نعم. قال: من جنس قولهم إن قوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2] أراد به الإنجيل. فهذه المواضع التي فسر بها القرآن وزعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس ما أنزل إليهم، كان يريد بما يتهم من القرآن هذه المعاني التي ذكروها، هي من الكذب الظاهر الذي يدل على غاية جهل قائلها أو غاية معاندته.

ولكن مثل هذا التأويل غير مستنكر من النصارى، فإنهم قد فسروا مواضع كثيرة من التوراة والإنجيل والزبور والنبوات بنحو هذه التفاسير التي حرفوا فيها الكلام الذي جاءت به الانبياء عن مواضعه تحريفا ظاهراً فبدلوا بذلك كتب الله ودين الله، والله بذلك اليهود الذين حرفوا وبدلوا وإن اختلفت جهة التحريف والتبديل. فتحريفهم للقرآن من جنس تحريفه من التوراة والإنجيل، وهم من الذين يدعون المحكم ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، لكن في هذه المواضيع حرف المحكم الذي معناه ظاهر لا يحتمل إلا معنى واحداً، فكان من الجهل والمعاندة أبعد عن الصواب من حرف معنى المتشابه.

يعني احنا المعروف في اهل البدع أنهم يحرفون معنى الآيات المتشابهات، لكن النصارى وصلت بهم الوقاحه أنهم يحرفون معنى الآيات المحكمات، يقول لك يعني أن تحرف المتشابه مفهوم سلوكي يعني معرفة، لكن انك تحرف حتى المحكمات قال هؤلاء وصلوا إلى أبعد النجاح نعم.

وذلك أنه قد علم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إن المسيح عبد الله مخلوق كسائر المرسلين، وأنه يكفر النصارى الذين يقولون هو الله أو ابن الله. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]، أيضاً الآية التي تليها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا موطن الشاهد نعم.

نعم قال: قد ذكر كفر النصارى في قولهم هو الله مرتين، وذكر أنه ليس المسيح إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل فغاية الرسالة كما قال في محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] وغاية أمه أن تكون صديقة ودل بهذا أنها ليست بنبيه. ثم قال: كان يأكلان الطعام، وهذا من أظهر الصفات النافية للألهية لحاجة الأكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه بعد مع ذلك من الفضلات. ورب أحد صمت، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والنصارى يقولون إنه يلد وإنه يولد وانه له كفواً كما قد بين في موضع آخر.

وقد أخبر بعبودية المسيح في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لَبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 57-59]. وأخبر تعالى أن أول شيء نطق به المسيح هو قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116] الايات إلى قوله شهيد. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء: 171] الآيات كلها، الآيات كلها.

فإذا كان قد علم من الاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم، وبالنقل المتواتر عنه، وبإجماع أمته -إجماع يستندون في النقل عنه- وبكتابه المنذر عليه، وسنته المعروفة عنه، أنه كان يقول إن المسيح عبد الله ورسوله ليس هو إلا رسول وأنه يكفر النصارى الذين يقولون هو الله وابن الله والذين يقولون ثلاثة وأمثال ذلك، كان بعد هذا تفسيرهم لقول الله الذي بلغه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيكون طيراً بإذن الله؛ أي بإذن الله الذي كلمة الله المتحدة بالناسوت، كذباً ظاهراً على محمد صلى الله عليه وسلم الصلاة والسلام.

وهذا مما يعرف كذبهم فيه على محمد صلى الله عليه وسلم جميع أهل الأرض العالم بحال محمد صلى الله عليه وسلم، سواء أقروا بنبوته أو أنكروا. يعني المقر والمنكر لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يعرف ماذا يقول محمد عليه الصلاة والسلام في المسيح ابن مريم نعم.

في المقصود في هذا المقام أن هؤلاء كذبوا على محمد صلى الله عليه وسلم كذباً ظاهراً معلوماً من المؤمنين به والمكذبين، ليس هو كذباً خفيا. وإن قدر أن ما قاله يكون معقولاً فكيف إذا كان ممتنعاً في صرائح العقول؟ بل هو قول غير معقول؛ أي غير معقول ثبوته في الخارج وإن كان يعقل ما يختلقون ويعلم به فساد عقولهم لمن قال سائر الأقوال المتناقضة الفاسدة التي يمتنع ثبوتها في الخارج، وذلك كما قد بسط في موضع آخر.

يعني هذا القول أصلاً لو أردت أن تتصوره فيقول لك هذا القول ممتنع في الخارج، وإن كان لا يمتنع في عقولهم وبه نستدل على فساد عقولهم، لكن من حيث الواقع الخارجي ما زعموه ممتنع، وسيذكر ذلك لماذا هو ممتنع الآن نعم.

قال: فان قولهم بإذن الله اللاهوت الذي هو كلمة الله المتحث في الناسوت باطل من وجوه؛ منها أن تلك الكلمه إما أن تكون هي الله أو صفة لذاته أو لا هي ذات ذاته ولا هي ولا صفة له أو الذات والصفة جميعاً فـ. طيب الآن سيبدا يحلل الآن كلمة الله، مش أنتم قلتم اللاهوت هو كلمة الله المتحدة في الناسوت، شو معنى كلمة الله؟ ما هي كلمة الله هذه عندكم؟ فقال: الاحتمالات العقلية أربعة.

أن تكون كلمة الله هي الله؛ قال: إما أن تكون هي الله هي الله يعني هي الذات، أن تكون هي الذات، أو تكون صفة من صفات الذات، أو تكون هي الذات والصفة، أو تكون ليست ذاتا ولا صفة. يعني الاحتمالات العقلية أربعة؛ أن تكون الذات فقط، أن تكون صفة فقط، أن تكون لا الذات مع الصفة -وهذا تتكلم فيها عن الله كاملاً- أن تكون ليس ذات ولا صفة. هذه الاحتمالات الأربعة، لا، هذا اسمه أنت أول شيء تحصر الاحتمالات ثم تفندها بعد ذلك نعم.

قال: فإن لم تكن هي ذات الله ولا صفته ولا لذات ولا صفة كانت بائنة عنه مخلوقة له، ولم يكن لها إذا كانت ليست الذات ولا الصفة ولا الذات والصفة إذا صارت شيئاً منفصلاً عن الله. يعني إذا كانت كلمة الله الاحتمال الرابع شيء ليس ذات الله ولا صفة الله إذا هذا شيء منفصل عن ذات الله إذا هذا شيء مخلوق خارج الذات نعم.

قال: وحينئذ فلم يتحد بالمسيح لاهوت، بل إن لم يتحد به أنه كان بل إن لم يتحد به ولم تكن لاهوتاً بل ولا خالقاً، وحينئذ فلم يتحد بالمسيح بل لم يتحد به إلا مخلوق إن كان ايش اتحد فيه، لأنه خلص نحن إذا فسرنا كلمة الله لأنها شيء منفصل عن الذات الإلهية، إذا أنت تتكلم عن مخلوق، لأنه نحن أصلاً ايش تعريف المخلوق؟ كل ما سوى الله، هذا تعريف المخلوق كعلم المخلوق كل ما سوى الله فهو مخلوق. والان فقلنا إن كلمة الله ليست ذات ولا صفة لله، إذا أصبحت من جملة المخلوقات وبالتالي أصبح المتحد واحد في الناسوت هو مخلوق من المخلوقات وليس هو اللاهوت الذي تزعمونه طيب.

وإن كانت الكلمه هي الذات أو الذات والصفة فهي رب العالمين، وهي الابن عندهم. وهم متفقون على أن المسيح ليس هو الاب ولم يتحد بها الاب، بل قال: لم يتحدد به الاب بل الابن. وإن كانت الكلمة صفة لله، هذه قال: وإذا كانت هي الذات أو الذات والصفة فهي رب العالمين. إذا فسرنا الكلمة الله بأنها ذات الله أو ذات زائد صفة فانت إذاً خلص جعلت الكلمة هي الله وهي الابن عندهم تمام، وهي الابن عندهم وهم متفقون على أن المسيح ليس هو الاب ولم يتحد به الاب بل الابن، هذا النص شوي.

إيوه عليه السلام هو إله عن الإله الاب، فاتحد به ليس هو نفس الاب اتحد به إله آخر. هو نفس هو اسمه اسمه إله الابن لاهوت الابن اتحد في ناسوت الابن هو وصل على الاب من حيث التصور كانوا يقولون بعدين. طب ما هو مالاهوت الابن هذا أين هو؟ ويقولون هو هناك لكن الاب هو الأصل انبثق منه الروح القدس ثم اتاه ابن هو المسيح. طب هسه هذا هذا مفهوم، لكن نحن نقول ما الذي عندهم في تصورهم أنه اتحد بالابن وأنا لاهوت الابن؟

لانه أحياناً أنا أجدهم يقولون الذي اتحد به هو الاب، يقولون يعني في بعض السياقات يقولون أن لاهوت الاب اتحد به، لكن هو ظاهر كلام ابن تيمية يتجه نحو هذا الاتجاه يعني أنه قد يكون المعتمد لديهم أنه ليس هو الاب الاب بحد ذاته يتحد بالابن بل شيء ينبثق من الاب هو الذي يتحد بالابن، هذا هو ظاهر كلامه طيب.

ولو أن كانت الكلمة صفة لله عز وجل فصفة الله ليست هي الإله الخالق والمسيح عندهم هو هذا هو الاحتمال الرابع والأخير أن تكون كلمة الله ايش هي؟ فقط صفة من صفات صفة، فهنا الصفة تقوم في ذات نعم.

قال: فليست فصفة الله ليست هي الإله الخالق والمسيح عندهم هو الإله الخالق. وأيضاً فصفة الله قائمة بذاته لا تفارق ذاته وتحل بغيره وتتحد به، وكلمة الله عندهم تحددت المسيح. وإن قالوا قولنا هذا كما تقول طائفة من المسلمين أن القرآن أو التوراة أو الإنجيل أحل في القراء أو اتحد بهم، وأن القديم حل في المخلوق أو اتحد به ونحو ذلك.

فقيل: لا سيطرح شبهه. يعني إذا قالوا: ما الإشكال أن نقول إن كلمة الله حلت في الناس؟ فهذا من جنس قولكم إن القرآن يحل في أجواف القارئين، وإن الإنجيل يحل في أجواف القارئين، وهذا الإنجيل نص وهذا القرآن كلام، ومع ذلك يحل في أجواف القارئين، فما المانع أن تكون كلمة الله تحل في جسد أو الناسوت لعيسى بن مريم؟ فيقول: قيل لو كان قول هؤلاء صوابا لم يكن لهم فيه حجة؛ فإنه على هذا التقدير قال: لو قلنا يصح التعبير بأن القرآن يحل في أجواء القارئين، يعني لو كان هذا التعبير صوابا على فرض صوابيته، فإنه لا يكون حجة لكم، لماذا؟ قال: فإنه على هذا التقدير لا فرق بين المسيح وبين سائر من يقرأ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وأنتم تدعون أن المسيح هو الله أو ابن الله مخصوصا بذلك دون غيره.

نعم، التي هي فكرة أيش؟ أنه عندها إذا أصبحت القضية ليست خاصة بالمسيح ابن مريم، لأنه الإنجيل يحل في أجواف كل قارئ، والقرآن يحل في أجواف كل قارئ، إذا القضية صار اتحاد اللاهوت بالناسوت ليس متعلقا فقط بالمسيح ابن مريم، بل في كل من يحل فيه التوراة والإنجيل والزبور، وأنتم دعواكم ما هي؟ أن المسيح هو الله أو ابن الله مخصوصا بذلك دون غيره.

قال: وأيضا فهؤلاء وجميع الأمم متفقون على أن قضاء القرآن وسائر الكتب الإلهية ليس واحد منهم هو الله، ولا هو ابن الله، ولا أنه خارق للعالم، فإذا جعلتم قولكم مثل قول هؤلاء لزمكم ألا يكون المسيح هو الله ولا ابن الله ولا رب العالم، وأيضا فلم نعلم أحدا من هؤلاء قال إن اللاهوت اتحد بالناسوت، ولا أن القديم اتحد بالمحدث، ولا أن هؤلاء قالوا: ولا أن هؤلاء قال إن اللاهوت اتحد بالناسوت، ولا أن القديم اتحد بالمحدث، ولا أن كلام الله صار هو والمخلوق شيئا واحدا، فالاتحاد باطل باتفاق هؤلاء وغيرهم، ولكن طائفة منهم أطلقت لفظ الحلول، وطائفة أنكرت لفظ الحلول وقالوا: إنما نقول ظهر القديم في المحدث لا حل فيه.

لكن قالوا ما قالوا ما يستلزم الحلول، اللي هو أيش؟ يعني ظهور القديم في المحدث هو يستلزم الحلول، يعني هو يقول: التعبير بأن القرآن حل في القارئين، أن القرآن حل في القارئين يعني أولا أنه اتحد، هذا لا لفظ الاتحاد سيبك منه ما حدا يقروله معتبر، قال: وإنما عبر بعضهم بلفظ الحلول، حل في القارئين بس هذا ألطف، أنت فرق بين الاتحاد والحلول، أن تقول إن القرآن اتحد بقلب القارئ، هذا لم يقله أحد، قال: فالاتحاد باطل باتفاق هؤلاء، ولكن طائفة منهم أطلقت لفظ الحلول، الحلول بمعنى النزول أن القرآن نزل حل في قلبهم، وطائفة أنكرت لفظ الحلول وقالت: لا نسميه حلولا، نسميه ظهورا، نقول ظهر القديم في داخل الحديث، اللي هو أو المحدث، المحدث اللي هو نحن والقديم هو كلام الله سبحانه وتعالى، يقول: ظهر القديم في المحدث ولا يقولون حل فيه، والظهور هو في النهاية يستلزم الحلول عليك ون، لكن قالوا ما يستلزم الحلول، لأنه في النهاية ظهور القديم في المحدث هو شكل من أشكال أيش الحلول.

قال: وسلف المسلمين وجمهورهم يخطئون هؤلاء ويبينون خطأهم عقلا ونقلا، وقولهم ليس هو قول أحد من أمة المسلمين ولا قول طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، لكن علماء الإسلام يرفضون هذه التعابير، تعبير تعبير، حتى الحلول أو ظهور القديم في المحدث، وكل هذه التعابير ليست من تعابير علماء المسلمين الكبار الثقات، وإن تكلم به أفراد هنا وهناك ممن يعني تلوثت أفكاره، لكن عموم العلماء وجمهورهم يرفضون هذا.

قال: ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين؛ كالمالكية والشافعية والحنفية والحنبلية والثورية والداودية، الثورية بالنسبة لسفيان الثوري. قال: والداودية والإسحاقية وغيرهم، ولا قول طائفة من طوائف المتكلمين من المسلمين المنتسبين إلى السنة كالكرامية ولا غيره.

اه، هذا كان طوائف مشهور عن المسلمين وإسحاقية، إذا كان الطوائف لها طوائف ولها مذاهب، سفيان الثوري نعم كان له مذاهب لكنه مندرس، كنت أمبارح سبحان الله أقرأ في كتاب يتكلم في تاريخ الأندلس يقول لك: الأندلس كانت في ابتداء أمرها على مذهب الأوزاعي، يعني أنت ربما تتعجب أنه بعض المذاهب المندرسة كان لها نفوذ في تلك الفترة، لكن نحن لا نحصر، فبقول لك الأندلس أول ما دخلت ونشأت الدولة كانت على مذهب الإمام الأوزاعي مع أن المذهب هذا مندرس اليوم، يعني ما تجد إلا أقوال الأوزاعي، ثم قال انتقلت إلى مذهب مالك، والكاتب يعني الحج خليفة تكلم يعني في نقاط وأثبت وقال إن المفتي العام هناك كان على مذهب الأوزاعي وينشر، فبالتالي لا تتعجب من هذا، لأنه كما هو مذهب مندرس بالنسبة ولا لا لكن له نفوذ، سفيان الثوري كان له ثقل في العراق، كذلك إسحاق أبراهويه له تلاميذه وأنصاره وإن كانوا عادة يعني هو متقارب مع أحمد بن حنبل في كثير من الأفكار، داوود بن علي.

قال: ولا قول طائفة من طوائف المتكلمين من المسلمين المنتسبين إلى السنة كالأشعرية والكرامية ولا غيرهم كالمعتزلة والشيعة وأمثالهم، وإنما قال ذلك طائفة قليلة انتسبت إلى بعض علماء المسلمين مثل قليل من المالكية والشافعية والحنفية، وهؤلاء غايتهم إنما قال ذلك طائفة قليلة، عدد قليل هم الذين عبروا بلفظ أن القرآن يحل في المخلوق، أو أن يظهر فيه، هذا التعبير قليل من عبر به.

قال: من المالكية والشافعية والحنبلية، وهؤلاء غايتهم يقول بحلول صفة من صفات الله، وكذلك من قال بحلول الرب واتحاد في العبد من طوائف الغلاة المنتسبين إلى التشيع والتصوف أو غيرهم فهم ضلال.

طيب، إذا أنت راح تقول لي: طيب شيخ شو المشكلة في هذا التعبير أصلا؟ يعني شو المشكلة في هذا التعبير حتى ابن تيمية يرى أنه تعبير خاطئ تقول: أن القرآن يحل في المخلوق؟ يعني هي ايش المشكلة في هذا التعبير حتى نقول إن جماهير العلماء رفضوا هذا التعبير؟ هو ما المقصود؟ يعني هو حتى تفهم ما المقصود أن القرآن حل، هم يقصدون أن صفة الله عز وجل حلت في المخلوق، القرآن هو صفة الله، فقول إن صفة الله حلت في المخلوق وهذا التعبير غير صحيح تماما.

أنت الآن هون القرآن هو كلام الله صدر منه بصوت وحرف، لكن أنت في النهاية أنت تتكلم بكلام الله سبحانه وتعالى تماما، فلا نقول إن صفة الله حلت في، لا أقول إن صفة الله الكلام حلت فيا هذا ما هو صحيح، ليس هذا هو توصيف المشهد، في المشهد أنت تقرا بصوتك يا أيها الإنسان ما تكلم الله به ابتداء بصوت وحرف هذا هو، أنت تقرا ما تكلم الله به مش صفة الله حلت فيك، لذلك هو يقول إن هذا التعبير غير دقيق، ما بينفتين هو كلام الله وكلام.

نعم، هذه يعني من أساليبهم في محاوله التوريط زي ما بقولوا، يعني بده يورطك بهذا الاتجاه، لكن في النهاية طبعا تصوير غير صحيح عندنا، لا نقول إن صفة الله حلت فيه، أنا أتكلم بصوتي، أتكلم بما تكلم الله به ابتداء بما هو في أصله صفة لله سبحانه وتعالى.

شيخ التعبير بالقديم والمحدث أصلا لا نقر أن كلمات القرآن نفسها كل كلمة منها قديمة؟ لسه هذه غيرها، قضية القديم أن كلام الله أصلا يعبر عنه بالقديم، هذه إشكالية أخرى.

قال: فهم ضلال كالنصارى، مع أنه لا حجة للنصارى على هؤلاء؛ إذ كان ما يقولونه لا يختص به المسيح، بل هو مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء والصالحين، والنصارى تدعي اختصاص المسيح بالاتحاد مع أن المتحته بالناسوت صار هو والناسوت شيئا واحدا، ومع الاتحاد فيمتنع أن يكون لأحدهما فعل أو صفة خارج عن الآخر، والنصارى يدعون الاتحاد ثم يتناقضون؛ فمنهم يقول جوهر واحد، ومنهم يقول جوهران، ومنهم يقول مشيئة واحدة، ومنهم يقول مشيئتان، كما سياتي الكلام إن شاء الله تعالى على ذلك.

فصل واما قوله تعالى: ﴿يا عيسى إني﴾.

قال: انتهى من الجواب عن تلك الشبهة، الآن شبهة أخرى.

قال: وأما قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 55]، فهذا حق كما أخبر الله به، فمن اتبع المسيح عليه السلام جعله الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وكان الذين اتبعوه على دينه الذين لم يبدل قد جعلهم الله فوق اليهود، وأيضا فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة، وأما المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به، بل النصارى دينه، وبعث الله محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء، جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة، كما في الصحيحين عن أبي هريرة.

طبعا هم لماذا أتى بهذا بولس الأنطاكي؟ كيف فسر هذه الآية؟ فسر وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا، جاعل أنهم النصارى، يقول: وجاعل الذين اتبعوك اللي هو النصارى فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، فقال: الآية تنصرنا لأن الله يقول، يعني هيك بفسر بولس الأنطاكي الآية: أن النصارى الذين اتبعوا عيسى بن مريم سيكونوا فوق الكفار إلى يوم القيامة، طب مين المراد بالكفار؟ يغسل به اليهود ويغسل به احنا العرب يعني أو فيقول ماذا؟

فابن تيمية بيقول له إيه: فهذه لا يحق، فمن اتبع المسيح جعله الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وكان الذين اتبعوه على دينه بس أي دين؟ الذي لم يبدل في وقته قد جعلهم الله فوق اليهود، وأيضا بل حتى بعد التبديل والتحريف فالنصارى يبقون أفضل من اليهود، تجدنا أشد الناس عداوة، ولذلك أيضا فالنصارى فوق اليهود، اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة، وأاما المسلمون فاحنا لا نصنف أننا من الكافرين به، نصنف أننا من المؤمنين به، فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به، بل النصارى دينه، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الله الذي هو بعث به المسيح وغير الأنبياء، جعل الله محمدا وأمته صلى الله عليه وسلم فوق النصارى إلى يوم القيامة، كما في الصحيحين.

قال: كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معشر الأنبياء ديننا واحد، وإن أولى الناس بابن مريم أنا، أنه ليس بيني وبينه نبي». إن أولى الناس ابن مريم النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُو أمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53].

فإذا دين محمد صلى الله عليه وسلم هو دين عيسى، هذا هو الحقيقة والواقع.

قال: فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسوله كان أحق بنصر الله تعالى، فإن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعَبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173]. واليهود كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليه وسلم، كما قال الله فيهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ [البقرة: 90]، فالغضب الأول بتكذيبهم المسيح، والثاني بتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صل وسلم.

لم يكذبوا المسيح فكانوا منصورين على اليهود، والمسلمون منصورون على اليهود والنصارى، فإنهم آمنوا بجميع كتب الله ورسله ولم يكذبوا بشيء من كتبه ولا كذب. إذا عم بحط لك الترتيب: أسواهم اليهود، ثم أفضل منهم النصارى، ثم بعد ذلك الأعلى منهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ففضلية النصارى على اليهود هي ثابتة عندنا، لا تفهموا أفضلية النصارى على اليهود هذه ثابتة لأنه بعض الناس لا يرى هذا المشهد دائما، وهو يرى مشهد أنه إذا قلت إنه النصارى أفضل من اليهود لا معناتها أنت، لا، هو أنت في النهاية مش معناه أن دين النصارى صح، تمام؟ لا النصارى أفضل من اليهود شيء ثابت، تمام؟ لكن هذا لا يعني أنهم أصوب أو على صواب، عفوا.

قال وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. قال: ولما كان المسلمون هم المتبعون لرسل الله كلهم المسيح وغيره، وكان الله قد وعد أن ينصر الرسل وأتباعهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة». وقال أيضا: «سألت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها»، الحديث فكان ما احتج به حجة عليهم لا لهم.

قال فصل أو أما قوله تعالى (يعني فهذه الآية التي أرادوا أن يحتجوا بها هي حجة لا ليست حجة علينا، آية: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾).

قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87] فهو حق كما أخبر الله به، وقد ذكر الله وقد ذكر تعالى تأييد عيسى بن مريم بروح القدس في عدة مواضع. الآن ما هو روح القدس الآن هذا هو الموطن.

الشبهة الجديدة أيضاً من الشبهات التي طرحها، وأيدناه بروح القدس. ما تفسير كلمة روح القدس؟ يعني واضح أن النصارى عندهم مجموعة من المفردات عاملة مشكلة؛ زي كلمة الله، روح القدس. التفاسير التي بيقدموها لهذه المفردات هي التي عملت لهم دربكة في فهم العلاقة بين الابن واللاهوت والناسوت والأب وما شابه ذلك. فيقول لك كلمة روح القدس وردت في العديد من الآيات القرآنية؛ مثلاً آية سورة البقرة: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]. أيضاً: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: 110]. وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 102]، نزل به الروح الأمين. يعني هذا استقراء لموارد الكلمة في كتاب الله سبحانه، ثم قال: فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله هو الروح الأمين، وهو جبريل. روح القدس نحن نفسره بأنه جبريل، تمام.

قال: وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس». وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نضحت عن الله ورسوله». وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك». فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما ناضح عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهاج المشركين الذين يكذبون الرسول، أيده الله بروح القدس وجبريل عليه السلام، وأهل الأرض يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل اللاهوت متحداً بحسان بن ثابت، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت. فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح، وأهل الكتاب يقرون بذلك؛ وأن غيره من الأنبياء كان مؤيداً بروح القدس كداود وغيره، بل يقولون إن الحواريين كانت فيهم روح القدس. وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء كما سيأتي إن شاء الله. وإنما المقصود في هذا المقام بيان كذبهم على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا التأييد نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بروح مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. فهذا التأييد بروح منه عام لكل من لم يحب أعداء الرسل وإن كانوا أقاربه، بل يحب من يؤمن بالرسل وإن كانوا أجانب، ويبغض من لم يؤمن بالرسل وإن كانوا أقارب، وهذه ملة إبراهيم.

وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّسَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]. وقال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114]. وهذا التأييد بالروح القدس لمن ينصر الرسل عام في كل من نصرهم على من خالفهم من المشركين وأهل الكتاب كما تقدم. وليس في القرآن ولا في الانجيل ولا غير ذلك من كتب الأنبياء أن الروح القدس الذي أيد به المسيح هو صفة الله القائمة به وهي حياته، هذا أحد تفاسير النصارى لكلمه روح القدس؛ أن روح القدس هي صفة لله أو حياة الله، نعم.

قال: ولا أن روح القدس رب يخلق يرزق، فليس روح القدس هي الله ولا صفة من صفات الله، بل ليس في شيء من كلام الأنبياء أن صفة الله القائمة به تسمى ابناً ولا روحاً ولا روح القدس. فإذا تأول النصارى قول المسيح: عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس على أن الابن صفته التي هي العلم، وروح القدس صفته التي هي الحياة، كان هذا كذباً بيناً على المسيح، فلا يوجد قط في كلامه ولا كلام غيره من الأنبياء تسمية الله ولا شيء من صفاته ابناً، ولا حياته روح القدس. وأيضاً هم يذكرون في الأمانة أن المسيح -الأمانة التي هي الميثاق الذي كتبوه بينهم، نعم- قال: إن المسيح تجسد من مريم ومن الروح القدس، وهذا يوافق ما أخبر الله به من أنه أرسل روحه الذي هو جبريل، هو روح القدس، فنفخ في مريم فحملت بالمسيح، فكان المسيح متجسداً مخلوقاً من أمه ومن ذلك الروح. وهذا الروح ليس صفة الله ولا حياة ولا غيرها، بل الروح القدس قد جاء ذكرها كثيراً في كلام الأنبياء، ويراد بها إما الملك وإما ما يجعله الله في قلوب أنبيائه وأوليائه من الهدى والتأييد.

إذاً هذا معنى آخر لروح القدس برضه مقبول، يجوز أن تفسر روح القدس بأنه ما يجعله الله في قلوب الأنبياء والصالحين من الهدى والتأييد، هذا أيضاً تفسير آخر مقبول لكلمة روح القدس. إذاً تفسيرها بجبريل صحيح، وتفسيرها بالهدى الذي يقذفه الله صحيح، نعم. قال: وذلك كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: 2]. وقال تعالى: ﴿يُرْكِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]. فسمى الملك روحاً، وأسمى ما ينزل به الملك روحاً، هما متلازمان. والمسيح عليه السلام مؤيد بهذا وهذا، ولهذا قال كثير من المفسرين أنه جبريل، وقال بعضهم أنه الوحي، وهذا كلفظ الناموس؛ يراد به صاحب سر الخير، كما يراد بالجاسوس صاحب الشر، فيكون الناموس جبريل، ويراد به الكتاب الذي نزل به وما فيه من الأمر والنهي والشرع. ولما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، فسر الناموس بهذا وهذا.

يعني العلماء حاولوا يفهموا ماذا قصد ورقة بن نوفل بهذا الناموس، فتجد بعض الشراح السياسيين يقولون: قصد بالناموس صاحب سر الخير اللي هو جبريل، وبعضهم يقول: قصد بالناموس الشريعة. والحقيقة يقول: كلاهما صحيح، ففيه نوع من التلازم؛ فإن جبريل أتى بالشريعة، والشريعة جاءت مع جبريل. فالناموس فسره العلماء بعضهم بالشريعة وبعضهم بجبريل، نعم.

قال رحمه الله: فصلاً. وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، لقد أرسلنا رسلنا، الآن معنا أن بولس الأنطاكي بماذا يفسر الرسل هنا؟ بالحواريين. ويقول: الرسل هنا من هم؟ الحواريون. فابن تيمية يريد أن يرد على هذا الاستدلال أو هذا الفهم ويقول: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، هذا ليس المراد به الحواري، فماذا قال؟ ذكر الآيات. خلص، أنا بحب أقرأ موطن الشاهد حتى القارئ يرضى عنه، ابن تيمية يرضى عنه، بيجيب لك الصفحة كاملة، وهي موطن الشاهد فيها سطر، فدائماً التركيز على السطر بيخليك تركز وما يتشتت القارئ معك، نعم.

أنا بعدها كمان ذكر الرهبانية. بس هنا مش موضوع ما ذكر الاختباء، بس بعدها قال: وليس في ذلك مدح للرهبانية، نعم. قال فهو حق كما قال تعالى: وليس في ذلك مدح للرهبانية ولا لمن بدل دين المسيح، وإنما فيه مدح لمن اتبعه بما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والرأفة حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27]. ثم قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: 27]؛ أي وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم. وهذه الرهبانية لم يشرعها الله ولم يجعلها مشراة لهم، بل نفى جعله عنها، بل كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَسِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103]. وهذا الجعل المنفي عن البدع هو الجعل الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. هو الآن تيمية هناك الجعل الشرعي والجعل الكوني، فيقول: الجعل هنا هو الجعل الشرعي منفي عن الرهبانية. ما معنى أن الجعل الشرعي منفي عن الرهبانية؟ يعني التشريع؛ يعني الله لم يشرع. لكن الجعل الكوني؛ الجعل الكوني هو القدر، نعم الله قدرها لم تحصل منهم أصلاً، الله قدرها، لكنه سبحانه وتعالى لم يجعلها بالمعنى الشرعي أي لم يشرعها، نعم تفضل.

