بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك، وفي هذه العودة الطيبة المباركة للمجالس العلمية بعد انتهاء إجازة عيد الأضحى المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأسأله سبحانه وتعالى أن يفرج عن المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وعن أهل غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. أسأل سبحانه وتعالى أن يبدل حالنا إلى أحسن حال، وأن يثبتنا على طلب العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إخلاص النوايا وتجديد العزائم، وأن تكون الهمة عالية دوماً في تحصيل العلم وفي بذل الأوقات في سبيل تحصيله ونشره وتعلمه وتعليمه، فهذا من أفضل ما ينتفع به الإنسان في كل زمان. وفي أزمنة الهرج والمرج والفتن والقيل والقال، أن يوفقك الله سبحانه وتعالى لأن تتعب في طلب العلم النافع. التعب في طلب العلم النافع، والنظر وتقليب النظر، وإعادة التحليل للنصوص، ومحاولة الفهم لما كتبه علماؤنا في تراثهم؛ هذا حقيقة جهد كبير وعظيم، وهو جزء من حماية دين الله سبحانه وتعالى، وهو جزء من الجهاد في سبيل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم». الجهاد باللسان يكون ابتداءً بأن تتقن العلم، وأن تفهمه، وأن تتعب فيه، فليس المجاهد على ثغر العلم بأقل من المجاهد في ثغر المعركة.
ليس المجاهد في ثغر العلم في هذه الأزمنة اليوم، لما يكون العلم فيه العلماء المتوافرون والبيئات العلمية، ممكن تقول والله قد لا يكون أثري كأثر المجاهد في الميدان؛ لكن لما يكون الذين يحملون العلم النافع أو يتعبون في تحصيل العلوم ونشرها للناس قلة قليلة جداً، وكثر الهرج والكلام غير النافع، وكثر المتصدرون ممن لم يتقن العلوم الشرعية، وشرا ب عنقه للاشتهار والتصدر وهو ليس من أهل العلم الحقيقي، تعرف قيمة أن يتعب الإنسان وأن يجد وأن يكد من أجل أن يحصل المادة العلمية. ولو أدى ذلك إلى ترك كثير من ملاذ النفوس ورغباتها، لأنك تجاهد في سبيل الله من أجل حماية دينه من التشوهات الفكرية والعقدية والسلوكية والأخلاقية، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لي ولكم وللجميع، وأن يتابع لنا أجر المجاهدين في سبيله.
بالتأكيد الاستيقاظ في هذا الوقت من الصباح والجلوس أربع ساعات أو خمس ساعات، الهدف تحليل النصوص وقراءة كتاب بعد كتاب، ليس بالأمر السهل إلا على من وفقه الله عز وجل لهذه الهمة العلية، فأسأل الله سبحانه وتعالى الثبات عليها. واعلم أن هذه الأمور تحتاج فيها دوماً يا طالب العلم للاستعانة بالله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. الإنسان لا يعتمد على ذكائه ولا على همته، هذه كلها أسباب الله سبحانه وتعالى يقلبها عليك في لحظة ما، فينتفي كل شيء، فعليك أن تعتمد على الله سبحانه وتعالى وأن تلتجئ إليه أن يصرف قلبك وهمتك واهتمامك ونهمك إلى قراءة العلوم وإلى النظر وإلى التصفح وإلى القراءة وإلى حبها. الزمن الذي أصبحت فيه القراءة على هامش حياة الكثير، حتى من طلاب العلم أو من يدعي العلم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير.
ما زلنا نعيش أيها الكرام في تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، هذا التراث المليء بالعلم والمعرفة والحكمة والنظر والتفهم الذي يرفع ملكات طالب العلم في تحليل المشهد وفي إسقاطات القرآن وفي استثارته وفي فهم العقائد الحقة، وفي فهم أسس الرد على أهل الباطل وأساس الرد الصحيح. الحقيقة هذا التراث واحة كبيرة وبستان زاهر يستطيع الإنسان أن ينتقل من زهرة إلى زهرة ومن فكرة إلى فكرة ليشعر بمعنى العلم، ويعرف حرمة دين الإسلام وعظمة هذه الشريعة عندما يتحدث بها الكبار رضوان الله تعالى عليهم.
الكتاب الذي شرعنا فيه في آخر خميس قبل العيد هو كتاب "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، وهذا كما قلنا هو رد على رسالة انتشرت بين يدي النصارى في الدفاع عن عقائدهم وبيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما هو رسول للعرب خاصة. وهذه الرسالة تعتبر من أقوى الرسائل التي أخرجوها وأصدروها، وهي الرسالة التي كتبها بولس الأنطاكي أسقف صيدا، وتداولتها الأيدي، وقوتها ليست من قوة الحجة بقدر ما هي قوة استحضار هذا الرجل لآيات القرآن وفذلكة الرد والسعي لإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع النصرانية، أو أن التوحيد لا يتعارض مع التثليث، إلى غير ذلك من القضايا التي أثارها هذا الرجل.
الجميل في هذا الكتاب هي طريقة تناول شيخ الإسلام بن تيمية للرد، طريقة عرضه للأفكار، طريقة عرضه للإسلام؛ هذا ما يحتاجه كثير من الإخوة الذين يريدون الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ويريدون أن يعرفوا الإجابة عن هذه الشبهات دائماً التي تثار من أسئلة النصارى واليهود إلى قيام الساعة. هذا صراع بين الحق والباطل، كيف تكون فلسفة الرد وطرق وآلياته في التعامل مع أهل الأديان الذين يشككون في صحة الإسلام؟ وكما قال شيخ الإسلام في بداية "الجواب الصحيح" كما مر معنا في الدرس الماضي، أن من محاسن هذه المجادلات والمماحكات هي إعادة تثبيت دعائم الإسلام في قلب المؤمن. إنه أحياناً يبلى الإيمان في قلبك، وقد تغفل عن كثير من أدلة الإسلام وعن مصداقيته فيضعف اهتمامك به، تأتي مثل هذه المجادلات وهذه المناظرات لتجعل الإنسان ينفض غبار العجز وينهض من جديد، وتستفزه للتفكير حتى يصل إلى الكثير من الأمور التي ربما دون النقاش والمجادلة ودون وجود أهل الباطل لم تقترحها الأذهان والعقول ولم تصل إليها ولم تفتض أبكارها، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على فهم هذا الكتاب وعلى تصفحه.
وكما قلت الكتاب ما شاء الله موسوعة متعددة، تقرأ صحيح هو يتكلم في الرد على النصارى، لكن تقرأ في السيرة وفي السياسة وفي الاجتماع وفي التفسير وفي أفكار كثيرة تستطيع أن تدونها وأن تستخلصها من هذا الكتاب وهذا السفر المبارك. وصلنا أيها الكرام قبل العيد إلى قوله تعالى، كان يفسر شيخ الإسلام بن تيمية الآية الكريمة في مطلع سورة البقرة: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]، يريد أن يصل إلى المقطع الآية رقم أربعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4].
إن أحد ركائز العقيدة لدى أهل الإسلام أنهم يؤمنون برسائل جميع الأنبياء، لأننا نؤمن برسائل جميع الأنبياء؛ لأنه يريد أن يصل هو الآن في هذا النقاش، ستلاحظون سيكرر فكرة معينة، وهو أن من لم يؤمن ولو بحديث واحد صح عن رسول من الرسل هو كافر بهذا الرسول وكافر بجميع الرسل. لماذا هو حريص على إثبات هذه القاعدة في النقاش العقدي مع الفرق؟ لأنه إذا جاء شخص يقول لك: أنا أؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لكنني لا أصدقه في هذا الحديث، تقول: إذا كذبت نبياً من الأنبياء في حديث واحد لا يجوز لك أن تنتفع وأن تستدل بأي شيء من كلام هذا النبي. لماذا؟ إلا على وجه كما تستفيد من قول حكيم أو قول طبيب، لكن لا يمكن أن تستفيد من قول هذا النبي من جهة النبوة. لماذا؟ لأن الأنبياء خاصيتهم أنهم لا يكذبون ولا يبلغون باطلاً، فإذا ثبت أن نبياً من الأنبياء كذب أو أخطأ في التبليغ في جزئية من الجزئيات معناه هذا ضرب لكل ما يمكن أن يأتي به من الجزئيات الأخرى والتعاليم الأخرى والأخبار الأخرى، فلا يمكن أن تصدق باعتباره نبياً معصوماً، وإنما يمكن الاستفادة منه كفيلسوف أو حكيم.
لماذا يقول هذا؟ لأن بولس كان يعتمد على كلام المتشابه من الآيات والمتشابه من الأحاديث التي ظن بولس الأنطاكي أنها تدعمه في موقفه من أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة. وإذا أتيت إليه بالأحاديث المتواترة الصحيحة أنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه مرسل إلى غيرهم يكذب هذا الحديث، فهو يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فهو يريد أن يصل معه إلى قناعة، شيخ الإسلام: إذا كذبت بالأحاديث التي تواترت عن محمد صلى الله عليه وسلم بأنه مرسل إلى العرب، وإن كان التواتر ترى معنوياً، فلا يصح لك أن تستدل بكلامه الآخر الذي أنت تفهم منه أنه مرسل، طبعاً قصده إذا كذبت بالأحاديث التي يقول فيها إنه مرسل إلى العرب والعجم، فلا يحق لك إذاً أن تستدل بالأحاديث التي أنت تفهم منها أنه مرسل للعرب، لأنه خلاص أصبحت هذه الأحاديث لا قيمة لها بناءً على كلامك بسبب أنك كذبت بالقسم الآخر.
فهذه قاعدة مهمة في تثبيت موضوع الأديان في أثناء المناظرات، عندما تناظر نصرانياً إذا أثناء المناظرة استدل عليك بحديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، أول شيء تقول: أنت لا يحق لك أن تستدل بأحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، ليه؟ لأنه أنت أصلاً لا تؤمن بكثير من أحاديثه وتكذب بها، فإذا أنت تكذب بها إذاً هو أصبح بالنسبة لك غير مصدق ففقد خاصية النبوة. فأي استدلال من اليهودي أو النصراني في المناظرة بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم استدلالاً بناءً على جهة أنه نبي، نقول: لا يحق لك أن تستدل بهذا الكلام لأنك تكذبه بالقسم الآخر، وبالتالي سقطت إمكانية الاستدلال منك به، أما أنا فأصدقه في كل شيء فأستطيع أن أستدل به. إن هذه قاعدة جيدة من قواعد المناظرة تبقى في ذهن الإنسان المسلم وطالب العلم.
نقرأ أين انتهينا، أبدأ من قوله تعالى: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 1-5].
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجِّ المستضعفين من المؤمنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فذكر أن هذا الكتاب الذي أنزل عليه هدى للمتقين، والذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون، ثم أخبر أن هؤلاء هم المفلحون، فحصر الفلاح في هؤلاء، فلا يكون مفلحاً إلا من كان من هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4] هو صفة للمذكورين، ليس هؤلاء صنفاً آخر. ليس هؤلاء صنفاً آخر، يعني صفة للمذكورين، يعني صفة للمتقين الذين خُتمت بهم الآية الثانية: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، ثم كل ما سيأتي الآن هو من صفات المتقين.
وبشكل عام هناك، أظن أني هذا ذكرته في نهاية الدرس الماضي، هناك خلاف بين المفسرين، هل هذه الصفات التي ذُكرت في مطلع سورة البقرة -يا رب السلام ورحمة الله وبركاته- هل هي صفات لجنس واحد للمتقين؟ يعني أن الله يصف المتقين أنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وأنهم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون، هل هي صفات لجنس المتقين كلها متتابعة؟ هذا قول.
القول الثاني: لا، من يقول إن الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، ثم وصف من المهاجرين والأنصار أن هذه الآية للعرب من المهاجرين والأنصار، وأن الآية التي تليها وهي: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4] هي وصف لليهود والنصارى الذين سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأصبحت هذه الآية تتكلم عن جنس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] تتكلم عن العرب من المهاجرين والأنصار.
شيخ الإسلام ينصر القول الأول، وهو أن هذه الصفات كلها وصف لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من العرب ومن غيرهم، وأنه لا تقسم أن هذه الآية الأولى للعرب، وهذه الآية لأهل الكتاب، لا هي كلها جنس واحد. قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4] هو صفة للمذكورين، ليس هؤلاء صنفاً آخر.
قال: هو صفة للمذكورين ليس هؤلاء صنفاً آخر، فإن عطف شيء على شيء قد يكون لتغاير الصفات، وإن كانت الذات واحدة. هذا هو الصحيح هنا. ما معنى هذه القاعدة؟ كيف طبقها شيخ الإسلام هنا؟ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4] هو صفة للمذكورين، يقصد يعني هو صفة للمتقين الذين صدرت بهم الآيات، وليس هؤلاء صنفاً آخر اللي هي الفكرة الثانية، القول الآخر الذي يقول إنه هذه الآية كلام عن أهل الكتاب والآيات الأولى كلام عن المؤمنين من العرب، يقول: لا، هي كلها وصف للمتقين. ليس هذا جنس وهذا جنس.
ثم قال: فإن قيل لك فإن عطف الشيء على الشيء قد يكون، الآن العطف في الأصل في اللغة العربية يفيد إيش؟ التغاير، صحيح؟ يعني أن المعطوف يختلف عن المعطوف عليه، جاء زيد ومحمد، إذاً محمد غير زيد، وزيد غير محمد، صح؟ فالآن البعض يقول.
الذين ينصرون فكرة أن الذين يؤمنون بما أنزل إليكم وأنزل من قبلكم، وكلام عن أهل الكتاب الذين سيؤمنون، وأن الآية الأولى كلام عن العرب الذين آمنوا. قالوا إن هنا في عطف، قال: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والعطف يقتضي التغاير. إذاً هذه الآية تتكلم عن جنس، وما قبلها يتكلم عن جنس آخر، فهمتم؟
فالآن يقول شيخ الإسلام: صحيح أن العطف يفيد التغاير، لكن ليس شرطاً أن يفيد التغاير في الذات، بل يكفي أن يفيد التغاير في الصفات. تمام؟ فلما أقول: جاء النشيط والمثابر، هل هذا يقتضي أن يكون الشخص النشيط غير الشخص المثابر، ولا هذا وصفان لنفس الشخص؟ يجوز أن يكون وصفان لنفس الشخص. طيب يا شيخ، أين صار التغاير؟ التغاير صار في الصفات وليس في الذات؛ فجاء النشيط والمثابر، أنا ممكن أتكلم عن شخص اسمه زيد، وبصفتين أنه نشيط ومثابر، ووضعت واو العطف بينهما. فيقول شيخ الإسلام: وجود واو العطف هنا، وإن كان العطف يفيد التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، لكن هذا التغاير يكفي أن يكون تغيراً في الصفات، ولا يلزم أن يكون تغيراً في الذات.
وبناءً على هذا هو يرى أن: والذين يؤمنون بما أنزل إليك، هي صفة، والذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، صفة أخرى، ولكن هو عطف صفة على صفة، وأما الذات فهي واحدة وهي ذات المتقين، دون الحاجة لأن نقول هذه في العرب وهذه في أهل الكتاب. فلذلك قال: فإن عطف الشيء على الشيء قد يكون لتغاير الصفات وإن كانت الذات واحدة.
انظروا الآن إلى هذه فائدة المدارس إخواني؛ أنه أنت ممكن تقرأ الكتاب وحدك، يعني شو علاقة هذه المقولة: فإن عطف الشيء على الشيء يفيد التغاير؟ في النقاش عرفنا أنه يشير إلى فكرة أن العطف يفيد التغاير، فالذين قالوا بالقول الثاني قالوا لابد أن يكون التغير في الذات، فهو أراد أن يقول: لا، التغير يكفي أن يكون تغيراً في الصفات وإن كانت الذات واحدة. عرفتم هذه فائدة مثل هذه المناقشة، لذلك قال: وهذا هو الصحيح.
هنا هذا رأي شيخ الإسلام، أن الصحيح هنا أن هذه الآيات وصف لجنس واحد. طبعاً هو لماذا يستدل بهذه الآية في هذا السياق؟ ليقول: إن العرب من المهاجرين والأنصار، حتى العرب منهم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وأن قضية الإيمان بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هذه ليست مطلوبة فقط من أهل الكتاب، أنه يا يهود يا نصارى يجب أن تؤمنوا بالتوراة والإنجيل والقرآن، بل حتى نحن أهل الإسلام من العرب يجب أن نؤمن بالتوراة والإنجيل والقرآن. فخطأ، يقول شيخ الإسلام، أن تخرج العرب من هذه الآية الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وتحصرها فقط في أهل الكتاب، تقول: أنتم الذين يجب أن تؤمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، إننا جميعاً يجب أن نؤمن بهذا.
يقول: يكفي أن في الصفة نعم، لكن ما الذي يرجحون من حيث المعنى العقدي؟ أنه لا يوجد شيء يقتضي أن يكون تغيراً في الذات، ولا يوجد شيء يقتضي أن يكون تغير في الذات، وخاصة أننا في سياق تثبيت من هم المتقون عموماً، فهذه صفات لعموم المتقين سواء من العرب أو من أهل الكتاب، فلماذا نقول إن التغير في الذات؟ ففهم المعنى وشعور شيخ الإسلام أن الآية تأسيس في بداية سورة البقرة، اقتضت لديه أن يختار أن التغير في الصفات وليس في الذات.
قال: وإن كان قد قيل إن الصنف الثاني مؤمن أهل الكتاب، والأول هم المسلمون، فهذا ضعيف. إذاً، انظر هي فائدة تفسيرية في الكتاب، نقول: شيخ الإسلام يضعف القول الثاني؛ شيخ الإسلام يضعف القول الذي يرى أن مطلع سورة البقرة «يؤمنون بالغيب» عن مسلمي العرب، وأن المقطع الثاني «الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك» هو لأهل الكتاب، وإن كان هذا القول مشهوراً جداً، لكن شيخ الإسلام يرى أنه لا يتناسب مع كلية سورة البقرة التي تؤكد أو تخاطب الأمة باعتبارها جميعاً.
قال: وأفسد منه قول هؤلاء النصارى أن الكتاب المراد به الإنجيل، كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى، والعطف للتغاير. أفسد من هذا القول الذي ضعفه من النص؛ فصار كأنه بولس الأنطاكي لما فسر هذه الآية، دخل حتى في التفسير، فيقول بولس الأنطاكي إنه أصلاً قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ هذا كلام عن الإنجيل، في مطلع سورة البقرة يقول إن المراد بالكتاب هنا هو الإنجيل، يقول: هذا ليس أفسد وأفسد.
قال: والعطف لتغاير الصفات كقوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، لاحظ الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، الكلام هنا عن ذوات متعددة ولا ذات واحدة؟ ذات واحدة، ذات الله سبحانه، لكن وصفها بصفات متعددة وعطف صفة على صفة بالواو. إذاً، يجوز العطف لمجرد تغاير الصفات وإن كانت الذات التي أتكلم عنها واحدة.
قال: هو سبحانه الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وقوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، لا عطف والذين والذين، وهذه كلها وصف لجنس واحد وهم المؤمنون.
قال: وكذلك قوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ولكن فصل إيمانهم بعد أن أجمله؛ لئلا يظن ظان أن مجرد دعوى الإيمان بالغيب ينفع، وإن لم يؤمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله. فلو قال أحد من الناس: أنا أؤمن بالغيب، وهو مع ذلك لا يؤمن ببعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ببعض ما أنزل إلى من قبله، لم يكن مؤمناً حتى يؤمن بجميع ما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله.
فبالتالي كانه الآية الثانية هي نوع من التفصيل، والآية الأولى كانت إجمالاً، يؤمنون بالغيب إجمال، ثم جاء يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك نوع من التفصيل.
قال: ولو كانوا صنفاً آخر لكان المفلحون قسمين؛ قسماً يؤمنون بالغيب ولا يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله، وقسماً يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله ولا يؤمنون بالغيب.
أنا هنا حقيقة أظن أن شيخ الإسلام يمكن يناقش في هذه الفكرة، هو يريد أن يلزم أصحاب القول الثاني بأنكم إذا جعلتم الآية الأولى للعرب المسلمين، والآية الثانية لمؤمني أهل الكتاب، ماذا يلزم؟ يقول: إنه أصبح المفلحون قسمين؛ على قولكم الذي أضعفه، سيكون المفلحون قسمين. القسم الأول هم الذين يؤمنون بالغيب ولا يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والقسم الثاني هم الذين من أهل الكتاب يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ولكنهم لا يؤمنون بالآية الأولى، يؤمنون بالغيب.
حقيقة هذا ما هو لو قلنا بتغاير الذات، أنا هذا أريد أن أمشي معك، لو قلت بتغاير الذات، يعني لو قلت إن الذين يؤمنون بالغيب هذه الآية تتكلم عن ذوات العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هي ذوات أهل الكتاب، حتى لو قلنا بتغاير الذات هل هذا يلزم هذا اللازم الذي ألزمه شيخ الإسلام لأصحاب القول؟
يا شيخنا هو أصلاً نفس الكلام فيه تناقض، فإن من يؤمن بما أنزل من قبله ولم يره، هذا بالنسبة له غيب، كيف هو يؤمن به ولم يؤمن بالغيب؟ فأصلاً المعنى نفسه يصير متناقضاً، لا يمكن أن تقسمه إلى قسمين.
يعني تقصد أنه لا يمكن أن ندعي أنه حتى لو قلنا بتغاير الذات، أن من يؤمن بما أنزل إليك لا يمكن أن يكون مؤمناً بالغيب، وأن من يؤمن بالغيب نقول إنه لا يؤمن بما أنزل إليك؟ أيوه.
هذا الذي أجنح إليه، يعني لو فرضاً مشينا مع قول طائفة كبيرة من المفسرين أن الآية الأولى تتكلم عن ذوات العرب، والآية الثانية تتكلم عن ذوات أهل الكتاب، يمكن نقول إننا نتكلم بالنسبة للعرب لأبرز الصفات التي تعنيهم، لكن لم يتعرض لنفي الصفة الأخرى، أنهم يؤمنون بما أنزل إليك ومن قبلك، وبالنسبة لأهل الكتاب تكلم عن الموضوع الحساس الذي يخصهم، ولم يتطرق لنفي أنه يؤمنون بالغيب. فضلاً أنه يمكن أيضاً إدخال موضوع الاحتباك أحياناً الذي يسمى في البلاغة الاحتباك، أنه يذكر في الصفة الجنس الأول ويحذف منه صفة، ويذكر الجنس الثاني ويحذف الصفة المعاكسة، وبالتالي تقول: خلاص في نوع من الاحتباك، الصفة التي حذفها من الجنس الأول مذكورة في الصنف الثاني، والصفة التي حذفها من الجنس الثاني مذكورة في الجنس الأول. هذا يسمى في البلاغة الاحتباك. فأنا ما أدري لماذا شيخ الإسلام وضع هذا اللازم.
