حياكم الله في صباح جديد في يوم الخميس في برنامج التراث، حيث نقليب الصفحات في تراث ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. وما زلنا نعيش في أفيَاء كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، هذا الكتاب الذي يعد من أبرز وأهم كتب ابن تيمية رحمه الله عليه في الرد على النصرانية.
كتب ابن تيمية كما نقول دائماً هي كتب انبنت على فكرة النقاش والردود مع أصحاب ومع أهل الأهواء ومن أصحاب الديانات. وهذا الكتاب يرد فيه ابن تيمية عليه رحمه الله على النصارى فيما ادعوه من أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس مرسلا إلا إلى العرب، وأن دين محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يؤكد صحة دين النصارى وأن الإنجيل لم يحرف إلى غير ذلك من الأباطيل التي يسوقونها.
فما زال ابن تيمية يفندها واحدا تلو الآخر، وصلنا إلى قوله رحمه الله تعالى: فصل.
قالوا: وايضا في قول هذا الإنسان مما أتى به في كتابه حيث اتبع القول أنه لم يرسل إلينا مع تشككه فيما أتى به في هذا الكتاب في سورة سبأ حيث يقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24]. طبعا وقالوا، قالوا أي قال النصارى بولس وجماعته.
ماذا قال النصارى؟ وفي قول هذا الإنسان، يقصدون بالإنسان محمدا عليه الصلاة والسلام، ولكن هذه تعبيراتهم، وإلا فحق حقه صلى الله عليه وسلم أن يذكر باسمه. وأيضا في قول هذا الإنسان مما أتى في كتابه، يقصدون القرآن، حيث اتبع القول أنه لم يرسل إلينا، طبعا هذه أصلا محل النقاش بس طيب هم اخذوها يا مسلم مع تشككه فيما أتى به في هذا الكتاب أنه أصلا محمد صلى الله عليه وسلم شاك فيما أتى به أصلا.
ليه؟ لأنه هو ماذا يقول في سورة سبأ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24]. يعني هو لسه مش متاكد من أنه على هدى على أساس أن أو هنا لشك هكذا يعني يعطيك هؤلاء. وهذا يدل على أن من لم يفهم العربية جنى على نفسه، من لم يفهم العربية جنى على نفسه.
وأيضا في سورة الأحقاف: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]. نعم.
والجواب: أن نقلهم عنه أنه قال إنه لم يرسل إليهم كذب ظاهر عليه، فإن كتابه مملوء بدعوتهم وأمره لهم بالإيمان به واتباعه، بل وبعموم رسالته إلى جميع الناس بل وإلى الجن والانس. وليس فيه قط أنه لم يرسل إلى أهل الكتاب، بل فيه التصريح بدعوته أهل الكتاب في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى قيصر ملك النصارى الذي اسمه هرقل بالشام، وقد تقدم ذكر ذلك. وقد تقدم أيضا أن قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَنْذَرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6]، يقتضي أنه ينذر الأميين، وليس فيه أنه لا ينذر غيرهم، كما أن قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الششعراء: 214]، يقتضي إنذار قومه ولا ينفي أن ينذر غيره من العرب.
كما أن قوله في قريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4]، لا يمنع أن يكون غير قريش مامورين بعبادة رب هذا البيت. بل قد أمر الله جميع الثقلين من الجن والإنس أن يعبدوا رب هذا البيت.
فإن قيل: فقد سكت عما سوى الأميين في هذا فيشعر بالنفي بدليل الخطاب الذي يسمى مفهوم المخالفة؟ قيل: ذاك إنما يدل إذا لم يكن في التخصيص فائدة سوى الاختصاص بالحكم. هذه قاعدة أصلا مفهوم المخالفة التي درسناها، أنه لا ينتج النص مفهوم مخالفة إلا إذا لم تظهر فائدة من ذكر هذا القيد في النص إلا نفي ما عدا أو نفي الحكم عما عدا. نعم.
قال: ولم يكن هناك تصريح بأن حكم المسكوت كحكم المنطوق. وهنا لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أمر أن ينذر عشيرته الأقربين أولا، ثم ينذر العرب والاميين، ثم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم. وقد تقدم بسط هذا.
أما قولهم هذا الذي يمنع، وأما قولهم مع تشككه فيما أتى به، فمن الكذب البين. فانه تعالى قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهْوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهْوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 22-26].
فإنه لما دعاهم إلى التوحيد وبين أن ما يدعونه من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا هو شريك ولا ظهير ولا ينفع شفيع إلا باذنه، نفي بذلك جميع وجوه الشرك، فانه ما يشرك به إما أن يكون له ملك أو شريك في الملك أو يكون معينا.
فإذا انتفت الثلاثة لم يقبل إلا الشفاعة التي هي دعاء ومسألة وتلك لا تنفع عنده إلا لمن أذن له. لذلك يقولون: هذه الآية هي أعظم آية في القرآن تنفي الشرك من وجوهه، آية سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ [سبأ: 22-23].
هذه نفت الشرك من جميع الوجوه؛ لأن من تريد أن تشركه مع الله ينبغي أن يكون له واحد من أربعة على الأقل: أن يكون مالكا شيئا من السماوات والأرض مع الله، فإن لم يكن مالكا، فأن يكون شريكا له، إذا لم يتفرد بملك شيء فعلى الأقل أن يشارك الله في ملك شيء.
إذاً إما أن يتفرد بملك شيء دون الله، فإن لم يكن كذلك فعلى الأقل أن يشارك الله في ملك شيء، فإن لم يكن كذلك لا هو تفرد بملك شيء ولا هو مشارك لله في ملك شيء، فالمرتبه الثالثة أن يكون معينا لله في ملكه، ونفى ذلك قال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22] من معين.
طيب إذاً ليس يتفرد بملك شيء ولا شريك في ملك شيء ولا معين، أقل المراتب المعقولة في الشريك أن يشفع عند الطرف الآخر، فنفى ذلك فقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23] يعني حتى هذا لا ما عنده جاه لأن يدخل على شريكه ويطلب منه الشفاعة كما يفعل اهل الدن، ما عنده جاه لأن كل شيء باذن الله سبحانه وتعالى.
فهذه الآية كما قال العلماء هي أعظم آية في نفي الشرك من جميع وجوهه.
قال: ثم ذكر بعد هذا أنه لا رازق يرزق من السماء والأرض إلا الله. دل بهذا وهذا على التوحيد، كما في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضَّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْارُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضَّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 53-55].
فلما ذكر ما دل على وجوب توحيده وبيان أن اهل التوحيد وهم على الهدى وأن أهل الشرك على الضلال، قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24]. يقول: إن احد الفريقين، أهل التوحيد الذين لا يعبدون إلا الله، وأهل الشرك، لعلى هدى أو في ضلال مبين. وهذا من الإنصاف في الخطاب الذي كل من سمعه من ولي وعدو قال من خطب به: قد أنصفك صاحبك.
كما قال العادل الذي ظهر عدله للظالم الذي ظهر ظلمه: الظالم إما أنا وإما أنت. لا للشك في الأمر الظاهر، لكن لبيان أن أحدنا ظالم ظاهر الظلم هو أنت لا أنا. فانه إذا فهذا هي هذه القاعده هذا ليس للشك قال هذا لا للشك في الأمر الظاهر هو مش شاك المتكلم، لكن لبيان أن أحدنا ظالم ظاهر الظلم.
والمتكلم يقصد أن الظاهر الظلم هو أنت لا أنا، هو هذا المقصود أصلا في الباطل، لكن حتى يكون كنوع من الإنصاف في الخطاب الظاهر قال له: في واحد فينا ظالم، وإن كنت أنا أعلم في الباطل أنه أنت الظالم ولست أنا.
قال: فانه إذا قيل: أهل التوحيد الذين يعبدون الله على هدى أو في ضلال، وأهل الشرك الذين يعبدون ما لا يضر ولا ينفع على هدى أو في ضلال مبين، تبين أن أهل التوحيد على الهدى وأهل الشرك على الضلال. وهذا مما يعلمه جميع الملل من المسلمين واليهود والنصارى، يعلمون أن أهل التوحيد على الهدى وأهل الشرك على الضلال.
وفي القرآن في بيان مثل هذا ما لا يحصى إلا بكلفة، بل قطب القرآن وسائر الكتب ومدارها على عباده الله وحده. فكيف يقال إن الرسول كان يشك هل مهتدي هم أهل التوحيد أم أهل الشرك؟ ولا يقول هذا إلا من هو في غاية الجهل والعناد. ثم الآية خطاب للمشركين ليست خطاب للنصارى خصوصا.
فصل: واما قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]، فلفظ الآية: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9]. وهذا بعد قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهْوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: 8].
ونظير هذا قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50]. وهذا قاله نوح عليه السلام أول الرسل، وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الرسل أن يقوله. ومثل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 21-23].
وهذا ونحوه يتضمن اعترافه بأنه عبد الله ورسوله، من الله، لا يتعدى حد رسالته ولا يدعي مشاركته في الالهية كما ادعته النصارى في المسيح. ولهذا قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]. فتبين أنه لا يتعدى حد رسالته، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]، يقول: لست أول من أرسل أو ادعى الرسالة، بل قد تقدم قبلي رسل. ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9]، يقول: لا أداعي علم الغيب، إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير أنذركم بما أمرني الله أن أنذركم به، لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا غيب ولا أقول إني ملك.
وهذا من كمال صدقه وعدله وعبوديته لله وطاعته وتمييز ما يستحقه الخالق وحده مما يستحقه العبد. فإن العلم بعواقب الأمور على وجه التفصيل مما استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وليس من شرط الرسول أن يعلم كل ما يكون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] نفي لعلمه بجميع ما يفعل به وبهم، وهذا لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى. وهذا لا يلزم أن لا يكون عالما بأنه سعيد من أهل الجنة، وإن لم يدري تفاصيل ما يجري له في الدنيا من المحن والأعمال وما يتجدد له من الشرائع وما يكرم به في الآخرة من أصناف النعيم. فانه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وأيضا هذا مأثور عن غيره من الأنبياء عليهم السلام، ولا من شرط النبي أن يعلم حال المخاطبين ومن يؤمن به ومن يكفر به وتفصيل ما يصيرون إليه هذا إن قيل.
إنه لم يعلم بعد هذه الآية ما نفي فيها. وإن قيل إنه أعلم بذلك فمعلوم أن الله لم يعلمه بكل شيء جملة، بل أعلمه بالأمور شيئاً بعد شيء. قد قال له بعد ذلك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 1-3].
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28]. في القرآن والأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم من الأخبار بما سيكون في الدنيا وفي الآخرة أضعاف أضعاف ما يوجد عن قبله من الأنبياء عن الأنبياء قبله، حتى إنه ينبئ عن الشيء الذي يكون بعد مئين من السنين خبراً أكمل من خبر من عاين ذلك.
قوله كقوله في الحديث الصحيح: «لا تقوم الساعة حتى تقاتل الترك صغار الأعين، ذلف الأنف، حمر الخدود، ينتعلون الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة». فمن رأى هؤلاء الترك الذين قاتلهم المسلمين من حين خرج جنكزخان ملكهم الأكبر وأولاده وأولاد أولاده مثل هولاكو وغيره من ملوك الترك الكفار الذين قاتلهم المسلمون، لم يحسن أن يصفهم بأحسن من هذه الصفة. وقد أخبر بهذا قبل ظهوره بأكثر من ستمِائة سنة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى». وهذه النار ظهرت سنة خمس وخمسين وستمِائة بأرض الحجاز، فكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم، ورأى أهل بصرى أعناق الجمال من ضوء تلك النار. وكانت منذرة بما يكون بعدها؛ في سنة ست وخمسين وستمِائة دخل ملك الكفار بغداد وقتل فيها مقتلة عظيمة مشهورة. وسيأتي إن شاء الله بعض الأخبار أنه شاهد الناس وقوعها كما أخبر، عند ذكرنا معجزاته.
قال فصل: ثم قالوا مع الأمر له في فاتحة الكتاب بطلب الهدايه إلى الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فأعنى بقوله المنعم عليهم والمغضوب عليهم والضالين الثلاثة أمم من الذين كانوا في عصره، وهم النصارى واليهود وعباد الأصنام، ولم يكن في زمنه غير هؤلاء الثلاث أمم.
فالمنعم عليهم نحن النصارى، والمغضوب عليهم فلا يشك أنهم اليهود الذين غضب الله عليهم في كتاب التوراه بالأنبياء وهذا الكتاب، والضالين فهم عباد الأصنام الذين ضلوا عن الله. فهذا أمر واضح بين ظاهر عند كل أحد، ولا سيما عند ذوي العقول والمعرفة. والصراط والمذهب أي الطريق، وهذه اللفظة رومية لأن الطريق بالرومية استراطة.
والجواب: أما قولهم المنعم عليهم نحن النصارى فمن العجائب التي تدل على فرط جهل صاحبها. وأعجب من ذلك قولهم إن هذا شيء بين واضح عند كل أحد لا سيما عند ذوي العقول والمعرفة، يكذب الكذبة ويصدقها، ويطالب الناس بتصديقها على أنها شيء واضح؛ يعني شيء بين واضح أن النصارى منعم عليهم يعني بدون ما حاجة إلى أن يشك في المعلومة.
نعم، قال: فيا سبحان الله! ألم يعرف العام والخاص علماً ضرورياً لا تمكن المنازعة فيه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين أمته الذي تلقوه عنه، من تكفير النصارى وتجهيلهم وتضليلهم واستحلال جهادهم وسبي حريمهم وأخذ أموالهم، ما يناقض كل المناقضة أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في كل صلاة يقولون: اللهم اهدنا صراط النصارى! وهل ينسب محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته إلى أنهم في كل صلاة يطلبون من الله أن يهديهم صراط النصارى إلا من هو من أكذب الكاذبين وأعظم الخلق افتراء ووقاحة وجهل وضلالة؟
ولو كانوا يسألون هدايه طريق النصارى لدخلوا في دين النصارى ولم يكفروهم ويقاتلوهم ويضعوا عليهم الجزية التي يؤدونها عن يد وهم صاغرون، ولم يشهدوا عليهم بأنهم من أهل النار. وأمته اخذوا ذلك جميعاً عنه منقولاً عنه بالنقل المتواتر بإجماعهم، لم يبتدعوا ذلك كما ابتدعت النصارى من العقائد وشرائع ما لم يأذن به الله. فلا يلام المسلمون في اتباعهم لرسول الله الذي جاء بالبينات والهدى.
ومحمد صلى الله عليه وسلم إن كان رسولاً صادقاً فقد كفر النصارى وأمر بجهادهم والتبرء منهم ومن دينهم، وإن كان كاذباً لم يقبل شيء مما نقله عن الله عز وجل. وقد تقدم غير مرة قوله تعالى: لقد كفر، الآيات التي ذكرها مراراً وتكراراً أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر النصارى. فإذا كان نبياً صادقاً فهو أصلًا يبين أن النصارى كفار، فمن يقول عن النصارى مثل هذه الأقوال هل يأمر أمته في كل صلاة أن يقولوا اهدنا الصراط المستقيم ويكس صراط النصارى؟ يعني هذا تناقض.
نعم، قال: ثم يقال: أي شيء في الآية مما يدل على أن قوله صراط الذين أنعم عليهم النصارى؟ وإنما المنعم عليهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. فهؤلاء الذين أمر الله عباده أن يسألوا هدايه صراطهم.
وأما النصارى الذين كانوا على دين المسيح قبل النسخ والتبديل فهم من المنعم عليهم، كما أن اليهود الذين كانوا على دين موسى قبل النسخ والتبديل كانوا من المنعم عليهم. وأما النصارى بعد النسخ والتبديل فمن الضالين لا من المنعم عليهم عند الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: 38]. وعباد الأصنام من الضالين المغضوب عليهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». رواه الإمام أحمد والترمذي عن علي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وسبب ذلك أن اليهود يعرفون الحق ولا يعملون به، والنصارى يعبدون بلا علم.
وقد وصف الله اليهود بأعمال والنصارى بأعمال؛ فوصف اليهود بالكبر والبخل والجبن والقسوة وكتمان العلم وسلوك سبيل الغي وهو سبيل الشهوات والعدوان، وذكر عن النصارى الغلو والبدعة في العبادات والشرك والضلالة واستحلال محارم الله، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [المساء: 171].
نعم، هذا مضطين الشيخ. وقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] أي لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، لم نكتب عليهم الرهبانية بل هم ابتدعوها. ومع ابتداعهم إياها فما راعوها حق رعايتها وكل بدعة ضلالة. فهم مذمومون على ابتداع الرهبانية وعلى أنهم لم يرعوها حق رعايتها، وأما ما كتب عليهم من ابتغاء رضوان الله فيحصل بفعل ما شرعه الله لهم من واجب ومستحب، فإن ذلك هو الذي يرضاه، ومن فعل ما يرضاه الله فقد فعل ما كتب عليه.
ويحصل رضوان أيضاً بمجرد فعل الواجبات، وهذا هو الذي كتب على العباد، فإذا لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله كان ابتغاء رضوانه واجباً فما ليس بواجب لا يشترط في حصول ما كتب لهم. ولهذا ضعف أحمد بن حنبل وغيره الحديث مروي: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله»، فإن من صلى في آخر الوقت كما أمر فقد فعل الواجب وذلك يرضي الله عنه وإن كان...
فلا يجوز أن يكون تخصيص الرضوان في أول الوقت فقط؛ يعني هذا كان نوع نقد للمتن، يعني أنه أول الوقت رضوان الله طب آخره إذا أنا صليت الوقت الظهر آخر وقتها أنا فعلت شيء مشروع ولا لا؟ مشروع، لا ينبغي أن يكون؛ يعني هذا يسمونه نقد للمتن، أن نفس نص المتن فيه إشكال أن يكون أول الوقت رضوان الله ولا يكون آخره رضوان لله.
نعم، قال: وإن كان فعل المستحبات ومسبقت إلى الطاعات أبلغ في إرضاء الله، ويحصل له بذلك من رضوان الله ومحبته ما لا يحصل بمجرد الواجبات، كما قال موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه: 84].
والحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: من عاد لي ولياً فقد برزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي مؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه».
وقوله: «حتى أحبه» يجد المحبة المطلقة الكاملة، وأما أصل المحبة فحاصلة بفعل الواجبات فإن الله يحب المتقين والمقسطين، ومن أادى الواجبات فهو إلى المتقين المقسطين. وقال تعالى فيهم: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 30-31].
وقال تعالى لهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. وهو سبحانه وخاطب النصارى بهذا لأن النصارى يعتمدون في دينهم على ما يقوله كبراؤهم الذين وضعوا لهم القوانين والنواميس، ويسوغون لأكابرهم الذين صاروا عندهم عظماء في الدين أن يضعوا لهم شريعة وينسخوا بعض ما كانوا عليه قبل ذلك، لا يردون ما يتنازعون فيهم دينهم إلى الله ورسوله بحيث لا يمكنون أحداً من الخروج عن كتب الله ونززلته والانجيل وعن اتباع ما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء عليهم السلام.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68]. بل ما وضعه لهم أكابرهم من القوانين الدينية والنواميس الشرعية، بعضها ينقلونها عن الأنبياء وبعضها عن الحواريين، وكثير من ذلك ليس منقولاً لا عن الأنبياء ولا عن الحواريين بل من وضع أكابرهم وابتداعهم. كما ابتدعوا لهم الأمانة التي هي أصل عقيدتهم، وابتدعوا لهم الصلاة إلى الشرق، وابتدعوا لهم تحليل لحم الخنزير وسائر المحرمات، وابتدعوا لهم الصوم في وقت الربيع وجعلوه خمسين يوماً، وابتدعوا لهم أعيادهم كعيد الصليب وغيره من الأعياد.
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سمعه يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] فقال: لم يعبدوهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم».
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. فإنهم يتبعون أهواء أكابرهم الذين مضوا من قبلهم، وأولئك ضلوا من قبل هؤلاء وأضلوا اتباعهم كثيرون وضلوا عن سواء السبيل وهو وسط الطريق وهو الصراط المستقيم. فإذا كانوا هم وأتباعهم ضالين عن الصراط المستقيم فكيف يجوز أن يأمر الله عباده وأن يهديهم الصراط المستقيم ويعني به صراط هؤلاء الضالين المضلين عن سواء السبيل وهو صراط مستقيم؟ وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ﴾ [المائدة: 104].