في هذه الاجتماع وقف على ما قبلنا في... نعم هو يرى أنها ليس لها علاقة برأفة ورحمة تمام. لكن هل يمكن أن يقال إنه يعني على معنى آخر أن يكون عطفها، أو يقول أنها يعني تقرا مع ما قبلها، إيش هي الآية التي قبلها؟ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوا رأفة ورحمة. الآن إذا قلنا إنها اشتغال وهذا يعني سيذكر بعد قليل، نعم، الاصل أن تقف عليها: ورهبانية ابتدعوها، فهي منصوبة على هذا كما سياتي معنا، خلينا نعلق عليها بس نأتي.

قال: فالرهبانية التي ابتدعوها لم يشرعها الله للناس، في قوله: ورهبانية، قولان. أحدهما أنها... إلى العلماء في إعرابها قولان، نعم. قال أحدهما: أنها منصوبة يعني ابتدعوها، أما بفعل مضمر على قومه وأصحابه يفسر ما بعده، أو يقال هذا الفعل... أما بفعل مضمر والضمير يعود أما ف... يعني أما بفعل مضمر على قوم عيسى وأصحاب عيسى، هكذا قصد. إذا التفسير... الإعراب الأول أن تكون ورهبانية منصوبة، ما الذي نصبها؟ فعل مقدر قبلها يفسره الفعل المذكور بعدها، تمام. هذا باب الاشتغال؛ يعني ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، فابتدعوها الواردة بعدها فسرت الفعل المقدر قبلها وهو. وقوله ابتدعوها، هذا الفعل أليس فيه ضمير؟ على من يعود هذا الضمير؟ على أتباع عيسى، أن هذا ابتدعه أتباع عيسى. طيب أو يقال: قال أو يقال هذا الفعل عمل في المضمر والمظهر، كما هو قول الكوفيين حكاه عنهم ابن ج... هذا قول يعني غريب لكن له قيل عن كثير من الكوفيين؛ لأن الفعل المذكور يستطيع أن يعمل في المضمر والمظهر، يعني ورهبانية ابتدعوها ابتدعوها، هذا الفعل المذكور عمل في الضمير الموجود فيه وعمل في الكلمة التي قبله، عمل في الاثنين معاً. طبعا هذا قول ليس هو القول المنصور عاده يعني في الكتب الإعرابية، لكن هذا قول مذكور؛ لانه الأصل أنه الفعل لا يعمل في الشيء في الظاهر والمضمر معاً، إذا كان الظاهر هو المضمر والمضمر هو الظاهر، الأصل أن يعمل في أحدهما، نعم.

قال: ونظيره قوله: ﴿وَأَدْخَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: 23]، وقوله: ﴿وَأَدْخَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره، وموطن الشاهد وين؟ وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79]، وموطن الشاهد: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. والسارق والسارقة، أليس كذلك؟ السارق مبتدأ، والسارقة معطوف عليه، فاقطعوا أيديهما. وقوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: 31]، موطن الشاهد وين؟ والظالمين أعد لهم، هي نفس الفكرة؛ الضمير في لهم يعود على من؟ على الظالمين. والظالمين أعد لهم، والظالمين منصوبة بماذا؟ بفعل محذوف يفسره جنس الفعل المذكور؛ لأنه هنا أنت بدك تجيب فعل مناسب مش نفس الفعل تماماً. عذب الظالمين، يعني أي فعل مناسب لكلمة أعد. فهذا مثلاً من نفس الفكرة هي ولا لا، ينصلح أن يكون إلا على رأي الكوفيين الذين يمكن يقولون يجوز الفعل يعمل في الظاهر والمضمر، يعني صح.

طيب قال: وقوله: ﴿وَفَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]. نفس الشيء؛ وفريقاً حق عليهم، ففريقاً حق عليهم، الضمير في عليهم يعود على من؟ على الفريق المذكور قبل حق. فبالتالي حق؛ ففريقاً بدها تكون منصوبة بفعل يفسره الفعل أو ما يجانسه ما بعده، نعم. قال: وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة. شايف! على هذا بتكون خلص؛ ورهبانية ابتدعوها، هذه جمله جديدة تبدا هكذا: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، تبدا بها كجملة، نعم.

قال: والقول الثاني أنها معطوفة عليها، فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة، ويكون هذا جعلاً خلقياً كونياً، والجعل الكوني... نعم. إذا فسرناها بالجعل الكوني، شوف هذا طريقة ابن تيمية الجميلة؛ إذا فسرناها بالجعل الكوني مش بالجعل الشرعي؛ لأنه جعل: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، ورهبانية، بتضبط العطف، مش لازم أنك لا تقف، بالعكس؛ لأنه هنا أصبح الجعل ليس الجعل التشريعي، وإنما الجعل التقديري القدري. وفعلياً حتى من حيث القدر الله جعل فيهم الرهبانية، بس شو الفرق؟ أن الرأفة والرحمة مطلوبة شرعاً، والرهبانية ليست مطلوبة شرعاً، لذلك قال: ورهبانية، ثم وصفها ونعتها بأنها يعني جعلت في قلوبهم الرأفة، وجعلت في قلوبهم رحمة، وجعلت في قلوبهم الرهبانية التي ابتدعوها، نعم.

قال: ويكون هذا جعلاً خلقياً كونياً، والجعل الكوني يتناول الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]. وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية بجعلها في القلوب، فثبت على التقديرين أنه ليس في القرآن مدح للرهبانية. ثم قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 27]؛ أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع، فتكون هنا استثناء منقطعاً؛ التقدير: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء، إلا بمعنى لكن، لكن ابتغاء رضوان الله هو الذي كتبناه عليهم. وابتغاء رضوان الله يكون إلا بما شرع وليس بالبدع، نعم.

قال وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقّ شيْئًا﴾ [النجم: 28]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن رَّاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾ [الدخان: 56].

الاستثناء المنقطع بسك الفائدة السريعة للجمهور هو الذي يكون فيه المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، يعني ليس هناك مستثنى أخرجنا منه المستثنى، كما تقول: جاء القوم إلا حمارا، جاء الطلاب إلا بغلة، هس البغلة مش من الطلاب، تمام؟ فبالتالي يكون المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، هذا يسمى استثناء منقطعا.

قال وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾ [الدخان: 56]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 20-25]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25-26]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] وهذا أصح الأقوال في هذه الآية كما هو مبسوط في موضع آخر.

ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم وابتغاء رضوان الله، فإن الله لا يفعل شيئا ابتغاء رضوان نفسه، ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين، كما قلت بسط في موضع آخر وذكر أنه إن الله لا يفعل شيء ابتغاء رضوان نفس، يعني أنت ما بصير يكون التقدير هذا يعني يقول: هل يأتي، هل هناك في التعبيرات القرآنية أن تقول أن يقول الله لنا: أنا شرعت هذا، والمفعول لأجله ايش؟ ابتغاء رضوان نفسي؟ يعني هذا لا يكون في التعبير القراني أن الله يقول لك: أنا شرعت عليك هذا طلب رضوان نفسي، مش مش صحيح هذا التركيب، يعني لا يكون هذا في كلام الله سبحانه وتعالى، يقول: إنهم ابتدعوها، قال: إن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله، تمام! فإن الله لا يفعل شيئا ها، فإن الله لا يفعل شيئا.

كيف أقول لك إذا أنت متخيل معنا كيف بده يكون فعلت هذا ابتغاء رضوان نفسي؟ أنا هو سبحانه وتعالى يفعل الأشياء لمصالح العباد لما فيه غيرهم حياتهم عرفت ولا يشرع، نفس الصفة الإلهية أو فعل الله عز وجل نفسكم لا يكون ابتغاء مرضاته. إيوه يعني، أفعال العباد هي ابتغاء مرضات الله، لكن الإله نفسه عرفت إنما شرع علينا ما فيه صالحنا وحياتنا وخيامنا وما شابه ذلك، أما أن يقول أنا أشرع لك ابتغاء رضوان نفسي فهذا لا يصلح.

قال وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها وليس في ذلك مدح لهم، بل هو ذنم. ثم قال تعالى: طبعا هذه الآية نحن مرت معنا إذا بتذكرون عندما الشاطبي في الاعتصام وحللها وكيف أنه هي أصلاً أصل الفكرة نشأت بشكل عام بشكل عفوي، لما النصارى كان في زمن أحد الملوك اضطروا أن يهاجروا وأن يبتعدوا، ثم كيف تحولت بعد ذلك إلى التزام عندهم عام، ثم أن الله لم يشرعها ولكنهم مع ذلك حتى ما أنهم هم التزموها يعني، لكنهم لم يحافظوا عليها حق المحافظة ولم يؤدوها حق مع أنهم يعني الزموا أنفسهم والله ما الزمهم فيها، ومع ذلك حتى هكذا لم يحافظوا عليها حق المحافظة.

قال وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما راوا حق رعايتها وليس في ذلك مدح لهم بل هو ذم. ثم قال تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: 27] وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]، ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضا فمراد من اتباعه على دينه الذي لم يبدل وإلا فكلهم يقولون إنهم مؤمنون بالمسيح، وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل، ومن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لم يمدح النصارى الذين بدلوا دين المسيح ولا الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: قد قال بعض الناس إن قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27] عطف على رأفة ورحمة، وأن المعنى أن الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية أيضا ابتدعوها، وجعل الجعل هنا جعلا شرعيا ممدوحا الذي فسر الآية بهذه الطريقة قال: هذا غلط أن تفسر أن الله أن جعلنا جعلا شرعيا، يعني الجعل الشرعي مع طلبنا.

قال قيل: هذا غلط لوجوه منها أن الرهبانية لم تكن في كل من اتبعه، بل الذين صاحبوهم كالحواريين لم يكن فيهم راهب، وإنما ابتدعت الرهبانية بعد ذلك، بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه. إذا فكلمة: وجعلنا في قلوب اتبعوا، طيب الحواريون هم أبرز من اتبعوا ولم تكن فيهم الرهبانية، فكيف يكون الرهبانية مما هو مطلوب شرعا منهم؟

قال ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية، بخلاف الرأفة والرحمة فإنهم لم يبتدعوها، وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم، فإكان المراد هو الجعللة الشرعية الدينية للجعللة الكونية القدري فلم تدخل الرهبانية في ذلك، وإن كان المراد لجعل الخلقية الكوني فلا مدح للرهبانية في ذلك.

سبحان النقطة الأولى، طيب. حتى على الجعل الكوني القدري ما هو لم يجعل في الحواريين، كيف يجاب عن هذا؟ يعني حتى لو كان جعل كوني، فكيف يقال إنه يعني أنه جعل الذين، لا أنت مش هيك، إذا كان الجعل الشرعي الجعل الشرعي بده يكون حاضر ابتداء، أمت وأولى من سيفعل الحوارية، يعني كيف بدي أقول لك مثلا؟ إذا قلنا جعل الشرعي إذا مع لو قلنا مثلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم جعل الله شرعا علينا أو جعل الله شرعا على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا كذا وكذا، فهذا يستلزم أن يكون أول من يفعل مين؟ الصحابة.

لكن إذا قلت جعل الله كونا وقدرا على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يبتدعوا بدعة الذكر الجماعي، فهل هذا يعني يلزم أن يكون الصحابة هم أول من فعل؟ لا، اتباع محمد المسلمين ظهرت فيهم في امتهم هذا الموضوع، لكن لما يقول جعل عليهم بمعنى شرعا أن يفعلوا شيء لا يتصور أن يكون أول جيل اللي هو الصحابة ما فعلوه، اجت الأجيال اللي بعده امتثلته هكذا.

قال ومنها: أن الرأفة والرحمة جعلها في جعلها في القلوب، والرهبانية لا تختص بالقلوب، بل الرهبانية تتضمن ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك، وقد كان طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم هم بالغبانية، فانزل الله تعالى نهيهم عن ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحُبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]. وثبت في الصحيحين أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهم: أما أنا فاصوم ولا أفطر، وقال آخر: وأما أنا فاقوم ولا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم راى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا أبو اسرائيل ندر أن يقوم في الشمس ولا يستضل ولا يتكلم ويصوم، فقال: «مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه خاصة».

قال وثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وفي السنن عن الارباب عن الأرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنه الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد بينت النصوص الصحيحة أن الرهبانية بدعة وضلالة، وما كان بدعة وضلالة لم يكن هدى، ولم يكن الله جعلها بمعنى أنه شرعها كما لم يجعل ما لم يجعل الله ما شرعه المشركون من البحيرة والسائبة والبصيلة والحام.

فإن قيل: قد قالت طائفة معناها ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله. شو يا اخوان هذا التحليل العميق من ابن تيمية؟ هذه فائدة قراءة مثل هي الكتب، يعني أنك عم كلمة الجعل كيف عم بتشوفها في القرآن بمعاني متعددة، يعني ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة، ما معنى ما جعل على هنا ايش المنفي شيخ هون؟ الجعل الشرعي ولا الكوني؟ الشرعي.

فكلمة الجعل أنت عم بتلاحظ تتبع ابن تيمية لها في القرآن، وأنه بده القارئ القرآن بده يكون على وعيه هو يقرأ كتاب الله سبحانه، كلمة الجعل أحيانا تنفى أو تثبت بمعناها الشرعي، وأحيانا تثبت أو تنفى بمعناها الكوني، وأنتم ما بصير أنتم كقارئ للقرآن مش قادر تنتبه للفرق بين الاستعمالين لكلمه الجعل.

قال فان قيل: قد قال الطائفة معناها ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وقال الطائفة: ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله. قيل: كلا القولين خطا، والأول أظهر خطا، فإن الرهبانية لم يكتبها الله عليهم بل لم يشرعها لا إيجابا ولا استحبابا، ولكن ذهب طائفة إلى أنهم لما ابتدعوها كتب عليه كتب عليهم إتمامها، وليس في الآية ما يدل على ذلك، فإنه قال: ﴿وَمَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]، لم يقل ما كتبناها عليهم فلما مارسوها كتبناها عليهم، يعني الآية ما حكتش كده كذلك، يعني لم لم تشير إلى أننا طلبنا منهم إتمامها بعد أن ابتدعوها.

نعم، مش احنا مش ممكن يعني ايش الاشكال في معنى أن يكون هم فعلوها ابتغاء رضوان الله جهلا منهم؟ يعني هم مخلصون للنيه في هذا الفعل، وإن كان هو بدعه وهو خطا ولكن، لا مو أنك تفسر: وما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله بأن معنى ما كتبناها ما فعلوها، لا هذه لا دلالة لغوية أن هي ما كتبت شرعا، لكن هم ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله.

لا هو هو يعتقد أن هو ماذا يخطئ؟ لما نقول كلا قولين خطا، أن تفسر ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء، أن تفسر الكتب هنا الكتب بمعنى الفعل، هذا الخطا، أنت بتفسر بخارج المطاق، أنت بتحكي أنه شو مانع أن يكون معك أنت صح، هل معنى الآية هكذا؟ هل معنى الآية ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء معناها ما فعلوها إلا ابتغاء، تفسير الكتب بالفعل؟ يعني ما في تناسق بين أنه كتبت وفعل، إذا وما كتبناها عليهم يعني ما فعلوها إلا بالله هي ما قالت هكذا، أما هم نفسهم لما اخترعوها وفعلوها وممكن يكون واحد مخلص ما عنده مشكله، بس الآية لا لم تتكلم عن هذا البعد، فلا يصح أن تفسر وما كتبناها عليهم إلا ابتغاء بمعنى ما فعلوها إلا ابتغاء، لا الآية بده ربنا يقول لك: أنا ما كتبتها عليهم، لكن ابتغاء رضوان الله لكن ما كتبت عليهم ابتغاء، هو الاستثناء المنقطع هيك تفسير الآية.

عادي أنت حط طلبنا منه ابتغاء، حط أي فعل مقدمه مش الحاجه، لكن فعل. هسه هذا شيء آخر، تمام، هذا شيء آخر، بس ابن تيمية الآن يقول هل الآية تريد أن تشير إلى هذا؟ لأنه هم ايش قالوا؟ الذي القول الذي نقله عنهم مش هيك القول، وقال الطائفة ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء، هذا اللي بخطه ابن تيمية، أن تفسر ما كتبناها بمعنى ما فعلوها، فإذا فسرت ما فعلوها وما ابتدعوها إلا ابتغاء، فقيل كذا القولين خطا، والأول أظهر خطا، فإن الرهبانية لم يكتبها الله عليهم لم يكتبها الله عليهم بل لم يشرعها لا إيجابا ولا استحبابا، ولكن ذهب طائفة إلى أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها وليس في الآية ما يدل على ذلك، فإنه قال: وما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية ولا كتب عليهم إتمامها ولا كتب عليهم ولا رعبت، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة وأنهم نفسهم في حياتهم لم يراعوا تلك البدع حق رعايتها.

أما قضية يعني التفسير الذي أنت تميل إليه إيه أظن أن الشاطبي ذكر هذا، يعني أشار إليه في قضية تفسيرها أنه لكن خلص شرعت فيها فابتغي فيها رضوان الله، من الأمور المحتملة خلينا نقول، من الأمور المحتملة، لكن ليس أن تفسر وما كتبناها بمعنى ما فعلناها أنت هون خلص دخلت في قضية أخرى، وهو أن تقدر فعلا محذوفا تجعله الناصب لابتغاءه، وما كتبناها عليهم لكن ايش أنت بدك تقول؟ لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، عرفت؟ لكن هو ابن تيمية يعتقد أن ما بعد ذلك كذلك يعني قد شوي يبتعد عن هذا السياخ، وقال: فما رعوها حق رعايتها، يعني ممكن شوية أنه ينقد فكرة فعلوها ابتغاء رضوان الله، لكن أنا في اعتقادي محتمل يعني هذا التفسير أن تقول فعلوها ابتغاء رضوان الله، بل هذا هو الواقع ابتداء أن هذه الفكرة أصلاً لما نشات عندهم إنما كانت سياحة في الأرض هروبا الملك الظالم إذا صح حديث الملك الظالم، وأن قسما من النصارى فهم فعلوها ابتداء ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتهم، فعلوها ابتغاء رضوان الله، فما.

رعوها حق رعايته، أنت في النهاية غير ملزم أنه يعني بتخطئة ابن تيمية، يعني ابن تيمية قد يكون هذا أنه ليس هذا هو السياق، لكن لو جاء شخص وطرحها بالطرح الذي تفضلت به، هل كلام ابن تيمية يعني يجعل هذا المعنى لا يجوز قبوله بشكل من الأشكال؟ لأن في اعتقادي لا يوجد ما يمنع الذي تفضلت فيه، يعني أن يمنع تماماً؛ لأني ما أقرت أنها مشروعة أو أن الله شرعها، لكن ممكن أقر أنه فعلها ابتغاء رضوان الله، وإنسان يمكن يبتدع أي بدعة ويفعلها ابتغاء رضوان الله، لكن الله ما يقبلها منك، ما فيش تنافي بين أن تبتدع وبين أن تكون مخلصاً، أنك قد تبتدع بدعة وتكون مخلصاً فيها، لكن لا تقبل من جهة عدم الاتباع، فهذا بعد آخر تماماً، نعم.

الآن لكن طلبت منه ابتغاء رضوان الله، يعني لأن الله هو يقول لك ابتداءً لا أشرع منهم إلا ما أشرعه، إذا رهبانية تدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء، يعني ما كتبنا إليهم إلا ابتغاء، نعم نعم، ما كتبنا إليهم ابتغاء، نعم.

أقول لك بدك تقدر فعل آخر، يعني هو أنا ما كتبت عليهم الرهبانية لكن كتبت ابتغاء رضوان، طب كيف يطلب رضوان الله بطاعته؟ لذلك انظر ماذا فسرها قبل قليل؛ أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله يكون بماذا؟ بفعل ما أمر به، لا بما يبتدع.

يعني حتى هو ايش قال: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فكانت ستفهم من الآية ضمناً أنه إذا لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، هذا أظن تفسير بالمعنى، يعني هذا ما يريد، مش هو يريد؟ هو قال: ما كتبناها، الضمير في الهاء يعود على ماذا؟ على فبالتالي إذا بدك تقول إنه استثناء منقطع فبده يكون التقدير، أنه استثناء منقطع، ما س لما أقول لك هكذا، أي ما جاء الطلاب إلا حماراً، شو معناها؟ إنه ما جاء الطلاب، وأنه ايش جاء حمار؟ بدك تقدر جاء حمار، صح؟ فهو بده يقول لك: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فالتقدير ما كتبناها عليهم تلك، لكن كتبت عليهم ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله يكون بما شرع، بهذه الطريقة.

طب الفعل كتب مقدر هنا وهنا، تمام، مقدر هنا وهنا، لكن هناك المنفي الابتداء الرهبانية، ما كتبناها عليهم، والمثبت أنني كأن نقول: إنما كتبت عليهم ابتغاء رضوان الله، وإنما يكون بما شرع، نعم.

قال: فإن قيل قوله تعالى: ثم راوها حق رعايتها يدل على أنهم لو راوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين، قيل: ليس في الكلام ما يدل على ذلك، بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون من الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك، فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها.

جميل، شوف هذه الفكرة، ويقول: فما رعوها حق رعايتها، هذا ذم بعد ذم، يعني أنتم ابتدعوها، الواحد لو واحد من أهل الإسلام ابتدع بدعة الذكر الجماعي واللزومية والزم كذا وحافظ عليها، هسه هذا بيأخذ إشكالية البدعة، بس ممكن يحمد أنه بس والله قد حاله، يعني ابتدع بدعة بس قد حاله وواظب عليها، لا، اللي بيجلطك اللي بيروح بيبتدع بدعة وبيلزم الناس فيها وهو نفسه بياظبش عليها، بقول لك هذا خرج بمذمتين، أنه حضرتك اخترعت بدعة، ودعوت الناس وحضت الناس، وأنت نفسك مش ملتزم فيها وتتلاعب بها، تمام؟ زي اللي مثلاً يرى الآن نحن ذهبنا أنه تراويح عشرين، تمام، بعض الناس بده يلزم الناس بالعشرين، بقول لك: أنا ما بقبل ثمانية، وهو نفسه بيصلي عشرين، طب أنت نفسك يعني أنت عم مرائي فيها، وأنه لازم تصلوا كلكم، يا اخي ماشي نحن مع المذهب كذا وقضيتك بس أنه أنت تيجي تفرض على الناس أنه صلاة الثمانية لا تمثل التراويح وانه لازم تصلي عشرين، وأنت حضرتك ما بتصلي عشرين أصلاً، معناه أنت في نوع من الهوى، واضح أنه في هوى وتحدي بس مش ديانة، فرق بين الحكم لما يصدر ديانة ولما يصدر هواً، هذه كان حكي عنها كثير ابن جوزي صيد الخاطر الذي يحط التقشف الظاهر ومن تحت الطاولة بلا خجل.

قال: وإن لم يكن واحد منهم محموداً، بل مذموماً، مثل نصارى بني تغلب ونحوهم، ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها، بل اخذوا منها ما وافق أهواءهم، فكان كفرهم وذمهم أغلظ ممن هو أقل شرا منهم، والنار دركات كما أن الجنة درجات، وأيضاً فالله تعالى إذا كتب شيئاً على عباده لم يكتب ابتغاء رضوانه، بل العباد يفعلون ما يفعلون ابتغاء رضوان الله، وأيضاً فتخصيص، ارفع صوتك شوية، الله يرضى عنك يا شيخ.

يلا، قال: وأيضاً فتخصيص الرهبانية بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيص بغير موجب، فانما كتبه ابتداء لم يذكر أنه كتبه ابتغاء رضوانه، فكيف بالرهبانية؟ وأما قول من قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدح للرهبانية، فإن فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حسن مقصده يرى أنه يثاب على قصده ولا يثاب على ما نهي عنه، ولا على ما ليس بواجب ولا مستحب، فكيف والكلام لا يدل عليه؟ فإن الله قال: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، ولم يقل: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان، ولا قال: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولو كان المراد ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله لكان منصوباً على المفعولية، المفعولية أو المفعول، يعني المفعول لأجله، نعم.

قال: ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه، ولا نفي الابتداع، بل أثبته لهم، وإنما تقدم لفظ الكتابة، فعلم أن القول الذي ذكرناه هو الصواب، وأنه استثناء منقطع، فتقديره: وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.

هيك هو ابن تيمية يعتقد أن تفسير الآية: وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، نعم.

قال: وإن استثناء المقط، قال: فان اضاء الله واجب مكتوب على الخلق، وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور، لا بفعل ما لم يأمر الله بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه، والرهبانية فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه.

طيب.

قال فصل في تفسير قوله تعالى: ليسوا سواء، وهذا عفواً كلام.

أما قوله تعالى، فصل، واما قوله تعالى، افتح افتح الباب شوي، وأما قول، أبحثنا، فاهم معك، مفعول به بس ما في فعل يدل، ولو كان المراد ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله لكان منصوباً على ايش؟ على المفعول، بس المفعول لأجله هنا، مش المفعول، يعني هذا الذي يقصد والله أعلم، حتى هنا المحقق قال مفعول لأجله، ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل، بتفسير ما فعلوها إلا، ما فعلوها إلا، نعم.

وعندنا أمران: لفظ كلمة فعل، إن فعل ما سياق حتى تقول ما فعلوها مش موجودة حتى، آه قصده يعني لفظ الفعل نفسه اللي ما فعلوها إلا ابتغاء، مش موجودة أصلاً في السياق، السياق: لما كتبناها عليهم إلا ابتغاء، هو يقول: ولم يتقدم لفظ الفعل، يعني كلمة لفظ الفعل كلمة فعل، فعل شو ما فسروها بتفسير ما فعلوها إلا ابتغاء، هل كلمة فعل فعل موجودة في السياق الفاء والعين واللام؟ مش موجودة في السياق، قال: ولم يتقدم لفظ فعل حتى تقول والله هذا هو الذي نصبها على أنه مفعول لأجله، مش موجود، قال: ولا نفى الابتداع، ما قال: ما ابتدعوها إلا، يعني هو كأنه بده ينفي أن هذول الجملتين مش موجودات، الآية بتحكي ما كتبناها، ما قالت ما فعلوها إلا ابتغاء، وما قالت ما ابتدعوها، كلا اللفظين مش موجود، تمام، بل بالعكس الابتداع ما نفي بل أثبته، لأنه ايش قال: ورهبانية ابتدعوها، فالابتداع مثبت في السياق وليس منفي، نعم.

قال: وإنما تقدم لفظ الكتابة، يعني هذا هو الفعل الموجود، فهي مش مسألة نحوية، هو هي مسألة أنه شو اللفظ المستعمل في الآية، نعم.

قال فصل: واما قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114]، فهذه الآية لا اختصاص فيها للنصارى، بل هي مذكوره بعد قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.

حقيقة فعلاً، كثير من الآيات مشكلة، وأنا بذكر كنت مرة جالس في الحرم النبوي وأنا في في الجامعة الإسلامية، فكان جنبي حاج بقول لي: شيخ هي الآية والله محيرتني، كانت جنبي حاج بتقول لي: هي اشرح لي اياها: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله﴾، يعني معقول النصارى بيقوموا الليل يا شيخ وناس ملاح؟ والآية القرآنية بتمدحهم؟ قلت له: حج، هذه المراد فيها المؤمنون من أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ فهي فعلاً بعض الآيات ترى بالنسبة لأن أنت بتشوفك طالب علم واضحه بس يمكن يلبس فيها على العامة، أنه يجي يقول لك: هي ربنا مدح أهل الكتاب في القرآن وقال إنهم ليسوا سواء، في ناس ملاح من النصارى، أنتم ليش بتظلكم يعني حاطين أحطاطكم مع النصارى؟ ربنا بيقول: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات﴾، الذين أو يعرف بإجماع العلماء أن هذا المراد بها يعني أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو في أحسن أحوال أهل الكتاب قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم، أما أن يراد النصارى الذين بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله يمدحهم، أنه هذا يؤيد الديانة الإبراهيمية اللي بيدعوا إليها اليوم؟ نعم.

أه هدول ليسوا سواء، سبحان الله شايف محمد حسين تورط، نعم.

قال: معلوم أن الصفة المذكورة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ صفة لليهود، وكذلك قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فقوله عقب ذلك: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ لابد أن يكون متناولاً لليهود، ثم قد اتفق المسلمون والنصارى على أن اليهود مع كفرهم بالمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس فيهم مؤمن، وهذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم، والآية إذا تناول تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، والله.

إذاً أولاً، شوف كيف، أولاً كلمة أهل الكتاب بتشمل اليهود والنصارى، يعني حتى إذا بدكم تكونوا علمياً كلمة أهل الكتاب ما بتشملكم بس النصارى، بل بالعكس، إذا بدك تيجي لسياق الآية نفسها، هيك كانت في سياق اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ هي الآية اللي قبلها، بعدين ايش قال؟ ﴿وَلَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ فانتبه يا أنطاكي، لا تقرب على الآية؛ لأنه أصلاً هي أصلاً في سياق كلامها مع مين؟ عن اليهود، طيب، وأنتم النصارى شو رأيكم في اليهود؟ أنتم النصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ وقالت النصارى: ليست، أنتم بتكفروا اليهود، إذن ما دامت الآية أصلاً هي عم تتكلم عن اليهود اللي أنتم يا نصارى بتكفروهم، فبالتالي هي أصلاً إذا بدك تيجي بالخصوصية هي مشاملة لك ابتداءً من حيث السياق، طيب بدنا نيجي على عمومها، ماشي، إذا عمومها رح يشملك أنت واليهودي اللي أنتم بتكفروا بعض، عمومها سيشملك أنت واليهودي يا نصراني، هي لا، عمومها رح يشملك أنت واليهودي، فإذا كان ذلك متصور في اليهود، إذاً هو متصور في النصارى، ومصور في النصارى متصور في اليهود.

قال: والآية إذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، والله تعالى إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].

وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم تمكنه الهجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا العمل بشرائع الإسلام لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام.

نحن ناقشنا إذا بتذكر موضوع النجاشي، سم، قلنا: النجاشي هذا أسلم يا جماعه، هذا النجاشي أسلم، وقلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب بالهجرة.

طبعا هنا طبعا هو تعبير ابن تيمية، لكن لم يمكنه الهجرة، يعني هذا التعبير لم يمكنه الهجرة، يمكن يفهم يعني أو يفهم منه في السياق أنه يعني هو كان عاجز عن الهجرة، ولذلك لم يهاجر.

هل هو عجز عن الهجرة، ولا هو خلينا نقول لم يُطالب بالهجرة يعني، أو النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بأن يُهاجر إليه؟ والا لو أمره أن يُهاجر لهاجر. يعني هل هو -أنا بفكر يعني- هل النجاشي فعلاً كان، شفت تعبير ابن تيمية: (لم يُمكنه الهجرة)، شو يقصد (لم يُمكنه الهجرة)؟ يعني ما كان قادر يهرب من الحبشة ويتجه للمدينة النبوية؟ ولا أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن وجوده مصلحة في تلك البقعة، كما ذكرنا هذا النقاش سابقاً، فلم يُطالبه بهذا المستوى، وقال له: يعمل ما يمكن أن يفعل من شعائر الإسلام ضمن البقعة التي هو فيها، وإن كان لم يستطع أن يُظهر كثير من شعائر الإسلام لأن أهل بلدته، أو أهل عفوًا أهل بلدته نصارى؟

ففرق بين تقول: لم يمكنه. هل فعلاً في دليل على أن الرجل -أنت لما تقول شخص لم يمكنه الهجرة شو بتفهم منها؟- أنه هو كان مطالب فيها لكنه عاجز. طيب، مين عاجز؟ في حدا بلاحقه أمنياً؟ في حدا كذا؟ طيب، يعني هل مراد أنه لو حاول الهجرة سيُق- يعني في أشياء تحتاج إلى تحرير أكثر في عبارة (لم يُمكنه الهجرة) والله أعلم نعم.

الصحابة اللي كانوا عنده أيضاً كانوا آمنين، ولكن حتى لما أسلم في فتح خيبر تفاجأ بهم، ما كان يعرف المسلمين. لا، هو أرسل لهم، هو أرسل في القصة أنه أرسل أن أرسل إليّ جعفر من عندك. وفي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم حبيبة كتب إلى النجاشي أن أرسل إليّ بجعفر، يعني خلص خليه يأتي بعد ما آمنت المدينة. هو طلب منهم الحضور، لكن هي فكرة كما- لكن لم يطلب منه هو، هذا هو، لم يطلب منه هو. يعني حتى أقول إنه لم يمكنه الهجرة، أنا أحتاج لمعيار علمي أثبت أنه فعلاً لم يُمكن، لأنه السيناريو الآخر زي ما قلنا لا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطالبه باعتبار أنه وجد أن وجوده في تلك المنطقة خير من- يعني أنت هذا راس الهرم، أنت لما يكون راس الهرم مسلم موالي، مش من السياسة الشرعية خليه؟

أحياناً كسياسة بيخدمك وجود شخص موالي لك على راس الهرم، وإن كان هذا الشخص غير قادر على إظهار كامل دينه، بس من حيث مصلحة الإسلام مش مشكلة، مهم وجوده في تلك النقطة. فأنا يعني عندي كان في نقاش مع عبارة ابن تيمية: (لم تمكنه الهجرة) تمام يعني، والعبارة تقوى والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب بها من ناحية السياسة الشرعية. نعم، قال: العمل بشعائر الإسلام اللي كانوا أهل بلده- يعني أنت لو واحد الشاب بده يفتي فيها بقول له: إيش يا شيخ؟ خليه يهرب من الحبشة. يعني لو طلع هو من الحبشة وراح على بسفيرة وخلى الحبشة يدبروا بعض، حطوا واحد زعيم عليهم وهم يدبروا بعضهم، أنا المهم نُفِذتُ بجلدي وأتيت! مش رح تكون نظرة استراتيجية بالنسبة للمشروع الإسلامي في تلك الفترة، نعم.

قال: وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا، فانه لم يكن هناك من يُظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم، ولهذا جعل من أهل الكتاب، جعل من أهل الكتاب مع كونه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. فهنا هنا التعبير: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199] قيل إنها نزلت في النجاشي.

طيب، لماذا عبر عنه أنه من أهل الكتاب أنه خلص صار مسلماً؟ يعني أنت عفواً اليهودي إذا أسلم بتضلك تحكي إنه أهل كتاب عنه، ولا بدك تحكي خلص صار مسلماً؟ النصراني إذا أسلم بتضلك تحكي عنه أهل كتاب، ولا بتقول صار مسلماً؟ فلماذا عبرت الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ مع أنها تتكلم عن مسلم؟ إذاً، لماذا أبقت عليه لفظ أنه من أهل الكتاب؟

فقال شوف، هذا هيك تحليل ابن تيمية، أنه سُمِّيَ أنه من أهل الكتاب وإن كان مسلماً، لأنه في الظاهر بقي من أهل الكتاب، بس في الباطن هو مسلم، لأنه لم يستطع أن يُظهر أمام الناس مخالفته لأهل الكتاب النجاشي، فهو في الظاهر يكون- يقول: في الظاهر جُعِلَ من أهل الكتاب مع كونه في الباطن مؤمناً به. نعم، وأما من كان ظاهراً وباطناً آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم منهم، فهؤلاء خلص ما عاد اسمه اهل الكتاب، ايوه.

صلاة الغائب أن تكون- أن لا تحصل جماعة ظاهرة، تحصل الصلاة كذا على الميت. هلق وقت قيل، هو ما تبنى هذا النظر فقهياً، هو بس بقول لك يعني إحدى التحليلات الفقهية أنه لماذا هذا النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه بتعرفوا مسألة الصلاة على الغائب والخلاف الفقهي اللي فيها، لأنه بعض الناس بقول لك: تجوز الصلاة على الغائب، ولو صلي عليك صح واستدلوا بأيش؟ بأنه إيش؟ النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأكيد يعني كان كمسلم متخفٍ في الحبشة صلى عليه، يعني شو ما عندنا؟ ما قال النبي: صلوا عليه لأنه ما أحد صلى عليه.

لكن الراي الأظهر هو أن ماذا؟ أن صلاة الغائب إنما تكون لمن لم يُصَلَّ عليه، وهذا هو مذهبنا يعني عموماً، أن صلاة الغائب تكون لمن لم يُصَلَّ عليه، ويقول لك: بالتالي هذا الظاهر في حال الحب- النجاشي أنه لم يصلى عليه صلاة ظاهرة، سواء صلى عليه ببيته مسلم متخفٍ في الحبشة، نحن ما بنعرف، لكن نحن بنتعامل مع الأول على ظاهره. في الظاهر هذا رجل مات بين أحضان النصارى، وبالتالي ما حدا صلى عليه، فنحن بنقوم بالصلاة عليه، فبالتالي هو يقرر ما هو مذهب فعلياً بهذا الكلام نعم.

قال: ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام، قال: بمنزلة من يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في بلاد الحرب، ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا يمكنه العمل بشرائع الإسلام ظاهراً، بل يعمل بما يمكنه، بل يعمل ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه.

كقاعدة عامة أن أي مسلم يسلم في ديار الحرب ولا يتمكن من الهجرة خلص، ربنا عز وجل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] يفعل من شرائع الإسلام ما يستطيع، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. لكن هل النجاشي كان هذا النموذج الذي لم يمكنه الهجرة؟ موطن النقاش نعم.

قال: كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن مؤمن، كما كان مؤمن آل فرعون. فان قال- فإن كان من قوم عدو لكم، سوء في النهاية هو هذا مؤمن تماماً نعم.

قال: فقد يكون رجل في ظاهر من الكفار وهو في باطن مؤمن كما كان مؤمن آل فرعون، وسيذكر قصة آل فرعون طيب. قال: فقد أخبر سبحانه أن حقاً بالفرعون- وسوء العذاب. الحمد لله. قال: فقد أخبر سبحانه أنه أحاق بال فرعون سوء العذاب، وأخبر أنه كان من آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه، أنه خاطبهم بالخطاب الذي ذكره، فهو من آل فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر، وليس هو من آل فرعون الذين يدخلون أشد الح- هو بياكد عن فكرة أنه لماذا سمى الله النجاشي من أهل الكتاب عنه مسلم، أنه باعتبار الظاهر نعم.

قال: وكذلك امرأة فرعون ليست من آل فرعون هؤلاء، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11] نعم. وامْرأة الرجل من آله بدليل قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: 59-60]، وهكذا أهل الكتاب فيهم من هو في الظاهر منهم وفي الباطن يؤمنون بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه علماً وعملاً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

هو عاجز عن الهجرة إلى دار الإسلام كعجز النجاشي، وكما أن الذين يظهرون الإسلام فيهم من هم في الظاهر مسلمون وفيهم من هو منافق كافر في الباطن، أما يهودياً وأما نصرانياً وأما مشركاً وأما معطلاً، فكذلك في أهل الكتاب والمشركين من هو في الظاهر منهم ومن هو في الباطن من أهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويفعل ما يقدر على علمه وعمله ويسقط ما يعجز عنه مثل ذلك.

وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: لما مات النجاشي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لأخيكم». فقال بعض القوم: تأمرون أن نستغفر لهذا العلج يموت بأرض الحبشة؟ فنزلت- تخيل أن بعض- وقيل هذا قاله بعض المنافقين، هم الذين قالوا هذا في رواية أخرى، أي ما كانوا يعرفون أنه مسلم، وبالتالي قالوا: كيف نصلي على اثنين؟

قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 199] ذكره ابن أبي حاتم وغيره وغيره بأسانيدهم، وذكره حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «استغفروا لأخيكم النجاشي» فذكر مثله. وكذلك ذكر طائفة من المفسرين عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس وقتادة أنهم قالوا: نزلت هذه الآية في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمه، وهو بالعربية عطية.

وذلك أنه لما أتاه- أتاه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم». قالوا: من هو؟ قال: «النجاشي». فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، وزاد بعضهم: وكشف لهم- وكشف له المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربعة. سريره يعني نعشه نعم.

قال: واستغفر له وقال لأصحابه صلى الله عليه وسلم: «استغفروا له». فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي! -نسبت إلى المنافقين الجملة- نعم. قال: وليس على دين! فانزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199].

وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنها نزلت في من كان على دين المسيح عليه السلام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به، كما نقل ذلك عن عطاء، وذهبت طائفة إلى أنها نزلت في مؤمن أهل الكتاب كلهم. والقول الأول أجود، فإن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأظهر الإيمان به وهو من أهل دار الاسلام، يعمل بما يعمله المسلمون ظاهراً وباطناً، فهذا من المؤمنين وإن كان قبل ذلك مشركاً يعبد- يعبد الأوثان، فكيف إذا كانت كتابية؟ فلا يُسمى إذاً من أهل الكتاب الذي في ديار الإسلام ويسلم من أهل الكتاب، ويصبح معنا ظاهراً وباطناً مثلاً خلص هذا يعني، هل عبد الله بن سلام نحن بنحكي إنه من أهل الكتاب باعتباره السابق ماشي، لكن باعتباره الآن هو لا يُسمى في القرآن أنه من أهل الكتاب انتهت نعم.

قال: وهذا مثل عبد الله بن سلام الفارسي وغيرهما، وهؤلاء لا يقال إنهم من أهل الكتاب كما يقال في المهاجرين والأنصار أنهم من المشركين وعباد الأوثان، ولا ينكر- ولا ينكر- يعني باعتبار ما كانوا عليه، يعني هل مثلاً بتيجي بتحكي عن الأنصار وهؤلاء عباد الأوثان؟ طبعا كان ممكن شوي يكون في قياس مع فارق شوي، بس هذا هو.

قال: ولا ينكر أحد من المنافقين ولا من غيرهم من أن يُصلى على واحد منهم، بخلاف من هو في الظاهر منهم وفي الباطن من المؤمنين وفي بلاد النصارى من هذا النوع خلق كثير، يكتمون إيمانهم أما مطلقاً وأما يكتمونه عن العامة ويظهرونه لخاصتهم. وهؤلاء قد يتناولهم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. فهؤلاء لا يدعون الإيمان بكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأجل مال يأخذونه، كما يفعل كثيراً من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله فيمنعونهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114] -يعني رجع للآية الأصلية اللي هي يعني الفصل عليها آية من أهل الكتاب أمة قائمة- فهذه الآية.

قال: فهذه الآية تتناول اليهود أقوى مما تتناول النصارى. ليش حكينا سياقها؟ سياقها هي كانت في سياق الكلام عن اليهود نعم. قال ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] وهذا مدح مطلق لمن تمسك بالتوراة، ليس في ذلك مدح لمن كذب المسيح، ولا فيها مدح لمن كذب محمداً صلى الله عليه وسلم.

وهذا الكلام يفسره سياق الكلام، فإنه قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110] فقد جعلهم نوعين، نوعاً المؤمنين ونوعاً الفاسقين وهم أكثرهم. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 110] يتناول من كان منهم مؤمناً قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، كما يتناوله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27] إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ﴾ [الحديد: 26].

وَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ. وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ لَمَّا قَالَ: وَأَكْثَرُهُمُ الْفАСِقُونَ؛ قَالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمُ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.

وَضُرِبَتِ الذِّلَّةُ عَلَيْهِمْ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا وَمَابَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ؛ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعِصْيَانِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ، كَانَ الْيَهُودُ مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبَرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾. نَعَمْ؛ الشَّاهِدُ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ مُتَمَسِّكًا بِهَا قَبْلَ النَّسْخِ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، كَذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. نَعَمْ؛ مَنْ الصَّادِقُونَ فِيهَا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ أَنَّهُمْ حُنَفَاءُ الْعَرَبِ، وَهَذَا أَشْهَرُ يَعْنِي، وَالْمَعْدِلُ أَنَّهُمْ حُنَفَاءُ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ وَبَقُوا عَلَى مَعَالِمِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ. نَعَمْ؛ قَالَ كَذَلِكَ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ قَالَ لَمَّا وَصَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكُفْرِ، قَالَ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114].

وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا مِنْهُمْ بِهَذَا قَبْلَ النَّسْخِ، قَبْلَ النَّسْخِ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. نَعَمْ؛ قَالَ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُنْسَخْ، كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَطَعْنَاهُمُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168].

الْآيَاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]. فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَمَّنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِذًا فِي أَيِّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى فِي الْجَنَّةِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا؛ فَالْمُرَادُ بِهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَبْلَ النَّسْخِ أَوِ التَّبْدِيلِ. أَمَّا بَعْدَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وَتَحْرِيفِهِ عِنْدَهُمْ، أَوْ بَعْدَ نَسْخِ شَرَائِعِهِمْ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ سَمِعَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ؛ يَعْنِي هَذِهِ خَلَاصٌ تُصْبِحُ قَاعِدَةً لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَفْهَمُهَا وَيُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ.

أَيُّ آيَةٍ فِيهَا قَوْلُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا؛ وَهَذِهِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْطِنٍ الْكَلَامُ أَنَّ كُلَّ قَوْمٍ فِي زَمَنِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَقَبْلَ النَّسْخِ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ أَصَالَةً يَعْنِي. نَعَمْ شَيْخُ، يُمْكِنُ هَذَا الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ مَنْ أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الْآنَ هَذَا مَعْنَى آخَرُ، وَهُوَ مَنْ عَاشَ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ. نَعَمْ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ، قَالُوا: ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُعَظِّمُ إِنْجِيلَنَا وَيُقَدِّمُ صَوَامِعَنَا وَيُشَرِّفُ مَسَاجِدَنَا، وَيَشْهَدُ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهَا كَثِيرًا؛ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: 40]. يَعْنِي أَيْضًا شُبْهَةٌ أُخْرَى لِبُولُسَ الْأَنْطَاكِيِّ يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يُعَظِّمُ الصَّوَامِعَ وَيُعَظِّمُ الْأَمَاكِنَ دُورَ عِبَادَتِنَا. وَيْنَ يَا بُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ وَجَدْتَ الْقُرْآنَ يُعَظِّمُ دُورَ عِبَادَتِكُمْ؟ يَقُولُ: شُفْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ﴾. أَوَّلُ شَيْءٍ بَلَّشَ فِي الصَّوَامِعِ، إِذًا الْقُرْآنُ يُعَظِّمُ الصَّوَامِعَ وَيَحْتَرِمُهَا وَيَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا، قَدَّمَهَا حَتَّى عَلَى الْمَسَاجِدِ. طَيِّبْ.

قَالَ: وَالْجَوَابُ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُذْكَرُ فِيهَا... الْبِيَعُ هِيَ دُورُ الْعِبَادَةِ أَيْضًا، بَسِ الْمُشْكِلَةُ أَنَّ الْبِيَعَ طَبَّ مَ هِيَ تَبَعُ إِيهِ؟ الْيَهُودُ! شُو بَدَّكَ تَعْمَلْ يَا بُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ؟ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ، الْبِيَعُ لِمَنْ؟ لِلْيَهُودِ! وَأَنْتَ شُو رَأْيُكَ يَا بُولُسُ فِي الْيَهُودِ؟ أَنْتُمْ نَصَارَى تُكَفِّرُونَ الْيَهُودَ! إِذًا يَعْنِي اسْتِدْلَالُكَ فَشِلَ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْتَ الصَّوَامِعَ، فَإِذَا قُلْتَ إِنَّهُ عَظَّمَ الصَّوَامِعَ بِذِكْرِهَا، إِذًا قُلْنَا عَظَّمَ الْيَهُودَ بِذِكْرِ بِيَاعِهِمْ صَارَتْ مُلْزِمَةً لَكَ أَيْضًا. نَعَمْ.

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ، وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا كَنَائِسَ النَّصَارَى، فَإِنَّمَا هِيَ الْبِيَعُ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَسَاجِدِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ كَثِيرًا فِي الْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَُّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهَا مَنْ يَتْبَعُ دِينَ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ، وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ يَعْنِي كَانَ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا سَابِقًا لَيْسَ الْآنَ، هَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ. نَعَمْ.

قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَا فِي مُشْكِلَةٍ أَنْ نَقُولَ إِلَى الْيَوْمِ إِنَّ الْبِيَعَ وَالصَّوَامِعَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ، تَمَامَ. وَيَبْقَى هَذَا أَفْضَلَ مِنَ الْإِلْحَادِ؛ صَحٍّ، يَعْنِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الشِّرْكُ وَلَا الْإِلْحَادُ؟ الشِّرْكُ، بَسْ هِيَ هِيَ تُخَوِّفُ عِنْدَ النَّاسِ قَضِيَّةُ الْأَفْضَلِيَّةِ، تَمَامًا زَيُّ حَرْبِ إِيرَانَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، أَنُوهُ أَنْتَ فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي مُشْ لَازِمٌ أَنَا إِذَا حَكَيْتُ أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا مَعْنَاتَهُ أَنَّ هَذَاكَ خَلَاصٌ صَكٌّ عَلَى بَيَاضٍ؛ مَا هُوَ هَذَاكَ قَذِرٌ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ هِيَ الْحَيَاةُ هَكَذَا، بَسْ هِيَ تَبْغَى طَبْعًا طُلَّابَ عِلْمٍ يَعْنِي أَوْ بِشَكْلٍ عَامٍّ النَّاسُ صَعْبٌ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَوَازِنَاتُ أَنْ يَفْهَمُوا.

شَيْخُ، كَيْفَ الشِّرْكُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِلْحَادِ؟ هُوَ الشِّرْكُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِلْحَادِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ يُقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ لَكِنْ يُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أَمَّا الْإِلْحَادُ فَهَذَا شُذُوذٌ، الْإِلْحَادُ هَذَا الْإِنْسَانُ لَا يُؤْمِنُ بِوُجُودِ إِلَهٍ، أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ كُلَّهُ مَا فِي شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَهَذَا مِنْ أَسْوَأِ... هَذَا أَسْوَأُ الْأَفْكَارِ آخِرَ الْمَحَطَّةِ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ؛ يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَطِّلِ الْجَاحِدِ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ بِحَالٍ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا اقْتَتَلَ فَارِسُ وَرُومُ وَانْتَصَرَتِ الْفُرْسُ، سَاءَ ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهُوا انْتِصَارَ الْفُرْسِ عَلَى النَّصَارَى؛ لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى دِينِ اللَّهِ مِنَ الْمَجُوسِ. وَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَتَقْدِيمِ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ عَلَى أَدْنَاهُمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ.

وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ يَعْنِي؛ فَهُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَنْ يُطَبِّقَ الْقَاعِدَةَ: أَيُّهُمَا أَشَرُّ؟ الْإِلْحَادُ وَلَا الشِّرْكُ؟ لَا وَاللَّهِ الْإِلْحَادُ أَسْوَأُ، فَأَنَا أَدْفَعُ الْإِلْحَادَ وَإِذَا صَارُوا مُشْرِكِينَ أَرْفَضُهُمْ يَظَلُّهُمْ مُلْحِدِينَ! وَإِنْ كَانَ فِي النِّهَايَةِ كُلُّهُ رَايَةً عَلَى النَّارِ، تَمَامًا، فِي النِّهَايَةِ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ رَأْيٌ عَلَى النَّارِ، لَكِنْ أَنْ يَكُونَ شِرْكٌ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِلْحَادٌ. نَعَمْ.

قَالَ: فَهَدْمُ صَوَامِعِ النَّصَارَى وَبِيَعِهِمْ فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا الْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ. نَعَمْ جَاهِزٌ إِذًا؛ فَهَدْمُ صَوَامِعِ النَّصَارَى وَبِيَعِ الْيَهُودِ فَسَادٌ إِذَا فَعَلَهُ الْوَثَنِيُّونَ أَوِ الْمَجُوسُ؛ تَمَامًا، لِأَنَّ فِي النِّهَايَةِ أَهْلَ الْكِتَابِ أَحْسَنُ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ، هَذَا الشِّرْكُ وَهَذَا الشِّرْكُ، حَتَّى الشِّرْكُ يَتَفَاوَتُ، فَشِرْكُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَبْقَى شِرْكًا اعْتِمَادًا طَبْعًا عَلَى دِينٍ مُحَرَّفٍ فِي أَصْلِهِ سَمَاوِيٍّ، لَكِنَّ شِرْكَ الْمَجُوسِ وَشِرْكَ الْوَثَنِيِّينَ هَذَا أَرْضِيٌّ بَحْتٌ فَيَبْقَى أَسْوَأَ مِنْ ذَاكَ الشِّرْكِ يَعْنِي؛ فَحَتَّى الشِّرْكُ بَدَهُ يَكُونُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أُسْسِ الْمَسَاوِئِ. نَعَمْ.

قَالَ: وَأَمَّا إِذَا هَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا أَمَاكِنَهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا؛ فَهَذَا خَيْرٌ. فَهَذَا الَّذِي نُرِيدُهُ نَحْنُ: أَنْ تُهْدَمَ الصَّوَامِعُ وَالْبِيَاعُ وَتَتَحَوَّلَ إِلَى دُورِ عِبَادَةٍ، مَا عِنْدَنَا مُشْكِلَةٌ، لَكِنِ الْمُشْكِلَةُ فِي الصَّوَامِعِ لَمَّا تُهْدَمُ عَلَى يَدِ مَنْ هُمْ أَسْوَأُ. نَعَمْ.

قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 40]. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾؛ فَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّارَ، وَيَدْفَعُ شَرَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِخَيْرِهِمَا، كَمَا دَفَعَ الْمَجُوسَ بِالرُّومِ الرُّومِ النَّصَارَى، ثُمَّ دَفَعَ النَّصَارَى بِالْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251]. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يُسَلِّطُ الْمُشْرِكَ الْأَقَلَّ شِرْكًا عَلَى الْمُشْرِكِ الْأَشَدِّ شِرْكًا حَتَّى يُنْهِيَهُ، كَمَا سَلَّطَ الرُّومَ عَلَى الْمَجُوسِ، وَبِالتَّالِي تَمَّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوَامِعِهِمْ، لِأَنَّ بَقَاءَهَا يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَفْضَلُ مِنْ وُجُودِ دُورِ الْمَجُوسِ؛ يَعْنِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِي الشَّامِ فِي تِلْكَ الْحَقْبَةِ؟ وُجُودُ صَوَامِعِ النَّصَارَى أَمْ وُجُودُ بُيُوتِ الْمَجُوسِ؟ لَوْ أَنَّ الْمَجُوسَ تَغَلَّبُوا عَلَى النَّصَارَى فِي الشَّامِ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ النَّصَارَى فِي الشَّامِ وَلَبُدِلَتْ إِلَى إِيهِ؟ دُورِ عِبَادَةِ نَارٍ!

فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ... فَاللَّهُ دَفَعَ بِالرُّومِ الْمَجُوسَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الصَّوَامِعِ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الشِّرْكِيَّاتِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ دِينٌ نَارِيٌّ مَجُوسِيٌّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ أَصْلًا، هِيَ هَيْكَ بِقُولُ لَكِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الْآيَةَ. ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ فَيُزِيلُونَ بَعْدَ ذَلِكَ صَوَامِعَ النَّصَارَى لِيَبْنُوا الْمَسْجِدَ الَّذِي فِيهِ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ لِلَّهِ، وَهَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ النِّهَائِيَّةُ الَّتِي يُرَادُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا. نَعَمْ؛ وَعَلَيْكَ أَنْ تَفْهَمَ حَرَكَةَ الْكَوْنِ وَسُنَنَ اللَّهِ فِي الْمُدَافَعَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَبْيَضَ أَسْوَدَ كَمَا يَفْهَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ يَعْنِي؛ يَا أَبْيَضَ يَا أَسْوَدَ، لَا، حَتَّى الشَّرُّ يَتَفَاوَتُ وَيُدْفَعُ الشَّرُّ الْأَعْلَى بِالشَّرِّ الْأَدْنَى. نَعَمْ.

قَالَ: وَأَمَّا التَّقْدِيمُ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلِانْتِقَالِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى... أَحْسَنْتَ؛ فَإِذَا قِيلَ طَيِّبْ لِمَاذَا بَدَأَ اللَّهُ بِالصَّوَامِعِ؟ لِمَاذَا بَدَأَتِ الْآيَةُ بِالصَّوَامِعِ؟ لِمَاذَا لَمْ تَبْدَأْ بِالْمَسَاجِدِ؟ لِمَاذَا لَمْ يَبْدَأْ بِالْأَشْرَفِ؟ فَيَقُولُ هُوَ فِي اللُّغَةِ عَادَةً إِذَا بُدِئَ بِشَيْءٍ يُبْدَأُ بِالصِّفَةِ الْأَقَلِّ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَصْفِ الْأَعْلَى فِي الْأَخِيرِ، وَهَذَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَلَاغَةِ أَظُنُّ أَنَّهُ فِي الْمَدْحِ يَقُولُ: أَصْفَرُ فَاقِعٌ؛ يَعْنِي يَذْكُرُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْلَى مَرَاتِبَ آخِرَ شَيْءٍ، فَهَكَذَا يَقُولُ بَدَأَ بِالصَّوَامِعِ لِيَنْتَقِلَ إِلَى أَشْرَفِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ مَاذَا؟ الْمَسَاجِدُ.

طَيِّبْ بَسْ يَشْغَلُ عَلَيْهِ طَبْعاً قَضِيَّةُ أَنَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا الْبِيَعَ، وَأَنَّ الْبِيَعَ لِلْيَهُودِ، وَأَنَّ بِالتَّالِي النَّصَارَى نَحْنُ قَرَّرْنَا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْيَهُودِ! طَيِّبْ، الْمَوْضُوعُ صَوْمَعَةٌ أَقَلُّ شَيْءٍ فِيهَا نَاسٌ فَيَكُونُ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ، أَمَّا الْبِيَعُ وَالْمَسَاجِدُ فَيَكُونُ مَسَاجِدُ شَيْئًا مُمْكِنًا. أَمْ...

قَالَ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. وَقَوْلُهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: 1]. خَتَمَ بِبَنِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَنْ يَفِرَّ الْأَبُ مِنِ ابْنِهِ وَيَتْرُكَ... هَذِهِ أَصْعَبُ شَيْءٍ أَنْتَ مُمْكِنٌ تَفِرُّ مِنْ زَوْجَتِكَ، مِنْ أَبُوكَ وَأُمِّكَ، بَسْ صَعْبٌ نَفْسِيًّا أَنَّ الْأَبَ يَتَخَلَّى عَنِ ابْنِهِ! فَذَكَرَ الِابْنَ آخِرَ شَيْءٍ لِاعْتِبَارِهَا أَقْصَى دَرَجَاتِ التَّرْكِ. نَعَمْ.

قَالَ: وَقَوْلِهِ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: 1-4]. بَسِ الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا الَّتِي هِيَ نِهَايَةُ الْمَطَافِ، هَذِهِ يَكُونُ يَعْنِي آخِرَ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْمَنْزِلَةِ الشَّرَفِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعِ الْوَاقِعِيِّ. نَعَمْ، مُشْ مُمْكِنٌ كَمَانِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ آخِرَ شَيْءٍ أَنَّهُ أَشْرَفُ مِنَ السُّحُبِ أَوِ الرِّيَاحِ؟ إِذَا قُلْتَ هَذَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ إِذَا فَسَّرْنَاهَا بِمَاذَا؟ بِمَلَائِكَةِ الْوَحْيِ، أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ آخَرُ، أَنَّ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا هَذَا قَسَمٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا قَسَمٌ، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا قَسَمٌ، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا قَسَمٌ رَابِعٌ هُمُ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ بِالشَّرَائِعِ وَهَؤُلَاءِ أَشْرَفُ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ، يَعْنِي أَيُّمَا أَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْمَلَائِكَةِ؟ الذَّارِيَاتُ وَلَا الْحَامِلَاتُ وَلَا الْمُقَسِّمَاتُ أَمْرًا؟ وَالْمُرَادُ بِالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا إِنْزَالُ الْوَحْيِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، أَحْسَنْتَ.