لا، ليس الاحتباك في الصفة، يعني الذين يؤمنون بالغيب هذا كلام عن العرب، إذا كانت المحصلة يكون المشتغل فيه بنفس الصفة، بس أنت هنا مصر على أن الآية الأولى عن جنس والثانية عن جنس، ماشي، مشتركين الصفات بس. فهي قريبة من الفكرة التي حكاها، بس هي ستؤدي للفكرة التي حكاها، هنا ذكر أبرز صفات العرب وذكر التي يحتاجونها وحذف الصفة الأخرى لذكرها في القسم في أهل الكتاب؛ خلاص لأنها ستذكر. وهكذا بالعكس، فسيبقى فيه اختلاف في الأجناس، يبقى اختلاف في الذات.
فهنا قضية قول شيخ الإسلام: ولو كانوا صنفاً آخر لكان المفلحون قسمين، هذا اسمه إلزام. شيخ الإسلام هنا قال: لو لكان، هذا أسلوب إلزام، هنا لو كان كلامكم صحيحاً أن الآية الأولى عن العرب والآية الثانية عن أهل الكتاب، للزمكم أن يكون المفلحون على قسمين؛ قسماً يؤمنون بالغيب ولا يؤمنون بما أنزل إليه والعكس.
الآن هل هذا اللازم يلزمهم؟ في اعتقادي، في اجتهادي الشخصي، أن هذا الكلام يحتاج إلى نظر، تمام، إلا أن يكون شيخ الإسلام قصد شيئاً نحن لم نفهمه، دائماً أن هؤلاء الكبار نحن نعتذر لهم، لكن فقط من باب الإنسان، لا بد وأنا أقرأ أن أكون مقتنعاً، هل أنا مقتنع بهذا اللازم؟ لست حقيقة مقتنعاً بكمال هذا اللازم، خاصة أيضاً أرجع أقول إن قول طائفة كبيرة من المفسرين هذا القول الثاني. فهل ما حدا خطر في ذهنه أن هذا اللازم يلزمه؟ ما حدا الذين قالوا بالقول الثاني ما خطر في ذهنهم هذا البعد؟ وأن هذا اللازم يلزم قولهم؟ بالتالي نظن أن هذا اللازم يحتاج إلى إعادة نظر.
المهم، قال: وهذا باطل عند جميع الأمم، المؤمنين واليهود والنصارى، فإن الإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله يتضمن الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله تبارك وتعالى. نعم، والمسلمون لا يستجيز أحد منهم التكذيب بشيء مما أنزل على من قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
لكن الاحتجاج بذلك عليهم يحتاج إلى ثلاث مقدمات: إحداها ثبوت ذلك عن الأنبياء عليهم السلام، والثانية صحة الترجمة إلى اللسان العربي. طبعاً أنهينا موضوع الآية، الآن نرجع لفكرة قاعدة والمسلمون لا يستجيز أحد منهم التكذيب بشيء مما أنزل على من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لكن أهل الإيمان قال: لكن الاحتجاج بذلك عليهم يحتاج إلى ثلاث مقدمات.
يعني إذا أردت أنك تحتج على المسلمين اليوم بشيء من كلام الأنبياء السابقين، بشيء من كلام موسى أو عيسى أو شيء من الأنبياء، وتقول لهم هذا النبي قال كذا وكذا، حتى أنا كمؤمن معاصر اليوم أؤمن بهذه المقولة عن عيسى ابن مريم عليه السلام، أو أؤمن بهذه المقولة أن موسى عليه السلام قالها، يحتاج هذا إلى كم مقدمة؟ إلى ثلاث مقدمات.
أولاً قال: إحداها ثبوت ذلك عن الأنبياء عليهم السلام، أولاً أن أتأكد من ثبوت هذا النص عن عيسى بن مريم، أو ثبوت هذا النص الذي أنت تطالبني أؤمن به عن موسى بن عمران أو عن داوود، إذاً أولاً التأكد من صحة النص.
اثنين قال: والثانية صحة الترجمة إلى اللسان العربي. ثانياً أنتم الآن أيها اليهود أيها النصارى ترجمتم ما قاله عيسى إلى اللسان العربي، لأن عيسى عليه السلام كان يتكلم بالعبرانية، فبالتالي أنتم عم تعطونا معنى كلامه باللسان العربي، هل الترجمة دقيقة؟ يعني لما تقول لي يلا يجب تؤمن أن هذا من كلام عيسى، أقول: أولاً أحتاج أن أتأكد هل فعلاً عيسى...
قال أو اللسان الذي يخاطب به، كالرومي والسرياني، فإن لسان موسى وداود والمسيح وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل كان عبرانياً. ومن قال إن لسان المسيح كان سريانياً أو رومياً فقد غلط. عيسى بن مريم وموسى بن عمران كانا يتكلمان اللغة العبرية، فبنو إسرائيل ومن تبعهم كانوا يتكلمون بها، ومن قال إنهم كانوا يتكلمون باللغة الرومية المنتشرة في بلاد أوروبا فهذا غير صحيح.
قال والثالثة: تفسير ذلك الكلام ومعرفة معناه. يعني أنا كإنسان مسلم لما أسمع أن هناك مقولة عن عيسى ابن مريم، أحتاج أولاً أن أتأكد من ثبوتها عن عيسى، ثانياً دقة ترجمتها إلى اللغة العربية، ثالثاً ماذا قصد عيسى بهذا الكلام؟ حتى قبل أن تلزمني فيه يا أيها النصراني أو يا أيها اليهودي، ربما أنت فاهم الكلام غلط أصلاً، فربما كلام عيسى ليس كما تفسر أنت، فلا تلزمني حتى أنا أيضاً أسمع وأحلل النص، ثم بعد ذلك أصل هل المعنى الذي يقدمه النصراني صحيح أو لا.
قال فلهذا كان المسلمون لا يردون شيئاً من الحجج بتكذيب أحد من الأنبياء في شيء قاله، ولكن قد يكذبون الناقل، أو يفسرون المنقول عنهم بما أرادوه، أو بمعنى آخر على وجه الغلط. يعني المسلمون لما يسمعوا كلاماً منقولاً عن عيسى ابن مريم، إما أن يكذبوا الناقل عن عيسى، لا يكذبون عيسى، نحن لا نكذب عيسى حاشاه، ولا نكذب موسى، ولا نكذب نبياً من الأنبياء، هذا كفر، لكن قد نكذب الناقل.
الحالة الثانية أننا قد لا نكذب الناقل، ممكن يثبت لنا فعلاً صحة النقل، لكن نفسر المنقول عن عيسى أو موسى بما أرادوه فعلاً، أو يمكن نفسره بمعنى آخر ليس هو مراده، فيكون نحن غلطانين، وهذا يقع؛ فتفسيري لكلام عيسى وموسى عليهم السلام بغير ما أرادوه على وجه الغلط، هل هذا يسمى تكذيباً؟ لا، نحن أنفسنا المسلمين اليوم ممكن نفسر حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام غلط، هل هذا يعني أننا كذبنا به؟ حاشا، فالغلط في تفسير كلام الأنبياء متصور، وكوني غلطت في التفسير لا يعني أنني أكذب، هذه أراد أن يثبتها شيخ الإسلام.
لذلك قال والمسلمون إما أن يكذبوا الناقل أو يفسرون المنقول عن الأنبياء بما أراده الأنبياء فعلاً، أو بمعنى آخر لم يريده الأنبياء لكن على وجه الغلط، نحن فهمناه غلط، يعني أعطينا معنى آخر ليس هو مراده لكن غلط.
قال وإن كان بعض المسلمين قد يغلط في تكذيب بعض النقل أو تأويل بعض المنقول عنهم، فهو كما يغلط من يغلط منهم ومن سائر أهل الملل في التكذيب على وجه الغلط ببعض ما ينقل عمن يقر بنبوته، أو في تأويل المنقول عنه. هذه الفكرة التي حكيناها أنه نحن أهل الإسلام نقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم جميعاً، نحن والأشاعرة والمعتزلة، ولكن في النهاية يقع كثير من إما تكذيب أحاديث ثابتة، نقول لا، هذا الحديث في سنن أبي داود لم يصح، مع أنه يكون صحيحاً، أو نقع في التأويل كما وقع المتكلمون في تأويل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على غير مراده، ولكن هذا لا يعتبر بالنسبة لنا تكذيباً صريحاً، فلو اعتبرنا النص تكذيباً صريحاً لكان كفراً، لكن هو نوع من الغلط وهذا متصور.
قال وهذا بخلاف تكذيب نفس النبي فإنه كفر صريح. أما أن تكذب نفس النبي صراحة وتقول إن هذا النبي كذب على الله أو أخطأ، هذا كفر. قال بخلاف أهل الكتاب فإنه لا يتم مرادهم إلا بتكذيبهم ببعض ما أنزل الله، ومتى كذب بكلمة واحدة مما أخبر به من قال إنه رسول الله، بطل احتجاجه بسائر كلامه، فكانت حجتهم التي يحتجون بها داحضة. هي الفكرة التي أصلاً شيخ الإسلام يدندن حولها، أن أهل الكتاب متى كذبوا بكلمة واحدة مما أخبر به من قال إنه رسول لله، كذبت بشغلة واحدة قالها، بطل احتجاجك بسائر كلامه، فلا تحتج به على مرادك.
قال وذلك أن الذي يقول إنه رسول الله، إما أن يكون صادقاً في قوله إني رسول الله وفي جميع ما يخبر به عن الله، وإما أن يكون كاذباً ولو في كلمة واحدة عن الله. فإن كان صادقاً في ذلك، امتنع أن يكذب على الله في شيء مما يبلغه عن الله. فكل من قال إنه رسول الله وكان صادقاً، يمتنع تماماً أن يكذب على الله في شيء مما يبلغه. قال فإن من كذب على الله ولو في كلمة واحدة، كان ممن افترى على الله الكذب ولم يكن رسولاً من عند الله. واضح؟ قال ومن افترى على الله الكذب يتبين أنه من المتنبئين الكذابين، ومثل هذا لا يجوز أن يحتج بخبره عن الله فإنه قد علم أن الله لم يرسله.
وإذا قال هو قولاً وكان صدقاً، كان كما يقوله غيره لا يقبل لأنه بلغه عن الله ولا لأنه رسول عن الله، بل كما يقبل من المشركين وسائر الكفار ما يقولونه من الحق. أي رسول إذا ثبت أنه كذب في شيء من كلامه في كلمة واحدة، سقطت مصداقيته في أنه رسول، وبالتالي يصبح الاحتجاج بباقي كلامه كأنك تحتج بكلام فيلسوف أو حكيم. الآن الفيلسوف الحكيم هل يتصور منه الكذب؟ نعم، كحكماء الغرب وكذا ممكن اليوم واحد منهم يكذب أشياء كثيرة، لكن له بعض المقولات الجميلة تحتج بها على أنها مقولة جميلة، مش على أنه رجل معصوم. نفس الشيء، هذا يقول لك إذا هذا الذي يدعي أنه رسول ثبت أنه كذب في كلمة واحدة، سقطت مصداقيته أنه رسول، لكن يمكن أن أستفيد من كلامه الآخر من جهة أنه فيلسوف أو طبيب أو شيء، كاستفادة دنيوية وليس باعتباره رسولاً.
قال فإن عباد الأوثان إذا قالوا عن الله ما هو حق، مثل إقرار مشركي العرب بأن الله خلق السماوات والأرض، لم نكذبهم في ذلك وإن كانوا كفاراً. وكذلك إذا قال الكافر إن الله حي قادر خالق لم نكذبه في هذا القول، الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. قال فمن كذب على الله في كلمة واحدة، قال إن الله أنزلها عليه ولم يكن الله أنزلها عليه، فهو من الكذابين الذين لا يجوز أن يحتج بشيء من أقوالهم التي يقولون إنهم يبلغونها عن الله تبارك وتعالى، وما قالوه من الحكم غير ذلك فهم كسائر الناس يستفاد مما فيه فائدة.
قال بل كأمثالهم من الكذابين إن عرف صحة ذلك القول من جهة غيرهم، قبل لقيام الدليل على صحته لا لكونهم قالوه. لذلك الفلاسفة وغيرهم أنت لماذا تأخذ بعض أقوالهم وتستفيد منها؟ ليس باعتبارهم معصومين لا يقولون إلا صواباً، بل من جهة قيام الدليل على صحة ما قاله، فيقول: أي نبي إذا ثبت أنه كذب على الله سقطت نبوته، ويمكن الاستفادة من أقواله الأخرى التي فيها حكم، ليس باعتباره معصوماً بل باعتبار أن الأدلة قامت على صحة ما قاله فقط، كما تتعامل مع أي فيلسوف على وجه الأرض.
قال وإن لم يعرف صحته من جهة غيرهم لم يكن في قولهم له مع ثبوت كذبهم على الله حجة. وحينئذ فهؤلاء إن أقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه صادق فيما بلغه عن الله من الكتاب والحكمة، وجب عليهم الإيمان بكل ما ثبت عنه من الكتاب والحكمة كما يجب الإيمان بكل ما جاءت به الرسل. في الخلاصة، هؤلاء النصارى الذين نرد عليهم الآن إذا أقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لو أقروا أنه للعرب وسنثبت الآن أنه قال إنه للعجم، فإذا أقررتم عموماً بأن محمد صلى الله عليه وسلم صادق، بدكم تصدقوه بكل ما قال. الآن هو سيأخذهم بعد هذا المربع، بعد أن يؤكد هذه القاعدة، إذا أثبتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق، بدكم تصدقوه في كل شيء. المقدمة الثانية سأثبت لكم -كما كان يقول الشيخ- سأثبت لكم أنه هو قال وفعل ما يدل على أنه مرسل للعجم ولأهل الكتاب.
قال وإن كذبوه في كلمة واحدة أو شكوا في صدقه فيها، امتنع مع ذلك أن يقروا بأنه رسول الله. وإذا لم يقروا بأنه رسول الله، كان احتجاجهم بما قاله كاحتجاجهم بسائر ما يقوله من ليس من الأنبياء، بل من الكذابين أو من المشكوك في صدقهم. ومعلوم أن من عرف كذبه على الله فيما يقول إنه يبلغه عن الله أو شك في صدقه، لم يعلم أنه رسول الله ولا أنه صادق في كل ما يقوله ويبلغه عن الله، وإذا لم يعلم ذلك منه لم يعرف أن الله أنزل إليه شيئاً. بل إذا عرف كذبه فهو عرف أن الله لم ينزل إليه شيئاً ولا أرسله، كما عرف كذب مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي وغيرهم، وكما عرف كذب ماني وأمثاله من المتنبئين الكذابين. وإذا شك في صدقه في كلمة واحدة، بل جوز أن يكون كذبها عمداً أو خطأ، لم يجوز تصديقه مع ذلك في سائر ما يبلغه عن الله؛ لأن تصديقه فيما يخبر به عن الله إنما يكون إذا كان رسولاً صادقاً لا يكذب عمداً ولا خطأ. فإن كل من أرسله الله لا بد أن يكون صادقاً في كل ما يبلغه عن الله لا يكذب فيه عمداً ولا خطأ، وهذا أمر اتفق عليه الناس كلهم؛ المسلمون واليهود والنصارى وغيرهم. اتفقوا على أن الرسول لا بد أن يكون صادقاً معصوماً فيما يبلغه عن الله، لا يكذب على الله خطأ ولا عمداً.
قال فإن مقصود الرسالة لا يحصل بدون ذلك، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 104-105]. في القراءة المشهورة يخبر أنه جدير وحري وثابت ومستقر على ألا يقول على الله إلا الحق. وعلى القراءة الأخرى أخبر -الآن هذه الآية فيها قراءتان حقيق على ألا أقول والقراءة الأخرى حقيق علي ألا أقول- على القراءة الأولى المشهورة ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ﴾ ما معنى ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ﴾؟ قال معناها أي يخبر أنه جدير وحري وثابت ومستقر على أني لا أقول على الله إلا الحق. وعلى القراءة الأخرى ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾ ما معنى ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾؟ يعني واجب علي ألا أقول على الله إلا الحق. فكلا القراءتين تؤدي في النهاية إلى نفس المعنى: حقيق على يعني ثابت على أني لا أقول إلا الحق، حقيق علي يعني واجب علي ألا أقول إلا الحق.
قال وعلى القراءة الأخرى أخبر أنه واجب عليه ألا يقول على الله إلا الحق. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: 24]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 101-102]. وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [يونس: 15]. وهذا لبسطه موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن احتجاجهم.
بكلمة واحدة مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح بوجه من الوجوه؛ فإنه إن كان رسولاً صادقاً في كل ما يخبر به عن الله تعالى، فإنه علم كل أحد أنه جاء بما يخالف دين النصارى، فيلزم إذا كان رسولاً صادقاً أن يكون دين النصارى باطلاً. وإن قالوا في كلمة واحدة مما جاء به أنها باطلة لزم ألا يكون عندهم رسولاً صادقاً مبلغاً عن الله، وحينئذ فسواء قالوا هو ملك عادل، أو هو عالم من العلماء، أو هو رجل صالح من الصالحين، أو جعله قديساً عظيماً من أعظم القداديس؛ فمهما عظموه به ومدحوه به لما رأوه من محاسنه الباهرة وفضائله الظاهرة وشريعته الطاهرة، متى كذبوه في كلمة واحدة مما جاء به أو شكوا فيها كانوا مكذبين له في قوله: إني رسول الله، وأنه بلغ هذا القرآن عن الله.
ومن كان كاذباً في قوله إنه رسول الله لم يكن من الأنبياء والمرسلين، ومن لم يكن منهم لم يكن قوله حجة ألبتة. لكن له أسوة أمثاله، فإن عرف صحة ما يقوله بدليل منفصل -أي من الفلاسفة والحكماء- إذا عرف صحة ما يقوله بدليل منفصل، نفس الكلام الذي قلناه قبل قليل، نعم، قال قبل القول؛ لأنه عرف صدقه من غير جهته، لا لأنه قال من غير جهته، أي من غير جهة النبوة؛ فإنه خلص ثبت أنه ليس بنبي، فيمكن أن يستدل بقول كفيلسوف أو حكيم. نعم، قال: وإن لم يعرف صحة القول لم يقبل. فتبين أنه إن لم يقر المقر لمن ذكر أنه رسول الله بأنه صادق في كل ما يبلغه عن الله، معصوم عن استطراد الكذب خطأً وعمداً، لم يصح احتجاجه بقوله. إذاً هذا هو الذي يريد أن يصرفه للنصارى لبولس الأنطاكي، لا يجوز لك أن تستدل بحديث واحد من كلام محمد صلى الله عليه وسلم إذا أنت توقن أنه رسول الله؛ حتى لو للعرب وهو أصلاً يقول للعرب، لو قلت إنه إذا ثبت لديك أنه رسول من الله يجب أن تؤمن بكل شيء عنه، تمام؟ كما قلت هذه المقدمة هو سينقلها بعد ذلك، المقدمة الثانية وهي أنه سيثبت لهم أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما هو متواتر عنه أنه مرسل للجميع، لازم تؤمن به؛ فإذا كذبت بها، إذاً أنت مكذب أنه رسول الله فلا يحق لك أن تقول إنه رسول للعرب؛ لأنه خلص أنت مكذب أنه رسول الله؛ لأنك كذبت بما هو متواتر عنه.
نعم، قال: وهذا الأصل يبطل قول العقلاء أهل الكتاب، وهو لقول جهالهم أعظم إبطالاً. نعم، وهذا الأصل وهو أن تكذيبك بشيء من كلام النبي يسقط استدلالك بكل كلامه، كما يبطل كلام العقلاء من أهل الكتاب، فهو إبطاله لكلام الجهال منهم أكثر، كيف؟ نعم، قال: فإن كثيراً من عقلاء أهل الكتاب أو أكثرهم يعظمون محمداً صلى الله عليه وسلم لما دعا إليه من توحيد الله تعالى، ولما نهى عنه من عبادة الأوثان، ولما صدق التوراة والإنجيل والمرسلين قبله، ولما ظهر من عظمة القرآن الذي جاء به ومحاسن الشريعة التي جاء بها وأفضال أمته التي آمنت به، ولما ظهر عنه وعنه من الآيات والبراهين والمعجزات والكرامات. لكن يقولون مع ذلك أنه بعث إلى غيرنا، وأنه ملك عادل وله سياسة عادلة، وأنه مع ذلك حصل علوماً من علوم أهل الكتاب وغيرهم، ووضع لهم ناموساً بعلمه ودينه، كما وضع أكابرهم لهم القوانين والنواميس التي هي القوانين والطقوس.
نعم، ومهما قالوه من هذا فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به، بل لا يسوغ لهم بمجرد ذلك الاحتجاج بشيء مما قاله؛ لأنه قد عرف بالنقل المتواتر الذي يعلمه جميع الأمم من جميع الطوائف أنه قال: إنه رسول الله إلى جميع الناس، وأن الله أنزل عليه القرآن. فإن كان صادقاً في ذلك، ومن كذبه في كلمة واحدة فقد كذب رسول الله، ومن كذب رسول الله فهو كافر، وإن لم يكن صادقاً في ذلك لم يكن رسولاً لله بل كان كاذباً، ومن كان كاذباً على الله يقول إن الله أرسلني بذلك ولم يرسله به، لا يجوز أن يحتج بشيء من أقواله. فـهذه خلاصة الرد على عقلاء أهل الكتاب، أنه أنتم إذا قلتم أنه رسول إلى العرب وأنه رسول من الله مرسل بكذا وكذا، تمام؟ نقول مهما قالوه من هذا فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به، ولا يسوغ لهم بمجرد ذلك الاحتجاج بشيء مما قاله؛ لأنه قد عرف بالنقل المتواتر الذي يعلمه جميع الأمم أنه صلى الله عليه وسلم قال: إنه رسول إلى جميع الناس عرباً وعجماً، يهوداً ونصارى، وأن الله أنزل عليه القرآن. فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً فيما قاله بالنقل المتواتر، إذاً يجب أن كلامكم أنتم كذب يا أيها اليهود والنصارى، فإن كان صادقاً فمن كذبه في كلمة واحدة من هذه الأحاديث فقد كذب أنه رسول الله وسقط استدلاله به على الكلية، ومن كذب رسول الله فهو كافر، وإن لم يكن صادقاً في ذلك لم يكن هو أصلاً رسول الله بل كان وحاشاه.