لأن أصل ابتداعهم هذه البدعة كان عن أنفسهم مع ظن كاذب، فكانوا ممن قيل فيهم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. وممن قيل فيه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
وسبب ذلك أن المسيح صلى الله عليه وسلم لما رفع إلى السماء وعاداه اليهود وعادوا أتباعه عداوة شديدة وبلغوا في أذاهم وإذلالهم وطلب بقتلهم ونفيهم، صار في قلوبهم من بغض اليهود وطلب الانتقام منهم ما لا يوصف. فلما صار لهم دولة وملك مثل ما صار لهم في دولة قسطنطين، صاروا يريدون مقاتلة اليهود كما جرت العادة في مثل ذلك من الطوائف المتقابلة المتنازعين في الملك والمتنازعين في البدع؛ كالخوارج والروافض والجبرية مع القدرية والمعطلة مع الممثلة، تلك الدولتان المتنازعتان مع الملك والأهواء بمنزلة قيس ويمن.
ومثال ذلك فإذا ظهرت طائفة على الأخرى بعد ما آذتها الأخرى وانتقمت منها تريد أن تأخذ بثأرها ولا تقف عند حد العدل بل تعتدي على ذلك، بل تعتدي على تلك كما اعتدت تلك. فصار النصارى يريدون مناقضة اليهود فأحلوا ما يحرمه اليهود كالخنزير وغيره، وصاروا يمتحنون من دخل في دينهم بأكل الخنزير؛ فإن أكله وإلا لم يجعلوه نصرانياً.
يعني كأنه صارت مناكفة، كما أن كثير من الفرق الإسلامية نشأت كردات فعل واصبحت أفكارهم ردات فعل؛ فمثلاً الأشعرية كثير من أفكارهم هي ردة فعل على المعتزلة، والجبرية ردة فعل على القدرية، والمرجئة ردة فعل على الخوارج. كذلك النصارى كرده فعل على اليهود؛ قالوا سنحل الخنزير، والذي لا يأكل الخنزير هذا مش نصراني، مناكفة لليهود في ذلك.
نعم، قال: وتركوا الختان وقالوا إن المعمودية عوض عنه. تعميد المعمودية بتعرفوا عند النصارى في تعميد لأطفالهم أول ما يولدوا بغسلوهم.
وجعلوا تعميد الأطفال أول ما يولدون بدل الختان كان هو أيضاً من المناقرة كما يقولون مع اليهود. وصلوا إلى قبلة غير قبلة اليهود، صاروا يصلون نحو المشرق، قالوا: لا نصلي لبيت المقدس مثل اليهود. نعم، قال: وكان اليهود قد أسرفوا في دم المسيح عليه السلام وزعموا أنه ولد زنا وأنه كذاب ساحر، فغلوا هؤلاء في تعظيم المسيح وقالوا: إن الله وابن الله وأمثال ذلك، وصار من يطلب أن يقول فيه القول العدل مثل كثير من علمائهم وعبادهم يجمعون له مجمعاً ويلعنونه فيه على وجه التعصب واتباع الهوى والغلو في من يعظمونه؛ كما يجري مثل ذلك لأهل الأهواء كالغلاة في بعض المشايخ وبعض أهل البيت وبعض العلماء وبعض الملوك وبعض القبائل وبعض المذاهب وبعض الطوائف، فإنما كان مصدر ضلالهم أهواء أنفسهم. قال تعالى للنصارى الذين كانوا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
وأما قولهم إن الصراط هو المذهب أي الطريق، وهذه لفظة رومية لأن الطريق بالرومية استراط، فيقال لهم: الصراط في لغة العرب هو الطريق، يقال، يعني هذه كلمة ليست رومية معربة هي في العرب هي الطريق؛ يعني يدعون أن هذه الكلمه أصلاً مأخوذة من الروم وهذا كلام غير صحيح. نعم، قال: ويقال هو الطريق المحدود بجانبين الذي لا يخرج عنه، ومنه الصراط المنصوب على جهنم هو الجسر الذي يعبر عليه المؤمنون إلى الجنة، وإذا عبر عليه الكفار سقطوا في جهنم، ويقال فيه معنى الاستواء والاعتدال، ويقال فيه معنى الاستواء والاعتدال الذي يوجب سرعة العبور عليه، وفيه ثلاث لغات هي ثلاث قراءات: الصراط والصراط والزراط، هي لغة عربية عرباء ليست بالمعربة ولا مأخوذة من لغة الروم كما زعموا. ويقال أصله من قولهم: سرطت شيئاً أسرطه سرطاً إذا ابتلعته، واستراطته ابتلعته.
وهذا المشهور؛ أما أصل الصراط مأخوذ بالسين أنه ماخوذ من البلع، وسمي الطريق صراطاً لأنه يبتلع من يمشي فيه، هكذا قالوا. نعم، بمعنى يبتلع، طبعا يعني يبتلع يعني يحتوي من يمشي فيه مش أنه المراد ينخسف به، لا، يبتلع يعني أن الطريق سمي صراطاً لأنه يحتوي من يمشي فيه احتواء كاملاً. نعم، قال: واستراطته ابتلعته، فإن المبتلع يجري بسرعة في مجرى محدود. ومن أمثال العرب: لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعاف. ومن قولهم: أعيت شيئاً إذا أزلته من فيك لمرار. ويقال: فلان يسترط ما يأخذ من الدين. وحكى يعقوب بن السكيت: الأخذ سريط، والقضاء ضريط، والسرطاط الفالوذج لأنه يسترط استراطاً. وسيف سرط صراط أي قاطع، فانه ماض سريع المذهب في مضربه، فالصراط هو الطريق المحدود المعتدل الذي يسلكه الذي يصل بسالكه إلى مطلبه بسرعة.
وقد ذكر الله لفظ الصراط في الكتاب في غير موضع، لم يسمِّ الله سبل الشيطان صراطاً بل سماها سبل، وخص طريقه باسم الصراط، كقوله تعالى، وهي ملاحظة جميلة يعني أن الله سبحانه وتعالى طرق الشيطان ما سماها صراط، سماها إيش؟ سبل، وأما طريق الموصل إلى الله هو الوحيد الذي سمي صراطاً. نعم، قال: كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. وفي السنن عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، من أجابه قذفه في النار. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. وسمى سبحانه طريقه صراطه، وسمى تلك سبل، ولم يسمها صراطاً كما سماها سبيلاً، وطريقه يسميه سبيلاً كما يسميه صراطه. قال تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: 117-118]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 1-3]. وهذه الهداية الخاصة التي أعطاه إياها بعد فتح الحديبية أخص مما تقدم، فإن السالك إلى الله لا يزال يتقرب إليه بشيء بعد شيء ويزيده الله هدى بعد هدى، وأقوم الطريق وأكملها الطريق التي بعث الله بها نبياً محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
قال الحاكي عنهم: فقلت إنهم ينكرون علينا في قولنا: أب وابن وروح قدس، وأيضاً في قولنا إنهم ثلاثة أقانيم، وأيضاً في قولنا إن المسيح هو رب وإله خالق، وأيضاً يطلبون منا إيضاح تجسد جسم كلمة الله الخالق بإنسان مخلوق. أجابوا قائلين: لو علموا قولنا هذا أنما نريد به تصحيح قوله إن الله شيء حي ناطق لما أنكروا ذلك علينا، لأننا معشر النصارى لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئاً غيرها أحدثها، إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب، فقلنا إنه شيء لا كالاشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، وذلك لننفي عنه العدم. ورأينا الأشياء المخلوقة تنقسم قسمين: شيء حي وشيء غير حي، فوصفناه بأجلهما فقلنا هو شيء حي لننفي الموت عنه، ورأينا الحي ينقسم قسمين: حي ناطق وحي غير ناطق، فوصفناه بأفضلهما فقلنا هو شيء حي ناطق لننفي الجهل عنه. وثلاثة أسماء وهي إله واحد مسمى واحد ورب واحد خالق واحد شيء واحد، شيء حي ناطق أي الذات والنطق والحياة، فذات عندنا الاب, الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق والابن الذي هو مولود منه لولادة النطق من عقل، والحياة روح القدس.
والجواب من وجوه؛ أحدها قولهم: أما قولنا أب وابن وروح قدس، هذا يعني نوع من التفسير إحدى التفسيرات عندهم للاب والابن وروح القدس تمام. قال: فالذات عندنا الاب، الذي هو ابتداء الاثنين بعده الابن وروح القدس، والنطق الابن الذي هو مولود له؛ لماذا؟ لأن النطق من أين يولد؟ من الذات يعني من العقل، وإن كان عادة كلمة ناطق أصلاً في المنطق هي تعني عاقل مش متكلم، بس هو هنا جعل النطق بمعنى اللسان النطق اللساني بمعنى، فيقول: والنطق هو الابن، لماذا؟ كما أن الابن مولود من الاب أو ناتج من الاب، فكذلك النطق ناتج من العقل، طيب، والحياة هي روح القدس. طيب، قال: والجواب والجواب من وجوه؛ أحدها قولهم: أما قولنا أب وابن وروح قدس فلو علموا قولنا هذا أنما نريد به تصحيح القول بأن الله حي ناطق لما أنكروا ذلك علينا. يقال: فإذاً هم يقولون إنه لما نحكي رب ابن روح قدس نحن بدنا نصحح فكرة أن الله حي ناطق، فالله هو الاب وحي هي روح القدس وناطق هي الابن، يعني هيك الفكرة صارت.
طيب قال: فيقال ليس الأمر كما ادعوه، فإن النصارى يقولون إن هذا القول تلقوه عن الانجيل، وأن في الانجيل عن المسيح صلوات الله عليه وسلامه أنه قال: عمدوا الناس باسم الرب والابن والروح القدس، فكان اصل قولهم هو ما يذكرونه من انه متلقى من الشرع منزل، لا أنهم اثبتوا الحياه والنطق بمعقولهم ثم عبروا عنها بهذه العبارات كما ادعوه في مناظرتهم. نعم هذه اول قضيه انه انتم هي مش انكم في الانجيل عندكم ان الله حي ناطق ثم انتم بعد ذلك الجيل الثاني فسرتم الحياه بروح القدس والنطق بالابن، لا انتم تزعمون ان الانجيل من البدايه هي التي اتت بهذه المصطلحات اب ابن روح قدس. فهمتم يعني هو ظاهر كلامه بولس الانطاكي ما هو انه مصطلحات الاب والابن وروح القدس نحن اتينا بها كـ أو هم اتوا بها كنصارى ليعبروا عن فكرة أن الله حي ناطق، فهم فقط مجرد تعبيرات هم اصطلحوها في الجدال والمناقشات، فابن تيمية يقول: لا، أنتم ما بتقولوا هيك، أنتم تزعمون أن الانجيل، يعني هذا تحرير دينكم كأنه بحرر له دينه، أنتم تزعمون أن الانجيل هو الذي عبر بهذه المصطلحات الاب والابن وروح القدس واتى له بالنص فلا تحاول انك توارب وتزعم انك انتم يعني متاخرون من النصارى عبرتم عن هذه بالاب والابن وروح القدس مجرد تعبير وفي باب الجدال والمناقشه، لا هذا انتم تزعمونه في دينكم وان الانجيل ابتداء نطق به.
كمل قال: ولو كان الامر كذلك لما احتجنا لا إلى هذه العبارة ولا إلى جعل الاقانيم ثلاثة، بل معلوم عندهما عند سائر اهل الملل ان الله موجود حي عليم قدير متكلم، لا تختص صفاته بثلاثة ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك. ثم قال: ولو كان الامر كذلك على سبيل التنزل، ولو كان الامر كذلك تنزلاً لو فرضنا انه فعلاً انه أنتم من اقترعتم هذه العبارات يا أيها المتاخرون لتعبروا بها على أن الله حي ناطق، نقول: ما في داعي أن تحصروا صفات الله فقط في هذه الامور، ليش حصرتم بصفات الله حي ناطق، ثم خلت الالفاظ والعبارات الا أن تعبروا عن الحي بالروح القدس وعن الناطق بالابن، ما في المصطلحات والمفردات اللغوية ما هو افضل من هذا التعبير؟ نعم.
قال: ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك. نعم كلمة ابن إيش علاقتها بناطقه؟ هل كلمة ابن تدل على كلمة ناطق؟ هل كلمة روح القدس تدل على كلمة الحياة؟ قال: ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة بالفاظ لا تدل على ذلك. ولفظ الاب والابن وروح القدس أن هذه الالفاظ، نعم، قال: فان هذه الالفاظ لا تدل على ما فصروها به في لغة احد من الامم، ولا يوجد في كلام احد من انبياء انه عبر بهذه الالفاظ عما ذكروه من المعاني. بل اثبات ما ادعوه من تميلات التثليث والتعبير عنه بهذه الالفاظ هو مما ابتدعوه، ولم يدل عليه لا شرع ولا عقل. هم يدعون أن التثليث والحلول والاتحاد إنما ما صور إليه من جهة الشرع هو نصوص الأنبياء والكتب المنزلة ومن جهة العقل، وزعموا أن الكتب الإلهية نطقت بذلك، ثم تكلفوا لما ظنوه مدلول الكتب طريقاً عقلية فسروه بها تفسيراً ظنوه جائزاً في العقل. ولهذا تجد النصارى لا يلجؤون في التثليث والاتحاد إلا إلى الشرع والكتب، وهم يجدون نفرة عقولهم وقلوبهم عن التثليث والاتحاد والحلول، فإن فطرة الله يتفطر الناس عليها وما جعله الله في قلوب الناس من المعارف العقلية التي قد يسمونها ناموساً طبيعياً يدفع ذلك وينفيه وينفر منه وينفر عنه، لكن يزعمون أن الكتب الإلهية جاءت بذلك وأن هذا الكلام من طور وراء طور العقل.
من طور وراء طور العقل، فينقادون لظنهم أن الكتب الإلهية أخبرت به لا لأن العقول دلت عليه، مع أنه ليس في الكتب الإلهية ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على نقيضه كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولا يميزون بين ما يحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ولا يحكم فيه بنفي ولا إثبات. نعم يعني الشريعة تأتي بما تحتار فيه العقول، لكن لا تأتي بما تحيله العقول. وأسنادهم هذه العقيدة عقيدة الاب والابن وروح القدس للانجيل والشرائع، هذا كأنك تقول إن الشريعة تأتي بما يناقض العقول تماماً. يعني هون بقول لك ابن تيمية: هم يرون أن العقول ربما لا تقول بالاب والابن وروح القدس، بس نحن حكينا فيها فقط لأن الشريعة الانجيلية هي التي حكت فيها. يقول لهم ابن تيمية: مستحيل، الشرائع لا تأتي بمستحيلات العقول، والحلول أو الاتحاد هذا من مستحيلات العقول، الشرائع تأتي بما تعجز العقول عن إدراكه صح، لكن لا تأتي بما يقول العقل إنه مستحيل. نعم.
قال: إن الرسل أخبرت بالنوع الثاني ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول. النوع الثاني اللي هو محارات العقول، ولم تخبر بالنوع الأول وهو محيلات أو المستحيلات العقلية. نعم. قال: فلم يفرقوا بين محالات العقول ومحارات العقول، وقد ضاهاوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا ولداً شريكاً، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِم يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]. وقد ضاهاهم في ذلك أهل البدع والضلال المشبهون لهم من المنتسبين إلى الإسلام الذين يقولون بنحو قولهم من الغلو في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ وغيرهم، ومن يدعي الوحدة أو الحلول أو الاتحاد الخاصة المعينة كدعوة النصارى ودعوة الغالية من الشيعة في علي وطائفة من أهل البيت كالنصيرية ونحوهم ممن يدعي إلهية عليا، وكدعوة بعض الإسماعيلية الإلهية في الحاكم وغيره. في الحاكم العبيدي يعني نعم.
قال: وغيره من بني عبد الله بن ميمون القداح المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ودعوة كثيرة من الناس ونحو ذلك في بعض الشيوخ، إما المعروفين بالصلاح وإما من يظن به الصلاح وليس من أهله، فإن لهم أقوالاً من جنس أقوال النصارى وبعضها أشر من أقوال النصارى. للاسف أن كثير من الصوفية والروافض بأنواعهم أيضاً يؤمنون بالحلول، السلام ورحمة الله، أو يقولون بالحلول كما قالت به النصارى، فبعض مثلاً، فالمصيرية يقولون بحلول الله عز وجل.
وجل في عيسى والعياذ بالله، عفواً، في علي بن أبي طالب والعياذ بالله، والإسماعيلية يقولون بحلول الله في جسد العبي الحاكم العبيدي، وجماعة بعض الصوفية يقولون بحلول الله في رجل معروف الصلاح كالكرخي أو غيره ممن عرف صلاحه، يقول بحلول الله، وببعضهم يجعل الله يحل في من أصلاً لا يعرف صلاحه من مشايخهم الذين ليسوا معروفين من هم أصلاً.
وهذا كله شبيه بأقوال النصارى أن الله - والعياذ بالله - حل في عيسى ابن مريم، بل بعضهم أشد من النصارى كفراً في ذلك. نعم، قال وعمه علي إذا خوطبوا ببيان فساد قولهم قالوا: من جنس قول النصارى، هذا أمر فوق العقل.
ويقول بعضهم ما كان يقوله التلمساني لشيخ أهل الوحدة: ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل. ويقولون: ثبت عندنا، شوف هذه العبارة المشهورة هذه: ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل، يعني أنتم يا مشايخ، وأنتم يعني أهل الحديث ولا الحشوية ولا النوابت، أنتم هذه أمور لا تصل لمستواكم؛ لأن هذه أمور إيماننا بأن الله يحل في جسد معين من الأولياء أو أن الله يحل في العالم، هذه أمور لم تثبت بالعقل، هذه أصلاً تناقض صريح العقل، يعني هو التلمساني معترف أن هذه الأمور تناقض صريح العقل.
طيب كيف آمنت بها يا تلمساني؟ قال: هي ثبتت لنا بالكشف، قال: وهناك أمور تثبت بالكشف والإلهام وإن كانت تناقض العقل، بس أنت بدك تؤمن بها؛ لأن الكشف دل عليه، وهذا كله دلالة على عمق.
ويقولون لمن أراد أن يسلك سبيلهم: دع العقل والنقل أو اخرج عن العقل والنقل. وينشدون فيهم: مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أقدامه يسجد العقل، هم معشر حلوا النظام وحرقوا السياج، فلا فرض لديهم ولا نفل. وهؤلاء مقلدون لمشايخ لا فرض عليهم ولا نفل والعياذ بالله، يعني أسقطوا الشريعة، هم قوم هم معشر حلوا النظام، يعني مش ملتزمين بالشريعة؛ لأنهم وصلوا - بتعرفوا الصوفية هذول بعضهم - أنه إذا وصل إلى مرتبة عالية خلص يتحلل من الشريعة، فليس مخاطباً لا بفرض ولا بنفل. نعم.
قال وهؤلاء مقلدون لمشايخهم، متبعون لهم فيما يخرجون به عن شريعة الرسول، وما ابتدعوه مما لم يأذن به الله باتخاذ البدع العبادات واستحلال المحرمات، كتقليد بعض النصارى لشيوخهم، وإذا اعترض على أحد منهم يقولون: الشيخ يسلم له حاله ولا يعترض عليه، كما يقوله النصارى لشيوخهم.
ومن هؤلاء من يقول: نحن أولاد الله، ويقول المسيح هو ولد الله، وينطق أيضاً بلفظ الشهوة، فيقول: إنهم أولاد شهوته، ويقول إنه زوج مريم، كما يقول ذلك من يقوله من النصارى.
وغاية ما عندهم أنهم يحكون عن شيوخهم نوعاً من خوارق العادات، قد يكون كذباً وقد يكون صدقاً، وإذا كانت صدقاً فقد يكون من أحوال أولياء الشيطان كسحرة الكهان، وقد يكون من أحوال أولياء الرحمن، وإذا كانت من أحوال أولياء الرحمن لم يكن في ذلك ما يوجب تقليد الولي في كل ما يقوله، إذ الولي لا يجب أن يكون معصوماً، ولا يجب اتباعه في كل ما يقوله، ولا الإيمان بكل ما يقوله، وإنما هذا من خصائص الأنبياء الذين يجب الإيمان بكل ما يقولونه، فيجب تصديقهم في كل ما يخبرون به من الغيب، وطاعتهم فيما أوجبوه على الأمم، ومن كفر بشيء مما جاؤوا به فهو كافر، ومن سب نبياً واحداً منهم وجب قتله، وليس هذه لغير الأنبياء من الصالحين.
فهؤلاء المبتدعة الغلاة المشركون القائلون بنوع من الحلول هم مضاهئون للنصارى بقدر ما شبهوهم فيه وخالفوا فيه دين المسلمين، ومنهم من تكون موافقتهم لدين المسلمين أكثر، وأما الغلاة منهم فموافقتهم للنصارى أكثر، ومنهم من هو أكثر من النصارى.
ولما كان مستند النصارى هو ما ينقلونه إما عن الأنبياء وإما عن غيرهم مما يوجبون اتباعه، كانوا إذا أوردوا على علمائهم ما يقصد امتناع ذلك قالوا: هكذا في الكتاب، وبهذا نطق الكتاب، وهذه الكتب جاءت بها الرسل يعنون المؤيدين بالمعجزات، ويعنون بالرسل الحواريين، فاعتصامهم بهم إنما هو لما ظنوه مذكوراً في الكتب الإلهية، وإن راوه مخالفا للصريح المعقول.
ولهذا ينهون جمهورهم عن البحث والمناظرة لعلمهم بأن العقل الصريح متى تصور دينهم علم أنه باطل، فدعوى المدعين إنما قلنا أب وابن وروح قدس لتصحيح القول بأن الله حي ناطق كذب ظاهر، وهم يعلمون أنه كذب، وتصحيح القول بأن الله حي متكلم لا يقف على هذه العبارة بل يمكنه تصحيح ذلك بالدللة الشرعية والسمعية والعقلية، والتعبير عنه بالعبارات البينة، كما يقوله المسلمون وغيرهم بدون قولنا أب وابن وروح القدس.
يعني إذا زعمتم يا نصارى أن قولكم بالآب والابن وروح القدس إنما هدفه تصحيح أن الله حي متكلم أو حي ناطق، له نحن لا نحتاج أن نصحح هذه الصفات من خلال إطلاق كلمة الأب والابن وروح القدس عليهم، بل بامكانكم كما قال لاثبات هذه الصفات لله سبحانه وتعالى هو ليس متوقفاً على تسميتها أب وابن وروح القدس، بل هناك الأدلة العقلية والشرعية التي تدل على ذلك، بل ما أتيتم به زاد الطين بلة، يعني كأنه يقول: أنتم زدتم الأمر غموضاً ولم تزيدوه وضوحاً وجلاءً. نعم.
هذا التعبير سبحان الله دائماً دائماً بيستعملوه في المناظرات، بينما هم نفسهم هذا أول من قال واحد اسمه سبيليوس معروف. نعم، فسموها قد سبيليوس كفروه، ويعني وكل ما يقول به هذا كافر.
وهو شوف هذه الفكرة أصلاً أُخذت من الوثنية، فكرة الأب والابن وروح القدس إنما دخلت النصارى وشجعها بولس بعد ذلك من الوثنيات التي تلقاها، مش بولس الأنطاكي، بولس النصراني هذا تعقيم دينهم، بولس الرسول هذا عندما درس في مصر، درس بولس الرسول في مصر لما كانت مصر تقوم فيها المدارس الفلسفية الوثنية، بيسموها الأفلاطونية، إحدى المدارس الأفلاطونية كانت في مصر، وكانت أفلاطونية وثنية وكان أبوس عندهم وتعلم عندهم هذه الوثنيات، ثم حاول أن يدخلها ونجح، يعني هو حاول أن يدخلها في دين النصارى، وظهر بفكرة الأب والابن والروح القدس، فهي فكرة وثنية دخيلة على النصرانية ومشت، ولكن هم بعد ذلك ما عادوا يفهمونها، فصار كل واحد فيهم يطلع بنظرية كيف أب وابن وروح القدس.
هو ما ذكره ابن تيمية هنا هذه إحدى الاقوال عندهم ترى أن مرادنا بالآب الله والابن أي الحي عفواً الناطق، هذه إحدى النظريات وأنهم أصلاً مختلفون فيها. نعم.
ومما يبين ذلك وجه ذلك الوجه الثاني هو أن النصارى المقرين بأن هذه العبارة في الإنجيل الماخوذ عن المسيح مختلفون في تفسير هذا الكلام، فكثير منهم يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمه، وروح القدس - لاحظ هذا ما قلت لك إنهم أصلاً مختلفون أصلاً في تفسير الأب والابن وروح القدس، هم ليسوا متفقين أن الأب هو الله والابن هو الناطق وروح القدس الحياة - فالبعض يقول مثلاً منهم: إن الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة.
ومنهم من يقول، قال: منهم من يقول بل الأب هو الوجود والابن هو الكلمة وروح القدس هو القدرة، روح القدس القدرة بعضهم يفسرها. طيب، وبعضهم يقول إن الأقانيم الثلاثة جواد حكيم قادر، فيجعل الأب هو الجواد، الأب بمعنى الجواد، والابن هو الحكيم، وروح القدس القدرة. طيب، قال: ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاثة، ويقولون إننا استدللنا على وجوده بإخراج الأشياء من العدم إلى الوجود وذلك من جوده، وقد رأيت في كتب النصارى هذا وهذا.
يعني هم لماذا يجعلون الأب جواد؟ جعلوا الأب هو الجواد لأنه أخرج البشر من العدم إلى الوجود، وهذا نوع من الجود، يعني من جوده علينا أنه أخرجنا من العدم فأصبحنا موجودين.
قال: منهم من يعبر عن الكلمة بالعلم، فيقولون موجود حي عالم أو موجود، نعم منهم من يعبر أن - مش قلنا الابن هو الكلمة؟ - طيب ما المراد بالكلمة؟ العلم. يترجمون أن الابن هو الكلمة والمراد بالكلمة العلم، فيقولون موجود أي آب حي عالم بمعنى ابن. نعم، قال كما يقول بعضهم ناطق، ومنهم من يقول موجود حكيم، ومنهم من يقول قائم بنفسه حكيم.
هم متفقون على أن المتحد بالمسيح أو الحال فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الابن دون الأب، ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول: إن المسيح عليه السلام عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فوافقهم على لفظ الأب والابن والروح القدس ولا يفسر ذلك بما يقولونه، ونازعهم من الحلول والاتحاد.
يعني هذول أحسن الناس هذول، هذه الطائفة لا يؤمنون بكلمة أب وابن وروح القدس لكن لا يفسرونها بالطريقة التي يفسر بها هؤلاء من الحلول أو الاتحاد أبداً، فلا يقولون إن الابن من الإله، أنت الان خلص عندهم صار الإله يتكون من آب روح القدس، النصارى بيقولون: الابن هذا القسم هو الذي يحل في جسد المسيح ابن مريم، لكن هؤلاء الطائفة من النصارى الأريوسية لا يؤمنون بوجود شيء من الحلول، يعني يؤمنون بكلمة أب وابن وروح القدس وأنه معناها مثلاً موجود عالم قدير ما عندهم مشكلة، لكن لا يقولون إن قسم الابن من الإله ينزل في جسد المسيح. نعم.
قال: كما أن النسطورية يوافقونهم أيضاً على هذا اللفظ، وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكية، فإذا كانوا متفقين على اللفظ متنازعين في معناه، علم أنهم صدقوا أولاً، أنهم صدقوا أولاً باللفظ لأجل اعتقاد، صدقوا أولاً باللفظ لأجل اعتقادهم ما جاء الشرع به، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب، كما يختلفون هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن النبي عليهم السلام، وعلم بذلك أن أصل قولهم الأب والابن والروح القدس لم يكن لأجل تصحيح لم يكن لأجل تصحيح القول بأن الله موجود حي ناطق الذي علموه أولاً بالعقل. نعم.
قال: يوضح هذا الوجه الثالث وهو قولهم: أنا لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئاً غيرها أحدثها، إن كان المتكلم بهذا طائفة معينة من النصارى فيقال هؤلاء القول بالأب والابن وروح القدس موجود عند النصارى قبل وجودكم وقبل نظركم وهذا واستدلالكم، فلا يجوز أن يكون نظركم هو الموجب لهذا لقول النصارى هذا.
وإن كان المراد به أن جميع النصارى من حين قالوا هذا الكلام نظروا واستدلوا حتى قالوا ذلك، فهذا كذب بين، فإن هذا الكلام يقول النصارى أنهم تلقوه عن الإنجيل، وأن المسيح عليه السلام قال: عمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس، والمسيح والحواريون لم يأمروهم بهذا النظر الموجب به لهذا القول، ولا جعل المسيح هذا القول موقوفاً عندهم على هذا البحث، فعلم أن جعلهم هذا القول عن هذا البحث قول باطن يعلمون بطنه بطانة.
الوجه الرابع: أن هذا القول إن كان المسيح لم يلقه فلا يجوز أن يقال ولو عي به الإنسان معنى صحيحاً، فإن هذه العبارة إنما يفهم منها عند الإطلاق عند الإطلاق المعاني الباطلة، ولهذا يوجد الكثير من عوام النصارى يعتبر أن هذا القول، وهو الأب والابن وروح القدس إن كان المسيح لم يقل، مش هيك أنت بتكي يا بولس أن هذا قول أنتم جبتوه عشان تدافعوا عن فكرة الله، إذا كان المسيح لم يقل هذا القول ترى ما بصير أنتم تقولونه وتنسبونه لدينكم.
فإن هذه العبارة الأب والابن وروح القدس إنما يفهم منها عند الإطلاق المعاني الباطلة، يعني هذا كله في محاولة ابن تيمية تحسين الظن، بدنا نحسن الظن فيكم وأن معنى الأب والابن والروح القدس الله حي ناطق، ترى العبارة التي أتيتم بها مشكلة ولا تدل على هذه المعاني في حال، فالأصل أنك ما تستخدم هذه العبارات. طيب.
قال: ولهذا يوجد كثير من عوام النصارى يعتقدون أن المسيح ابن الله المنوه المعروفة في المخلوقات، فإن مثلاً أنت لما تسمعنا يعني نحن كناس لما نسمع النصارى بيقولوا أب وابن وروح القدس نحن شو بنفهم؟ أنكم جعلتوا المسيح ابن لله، ابن مخلوق، ما حدا فينا فاهم أن قصدكم بالاب والابن وروح القدس أن الله حي ناطق، يعني هذا ما حدا يأتي في ذهنه ولا يخطر في عقله، فأنت كيف يعني زدت الأمر غموضاً وتزعم أنك تزيده وضوحاً؟ نعم.
قال: ويقولون إن مريم زوجة الله، وهذا لازم لعامه النصارى وإن لم يقولوه، فإن الذي يلد لابد له من زوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 101]. وجعل الرب والداً لمولود أنكروا في العقول من إثبات صاحبة له، سواء فسرت بالولادة بالولادة المعروفة أو بالولادة العقلية التي يقولها علماء النصارى.
فإن من أثبت صاحبة له يمكنه تأويل ذلك كما تأولوا الولد، يقولون: إن الأب ولدت منه الكلمة، ومريم ولد منها الناسوت، واتحد الناسوت باللاهوت، فكما أن الأب أب باللاهوت لا بالناسوت، مريم أم للناسوت لا للاهوت، فكذلك هي صاحبة للأب باللاهوت والناسوت، زوج مريم.
فإذاً هم يقولون: إن الأب ولدت منه الكلمة، ومريم ولد منها الجسد، ثم اتحد الكلمة الذي هو اللاهوت بالجسد الذي هو الناسوت والعياذ بالله.
نعم قال: وإذا اتحد اللاهوت بناسوت المسيح مدة طويلة، فلماذا يمتنع أن يجتمع اللاهوت بناسوت مريم مدة قصيرة؟ إذا جعل الناسوت الذي ولدته ابناً للاهوت، فأي شيء لا تجعل هي لا تجعل هي صاحبة وزوجه للاهوت، فإن المسيح عندهم اسم لمجموع اللاهوت والناسوت هو عندهم إله تام وإنسان تام.
فكما أن الأب أب باللاهوت لا بالناسوت مش بالجسد، ومريم أم للناسوت لا للاهوت، فكذلك هي ماذا؟ هي صاحبة للأب بماذا؟ بالناسوت يعني هي ستكون صاحبة للأب والعياذ بالله معنى الزوجة من جهة الجسد باعتباره بالتشكل الجسد وليس بالمراد بالتشكل الإلهي اللاهوتي. هو يقول: فكما أن الأب أب من جهة اللاهوت لا من جهة الناسوت، ومريم أم من جهة الناسوت اللي هي الناحية البدنية لا للاهوت، فكذلك هي إذا صاحبة للأب من أي جهة ستكون؟ من جهة الناسوت، من الجهة البدنية، واللاهوت زوج لمريم بماذا؟ بلاهوته، كما أنه أب للمسيح بلاهوته.
قال: وهو عندهم إله تام وإنسان تام، فلاهوته من الله وناسوته من مريم، فهو من أصلين لاهوت وناسوت، فإذا كان أحد الأصلين أباه والاخر أمه، فلماذا لا تكون أمه زوجة أبيه بهذا الاعتبار؟ مع أن المصاحبة قبل البنوة، فكيف يثبت الفرع الملزوم بدون ثبوت الأصل اللازم؟ وليس في ذلك من المحال على أصلهم إلا ما هو من جنس إثبات بنوة المسيح وأقل امتناع.
وإن كان المسيح عليه السلام قال هذا الكلام، فقد عننا المسيح عليه السلام، وغيره من الأنبياء معصومون لا يقولون إلا الحق، وإذا قالوا قولا فلا بد له من المعنى الصحيح ويمتنع أن يريدوا بقوله ما يعلم بطلانه بسمع أو عقل. فإذا كانت العقول والنصوص، نصوص الكتب المتقدمة مع نصوص القرآن، تناقض ما ابتدعته النصارى في المسيح، علم أن المسيح لم يرد معنى باطلا يخالف صريح المعقول وصريح المنقول. بل نقول في الوجه الخامس: إن صح؛ فلا بد إذا أن يكون المسيح إن فرض ثبت أنه قال، لابد أن يكون قصد معنى صحيحا، ليس له أي علاقة بكل المعاني التي أنتم تقولونها، لأن المعاني التي تعقولونها تخالف صريح القرآن.
قال بل نقول في الوجه الخامس: إن صحت هذه العبارة عن المسيح المعصوم عليه السلام، فإنه أراد بذلك ما يناسب سائر كلامه. وفي الموجود في كتبهم تسمية الرب أبا وتسمية عباده أبناء، كما يذكرون أنه قال في توراة يعقوب: انت ابني بكري. هذه مرت معنا، أنه يمكن تفسر تفسير صحيح بأن نقول: إن المراد بالابن ليس الابن الذي هو مخلوق، وإنما المراد بمعنى العبد، وهناك في التوراة والإنجيل نصوص تشابه هذا. وزي ما حكينا الدرس الماضي: قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، اليهود لما قالت: نحن أبناء الله، لم تقصد أننا ولدنا من الله، وإنما قالت الولادة، الابن بمعنى العز العزيز، لأن الابن دائما يكون عزيزا على والده، فهنا يفسر العبيد بأنهم أبناء إذا كانوا عزيزين على ربهم وعبودهم.
وقال لداوود في الزبور: انت ابني وحبيبي. وفي الإنجيل في غير موضع يقول المسيح: أبي وأبيكم. كقوله: إني أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم. فيسميه أبا لهم كما يسميهم أبناء له، فإن كان هذا صحيحا فالمراد بذلك أنه الرب المربي الرحيم. نعم، فتسمية الله أبا في هذه الكتب القديمة بمعنى أنه المربي الرحيم، هذا معقول يقول ابن تيميه نعم.
قال: فإن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والابن هو المربى المرحوم. فإن تربية الله لعبده أكمل من تربية الوالدة لوالدها، فيكون المراد بالاب -الرب- والمراد بالابن -عبده المسيح الذي رباه-. وأما الروح القدس فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم، بل الروح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداوود وغيره من الأنبياء والصالحين، والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بالروح القدس، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87] في موضعين من البقرة. قال تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: 110]. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -حَسَنٌ ثابت- إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه، وقال: اللهم أيد بالروح القدس، كما يتقدم ذكر هذا كله مبسوطة.
وروح القدس قد يراد بها الملكة المقدسة كجبريل، ويراد بها الوحي والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطة، وقد يكونان متلازمين، فإن الملك ينزل بالوحي والوحي ينزل به الملك. الله تعالى يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى، كما قال تعالى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40] في موضعين من سورة براءة. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]. قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم برُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2].
فكلمة إذا روح القدس، يقول شيخ الإسلام -هذه المرة الثانية التي نص فيها على هذا-: أن لها معنيين؛ أن روح القدس تطلق على الملك، وأنها تطلق أيضا على ما ينزل من الوحي والهدى والتأييد للأنبياء والأولياء، سواء هذا الوحي أو التأييد نزل بواسطة الملك أو بغير واسطة. فكلمة روح القدس تطلق على الملك الذي ينزل، وتطلق على ما يؤيد الله به عباده من الوحي والهدى والنصر وما شابه ذلك، سواء هذا الوحي أو النصر أو التأييد نزل بواسطة الملك أو بغير واسطته. ثم قال بعد ذلك: وفي العادة يكونان متلازمين، لأن الملك هو الذي ينزل بالوحي والنصر والتأييد، فيكون أطلق روح القدس على مجموع ذلك الملك مع ما نزل به.
قال: وإذا كان الروح القدس معروفا في كلام الأنبياء والمتقدمين والمتأخرين أنه أمر ينزله الله على أنبيائه وصالح العباد، سواء كان من الملائكة تنزل بالوحي والنصر، أو وحيا وتأييدا مع ملك وبدون الملك؛ ليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به. إذا فليس المعنى روح القدس حياة الله ما دامت معروفة، وإذا هي ليست حياة الله، والسياقات اللي وردت فيها سواء في الكتب المقدسة أو في القرآن لا تدل على أن المراد بكلمة روح القدس وصف الله بالحياة.
قال: إن كان عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، بالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به. فإذا كان المسيح فعلا هو قال: عمدوا الناس بالاب والابن وروح القدس؛ فماذا سيكون معنى هذه العبارة؟ عبارة لو كان المسيح قالها، يعني آمنوا؛ إيش قال؟ آمنوا بالله والابن وهو نبيه، ويجوز أن يطلق الابن بمعنى النبي، والملك الذي ينزل به الوحي وهو جبريل، فآمنوا بالله وبالمسيح وبجبريل، كان هذا معنى العبارة، وهذا المعنى لا اشكال فيه عندنا.
قال: فيكون ذلك أمرا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صحيح المعقول وصحيح المنقول. فتفسير الكلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم، ويوافق القرآن، ويوافق العقل، أولى من تفسيره بما يخالف صحيح المعقول وصحيح المنقول. فتفسير كلام عيسى بهذه الطريقة أولى من التفسير اللي أنت حضرتك قدمت لنا إياه يا بولس الانطاكي أو قدموه جماعتك، لمعنى الأب والابن وروح القدس.
قال: وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف، ولا هو من التأويل الذي هو صارف الكلام عن ظاهره وإلى ما يخالف ظاهره، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيحي وخطاب سائر الأنبياء. وأما تفسير النصارى بأن الابن مولود قديم أزلي هو العلم أو الكلمه أو كلمة الله، وتفسير اللفظ بما لم يستعمل هذا اللفظ فيه لا في كلام أحد من الأنبياء ولا لغة أحد من الأنبياء، وكذلك تفسير الروح القدس بحياه الله؛ فالذي فسر النصارى به كلام المسيح هو تفسير لا تدل عليه لغة المسيح وعادته في كلامه، ولا لغة غيره من الأنبياء، بل المعروف في لغته وكلامه وكلام سائر الأنبياء تفسيره بما فسرناه، وبذلك فسره أكابر علماء النصارى.
وأما ضلال النصارى المحرفون لمعاني كتب الله عز وجل، ففسروا بما يخالف معناه الظاهر وينكره العقل والشرع. وتمام هذا الوجه وتمام هذا بالوجه السادس، وهو أن النصارى لما كان عندهم في الكتب تسمية المسيح عليه السلام ابنا، وتسمية غيرهم من الأنبياء عليهم السلام ابنا -كقوله ليعقوب: انت ابني بكري- وتسمية الحواريين أبنائك، قالوا: ابنه بالطبع وغيره هو ابنه بالوضع، فجعلوا لفظ الابن مشتركا بين المعنيين، وأثبتوا لله طبعا، جعلوا المسيح ابنه باعتبار ذلك الطبع، وهذا يقرر قول من يفهم منهم أنه ابنه البنوة المعروفة في المخلوقين.
نعم، تقول إن المسيح هو ابن الله بالطبع، شو يعني بالطبع؟ بالطبيعة صح؟ طيب، من هو الابن بالطبيعة في متعارف الناس؟ هو الابن المخلوق خلقا، وليس الابن بمعنى العزيز، فهذا يزيدكم فسادا. هم ماذا يقولون؟ قالوا: إن المسيح هو ابن الله بالطبع، والحواريون ابنا الله بالوضع. طيب شو قصدكم؟ أن المسيح ابن الله بالطبع، يعني بالطبيعة، طب كلنا جميعا لما نقول: والله فلان ابن طبيعي، إيش يعني ابن طبيعي؟ يعني مخلوق. وهذا لا يتناسب مع ما يفهمه أهل الكتب السماوية عموما من أنه لو صح أن المسيح ابن، إنما المراد الابن بمعنى العزيز المحبوب لله أو الرسول، فإذا اختلفت الفكرة هنا.
قال: فجعلوا لفظ الابن مشتركا بين معنيين، وأثبتوا لله طبعا، جعلوا المسيح ابنه باعتبار ذلك الطبع، وهذا سيؤكد أن معنى أن المسيح ابن الله على هذه الطريقة، الابن المخلوق، وأن مريم زوجة الله والعياذ بالله. والوضع، يعني بالوضع بالاصطلاح، يعني ربما تق- أحسنت، الوضع بمعنى الاصطلاح، بس ما معنى الاصطلاح هنا؟ ما يظهر لي، يعني هم المسيح وضعهم، ممكن مين اللي وضعهم؟ يعني بالاصطلاح، من الذي اصطلح على أن الحواريين ابنا الله؟ أولاد الله في هناك وضع معين، أنا لا أعرف ماذا قصدوا بهذا تماما، لكنه بالوضع اكيد هو شيء اصطلاحي وليس طبيعي.
قال: وكذلك جعل الروح القدس مشتركة بين حياة الله وبين الروح القدس التي تنزل على الأنبياء والصالحين. ومعلوم أن الاشتراك على خلاف الأصل، وأن اللفظ إذا استعمل في عدة مواضع كان جعله حقيقة متواطئا في القدر المشترك أولى من جعله مشتركا اشتراكا. وكذلك روح القدس، إذا راجعت إلى النصارى تجدهم أحيانا يفسرونها بانها حياة الله زي ما قلنا، وأحيانا يفسرونها بأنه جبريل الذي ينزل على الأنبياء هم نفسهم، فجعلوا كلمة روح القدس مشتركة تطلق على حياة الله وعلى الملك، وهذا خلاف الأصل، لأنه نحن في أصول الفقه إيش قررنا؟ إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا وبين أن يكون حقيقة ومجازا، فالقاعدة تقول: يجب يحمل على الحقيقه والمجاز وليس على الاشتراك، لأن الاشتراك يزيد الأمر أبها,
ومعلوم أن الاشتراك على خلاف الأصل، كلام صحيح حتى في قواعد أصول الفقه، وأن اللفظ إذا استعمل في عدة مواضع كان جعله حقيقة متواطئا في القدر المشترك بين الأفراد أولى من جعله مشتركا اشتراكا لفظيا، يعني أما أن تجعل اللفظ حقيقة ومجازا -إذا كان له عدة معاني تجعله حقيقه في أحدهما مجازا في الآخرين- أو أن تجعله حقيقه في الجميع على طريقة التواطؤ وليس على طريقة اللفظ المشترك. كيف على طريقة التواطؤ؟ أنه تنظر في الجميع، إيش النقطة المشتركة بين جميع الأفراد التي من أجلها أطلق اللفظ عليه؟ مثلا نحن إيش المشترك بينا فسمينا انسانا؟ أننا كلنا فينا حياة ومفكرون، فكلمة الإنسان تطلق علينا جميعا حقيقه. أهذه صورة اللفظ المشترك، ولا من باب التواطؤ؟ من باب التواطؤ مش من باب اللفظ المشترك.
قال: بحيث يكون حقيقه في خصوص هذا وخصوص هذا، أو يكون مجازا في أحدهما، فإن المجاز والاشتراك هنا، إذا أن تقول هو حقيقه في معنى مجاز في الآخر، هذا متى تحتاجه؟ إذا كان بين المعنيين لا يوجد نقطة مشتركة حتى تقول إنه حقيقه على صورة التواطؤ ما بتزبط، فعندها ستضطر للحل الآخر أن تقول إنه حقيقه في أحدهما مجاز في الآخر. أما أن تذهب إلى أنه مشترك لفظي فهذا جعله آخر الحال، آخر الحال أن تجعله من قبيل المشترك اللفظي، وإلا فالأصل أن يحمل على أنه حقيقه من قبيل التواطؤ، فإن لم يمكن فتجعله من قبيل الحقيقه والمجاز، فإن لم يمكن عند ماء- خلص اجعله من قبيل المشترك اللفظي، زي لفظة العين فإنها مشترك لفظي وتطلق على الباصرة وعلى الجاسوس وعلى البئر وعين المياه وعلى الذهب وما شابه ذلك، من قبيل الاشتراك اللفظي.
قال: فإن المجاز والاشتراك على خلاف الأصل، فإن هذا إن قدر أن لفظ الابن والروح القدس استعمل في نطق الله وحياته كما يزعمون.
النصارى فكيف إذا لم يوجد في كلام الأنبياء أنهم قالوا لفظ الأب ولفظ روح القدس وأرادوا به شيئاً من صفات الله، لا كلامه ولا حياته ولا علمه ولا غير ذلك؛ بل لم يوجد استعمال لفظ الابن في كلام الأنبياء إلا في شيء مخلوق، ولم يوجد استعمال روح القدس بما هو من صفات الله القائمة به؟ ونحن إذا فسرنا الأب وروح القدس بنوة التربية وروح القدس بما ينزل على الأنبياء، كنا قد جعلنا اللفظ مفرداً متواطئاً.
فكنَّا على الأصل. ونحن إذا فسرنا الأب والابن بأنها بنوة التربية، وروح القدس بما ينزل على الأنبياء، هنا نحن نكون جعلنا اللفظ متواطئاً، وهذا هو الأصوب.
قال: هم يحتاجون أن يجعلوا اللفظ مشتركاً أو مجازاً في أحد المعنيين، فكان تفسيرهم مخالفا لظاهر اللغة التي خطبوا بها، ولظاهر الكتب التي بأيديهم، وتفسيرنا موافقاً لظاهر لغتهم وظاهر الكتب التي بأيديهم. وحينئذ فقد تبين أنه ليس معهم بتثليث لا حجة سمعية ولا عقلية، بل هو باطل شرعاً وعقلاً.
يؤيد هذا الوجه السابع، وهو أنهم في أمانتهم أثبتوا من المعاني ولفظ الاقانيم وغير ذلك ما لا تدل عليه الكتب التي بأيديهم البتة، بل فهموا منها معاني باطلة وضموا إليها معاني باطلة من عند أنفسهم، فكانوا محرفين لكتب الله في ذلك مفترين على الله الكذب، وهذا مبسوط في موضع آخر.
الوجه الثامن أن قولهم بالأقانيم مع بطلانه في العقل والشرع، أمانتهم قلنا الأمانة التي تواطؤوا عليها في مؤتمرهم الذي عقدوه مع قسطنطين، هذه الأمانة أثبتوا فيها من المعاني لفظ الأقانيم ما لم تدل عليه كتبهم ولا الكتب السابقة. فعقيدة الأمانة التي اتفقوا عليها وتواطؤوا عليها هي عقيدة حقيقة مختلفة في معانيها عن معاني التوحيد التي أتى بها المسيح بن مريم.
الوجه الثامن أن قولهم بالأقانيم مع بطلانه في العقل والشرع لم ينطق به عندهم كتاب، ولا يوجد هذا اللفظ في شيء من كتب الأنبياء التي بأيديهم ولا في كلام الحواريين، بل هي لفظة ابتدعوها ويقال إنها رومية. وقد قيل الأقوم، يعني كلمة الأقانيم أصلاً التي هي الأب والابن والروح القدس وإطلاق لفظ الأقانيم عليها هذه أصلاً كلمة الأقانيم مش موجودة في كتبهم وإنما هي لفظة هم ابتدعوها وقالوا معناها الأب والابن وروح القدس، وقيل إن أصلها رومية هذه اللفظة.
قال: وقد قيل الأقنوم في لغتهم معناه الأصل ولهذا.
قال: ولهذا يطلبون في تفسير الأقانيم تارة يقولون أشخاص وتارة خواص وتارة صفات وتارة جواهر وتارة يجعلون الأقنوم اسماً للذات والصفة معاً، وهذا تفسير حذاقهم. فبالتالي هم أصلاً يختلفون في تفسير الأقانيم هل الأقانيم هي أشخاص، خاص الأشخاص المركبة طبعاً، أم هي الجواهر أم هي الصفات؟ تمام. قال: وتارة يجعلون الأقنوم اسماً للذات والصفة معاً.
قال الوجه التاسع، وهذا يعني من أفضل تفسيرهم، قال: كما أننا نجعل الله اسم للذات مع الصفات، كذلك يجعلون كلمة أقنوم اسم للذات والصفات.
قال الوجه التاسع: قول في المسيح عليه السلام إنه خالق، قول مع بطلانه في شرع العقل، قول لم ينطق به شيء من النبوات التي عندهم، ولكن يستدلون على ذلك بما لا يدل عليه ذلك كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
الوجه العاشر: قول في تجسد اللاهوت أيضاً هو قول مع بطلانه في العقل والشرع، قول لا يدل عليه شيء خالص ما ورد في القرآن ﴿يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]، لكن سنعرف أن المراد بالخلق هناك التقدير وليس الخلق بمعنى بث الروح في الشيء وإخراجه من حيز العدم إلى حيز الوجود.
قال الوجه العاشر: قولهم في تجسد اللاهوت أيضاً وهو قول مع بطلانه في العقل والشرع، قول لا يدل عليه شيء من كلام المعصوم من النبيين والمرسلين. قولهم في تجسد اللاهوت أن اللاهوت وهو الصورة الإلهية تتجسد في الناسوت وهي الصورة البشرية، هذا قول باطل أيضاً.
قال الوجه الحادي عشر: أن نقول لا ريب في أن الله حي، عالم، قادر، متكلم، للمسلمين في ذلك من الدلائل العقلية التي دل الرسول عليها وأرشد إليها فصارت معروفة بالعقل مدولاً عليها بشرع، وهو مبسوط في موضعه. وأنتم مع دعواكم أنكم تثبتون ذلك بالعقل لم تذكروا على ذلك دليلاً عقلياً. فقولكم لما راينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئاً غيرها أحدثه إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب، كلام قاصر لوجوه: أحدها أنكم لم تروا حدوث جميع المخلوقات، وإنما رايتم حدوث ما يشهد حدوثه كالسحاب والمطر والحيوان والنبات ونحو ذلك، فإن دليلكم على حدوث سائر الأشياء الثاني أنه كان ينبغي أن تقولوا لما علم حدوث المحدثات أو حدوث المخلوقات أو حدوث ما سوى الله ونحو ذلك مما يبين أن المحدث ما سوى الله؛ فأما إطلاق حدوث جميع الأشياء فباطل، لأن الله يسمى عندكم وعند جمهور المسلمين شيئاً من الأشياء، وهذا بخلاف قوله تعالى الله خالق كل شيء، فإن هذه التركيبة يبين أن الخالق غير المخلوق، خلاف قول القائل حدوث الأشياء.
فهو ينتقض نفس العبارة يعني هو ينتقض طريقتكم في التعبير، بس هم ايش قالوا في أول هذا الفصل لما راينا حدوث الأشياء؟ فالآن أول انتقاد أنه هل أنتم رايتم حدوث كل الأشياء أم رايتم حدوث بعض الأشياء؟ لأن كلمة حدوث الأشياء (الـ) هنا تفيد الاستغراق، فظاهر كلامكم لما راينا حدوث كل الأشياء، فيقول أنتم لم تروا حدوث كل الأشياء أصلاً فلا تجعل موضوع إثبات الخالق مبنياً على أنك ترى كل الحوادث. هل يجوز في المنطق الاستدلالي أن تجعل وجود إله أو خالق مبنياً على أنني أرى كل المخلوقات؟ لا، أنت يكفي أن ترى بعض المخلوقات لتستدل على وجود الخالق، وليس أنت محتاجاً أن ترى كل المخلوقات، فعبارتكم أصلاً من البداية مشكلة لأن ظاهرها لما راينا حدوث الأشياء ظاهرها أنكم رايتم حدوث كل الأشياء وأنتم لم تروا حدوث جميع الأشياء، فبالتالي الدليل لم يستقم بعد.
الإشكالية الثانية في هذه العبارة أنه كان ينبغي هم ايش قالوا؟ لما راينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئاً غيرها أحدثه. بقول لك هذا صار في نوع من التناقض، أن كلمة الأشياء الأولى ألا تشمل الله؟ هل يجوز أن نقول الله شيء؟ نعم الله شيء ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19] فلما قلتم لما راينا حدوث الأشياء بعمومها سيدخل فيها الله باعتباره شيئاً وإن كان طبعاً هو هذا الإلزام فيه شوي من الاستطاعة شوي لأنه هو في النهاية سيقول لك لا، ما هو الأشياء هنا استثنينا منها شيئاً وهو الخالق. هو ايش يقول؟ كان ينبغي أن تقول بدل لما راينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئاً غيرها أحدثه، أنه كان ينبغي أن تقولوا لما علم -مش لما راينا- هي أول كلمة كان لازم تغيير راينا إلى علم، لما علم حدوث المحدثات بدل حدوث الأشياء بتغيروها لحدوث المحدثات، لما علم حدوث المحدثات أو حدوث المخلوقات أو حدوث ما سوى الله ونحو ذلك مما يبين أن المحدث هو ما سوى الله، فأما إطلاق حدوث جميع الأشياء فباطل، فإن الله يسمى عندكم وعند جمهور المسلمين شيئاً، وهو لم يحدث سبحانه وتعالى، وهذا بخلاف قوله الله خالق كل شيء، فإن هذا التركيب يعني طيب لو واحد قال لك طيب يا شيخ ليش تعترض عليهم يا ابن تيمية طب ما هو الله عز وجل ايش قال؟
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] يعني لماذا تطالبهم بتغيير كلمة الأشياء إلى كلمة المحدثات مع أن القرآن عبر بكلمة الأشياء؟ فهمت الآن ابن تيمية منتبه للآية أنه أنا ليش عم بعترض عليهم مع أن القرآن عبر بالاشياء وليس بالمحدثات وقال ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] قال وهذا بخلاف قوله تعالى الله خالق كل شيء لماذا؟ أنه في هذا التركيب في هذه الآية يبين أن الخالق غير المخلوق، خلاف قول القائل حدوث الأشياء. يعني يقول الآية القرآنية واضحة في أنها بينت أن الله خالق ﴿فَانَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْخَالِقَ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ﴾ خالق كل شيء فالقرينة أوضح خلينا نحكي، أما في كلامكم القرينة جداً ضعيفة.
المهم طيب هذا طبعاً كلها مناقشات لفظية يعني هو ليس أكثر. مش ممكن يقول يعني ما في داعي أه لا أنا فاهم بس هو ابن تيمية ليش بقول الآن هي مناقشات لفظية؟ يقول لهم إن التعبير القراني والتعبير أفضل من تعبيراتكم الفضفاضة المطماطة، نعم هو مش قالوا أصلاً هو قال إنه علمنا أن هناك شيئاً أحدثه، قريب أنه الله خالق كل شيء في خالق وخلق بقية الأشياء نفس الشيء، علمنا أن شيئاً غيرها ما قال علمنا أن الله، يعني هو يرى أنها مش في الوضوح كوضوح القرآن، بس بقول لك هذه أنا في اعتقادي هي مناورات لفظية يعني ابن تيمية يقول إنه عبارتكم مش واضحة مش واضحة مش خطأ، يعني هو مش هنا اللي يعني الخطأ بقول العبارة ليست واضحة كما يكفي لكن زي ما تفضلتوا يعني هي مش المشكلة الكبيرة هون.
فخلينا نيجي على النقطة الثالثة، قال: الثالث أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث علم فطري ضروري، ولهذا قال تعالى في القرآن ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]. قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب أحسست بفؤادي قد انصدع. يقول تعالى: أخلِقوا من غير خالق خلقهم أم هم الخالقون لأنفسهم؟ ومعلوم بالفطرة التي فطر الله عباده عليها بصريح العقل أن الحادث لا يحدث إلا بمحدث أحدثه، وأن حدوث الحادث بلا محدث أحدثه معلوم البطلان بضرورة العقل، وهذا أمر مركوز في بني آدم، حتى الصبيان لو ضرب الصبي ضربة فقال من ضربني فقيل له ما ضربك أحد، يصدق عقله أن ضربتي حدثت من غير فاعل. أي شيء كان معدوماً ثم حدث فالقاعدة العقلية الفطرية أنه لابد له من محدث، هذا لا ينازع فيه أحد.
قال: ولهذا لو جوز مجوز أن يحدث كتابة أو بناء أو غراس نحو ذلك من غير محدث، لذلك كان عند العقلاء إما مجنوناً أو مسفطاً، سفسطائيين الذين ينفون البدهيات العقلية والفطرية.
قالك المنكر للعلوم البدهية والمعارف الضرورية وكذلك معلوم أنه لم يحدث نفسه، فإن كان معلوم العدوم، وكذلك معلوم أن الشيء لا يحدث نفسه بنفسه.
قال: فإن كان معدوماً قبل حدوثه لم يكن شيئاً فيمتنع أن يحدث غيره فضلاً عن أن يحدث نفسه، فقولكم لم يكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب تعليل باطل، فإن علمنا بأن حدوثها لم يكن من ذواتها ليس لأجل ما فيها من التضاد والتقلب.
نعم هذه النقطة الآن هو ايش قال بولس الأنطاكي؟ لماذا الأشياء لا يمكن أن تكون أحدثت نفسها بنفسها؟ ويعلل ذلك أنها لا يمكن أن تكون الأشياء أحدثت نفسها بنفسها لما في ذلك من التضاد والتقلب. يقول ابن تيمية لا، هو مش هذا هو البعد أو التعليل العلمي لماذا لا يمكن الأشياء أن تحدث نفسها بنفسها، فقولكم لم يكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب هذا التعليل لما فيها من التضاد والتقلب ليس هو التعليل العلمي هنا، فان علمنا ايوه قال فان علمنا بأن حدوثها لم يكن من ذواتها ليس لأجل ما فيها من التضاد والتقلب بل سواء كانت متماثلة أو مختلفة أو متضادة نحن نعلم بصريح العقل أن المحدث لا يحدث نفسه، وهذا من أظهر المعارف وأبيانها للعقل، كما يعلم أن العدم لا يخلق موجوداً، وأن المحدث للحوادث الموجودة لا يكون معدوماً.
قصد باليعني تضاد والتقلب أنهم أن الأمور تظهر على صور مختلفة في نعم مختلفة، وأن الشيء الواحد نفسه متقلب فيكون على حال ثم يصبح على حال أخرى ثم كذا كما يتغير لونه أو شكله أو صفته نفس الشيء. فيقول ابن تيمية طب لو فرضنا الشيء ما تقلب خرج على صورة واحدة شقفة واحد، كيف أنت الآن بتكون صغير تكبر، لو فرض أنه لم يكن فيه لا تضاد ولا تقلب بشكل من الاشكال ستبقى القضية نفسها واردة وهو أن شيئاً لا يحدث نفسه بنفسه، فقضية أنه لا يعجز نفسه بنفسه ليس من جهة أنه يتقلب من حال إلى حال وأن الأشياء تكون متضادة، بل لو كانت كل الأشياء في الوجود متماثلة لا تضاد فيها فرضا فرضا وأن الأشياء لا تقلب فيها سيبقى القاعدة موجودة.