حَتَّى تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمُرَادُ أَنَّ الرِّيَاحَ بَعْدَهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ أَنَّ الْمُقَسِّمَاتِ هِيَ الْمَلَائِكَةُ وَكَانَتِ الْحَامِلَاتُ السُّحُبَ وَالْـ... آهْ أَنْتَ قَصْدَكَ بَرْضُهْ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي يُفَسِّرُ أَنَّ الذَّارِيَاتِ سُحُبٌ وَرِيَاحٌ وَكَذَا وَالْأَخِيرُ الْمَلَائِكَةُ فَذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ آخِرَ شَيْءٍ بَرْضُهْ كَلَامُكَ صَحِيحٌ. أَقُولُ لَكَ تَفَاسِيرُ كَثِيرَةٌ بِكُلِّ تَفْسِيرٍ لَهُ تَقْدِيرُهُ. نَعَمْ.

قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ... صَلَوَاتُهُمْ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْهَا مَوَاضِعُ الْعِبَادَاتِ، وَهَدْمُهَا فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا مَنْ لَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَأَدْنَاهَا هِيَ الصَّوَامِعُ، فَإِنَّ الصَّوَامِعَ تَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ، فَبَدَأَ بِأَدْنَى الْمَعَابِدِ وَخَتَمَ بِأَشْرَفِهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.

فَفِي الْجُمْلَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَعَابِدِ حُكْمُ أَهْلِهَا، وَأَهْلُهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ، وَهَدْمُ مَعَابِدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ فَسَادٌ. وَبَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا غَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهَدَمُوا مَعَابِدَهُمْ، كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا، وَإِذَا هَدَمَهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ... شُفْ يَعْنِي هَذِهِ الْقَوَاعِدُ يَحْكُونَ فِيهَا قَوَاعِدُ مُسَلَّمَةٌ، يَعْنِي فَهِمْتَهَا؟ نَحْنُ الْيَوْمَ تَعِبْنَا مَعَ الشَّبَابِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ فِي قَوَاعِدَ مُسَلَّمَةً عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْيَوْمَ مِشْ مَوْجُودَةٌ فِي قَامُوسِ الشَّبَابِ الْمُعَاصِرِينَ!

وَلَمَّا بِدَكْ تَجِي تُنَاقِشُ لَا تَرَى هَذَا الْـ... هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، الْمُشْرِكُ يَعْتَبِرُ كَأَنَّ هَذَا مَدْحٌ أَوْ كَأَنَّ أَنْتَ تُسَلِّمُ مِنَ الْمُشْرِكِ أَنْ أُفَاضِلَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْ أُفَاضِلَ بَيْنَ الْفِرَقِ وَالْأَدْيَانِ.

أن فاضل بين الرافضة واليهود، أن فاضل هذه ترى مسلمات. يعني المفاضلة بين الرافضة واليهود سامعني هذه مسلمات تعتبر، تمام مش بهذا التصور الناس فهمته خطأ وأنه كما يقول بعضه، إنه إذا أنت فاضلت بدك تقدم دائما صك على بياض قبل أنت ضد الرافضة. ها شيخ أنت لما تفاضل بين دين ودين مش أنا كل ما مرة بدي استحضر لك مسألة ضد الاثنين، خلص بدها يكون عندك مرونة ذهنية تفهم أنه ما هو مقرر عند العلماء، وواضح أن الشرك كما قال لك دركات وأن أهل النار دركات، فهذا الرافضي قذر وهذا اليهودي قذر، لكن في شيء أقذر من شيء، وليس إذا قلت أن قذارة هذا يعني كأنك تقر لذلك وهذا متعب بصير نفسيا متعب أنك تتعامل مع عقلية العامة اللي مش قادر يفهم أن هذه قضية فيها تراتبية، وأنك تفهم كيف تدفع شر الشرين بخير الخيرين، عفوا بالشر الأقل منه. إذا أنت مش قادر تتصور هذا يا أخي لا تتكلم في أمر الناس. فهؤلاء العلماء منذ القدم يرسخون هذه القواعد وما أحد يناقش، هي تعتبر مسلمات. أقول ما يقول ابن تيمية مسلمات مش وليست فقط عند ابن تيمية كأهل الحديث، مسلمات في الفكر الفقهي عموما الأشعري المعتزلي الحديثي هذه وسائل فقهية وقواعد علمية مسلمة عند كل فرق الإسلاميين من العلماء اللي يفهمون.

نعم، قال ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ المساجد مواضع معابد الكفار، كما كان لثقيف أهل الطائف معبد يعبدون فيه اللات التي قال الله فيها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَعُزَّى﴾ [النجم: 19]، فامر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدم ذلك المعبد ويتخذ مكانه المسجد الذي يعبد الله وحده فيه. فان المساجد هي بيوت الله في الأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: 17] الآية إلى قوله المهتدين. وقوله وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: 35] الآية إلى قوله بغير حساب.

ثم لما ذكر المؤمنين ذكر الكفار من أهل الكتاب والمشركين وذكر أهل الجهل المركب والبسيط فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 39-40]. فقد تبين أنه وليس لهم حجة في شيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بل ما جاء به حجة عليه من وجوه متعددة.

قال فصل: قالوا وهذا وغيره أوجب لنا التمسك بديننا وأنا نهمل ما معنا ولا نرفض مذهبنا ولا نتبع غير السيد المسيح كلمة الله وروحه وحوارييه الذين أرسلوا إلينا. والجواب وهذا وغيره يعني هذه الآيات وغيرها هي اللي خل تقول بولس الأنطاكي التي تدعون إلى التمسك بدين المسيح.

نعم، قال والجواب أنهم احتجوا بحجتين باطلتين: إحداهما أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إليهم بل إلى العرب، وقد تبين أن الاحتجاج بها من أعظم الكذب والافتراء على محمد صلى الله عليه وسلم، فانه لم يقل قط إني لم أرسل إلى أهل الكتاب ولا قال قط إني لم أرسل إلا إلى العرب، بل نصوصه المتواترة عنه وأفعاله تبين أنه مرسل إلى جميع الأرض أهل الأرض أميهم وكتابيهم. والحجّة الثانية قولهم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على دين النصارى بعد التبديل والنسخ، وهي أيضا أعظم كذبا عليه من التي قبلها. كيف يثني عليهم وهو يكفرهم في غير موضع من كتابه ويأامر بجهادهم وقتالهم ويذم المتخلفين عن جهادهم غاية الذم، ويصف من لم ير طاعته في قتالهم بالنفاق والكفر ويذكر أنه يدخل جهنم؟ وهذا كله يخبر به عن الله ويذكره تبليغا لرسالة ربه وإنما يضاف إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أنشاه وابتداه كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 40-42].

يعني إضافة القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافة بلاغ وليس إضافة إنشاء، أنه لقول رسول.

نعم، واما ثناء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على المسيح وامه وعلى من اتبعه وكان على دينه الذي لم يبدل فهذا حق، وهو لا ينافي وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم على ما بعث إليه. فلو قدر أن شريعة المسيح لم تبدل وان محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على كل من اتبعها وقال مع ذلك أن الله أرسلني إليكم، لم يكن ذلك متناقضا. واذا كفر من لم يؤمن به لم يناقض ذلك ثناءه عليهم قبل أن يكذبوه، فكيف وهو إنما مدح من يتبع دينا لم يبدل؟ وأما الذين بدلوا دين المسيح فلم يمدحهم بل ذمهم كما قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14].

وقد قدمنا أن النصارى كفروا كما كفرت اليهود، كفروا بتبديلهم ما في الكتاب الأول وكفروا بتكذيبهم بالكتاب الثاني. وأما من لم يبدل الكتاب أو أدرك محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به فهؤلاء مؤمنون.

وأما ما يبين ذلك أن تعظيم المسيح للتوراة واتباعه لها وعمله بشرائعها أعظم من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل، ومع هذا فلم يكن ذلك مسقطا عن اليهود وجوب اتباعهم للمسيح، فكيف يكون تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل مسقطا عن النصارى وجوب اتباعه؟

قال فصل: وأما قولهم وحوارييه الذين أرسلوا إلينا أنذرونا بلغتنا وسلموا لنا ديننا الذين قد عظموا في هذا الكتاب بقوله في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، قلنا أن بولس يفسر الرسل هؤلاء بأنهم الحواريون.

نعم، وقال في سورة البقرة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]. قال فما نفعنا بقوله أنبياءه المبشرين ورسله، ينحو بذلك الحواريين. فما نفعنا بقوله أنبياءه المبشرين ورسله، ما المقصود بالأنبياء ورسله في الآيات؟ الحواريين هيك بحكي.

نعم، قال الذين داروا في سبعة أقاليم العالم وبشروا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر، لأنه لو عني لو كان مقصوده في الآيات إبراهيم وداوود ومحمد صلى الله عليه وسلم لقال معهم الكتب.

نعم، معهم الكتب لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون غيره، ولم يقل إلا الكتاب الواحد لأنه ما أتى. يعني هي الآية ايش قالت: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 213]. يعني أحيانا الحجج بتلاقيها أحيانا فيها نوع من السذاجة شوي تبعت وسط أنه أنزل معهم الكتاب وحملها على الفرد، أنه مراد بالكتاب واحد. وطب مين اللي اجا بكتاب واحد؟ آه إذا أكيد هم الحواريين لأنه هم كلهم كان معهم كتاب واحد. وإذا لو كان المراد جميع الرسل طب كتاب موسى بيختلف عن كتاب عيسى بيختلف عن كتاب محمد صلى الله عليه وسلم. لك لو كان المراد الرسل المعروفين لقال: وأنزل معهم الكتب فلما قال أنزل معهم الكتاب إذا المراد الوحدة، إذا هو كتاب واحد. طيب وين الجنس؟

هذا واضح أنه جاهل باللغة العربية، والجهل باللغة العربية يصنع أمثال هؤلاء المشوهين. لما قال: وأنزل معهم الكتاب المراد هنا باتفاق ايش؟ جنس الكتب، هذه أل الجنسية، مراد أنزل معهم جنس الكتب السماوية وليس أنه كتاب واحد أعطى الجميع. فهو لما شاف كلمة كتاب تدل على شيء واحد قال: إذا مين اللي كان معه كتاب واحد فقط؟ آه هذول أكيد الحواريين هم اللي كان معهم الإنجيل فقط وكانوا يدورون به.

نعم مين حكوا من حواليه كل واحد كان مسك على أحسن أقوال ما صار كل واحد كتب ما رآه قلت لسه هذه فكرة ثانية بس هو يعني باعتبار أنه أصله الإنجيل يعني يعني ماشي كل واحد ما رآه حتى أربعة في أحسن كل واحد كتب ما تذكره آخره أيام المسيح هو كتب وألف تاريخ تمام.

بس هذا جزء احنا تنظيريا يقال عنهم، لكن اعتبر أنه هو لا أن بولس ما اعتقد أنه هو إنجيل واحد وأنه هو كان معهم. فهذا يدلك على أن حتى كلمة الكتاب هي لا تدل فقط على الشيء الواحد دوما، قد يراد بها الجنس وقد يراد بها أشياء كثيرة. فمستوى الحجج التي يأتي بها بولس، وهذه يعتبر من أعظم كتبهم، يعتبر بولس الأنطاكي من أعظم من دافع عن النصرانية، وهيك شايف مستوى الحجج وطريقة النقاش يعني مش الشيء الدسم اللي تقول إنه والله مرعب. وهذا يدلك على ايش؟ بقول دائما لما يجيني شاب يقول لي أنا والله شيخ لا أعتقد أن دلائل الإسلام قوية، يا أخي أنت شو شايف يعني عند غيرك، أعطيني أل الحجج اللي فعلا خلتك تقع في شبهة أو تقول أغلبها هي أمراض وتشوهات ونوع من الفكر المادي زي ما حكينا امبارح في صمامه يعني بكون عنده مشاكل أخرى هي محركات للأفكار مش لأنه فعلا في ضعف في دلائل الإسلام وقوة في دلائل الخصم.

نعم، قال لأن الحواريين ولم أعرف قبله، قال: وجاء أيضا في الكتاب: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [اليس: 20]، يعني الحواريين، لم يقل الرسول إنما قال المرسلين. والجواب من وجوه: أحدها أنه ليس فيما ذكر ذكر ولا في غيره ما يوجب تكذيب الرسول الذي أرسل إليكم وإلى غيركم وتمسككم بدين مبدل منسوخ، كما أنه ليس فيما يعظم به موسى والتوراة ومن اتبع موسى ما يجب لليهود تكذيب الرسول الذي أرسل إليهم وتمسكهم بدين مبدل منسوخ. الثاني أن قولهم ولا نتبع غير المسيح وحوارييه قول باطل، فإنهم ليسوا متبعين لا للمسيح ولا لحوارييه لوجهين.

طبعا هو قوله والجواب من وجوه هو الآن رجع على بداية الصفحة السابقة من عند قوله وهذا وغيره أوجب لنا التمسك بديننا فهو أولا يجيب عن هذه الجملة الأولى في قوله وهذا وغيرها أوجب لنا التمسك بديننا اللي هي صفحة 409 ما الجواب عنها؟ ليس فيما ذكر أي من الآيات التي احتججت بها ولا في غيره ما يوجب تكذيب الرسول الذي أرسل إليكم وإلى غيركم، وتمسككم بدين مبدل منسوخ. تمام ليس فيما ذكر في الآيات التي ذكرها بولس ما يوجب تكذيب الرسول اللي هو محمد صلى الله عليه وسلم في ولا شيء يدعوك إلى هذا وأما قوله ولا نتبع غير المسيح.

طيب قال وأما إن قوله لا نتبع غير المسيح وحه قول باطل فإنهم ليسوا متبعين لا للمسيح ولا لحوارييه لوجهين: أحدهما أن دينهم مبدل ليس كله عن المسيح والحواريين، بل أكثر شرائعهم أو كثير منها ليست عن المسيح والحواريين. الثاني أن المسيح بشر بأحمد كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]، فإذا لم يتبعوا أحمد كانوا مكذبين للمسيح. وعندهم من البشارات عن المسيح وغيره من الانبياء بأحمد ما هو مبثوط في موضع آخر كما سياتي إن شاء الله، وإنما المقصود هنا منع احتجاجهم بشيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وبيان أنه حجة عليهم لا لهم إذ زعموا أن في بعضه حجة لهم. الثالث أن قولهم عن الحواريين أنهم الرسل الذين عظموا في هذا الكتاب قول باطل فسروا به القرآن تفسيرا باطلا، من جنس تفسيرهم الذين أنعمت عليهم بالنصارى، وتفسير باذني أن ينفخوا فيه فيكون طيرا بإذن الله الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت، وتفسيرهم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 1-2] بالإنجيل، وتفسيرهم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون هم النصارى، وتفسيرهم قوله ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي أحسن هم النصارى إلا الذين ظلموا هم اليهود، وأمثل ذلك من تفسيرهم القرآن مثل ما يفسرون به التوراة والإنجيل والزبور من التفاسير التي هي من تحريف الكلم عن مواضعه والالحاد في آيات الله والكذب على أنبيائه بما يظهر أنه كذب على الأنبياء لكل من تدبر ذلك وبطلان ذلك يظهر من وجوه: أحدها أن الله قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ﴾ فارسلنا رسلنا.

ايوه، قال قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: 25]، اسم جمع مضاف يعم جميع من أرسله الله تعالى فهي صيغة من صيغ العموم، رسلنا اسم جمع مضاف إلى معرفة يفيد العموم وليس التخصيص بالحواريين.

ثانيا الثاني أن أحق الرسل بهذا الحكم الذين سماهم الله في القرآن كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى﴾. طبعا سياتي بالرسل الذين يعني هؤلاء هم أولى أن يقول أولى من يدخل في الآية الرسل الذين سماهم الله في القرآن نوح وإراهيم وموسى إلى آخره. طيب امشي للصفحات التي بعد ذكر فيها اسماء الرسل الذين أوحى الله.

إليهم أرسلنا فيهم رسولاً منه ثم شأن بعدهم. يقولون ما تقول؟ كل هؤلاء الرسل هم الأولى أن يكونوا داخلين في الآية. طيب، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وقال: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ. فأخبر أن المسيح - أيوه - قال: فأخبر أن المسيح رسول من هؤلاء الرسل، قد خلت من قبله الرسل، وقبله قد بعث في كل أُمَّة رسول. قد بعث في كل أُمَّة رسولاً، وقد روي في حديث عن في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء مِئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الله أرسل مئة وأربعة وعشرين ألف نبي، نعم. قال: نرسل منهم ثلاثمِئة وثلاثة عشر. وبعض الناس يصحح هذا الحديث وبعضهم يضاعفهم، فإن كان صحيحاً فالرسل ثلاثمِئة وثلاثة عشر، وإن لم تعرف صحته أمكن أن يكون بقدر تلك، وأن يكون أكثر، كما يمكن أن يكون أقل، فإن الله تعالى أخبر أنه بعث في كل أُمَّة رسولاً. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم أو أنتم توفون سبعين أُمَّة، أنتم أكرمها وأفضلها على الله»، وهو حديث جيد. وقد قال تعالى في سورة في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: 71]. رسل منكم، نعم. قالوا: الذين كفروا أبو جنبَيس المصير. وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8-9]. إذاً في هناك نُذر ورسل، نعم. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وقد قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130]. فقد أرسل الله إذاً قبل المسيح رسلاً كثيرين.

قال: كثيرين إلى جميع الأُمَم، فكيف يجوز أن يدعى أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25] هم الحواريون فقط الذين أرسلهم المسيح؟ مع أن الحواريين رسل المسيح بمنزلة رسل موسى وإبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت طاعته على الناس فيما يبلغه عن رسول الله، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال... يعني المسيح الحواريون هم مبعوثون من المسيح إلى مناطق، كما أن محمد صلى الله عليه وسلم أرسل رسلاً إلى ملوك الأرض، وأرسل رسلاً إلى اليمن، وكذا، وكما أنه أي نبي له اتباع سيرسلهم، فهذا إذا كنت تقصد بالرسول رسولاً لأنه فقط مبعوث النبي، فهذا أي شخص بعثه النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى الله فهو ايش؟ رسول، بل حتى أنتم كدعاة لله عز وجل، أنتم مش أنتم سفراء محمد رسول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعنى الرسالة، مش بالمعنى أنكم أنبياء توحى إليكم من السماء، فهذا المعنى ما عنا مشكلة أن نثبت أنك رسول بمعنى مرسل برسالة الإسلام وليس بالمعنى التشريعي، وهو أنك يوحى إليك، هذا الذي ننفيه عن الحواريين. نعم.

قال: كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني». فبين أن أميره إنما تجب طاعته في المعروف الذي أمر الله به ورسوله، لا في كل ما يؤمر به. ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً، وأمرهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطباً. فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً. فأوقدوا ناراً، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله من النار! فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لو دخلوها ما خرج منها أبداً»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية». لا، سياتي بأحاديث السمع والطاعة لولي الأمر فيما يؤمر به.

طيب، قال: فالحواريون في تبليغهم عن المسيح كسائر أصحاب الأنبياء في تبليغهم عنه. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مَنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. أولو الأمر هم العلماء والأمراء، فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وجبت طاعتهم، وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول، لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]. والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله، ليس المراد به كتاب معين، هذه الفكرة اللي أنهم قالوا إنه ربنا أرسلهم بكتاب، لا، الكتاب اسم جنس يصدق على أي كتاب وليس كتاباً معيناً. نعم.

قال: كما قال تعالى: ﴿لَّسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنِّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: 177]. والكتاب - ها شو بدك هي المراد - اسم جنس الكتاب. طيب، ولم يُرِدْ بهذا أن يؤمن بكتاب معين واحد، بل وهذا يتضمن بل هذا يوجب الإيمان بالتوراة والإنجيل وكل ما أنزله الله من كتاب، كما قال في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُل آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]. فأمره الله تعالى أن يؤمن بكل ما أنزل الله من كتاب، وأن يعدل بين من بلغتهم رسالته، كما قال: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]. فكل من بلغه القرآن فهو مخاطب به، يتناوله خطاب القرآن. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية». وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلِّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وفي القراءة الأخرى: «وكتابه ورسله»، وكلتا القراءتين موافقة للأخرى.

وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي فاختلفوا بعد ذلك، كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: 19]. فلما اختلف بنو آدم بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب، وذلك يتناول كل كتاب أنزله الله ليحكم الله ويحكم كتابه بين الناس بالحق، فالحاكم بين الناس هو الله تعالى، وحكمه في كتبه المنزلة، فلهذا أمر الله المؤمنين إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، فأمرهم بالرد إلى كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقدم تعالى من لم يتحاكم إلى كتابه ورسوله فقال تعالى - ذكر الآيات في سورة النساء -.

قال: فقد تبين أن الرسل الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يتناول الرسل الذين أرسلهم الله تعالى كلهم، ومن أحقهم بذلك الرسل الذين أخبر في القرآن أنه ارسلهم إلى عباده؟ فظهر بطلان قولهم إنهم الحواريون. الوجه الثالث: أنه قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25] فذكر أنه أنزل الحديث أيضاً. يتبين من يجاهد في سبيل الله بالحديد، والنصارى يزعمون أن الحواريين والنصارى لم يؤمروا بقتال أحد بالحديد بالسيف، وإنما فقط هم دعاة محبة.

قال: الوجه الرابع: أنه قال بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مَّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مَّنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾ [الحديد: 26-27]. وإخباره بارسال نوح وإبراهيم بعد قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من باب ذكر الخاص بعد العام، وبيان ما اختص به الخاص من الأحكام التي امتاز بها عن غيره مما دخل. إذاً هذا أكبر الأدلة أنه قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ثم خص منهم نوحاً وإبراهيم. إذاً الرسل الذين ذكروا في الآية السابقة لا يمكن أن يكون المراد بها الحواريون فقط، بل ذكر الرسل عموماً ثم خص نوحاً وإبراهيم، إذاً هذا من باب عطف الخاص على العام. إذاً الرسل في أول الصفحة المراد عموم من أرسلهم الله وليس الحواريين كما يعني حرفتها أنت. نعم.

قال: كما يأامر السلطان العسكر بالجهاد، ويأمر فلان فلاناً بأن يفعلوا كذا وكذا. ومثل أن يقال: أرسل رسوله إلى فلان وفلان، وأرسل إليهم فلاناً وأمره بكذا وكذا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: 26]. فنوح هو أبو الآدميين الذين حدثوا بعد الطوفان، فإن الله غرق ولد آدم إلا أهل السفينة، فقال في نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصاّفات: 77]. وإبراهيم جعل الأنبياء بعده من ذريته، كما قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: 27]. فنوح هو الأب الثاني لكل البشر، وإبراهيم هو الأب لكل الأنبياء، هكذا بده يقول لك يعني. نعم.

قال: ثم قال بعد أن ذكر إرسال نوح إبراهيم وأنه جعل في ذريتهم النبوة والكتاب، ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل. فاخبر أنه قفى على آثارهم برسله، وقفى بعيسى بن مريم وآتاه الإنجيل، وهؤلاء رسل قبل المسيح، وآخرهما المسيح، ولم يذكر أنه أرسل أحداً من اتباع المسيح، بل أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة. فكيف يجوز أن يقال إن مراده بالرسل الذين أرسلهم بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان هم الحواريون لا دون الرسل الذين ذكرهم وأرسلهم قبل المسيح؟

الوجه الخامس: أنه ليس في القرآن آية تنطق بأن الحواريين رسل الله، بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم. لكن قال في سورة يس: ذكر ذكر قصة يس وتلك القرية التي أرسل الله سبحانه وتعالى إليها المرسلين وما فيها أي إشارة إلى أن هؤلاء الذين أرسلهم الله إلى القرية هم الحواريون. نعم. قال: فهذا كلام الله ليس فيه ذكر أن هؤلاء المرسلين كانوا من الحواريين، ولا أن الذين أرسلوا إليهم أرسلوا إليهم آمنوا بهم، وفيه أن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم هؤلاء الثلاثة انزل الله عليهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون. هذه قصة سورة باختصار، طيب.

قال: وقد ذكر طائفة من المفسرين أن هؤلاء كانوا من الحواريين، وأن القرية أنطاكية، وأن هذا الرجل اسمه حبيب النجار، ثم الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى. قال: ثم إن بعضهم يقول إن المسيح أرسلهم في حياته، لكن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم ولم يهلك الله أهل أنطاكية، والقرآن يدل على أن الله - القصة لا تنطبق على أهل أنطاكية - أن أهل أنطاكية أسلموا ما أهلكوا. قال: وأيضاً في النصارى يقولون إنما جاؤوا إلى أهل أنطاكية بعد رفع المسيح، وأن الذين جاؤوا كانوا اثنين لم يكن لهما ثالث، قيل أحدهما شمعون الصفا والآخر بولص. ويقولون إن أهل أنطاكية آمنوا بهم ولا يذكرون حبيب النجار ولا من جاء رجل من أقصى المدينة، بل يقولون إن شمعون وبولس دعوا الله حتى أحيا ابن الملك. وبالتالي إذا صحت قصة ذهابهم إلى أنطاكية إذاً هم ليسوا المقصودين في الآية. نعم.

قال: فالامر المنقول عند النصارى أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين، وهذا أصح القولين عند علماء المسلمين وأئمة المفسرين، وذكروا الرسل، وذكروا أن المذكورين في القرآن - ذكروا رسل المذكورين نعم - ليسوا من الحواريين. قال: ليسوا من الحواريين بل كانوا قبل المسيح، وسموهم باسماء غير أسماء الحواريين، كما ذكر محمد بن إسحاق قال: سمت من الفضل قال: كان من حديث صاحب ياسين فيما حدثني محمد بن إسحاق عن ابن عباس وعن كعب وعن وهب بن منبه أنه كان رجلاً من أهل أنطاكية، وكان اسمه حبيباً، وكان يعمل الحرير، وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة يتاجر، وكان مؤمناً صدوقاً، يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفه عياله ويتصدق بنصفه. وكان بالمدينة التي هو بها مدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أنطوخس بن أنطوخس، يعبد الأصنام، صاحب شرك، فبعث الله إليه المرسلين وهم ثلاثة: صادق، وصَدُوق، وشَلُوم، فقدم الله إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنين فكذبوهما، ثم عزز الله بالثالث. نعم. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13] إذاً أرسلهم إلى اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث لكي تكون الحجة عليهم أشد. فأتوا أهل القرية فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له فكذبوهم، فأتوا على رجل في ناحية القرية في زرع، فسألهم الرجل: ما أنتم؟ قالوا: نحن رسل رب العالمين، أرسلناها إلى أهل هذه القرية ندعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. قال لهم: أتسالون على ذلك أجراً؟ قالوا: لا. قال: فألقى ما في يده ثم أتى أهل المدينة فقال: يا قومي اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسالكم أجراً وهم مهتدون. نعم. وهذه أهم صفة قلناها البارحة في...

الداعية لا يظهر للناس أنه مادي ويطلب بدعوته المال؛ يحافظ على نقاء الدعوة، لأنه مجرد ما يظهر أنك مادي تسقط من أعين الناس نعم.

قال: وهذا القول هو الصواب لو أن هؤلاء المرسلين كانوا رسلاً لله قبل المسيح، وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى أنطاكية وآمن بهم حبيب النجار؛ هم كانوا قبل المسيح، ولم يؤمن أهل المدينة بالرسل بل أهلكهم الله تعالى كما أخبر في القرآن. ثم بعد هذا عمرت أنطاكية وكان أهلها مشركين حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين فآمنوا بالمسيح على أيديهم ودخلوا في دين المسيح، وقالوا إن أنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح عليه السلام وذلك بعد رفعه إلى السماء. ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم الحواريون، وهذا غلط لوجوه.

قال منها: أن الله قد ذكر في كتابه أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل وهم أهل أنطاكية، لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا، وأهل أنطاكية لم يهلكوا؛ فهذا يدل على أن قصة أهل أنطاكية مش هي المقصودة هنا.

قال ومنها: أن الرسل في القرآن ثلاثة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: 20]، والذين جاؤوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ولم يأتهم رجل يسعى لا حبيب ولا غيره.

قال ومنها: أن هؤلاء جاؤوا بعد المسيح فلم يكن الله أرسلهم. وهذا كما أن الله ذكر في القرآن أنه أهلك أهل مدين بالظلة لما جاءهم شعيب، وذكر في القرآن أن موسى أتاها وتزوج ببنت واحد منها، فظن بعض الناس أنه شعيب النبي، وهذا غلط عند علماء المسلمين مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم، كلهم ذكروا أن الذي صهره موسى ليس هو شعيب النبي. هذه غريبة جميلة؛ قالوا إذا قيل إنه شعيب -حتى من ذكر أنه شعيب- لم يقصد أنه شعيب نبي، إنما شعيب رجل صالح كان في تلك القرية وتزوج منه موسى عليه السلام، حتى من ذكر أنه شعيب قالوا ليس هو شعيب النبي إنما رجل صالح اسمه شعيب، مش كان الناس تتسمى بأسمائهم وأسماء الصالحين نعم.

قال وحكي أنه شعيب عن من لا يعرف من العلماء ولم يثبت، يعني الذي قال إنه شعيب النبي قال هذا كلام نقل عن من لا يعرف من العلماء أصلاً نعم.

قال ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين كما بسط في موضعه. وأهل الكتاب يقرون بأن الذي صهره موسى ليس هو شعيب، بل رجل من أهل المدينة ومنهم من يقول إنها غير مدين التي أهلك الله أهلها والله أعلم. وكذلك ذكر المفسرون في هل أرسلهم الله أو أرسلهم المسيح قولين: أحدهما أن الله هو الذي أرسلهم، قال أبو الفرج بن الجوزي: وهذا ظاهر القرآن ومروي عن ابن عباس وكعب وابن منبه. وقال المفسرون في قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 29] أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس، كالنار إذا أطفئت، وذلك قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 29] أي ساكنون كهيئة الرماد الخامد. ومعلوم عند الناس أن أهل أنطاكية لم يصيبهم ذلك بعد مبعث المسيح، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه، وكانوا المسلمين مؤمنين به على دينه إلى أن تبدل دينه بعد ذلك.

وأما يبين أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الامم بعذاب من السماء يعمهم. وهذه أصنع معلومة أنه بعد نزول التوراة ما عاد العذاب ينزل عاماً كما كان ينزل على قوم عاد وثمود وهود، وأصبحنا مأُمورين بالجهاد والقتال نعم.

هؤلاء شيخنا هذا بيكون حتى قبل موسى مش بس نعم، إنه مش رح يكونوا أحسنت، إنه هذه العذابات العامة إنما كانت في الأمم السابقة قبل نزول الديانات الثلاث نعم.

قال كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة. وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام نعم.

وأيضاً فإن الله لم يذكر في القرآن رسولاً أرسله غيره، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو. وأيضاً فإنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14].

نعم فبالتالي لما قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13] هذول المرسلون مين أرسلهم؟ أرسلهم الله أم عيسى؟ قال الله عز وجل لم يذكر في كتابه أن هناك مرسلين بهذا الإطلاق ويقول ليس هو الذي أرسلهم بل أرسلهم نبي من أنبيائه، هذا لا يستعمل في القرآن نعم.

قال فأخبر أنه أرسلهم كما أخبر أنهم أرسل نوح وموسى وغيرهما. وفي الآية قالوا: ﴿مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: 15] ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي، لا لمن جاء رسولاً من عند رسول. وقد قال بعد هذا: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30]، وهذا إنما هو في الرسل الذين جاؤوه من عند الله لا من عند رسله. وأيضاً فإن الله ضرب هذا مثلاً نعم.

أن قال وأيضاً فإن الله ضرب هذا مثلاً لمن أرسل إليه محمد صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم كما انتقم من هؤلاء، محمد إنما يضرب له المثل برسول نظيره لا بمن أصحابه أفضل منهم، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين، ولم يبعث بعد المسيح رسول، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: 19].

طب شيخنا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم يضرب له مثل بالانبياء مثل طب يعني مثلاً قصة مؤمن آل فرعون والقصة التي تذكر في القرآن ويكون فيها مقامات من الدعوة والتضحية لكن تكون لبعض أصحاب الرسل اه، لكن هو يقصد وأيضاً فإن الله ضرب هذا مثلاً لمن أرسل إليه محمد صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم، سياق ثاني أن الله يحذركم كفار قريش أن يحل بهم ما حل بمعاندي الرسل سابقاً، لا يضرب مثلاً له قصة رجل داعية ذهب إلى قوم، إنما الله عز وجل يريد أن يحذر كفار قريش أحذروا أن يصيبكم ما أصاب قرية ياسين، فإذا سياتي بمثال يكون فيه من جاءهم يكون رسول مثل محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقبلوا من الرسول فاهلك، عرفتوا ماذا يريد أن يقول؟ أما قضية أن يذكر أمثال من المؤمنين الصابرين من غير الأنبياء ذكر، لكن أن يكون الهدف الأساسي هو تخويف كفار قريش ردوا على رسولكم حتى لا يصيبكم ما أصاب القرى السابقة التي جاءها رسل فأهلكوا، ويكون المراد بالرسل لا مش المراد الأنبياء الله، وإنما مبعوثي الأنبياء يعني ابن تيمية يستبعدها حتى تكون الواقع يعني حتى أنا أقيّس شيئاً على شيء بده يكون الوقائع مشتركة أنه أجى رسول من الله كذبوه فكذا، أما يكون أنا بدي أحذرك جاء من الرسول بس مش من الله، طيب الرسول بصير هنا نوع من التباين في ضرب المثال، لأنه قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾ لذلك هو قال الله لا يضرب مثلاً إلا مع اشتراك الحال النازلة الموجودة بالواقعة القديمة واشتراك النازلة بالواقعة اللي هو القياس لابد من اتحاد الفرع مع الأصل، اتحاد الفرع مع الأصل يقتضي أن يكون المرسلون أنبياء كما أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي، هذا ما يقصد نعم.

لم يسبق إذا كان رسولاً لرسول عز وجل، والله عز وجل أهل أعظم.

اه بس هو يرى أن الله عز وجل يعني من تتبع السياق القراني عموماً، السياق القراني إذا ضرب مثلاً يضرب مثلاً على أقوام جاءهم رسل مش أقوام جاءهم فقط يعني مبعوثين، هذا الذي يليق ربما بمقام النبي صلى الله عليه وسلم يضرب له مثلاً من هذه الجهة، لكن الفكرة اللي تقدمت فيها حضرتك أيضاً معقولة يعني مش ما شايفها غلط يعني بكل الجهات وليس شرطاً أن يكون كل ما يرد ابن تيمية يكون قوي من كل الجهات نعم.

قال ولم يبث الله بعد المسيح رسولاً بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: 19]. وأيضاً فإنه قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 14-15]، ولو كانوا رسل رسول لكان التكذيب لمن أرسلهم، ولم يكن في قولهم: ﴿مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 15] شبهة، فإن أحداً لا ينكر أن يكون رسل الله بشراً، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشراً. وأيضاً فلو كان التكذيب لهما وهما رسل الرسول لامكنهما أن يقولا: فارسلوا إلى من أرسلنا، أو إلى أصحابه فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه بخلاف ما إذا كان رسول الله. وأيضاً فقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ صريح في أن الله هو المرسل، ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك ولم يرسلهم الله، كما لا يقال لمن أرسلهم محمد بن عبد الله أنهم رسول الله، فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله، ولا يقال لذلك للمغيرة بن شعبة وعبد الله بن حذافة ممن كان أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم لملوك الأرض نعم.

قول ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسوله إلى ملوك الأرض، كما أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر، وأرسل عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وكما تقدم ذكر ذلك ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء أن الله أرسلهم ولا يسمون عند المسلمين رسول الله، ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]، فاذا كانت رسل محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناولهم اسم رسل الله في الكتاب الذي جاء به فكيف يجوز أن يقال أن هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره. والمقصود هنا بيان معاني القرآن وما أراده الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13] ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: 14]، هل مراد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أرسلهم الله أو من أرسلهم رسوله؟ قد علم يقيناً أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يدخل في مثل هذا. ثم قال إن محمد صلى الله عليه وسلم أراد بذلك من أرسله رسول فقد كذب على محمد صلى الله عليه وسلم خطأ وعمدا.

قال فصل وقد تبين بما ذكرناه فساد قولهم في تفسير آية البقرة، فإنهم قالوا وقال في سوره البقرة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]. قالوا فقوله: انبياءه المبشرين ورسله ينحو بذلك عن الحواريين الذين داروا في سبعة أقاليم العالم وبشروا بالكتاب الواحد الذي هو الإنجيل الطاهر، لأنه لو كان عن إبراهيم وموسى وداود ومحمد لكان قال ومعهم الكتب، لأن كل واحد منهم جاء بكتاب دون غيره ولم يقل الكتاب الواحد، لأنه ما أتى جماعة بشرين بكتاب واحد غير الحواريين الذين أتوا بالإنجيل الطاهر.

فيقال لهم قد تقدم بعض ما يدل على فساد هذا التفسير، وأيضاً فإنه قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213] أي فاختلفوا فبعث الله نبينا مبشرين ومنذرين، والحواريون ليسوا من النبيين وإن كان المسيح أرسلهم ولا يلزم من إرساله لهم أن يكونوا أنيياء كما أرسلهم موسى ومحمد وغيرهما. ولهذا تسميتهم العامة النصارى رسلاً ولا يسمونهم أنبياء، وأيضاً فإنه قال: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 213] والحواريون لم ينزل معهم الكتاب إنما أنزل الكتاب مع المسيح ولكن الأنبياء أنزل معهم جنس الكتاب، فإن الكتاب اسم جنس فيدخل فيه الكتب المنزلة كلها كما في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: 177].

استدل بنفس الآيات استدل بها على الجنسية طيب.

وأيضاً قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: 19]، وهذا يدل على أنه لما اختلفت بنو آدم بعث الله النبيين، واختلافهم كان قبل المسيح بل قبل موسى بل قبل الخليل بل قبل نوح، كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، بالتالي هذه الآية لا يجوز إسقاطها على ما بعد المسيح، هم أسقطوها على ما بعد المسيح: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ومبشرين ومنذرين. وإذا أنتم فسرتم النبيين بأنهم الحواريون إذاً هم فسروا أنه كان الناس أمة واحدة أي بعد المسيح وبعث الله النبيين اللي هم الحواريون مبشرين ومنذرين، نقول لك لا هي الآية بتتكلم عن بعد آدم من البداية التاريخ الإنساني، كان الناس أي بعد عند آدم أول شيء كان أمة واحدة فحصل الاختلاف بعد في حقبة بعد آدم وصارت عبادة ثاني فجاء نوح عليه السلام نعم.

قال والاختلاف على قال كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم حدث فيهم الشرك والاختلاف على وجهين: تاره يختلفون فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: 253].

البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. وقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19]، يعني أهل الإيمان والكفر. وقد يكون المختلفون كلهم على باطل؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 176]، وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]. وأيضاً فالإنجيل ليس فيه حكم بين الناس فيختلف فيه، بل عامته مواعظ ووصايا وأخبار المسيح، بخلاف التوراة والقرآن فإن فيهما من الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ما ليس في الإنجيل.

وأيضاً فانه قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 213]. وهذا يقتضي أن الله هدى الذين آمنوا بعد اختلاف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم لما اختلفوا فيه من الحق، وهذا ذم لمن أوتوا الكتاب فاختلفوا، والنصارى داخلون في هذا الذم، ولو كان المراد الإنجيل لكانوا هم المذمومين دون غيرهم وليس كذلك، بل هود وغيرهم من المختلفين مذمومون أيضاً، وإنما الممدوح هم المؤمنون الذين هداهم الله لما اختلف أولئك فيه من الحق بإذنه. وهذا يتناول أمة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً، وقد يتناول كل من آمن من الأمم المتقدمة كالذين كانوا على دين موسى والمسيح وإراهيم الخليل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله هداهم لما اختلفت فيه الأمم قبلهم من الحق بإذنه، وهذا بين؛ فإنهم على الحق والعدل والوسط بين طرفي الباطل، وهذا ظاهر في اتباعهم الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى في التوحيد والأنبياء والأخبار والتشريع والنسخ والحلال والحرام والتصديق والتكذيب وغير ذلك.

قال: أما التوحيد؛ فإن اليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الرب سبحانه بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، فقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وأنه يتعب وغير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق، صفات الكمال التي يختص بها الخالق، فقالوا عن المسيح إنه خالق السماوات والأرض القديم الأزلي علام الغيوب القادر على كل شيء، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. والمسلم هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق فلم يشبهوا الخالق بالمخلوق ولا المخلوق بالخالق، بل أثبتوا لله ما يستحق من الصفات والكمال ونزهوه عن النقائص، وأقروا بأنه أحد ليس كمثله شيء وليس له كفواً أحد في شيء من صفات الكمال، فنزهوه عن النقائص خلافا لليهود، وعن مماثلة المخلوق له خلافا للنصارى.

وأما الأنبياء عليهم السلام؛ فإن اليهود قتلوا بعضاً وكذبوا بعضاً، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. والنصارى أشركوا بهم وبمن هو دونهم فعبدوا المسيح، بل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وجعلوا الحواريين رسلاً لله، وزعموا أن الإنسان يصير بتبتله بمنزلة الأنبياء، وصوروا تماثيل الأنبياء والصالحين وصاروا يدعونهم ويستشفعون بهم بعد موتهم، وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تماثيل. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره المسجد وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وأما المسلمون فهداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فآمنوا بأنبياء الله كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، ولم يغلوا فيهم غلو النصارى ولا قصروا في حقهم تقصير اليهود.

وكذلك قتل اليهود الذين يأمرون بالقسط من الناس، والنصارى يطيعون من يأمر بالشرك وإن الشرك لظلم عظيم، ويطيعون من يحرم الحلال ويحل الحرام. والمسلمون يطيعون من يأمر بطاعة الله ولا يطيعون من يأمر بمعصية الله. والنصارى فيهم الشرك بالله، واليهود فيهم الاستكبار عن عبادة الله؛ كما قال تعالى في النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. والإسلام هو أن يستسلم العبد لله وحده فيعْبده وحده بما أمره به، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له بل استكبر عن عبادته كان ممن قيل فيه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. ولهذا كان جميع الأنبياء وأممهم مسلمين لله يعبدونه وحده بما أمرهم به، تنوعت شرائعهم فالمسيح لم يزل مسلما لما كان متبعا لشرع التوراة ولما نسخ الله له نسخة منها، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يزل مسلما لما كان يصلي إلى بيت المقدس ثم لما صلى الكعبة، ولما بعثه الله إلى الخلق كانوا كلهم مأمورين بطاعته وكانت عبادة الله طاعته، فمن لم يطعْه لم يكن عابداً لله فلم يكن مسلمًا.

وأما التشريع؛ فإن اليهود زعموا أن ما أمر الله به يمتنع منه أن ينسخه. والنصارى زعموا أن ما أمر الله به يسوغ لأكابرهم أن ينسخوه. فهذا الله هدى المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق فقالوا: إن الله سبحانه له أن ينسخ ما شرعه خلافا لليهود، وليس لمخلوق يغير شيئاً من شرع الله الخالق خلافا للنصارى.

وأما الحلال والحرام وطهارة النجاسة؛ فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات وشددت عليهم من أمر النجاسات حتى منعوا من مؤاكلة الحائض والجلوس معها في البيت ومن إزالة النجاسة، وحرم عليهم شحم الثرب والكليتين وغير ذلك. والثرب قال: شحم رقيق يغطي الكرش والأمعاء. والمسيح عليه السلام أحل لهم بعض الذي حرم عليهم، فقابلهم النصارى فقالوا ليس شيء محرماً إلا الخنزير ولا غيره، بل ولا شيء، لا البول ولا غيره، وزعم أن بعض أكابرهم رأى ملاءة صورت له فيها صور الحيوان وقيل له: كل ما طابت نفسك. ملاء يعني عباية زي العباية. وقيل له: كل ما طابت نفسك ودع ما تكره، أنه أباح لهم جميع الحيوان ونسخوا شرع التوراة بمجرد ذلك. فالحلال عندهم ما اشتهت أنفسهم، والحرام عندهم ما كرهت أنفسهم. فهذا الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق فأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث وأزال عنهم الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل خلافا لليهود، وأمرهم بطهارة الحدث والخبث خلافا للنصارى.

والمسيح عليه السلام جعلته اليهود ولد زنا كذاباً ساحراً، وجعلت النصارى هو الله هو الله خالق السماوات والأرض. فهذا الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فشهدوا أنه عبد لله مخلوق خلافا للنصارى، وأنه رسول الله وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين خلافا لليهود.

وأما التصديق والتكذيب؛ فإن اليهود من شانهم التكذيب بالحق، والنصارى من شانهم التصديق بالباطل، فإن اليهود كذبوا الأنبياء وقد جاؤوا بالحق كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. والنصارى يصدقون بمحالات العقول والشرائع كما صدقوا بالتثليث والاتحاد ونحوهما من الممتنعات.

قال رحمه الله فصل: ثم قالوا عن القرآن إنه يشهد لهم أنهم أنصار الله، كما يقول كما قال عيسى بن مريم: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَا نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]. فيقال: هذا حق، والحواريون مؤمنون مسلمون وهم أنصار الله، لكن ليس في هذا أنهم رسل الله، ولا في هذا أن كل ما أنتم عليه من الدين مأخوذ عنهم، ولا في هذا أن الواحد من الحواريين معصوم من الغلط، بل أمر الله المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا أنصار الله كما طلب المسيح ذلك بقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: 14]. وقد وصف الله المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة النبوية بأنهم أنصار الله بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهم أيضاً من أنصار الله نصروه كما نصره الأنصار، لكن لما كان لهم اسم يخصهم وهم المهاجرون وهو أفضل الاسمين خص الأنصار بهذا الاسم. والمهاجرون والأنصار أفضل ممن آمن بموسى ومن آمن بعيسى عند المسلمين، ومع هذا فليس فيهم عندهم نبي ولا رسول، ولكن فيهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما. اتباع محمد صلى الله عليه وسلم جملة مجموع أفضل من اتباع موسى وعيسى كمجموع، لكن هذا لا يستلزم أن كل صحابي هو افضل من كل حواري بالاعيان هذا هو الصحيح.

قال فصل: وأما تعظيمه لإنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا، فيقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. وقال في سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 1-4]. وقال في سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 1-3]. فعنى بالكتاب الإنجيل، والذين يؤمنون بالغيوب نحن النصارى الذين آمنوا بالمسيح وما رأيناه، ثم أتبع بالقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4] فعمى بهم المسلمين الذين آمنوا بما أتى به وما أتى من قبله. وقال في سورة المائدة: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 46-47]. وقال في سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ كَذَبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]. فعنى أيضاً بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدس. وقال أيضاً: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: 94]. ثبت بهذا ما معنى ونفى عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التهمة والتبديل والتغيير لما فيها بتصديقه إياها.

وأما بعد أن تعرف أن لفظ الآية الأولى في سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. أن يقال: أما تصديق خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله قبله من الكتب، ولمن جاء قبله من الأنبياء فهذا معلوم بالاضطرار من دينه متواتراً تواتراً ظاهراً كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم، وهذا من أصول الإيمان. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 136]. هناك آيات كثيرة طلبت منا أن نؤمن بجميع الرسل ولا نفرق بين أحد من الرسل، وأيضاً الآية التي بعد البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]، والآية الختامية في سورة البقرة: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وتصديقه للتوراة والإنجيل مذكور في مواضع من القرآن أيضاً: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].

قال فبين أنه أنزل هذا القرآن مهيمناً على ما بين يديه من الكتب. والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم، يشهد بما فيها من الحق وينفي ما حرف فيها، ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها ونسخ ما نسخه الله منها وهو مؤتمن في ذلك عليها. وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص، وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكاً بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى، وكذلك من كان متمسكاً بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان.

وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل، فضلا عن من تمسك بشرع مبدل منسوخ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب، بل قد بين سبحانه كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبتكذيب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في غير موضع.

أما تأويلهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] أنه الإجيل، وأن الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون عنى بهم النصارى، فهو من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله، كما فعلوه في قوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: 85]، وفي قوله: بإذن أي بإذن الله اللاهوت، وفي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، وفي غير ذلك مما ذكروه وتأولوه من القرآن على غير المعنى الذي أراد الله به.

هذا مما يؤيد أنهم فعلوا كذلك بالتوراة والإنجيل؛ فإنه إذا كان القرآن الذي قد عرف تفسيره والمراد به العام والخاص ونقل ذلك عن الرسول نقلا متواترا حتى يعرف معناه علما يقينيا اضطراريا، فيبدلون معناه ويحرفون الكلم عن موضعه، فماذا يصنعون بالتوراة والإنجيل ولم ينقل لفظه ومعناه كما نقل القرآن، وليس في أهل تلك الكتب ممن يذب عن لفظها ومعناها كما يذب المسلمون عن لفظ القرآن ومعناه؟

ولا يغرهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فظنوا أن لفظ ذلك لما كان يشار بها إلى الغائب أو أشير بها إلى الإنجيل، فيقال لهم: هذا كقوله، وذلك إشارة إلى البعيد غير الموجود.

نعم قال، فيقال لهم: هذا كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]، وأشار بذلك ما تلاه قبل هذه الآية، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ ليس ما أنفقوا ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 10]، وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: 2]، ذلك الحكم السابق الموجود قبل صدره.

نعم قال، مثله قوله تعالى بعد أن ذكر خبر يوسف الصديق: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف: 102]، وقال أيضا لما ذكر خبر مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44]، كما قال لما ذكر آيات يخبر فيها عن نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: 49] الآية، وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 1-2]، وتلك في المؤنثين مثل ذلك في المذكر، ومع هذا فأشار إلى القرآن.

قال، وذلك أنه لما أنزل قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] وتلك آيات الكتاب ونحو ذلك، لم يكن الكتاب المشار إليه قد أنزل تلك الساعة، وإنما كان قد أنزل قبل ذلك، فصار كالغائب الذي يشار إليه كما يشار إلى الغائب. وباعتبار حضوره عند النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يشار إلى القرآن باسم إشارة البعيد ذلك.

إيش هو الآن بيقول لك لماذا يعبر عن القرآن الكريم أنه ذلك؟ قال: لأنه لم يكن الكتاب المشار إليه قد أنزل تلك الساعة يعني هو مش نزل الآن حتى يقال هذا الكتاب، لو نزل خلال السنوات التي مضت فلذلك أشار إليه إشارة البعيد باعتبار أنه نزل سابقا وليس الآن، الآن نزل الكتاب لما نزلت هذه الآية.

نعم قال: وباعتبار حضوره في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يشار إليه إشارة الحاضر، فيقال في سياقات أخرى: وهذا باسم الإشارة القريب.

نعم قال، ولهذا قال غير واحد من السلف في ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، يقولون: المراد هذا الكتاب وإن كانت إشارة تكون تارة إشارة غائب أو وتارة إشارة حاضر.

وقد قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2-3]، وقد وصف النصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وأنهم كافرون ظالمون، فكيف يجعلهم المتقين الذين يؤمنون بالغيب؟ قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: 29]، سماهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

وأول التقوى، قالوا: أول التقوى تقوى الشرك. وقد وصف النصارى بالشرك في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] إلى آخر الآية.

وقال ونهى عن موالاتهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51]، وقد أخبر أن الله ولي المتقين فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19].

فلو كانوا من المتقين، فضلا عن أن يكونوا هم المتقين، لكان الله وليهم ولكانت موالاتهم واجبة على المؤمنين، وهو قد نهى عن موالاتهم، وجعل من يتولاهم ظالما، وجعل المتقين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم أولياء بعض.

ولهذا لما قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين الكفار قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». واتفق المسلمون على أن اليهودية والنصرانية لا يرث المسلمون، ولو كان ابنه وأباه؛ لأن الله قطع الموالاة بينهما.

وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22].

وأيضا فإنه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]، وهي الصلاة التي أمر بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ لَيْلٍ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور».

والنصارى يصلون بغير طهور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهم لا يقرءونها.

والصلاة التي فرضها وأثنى عليها مشتملة على استقبال الكعبة وعلى ركوع وسجود وسجدتين في كل ركعة وغير ذلك مما لا يفعله النصارى، فكيف يمدحهم بإقامة الصلاة وهم لا يقيمون الصلاة التي أمر الله التي أمر بإقامتها؟

ثم لو قال اليهودي: المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ التوراة بالمتقين اليهود، لكان هذا مع بطلانه أقرب القائلين إنما أراد كتاب الإنجيل؛ لأن التوراة أحق بذلك الإنجيل فإنها الأصل، والله تعالى يقرن بينها وبين القرآن في غير موضع، كقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: 17]، اللي هو التوراة.

نعم قال، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10]، على مثله نعم اللي هو على مثل التوراة وهو القرآن.

قال: وقد قالت الجنة لما سمعت القرآن، قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 1-2]، وقال النجشاني ولما سمع القرآن: أن هذا هو الذي جاء به موسى، لا يخرج من مشكاة واحدة.

وكذلك ورقة بن نوفل قال: هذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى بن عمران.

وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: 48]، أي تراه القرآن. وقالوا ساحران يتظاهرا أي موسى ومحمد، وقالوا إنا بكل كافرون. القراءة الثانية: ساحران يتظاهرا.

نعم قال، وقالوا إنا بكل كافرون، قال الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: 49]، قد بين أنه لم يأت من عند الله كتاب أهدى من التوراة والقرآن.

أما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]، فهي صفة ثانية للذين يؤمنون بالغيب، وصفهم بالإيمان بالغيب مجملا، ثم وصفهم بايمان مفصل بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، والعطف بالواو يكون لتغير الذوات ويكون لتغير الصفات.

نعم ماشي، العطف بالواو يفيد المغايرة، لكن المغايرة لا تستلزم دوما المغايرة بالذات، قد تكون مغايرة في الصفات، كان أقول: جاء زيد الكاتب والشاعر والأديب، الكاتب والشاعر والأديب هو نفسه زيد بس أنا عطفته لمغايرة الصفات.

نعم قال، قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ﴾ [الأعلى: 1-4]، ذات واحدة لكن تفعل أشياء كثيرة، وكذلك ذلك.

يعني هو يستقري الآن الآيات التي وصف الله نفسه بصفات كثيرة ويعطف بينها بالواو، يدل على التغير في الصفة فقط.

كذلك في صفات المؤمنين: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] والذين هم والذين هم، كلها ذات واحدة لكن عطفها بصفات متعدده أن الإنسان خلق هلوعا إلى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] والذين هم إلى آخر آيات سورة المعارج.

وقد قيل إن قوله: يؤمنون بالغيب، نعم قال، وقد قيل إن قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ صفة المؤمنين من غير أهل الكتاب كمشرك العربي، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ صفة من آمن به من أهل الكتاب. هذا مر معنى القول في بداية الكتاب أظن، وأن ابن تيمية لا يرجح هذا، أن يحمل الذين يؤمنون بالغيب الآية الأولى على المؤمنين من الصحابة، والذين يؤمنون بما أنزل من قبلك على المؤمنين من أهل الكتاب، هذا التفصيل ابن تيمية يقول: لا الكلام عموما عن أهل الإيمان عموما.

نعم قال، وعلى هذا القول هؤلاء غير هؤلاء، لكن هذا ضعيف؛ أنه لابد في المؤمنين من غير أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، ولابد في مؤمن أهل الكتاب أن يؤمن بالغيب، فكل من الإيمانين واجب على كل واحد.

فهو إيش يريد أن يقول ابن تيمية؟ أن في الآية يعني هو يريد أن يقول لبولس: أنت حملت الذين يؤمنون بالغيب على النصارى صح؟ مش هيك حملها بولس؟ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم من العرب، بيقول لك لا، اصلا هنا العطف لا يدل على اختلاف الذات، بل هي اختلاف صفات، وهي ذات واحدة، فالذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ذات واحدة، وإنما عطف بالواو ليس لتغاير الذات وتغاير الطائفتين بل لتعدد صفاتهم.

نعم قال، وأما قول قال: ولا يكون أحد على هدى من ربه مفلحا إلا بهذا وهذا. وأما قول النصارى: نحن الذين آمنا بالسيد المسيح وما رايناه، فهكذا اليهود آمنوا بموسى عليه السلام وما راوه، والمسلمون آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما راوه، بل المسلمون آمنوا بموسى وعيسى وسائر النبيين وما راوهم، بخلاف اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض.

ثم الغيب ليس المراد به صورة النبي عليه السلام، فإن صورة النبي ليست من الغيب، فإن الناس يرونها، وليس في رؤيتها ما يوجب إيمانا ولا كفرا، ولكن الغيب ما غاب عن مشاهدة الخلق، وهو ما أخبرت به الأنبياء من غيب.

هم فسروا الغيب أنه المسيح ابن مريم والمسيح لا يسمى غيبا.

نعم قال، ولكن الغيب ما غاب عن مشاهدة الخلق، وهو ما أخبر به الأنبياء من الغيب، فيدخل فيه الإيمان بالله وملائكته كتبه رسله، وهو الإيمان بأنهم رسول الله وسواء رؤيت أبدانهم أو لم تر، فقد يراهم من لم يؤمن برسالته، وقد يؤمن برسالته من لم يراهم، والمقصود الإيمان برسالتهم لا بنفس صورهم حتى يقول القائل: آمنا بنبي ولم نره، وقد يعلم من دلائل نبوته وأعلام رسالته من لم يره أكثر مما يعلمها من رآها.

نعم قال، فصل: أما قول في سورة المائدة: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ هُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 46-47]، هذا ثناء منه على المسيح والإنجيل، وأمر للأصار بالحكم بما أنزل الله فيه، كما أثنى على موسى وعلى موسى والتوراه باعظم مما عظم به المسيح والإنجيل.

فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: 41] أي قائلون للكذب مصدقون مستجبون مطيعون لقوم آخرين لم يأتك، هم مصدقون للكذب مطيعون لمن يخالفك أنت وأنت رسول الله.

فكل من تصديق الكذب والطاعة لمن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب، ولفظ السمع يراد به الاحساس والصوت، الإحساس بالصوت، ويراد به فهم المعنى، ويراد به قبوله.

لفظ السمع في القرآن ياتي إلى ثلاث معاني، ذكر ابن قيم أيضا: السمع يأتي معنى إحساس بالصوت، ويأتي السمع بمعنى فهم معنى الكلام يسمى سمعا، ويراد به القبول، فمثلا سمعنا وأطعنا.

قال، فيقال فلان سمع، قال فيقال: فلان سمع ما يقول فلان أي يصدقه ويطيعه ويقبل منه.

زي ما أنت بتكي لابنك: اسمع كلامي يا ولد، مشان اسمع كلامي استجب، مش اسمع كلامي يعني شغل حاسه السمع، ما شغاله بس مش رد.

نعم قال، فقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي مصدقون به، والا

مجرد سماع صوت الكذب وفهم كلامه ليس مذموماً على الإطلاق، وكذلك سماعهم لقوم آخرين لم يأتوه مستجبين لهم مطيعين لهم، كما قال في حق المنافقين: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47] أي مستجبون مطيعون لهم. من قال إن فلو انك سمعت كلام الكفار أنت لا تذم، أنت ما تذم في سماع كلام الكفار إذا استجبت، فإذن سماعون ليس ذماً للسماع لكلام الكفار، هو ذم لاستجابه. نعم، ومن قال إن المراد به الجاسوس؟ قال: فإن الجاسوس إنما ينقل خبر القوم إلى من لا يعرفه، معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يذكره ويأمر به يفعله ويراه ويسمعه كل من بالمدينة مؤمنهم ومنافقهم، ولم يكن يقصد أن يكتم يهود المدينة ديانة ما يقوله ويفعله، خلاف ما كان يأتيه من اليهود وهم يتعمدون الكذب ويطيعون اليهود الآخرين الذين لم يأتوه.

والله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحزنه المسارعون في الكفر من هاتين الطائففتين: المنافقين الذين أظهروا الإيمان به ولم تؤمن قلوبهم، ومن أهل الكتاب الذين يطلبون أن يحكم بينهم وليس مقصوده أن يطيعوه ويتبعوا حكمه، بل أن يحكم بما يتهواه هو قبله، وإن حكم بخلاف ذلك ما قبولوه لكونهم مطيعين لقوم آخرين لم يأتوه، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: 41] أولئك القوم الآخرون يقولون: أي يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروه، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، هم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

والحكم يفتقر إلى الصدق والعدل، فلا بد أن يكون الشاهد صادقاً والحاكم عادلاً، وهؤلاء يصدقون الكاذبين من الشهود ويبغون حكم المخالفين للرسل الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، وإذا لم يكن مقصدهم اتباع الصدق والعدل فليس عليك أن تحكم بينهم، بل إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فلا تحكم، ولكن إذا حكمت فلا تحكم إلا بما أنزل الله إليك إذ هو العدل، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّاحُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42].

ثم قال: وكيف يحاكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون. هذا ثناء على التوراه قال: فهذا ثناؤه على التوراة وإخباره أن فيها حكم الله وأنه أنزل التوراة وفيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين هادوا، قال عقبه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وهذا اعظم مما ذكره في الإنجيل أنه قال في الإنجيل: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، وقال فيه: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وقال في التوراة: يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، وقال عقبه: هذه الإضافة لم تذكر في الإنجيل: يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، أين ذكرت؟ فقط في التوراة، لا تذكر في الإنجيل، هذه التوراة أصل وأعلى من الإنجيل. نعم.

قال وقال عقب ذكرها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، والتوراة جعل من لم يحكم بها كافراً، والإنجيل جعل من لم يحكم به فاسقاً، وهذا يدل على أن التوراة أعلى من الإنجيل. نعم.

قال: فهو سبحانه مع إخباره بإنزال كتابين يصف التوراة باعظم مما يصف به الإنجيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: 44]. وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتوراة لم يوجب ذلك مدح اليهود الذين كذبوا المسيح ومحمداً صلى الله عليه وسلم تسليماً، وليس فيه ثناء على دين اليهود المبدل المنسوخ باتفاق المسلمين والنصارى، فكذلك أيضاً ما ذكره من مدح المسيح والإنجيل ليس فيه مدح النصارى الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم وبدلوا أحكام التوراة والإنجيل واتبعوا المبدل المنسوخ.

هذا هو أسلوب ابن تيمية في نقاش بولس، يعني أنت تقول إن ذكر الإنجيل في القرآن يدل على مدح النصارى؟ يقول لك: تمام، هو ذكر التوراة في القرآن إذاً يدل على مدح اليهود؟ طيب، أنت توافق على مدح اليهود؟ إذاً نحن ما بنوافق على مدح النصارى، هو يحاول يناقش معه بنفس الطريقة فكر فيها، واليهود توافق المسلمين على أنه نعم.

قال: واليهود توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح للنصارى، والنصارى توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح لليهود بعد النسخ والتبديل، فعلم اتفاق أهمية كلمة المسلمين واليهود والنصارى على أنه ليس فيما ذكر في القرآن من ذكر التوراة والإنجيل وموسى وعيسى مدح لأهل الكتاب الذين كذبوا محمد صلى الله عليه وسلم ولا مدح لدينهم المبدل، فليس في ذلك مدح لمن تمسك بدين مبدل ولا بدين منسوخ، فكيف من تمسك بدين مبدل منسوخ؟ نعم.

قال فصل هنا أصل لا بد من بيانه، وهو أنه إذا قد دلت النصوص على أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه رسولاً تقوم الحجة عليه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13].

ذكر هذا الأصل تبعا لما ذكر أن اليهود والنصارى الآن اليهود والنصارى إذا اتبعوا الدين المبدل فهؤلاء ليسوا مسلمين مؤمنين، لكن هل يعذبهم الله يوم القيامة الآن اللي عاش فيهم في أزمنة الفترات بعد أن ذهب زمان عيسى ومرت مدة ولم يعرف ما هو الرسول الحق وما هو الدين الحق، فهذا يسمى أهل الفترة، وهذا لم تقم عليه الحجة، فلا يسمى مشركاً وكافراً بالمعنى العذابي، يعني أن يعذب يوم القيامة حتى تأتيه تقوم عليه الحجة الرسالية ويعرف ما هو الصواب ويصر على موقفه، فهذا الذي أراد اللي هي قضية قيام الحجة وحال أهل الفترة مع حكمهم عند الله. نعم.

قال: وإذا كان كذلك فمعلوماً أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه، لقوله: ﴿لَأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه دون من لم يبلغ. طبعا هنا كلمة البلوغ، يعني ما بينفع تريح بكرة ألقيك كاتب إنه ابن تيمية يرى أن الحجة تقوم بمجرد البلوغ، يعني هذه مشكلة الذي يمارس ممارسات غير علمية أو يختفي من الكلام، لأنه نحن مر معنا سابقاً تفصيل من ابن تيمية أكثر وضوحاً في معنى الإيش البلوغ، هو يقصد البلوغ الذي فيه فهم للكلام وأن يفهم الطرف الآخر ما المراد وتنتفي الشبهة، فأنت لا تأخذ من كلام ابن تيمية النص اللي أنت بتشوفه بيخدمك في فكرتك، خذ كلام ابن تيمية، اقرأ الكتاب كامل زي ما بنعمل، اقرأ الكتاب كامل، أقنعني أنك بتمارس ممارسة علمية، ثم بعد ذلك والله أعطيني فلسفة ابن تيمية، أما يأتي شاب من المكتب الشام ولا شيء شوف ابن تيمية كتب البلوغ وياخذها ويقول لك هذا منهج ابن تيمية، هذه ليست ممارسة علمية. نعم.

قال: وإذا اشتبه معنى بعض الآيات وتنازع الناس في تأويل الآيات وجب رد ما تنازع فيه إلى الله ورسوله، فإذا اجتهد الناس في فهم ما رده الله ما رده الرسول صلى الله عليه وسلم فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، فلا يمتنع أن يقال ذلك في أهل الكتاب قبلنا، فمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب قبلنا لم تقم عليه الحجة إلا بما بلغه، وما خفي عليه معناه منه فاجتهد في معرفته فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطؤه محطوط عنه. فأما...

فلا يمتنع أن يقال ذلك هي في أهل الكتاب قبلنا فمن لم يبلغه من أهل الكتاب جميع نصوص الكتاب لم تقم عليه الحجة إلا بما بلغ، زي ما احنا نفس الشيء، المسلم الذي لم تبلغه نصوص القرآن لا يحاسب إلا على ما بلغه، كذلك أهل الكتاب قبلنا اللي وصلوا نص معين من التوراة ما بلغوا غيره هذا ظرف القدر لا يحاسب إلا على ما بلغه. نعم.

قال: وما خفي عليه معناه منه فاجتهد في معرفته فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطؤه محطوط عنه، فما من تعمد تحريف كتاب ولفظه أو معناه وعرف ما جاء به الرسول فعنده فهذا مستحق للعقاب، وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه متبعاً لهواه مشتغلاً عن ذلك بدنياه على ذلك. إذاً، لاحظ ابن تيمية جعل المشكلة التي يعاقب عليها الإنسان أمراً، إما تعمد عدم الأخذ بالشريعة وتحريفها أو طريقها أو التفريط في طلب الحق، يعني بإمكانك الوصول للحق لكن أنت فرطت، هذا الذي يعتبر قامت عليه الحجة جاه وبالتالي يعاقب عليه، أما من لم يحصل منه أحد الأمرين فهذا لم تقم عليه الحجة. نعم.

قال: وعلى هذا إذا كان بعض أهل الكتاب قد حرفوا بعض الكتاب وفيهم آخرون لم يعلموا ذلك، هم مجتهدون في اتباع ما جاء به الرسول، لم يجب أن يجعل هؤلاء من المستوجبين الوعيد، الوعيد نعم.

قال: إذا جاز أن يكون في أهل الكتاب من لم يعرف جميع ما جاء به المسيح بل خفي عليه بعض ما جاء به أو بعض معانيه فاجتهد لم يعاقب على ما لم يبلغه، وقد تحمل أخبار اليهود الذين كانوا مع تبع والذين كانوا ينتظرون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة كابن الهيبان وغيره على هذا، وأنهم لم يكونوا مكذبين بالمسيح تكذيب غيره من اليهود. وقد تنازع الناس: هل يمكن مع الاجتهاد واستفراغ الوسع أن لا يبين للناظر المستدل صدق الرسول أم لا؟ وإذا لم يبن له ذلك هل يستحق العقوبة في الآخرة أم لا يستحق؟

سؤال خطير حقيقة، سؤال جوهري وخطير، في مثلاً في باب العقائد هل يمكن مع الاجتهاد واستفراغ الوسع وأنت تطلب أدلة الحقيقة عن الإسلام ألا تصل إلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يتصور هذا في شخص؟ يعني بعض الناس يقول: يا شيخ هذا يهودي باحث أو نصراني باحث استفرغ وسعه ليبحث عن صحة الإسلام، بس بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع لم تظهر له أدلة صحة الإسلام، هل هذا يحاسب؟ فهمتم من السؤال؟ إذاً سؤال خطير، هل يمكن مع الاجتهاد واستفراغ الوسع فعلاً بعد ذلك أن يكون الشخص معذوراً عند الله لأنه لم تتبين له مصداقية الإسلام ومصداقية النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم تتبين له ذلك هل سيعاقب في الآخرة أم لن يعاقب؟ هذا سؤال خطير ومهم في واقعنا المعاصر، ايش يقول؟

قال: بل تنازع بعض الناس في المقلد منهم أيضاً، والكلام في مقامه.

فحصل التنازع ليس فقط في المجتهد الذي استفرغ وسعه، بل في المقلد اليهود والنصارى اليوم اللي هو ما سفر بس هو ايش خلص بقلد الكنيسة الكاثوليكية، بقلد الكنيسة البروتستانتية، هل هذول المقلدين اللي هذا ساعته بقول لك أنا لا قارئ، هل المقلدين هذول ممكن يكونوا معذورين عند الله لأنه هذا قصار ما بلغه؟

فماذا يقول؟

قال: المقام الأول في بيان خطأ المخالف للحق وضلاله، وهذا مما يعلم بطرق متعددة عقلية وسمعية، وقد يعرف الخطأ في أقوال كثير من أهل القبلة مخالف للحق وغير أهل القبلة بأنواع متعددة من الدلائل. والمقام الثاني: الكلام في كفرهم واستحقاقهم وعيده في الآخرة، فهذا فيه ثلاث أقوال للناس، بل كل من أصحاب الأئمة مالك وشعب أحمد لهم الأقوال الثلاثة، قيل: إنه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسل إليه الرسول لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا قول كثير ممن يقول بالحكم العقلي من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، واختياره وهو اختياره بالخطاب.

وهذا أغلب على الطريقة المعتزلية الذين يقولون إن كل إنسان يعذب في النار حتى ولو لم يصل إليه رسول، كيف يا جماعة؟ أن العقل لابد وأن يقودك إلى التوحيد وإلى تحقيق اصول الشرائع، ولو لم يأتيك نبي، فالتعذيب يوم القيامة ليس متوقف على ورود رسول إليك.

القول الثاني: قال: وقيل: لا حجة عليه بالعقل، بل يجوز أن يعذب من لم تقع عليه حجة لا بالشرع ولا بالعقل، وهذا قول من يجوز تعذيب أطفال الكفار ومجانينهم، وهذا قول كثير من أهل الكلام كالجهمية وكأبي الحسن الأشعري وأصحابه والقاضي يعلى وابن عقيل وغيره. نعم، هؤلاء الذين عندهم مشكلة في التعليل أفعال الله، الذين الجهم الجبرية وأصحاب نفي العلة عن أفعال الله عز وجل، نعم، يمكن أن يعذب إنسان حتى ولو لم تقم عليه حجة عقلية.

هو خلص يتصرف في ملكه فليفعل ما شاء، إذاً الطرف الثاني الذي يقول: إذاً القول الأول من يقول إن الله يعذب من لم يصل إليه الرسول بشرط وجود ايش؟ الحجة العقلية يكفي. والقول الثاني من يقول أصلاً الله له أن يعذب حتى ولو لم تكن عندك حجة عقلية، يعني حتى لو كان عقلك مش موجود لأنه هو صاحب الملك، فحتى لو لم تقم الحجج العقلية ولا النقلية عندك يمكن أن يعذبك، وهؤلاء الذين يجرحون إلى جواز أن يعذب الله أطفال المشركين مع أنه لم يقم عليهم عقل ولا نص بلغهم طفل، لأنه مالك فيتصرف في ملكه كما يشاء، هؤلاء الذين لا يعللون أفعال الله بالحكمة، وهذا يغلب على الطريقة الجهمية والطريقة

الكلامية لأبي الحسن الأشعري وأنصاره. نعم، أحسنت؛ اللي هو تفسير العدل: أن يتصرف في ملكه، فكل من تصرف في ملكه فهو عادل، بغض النظر تصرف تصرف عشوائي، غير عشوائي؛ ما عندهم مشكلة. نعم.

قالوا: القول الثالث وعليه السلف والأئمة. القول الثالث هو قول السلف والأئمة وقول أهل العلم المحققين. نعم. قال إنه لا يعذب إلا من بلغته الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وقال تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]. وإذا كان كذلك فنحن فيما نناظر فيه أهل الكتاب ومتقدم ومتأخريهم؛ تقول الصي: إنه لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، وليس فقط الحجة العقلية. نعم.

قال: تاره نتكلم في المقام الأول هو بيان مخالفة بالحق وجهلهم وضلالهم، فهذا تنبيه لجميع أدلة الشرعية والعقلية وترت النبي. طب وإذا كان كذلك فنحن لما نناظر أهل الكتاب من المتقدمين أو المعاصرين اليوم، في عندنا مقامين: المقام الأول اللي ذكره قبل شوي، أنه أولاً لا بد أن نبين لهم فساد عقائدهم، وأنكم خالفتم الحق، وأن أقوالكم و... وهذا الشيء. المقابل الثاني، الذي هو أنه ما حكم أنتم عند الله يوم القيامة، وما ينزل عليكم من الأحكام العقابية؟ فقال: وتاره نبين كفرهم. نعم.

قال: وتاره نبين كفرهم الذي يستحقون به العذاب في الدنيا والآخرة، فهذا هذا أمره إلى الله ورسوله، لا يتكلم فيه إلا بما أخبرت به الرسل، كما أن أيضاً لا نشهد بالإيمان بالجن بالإيمان والجنة إلا لما شاهد. ايش يعني؟ هذا كلام مهم إخواني في تفصيل عقده تفهم ابن تيمية في الحكم على الأعيان الكفار اليوم. هس يقول بحيث بيان الحق، وأن نقول لهم إن كلامكم مخالف للحق، ونقيم الأدلة العقلية والنقلية على أن عقائد اليهود والنصارى مخالفة للحق، هذا سهل، صح؟ يعني دائماً أقول لك: أن أبين أن الفكرة خطأ دون النظر في قائلها هذا سهل، أن أقول: من قال إن الله ليس فوق سبع سماوات فهذه كفر، من قال إن القرآن مخلوق فهو كفر، أن أناقش الفكرة وأقيم الأدلة والبراهين على بطلانها وفسادها ومخالفتها، أنا أتيك بـ30، 40 دليل، ما عندي مشكلة، من المنقول والمعقول واللغة. مناقشة الفكرة، يقول ابن تيمية: سهل هذا هو المقام الأول، مناقشة أن فكر اليهود والنصارى خطأ.

لكن المقام الثاني هو شوي الأصعب، اللي هو ايش؟ أن تحكم على أعيانهم بأنه هذا اليهودي بعينه رايح النار، وانه هذا النصراني بعينه رايح النار. نحن نضع قاعدة عامة: أن من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك وقد قامت عليه الحجة فهو في النار. أنا بقدر أعطيك قاعدة عامة، لكن الحكم على شخص بعينه منهم أنه من أهل النار؟ هذا النص يشير إلى فكرة مهمة في فكرة ابن تيمية، ما هي؟ يقول: وتاره نبين كفرهم الذي يستحقون به العذاب في الدنيا والآخرة. هس هذا مقام آخر، أن نبين كفر هؤلاء، قال: فهذا أمره إلى الله ورسوله، لا يتكلم فيه إلا بما أخبرت به الرسل. ايش يعني؟ الآيات أنه هذا في الجنة والنار كذا.

اه، هس الآن أنتم بتعرفوا مسألة إخواني: هل نححكم على كافر معين بأنه في النار؟ وقع فيها خلاف، حتى في دائرة أهل الحديث، في دائرة أهل الحديث في خلاف: هل نحكم على كافر معين بأنه في النار؟ هس أنا ايش بقول؟ نحن القدر المتفق عليه بين علماء أهل الحديث ما هو، بين علماء السلف، أن نقول: إن كل من بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وقامت عليه الحجة ولم يؤمن به ومات كافراً أنه في النار، كقاعدة مطلقة هذا متفق عليه. لكن ما أين وقع الخلاف؟ ما بعد ذلك؛ أنه في نصراني، والله الجار تبعنا نصراني، مات. عم الجار تبعنا ايش؟ نصراني، مات. هل هذا جارنا النصراني اللي مات، أنا استطيع أن أقول بعينه هو في النار، أم والله ممكن يكون مسلم بس ما خبرنا؟ ما خبر زوجته خايف إنه يقتلون النصارى، أو أو، فبالتالي قرر إنه يكتم. بس هذا كاحتمال عقلي وارد ولا لا؟ كاحتمال عقلي وارد، خاصة إنه أنا ما كنت معه في لحظة سكرات موته، يعني أنا ما كنت معاه في لحظة سكرات موته، فالاحتمالات العقلية إنه يكون مؤمن بس مكاتم إيمانه، وكثير هي بتكتشفها ترى إنه بكون نصراني مات وكاتب وصية لواحد ترى فنِّي في مقابر المسلمين أو كذا، ولا يعرف ذلك كثير من الناس.

تمام، يعني نرجع للنجاشي، النجاشي اللي مات في الحبشة، شو تصور أهل الحبشه عنه؟ إنه نصراني. كيف عرفنا إنه مسلم؟ النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أخبر الصحابة بذلك، حتى إن كثير من المسلمين، إذا صح أنهم سوا مسلمين ولا منافقين بغض النظر، ما كانوا أقول لك: معقول نصلي على الجروم، ايش قالوا؟ إذاً هذا يدل على أن النصراني إذا مات مش شرط أن الكل يعرف أنه كان مسلم، وبالتالي أنت لما تقول إنه بعينه في النار شوي أنت يعني خطيت خطوة زيادة، صح؟ يعني بتشعر إنك أنت يعني خطيت خطوة زيادة، وبالتالي على الله والعياذ بالله، إنه أنت شو عرفك إنه هل هو فعلاً فعلاً في النار؟ يعني تمام. وهناك احتمالات عقلية أخرى أيضاً موجودة؛ أنه هل هذا الرجل فعلاً قامت عليه الحجه؟ بس يقول لك ابن تيمية إنه أنا أكون متيقن إنه هو هذا الرجل معذور ولا مش معذور، بس أنا في الدنيا بتعامل معك كأنه كافر، خلص يهودي نصراني ككافر، بس إنه هل هو معذور عند الله في الدار الآخرة؟

مثلاً زي المقيمين في أوروبا، اللي هي مسألة برضو طرحها الغزالي في كتاب يتفقه بين الإسلام والزندقة، قضية الذي يصل الإسلام مشوهاً، وفعلاً هذا أقصى ما وصله، يعني ما لم يتحرط في طلب الحق، لا لم تستطع أن يصل إلى الإسلام بصورته الحقيقية، وإنما قصار ما وصله أن هذا دين... طبعا أنت بجوز اليوم تقول لي: معالم التكنولوجيا والسوشيال ميديا بجوز هذه القضية خفت، وأنه أصبح أي إنسان في أي مكان في العالم يمكن أن يصل للحق، أنا بغض النظر (يعني أنا مش عم بقول لك ما مدى قد إنه مفرط ولا لا)، بس أنا بحكي كفكرة عقلية: أنه يمكن أن يكون الإنسان لم يصل إلا أن هؤلاء العرب جاءهم رجل يدعوهم إلى مقاتلتنا وأنهم همج ودمويون، هيك ممكن صور لهم الدين. طلع وكبر وهو هيك الدين فاهمه، دين الإسلام، ولم تتيح ظروف معينة أن يسمع شيئاً آخر عن هذا الدين.

فباختصار، في احتمالات عقلية يقول لك ابن تيمية كثيرة تجعل أن الحكم على الشخص بعينه أنه من أهل النار، مثل الحكم على الشخص بعينه أنه من أهل الجنة. وايش يقول هنا؟ ايش قال؟ كما أننا لا نشهد بالإيمان والجنة على شخص معين إلا لمن شهد له الرسل: أبو بكر في الجنة (هذا بقدر أحكيه لأنه النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك)، عمر في الجنة. لكن غير من العلماء الأفاضل هل نقول إنهم في الجنة؟ ترى وقع خلاف، البعض قال: من شهدت لهم الأمة بالقبول كأحمد والشافعي يجوز أن نحكم بعينهم في الجنة. وكثير من أهل العلم يقول لك: لا، حتى هي أنت ما تدخل فيها، قول خلص نحسبهم على خير ونسأل الله لهم الجنة، بس أنا لست مسؤولاً عن الحكم العيني. طبعاً في المسألة طبعاً كبيرة، وفي الذين يرون جواز الحكم العيني في لهم أدلة تحتاج إلى نقاش صراحةً، فيها فعلاً في أدلة أخرى للطرف الآخر الذي يقول: يجوز الحكم على كافر بعينك؛ حديث: «إذا مررت على قبر مشرك فبشره بالنار»، أو ما شابه ذلك. لكن فيها نوع من شوي من الأمور التي تحتمل التأويل حقيقةً، تلك النصوص مقارنة بهذا النص. نعم.

يمكن الكفر نفسه، الكفر في حكم ظاهر الدنيا هذا مثل النصراني واليهودي، أن الباطن في الآخرة هذاك، أحسنت. هذه المقام، فالفكرة كفرية اليهودي والنصراني في الدنيا كافر، لا يدفن في مقابر المسلمين، وفي الآخرة هل سيدخل هذا بعينه النار؟ هنا شوي خطوة زيادة، يعني قول كثير من محرري أهل الحديث أنه لا تقتحم هذه النقطه، لا تقتحم هذه النقطه. نعم.

قال: من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة، كأطفالهم، مجانين، الفترات، فأولئك فيهم أقوال، أظهر ظاهرها ما جاءت بالآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث الله إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن طاعوه يستحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العقاب. إذاً هذا أيضاً يبين لك أن منهج ابن تيمية أنه يوجد اختبار في الآخرة لأهل الفترات، أن كل من لم تقم عليه الحجة (ولذلك هو ذكر المجانين والأطفال)، كل من لم تقم عليه الحجة، وقد يكون من هؤلاء بعض اليهود والنصارى، يختبرون يوم القيامة اختباراً خاصاً. هذا ما يرجحه، لذا قال: أظهر ما جاءت فيه. لاحظوا (يعني ابن تيمية مش عم بيحسن)، يقول لك: أظهر ما جاءت به الاقوال في هي المسألة. نعم.

قال: إذا كان كذلك، فنحن نشهد لمن كان مؤمناً بموسى متبعا له أنه مؤمن مسلم يستحق الثواب، وكذلك ما كان مؤمن المسيح متبعا له، ونشهد لمن قامت عليه الحجه بموسى فلم يتبعه كفرعون أنه من أهل النار، وكذلك من قامت عليه الحجة بالمسيح الذين قال الله فيهم: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]. احنا إذا نشد بشكل عام كقاعدة عامة ما عندنا مشكلة، فنقول: كل من قامت عليه الحجة بموسى ولم يتبع موسى فهو من أهل النار كقاعدة عامة. نعم، نحن نقول هي القاعدة هكذا، لكن أعيان هؤلاء بعينه س ص عنا، أنا مش قادر أقول هل هو فعلاً ممن تنطبق عليه القاعدة، اللي هو تحقيق المناط. القاعدة بيسموها تحقيق مناط القاعدة في أفراد بأعيانهم، هنا بتكون المسألة فيها نوع من التخوف. نعم.

قال: الذين قال الله فيهم: يا عيسى إني متوفيك ورافعك ليهم طهرك من الذين كفروا وجاعل الذين تبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إلي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فتختلفون. فما وأما من بعد عهد المسيح... قال: أما من بعد عهده بالمسيح وبلغته بعض أخباره دون بعض أو بموسى وبلغته بعض أخباره دون بعض، فهو قامت الحجة بما بلغهم من أخبارهم دون ما لم يبلغهم من أخبارهم. أكيد يعني اليهود اللي أجى بعد موسى بفترة طويلة ووصله بعض الحقائق عن دين موسى ولم يصله البعض الآخر، هو مسؤول عن ما وصله، لا يحاسب على شيء لم يصله. وكذلك النصراني اللي عاش بعد سيدنا عيسى بـ300 سنة، وهذا اللي وصله من دين عيسى هو سيحاسب عما بلغه فقط. نعم.

شيخ ممكن يعني أيضاً هذه القضية تكون متعلقة بمصلحة صور صورة مشوهة على الإسلام، أو صورة يعني مش مش كاملة. نعم هذه الفكرة، قلت لذلك قضية أنه من لم تس... لكن هي فكرة أنه نصراني اللي بعد عيسى صعب كان أن يصل إلى الحقيقه في وسائل إعلام وسوشيال ميديا زمنهم، أما أنت اليوم في زمنك تحتاج أن تكون أيضاً أكثر تروي، ولا برضه توسع القضية، أنه اليوم أنت بتقدر تيجي على بلاد الإسلام أو تاخذ تصور عن الإسلام من خلال المواقع، من خلال كذا بصورة سهلة. أنت قاعد في بيت في أوروبا وبتقدر تاخذ كل شيء حقيقي، وإذا بدك تسمع الطرف الآخر ففي مساحة برضو قلت عن من زمن، أنه زمن القديم ما في وسائل نقل المعرفة، اليوم وسائل نقل المعرفة صارت مذهلة وهائلة، فبرضه أنت بدك توسع هي الفكرة لحد أن بعض الناس ممكن يستعملها لمقالب سادة، أنه يا عمي كل الأوروبيين اليوم وكذا وكنا خير وبركة، ربما هم ما وصلهم، فبصير بده يشعرك أن الشعوب الأوروبية اليوم ما بتعرف الإسلام لأنه كلهم وصلهم الإسلام مشوه. لا، مو أنت برضه الاعلام اليوم قل المساحة كثير، وأن كل في تفريط في الحق بصير، الحياة المادية اللي عايشينها أنه هو أصلاً مش مهتم يبحث عن الحقيقة، لا، هذا ليس كانسان حاول الوصول للحقيقة لكن ما له منفذ لها، حتى أنت برضه ما تضخم هي الفكرة. نعم.

قال: وإذا اختلفوا في تأويل بعض التوراة والإنجيل، فمن قصد الحق واجتهد في طلبه لم يجب أن يعذب، وإن كان مخطئاً للحق جاهلاً به ضالاً عنه، كان مجتهداً في طالب الحق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا، فاذا قيل إن الحواريين أو بع أو بعضهم أو كثير من أهل الكتاب أو أكثرهم كانوا يعتقدون أن المسيح نفسه صلب، كانوا مخطئين في ذلك، ولم يكن هذا الخطا مما يخدع في إيمانهم بالمسيح إذا آمنوا بما جاؤوه به.

جميل، شايف يعني النصارى الذين يعتقدون بعد وفاة عيسى ابن مريم، النصارى اللي فعلاً اقتنعوا بفكرة أن المسيح صلب، بس هو كان على دين المسيح ولم يحرف، ومات قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، بس كان معتقد أنه فعلاً المسيح صلب، ولك هو معذور عند الله لأنه هيك بلغه بس هو ومات قبل محمد صلى الله عليه وسلم، بقول لك: هذا اللي بلغوا ايش يسوي لك؟ نعم.

قال: ولا يوجب لهم النار، فإن الاناجيل التي بايدي أهل التي بايدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح وعندهم... كل الأناجيل اللي وصلته كلها فيها البكاء على المسيح، شو يسوي لك هذا الذي فهمه هذا الذي اعتقده؟ نعم. قالوا: وعندهم أنها مأخوذة من عن أربعة مرقس.

ولوقا ويوحنا ومتى ولم يكن في الأربعة من شهد صلب المسيح ولا من الحواريين، بل ولا في اتباعه من شهد صلبه. وإنما الذين شهدوا الصلب طائفة اليهود، فمن الناس من يقول إنهم علموا أن المصلوب غيره وتعمدوا الكذب في أنهم صلبوه، وشبه صلبه على من أخبروهم، وهذا قول طائفة من أهل الكلام معتزلة وغيرهم، وهذا قول ابن حزم وغيرهم.

ومنهم من يقول بل اشتبه على الذين صلبوه، وهو قول أكثر الناس. والأولون يقولون إن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: 157] من الناس من يقول إن اليهود علموا أن المصلوب ليس المسيح وتعمدوا الكذب لما طلعوا من الغرفة، وبالتالي انتشرت القضية. القول الثاني لا، إنه اليهود أنفسهم لا، هم ظنوا فعلا أنهم صلبوا المسيح وأن شبه عليهم، وهكذا الوارد في القرآن: شبه. فالآن هل اليهود هم عرفوا أنهم ما صلبوا المسيح بس طلعوا بروباجاندا معينه أنهم صلبنا المسيح تمام؟ كيف اليوم يجي أنهم بيعرفوا اليهود أنهم ما قتلوا أحد القيادات بس طلعوا أنه نحن قتلناه بس أنه ما قتلناه؟ يعني هيك الفكرة؟ أولا هم أيضا فعلا أنهم قتلوه وهو مثلا ما كان هو نعم.

قال: والأولون يقولون إن قوله هو ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، أي شبه للناس الذين أخبرهم ولكن بشبه، والجمهور يقولون بل شبه للذين صلبوه كما قد ذكر. فالجمهور لا، إن فعلا اليهود هم اقتنعوا أنهم صلبوا المسيح هكذا ظنوا اليهود أنفسهم نعم.

قال كما قد ذكرت القصة في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أن الناس في هذا المقام على طرفين وسط. أما الطرف الواحد فهم الغلاة من النصارى الذين يدعون أن الحواريين كانوا معصومين فيما يقولونه ويرونه وكذلك يقولون بالتصويب لعلماء النصارى فيما تقولونه من تأويل الإنجيل. والطرف الآخر يقول بل كل من غلط وأخطأ في شيء من ذلك فانه مستحق المعيد بالكافر. والثالث وسط فإنهم لا يعصمون ولا يؤثمون، بل قد يكونون مخطئين خطأ مغفورا لهم إذا كانوا مجتهدين في طلب الحق واتباعه بحسب وسعهم وطاقتهم.

وعلى هذا تدل الأدلة الصحيحة، وكتب الله تدل على ذم الضال والجاحظ ومقته مع أنه لا يعاقب إلا بعد إنذاره. وقد ثبت في الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فما قتلهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» فأخبر أنه ما قتلهم إلا هؤلاء البقايا. بقتهم يعني أبغضهم نعم.

قالوا المقت هو البغض بل أشد البغض. ومع هذا مع أنه مقتهم لكن لم يعذبهم حتى بعث إليهم رسولا، مع أنه مقتهم لكنه ماذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]. يعني حتى وأنا أمقتكم على أفعالكم لكن لن أعذبكم أيها البشر حتى تقوم عليكم الرسالة أو الحجة الرسالية نعم.

قال فدل ذلك على أن المقتضي إلى عذابهم قائم ولكن شرط العذاب هو بلوغ الرسالة، لهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل كتبه». وفي رواية: «من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين وما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وما أحد أغير من الله ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».

وقد تنازع الناس في حسن الأفعال وقبحها كحسن العدل والتوحيد والصدق وقبح الظلم والشرك والكذب: هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالسمع؟ وإذا قيل إنه يعلم بالعقل فهل يعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه الرسول؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم. وثلاثة أقوال أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. طبعا هي أقوال المعتزلة واللاشاعرة وأهل الحديث عموما يعني نعم.

فقال الطائفة: لا يعرف ذلك إلا بالشرع، ولا بالعقل إلا بالشرع ولا بالعقل وهذا قول نظار الجبرية. الجبرية هم الذين يقولون إن حسن الأشياء وقبحها لا يعرف إلا من خلال النص تمام، لا يعرف إلا من خلال النص. طبعا المراد حتى أكون دقيق القبح الشرعي والحسن الشرعي اه ركز، لأنه إنه أحد بعض الشباب يفهم قول الأشاعرة خطأ أيضا، أن الأشاعرة يقولون أن الزنا لا يمكن أن يدرك حسنه إلا بالشرع. هو أنت ما معنى قوله أن الحسن الشرعي؟ لكن هل الطبع لا ينفر من الزنا؟ لا، هم يعرفون ذلك أن كلمة الحسن والقبح لها عدة إطلاقات. فالخلاف هو في منطقة الاتفاق، أنه الحسن بمعنى ملائمة الطبع والقبح بمعنى مخالفة الطبع هذا الكل متفق عليه أن العقل يدركه. الحسن بمعنى ملائمة الطبع والقبح بمعنى أنه ينافر الطبع والمشاعر والأحاسيس هذا الكل متفق أن العقل يدركه، والنقاش في ايش إخواني؟ في الحسن الشرعي، الحسن الذي يرتضيه الشرع والقبح الذي لا يرتضيه الشرع، فهذا الذي هو محل النقاش بيننا وبين الأشاعرة والمعتزلة.

القول الأول قول الجبرية وهم الجهم بن صفوان وبعد ذلك الأشاعرة، أن الحسن الشرعي لا يدرك إلا بالشرع يعني لازم يجي نص فيه، والقبح الشرعي لا يدرك إلا بالنص وليس للعقل فيه مدخل. الكلام عن هذا الباب تفضل شيخنا موضوع الطبع مش هو نفسه الحسن العقلي الذي يقول به المعتزله صح؟ نعم لا مخف آه طبعا، لأنه الذي يقول عنه المعتزلة الذي أنه يدرك بالعقل الحسن الشرعي أنه يرتبون عليه أحكام. المعتزلة هم يقولون الحسن يدرك ويترتب عليها أحكام وأنك مطالب بها ولو لم ياتك نص. إذن هم ما بيتكلموا فقط، تجاوزوا نقطة الحسن الطبعي إلى الحسن الشرعي، صرت أنت تحاسبني على ما أدركه هي منطقة النقاش نعم.

قال الحسن الشرعي وأتباعه أصحاب القاضي أبو بكر بن الطيب وأبي عبد الله بن حامد والقاضي يعلى وأبي المعاني وابن عقيل وغيرهم. وقيل لاحظ أبو يعلى حنبلي وابن عقيل لحنبلي بس يميلون لهذا الرأي. قال وقيل بل قد يعلم حسن الأفعال وقبحها بالعقل. قال ابن الخطاب محفوظ عن أحمد، محفوظ بن أحمد وهذا قول أكثر فقهاء المتكلمين وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة نفسه، وعليه عامة أصحابه وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث كأبي حسن التميمي والخطابي وأبي بكر القفال وابنصر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وهو قول الكرماني وغيره من المثبتة للقدر وهو قول معتزلة وغيره من القدرية. ثم هؤلاء الآن الطرف الآخر الذي يقول لا إن حسن الأفعال وقبحها شرعا الحسن الشرعي أو القبح الشرعي يدرك بالعقل، لكن هل تترتب عليه أحكام؟ فماذا قال؟ ثم هؤلاء على قولين نعم.

منهم من يقول يستحقون عذاب الآخرة بمجرد مخالفتهم العقل كقول المعتزلة والحنفية والخطابية. وقول هؤلاء مخالف للكتاب والسنة، إيش هو الآن؟ الآن الآن نحن هذا الحديث مع المعتزلة متفقين أن الحسن الشرعي والقبح الشرعي يدرك بالعقل في كثير من الأمور خلينا نقول، لكن شو الفرق بينا وبين المعتزله؟ أنه نحن نعم نقول هذا الأمر يصلح شرعا أن يأمر الله به وهذا الأمر يحسن يقبح لكن لا نبني عليه أحكام، يعني لا نقول إنه يلا خلص نزل الحكم حتى تاتي الشرائع. أما المعتزلة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إذا أدرك العقل أن هذا الأمر يحسن أن يأمر الله به صار لازم تعمل وتأثم إذا لم تعمله. قضية أنه آثم إذا ما أعمله لا هنا أهل الحديث وقفوا أهل السنة هلا نحن ما بنوصل لمرحله أن ننزل حكم أنه أنت آثم إذا لم تعمل، أنا أستطيع أقول أن العقل يدرك أن هذا الأمر يحسن شرعا أن يأمر الله به وهذا الأمر يقبح شرعا أن يأمر الله به لكن لا أبني على ذلك تأثيم من فعل ومن لم يفعل لا أبني على ذلك نعم تفضل.

شيخنا الآن الفرق في الثمرة بين أهل السنة والمعتزلة قضية ماذا تعتب عليه هو مبني، أظن سمعت أنه هو مبني على الفرق أصلا في في تصور المسألة يقولون أن العقل يدرك يعني حسنها في الجمله والتفصيل فلذلك يرتبون الأحكام، أما أهل السنة لا يقول إن العقل يدرك جميع تفصيلات المصالح والمفاسد التي موجوده في الفعل نقدا. أنا ما أعتقد أن هذا هو يعني الشيء الوحيد يعني هي مش قضية التفصيل مش التفصيل، أنا أعتقد أن لب الخلاف هو ترتيب العقاب، يعني ترتيب الأحكام، ترتيب الجزاء خلينا نقول جزاء ثوابا أو عقابا. ترتيب الجزاء على إدراكات العقل هي نقطة الخلاف بينا وبينهم، أنه أنت عم بترتب الجزاء على إدراكات العقل ولو لم يأت رسول.

فاذا العقل في زمن الفترات عند المعتزلة في زمان الفترات خلص العقل يستطيع أن يدرك حسن الأشياء وقبحها وسترتب الأحكام الجزائية. أما أهل الحديث يقول لك لا أنا صح العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها شرعا بمعنى أن يعرف أن هذا يحسن أن يؤمر لكن لا تترتب الأحكام الجزائية. الآن قوم المعتزلة يتوسعون في التفاصيل هذه قضية أخرى ليست هي الأساس، الإشكال والله أعلم والله أعلم نعم.

قال ومنهم من يقول بل لا يعذبون حتى يبعث إليهم الرسول كما دل عليه الكتاب والسنة، ولكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوته يذمها الله يبغضونها ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله يبغضه، وإن كانوا لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعني مثلا نحن بالنسبة لنا اللي كانوا في أزمنة الفترات بنسميهم كفار نعم لأنني أعرف أن أفعالهم ممقوتة عند الله سبحانه وتعالى بس ما بنزل عليه عقاب، ما بقدر أنزل عليه العقاب لأنه لم تصل إليه الحجة الرسالية عرفت هذا البعد بيننا وبين المعتزلة نعم.

قال كما تقدم أ توفيقش قال كما تقدم أن الله نظر إلى أهل الأرض فما قتلهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وأن ربي قال لي قم قم في قريش فأنذرهم. قلت: إذن يفلق رأس حتى يدعوه خبزة. قال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقراه نائما ويقظانا فابعث جندا ابعث ابعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك بمن عصاك وأنفق أنفق عليك. وقال: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتلتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا، وأحلت لهم ما وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بما لم أنزل به سلطانا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية «على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها. قيل يا رسول الله رايت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

ومع ما أقتى لهم فقد أخبر أنه لم يكن لعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا وهذا يدل على إبطال قول من قال إنهم لم يكونوا مسيئين ولا مرتكبين لقبيح حتى جاء السمع، وقول من قال إنهم كانوا معذبين بدون سمع، أما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقول قدرية وأما لوحد المشيئة كما يقولون مجبرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 47].

فذا يبين أنه لم يكن يعذب الكفار حتى بث من رسوله، وبين أنهم كانوا قبل الرسول قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم عند الله وهي سبب للعذاب، لكن لم يحصل إيش شرط العذاب وهو قيام الحجة عليهم بالرسالة. هذا الفرق بيننا وبين المعتزلة في مسألة التحسين والتقبيح العقلي هذا كلام جيد هنا في توضيح المسألة.

فصل مما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثاله من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاث أشياء ما أسباب الضلال عموما؟ الآن هذا كلام جميل في ما أسباب الضلال عموما حتى في الفرق الإسلامية أولا.

قال: أحدها ألفاظ متشابهة مجمله مشكلة منقولة عن الأنبياء عدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمه ويتمسكوا بها هم كلما سمعوا لفظا فيه لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليل على ذلك ولا الفق. زي كلمة كلمة الله وروح القدس الكلمات المنقوله حملوها متشابه يعني لها أكثر ممكن من معنى هم يؤسرونها بما يهونه نعم.

قال ويتركون الألفاظ المحكمة والعقائد الواضحة نعم.

قال والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك أما أن يفوضوها واما أن يتولوها كما يصنع أهل الضلال، يتبعون متشابه من الأدلة العقلية والسمعية ويعدلون عن المحكم الصريحة من قسمين.

قال والثاني خوارق وظنوه آيات وهي من أحوال الشياطين، وهذا مما ظل به كثير من ضلال المشركين وغيرهم مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكريم للناس، ومثل إخوان الشياطين الكهان بأمور غائبة ولا بد لهم مع ذلك من كذب، ومثل تصرفات تقع من الشياطين إذا المبالغه في موضوع الخوارق هذا أيضا يسبب ضلال خاصة عند الشيعة والصوفية اليوم، المبالغة في موضوع الخوارق وأنها تعكس حالة عقدية أو فكرية، لا الخوارق ليست شيء تستحق المبالغة فيها، كرامات الأولياء وكرامات سيدنا الشيخ وما.

الثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقاً وهي كذب. وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح، ولا آية من آيات الأنبياء. بل إن تكلموا بمعقول؛ إن تكلموا بألفاظ متشابهة مجملة؛ فإذا استفسروا عن معاني تلك الكلمات، أُفرّق بين حقها وباطلها، تبيّن ما فيها من التلبيس بين التلبيس والاشتباه.

وإن كان بمعقول، فإما أن يكون صحيحاً لكن لا يدل على باطله، وإما أن يكون غير صحيح ثابت بالمكتوب. وكل ما يذكرونه من خوارق العادات؛ إما أن يكون صحيحاً فقد ظهر على يد النبي، كمعجزات المسيح ومن قبله كإلياس واليسع وغيرهما من الأنبياء، وكمعجزات موسى صلى الله عليه وسلم، فهذه حق.

وإما أن تكون قد ظهرت على يد بعض الصالحين كالحواريين، وذلك لا يستلزم أن يكونوا معصومين كالأنبياء؛ فإن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه، لا يتصور أن يقولوا على الله إلا الحق، ولا يستقروا في كلامه الباطل لا عمداً ولا خطأً. أما الصالحون فقد يغلط أحدهم ويخطئ، مع ظهور الخوارق على يديه، وذلك لا يخرجه عن كونه رجلاً صالحاً، ولا يجب أن يكون معصوماً إذا كان هو لم يدع العصمة ولم يأتِ بالآية الدالة على ذلك.

ولو ادعى العصمة وليس بنبي لكان كاذباً، لابد أن يظهر كذبه فتقترن به الشياطين فتضله، ويدخل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222]. والنصارى عندهم منقول في الأناجيل أن الذي صلب ودفن في القبر رآه بعد حواريين وغيرهم بعد أن دفن قام من قبره، رأوه مرة مرتين أو ثلاثة، وأراهم موضع المسامير وقال: أَتظن أني شيطان؟! وهذا إذا كان صحيحاً فذاك شيطان ادعى أنه المسيح، والتبس على أولئك المفكرين؛ مش الشيطان، لو الشيطان جاء هؤلاء الحواريين إذا صُحّ أنه هو المسيح. نعم، قال: مثل هذا قد جرى لخلق كثير في زماننا وقبل زماننا.

كان ناس كانوا بتدمر؛ فرأوا شخصاً عظيماً طائراً في الهواء، وظهر لهم مرات بأنواع من اللباس، وقال لهم: أنا المسيح ابن مريم، وأمرهم بأمور يمتنع أن يأمر بها المسيح عليه السلام. وحضروا إلى عند الناس وبينوا لهم أن ذلك هو شيطان أراد أن يضلهم.

واخرون يأتي أحدهم إلى قبر من يعظمه، يحسن به ويحسن به الظن من الصالحين وغيرهم؛ وتارة يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان على صوت ذلك الرجل، وتارة يرى ذلك الإنسان قد دخل في القبر، وتارة يراه إما راكباً إما ماشياً داخل مكان ذلك الميت كالقبة المبنية على القبر، وتارة يراه خارجاً من ذلك المكان، ويظن أن ذلك هو ذلك الرجل الصالح. وقد يظن أن قوماً استغاثوا به فذهب إليهم، ويكون ذلك شيطاناً يتصور بصورته، وهذا جرى لغير واحد ممن أعرفهم.

وتارة يستغيث أقوام بشخص يحسنون به الظن، إما ميتاً إما غائباً، فيرونه بعيونهم قد جاء، وقد يكلمهم، وقد يقضي بعض حاجاتهم، فيظنونه ذلك الشخص الميت، وإنما هو شيطان زعم أنه هو وليس هو إياه. وكثيرًا ما يأتي الشخص بعد الموت في صوت الميت، فيحدث ويقضي ديوناً ويرد ودائع ويخبرهم عن الموتى، ويظنون أنه هو الميت نفسه قد جاء إليهم، وإنما هو شيطان تصور بصورته، وهذا كثير جداً لا سيما في بلاد الشرك وبلاد الهند ونحوها.

ومن هؤلاء من يراه ابنه تحت سريره آخذاً بيد أبنه في الجنازة، ومنهم من يقول: إذا مت فلا تدع أحداً يغسلني، فأنا آتي من هذه الناحية وأغسل نفسي، فياتي بعد الموت شخص في الهواء على صورته يغسله، هو الذي أوصاه، ويظن ذلك أنه جاءه، وإنما هو الشيطان يتصور بصورته.

قالت: وتارة يرى أحدهم شخصاً، إما طائراً في الهواء وإما عظيم الخلقة وإما أن يخبره بأشياء غيبة ونحو ذلك ويقول له: أنا الخضر، ويكون ذلك شيطاناً كذب على ذلك الشخص. وقد يكون الرائي من أهل الدين والزهد والعبادة، وقد جرى هذا لغير واحد.

هي قضية الرؤى أيضاً والتوسع فيها حقيقة مشكلة كبيرة عند كثير من الناس؛ لا تبني أحكامك في حياتك على الرؤى، يعني الرؤى يُستأنس به إشارة للمؤمن من البشائر ممكن تكون هي بعض الرسائل، لكن العقائد والافكار والتصورات لا تبنى على الرؤى.

وتارة يرى عند قبر نبي وغيره أن الميت قد خرج إما من حجرته وإما من قبره، وعانق ذلك الزائر وسلم عليه، ويكون شيطاناً تصور بصورته. وتارة من يجئ إلى عند قبر ذلك الشخص فيستأذنه في أشياء ويسأل عن الأمور، فيخاطبه شخص يراه أو يسمع صوته ولا يرى شخصاً، ويكون ذلك شيطاناً أضله.

وقد يرى أشخاصاً في اليقظة؛ إما ركباناً وإما غير ركبان، ويقولون: هذا فلان النبي، إما إراهيم وإما المسيح وإما محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا فلان الصديق؛ إما أبو بكر وإما عمر وإما بعض الحواريين. وهذا فلان لبعض من يعتقد فيه الصلاح؛ إما جرجس أو غيره ممن تعظمه النصارى، وإما بعض الشيوخ، ويكون ذلك شيطاناً ادعى أنه ذلك النبي أو ذلك شيخه أو صديقه القديس.

مثل هذا يجري كثير للمشركين والنصارى وكثير من المسلمين؛ يرى أحدهم شيخاً يحسن به ظناً ويقول: أنا الشيخ فلان، ويكون شيطاناً. وأعرف من هذا الشيء كثيراً، وأعرف غير واحد ممن يستغيث بعض الشيوخ الغيب والموتى يراه قد أتاه فقَبَّلَهُ وعانقه.

وقد جرى مثل هذا لي ولغير من أعرفه؛ ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه راني قد جئته، ومنهم من قال: رايتك في كذا وكذا. واحد شاف ابن تيمية في المنام، يقول لك: حتى أنا يا ابن تيمية صار هذا وجاني واحد قال لي: أنا شفتك في المنام أتيتني وساعدتني. نعم، ممكن قصد مش قال هذا رأي حقيقي، مش يقول مثلاً مد يده سنة أو أعان، ولكن يكون شيطان فعل ذلك.

يقول: وقد جرت هذا لي ولغيري، قد ذكر غير واحد واستغاث بي من بلاد بعيدة، وأنه راني قد جئته، منهم من قال: رأيتك في ثيابك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال غير ذلك. فأخبرتهم أني لم أغثهم، وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله. وكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به ظناً، فراه قد جاء وقضى حاجته، قال صاحبه: وأنا لا أعلم ذلك.

ومن هؤلاء الشيوخ من يقول إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه، تكون الشياطين أسمعت صوتاً يشبه صوت المستغيث به، فأجاب الشيخ بصوته، فأسمعت المستغيث صوتاً يشبه صوت الشيخ فيظن أنه صوت الشيخ، وهذا جرى لمن عرفه وأخبر بذلك نفسه، وقال: بقي الجني الذي يحدثني يبلغني مثل صوتي للمستغيثين بي، ويبلغه مثل صوتي، ويرينيفي شيء أبيض نظير ما أسأل عنه فأخبر به الناس أني رأيته وأنه سياتي ولا أكون قد رأيته، وإنما رأيته شبيهه.

هكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم، وهكذا وكذلك ما رآه قسطنطين من الصليب الذي رآه من النجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى وهو مما مثلته الشياطين وأرتهم ذلك لتضلهم به، كما فعلت الشياطين وما هو أعظم من ذلك عباد الأوثان.

قسطنطين اللي هو زعيم الروم الذي دخل في الديانة المسيحية، لأنهم كانوا وثنيين الروم قبل دخولهم في الديانة المسيحية على يد قسطنطين.

قال: وكذلك من ذكر المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه، كما يذكر عن بولس، فإنه إن كان صادقاً كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال إنه المسيح شيطاناً من الشياطين، كما جرى مثل ذلك لغير واحد. والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه، فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده وينقله إلى ما يستجيب له فيه بحسب اعتقادهم. ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس أو بصورة ما يستغيث به النصارى من أكابر دينهم، أما بعض البطاركة وأما بعض المطارنة وأما بعض الرهبان.

وهذا كثير ما سبحان الله حتى في بين الجماعات الإسلامية؛ شاب يقولك لأحد المشايخ إنه والله يعني شخص أشعري يرى رجلاً من أهل الحديث بصورة غير هذا، فيقول لطلابه: والله رايت ذاك الرجل من أهل الحديث على كذا وكذا وعلى سوء، ويكون شخص بهذا الحديث بيتكلم عن شخص أشعري وترى، شفت اليوم في المنام ذلك الرجل على سوء وما شابه ذلك، الشيطان يتلاعب تماماً، الشيطان يتلاعب بكل الجماعات.

فيأتي لشيخ الجماعة هذه فيريه شيخ الجماعة الأخرى على سوء فيحذر تلاميذه، يقول لهم: ترى والله رايته، يكون صادق الشيخ هذا يعني جيد هو، لكن هو الشيطان تلاعب به في المنام فجعله يرى الطائفة الأخرى أنها على سوء وعلى ضلال وعلى ما شابه ذلك، والعكس شيخ الطائفة الثانية يقول: ترى شفت في المنام الطائفة الأخرى يحصل فيها كذا وكذا وكذا.

وهذا مما يستقوي به الشيطان لإضلال النفوس وابعادها عن مواطن الحق، فبدك تنتبه؛ الشيطان كما يقول لك ابن تيمية يلعب في الرؤى لعب الشيطان، يلعب في الرؤى لعب كبير جداً لإضلال الناس. إحدى مساحات عمل إبليس استعمال الرؤى؛ لأنه يعرف أن كثير من الجفال يعتمدون الرؤى مسلكاً للحياة وهذا خطأ.

حتى في قصة معاصرة جداً القصة المشهورة من الرجل المهدوية وكذا، فكان يمر على في الصحراء فتاتي الطيور تسلم عليه تقول: السلام عليك أيها المهدي. الطيور تاتي الناس موجودة حيسمعون.

فذاك سحنون؛ الإمام سحنون المالكي جاء رجل فقال: إني رايتك تعذب في النار، أنا قلت لك إياها مرة، الإمام سحنون مالك جاء واحد من تلاميذه، قال: والله يا شيخ شفتك تعذب في النار. طبعا هو جاءت في قصة ذكرها القاضي العياض في ترتيب المدارك في أصحاب مالك. فجاء فاستحى، طبعا قال: أري أن أكلمك والله لا أقوى أن أتكلم به، فقال له الإمام سحنون: احكي لي شو شفت؟ قال: رايتك تعذب في نهر جهنم.

فسحنون قال: تعال، الشيطان يريد أن يصدك عن مجلسه، قالوا: تعال معي سنذهب أنا وأياك إلى النصارى. قال: فأخذت عند النصارى فقلت لهم: كيف ترون رهبانكم الذين ماتوا يعني مشايخكم الذين ماتوا؟ قلنا: نراهم يتنعمون في قبورهم. قال لهم: شايف؟ الشيطان يري النصارى أن رهبانهم وأحبارهم ينعمون في القبور ليضلهم ويقنعهم أنه شايفين أنتم على حق، ويري الرجل الفاضل مشايخه وأهل صلاحه على فساد أو على صورة خبيثة ليقنعه بأنك أنت ماشي مع ناس فاسدة.

شوف كيف التلاعب خطيرة الرؤى، والمشكلة بعض الناس يبني عليها زي ما قال لي والي شافوا أنه المهدي وعملوا دخلوا الحرم ومن شاب من الرؤى عملوا أنه مهدي وبايعوه وكذا، وآخِر مهدي ولا شجرة وراحت فيها طلاب علم وراح فيها مشايخ وراح فيها كذا؛ الشيطان يعرف كيف يتعامل انتبه.

قال: ويتمثل من استغاث من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ، كما تمثل لجماعة من أعرفهم في صورتي وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا لذلك، ويتمثل كثير في صورة بعض الموتى تارة أن يقول: أنا الشيخ عبد القادر، وتارة يقول: الشيخ أبو الحجاج الأقصري، وتارة يقول: أنا الشيخ عدي، وتارة يقول: أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول: أنا أبو مدين المغربي، وإذا كان يقول إن المسيح إbrahim أو محمد فغيره بطريقة أولى إذا كان يدعي أنه النبي الشيطان في النوم، فما بالك يدعي أنه طيب!

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من راني في المنام فقد راني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صوته»، وفي رواية: «في صورة الأنبياء». فرؤيا الأنبياء في منام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته.

بعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، بعضهم يقول هي رقيقته، وكثير من هؤلاء يرى يقوم من مكانه ويدعو في مكانه صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يرى في مكانين ويرى واقباً بعرفات وفي بلده لم يذهب، فبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين؛ فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في وقت الواحد في مكانين، والصادقون قد راوا ذلك عياناً لا يشكون فيه.

ولهذا يقع النزاع كثيراً بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة؛ هذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك مرئياً كان جنياً تمثل في صورة الإنسان وحساسيته إن لم يمكن مع أن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها ولا وقع فيها غرض كثير، وهذا القسم مشهود. والحساسيات يعني الأشياء التي تدركها بالحس إذا ما فكرت فيها بعقلك راح تضيع معها ممكن فيها تلبيس.

نعم، وهذا القسم المشهود قال: وهذا القسم المشهود في الخارج غير ما يتخيله الإنسان في نفسه؛ فإن هذا يعرفه جميع الناس فيقر به جميع العقلاء، يتخيلون أشياء في أنفسهم كما يتخيل النائم في منامه تكون تلك الصورة موجودة في الخيال في الخارج.

الخيال هذا شيء آخر؛ يعني يقول لك كل الناس تعرف أنه في شيء اسمه خيال، أنا بقول لك عن شيء موجود في الحس؛ أن الجني يأتي على صورة شيخ وممكن هذا يتكلمك ويحاورك.

قال والفلاسفة وسائر العقلاء وسائر العقلاء يعترفون بهذا، لكن كثير من فلاسفته يظن أن ما راته الأنبياء من ملائكته وما

نعم، لذلك احنا قلنا الفارابي ماذا كان يعتقد؟ حكيناها في دورة مدارس، أن الفارابي كان يعتقد أن ما يحصل للنبي إنما هو تهيؤ وتخيل، وأن النبوة هي حسن جودة التخيل، ولا يوجد ملك حقيقي نزل. هكذا كان يعتقد الفلاسفة أن النبوة خيال.

قال: ويظنون أن ما يرى من الجن هو من هذا النوع، وهؤلاء جهال غالطون في هذا، كما جهلوا وغلطوا في ظنهم أن خوارق العادات سببها قوة نفسانية أو طبيعية أو قوة فلكية، وأن الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم والساحر إنما هو حسن قصد هذا وفساد قصد هذا، وإلا فكلاهما خوارقه سببها قوة نفسانية أو فلكية. وهذا النفي باطل، كما قد بسطنا الكلام عليه وبينا جهله وضلالهم في غير هذا الموضوع. قالوا: الذين شاهدوا ذلك في الخارج وثبت عندهم الأخبار صدقته ومتواتره وغيره، متواتر وجود ذلك في الخارج، يعلمون أن هؤلاء الجاهلون الضالون، فيعلمون أن الملائكة قد تظهر في صورة البشر؛ كما ظهرت لإبراهيم ولوط ومريم في صورة البشر، وكما كان جبريل يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم -تعرف- في صورة دحية الكلبي وتارة في صورة عربي يراه كثير من الناس عيانا، وما في خيال الإنسان لا يراه غيره، وكذلك الشياطين كما ظهر ابن...

يعني الدليل أن الملائكة موجودة أنه تم رؤيتها على صورتها البشرية، ولو كانت النبوة مجرد خيالات وما في شيء اسمه ملائكة لكان هذا فقط شيء في عقل النبي، لكن لما الملائكة -الدليل أنهم موجودون- أنهم رؤوا على صورة البشر، وعذبوا أقواما، وجاءوا إبراهيم ولوط، وما شاف ذلك، إذا النبوة مش خيال أنه شاف نبي في، إنه مش خيال أنه شاف ملك، الملك شيء موجود.

نعم قال: وكذلك الشياطين كما ظهر إبليس للمشركين في صورة... كما كذلك الشياطين مخلوقات موجودة ما بتقدر تحكي أنها تخيلات، أنه بتتخيل شيطان بس ما في شي في الواقع اسمه شيطان، هذه مشكلة الفلاسفة.

نعم قال: وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما رأى الملائكة هرب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 48]. عن ابن عباس وغيره قال: تبدى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال مدلج والشيطان في صورة رجال من قبيلة مدلج إحدى القبائل العربية.

نعم قال: شيطان في صورة ابن مالك بن جعشم. قال الضحاك: صار الشيطان معهم برايته وجنوده، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دينكم ودين آبائكم. كثير الشيطان كان حاضر إذا هو شيء موجود. قال الضحاك: صار الشيطان مع براية وجنوده...

تحمل الجن إلى مكان بعيد، وتحمل كثيرا من الناس إلى عرفات وغير عرفات، وإذا رؤي واحد من هؤلاء في غير بلده يكون تارة مخدوعا قد حملت الجن، وتاره قد تصورت على صورته. ولا يكون هذا من أولياء إلا المتقين الذين لهم كرامات، وقد يكون من الكافرين أو الفاسقين، وأعرف من ذلك قضايا كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها. وعند المشركين والنصارى من ذلك شيء كثير يظنونهم جنس آيات الأنبياء، وإنما هي من جنس مال السحرة والكهان؛ ما لم يفرق بين الرحمن والشيطان، ويفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين وبين خوارق السحرة ومن تقترن بهم الشياطين، التبس عليه الحق بالباطل؛ فإما أن يكذب بالحق الذي جاء به الأنبياء الصادقون، وإما أن يصدق بالباطل الذي يقول الكاذبون والغالطون. إذا هذه مواطن فيها لبس.

نعم قال: وهذه الأمور مبسوطه في موضع آخر، المقصود هنا تنبيه على هذا الرصد. وعلماء النصارى يسلمون هذا، وعندهم من ذلك أخبار كثيرة من حكايات أولياء الشيطان الذين عارضوا أولياء الرحمن وأبطلوا أحوالهم؛ كما أبطل موسى صلوات الله عليه ما عارضت به السحرة من الخوارق، كما ذكر ذلك في التوراة، وكما يذكرونه هم عن فلان وفلان مثل حكاية سيمون الساحر مع الحواريين وغير ذلك.

قال: فاذا كان هذا معلوما، كان ما يذكرونه من هذا الجنس إذا كان مخالفا لما ثبت عن الأنبياء من الشيطان، فلا يجوز أن يحتج به على ما يخالف شرائع انبياء ثبت عنهم، بل هؤلاء من جنس الدجال الكبير الذي أنذرت به الأنبياء كلهم حتى نوح أنذره قومه، وقال خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا قد أنذره أمته، حتى نوح أنذره قومه، وسأقول لكم فيه قولا لم قاله نبي لأمته: إنه أعور، وأن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ». وقال: «واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت».

طيب، وقد... أن المسيح عيسى ابن مريم مسيح الهدى ينزل إلى الأرض على مناره بيضاء شرقية دمشق فيقتل مسيح الضلالة، وهذا هو الذي تنتظره اليهود ويجحدون المسيح عيسى بن مريم ويقولون: هو هذا هو الذي بشرت به الأنبياء، ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفا مطيلسون، ويقتلهم المسلمون مع عيسى بن مريم شر قتلة حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي تعال اقتله. وكل هذا ثابت في صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهذا إذا هو جعل هذا الحديث -حديث هذا يهودي ورائي تعال فاقتل- أو أورده هنا في اليهود الذين يتبعون المسيح الدجال -عالم النورد هذا في أن أنتم شرقي النهر وهم غربي في قتال معركة بينه وبين اليهود- لكن هنا ابن تيمية أتى أن الشجر والحجر لما تقول: هذا يهودي تعال فاقتله أن هذا في اليهود الذين يتبعون المسيح الدجال آخر الزمان.

نعم هذا لا ينفي طبعا أنه لا ترد في حالة أخرى أيضا لما نقول: شرقية ميم غربية، لكن تحتاج إلى تتبع الحديث أصلا. الشيخ توفي لما تتبع رواية هذا الحديث، نعم قال: الحديث كله صحيح إلا هذا الزيادة، قال: زيادة أنتم مشارقهم ومغاربتهم مش موجودة إلا في رواية واحدة من كل الطرق، هذا أصلا ضعيفة.

راحت علينا، احنا معودين على تمام وانه ولكن هذول اليهود اللي سيدنا عيسى سيقتل مسيح الدجال هناك بس سبعون ألف اللي اجو من أصفهان مين سيقتلهم؟ آه وهنا سيقود الحجر والشجر هذا وراءه تعال فاقتله. سيحصل المقدسة.

ما في مشكله، بس أنا كنت بتقول للحديث المشهور أنه عاده يقال أنه هي قضيه أخرى، هذه هي مسألة وقضية أنهم شرقيناهم غربيه هذه لحديث آخر أو رواية أخرى يستدل بها البعض عرفت، لكن زي ما تفضل أخونا يعني هذه زيادة شرق النهر ومغربية فيها نظر.

نعم قال: وكل هذا ثابت صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك أنا يعني دائما لا أفضل الناس تبقى تعيش حياتها وفق يعني تطلعات إنزال أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على الواقع، خاصة أنه في بعض الأحاديث أصلا في بعض ألفاظها نظر، فانت ما تبني تظل حياة، اعمل وفق القواعد الشرعية الثابتة الكلية القطعية، ما تبقى تعيش أحلام.

نعم قال: ولهذا أمر أمته أن يستعيذوا بالله من فتنته، فقال: «إذا قعد أحدكم في التشهد فليتعوذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال».

والأنبياء كلهم أنذروا بالكذابين الذين يشبهون بالأنبياء، لكن من الناس من يتعمد الكذب، وكثير منهم لا يتعمد، بل يلتبس عليه فيغلط فيخبر بما يظنه حقا ولا يكون كذلك، ويرى في اليقظة ما يظنه فلان الولي أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الخضر ولا يكون كذلك. والغلط جائز على كل أحد إلا الأنبياء عليهم السلام، فإنهم معصومون لا يقرون على خطأ، فمن لم يزن علومه وأعماله وأقواله وأفعاله بالمعلوم عن الأنبياء إلا كانت ضالة؛ فنسال الله العظيم -من لم يزن علومه وأعماله وأقواله بالموضوع هذاك- هذه هو المنهج العلمي زمزم بالقواعد، فنسال الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم.

طيب، والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على إثبات مسيحين؛ مسيح الهدى هو مسيح عيسى بن مريم، ومسيح الضلال والمسيح الدجال، متفقون على أن مسيح الهدى -ايوه- قالوا: متفقون على أن المسيح الهدى سوف يأتي كما يأتي المسيح الضلالة، لكن المسلمون والنصارى يقول: المسيح الهدى هو عيسى ابن مريم أن الله ارسله ثم يأتي مرة ثانيه، لكن المسلمون يقولون إنه ينزل قبل يوم القيامة فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يبقى دينا إلا دين الإسلام، ويؤمن به أهل الكتاب اليهود والنصارى كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: 159]. والقول الصحيح الذي عليه الجمهور قبل موت المسيح، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لَّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: 61].

وأما النصارى فيظن أنه الله وأنه يأتي يوم القيامة لحساب الخلائق وجزائهم، هذا هذا وهذا. أما النصارى فيظن أنه الله وأنه سياتي يوم القيامة لحساب الخلائق.

طيب قالوا: يهود تعترف بمجيء مسيح هدى يأتي، لكن يظنون أن عيسى عليه السلام لم يكن مسيح هدى لظنهم أنه جاء النصارى مبدل. اليهود عندهم مسيح سيأتي في عقائدهم، لكن مسيحهم هو المسيح الدجال.

طيب قال: فهذا قال من جاء به فهو كذب. هم ينتظرون المسيحين. فصل من الخوارق التي تضل بها الشيطان لبني آدم؛ مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك، ضل بها خلق كثير من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم، وهم بنوا ذلك على مقدمتين:

إحداهما: أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي الله، وبلوغه النصارى هو قديس عظيم، قديس يسمونه أنه أي واحد تطلع على إيديه خارق هو ولي. وقد مر معنا مناقشتها في كتاب الفرقان، أنه مش كل شخص ظهرت على يدي خارق شرط أن يكون وليا.

نعم قال: الثانية أن من يكون كذلك فمعصوم، وكل من يخبر به كل ما يخبر به حق، وكل ما يضربه عدل وكذا. وقد لا يكون ظاهرة هذه خوارق لا رحمانية ولا شيطانية، ولا يقتصرون على الولاية، بل يدعون فيه العصمة.

نعم قال: ولكن صنع حيلة من حيل الكذب والفجور، وحيل الكذب والفجور كثير جدا، فيظن أن ذلك من عجاب خارقة العادة، ولا يكون كذلك؛ مثل الحيلة المذكرة عن الوفان، قد صنف بعض الناس مصنفا في حيل الوفان؛ مثل الحيلة التي ما حكيت عن أحدهم في جعل الماء زيتا، بأن يكون الزيت في جوف المنارة فإذا نقز صب فيها ماء فيطفو الزيت على الماء، فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتا.

قال: مثل حينما حكيت عنهم في ارتفاع النخله -هي ألعاب الخفة يسمونها، نعم- قال: إن بعضهم مر بدير راهبا وأسفل منه نخلة فأراه النخلة صاعدة شيئا فشيئا حتى حالت الدير فأخذ من رطبها ثم نزلت حتى عادت كما كانت، فكشف الرجل حيلته فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض، إذا أرسل إليه عليه الماء امتلا حتى تصعد السفينة، وإذا صار في الماء في موضع آخر هبطت السفينة. ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة، يضعون كحلا في ماء متحرك حركة لطيفة فيزيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج من عينها فيظن أنه دمع. يعني عاملين صورة على الحيط ومرة يطلع من عين كحل أو دموع، وعاملين الحيلة انه كيف المي تمشي من ورا الصورة وتطلع منها.

طيب هذه الحادثة بعد من صورة مريم عليها السلام منذ من عينها سبحان الله.

قال: مثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها الأيقونة بصيد ناية، وهي أعظم مزاراتهم بعد القيامة وبيت لحم حيث ولد المسيح وحيث قبل، فإن هذه هي صورة سيدة مريم وأصلها خشبة نخلة سقيت بالادهان حتى تنعمت وصار دهن يخرج منها دهنا مصنوعا، يظن أنهم بركة الصورة. ومن حيلهم الكثير النار التي يظن عوامها أنها تنزل من السماء في عيدهم في قيامة، وحيلة قد شهد هذا. قيامة اللي هي كنيسة القيامة هذه اللي في مكة.

نعم، وفي القدس.

قالوا: وهي حيلة أنقدها غير واحد من المسلمين والنصارى وراوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم يظنون أنها نزلت من السماء ويتبركون بها، وإنما هي صنعه صاحب محال صاحب محال وتلبيس -يعني صاحب حيل، نعم-.

قال: وثبت ذلك كثير من حيل النصارى، فجميع عند النصارى المبدلين دين المسيح، إما حال شيطاني وإما محال بهتاني، وليس فيه شيء من كرامات الصالحين. وكذلك أهل الإلحاد لدين نبينا لدين محمد صلى الله عليه وسلم الذين يتخذون دينا لم يشرعه الله ورسوله، ويجعلونه طريقا إلى الله، وقد يختارونهم على الطريق التي شرعها الله ورسوله؛ مثل يختار سماع الدفوف والشبابات على سماع كتاب الله، فقد يحصل لأحدهم من الوجد والغرام الشيطانيين ما يلبسه مع ما يلبسه معه الشيطان حتى يتكلم على الإنسان أحدهم بكلام لا يعرف ذلك شخص إذا فق، كما يتكلم الجني على لسان مصروع، وقد يخبر بعض الحاضرين بما في نفسه ويكون ذلك من الشيطان، فاذا فارق الشيطان ذلك الشخص لم يدري ما قال.

ومنهم من يحمل الشيطان ويصعد به قدام الناس في الهواء، ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيموت أو يمض أو يصير مثل الخشبة، ومنهم من يشير إلى بعض الحاضرين فيلبسه شيطان ويزول عقله حتى يبقى دائرا زمانا طويلا بغير اختياره، ومنهم من يدخل النار وأكل منها ويبقى له أبوها في بدنه وشعره، ومنهم من تحضر له الشياطين طعاما أو شيئا من لاد أو سكر أو زعفران أو ماء ورد، ومنهم من تاتيه بدراهم تسرقها.

بالشياطين من بعض المواضع، أما من هؤلاء من إذا فرق الدراهم على الحاضرين أخذت منهم، فلا يمكنون من التصرف فيها إلا أمور يطول وصفها، وآخرون ليس لهم ما يعينهم على ذلك من الشياطين فيصنعون أحياضه ومخارقه. فالملحدون الدين لدين الرسل دين المسيح أو دين محمد صلى الله عليه وسلم هم كأمثالهم من أهل الإلحاد وضلال الكفار مرتدين والمشركين نحوهم كمسلم الكذاب والأسود العنسي والحارث الدمشقي وباب الرومي وغيرهم ممن لهم خوارق الشيطانية، وأما أهل الحيل فيكثرون وهؤلاء ليسوا أولياء لله بل خوارقهم إذا كانت شيطانية من جنس خوارق كانت في الصحراء لم يكن لهم حال شيطاني بل محال بهتاني، هم متعمدون الكذب والتلبيس بخلاف ما تقترش به الشياطين فإن فيه من يتلبس عليه فيظن أن هذا من جنس كرامة الصالحين، كما أن فيه من يعرف أن ذلك من الشياطين ويفعله تحصيل أغراضه. فالمقصود أنه كثير من الخوارق ما يكون من الشياطين أو يكون حيرا ومخارق ويظن أنها من كرامات الصالحين، فأما ما يكون سببه الشرك أو الفجور إنما يكون من الشيطان مثل أن يشرك الرجل بالله فيدعو الكباكب أو يدعو مخلوقا من بشر ميتا وغائبا أو يعزم ويقسم بأسماء مجهولة لا يعرف معناها أو يعرف أنها أسماء الشياطين أو يستعين بالفواحشة والظلم، فإنما كان هذا سببه من الخوارق فهم للشيطان، كما قد الكلام على ذلك في غير الموضع.

وصالحون لهم كراماتهم مثل كرامات صالح هذه الأمة مثل كرامات الحواريين وغيره مما كان على دين المسيح، لكن وجود الكرامات على الصالحين لا توجب أن يكونوا معصومين كالأبناء، بل يكون الرجل صالحا وليا لله له وله كرامات، مع هذا فقد يغلط ويخطئ فيما يظنه أو فيما يسمعه ويرويه أو فيما يراه وفيما يفهمه من الكتب، ولهذا كان كل من سوى الأنبياء يؤخذ من قولهم ويترك بخلاف الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، فانه يجب تصديقهم في كل ما أخبروا به من الغيب وطاعتهم في كل ما أمروا به، ولهذا أوجب الله الإيمان بكل ما أوتوه ولم يوجب الإيمان بجميع ما يأتي به غيرهم، قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: 136]، وقال تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾. ولهذا اتفق المسلمون على أن من كذب نبيا معلوم النبوة فهو كافر مرتد، وإن سب نبيا وجب قتله، بل يجب الإيمان بجميع ما أوتيه النبيون كلهم، وأن لا يفرق بين أحد منهم فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ [النساء: 150].

وليس هذا لأحد من غير الأنبياء ولو كانوا من أعظم الصديقين والقديسين فضلا. فضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين: إحداهما أن هذا له كرامة فيكون وليا لله، والثانية أن ولي الله لا يجوز أن يخطئ ويجب تصديقه في كل ما أخبر به. هاتان المقدمتان مذكورتان قد تكون إحداهما باطلة وقد تكون باطلا، فرجل معين قد لا يكون من أولياء الله وتكون خوارقهم من الشياطين، وقد يكون من أولياء الله ولكن حتى لو كان وليا لكنه ليس معصوما، وقد يكون وقد لا يكون من أولياء الله ولا يكون له أصلا خوارق ولكنها محالات وأكاذيب أصلية ليست خوارق أصلا من البداية.

قال فصل: قالوا وقال في سورة آل عمران: ﴿فإن كذبوك فقد كُذِّبَ رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير﴾ [آل عمران: 184]. فاعنى أيضا بالكتاب المنير الذي هو الإنجيل المقدس. فيقال قد هيك بيحكي هو بولس الأنطاكي إن الكتاب المنير هو الإنجيل، فيقال له: قد تقدم أن الرسل تتناول قطعا الرسل ذكرهم الله -طيب نسيب أولو العزم ونوح- وإذا أخذنا فالدين دين رسل دين واحد كما بين الله في كتابه، وكذا بدا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معاشر الأنبياء إخوة لعلات وديننا واحد». ويتناول أيضا اسم الرسل من لم يسميهم بأعيانهم في القرآن، لأن هناك رسل أيضا لم تسمى في القرآن، ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: 78]. وأما الحواريون فإن الله ذكرهم في القرآن وصفهم بالإسلام واتباع الرسول وبالإيمان بالله، كما ذكر في الآيات ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول وإذا أوحيت الحواريين برسول قال: آمنا واشهد بأنا مسلمون إلى غير ذلك، وصفوا بأنهم أنصار الله، ولم يذكر الله في القرآن أنه أرسلهم البتة، بل ذكر أنه ألهمهم الإيمان به وبرسوله وأنهم أمروا باتباع رسوله، وقوله: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ لا يدل على النبوة، فإن إيحاء الحاء هنا إحاء إلهام، هذا جيد النقطة إيحاء هنا الحاء إلهام، إذا أوحيت إلى الحواريين آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأنا مسلمون، كقوله: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ وأم موسى لم تكن نبية، بل ليس في النساء أصل نبي كما تقول عامة المسلمين، وذكر إجماعهم على ذلك غير واحد مثل القاضيين أبي بكر الطيبي وأبي يعلى بن فرا والفراء وابن عقيل وغيره، ويدل على ذلك: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ رجال سماهم رجال.

وقد ثبت في الصحيح أنه قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم» يعني من نساء الأمم قبلنا، وهذا يدل على أن موسى ليست ممن كمل فكيف تكون نبية؟ وقال: أي قوله تعالى: ﴿جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير﴾. والكتاب اسم جنس كما تقدم، يتناول كل كتاب أنزل الله تعالى، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: 8]، وقوله: ولا كتاب منير، نكره في سياق النفي تعم كل كتاب منير، ولو لم يكن إلا الإنجيل لقيل: ولا الكتاب المنير. ولو كان المراد فقط الإنجيل لقال ولا الكتاب الذي يدل على عهد معين.

وأيضا في التوراة أعظم من الإنجيل وقد بين الله أنه لم ينزل كتابا أهدى من التوراة والقران، قال الله تعالى: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل﴾ [القصص: 48]. يعني هو ذكر سابقا قضية التقارب بين التوراة والقرآن وهذا تعريض لهم أن يأتوا بكتاب عند الله هو أهدى من هذين الكتابين، وهذا يبين أنه ليس الإنجيل ولا الزبور بأهدى من التوراة والقرآن، فكيف يدعى الكتاب المنير هو الإنجيل ولا يدخل فيه التوراة والزبور؟ وأيضا فإن الله تعالى إنما يخص بالذكر من الكتب المتقدمة التوراة دون غيرها لما يأتي في سياق المقارنة دائما يقارن القرآن بالتوراة وهو استقراء ذلك قبل قليل.

وقد تبين بطلان قول هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه فيفسرون كلام الله ورسوله بما يعلم كل من عرف حاله من مؤمن وكافر أنه لم يرده، وتبين أن الله لم يرد بالكتاب الإنجيل وحده كما لم يرد بالرسل الحواريين، بل أراد بالكتاب المنير ما أنزله الله من الكتب عموما كالتوراة والإنجيل، وكما أراد بالرسل من أرسله الله مطلقا كنوح وإبراهيم وغيره من الرسل.

فصل قال: وقال أيضا: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾ [يونس: 94]. الآن هذه أيضا مما لبس فيه بولس الأنطاكي، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، إن الله أحال نبيه صلى الله عليه وسلم على الذين يقرؤون الكتاب على النصارى، فبيقول لك هذا يدل على أن النصارى هم الصواب لأن الله أحال نبيه صلى الله عليه وسلم على سؤال النصارى فماذا يقولون؟ فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أنه ليس المراد به النصارى فقط كما تقدم، اليهود يقرؤون الكتاب من قبل. أولا أقول يقرؤون الكتاب هذا بيش من اليهود والنصارى هي نفس الفكرة بنرد فيها كثيرا على أنه هذا ما مش خاص فيك أنت كنصراني بل حتى اليهود.

والكتاب اسم جنس كما تقدم نظائره في قولنا أن تقولوا أن. وأيضا كلمة الكتاب هنا لا تختص بالإنجيل. سئل الآن سيستقرا الآيات التي تتكلم عن كتابة ابن تيمية بيكرر بعض الأمور في أكثر من منطقة، وتناول لفظ أهل الكتاب هنا لليهود أظهر حتى من تناوله للنصارى لذكره لعنة أصحاب السبت.

وأمره تعالى بسؤال الذين يقرؤون الكتاب من قبله على تقدير الشك لا يقتضي أن يكون الرسول شك ولا سأل، إن قيل الخطاب له وإن قيل لغيره فهو أولى وأحرى، فإن تعليقكم شوي هذه إلا أن تنصر فريقا من الذين أوتوا الكتاب، وسبب نزولها أنه أراد طائفة من اليهود إلى الطائفة بين المسلمين فهم داخلون قطعا، وإن كان الخطاب مطلقا بإطلاقه يتناول الطائفتين، يعني من حيث سبب النزول يتكلم عن اليهود لكن من حيث الإطلاق يتناول اليهود والنصارى. وأمره سبحانه بسؤال أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الذين يقرؤون الكتاب من قبله على تقدير الشك لا يقتضي أن يكون الرسول هو شك ولا حتى سأل، إن قيل إن الخطاب له أصلا ابتداء وإن قيل الخطاب لغيره فهو أولى وأحرى أن يقول صلى الله عليه وسلم وقع في شك أو سائل، فإن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على تحقيق الشرط فعلا في الواقع، بل قد يعلق بشرط ممتنع أصلا، قد يعلق الشيء على شرط ممتنع فقط لبيان الحكم.

ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: 88]. الآن إشراك الأنبياء ممتنع لكن ذكره كروا على سبيل الفرضية، فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون مع انتفاء الشرك عنهم بل مع امتناعه لأنهم أصلا قد ماتوا أصلا وانتهت القصة يعني مش انتفاء الشرك حتى وهم أحياء لا حتى الآن هم ميتون وعُرف أنهم ماتوا على التوحيد ولأن الأنبياء أصلا معصومون من الشرك.

وكذلك قال تعالى: ﴿أغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: 64-65]. فخاطبه بين لئن أشركت، وإن كان لن يشرك النبي صلى الله عليه وسلم أبدا فهذا خطاب للجميع، وذكر هنا لفظ إن لأنه خطاب لموجود وهناك خبر عن ميت فاستعمل ولو، لماذا في الأنبياء السابقين قالوا ولو أشركوا لأنه هذا كلام عن من ماتوا وانتهوا، أما النبي صلى الله عليه وسلم كان حيا فكان الخطاب للمستقبل إن أشركت في المستقبل، وإن كان أيضا لن يقع هذا منه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الآية التي نحن فيها: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا﴾ لا يدل هذا على وقوع الشك ولا السؤال منه صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا ولا سأل أحدا من اليهود أو النصارى، بل روي عنه أنه قال: «والله لا أشك ولا أسال» أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون من كفار قريش، فخليهم يقولوا لكفار قريش ما يدل على صدقك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: 43]. والمراد به عبد الله بن سلام، وذلك ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: 10] عبد الله بن سلام.

وكذلك: ﴿أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾ [الشعراء: 197] أنهم يشهدون على صدق القرآن إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله طلب من نبيه أن يجعل اليهود والنصارى يخبرون كفار قريش على صدق ما في الكتاب، ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: 146]. فالمقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون من القرشيين، وذلك من وجوه:

أحدها أن الكتب المتقدمة تنطق بأن موسى وغيره دعوا إلى عباده الله وحده مع الشرك، فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين، مثل هذا قوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: 45]. إذا أول شيء يدل على أن الكتب السابقة تصدقك أن الكتب السابقة تدل على ذم الشرك فهذا يرد على الوثنيين ممن يعتقدون أن الشرك دين، وكذلك: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: 25]، ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. كل الكتب تتكلم عن التوحيد، فشرككم يا كفار قريش تفنده كل الديانات السابقة.

الوجه الثاني أن أهل الكتاب يعلمون أن الله إنما أرسل إلى الناس بشرا مثلهم لم يرسل إليهم ملكا، فإنما الكفار من كان يزعون أن الله لا يرسل إلا ملكا وبشرا معه ملك، ويعجبون من إرسال بشر ليس معه ملك ظاهر، كما قال. هي الشغله الثانية أيضا أن كفار قريش كانوا رافضين أن يكون المرسل بشرا، فالكتب

السابقة تدل على أن جميع الرسل الذين أرسلهم الله بشر. نعم، ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال الله إلى غيره: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [المؤمنون: 25]. وقال الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 23-24]. قضية البشرية دائماً هي شبهة الكفار في عدم الإيمان بالرسل، وكيف أن جميع الرسل هكذا كان تاريخهم، وكذلك قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبَعَاسًا لِّلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: 2]. وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]. ولو أنزلنا ملكاً ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، فبين سبحانه أنكم لا تطيقون التلقي عن الملائكة، فلو أنزلناه ملكاً لجعلناه حتى لو كان ملكاً في صورة البشر.

وحينئذ، قال: وحين إذ كنتم تظنونه بشراً فيحصل اللبس عليكم، فأمر الله تعالى بسؤاله أهل الكتاب عمن أرسل إليهم: أكان بشراً أم كان ملكاً؟ ليقيم الحجة بذلك على من أنكر إرسال البشر. وطبعاً، لماذا؟ لأن كفار قريش كانوا يرون أن اليهود والنصارى نموذج معرفة، كفار قريش كانوا ينظرون باحترام إلى عقلية اليهود والنصارى باعتبارهم نماذج معرفية، فروحوا اسألوا إذا أنتم شاكين في هذه القضية. طيب، قال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. إن كون الوجه الثالث في شهادة الأنبياء النبي صلى الله عليه وسلم، نعم. قال: إنهم يسألون عن أهل الكتاب عما جرى للرسل مع أممهم وكيف كانت عاقبتهم وعاقبة المكذبين.

نعم، فهذا أيضاً أمر ثالث: أنه اذهبوا فاسألوا أهل الكتاب كيف كانت عاقبة المكذبين. أيضاً الوجه الرابع الذي يسأل عنه أهل الكتاب، قال: يسألون أهل الكتاب عن الدين الذي بعث الله به رسله، هو دين الإسلام الذي اتفق عليه الرسل كامل التوحيد والصدق والعدل والبر وبر الوالدين وصلة الأرحام والنهي عن الشرك والظلم والفاحشة، فالمنصفون من أهل الكتاب سيخبرونكم بالحقيقة، ما هو دين أنبيائهم.

الوجه الخامس: يسألون أهلهم أيضاً عما هذا، عما وصفت به الرسل ربهم، هل هو موافق لما وصفه به محمد أم لا؟ وهذه الأمور مسؤولة عنها متواترة عند أهل الكتاب معلومة لهم، ليست مما يشكون فيه. وليس إذا كان مثل هذا معلوماً لهم بالتواتر فيسأل عنه، يجب أن يكون كل ما يقولونه معلوماً لهم بالتواتر. وأيضاً فإنهم يسألون أيضاً عما عندهم من شهادته وبشاراته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أيضاً هذا يسأل عنه: ما هي دلائل النبي آخر الزمان في كتبكم؟ نعم.

قال وقد أخبر الله بذلك في القرآن فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. طيب، إذاً فالله عز وجل أتى بآيات كثيرة، هناك آيات كثيرة في القرآن تخبر أن القرآن يذكر أن أهل الكتاب عندهم من العلامات على صدق النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتبهم ومبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]، وانه لفي زبر الأولين، أي أن صفته عليه الصلاة والسلام لفي الكتب الأولى.

وكذلك قال تعالى على من أثنى عليه من النصارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83] هؤلاء النصارى الذين أسلموا، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن أهل الكتاب عندهم علامات تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم.

وكان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم تجري حروب وقتال بين العرب وبين أهل الكتاب، وكان أهل الكتاب دائماً يستفتحون قرب بعث نبي أمي وسنقاتلكم به فان ظهر اتبعناه وقاتلناكم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفر به من كفر، فقال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]. ولهذا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب أهل الكتاب يقول لهم: والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله. وكذلك من أسلم منه كعبد الله بن سلام كان يقول لغير اهل الكتاب: والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أمر معروف في الأحاديث الصحيحة المخرجة، فظهر بما ذكرناه تحريف هؤلاء لكلام الله وأنه لا حجة لهم فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم نظير ذلك.

طب بقي صفحتين نقراهم اليوم، طيب. قال فصل: قالوا فثبت بهذا ما معنا، نعم، ونافع عن إنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا التحريف والتبديل لها والتغيير لما بتصديقه إياها. فيقال: كلامكم، فهو بولس الانطاكي يقول: فثبت بالايات التي اتينا بها من كتابكم أن إنجيلنا ليس محرف كما تزعمون. فيقال لبولس الانطاكي كلامكم، قال: كلامكم الذي تحتجون به في هذا الموضع وغيره أما أن يكون باطلاً محضاً، واما أن يكون مما لبستم فيه الحق بالباطل. إن قولكم بتصديقه إياها إن اردتم انصدقت إنجيل والزبور التي أنزله الله على أنبيائه فهذا لا ريب فيه، فان هذا مذكور في القرآن في غير موضع، قد أوجب على عباده أن يؤمنوا بكل كتاب أنزله وكل نبي من الأنبياء مع اخباره أنه أنزل هذه الكتب قبل القرآن وأنزل القرآن مصدقاً ما بين الكتابين عليه.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 2-3]. آيات التي فيها أن القرآن مصدق للكتب السابقة لكن مصدق للكتب التي لم تبدل. طيب، قد أوجب الله على عباده أن يؤمن بجميع كتبه ورسله وحكم بكفر من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، والآيات هذه ذكرناها أكثر من مرة، فذم التفريق بينهم بأن يؤمن ببعض دون بعض، وبين أنه فضل بعضهم على بعض في مقام آخر، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. فبين أنه فضل بعضهم على بعض وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55].

واتفق المسلمون على ما هو معلوم بالاضطرار من دين الاسلام وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبجميع ما أنزله الله من الكتب. من كفر بنبي واحد تعلم نبوته مثل إبراهيم ولوط وموسى إلى غير ذلك فهو كافر عند جميع المسلمين، حكم حكم الكفار وإن كانوا مرتدين فإن تابوا والا قتلوا، وما سب نبياً واحداً من الأنبياء قتل أيضاً باتفاق المسلمين، وما علم المسلمون أن نبياً من الأنبياء أخبر به فعليهم التصديق به كما يصدقون بما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، اقرأ.

قالهم يعلمون أن أخبار لا تتناقض ولا تختلف، وما لم يعلموا أن النبي أخبر به فهو كما لم يعلم أن محمداً أخبر به صلى الله عليه وسلم اجمعين، لكن لا يكذبون إلا بما علموا أنه كذب، كما لا يجوز أن يصدقوا إلا بما علموا أنه صدق، وما لم يعلم أنه كذب صدق به ولم يكذبوه به، كما أمره نبي. وهذه الإسرائيليات أنه نحن لا تصدقوها ولا تكذبوها، نعم. قال هذا أمر المسيح عليه السلام فقال: الأمور الثلاثة: أمر تبين رشدة فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه.

وهذا نهاية المجلد الأول من كتاب الجواب الصحيح والدرس القادم إن شاء الله إذا كان في العمر بقية نشرح في المجلد الثاني. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.