أما من كان من جهلاء أهل الكتاب الذين يقولون إنه كان ملكاً مسلطاً عليهم، وأنه رسول غضب أرسله الله إرسالاً كونياً لا دينياً لينتقم به منهم، أه؛ إذا جهال أهل الكتاب ماذا يقولون؟ هؤلاء عقلاء أهل الكتاب لا يقرون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل فاضل يدعو إلى التوحيد وإلى نبذ الوثنية ودعا إلى الأخلاق والفضائل، بس مشكلتهم أنه مش مرسل لنا مرسل للعرب، هؤلاء عقلاءهم. جهال أهل الكتاب ماذا يقولون؟ يقول محمد صلى الله عليه وسلم هذا رسول غضب وليس رسولاً دينياً، بل رسولاً كونياً، يعني عقاب إلهي؛ هيك يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل ليس إرسالاً دينياً تبليغياً، وإنما مرسل إرسال عقاب علينا وسلط علينا بسبب ذنوبنا وكذا وإشكالاتنا، وبدنا نتعامل معه كغضب وليس نتعامل معه كرسالة إلهية، تمام؟
وهذا سيأخذ وينقل شيخ الإسلام ابن تيمية ليعيدنا لفكرة كررها كثيراً، أنه فعلاً كلمة "أرسل" في القرآن تستعمل للإرسال الديني والإرسال الكوني، كما أنه كلمة "بعث" و"كتب" وغيرها تستعمل على كلا الأمرين على الأمر الديني والأمر الكوني، سيعود إلى هذه الفكرة شيخ الإسلام. طيب، قال: كما أرسل بختنصر وسنحاريب على بني إسرائيل، ولكن ما أرسل... يعني كما أن الله أرسل بختنصر ليسخط بني إسرائيل وينزل بهم العذاب الشديد؛ بتعرف بختنصر أجلاهم وسباهم، وغير هذا سنحاريب واحد من الناس. طيب قال: وكما أرسل جنكيز خان وغيره من الملوك الكافرين والظالمين مما ينتقم به ممن عصاه؛ فهؤلاء أعظم تكذيب له وكفراً به، يكفي فإن هؤلاء الملوك لم يقل أحد منهم إن الله أنزل عليه كتاباً ولا أن هذا الكلام الذي أبلغه إليكم هو كلام الله.
فقد نصوا، جنكيز خان هو قال إنه مرسل بكتاب من الله؟ هل قال أحد منهم إنه رسول؟ ما قالوا ذلك. هم صح أنزلوا العذاب الشديد باليهود، لكن هل أحد جنكيز خان ولا بختنصر ولا سنحاريب هل هو قال إنه رسول الله وأن الله أنزل عليه كتاباً؟ فتشبيهكم محمداً صلى الله عليه وسلم بهؤلاء المجرمين الذين لم يدعِ أحدنا أنه رسول، هذا من قمة الكفر ومن قمة التكذيب. نعم، قال: ولا أن الله أمركم أن تصدقوني فيما أخبرتكم به وتطيعوني فيما أمرتكم به، ومن لم يصدقني باطناً وظاهراً فإن الله يعذبه في الدنيا والآخرة. نعم، هذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم، مش بختنصر لم يقل هذا. نعم، قال: بل هؤلاء أرسلهم إرسالاً كونياً، بل هؤلاء الكفرة بختنصر وسنحاريب أرسلهم الله إرسالاً كونياً، نتفكر قدرة الله وقضاه، كما يرسل الريح بالعذاب الشديد، وكما يرسل الشياطين عن الكافرين تؤزهم أزاً، وكما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 4-5].
هذا البعث هنا بمعنى الإرسال الكوني أيضاً، بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد. وهذا بخلاف قوله، فهنا هناك بعث وإرسال كوني يكون عذاباً، وهناك بعث وإرسال شرعي يكون تبليغاً. كما قال في نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [نوح: 1]. هذا الإرسال إرسال كوني ولا ديني؟ ديني للتبليغ. نعم، اقرأ، قال: وقوله ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: 15]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: 163] إلى آخر الآيات، لما قال: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء: 165]، هذا إرسال ديني.
نعم، قال: فإن هذا يعني به الإرسال الديني الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، الذي هدى به من اتبعهم وأدخله في رحمته، وعاقب من عصاهم وجعلهم من المستوجبين للعذاب. هو الإرسال الذي أوجب الله به طاعة من أرسله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]، وقال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وهذه الرسالة التي أقام بها الحجة على الخلق، كما قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]. وهذا كما اصطفى روح القدس جبريل عليه السلام لنزوله بالقرآن على من اصطفاه من البشر ومحمد صلى الله عليه وسلم اللهم صل وسلم وبارك عليه.
قال قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97]، أيضاً ممن أرسل إرسالاً دينياً. نعم، قال وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَّرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 192-195]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 101-102]. فأخبر أنه نزل به جبريل، وسماه الروح الأمين، وسماه الروح القدس. وقد ذكره أيضاً في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: 19-20]، سيأتي بالآيات التي تدل على أن جبريل مرسل أيضاً كرسول ديني عندنا: ﴿قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، والآية التي بعدها: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: 23-24].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة: 40-42]، هذا كلام عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فجبريل هنا مرسل كرسول ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضاً مرسل كرسول ديني وليس كرسول قدري كوني.
أما الإرسال الكوني الذي قدره وقضاه مثل إرسال الريح وإرسال الشياطين فذلك نوع آخر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: 48]، هذه إحدى القراءات في الآية. نعم، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فلفظ الإرسال والبعث والإرادة والأمر والإذن والكتاب والتحريم والقضاء والكلام ينقسم إلى خلقي وأمري كوني وديني. وقد ذكرنا الإرسال، وأما البعث فقال الله تعالى في البعث الديني: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ [الجمعة: 2].
ابن تيمية يحب هذه الأنواع من الاستقراء، فيقول فلفظ الإرسال والبعث والإرادة والأمر والإذن والكتاب والتحريم والقضاء والكلام، كل هذه المفردات تأتي في القرآن بمعنى الكوني وتأتي في القرآن بالمعنى الشرعي، تمام؟ تأتي بمعنى القضاء والقدر وتأتي بمعنى الكلمات الشرعية أو الإذن الشرعي، اللي هي الشرائع والتبليغات، الآن استقراء سريع. قال: وقد هذا معنى إلى خلقي وأمري؛ خلقي يعني قدري وشرعي، يسميه أيضاً كوني وديني برضه، كلها يضبط. هذه تسميات مثلاً قال: قد ذكرنا الإرسال، نيجي على البعث؛ كيف استعمل القرآن كلمة البعث بمعنى البعث الكوني والبعث بمعنى البعث الديني؟ مثلاً قالوا أما البعث، فقال الله تعالى في البعث الديني: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، وقال في الكوني: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ [الإسراء: 5]، هذا بعث كوني. شوف الاستدلالات الجميلة. طيب، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 31]. بعث الله غراباً، هذا بعث إيش؟ كوني، مش بعث ديني، مش جاي رسول الغراب، جاي من أجل أمر كوني قدري.
البعث الشرعي معناتها الرسل، ماشي بس هذا بعث إيش؟ البعث الديني يعني هذا الرسل، ولا جاي يقاتله؟ إذا خلص هذا بعث كوني، ما لها علاقة أنهم شو طبيعتهم، لكن بعث إذا هؤلاء جايين يقاتلوا إذا هو بعث كوني. هل هو بعث؟ لكن قد يكون من أناس كفرة أو كذا، لكن لا، مش ضروري، بغض النظر هو سواء بعث من أناس كفرة ولا أناس مسلمين، لكن المراد بهذا البعث ليس أن بعثته إليك ليدعوك وإنما أرسلته ليقتلك أو ليعاقبك.
فهذا معنى البعث الكوني. ومعنى عبادي أنهم عباده الصالحون، ولا مش صالحون بس، هذا على كلا القولين مش رح يخدمكم؛ النقاش مش في بعث، أحسنت، مش في كلمة البعث نفسها.
وأما الإرادة، فقال تعالى في الكونيه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، فمن يرد الله إرادة، ايش هون كونية مش شرعية، طيب. وقال نوح عليه السلام: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾، إرادة كونية. وأما الإرادة الدينية، قال تعالى في الإرادة الدينية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، نفس الشيء. والله يريد أن يتوب عليكم، وفي الآية التي بعدها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾، هذه كلها الإرادة الدينية. طبعاً أنتم بتعرفوا الفرق بين الإرادة الدينية والكونية.
طيب، نيجي على كلمة الأمر الكوني والأمر الديني في الاستعمال القرآني؛ مثلاً الأمر الكوني: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، هذا أمر كوني. طيب، نيجي على الأمر الديني مثاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، أمر هنا أمر ديني. طيب، الإذن الكوني والإذن الديني؛ قالوا أما الإذن الكوني مثل قول في السحرة: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الإذن هنا قدري. طيب الإذن الديني قال والديني مثل قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾، داعياً إلى الله بإذنه، شو يعني الإذن هنا؟ الشريعة، وداعياً إلى الله بشرعه. شوف هذا ملمح جيد أنه أحياناً كلمة الإذن تأتي بمعنى القدر وأحياناً تأتي بمعنى الشرع، هنا الإذن بمعنى الشرع، وإن كانت تحتمل بمعنى القدر بس هنا ابن تيمية يختار أنها بمعنى الشرع أقوى.
مثلاً كلمة الكتاب بالمعنى الكوني والكتاب بالمعنى الديني، بالمعنى الكوني قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، بمعنى قدر الله وقضى الله قضاءً وقدراً. وأما الكتاب الدينية، مثلاً: ﴿أَيُّ كِتَابِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، كما قال في آية سورة النساء، ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي فرض الله ذلك عليكم؛ مثلاً ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، مش "كُتِب" فرض، هذه كتابة دينية. طيب نيجي على كلمة القضاء، القضاء الكوني: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، هذا قضاء كوني. القضاء الديني: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، هنا قضى بمعنى شرع.
التحريم، التحريم الكوني: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾، لما موسى عليه السلام لم يقبل ثدي جميع النساء، هذا تحريم قدري. والتحريم الديني؛ طبعاً أيضاً من التحريم الكوني: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، هذا تحريم كوني أن الله منعهم وجعلهم يتيهون في الصحراء وليس تحريماً شرعياً، كذلك ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، كله من التحريم الكوني. التحريم الديني: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
طيب كلمة الكلمات، الكلمات الكونية مثل: «أعوذ بكلمات الله التامات»، هذه قالوا كلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، هذه كلمات كونية كما يقول يعني بأقدار الله؛ تمام، وكذلك: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾، كلمات ربها يعني بأقضيته وأحكامه الكونية؛ وإن كان بعض الآيات ترى تحتمل، بس للفائدة بعض الآيات تحتمل. وأما مثال الكلمات الدينية قوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»، وكان المراد بها هنا العقد، والعقد هنا أمر ديني؛ تمام. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، ما هي الكلمة؟ لا إله إلا الله، فهي كلمة دينية. وهذا مبسوط في موضع آخر؛ يعني خلاص بعد ما أخلص شيخ الإسلام كل هذه قال هذا مكان آخر بترجع بتفرق بين هذه الألفاظ متى تستعمل كونا بالمعنى الكوني ومتى تستعمل بالمعنى التشريعي. والمقصود هنا أن، نعم مر معنا كثير هذا في العبودية، أظنه مر معنا في أكثر من كتاب من الرسائل السابقة.
نعم، قالوا على الفرقان هنا؛ طيب قال والمقصود هنا أن تفرق أهل الكتاب في النبي صلى الله عليه وسلم كل يقول فيه قولاً هو نظير تفرق سائر الكفار؛ فإن الكفار بالأنبياء من عادتهم أن تقول كل طائفة فيه قولاً يناقض قول الطائفة الأخرى، وكذلك قولهم في الكتاب الذي أنزل عليه، وأقوالهم كلها أقوال مختلفة باطلة. يريد أن يقول عقلاء أهل الكتاب وجهال أهل الكتاب، لاحظ أنهم مختلفون في توصيف النبي عليه الصلاة والسلام؛ فكما مر معنا قبل قليل، عقلاء أهل الكتاب ماذا ينظرون إليه؟ أنه رجل جيد ومرسل إلى العرب وأنه أتى بالتوحيد، جهال أهل الكتاب ماذا ينظرون إليه؟ أنه إرسال كوني لعقابنا، مش هيك مر معنا؟ فبده يقول لك أهل الكتاب مختلفون في توصيف النبي عليه الصلاة والسلام كاختلاف المشركين من كفار قريش في توصيفه، هل هو ساحر أو شاعر أو... فهكذا حال أهل الم... نعم.
قال وهذا هو الاختلاف المذموم الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾، إذاً شيخ الإسلام حمل الآية ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ هنا على الاختلاف المذموم. أنتم تعرفون هي الآية فيها نقاش طويل، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾؛ هل هو كلام عن الاختلاف العادي الاجتهادي ولا كلام عن الاختلاف المذموم؟ كلمة الاختلاف هنا هل هو اختلاف مقبول طبيعي بشري بمعنى أنه جيد، ولا خلاف بالمعنى المذموم؟ شيخ الإسلام يقول استدل بهذه الآية على الاختلاف المذموم، فالظاهر أنه يحملها على أنه لا يزالون مختلفين اختلافاً مذموماً؛ وإن كان البعض قد يسقطها على الاختلاف المحمود بين الفقهاء كاستعمال فقهي، لكن الأصل أنها في الاختلاف المذموم في استعمال شيخ الإسلام.
نعم، قال وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. طيب، إذاً قالوا مثال أقوال الكفار في الأنبياء ما ذكره الله سبحانه وتعالى؛ أي لما كان الكفار ماذا يقولون؟ ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. وقال الذين كفروا مثلاً -شوف كيف الكفار كانوا يختلفون في توصيف أمر محمد صلى الله عليه وسلم- آية رقم أربعة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. طائفة أخرى شو قالت؟ ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ تمام. طائفة في آية سبعة: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ﴾. ثم ختمت الآية: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ يعني كل واحد بعطيك وصف، كل واحد معترض على شغلة، هكذا اختلاف الكفار في موقفهم من الأنبياء. فبين سبحانه أن الكفار ضربوا له أمثالاً كلها باطلة، ضلوا فيها عن الحق فلا يستطيعون مع الضلال سبيلاً إلى الحق، وضرب الأمثال لله يتضمن تمثيله بأناس آخرين؛ جميلة هي الفكرة. ما معنى قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؟ ما معناها يا شيخ إقبال؟ أنه شبهوه بأناس آخرين، هذا معنى ضربوا له الأمثال أنه أعطوك وصف أناس آخرين. قال وضرب الأمثال له يتضمن تمثيله بأناس آخرين وجعله في تلك الأنواع التي ليس هو منها ولا مماثلاً لأفرادها، جعلوه ضمن أناس وأفراد وأنواع؛ جعلوه من الملوك، جعلوه من القصاصين الذين يقول أساطير الأولين، جعلوه من الأفاكين، وهذه كلها جعلوه حاشاه صلى الله عليه وسلم؛ جعلوه كأناس وقاسوه على أناس هو لا يقاس عليهم، حاشاه صلى الله عليه وسلم.
مثل قولهم ﴿افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، أنتم هنا مثلتوه بماذا؟ بالكاذب المستعين بمن يعينه على ما يفتريه، ومثلوه بمن يستكتب أساطير الأولين فتقرأ عليه طرفي النهار وهو يتعلم من أولئك ما يقوله، ومثلوه أحياناً بمن بالمسحورين، كلها أمثال ضربوها له حاشاه صلى الله عليه وسلم. كذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، واقرأ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾؛ هذا مطن الشاهد، ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، هذا معنى أنهم جعلوه مسحوراً؛ أنها في الآيات السابقة أيضاً صح، صح مذكورة في سورة الفرقان، صحيح. فكرة أنه جعلوه كالرجل المسحور في الفرقان وفي سورة الإسراء أيضاً.
في سورة الحجر كيف مثلاً ماذا قالوا؟ ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. فمعنى ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أظن من أحد تفاسيرها أنهم... أو عفواً ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ من أحد تفاسيرها أنهم جعلوا القرآن، كل واحد يصفه بوصف، فقسم وصفوه كما قال سحر، قسم قالوا القرآن شعر، قسم قالوا القرآن كهانة، وهكذا. كما قال كثير من السلف: الذين جعلوا القرآن عضين، هي موجودة عندكم، هم الذين عضوه فقالوا: سحر، وشعر، وكهانة، ونحو ذلك. وأيضاً في الآية التي تليها قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، بعدين في الآية التي بعدها: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾؛ كيف هم بعض الكفار قالوا هو شاعر، بعضهم قالوا هو كاهن. كذلك في الآية التي بعدها: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾؛ بعضهم قال إنه كاهن، بعضهم قال مجنون، حاشاه صلى الله عليه وسلم.
أيضاً في سورة الشعراء، وموطن الشاهد في الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾؛ يعني قضية التكذيب هذا، أظن هو الشاهد الذي يدل على تكذيبهم بالقرآن. ثم قال تعالى، أيوه نكمل، إذاً: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، أيوه هذا موطن الشاهد، إذاً التي هي في المقطع الذي يلي، أنهما كلياتهما متتابعة: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾؛ إنه ماذا كانوا يقولون عن القرآن؟ شو توصيفهم للقرآن هنا؟ مثلاً في سورة الشعراء أنه تنزلت به الشياطين، فالله عز وجل يقول: لا، هذا القرآن ما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون، إنهم عن السمع لمعزولون؛ ممتاز، هذا هو. ثم أخبر ما الذي تتنزل به الشياطين، أنها تنزل على كل أفاك أثيم، فبعض الكفار كانوا يقولون: جاء محمد شيطانه، مش كانوا يقولون أو جاء محمد شيطانه؟ كانوا يدعون ذلك، هذا موطن الشاهد في سورة الشعراء. شيخ، ممكن يكون موطن الشاهد موضوع أيضاً للشعر هنا، قال يعني ذكر أنه الشعراء يتبعهم الغاوون، أنه هذا وصف الشعراء الذين تقول إن محمد صلى الله عليه وسلم منهم، فهذا وصف مغاير لما عليه محمد، وهذا أيضاً يمكن يكون شيئاً إضافياً؛ نعم أحسنت، في الآية أنهم قضية الشعر في توصيفهم له، كذلك في الآية التي بعدها.
اختار من سورة العنكبوت شيخ الإسلام ابن تيمية موطن الشاهد: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾، قلنا ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وأيضاً في أولها: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾؛ تمام، قضية أن البعض قال إن محمداً صلى الله عليه وسلم تلقاه أو كتبه أو تعلمه، فالله نفى عنه أن يكون كتبه أو تلقاه من أحد، وقالوا ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾، نفس الشيء التكذيب بحاله. أيضاً في سورة الطور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾، قالوا إن هذا تقول، افتراه، ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾؛ كذلك في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ كذلك في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾، الشك؛ كذلك في سورة الذاريات: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ وتكمل الآيات التي بعدها ما بعدها نعم ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ إلى آخرها.
وقد أخبر الله تعالى أن هذه سنة الكفار في الأنبياء من قبل، وكما قال: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، هذا موطن الشاهد؛ وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾؛ أي ما تتهم فيه يا محمد، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، نفس الاتهامات التي اتهم بها الرسل من قبلك أنت اتهمت بها، وهذه آية عامة عموماً. كذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾؛ وجود أعداء له الذين يكذبون عليه ويفترون عليه، هذه أيضاً آية عامة.
وقد أخبر سبحانه أن الكفار قالوا عن موسى عليه السلام إنه ساحر وإنه مجنون، فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾؛ إذاً هذا ما يقال، قيل للنبي عليه الصلاة والسلام ونفسه وقيل لموسى، قيل إنه ساحر وقيل غير ذلك، نعم. قال وكذلك قالوا عن المسيح بن مريم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ...﴾
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصف: 6].
وذكر تعالى عن اليهود أنهم قالوا على ابن مريم وعلى مريم بهتانًا عظيمًا. فقول اليهود في المسيح من جنس أقوال الكفار في الأنبياء، وكذلك قول كفار أهل الكتاب في خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
وإن قالوا نحن مقصودنا بيان تناقضه، وأن كلامه ينقض بعضه بعضًا؛ قيل فهذا أيضًا يستلزم أنه ليس رسولًا صادقًا، فلا يصح الاحتجاج بشيء من قوله على هذا التقدير، وإن كنا نحن نبين أنه ولله الحمد قوله يصدق بعضه بعضًا، وكذلك يصدق قول الأنبياء قبله، ولا يوجد تناقض إلا في أذهانكم. وإن قول الأنبياء كلهم يوافق صالح العقل، فلا يتناقض شيء من الحق المعلوم بسمع أو عقل.
ما المقصود بتناقضه؟ ولماذا؟ ما الذي يدعيه النصارى؟ هم لهم طريقتان، في بداية الرسالة كانوا يزعمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه مرسل إلى العرب، لكن أتباعه ادعوا أنه مرسل إلى العرب، ثم في آخر الرسالة وصل بولس الأنطاكي إلى نتيجة، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم ادعى أنه مرسل إلى العرب وهو ليس صادقًا، وأن كلامه الأول يدل على أنه ليس صادقًا لأنه كان قال في مقام آخر إنه مرسل إلى العرب فقط. فيقولون: يا محمد والعياذ بالله هكذا يقولون إنك قلت في بداية الأمر إنك مرسل إلى العرب، ثم بعد ذلك أتيت بالنصوص وتقول إنك مرسل إلى الجميع، فهذا تناقض من قولك، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون في ذلك تناقض.
فإذا علم هذا، فنقول بعد ذلك لمن قال عن محمد صلى الله عليه وسلم إنه رسول أرسل إلى عرب الجاهلية دون أهل الكتاب، إنه من المعلوم بالضرورة لكل من علم أحواله بالنقل المتواتر الذي هو أعظم تواترًا مما ينقل عن موسى وعيسى وغيرهما، وبالقرآن المتواتر عنه، وسنته المتواترة عنه، وسنة خلفائه الراشدين من بعده، أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه أرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى.