قال الوجه الرابع: أنكم ذكرتم حجة على أنها لم تحدث نفسها وهي حجة ضعيفة، ولم تذكر حجة على أنها حدثت بلا محدث لا أنفسها ولا غيرها، فإن كان امتنع كونها أحدثت نفسها محتاجاً إلى ولم تذكروا حجة على أنها حدثت بلا محدث، اللي هي الصدفة، لا أنفسها ولا غيرها، لأن هناك ثلاث أحوال في أقوال أهل الباطل: أما أن يقولوا إن المحدثات أحدثها الرب.
هذا قول أهل الحق: أن المحدثات أحدثها محدث. هذا قول أهل الحق، أو يقول إن المحدثات أحدثت نفسها بنفسها، أو يقول إنها حدثت بالصدفة. من حيث الاستقراء العقلي، في احتمالية لقول ثالث؟ أي شيء محدث، شو الاحتمالات العقلية في المقولات؟ في المقولات يعني أن يقولوا: إما أن هناك محدث أحدثها، أو أنها حدثت نفسها بنفسها، أو يقول إنها حدثت صدفة، ما فيش يعني. في قول رابع من أقوال في المسألة؟ بلا محدث؟ نعم. بلا محدث؟ لا، ما هي هذا نفسه يعني. نعم، محدث.
بغض النظر، لا، أنت إذا أن تقول: أي شيء حادث، إما أن هناك من أحدثه -بغض النظر هذا الذي أحدثه هو القديم ولا إلخ- أن أي شيء محدث إما أن يكون هناك أمر خارجي أحدثه، أو هو أحدث نفسه بنفسه، أو أنه صدفة بدا، يعني ما في أبدا أي تسلط لا من نفسه ولا من غيره، صدفة. ما في مقولة رابعة، يعني لن تجد مقولة رابعة.
فهنا ماذا يقول ابن تيمية؟ يقول: أنتم في حجتكم السابقة أثبتم أن الشيء لا يمكن أن يحدث نفسه بنفسه، لكنكم لم تقيموا دليلا على أنه أيضا لا يمكن أن يحدث صدفة أيضا، ولا يتم اثبات وجود محدث حتى تنفوا كلا الأمرَيْن. يعني أنت تحتاج أن تنفي الصدفة، وتحتاج أن تنفي أن الشيء يحدث نفسه بنفسه، حتى يستقر لك القول الثالث وهو أن الشيء لابد له من محدث خارجي، صح؟
يقول: أنتم فقط نفيتم ماذا؟ أن يكون أحدث نفسه بنفسه، لكنكم لم تنفوا الصدفة، ولا يتم لكم الدليل، دليل على أن الله هو المحدث أو وجوده، حتى تنفوا القول أيضا الآخر وهو أنه لا يوجد صدفة، هكذا يكون الدليل. ولذلك القرآن، ما قوة القرآن؟ إن القرآن استوعب الرد على كل أهل الباطل، لأنه -والآن بدي أعلق على الآية السابقة-: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور: 35] اللي هي إيش؟ الصدفة. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] اللي هي خلقوا أنفسهم بأنفسهم.
فالقرآن نفى أمرين ليستقر الثالث؛ ما دام لم يخلق صدفة ولم تخلق نفسك بنفسك، وهكذا المنطق، إذا ما بقي إلا أن يكون هناك محدث لك. أما أنتم -شوف كيف قصور أدلتكم عن الأدلة القرآنية والأدلة الإلهية عموما- نعم.
قال: ولم تذكروا حجة على أنها حدثت بلا محدث، لا أنفسها ولا غيرها، فإن كان امتناع كونها أحدثت نفسها محتاجا إلى دليل، فكذلك امتناع حدوثها بلا محدث. وإن كان معلوما، وإن كان معلوما... معلوم بديهة العقل. نعم. قال: وهو من العلوم الضرورية، فكذلك الآخر. فذكر الدليل على أحدهما دون الآخرين خطأ، لو كنتم ذكرتم دليلا صحيحا، فكيف إذا كان دليلا باطلا؟
إذا هو يقول: فإذا كان امتناع كونها أحدثت نفسها، إذا أنتم شايفين أن إثبات أن الشيء لا يحدث نفسه بنفسه يحتاج إلى دليل -مع أننا نحن شايفينه من الأمور البديهية العقلية أن الشيء لا يحدث نفسه بنفسه- إذا أنتم شايفين أن إثبات أن الشيء لا يحدث نفسه بنفسه يحتاج إلى دليل، فإذا أيضا إثبات أنه صدفة، أنه لا يمكن عفوا أن يحدث بالصدفة، فيحتاج إلى دليل، لأنه نحن كأهل الإسلام نحن نرى أن هذا أمر ضروري فطري، وهذا أمر ضروري فطري، أما أنت حضرتك شايف أنه لا، أنه لازم أثبت أن الشيء لا يمكن أن يحدث بنفسه وانه هذا يحتاج إلى أدلة، إذا كذلك الأمر الآخر وهو أن الشيء لا يمكن أن يكون حدث صدفة فيحتاج إلى دليل.
فهو بده يقول له: استقم، خليك مطرداً. فلماذا تذكر الدليل على إحدى الصورتين ولم تذكره على الصورة الأخرى؟ طيب. فضلا أنه أنت ما جبت دليل صحيح على الصورة الأولى، يعني على أنه لماذا الشيء لا يحدث نفسه بنفسه؟ شو دليله؟ لأنها فيها تضاد وتقلب لك أنت أصلاً. فضلا عن أن الدليل الذي أتيت به ليس دليلا صحيحا.
شيخ، مثلاً قصده أنه مثلاً الدليل الذي نحن نستدل به، وهو الفقرة، يشمل الحالتين؟ هو دليل... أحسنت، فهو قاصر على حالة واحدة دون... على حالة واحدة دون الأخرى، يعني نحن خلص مؤمنين أنه بالفطرة والعقل بديهيات، أنت شايفك بتناقش، مادمت بتناقش زي ما ناقشت هناك، ناقش الصدفة وأثبتنا فيها. نعم.
قال: من يكون مبلغه من العلم بالادله العقلية التي يثبتون بها العلم بالصانع وصفاته هذا المبلغ، ثم يريدون بعد ذلك أن يثبتوا معاني عقلية ويزعمون أنها موافقة لفهمهم الباطن للكتب الإلهية، فهُم ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39].
يعني بقول لك: إذا ما دام هذا مستوى بورس الانطاكي في الحجاج العقلي أنه غير مطرد أصلا ولا لا يعرف مناهج الاستدلال، فإيش تتوقع منه في المعاني العقلية التي يثبتها؟ قال: ومن كان مبلغهم من العلم بالادله العقلية التي يثبتون بها الصانع، هذا المستوى من الرداءة في الاستدلال والضعف، فماذا تتوقع في... ثم يريدون مع ذلك أن يثبتوا معاني عقلية: أب وابن وروح قدس... ويدخلك في دوامات وكذا. قال: ويزعمون أن هذه المعاني موافقة لفهمهم هم الباطن من الكتب الإلهية، فهؤلاء كما قال الله فيهم: أعمالهم كسراب، هذا لا يوثق بعقولهم أصالة.
نعم، قال الوجه الثاني عشر: قولكم، فقلنا إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، لننفي عنه العدم. فيقال لهم: لا ريب أن الله كما وصف نفسه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] أي مثلاً يستحق أن يسمى باسمائه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]، قد دل على ذلك العقل؛ فإن المثلين اللذين يسد أحدهما مسد الآخر، يجب لأحدهما ما يجب للاخر، ويمتنع عليهما، يمتنع على الآخر، ويجوز عليه ما يجوز عليه.
فلو كان للخالق مثلٌ، للزم أن يشتركا في ما يجب ويجوز ويمتنع. والخالق يجب له الوجود والقدم ويمتنع عليه العدم، فيلزم أن يكون المخلوق واجب الوجود قديما أزليا لم يعدم قط. وكونه، وكونه، وكونه محدثا مخلوقا يستلزم أن يكون كان معدوما، فيلزم أن يكون موجودا معدوما قديما محدثا، وهو جمع بين النقيضين يمتنع في بداية... في بداية العقول.
وأيضاً، فالمخلوق يمتنع عليه القدم ويجب له سابقة العدم، فلو وجب... هو عم يعطيك شو الفرق بين الخالق والمخلوق، الخالق يجب له الوجود، يعني الأحكام المتعلقة بالخالق أنه واجب الوجود قديم، والأحكام المتعلقة بالمخلوق أنه ماذا؟ جائز الوجود ممكن.
فأنتم بالنسبة لكم إذا جعلتم عيسى فيه جزء إلهي، إذا يجب أن يكون عيسى فيه واجب الوجود قديم، ونحن نعلم أن عيسى محدث في نفس الوقت ممكن، فكانه أصبح في عيسى تجتمع المتناقضات؛ أنه واجب الوجود من جهة، وأنه ممكن الوجود من جهة، وأنه قديم من جهة، ومحدث من جهة. قال: فيلزم أن يكون موجودا معدوما قديما محدثا، كل هذه التناقضات اجتمعت في شخصية المسيح على طريقتكم في التفكير.
طيب قال: فلو وجب للخالق القديم ما يجب له، لوجب كون الواجب القديم واجب الحدوث بعد العدم، وهذا... ولو وجب للخالق القديم ما يجب له لوجب كون الواجب القدم... تمام، واجب الحدوث بعد العدم وهذا جمع بين النقيضين. فالعقل الصريح...
نعم، قال: فالعقل الصريح يجزم بأن الله ليس كمثله شيء، والكلام على هذا مبسوط في موضوع آخر. لكن أنتم لم تذكروا على ذلك حجة، بل قلتم: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء. فلم تذكروا حجة على أنه خالق كل شيء، إذ كان عمدتكم على ما شاهدتم حدوثه، وليس ذلك... حدوثه وليس وليس وليس ذلك كل شيء.
أنتم لم تشاهدوا، قال: فلم تذكروا حجة على أنه خالق لكل شيء، إذ كان عمدتكم، عمدة الأدلة، على ما شاهدتم حدوثه. وما شاهدتموه أنتم زي ما قلنا هو... أنتم لم تشاهدوا كل شيء ولم تذكروا حجة.
نعم، قال: ولم تذكروا حجة مع كونه خالق كل شيء على أنه ليس كمثل شيء، بل قلتم: لأننا معشر النصارى لما راينا حدوث الاشياء علمنا أن غير... أن شيئاً غيرها أحدثها، لما فيها من التضاد والتقلب، فقلنا إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، وذلك لننفي العدم عنه. ودليلكم لو دل على العلم بالصانع، لم يدل إلا على أنه خالق، فكيف إذا لم يدل؟ ولا ريب أن الخالق سبحانه يجب... لكن لا يدل على أنه ليس كمثله شيء.
نعم، قال: ولا ريب أن الخالق سبحانه يجب أن يكون موجودا لا معدوما، وهذا معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى دليل عند جمهور العقلاء والنظار، وإن كان بعضهم أثبت وجوده بالدليل النظري، لكن ليس في دليلكم ما يدل على أنه ليس كالاشياء مخلوقة. وقولكم: إذ هو الخالق لكل شيء، يتضمن أنه خالق لكل ما سواه، ليس فيه بيان نفي المماثله عنه، ولكن بينتم بهذا الكلام جهلكم بالدلائل العقلية كجهلكم بالكتب المنزلة. وكذلك أخبر تعالى عن أهل النار لأنهم يقولون: ولو كنا... هم يقولون: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير.
طيب، فصل: وأما قولكم: ورأينا الاشياء المخلوقة تنقسم قسمين؛ شيء حي وشيء غير حي، فوصفناه بأجل القسمين، فقلنا إنه حي لننفي عن... لننفي الموت عنه. فيقال: لا ريب أن الله حي كما نطقت بذلك الكتب أنزلته التي هي آياته القولية ودلت على...
هذا كله هو استكمال لما للدليل الذي أتوا به. نعم. قال: ودلت على ذلك آيات المخلوق، كمخلوقاته التي هي آياته الفعلية، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] أي القرآن حق. وقد تقدم ذكر القرآن في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مَنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 52].
الله تعالى يري عباده من آياته المشاهدة المعينة الفعلية، ما يبين صدق آياته المنزلة المسموعة القولية، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]. والدلائل على حياته كثيرة؛ منها أنه قد ثبت أنه عالم، والعلم لا يقوم إلا بحي. وثبت أنه قادر مختار يفعل بمشيئته، والقادر المختار لا يكون إلا حيا.
وهذا من دلالة الالتزام، أن تستدل بدلالة الالتزام لأسماء الله الحسنى على الحياة، فاسم الله العالم بدلالة الالتزام يثبت أنه حي، وقِص عليه اسم الله القادر وصفة القدرة تستلزم أن يكون حيا. نعم.
قال: ومنها أنه خالق الأحياء وغيرهم، والخالق أكمل من المخلوق، فكل كمال ثبت للمخلوق فهو من الخالق، فيمتنع أن يكون المخلوق أكمل من خالقه وكماله أكمل منه. وهذ قاعده في الأسماء والصفات: كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به. صحيح، مش بيقول هذا القياس أولى؟ نعم.
والمتفلسفه القائلون... قال: والمتفلسفة القائلون بالموجب بالذات يسلمون هذا، ويقولون كمال المعلول مستفاد من علته. أي كمال في المعلول، يعني في المخلوق، فهو مستفاد من كمال علته، يعني كمال خالقه، فإذا كان المعلول وُصِف بالحياة كمال، فيجب أن يكون هذا الكمال مأخوذا من كمال الخالق الذي أوجده. نعم.
قال: فإذا كان خالقاً للأحياء كان حياً بطريق... نعم. ومنها أن الحي أكبر من غير الحي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 22]، فلو كان الخالق غير حي، لزم أن يكون الممكن المحدث المخلوق أكمل من الواجب القديم الخالق، فيكون... ها، الموجب بالذات يعني العله الفاعل والله سموه الموجب بالذات يعني هي تعبير الفلاسفة. الموجب...
قال: فيكون أنقص الموجودين... دين أكمل من أكملهما. وهذا الوجه يتناول ما ذكروه من الدليل، وإن كانوا لم يبينوه بيانا تاما، لكن قولهم: قلنا إنه حي لننفي الموت عنه، كلام مستدرك؛ فإن الله موصوف...
يجوز، اسمع، هو يجوز أن القرآن هذا موجب فيما اذكر، كذلك، تمام؟ حتى إنه موجب بمعنى أنه يجب وجوده بالذات، أيضاً يصح هذا الكلام. هل هنا يتكلم عن... هنا يتكلم عن الله، اللي هو بيسموه الفلاسفة العلة الفاعلة، فهو يطلقون عليه هذا. بس هل يجوز يقال: موجب بالذات بمعنى أنه واجب وجوده بالذات؟ ما في مشكلة في هذا، كان صو... يقول إن ارتباط المخلوق والخلق ارتباط المعلول لابد أن توجد.
نعم، فهل هنا هذا اللي يقصده؟ يعني أن المعلول هذا لا ينفك، لا ينفك، لابد أن يوجد، كإرتباط العلة بالمعلول، فإذا وجد المخلوق لابد... وجد الخالق، لابد أن يوجد المخ... يعني مش متصور أنا بهذه الطريقه الكلام، حتى أكون صادق معك، لكن هم يقصدون بالموجب بالذات يعني الواجب وجوده بالذاته، هذا هو المراد بهذا المصطلح وهو الله والذات الفاعلة.
ثم يقولون: يسلمون هذا، يعني كل المتفلسفة الذين يقولون بوجود عله فاعلة، اللي هي الموجب بالذات، يقولون إن كمال المعلول مستفاد من كمال هذه العلة، هذا هو السياق الذي يريده. أما القضية التي تقولها أنت، محتاج لنظر، من يقول بهذا القول من الفلاسفه؟ طيب.
ومنها قال: ومنها أن الحي أكمل من غير الحي، حكيناها طيب، فلو كان الخالق غير حي أن يكون الممكن أكمل من الواجب القديم، فيكون الخالق القديم أنقص الموجودين. نعم. قال: فيكون، فيكون أنقص موجود، أكمل من أكملهما. اه، فيكون أنقص موجود في على وجه الكون أكمل من أكملهما، يعني أنت، أو أنقص الموجود ممكن تكون هي أنقص الموجود أكمل من إيش؟ أكمل... صحيح، مش الموجودين، هي لازم تكون... نعم.
أما وجود الخالق ووجود المخلوق: أنقص الموجودين أكمل، من أكمل الموجودين؟ هي قسمة ثنائية أنا في اعتقادي ليست، ليست موجودين أنقص الموجود الموجودين أكمل من أكملهما نعم.
قال: هذا الوجه يتناول ما ذكروه من الدليل وإن كانوا لم يبينوه بيانا تاما، لكن قولهم قلنا إنه حي لننفي عنه لننفي الموت عنه، كلام مستدرك؛ فإن الله موصوف بصفات الكمال الثبوتية كالحياة والعلم والقدرة. فيلزم من باب إنصاف ابن تيمية لهم أنه هذا الوجه، وهي قضية أنه لا يجوز أن يكون الخالق أنقص من المخلوق.
هو ذكروه في الأخير وايش ختم بولس الانطاكي؟ فقلنا إنه حي لننفي الموت عنه. هذا نعم هو يشير إلى هذه القضية، أنه لا يجوز أن يكون الخالق أنقص من المخلوق. نعم، لكنكم قال: ذكرتموه على سبيل الاستدراك، يعني حتى مش عاديته أنه أنت ليش تذكرها آخر شيء؟ هي تذكرها كأنها نوع من الاستدراك فقط، هي لازم تذكر في البداية.
طيب، قال: فان العدم المحض وسلب الصرفه لا مدح فيه ولا كمال، إذ كان المعدوم يوصف بالعدم المحض والعدم نفي محض لا كمال فيه، وإنما الكمال في الوجود. ولهذا جاء كتاب الله تعالى على هذا الوجه، فيصفه سبحانه فيوصف فيصف سبحانه نفسه بصفات الثبوتية صفات الكمال بصفات السلب لتضمنه الثبوت، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. فنفي أخذ السنة والنوم تضمن كمال حياته وقيوميته؛ إذا النوم أخو الموت، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون مع كمال الراحة كما لا يموتون، والقيوم القائم المقيم لما سواه.
فلو جعلت له سنة أو نوم لنقصت حياته وقيوميته فلم يكن قائما ولا قيوما. كما ضرب الله المثل لبني إسرائيل لما سأل موسى: هل ربك فارق ثلاثا؟ ثم أعطاه قوارير فأخذه النوم فتكسرت. فبين بهذا المثل أن خالق العالم لو نام لفسد العالم. جميل، ثم قال تعالى ما في السماوات، فرقة ثلاثا يعني سهرة سهروا ثلاث أيام، بعدين أعطاه قوارير فأخذه النوم فتكسرت القوارير فقالها شايف لو نام مدبر الكون لفسد الكون.
نعم، قال ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. فإنكاره ونفيه أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه يتضمن كمال ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه ليس له شريك، فإن من شفع عنده غيره بغير إذنه وقبل شفاعته كان مشاركا له؛ إذ صارت شفاعته سببا لتحريك المشفوع إليه، بخلاف من لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فانه منفرد بالملك ليس له شريك بوجه من الوجوه.
نعم، ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. فنفى أن يعلم أحد شيئا من علمه إلا بمشيئته ليبين أنه منفرد بالتعليم، فهو العالم بالمعلومات ولا يعلم أحد شيئا إلا بتعليمه، كما قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنكَ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32].
ثم قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]، أي لا يكرثه ولا يثقل عليه، تبين بذلك كمال قدرته وأنه لا يلحقه أدنى مشقة ولا أيسر كلفة في حفظ المخلوقات. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَلَا أَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]. بين بذلك كمال قدرته وأنه لا يلحقه اللغوب في الأعمال العظيمة مثل خلق السماوات والأرض، كما يلحق المخلوق اللغوب إذا عمل عملا عظيماً، واللغوب الانقطاع والعياذ بالله.
طبعاً نعم الانقطاع والاعياء، وهذا باب واسع مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا أنه موصوف بصفات الكمال التي يستحقها بذاته ويمتنع اتصافه بنقائضها، وإذا وصف بالسلوب فالمقصود هو اثبات الكمال. وهؤلاء قالوا قد وصفناه بالحياة لننفي عنه الموت، كما قالوا هو شيء لننفي العدم عنه، والحياة صفة كمال نستحقها بذاته والموت مناقض لها، فلم يوصف بالحياة لأجل أن نفي الموت؛ إذا فاهمين؟
هو بين مشكلته في كلام بولس الانطاكي، أن بولس الانطاكي هو يحكي: لماذا نثبت لله الحياة؟ من أجل أن ننفي عنه الموت. هل نحن نثبت الحياة لله حتى بس ننفي عنه الموت؟ بقول لك هذا استدلال خاطئ، يعني طريقة التعبير خاطئة؛ لأن الحياة هو شيء يستحقه لذاته مش لأجل أنفي عنه الموت.
تمام نحن بالعكس نحن الصفات السلبية إذا وردت في القرآن "لا تأخذه" نريد منها إثبات الكمال، مش نثبت الكمال ونعلل ذلك بحتى ننفي الصفات السلبية؛ فهو بقول لك أنت عكست الموضوع تماماً فيقول: الحياة صفة كمال يستحقها الله بذاته مش محتاجة أن تعلل تقول لماذا الله حي؟ والله حتى أنفي الموت عنه. لا، هو يستحق لذاته لا يمكن إلا أن يكون حيا دون أن تحتاج إلى فكرة نفي الموت عنه، ممتاز.
والموت مناقض لها، فلم يوصف بالحياة فقط لأجل أن ننفي الموت عنه، بل وصفه بالحياة يستلزم نفي الموت استلزاما، وليس وصفه بالحياة لأجل نفي، يعني فرق بين أن تقول أن وصفه بالحياة يستلزم نفي الموت، وبين أن تقول أن وصفه بالحياة لأجل نفي الموت، فقلنا هذا تعليل أصبح وليس هذا هو الصواب في باب الاستدلال.
نعم قال فينفع عنه الموت لأنه حيثبت له الحياة لنفي الموت، شايف هذه الفكرة كلام جميل هنا نعم. قال: كذلك لتثبت له أنه شيء موجود، وذلك يستلزم نفي العدم عنه، لا أن اثبات وجوده لأجل نفي العدم. نفس الفكرة حتى بعطيك أمثلة أخرى عليها لماذا نحن نقول الله موجود والله لننفي العدم عنه؟ أنت لا تقول إن الله موجود العلة في لا، لأنه هو لازم يكون موجود ووجوده يستلزم أنه ليس معدوماً. هيك هكذا منهج الاستدلال نعم.
قال: وذلك يستلزم نفي العدم عنه، لا أن اثبات وجوده لأجل نفي العدم، بل نفي العدم عنه لأجل وجوده. كما أن نفي الموت عنه لأجل، العلة إخواني هي الباعث، فوجود الله ليس الباعث عليه لئلا يكون معدوماً، لا، الباعث على أنه لا يمكن إلا أن يكون موجود سبحانه وتعالى، الباعث على وجود صفة الحياة أنه مستحق لها لذاتها، مش الباعث فقط حتى ما يكون ميت نعم.
قال: وكذلك قولهم قلنا إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، وذلك لننفي العدم عنه، لكن كان مرادهم والله أعلم، وإن كانت عبارتهم قاصرة، إثبات الوجود ونفي العدم، وإثبات الحياة ونفي الموت أم.
فصل: ثم قالوا ورأيناه الحي ينقسم قسمين؛ حيا ناطقا وحيا غير ناطق، فوصفناها بأفضل الوصفين فقلنا إنه ناطق لنفي الجهل. فيقال لهم: لا.
نفس المشكلة أنه ناطق لننفي الجهل عنه، عم تسلك أنت نفس الطريقة في الاستدلال، وهذه نحن مش نقول إن الله ناطق متكلم فقط أو ناطق، طبعا إذا قلنا ناطق بالمعنى الفلسفي مفكر، وإذا قلنا ناطق بالمعنى البلدي متكلم. هنا ممكن يكون ناطق بالمعنى الفلسفي فقلنا إنه ناطق بمعنى أنه سبحانه وتعالى عالم لننفي الجهل عنه، لا، لأنه عالم بذاته، مش نقول إنه عالم لننفي الجهل عنه ولكن كونه عالم يستلزم نفي الجهل عنه نعم.
قال: فيقال لهم لا ريب أن الرب سبحانه موصوف بأنه حي عليم قدير متكلم مختار، لكن قولهم فقلنا إنه ناطق لننفي الجهل عنه يقتضي أنكم اردتم النطقا مناقضا للجهل وهذا هو العلم.
نعم كلمة النطق لما تجعل مقابلة للجهل هنا النطق مش النطق اللساني، المراد بالنطق العلم نعم. قال: فان العلم يناقض الجهل، لم تريد بذلك النطق الذي هو العبارة والبيان، ولم تريد بذلك ما جعل علة بعض النظار كلاما، وهي معاني وهي معاني قائمة بالنفس ليست من جنس العلوم ولا من جنس الإيرادات.
وحينئذ فيقال لكم: ليس في الأحياء إلا ما هو شاعر، فكل حي فله شعور بحسبه، وكلما قويت الحياة وقوي شعورها. وشعور الحيوان قد يعبر عنه بلفظ العلم، كما يقول بعض الناس علم الفهد والبازي والكلب، يقال كلب معلم وغير معلم وبازي معلم، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل».
ولا ريب أن العلم صفة كمال، فالعالم أكبر من الجاهل، والدلائل الدالة على علم الله كثيرة؛ مثل أنه سبحانه خالق كل شيء بإرادته، والارادة تستلزم تصور المراد، فلا بد أن يعلم المخلوقات قبل أن يخلقها. وكل ما وجد وجد في الخارج فهو وجود معين يمتاز به عن غيره، فإذا خلقها كذلك فلا بد أن يعلمها علما مفصلا يمتاز به كل معلوم عما سواه، ولو قدر أنه علمها على كل على وجه كلي فقط لم يكن عالماً منها شيئاً.
نعم الكل هي وجوده في الذهن وفي الخارج، ما الأشياء الموجودة وجودها معين نعم. قال: لأن الكلية إنما يكون كليا في الأذهان، وأما ما هو موجود في الخارج فهو معين مختص بعينه ليس بكلية. وكل واحد من الأفلاك معين، فلو لم يعلم إلا الكليات لم يكن عالما بشيء بشيء من الموجودات. وقد بسط في غير في غير، وهذه مشكلة ابن سينا؛ ابن سينا كان يقول إن علم الله علم كلي ولذلك كفره الغزالي على ذلك. ابن سينا كان يقول إن الله يعلم علم كليات لكن لا يعلم الأشياء في الخارج خارج كل عين في الخارج بالتفصيل كيف هي، وقال هذا كفر؛ طبعا لأنك أنت باختصار نفيت علم الله بالاشياء التي في الخارج نعم.
قال: وبين فساد شبه نفاة ذلك بما ادعوه من لزوم التغير أو التكثر، وبين أنه لا يلزم من ثبوت علم الله بالاشياء كلها على وجه التفصيل محذور ينفيه دليل صحيح؛ فإن التكثر فيما يقوم به من المعاني هو مدلول الأدلة العقلية والسمعية، فإنه عالم قادر حي وليس العلم هو القدرة.
في مشكلة أن تقوم بالله عز وجل معاني متعدده، هم يقولون إثبات العلم التفصيلي يؤدي إلى إثبات التكثر في ذات الله. يقول: التكثر في ذات الله بهذا المعنى ما ليس مشكلة، يقول: فان التكثر فيما يقوم في ذات الله من المعاني هو أصلاً مدلول الأدلة العقلية الصحيحه والسمعية الصحيحة، فإنه عالم قادر حي وليس العلم أصلا مثلا هو القدرة، ولا القدرة هي العين، يعني أصلاً لحالها الصفات هي كثرة الصفات وحدها، والأسماء الحسنى مش هي متغيرة، هذه كثرة في ذات الله فيقول إذا كنتم ترون أن وجود أكثر من وصف لله وأكثر من اسم لله تكثر فهذا نحن نؤمن به أصلاً لا إشكال فيه نعم.
قال: فإنه عالم قادر حي، وليس العلم هو القدرة، ولا القدرة هي الحياة، ولا الصفة هي الموصوف، من جعل كل صفة هي الاخرى وجعل الصفة هي الموصوف فهو قول في غاية في غاية السفسطة.
بعضهم حتى ينفي عن الله التكثر ايش بقول لك؟ خلص نجعل الصفة هي الذات، أي وصل جعل الصف نعم، يعني جعل الصفات كلها هي نفسها الذات، فيقول هذا قول في غاية السفسطة؛ الصفة شيء والذات شيء، الصفة معاني تقوم في الذات. وهذا يعني يطول كلام فيه، وأن البعض يقول طب إذا أثبتت أن الصفة هي غير الذات فانت هذا تقول إن ذات الله مركبة، طب هذا التركيب ما ما الاشكال فيه؟ التركيب الذي فيه إشكال هو التركيب الذي يحتاج إلى مركب، وأما التركيب بهذا المعنى فهذا لا إشكال فيه، وإن كان أصلاً في يعني نقاط في تسمية هذا التركيب بس لو سميتم هذا تركيبا نعم.
قال: وأيضا فإنه خالق العالمين من الملائكة والجن والانس وجاعلهم علماء، فيمتنع أن يجعل غيره عالما من ليس هو في نفسه بعالم بعالم نعم.
قال: فإن العلم صفة كمال ومن يعلم أكبر ممن لا يعلم، وكل كمال المخلوق فهو من الخالق، فامتنع أن يكون المخلوق اكمل من الخالق. وأيضا فإن في الممكنات المحدثة المخلوقة وهو عالم، والواجب القديم الخالق أكمل من الممكن المحدث، فيمتنع أن يتصف بالكمال الموجود الناقص الخسيس دون الموجود الكامل الشريف، وهذا يتناول معنى حجتهم.
وأيضا فإنه حي والحياة مستلزمة لجنس العلم، وإذا كانت حياته أكمل من كل حياة فعلمه أكمل من كل علم. لكن يقال لكم كما أنه حي عالم فهو أيضا قادر كما ذكرتم، بأن الموجودات أو الأحياء تنقسم إلى قادر وغير قادر، فيجب أن يوصف باجل القسمين وهو القدرة، لا سيما ودلائل كونه قادرا أظهر من دلائل كونه عالماً؛ فإن نفس كونه خالقا فاعلا يستلزم كونه قادرا، فإن الفعل بدون القدرة ممتنع.
حتى إذا قيل إن الجماد يفعل فإنما يفعل بقوة فيه كالقوة الطبيعية التي في الأجسام الطبيعية، فيمتنع في خالق العالم إلا أن يكون له قوة ولا قدرة، أن لا يك فيمتنع أن يكون فيمتنع في خالق عالم أن لا يكون له قوة ولا قدرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. وفي صحيح البخاري حديث حديث الاستخاره: «ومن استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلَم وأنت علام الغيوب». وكثير من نظار المسلمين المصنفين المصنفين في أصول الدين الذين
يقيمون الدليل على كونه قادرا قبل كونه عالما وحيا، ويقولون: العلم بذلك أسبق في السلوك الاستدلالي النظري لدلالة الأحداث والفعل على قدرة المحدث الفاعل، فيجب أن يثبت له صفة القدرة مع العلم. وكذلك يقولون: إن الحي لما كان ينقسم إلى سميع وغير سميع، بصير وغير بصير، وصفناه بأشرف القسمين وهو سميع بصير.
وكذلك في النطق إذا أريد به البيان والعبارة، ولم يرد به مجرد العلم أو معنى من جنس العلم، فإن الحي ينقسم إلى متكلم مبين معبر عما في نفسه، وإلى ما ليس كذلك، فيجب أن تصفوه بأشرف القسمين وهو الكلام المبين المعبر عما في النفس من المعاني.
ومما يستدل به على ثبوت جميع صفات الكمال؛ أنه لو لم يوصف بكونه حيا، عالما، قادرا، سميعا، بصيرا، متكلما، لوصف بضد ذلك كالموت، والجهل، والعجز، والصمم، والبكم، والخرص. ومعلوم وجوب تقدسه عن هذه النقائص، بل هذا معلوم بالضرورة العقلية، فانه أكمَلُ الموجودات وأجلُّها وأعظمها، ورب كل ما سواه وخالقه ومالكه وجاعل كل ما سواه حيا، عالما، قادرا، سميعا، بصيرا، متكلما.
فيمتنع أن يكون هو شيئا عاجزا، جاهلا، أصم، أبكم، أخرس. بل من المعلوم بضرورة العقل أن متصفا بهذه النقائص امتنع أن يكون فاعلا فضلا عن أن يكون خالقا لكل شيء.
ولبعض الملاحدة من المتفلسفة ومن التباع هنا سؤال مشهور هو أنه: إنما يلزمها إذا لم يتصف بصفات الكمال أن يوصف بأضدادها إذا كان قابلا لها، فما إذا لم يكن قابلا لها فلم يلزم؟ قالوا: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة.
وهو أنه إنما يلزم إذا لم يتصف بصفات الكمال أن يكون موصوفا بأضدادها إذا كان قابلا له. يعني إذا لم نصف الله بالعلم متى يستلزم هذا أن يكون جاهلا؟ إذا كان قابلا. إذا لم نصف الله بالسمع متى يستلزم أن يكون أصم؟ إذا كان قابلا. أما إذا كان الشيء ليس قابلا لهما فليس نفي أحدهما يستلزم اثبات الآخر لنظرية العدم والملكة.
فماذا يقول هنا شيخ الإسلام؟ قال: وهذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة، وهو عدم شيء عما من شأنه أن يكون قابلا له. عدم العلم عما من شأنه أن يكون قابلا للعلم، عدم السمع عما من شأنه أن يكون قابلا للسمع يستلزم الصمم. أما إذا هو غير قابل ابتداء لهذه الصفة أصلا فليس نفي الصفة عنه يستلزم نقيضها أو ضدها. كعدم الحياة والسمع والبصر والكلام عن الحيوان الذي هو القابل له، فاذا لم يكن قابلا له كالجماد فلا يسمى مع عدم الحياة والسمع والبصر والكلام ميتا ولا أصما ولا أعمى ولا أخرس.
فالجماد مثلا لا يوصف بأنه ماذا؟ سميع. إذن هل سيوصف بالضد؟ إذن هو أصم! يقول لك: الجماد هو غير قابل لكل هذه الصفة، فإذا نفينا الصفة عنه لا يعني أنه موصوف بضدها وهو الصمم، فلا نقول إن الجماد أصم. وهذه إحدى أكبر النظريات التي اعتمد عليها الأشاعره وغيرهم في ردهم على أهل السنة، إذا قلنا إن الله ليس متكلما بصوت وحرف فهذا معناه أنه فيه خرص أو بكم. قالوا: الكلام وغيره إنما هو من تقابل العدم والملكة.
فبالتالي كيف يجاب عن هذه القضية؟ ابن تيمية كان دائما يحاول نسف فكرة العدم والملكة التي أتوا بها، وقضية القابلية وعدم القابلية في هذه الأمور فيقول: وجواب ذلك من وجوه. أحدها: أنه إما أن يكون قابلا للاتصاف بصفات الكمال وإما أن لا يكون. فإن لم يكن قابلا لزم أن يكون أنقص ممن يقبلها ولم يتصف، فالجماد أنقص من الحيوان الذي لم يتصف بعده بصفات كماله. وإن كان قابلا لها لزم إذا عدمها أن يتصف بأضدادها.
الشيء إما أن يكون قابلا للاتصاف بصفات الكمال، وإما أن لا يكون قابلا أبدا -زي ما أنتم بتحكوا- غير قابل أصلا. فنقول: فإن لم يكن أصلا قابلا لصفات الكمال لزم أن يكون هذا الشيء أنقص ممن يتقبل صفات الكمال ابتداء، فإذا الجماد هو أنقص من الحيوان. لو أن الجماد -إذا قلنا إنه ليس يجوز وصفه بالسمع كما أنه لا يوصف بالسمع لا يوصف بالصمم لأنه ليس قابلا لهما- لكن هذا أصلا يجعله أنقص من الحيوان الذي إذا قلنا إنه ليس بسميع فهو أصم. فهمت كيف هي طريقة التفكير الفلسفي؟ أنه إذا قلنا إن وصف عدم وصف الجماد بالسمع لا يعني أنه يوصب بالصمم لأنه ليس قابلا ابتداء لهذه الصفة، فنقول: هذا سيجعل الجماد أنقص من الحيوان الذي إذا نحن لم نصبه بالسمع سيستلزم هذا الصمم لأنه قابل لها. فأنت أصلا تورطت في هذا الكلام، هذا لا يخدمك.
وهؤلاء قد يقولون إن في اثباتها تشبيها له بالحيوان، قالوا لهم: وفي نفيها تشبيه له بالجماد الذي هو أنقص من الحيوان. هم يقولون: إذا أثبتنا صفة السمع والبصر لله أو الكلام فهذا تشبيه للخالق بالانسان. فنقول: ونفي هذه الصفات -نفي الكلام بصوت وحرف- تشبيه لله بالجماد، أنت تخرج من هون تأتيك من هون، إذن أنت ما عملت شيئا كبيرا.
فإذا لم يكن في نفيها تشبيه له بالجماد فكذلك لا يكون في اثباتها تشبيه له بالحيوان. فإذا أنتم قلتم: نفي الكلام عن الله لا يشبهه بالجمادات، فإذا قلتم إن الكلام بصوت وحرف نفيه عن الله لا يشبهه بالجمادات، فنقول: إذن هو عكسه، فكذلك إثباته لله لا يستلزم تشبيها له بالحيوانات أو بالمخلوقات. وإن كان في ذلك تشبيه بالحيوان وهو محذور، فالمحذور في تشبيهه بالجماد أعظم. وإن لم يكن مثل هذا التشبيه محذورا في ذلك، فأن لا يكون محذورا في هذا بطريق الأولى. جميل، هذا كلام جيد في ضرب الفكر أو النقاش مع الأشاعرة والصوفية والمعتزلة في هذا البعد.
الوجه الثاني: أن جعلهم سلب الموت والصمم والبكم عن الجماد لزعمهم أنه غير قابل له اصطلاح محض، فانه موجود في كلام الله تسمية الجماد ميتة، كما قال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: 21]. هذه الطريقة الثانية، أنه أصلا كل هذا التقسيم للعدم والملكة هذا أنتم من عندكم من اصطلاح المتكلمين، والا ما في دليل علمي يقيني على أن هناك أشياء قابلة للصفات وبالتالي نثبت لها الصفة وإذا انتفت الصفة نثبت ضدها، وأشياء غير قابلة وبالتالي إذا أثبتنا لا نثبت لها الصفة ولا ضدها. يقول: هذا كله من اصطلاحكم، بل حتى الجمادات الله سبحانه وتعالى وصفها بالموت ويمكن أن توصف بماذا؟ بالصمم، ويمكن أن توصف بأشياء كثيرة من أوصاف الأحياء.
القيام، يعني صوت الانسان يشهد عليه يوم القيامة، صوته جاء جلده، يعني الجلود تصبح تتكلم مع أنها هي في الحياة الدنيا الجلود: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 21]، ﴿وَما كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: 22]. الجلد الذي هو ابتداء ليس قابلا على نظريتكم لصفة الكلام من عدمها، فالجلد لا يوصف بأنه أبكم على طريقتكم ليه؟ لأنه ليس قابلا للصفة ابتداء. فإذا نفيت عنه الصفة لا يوصب بضدها، يوم القيامة سيتكلم. فيقول: هي النظرية هذه أصلا والتي نسفتم فيها أسماء الله وصفاته ليست نظرية ثابتة مضطردة محكمة يمكن الرجوع إليها.
الوجه الثالث: أنه يكفي عدم هذه الصفات، فان مجرد عدم الحياة والعلم والقدرة هي صفة نقص سواء قدر الموصوف قابلا لها وغير قابل، بل إذا قدر أنه غير قابل لها كان ذلك أبلغ في النقص. الشيء الثالث أنه يكفي عدم هذه الصفات في الشيء ليكون نقصا، حتى ولو لم يوصف بالضد، يعني حتى لو قلنا إن نفي العلم لا يعني الجهل، وإن نفي الكلام لا يعني البكم، مجرد نفي الكلام هو نقص أصلا حتى ولو قلنا إنه لن يوصف بضده من الصمم والبكم.
فعلم أن نفي هذه الصفات عنه ونفي قبولها يوجب أن يكون أنقص من الحيوان الأعمى الأصم الذي يقبلها ولم يتصف. الصفحات اهتموا فيها، هذه نقطة في الجواب الصحيح، هذه الصفحة تهتم بها في الرد على أهل الباطل من الفرق الإسلامية الذين يعتمدون على قضية العدم والملكة في نفي كثير من صفات الله سبحانه وتعالى.
الوجه الرابع: أن الكمال في الوجود والنقص في العدم، فنفس ثبوت هذه الصفات كمال، ونفس نفيها نقص وإن لم يتصف بها لازمه نقصه، وأن يكون المفعول أكمل من الفاعل، وأن يكون المحدث الممكن المخلوق أكمل من القديم الأزلي واجب الوجود المخالق، وهذا ممتنع في بداية العقول. وهذه الأمور مبسوطه في غير هذا الموضع في البديهة العقلية.
قال: ولكن نبهنا عليها هنا لبيان بعض الطرق التي بها تعرف صفات الرب، وبيان أن هؤلاء القوم أجهل أهل ملة بالرب، والطرق التي يعرف بها كماله في العقلية والسمعية، وأن القوم عندهم من ألفاظ الأنبياء ما لم يفهموا كثيرا منه، وما أحرفوا كثيرا منه، وعندهم المعقول في ذلك ما يفضلهم اليهود فيه. لكن اليهود وإن كانوا أعلم من النصارى في الحجاج، وإن كانوا أعلم منهم فهم أعظم عنادا وكبرا، واليهود أعظم عنادا وكبرا صحيح، النصارى أجهل وأضل من اليهود، لكنهم أعبد وأزهد وأحسن أخلاقا، ولهذا كانوا أقرب مودة للذين آمنوا من اليهود والمشركين.
على نفس قضية العالم، لكن كما على قضية قلهم الله تعالى: لن تقولوا ذلك إذا كنتم خالق شيئا في العدم أنه لا يتقبل هذا وهذا ولا يتقبل، نقول هذا نقص، عدم تقبله لهذه الأمور نقص. فرضا ظن أنه فطبعا لسه أنت النقطة التي قبل أنه لا داخل ولا خارج وتناقض، إذن أي شيء موجود لازم يكون له وجود حقيقي، تمام، لابد أن يكون له وجود حقيقي. فقولك لا داخل ولا خارج هو أصلا تناقض، أنه يؤدي إلى عدم، تؤدي إلى أن الله لا وجود له حقيقي في الخارج، هذه المشكلة الأكبر لسه في هذه القضية، تمام؟
فان قال إنه لا يوجد أن يوصف بذلك، فنقول: إذن هو سيكون أنقص ممن يوصف بذلك، وأنقص ممن يوصب بالعلو. إذا قلت إن الله لا يجوز لا يوصف بالعلو وإنني... طب فإذا قلت: إذن نفيت العلو عن... يقول لك: أنا إذا نفيت العلو عن الله أنا لا أثبت ضده وهو ايش؟ السفول. يقول لك: أنت مجرد نفي العلو هي على نفسها أنه مجرد نفي العلو حتى لو كان نفي العلو لا يعني اثبات السفول، وبحد ذاته هذا نقص.
تفضل، ما فهمت الفرق بين الوجه الثالث والرابع أشارت تقريباً.
أن هو أنه مجرد عدم وجود الكمال هو نقص في ذاته وإن لم يتصف بضده، الوجه الثالث، الرابع: كان لكم النقص فانا... هسه الوجه الثالث هو يريد أن يقول: يكفي عدم هذه الصفات ولا نحتاج لإثبات الضد، هذا هو، يقول: فان مجرد عدم الحياة والعلم هو صفة نقص سواء قدر الموصوف قابلا أو غير قابل، هو يركز على هي على هي الزاوية. في الوجه الرابع هو يريد أن يقول: إن الكمال في الوجود لهذه الأمور والنقص في العدم، فنفس ثبوت هذه الصفات نفس ثبوتها كمال بحد ذاته، يعني هناك عمز قضية سواء قدر الموصوف قابلا لها أو لا. هنا نفس الفكرة بس هي التركيز على قضية ماذا؟ أنه نفس وجودها كمال بغض النظر عن طبيعة الشيء، ونفس نفيها نقص سواء كان الشيء قابل أو غير قابل مش هذا موضوعنا، والوجود الوجود بحد ذاته لها كمال والنقص لها وعدم توفرها في الشيء نقص بعيدا عن فكره أنه قابل ولا مش قابل. الآن بقول لك: إن هي بطبيعتها كمال وعدمها نقص مهما كانت طبائع الأشياء.
طيب، وإذا لم يتصف بها لزمه النقص، وأن يكون المفعول لهذه الصفات أكبر من الفاعل. في اعتقادي هو الفرق بينه هو بس بقول زاوية النظر، والتي هي زي ما تفضلت في النهاية نفسها هناك بس التركيز على قضية سواء قدر قابل أو غير قابل، وهون التركيز على قضية أنه هي مجرد وجودها كمال ومجرد عدمها نقص بدون التركيز على قضية القابلية.
ممكن في الرابع عَمَّمها شوي، أنه كل موجود أكمل من كل معدوم.
أيوه، يعني هو بقول لك: هو بحد ذاته الوجود فيها نعم، أن الوجود فيها كمال، طبعا بس باعتباري أنها كمال طبعا هي أصلًا ابتداء، فمجرد وجودها كمال بغض النظر الآن عن قضية القابلية ولغير القابلية، هذا الشيء الذي لا يعتبر نقص بشكل من الأشكال، مجرد الوجود كمال ومجرد العدم نقص بدون ما تفكر أنه لا هو قابل ولا مش قابل، هي هكذا.
فصل: قالوا الثلاثة أسماء، فهي إله واحد ورب واحد وخالق واحد مسمى واحد لم يزل ولا يزول شيئا حيا ناطقا، أي الذات والنطق.
والحياة فالذات عندنا الأب الذي هو ابتداء الاثنين والنطق والابن الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل والحياة هي الروح القدس. هذه اللي حكينا عنها ابتداءً هو أن بولس هذا بولس الأنطاكي يفسر الأب والابن بالنطق الذي هو متولد عن العقل والحياة الروح القدس هي الحياة.
قال الجواب عن هذا من وجوه: الأول، أن أسماء الله تبارك وتعالى متعددة كثيرة، فإنه الله الذي لا إله إلا هو -عاسيبدأ يسرد لك كل الآيات أشهر الآيات والأحاديث التي تذكر أسماء الله الحسنى وصفات العلى- ثم قال: وإذا كانت أسماء الله كثيرة كالعزيز والغدير وغيرها، فالإقتصار أصلاً على ثلاثة أسماء -يعني أنت يا بولس الأنطاكي أنت ليش مركز بس على هي الأسماء الثلاث على الله الحي الناطق المتكلم يعني طيب الأسماء الثانية ما لها وجود عندك في النقاش- فإذا أسماء الله أكثر من هذه الثلاثة.
قال: وأي شيء زعم الزعم في اختصاص هذه الأسماء به دون غيرها فهو باطل، كما قد في غير الموضوع قبل-نناقش قضية صار الأسماء هذه واضحة أنا أقصار تجاوز لأن هي أن أسماء الله أكثر من التسعة وتسعين هذه أظنها واضحة في هذا المستوى-.
الوجه الثاني، قال: قولهم الأب الذي هو ابتداء الاثنين والابن النطق الذي هو المولود منه كولادة النطق من العقل كلام باطل، فإن صفات الكمال لازمة لذات الرب عز وجل أولاً وآخراً ما في صفة متولدة هيك بيقول لك قضية التولد ويقول لك مش هو قال قال لك الابن هو النطق هو الكلام طيب لماذا جعل الكلام ابناً؟ قال: لأنه الكلام متولد من العقل كما يتولد الابن من الأب، قول لك أصلاً صفات الله فيش فيها قضية التولد صفات الله أزلية قديمة.
قال: لم يزل ولا يزال حياً عالماً قديراً، لم يصر حياً بعد أن لم يكن حياً ولا عالماً بعد أن لم يكن عالماً، ما في صفة تولدت كلها قديمة أزلية. قال: فاذا قالوا إن الأب الذي هو الذات هو ابتداء هو ابتداء الحياة والنطق، اقتضى ذلك أن يكون الأب قبل الحياة والنطق -آه هيك المفهوم صار يا كلامك أن لما تقول أن الأب هو نقطة البداية لوجود الاثنين بعده اللي هو الحياة والنطق إذا كأنه بتشر في فترة زمنية بين وجود الذات وبين وجود صفة الحياة والنطق وهذا غير صحيح- بل هما متلازمات، لا يمكن أن يكون أحدهما أسبق من الآخر فالذات مع الحياة مع كلام كلها متلازمة، أول لا يوجد شيء منها كان معدوماً ثم ولد.
قالوا: أن يكون فاعلاً للحياة والنطق فإن ما كان ابتداء لغيره يكون متقدماً عليه أو فاعلاً له وهذا في حق الله باطل. وكذلك قولهم إن النطق مولود منه كولادة النطق من العقل، فإن مولود من غيره متولد منه فيحدث بعد أن لم يكن كما يحدث النطق شيئاً فشيئاً، سواء أريد بالنطق العلم أو البيان فكلاهما لم يكن لازماً للنفس الناطقة -بلسان نعم-.
قال: بل حدث فيها واتصوت به بعد أن لم يكن، وإن كانت قابلة له ناطقة بقوة، فإذا مثلوا تولد النطق من الرب كتولدهم عن العقل، لزم أن يكون الرب كان ناطقاً بالقوة فما صار ناطقاً بالفعل، فلزم أنه صار عالماً بعد أن لم يكن عالماً، وهذا من أعظم الكفر وأشده استحالة، فانه لا شيء غيره يجعله متصفاً بصفة الكمال بعد أن لم يكن متصفاً بها، إذ كل ما سواه فهو مخلوق له وكماله منه، فيمتنع أن يكون هو جاعل الرب سبحانه وتعالى كاملاً.
وذلك دور ممتنع في صريح العقل، إذ كان الشيء لا يجعل غيره متصفات حتى يكون هو متصف بها، فإذا لم يتصف بها حتى جعله غيره متصف بها لازم دور. وذلك دور ممتنع في صريح العقل، إذ كان الشيء لا يجعل غيره متصفاً بصفة الكمال حتى يكون هو متصف بها، فإذا لم يتصف بها حتى جعل غيره متصف بها لزم الدور الممتنع.
قال مثله كم كل شيء كل شيء قال قبل قال لازم أن يكون ربه كان ناطقاً بالقوة ثم صار ناقف -يعني يعني هون الاشكال، لأنه هنا في ترتيب هو بيقول لك إنه ما كان ابتداء ناطق بالفعل هذا شيء نتج بعد ذلك إذا كان ناقصاً مش قول مثلاً مش في الطحاوية قال ليس بعد اسم الخالق-.
لا لا هسه هو بيتكلم أنه هو ابتداءً كان عاجزاً عن النطق بالفعل ثم حصلت له هذا متولدة والتولد شيء وجد بعد أن لم يكن، طب يعني إذا كان عاجز هل نقوله ناطق القوة؟ نعم. إذا كان عاجز هل نقول عن الفعل؟ أنت ممكن أحياناً تكون عاجز عن شيء لكن عندك القابلية له ابتداءً الصبي، نعم مثل الصبي مثلاً الصبي قد يكون فيه أشياء هو متقبلها كلكنها إلى الآن لم يكتسبها كأن يفعلها والله سبحانه وتعالى لا يجوز أن نقول جاءت فترة هو أصل أصل الصفة متقبل لها لكنه ما كان يفعلها أو غير قادراً عليها ثم تولدت بعد ذلك عنده، لا هو من بداية الأمر قادر بالقوة وقادر بالفعل من البداية.
أسأل شيخ يعني على اصطلاح النطق بالقوة هل هل يقصد فيه إنه هو قادر على ذلك لكنه لم يفعله الآن لأنه هذا الأمر باختياره؟ أحسنت باختياري مش عجزاً عنه مش ثم أصبح لديه هذه الامكانية. قال فكلاهما لم يكن لازماً للنفس الناطقة بل حدث فيها واتصف قال فكلاهما لم يكن لازماً للنفس الناطقة لأنه ايش قال وكذلك قولهم إن النطق مولود منه سبحانه كولادة النطق من العقل، فان المولود من غيره متولد منه فيحدث بعد أن لم يكن كما يحدث النطق شيئاً فشيئاً، سواء أريد بالنطق العلم أو البيان فكلاهما لم يكن لازماً للنفس الناطقة بل حدث فيها واتصفت به بعد أن لم يكن، وإن كانت قابله له ناطقة بقوة زي ما قال لك اللي هو الصبي الصغير الآن الصبي أول ما يخرج من بطن أمه هل هو قابل عنده قابلية الاتصال بالكلام؟ عنده القابلية، لكن هل هو الآن لو بدو يعمل بيقدر؟ لأ لسه بدو يتعلم ويمارس وما شذا معنى كلامه، فإذا مثلوا تولد النطق من الرب كتولده عن العقل لزم أن يكون الرب كان ناطقاً بالقوة بس لسه ما عنده الآن أدوات الفعل، ثم تولدت أدوات الفعل بعدين وهذا والعياذ بالله لا يصح هذا المعنى واضح طيب.
قال: فتبين بطلان كون نطقه متولداً منه كتولد نطق من العقل، كما بطل أن يكون لصفاته اللازمة له ما هو مبدأ لها متقدم عليها أو فاعل لها. الوجه الثالث: أن قوله في الابن هو أنه مولود من الله، إن أراد به أنه صفة لازمة له فكذلك الحياة صفة لازمة لله فيكون الروح القدس أيضاً ابناً ثانياً، وإن أرادوا به أنه حصل منه بعد لم يكن لازم أن يكون نصارى ع بعد لم يكن عالماً، وهذا من كونه باطلاً وكفر.
يعني ايش أن قولهم في الابن إنه مولود من الله إن أرادوا به أنه صفة لازمة له فكذلك الحياة اللي فسروها بروح القدس صفة لازمة فسيكون روح القدس أيضاً ايش؟ ابن صح ولا لأ؟ بقول لك أنت لماذا جعلت النطق ابناً لله مش هي صفة ملازمة له يعني أنت جعلت أنت عم بتفسر الابن بأنه ايش فسره؟ متولد. لا لا النطق صح هو بيقول لك الابن هو النطق صح مش هيك أنتم بتحكي يا بولس الأنطاكي طب النطق صفة ملازمة لله خلص ملازمة لله طب روح القدس أنت شو فسرتها الحياة طيب مش الحياة صفة ملازمة لله صفة ملازمة لله إذا صار لله ابنين مش ابن واحد ابن هو اسمه النطق وابن هو ايش الحياة ليش هذا ابن وهذاك روح قدس يعني ما داعي التفريق بين الاثنين بين الصفتين إذا كانت كلاهما ملازمة لله قال فكذلك الحياة صفة لازمة فيكون إذا روح القدس أيضاً ابناً ثانياً لله، وإن أرادوا به نعم قال وإن أرادوا به أن النطق حصل منه بعد أن لم يكن نعم لازم أن يكون صار عالماً بعد أن لم يكن عالماً وهذا من كونه باطلاً وكفراَ فيزم فيز مثله في الحياة وانه صار حياً بعد أن لم يكن حياً، حياً سكون نفس الفكرة في الحياة كما هي نفس الفكرة في هذا، خاصة أنه هو أصلاً تعبيره الابتدائي شو هو شوف شو بولس الأنطاكي قال الأب الذي هو ابتداء الاثنين هذا بيرجع بقول لك أنت تعبيرك أن الأب هو ابتداء الاثنين ماذا يفهم أنه الاثنين اللي هم الحياة والنطق نتجوا وتولدوا بعد أن لم يكونوا إذا هو سبحانه ما كان حياً ثم أصبح حياً وما كان عالماً ثم أصبح عالماً وهذا من أكبر الكفر فكلامكم مشكل نعم لأنكم تصفون الله بالنقص ثم بعد ذلك انتقل للكمال وهذا ليس إلهاً ناقصاً ثم كمون نعم.
قال: الوجه الرابع: أن تسمية حياة الله الروح القدس أمر لم ينطق به شيء من كتب الله المنزلة، فإطلاق روح القدس على حياة الله من تبديلهم وتحريفهم. الوجه الخامس: أنهم يدعون أن المتحد بالمسيح هو الكلمه الذي هو العلم، وهذا إن أراد به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الأب، وكان المسيح نفسه هو الأب وهو الابن وهو الروح القدس وهذا عند يدعون أن المتحد بالمسيح هو كلمة الله وكلمة الله يفسرونها بماذا؟ بالعلم، وهذا إن أرادوا به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو ماذا؟ هو الأب، وكان المسيح كان المسيح هو الأب وكان المسيح نفسه في نفس الوقت هو الأب وراح يكون وهو الابن ابن رح يكون هو روح القدس لأنه روح القدس شو هي الحياة مش هيك هي، طب والآن أنتم تقولون أن المتحد بالمسيح هو الكلمة، طيب شو هي الكلمة؟
الكلمة هي علم الله، إذا أصبح الذي اتحد بالمسيح هي الكلمة وهي علم الله، وهذا إن أرادوا به نفس الذات إن أرادوا أن الكلمة التي هي العلم التي اتحدت بالمسيح ليس المراد مراد الكلمة باعتبارها شيء مجرد وإنما المراد بالكلمة العلم نفس الذات العالمة الناطقة وهي الله، إن قصدتم أنها هي التي ابتعدت في المسيح صار المسيح هو نفسه الأب لأنه المسيح تحلى فيه والعياذ بالله والعياذ بالله على قولكم الذات العالمة الناطقة اللي هي أصلاً الأب فصار الأب حل بالمسيح اللي هو أصلاً ابن فصار المسيح هو الأب، طيب و صار المسيح في نفس الوقت ابناً من جهة وأباً من جهة وروح القدس من جهة، لأنه روح القدس هي الحياة والحياة أيضاً هي من صفات الذات العالمة الناطقة، فبقول لهم الكلام هنا دخل ببعضه يعني ما عاد شو هن فاهمين وهذا فعلاً هي المشكلة عندهم أنهم إلى الآن مش فاهمين ولا يستطيعون أن يعطوا تصوراً حقيقياً ما كيف يتحد الأب بالابن بروح القدس وما الذي سيميز بعضهم عن بعض عند وصول عند وجود هذا الاتحاد نعم.
قال: وهذا عندهم عند جميع الناس باطل وكفر، وإن قالوا المتحد به هو العلم فالعلم صفة لا تفارق العالم ولا تفارق الصفة الأخرى التي هي حياة فيمتنع أن يتحد به العلم دون الذات ودون الحياة. إذا قلت المتحد بالمسيح لا هو العلم العلم مش الذات العالمة قلنا شو العلم كعلم هو صفة يعني شيء لا وجود له في الخارج عرض وليس جوهر، فكيف أن علم الله طب هو علم الله مرتبط بذات كيف أن هيك العلم انفصل وحده عن ذات الله ودخل في المسيح يقول العلم معنى ولا يمكن إلا أن يكون في ذات الله فلا يتصور عقلاً أن العلم ينفصل وحده ودخل في ذات المسيح كلام غير منطقي عقلي نعم.
قال: الوجه السادس: أن العلم أيضاً صفة والصفة لا تخلق ولا ترزق، والمسيح نفسه وليس هو صفة قيامه بغيرها باتفاق الحق، وأيضاً فهو عندهم خالق السماوات والأرض أن العلم أيضاً صفة والصفة لا تخلق ولا ترزق، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة بغير -يعني المسيح نفسه هل تقولوا المسيح كلمة الله صح مش هيك ربنا خاف أن المسيح كلمة الله طب إذا المسيح كلمة الله وكلمة الله هي العلم الآن شو صار طب أنتم شو بتحكوا عن المسيح من معتقداتهم في المسيح أن المسيح ايش هو يخلق ويرزق مش هم يقول أن المسيح يخلق ويرزق طب والمسيح كلمة الله فبيقول العلم صفة والصفة لا تخلق ولا ترزق والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة بغيرها المسيح هو شخص موجود تمام وأيضاً فهو عندهم خالق السماوات والأرض فامتنع أن يكون المتحد به صفة فإن الاله المعبود هو الإله الحي العالم القادر وليس هو نفس الحياة ولا نفس العلم والكلام-.
فلو قال قائل نعم قال فلو قال قائل يا حياة الله أو يا علم الله أو يا كلام الله اغفر لي وارحمني واهدني كان هذا باطلاً فصريح العقل، أنت تقول يا حياة الله افعل لي كذا حياة الله لا يجوز دعائها أنت لا يجوز أن تدعو حياة الله وتطلب من حياة الله لأن الحياة هي صفة تقوم في ذات الله، فيقول فلو قال قائل يا حياة الله اغفر لي يا علم الله افعل علني كان هذا باطناً في صريح العقل، ولهذا لم يجوز أحد من أهل مل يقال التوراة والإنجيل وغير ذلك من كلام الله اغفر لي وارحمني، وإنما يقال الإله متكلم بهذا الكلمة وارحمني -المسيح عليه السلام نعم مش مش نفس المسالة بس هل يجوز الحلف بها طيب-.
قال المسيح عليه السلام: عندكم هو الإله الخالق الذي يقال له: اغفر لنا وارحمنا. فلو كان هو نفس علم الله وكلامه ولم يجد أن يكون إلها معبودا، فكيف إذا لم يكن هو نفس علم الله وكلامه بل هو مخلوق بكلامه حيث قال له: كن فيكون. يبين ذلك أن كلمات الله كثيرة لا نهاية لها في الكتب الإلهية كالتوراة أنه خلق الأشياء بكلامه، وكان في أول التوراة أنه قال: ليكن كذا، ليكن كذا. معلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة بل غايته أن يكون كلمة واحدة، إذ هو مخلوق بكلمة من كلمات الله عز وجل.
الوجه السابع: أن أمانتكم التي وضعها أكابيركم بحضرة قسطنطين، وهي عقيدة إيمانكم التي جعلتموها أي أصل دينكم، تناقض ما تدعونه من أن الإله واحد، وتبين أنكم تقولون لمن يناظركم خلاف ما تعتقدونه نوع من التقية عندكم.
قال: وهذان أمران ظاهر كلام بولس أنه يريد أن يقول: نحن لا نؤمن بإله واحد بس فكرة الأب والابن وروح القدس، أن الابن هو أي نطق الله وروح القدس هي حياة الله، فنحن بنتكلم عن ذات واحدة. وهو بيقول له: الأمانة التي اتفقتم عليها في مؤتمر قسطنطين ما بتحكي كده؛ الأمانة تثبت أن هي ثلاثة منفصلة عن بعضها البعض: الأب والابن وروح القدس. ففي نوع من التقية.
قال: وهذان أمران معروفان في دينكم، تناقضكم وإظهاركم في المناظرة خلاف ما تقولونه من أصل دينكم. إذا النصارى عندهم تناقض أولا في أفكارهم، واثنين تقية، كيف الرافضة عندهم تقية لا يصرحون لك بحقيقة ما عندهم من الشرك.
قال: فإن الأمانة التي اتفق عليها جمهور النصارى يقولون فيها: أؤمن بإله واحد، أب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن بشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس، وصلب وتألم وقبر، وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضا سيأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه. وبرب الواحد الروح القدس الرب المحيي، المنبثق من الأب، الذي هو مع الأب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء. وكنيسة واحدة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد. آمين.
ففي هذه الأمانة التي جعلتموها أصل الدين، يكون ذكر الإيمان بثلاثة أشياء: بإله واحد خالق السماوات والأرض خالق ما يرى وما لا يرى، فهذا هو رب العالمين الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وهو إله إبراهيم واسحاق ويعقوب الأنبياء والمرسلين، وهو الذي دعت جميع الرسل إلى عبادته وحده لا شريك له ونهوا أن يعبد غيره. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45].
ثم قلتم: وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر. صرحتم بالإيمان مع خالق السماوات والأرض برب واحد مخلوق مساو للأبي ابن الله الوحيد، وقلتم: هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه. وهذا تصريح بالإيمان بإلهين أحدهما من الآخر، وعلم الله القائم به أو كلامه أو حكمته القائمة به الذي سميتموه ابنا. ولم يسم أحد من الرسل صفة الله ابنا. ليس هو إله حق من إله حق، بل إله واحد، وهذه صفة الإله، وصفة الإله ليست بإله، كما أن قدرته وسمعه وبصره وسائر صفاته ليست بإله. ولأن الإله واحد وصفاته متعددة، والإله ذات متصفة بالصفات قائمة بنفسها، وصفته قائمة بالموصوف. ولأنكم سميتم الإله جوهرا وقلتم هو القائم بنفسه، وصفته ليست جوهرا قائما بنفسه.
وهذه هم في هذه الأمانة قد جعلوا الله والدا وهو الأب، ومولودا وهو الابن، وجعلوه مساويا له في الجوهر، وقد نزه الله نفسه عن أنواع الثلاثة فقالوا: مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر. فصرح بأنه مساو له في الجوهر، والمساوي ليس هو المساوى، ولا يساوي الأب في الجوهر إلا جوهر، فوجب أن يكون الابن جوهرا ثانيا وروح القدس جوهرا مش صفة، فوجب أن يكون الابن إذا جوهرا مأخوذا من جوهر الإله على كلامكم.
ولا يمكن أن يكون الابن صفة لأنه هو بولس عمه فسر الابن بأنه ايش؟ صفة العلم، صفة النطق. فبقول له: أنت يا بولس عم تحكي لنا أن معنى الابن النطق، صح النطق صفة، لكن في كلامكم في الوثيقة أنتم ايش قلتم؟ أن الابن جوهر. وروح القدس صار جوهر ثالث كما سياتي. وهذا تصريح بأن الأب والابن وروح القدس هي جواهر، يعني ذوات منفصله، مش أن الأب والابن وروح القدس كما تقول يا بولس الانطاكي هي أن الله ناطق حي. أنت خالفت المشهور عندكم في الأمانة، جعلت الابن وروح القدس صفات ولكنكم في أمانتكم تجعلونها جواهر.
طبعا قال: ويقولون مع ذلك إنما نثبت جوهرا واحدا وإلها واحدا، وهذا جمع بين نقيضين، وهو حقيقة قولهم، يجمعون بين جعل الإله الواحد واثبات ثلاثة آلهة، هذا هو التناقض. ثم بعد ذلك يقول: إنما نثبت جوهرا واحدا. طيب كيف أثبت جوهر واحد وأنت في البداية شو بتقول؟ إن الابن مأخوذ من جوهر الإله، طيب صار في جوهرين! بعدين في النهاية بتقول: إنما نثبت جوهرا واحدا. قالوا: هذا جمع بين نقيضين، يجمعون بين جعل الإله واحد في نفس الوقت واثبات ثلاثة آلهة الأب والابن والروح القدس وبين إثبات جوهر واحد وبين إثبات ثلاث جواهر في نفس الوقت.
وقد نزه الله نفسه عن ذلك فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. قال: فنزه نفسه أن يولد كما يقولون هو الأب، وأن يولد كما يقولون هو الابن، وأن يكون له كفوا أحد كما يقولون إن له من يساويه في الجوهر.
وإذا قلتم: نحن نقول أحادي الذات ثلاثي الصفات، قيل لكم: قد صرحتم باثبات إله حق من إله حق وبأنه مساو للأب في الجوهر وهذا. إذا قال النصارى: نحن نقول لا هو أحادي من حيث الذات ثلاثي من حيث الصفات، فماذا سنجيب؟ قد صرحتم باثبات إله حق من إله حق، شو معنى هذا الكلام؟ وبأن الإله الحق الثاني مساو للأب في الجوهر، وهذا تصريح باثبات جوهر ثاني لا صفة كما زعمتم، فجمعتم بين القولين، بين إثبات ثلاث جواهر وبين دعوى إثبات جوهر واحد.
ولا ينجيك عن هذا الاعتذار من اعتذر منكم كيحيى بن عدي ونحوه، حيث قالوا: هذا بمثابة لقولك: زيد الطبيب الحاسب والكاتب، ثم تقول: زيد الطبيب، وزيد الحاسب، وزيد الكاتب، فهو مع كل صفة. بس شو بيحكي هو؟ أنه نحن لما تقول أنت زيد الطبيب، زيد الحاسب، زيد الكاتب، ثم بعد ذلك تقول: زيد طبيب، بعدين تقول: زيد حاسب، زيد كاتب، وايش تنظيرها في هذه المسألة؟ أن تقول ايش؟ أن الله الأب، الابن، روح القدس، ثم تقول: الله الأب، الله الابن، والعياذ بالله، الله روح القدس، بقول: زي هي زيه هي، فماذا يقول؟
قال: فهو مع كل صفة له حكم خلاف حكمه مع الصفة الأخرى. وقد يفسرون الأقنوم بهذا فيقولون: الأقنوم هو الذات مع صفة، فالذات مع كل صفة أقنوم، فصارت الاقانيم ثلاثة. لأن هذا المثال لا يطابق قولكم، فإن زيدا هنا هو جوهر واحد له ثلاث صفات: الطب والحساب والكتابة، وليس هنا ثلاثة جواهر، ولكن لكل صفة حكم ليس للأخرى، ولا يقول عاقل إن الصفة مساوية للموصوف في الجوهر ولا إن الذات مع هذه الصفة تساوي. لماذا المثال غلط؟ لأنه احنا لما تقول زيد، زيد جوهر، وكلمة طبيب وحاسب وكاتب هي صفات، فإن زيد في هذا المثال هو جوهر واحد له ثلاث صفات: الطب والحساب والكتابة، ونحن هنا لا نتكلم عن ثلاثة جواهر، ولكن لكل صفة حكم ليس للأخرى، فالكتابة أكيد غير الحساب، والحساب غير الطب.
ولا يقول عاقل إن الصفة مساوية للموصوف في الجوهر، اللي هو أنتم شو يعني؟ أنت ارجع لي على نص الأمانة، أنت حكيت أن الابن مساو للأب في الجوهر، في حدا يحكي في هذا المثال إن صفة الطب مساوية لزيد في الجوهر؟ لا، فكلامكم في الأمانة يتناقض مع هذه الأمثله، يعني ما له علاقة. ولا أن الذات مع هذه الصفة تساوي الذات مع الصفة الأخرى في الجوهر تمام.
قال: لأن الذات واحدة والمساوي ليس هو المساوى، ولأن الذات مع صفته هي الأب، فإن كان هذا هو الذي اتحد المسيح فالمتحد به هو الأب. ولأنكم قلتم عن هذا الذي قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي هو مساو للأب في الجوهر أنه نزل وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصلب وتألم، فاقتضى ذلك أن يكون الإله الحق المساوي للأب في الجوهر صلب وتألم، فيكون اللاهوت مصلوبا متألما. وهذا تقر به طوائف منكم وطوائف تنكره، ولكن مقتضى أمانتكم هو الأول.
وأيضا فإذا كان تجسد من الروح القدس ومريم، فإن كان روح القدس هو حياة الله كما زعمتم، فيكون المسيح كلمة الله وحياته، فيكون لاهوته أقنومين. واضحة؟ إذا كان تجسد هذا اللاهوت اللي هو الابن تحول إلى جسد من خلال اتصال روح القدس بمريم، فإن كان روح القدس زي ما انت بتحكي يا بولس الانطاكي أنها حياة الله كما زعمتم، فسيكون المسيح إذا هو كلمة الله وحياته، لأنه نشأ من حياته، فيكون لاهوته أقنومين من الأقانيم الثلاثة: أقنوم الكلمه وأقنوم الحياة. طيب، وعندهم إنما هو أقنوم الكلمة فقط ابن الله. وإن كان روح القدس ليس هو حياة الله كما تزعم، وهذا مش هو كلامه بس يعني لو ليس بطل إذا تفسيركم لروح القدس بأنه حياة الله وهذا هو المطلوب، وقيل لكم: لا يجب أن يكون روح القدس صفة لله ولا أقنوما.
قال: ثم ذكرتم في عقيدة أمانتكم أنكم تؤمنون بروح القدس الرب المحيي، أثبتم ربا ثالثا، قلتم: المنبثق من الأب. والانبثاق والانفجار كالاندفاق والانسحاب ونحو ذلك، يقال: بثق السيل موضع كذا يبثقه بثقا أي خرقه وشقه، فبثق قائف. فاقتضى ذلك أن يكون هذا الرب المحيي انفجر من الأب واندفق منه. ثم قلتم: مع الأب مسجود له وممجد ناطق في الأنبياء، فجعلتموه مع الأب مسجودا له، فأثبتم إلها ثالثا يسجد له. ومعلوما أن حياة الله التي هي صفته ليست منبثقة منه، بل هي قائمة به لا تخرج عنه البتة، هي صفة لازمة له لا تتعلق بغيره، فإن العلم يتعلق بالمعلومات، والقدرة بالمقدرات، والتكليم بالمخاطبين، بخلاف التكلم فإنه صفة لازمة، وقالوا: علم الله كذا، وقدر الله على كل شيء، وكلم الله موسى.
أما حياة فلفظ دال عليها لازم لا يتعلق بغير الحي، يقال: حيا يحيا حياة حياة، لا يقال حيا كذا ولا بكذا، وإنما يقال أحيا كذا. والإحياء فعل غير كونه حيا، كما أن التعليم غير العلم، والإقدار غير القدرة، والتكليم. الإحياء هو فعل غير صفة الحياة القائمة في ذاته، صحيح ولا لا؟ طيب، كما أن التعليم هو فعل يختلف عن العلم القائم في الذات تمام، أنت عندك علم ثم تعلم، فالتعليم فعلك وأما العلم فهي الصفة القائمة فيك.
قال: ثم جعلتم الروح القدس هذا ناطقا في الأنبياء عليهم السلام، وحياة الله صفة قائمة بها لا تحل في غيره. كيف تقول روح القدس ناطقة في الأنبياء وهي في نفس الوقت هي حياة الله القائمة في ذات الله؟ هذا أيضا نوع من الاضطراب. وروح القدس الذي يكون في الأنبياء الصالحين ليسوا حياة الله القائمة به، ولو كان الروح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة لكان كل من الأنبياء ال صار مش عيسى هو الإله، صار كل الأنبياء إذا آلهة، فلان فيهم روح القدس.
قال: لكان كل من الأنبياء إلها معبودا قد اتحد الناس باللاهوت كالمسيح عندكم، فإن المسيح لما اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتا ولاهوتا. فإذا كانوا المسيح اللي هو الجسد لما اتحد به أحد الأقانيم وهو أقنوم البنوة الذي هو أقنوم كلمة الله صار ناسوتا ولاهوتا في نفس الوقت.
قال: فإذا كان الروح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة ناطقا في كل الأنبياء، كان كل منهم فيه لاهوت وناسوت المسيح، وأنتم لا تقرون بالحلول والاتحاد إلا للمسيح وحده مع اثباتكم لغيره ما ثبت له. وهم تاره يشبهون الأقنومين العلم والحياة التي يسمونها الكلمة وروح القدس بالضياء والحراره للشمس التي للشمس مع الشمس، ويشبهون ذلك بالحياة والنطق الذي للنفس مع كان الله والعياذ بالله، كان الله هو الشمس، كيف الشمس تعطيك حرارة؟
وضياء كذلك الله يعطيك ابن وروح قدس هيك بعضهم يشبه نعم. قال: فذلك صفة للشمس قائمة ب، وهذا تشبيه الفاسد، فإنهم إن أرادوا بالضياء والحرارة ما يقوم بذات الشمس فذلك صفة للشمس قائمة بها، لم تحل بغيرها ولم تتحد بغيرها، كما أن صفة النفس كذلك.
هذا إن قيل إن الشمس تقوم بها حرارة وإلا فهذا ممنوع، والمقصود هنا بيان فساد كلام بقياسهم. وإن أرادوا ما هو بائن عن الشمس قائم بغيرها كالشعاع القائم بالهواء والأرض والحرارة القائمة بذلك، كان هذا دليلاً على فساد قولهم الوجوه منها: أن هذه أعراض منفصلة بائنة عن الشمس قائمة بغيرها لا بها.
ونظير هذا ما يقوم بقلوب الأنبياء من العلم والحكمة والوحي الذي أنذروا به، وعلى هذا التقدير فليس في الناس شيء من اللاهوت وإنما فيه آثار. إذا قلنا إن هذا العلم يقوم في الأنبياء، فإذا هذا العلم لم يقم في ذات يعني هو ليس يقول لك إن هذه أعراض منفصلة هي إذا هي ليست قائمة في الشمس أنتجتها الشمس بس هي مش قائمة في الشمس.
فبالتالي نفس الشيء بده يكون الوحي الإلهي، الوحي الإلهي يقوم في الأنبياء وعلى هذا التقدير فليس في الناسوتي فشيء من صفات الله اتحد في الأنبياء، لأنه هنا أصبحت الصفة ليست قائمة في الله، الصفة أصبحت خارجية مثل الضوء الخارجي الذي تولده الشمس لكنه ليس قائماً فيها.
فنفس الشيء ستصبح هذه الامور ليست هي من ذات الله وحلت في الأنبياء، لا هي من البداية في الأنبياء ولكن الله خلقها وأوجدها كما أن الشمس تنتج الضياء وما شابه ذلك نعم. قال: وإنما فيه آثار حكمته وقدرته.
ومنها أن الحرارة والضوء القائمة بالهواء والجدران أعراض قائمة بغير الشمس، والكلمة وروح القدس عندهم هما جوهران. ومنها أن هذا ليس هو الشمس ولا صفة من صفات الشمس.
إذا الحرارة والضوء أعراض بس انتم في الأمانة عم تجعلوا الكلمه وروح القدس جواهر، فبالتالي أيضاً هذا مما يجعل المثال غير متطابق. الكلمة وروح القدس جواهر والحرارة والضوء أعراض، فكيف تجعلون أن الحرارة والضوء تشبه الكلمة وروح القدس؟ ما هذه جواهر وهذه أعراض في خلاف أخيراً.
قال: وإنما هو أثر حاصل في غير الشمس بسبب. ومنها أن هذا ليس هو الشمس ولا صفة من صفات الشمس، وأن اللي هو الضوء والحرارة ليست هي الشمس ولا صفة من صفات الشمس، وإنما هو أثر حاصل في غير الشمس تسببت به الشمس.
تمام، أثر حاصل في غير الشمس تسببت يعني الحرارة اللي أنا الله يعافينا من حرارة الأيام هذه، الحرارة اللي انت عم بتشوفها الآن على الجدران وعلى هالناس وعلى هكذا، هذه أمور سببتها الشمس، مش إنه صفة في الشمس وصارت في الجدران، مش صفة انتقلت أو من قائمة في الشمس لقائمة في الجدران، لا، هي أثر ولدته الشمس فيما حولها نعم.
قال: ومثل هذا لا ينكر قيامه بالأنبياء والصالحين، لكن ليس للمسيح عليه السلام لذلك اختصاص، كل الأنبياء فيهم روح القدس بهذا المعنى العام اللي هو الوحي والتأييد نعم.
قال: فما حل بالمسيح حل بغيره من المرسلين، وما لم يحل بغيره لم يحل به، فلا اختصاص له بأمر يوجب أن يكون إلهاً دون غيره من الرسل. ولا هنا اتحاد بين اللاهوت والناسوت، كما لم تتحد الشمس ولا صفاتها القائمة بها بالهواء والأرض التي حصل بها الإشعاع والحرارة.
نكتفي إن شاء الله بهذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل