دخولتسجيل الدخول

الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (8) | المجلس الثلاثون | برنامج تُراث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك. حياكم الله الإخوة الذين منحهم الله همة على طلب العلم النافع، والاستمرار في متابعة هذه القراءة وهذا التعلم المستمر.

أسأل الله عز وجل أن يبارك في أعمالنا وأوقاتنا، وأن ينجي المستضعفين من عباده في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجد لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية. ما زلنا نعيش في برنامج تراث، ومع تراث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، بالتحديد مع كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وتحديداً هذه المناقشات المستمرة من شيخ الإسلام ابن تيمية لما أورده بولس الأنطاكي على دين الإسلام من الإيرادات، وما حاول أن يحتج به، وشيخ الإسلام ابن تيمية كالعادة الإسهاب والتفصيل والمناقشة من كل الزوايا، ومحاولة حصر المجادل والمناظر في الزاوية، والاتيان على قوله من كل الجهات حتى يظهر فساد قوله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يفهمنا وأن يبصرنا، وأن يجعلنا من طلبة العلم الجديرين بحمل هذا العلم وفهمه ونقله إلى البشرية جمعاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلنا إلى قوله، وأما قولهم كيف يمكن تغيير كتبنا؟ والنقاش الدائر الآن حول قضية هل وقع التحريف في التوراة والإنجيل وهل تم التغيير فيها؟ وعلمنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنها من حيث المعاني قطعا حرفت، وأما من حيث الألفاظ فيرى أنها تعرضت لتحريف جزئي في ألفاظها وليس إلى تحريف كلي؛ هذا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية. لكن طبعا بولس الأنطاكي لن يقبل بنظرية التحريف وسيبقى يدافع عنها، وأتى بقضية أن الإنجيل كتب باثنين وسبعين لساناً، وأن هذه النسخ انتشرت في العالم، وهذا كما قال شيخ الإسلام هو أقرب أن يكون دليلا عليه إلى أن يكون دليلا له. وما زال النقاش مستمرا في هذه الجزئية فماذا قال؟

قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل واما قولهم كيف يمكن تغيير كتبنا التي هي مكتوبه ب اثنتين وسبعين لسانا وفي كل لسان منها كذا وكذا الف مصحف ومضى عليها الى مجيء محمد اكثر من 600 سنه؟

فيقال أما بعد انتشارها هذا الانتشار، فلم يقل المسلمون بل ولا طائفة معروفة منهم أن ألفاظ جميع كل نسخة في العالم غيرت، لكن الزعم بأن جميع الألفاظ غيرت هذا لم يقل به أحد. إنما يدعون تغيير بعض أكل الفاظها قبل المبعث أو تغيير بعض النسخ بعد المبعث، لا تغيير جميع النسخ قبل مبعث النبي عليه الصلاه والسلام أو بعد مبعثه حصل تغيير في بعض الألفاظ، هذا ما يقوله علماء الإسلام.

قال: لا تغيير جميع النسخ. فبعض الناس يقول إن ذلك التغيير وقع في أول الأمر، ويقول بعضهم إن منها ما غير بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقولون إنه غير كل نسخة في العالم بل يقولون غير بعض النسخ دون بعض، وظهر عند كثير من الناس النسخ المبدلة دون التي لم تبدل، والنسخ التي لم تبدل هي موجودة عند بعض الناس. ومعلوم أن هذا لا يمكن نفيه، فانه لا يمكن أحداً أن يعلم أن كل نسخة في العالم بكل لسان مطابق لفظها لسائر النسخ بسائر الألسنة إلا من أحاط علما بذلك، وهم قد سلموا أن أحدا لا يمكنه ذلك.

هل يمكن لأحد أن ينظر في كل نسخ الإنجيل في كل أصقاع الأرض؟ ما في أحد يستطيع أن يفعل ذلك، وأن يدعي أصلاً أنه قارن بين نسخ الإنجيل في كل العالم.

قالوا وأما من ذكر أن التغيير وقع في أول الأمر، هم يقولون إنما أخذت الاناجيل عن أربعة، اثنان منهم لم يرايا المسيح بل إنما رآه اثنان من نقلة الإنجيل متى ويوحنا، ومعلوم إمكان التغيير مثل ذلك. وأما قولهم أنها مكتوبة باثنين وسبعين لسانا، فمعلوم باتفاق النصارى أن المسيح لم يكن يتكلم إلا بالعبرية كسائر أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان مختونا ختن بعد السابع كما يختن بنو إسرائيل، وأنه كان يصلي إلى قبلتهم لم يكن يصلي إلى الشرق ولا أمر بالصلاة إلى الشرق. ومن قال أن لسانه كان سريانيا كما يظنه بعض الناس فهو غالط، فالكلام والنقول عنه في الاناجيل انما تكلم به عبرية ثم ترجم من تلك اللغة إلى غيرها، والترجمة يقع فيها الغلط كثيرا كما وجدنا في زماننا ما يترجم التوراة من العبرية إلى العربية ويظهر في الترجمة من الغلط ما يشهد به الحذاق الصادقون ممن يعرف اللغتين.

أي يظهر في الترجمة أخطاء ويعرف ذلك الحذاق.

قال: والنصارى يقولون إنما كتبت بأربع لغات بالعبرية والرومية واليونانية والسريانية. وأما قولهم أنها كتبت باثنين وسبعين لغة، فهذا إن كان صحيحا فانما كتبت بعد أن كتبت تلك الأربعة، فإذا كان الغلط وقع في مواضع من تلك الأربعة لم يرفعه بعد ذلك كتابتها باثنين وسبعين لغة؛ فإن المسلمين لا يقولون أنها كتبت باثنين وسبعين لغة تغير لفظه في جميع الألسن اثنين وسبعين لغة في كل نسخة من ذلك، وإنما يقال التغيير وقع قبل ذلك كما يقال في سائر ما يروونه.

قبل ما أصلاً تأتي فكرة الاثنين وسبعين لغة، طبعا هذا يقول إن سلمنا أصلاً أنه هي فإنه كتبت باثنين وسبعين لغة فنحن نقول إن التغيير وقع قبل أن تبدأ عملية النسخ لل اثنين وسبعين، من لما كانت أربع لغات كان هناك إشكاليات وتحريفات.

قالوا إنما يقال التغيير وقع قبل ذلك كما يقال في سائر ما يروونه عن المسيح وموسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه من الحديث، مثل سير ابن إسحاق وأحاديث السنن والمسانيد المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فان في العالم بكل كتاب منها نسخ كثيرة لا يمكن أن يغير منها فصل طويل، ولكن في السيرة وقع غلط في مواضع وأحاديث وقعت في السنن هي غلط في الأصل، فاشتهار النسخ بها بعد ذلك لا يمنع وقوع الغلط في الأصل. وهذه كتب التفسير والفقه والرقائق ما من كتاب إلا وبه نسخ كثيرة في العالم لا يمكن تغيير فصل طويل منها، وفيها أحاديث وغلط في الأصل، ولا نجل بأي غلط من الأصل.

يعني الغلط يقع أحيانا في الأصول ثم ينتشر بعد ذلك؛ هذا الغلط الذي وقع في نسخة أبي داوود نفسه، يعني الأصلية، نفرض وقع فيها خطأ ثم لما نسخ من نسخته الأصلية سيتوسع هذا الخطا وينتشر. فقضية وقوع الخطا في النسخ هذا ليس متعلق فقط بالتوراة والإنجيل، حتى بالكتب العربية والكتب المتعلقة بكتب السنة والأحاديث يمكن أن يقع الخطا، لكن بالمقارنة والمراد ووجودها بذات المحدثين وتعرف مثل هذه الأخطاء وتنتقد ويتم استخلاصها.

وأما القرآن فموضوع مختلف تماماً، لأن القرآن أيها الإخوه اعتمد فيه على الحفظ من أول ما نشا، كان الحفظ فيه متواتراً، بالتالي وجود أي خطا في أي نسخة مباشرة يظهر لا يحتاج إلى كبير جهد، بخلاف الأحاديث النبوية وما شابه ذلك انتشار انتشار الربا وظهور الوضع ويمكن أن تقع بعض الأحاديث في بعض النسخ، لكن القرآن اعتمد فيه على حفظ الصدر.

قال: والأناجيل التي بأيدي النصارى تشبه هذا، ولهذا أمروا أن يحكموا بما فيها، فإن فيها أحكام الله وعامه ما فيها من الأحكام لم يبدل لفظه، وإنما بدلت بعض ألفاظ الخبريات وبعض معاني الأُمريات، كما نؤمر نحن أن نعمل بأحاديث حديث الأحكام المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إذا هو يقول: إنما بدل بعض ألفاظ الخبريات وبعض معاني الأُمريات؛ يعني هيك بقول شيخ الإسلام. وهذه مرت معنا في الدرس الماضي أن ابن تيمية يرى أن اليهود والنصارى عموماً هم لم يحرفوا ألفاظ الأوامر والنواهي، وإنما حرفوا معانيها كما في حد الزنا وغيره، وإنما التحريف الواقع في التوراه والإنجيل كالفاظ إنما وقع في القصص والأخبار وليس في باب الأوامر والنواهي.

قال: فإن العلماء اعتناء بضبطها أكثر من عنايتهم بضبط الخبريات، كأحاديث الزهد والقصص والفضائل ونحو ذلك؛ إذ حاجة الأمم إلى معرفة الأمر والنهي أكثر من حاجتهم إلى معرفة تفاصيل الخبريات التي يكتفى بالإيمان المجمل في المجمل بها، وأما الأمر والنهي فلا بد من معرفته على وجه التفصيل، إذ العمل بالمأمور لا يكون إلا مفصلا، والمحظور الذي يجب اجتنابه لابد أن يميز بينه وبين غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115].

يعني هنا هذه جميلة الفكرة، يعني حيل ابن تيمية يفتح لك قوة أو شرفة معرفية كما يقولون على بعض الأمور، يعني يقول لك كذلك العلماء علماء الاسلام أي من الفقهاء والمحدثين كان جملة اهتمامهم بالنسبة حتى لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام لضبط الأحاديث اللي في الحلال والحرام، تجد هناك تشديد في هذا النوع من الأحاديث والتنقيح. قال: أما الأحاديث المنقولة عن النبي عليه الصلاة والسلام التي قد تكون في فضائل الأعمال، في الزهد، والرغائب، قد لا تجد من التحريف فيها والمبالغة في التحريف، خلينا نسميها، ما تجد في باب الأوامر والنواهي؛ حتى في السنة النبوية تجد هذا البعد.

قال: والنصارى لا يحتاجون عند أنفسهم إلى هذا، فإنه لا يجب عندهم أن يتمسكوا بشرع منقول عن المسيح عليه السلام، وعندهم لأكابرهم أن يشرعوا دينا لم يشرعه المسيح، ويقولون ما شرعه هؤلاء فقد شرعه المسيح، فلم يكن لهم عناية ولا معرفة بشرع المسيح كما للمسلمين عناية معرفة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم.

النصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، بالتالي هم لم يكونوا حتى حريصين على شرع المسيح، لم يكونوا حتى على الأوامر والنواهي التي يأتي بها المسيح، ما عندهم هذا الحرص لأنهم مستعدون أن يضعوا أي أحبر وأي راهب يضع لهم شراعة جديدة ويمشون معها، بخلاف أمة الإسلام فنحن لا نتعبد بكلام العلماء بحد ذاته، وإنما نتعبد بشرع محمد صلى الله عليه وسلم وحريصون على الوصول إلى نفس أوامره ونواهيه.

شيخنا ممكن يقال في موضوع الترجمة: اللغات عموما هي متفاوته في أساليبها، نفس اللسان في كل لغة أسلوبه مختلف عن الآخر، والمعاني قد لا تستطيع أن توصل المعنى المقصود من هذه الكلمه في اللغة الأخرى؛ هناك معاني غير المعنى المعجمي، في معاني دلالية ومعاني متراكمة في التاريخ، معاني سياقية ومعاني متعددة طبعا تؤثر. فالتراجم مئة بالمئة مع الوقت ستؤثر على المعنى، كلما كثرت الترجمة لشيء هذا قطعا أن يؤثر على معناه. حتى وأنت تقرا سبحان الله بعض الكتب العلمية المعرفية اليوم تكون مثلا كتبت بالإنجليزية وتقراها باللغة العربية بترجمتها، تجد أن المعنى غير واضح، وهذه ما في تقصد أو تعمد للتحريف، لكن مع ذلك من أمهري المترجمين تجد أن المعنى باللغة العربية ليس هو المعنى الذي قَصده الكاتب باللغة الإنجليزية، فهذا شيء متوقع جداً أن التراجم مع الوقت تؤثر على المعاني والدلالات. مر معنا حتى مثال على ذلك في قبل ذلك لما ابن تيمية انتقد نقل اللهم صل على محمد ابن سينا اعتقاد أرسطو في الأفلاك العشرة، وقال إن كل فلك خلق الذي بعده، وقال هو خطأ لم يقل خلق، لم يقل خلق، صحيح أنه علة.

وهذه أيضا ينقل قليلا كثير من المنطق الأرسطي والإغريقي الذي دخل إلى العربية لم يترجم بالترجمة الصحيحة كما قصده أرسطو في الأرغنون؛ هذه مشكلة.

قال: فصل واما التوراه فمن المعلوم عند المسلمين واليهود والنصارى أن بيت المقدس خرب الخراب الأول وجلى أهله منه وسبوا، ولم يكن هناك بالتوراة نسخ كثيرة ظاهرة، بل إنما أخذت عن نفر قليل كما يقولون أن عزيرا أملاها وأنهم وجدوا نسخه أخرى فقابلوها بها، والمقابلة تحصل باثنين وقد يغلط أحدهما.

هم يذكرون أن كل هذه عبارة عن مقابلة بين اثنين؛ يعني في أحسن أحوالها التوراة بعد التخريب أن عزيراً هو اللي بقي حافظاً لها، إن صح طبعا هذا السيناريو، هو عزير قالوا هو الذي أملاها بعد أن خرب بيت المقدس، ووجدوا نسخة أخرى في مكان فقابلوا بين رواية العزير والنسخة الأخرى، وهذا كله عبارة عن نسختين، يعني لا يمنع وجود الخطأ فيها. نحن هنا ما عدنا نعتمد على شيء محفوظ، أصبحنا نعتمد على شيء مكتوب، وبالتالي احتمالية الخطأ عالية.

قال: هم يذكرون أن من الملوك من أمر اثنين وسبعين حبراً منهم بنقلها، واعتبر بعض تلك النسخ ببعض، وهذا إن كان صدقا لا يمنع أن يكون الغلط وقع في بعض ألفاظها قبل ذلك، إلا أن يثبت أنها مأخوذة عن نبي معصوم، أو ما أقر جميع ألفاظها نبي معصوم؛ فما قاله المعصوم فهو حق، وما ثبت بالنقل المتواتر فهو حق. وهؤلاء القائلون إنه وقع التغيير في بعض ألفاظها في ذلك الزمان يقولون لم تؤخذ عن نبي معصوم ولا نقلت بالتواتر. ومن نازع من المسلمين وأهل الكتاب يقولون أخذت عن العزير وهو نبي معصوم، وهذا مما يحتاج المثبت فيه والنافي إلى تحقيقه وإذا قالت

النصارى فالمسيح عليه السلام أقرها، يعني إذا تحتاج إلى التحقيق هل فعلا ثبت علميا أنه أخذ شيء عن العزير ولا هذا مجرد القصة موجودة الله أعلم بمصداقيتها. نعم قال: وإذا قالت النصارى فالمسيح عليه السلام أقرها. قيل المسيح عليه السلام لم يمكنه أن يلزمهم بما أوجبه الله عليه من الإيمان به وطاعته، فكيف يمكنه أن يغير نسخ التوراة التي عندهم مع كثرتها، هم قد طلبوا قتله وصلبه لعجزه وضعفه وطلبوا شبيهه كما يقوله المسلمون، أو صلبوه نفسه كما يقوله النصارى، فكيف كان يمكنه أن يصلح ما غير منها؟

أما من بعد المسيح فليس معصوما. قضية أن المسيح عليه السلام هو أقر نسخ التوراة التي كانت موجودة في زمنه وقالوا لهم اه والله هذه التوراة صحيحة، فيقول المسيح أصلا لم يستطع أن يقنع بني إسرائيل اليهود أن يؤمنوا به، لم يمكنه أن يلزمهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان به وطاعته، فكيف أصلا كان يمكنه أن يغير نسخ التوراة التي عندهم مع كثرتها، وهم قد طلبوا قتله وصلبه لعجزه وضعفه وصلبوا شبيهه كما يقوله المسلمون أو صلبوه نفسه يعني كما يقوله النصارى، فكيف كان يمكنه أن يصلح ما غير منها؟

نعم، قال: وأما من بعد المسيح فليس معصوما. والمسيح غير بعض أحكامها وأقر أكثرها، والأحكام إنما يدع المسلمون فيها النسخ وتبديلها بالاعتقاد بخلاف موجبها والعمل بذلك أو بخلاف موجبها والعمل بذلك، لا يحتاجون إلى دعوة تبديل ألفاظها كما بدلوا شريعة الرجم بغيرها وهو مكتوب في التوراة، بخلاف الخبريات فإن هذه يقول أكثر المسلمين إن التغيير وقع في بعض ألفاظها.

وأما النبوات المنقولة عن الاثنين عن الاثنين وعشرين نبيا فهذه لا تعلم منها نبوة واحدة تواترت جميع ألفاظها، بل أحسن أحوالها أن تكون بمنزلة الإجيل، وهو بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم كسيرة ابن إسحاق أو بعض كتب المساند والسنن التي ينقل فيها ما ينقله الناقلون من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وأكثره صدق وبعضه غلط.

ولكن هذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فما في تفسير القرآن أو نقل الحديث أو تفسير من غلط، فإن الله يقيم له من الأمة من يبينه ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب، فإن هذه الأمة أمة لا تجتمع على ضلالة ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة إذ كانوا آخر أمم، فلا نبي بعد نبيهم ولا كتاب بعد كتابهم.

وكانت الأمم قبلهم إذا بدلوا وغيروا بعث الله نبيا يبين لهم ويأمرهم وينهاهم، ولم يكن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي وقد ضمن الله أنه يحفظ ما أنزله من الذكر، وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، بل أقام الله لهذه الأمة في كل عصر من يحفظ به دينه من أهل العلم والقرآن وينفي به تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

نعم، قال فصل: وأما من قال إنه غير بعض ألفاظ بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فهؤلاء يقولون إنه كان في التوراة، والا تعرف يعني كما علماء المسلمين منهم من قال إن التبديل في الألفاظ وقع قبل البعثة النبوية، والبعض للمسلمين قال إن التغيير في الألفاظ وقع بعد البعثة النبوية. طيب سواء هذا أو هذا، فهؤلاء أصحاب القول الثاني الذين يقولون إن العبث بألفاظ التوراة والإنجيل كان بعد البعثة فهؤلاء.

نعم، قال: فهؤلاء يقولون إنه كان في التوراة والإنجيل وغيرهما ألفاظ صريحة بامور منها اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه عمد بعض أهل الكتاب فغيروا بعض الألفاظ في النسخ التي كانت عندهم، لا يقولون أن هؤلاء يغيروا كل نسخة كانت على وجه الأرض، لكن غيروا بعض ألفاظ النسخ وكتب الناس من تلك النسخ المغيرة نسخا كثيرة انتشرت، فصار أكثر ما يوجد عند كثير من أهل الكتاب من تلك النسخ المغيرة وفي العالم نسخ أخرى تغير.

وذكر كثير من الناس أنه راها وقراها، وفي تلك النسخة ما ليس في النسخة الأخرى. ومما يدل على ذلك أنك في هذا الزمان إذا أخذت نسخ التوراة الموجودة عند اليهود والنصارى والسامرة وجدت بينهم اختلاف في مواضع متعددة، وكذلك نسخ الإجيل وكذلك نسخ الزبور مختلفتان اختلافا بينا بحيث لا يعلم العاقل أن جميع نسخ التوراة الموجودة متفقه على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الإنجيل متفقه على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الزبور متفقه على لفظ واحد فضلا عن سائر النبوات.

ومعلوم أنه لا يمكن أهل الكتاب إقامة حجة على أن جميع النسخ بجميع اللغات في زوايا الأرض متفقه على لفظ واحد في جميع ما هو موجود من جميع النبوات، والحجة التي احتج بها على تعذر تغييرها كلها تدل على تعذر العلم بتساويها كلها.

نعم، يعني كل ما احتج به على تعذر تغييرها كلها تدل على تعذر العلم بتساويها كلها، يعني هي كأنها هي حجة عليكم مش لكم تمام. لما يجوا يقولون ما هي كتبت باثنين وسبعين لغة وانتشرت، فكيف تقولون أصلا أنه حصل فيها تغيير وتبديل معقول حصل؟ نقول هذه الحجج التي احتججتم بها على تعذر تغييرها هي هذا الدليل هو نفسه يدل على ماذا؟ على أنكم لا تعلمون فعلا تساويها تمام.

وهذه يعني المغالطة اللي حكيناها ربما في صمام أمان اللي هو عدم علمك بالشيء لا يعني عدم وجوده. إذا أنا لا أعلم أنه حصل تغيير في الاثنين وسبعين لغة هل هذا يعني أنه لم يحصل؟ لا. عدم علمك بالشيء لا يعني أنه غير موجود، نعم أنت ما شفت الاثنين وسبعين بالتالي لا تستطيع أن تقول مثلا أنه حصل تحريف فيها جميعها، لكن عدم علمك عدم إحاطتك لا يعني أن هذا الشيء غير موجود فعلا. نعم، حتى الآن اسم النبي صلى الله عليه وسلم موجود في بعض النسخ اليونانية، نعم ولكن حرف في النسخ الباقية وهذا الذي يقول ابن تيمية.

نعم، حرف للمعزي والمخلص وأمور هكذا ولكنه حرف عن النظم، حرفت نفس الألفاظ. نعم، قال: فإذا قالوا فمن هو الذي تكلم باثنين وسبعين لسانا ومن هو الذي حكم على الدنيا كلها وملوكها وقساوسها وعلمائها حتى حكم على جميع من بأقطار الأرض وجمعها من أربع زوايا الأرض حتى يغيرها؟ قيل لهم: ومن الذي يعلم مصرين أنه أنتم تزعموا هيك، يعني هم الفكرة النصرانية أنه في إصرار أنه أنتم يا مسلمون تقولون أن جميع النسخ محرفه.

فهنا ماذا يقول بولس الأنطاكي: من هذا الذي حكم على الدنيا حكم حتى على ملوكها وقساوسها وحكم على جميع زوايا الأربع حتى يغير ويحرف الاثنين وسبعين لغة التي ترجمت لها الإنجيل؟ نرجع بنقول له يا بولس هو مين اللي قال إننا نقول إحنا إن كل النسخ هذه إجا واحد وحكم على كل الأرض وأمر بتحريفها كلها، نحن لم نزعم ذلك لماذا تقولنا شيئا نحن لم نقله؟ هو بده يقول لك أنك أنت تعتقد يا مسلم أن كل نسخ الإنجيل في العالم محرفة، يلا أعطيني أقنعني كيف جميع نسخ الإنجيل في العالم محرفة.

الإنجيل نسخ منهم اثنتان وسبعون لغة، والاثنتان وسبعون لغة من كل واحدة اعتبر في عندك خمسة آلاف نسخة، يلا أقنعني أنه في واحد جاء إلى الأرض وامر بتحريف كل هذه الملايين من النسخ؟ فنعود يا ابن تيمية بيحاول يقول له مين اللي قال نحن نقول إن هذه الملايين من النسخ حرفت، نحن نقول إن التحريف وقع في بعضها، هذا هو هذه هي الدعوة التي ندعي.

نعم، قال: قيل لهم ومن الذي يعلم اثنين وسبعين لغة؟ ومن هو الذي حكم على الدنيا ملوكها وقساوسها وعلمائها حتى حكم على جميع من بأقطار الأرض وجمعها من أربع زوايا الأرض، وأحضر كل نسخة موجودة في جميع الأرض وقابل كل نسخة موجودة في جميع الأرض بجميع النسخ، فوجد جميع ألفاظ جميع النسخ التي باثنين وسبعين لسانا من جميع أقطار الأرض لفظا متفقا لمختلف ألفاظها؟

إذا هو قال الموضوع عليه، هسا أنت بتحكي إن نحن بنحكي إن ملايين النسخ هذه اللي باثنين وسبعين لغة محرفة نحن بنحكي حكي هيك، بس أنا بدي أجي بالعكس عليك، هل تستطيع أنت أيضا حضرتك بولس الأنطاكي تزعم أن ملايين النسخ هذه في كل أصقاع متفقة في ألفاظها، كما أنك أنت بتقول هل أنتم جمعتموها حتى تزعموا أنها جميعا محرفة؟ وكلامك منطقيا صحيح، بس أنا بدي أقول لك من الجهة الأخرى أنت أيضا لم تجمع هذه النسخ التي تننسب إلى الاثنين وسبعين لغة فتثبت برضه في نفس الوقت أن جميعها متفق في الألفاظ.

نعم، قال: فينا دعوة والعلم بهذا ممتنع أعظم من امتناع دعوى تغييرها، فإنه إن أمكن، يعني إذا نحن يعني بدي أقول لك تنزلا تنزلا، إذا نحن أدعينا تغيير الاثنين وسبعين لغة لسه هذه أكثر منطقية من قولك إن الاثنين وسبعين لغة متفقة، إذا كان إحنا فعلا كما تقول نحن بنحكي كلياتها محرفة، فأيهما اشد امتناعا أن تكون كلها متفقة ولا أن تكون كلها محرفة؟ يقول: أن تكون كلها متفقة أشد امتناعا من أن تكون كلها مغيرة، كما إذا نحن بنحكي هيك فرضا يعني.

نعم، قال: فإنه إن أمكن أحدا أن يجمع جميع النسخ كانت قدرته على تغيير بعض ألفاظها كلها أيسر عليه من مقابلة كل ما في نسخة بجميع ما في سائر النسخ. طبعا لأنه أنت لما بدك تحكي إن كلها متفقه بدك تمسك نسخة نسخة من مشرق الأرض إلى مغربها وتصير تفليها كلمة وتقارن وتقارن، يعني عملية انك تجزم أنها كلها متفقة صعوبتها والتحديات التي ستواجهها أكثر من التحديات التي بها تكتشف أنها مغيرة.

نعم، قال: فإن إذا أكلمنا بكتاب من كتب عشر نسخ كان تغيير بعض ألفاظ العشرة أيسر علينا من مقابلة كل واحدة من العشرة بالتسعة الباقية. صحيح، إذا المقابلة يحتاج فيها إلى معرفة جميع ألفاظ كل نسخة ومساواتها الأخرى، وأما التغيير فيكتفى فيه أن يغير من كل نسخة ما يغيرها من الأخرى، فإن كان تغيير جميع النسخ ممتنعا في العادة فالعلم باتفاقها أشد امتناعا، وإن كان العلم باتفاقها ممكنا فإن تغيير بعض ألفاظها أيسر وأيسر، فبالتالي ما حدا يزود على حدا في طريقة الاستدلال.

نعم، قالوا: وأما قولهم إن قيل إنه غير بعضها وترك بعضها فهذا لا يمكن أن يكون لأنها كلها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن. فيقال أما إمكانها هذا فظاهر لا ينازع فيه عاقل. كيف تقول هذا لا يمكن أن يكون، لأن بولس الأنطاكي شو يقول؟ قال: وأما قوله إن قيل، كلام بولس: إن غير بعضها وترك بعضها فهذا لا يمكن أن يكون. ليش لا يمكن أن يكون من وين أتيت بهذه القدرة انك تجزم أن هذا لا يمكن أن يكون؟ قال: أما إمكان هذا فظاهر لا ينازع فيها، لا يمكن أن يحرف بعضها ويترك بعضها.

نعم، قال: هو واقع، هو واقع إذا الإمكان العقلي موجود والوقوع موجود. نعم، قال: فإنا قد راينا التوراة التي عند السامرة تخالف توراة اليهود والنصارى حتى في العشر الكلمات، فذكر السامرة فيها من أمر استقبال الطور ما لا يوجد في نسخ اليهود والنصارى، وكذلك بين نسخ اليهود والنصارى اختلاف معروف، ونسخ الإنجيل مختلفة ونسخ الزبور مختلفة اختلافا أكثر من ذلك.

وبكل حال فلا يقدر عاقل أن يقول يمتنع تغيير بعض النسخ، ولكن إذا قالوا لم يغير منها شيء أن جميعها قول واحد لفظ واحد في جميع الألسن كانت هذه الدعوة باطلة باطلة من وجهين، أحدهما أن دعوة العلم بتساوي جميع النسخ أبلغ من دعوة إمكان تغييرها، اللي هي نفس الفكرة اللي حكينا عنها قبل شوي.

نعم، قال: فإن كان التغيير ممتنعا على جميعها كان علم الوحيد بما في جميعها وأنها متماثلة الألفاظ مع اختلاف الألسن أولا بالامتناع، الثاني أن هذه دعوة خلاف الواقع، إن هذه دعوة خلاف الواقع فإن الاختلاف في نسخ التوراة والإنجيل والزبور موجود موجود قد رايناه نحن بأعيننا وراه غيرنا، فرأيت عدة نسخ بالزبور يخالف بعضها بعضا اختلافا كثيرا.

ورأينا بعض ألفاظ التوراة التي ينقلونها هذه الطائفة وهي مكتوبة عندهم يدعون أنها هي التوراة الصحيحة المنقولة عندهم بالتواتر تخالف بعض ألفاظ توراة الطائفة الأخرى، وكذلك وكذلك بالإنجيل، وبالجمله قولهم هذا لا يمكن أن يكون لأنها كلها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن تضمن شيئين تضمن دعوة كاذبة وحجة باطلة، فإن قولهم هذا لا يمكن مكابرة ظاهرة، فإنهم كان تغيير بعض النسخ مما لا ينازع عاقل في إمكانه.

لكن قد يقول القائل إذا غير بعض النسخ وأظهر ذلك وشاع ذلك فرأى سائر أهل النسخ تلك النسخة مغيره لنسختهم فأنكروه، فإن الهمم والدواعي متوفرة على إنكار ذلك كما يوجد اليوم مثل ذلك، لو أراد رجل أن يغير كتابا مشهورا عند الناس به عند الناس به نسخ متعدده، فإذا غيره فوصلت تلك النسخة إلى من يعرف ما في تلك النسخ أنكر ذلك.

فيقال: هذا يمكنه إذا كانت تلك النسخة المغيرة وصلت إلى طائفة يمتنع عليهم مواطاتهم على الكذب، فإنه كما يمتنع في الأخبار المتواترة التواطؤ على الكذب فيمتنع التواطؤ على كتمان ما يتعذر كتمانه في العادة، ومعلوم أنه لا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤ على تغيير بعض النسخ، والنسخ إنما هي موجودة موجودة عند علماء أهل الكتاب وليس عامتهم يحفظ ألفاظها كما يحفظ عوام المسلمين ألفاظ القرآن.

فإذا قصد طائفة منهم تغيير نسخة واحدة نسخة أو نسخة عندهم أمكن ذلك. ثم إذا

تواطؤوا طائفة أخرى على أن لا يذكروا ذلك، أمكن ذلك، ولكن إذا كانت الطوائف ممن لا يمكن تواطؤها على الكذب والكتمان، امتنع فيهم ذلك.

وكأنه يريد أن يقول إن نسخ التوراة أو نسخ الإنجيل هي ليست عامة في أيدي عوامهم، وإنما هي موجودة في أيدي علمائهم، وبالتالي العلماء قد يحرفوا نسخة من النسخ ويتواطؤوا على كتمان هذا التحريف وانتهينا. لكن لو كانت القضية أن هذه النسخ موجودة في أيد الجميع والعامة مثقفين فيها كثقافة العلماء؛ آه هنا نقول: نعم، بمجرد وقوع تبديل فيها، يعني اليوم لو وقع تبديل في أي نسخة في الأردن في القرآن، بتجد أنه مش قضية بس العلماء هم اللي رح يعرفوا إنه وقع هذه نسخة فيها خطأ، بتجي لنا عوام الشباب الملتزمين والمصلين والقارئين للقران مباشرة بيجي عندك الشيخ ترى هذه النسخه وسارت، أجا واحد بيقول لك: الشيخ ترى هذه النسخة اللي طبعت دار فلان للمصحف فيها مشكلة، حتى قد يكون عامة؛ لأنه طبيعة القرآن حفظه في الصدور وتداوله بين أيدي العامة، والحفظ الأممي له هائل جداً، بخلاف التوراة والإنجيل، فإن الإنجيل ما لا فيها حفظ أممي، ولا هي حتى كنسخ موجودة في جميع البيوت وما شابه ذلك، فامكانية أن تبدل كلمة منها ويتواطأ الذين بدلوها على كتمان هذا بينهم ولا يعرف ذلك في الأوساط العامة وتروج هذا سهل، طبيعة الإنجيل ليست كطبيعة القرآن.

نعم قال: وقد رأينا عند أهل الكتاب كتباً يدعون أنها عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم بخط علي بن أبي طالب فيها أمور تتعلق باغراضهم، وقد التبس أمرها على كثير من المسلمين، وعظموا ما فيها، وأعطوا أهل الكتاب ما كتب لهم فيها معتقدين أنهم ممتثلون ما فيها. فلما وصلت إلى من وصلت إليهم من علماء المسلمين بينوا كذبها بطرق معلومة بالتواتر؛ مثل ذكرهم فيها: شهد بما فيها كعب بن مالك، كعب بن مالك الحبر على النبي صلى الله عليه وسلم يعنون كعب الأحبار، وكعب الأحبار أساساً كعب الأحبار متى أسلم؟ أسلم بعد في عهد عمر بن الخطاب هو.

قال: وكعب الأحبار إنما أسلم على عهد عمر بن الخطاب لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه هو كعب بن ماتع، ولكن في الأنصارية كعب بن مالك الشاعر الذي أنزل الله توبته في سورة براءة، فظن هؤلاء الجهال أن هذا هو ذاك، ومثل ذكرهم شهادة سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، ذكروا شهادته عام خيبر، وقد اتفق أهل العلم أنه مات. سعد بن معاذ ماذا استشهد الله يرحمه وظبط الخندق؟

نعم قبل خيبر بثلاث سنين أو أربع سنين.

نعم قال: وقد اتفق أهل العلم أنه مات عقب غزوة الخندق قبل غزوة خيبر بمده، وأمثال ذلك. وأما حجتهم الداحضة فقولهم: إن جميع كتب النبوة التي في العالم من التوراة والإنجيل والزبور والنبوة موجودة باثنين وسبعين لساناً بلفظ واحد وقول واحد. هل يقول عاقل من العقلاء إنه علم ذلك وإنه علم أن كل نسخة من النبوة الأربعة بأحد الألسنة الاثنين وسبعين موافقة لكل نسخة في سائر الألسنة؟ ولو ادعى مدعٍ أن كل نسخة من التوراة في العالم باللسان العربي، أو كل نسخة من الإنجيل في العالم باللسان العربي، أو كل نسخة في العالم من الزبور باللسان العربي موافقة لجميع النسخ العربية الموجودة في زوايا العالم، لكان قد ادعى ما لا يعلمه ولا يمكنه علمه؛ فمن أين له ذلك؟ وهل رأى كل نسخة عربية بهذه الكتب أو أخبره من يعلم صدقه أن جميع النسخ العربية الموجودة في العالم موافقة لهذه النسخة؟ وكذلك إذا ادعى ذلك في اللسان اليوناني والسرياني والرومي والعبراني والهندي؛ فإن كان في العالم بكل كتاب من هذه باثنين وسبعين لساناً، فدعوى اتفاق نسخ كل لسان من جنس دعوى اتفاق النسخ العربية، فكيف إذا ادعى اتفاق النسخ بجميع الألسنة؟ وهب أنه يمكن أن يقال ذلك في نسخ لسان يقل أهله والناطقون به، فكيف يمكن دعواه في لسان كثر الناطقون به وانتشر أهله؟ وليس هذا كدعوة اتفاق مصاحف المسلمين بالقرآن؛ فإن القرآن لا يتوقف نقله على المصاحف.

نعم إذاً؛ لأنه هذه نقطة ممكن يغالط فيها. طيب إذاً نفس الشيء للقرآن عندكم: كيف تقولون إن كل نسخ القرآن في العالم متفقه؟ لماذا ما يكون بعض النسخ اللي في أوروبا أو شيء من القرآن وقع فيها شيء من التحريف؟ ما الفرق؟ فسيقول ابن تيمية.

قال: فإن القرآن لا يتوقف نقله على المصاحف، بل القرآن محفوظ في قلوب ألوف مؤلفة من المسلمين.

نعم هذه قضية أن القرآن محفوظ بقلوب مئات الآلاف، أما الإنجيل يعني لا ما بعرف إذا بكون أنا دقيقة قلت واحد يحفظها اليوم يعني أو اللي يحفظها اثنين ثلاثة أربعة خمسة في العالم كامل يعني.

قال: لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، فلو عدم كل مصحف في العالم لم يقدح ذلك في نقل لفظ من ألفاظ القرآن، بخلاف الكتب المتقدمة؛ فانه قل أن تجد من أهل الكتاب أحداً يحفظ كتاباً من هذه الكتب، فقل أن يوجد من اليهود من يحفظ التوراة، وأما النصارى فلا يوجد فيهم من يحفظ التوراة والإنجيل والزبور والنبوة كلها، فضلاً عن أن يحفظ باثنين وسبعين لساناً، وإن وجد ذلك فهو قليل لا يمتنع عليهم لا الكذب ولا الغلط. فتبين أن ما ذكروه من تشارك كتبهم بالألسنة المختلفة هو من أقوى الأمور في عدم العلم بتماثل ما فيها من الألفاظ، وأن القرآن إذا كان منقولاً بلغة واحدة وذلك لسان يحفظه خلق كثير من المسلمين، فكان ذلك مما يبين أن القرآن لا يمكن أحداً أن يغير شيئاً من ألفاظه، وإن أمكن تغيير بعض ألفاظ التوراه والإنجيل عند كثير من أهل الكتاب، والمسلمون لا يدعون في أنه غير جميع ألفاظ جميع النسخ بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كما ظن هؤلاء كما ظنه بهم هؤلاء الجهال، بل إنما ادعوا ما يسوغه العقل بل ويظهر دليل صدقه. ولكن هؤلاء الجهال، وهو أن التحريف وقع في بعض النسخ هذا الذي يسوغه العقل وظهر دليل صدقه وهو أن التحريف وقع في بعض النسخ، هذا الذي نقوله حتى لا يقولنا النصارى شيئاً نحن لم نقله، نحن لم نقول إن كل النسخ في كل العالم وقع فيها تبديل في الألفاظ.

نعم.

قال: ولكن هؤلاء الجهال ادعوا العلم بأن جميع النسخ بجميع الألسنة التي بجميع الكتب بلفظ واحد، فادعوا ما لا يمكن أحد أن يعلمه، وادعوا ما يعلم بطلانه.

قال فصل: وقد ظهر الجواب عن قولهم: فمن هو الذي يتكلم باثنين وسبعين لساناً؟ أو من هو الذي حكم على الدنيا جميعها ملوكها وقساوستها وعلمائها حتى حكم على جميعها من أربع زوايا العالم حتى غيرها؟ وإن كان مما أمكنه جمعها لا. حتى حكم على جميعها يعني حتى حك نفس الحجة اللي حتى حكم على جميع النسخ التي في أربع زوايا العالم أنها مغيرة.

قال: وإن كان مما أمكنه جمعها كلها ولكن بعضها فهذا مما لا يمكن إذ جميعها قول واحد ونصف واحد واعتقاد واحد. وقد ظهر الجواب عن ذلك من وجوه؛ أحدها: أن لم ندعي تغييرها بعد أن صارت بهذه الألسن وانتشرت بها النسخ، بل لا ندعي التغيير بعد انتشار النسخ فيما ليس من كتب الأنبياء؛ مثل كتب النحو والطب والحساب والأحاديث والسنن منقولة عن الأنبياء، مما نقل في الأصل نقل آحاد ثم صارت النسخ به كثيرة منتشرة، فإن أحداً لا يدعي أنه بعد انتشار النسخ بكتاب في مشارق الأرض ومغاربها حكم إنسان على جميع المعمورة وجمع النسخ به وغيرها. أنتم فاهمين؟ أنتم فاهمين وين المشكلة؟ هو أنه هم عم بتخيل النصارى إنه المسلمين شو بحكوا؟ إنه هيك المسلمين بحكوا إنه هناك نسخ نسخت بالآلاف، وبعد ما صارت بالآلاف بدأ التحريف يدخل فيها، هم بقولوا هذا مش منطقي يعني أنت لما تصير النسخ بالآلاف في مشارق الأرض والشمال والجنوب بعدين صار التحريف فيها نحن لا نقول هذا، نحن نقول التحريف أما أنه كان من حيث من الأصول أصلاً بعدين لما نسخت الأصول نشرت وانتشر معها التحريف، أو السيناريو الآخر أنه التحريف وقع في بعض النسخ اللي في بعض العالم، يعني هذا هو المعقول، فهم يحاولون أن يخرجوا علينا سم جمعة أنكم تقولون يا أيها المسلمون كلام غير منطقي وغير معقول، يعني تخيل مثلاً صحيح البخاري النسخة الأصلية منه صحيحة بدنا نفرض هيك ونسخ منه أو طبع منه مثلاً مليون نسخة وانتشرت في العالم، هل ممكن شخص يقول إنه المليون نسخة اللي صارت في أيدينا هذول الناس كلها تغيرت بعد ما وصلت أيديهم؟

صعب أنك تقول إنه المليون نسخة كلها تم تغيير فيها، هو احتمالين يا إما الخطأ في النسخة الأصلية فلما نسخت المليون انتشر الخطأ فيها هذا معقول عقلياً، أو إذا بدو يقع تحريف بدو يقع تحريف في بعض النسخ اللي مثلاً في الأردن أو في مصر أو كذا أو في أوروبا، ما راح يكون في المليون نسخة وهذا ما نقوله بالضبط فيما يتعلق بالإنجيل.

نعم.

قال: ولا دعا أحد مثل ذلك في التوراة والإنجيل، وإنما ادعى ذلك فيها لما كانت النسخ قليلة؛ أما نسختان، وأما اثنتان، وأما أربعة ونحو ذلك قبل أن تتوزع وتسير في المني.

نعم.

قال: أو ادعى تغيير بعض ألفاظ النسخ، فإن بعض النسخ يمكن تغييرها وتغير هذه دعوانا، هذه هي خلاصة ما يقوله أهل الإسلام.

نعم.

قال: نسخ التوراة والإنجيل والزبور موجودة اليوم أو في بعضها اختلاف، لكنه اختلاف قليل، والغالب وعليه اتفاق، وذلك يظهر بالوجه الثاني؛ أن قولهم إن جميعها قول واحد ونص واحد واعتقاد واحد ليس كما قالوه، بل نسخ التوراة مختلفة في مواضع، وبين توراة اليهود والنصارى والسامريات اختلاف، وبين نسخ الزبور اختلاف أكثر من ذلك، وكذلك بين الاناجيل، فكيف بنسخ النبوات؟ وقد رايت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوه محمد صلى الله عليه وسلم باسمه، ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر فيها ذلك، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في الأخرى. فالوجه الثالث: أن التبديل في التفسير أمر لا ريب فيه، وبه أما التبديل أما التبديل في المعاني؛ يعني قضية أن التحريف وقع في المعاني وليس في الألفاظ، فهذا ما يحصل به المقصود، يعني لو بدنا نسلم جدلاً أنه حتى في تغيير في الألفاظ، فتلاعبكم بمعاني التوراة والإنجيل هذا وقع فيه شيء كبير لا ينكره عاقل مطلع.

نعم.

قال: فإن نعلم قطعاً أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم كان موجوداً في زمنه من التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. ولا ريب أنتم كان اسمه عندكم موجود كلفظ في التوراة والإنجيل، وأنتم حرفتم هذا المعنى ورفضتم الإقرار به.

نعم.

قال: لا ريب أن نسخ التوراة والإنجيل على عهده كانت كثيرة منتشرة في مشارق أرض ومغاربها، فلا بد من أحد أمرين؛ أما أن يكون غير اللفظ من بعض النسخ فانتشرت عشرة النسخ المغيرة، وأما أن يكون ذكره في جميع النسخ كما استخرجه كثير من العلماء ممن كان من أحبار اليهود والنصارى، وممن لم يكن من أحبارهم، استخرجوا ذكره والبشارة به في مواضع كثيرة متعددة من التوراة والإنجيل ونبوات الأنبياء، كما هو مبسوط في موضع آخر، لكنهم كانوا يكتمون لكنهم كانوا يكتمون ما في كتبهم خاصة كما قلنا أن التوراة والإنجيل وهذه الكتب ما كان يطلع عليها العامة، وإنما كانت عادة في أيدي الأحبار والرهبان.

قال: ومن قال إن ذكره موجود فيها أكثر من هذا وأصلح ببعض النسخ، لا يمكن هؤلاء دفعه بأن لا يمكن لا يمكن هؤلاء دفعه بأن يقولوا: قد اطلعنا على كل نسخة بالتوراة والإنجيل في مشارق الأرض ومغاربها فوجدناها على لفظ واحد؛ فإن هذا لا يقوله إلا كذاب؛ فانه لا يمكن بشراً أن يطلع على كل نسخة في مشارق أرض ومغاربها، كما لا يمكنه أن يغير كل نسخة في مشارق أرض ومغاربها. فلو لم يعلم اختلاف النسخ لم يمكنه الجزم باتفاقها في اللفظ، فكيف وقد ذكر الناس المطلعون عليها من اختلاف النص من اختلاف لفظها ما تبين به كذب من ادعى اتفاقها اتفاق لفظها؟ وكيف يمكن اتفاق لفظها وهي بلغات مختلفة؟

فصل قالوا: ثم وجدنا في هذا الكتاب ما هو أعظم من هذا برهاناً. خلص الآن انتهينا من قضية التحريف النسخ نعود إلى قضية أخرى.

قال: مثل قوله في سورة الشورى: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيُمُكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15]. واما لغير أهل الكتاب يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 1-3] السورة كلها.

نعم جواب معطون الشبهة ما هي؟ يقولون إن خطاب الله سبحانه وتعالى مع أهل الكتاب يختلف مع عن خطابه مع المشركين من كفار مكة، بالنسبة لخطابه للمشركين من كفار مكة ايش قال؟ ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ البراءة. وأما بالنسبة لعلاقتنا بأهل الكتاب ماذا قال؟ ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب﴾. فهمتم أن هو ايش شبه وارث الانطاكي؟ أنه أنت بالنسبة لعلاقتك مع اليهود والنصارى ربنا شو أمرك في القرآن؟ أن تؤمن بجميع هذه الأديان.

وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب. وأما علاقتك مع الوثنيين فقال لك إيش؟ قل لهم: لا أعبد ما تعبدون. إذن، علاقتك مع اليهود والنصارى شيء، أو مع النصارى بالنسبة لأبو لطك وعلاقتك مع الوثنيين شيء آخر، فما هذه؟ كيف سنجيب عن هذا ونجمع بين الآيتين؟

قال: والجواب، أما قوله: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأُعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]، فهذه الآية مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مَّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأُعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: 13-15].

فقد أخبر أنه شرع لنا من الدين ما وصى به نوح وإراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53].

ثم أخبر عن تفرق الذين أوتوا الكتاب كتفرق اليهود والنصارى، وتفرق فرق اليهود وفرق النصارى كالنسطورية واليعقوبية والملكانية. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: 14]. وهكذا توجد عامة اليهود والنصارى في شك من ذلك مريب.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: 110].

وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا تِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 157-158].

كما قال تعالى: فلذلك فادع إلى الدين الذي شرعه الله لنا، واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم. هذا يتناول أهواء أهل الكتاب كما يتناول أهواء المشركين. وقد صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].

وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145].

كما صرح بالنهي عن اتباع أهواء المشركين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 150].

وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ حق، فإن الله آمره وجميع الخلق أن يؤمنوا بجميع ما أنزل الله. فنحن مأمورون أن نؤمن بأن الله أنزل التوراة والإنجيل، احنا ما عندنا مشكلة في هذا نعم.

قال: وكذلك قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأُعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فإن الله آمره أن يعدل بين جميع الخلق. وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، هذه براءة منه لمن يخاطب بذلك من المشركين وأهل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 41].

ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139].

وكذلك قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6].

فإن هذه الكلمة كقوله: لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون. وهي كلمة توجب براءته من عملهم وبراءتهم من عمله. فإن حرف اللام في لغة العرب يدل على الاختصاص، فقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يدل على أنكم مختصون بدينكم لا أشرككم فيه، وأنا مختص بديني لا تشركوني فيه. كما قال: لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في سورة قل يا أيها الكافرون: هي براءة من الشرك. وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين ولا أهل الكتاب كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين وجعلوها منسوخة، بل فيها براءته من دينهم وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم.

وليس في هذه الآية لكم دينكم ولي دين أنه رضي بدين المشركين. صحيح اليوم يعني جماعة الديانة الابراهيمية لما بيجوا يقول لك يعني سماحة الدين الإسلامي، شو بقول لك؟ يا أخي، النبي عليه الصلاة والسلام ربنا مش قال لكم لكم دينكم ولي دين؟ يعني كل واحد حر في دينه، ونحن نتعامل مع جميع الأديان باحترام، أنت اعبد الله بالطريقة اللي بدك اياها وأنا أعبد الله بالطريقة اللي بدي اياها. هيك معنى لكم دينكم ولي دين، أنه كل واحد يعبد ربنا بالطريقة اللي شايفها، وكل الناس خير وبركه.

فيقول شيخ الإسلام: وليس في هذه الآية لكم دينكم ولي دين ما يدل على أنه رضي بدين المشركين، هذا كذب وافتراء فهم الآية بهذه الطريقة أنه رضي بدين المشركين ولا أهل الكتاب كما يظنه بعض الملحدين -مش عارف سماه هذا الحا- ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين، أنه برضه هذه الآية لكم دينكم ولي دين تدل على أن سماحة الإسلام نحن ما بنجاهد وما بنقاتل، وأنه كل واحد في طريقه بدون ما أحد يتعرض للطرف الآخر. فنقول هذا كله كذب تمام.

قال: كما ظنه بعض الغالطين، طبعا ولا أنه نهى عن جهاده كما ظنه بعض الغالطين. طبعا بعض العلماء يقول الآية لكم دينكم ولي دين تدل على عدم الجهاد في أول الاسلام، ثم نسخت بعد ذلك بآية السيف. شيخ الإسلام يقول: لا، حتى هذا الفهم وإن كان على الرأس والعين من بعض العس، غلط أن هذه الآية لا تدل على أنه لا تجاهدوهم الآن، فهذا معنى لكم دينكم ولي دين ثم نسخت بآية السيف. لا، هي مش منسوخه، هي واقفة قائمة إلى قيام الساعة، لأن المراد منها المفاصلة الدينية وليست دلالة على عدم الجهاد نعم.

قال: وهذا منسد بهذه السورة الباطل، لا يكفر الباطل، لا يأخذ بأولين. هل يقول لهم يا أيها الكافرون؟ هل يسميهم كافرين؟ آه، هذه قضية ثانية، قضية أنه هو أصلاً هل يرتضي أن يسميهم بكفرة؟ نعم.

قال: وهذا أمر محكم لا يقبل نسخ، ولم يرضَ الرسول بدين المشركين ولا أهل الكتاب طرفة عين قط. ومن زعم أنه رضي بدين الكفار واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، فظن هذا الملحد أن قوله: لكم دينكم ولي دين معناه أنه رضي بدين الكفار، ثم قال: هذه الآية منسوخة، فيكون قد رضي بدين الكفار. هذا من أبين الكذب والافتراء على محمد صلى الله عليه وسلم، فانه لم يرضَ قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله وانزل به كتبه، ما رضي قط الكفار من المشركين ولا من أهل الكتاب.

وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ لا يدل على رضاه بدينهم، بل ولا على إقرارهم عليه، بل يدل على براءتهم دينهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه السورة براءة من الشرك. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 41].

وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأُعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: 15].

قد يظن بعض الناس أيضاً أن قوله لكم دينكم ولي دين الآية، أني لا آمر بالقتال ولا أنهى عنه ولا أتعرض له بنفي ولا إثبات، وإنما فيها أن دينكم أنتم مختصون به وأنا بريء منه، وديني لي وأنا مختص به وأنتم براء منه. وهذا أمر محكم لا يمكن أن نسخه بحال.

كما قال تعالى في عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 26-27]. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُوقِهِ﴾ [الإسراء: 13] وهو ما طار عنه من خير وشر. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. وقال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]. وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7].

بل قد قال تعالى لنبيه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: 215-216]. فإذا كان قد برأه الله من معصية من عصاه من اتباع المؤمنين، فكيف لا يبرئه من كفر الكافرين الذين هم أشد له معصية ومخالفة؟!

فالمراد إذاً أن هذا الأسلوب القراني لكم دينكم ولي دين هو أسلوب مفاصله. المراد منه المفاصله والمباينه في المنهج والسلوك، وليس ما يفهمه البعض أنه أعطاء المساحة للطرف الآخر يعتقد ما يشاء، أو أنني خلاص أتعايش معكم والتعايش السلمي. كل هذه المعاني التي يمكن أن يحرف فيها البعض معاني هذه الآية هي كلها غير صحيحه وليست مقصودة طيب.

قال: فصلاً، وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، فهو أمر بالقول لجميع الكافرين من المشركين وأهل الكتاب، فإن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بما أنزل إليه من ربه كافرون، قد شهد عليهم بالكفر وأمر بجهادهم وكفر من لم يجعلهم كافرين ويوجب جهادهم. قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1].

نعم، فالسؤال الآن في سورة الكافرون: قل يا أيها الكافرون، هل أهل الكتاب يدخلون تحت مفهوم الكافرون؟ هم داخلون يقولون نعم، لأنه بولس الأنطاكي هو بيحاول يقول هذه الآية لأهل مكة مش خاصة فينا أو ليس لها علاقة بنا، فيقول إن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هم أيضاً كافرون ويدخلون تحت عموم هذه الآية. نعم بدليل قوله تعالى نعم.

قال: وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]. وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] كفر سماهم كفر نعم.

قال: وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] أمر بقتالهم نعم.

قال: وحرف من في مثل هذه المواضع لبيان الجنس. فتبين ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب. من هنا هي لبيان الجنس تمام، هذه من التي في الآية السابقة نعم.

قال: فتبين جنس المتقدم، من هم الذين لم يدينوا دين الحق؟ من الذين أوتوا الكتاب نعم.

قال: وإن كان ما قبلها يدخل في جميع الجنس الذي بعدها، بخلاف ما إذا كانت التوحيد، قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، فانه يدخل في الذين كفروا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم جميع المشركين وأهل الكتاب. وكذلك دخل في الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم رسوله ولا يدينون دين الحق جميع أهل الكتاب الذين بلغتهم دعوته ولم يؤمن به. وكذلك قوله: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم. وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم، لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون كما يقول هنا: رجل من بني عبد المطلب وإن لم يكن بقي منهم غيره ووصفهم بالشرك وبأنهم يعبدون غير الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].

فإذاً أيضاً النصارى وصفوا بأنهم مشركون. فكلمة المشركون وهذه مهم ننتبه، لأنه البعض نازع فيها: النصارى مشركون والنصارى كفار. فكلمة كافر ومشرك القرآن باسلوب أنزلها على النصارى وعلى اليهود كما أنزلها على الوثنية. تفضل يعني شيخ الإسلام أنه لم يكن لدي كبر من أهل الكتاب والمشركين من التبعيض لم يكن الذين كفروا نعم، فانه يدخل في

الذين كفروا بعد ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جميع المشركين قبل وأهل الكتاب، طيب شو المشكلة؟ قبل، قال: ما كان التغيير كق، قول؛ لأن هنا «الذين كفروا» تشمل أجناس كثيرة منهم، أي أهل الكتاب والمشركين الذين كانوا في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في هنا كفار بعد مبعث النبي عليه، بعد حياته وبعد وبعد، فمن الذين كانوا؟ كأنه يقول: إن هنا لم يكن الذين كفروا، وكلامي هنا كان الله يقول عن الذين هم كفار الآن لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة، فهو يخبر، يعني في على الأقل في باب ابن تيمية، لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فإنه يدخل في الذين كفروا، فإنه يدخل في الذين كفروا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جميع المشركين وجميع أهل الكتاب تمام، حتى أنت إذا رجعنا قال: وإن كان وحرف من في مثل هذه المواضع لبيان الجنس، فتبين جنس المتقدم، لما علق على آية: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: وإن كان ما قبلها يدخل في جميع الجنس الذي بعدها، إيش يعني وإن كان ما قبلها يدخل في جميع الجنس الذي بعدها؟

يعني لا يدينون دين الحق كلهم، يدخلون في ماذا؟ يعتبر من الذين أوتوا الكتاب، يعني ولا يدينون دين الحق منها، هنا أراد أن يبين الجنس من الذين أوتوا الكتاب، وإن كان ما قبلها يدخل في جميع الجنس الذي بعدها، بعد من، أن هي من لبيان إيش؟ الجنس بشكل اسمها من لبيان الجنس، فما قبلها سيدخل في جميع ما بعدها، طب اللي هو الجنس المذكور بعدها قال: بخلاف ما إذا كانت للتبعيض كقوله تعالى، كقوله نعم، عارضها كلام جعل: لم يكن الذين كفروا.

في حد عنده في نسخة، وكقوله تعالى شيخ ناس شعر أنه كقوله رجع على الآية حتى بعدها قال: وكذلك دخل في الذين لا يؤمنون بالله، جميع أهل الكتاب.

أنا هنا كلمة ربما هي وكقوله نعم عشان هيك أشك، لا أنا أشعر أنها مش، لا قال: بخلاف ما إذا كانت للتبعيض أو هذا تعليق، هذا اعت، يعني مستطرد فقط، يعني بخلاف ما كانت للتبعيض، بعدين رجع لأصل الفكرة لما قال: وكقوله، ممكن حتى هي تكون: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فإنه يدخل في الذين كفروا هنا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم جميع المشركين يعني وجميع أهل الكتاب، فأنا أعتقد لا أن هذه ليست راجعة للتبعيض، لا، يعني إما أن تضيف الواو «وكقوله تعالى» أو «كقوله تعالى» هي تعليق أيضا على مثال آخر على من التي للجنس، مثال آخر على من التي للجنس، الله أعلم، نعم.

شيخ؟ نعم. يعني مش ممكن يعني أنق الآية الثانية من ذكر بعدها صنفان؟ حتى لو ذكر بعدها صنفان، بس هو أنت شوف التعليق التي بعدها، وأنت الآن أنا السياق هو اللي بيحكمنا، قال: فإنه يدخل في الذين كفروا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم جميع المشركين وجميع أهل الكتاب، فهو بده يقول لك إنه هذه مش للتبعيض، ليس المراد لم يكن الذين كفروا من، يعني بعض أهل، لا، فإنه يدخل في الذين كفروا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم جميع هؤلاء وجميع هؤلاء، فهي هنا المراد منها بيان الجنس من الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فالذين كفروا ها الذين كفروا من هم؟ أهل الكتاب والمشركين، ومن هنا أصلاً استدل على أن أهل الكتاب يطلق عليهم أنهم كفار، وشو النقاش أصلا؟ هل الكتاب يسمون كفار؟ أن الله سبحانه وتعالى لما أراد بيان جنس الكفار، لما أراد بيان جنس الكفار جعلهم أهل الكتاب والوثنيين، فإذا أهل الكتاب هم كفار.

نعم، قال: وكذلك دخل في الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق جميع أهل الكتاب الذين بلغتهم دعوته ولم ين، وكذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا إذا كان الجنس يتناول مذكورين وغيرهم، لكن لم يبق في الجنس إلا مذكورون، كما يقول هنا: رجل من بني عبد المطلب وإن لم يكن بقي منهم غيره، ووصفهم ووصفهم بالشرك وبأنهم يعبدون غير الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فأخبر فأخبر أنهم اتخذوا من دون الله أرباباً واتخذ المسيح رباً، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، وهؤلاء باتخاذهم غيره أرباباً عبدوهم فأشركوا بالله سبحانه وتعالى عما يشركون.

وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِندُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّمِينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ قد أخبر أيضاً أنه من اتخذ اخذ ملائكته والنبي أربا فهو كافر.

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قد وبخ أهل التثليث على أنهم يعبدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، والله هو السميع العليم، فدخل في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ نعم.

كما دخل في ذلك غيرهم الكفار لاسيما وقد دخل في ذلك اليهود، هم أولى بالدخول من غيرهم، فإن قوله: ما تعبدون يتناول صفات المعبود والإله الذي يعبدون، والذي يعبده المؤمنون هو الإله الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن وأرسل موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، والإله المتصف بهذه الصفات لا يعبده اليهود والنصارى، هذا كقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهذا الإله الذي يعبده محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وليس هو إله المشركين الذي يعبدونه، وإن كان هو المستحق لأن يعبدوه، فإنهم يشركون بعبادته ويصفونه بما هو بريء منه، فلا يخلصون له الدين، فلا يخلصون له الدين، فاعبدوا معه آلهة أخرى إن إلا إن لم يستكبروا عن عبادته وإله العبد الذي يعبده بالفعل ليس حاله معه كحاله مع الذي يستحق أن يعبده وهو لا يعبده، بل يشرك به أو يستكبر عن عبادته، فهذا هو الذي قال فيه: لا أعبد ما تعبدون، والشرك غالب على النصارى، والكبر غائب على اليهود.

قال فصل: أما قوله تعالى، لا حجة بين، لا حجة بيننا وبين، بس دقيقه بالله، أنا عم برجع لقوله تعالى، برجع على منها هي التي للجنس، لما كان يعلق على قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ إيش قال عليه علق عليها؟ بس نرجع لهذه الآية، قال: وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، صح مش هو يقول هكذا؟ وكذلك ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم، لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون، كما تقول هنا: رجل من بني عبد المطلب وإن لم يكن بقي منهم هم غيره، هسه هي وإن ولا أن بدون الواو؟ فهمتم الآن السؤال عندي؟ تفضل.

ممكن لا وين هو، وقصده أنه هو وعد الله الذين آمنوا عمل الصالحات منهم مغفرته أجر عظيمة، يقول ممكن يستدل مستدل يقول: الله عز وجل قال إنه سياتي سيؤتي من هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أجراً عظيماً ولكن لم ينفي عن غيرهم، هو قال منهم بس، يعني قال سيؤتي منهم، أنا في غيرهم ولكن سأؤتي هؤلاء، يعني هناك غيرهم آمن وعمل الصالحات ولكن سأؤتي هؤلاء مغفرة أجراً عظيماً، فيقول ابن تيمية: لا، هذا مش استدلال، أنه قد يقول، يعني قد يقول منهم في جنس معين، يعني هو في اللفظ يحتمل غيرهم ولكن أفراد هذا الجنس محصورون فيهم، كما تقول هنا رجل من بني عبد المطلب.

نعم، هنا من هنا رجل من بني عبد المطلب، يعني في اللفظ هناك بني عبد المطلب غيره، ولكن هو في الجنس لا يوجد غيره في الخارج، في الواقع، قصدك هو من حيث الواقع، لكن هو هذا السؤال هو إيش يقول؟ يعني هل هو ابن تيمية يتكلم أن طبيعة هذا الاستعمال لا يكون إلا إذا لم يبق إلا جزء فقط من هذا، فهمت شو فكرة؟ الفكرة هسه كلامك صحيح أن الأصل أن الجنس يشمل من هو موجود الآن ومن هو غير موجود، أن الجنس يشمل أن هو موجود الآن ومن هو غير موجود، لكن هذا الاستعمال، هذا الاستعمال إذا قال: وعد الله الذين آمنوا عملوا الصالحات منهم، هم هنا هل الجنس يصدق فقط على الموجودين؟ لأن يقول: وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين في الآية.

الآن هذه الآية إيش تتكلم عن؟ كانت عن الصحابة الكرام محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام والذين معه أشداء الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً، الآن ماذا ختم الله سبحانه وتعالى هذه الآية؟ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم (يعني من الصحابة) مغفرة وأجراً عظيماً.

الآن وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات (يعني جميع الصحابة جميعهم)، الضمير فيهم تعود على منا، جميع الصحابة في الظاهر، وإن كان جميع الصحابة آمنوا وعملوا الصالحات، لكن لماذا قال منهم؟ يعني وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم، إذا هنا كأنه يقول طبعاً وإن كان جميعهم إذا هو يقول: أن من هنا ليست للتعيين وإنما هي لبيان الجنس؛ لأنه هل وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من بعض الصحابة؟ لا، هو يقصد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من جنس الصحابة، فهي من هنا لبي بيان الجنس، فإذا هي قضية تأكيد أن من هنا لبيان الجنس، لذلك قال: وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات.

طب وهذا أي وهذا الذي يظل هذا الاستعمال إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم، لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون، ما معنى هذه العبارة؟

أها، كان يقول إنه في وقت نزول الآية لم يال آمن وصالحة إلا صح، إلا هذا الجنس، طيب، فإذا، إذا يقول: هذا الاستعمال، يعني وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون.

الآن هنا يعني هو يقول: هذا الجنس، ما معنى يتناول المذكورين وغيرهم في هذا السياق، من من هو غيرهم؟ أنا بتصور ممكن هذا مثلاً.

نعم، تصور ممكن هذا يكون استدلال نصراني يعني، الرجل لك أن الله عز وجل قال إن هناك غير الصحابة آمنوا وعملوا الصالحات، فمن تدل على أن رجل سيؤتي هؤلاء أجراً عظيماً ولكن لا يدل على أن غيرهم لم يؤمنوا ولم يعملوا صالحات.

الآن ما هو الجنس المراد هنا؟ آمن عمل الصالحات، الذين آمنوا عملوا الصالحات.

لا سم الجنس هو الذي يقع بعد من مش قبل من، يعني الآن الذين كفروا ما جنسهم؟ من أهل الكتاب، فالجنس الذي ستفسر من هو الذي يقع بعدها مش الذي يقع قبلها أم الجنس هو الذي يقع قبل؟

نعم، الصحابة هذا هو التحليل أننا الآن وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم لكن لم يبق في الجنس ها، لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون، كما تقول مثلاً هو المثال الذي قال هنا رجل، أه ما جنسه؟ من بني عبد المطلب وإن لم يكن بقي من بني عبد المطلب كلهم إلا إيش؟ رجل واحد في الواقع، يعني الجنس يبقى جنساً ولن يوجد منه في الخارج إلا نموذج واحد، هي بدنا نتفق عليها، الجنس يبقى جنساً، يعني كيف يقولون: الشمس جنس، جنس، صح اسم جنس، كم منها في الخارج؟ نموذج واحد، تمام، فيقول: كما تقول هنا رجل من بني عبد المطلب وإن لم يكن بقي منهم غيره، يعني مع أنه أصلاً فعلياً ما في، يعني ما بتقول هنا رجل من بني عبد المطلب على أساس أنه في واحد في مكان تاني من بني عبد المطلب، لا، هو المراد قال: هنا رجل بني عبد المطلب، ففسرته بالجنس وبينت جنسه، وإن كان أصلاً ما في من بني عبد المطلب إلا هذا الرجل موجود الآن، فالآن بدك ترجع بهذا المثال تحاول تفهم ماذا قصد في الجملة السابقة، يقول: وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون، يعني كان يعني ال قتل من الصحابة.

أحسنت، هي بدك تفهمها بهي الطريقة، أنه كأنه يقول: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الصحابة مغفرة وأجراً عظيماً، طيب، الآن وهنا الكلام من إيش؟ عم من بقي منهم بده يكون، يعني من هم موجودون فقط في هذه اللحظة، لذلك أنه هو قال قص هذا المثال على ذاك المثال، قال: وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون، هو كأنه يشير إلى أنه أنه هذا النوع من الاستعمال له دلالة معينة، يعني هذا الذي أشعر أن ابن تيمية حاول يوصل له، أنه هذا النوع يعني وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

من الصحابة، فيقول وإن كان جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات، لكن وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم، لكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون. أنا مش عارف إذا انتم فاهمين علي أن هو عم حاول يشيل لفكرة معينة، بس عشان هيك أنا قلت لك كمان يقول هنا رجل من بني عبد المطلب تمام وإن لم يكن بقي منهم غيره، يعني بدها تفكر أكثر، يعني ما هي الدلالة التي يحاول ابن تيمية أن يوصلها إلينا؟ ما هو الذي يريد أن يقوله ابن تيمية في هذا النص؟ بس خليها مكان للبحث حتى ما تسهلك الوقت.

كمل قال: فصل، أما قوله تعالى: لا حجة بيننا وبينكم الآية، هذا ليس خطاب للنصارى خصوصا، بل هو خطاب للجميع، وهؤلاء النصارى ظنوا أن معنى هذا لا تحاج أهل الكتاب، كما ظن في قوله: ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن. أيضا من استدلالات بولس الانطاكي في نفس آية الشورى السابقة: لا حجة بيننا وبينكم، هل معنى لا حجة بيننا وبينكم أنه ليس المراد مطلوب منا أن نقيم الحجة على أهل الكتاب، ولا أن نجادلهم لأنهم لسوا مطالبين بأن يؤمنوا بديننا؟ هل هذا هو المراد؟ فيقول: نعم. قال: وهذا من تحريف كِلم الله عن مواضعه.

عفوا، أن معناه: لا تجادل أهل الكتاب أي النصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا أي اليهود، وهذا من تحريف كِلم الله عن مواضعه. وأيضا جاء بولس الانطاكي لقوله: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا، أن المراد بالذين ظلموا هم اليهود، أما النصارى مش داخلين هنا ها؟ قالوا: هذا من تحريف كِلم الله عن مواضعه، وهيش بتحريفهم لما عندهم من التوراة والإنجيل والزبور وسائر النبوات، فإنهم أعظم تسلطا على تحريف معانيها منهم على تحريف معاني القرآن؛ إذ كان القرآن له أمة تحفظه وتعرف معانيه وتذب عنه من يحرف لفظه أو معناه، واما تلك الكتب فليس لها من يذب عن لفظها ومعناها، فلهذا عظم تحريفهم لها، وكان أعظم تحريفهم القرآن.

ومما يبين أن هذا الخطاب ليس مختصا بالنصارى، أن هذه السورة مكية، والسورة المكية كانت تتناول من لا يقرأ الكتاب، لا تختص بأهل الكتاب، بل كانت تعم الأمم أو تختص بالمشركين. قال: والصور المدنية خطابها تارة لأهل الكتاب وتارة تختص بالمؤمنين وتارة تعم. وقد قال تعالى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وقال تعالى: وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعده لشك منه مريب، والخطاب إما أن يعم المشركين وأهل الكتاب، أو يخص المشركين وأهل الكتاب اليهود والنصارى، وبكل تقدير فلا وجه لتخصيص النصارى به.

وأما قوله تعالى: لا حجة بيننا وبينكم، فهض قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139]، وقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاحُ﴾ [آل عمران: 20]. فالحجة اسم لما يحتج به من حق و باطل، في قوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم، فإن الظالمين يحتجون عليكم بحجة باطلة، يقول المشركين لما حولت الكعبة القبلة إلى الكعبة قد عاد إلى قبلتكم فسوف يعود إلى ملتكم، فهذه حجة داحت من الظالمين.

ومما يبين ذلك قوله بعد ذلك: والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. نعم قولوا بعد ذلك أنه نفس الآية، مش هي الآية في سورة الشورى آخر الصفحة الثانية: حجة بيننا وبينكم، مطلع الصفحة الثالثة في سورة الشورى ايش هي؟ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم، فكيف تقولون أنه لا حجة بيننا وبينكم؟ المراد أننا لا نقيم عليكم الحجج كما أنكم لا تقيمون أنتم علينا، ولكل شخص يعني معتقده، فالله سمى حججكم والذين يحاجون في من بعد ما استجيب له أي من بعد ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، كلهم كانوا يهود أو نصارى أو مشركون، كلهم حجتهم داحضة عند ربهم.

نعم قال: سماها حجة وجعلها داحضة. نعم قال: وهؤلاء الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له هم الكفار من المشركين وأهل الكتاب، هم يحاجون المؤمنين ليردوهم عن دينهم. وقال عن النصارى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]. فكان الكفار يحاجون المؤمنين حتى يردهم عن دينهم كما كانوا يؤذونهم، فهؤلاء حجهم داحضة عند ربهم وعليهم غضبهم عذاب شديد، ومحاجتهم للمؤمنين من باب الظلم لهم والعدوان عليهم وقول الباطل، فأمره تعالى أن يقول: لا حجة بيننا وبينكم أي ليس لكم أن تنظمونا وتعتدوا علينا بحجتكم الداحة، وليس المراد بذلك أن نحن لا نحاجكم وندعوكم إلى الحق بالحجة الصحيحة.

فإنه تعالى قال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، أن لا حجة بيننا وبينكم ما معناها؟ يقول ابن تيمية: ما معنى لا حجة بيننا وبينكم؟ أي ليس لكم أن تظلمونا وتعتدوا علينا بحجتكم الداحظة تمام، وليس المراد أنه لا نحاجكم وندعوكم إلى الحق بالحجة الصحيحة، مش هيك معنى الآية، ولا يجوز أن تفهم الآية بهي الطريقة، لا حجة بيننا وبينكم أي ليس لكم أن تظلمونا وتعتدوا علينا بحجدكم الفاسده. نعم قال: فإنه تعالى قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

كيف نكون نحن لسنا مطالبين بمجادلتكم والله يقول لنا: وجادلهم بالتي هي أحسن؟ نعم قال: فأمره تعالى أن يجادل أهل دعوته مطلقا من المشركين وأهل الكتاب بالتي هي أحسن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، فإن الظالم باغ معتد مستحق للعقوبة، فيجوز أن يقابل بما يستحقه من العقوبة، لا يجب الاقتصاد معه على التي هي أحسن، بخلاف من لم يظلم فإنه لا يجادل إلا بالتي هي أحسن. وأهل الكتاب اسم يتناول اليهود والنصارى كما في نظائرهم القرآن كقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب الآية، وقوله: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين المفكين، وأمثال ذلك.

والظالم يكون ظالما بترك ما تبين له أن الحق، واتباع ما تبين له ما يتبين له أنه باطل، والكلام بلا علم، فإذا ظاهر له الحق فعند علمه أو فيها أعظم تحريف فعند ذلك أو فعنده ظالما. طيب قال: وذلك مثل اللد في الخصام، نعم ايش عندك؟ عنيد. ايه فعنيد عنه، آه فعند عنه كان ظالما أحسنت، فعند عنه أحسنت.

نعم قال: وذلك مثل اللد في الخصام، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]، وقال: يجادلونك في الحق بعدما تبين، وقال: ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم.

فصل: وقولهم أنه لم يقل كونوا له مسلمين، ولكن ونحن أي عنه وعن وعن العرب التابعين له ولما أتى به وجاء في كتابه، فيقال لهم هذا ونظائره كلام من لم يفهم القرآن بل ولا يفهم كلام سائر الناس. فانه إذا عرف من صاحب كتاب يقول إنه نزل من الله أو يقول إنه صنفه، إنه يدعو قوما بالاقوال الصريحة الكثيرة والأعمال البينة الظاهرة، كان سكوته عن دعائهم في بعض الألفاظ لا ينافي دعائهم له، لكن إن كان حكيما في كلامه كان للسكوت عن دعائهم في بعض المواضع حكمة تناسب ذلك. وهذا كقوله تعالى: قل اتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون.

يعني لما نقول لما أقول أنا مخلص لله، هل معنى هذا أنني لا أطالبكم بالاخلاص؟ لما أقول أنا مصر على موقفي، هل معنى هذا أنني لا أطالبك أن تكون على مثل موقفي؟ فيقول مجرد أن تقول أنني ونحن له مخلصون هذا لا يعني أنني لا أطالبك بهذه الدعوة، وهذا لا يفهمه مفهوم المخالفة، هذا مفهوم مخالفة لقب، هذا ما يقول به أحد من أهل العلم المعتبرين أنه إذا قلت أنا له مخلص معناته أنت ما تكون مخلص لهذه له.

يقول هذا فهم سقيم يدل على أنك تتكلم مع شخص لا يعرف حتى أساليب فهم الكلام البشري، مش فقط يحرف القرآن، هو حتى أساليب الناس في البيان هو لا يعرف كيف الناس تعبر، فإذا قال سبحانه وتعالى: ونحن له مخلصون افتراه لما أمر أمته أن يقولوا ونحن له مخلصون لم يكن أمر أهل الكتاب بالإخلاص؟ هل نحن فقط المطالبون بذلك؟ نعم.

قال افتراه لما أمر أمته أن يقولوا ونحن المخلصون لم يكن أهل لم يكن أهل الكتاب مامرين بالإخلاص لله، وقد ذكر أمر أهل الكتاب بالإخلاص في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 4-5]. وكذلك دعاهم إلى الاسلام وتعهد هم على التولي عنه في مثله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 18-20].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 130-133]. فقد بين سبحانه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه أي سفه نفسا أي كانت نفسه سفيهة جاهلة.

هذا ص القوانين في ذلك، وهو مذهب الكوفيين من النحاة، يجوزون أن يكون المنصوب على التمييز معرفة كما يكون نكرة. الأصل في التمييز أن يكون نكرة عند الجمهور، اسم بمعنى مبين نكرة مش قال ابن مالك؟ لكن الكوفيين يجوزون أن يكون التمييز معرفة، وبناء عليه ابن تيمية اختار هذا في تفسير الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، أن نفسه معرفة مضاف إلى معرفة. لكن هل يجوز أن تعرب تمييزا على رأي الكوفيين؟ نعم، تقدير الآية ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسا، سفيها نفسا، إعراب نفسا تمييز تمام، وإن كانت معرفة.

نعم قال: فقد بين سبحانه أنه لا يرغب عن إبراهيم، عفوا ثم أخبر عنه أنه قال له ربه وأسلم قال أسلمت لرب العالمين، وذكر أن إبراهيم وصى بها بنيه، ويعقوب وصى بها بنيه أيضا، كلاهما قال لبنيه: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. ثم ذكر أن يعقوب عند موته قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون.

إذا جملة ونحن له مسلمون، اللي هو حضرته بورس الانطاقي الواردة في آية الشورى، بقول لك تدل على أنه ونحن له مسلمون، أنه هذا خلص من كلام محمد صلى الله عليه وسلم والعرب أنتم مسلمون وخلص على مضى النصارى. ابن تيمية عم بيستقر موارد جملة ونحن له مسلمون في القرآن، بقول لك هذه جملة اتفق الأنبياء من لدن إبراهيم إلى على قولها، فكيف تقول نحن له مسلمون والله تدل على أن الإسلام فقط للعرب، وإذا بالتالي لانه قال ونحن، إذا العرب وأنتم المطالبين، أما غيركم مش مطالب بالاسلام، فهو أراد أن يقول كلمة ونحن له مسلمون، جملة نحن له مسلمون قالها الأنبياء جميعا وهي متفق عليها، ففهمك الآية بهذه الطريقة السقيمة مش لصالحك.

نعم قال: فهؤلاء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كلهم على الإسلام وهم يأمرون بالإسلام. ثم قال بعد ذلك: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، ثم قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.

ثم قال: فان امنوا بمثل ما امنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم. قد أخبر أنهم إن تولوا عن الإيمان بثم ما آمنتم به المتضمن قولكم ونحن له مسلمون فإنما هم في شقاق، أي مشاقون لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنَّتْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لم يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2] إلى قوله.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فِي الْعَنْكَبُوتِ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فِي الْبَقَرَةِ مَعَ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فَقَدْ دَعَاهُمْ أَوَّلًا إِلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ تَبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ. وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.

طَبْعًا، فَقَوْلُهُ: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هِيَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَلَيْسَتْ فِي الشُّورَى، وَهَمْتُ قَبْلَ قَلِيلٍ فَقُلْتُ فِي الشُّورَى. وَيُعَلَّقُ عَلَى أَنَّ هُوَ بُولُسَ يَقُولُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، أَوْ نَحْنُ مُسْلِمُونَ، عَلَى أَنَّ عَدَمَ إِيمَانِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ لَا يَضُرُّ.

نَعَمْ، قَالَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وَذَكَرَ التَّوْحِيدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَفَّرَ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَرْبَابًا؟! ثُمَّ ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 81-85].

نَعَمْ، قَالَ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقًا عَلَى النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ: مَهْمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ. فَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ لِكُلِّ أَهْلِ كِتَابٍ إِذَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ثَانٍ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْصُرُوهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ كِتَابٌ وَحِكْمَةٌ، وَلَا يَقُولُونَ نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ فَلَا نُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي جَاءَنَا. وَتَخْتَصُّ وَنَخُصُّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ خَاتَمُ الرُّسُلِ، وَهُوَ آخِرُ رَسُولٍ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، فَوَجَبَ عَلَى مَنْ جَاءَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَكَانٌ. وَهَذَا الْمِيثَاقُ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَأَخَذُوهُ عَلَى أُمَمِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. وَهَذَا هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، فَمَنْ ابْتَغَى غَيْرَهُ فَقَدِ ابْتَغَى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

إِذًا، قَوْلُهُ: أَنَّا مُسْلِمُونَ أَوْ نَحْنُ مُسْلِمُونَ لَا تَعْنِي أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مُطَالَبِينَ بِالْإِسْلَامِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ فِي النِّهَايَةِ مَاذَا قَالَ؟ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.

نَعَمْ، قَالَ فَصْلٌ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]. أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لِيَرْضَوْا بِهِ اللَّهَ وَتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ كَلَامًا حَقًّا يُلْزِمُكَ وَيُلْزِمُ الْمُنَازِعَ لَكَ أَنْ يَقُولَهُ؛ فَإِنْ وَافَقَكَ وَإِلَّا ظَهَرَ عِنَادُهُ وَظُلْمُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139]. فَإِنَّنَا مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّهُ رَبُّنَا كُلُّنَا، وَأَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَامْتَزْنَا نَحْنُ بِأَنَّنَا مُخْلِصُونَ لَهُ وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ. فَأَوْجَبَ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا دُونَكُمْ، وَأَنَّ أَعْمَالَنَا صَالِحَةٌ مَقْبُولَةٌ وَأَعْمَالَكُمْ مَرْدُودَةٌ.

وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]. فَأَمْرُهُ وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ.

فَصْلٌ: ثُمَّ قَالُوا: فَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ فَإِنَّهُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ سَجَدُوا لِرَأْسِ الْعِجْلِ، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَيْسَتْ وَاحِدَةً، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَذَبَحُوا لِلشَّيَاطِينِ لَيْسَ حَيَوَانَاتٍ غَيْرَ نَاطِقَةٍ فَقَطْعًا، بَلْ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ حَسَبَ مَا شَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَائِلًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِتَابِ الزَّبُورِ فِي مَزْمُورِ مِئَةٍ وَخَمْسَةٍ: يَقُولُ: ذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ وَأَرَاقُوا... ذَبَحُوا -يَعْنِي طَبْعًا هُنَا هُوَ مُصِرٌّ بُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هِيَ خَاصَّةٌ بِالْيَهُودِ وَأَنَّ النَّصَارَى غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي مَفْهُومِ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَبُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ بَدِّي يَحْصُرُهَا فَقَطْ فِي الْيَهُودِ لِأَنَّ الْيَهُودَ ذَبَحُوا لَيْسَ فَقَطِ الْحَيَوَانَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ، بَلْ ذَبَحُوا حَتَّى أَبْنَاءَهُمْ وَبَنَاتِهِمْ، وَهَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا، مَاذَا يَقُولُ فِي الزَّبُورِ؟- نَعَمْ.

قَالَ فِي كِتَابِ الزَّبُورِ فِي مَزْمُورِ مِئَةٍ وَخَمْسَةٍ: يَقُولُ ذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ، وَأَرَاقُوا دَمًا زَكِيًّا دَمَ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ الَّذِينَ ذَبَحُوا لِلْمَنْحُوتَاتِ فِي كَنْعَانَ وَقَدْ تَنَجَّسَتِ الْأَرْضُ بِالدِّمَاءِ، وَتَنَجَّسَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَزَنَوْا بِضَعَائِنِهِمْ، وَسَخِطَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ وَرَذِلَ مِيرَاثَهُمْ. وَقَالَ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ اللَّهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَمَّا لَمْ يَسْمَعُوا وَصَايَايَ، لَمْ يَحْفَظُوا كُلَّ مَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ، بَلْ غَيَّرُوا وَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي كُنْتُ جَعَلْتُهُ لَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، فَلِذَلِكَ أَجْلَسْتُهُمْ عَلَى الْحُزْنِ وَالْخَرَابِ وَأَهْلَكْتُهُمْ، انْقَطَعَ مِمَّنْ يَبْقَى مِنْهُمُ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ.

قَالَ هَكَذَا قَالَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ سُكَّانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: سَأُبَدِّدُهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ. وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَرْفَعُ الْأُمَمُ أَصْوَاتَهُمْ وَيُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيُمَجِّدُونَهُ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ، وَيَجْتَمِعُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَمِنَ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ، يُقَدِّسُونَ اللَّهَ وَيُقَدِّسُونَ اسْمَ اللَّهِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ، وَيَكُونُونَ شَعْبَهُ، وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُونَ مُبَدَّدِينَ فِي الْأَرْضِ.

وَقَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَجْتُمُ جَبَلِيَ الْمُقَدَّسَ فَإِنِّي سَأُفْنِيكُمْ بِالْحَرْبِ وَتَمُوتُونَ، وَذَلِكَ لِأَنِّي دَعَوْتُكُمْ فَلَمْ تُجِيبُوا، وَكَلَّمْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَعَمِلْتُمُ الشَّرَّ بَيْنَ يَدَيَّ.

وَقَالَ إِشَعْيَاءُ أَيْضًا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْغَضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَمِنْ بَيْتِهِ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لِأَنَّهُمْ لِعْنَةٌ وَجُعِلُوا لِعْنَةً لِلنَّاسِ، فَلِذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَبَدَّدَهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ وَلَا يَعُودُ يَرْحَمُهُمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ إِلَّا إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ، وَلَا يُقَرِّبُونَ لِلَّهِ قُرْبَانًا وَلَا ذَبِيحَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلَا يَفْرَحُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَالَ إِرْمِيَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَمَا أَنَّ الْحَبَشِيَّةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ أَبْيَضَ، فَذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَتْرُكُونَ عَادَاتِهِمُ الْخَبِيثَةَ، وَلِذَلِكَ إِنِّي لَا أَرْحَمُ وَلَا أُشْفِقُ وَلَا أَرِقُّ عَلَى الْأُمَّةِ الْخَبِيثَةِ وَلَا أَرْثِي لَهَا.

وَقَالَ حَزْقِيَالُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِنَّمَا رَفَعْتُ يَدِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَدَّدْتُهُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِوَصَايَايَ وَلَمْ يُطِيعُوا أَمْرِي، وَخَالَفُونِي فِيمَا قُلْتُ لَهُمْ، فِيمَا فِيمَا قُلْتُ لَهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا لِي. وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالزَّبُورِ وَزَبُورِ دَاوُدَ شَيْءٌ كَثِيرٌ يَقْرَؤُهَا الْيَهُودُ فِي كَنَائِسِهِمْ وَيُوقِرُونَهَا وَلَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا، وَمِثْلُ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ السُّنَنِ.

إِذًا خُلَاصَةُ كُلِّ هَذِهِ النُّصُوصِ: أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمُ الْيَهُودُ، وَهَكَذَا عَلَى أَسِنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا النَّصَارَى فَلَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الظُّلْمِ. مَا هُوَ الْجَوَابُ؟

قَالَ وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا كَوْنُ الْيَهُودِ ظَالِمِينَ كَافِرِينَ مُعْتَدِينَ مُسْتَحِقِّينَ الْعَذَابَ عِقَابَهَا، فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ، كَمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّصَارَى أَيْضًا ظَالِمُونَ مُعْتَدُونَ كَافِرُونَ مُسْتَحِقُّونَ عَذَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ. لَيْسَ الْيَهُودَ بَحْسَبَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ هَذَا الظُّلْمُ نَعَمْ.

قَالَ: وَفِي الْيَهُودِ مِنَ الْكُفْرِ مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى، وَفِي النَّصَارَى مَا لَيْسَ فِي الْيَهُودِ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَفَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَّبُوهُ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ.

طَبْ, يَذْكُرُ الْآيَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ حَالَ الْيَهُودِ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا فِي سُورَةِ... غَضِبَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِتَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَثَانِيًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. نَعَمْ هَكَذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿الْيَهُودُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَأَنَّمَا وُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. وَقَالَ أَيْضًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْيَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ، أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ لَكِنْ...

قَالَ: لَكِنْ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّهُمُ الْمَرْضِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فَإِنَّ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ مَحْصُورٌ فِيهِمْ فَقَطْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، حَصْرُ الظُّلْمِ فِيهِمْ هَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ.

قَبْلَ هَذَا كَانَ بَاطِلًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا. وَلِهَذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا جَادَلَهُمْ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَنْ يُجَادِلُوهُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا مَظْلَمَ الطَّائِفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِاللِّسَانِ تَارَةً وَبِالْيَدِ أُخْرَى، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِجِهَادِ الظَّالِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. فَجَاهَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَوْلَهَا قُرْبَ مِنْهَا؛ كَمَا جَاهَدَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَنَضِيرَ وَقُرَيْظَةَ وَأَهْلَ خَيْبَرَ وَأَهْلَ وَادِي الْقُرَى وَغَيْرَهُمْ وَغَيْرَهُمْ. وَكَمَا جَاهَدَ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ فَغَزَاهُمْ بِالشَّامِ وَعَرَبَهُمْ وَرُومَهُمْ، وَأَغْزَاهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ نَوَابِذَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَأَمَرَ بِغَزْ... فَغَزَاهُمْ بَعْدَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ وَفَدَ... لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ جَادَلَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثُمَّ أَمَرَهُ... ثُمَّ أَمَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَامْتَنَعُوا عَنْ مُبَاهَلَتِهِ وَأَقَرُّوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَهَذَا يَعْنِي وَفْدُ نَجْرَانَ مَاذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جَادَلَهُمْ، فَكَيْفَ تَقُولُ إِنَّ الْمُجَادَلَةَ لَيْسَتْ؟

نَعَمْ، فَجَادَلَ بَعْضَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالظَّالِمَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَاقَبَهُ وَجَاهَدَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْغَزَوَاتِ.

قَالَ مِنْ عَدَدٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَوْلُهُمْ وَمَا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا؟ فَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُمُ الْيَهُودُ! فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ: ثُمَّ وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ذَلِكَ... هُنَا بَدِّي يَقُولُ لَكَ إِنَّ هِيَ التَّحْرِيفَاتُ لِلْقُرْآنِ وَلِمَعَانِي الْقُرْآنِ، بِتَقُولُ لَكَ كَمْ بُولُسُ الْأَنْطَاكِيُّ جَاهِلٌ كَيْفَ بِقُولُ: آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ، أَنَّ مَعْنَاتَهَا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْمِنُ بِجَمِيعِ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ؟! وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَسَّرَهَا بِالْإِنْجِيلِ، وَ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ هُمُ النَّصَارَى، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ. وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا هُوَ قَوْلٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ وَأَنَّ هَيْكَ التَّفْسِيرَ الصَّحِيحَ لِلْقُرْآنِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ تَفَاسِيرُ هَوَائِيَّةٌ.

قَالَ مِنْ جِنْسِ قَوْلٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فِيهِ... الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ... وَتَفَاسِيرُ النَّصَارَى اقْرَأْ.

قَالَ: وَتَفَاسِيرُ النَّصَارَى الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ فَهْمُ التَّحْرِيفِ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِ مَا يَقُولُ وَصِفَتِهِ، وَلَا يَنْقَضِي التَّعَجُّبُ مِنْهُ، لَكِنْ إِقْدَامُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْإِلْحَادِ وَالتَّحْرِيفِ أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ، كَقَوْلِهِمْ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ بِبِعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى، وَقَوْلَهُ: قَدْ أَرْسَلْنَا الرُّسُلَ أَرَادَ بِهِ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَوْلَهُ: وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ أَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيلَ. يَعْنِي كُلَّ كَلِمَةٍ يَحْمِلُونَهَا عَلَى مَا يَشْتَهُونَهُ.

نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ فِي هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ أَرَادَ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ افْتِرَائِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالزَّبُورَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ كِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ أَخْبَرَتْ.

ذلك يأتون على ما يعلم كل عاقل أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يرده، ويقولون إنه لا يشك فيه أحد أنه قول ظاهر بين. وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن والدين يعلم علماً يقينياً ضرورياً أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يجعل النصارى مؤمنين دون اليهود، بل كانوا يكفر الطائفتين ويأمر بجهادهم ويكفر من لم ير جهادهم واجباً عليه، وهذا ما اتفق عليه المسلمون وهو منقولون عندهم عن نبيهم نقلاً متواتراً. بل هذا يعلمه من حاله الموافق والمخالف إلا من هو مفق في الجهل بحاله أو من هو معاند عناً ظاهراً.

فصل. قال: وأما ما نقلوه عن الأنبياء مما يدل على كفر اليهود فهذا لا ننازعهم فيه، ولا حاجة بنا إلى الاستدلال بما نقلوه، وإن كان فيما يثبت عن الأنبياء ما يبين كفرهم لما بدلوا دين موسى عليه السلام، كما كفر النصارى لما بدلوا دين المسيح. فهذا حق موافق لما أخبر به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، فإنا قد علمنا كفرهم من جهة لا نشك في صدقها، وما أخبرونا به عن الأنبياء إن علمنا صدقهم فيه صدقناهم فيه، وإن علمنا كذبهم فيه كذبناهم فيه، وإن لم نعلم صدقه ولا كذبه لم نصدقه ولم نكذبه، بل نقول: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَوَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].

فإن الإيمان بجميع ما أوتي النبيون حق واجب، لكن وجوب التصديق في النبي المعين الذي لم نعلمه من غيرهم يقف على مقدمتين: الأولى أن يكون اللفظ قد قاله النبي، والثانية أن يكون المعنى الذي به مراداً للنبي.

فهو الآن يريد أن يقول: متى نؤمن بشيء أنه قاله نبي من الأنبياء إذا لم نعرفه إلا من جهتهم؟ يعني إذا كلام نبي من الأنبياء عرفناه من جهة شرعتنا نؤمن به خلص. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن موسى قال كذا، إن عيسى قال كذا»، نسلم. لكن هنا المسألة العلمية ما هي؟

يقول: فإن الإيمان بجميع ما أوتي النبيون حق واجب، لكن وجوب التصديق في الشيء المعين، يعني النص المعين الذي لم نعلم أن قاله موسى أو عيسى إلا من جهتهم، كيف نستطيع أن نقول فعلاً هذا قاله موسى أو عيسى؟ فيقول: هذا يقف على مقدمتين، أولا أن يكون اللفظ قد قاله النبي، وأن يكون المعنى الذي فسروه به مراداً للنبي الذي تكلم بذلك القول، فلا بد من ثبوت الإسناد ودلالة المتن.

لابد أن نتاكد من ثبوت الإسناد فعلاً لذلك النبي، ولا بد أن نتاكد من أنهم أيضاً فهموا وشرحوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بدلالته الصحيحة. وهاتان المقدمتان لا بد منهما في جميع المنقول عن الأنبياء، وقد يحتاج إلى مقدمة ثالثة في حق من لم يعرف اللغة العبرية، فإن موسى وداود والمسيح وغيرهم إنما تكلموا باللغة العبرية، فمن لم يعرف بها وإنما يعرف بالعربية أو الرومية لابد أن يعرف أن المترجم ترجمة مطابقه. وهذه أظن أشار إليها سابقا.

فصل. وأما قولهم: وأما نحن النصارى فلم نعمل شيئاً مما عمل اليهود. فيقال لهم: الكفر والفسق والعصيان لم ينحصر في ذنوب اليهود، فإن لم تعملوا مثل أعمالهم فلكم من الاقوال والأعمال ما بعضه أعظم من كفر اليهود. وإن كنتم أنتم ألين من اليهود وأقرب مودة، فأنتم أيضاً أجهل وأضل من اليهود.

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 88-89]. مجرد ادعاء الولد هذه من أكبرفرياتكم على الله. وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1] إلى الشاهد: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: 4] إلى قوله أيضاً: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29].

قال وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. ذلك قوله أيضاً: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32]. ذكرها بعد ذكرها ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: 34]. والأحبار والرهبان من جنس علماء اليهود والنصارى، لأن الأحبار لليهود عادة والرهبان للنصارى. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ نَسُوا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13]، أنتم أيضاً نسيتم حظاً مما ذكروا.

وقال أيضاً لما قص قصة المسيح: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: 34-35]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا﴾ [النساء: 171]، فعندكم غلو أيضاً.

فصل. تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين؛ هؤلاء في طرف ضلال وهؤلاء في طرف يقابله، والمسوونم هم الوسط، وذلك في التوحيد والانبياء والشرائع والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك.

يعني في كل المعتقدات تجد المسلمين اعتقدوا العقيدة الوسطية، واليهود والنصارى متطرفون عكس بعض. فمثلا اليهود يشبهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عنها، كقول من قال منهم إنه فقير وإنه بخيل وإنه تعب لما خلق السماوات والأرض. والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق.

فاليهود يشبهون الخالق بالمخلوق فيصفون الله بصفات النقص، والنصارى بالعكس يشبهون المخلوق بالخالق فيضفون على المخلوق صفات القداسة الإالهية التي ليس لها فيها مثل. فقوله إن المسيح هو الله وابن الله، كل من القولين يستلزم الآخر.

كيف كل من القولين يستلزم الآخر؟ كيف تشبيه الخالق بالمخلوق يستلزم تشبيه المخلوق بالخالق؟ هو يقول لك قول اليهود يستلزم قول النصارى، وقول النصارى يستلزم قول اليهود. أما المخلوق رفعته للخالق أو الخالق أنزلته للمخلوق، في كلتا الحالتين أنا جعلت مخلوق مساوي للخالق فهو أحد مستلزم الآخر. كيف؟ المخلوق رفعته للخالق فجعلته مساوياً له، الخالق أنزلته إلى طبقة المخلوق فجعلته مساوياً للمخلوق، هم في كل وكلهم شيء واحد.

لا أنا أعتقد أنه يريد شيئاً أكثر من ذلك، وأنا أعتقد يريد أن يقول: إذا شبهت المخلوق بالخالق فأنت استنقصت من الخالق، وإذا شبهت الخالق بالمخلوق فأنت ايش فعلت؟ يعني هو يريد أن يقول الآن: اليهود يشبهون الخالق بالمخلوق حيث أعطوا لله صفات النقص، والنصارى شبهت المخلوق بالخالق فأعطته صفات الكمال.

فهو يريد أن يقول: أنت في كلا الحالتين هذا يستلزم هذا، لأنك إذا جعلت المخلوق مرتبة الخالق أليس يتضمن استنقاصاً من الخالق؟ فإذاً تشبيه المخلوق بالخالق هو يستلزم أنك استنقصت من الخالق سبحانه وتعالى، وفي الحالة وقول اليهود تشبيههم الخالق بالمخلوق تمام هو رفعه لمنزله ايش المخلوق؟ ففعلاً إذا أنت شبهت الخالق بالمخلوق أنك رفعت من مستوى المخلوق، وإذا أنت رفعت المخلوق للخالق أنت استنقصت من مرتبة الخالق، فكلا القولين استلزم الآخر بهذه الجزئية.

والنصارى أيضاً يصفون اللاهوت بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، ويسبون الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر، كما كان معاذ بن جبل يقول: لا ترحموهم فإنهم قد سبوا الله مسبة ما سبوها إياها أحد من البشر. وهي أنهم جعلوا لله الولد هذه المسبة.

واليهود تزعم أن الله يمتنع منه أن ينسخ ما شرع، كما يمتنع ماذا يدخل في القدرة؟ في الشرائع اليهود يزعمون أن الله لا يجوز أن ينسخ شريعة، ولذلك لم يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بحجه أنه لا يجوز نسخ شريعة التوراة.

والنصارى يجوزون لكابر أن ينسخوا شرع الله الذي بعث به رسله فيحللوا ما حرم، أحللوا تنزيل. أما النصارى ففتحوا باب النسخ حتى لعلمائهم، يعني حتى علمائهم حابين تنسخوا من الشريعة انسخوا. طرفي نقيض، هؤلاء منعوا النسخ وهؤلاء فتحوا النسخ على مصراعيه.

بل لم يحرموا شيئاً، ويحرمون ما أحل، كما يحرمون في الرهبانية التي ابتدعوها وحرموا فيها من الطيبات ما أحله الله، ويسقطون ما أوجب كما أسقطوا الختان وغيره، وأسقطوا أنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك، ويوجبون ما أسقط كما أوجبوا من القوانين ما لم يوجبه الله وأنبياؤه.

والمسلمون وصفوا الرب بما يستحق من صفات الكمال ونزهوه عن النقص وأن يكون له مثل، فوصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفت به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، مع علمهم أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقالوا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، بل الدين كله له، وهو المعبود المطاع الذي لا يستحق العباد إلا هو، ولا طاعة لأحد إلا طاعته، وهو الذي ينسخ ما يشاء من شرعه، وليس لغيره أن ينسخ شرعه.

واليهود بلغوا في اجتلاب النجاسات وتحريم الطيبات، والنصارى استحلوا الخبائث وملابسة النجاسات، والمسلمون أحل الله لهم الطيبات خلافا لليهود، وحرم عليهم الخبائث خلافا للنصارى. واليهود يبالغون في طهارة أبدانهم مع خبث قلوبهم، والنصارى يدعون أنهم يطهرون قلوبهم مع نجاسة أبدانهم، والمسلمون يطهرون أبدانهم وقلوبهم جميعاً.

والنصارى لهم عبادات وأخلاق بلا علم ومعرفة ولا ذكاء، واليهود لهم ذكاء وعلم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة، والمسلمون جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح وبين الذكاء. إن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فالهدى يتضمن العلم النافع، ودين الحق يتضمن العمل الصالح، ليظهره على الدين كله. والظهور يكون بالععلم واللسان ليبين أنه حق وهدى، ويكون باليد والسلاح ليكون منصورا مؤيداً، والله أظهره هذا الظهور.

وهذا الظهور فهم أهل الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، غير المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يعملون به كاليهود، ولا الضالين الذين يعملون ويعبدون ويزهدون بلا علم كالنصارى.

واليهود قتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس، والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. والمسلمون اعتدلوا فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ولم يفرقوا بين أحد من رسله، وآمنوا بجميع النبيين وبكل كتاب أنزله الله، فلم يكذبوا الأنبياء ولا سبوهم ولا غلوا فيهم ولا عبدوهم. وكذلك أهل العلم والدين لا يبخسونهم حقهم ولا يغلون فيهم.

واليهود يغضبون لأنفسهم وينتقمون، والنصارى لا يغضبون لربهم ولا ينتقمون، والمسلمون المعتدلون المتبعون لنبيهم يغضبون لربهم ويعفون عن حظوظهم. كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً له ولا امرأة ولا شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ وكان بعض أهله إذا عاتبني على شيء يقول: دعوه، فلو قضي شيء لكان. هذا في حق نفسه.

وأما في حدود الله ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه فيها أسامة، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدود. وایم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

وقد وصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم أنفع الأمم للخلق، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]. ففي أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد ما لم يوجد مثله في الأمتين.

فصل. ثم قال: وكذلك جاء في هذا الكتاب يقول: ﴿وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]. فذكر القسيسين والرهبان لئلا يقال إن هذا قيل عن غيرنا، ودل بهذا على أفعالنا وحسن نياتنا، ونفي عن اسم الشرك بقوله: اليهود والذين أشركوا. اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، والذين قالوا إنا نصارى أقربهم مودة.

والجواب يقال تمام الكلام: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 83-85]. فهو سبحانه لم يقل...

يعد بثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذين قال فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُدْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]. والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة وأشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الشهداء الذين قال فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله فاكتبنا مع الشاهدين: قال مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ولكل من شهد للرسل ولكل من شهد بالرسل بالتصديق فهو من الشاهدين.

وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين. قال كما قال الحواريون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُدْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 77-78].

بس على كلام قال فذكر القسيس والرهبان، يقال إن هذا قيل عن هو يعني هو اللي هي الآية: ﴿وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82]. يقال إن هذا قيل عن غيرنا حتى ما ينسب هذا للمسلمين ينسب إلا هيك. يعني الذي الذين قالوا أنا نصارى، من هم النصارى؟ الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا الذين منهم القسيسين والرهبان. فبالتالي بيكون هذا الكلام عنا وليس عن غيرنا.

يعني لا تجدن الآن ايش قالت الآية؟ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى. فكان هذا شرح من هم الذين قالوا إن نصارى؟ قال ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً. فقال يعني بولس الأنطاكي: إن الله ذكر القسيسين والرهبان هنا لتاكيد من هم النصارى الذين هم أقرب مودة لأن لا ينسب لأن النصارى المراد بهم جنس آخر، لا، النصارى اللي منهم قسيس ورهبان هم أنفسهم لا تظنوا أنهم شيء آخر.

قال وأما قوله في أول الآية: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] فهو كما أخبر سبحانه وتعالى؛ فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من عداوة النصارى، والنصارى أقرب مودة لهم. هذا معروف من أخلاق اليهود، فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى، وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود. والعداوة أصلها البغض، اليهود كانوا يبغضون أنبيائهم فكيف ببغضهم للمؤمنين؟ وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فساداً، فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم المؤمنين بجميع الكتب والرسل؟

وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب واستحقاق الثواب، وإنما فيه أنهم أقرب مودة، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: 82]. وإن إذا قلنا إنه والله هذا الجنس من الكفار أقرب إلينا من جنس غيرهم، هل هذا يعني أن هؤلاء الكفار مرحومون؟ لا يدل هذا على واقع معين أن هذا الجنس من الكفار أقرب إلينا من غيرهم وانتهى. قال: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82] أي سبب هؤلاء وسبب ترك الاستكبار يصير فيه من المودة ما يصير، وهم بذلك خير من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83]. فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان وعاقره يقول ذلك، وأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون. معنى الآية أي بسبب وجود القسيسين والرهبان الذين هم أهل العبادة والتنسك، وبسبب أنهم تركوا الاستكبار وأنهم لا يستكبرون، صارت فيهم هذه المودة والقرب من المؤمنين أكثر من اليهود والمشركين.

قال فهؤلاء الذين وعدهم بالإيمان وعدهم بثواب الآخرة، والضمير وإن عد على المتقدمين إلى المتقدمين، فمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] وكان جنس الناس قالوا لهم، أن جنس الناس قالوا لهم، أن جنس الناس قد جمعوا، وامتنع العموم؛ فإن القائل من الناس والمقول له من الناس والمقول عنه من الناس، ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس إن قد جمع لكم جميع الناس. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30] أي جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كل يهودي صحيح.

قال من هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود وهذا حق. واما قولهم ونفع عن اسم الشرك، فلا ريب أن الله فرق بين المشركين وأهل الكتاب في عدة مواضع، وصف من أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في بعض المواضع وكل الأمرين حق. فالأول كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: 17] وقوله تعالى: ﴿لَتَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].

وأما وصفهم بالشرك ففي قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] فنزه نفسه عن شركهم. وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك؛ فإن الله إنما بعث رسوله بالتوحيد والنهي عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد من الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كوكب ولا أن تسأل ولا تطلب الشفاعة إلا إلى الله من ميت ولا غائب لا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى والغائبين ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا تصور تماثيلهم إلا لا مجسدة ذات ظل ولا مصورة في الحيطان.

ولا يجعل دعاء تماثيلهم وتعظيمها قربة وطاعة، سواء قصدوا دعاء أصحاب التماثيل وتعظيمهم والاستشفاع بهم وطلبوا منهم أن يسألوا الله تعالى وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها وقصدوا دعاء التماثيل ولم يستشعروا أن المقصود دعاء أصحابها بها كما فعله جهال المشركين. وإن كان في هذا جميعه إنما يعبدون الشيطان، وإن كانوا لا يقصدون عبادته، فإنه قد يتصور لهم في صورة ما يظنون أنها صورة الذي يعظمونه ويقول: أنا الخضر، أنا المسيح، أنا جرجس، أنا الشيخ فلان؛ كما قد وقع هذا لغير واحد من المنتسبين للإسلام والنصارى، وقد يدخل الشيطان في بعض التماثيل فيخاطبهم وقد يقضي بعض حاجاتهم.

فبهذا السبب وأمثاله ظهر الشرك قديماً وحديثاً، وفعل النصارى أشباه ما فعلوه من الشرك، وأما الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه فنهوا عن هذا كله ولم يشرع أحد منهم شيء من ذلك. والنصارى لا يامرون بتعظيم الأوثان المجسدة ولكن بتعظيم التماثيل المصورة، فليسوا على التوحيد المحض وليسوا كالمشركين الذين يعبدون الأوثان ويكذبون الرسل، فلهذا جعلهم الله نوعاً غير المشركين تارة وذمهم على ما أحدثوه من الشرك تارة.

وإذا أطلق لفظ الشرك فطائفة من المسلمين لا تدخل فيه جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221]. فمن الناس من يجعل اللفظ عاماً لجميع الكفار ولا سيما النصارى، ثم من هؤلاء من ينهى عن نكاح هؤلاء، كما كان عبد الله بن عمر ينهى عن نكاح النصرانية ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول إن عيسى ربها، وهذا قول طائفة من الشيعة وغيرهم.

بس كان يناقش: ﴿وَالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173]. هو بينكر أن جنس الناس، يبرر على جنس، وكان جنس الناس، وإن كان في الواقع المراد أفراد منهم. ونفس الشيء: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: 82] ثم قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ [المائدة: 83]. صح الضمير يعود على الجنس لكن المراد به بعض أفرادهم، فليس دائماً إذا استخدم الجنس أو عاد الضمير إلى الجنس المراد به الجميع، وإنما يراد به البعض. فقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُدْنَا﴾ [المائدة: 83] هذا الكلام عن بعضهم وليس عن جميعهم، وإن كان الضمير يعود إلى الجنس، كما أن الذين قال لهم الناس الكلام في ظاهره يتكلم عن الناس والمراد في الواقع بعض الناس.

قال جمهور السلف والخلف وبعض القسيسين والرهبان. مقصود بالآية بعض القسيسين والرهبان، قد تعود إلى النصارى عموماً حسب موضوع التعريف أنه منهم قسيسين رهباناً فهذه علة. طيب، ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82] هذه ثانية: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ [المائدة: 83]. الدمع الذي يظهر لأنها أعم من القسيسين والرهبان، يعني لأنه يتكلم أنه لماذا النصارى فيهم من يتاثر بالقران ويسلم بالتالي؟

قال وأما جمهور السلف والخلف فيجوزون نكاح الكتابيات ويبيحون ذبائحهم، ولكن إذا قالوا لفظ المشركين عام، قالوا هذه الآية مخصوصة ومنسوخة بآية المائدة، وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلُّلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّلٌ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: 5]. وطائفة أخرى تجعل لفظ المشركين مطلقاً لا يدخل في قال إنه النصارى لا يأمرون بتعظيم الأوثان المجسدة ولكن بتعظيم المصورة، يقصد الصور والرسومات.

لذا كنائسهم قالت لما وصفت أم حبيبة وأم سلمة، أم حبيبة لما وصفت، عفواً، كنائس الحبشة وما فيها من الصور، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولئك شرار الخلق عند الله». فالنصارى اعتمادهم على الصور والرسومات وليس على الأوثان. شيخ، معانا بنوادر السلطانية القاضي ابن شداد أن دينهم مبني على الصور يعني صحيح.

قال وأما كون النصارى فيهم شرك كما ذكره الله فهذا متفق عليه بين المسلمين كما نطق به القرآن، كما أن المسلمين متفقون على أن قوله: ﴿وَلَتَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: 82] أن النصارى لم يدخلوا في لفظ الذين أشركوا كما لم يدخلوا في لفظ اليهود، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] ونحو هذا.

وهذا لأن اللفظ الواحد تتنوع دلالته بالأفراد والأقران. هذه إشكالية الذين يقرؤون القرآن ولا يفهمون دلالات الألفاظ، أن اللفظ الواحد تختلف دلالته بحسب السياق الذي ورد فيه. فكلمة المشركون نعم أحياناً يراد بها الوثنيون، أحياناً يراد بها ما يعم اليهود والنصارى وثنيون، فإذا أنت لا تعرف دلالات الألفاظ ومتى تكون بالأفراد لها دلالة وبالاقتران لها دلالة، إذاً المشكلة في فهمك.

قال فيدخل فيه مع الأفراد والتجريد ما لا يدخل فيه عند الاقتران بغيره؛ كلفظ المعروف والمنكر في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157] فانه هنا يتناول جميع ما أمر الله به فإنه معروف، وجميع ما نهى عنه فإنه منكر. وفي قوله: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] فهنا قرن الصدقة بالمعروف والاصلاح بين الناس مع أن الصدقة من جنس المعروف.

وكذلك المنكر في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] قرن الفحشاء بالمنكر مع أن الفحشاء من المنكر، لكن أحياناً خلاص يقصد بالمنكر شيء مختلف عن الفحشاء. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90] قرن الفحشاء بالمنكر والبغي.

وكذلك لفظ البر والإيمان إذا أفرده دخل فيه وأدخل فيه الأعمال الصالحة والتقوى في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177] وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: 22] وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: 5] وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

وقد يقرنه بغيره كقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277]. وكذلك لفظ الفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه معنى الآخر، وقد يجمع بينهما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] فيكونان هنا صنفين، وفي تلك المواضع صنف واحد.

نعم، في المواضع التي يذكر فيها مثلاً المساكين وحدهم تمام أو الفقرا وحدهم يكونوا خلاص المسكين داخل في الفقير والفقير داخل في المسكين. إذا ذكروا معا يكون الفقير له تعريف والمسكين له تعريف آخر. فكذلك لفظ الشرك هذا هو المراد: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] فهذا يدخل في جميع الكفار، مشرك، وثنيون، يهود، نصارى؛ تمام.

افرده وجرده. وإذا كان قد قرن بين أهل الكتاب وبين المشركين، فبالتالي بيكون المشرك بمعنى الوثني مثلاً وأهل الكتاب غيره.

قال: وفي صحيح مسلم، عن بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل أميراً على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، واوصاه بمن معه من المسلمين خيراً. وقال لهم: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، وادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك إلى ذلك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فان لهم من المهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أن يكونوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، وليس لهم في الغنيمة والفيء نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية».

فسألهم الجزية، لأن الجزية عند جمهور الفقهاء على من تفرض؟ على أهل الكتاب فقط والمجوس. بالتالي هذا الحديث وإن كان يتكلم عن الكفار، لكن المراد بالكفار هنا إذاً أهل الكتاب بالتحديد مع المجوس. فهذا يقول لك إنه كيف إنه أنت يجب أن تفهم اللفظة وفق سياق الدلالة. هنا الكفار ليس مراد بهم الوثنيون، لأن الوثنيون لا يوجد جزية عليهم عند الجمهور على الأقل يعني.

قال: وهذا الحديث كان بعد نزول آية الجزية، وهي إنما نزلت عام تبوك لما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بالشام واليهود باليمن. وهذا الحكم ثابت في أهل الكتاب باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة، ولكن تنازعوا في الجزية هل تؤخذ من غير أهل الكتاب؟ وهذا مبسوط في موضعها.

قال فصل: قالوا: وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]. فساوى بهذا القول بين سائر الناس: اليهود والمسلمين وغيرهم.

والجواب أن يقال: لا حجة لكم في هذه الآية على مطلوبكم بأنه يسوي بينكم وبين اليهود والصابئين، وأنتم مع المسلمين متفقون على أن اليهود والكفار من حين بعث المسيح إليهم فكذبوه، وكذلك الصابئون من حين بعث إليهم رسولاً فكذبوه، فهم كفار. فإن كان في الآية مدح لدينكم الذي أنتم عليه بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا مدح دين اليهود؟ هذا باطل عندكم وعند المسلمين. وإن لم يكن فيها مدح لدين اليهود بعد النسخ والتبديل، فليس فيها مدح لدين النصارى بعد النسخ والتبديل. وكذلك يقال يهودي إن احتج بها على صحة دينه. وأيضاً فإن النصارى يكفرون اليهود، فإن كان دينهم حقاً لزم كفر اليهود، وإن كان باطلاً لزم بطلان دينهم، فلا بد من بطلان أحد الدينين، فيمتنع أن تكون الآية مدحتهما وقد أسويت بينهما.

فعلم أنها لم تمدح واحداً منهما بعد النسخ والتبديل، وإنما معنى الآية أن المؤمنين من محمد صلى الله عليه وسلم، والذين هادوا الذين تبعوا موسى عليه السلام. هذا هو الفهم الصحيح لهذه الآية، ليس كما يزعم اليوم بعض المبدلين لكلام الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال: إن الآية أن المؤمنين محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هادوا الذين تبعوا موسى عليه السلام. الذين هادوا هم اتباع موسى في زمنه. وهم الذين كانوا على شرعهم قبل النسخ والتبديل. والنصارى الذين تبعوا المسيح عليه السلام هم الذين كانوا على شريعته قبل النسخ والتبديل. والصابئين وهم الصابئون الحنفاء، كالذين كانوا من العرب وغيرهم على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق قبل العرب التي بقيت على ملة إبراهيم ولم تعبد الأصنام، هؤلاء هم الصابئون على التفسير المشهور.

فإن العرب من ولد إسماعيل وغيره الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة، وهو عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم بالشرك. ولعل بعض آباء النبي عليه الصلاة، أجداد النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا موحدين، يعني يقولون إن كنانة ومن أعلى من كنانة في نسب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على ملة إبراهيم ولم يكونوا يعبدون الأصنام، وأنهم مؤمنون موحدون أجداد النبي عليه الصلاة والسلام.

كما ذكروا في أبي كبشة. نعم، أبو كبشة كذلك أحسنت ما يذكر في أبي كبشة أنه كان من الحنفاء.

قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار»، وهو أول من بحر البحيرة وسيب السوائل وغير دين إبراهيم. وكذلك بنو إسحاق الذين كانوا قبل مبعث موسى متمسكين بدين إبراهيم كانوا من السعداء المحمودين. هؤلاء الذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم ونحوهم هم الذين مدحهم الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فأهل الكتاب بعد النسخ والتبديل ليسوا ممن آمن بالله ولا باليوم الآخر وعمل صالحاً، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. وقد تقدم أنه كفر أهل الكتاب الذين بدلوا دين موسى والمسيح وكذبوا بالمسيح أو بمحمد صلى الله عليه وسلم في غير موضع وتلك آيات صريحة ونصوص كثيرة وهذا متواتر معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن هؤلاء النصارى سلكوا في القرآن ما سلكوه في التوراة والإنجيل، يدعون النصوص المحكمة الصريحة البينة في القرينة الواضحات التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، ويتمسكون بالمتشابه المحتمل وإن كان فيما يدل على خلاف مرادهم، كما قال تعالى فيهم وفي أمثالهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7].

هذه قضية يعني متابعة المتشابه والتعلق به وترك المحكم هذه إشكالية معرفية في التاريخ الإنساني، يعني سواء عند الأديان أو حتى عند الفرق والملل والنحل، هي إشكالية أن الإنسان يأخذ من النصوص ما يشتهي ويترك من النصوص ما يشتهي ولا يعرف أن يجمع أطراف الحديث. هذه منهجية خطيرة جداً، سبحان الله، هي التي كانت سبب في نشوء الانحرافات الدينية والفرق الإسلامية.

قال فصل: قالوا: ثم مدح قرابيننا وتوعدنا إن أهملنا ما معنا وكفرنا بما أنزل إلينا أن يعذبنا عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، بقول ذلك في سورة المائدة إذ قال الحوارِيُّونَ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 112-115]. فالمائدة هي القربان المقدس الذي يتقرب به في كل قداس.

والجواب أن يقال: هذا كذب ظاهر للقرآن في هذا الموضع، كما كذبتم عليه في غير هذا الموضع، فانه ليس في الآيات ذكر قرابينكم البتة، إنما فيه ذكر المائدة التي أنزلها الله تعالى في عهد المسيح عليه السلام. وقوله المائدة هي القربان الذي يتقرب به في كل قداس هو أولاً قول لا دليل عليه، وثانياً هو قول معلوم الفساد بالاضطرار الدين.

ويريد أن يقول بولس الأنطاكي إن القرآن مدح قرابيننا وتوعدنا إن أهملنا ما معنا وكفرنا بما أنزل إلينا أن يعذبنا عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين. طيب، فالمائدة هي القربان المقدس؟ قيل الجواب: هذا كذب ظاهر على القرآن، كما كذبتم عليه في غير موضع، فإنه ليس في الآيات أصلاً ذكر قرابينكم البتة، وإنما فيها ذكر مائدة سينزلها الله من السماء إليكم أنزلها الله من السماء عليكم. وقولهم فالمائدة هي القربان الذي يتقرب به في كل قداس، هو أولاً قول لا دليل عليه، من قال إن هذا هو تفسير المائدة؟ وثانياً هو قول معلوم الفساد بالاضطرار من دين المسلمين الذين نقلوا هذا القرآن عن محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه هم متفقون على أن المائدة هي مائدة أنزلها الله من السماء وليست قرباناً أنتم تقربونه لله.

قال: قصتها من شهرة يعمها الكتب التي تعارفها العامة والخاصة، ولم يقل أحد أنها قرابين النصارى، وليس في لفظ الآية ما يدل على ذلك، بل يدل على خلاف ذلك. فإن الآية تبين أن المائدة منزلة من السماء، وقرابينهم هي عندهم في الأرض لم تنزل من السماء. وفي الآية أن عيسى قال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وفي أول الكلام: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فأنّى هذا من قرابينهم الموجودة اليوم؟

قال فصل: قالوا ولما تقدم به القول، لأنه غير لائق عند ذوي الألباب أن نهمل روح القدس وكلمة الله الذي شهد لهما في هذا الكتاب بالعظائم، فقال عن كلمة الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء: 159].

والجواب أن الله تعالى لم يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم بإهمال ما يجب من حق المسيح عليه السلام، بل أمره بالإيمان بالمسيح وبما جاء به. القرآن طلب عدم إهماله، ما الدليل على أن القرآن طلب عدم إهمال المسيح ابن مريم أصلاً؟ عندكم في سورة النساء: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، فسيأتي المسيح في آخر الزمان مرة أخرى، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً.

الجواب أنه نحن لم نبْعَث بإهمال أمر المسيح ابن مريم، نحن من قال لك إننا نريد إهمال المسيح بن مريم حاشاه، بل سينزل في آخر الزمان وسيقاتل معه أهل الإسلام.

قال: كما أمره بالإيمان بموسى وبما جاء به، وكما أمر المسيح بالإيمان بموسى وبما جاء به، ولكنه أمر بإهمال ما ابتدع من الدين الذي لم يشرعه الله على لسان المسيح عليه السلام ونسخه الله من شرعه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فيهمل المبدل والمنسوخ. كما أمر الله المسيح أن يهمل ما ابتدعته اليهود من الدين الذي لم يشرعه وما نسخه من شرع موسى، فكما أمر المسيح أن يهمل المبدل والمنسوخ من التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام ولم يكن في ذلك إهمال لما يجب من حق التوراة وموسى عليه السلام، فكذلك إذا أهمل المبدل والمنسوخ من دين أهل الإنجيل لم يكن في ذلك إهمال لما يجب من حق الإنجيل والمسيح.

بل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل، وأن لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

والنصارى كاليهود آمنوا ببعض وكفروا ببعض. فأيما هو اللائق عند أولي الألباب؟ أن نؤمن بجميع كتب الله ورسله، أو أن نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ وأيما هو اللائق عند أولي الألباب؟ أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً ونعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو نبتدع من الشرك والعبادات المبتدعة ما لم ينزل به الله كتاباً ولا بعث به رسولاً ونرضي المشركين وعباد الأوثان؟

قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

فالمسلمون لم يهملوا روح القدس وكلمة الله، وقد قال تعالى عن كلمة الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. بل هم الذين اتبعوا دينه ودين الرسل قبله، فإن دين الأنبياء عليهم السلام جميعهم واحد، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معشر الأنبياء ديننا واحد». وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].

فدين المرسلين كلهم دين واحد، وتنوع شرائعهم ومناهجهم كتنوع شريعة الرسول الواحد. فإن الدين المسيحي هو دين موسى، وهو دين الخليل قبلهما، ودين محمد بعدهما، مع أن المسيح كان على شريعة التوراة، ثم نسخ الله على لسانه ما نسخ منها. وهو قبل النسخ وبعده دينه دين موسى، ولم يهمل دين موسى.

موسى وكذلك المسلمون هم على دين المسيح، وموسى وإبراهيم وسائر الرسل وهم الذين اتبعوا المسيح. ولهذا جعلهم الله فوق النصارى إلى يوم القيامة.

والنصارى الذين بدلوا دين المسيح وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بريئون من دين المسيح، والمسيح بريء منهم، كبراء موسى ممن بدل وغير دينه وكذب المسيح. والمسلمون أشد تعظيماً للمسيح عليه السلام واتباعاً له بالحق ممن بدل دينه وخالفه من النصارى؛ فإن المسلمين يصدقونه في كل ما أخبر به عن نفسه، ولا يحرفون ما قاله عن مواضيعه، ولا يفسرون كلامه بغير مراده وكلام غيره من الأنبياء كما فعلت النصارى.

فإنهم يقولون عن المسيح إنه قال: عمد الناس باسم الأب والابن والروح القدس. وهذا إذا قاله المسيح فإنه يفسر بلغته وعادته في خطابه وعادة سائر الأنبياء، وليس في كلام المسيح ولا في كلام سائر الأنبياء ولا كلمة غيرهما أن كلمة الله القائمة بذاته سبحانه وتعالى تسمى ابناً ولا روح قدس، ولا تسمى صفاته القديمة ابناً ولا روح قدس. ولا يوجد قط في كلام الأنبياء اسم الابن واقعاً إلا على مخلوق، والمراد في تلك اللغة أنت مصطفى محبوب لله، كما يقولون إنه قال لإسرائيل: أنت ابني بكري.

الآن، إذاً، هناك ترجمة كلمة الابن. يعني الآن هي باللغة العبرية، ما دلالة كلمة الابن؟ هناك في اللغة العبرية في لغتهم المحبوب المصطفى، وليس معناها الابن بالمعنى الذي يعرف عندنا في اللغة العربية. وقال لداود: أنت ابني وحبيبي، ما معنى ابني؟ يعني محبوبي أو مصطَفاي وحبيبي. نعم قال إن المسيح قال للحواريين: أبي وأبيكم. فجعله أبياً للجميع وهم كلهم مخلوقون، فيكون اسم الابن واقعاً على المسيح الذي هو ناسوت مخلوق. فعمد هؤلاء الضلال فجعلوا اسم الابن يعني على اللاهوت، وهو الإله القديم الأزلي، مولود غير مخلوق، وزعموا أن الابن يراد به الابن بالوضع وهو المخلوق، والابن بالطبع وهو القديم الأزلي والمولود غير المخلوق.

وهذا التفريق هم أحدثوه وابتدعوه، ولا يوجد قط في كلام المسيح ولا غيره أنه سمى القديم الأزلي ابناً، ولا جعل له ابناً قديماً مولوداً غير مخلوق، ولا سمى شيئاً من صفات الله ابناً. وكذلك لفظ الروح القدس. بالتالي هذا يخليك تفهم أنه لو كانت فعلاً لفظة الابن هي ترجمة صحيحة، نحن ما عندنا مشكلة معها إذا فُسرت بالشكل الصحيح، أن المراد بالابن يعني -حتى أنت ما تسارع برضه في تحرير تقول: هذه مش موجودة، أكيد هذه من ألعابهم- لا؛ إنه قد تكون كلمة الابن فعلاً هي ترجمة لما ورد في الإنجيل فعلاً، لكن المراد بالابن ما هو؟ المحبوب المصطفى، وليس معنى الابن أن هذا ابن متعلق اللاهوت بالناسوت وأنه أزلي قديم، لا، هذه كلها من طابيسكم، لكن كلمة الابن قد تكون موجودة باللغة العبرية والمعنى المقصود بها المحبوب لله. حتى في سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، هذا الإنسان عندهم منتشر.

أحسنت، يعني كلمة متداوله في السياق اليهودي والنصراني. نعم.

قال: وكذلك لفظ روح القدس موجود في غير موضع من كلام الأنبياء عليهم السلام، لا يراد بهذا قط حياة الله ولا صفة قائمة به، إنما يراد به ما أيد الله به الأنبياء والأولياء، ويجعله في قلوبهم من هدى ونوره ووحيه وتأييده، ومما ينزل بذلك من الملائكة. وهذا الذي تسميه الأنبياء روح القدس لم يختص به المسيح باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، فقد أُنزله إلى غيرهم الأنبياء والصالحين كما هو موجود في كتبهم من أن روح القدس كانت في داود وغيره، وكانت أيضاً عندهم في الحواريين، وهكذا خاتم الرسل كان يقول لحسان بن ثابت: إن روح القدس معك. ويدافع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أيده بروح القدس. وقد قال الله تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بروح مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22].

روح القدس لا يختص بها المسيح عليه السلام، بل ما يفسر به اسم الابن واسم روح القدس وغير ذلك مما وصف به المسيح، فهو مشترك بينه وبين غيره من الرسل. وإذا فسروا الحلول بظهور نور الله وعلمه وهداه في الأنبياء، فهذا حق وهو مشترك بين المسيح وغيره، فأما نفس ذات الله فلم تحل في أحد من البشر.

أيضاً الحلول: إذا قصدتم بالحلول الحلول النوراني، ما عندنا مشكلة أن نقول إن نور الله يحل في يعني بنبي من الأنبياء، أما إذا قصدتم بالحلول الحلول الذاتي أن ذات الله تحل، لا، هنا مشكلة. نعم.

قال: والمسلمون مع شهادتهم للمسيح بأنه عبد الله ورسوله، يقولون إنه مؤيد منصور، عصمه الله من أعدائه وطهره منهم ولم يسلطهم عليه. والنصارى يدعون أن اسم المسيح اسم اللاهوت والناسوت وأنه إله تام وإنسان تام، وهذا يمتنعه شرعاً وعقلاً، ثم يصفونه بالصفات المتناقضة، يصفونه بأن طائفة من أشرار اليهود وضعوا الشوك على رأسه وبصقوا في وجهه وأهنوه وصلبوه وفعلوا به ما لا يفعل باخس الناس، ويقولون مع هذا إنه رب السماوات والأرض وما بينهما.

قال فصل: قالوا ثم شهد لقرابيننا ودبائحنا أنها مقدسة مقبولة لدى الله من كتب اليهود التي في أيدينا في أيديهم يومنا هذا المنزلة من الله لا على أفواه الأنبياء والمرسلين. قال أشياء: قال الله: إني أعرف بني إسرائيل وقلوبهم القاسية الخبيثة، فإذا أنا ظهرت إلى الأمم فنظروا إلى كرامتي أقيم منهم أنبياء وأبعث منهم مخلصين يخلصون الأمم من البلدان القاسية الذين لم يسمعوا بسمائي ولم يعرفوا من قبل كرامتي، ويكون اسمي فيهم، ويجلِبون إخوتهم من الأمم كلها، ويجلبون قرابين الله على الدواب والمراكب إلى جبل قدسهم بيت المقدس، فيقرُبون لي القرابين بالسميد كما كان بنو إسرائيل من قبل، وكذلك باقي الأمم تقرب القرابين بين يديه، فهم وزرعهم إلى الأبد يحجون في كل سنة وفي كل شهر، ومن سنة إلى سنة، إلى بيت المقدس بيت الله، ويقرُبون لله ربهم قرابين زكية نقية، ينظرون إلى الأمة الخبيثة المريضة بني اسرائيل لا يبلى حزنها ولا ينقض بلاؤها إلى الأبد.

قال دانيال النبي عليه السلام: سآتي على شعبك وقرية قدسك سبعون أسبوعاً، وتنقضي الذنوب وتُفن الخطايا وغفران للإثم، ويُؤتى بالحق الذي لم ينزل من قبل، وتتم نبوات الأنبياء وكتب الرسل، وتبيد قرية القدس وتخرب مع مجيء المسيح، ويفنى الميثاق العتيق من الناس، ومن بعد أسبوع ونصف ونصف تبطل ذبائح اليهود وقرابينهم وتصير على كف النجاسه والفساد إلى انقضاء الدهر.

وقال ميخا النبي عليه السلام: قال الله في آخر الزمان إذا أتى المسيح يدعو الأمم المبددة ويضعهم شعباً واحداً، ويقتل قتال بني إسرائيل وسلاحهم وقرابينهم إلى الأبد. وقال موسى النبي: لا تتبع لا تذبحوا العجول بعد، فإن الرب سياتي صهيون ويحدث وصية جديدة طاهرة صهيون يعني نعم، وصية جديدة طاهرة الخبز النقي والخمر الزكي، ويصير بنو إسرائيل مطرودين.

والجواب من وجوه: أحدها أن ما يحتجون به من النقل عن الأنبياء صلوات الله عليهم يحتاجون فيه إلى أربع مقدمات: إلى أن تعلم نبوة المنقول عنه، وإلى أن يعلم لفظه الذي تكلم به، وإلى أن يعلم أن ما ذكروه ترجمة صحيحة عنده؛ فإن أولئك الأنبياء لم يتكلموا بالعربية ولا بالرومية والسريانية واليونانية، وإنما تكلموا بالعبرية كالمسيح عليه السلام. والرابع أن يعلم أن ما ذكروه من كلام الأنبياء دليل على ما دعوه من قبول قرابينهم في هذا الزمان. ونحن في هذا المقام نقتصر على منازعتهم في هذه المقدمة، فليس فيما ذكروه دليل على مدح قرابينهم ودبائحهم بعد التبديل والنسخ.

يعني بدنا نتغافل قضية السند وهل صح هذا أصلاً عن الأنبياء، بدنا نتجاوز عن كل المقدمات ونقف عند النقطة الرابعة: أنه هل ما ذكرتموه من النصوص يدل على مدح قرابينكم في زمننا هذا، في زمن محمد صلى الله عليه وسلم؟ طيب.

قال: ولكن غاية ما يدل على مدحها قبل النسخ والتبديل، وهذا مما لا ينازع فيه المسلمون. قبل النسخ والتبديل احنا ما عندنا مشكلة في مدح قرابينكم، لكن بعد النسخ والتبديل انتهى. نعم.

وعلى الوجه الثاني: أن هذه النصوص المذكورة عن شعيا وغيره من الأنبياء لا توافق ما عليه النصارى؛ فإن النصارى لا يقربون القرابين بالسميد كما كان بنو إسرائيل من قبل، ولا يحجون في كل شهر ومن سنة إلى سنة إلى بيت المقدس بيت الله ويقربون الله ربهم في قرابين نقية زكية، وإنما يحجون إلى قمامة الخارجة عن بيت الله الذي كان يحجون إلى كنيسة القيامة، يسمى كنيسة القمامة. نعم.

قال: بيت الله الذي كانت الأنبياء تقصده تصلي فيه؛ فإن الأنبياء إنما كانوا يصلون في بيت المقدس ويزورون بيت المقدس نفسه، وأما قمامة فليس لها ذكر في كتب الأنبياء، ليست القيامة ليس لها أي ذكر في كتب الأنبياء. نعم.

قال: بل إنما ظهرت قمامة في زمن قسطنطين الملك، إنما أظهرتها أمه هيلانة الحطانية لما جاءت بيت المقدس واختارت من اليهود ثلاثة وسألتهم عن أن يدلوها على موضع الصليب فامتنعوا، فعاقبت موضع الصلب يعني أين صلب المسيح؟ فقالوا لها هناك جهة موضع كنيسة القيامة. طيب.

قال: فدلوها على موضع في مزبنة فاستخرجوه، وجعلته في غلاف من ذهب وحملته، وبنت الكنيسة كنيسة القمامة في موضعه كما ذكر ذلك ابن البطريق في تاريخه وغيره كما سياتي، وذلك بعد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، ومن ذلك الوقت أظهروا الصليب وجعلوا عيد الصليب، ولم يشرع ولم يشرع ذلك لا المسيح ولا الحواريون، وهذا مذكور في كتبهم متفق عليه بين علمائهم كما قد ذكر في موضع آخر. ولا هم يأتون بقرابين لله على الدواب والمراكب إلى جبل القدس بيت جبل القدس بيت الله المقدس. نعم.

الوجه الثالث: أن ما ذكروه عن دانيال لا يتضمن مدح دينهم بعد النسخ والتبديل، وإنما يتضمن أن الله يبعث المسيح عليه السلام بالحق الذي لم ينزل من قبل، وهو الدين الذي بعث به رسل قبله هو عبادة الله وحده، وأن بيت المقدس يخرب مع مجيء المسيح ويفنى الميثاق العتيق، يعني ما نسخ من شرع التوراة، وأنه يبطل ذبائح اليهود وقرابينهم، وهذا كله إنما يدل على نسخ شرع التوراة وبطلان دولة اليهود، ويدل على أن المسيح جاء بالحق ومن اتبع المسيح كان على الحق، وهذا مما لا ينازع فيه المسلمون؛ فإنهم متفقون على أن من كان مسلماً متمسكاً بما أمر به المسيح فانه من عباد الله الصالحين، ولكن من جاء بشرع لم يأت به المسيح أو أراد اتباع شرعه بعد النسخ فهو بمنزله اليهود الذين نسخ الله ما نسخوه من شرعهم وأزال دولتهم، وكذلك فعل بالنصارى لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أزيلت دولتهم عن وسط العراق وسط الأرض أخياراً، وحين بعثت الأنبياء كأرض الشام ومصر والجزيرة والعراق وأرمينية وأذربيجان وجلاهم إلى طرف الأرض من جهة الشمال والجنوب، وصار الذين في وسط الأرض منهم أحسن أحوالهم إذا لم يسلموا أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

وكذلك ما ذكره عن ميخا وعاموس إنما يدل على مجيء المسيح عليه السلام وإبطال ما نسخه الله أبطلة من شرع اليهود وملكهم، ولا يدل على صحة دين النصارى الذي لم يشرعه المسيح عليه السلام، ولا على صحته بعد أن نُسخ بِشرع محمد صلى الله عليه وسلم نسخاً هو أبلغ من نسخ بعض شرع موسى بشرع المسيح عليه السلام. هذا إذا سمي الشرع المؤقت بغاية مجهولة نسخاً؛ فإن الأول لم يبشر بالثاني. واما إذا كان الأول بشر بالثاني وكانت شريعة الأول مؤقتة إلى مجيء الثاني لم يسمى ذلك نسخاً، فالمسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم لم ينسخا شيئاً، بل كان شرع موسى إلى مجيء المسيح، وشرع المسيح إلى مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. نعم.

وأما ما حكي عن أشعيا نعم يعني ممكن تستغرب منه رأي في قضية النسخ هل هو بيان انتهاء للحكم أم هو إزالة الحكم رفع وإزالة؟ هو قال هذا إذا سمي الشرع المؤقت بغاية مجهولة نسخاً تمام. يعني إذا سمي يعني إذا صح أن سميها إذا في شرع وأنا أعارف إنه مؤقت بس بغاية مجهولة يعني موسى عليه السلام مش بس يعني قد يكون بشر بعيسى أو بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم. إذا مجرد ما سيدنا موسى بشر بشر محمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته إذا هو بالنسبة له كأنه يقول لبني إسرائيل شرعي هذا مؤقت لحتى يأتي محمد صلى الله عليه وسلم، بس متى مؤقت بغاية مجهولة أنا ما بعرف متى راح يأتي. إذا هو كأنه من البداية من البداية يخبرهم أن شرعه مؤقت بغاية، لكن الله أعلم أنها غاية ماذا؟ مجهولة.

هذا هل يسمى نسخاً؟ الغاية المجهولة هل يسمى التعليق عليها نسخاً؟ ابن تيمية يقول أو إذا وكانه نوع من عدم التسليم أصلاً لذلك، يقول: هذا إذا سمي الشرع المؤقت بغاية مجهولة. كيف مثلاً لو فرض النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه آية أو حديث ويقول: هذا نعمل به إلى أن يغيره الله، هو إذا من البداية أعطاهم مؤشر أن هذا سيزول، لكن متى؟ الله أعلم، هل هذا الذي يخبر ابتداء أنه مؤقت لكنه بغاية هل يسمى نسخاً؟ ابن تيمية الظاهر أنه لا يسلم هذا بهذا الإطلاق ولذلك قال.

فإن الأول لم يبشر بالثاني، وأما إذا كان الأول بشر بالثاني، نعم قال: وأما إذا كان الأول بشر بالثاني وكانت شريعة الأول مؤقتة لمجيء الثاني، لم يسمى ذلك نسخا. فالمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخا شيئا، بل كان شرع موسى إلى مجيء المسيح، وشرع المسيح إلى مجيء محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما ما حكي عن أشياء عن الله أنه قال: فإذا لا، عفوا إذا بدي أمثل، بدي أمثل للشرع المؤقت بغاية مجهولة. الأولى، لاحظ أنه جعلها تفرق عن مسألة إذا قال حتى مجيء محمد، كأنه جعل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم غاية معلومة إذا بتلاحظ. هو ايش قال؟ هذا إذا سمي الشرع المؤقت بغاية مجهولة نسخا.

ماذا يقول؟ وكذلك ما ذكروه عن الميكا وعاموس، إنما يدل على مجيء المسيح وبطلان ما نسخه الله وأبطله من شرع اليهود وملكهم، ولا يدل على صحة دين النصارى الذي لم يشرعه المسيح، ولا على صحته بعد أن نسخ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخا هو أبلغ من نسخ ما شرع من نسخ بعض شرع موسى بشرع عيسى.

قل هذا: إذا سمي الشرع المؤقت بغاية مجهولة نسخا، فإن الأول لم يبشر بالثاني. وأما إذا كان الأول بشر بالثاني -أجعلك أنا حالة ثانية- أما إذا كان الأول بشر بالثاني، وكانت شريعة الأول مؤقتة إلى مجيء الثاني، فكانه يقول، يعني هذا يجب أن يكون بالاتفاق: لم يسمى ذلك نسخا، فالمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخا شيئا، بل كان شرع موسى أصلا من البداية إلى مجيء المسيح، وشرع المسيح من البداية إلى مجيء محمد صلى الله عليه وسلم.

فكان ابن تيمية يفرق بين مسألتين: من مسألة أنه أنا أعرف من البداية أن هذا شرع مؤقت بس بغاية مجهولة، أعرف متى سترفع بمجيء من. وما بين أن يكون لا، من البداية أنا أقول لك: هذا شرع مؤقت بخروج نبي اسمه فلان.

كأن هي جعلها غاية معلومة، يعني صح أنت ما بتعرف زمنها، بس جعلها غاية معلومة من حيث ما عرفتك من هو النبي الذي أنت مطلوب أن تتبعه بعد مجيئه، فإذا كان بغاية معلومة كأنه يقول: هذا بالاتفاق لا يسمى نسخا. وأما إذا كان مؤقت التشريع بغاية مجهولة، فهذا الذي يمكن البعض أن يسمى نسخا أو لا يسميه نسخا، نعم.

قال: وأما ما حكي عن أشياء، ما حكي عن أشياء عن الله أنه قال: فإذا ظهرت، ظهرت إلى الأمم فإذا ظهرت إلى الأمم، نعم، قال: فهذا قد يحتج به النصارى وبأمثال من كلام الانبياء عليهم السلام عن الحلول الذي ابتدعوه وباطل، فإن مثل هذا أن الله حل بعيسى -يعني لأنه يقول: إذا ظهرت هل الله يظهر؟ لا يمكن أن يظهر الله إلا إذا حل، هيك يقولون والعياذ بالله- إذا ظهر في جسد المسيح وهذا كله باطل.

قال: فإن مثل هذا اللفظ مذكور في الكتاب في غير موضع، ولا يراد بشيء منها حلول ذات الله في أحد من البشر، كما ذكر في التوراة أن الله استعلن لإراهيم وغيره. ما معنى استعلن؟ هل معنى أنه ظهر بذاته، وأن الله يأتي من طول سيناء ويشرف من سعير ويستعلن من جبال فاران، اللي هي جبال تهامة وجبال مكة؟ فهذه كلها الظهور والاستعلان هنا لا يقصد به الظهور الذاتي أو الحلول أنه حل في جسد مخلوق حتى يستعلن، وإنما لها دلالاتها، أن قد دل الدلالات المجازية، يعني أن شريعته ستظهر من هذه المناطق، وليس المراد أنه ظهور ذاتي لذاته أو حلول لذاته في شيء من مخلوقاته.

ومعلوم عند جميع أهل الملل أن الله سبحانه وتعالى لم يحل في موسى ولا غيره لما كلمه، ولا يحل في شيء من جبال فاران مع اخباره أنه استعلن منها. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]، فظهره بالعلم والحجة والبيان، وظهره باليد والسنان.

كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِكَ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: 35]. قال ابن كعب: مثل نوره أي هو نور الله في قلب المؤمن. فهذا هذه معاني الظهور، الظهور الإلهي أو الاستعلان الإلهي، أن يظهر نوره في قلبك، نور الإيمان والعلم على مثل هذه المعاني.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]، وكذلك قوله: روحا من أمرنا، فهذه كل هذه المعاني للاستعلان والظهور يجب أن تحمل على ظهور شرع الله في قلبك، نور الله في حياتك، وليست معناها أن ذات الإاله حلت في ذات المخلوق والعياذ بالله.

قال في الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فانه ينظر بنور الله». بنور الله، هذا نور الله عز وجل يقذفه، وليس المراد أن الله يحل فيه. نعم، قال: ثم قضى أن في ذلك الآية للمتوسمين، المتفرسين يعني، نعم. قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وقد جاء عن بعض السلف أن قلوب المؤمنين تضيء لأهل السماوات كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، والمخلوق الذي تظهر محبته وذكره وطاعته في بعض البلاد يقال: فلان قد ظهر في هذه الأرض. فإذا ظهر ذكر الله وذكرت أسماؤه وصفاته وتوحيده وآياته وعبادته حتى امتلات القلوب بذلك بعد أن كانت ممتلئة من ظلمة الكفر والشرك، كان ذلك مما أخبر به من ظهوره، وهذا اعظم ما يكون. فكان ظهور الله في الأرض إنما المراد به إذا ظهور توحيده، ذكره، شريعته، كما قلت.

وهذا أعظم ما يكون في بيوته التي يعبد فيها ويذكر فيها، وأعظم ذكر ظهور لله هو ظهور الصلاة له في المساجد وأماكن العبادات: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]. وكذلك ما في ذلك، ما في الكتب من ظهوره ببيت المقدس، كظهوره بطور سيناء وبجبل فاران، ومع هذا فلم يره موسى ولا غيره لا مجردا ولا حالا في غيره. وقد أخبر المسيح أنه لم يره أحد، كما أخبر غيره، وذلك نفي عام يجب أنه لا يرى لا مجرد ولا حالا في دار الدنيا، كما قد بسط هذا في موضع آخر.

ومعلوم أن ملابسة الشيء أبلغ من رؤيته، فإذا كان الرب تعالى لا يراه ناسوت فإنه لا يلامسه ناسوت بطريق الأولى والأحرى. إذا كان الله لا يراه جسد فلان، لا يحل في جسد من الأجساد أولى وأحرى. والنصارى يزعمون أن اتحد هو والناسوت، يعني الجسد المخلوق، وهذا أعظم من الرؤية إذا كان الله لا تراه النواسيت -إذا صح الجمع- فما بالك أن يحل في هذه الأجساد؟

قال فصل: قالوا: فماذا يكون أعظم من هذا برهانا وأقوى شهادة، إذ هذه كتب أعدائنا المخالفين لديننا وهم يقرون بذلك ويقراونه في كنائسهم، ولم ينكروا منه كلمة واحدة ولا حرفا واحدا؟

والجواب: أن الأمر إذا كان على ما قالوه من ثبوت هذه الكلمات عن بعض الأنبياء، فليس فيها مدح لدينهم بعد التبديل، فكيف بعد النسخ والتبديل؟ إنما فيها اخبار بزوال ملك بني إسرائيل وبنسخ ما نسخ من شرع بمجيء المسيح عليه السلام، وهذا دليل على نبوة المسيح وصدقيته، وهذا مما اتفق عليه المسلمون والمسيح عليه السلام عندهم، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 45-46].

وأما قولهم إن هذا وغيره موجود في كتب أعدائنا اليهود، فيقال لهم: لا ريب أن اليهود يخالفونكم في تفسير الكتب، فانتم تفسرونها بشيء وهم يفسرون بشيء آخر، وقد يكون كلا التفسيرين باطلا.

وحينئذ فيقال لكم: كما أن كتب الأنبياء شهيدة للمسيح ولدينه وإن خالفتكم اليهود في تفسيرها، فكذلك هي شاهده لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وإن خالف أهل الكتاب في تفسيرها كما بين الله في كتب الأنبياء صفة محمد وأمته في غير موضع.

والواجب في الكتب إذا تنازعت الأمم في تفسيرها أن يبين الحق الذي يقوم عليه الدليل الشرعي والعقلي، وحينئذ تبين أنكم فسرتم كتاب الله بأشياء تخالف مراد الله بأمر التثليث والاتحاد وغيره، كما فعلت اليهود بتفسير كل الكتب كما قد بسط في غير هذا الموضوع.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، احنا مضطرين لهالدرس عندنا ظرف صغير إن شاء الله لازم نخرج له الآن. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.