بل ذكر أنه أرسل إلى جميع بني آدم عربهم وعجمهم، من الروم والفرس والترك والهند والبربر والحبشة والسودان، بل إنه أرسل إلى الثقلين الجن والإنس جميعًا. وهذا كله من الأمور الظاهرة المتواترة عنه التي اتفق على نقلها عنه أصحابه مع كثرتهم وتفرق ديارهم وأحوالهم، وقد صحبه عشرات الألوف لا يحصي عددهم على الحقيقة إلا الله تعالى، ونقل ذلك عنهم التابعون وهم أضعاف الصحابة عددًا، ثم ذلك منقول قرنًا بعد قرن إلى زمننا مع كثرة المسلمين وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر بذلك قبل أن يكون، فقال في الحديث الصحيح: «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها».
وكان كما أخبر، فبلغ ملك أمته طرفي العمارة شرقًا وغربًا. وانتشرت دعوته في وسط الأرض، في الإقليم الثالث والرابع والخامس، لأنهم أكملوا عقولًا وأخلاقًا وأعدلوا أمزجة، بخلاف طرفي الجنوب والشمال، فإن هؤلاء نقصت عقولهم وأخلاقهم وانحرفت أمزجتهم. أما طرف الجنوب فلقوة الحرارة احترقت أخلاطهم الداخلية فسودت ألوانهم وتجعدت شعورهم، وأما طرف الشمال فلقوة البرد لم تنضج أخلاقهم.
ولهذا لما ظهر الإسلام غلب أهله على وسط المعمورة؛ هم أعدل بني آدم وأكملهم، والنصارى الذين تربوا تحت ذمة المسلمين أكملوا من غيرهم من النصارى عقولًا وأخلاقًا، وأما النصارى المحاربون للمسلمين الخارجون عن ذمتهم من أهل الجنوب والشمال فهم أنقص عقولًا وأخلاقًا، ولما فيه من نقص العقول والأخلاق ظهرت فيهم النصرانية دون الإسلام.
والمقصود أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو نفسه دعا أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإيمان به وبما جاء به، كما دعا من لا كتاب لهم من العرب وسائر الأمم. هو الذي أخبر عن الله تبارك وتعالى بكفر من لم يؤمن به من أهل الكتاب وغيرهم، وبأنهم يصلون جهنم ولا نصير، وهو الذي أمر بجهادهم ودعاهم بنفسه ونوابه.
وحينئذ فقولهم في الكتاب لم يأت إلينا بل إلى الجاهلية من العرب، سواء أرادوا أن الله بعثه إلى العرب ولم يبعثه إلينا، أو أرادوا أنه ادعى أنه أرسل العرب لا إلينا؛ فإنه قد علم جميع الطوائف أن محمدًا دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به، وذكر أن الله أرسله إليهم وأمره بجهاد من لم يؤمن به منهم. فإذا قيل مع هذا إنه قال: «لم أبعث إلا إلى العرب»، كان كذبًا ظاهرًا عليه، سواء صدقه الإنسان أو كذبه.
فدعا أهل الكتاب كما دعا الأميين؛ أما اليهود فإنهم كانوا جيرانه في الحجاز وبالمدينة وما حولها وخيبر، فإن المهاجرين والأنصار كلهم آمنوا به من غير سيف ولا قتال، بل لما ظهر لهم من براهين نبوته ودلائل صدقه آمنوا به. وقد حصل من الأذى في الله لمن آمن بالله ما هو معروف في السيرة، وقد آمن به في حياته كثير من اليهود والنصارى بعضهم بمكة وبعضهم بالمدينة، وكثير منهم كانوا بغير مكة والمدينة.
فلما قدموا المدينة تعاهد من لم يؤمن به من اليهود ثم نقضوا العهد، فأجلى بعضهم وقتل بعضهم لمحاربتهم لله ورسوله، وقد قاتلهم مرة بعد مرة؛ قاتل بني النضير وأنزل الله تعالى فيهم سورة الحشر، وقاتل بني قريظة عام الأحزاب وذكرهم الله في سورة الأحزاب، وقاتل قبلهم بني قينقاع، وبعد هؤلاء غزا خيبر هو وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة وكانوا ألفًا وأربعمائة، ففتح الله عليهم خيبر وأقر اليهود فيها فلاحين، وأنزل الله تعالى سورة الفتح يذكر فيها ذلك، فكيف يقال إنه لم يذكر أنه أرسل إلا إلى مشركي العرب وهذه حال اليهود معه؟
وأما النصارى، فإن أهل نجران الذين باليمن كانوا نصارى، فقدم عليه وفدهم ستون راكبًا وناظرهم في مسجده، وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران، ولما ظهرت حجته عليهم وتبين لهم أنه رسول الله إليهم أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].
فلما دعاهم إلى المباهلة طلبوا أن يمهلهم حتى يتشاوروا، فتشاوروا فقال بعضهم لبعض: تعلمون أنه نبي، وأنه ما باهل قوم نبيًا إلا نزل بهم العذاب، فاستعفوا من المباهلة، فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون لما خافوا من دعائه عليهم لعلمهم أنه نبي.
ودخلوا تحت حكمه كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدوا إليه الجزية، وهم أول من أدى الجزية من النصارى، واستعمل عليهم وعلى من أسلم منهم عمرو بن حزم الأنصاري وكتب له كتابًا مشهورًا يذكر فيه شرائع الدين، فكانوا في ذمة المسلمين تحت حكمه.
حكم الله ورسوله، ونائب رسوله عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله عنه وقصته مشهورة. عمرو بن حزم هو الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على منطقة نجران وما حولها. وقصته مشهورة متواترة نقلها أهل السير وأهل التفسير وأهل الحديث وأهل الفقه، وأصل حديثهم معروف في الصحاح والسنن كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفد نجران لما قدموا أنزل الله تبارك وتعالى بسبب ما جرى صدر سورة آل عمران. وذكر تعالى فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. وهذا نزل إما سنة تسع وإما سنة عشر، وكما ذكر ذلك غير واحد من العلماء منهم القاضي أبو يعلى وغيره؛ قالوا وجوب الحج ثبت بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. وروي أنه نزل في سنة عشر، وروي أنه نزل في سنة تسع، وهذا قول جمهور العلماء. قالوا إن فرض الحج إنما ثبت بهذه الآية.
قال وقال بعضهم ثبت ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. وهذه الآية نزلت سنة ست عام الحديبية لما صَدَّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت وصالحهم ذلك العام، وبايع المسلمين تحت الشجرة، وأنزل الله فيهم سورة الفتح. ثم رجع المدينة، وفتح الله عليهم خيبر سنة سبع، وفيها قدم عليه جعفر بن أبي طالب مع وفد الحبش، ثم أرسل جعفر بن زيد عبد الله بن رواحة لغزو النصارى لمؤتة، ثم فتح مكة سنة ثمان في رمضان. ثم في أثناء سنة تسع غزا النصارى إلى تبوك، وفيها حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف في البيت عريان، وأردف بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لنبذ العهود. وأنزل الله آية السيف المطلقة بجهاد المشركين وجهاد أهل الكتاب، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5].
هذه الأشهر عند جمهور العلماء هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 2]. فإن المشركين كانوا على نوعين: نوع لهم عهد مطلق غير مؤقت وهو عقد جائز غير لازم، ونوع لهم عهد مؤقت، فأمر الله ورسوله أن ينبذ إلى المشركين أهل العهد المطلق؛ لأن هذا العهد جائز غير لازم.
هنا شيخ الإسلام كما قلت لكم الكتاب فيه فوائد كثيرة، هي مسألة في السياسة الشرعية طبيعة المعاهدات مع الكفار. شيخ الإسلام يرى أن المعاهدات مع الكفار على نوعين: إما أن تكون علاقتك مع الكفار هدنة مطلقة؛ يعني هدنة مفتوحة ولكن هذا عقد جائز، كيف البيوع عقد جائز وعقد لازم. شيخ الإسلام يقول الهدن على نوعين: هدنة مطلقة، أنه نحن وإياكم يا أيها الكفار، يا أيها اليهود، يا أيها الصليبيون بيننا هدنة مفتوحة، ما بدنا نحددها، ممكن تزيد عن عشر سنين أو تقل، بس هي مطلقة، وهي عقد جائز، يعني مش ملزم لنا أن نستمر ولا ملزم لكم أن تستمروا، وفي الوقت اللي يخلص بدكم تنهوها بنهيها، أو أنا بدي أخلصها بقول لكم: السلام عليكم، أنا منهي هذه الهدنة. أو النوع الثاني: هي الهدن المؤقتة؛ وثيقة مؤقته كما كتبها النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: توضع الحرب 10 سنين، أو وثيقة بيننا وبين النصارى في بلد معين مؤقتة لسنتين. قال هذه نوع ثاني من الهدن اسمه الهدن المؤقتة، قال وهذه عقد لازم؛ ايش يعني لازم؟ يعني ما بيطلع لك تفسخه إلا إذا هم نقضوها، بدك تستمر لنهاية السنتين.
فأمر الله رسوله أن ينبذ المشركين أهل العهد المطلق؛ فاهل العهد المطلق هم الذين قال الله لهم بعد أربعة أشهر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، هذول أهل الهدن المطلقة؛ لأنه هذا عقد جائز، أنا بدي أتركه وخلص وبدي أبدأ قتال فيكم. ومن كان له عهد مؤقت فهو عهد لازم؛ هؤلاء الذين قال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4]، لأنه عقد لازم يعتبر، فأمره الله أن يوفي له إذا كان مؤقتاً.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الهدنة لا تجوز إلا مؤقتة، وذهب بعضهم إلى أنه يجوز للإمام أن يفسخ الهدنة المؤقتة مع قيامهم بالواجب، وهذا رأي فقهي أن الهدنة المؤقتة مش عقد لازم ويصير أنت تفسخها وإن كانوا هم لم يظهر منهم ناقض، وهذا غير صحيح يقول شيخ الإسلام. وصواب القول الثالث أنها تجوز مطلقة ومؤقتة، فأما المطلقة فجائزة غير لازمة، يُخير بين إمضائها وبين نقضها، والمؤقتة لازمة.
والمقصود هنا ذكر قدوم وفد نجران النصارى: السيد والعاقب ومن معهما. وفد نجران كان زعماؤهم واحد اسمه السيد وواحد اسمه العاقب، وغيره، هي ألقاب لهم مش أسماء شخصية. قال أبو الفرج ابن الجوزي: ثم دخلت سنة عشر من الهجرة، فمن الحوادث فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب. قال ابن إسحاق: بعث رسول الله خالداً في ربيع الآخر أو جمادى الأولى في سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم. ثم قال: وفيها قدم وفد الأزد، وفيها قدم وفد غسان، وفيها قدم وفد زبيد، وفيها قدم وفد عبد القيس. قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس وكان نصرانياً فأسلموا. وفيها قدم وفد كندة فأسلموا، وفيها قدم وفد بني حنيفة، وفيها قدم وفد بجيلة، وفيها قدم العاقب والسيد من نجران فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب صلح.
وذكر محمد بن سعد في الطبقات قدومهم في ذكر الوفود، فقال: ذكر بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب. وقدم وفد نجران فخرج إليهم أربعة عشر من أشرافهم نصارى وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم: العاقب واسمه عبد المسيح، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، وأبو الحارث أسقفهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، والسيد هو صاحب رحلتهم. فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم». ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم.
سلم، فأعرض عنهم فلم يكلمهم. فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيكم هذا فانصرفوا. فانصرفوا يومهم هذا، ثم غدوا عليه بزي الرهبان. اليوم الأول كانوا جايين لابسين بدلات وقيافة، فعثمان قال لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنكم بسبب زيكم هذا، يعني أنكم جايين بفهفه، فاليوم الثاني أتوا بلباس الرهبان، قال: فسلموا عليه فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا، وكثر الكلام والحجاج بينهم وتلا عليهم القرآن، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أنكرتم ما أقول فهلُمَّ أباهلكم. فانصرفوا فلم أباهلكم، فنزلت آية المباهلة.
لماذا شيخ الإسلام ابن تيمية سيركز على قضية وفد نجران بأسانيدها وقصصها؟ رح تلاقيه يطول النفس فيها؛ لأن وفد نجران أكبر قضية توثق أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وصل للنصارى، فكيف بـ "بورس الأنطاكي" تقول لا، أصلاً النبي عليه الصلاة والسلام قال إنه مرسل إلى العرب؟ قصة وفد نجران وما نزل فيها من القرآن أكبر شاهد في السيرة النبوية يوثق إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى النصارى، لذلك أطال النفس فيها شيخ الإسلام.
قال: فانصرفوا على ذلك، فغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد بدا لنا أن لا نباهلك، فاحكم بيننا بما أحببت، نعطيك ونصالحك. فنصارى نجران قالوا: ما بدنا نباهل، عرفوا أنهم سينزل بهم العذاب، قالوا: خلص ماذا تريد منا؟ احنا موافقين؛ تفرض علينا الجزية تفرض علينا ما شئت.
قال: فصالحهم على ألف حلة في رجب. وكتب وثيقة الجزية المشهورة عليهم، وكانت أغلبها من الثياب، يعني قال: عليكم تدفعوا ألفي حلة في رجب وألف حلة في صفر، أو قيمة كل حلة من أواقي الفضة، وألزمهم أيضاً أن يعيروا جيوش المسلمين ما تحتاج: 30 درعًا، و30 رمحًا، و30 بعيرًا، و30 فرسًا إذا احتاج المسلمون لها في الجيش؛ إن كان باليمن، متى؟ إذا كان في اليمن معارك أنتم مطلوب منكم تعيروا الجيش الإسلامي هذه الأمور.
قال: ولنجران وحاشيتهم بناءً على هذه المعاهدة، إذا أنتم أديتم هذه الجزية وهذه العواري، لنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم، يعني الحاضر والمسافر، وبيعهم؛ بيعهم دور النصارى، لا يغير أسقف من أساقفته، يعني الأساقفة بضلوا زي ما هم، ولا راهب من رهبانيته، ولا واقف من واقفانيته، الواقف ايش قال؟ خادم البيعة، يعني خادم النص. قال: وأشهد على ذلك شاهدًا منهم، أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة. مين شهد على هذا العقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ونصارى نجران؟ هؤلاء الصحابة الثلاثة.
قال: فرجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وأنزلهم الله السيد والعاقب نص الطريق رجعوا وأسلموا، وأنزلهم دار أبي أيوب. وأقام أهل نجران على ما كاتب به النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله. ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكتب بالوصاة بهم عند وفاته، يعني وصى بأبي بكر، وصى بالمحافظة على أهل نجران وعلى ذمتهم.
ثم أصابوا ربا في زمن عمر، فعلوا الربا، سياتي معنا نص في عقد الجزية مش الآن، لم يأتِ سياتي معنا بعد قليل أنه في عقد الجزية، ألا يصيبوا ربا. نعم، اشترط عليهم عمومًا ما يرتكبوا الربا، قال: بعطيكم عقد الجزية وأشترط عليكم ألا تقعوا في الربا. فلما وقعوا في الربا، معناتها نقضوا العقد، اعتبر خلص مخالفة للعقد الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لكم، وبالتالي قام عمر.
قال: ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم، وكتب لهم عمر، رحلهم أظن العراق لما خالفوا العقد. رحل عمر نصارى أهل نجران العراق. وكتب لهم: هذا ما كتب أمير المؤمنين، وهذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران، أنه من سار منهم أنه آمن بأمان الله، لا يضرهم أحد من المسلمين، ووفى لهم بما كتب لهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا من سار منكم، يعني خلص اطلعوا من نجران وروحوا للعراق والشام، معطيكم الأمان حتى توصلوها تمام.
أما بعد، لاحظ ماذا قال: أما بعد، فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق، فليوسعهم من خراب الأرض، فليوسعهم من خراب الأرض، يعني فلينزلهم منطقة مهجورة. يعني عمر أوصى أمراء العراق والشام، رح يجوكم نصارى نجران، شوفوا أرض فاضية، باختصار خراب أرض فاضية، نزلوهم فيها، خلص خلي القبيلة تستوطن عندكم؛ لأن عمر أراد أن يخرجهم من جزيرة العرب.
قال: فما اعتملوا من ذلك فهو لهم، صدقة وعقبة لهم مكان أرضهم، لا سبيل عليهم. فما اعتملوا من ذلك يعني الأرض اللي أشتغلوا فيها، اعتملوا يعني الأراضي مش نزلناهم أرض موات رح يشتغلوا فيها، الأراضي اللي بيشتغلوا فيها يترزقوا منها خلص يعني، وإن شاء الله تعويض لهم عن الأراضي اللي أخرجناهم منها جزيرة العرب، هذا معنى وعقبة لهم، عقبة هي بديل لهم مكان أرضهم اللي احنا أجليناهم منها من جزيرة العرب، لا سبيل عليهم لأحد ولا مغرم، يعني ما أحد له عليهم سبيل ولا شيء.
قال: أما بعد، فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم؛ فإنهم أقوام لهم الذمة، وجزيتهم عنهم متروكه 24 شهرًا بعد أن يقدر، عفاهم عمر من الجزية مدة سنتين؛ لأنه بتعرف هي رحلة، يعني نجران وبده يبلش يؤسس حقيقة جديدة في الشام والعراق. فعمر شوف العقلية السياسة الشرعية أنه أنا، يعني بعض الناس لو بدك يقول له تعال جزية، لا، لازم الجزية اليوم تفرض، العلاقة ما هي الجزية قضية مصلحية، يعني نحن بدنا نشوف ايش واقع هذول الجماعة، بيقدروا يدفعوا، مع قضية تقبل الجهاد، يعني الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
هؤلاء جماعة أنا هجرتهم من نجران إلى العراق، بالتالي شيء طبيعي أنه ما يكونوا أول سنة سنتين قادرين أن يدفعوا الجزية، لأنهم بدهم يبدأوا يؤسسوا حياة ويبنوا بيوت وراح تكون عليهم مسؤوليات مالية، فرحمة الإسلام حتى بهؤلاء اليهود والنصارى أني خلص أنا بعفيك عن الجزية سنتين. هل عمر خالف شريعة رب العالمين يا جماعة؟ هل بدل أحكام الله؟ هل ترك التحكيم بالشريعة يعني هي العبارات اللي بعض الناس بيطلقها، ولا هي نظرة مصلحية بميزان الشريعة مش بميزان الهوى؟ هذا ننتبه أنه عمر يحكم بميزان الشريعة.
فرأى عمر أنه أنا صح الله عز وجل قال حتى يعطوا الجزية عن يد، لكن هنا في منطق، منطق أنه هؤلاء الشريعة تقوم على العقلانية الصحيحة. الشريعة لا تحمل الإنسان فوق طاقته، مش لأنه هو بدي أنا أحاسبه وأعذبه، يلا بدها تذهب وتدور على مصاري تدفع الجزية، حتى لو لفيت، الإسلام لا ينظر بهذه الطريقة ولا يعالج الأمور بهي الحرفية، وإنما ينظر إلى المصلحة العامة، وعمر كان من فقهاء الإسلام، سبحان الله، كان يعرف أن الإسلام يعني يرى خير الخيرين وشر الشرين والمصالح العظمى فيراعيها عمر في فتاويه وفي سياسته الشرعية التي سلكها.
قال: ولا يكلفوه إلا من ضيعتهم التي اعتملوا غير، نعم بعد السنتين لما يدفعوا الجزية ما بنكلفهم إلا من ضيعتهم، من المناطق اللي زرعوها يعطونا الجزية منها، أنا ما رح أحملهم فوق طاقتهم. غير مظلومين ولا متعسف عليهم، متعسف عليهم يعني ما في تعسف ولا جور عليهم. شهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعيقيب بن أبي فاطمة. نعم هذه الوثيقة التي كتبها عمر، من شهد عليها؟ الخلفاء كانوا يشهدون على الوثائق، عثمان ومعيقيب.
فوقع ناس منهم العراق فنزلوا النجرانية التي من ناحية الكوفة، سبحان الله أغلبهم نزل وين؟ ناحية الكوفة، صار في منطقة الآن ما بعرف إذا لسه للآن اسمها منطقة النجرانية في منطقة في الكوفة اسمها منطقة النجرانية. هذول مين هم؟ هذول نصارى نجران اللي نزلوا في الكوفة صار لهم حي، كأنه يقول لك حي النجرانية لأنهم نزلوا فيه.
ما ذكره ابن سعد عن محمد المدائني عن شيخه في حديث في وفد نجران فهو يوافق ما ذكره ابن إسحاق، فإن قوله أربعة عشر من أشرافهم يوافق؛ قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، في الأربعة ثلاثة نفر إليهم يقول أمرهم، العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم الذين لا يصدرون إلا عنه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ونجعتهم، واسمه أيهم. الثمال هو الملجأ، يعني هو الذي يستغيث به القوم.
وأبو حارثة بن علقمه، أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحبهم، قبل شوي مرس أبو الحارث، قال أبو الحارث في اختلاف بين سياق ابن سعد وسياق ابن إسحاق في تسميته. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ووهبوا هذا أبو الحارث اللي كان مع وفد نجران. هذا رجل صاحب علم في الدين النصراني، وبالتالي حتى ملوك الروم اللي كانوا في الشام كانوا يعظمون أبا الحارث اللي في نجران، ويرون أنه رجل عالم بدين النصارى.
ومولوه، أخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا له الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجهًا، وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمه، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال لما يا أخي؟ فقال والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر. فقال له كرز: فما منعك منه وأنت تعلم هذا؟ فكرز شو بيحكي له: طب إذا أنت عارف إنه نبي يا أبا الحارث ليش ما اتبعته؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه.
سبحان الله، شوف الدنيا لما تدخل على العالم كيف يصبح يفتي بما يريد السلطان، أبو الحارث صريح قال: أنا اللي منعني أن أؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه ملوك الروم شرفوني وبنوا لي وعملوا لي، صار صرت رئيس وعندي هيئات ومجالس وأموال وسيارات وقصور، معقول أترك هذا وأتبع بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ شوف الدنيا لما تدخل على العالم كيف تؤثر حتى في أفكاره وتوجهاته واختياراته، لذلك كان دائمًا العلماء يبتعدون عن السلاطين وعن أموالهم وعن أحوالهم؛ لأنه مهما كنت تزعم أنك قوي، لا أنا لا أفتن، ابتعد عن أبواب السلطان فإن أبواب السلطان فتن. أبو الحارث اللي منعوه أن يسلم النعيم الذي وضعوه فيه، وهو يعلم أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فلو فعلت لنزع من كل ما تراه، فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمه حتى أسلم بعد ذلك. فأخوه كرز بن علقمه حطها بباله، سبحان الله مع أن كرزًا هو الذي شتم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن عرف أنه أخوه صاحب دنيا، يعني أنت عارف إنه نبي وما بدك تتبعه بس من أجل الدنيا، فكرز حط هذه المعلومة في ذهنه وقرر المسلم بعد ذلك.
شيخ، ممكن أنه كرز برضه ما كان طاله شيء من الأموال، كان هو هذه نعمة ترى أنه ما يكون طالك شيء من هالاموال وأنه هذه نعمة.
قال: وهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني. قال ابن هشام: وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبًا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرئاسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتمًا مع الخواتم التي قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فعثر، فقال: تعس الأبعد، يريد الرسول، فقال: بل أنت تعست. هذه سياق آخر، هذا سياق ابن هشام، الآن طارق سياق ابن سعد، الآن ابن هشام نفس الشيء ذكر نفس القصة، فخرج الرئيس الذي كان على النبي صلى الله عليه وسلم فعثر فقال:
في سياق ابن سعد كان أخوه، هنا في سياق ابن هشام ابنه، فقال: تعس الأبعد، يريد النبي حاشاه. فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبي، واسمه في الوضائع. شو يعني الوضائع؟ في الرسائل المختومة؛ يعني النصارى في نجران كان عندهم كتب مختومة، شو يعني مختومة؟ مسكرة، يتوارثها الرؤساء ولا يعطونها للناس. فهذا الرجل أبو الحارث لما طلع في سياق ابن هشام، وابنه قال: تعس الأبعد، فأبوه قال له: لا تشتمه، ترى اسم هذا الرسول موجود عندنا في الكتب المختومة.
فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم؛ لما مات هذا الرجل أبو الحارث على سياق ابن هشام أنه ابنه، كان همه أنه يفتح هذه الرسائل ويشوف إيش فيها؛ هذه الرسائل المختومة التي ما حدا راضي يفتحها، لم يكن عند ابنه همة إلا أن شد، يعني أسرع فكسر الخواتم الموجودة على الكتب، بده ينظر في اسم محمد صلى الله عليه وسلم الموجود في الكتب التي يتوارثونها. قال: فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فحسن إسلامه، وحج وهو الذي يقول: إليك تغدو قلقاً وضينها، معترضاً في بطنها جنينها، مخالفاً دين النصارى دينها. سبحان الله، إليك يا رب تغدو هذه الجمال حاجة بيتك الحرام، مخالفة دين النصارى؛ هذا ابنه بعد ما أسلم أصبح يقول.
قال ابن إسحاق: وحدثنا محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد الرسول يصلون، فقال: دعوهم فصلوا إلى المشرق. شوف هذا، حتى هذا البعد في السياسة الشرعية؛ يعني هؤلاء وفد من النصارى دخلوا المسجد النبوي، وجايين لمفاوضات ويعرضوا أنفسهم ويناقشوا، دخلوا في وقت صلاتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم أن يصلوا صلاتهم باتجاه المشرق. هذا بعد في السياسة الشرعية كبير وخطير، أنت متخيل أن هؤلاء -أنت تعرف أن صلاتهم صلاة شركية، شو صلاة النصارى؟ ما أنتم بتعرفوا كيف يثلثون وقصصهم- يمارسون صلاة شركية ودخلوا المسجد النبوي، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام من باب السياسة الشرعية أذن لهم أن يمارسوا هذه الصلاة. أنت تتخيل اليوم نظام إسلامي جايك ناس نصارى ولا يهود وحان وقت صلاتهم داخل المسجد، رح تقول لهم أو تأذن لهم أن يمارسوا مثل هذه الأمور، ولا ستعتبر أنه لا حماية لجناب التوحيد؟
أحياناً نشعر أننا نستحضر بعض الأدبيات التي هي الإسلام نفسه لم يطلبها، سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لم تطالب بمثل هذا المستوى، بل أعطت مساحة من السعة في التعامل حتى مع المخالفين، أعطت مساحة من التعامل مع المخالفين هذه من سقف السياسة الشرعية. يعني هو أكيد مش كل يوم رح يدخل المسجد يصلي، لكن أنا عارف أنه الآن هو دخل ولسه الرجل على دينه وأنا معطيه الأمان يدخل عندي، بالتالي فيه نوع من، مش لأنه صلاتهم صحيحة أقرهم حاشاه صلى الله عليه وسلم، لكن هو يدرك أنه أنا الآن لست في صدد مواجهة عسكرية معه، لست في صدد إلغاء القوم، لا من التودد وحسن التعامل مع المخالف أنه أنت الآن معطيك أنا الأمان، تعطي مساحة أن يمارس شعائر حتى في المسجد النبوي، وهذا السياق ينقله العلماء والأئمة في كتبهم، يعني ما أحد أنكر هذا السياق.
هل أحد من العلماء أنكر هذا التصرف وقال: هذا سياق ضعيف لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم؟ ما حدا أنكرها، يعني ابن تيمية ينقل هذا السياق، سياق المقر له صحيح، يعني هو مش معترض على القصة أنه في إشكالية في سندها أو في متنها، كيف يأذن لهم أن يصلوا صلاتهم الشركية نحو المشرق في المسجد النبوي؟ هذا البعد في التعامل مع المخالف يجب أن يفهمه الشباب والجيل، وأن يعرف أن القضية فيها مساحات، وأن ما يضيق به البعض ويتشنج فيه البعض هذا غير صحيح، ولا يمثل روح الإسلام في التعامل مع المخالف والهدوء في تحقيق مصالح الإسلام العليا.
قد يكون الأثر أكبر في حال كنت أنت الأضعف، يكون الأثر لما صلى في المسجد عندك مثلاً أو أدى شعيرة فيه؛ الإسلامية الضرر بيكون عالياً نوعاً ما. أما لما هو، أنا أتفق معك يا عبد الرحمن أنه لا بد أن تقدر المصلحة، أنا إذا في لحظة معينة شعرت أن هذا الموضوع مفسدته أكبر من مصلحته لن أقبل به، بس أنا ما أريد أن أقوله أنه كل هذا داخل في ميزان المصالح والمفاسد، وأنه مش قضية ثوابت كما يزعم البعض في هذه التعاملات، أنه لا يجوز المساومة.. لا، أنت هدي شوي، في مساحات هذه ميزان، والله المصلحة الآن اسمح لهم ولا ما اسمح لهم ميزان، مش قضية أن هذه الخط الأحمر الذي التجاوز يعتبر خروجاً عن دائرة الإسلام، فقط هذا البعد الذي تحتاجه.
قال ابن إسحاق: وكان تسمية الأربعة الذين يؤول إليهم أمرهم: العاقب وهو عبد المسيح، وسيدهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وعمرو بن خالد، وعبد الله، ويوحنا في ستين راكباً؛ يعني هؤلاء الأربعة عشر الزعماء. قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم السيد، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلافهم، يعني على دين ملوك الروم، لأنهم كانت علاقتهم مع ملوك الروم هؤلاء صحيحهم في نجران.
مع اختلافهم من أمرهم، يقولون هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، وكذلك قول النصرانية. هم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائراً، وذلك كله بأمر الله وليجعله آية للناس. يقول شيخ الإسلام: وليس لأنه هو الله، وليس لأنه هو هذا؛ كانه تعقيب من شيخ الإسلام والله أعلم، فالذين يقولون هو الله لأنهم رأوا في ذهنهم أنه يخلق ويشفي فزعموا أن عيسى هو الله.
والذين يقولون لا عيسى هو ولد الله قالوا: يحتجون في قولهم أنه ولد الله بأنهم يقولون لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم؛ أنه قال ما له أب معروف، وهذا كلام تافه لكن هكذا كانت طريقتهم. ويحتجون في قولهم الثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وقضيت ومرت؛ أن هناك آيات كثيرة في الإنجيل والتوراة حتى في القرآن أن الله سبحانه يتحدث عن نفسه بصيغة الجمع: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا﴾ [يس: 71] قال: مين "نا" هذه؟ إذاً هؤلاء ثلاثة، أقل الجمع ثلاثة، مش خلقنا للتعظيم، "نا" هي "نا" الجمع، إذاً لما يقول الله "خلقنا" إذاً في ثلاثة: الله وروح القدس وعيسى، إذاً عيسى هو ثالث الثلاثة، وهذه حجتهم في هذا. في كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن، فالقرآن نزل: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، عالج القرآن كل هذه القضايا التي زعموها.
فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما. قالا: قد أسلمنا. قال: إنكما لم تسلما فأسلما. قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولداً وعبادتكما للصليب وأكلكما الخنزير. قال: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنه الحارث أبو الحارث العاقب. قالوا: إحنا أسلمنا، قصدنا أسلمنا بعيسى. قال: كذبتم، أنتم ما أسلمتموش، أسلموا؛ قالوا إحنا أسلمنا قبلك. قال: كذبتم، من يمنعكم من الإسلام دعواكم لله الولد وعبدكم الصليب وأكلكم الخنزير. قال: فمن أبوه يا محمد؟ أي من أبو عيسى؟ فصمت، قال: فصمت الرسول صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلافهم في أمرهم كله، أنزل الله في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. فالنبي صلى الله عليه وسلم سكت لأنه انتظر الإجابة من الله سبحانه وتعالى.
إلى بضع وثمانين آية، وذكر نزول الآيات بسبب غير واحد مثل ما ذكره محمد بن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثنا مثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، يعني عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] قال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله كذبتان، لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا يشبه أباه؟ قالوا: نعم. قال: تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه فناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، ألم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ قال: يحدث الحدث يعني الذهاب إلى دورة المياه مثله مثل غيره، إنه يشرب. نعم، قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
شوف الكلام الجميل، يعني الآن لو كان عيسى ابن الله كما تزعمون، الابن يشبه أباه، الله يفعل كذا وكذا، هل عيسى يفعل كذا وكذا؟ فأراد أن يحجهم بأنه الابن يشبه أباه، وعيسى لا يفعل شيئاً من أمور الله سبحانه وتعالى.
وقد ثبت في الصحيح حديث وفد نجران في البخاري ومسلم عن حذيفة، وأخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. وفي البخاري عن حذيفة بن اليمان قال: جاء السيد والعاقب وصاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعنا، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قال: إنما نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً. إنما نعطيك ما سألتنا التي هي الجزية؛ يعني خلص أنت تريد الجزية نعطيك إياها. قال: ولا تبعث معنا إلا أميناً. قال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين. قال: فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
استشرف لها الصحابة، كل واحد صار هو الذي يريد أن يكون يحظى بهذا اللقب. فمن أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ من هو أمين هذه الأمة؟ أبو عبيدة بن الجراح. إذاً، عمرو بن حزم كان هو المسؤول عن نجران، وأبو عبيدة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران ليعلمهم أو يقضي بينهم أو يدير بعض الشؤون. فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة».
وفي سنن أبي داود وغيره، قال أبو داود: أخبرنا مصرف بن عمرو اليامي، حدثنا يوسع بن بكيل، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألف حلة، النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يغزون بها -أي يغزو بها المسلمون بعد أن يستعيروها- والمسلمون يضمنونها لهم حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن معارك وكيد احتاج المسلمون فيها لهذه المعونة من الأسلحة. بشرط على ألا تهدم لهم بيعة، اللي هو مكان تعبدهم، ولا يخرج لهم قس، ما بصير أننا نتعرض للقساوسة، ولا يفتنون عن دينهم، بشرط ما لم يحدثوا حدثاً؛ يعني يتآمروا على الإسلام والمسلمين، أو يأكلوا الربا. زي ما حكينا قبل شوي، اشترط عليهم أنه ما تأخذوا الربا.
قال إسماعيل: فقد أكلوا الربا في زمن عمر، فعمر أجلاهم بعد أن خالفوا شرط الهدنة أو شرط الوثيقة. والله هذا قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم اشتراط اشتراطاً خاصاً، يعني لم يظهر لي أنه فعل ذلك بالجميع، هذا اشتراط خاص عليهم والله أعلم به. الربا محرم في دينهم؛ ممكن يكون محرماً في دينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، بالتالي منعهم من... ممكن لها أبعد، الله أعلم.
قال أبو داود: إذا نقضوا بعض ما شرط عليهم فقد أحدثوا. وما ذكره أبو داود وأهل السير من مصالحة أهل نجران على الجزية المذكورة معروف عند أهل العلم. وقد ذكر ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال؛ ذكره من طريقين. قال أبو عبيد: حدثنا أبو أيوب الدمشقي، قال: حدثنا سعدان بن يحيى، عن عبيد الله، كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام له كتاب مشهور في السياسة الشرعية المالية اسمه "كتاب الأموال"، هذا كتاب مشهور لأبي عبيد ويعتبر مرجعاً في الوثائق المالية والجزية والعقود التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون مع اليهود والنصارى وأهل الكتاب وأصحاب الأديان، إنه يوثقها بالنصوص.
قال عن أبي المليح الهذلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل نجران، فكتب لهم كتاباً: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران؛ إذ كان له حكمه عليهم: أن في كل سوداء وبيضاء وصفراء وحمراء أو ثمرة ورقيق، أفضل عليهم وترك ذلك لهم ألفي حلة، في كل صفر ألف حلة، وفي كل رجب ألف حلة، كل حلة أوقية، وما زاد الخراج أو نقص فعلى الأواقي فليحسب، وما قبضوا من ركاب أو خيل أو درع أخذ منهم بالحساب. وعلى أهل نجران أن يقروا رسلي عشرين ليلة فما دونها». ألزم أهل نجران أن يضيفوا المبعوثين من النبي عليه الصلاة والسلام عشرين ليلة؛ طعامهم وشرابهم.
قال: «وعليهم عارية ثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين درعاً، إذا كان كيد باليمن ذو مغدرة، وما هلك مما أعار رسل فهو ضامن على رسله حتى يؤدوه إلي»، إذاً أنتم أعرتونا الأسلحة والجمال، إذا هلك شيء منها إحنا ضامنينه لكم. قال: «ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على جميع أموالهم وملتهم وبيعهم ورهبانيتهم وأساقفتهم، وشاهدهم وغائبهم، وكل ما تحت أيديهم قليل أو كثير. وعلى ألا يغيروا أسقفاً من أسقفيته، ولا واقهاً من واقيها، ولا راهباً من رهبانيته. وعلى ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يطأ أرضهم جيش. ومن ملك منهم حقاً فالفالنصف بينهم بنجران، وعلى ألا يأكلوا الربا. من أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة، وعليهم الجهد والنصح فيما استقبلوه غير مظلومين». ومن ذي قبل يعني في المستقبل، يعني من أكل الربا من الآن فصاعداً فذمتي منه بريئة. قال: شهد عثمان بن عفان ومعيقيب.
قال أبو عبيد: الواقي هو ولي العهد في لغة بني الحارث بن كعب، يقول: إذا مات هذا الأسقف قام مكان هذا، هذا معنى «ولا واقهاً من واقيها» في النص السابق؛ لأنه قال: وعلى ألا يغير أسقفاً، طلب منهم أن كل أسقف ومسؤول يبقى على حاله، ما تغيروا الأساقفة، وأن ولي العهد عندكم هذا معنى الواقي. يعني كان المسؤول عنهم كيفنا حاكم وولي عهد ما تغيروه، يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام ألزم بني نجران أن يقوموا بتبديل أساقفتهم وولاة عهدهم، وأن يبقوا كما كانوا، وهذا قد يكون في بعد مصلحي رآه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما يعطيهم المساحة في التلاعب بالمنصب الكنسي أو منصب ولاية العهد.
قال أبو عبيد: قال أبو أيوب، حدثني عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وزاد في حديثه قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا أبا بكر فوفى لهم بذلك، وكتب لهم كتاباً نحو من كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلما ولي عمر بن الخطاب أصابوا الربا في زمانه، فأجلاهم عمر، وكتب لهم: «أما بعد فمن وقعوا به من أمراء الشام أو العراق، فليوسعهم من خراب الأرض، وما اعتملوا من شيء فهو لهم لوجه الله، وعوضهم من أرضهم عقبة»، يعني بدل من أرضهم.
قال: فاتخذوا النجرانية، وهي قرية جنب الكوفة، أصبح اسمها النجرانية كما قلنا نسبة إليهم. قال أبو عبيد: وهي قرية بالكوفة. وكتب عثمان إلى الوليد بن عقبة: «أما بعد، فإن العاقب والأسقف وسراة أهل نجران أتوني بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأروني شرط عمر رضي الله عنه، وقد سألت عثمان بن حنيف فأنبأني أنه قد كان بحث على ذلك ووجده ضاراً للدهاقين فيردعهم عن أرضهم، وإني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائة حلة لوجه الله وعوض لهم من أرضهم، وإني أوصيك بهم فإنهم قوم لهم ذمة».
قال أبو عبيد: وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة، عن هذا السند الثاني، إن أبو عبيد ذكر قضية نجران بسندين. قال ابن تيمية قبل قليل: انتهى الآن السند الأول، الآن السند الثاني الذي ذكر أبو عبيدة هي القصة، قال: فيها ابن لهيعة، السند الثاني فيه ابن لهيعة ضعيف. قال عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لأهل نجران من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحو هذه النسخة، وليس في حديثه قصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
في السند الثاني لم يذكر أبو عبيد قصة أبي بكر وعمر وعثمان. قال: وفي آخره شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة بن شعبة. إحنا مر معنا أن هؤلاء الثلاثة هم اللي شاهدهم النبي عليه الصلاة والسلام، بس هنا أضاف مالك بن عوف، لأنه كان في السند السابق إذا بتذكروا أبو سفيان والأقرع والمغيرة، هنا أضاف إسناد أبو عبيد أيضاً مالك بن عوف شهد على الوثيقة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وغيلان بن عمرو صح.
قال أبو عبيد: حدثني سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب قال: أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى. فإن قيل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64]. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى هرقل مع دحية الكلبي، مدة هدنته للمشركين، وكان أبو سفيان إذ ذاك لم يسلم، وقد حضر مدة للمشركين اللي هي مدة صلح الحديبية. الآن لما النبي صلح الحديبية مش كان يرسل في تلك الفترة أرسلها الصحابة إلى ملوك الأرض إلى كسرى وإلى الروم.
دحية الكلبي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل زعيم الروم في الشام، وأبو سفيان إذ ذاك لم يسلم؛ لأن أبا سفيان أسلم بعد صلح الحديبية قبيل فتح مكة. وقد حضر عند هرقل وسأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم. أبو سفيان أسلم عام الفتح، فدل ذلك على أن هذا الكتاب كان قبل الفتح، ونزول آية الجزية كان بعد الفتح سنة تسع، فدل ذلك على أن هذه الآية نزلت قبل آية الجزية، وقبل آية المباهلة وقدوم وفد نجران. وقدوم وفد نجران قبل آية المباهلة، وآية المباهلة قد علم يقيناً أنها نزلت في قصة قدوم وفد نجران، والمفسرون أو أهل السير ذكروا أن آل عمران نزلت من نظرة أهل نجران، وقد ذكرناه من نقل أهل الحديث بالإسناد المتصل، ونقل أهل المغازي والسير أن وفد نجران صالحهم عن الجزية، هم أول من أداها، فعلم أن قدومهم كان بعد نزول آية الجزية، وآية الجزية نزلت بعد فتح مكة، وعلم أن قدوم وفد نجران كان بعد آية السيف التي هي آية الجزية.
إذاً هو يريد أن يؤكد الشيخ ويوثق أن قدوم وفد نجران كان بعد نزول آيات الجهاد؛ لأن البعض زعم أن قدوم وفد نجران كان قبل نزول آيات الجهاد. يريد أن يوثق لا وجود اتيان وفد نجران كان بعد نزول آيات السيف وبعد فرض الجزية، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام فرض عليهم الجزية وهم أول من فرضت عليهم الجزية.
قال الزهري: أهل نجران أول من أدى الجزية. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ بعدها آيات نزلت قبل ذلك، كقوله يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون، ويكون هذا مما تقدم نزوله وتلك مما تأخر نزوله.
فالآيات هذه فيكون هذا مما تقدم هي الآيات: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، هي صحيح في الصفحة في ترتيب القرآن اللي فيكم حافظ آل عمران، هي الآيات من عند قل تعالوا إلى كلمة سواء إلى آخرها هي في الصفحة اللي بعد صفحة آية المباهلة. آية المباهلة في الصفحة اللي قبلها آخر آية صحيح: ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]. فيقول ابن تيمية إن الآيات اللي في الصفحة اللاحقة هي صحيح في ترتيب القرآن جاية بعد آية المباهلة، لكن من حيث ترتيب نزولها هي نزلت قبلها. وآية المباهلة وإن كانت قبلها في ترتيب القرآن، لكنها نزلت بعدها على النبي عليه الصلاة والسلام.
فيكون هذا مما تقدم نزوله وتلك مما تأخر نزوله، هو جمع بينهما للمناسبة. لماذا جمع الله بينهما في صفحتين متقابلتين؟ في هناك مناسبة في المعنى، أنت دورك تدبر فيها مناسبة في المعنى، لكن ليس شرطاً أن تكون هذه الآيات نزلت في نفس الحقبة التي نزلت فيها تلك الآية. عادي، ممكن آيات أهل الكتاب لما تكفرون بآيات الله نزلت في...
العام الثاني الهجري، وآية المباهلة كما يقول شيخ الإسلام نزلت في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة. وقد ذكرت ورتبت، وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضعها في صفحتين متقابلتين، فما تقول؟ هذا دليل أنه ما نزلت مع بعضها. نعم، قال: فإن الآيات كانت إذا نزلت يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها في مواضع تناسبها وإن كان ذلك متقدماً.
ما هدف كل هذا النقاش؟ أن البعض يقول: لا، وفد نجران ليس هم الذين النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليهم الجزية، وأنهم أتوا في مدة مبكرة قبل في العام الثاني أو الثالث من الهجرة. شو دليلكم؟ أن الله تعالى قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]. ولم يطلب الله نبيه في الآية أن يأخذ منهم الجزية؛ فبعض المفسرين يقول لك هذه الآيات نزلت في نجران، فشيخ الإسلام يقول لهم: لا يا جماعة، هي الآيات صحيح فيها أخذ الجزية، بس هي الآيات نزلت مبكراً في سنة اثنين أو ثلاثة هجري، وهي مش شرط تكون خطاباً لوفد نجران، هي خطاب لليهود والنصارى عموماً. وأما الآيات التي في وفد نجران بالتحديد هذه التي نزلت سنة عشر هجري، وإن كانت متقدمة في رسم المصحف، فلا تقولوا: لا، إنه وفد نجران لم يفرض عليهم الجزية، وفي خطأ في الأسانيد وكذا؛ لأنه أصلاً الآيات تكلمت: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فأنت لم تطلب أخذ الجزية منهم.
ومما يبين ذلك أن هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، هي خطاب لليهود والنصارى مش لوفد نجران بالتحديد، مما يدل على أن نزولها كترتيب كان منفصلاً عن نزول آية المباهلة لوفد نجران. وكذلك ذكر أهل العلم أنها دعاء للطائفتين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بها اليهود، فدل ذلك على أن نزولها متقدم زمنياً، فإن دعاءه لليهود كان قبل نزول الجزية من أول ما دخل المدينة. ولهذا لم يضرب الجزية على أهل خيبر وغيرهم من يهود الحجاز، ولكن لما بعث معاذ إلى اليمن وكان كثير من أهلها يهوداً، أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر؛ لأن يهود الحجاز النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم قبل نزول آية الجزية عليه. بخلاف معاذ لما أرسل إلى اليمن وأهل اليمن فيهم كان كثير يهود، أمره أن يأخذ منهم الجزية؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان بعد غزوة تبوك في السنة التاسعة، فعندها آية الجزية قد نزلت، فأمره أن يأخذ من يهود اليمن الجزية.
كأنه أشار أنه وهي مذكورة في الكتاب، هذا أيضاً دليل على أنها نزلت متقدمة. ذكر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ كانت موجودة في الرسالة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم من خلال دحية الكلبي، فهذا دليل على أن هذه الآية نزلت قبل العام العاشر والتاسع، نزلت في سنة ست أو سبعة لما كان يرسل الرسائل إلى ملوك الأرض. وهذا كان متأخراً بعد غزوة تبوك، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمن. قال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، حدثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي حوشب وغيره، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى طاغية الروم: فيما أنزل الله على محمد: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وروى بإسناده عن ابن زيد: إذاً عمر بن عبد العزيز فسر أهل الكتاب باليهود والنصارى، ولم يرَ أن الآية نازلة فقط في النصارى. وروى بإسناده عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ قال: قد بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل الكتاب فأبوا عليه فجاهدهم. طبعاً هذا كله استطراد من ابن تيمية يريد أن يؤكد به أن وفد نجران أتى في السنة التاسعة وأنه فرضت عليهم الجزية، ويريد أن يخطئ القول الذي يقول إنه موجود في السير أن وفد نجران أتوا في السنوات الأولى من الهجرة، لذلك ابن تيمية يطيل النقاش في هذه الجزئية استطراداً حتى يرد على من يقول إن وفد نجران قدم مبكراً.
وكذلك سائر الآيات التي فيها خطاب للطائفتين كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات. ومما ينبغي أن يعلم أن أهل نجران المذكورة نجران اليمن، لا نجران الشام، وأهل نجران كان منهم نصارى أهل ذمة، وكان منهم مسلمون وهم الأكثرون، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة ليدير شؤون مسلمي أهل نجران ونصارهم، وبعث للجميع واستعمل عمرو بن حزم كما قلنا كأمير على هؤلاء وهؤلاء، كما أخرج في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح». وعن أنس أيضاً أن أهل اليمن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجلاً أميناً يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة». وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: «لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين»، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح».
والبخاري عن حذيفة قال: جاء السيد والعاقب وصاحب نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحد لصاحبه: لا تفعل، فوالله إن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قال: إنا نعطيك كما سألتنا، ابعث معنا رجلاً أميناً، فقال: «لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين»، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة». وكذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم وكتب له الكتاب المشهور الذي فيه الفرائض والسنن، وقد رواه النسائي بطوله، وروى الناس بعضه مفرقاً. ومحمد بن سعد لم يذكر بعد وفد نجران إلا وفد جيشان، في كتابه الطبقات لم يذكر أصلاً أن هناك وفداً قدموا بعد وفد نجران على النبي صلى الله عليه وسلم إلا وفد جيشان، وجيشان أيضاً منطقة في اليمن، وهذا يدل على أن وفد نجران من آخر الوفود التي قدمت المدينة في العام العاشر.
محمد بن إسحاق ذكر قدومهم في أوائل السيرة مع قصة اليهود، يجمع بين خبر اليهود والنصارى. ركز هنا، ابن إسحاق المشكلة التي حصلت لبعض المتأخرين أنهم رأوا أن ابن إسحاق في كتاب السير ذكر قدوم وفد نجران مع ذكره قصص اليهود، فماذا فهم بعض المتأخرين؟ أن ابن إسحاق يرى أن قدوم وفد نجران كان مبكراً؛ لأن ابن إسحاق ذكر قدوم وفد نجران مع ذكره لأحوال اليهود والنصارى. إذا تتذكر حتى في عيون الأثر لما مر معنا؛ لأنه ذكر قصة وفد نجران مع قصص اليهود، يعني دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى، ابن إسحاق ذكرها مع بعضها البعض، وكل من جاء من بعد ابن إسحاق وتبعه ذكروا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى في نفس السياق، فظنوا وتوهموا أن قصة وفد نجران كانت مبكرة كما أن دعوة اليهود كانت مبكرة. ابن تيمية ماذا يقول؟ انظر هذا التحقيق التاريخي، يقول: لا، ابن إسحاق أنتم ما فهمتم عليه، ابن إسحاق ذكر قصص اليهود والنصارى في نفس السياق مش لأنها وقعت في نفس الفترة الزمنية، فقط لأنها تشبه بعضها بعضاً، وإلا فقصة وفد نجران وقعت في السنة العاشرة، ودعوة اليهود هي التي كانت في السنوات الأولى. فهذا تحقيق جيد من شيخ الإسلام ابن تيمية حتى نفهم نحن الأمور، حتى ما يصير الإنسان غير عارف تاريخياً متى وقعت هذه القصة مع تناقضات كتب السير.
وذكر في سنة عشر فتح نجران وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وإرساله لخالد ذكروا أنه كان متأخراً قبله بأربعة أشهر، وأنه قدم وفد منهم بالإسلام، وهذا إنما كان بعد قدوم وفد النصارى؛ فإنه قد ذكر ابن سعد أن العاقب والسيد أسلما بعد ذلك، والعهد بالجزية إنما كان مع النصارى، وتأتي جزيتهم هي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. وهذه آية السيف مع أهل الكتاب، الآن هناك آيتان للسيف؛ في آية سيف مع المشركين في أول سورة التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]، وهناك آية سيف مع أهل الكتاب وهي هذه الآية، وكلاهما في سورة التوبة. لذلك قال: وهذه آية السيف مع أهل الكتاب، نفس آية الجزية، ما هي نفسها هي آية السيف؛ لأن أهل الكتاب لهم السيف أو الجزية، بخلاف المشركين فإن الجمهور أنهم لهم بس السيف.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من أحد الجزية إلا بعد هذه الآية، بل وقالوا إن أهل نجران أول من أخذت منهم الجزية كما ذكر ذلك الزهري وغيره؛ فإنه باتفاق أهل العلم لم يضرب النبي صلى الله عليه وسلم الجزية على أحد قبل نزول هذه الآية، لا من الأميين ولا من أهل الكتاب. ولهذا لم يضربها على يهود بني قينقاع والنضير وقريظة، ولا ضربها على أهل خيبر، فإنها فتحت سنة سبع قبل نزول آية الجزية وأقرهم فلاحين، وهادنهم هدنة مطلقة قال فيها: «نقركم ما أقركم الله». لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا، يقول ابن تيمية إن عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود خيبر، أنتم تعرفون فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وأصبحت ملكاً للمسلمين، أبقى اليهود هناك عمال فلاحين قال: احرثوا الأرض وذلكم شغالين عندنا تحفرون الأرض وتزرعونها، ويكون الثمر الذي يخرج نصفه لنا ونصفه لكم. لماذا لم يفرض عليهم الجزية مع أنهم يهود؟ لأنه آية الجزية لم تكن قد نزلت بعد.
فإذا كان أول ما أخذها من وفد نجران، علم أن قدومهم عليه ونظرته لهم ومحاجته إياهم وطلبه المباهلة معهم كانت بعد آية السيف التي فيها قتالهم، وعلم بذلك أن ما ذكره الله تعالى من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، محكم لم ينسخ شيء. وكذلك ما ذكر الله تعالى من مجادلة الخلق مطلقاً بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. إذا كان قدومه، الآن انظر هذه الفكرة شوي رح يستطرد فيها ابن تيمية استطراداً بعد استطراد، البعض يزعم أنه عند تمكن الإسلام وقوة الدولة الإسلامية يصبح هناك لا حاجة إلى مجادلة اليهود والنصارى، وإنما نقول لهم: يا بتقتلوا يا بتدفعوا الجزية ما في عندكم حل ثالث، خلص ما في داعي للمجادلة، وأن آيات المجادلة ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، هذه كلها آيات كانت قبل نزول آية السيف في أهل الكتاب. هذا اعتقاد ذكره بعض المؤرخين وبعض علماء السير، أن المجادلة لأهل الكتاب انتهت بمجرد نزول آية السيف عليهم، وهي حتى يرد عليه، علم بذلك أن ما ذكره الله من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، هذا محكم، والإقناع والاحتجاج هذه مستمرة، لماذا نقول إن آية السيف تنسخها؟ كيف عرف ابن تيمية أنها محكمة؟ بناء.
على الترتيب الزمني، كيف يريد ابن تيمية أن يستدل من نزول آية السيف في أهل الكتاب على أن مجادلة أهل الكتاب ما زالت مستمرة؟ يقول: علم بذلك أن مجادلتهم ما زالت محكمة غير منسوخة. كيف علم من هذا الترتيب الزمني للآيات؟ كيف عرفنا أن مجادلتهم ما زالت محكمة؟ لأن مجادلتهم كانت بعد نزول آية السيف. أحسنت، أنهم أتوا في السنة العاشرة، وأنهم أتوا بعد نزول آية السيف ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جادلهم وسمع منهم، بل أذن لهم أن يصلوا صلاتهم باتجاه المشرق. فإذاً، هذا يدل على أن المجادلة والمحاورة ومحاولات الإقناع مستمرة حتى بعد نزول آية السيف، وأن القول الذي يقول إنه بمجرد نزول آية السيف انتهى النقاش والحوار مع أي دين، وأننا إما أن نقاتلهم وإما أن يدفعوا الجزية، هذا قول غير صحيح. فهمت ماذا يريد أن يقعد ابن تيمية هنا؟
اقرأ، قال: فإن من الناس من يقول إن آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآيات السيف، لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط. النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضاً لحكم المنسوخ. شوف هذا الكلام ترى مهم يا إخوان، كلام مهم، اسمعوا في السياسة الشرعية، ماذا يقول ابن تيمية؟ بعض الناس يظن أن الأمر بالقتال المشروع ينافي بقاء المجادلة والحوار المشروع، وهذا ليس صحيحاً؛ لأنه نحن متى نقول بالنسخ في علم أصول الفقه؟ متى نقول بالنسخ يا شيخ محمد؟ إذا لم يمكن الجمع بين النص المتقدم والنص المتأخر. أما إذا أمكن الجمع بين النص المتقدم والمتأخر، لا يجوز أن أذهب إلى النسخ.
اقرأ، قال: كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس. هذا مثال على شيء نسخ؛ استقبال بيت المقدس يناقض استقبال البيت الحرام، إذاً استقبال البيت الحرام ناسخ لاستقبال بيت المقدس، هذا اسمه نسخ لعدم القدرة على الجمع. قال: مناقضة الأمر بصيام رمضان المقيم للتخيير بين الصيام وبين إطعام كل يوم مسكيناً، مناقضة نهيها عن تعدي الحدود التي فرضها، الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة ثم نسخت بآية المواريث. قال: ومناقضة قوله لهم ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ لقوله ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾. نعم، في بداية الأمر كان الله يقول للصحابة ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، ثم بعد ذلك قال ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. هذا نسخ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، بعدين قال في ختام الآية: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [النساء: 77]، إذاً هذا نسخ.
فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم، فأما قوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، فهذا لا يناقضه الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة. لكن الأمر بالقتال الذي نزل متأخراً يناقض النهي عن القتال والاقتصار على المجادلة فقط، هذه هي منطقة النسخ.
فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به، فلا منافاة بينهما. وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع، لم يجز أن نقول إن هناك نسخاً وأن المجادلة نسخت بالقتال، هذا غير صحيح. ومعلوم أن كلاً منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر؛ يعني أحياناً تكون المجادلة هي التي تخدمك وأحياناً يكون القتال هو الذي يخدمك، فأنت في طول حياة الأمة الإسلامية أحياناً تحتاجها، وإن استعمالهما جميعاً هو أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق. ومما يبين ذلك وجوه؛ أحدها: أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، فهو داخل في من أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن، وليس هو داخلاً في من أمر الله بقتاله. كل واحد نصراني أو يهودي يعيش في الدولة المسلمة وبيدفع لنا الجزية نحن أصلاً ما بصير نقاتله، بل المطلوب هو مجادلته ودعوته، وهذا مستمر إلى يوم القيامة.
الثاني: أنه قال ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فالظالم لم يؤمر بالجدال بالتي هي أحسن، فمن كان ظالماً مستحقاً للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن. بخلاف من طالب العلم والدين، فمن كان منهم ظالماً مستحقاً للقتال غير طالب للعلم والمعرفة فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن، بل التعامل معهم يكون بالسيف؛ في صنف من أهل الكتاب هذا معالجته بخلاف من كان من أهل الكتاب طالباً للعلم والمعرفة، في منهم باحثين عن المعرفة؛ فإذا بده يوصل للحقيقة بقول لك: أخي خليني اتناقش أنا وإياك. إذا جاءك واحد من اليهود والنصارى باحث عن المعرفة تقول: لا، أنا ما في بيني وبينك إلا السيف؟ مش حل، ليس هكذا الإسلام.
فمن كان طالباً للعلم والدين ولم يظهر منه ظلم ولا قتال لك، سواء كان قصده الاسترشاد والبحث عن الرشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقاً، يعني واحد نصراني جاي ينصر دينه أمامك، يقول لك: أنا بدي أناقشك وأنصر، ويريد أن ينصر دينه، حتى هذا يا أخي جادله وناقشه إذا كنت مؤهلاً لهذا. ومن كان قصده العناد، يعلم أنه على باطل ويجادل عليه، فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن، لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاء له بموجب عمله. حتى منهم المعاند، شيخ الإسلام يقول لك: أنا ما راح أجادله بالتي هي أحسن، لكن ممكن أجادله بطريقة أخرى يكون فيها فضحه وكشفه وإظهار عواره، يعني باختصار مش كل حل هو السيف، حتى الذي لا يقصد الحق والمعرفة؛ يرحمك الله، وظهر أنه معاند، ممكن تجادله بفضحه، فهناك حلول أخرى وليس فقط السيف هو الحل الوحيد في معركة الإسلام.
الثالث: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]. فهذا مستجير مستأمن، وهو من أهل الحرب، أمر الله بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه ثم يبلغه مأمنه، وهذا في سورة براءة التي فيها نقض العهود وفيها آية السيف. ما نتخيل أن السماح بإجارة المشركين نزل في أول صفحة في سورة التوبة التي فيها آية السيف وفيها انتهاء المواثيق، ومع ذلك أمر الله بإجارة المشرك إذا طلب الإجارة حتى يستوعب ويناقش. وذكر هذه الآية في ضمن الأمر بنقض العهود ليبين سبحانه أن مثل هذا يجب أمانه حتى تقوم عليه الحجة، ولا تجوز محاربته كمحاربة من لم يطلب أن يبلغ حجة الله.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ إن لم يوافقه ما تقص عليه وتخبر به فأبلغه مأمنه، قالوا: ليس هذا منسوخاً. وقال عبد الرحمن وهو أحد أشهر المفسرين من السلف: هذا مش منسوخ؛ أي واحد مشرك وثني، حتى لو وثني، تعرض عليه القرآن إذا هو طلب أن يسمع، إذا ما رضي، قال: إذا لم يوافقه ما قصصت عليه من القرآن خلص، اسمح له أن يعود إلى بلده بعدين التاحن معه، يعني لا تنقض العهد معه ولا تكن مجاهداً. وقال مجاهد: من جاءك واستمع ما تقول واستمع ما أنزل إليك فهو آمن حتى يأتيك. وقال عطاء في الرجل من أهل الشرك يأت المسلمين بغير عهد، قال: يخيره، إما أن يقر، إما أن يبلغه مأمنه. نعم، قال عطاء بن أبي رباح: الرجل من أهل الشرك يأتي المسلمين ما في عهد، طيب ليش جاي؟ جاي يسمع؛ هذا المراد طبعاً ضمنياً أنه جاي يسمع. فقال هنا الحاكم المسلم أو الأمير يخيره، إما أن تقر بالإسلام وبالقرآن وتظل معنا أو أننا نرجعك على بلدك وبعدين نحن وإياك من الطاعة.
وقوله تعالى ﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قد علم أن المراد أنه يسمعه سماعاً يتمكن معه من فهم معناه. هذه يا إخواني مسألة مهمة شوي خطيرة، هي متعلقة بالنقاش العقد الدائر حتى بين دائرة أهل الحديث: كيف تقام الحجة على المشرك؟ ما مفهوم قيام الحجة؟ الآن بعض الإخوة والمشايخ يرى أن مفهوم قيام الحجة هو مجرد أنك تقرأ القرآن على الشخص، فهذا يعتبر قياماً للحجة عليه، بسموه مجرد بلاغ الحجة، مجرد سماعه للقرآن هو معنى قيام الحجة. شيخ الإسلام هنا في الجواب الصحيح يقول له: هذا مش صحيح، مش قيام الحجة على المشرك أو حتى يعني مفهوم قيام الحجة نحن مش بنحتاجه فقط للمشركين الأصليين، بل حتى على المخالفين ضمن دائرة الإسلام الذين ممكن يقعوا في شركيات مثل الاستغاثة بالقبور وما شابه ذلك.
فأنت تحتاج إلى تحرير: ما مفهوم قيام الحجة؟ لما يقول شيخ الإسلام كثيراً في نصوصه المتناثرة في كتبه: "وهؤلاء يُعذر حتى تقوم عليه الحجة، فإن قامت وأصر ارتد وحكمنا عليه"، ما معنى قيام الحجة؟ لما أقول هذا الرجل الذي يقع في شركيات أنا أقمت عليه الحجة. يقول شيخ الإسلام: علم أن المراد أنه يسمعه سماعاً يتمكن معه من فهم المعنى، مش مجرد، يجوز هو مش فاهم المعنى، طبعاً مش فاهم المعنى مش أنه مش فاهم اللغة العربية مثلاً، ممكن يكون لا هو فاهم اللغة العربية بس مش عارف شو دلالة الآية، ما وجه دلالتها على قولي؟ فأنا لازم أفهمه أن هذه الآية معناها كذا وكذا وتدل على هذا القول وتنافي الشرك، وتبين له ويفهم المعنى، لأنه ممكن يكون عنده شبهة في فهم الآية، ممكن يكون هو فاهم الآية بطريقة مختلفة عنك. بالتالي أنا لا بد أتأكد أن هذا الرجل الذي أمامي المخالف، سواء كان مشركاً أصلياً أو مسلماً وقع في شركيات، حتى أقول إنني أقمت عليه الحجة، أتأكد من أنه سمعه سماع فهم، وليس فقط سماع أذن؛ سماع فهم.
قد علم أن المراد أنه يسمعه سماعاً يتمكن معه من فهم معناه؛ إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى. شوف كلام ابن تيمية: لا يمكن أن تكون إقامة الحجة هي بس مجرد وجود المصحف. هذا كلام خطير لأنه بنيت عليه دماء، بعض الناس قد يكون سفكوا دماء أناس على مفهوم أن قيام الحجة خلص سمع القرآن ما آمن، بلش قتال، نبلش سفك دماء، وهذا للأسف جر كثيراً من الدماء عبر التاريخ بسبب عدم الفهم الصحيح لكلام العلماء. المشكلة أن بعض هؤلاء يستدل أن ابن تيمية قال، وإحنا مشكلتنا في فهم ابن تيمية؛ وأن من لا يقرأ ابن تيمية قراءة كاملة لكتبه من الألف إلى الياء وينتقي انتقاءً، ينظر العبارة اللي توافق هواه، لأنه هنا لعل أن يكون فيه دور كيف تتحرك الفكرة، إخواني، في دين الإنسان، أحياناً يكون لك أنت هوى في قضية معينة أو استعجال في قضية معينة تتمنى أن يكون قول ابن تيمية هكذا، فبتروح على تراث ابن تيمية، تفتحه، تفتش وين كلمات ابن تيمية التي أنا أتمنى أن تكون كما أريد، فتجد له بعض الكلام المتشابه. إذا القرآن فيه متشابه ومحكم، ابن تيمية مش بده يكون في كلامه؟ بيكون في أغلاط حتى، هذا بشر، فيذهبون إلى متشابهات كلام ابن تيمية ولا يقرأون تراث ابن تيمية قراءة جرد كما تفعلون الآن، هذه فائدة أنك تجرد هذا التراث؛ أنني أنا.
أقرأ الكتاب من الألف إلى الياء، ولا آخذ فقط ما يخدم فكرتي؛ لا، أنا أريد فعلاً أن أنظر ما هو مذهب ابن تيمية في إقامة الحجة، لأن البعض ينتقي من كلام ابن تيمية فقط ما يوافق هواه والنصوص المجملة. فابن تيمية يقول: المقصود من إقامة الحجة لا يحصل بمجرد سماع اللفظ، بمجرد سماع لفظ لا يتمكن معه المخالف من فهم المعنى. فلذلك انظر ماذا قال، اقرأ ماذا قال؛ بعد ذلك قال: فلو كان غير عربي وجب أن يترجم له ما تقوم به عليه الحجة.
تخيل، طبعاً أنا أخاطب رجلاً من ماليزيا لا يتكلم العربية، أو من بلاد العجم أو القوقاز أو شيء؛ طيب هذه بمجرد ما يسمع القرآن أنا أريد أن أعتبر الحجة قامت عليه؟ طيب هذا لا يعرف العربية، ولو عرفها، ما دلالات الألفاظ؟ فيجب بلغته؛ لأكون أنا متأكداً أنه مستوعب للمعنى وليس فقط اللفظ. طيب قال: ولو كان عربياً وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست من لغته وجب أن يبين له معناها، جميل. ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه فعلينا ذلك؛ وإن سألنا عن سؤال يقدح في القرآن أجبنا عنه.
يعني عنده شبهة، لاحظ، ممكن يكون عنده شبهة أنه أنا فاهم الموضوع كذا وكذا، هكذا فهموني يا مشايخي أو أهل ديني. ممكن يكون عنده شبهات، أنت فقط بمجرد ما يسمع القرآن بدك تعتبر أنك أقمت عليه الحجة؟ هذه مشكلة. الرجل قد يكون معبأً بشبهات وتصورات خاطئة، بدك تتروى وتتأكد، كما قال أيضاً ابن حزم في الأحكام: إن الرجل لا تقام عليه الحجة حتى تقطع عنه الشبهة التي يتأكد معها أنه زالت عنه الشكوك، وأن الرجل خلص أصبح صاحب هوى؛ ساعتها بتتعامل معه بالحرب، أحكام الردة، بكون القضاء الإسلامي أخذ فرصته في محاورة هذا الشخص والتبين من حاله حقيقة.
نعم، قال كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أورد عليه بعض المشركين أو أهل الكتاب أو المسلمين سؤالاً يردونه على القرآن، فإنه كان يجيبه عنه كما أجاب ابن الزبعرى لما قاس المسيح على آلهة المشركين، وظن أن العلة في الأصل مجرد كونهم معبودين، وأن ذلك يقتضي أن كل معبود غير الله فإنه يعذب في الآخرة. من يعرف قصة الزبعرى؟ ما هي القصة؟ هو لما قال عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]. نعم، لما نزل في سورة الأنبياء ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ابن الزبعرى المشرك ماذا قال؟ إذاً يا محمد عليه الصلاة والسلام، عيسى سيكون في النار؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وعيسى عبد من دون الله، إذاً هو سيكون في جهنم.
فابن الزبعرى قاس عيسى على من؟ على أصنام المشركين في أنهم جميعاً سيدخلون النار، بجامع أن عيسى عُبد كما أن الأصنام عُبدت، فجعل المسيح مثلاً لآلهة المشركين، قاسهم عليه قياس الفرع على الأصل. هكذا فعل ابن الزبعرى، قاس المسيح على الأصنام، فقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾، أي قياساً، هذا معنى المثل هنا، ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 57-58]. فبين الله سبحانه الفرق المانع من الإلحاق. ما هو الفرق بين عيسى وبين الأصنام؟ أن الذين في نفس الآية، مش قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؟ شو قال في الآية التي بعديها؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]. طيب وعيسى ممن سبقت له الحسنى، فهذا مستثنى من عموم الآية. وبين أن هؤلاء القائسين ما قاسوا يعني ابن الزبعرى ما قاس عيسى على الأصنام إلا جدلاً محضاً لا يوجب علماً؛ لأن الفرق حاصل بين الفرع والأصل.
فإن الأصنام إذا جعلوا حصباً لجهنم كان ذلك إهانة وخزياً لعابديها من غير تعذيب من لا يستحق التعذيب، بخلاف ما إذا عُذب عباد الله الصالحون بذنب غيرهم؛ فإن هذا لا يفعله الله تعالى، لا سيما عند المسلمين وسائر الملل، نعم؛ لأنه الحجر لن يتضرر بأن يدخل النار، فإدخال الحجر والأصنام النار هو فقط تعزية للكافرين، بخلاف عيسى أنه إذا عذب في النار وهو يعذب بغير ذنب ارتكبه.
قال: وسائر أهل الملل، سلفهم وخلفهم، الذين يقولون إن الله لا يخلق ويأمر إلا لحكمة، ولا يظلم أحداً فينقصة شيئاً من حسناته ولا يحمل عليه سيئات غيره، بل ولا يعذب أحداً إلا بعد إرسال رسول إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112]. قال تعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: 13]. وقال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. ومن قال من المسلمين وغيرهم من أهل الملل إنه يجوز منه تعالى فعل كل شيء، وأن الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، فالأولون إنما نعلم ما يفعله...
الآن بعض الناس يظن أن ما هو الظلم الممتنع؟ هو التحكم في ملك الغير، نعم، التصرف في ملك الغير؛ التصرف الذي لا يدخل تحت القدرة يقول بعض الناس الظلم هو الممتنع عقلاً الذي لا يدخل تحت القدرة. هذا مفهوم الظلم عنده، وأما العدل هو كل شيء يدخل تحت القدرة. بالله عليك شو رأيك بهذا التعريف للعدل والظلم؟ قال: العدل كل شيء يدخل تحت القدرة، والظلم هو الممتنع عقلاً الذي لا يدخل تحت القدرة. لا، عموماً ما معنى أن الله عدل؟ وأن الله قال: «حرمت الظلم على نفسي». شو هو الظلم اللي حرمه على نفسه؟ بعض الفرق الإسلامية بتقول لك الظلم هو الأشياء الممتنعة عقلاً التي لا يستطيع أن يفعلها؛ هذا ليس تفسيراً للظلم، لا لغةً ولا شرعاً ولا عقلاً. تفسير الظلم أنه الأشياء الممتنعة عقلاً التي لا تدخل تحت القدرة والعدل هو كل شيء يدخل تحت القدرة؟ لا، لا اللغة تقتضي ذلك، ولا الشرع، ولا العقل؛ فللأسف بعض...
قال: فهؤلاء يقولون إنما نعلم ما يفعله وما لا يفعله بدلالة الخبر الصادق أو بالعادة، وإن كان الجمهور يستدلون بخبر الصادق أو بغيره على ما يمتنع من الله. أحسنت، يعني هؤلاء الذين يقولون إن العدل هو كل ما يدخل تحت القدرة، والظلم ما لا يدخل تحت القدرة، فهؤلاء يقولون بالتالي: أنا نعلم الأشياء التي يفعلها سبحانه والتي لا يفعلها فقط من دلالة ماذا؟ الخبر الصادق أو بالعادة. لكن الجمهور أهل الإسلام ماذا يقولون؟ لا، نحن نستدل على الأشياء التي يفعلها الله ولا يفعلها، نعم جزء منها يعرف بالخبر الصادق، وجزء منها يعرف أيضاً بالعقل؛ أنه هذا مثلاً أن الله سبحانه وتعالى يعذب المحسن الذي أحسن، هذا حتى ولو لم يأتِ خبر في ذلك، أنت تنزه الله عز وجل عقلاً عن ذلك، أليس كذلك؟ فهل تنزيه الله عن النقائص فقط متوقف على الخبر الصادق؟ ولا أيضاً العقل يتدخل في تنزيه الله عن النقائص؟ العقل يشارك النص في تنزيه الله عن النقائص.
يعني الذين يقولون إن العدل هو كل ما يدخل تحت القدرة، بعض الأمور الله مما تدخل تحت القدرة، بس من أي جهة ينفونها؟ من جهة الخبر، أنه هي داخلة تحت القدرة لكن الله لا يفعلها لأن الخبر فقط قال إنه لا يفعلها، وأما العقل ما له علاقة في ذلك. أهل الجمهور أهل الإسلام يقولون: لا، في أمور الله لا يفعلها ليس فقط لأن النقل قال إنه لا يفعلها، بل لأن العقل أيضاً ينزه الله سبحانه وتعالى عن فعلها. أليس كذلك؟ العقل أيضاً ينزه الله سبحانه وتعالى عن فعلها، كالولد، وحتى الولد، ادعاء الولد لله سبحانه وتعالى، هل فقط لأن النص هو نفى وجود الولد نحن ننفي وجود الولد لله، أم العقل أيضاً ينزه الله أن يكون له ولد؟ حتى العقل ينزه الله أن يكون له ولد.
طيب، قال: وقد أخبر الله تعالى أن عباده الصالحين في الجنة لا يعذبهم في النار، بل يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم، فإصحاب الجنة فضلاً عن يعاقبهم بذنب من عُبدوا مع كراهتهم لفعلهم ونهيهم عن ذلك، كعيسى بن مريم عُبد وهو كاره.
قال: ومن زعم أن لفظ ما في الآية كانت تتناول المسيح والأصنام ابتداءً وأخره، بيان العام وإخراج المسيح من الآية، أو أجاب بأن لفظ ما لا يتناول إلا ما لا يعقل؛ فالقولان ضعيفان كما قد بسط في موضعه. كيف؟ يا شيخ أسامة، أنه ما كان داخلاً أصلاً بحكم أنه هذا يدخل تحت الظلم أن يُعبد عيسى، يعني ما كان مقصوداً بالآية، الآية مخصوصة أصلاً. الآن في قولين في الآية ضعف، وابن تيمية القول الذي يقول أن ما كانت تشمل المسيح والأصنام ثم بعد ذلك جاء نص باستثناء المسيح، هذا قول ضعيف. القول الثاني الضعيف أنه البعض حاول يخرج المسيح من جهة ماذا؟ أنه ما فقط للعقلاء، لغير العقلاء، بالتالي المسيح يعتبر عاقلاً، فبالتالي أنه تعرف ما في اللغة العربية قالوا هي لغير العقلاء بخلاف مَن؛ فما دامت ما لغير العقلاء، البعض قال إذاً المسيح مش داخل فيها. ابن تيمية يقول لك برضه هذا القول ضعيف.
فلنعد للقول الأول الآن، نبين ضعف كليهما سريعاً، لا يرى ابن تيمية أن القول بأنه عيسى كان داخلاً في الآية في عموم ما هذا غير صحيح، لماذا؟ لأنه كما قال أخونا هو أصلاً لم يدخل في العموم حتى يخرج، عيسى عليه السلام لم يكن داخلاً في العموم حتى يخرج؛ لأن عموم كل شيء بحسبه، وما هنا عمومها لكل من عُبد وهو راض، وعيسى لم يُعبد وهو راض، فهو أصلاً لم يدخل في العموم حتى يطلب استثناؤه؛ هذا واحد.
طيب إذا واحد قال: لا، ما هنا أصلاً هي لغير العقلاء، فعيسى غير داخل فيها. أقول لا، ما هنا تشمل العقلاء وغير العقلاء، وكل من عُبد وهو راضٍ، سواء كان عاقلاً أو كان صنماً، طبعاً الصنم بكون راضٍ نفس كله داخل في الآية؛ فما هنا تشمل حتى العقلاء الذين عُبدوا وهم راضون، مثل فرعون داخل في ما، فمحاولة إخراج المسيح من جهة أنه ما أصلاً هي لغير العقلاء يعتقد ابن تيمية مش محاولة قوية؛ لا، خليها للعقلاء وغير العقلاء، وأنه عمومها يشمل الاثنين، لكن أُخرج منها ابتداءً من عُبد وهو لم يرضَ بذلك، هيك بنكون استوى لنا الاستدلال.
لا، لا خلاص، طبعاً هي أصلاً الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ﴾ نزلت بعد قياسهم على الأصنام، تمام هي أصلاً نزلت متأخراً، جميل؛ هنا يبقى الإشكال أنه كيف الآية أصلاً ابتداءً كان يدخل فيها المسيح؟ صح أن الآية قبل نزول الاستثناء، أحسنت؛ إذا كان المسيح داخلاً فيها فهو كأنه شيخ ابن تيمية يذكر أنه أصلاً المسيح ما كان داخلاً، ما كان داخلاً، وهذا بين أن ما الاستثناء جاء لبيان فساد قياسه، مش أنه أصلاً كان داخلاً، كان داخلاً بعدين طلع، 100%، وهذا ما أريده. نعم كلامك صحيح، يعني هو حتى إذا سبقت لهم من الحسنى ليس لأنه دخل فأخرجه بها، لا، هو أصلاً مش داخل؛ لأنه زي ما قال أخونا هو أصلاً لم يُعبد وهو راضٍ، بالتالي هو مش داخل في أصل العموم ابتداءً. إشكال أن يكون داخل في العموم أصلاً، ذاك نزل متأخراً. أحسنت، داخل بالعموم إذا كان داخلاً بعدين طلع، أحسنت.
آه سريع، حتى ما نفسها تحتمل هذا وهذا، تحتمل أن يدخل فيها العقلاء في اللغة؛ آه، بس هي لغةً يجوز، هي أصلاً في اللغة نعم لغير العقلاء، لكن يجوز أن يدخل فيها العقلاء من باب التغليب كثيراً، هذا ما يكون أنه هي لغير العقلاء، لكن يدخل فيها أيضاً العقلاء من باب العموم، هذا يجوز، أو التغليب. طيب، قال: وإنما المشركون عارضوا النص الصحيح بقياس فاسد، فبين الله تعالى فساد القياس، وذكر الفرق بين الأصل والفرع. يعني ابن الزبعرى عارض النص الصحيح بالقياس الفاسد.
طيب، قال: وكذلك لما أورد بعض النصارى على قوله تعالى ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ظناً منه أن هارون هذا هو هارون أخو موسى، تمام إذاً الآن هو سيبدأ طبعاً الآن في سياق أنه يبين شيخ الإسلام أن المسلمين يجيبون اليهود والنصارى والمشركين على الشبهات التي يطرحونها على القرآن، وأن هذا من المجادلة بالتي هي أحسن. بس أنتم عارفين شيخ الإسلام بيدخل في الشغلة بيظل غارق فيها، بيرجع بيطلع.
نحن أصلاً كل سياقنا نثبت أن المجادلة للمشركين واليهود والنصارى ما زالت قائمة، وأن مفهوم إقامة الحجة يقتضي إجابة الشبهات التي تدور في أذهانهم. فأول شبهة مثلاً أوردت على القرآن ذكرها ابن قتيبة في اعتراض ابن الزبعرى لما اعترض على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]، أنه هي يدخل فيها المسيح، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه وحاوره وناقشه، وبين القرآن فساد هذه الشبهة.
ومثال آخر لشبهة أجاب عنها القرآن أو أجاب عنها النبي عليه الصلاة والسلام، لما قالوا في قصة مريم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾، وكذلك لما أورد بعض النصارى على قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ظنّاً منه أن هارون هذا هو هارون أخو موسى بن عمران، وأن عمران هذا هو عمران أبو مريم أم المسيح، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجاب بأن هارون هذا ليس هو ذلك، ولكنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين.
النصارى جاؤوا يعترضون على القرآن ويقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: أنت في القرآن تقول ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ومريم لم تكن أخت هارون عليه السلام، بين هارون وبين مريم أكثر من ستمائة سنة أو ستمائة سنة عند بعض الناس في التاريخ، فكيف تكون مريم أخت هارون؟ إذاً القرآن فيه مشكلة! فالنبي صلى الله عليه وسلم أجابهم: أنتم لستم فاهمين ما معنى أخت هارون، وبعض جهال النصارى يقدح في القرآن بمثل هذا، ولا يعلم هذا المفرط في جهله أن عامة الناس يعلمون أن بين موسى وعيسى مدة طويلة جداً يمتنع معها أن يكون موسى وهارون خالي المسيح، وهذا مما لا يخفى على أقل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أن يخفى على محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: هذا سؤال مما أورده أهل نجران كما ثبت عن المغيرة، قال: بعثني إلى نجران فقالوا: ألستم تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وقد علمتم ما بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما أجيبهم. فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «أخبرتهم بأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم».
فمعنى ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾: أن هارون هذا رجل من الصالحين، كانت تشبه مريم به. وقيل إن هارون هذا رجل صالح كان في زمن مريم، وكانت تشبه به، فالمهم ليس هو النبي. والبعض قال إنهم شبهوها في نقائها بهارون النبي القديم، لكن هذا الحديث يدل على أنه رجل صالح كان في زمن مريم. المهم هذه شبهة أثارها النصارى وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم، وأعطاهم مساحة للنقاش.
هذا السؤال هو سؤال الطاعنين في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على المغيرة، ولم يجبهم عنه، فأجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لهم: ليس لكم عندي إلا السيف، ولا قال: لقد نقضتم العهد، إذ كانوا قد عاهدوه، وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولاً إلا والجهاد مأمور به. عرفنا أن أهل نجران أصلاً متى أسلموا أو متى دخلوا؟ حكينا في السنة العاشرة، بالتالي كان الجهاد مأموراً به، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حاور الشبهة التي أوردوها وعالجها.
قال: وكان المسلمون يوردون الأسئلة عليه كما أورد عليه عمر عام الحديبية، كذلك ليس فقط المشركين كانوا يوردون الأسئلة ويجيبهم، حتى المسلمون كانوا يوردون أسئلة على النبي صلى الله عليه وسلم، يحاولون الفهم ويجيبهم النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً النقاش والحوار هذا من أصول الإسلام وليس شيئاً منسوخاً. لما صالح المشركين ولم يدخل مكة فقال له: ألم تكن تحدثنا أن نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، قلت لك إنك تأتيه في هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به، وكذلك أجابه أبو بكر.
النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 27] ووعدهم بأنهم سيدخلون مكة، لما ذهبوا إلى الحديبية ظن عمر أنه الآن سندخل مكة، فلما النبي صلى الله عليه وسلم صالح في الحديبية ورجع، قال عمر: يا رسول الله، مش أنت قلت لنا ندخلن المسجد الحرام؟ قال: نعم، قلت لكم ستدخلون المسجد الحرام، لكن هل قلت لكم إنه هذا العام؟ لا، إن شاء الله العام القادم تدخلونه. فعمر وردت عنده شبهة، والنبي صلى الله عليه وسلم أجابه عليها.
وكذلك جواب أبي بكر ولم يكن سمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه ليس في ظاهر اللفظ التوقيت بذلك بعام، ولكن السائل ظن ما لا يدل اللفظ عليه. لما قال الله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ظاهر اللفظ هل يدل أنهم سيدخلون هذا العام؟ لا، لكن عمر فهم أنه سندخل هذا العام، فهذا غلط في فهم عمر وليس لأن الآية قالت ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم حل له الإشكال.
كذلك لما قال: «من نوقش الحساب عذب»، قالت له عائشة: ولم يقل الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-8]؟ فقال ذلك: عائشة استشكلت كيف تجمع بين ﴿من نوقش الحساب عذب﴾ وبين ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ هذا ظاهر أنه لن يعذب، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجابها فقال: «ذلك العرض». من نوقش الحساب عذب، فالحساب اليسير هو العرض، وأما مناقشة الحساب هي التي فيها العذاب، ومعلوم أن الحساب اليسير لا يتناول من نوقش، وقد زادها بياناً فأخبر أنه العرض للمقابلة المتضمنة للمناقشة.
وكذلك لما قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، قالت له حفصة: ألم يقل ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]؟ فأجابها بأن قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ -أي أكمل الآية يا حفصة- ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]، فهذا ورود على الصراط وليس وروداً إلى داخل النار. وبالتالي أهل بيعة الرضوان لن يدخلوا النار، لكن هذا لا ينفي أنهم لن يمروا فوقها، وكذلك بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء هم الذين يدخلون جهنم، وهذا الدخول هو الذي نفاه عن أهل الحديبية، هو الدخول إلى داخلها، وأما الورود وهو مجرد المرور عليها فوق الصراط فهذا لا إشكال فيه كما فسره في الحديث الصحيح عن جابر، وهذا المرور لا يطلق عليه اسم الدخول الذي يجزى به العصاة وينفى عن المتقين، ومثل هذا كثير.
وما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها فهذا كثير جداً، فإنه يجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 32-33]. وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن العزم من الرسل بمجادلة الكفار، فقال تعالى عن نوح: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 32]، وقال عن الخليل وحاجة قومه: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: 80] إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: 83].
الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل، فقال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: 66]. وقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: 6]، وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5]. وهذا هو الجدال المذكور في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: 4].
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاج الكفار بعد نزول الأمر بالقتال، وقد أمره الله تعالى أن يجير المستجير حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه، والمراد بذلك تبليغه رسالات الله وإقامة الحجة عليه، وذلك قد لا يتم إلا بتفسيره له الذي تقوم به الحجة وأجاب به عن المعارضة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. علم بطلان القول من ظن أن الأمر بالجهاد ناسخ الأمر بالمجادلة مطلقاً، يعني إقامة الحجة بقيت حتى بعد نزول آية السيف، وإقامة الحجة تستلزم وجود مجادلة، إذاً المجادلة مستمرة إلى قيام الساعة.
الوجه الرابع: أن القائل إذا قال إن آية مجادلة الكفار أو غيرها مما يدعي نسخه منسوخة بآية السيف، قيل له: ما تعني بآية السيف؟ أتعني آية بعينها أم تعني كل آية فيها الأمر بالجهاد؟ حقيقة هذا نقاش مهم، كثير من يسمع آية السيف، ابن تيمية يقول لهم: أنت ماذا تقصد بآية السيف وأن آية السيف نسخت المجادلة لأهل الكتاب؟ هل تعني آية بعينها أم تعني كل آية تكلمت عن الجهاد والقتال؟
فإن قال: أعني آية بعينها، كان جوابه من وجهين: أحدهما أن الآيات التي فيها ذكر الجهاد متعددة، فلا يجوز تخصيص بعضها. فإن قال: أنا أقصد آية معينة، قيل له: ما يصير تخصص؛ لأن الآيات التي ذكرت الجهاد آيات كثيرة، لماذا اخترت أن هذه هي آية السيف؟ شو دليلك أن هذه هي آية السيف؟ إذا هو حدد آية معينة هي التي نسخت المجادلة، فنقول: لماذا هذه الآية بعينها أنت تعتقد أنها هي التي تسمى آية السيف وأنها هي التي نسخت؟ وإن قال: أريد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5]، قيل له: هذه في قتال المشركين وليس في قتال أهل الكتاب.
وأما آية السيف في أهل الكتاب، قلنا ما هي الآية التي في الصفحة الخامسة من سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. فلو لم تكن آية السيف إلا واحدة لم تكن هذه أولى من هذه، ليش أنت جعلت آية السيف هي الأولى مش الثانية مثلاً؟
وإن قال: كل آية فيها ذكر الجهاد، قيل له: الجهاد شرع على مراتب، فأول ما أنزل الله تعالى فيه الإذن بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. الجهاد لما شرعه الله على أمة الإسلام نزل على مراتب؛ المرتبة الأولى الإذن دون إيجاب، يعني أذن الله للصحابة بأن يقاتلوا ولم يوجب ذلك إيجاباً عليهم، هذه الآية الأولى.
فقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذه أول آية نزلت في الجهاد، ثم بعد ذلك نزل وجوبه، نزلت المرحلة الثانية وهي ليست مجرد الإذن بل وجوب الجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]. ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم، ولما أمر بوجوب القتال استثنى من طلب مسالمتهم، فإنه قال في سورة النساء: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ إلى آخر الآية. وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتله، وإن كانت الهدنة عقداً جائزاً غير لازم، الهدنة المطلقة كما قلنا عقد جائز.
ثم أنزل الله في براءة الأمر بنبذ العهود، لا تامر فيها بقتال جميع المشركين، والأمر بنبذ العهود وأمرهم بقتال المشركين كافة، وأمرهم بقتال أهل الكتاب إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولم يبح ترك قتالهم وإن سالموا وهادنوا هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم، هذه القاعدة.
هي آخر ما نزل في القتال، والذي قررته آية التوبة قاعدة عامة في الشريعة: ما هي؟ لم يبح ترك قتال المشركين الوثنيين ولا اليهود والنصارى وإن سالموك وهادنوك هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم. هذا كلام كبير في السياسة الشرعية؛ إذا كانت الدولة المسلمة قوية وتملك العدة والعتاد وهي في أحسن أحوالها، ما اقتضته آية التوبة وهي آخر ما نزل أنه لا يجوز ترك قتال اليهود والنصارى والوثنيين حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
هل تجوز الهدنة معهم؟ إذا كانت الدولة المسلمة تمر في ضعف ولا تملك قدرة ولا إمكانية للجهاد، عندئذ يجوز إقامة الهدن المطلقة مع اليهود والنصارى والمشركين، هذا ما اقتضته آخر سورة التوبة.
أحسنت، هو قصدك أن الهدنة المطلقة جائزة، وبالتأكيد هي ليست جائزة للتسلية، وإنما هي تجوز إذا رأى الحاكم المسلم حاجة إليها وعدم قدرته الآن على مجاهدة المشركين واليهود والنصارى لضعف العدة والعتاد، أو ضعف الجيل المسلم على هذه المناعة.
ممكن يكون فيها وجه آخر، أنه قتال اليهود والنصارى عموماً لن يتوقف، ولكن مثلاً الصلح مع فئة معينة منهم هذا مطلق. هذا أكيد، المذاهب الأربعة مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي متفقون أهل الإسلام على أن الأصل في علاقة المسلمين مع الكفار هي علاقة الحرب، هذا باتفاق الأمة، إلا ما بعض إخواننا المعاصرين الذين قلبوا ما عليه المذاهب الأربعة، فقالوا لا، الأصل أن في العلاقات المعاصرة أن الأصل السلم حتى يبدو خلاف ذلك. هذا كلام مخالف لما أجمعت عليه الأمة وأطبقت، لا عبرة به، لكن قضية الهدنة وقضية الهدنة المطلقة والمقيدة كما يقول هذا، نعم، يجب أن يراعيها الحاكم المسلم على حسب قدرة المسلمين على المواجهة.
قال: فإن قال آية السيف التي نسخت المجادلة هي آية الإذن، قيل فآية الإذن نزلت في أول مقدم المدينة قبل أن يبعث شيئاً من السرايا، وقد جادل بعد هذا الكفار، هذا عليك أصلاً، ليس دليلاً لك أنه هي الآية نزلت مبكرة، والنبي صلى الله عليه وسلم بعدها مارس كثير من الجدالات والحوارات، إذاً لا يصلح أن تقول إن الجدال والحوار نُسخ بآية السيف إذا كانت آية السيف هي آية الإذن، لأنه بعدها مارس مجادلة النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك إن قيل آيات فرض القتال، قيل فقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] نزلت في أول الأمر في سورة البقرة قبل بدر، ولا ريب أن الجهاد كان قبل غزوة بدر، والنبي صلى الله عليه وسلم جادل بعده، ولا ريب أن الجهاد كان مهاجباً يوم أحد والخندق وفتح خيبر ومكة، وقد ذكر الله آيات فرض الجهاد في هؤلاء المغازي كما ذكر ذلك في سورة آل عمران والأحزاب.
وإن قيل بل الجدال إنما نُسخ لما أُمر بجهاد من سالم ومن لم يسالم، قيل هذا باطل، وهذا في سورة التوبة، فإن الجهاد إن كان منافياً للجدال فهو منافٍ لإباحته وإيجابه ولو للمسالم، وإن لم ينافِ الجهاد لم ينافِ إيجاب الجهاد للمسالمين كما لم ينافِ إيجاب جهاد غيرهم.
فإن المسالم قد لا يجادل ولا يجالد، وقد يجادل ولا يجالد، كما أن غير المسالم قد يجالد ويجادل، وقد يفعل معه أحدهما. فإن كان إيجابه لجهاد المحارب المبتدئ بالقتال لا ينافي مجادلته، فلأن يكون جهاد من لا يبدأ القتال لا ينافي مجادلته أولى وأحرى؛ فمن كان أبعد عن القتال كانت مجادلته أقل منافاة للقتال ممن يكون أعظم قتالاً.
الوجه الخامس هو أن يقال المنسوخ هو الاقتصار على الجدال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأموراً أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده، فيدعوهم ويعظهم ويجاهدهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً، قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]، وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك. ثم لما هاجر المدينة وصار له بها أعوان أُذن له في الجهاد، ثم لما قووا وكُتب عليهم القتال ولم يُكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة.
فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال، وأما مجاهدة الكفار باللسان فما زال مشروعاً من أول الأمر إلى آخره، فإنه إذا شرع جهادهم باليد فباللسان أولى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم». وكان ينصب لحسان بن ثابت مسجده يجاهد فيه المشركين بلسانه جهاد هجاء، وهذا كان بعد نزول آيات القتال، وأي منفعة الهجاء من منفعة إقامة الدلائل والبرهان على صحة الإسلام وإبطال حجج الكفار من المشركين وأهل الكتاب.
الوجه السادس أنه من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة، ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج إلى القتال، فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقاً وجوباً أصلياً، وأما الجهاد فمشروع للضرورة، فكيف يكون هذا مانعاً من ذلك؟ فإن قيل الإسلام قد ظهرت أعلامه وآياته فلم تبقَ حاجة إلى إظهار آياته وأنه يُحتاج إلى السيف، قيل معلوم أن الله وعد بإظهاره على الدين كله ظهور علم وبيان وظهور سيف وسنان، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9]، وقد فسر العلماء ظهوره بهذا وهذا، لأن الهدى يكون بالحجة والبيان، ودين الحق بالقهر والعمل والسلطان، ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكث سنين يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين فآمنت به المهاجرون والأنصار بغير سيف لما أبان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف.
بيان الإسلام وإعلامه ابتداءً ودفعاً لمن يطعن فيه بالطريقة الأولى والأحرى، فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك، ومنفعته قبل منفعته. هو معلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان، وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف، وهو ظهور مجمل على كل دين؛ مع أن كثيراً من الكفار لم يقره سيف، نعم النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الكفار أسلموا بغير سيف، بل بأخلاقه وقيمه وأساليبه.
فكذلك كثير من الناس لم يظهر لهم آياته وبراهينه، بل قد يقدحون فيه ويقيمون الحجج على بطلانه، لا سيما والمقهور بالسيف فيه منافقون كثيرون، فهؤلاء جهادهم بالعلم والبيان دون السيف. وكثير من الناس تكون في الدولة المسلمة مقهورون بالسيف، سواء من أهل الذمة أو من المنافقين الذين لا يريدون إظهار الكفر، فهؤلاء كيف بدك تتعامل معهم؟ ما في إلا البيان والحجة، لأن هو يثير شبهات أنت مش ماسك عليه ممسك أنه ارتد، أو لكن هو يثير شبهات في المجتمع ويحاول، هذا أنت لا تملك إلا أن تناقشه بالحجة والبيان، أصلاً المنافقون في المجتمع نعم.
قال الوجه السابع: هو أن القتال لا يكون إلا لظالم، فإن من قاتل المسلمين لم يكن إلا ظالماً متعدياً، ومن قامت عليه الحجة فشاق الرسول من بعد ما تبين الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، لم يكن إلا ظالماً. إذاً قاعدة: القتال لا يكون إلا لظالم. طب ما معنى الظالم هنا؟ قال: فإن من قاتل المسلمين أي واحد أو شيء يقاتلنا هذا يعتبر ظالم، اثنان: كل من قامت عليه الحجة وانقطعت الشبهة وأصبح معانداً وشاق الرسول، أيضاً هذا لا يكون إلا ظالماً، فهذا يقاتل قتالاً.
نعم، قال: أما المجادلة فقد تكون لظالم، إما طاعن في الدين والظلم، وإما من قامت عليه الحجة الظاهرات فامتنع من قبولها، وقد تكون لمسترشد. وأما المجادلة فكما قلنا قد تكون لشخص ظالم زي ما قلنا معاند، فأنت تجادله لتكشف عواره وتفضحه، وقد تكون المجادلة لمسترشد طالب للحق لم يبلغ الحجة. وأما من بلغه بعض أعلام النبوة ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، ولكن عرض ذلك عنده شبهات تنافي ذلك، فاحتاج إلى جواب تلك المعارضات، وأما طالب لمعرفة دلائل النبوة على الوجه الذي يعلم به ذلك، فهذا كله يعتبر داخلاً تحت مفهوم المسترشد، سواء من بلغه بعض الأعلام أو لم يبلغه شيء من الأعلام أو شيء من ذلك.
فإذا كان القتال الذي لا يكون إلا لدفع ظلم المقاتل مشروعاً، فالمجادلة التي تكون لدفع ظلمه أو لانتفاعه وانتفاع غيره مشروعة بطريق الأولى. قال مجاهد ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، قال الذين ظلموا من قاتلك ولم يعطك الجزية، فهؤلاء هم الذين يقاتلون. نعم قال في لفظ آخر عنه: الذين ظلموا منهم أهل الحرب من لا عهد له، المجادلة لهم بالسيف، وفي رواية عنه قال: لا تقاتل إلا من قاتلك ولم يعطك الجزية، وفي رواية عنه قال: من أدى منهم الجزية فلا تقول له إلا خيراً. عن مجاهد: إلا بالتي هي أحسن، فإن قالوا شراً فقولوا خيراً، فهذا مجاهد لا يجعله منسوخاً وهو قول أكثر المفسرين، فمجاهد نفسه لم يقل أن الآية منسوخة.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ليست منسوخة. ولكن عن قتادة قال: نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، ولا مجادلة أشد من السيف، وقتادة أحد المفسرين المشهورين هو الذي عبر أنها منسوخة، وبناء على قوله وقول بعض المتقدمين جاء المتأخرون فقالوا: إن المجادلة نسخت بآية السيف، أنه قتادة ماذا قال في تفسير الآية أو أحد المفسرين الأقدمين قال: نسختها آية ولا تجادلوا أهل الكتاب، قال قتادة: نسختها آية السيف فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، ولا مجادلة أشد من السيف، لكن أي الأقوال أصح؟ قول الأول.
قال: والأول أصح، قول مجاهد، قول عبد الرحمن بن زيد، قول الجمهور أصح من قول قتادة، وإن كان قول قتادة ترى يمكن أن يفهم الشكل الصحيح بحيث لا ينافي القول الأول بأن نفهم أنه ما الذي قصده قتادة بالنسخ؟ نسخ ترك القتال، بس هذا الذي قصد قتادة نسخ الاقتصار على المجادلة، أما هل قصد قتادة فعلاً أنه نسخت المجادلة ولا يجوز المجادلة؟ فهمتم، فأنا أعتقد أنه حتى قتادة يمكن أن يجمع قوله مع قول من سبق وأنه قصد بالنسخ نوعاً من التخصيص زي ما تفضلتوا، أكثر من كونه نسخاً حقيقياً، خاصة أن كلمة النسخ عند الأقدمين دلالتها الأصولية ليست ككلمة النسخ عند المتأخرين، النسخ عند المتقدمين يطلق حتى على أي صورة من صور التخصيص والبيان والتقييد.
ومما قال والأول أصح لأن هؤلاء من الذين ظلموا فلا نسخ. مما يعجب منه أن بعض المنكرين جدلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة تجده هو من يعظمهم من شيوخه الذين يعتمدوا في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويزعمون أنهم قروا دلائل النبوة، قد أوردوا من الشبهات والشكوك مطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو 80 سؤالاً، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جواباً في المسائل الظنية، بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين.
إذاً واضح هنا الذي يظهر لي أن ابن تيمية في كل هذا النقاش والنقاط عم يرد على شخص معين، والله أعلم، شخص كان يقول إنه ما في فائدة لمجادلة المشركين، خلص روحوا اقتلوهم وأخلصوا من القضية، فيقول شيخ الإسلام العجب الذي تعجبه أن هذا الشخص الذي يقول لا فائدة من مجادلة اليهود والنصارى وأن ليس لهم إلا السيف، هو وشيوخه من النظار أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من 80 استشكالاً. أنت نفسك اللي بتقول ما في داعي للمجادلة وتراها لا حاجة إليها، أنت نفسك مشايخك عندهم 80 شبهة على دلائل النبوة، وأجابوا عن هذه الـ 80 شبهة بأجوبة ركيكة ضعيفة هي تثبت حجج الطاعنين في الإسلام أكثر من تثبيتها للإسلام، كيف تقول لي في النهاية ما في داعي للمجادلة؟ إذا أنت ومشايخك ما أنتم عارفين تثبتوا دعائم الإسلام ومحتاجين لمناقشة في اليهود والنصارى أولى من أن يحتاجوا إلى مناقشة في الشبهات التي تضلهم.
بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين. نعم هم كما الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضرباً ليزلزلها به وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها. نعم يعني هؤلاء كمن يضرب شجرة ضرباً، عم يخلخلها، هو بقول ليش بتضرب يا فلان؟ بقول لك أنا بدي أثبتها. هؤلاء الذين يأتون، يعني هو بيتكلم عن مشايخ هذا الرجل الذين أتوا بـ 80 شبهة وأجابوا عنها إجابات ركيكة، هي الإجابات الركيكة اللي قدموها هي زي رجل عم بهز شجرة وينفضها، فتقول له أنت ماذا تفعل بها؟ بقول لك أنا بثبتها، بتقول له أنت ترى هيك ما رح تثبت، ترى هيك أنت بتنزعها، هي الثمانين جواب اللي قدموه، هم فكروا يثبتوا أصول الدين وهم عم بيزعزعوا الدين بهذه الشبه أو بهذه الإجابات الركيكة.
قال وكثير من أئمة أهل الكلام مضطرب في الإيمان بالنبوة، ومع ذلك يدعون أنه قد ظهر عند أهل الكتاب ما لم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار، وينهون عن إظهار آية إبراهيم التي هي غاية مطالب مشايخهم وهم لم يعطوها حقها، أما عجزاً وأما تفريطاً. الوجه الثامن: أن كثير من أهل الكتاب يزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته إنما أقاموا دينهم بالسيف بالهدى والعلم والآيات، إذا طلبوا العلم والمناظرات فقيل لهم ليس لكم جواب إلا السيف، كان هذا ما يقرب ظنهم الكاذب، وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد دين الإسلام.
نعم، أهل الكتاب إلى اليوم من نظرياتهم التي يقولونها دوماً أن أصلاً دين محمد صلى الله عليه وسلم إنما انتشر بالسيف، هسا بتجد بعض الشباب المتحمسين بقول لك نحن انتشرنا بالسيف واللي مش عاجبه، لا ما هو مش هيك القضية، نحن تمام نحن مشغولين في معركة، هل جملة أن الإسلام انتشر بالسيف بهذا الإطلاق جملة صحيحة؟ شيخ الإسلام يرى لا أنها مش صحيحة، وأنه أنت ترى إذا أنت وافقتهم ترى أنت تزيد الشبهة عندهم وتؤكد لهم مقولتهم، هم يقولون أنكم انتشرتم بالسيف، أنت إذا قلت لهم نعم انتشرنا بالسيف وهذا نحن، أنت تزيد الشبهة لديهم، فابن تيمية يرى أن هذا الإطلاق مش صحيح.
فإذا طلبوا العلم والمناظرة، فإذا هم أهل الكتاب جايين يناظروك فانت قلت لهم آه نعم نحن انتشرنا بالسيف وليس لكم جواب عندي إلا السيف، كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب، يعني اليوم في كثير عوام مقيمين في أوروبا وأكيد علموا في الجامعات أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بالسيف والقتال، هؤلاء العوام المقيمون في أوروبا إذا جاؤوا لمسلم وقالوا له نحن بدنا نحاورك ونجادلك، حتى قال لهم هذا المسلم العامي: لا أنا رح أقاتلكم عندكم، أنت شو في النهاية عملت؟ أنت زدت تأكد العوام أنه والله فعلاً علمونا إياه في الجامعة صح، أنه هدول الجماعة بس ما بيعرفوا إلا القتال، ما في عندهم مساحة للحوار العلمي، كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد دين الإسلام، فأنت ضيعت فرصة دخول هؤلاء في الإسلام وأنه ليس ديناً رسولاً من عند الله وإنما هو دين ملك أتى ليقيم السيف، فكرة جيدة.
الوجه التاسع قال: الوجه التاسع أنه من المعلوم أن السيف، لا سيما سيف المسلمين وأهل الكتاب، هو تابع للعلم والحجة، بل وسيف المشركين هو تابع لآرائهم واعتقادهم، فالسيف من جنس العمل، والعمل أبداً تابع للعلم والرأي. هي فكرة عم أقول لك أن القتال عموماً إنما هو تابع للعقيدة، سواء عندنا سواء عند الصليبيين سواء عند اليهود، القتال دوماً هو قتال تابع للفكر والعقيدة.
حينئذ قالوا حينئذ فبيان دين الإسلام في العلم وبيان أن ما خالفه ضلال وجهل هو تثبيت لأصل دين الإسلام واجتثاث لأصل غيره من الأديان التي يقاتل عليها أهلها، ومتى ظهر صحته وفساد غيره كان الناس أحد رجلين: إما رجل تبين له الحق فاتبعه، فهذا هو المقصود الأعظم من إرسال الرسل، وإما رجل لم يتبعه فهذا قامت عليه حجته، إما لكونه لم ينظر في أعلام الإسلام أو نظر وعلم فاتبعواه قصر، وإذا قامت له حجته كان أرضى لله ولرسوله وأنصر لسيف الإسلام وأذل لسيف الكفار، يعني أيما أولى أن أقيم عليه الحجة ولا أقاتل ابتداءً؟ أقيم عليه الحجة أرضى لله ورسوله وأنصر لسيف الإسلام.
وإذا قدر أن فيه من يعجز عن فهم الحجة فهذا -شوف هي الجملة بدها هيك شوية تفكير- إذا لم يكن معذوراً، لاحظ فكر في هذه، كون رجل عجز عن فهم الحجة، يعني أنت عرضت عليه حجة الإسلام عجز، عنده عجز، ما يقدر يفهمها، ما قدر أن يفهمها، شو يقول؟ فهذا إذا لم يكن معذوراً في عجزه، مع عدم قيامها، إذا كان هو أصلاً مش معذور مع عدم قيام الحجة عليه في وجهة نظرك، فهو مع قيامها أولى أن لا يعذر، لأن أنت أصلاً بدون ما تقيم عليه الحجة مش عاذره، فمن باب أولى أنك لن تعذره بعد قيام الحجة مع عجزه عن فهمها. والعكس، واما إن كان معذوراً مع قيامها عند عجزه عن فهمها، فهو مع عدم قيامها أصلاً أعذر وأعذر.
فهمتوا شو بقول ابن تيمية؟ طيب ابن تيمية مع أي طائفة؟ ابن تيمية مع مين؟ مع الأول ولا مع الثاني؟ هل يرى ابن تيمية أن من عجز عن فهم الحجة يعتبر معذوراً؟ هو لم ينص على شيء هنا حقيقة، هو بس طرح الموضوع، كان هيك ناحية فكرية، بقول لك أن بعض الناس بقول لك هو أصلاً مش معذور قبل قيام الحجة، إذاً من باب أولى إذا قام، إذا أنت طرحت له الحجة وعجز عن فهمها أنك مش رح تعذره، لأنه أنت أصلاً بدون ما تقيم عليه الحجة مش عاذره، والعكس، إذا أنت عذرته عند عجزه عن فهم الحجة، فمن باب أولى أن تعذره عند عدم أصلاً قيام الحجة وعدم وجود النقاش أصلاً معه، فهذا أعذر وأعذر، لكن ابن تيمية لم يبين موقفه، كنت أعرف أن من منهج ابن تيمية أنه مع الثاني، أنه يرى من عجز عن الفهم عاجز حقيقي يعلم الله سبحانه وتعالى من حاله أنه في عنده عجز، فهذا أمره إلى الله عز وجل، قد يجعله من أهل الفترة فيقيم له حساباً مستقلاً أو أموراً مستقلة.
طب إذا وجدناه مع صف المشركين ويقاتلنا رح نقاتل بالنهاية، مش رح نقول له يا عمي أنت عجزت، يعني إذا وجدته يقاتل سيقاتل، لكن ما حاله هذا عند الله سبحانه وتعالى؟ ابن تيمية ترك مساحة النقاش موجودة، قال فعلى التقديرين سيكون قيام.
الحجة أنصر وأعذر، تمام، فعلى كلا التقديرين قيام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، وقال تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: 5]، وهو قيام الحجة. هذا وقد قال النبي ﷺ: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين».
خلاصة ما يريد أن يقول ابن تيمية أن مجادلة أهل الكتاب ومحاورتهم هي المنهج الرباني الرحماني منهج الإسلام العظيم، وأنه حتى وجود السيف والقتال لا ينافي أن نستمر في مجادلتهم وإزالة الشبهة عنهم أو كشف عوار حججهم وما شابه ذلك، وأن القول بأنه لا حاجة لمثل هذه النقاشات هو قول غير صحيح.
رجع بعدين لقصة نجران مرة ثانية لأنه سيتكئ عليها جداً في الرد على القضية الأولى التي أثارها بولس الأنطاكي، لكن نقف عند هذا المقدار اليوم إن شاء الله. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل