يا رب، طيب. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. الصوت جيد؟ قبل أن نشرع، يكون جيد. بسم الله، الصوت جيد إخوان عبر اليوتيوب؟ ممتاز.
طيب، نبتدئ مستعينين بالله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله في صبيحة يوم الخميس، ومع برنامجنا المتكرر بحمد الله ومنته وقوته، تراث، حيث نعيش في تراث الأئمة الكبار، ونعيش الآن وما زلنا نعيش في تراث أبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى عليه، وفي الكتاب الثامن من كتبه، وهو رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي رسالة نافعة في قواعد السياسة الشرعية. دعونا نقول في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على واقع الأامة، وعلى واقع الجماعات، وعلى واقع الأفعال، وعلى واقع الطوائف.
وأظن أننا شرعنا في الرسالة الماضية في المجلس السابق، وأخذنا مجموعة من القواعد المهمة حقيقة والأساسية، والتي ينبغي لكل المشتغلين بالحقل الدعوي وبدعوة الناس إلى الخير وإصلاح المجتمعات أن يفهموا ما يقول ابن تيميه وأن يعقلوا القواعد التي قالها. فإنما أتينا في كثير من الأحيان بالجهل بهذه القواعد، حتى من المتصدرين أو ممن يدعي أنه يعمل في الحقل العلمي أو الدعوي، أو أنه من أهل الخير والصلاح. الجهل بقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قواعد الحسبة، وكيفية الحكم على الطوائف والأفراد والجماعات، أدى إلى فرقة الأمة وزياده خلافها، ونفر بعضهم عن بعض، بدلاً من أن يكون هناك تأليف للقلوب على مرضاه الله عز وجل.
فلذلك، فهم هذه القواعد -حتى الإنسان إخواني على مستوى بيته، ترى هذه القواعد يعني كما تكون على مستوى المجتمع، تكون حتى مستوى الأسرة الصغيرة- عندما يرى الإنسان في بيته منكراً، كيف ينكر هذا المنكر؟ وكيف يتعامل معه؟ وكيف يأمر بخير الخيرين، ويدفع شر الشرين، ويتحمل الضرر الأدنى دفعاً للضرر الأعلى؟ تمام، هذه القواعد كلها من القواعد المهمة، لأن كثيراً من الناس حتى ممن يسألنا من الإخوة والأخوات في حياتهم الخاصة، نجد عدم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسبب لهم إشكالات كبيرة في حياتهم الأسريّة وتدافعاً وتزاحماً ترهقه نفسياً وحياتياً، ويصبح لا يستطيع أن يتعامل مع واقع أسرته ويتكيف معه.
طبعاً التكيف -يعني هل يمكن أن أتكيف مع واقع فيه شيء من المنكرات؟- أحياناً قد يكون هذا مفروضاً عليك، وبالتالي تفهم كيف تقوم بعملية التدريج في دفع شر المنكر والبدء بأعلاه، وغض الطرف عن أدناه إلى أن أصل إلى مرحلة أخرى وخطوات أخرى، وهكذا. فالمهم هذه الرسالة حقيقة نافعة في يعني بيان هذه الأمور وقواعدها، وقد أشرنا إلى قسم منها في الدرس السابق، ودرس السابق واليوم بإذن الله نكمل مع شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله عليه حيث وصلنا في صفحة واحد وعشرين.
واصل هذا، أقرأ شيخ؟ بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين والمستضعفين المؤمنين. آمين. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر وارادته لهذا وكراهته لهذا موافقاً لحب الله وبغضه وارادته وكراهته الشرعيتين.
هذه القاعدة الأولى؛ أصل هذا الباب، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغض الإنسان للمنكر وإرادته لهذا أي للمعروف وكراهته لهذا إلى المنكر، موافقة لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته، إرادته للمعروف وكراهته للمنكر الشرعيين. وهذا يعني أن الإنسان عليه أن يعرف أي الامرين أحب لله فيأتي به، وأي الامرين أبغض لله في هذا الواقع فيدفعه. وهذا ينبني على أنك أنت محبتك للشيء تبع لمحبه الله له.
الذي يحصل عند بعض الناس ما هو؟ أنه يكره شيئاً الآن في هذه الواقعة، ليس هو الأبغض لله. يعني هناك أمران مبغوضان لله صحيح، لكن هناك أحدهما أبغض من الآخر لله، فأنت تشتغل بالأقل بغضاً لله؛ لأنك أنت تريد أن تنكر هذا، وتريد أن تراه الأكثر، لكنه في المرتبة الشرعية هو ماذا؟ هو الأقل، خاصة إذا كان لك حظ نفس في إنكار الأقل بغضاً لله. فهمتم ماذا يحصل؟
يعني هذه الطائفة أو هذا الشخص وهذه الجماعة -مستوى أفراد أو أشخاص أو طوائف- تمام، الآن هناك مراتب في المنكرات التي يفعلونها، تمام، هناك مراتب في المنكرات التي يفعلونها، فهناك منكرات هي أبغض لله من غيرها، هناك منكرات يفعلونها هي أبغض لله من غيرها، فأنت لأن لك حظ نفس في إنكار المنكر الأقل تنشغل به، وتبقى طول الوقت تحوم حوله، وتترك الانكار على المنكر الأعلى، فهذا يوجد في عندك خلل. الأصل أن يكون محبتك للمعروف أو بغضك للمنكر هو تبع لمحبه الله للمعروف وبغض الله للمنكر. فما كان يحبه الله أكثر أنت تحب إيجاده أكثر صحيح، وما كان يبغضه الله أكثر أنت تبغضه أكثر، فتنشغل بما يبغضه الله أكثر، تنشغل بدفعه وإبعاده عن الناس، ثم تنتقل إلى ما هو أقل شراً وأقل بغضاً، فتبدا تصلحه، وهكذا.
فلذلك يقول شيخ الإسلام: وأصل هذا الباب أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغض الإنسان للمنكر وإرادة الإنسان للمعروف وكراهة الإنسان للمنكر موافقة في معاييرها -صحيح، لازم تكون معاييرها في قلبك موافقة لحب الله للمعروف وبغض الله للمنكر، وإرادة الله لهذا الشيء، وكراهة الله لهذا الشيء الشرعي- طبعا مراد الإرادة الشرعية والكراهة الشرعية وليس الإرادة الكونية.
طيب قال: وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وهذه القاعدة الثانية؛ وأن يكون فعلك يا أيها الإنسان للمحبوب للمعروف ودفعك يا أيها الإنسان للمنكر بحسب ماذا؟ القدرة والطاقة. فلا تكلف نفسك فوق طاقتك، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه». قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: «يعرض نفسه من البلاء ما لا يطيق».
تأتي تنكر منكراً أنت تعرف أنه سيلحق عليك من الأذى والضرر الكبير ما لا يحتمله إيمانك ولا جسدك، فهذا من تعريض نفسك للذل، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. تمام، أنا والله أعرف أني هذا استطيع أنكر بهذه الطريقة، أكثر من هذا لا استطيع وإلا سأعرض نفسي للبلاء الشديد والفتنة في ديني، فلا ينبغي للمؤمن أن يعرض نفسه للفتنة الشديدة وللبلاء الشديد في دينه.
نعم، أي إنسان يعمل بالمعروف ينهى عن المنكر يؤذى، لكن في هناك أذى متحمل، في هناك أذى فوق الطاقة، فوق طاقة إيمانك. أنت ممكن يكون بالنسبة لشخص آخر عادي بيستحمل، بس أنت فوق طاقة إيمانك، فيجب على الإنسان أن يكون فقيهاً بنفسه، عارفاُ بقدراته، متبصراً بأحواله وطاقته وقدرته قبل أن يقدم على نوع معين من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
نعم قال: فاما حب القلب وبغضه وارادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان. نعم، لأنه أنت -احنا قلنا- أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر حسب القدرة والاستطاعة صحيح يا شيخ أمر بس هذا، لما يكون باللسان، الانكار باللسان أو الانكار بايه باليد الجوارح، أما الإنكار بالقلب وهو أضعف الإيمان، فهذا ما في قدرة واستطاعة، هذا يجب أن يكون كاملاً جازماً، لأنه لا أحد يستولي على قلبك، ما حدا من كل الظالمين والفاجرين له سلطة على قلبك وباطنك. فقولنا: وأن يكون فعله ودفعه بحسب القوة والقدرة، هذا إذا كان إنكار المنكر باللسان أو بالجوارح، أما بالنسبة للقلب فلا قدرة ولا استطاعة، بل هذا ينبغي أن يكون كاملاً جازماً، هذا لأنه عمل لا يمكن أن يجبرك شخص على خلافه.
نعم قال: واما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته، فانه يعطى ثواب الفاعل الكامل، كما قد بيناه في غير هذا الموضع. فان من الناس من يكون حبه وبغضه وارادته وكراهته بحسب محبته، بحسب محبته.
لاحظ هذه القاعدة الجميلة؛ ومتى كانت إرادة القلب وكراهته تامة، وفعل العبد على حسب قدرته، أعطي ثواب الفاعل الكامل. يعني أنت فلان وفلان، كلاهما منكر للمنكر في قلبهما، أنا استطاعتي من حيث الإنكار باللسان أو الجوارح أعلى من استطاعة فلان من حيث اللسان والجوارح. كلانا يحصل ثوابه كاملاً، هو يستطيع ينكر أربعين بالمئة، أنا استطيع أنكر ستين بالمئة، تمام، لكن كلانا في القلب مشتركان أننا نكره هذا الشيء ونبغض، فهو يأخذ الثواب كاملاً وأنا أخذ الثواب كاملاً. ليه؟ لأن هو فعل على وفق استطاعته، وأنا فعلت على وفق استطاعتي.
والقاعدة الشرعية في باب الأوامر ما هي؟ ما أخذنا في: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. مثلاً شخص حتى نطبقها في الصلاة، شخص عاجز عن الصلاة قائماً يصلي قاعداً، ويأخذ أجره كاملاً، ليه؟ لأنه هو هذه طاقته، فلا ينقص أجر القاعد عن أجر القائم في الصلاة إذا كان قعود ذلك الشخص عن عذر وعجز، صحيح.
نعم قال: فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبته، نعم، أو بحسب بحسب محبته نفسه. نعم أو بحسب محبته يعني ما تحبه نفسه، هذا يريد أن يقوله كما قلنا قبل قليل. نعم، بحسب محبته نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله، وهذا من نوع الهوى.
شوف هذا مهم إخواني، تجد شخص وهذا موجود اليوم كثير، تجد طائفتين -أنا ما بحبش التطبيقات الكثيره الواقعية حتى نخفف شوي- تجد طائفتين، طائفة عندها منكر، لكنه كما قلت درجة ثانيه أو أخف من المنكر التي تفعله الطائفة الأخرى، تمام. يعني حتى نكون أكثر وضوحاً، تجد طائفة من الجماعات الإسلامية عندها منكر، لكن أخف بكثير مما يفعله المستبدون والظالمون صحيح؟ طائفة من طوائف الإسلاميين قد يكون عندها منكرات، وعندهم حب للدين عموماً، عندهم دعوة وممارسات دعوية، وعندهم شيء من ماذا؟ من المنكرات. وهناك ظالمون مستبدون على رقاب الناس، عندهم من الفجور في الأرض ما عندهم. تجد هذا الشيخ أو هذه الطائفة أو الداعية، أو من يسمي نفسه طالب علم، ينشغل طوال عمره بإنكار منكر هذه الجماعة، والتعزير عليها، وكشف أمورها، وأنهم متعصبون وحزبيون وحركي، ويعطيك. ماشي خلصنا! طب الظالم المستبد الذي أنت تأكل من طعامه وتشرب من شرابه، لا هذا! ويفعل من الفجور أكثر ما عند هذه الطائفة، تجده يغض الطرف عن ذلك الآن.
فهو عندما تناقش امثال هؤلاء الشباب، يقول لك: يا اخي، أنت لا ترى المنكر عند هذه الطائفة؟ نعم، بس بقول له: أنت أيضاً لا ترى ما هو أكثر من هذا فجورا عند ذاك الشخص. بقول لك: نعم بس أنه يبدأ يتمحلس، لأنه هو الأكثر بغضاً لله! الأكثر بغضاً لله وما فعله مستبد، لكن أنت تريد أن تنكر المنكر عند هذه الطائفة لحظ في النفس. فهمتم؟
فهو صحيح في الظاهر ينكر المنكر وأن هذه الجماعة فعلاً أنا اتفق معها عندها منكر، لكن هو يختار إنكار هذا المنكر وينشغل به لحظ في نفسه أن ينصر شيخه على شيخ أو طائفته على طائفة. ولذلك تجده ينشغل بالمنكر الأدنى عن المنكر الأعلى، ويصب جهده واهتمامه في مجالس الخاصة والعامة على إنكار المنكر الأدنى. والمنكر الأعلى -أقل أحواله- أن يسكت عنه، للاسف بعضهم تصل به الحال أن يشرعن، مش بس يسكت، أن يشرعن! لكن خليني أقول في أحسنهم أحوالاً أن نقول لك: والله نعم فلان عنده منكر، لكننا أمرنا بالطاعة والجريمة، يجيب لك طب الديباجة التي لابد منها حتى يبرر لنفسه طول الوقت ماذا؟ أن ينشغل بهذا المنكر.
فابن تيمية الله يرضى عنه، هو يلاحظ آفات النفوس، يلاحظ أن بعض الناس يختار إنكار منكر معين، ليس لأنه الأكثر شراً الآن، بل لأن له هوى في إنكار هذا المنكر. شوف هي الدقيقة إخواني! لأن له هوى في إنكار هذا المنكر، تمام. لأن هذه الطائفة ليست محسوبة عليه، أو بينها وبين شيخه مناكفات، أو شيخ انشغل بها، فيصب طاقته وحياته وعلمه في الكلام عن هذه الطائفة، وانشغال الناس بمنكراتها، ويمله ذلك أيضاً من الفجور في الخصومة على صرف النظر عن خيرها. شوف، هو فجور ويصرف النظر عن خيرها وما قد تبذله في أماكن هو قد لا يكون بذل فيه.
نعم قال: فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ فإن أصل الهوى هو محبة النفس، ويتبع ذلك بغضها. والهوى نفسه، وهو الحب، وهو الحب والبغض الذي في النفس، لا يلام العبد عليه؛ فإن ذلك لا يملكه. وهذه القاعدة اكتب من عند: والهوى، هذه وكان ينبغي أن يضع الفاصلة قبلها: والهوى نفسه وهو الحب والبغض الذي في النفس، لا يلام العبد عليه فإن ذلك لا يملكه، وإنما يلام على اتباعه. هذه قاعدة.
مهمة الآن. أنت لا تحاسب على نفس الهوى الذي في قلبك؛ الهوى ما هو؟ الحب، ويتفرع عنه البغض. صحيح؛ الهوى والححب ويتفرع عنه البغض. الآن يقول ابن تيمية: أنت لا تلام على ذات الهوى، يعني عفواً، أنت تهوى في قلبك معصية معينة، تمام؟ تهواها، يعني تحب أن تفعلها، مجرد حبك للذة، مجرد حبك للذة وتجد نفسك تريدها، هذا أنت لا تلام عليه، وإنما تلام على ماذا؟ على اتباعك للهوى، يعني أن تأخذ إجراءات وخطوات تسير مع هذا الهوى.
الآن حتى نكون واقعيين، كثير منا يشتهي أموراً قد لا تكون في معيار الشريعة مقبولة، لكنها نحن نهواها، نحبها، لكن ما الذي يمنعنا منها؟ التدين، صح؟ ما الذي يمنعنا منها؟ التدين، نقول يعني صح احنا نهوى هذا الملذ، لكن نعرف أن دين الإسلام يمنعنا منها، فبالتالي لن أتبع هواي، لن أتبع هواي، ولذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40].
تمام، الله عز وجل دائماً في القرآن الآية ما يقول لا تهو، ايش يقول؟ لا تتبعوا أهواءكم، دائماً في القرآن الله لا يقول لك لا تهوى، ماذا يقول لك؟ لا تتبعوا أهواءكم، صحيح؟ فإذاً ابن تيمية يقول، طبعاً أكيد من كمال الإيمان أن يصبح هواك ومحبوبك تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، من كمالات الإيمان: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً...». أن يصبح هواك وما تشتهيه وتلتذه هي الأمور الصحيحة الموافقة للشرع، لكن أكثر الناس لا يقوى على هذا المقام، أكثر الناس لا يقوى، أكثر الناس تجد عنده رغبة في نوع من المعاصي والذنوب، لكن يمنعنا من ذلك تدينه، نقول: جزاك الله خيراً. فلذلك ماذا يقول شيخ الإسلام؟ الهوى نفسه، وهو حبك للشيء ويتفرع عنه بغضك لما يقابله، لا يلام العبد عليه؛ لأنه شعور باطني، شعور باطني أنت لا تملكه، تمام؟
فلان هوى فتاة، تمام؟ وقد يدخل في قلبك هواء، الآن مجرد أن دخلت في قلبك هواة هذه الفتاة، مجرد دخول ابتداءً أنت لا تملك هذا، لكن ما الذي تمنع منه؟ أن تتبع هذا الهوى، بأن تتبع ذلك بالخطوات والأفكار والنظر والمتابعة وما شابه ذلك، أليس كذلك؟ فالمهم يقول: وإنما يلام على اتباعه. أنت تلام ليس على الهوى كهوى، وإنما تلام على اتباع الهوى، كما قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾ [ص: 26]. لا، هذا قال: ولا ما قال لا تهو؟ قال: ﴿لَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾، اتباع الهوى هو المشكلة. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص: 50].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». وثلاث مهلكات ومنها هوى متبع. أما الهوى إذا حجمت ولم تتبعه فأنت في مساحة يعني إن شاء الله أنك معذور فيها، وإن لم تكن هي أعلى كمالات الإيمان. نعم.
قال: والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة وغير ذلك، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، بل قد يتمادى به. والحب والبغض يتبعه في الوضع الطبيعي ماذا؟ ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة وغير ذلك، تمام؟ فمن اتبع ذـ يعني الحب يتبعه ذوق عند وجود الشيء المحبوب، والبغض يتبعه يعني كره مثلاً عند وجود الشيء المبغض، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، بل قد يتمادى به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه.
طيب، واتباع الأهواء في الديانات اعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، أه، شوف هي قاعدة: اتباع الأهواء في أمور الديانات أعظم وأشد سوءاً من اتباع الأهواء في أمور الشهوات. أن تتبع هواك في العقائد ستخترق العقائد البدعية، أن تتبع هواك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال هذه القاعدة: هذا أسوأ من اتباع الهوى في الشهوات. واحد يتبع هواه فينظر نظرة محرمة، أو يتبع هواه، طيب هذا غلط ومنكر وو... إلخ، لكن يقول: ما هو أشد ضرراً من أن تتبع هواك في أمور العقائد وأمور الديانات وأمور الجماعات وأمور الطوائف؟ للاسف تجد البعض، وهذا انتبهوا لها يا شباب، تجد البعض يحكم هواه في باب الشهوات، لكنه ساقط في اتباع هواه في باب العقائد صحيح، واتباع هواه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيظن أنه على صلاح وعلى خير وهو تارك لما هو أهم.
يعني أنت جزاك الله خيراً أنك كبحت هواك في باب الشهوات، لكنك تركت ما هو أهم وهو أن تكبح هواك في باب الديانات والعقائد وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا فساده أعظم وباله شديد. نعم قال: فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين. كما قالـ فإن الأول اللي هو اتباع الأهواء في الديانات، نعم قال الله: كما قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ۖ هَلْ لَكُم مِّنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوۡا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: 28]. وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: 77]. والآن استقل الآيات التي ذكرت اتباع الهوى في اليهود والنصارى والمشركين والعقائد والذبائح.
طيب وقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]. وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]. وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
ولهذا كان من خرج عن موجب عن كان كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة، عن موجب يعني عما يقتضيه، عما يقتضيه الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء والعباد، يجعل من أهل الأهواء. نعم، لذلك في العادة كلمة أهل الأهواء تطلق على ارباب الشهوات ولا أرباب الشبهات؟ الشبهات. هذا المصطلح في كتب العقيدة دائماً يقول لك: أهل الأهواء، اهل الأهواء لا يطلق على مثلاً من عنده شرب خمر أو من مثلاً يفعل معاصي معين، أهل الأهواء إنما يطلق على أصحاب البدع من الرافضة والجهمية والمعتزلة وما شابههم، اختاروا لهم مصطلح أهل الأهواء.
طيب قال: كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدي الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الله تعالى في موضع: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 119]. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه، ومقدار حبه وبغضه، هل هو موافق شايف ومقدار هي كلمة مقدار حط تحت خط لأنه هي اللي حكيناها ومقدار حبه وبغضه هل أنت مقدار حبك للأشياء وبغضك للأشياء تبع لمقدار حب الله لها وبغض الله لها؟ أم أنت تضخم منكرات على حساب منكرات على هواك، وتضخم معروف على حساب معروف على هواك؟ نعم قال: هل هو موافق بأمر الله ورسوله، وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكون مأموراً بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدماً فيه بين يدي الله ورسوله؟
فانه قد قال تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله، يعني فكل من أحب شيئاً قبل أن يأمره الله ورسوله بمحبته، أو أبغض شيئاً قبل أن يأمره الله ورسوله ببغضه، فأنت قد تقدمت على الله ورسوله، والله يقول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1].
نعم قال: ومجرد الحب والبغض هو هوى، لكن المحرم منه اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله. نعم، هذه كرر القاعدة مرة أخرى أن الهوى هو أن مجرد الحب ومجرد البغض هو هوى، وإنما أنت منهي عن ماذا؟ عن ليس الهوى، عن اتباعه. نعم، ولهذا قال الله لنبيه داوود: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. فاخبر أن فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله، وهو السبيل إليه وتحقيق، إذاً اتباعك لهواك يضلك عن سبيل الله، يخرجك عن السكة، اتباعك لهواك يخرجك عن السكة.
نعم، وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها، وقد قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله وهو تفسير هذه الآية نعم قال: أخلصه وأصواب العمل. قال الفضيل: أحسن العمل هو أخلصه لله وأصوبه في اتباع السنة. قال: فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
فالعمل الصالح لابد أن يراد به وجه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما اريد به وجهه وحده، كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فانا بريء منه، وتركته للذي أشرك». وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده أن يعبدوا ولا يشركوا به شيئاً.
ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحاً، وهو ما أمر الله به ورسوله وهو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح، كل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون، إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، وهو الحسن، وهو البر، وهو الخير، وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والشر والظلم والبغي. ولما كان العمل لابد فيه من شيئين النية والحركة، أي عمل يحتاج إلى همة اللي هو همام وحارث، دائماً ذكر همام وحارث، نية وحركة، أي عمل هكذا يكون.
نعم قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام». فكل أحد حارث وهمام، له عمل ونيّة، حارث بيعمل حركة، همام بيعمل نيّة. نعم قال: لكن النية المحمودة التي يتقبلها التي يتقبلها الله ويثيب عليها هي أن يراد الله وحده بذلك العمل، والعمل المحمود هو الصالح وهو المأمور به. ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وإذا كان هذا وإذا إذا كان هذا حد كل عمل صالح، فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون كذلك. هذا في حق الآمر الناهي بنفسه، ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم. وماذا يريد أن يقول في النهاية؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أليس عملاً من الأعمال يا مشايخ؟ فحتى يكون من أحسن العمل، حتى يكون عملاً تصنيف وعمل صالح، إذاً هو زيه زي باقي الأعمال يحتاج إلى أمرين: إلى نيّة صادقة، وإلى ماذا؟ وأن يكون وفق مراد الشارع، شرط قبول الأعمال.
فبعض الناس بقول لك: أنا خلاص، أنا نيتي صالحة، بدي آمر بالمعروف وانهى عن منكر، بقوله: تمام، لكن عليك انك تعرف هل أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر يسير بالطريقة الشرعية ولا لا؟ يعني لا نكفي صلاح النية هنا، لا تكفي صلاح النية أنه هدفك الإصلاح والله أنا نيتي خير، أنا حاب أزيل المنكرات، جزاك الله خيراً اخي أنت نيتك طيبة، فاهمين نيتك وجود الإسلام، لكن مجرد النية الصادقة وحدها لا تكفي، لابد وأن يكون أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وفق قواعد الشريعة، مثله مثل أي عمل لا يقبله الله حتى ولو كانت النية صادقة إلا إذا كان وفق قواعد الشريعة.
نعم، كما قال عمر بن العـ ابن عبد العزيز رحمه الله: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. شوف من عبد شوف هذه الكلمة العظيمة: من عبد الله بغير علم كان ما يفسده في واقع الأمة أكثر مما يصلحه. ويدخل في ضمن العبادة هنا محمد ايش؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (يعني لو قلنا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بغير علم هيك بدلها) كان ما يفسد في حياة الأمة أكثر مما يصلح، كان ما يفسده أكثر مما يصلح.
نعم قال: وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: العلم إمام العمل والعمل تابعه، فالعمل هو تابع للعلم. نعم قال: وهذا ظاهر، فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام. فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالامر والنهي على الصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. فلهذا أتى.
قبل قليل بفكرة اتباع الهوى أنتم فاهمين. لماذا أتى بفكرة اتباع الهوى؟ هو بده يقول لك إن كثير ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى لو صلحت نيته، هو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على كيفه بدون علم. إذا كان بدون علم، إذاً هو اتباع للهوى، حتى لو صلحت نيته. ما دمت تأمر بالمعروف وليس على القواعد الشرعية، وتنهى عن المنكر ليس على القواعد الشرعية، إذاً أنت لست متبعاً، وإنما أنت مبتدع. ولذلك المبتدعة ليش هم أصحاب الأهواء؟ هم قوم خلصت نياتهم لله، ما عندي مشكلة أنا، لكنهم عبدوا الله بغير علم بالبدع، فهم أهل الأهواء من هنا.
نعم، ولا بد في ذلك من الرفق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف». ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى. فلا بد أن يحصل للأمر بالمعروف والناهي عن المنكر صفات: أولاً، الرفق، وهذا واضح. ثانياً، لابد أن يكون حليماً صبوراً على الأذى، فإنك ستؤذي في هذا الباب.
قال: فإن لم يحلم ولم يصبر كأنما يفسد أكثر مما يصلح. فإذا كان الأمر بالمعروف لا يحلم على الناس ولا يصبر على أذاهم راح تقلب مشاكل وهوش، صح ولا لا؟ فكأنما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. ولهذا أمر الله الرسل -وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بالصبر. كقوله لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم بل ذلك مقرون بتبليغ رسالتي؛ فإن أول ما أنزلت عليه سورة المدثر بعد أن أنزلت عليه سورة اقرأ، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]، ماذا ختم الآيات الخمس الأولى أو السبعة الأولى؟ ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7]. يعني هذا مقرون بتبليغ الرسالة؛ بدك تبلغ الرسالة ولربك فاصبر، ما فيها نعم.
قال: فافتتح آيات الارسال إلى الخلق بالإنذار، وختمها بالامر بالصبر ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّور: 48]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. وقال -ونفس الإنذار يعني لما قال: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2]- الإنذار ما هو؟ هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، إذاً قم فأنذر ولربك فاصبر؛ فكانه ذكر الأمر بالمعروف ثم اتبعه بضرورة الصبر.
وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115]. فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والصبر. إذاً خلاصة ما مر، لابد من العلم قبل أن تباشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابد من الرفق، ولا بد من الحلم والصبر. أي ثلاث قواعد وثلاث صفات في الأمر بالمعروف.
قال العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه أي في أثناء ممارسته، والصبر بعده على ما ستلحق من النتائج. وإن كان كل من الثلاثة لابد أن يكون مستصحباً في هذه. وإن كان يعني العلم لا نقول إنه هو قبل الأمر بالمعروف فقط، بل أيضاً يكون معه وبعده، وكذلك الرفق يكون قبله ومعه وبعده، بس يعني هذه مواطنها الرسمية خلينا نقول.
قال: وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف، وروه مرفوعاً ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به حليماً فيما ينهى عنه. وليعلم أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يوجب صعوبته على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدع، وذلك قد يضر.
لما نشطت هذه الخصال في الذي سيمارس الدعوة، العلم والرفق والصبر، يجد كثير من الناس يقول لك: يا اخي والله هذا باب الأمر بالمعروف صعب، بدو علم ورفق وصبر، والله أنا ما بقدر، خلاص إذاً أنا معفو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيها خصال معينة وهذه المعايير مش موجودة فيها، أنا انسان عصبي أنا إنسان ما بصبر، فيظن أن ذلك يعفيه من ماذا؟ من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هل فعلا هذا يعفيك؟ ماذا يقول؟ قال: فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدع، وذلك قد يضره أكثر مما يضره الأمر. قلة ترى تركك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضرس أكثر مما يضره الأمر بالمعروف وهو لم تكتمل فيه هذه الخصال. لسا تأمر بالمعروف وأنت لم تكتمل فيك هذه الخصال أفضل من أن تترك كل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنك لا تتوفر فيك الخصال.
قال: فإن ترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه في الأمر معصية؛ فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار. فإن تركك للأمر بالمعروف الواجب الآن -في معروف واجب- تركك الأمر به معصية، كما أن فعل ما نهي عنه في الأمر بالمعروف معصية، يعني أنك تمارس الأمر بالمعروف بطريقة خاطئة حرام، صح؟ أن تمارس الأمر بالمعروف بطريقة خاطئة شو حكمه؟ حرام. طيب أن تترك الأمر بالمعروف؟ هو برضه حرام. فأنت في كلا الحالتين بدك تنتقل من هون إلى هون أو من هون إلى هون، أنت واقف بالحرام، فعليك إذاً أن تخلص من الحرام جملة. كيف أخلص من الحرام جملة؟ أن تأمر بالمعروف بالطريقة الصحيحة وتغلب نفسك في أن تكتسب الخصال الثلاث، هذا هو الحل الوحيد يعني.
قال: والمنتقل من معصية إلى معصية كالمستجير من الرمضاء بالنار. الرمضاء هي الصحراء الشديدة الحرارة. قال والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل، قد يكون الثاني شر من الاول وقد يكون دونه وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه الذي يمارسه بطريقة خاطئة. قال قد يكون ذنب هذا اعظم وقد يكون ذنب ذاك اعظم وقد يكونان سواء، يعني احيانا قد يكون هذا ذنبه اعظم من هذا وقد يكونان سواء على حسب كل مسألة بنفسها.
ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه، أن المعاصي سبب المصائب. فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات الأعمال. طبعاً سيئات المصائب شو هي سيئات المصائب؟ عواقب المصائب. قال: وإن الطاعة سبب النعمه. فحسان العبد العمل سبب لإحسان الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]. كما أن الحسنات النعم -يعني النعم التي هي حسنات وخير وبركة- هي نتيجة ماذا؟ حسنات الأعمال. فهمت علي؟ هي هكذا.
سيئات المصائب هي نتيجة سيئات الأعمال، وحسنات الحياة وحسنات النعم هي نتيجة ماذا؟ حسنات الأعمال نعم. وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. هنا الحسنة بمعنى النعمة والخير، وما أصابك من سيئة اللي هي المصائب والبلايا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْضَا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]. وقال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 34].
طيب شو جاب قضية المعاصي هنا؟ يعني بحب إنكم تكونوا معنا، يعني شو ايش قضية المعاصي هنا؟ ايش علاقتنا فيها؟ أتكلم عن إنه ترك.. ترك.. أحسنت، إنه قلنا بعض الناس يستثقل خصال الأمر بالمعروف فيترك. فقلنا له يا عمي تركك للأمر بالمعروف ايش؟ معصية، وهذه المعصية تؤدي إلى مصائب. فأتى لقوله إن المعاصي سبب للمصائب، ومن المعاصي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه تؤدي إلى مصائب، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].
وقال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: 48]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. وقد أخبر الله سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من الأمم، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا، وأخبر بما سيعاقبهم به في الآخرة.
ولهذا قال المؤمن آل فرعون: وقال الذي آمن: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: 30-33]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [القلم: 33]. وقال: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101]. وقال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]. وقال: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: 10-11] إلى قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16].
ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا وما أعده لهم في الآخرة، وقد يذكر في السورة وعد.. وعد الآخرة فقط؛ إذ عذاب الآخرة أعظم وثواب.. يعني الوعد مع الوعيد. نعم، قال: إذ عذاب الآخرة أعظم وثوابها أعظم وهي دار القرار، وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعقاب في الدنيا تبعاً. كقوله تعالى في قصة يوسف: وكذلك مكنا ليوسف.. يعني أساس العقاب والثواب في الآخرة، فإذا ذكر الثواب والعقاب في الدنيا فهذا فقط من باب التبع وليس هو الأساس.
قال تعالى: وذ.. فقد يموت الظالم ولا يعذب في الدنيا، لكن يعذب في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: 56-57]. وقال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 41-42]. وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: 27]، وشاف ذكر أجره في الدنيا والآخرة هي الأهم.
وأما ذكره تعالى لعقوبة الدنيا والآخرة، ففي مثل: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: 1-2] ثم قال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: 6-7] فذكر القيامة مطلقة، ثم قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: 15-16] ثم قال في نفس السورة يعني نعم: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17] إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]. فذكر.. فهنا في بداية سورة النازعات ذكر أهوال الآخرة وعقوباتها، وفي منتصفها لما ذكر عذاب فرعون ذكر عذاب فرعون في الدنيا، فهنا جمع بين ذكر عقوبة الدنيا والآخرة في سورة النازعات. ثم ذكر المبدأ والمعاد مفصلاً، فقال في سورة النازعات نعم: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27] إلى قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34] إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 37-40] طيب إلى الآخر.
وكذا في سورة المزمل ذكر عقوبة الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 11-12] كع.. وجحيماً، وين هذا؟ في الآخرة. ثم قال إلى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: 16] أين هذا؟ في الدنيا. فذكر عقوبة الدنيا والآخرة.
وكذا في سورة الحاقة ذكر قصص الأمم كثموع وعاد وفرعون، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: 13-15] إلى تمام ما ذكر من الج.. نعم. فذكر أولاً عذاب ثمود وعاد في الدنيا وفرعون، وهذا عقوبة الدنيا، ثم ذكر أهوال الآخرة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: 30] وهذه عقوبة الآخرة.
وكذلك في سورة نون والقلم ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به، ثم قال تعالى عاقبهم به وهي الدنيا نعم: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 33]. وكذلك في سورة التغابن قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ﴾ [التغابن: 5].
أمرهم، ولهم عذاب أليم. ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا، فكفروا وتولوا واستغنى الله، والله غني حميد.
ثم قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7]. وكذلك في سورة «ق» في ذكر حال المخالفين للرسل، وذكر الوعد والوعيد في الآخرة، وكذلك في سورة ذكر المخالفين للرسل وما عقب في الدنيا أصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط، ثم ذكر الوعيد في الآخرة في آخرها.
نعم قال، وكذلك في آل حم، وكذلك سورة القمر ذكر هذا وهذا أي عقوبة الدنيا والآخرة. وكذلك في سور الحاميم مثل غافر والسجدة والزخرف والدخان ما يذكر عذاب الدنيا والآخرة.
نعم قال إلى غير ذلك مما لا يحصى في أن التوحيد والوعد والوعيد من أول ما أنزل؛ كما في صحيح أول ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشه أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال -هذا مر معنا البارحة مع النسائي فض القرآن- فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضر! قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لما؟ قال: لأؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ ويهز. كيف أن عائشه لما قلت لكم تلمح في هذا الرجل أنه مشكلجي شوي، يعني: أي الكفن خير؟ قالت له يعني ويحك وما يضرك؟ يعني أكفن بأي شيء تسألنا أي الكفن خير؟
نعم قالت وما يضرك؟ آتِ اقرأ قبله، يعني اقرأ من أي سورة. نعم قال: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية أعبث: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.
قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه. سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي. شايف؟ قد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت الآخرون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون ذلك من ذنوب الساكتين، هذا ذنب أنك تسكت.
نعم قال: وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه، فيقول وفي المقابل يخرج جماعة فينكر على هؤلاء لكن انكارا بطريقه غير شرعيه، فيكون هذا ذنب أيضا؛ فكما أن السكوت عن منكرات ذنب -وهذا الذي يحصل تر في الواقع تشوفون ابن تيميه رصد رص واقعه، هو بيحكي عن زمان، هو بيحكي عن زماننا، كمل هي الفقرة كلياتها عشان اقول لك شو راي- قال: فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا.
شوف! وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا، وهو كمل قال: إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر.
واخر اه، الآن احنا في واقعنا المعاصر شو مشاكلنا يا جماعة؟ أنه في منكرات يفعلها الظالمون والمستبدون خلينا نحكي بشكل عام، صحيح؟ فتختار جماعة السلامة لنفسها ولا تريد أن تامر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، تمام؟ احنا يعني عادة ما يسمون هؤلاء مميعين مش مميعين، طيب، بيجوا جماعة آخرين متحمسين شوي: لا يا شيخ، بدنا نمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونريد أن نقيم الإسلام ونمنع الطغاة، فيامرون بالمعروف وينهون عن المنكر أيضا بطريقة غير شرعية، فينتج من هذا مشاكل من الجهة الأخرى، ونسمي هؤلاء عادة احنا إيش الغلاة؟ احنا مشاكلنا في الواقع المعاصر بين هاتين الطائفتين.
هذا الذي يرصد ابن تيمية بالضبط، يقول: يوجد منكر من شخص أو طائفة من المستبدين والظالمين، فتختار طائفة عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم من أجل دنياهم، خلص: ولك أنا ما بدي أبلش حالي ولا أوقع حالي مشاكل وسجون وبوس من القفا. هذول يعني الناس يعني ميعوا، بينما تجد شباب لا قررت أن تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا نريد أن يبقى هذا، لكنهم لم يتعلموا قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ماذا سببوا؟ أمر بالمعروف غير شرعي ونهي عن المنكر غير شرعي.
فأيضا كما أن هؤلاء أخطأوا هؤلاء أخطأوا، وهذا ما يسبب الخلاف في الأمة، وانه يصبح يظن ذاك الأمر بالمعروف: طب أنا يا اخي انا عملت احسن منك، على الاقل انا امرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، انت ساكت! لا، مين قال لك انك انت دائما احسن منه؟ قد تكون انت احسن منه في جهه، لكنك اسوا منه من الساكت في جهه، ممكن، ممكن على الاقل الساكت يعني ما عملنا مصائب، ما أدى إلى سفك دماء إخواني، أنت ممكن سببت سفك دماء إخوانك، أليس كذلك؟
فهذه الموازنة دائما ربنا بتنميها هي مشكلة، والحق هو الذي في المنتصف، أن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالعلم والقواعد الشرعية، هكذا هو الحق وهكذا يقل الخلاف الأمة.
نعم شيخنا، الاول صاحب المنكر، الثاني اللي ما انكر، والثالث اللي انكر خطأ. ما فهمت ايش مين الاول والثاني والثالث؟ هسه الاول المذنب، نعم، اجا واحد ما انكر عليه وسكت، واجا ثاني انكر عليه وبطرق غير شرعية، فكلهم مخطئون؛ اللي واقع في المنكر مخطئ، واللي سكت عن المنكر مخطئ، واللي انكر المنكر بطريقه غير شرعيه برضه مخطئ.
نعم قال: ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك. شوف شوف الكلام! ومن تدبر الفتن الواقعة في الأمة وجد سببها من هؤلاء الثلاث: ممن وقع في المنكر، وممن سكت عن المنكر، وممن هذا الثالث انتبهوا له وممن انكر المنكر بطريقه غير شرعيه، هذا زاد المشكلة ما حلها، هذا زاد المشكله ما حلها، فالغلاة دائما يزيدون المشاكل ولا يحلونها هكذا تفهم الغلاة يزيدون المشاكل ترى ولا يحلونها.
نعم وكذلك المميع برضه حتى ما يضن وكذلك المميع هم جزء من المشكلة. نعم قال: وأن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعه من العامة من الفتن هذا اصله، هذا اصل الفتن.
نعم يدخل في ذلك اسباب الضلال والغي التي هي الاهواء الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا، وذلك أن أسباب الضلال والغي التي هي البدع في الدين والفجور، والفجور أسباب الضلال والغي ما هي؟ هي الأهواء الدينية اللي هي البدع، والشهوات وهي الفجور. تمام هذا أسباب الضلال هو يا بدع يا يعني هي باختصار أسباب الضلال يا شبهات يا شهوات، الشبهات اللي هي إيش؟ البدع، الشهوات هي الفجور، بس كل مرة بعبر عنها بشكل العلم.
طيب قال: مشتركة تعم بني آدم لما فيه من الظلم والجهل، فبذ بعض الناس يظلم نفسه وغيره بفعل الزنا أو التلوث أو غيره، أو بشرب خمر، أو ظلم في المال بجناية أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك. قال: ومعلوم أن هذه المعاصي أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة في الطبع أيضا، ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بشيء وزيادته عليها، لكن تريد أن يحصل لها ما يحصل له، وهذا هو الغبطة.
بس ركزوا ركزوا في هذا الكلام اللي بقوله، هنا بدا يحلل ظاهرة نفسية عند كثير من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كيف يدخلهم الهوى؟ لاحظ ماذا يقول معلوم اقرا مرة ثانيه ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة في العقل والدين الآن يقول مثلا مثلا الشهوات علاقة الرجل بالنساء الآن هذه المعاصي خلينا نجي على علاقة الرجل بالنساء والمال، أنه عادة إنما نؤتى من المال أو من النساء، طيب هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة في العقل والدين لكنها محبوبة للطباع نتفق على هي مشايخ، يعني أن في طبعك الرجل يميل إلى الأنثى والأنثى تميل إلى الرجل فنقول: هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة في العقل والدين لكنها مشتهاة في الطباع البشرية هكذا البشر.
والآن من شأن النفوس البشرية أنها لا تحب اختصاص غيرها بشيء وزيادته عليها، شو يعني؟ أنه احنا لأننا يعني بشر وفينا هذا الضعف كل واحد فينا ما بحب أنه يكون أخوه عنده اختصاص بشيء مش عندي وعم بحصل اشياء زيادة عني، طبعا هذا إيش علاقته هون؟ أنه أنا راح أشوف هذا الرجل معه مصاري أكثر مني، واحنا من طباعنا بنحب المال وبشوف يا اخي مثلا عنده علاقات مع نساء كثر عنده يعني بهذا الباب كثير وانت مقتصر على امرأة واحدة مش قادر تتزوج ثاني، تمام بس تقريب الصورة أنه احنا بطباعنا لا نحب أن نرى إخواننا اختصوا بأشياء مش عنا ويزيدون علينا فيها.
طب هذا إيش أثره راح يكون في الأمر بالمعروف النهي عن المنكر؟ خلينا نكمل قال: لكن تريد أن يحصل لها ما حصل له وهذا هو الغبطة، أحسن واحد فينا اللي بحب يكون عنده زي ما عند أخوه، بحب إنه أخوه يكون أعلى منه، صح؟ هذا احسن واحد لسه، اللي عنده غبطة هلي عنده حسد بيتمنى زوال النعمة عن أخوه، لكن أحسن واحد فينا اللي إيه اللي يعني قال أنا ما بدي إخواني يزيدوا علي بس أنا برضى أني أكون احنا وياهم نفس الشيء، لكن أخوي يزيد علي بضل في النفس إيش غصة أنه بيزيد علي في المال أو بيزيد علي في في النساء أو الزوجات.
طب ما عشان هيك بتلاقي واحد مزوج أربعة الشب المتزوج واحدة كل شوي بتطلع عليه بعدين ما حد قص صح، هذي علاقات شرعية صح، ليه هو شاعر أنه هذا متزوج أربعة يعني عنده أربع خيارات، أنت متزوج واحدة، فبتشعر أنه هو إيش أنا بتمنى له الخير يعني، بس برضو بتمنى واحد لحاله الخير فكرة قضية، لأنك تشعر هي هي أنت تشعر أنه اختص وزاد عنده اختصاص أكثر منك.
طيب قال: وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد، فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه، الحسد هذا أسوأ أنك تتمنى زوال النعمة عن أخيك.
طيب قال: وإن لم يحصل فيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات، فكيف إذا رات الغير قد استاثر عليها بذلك واختص بها دونها؟
نعم إذا فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه، يعني النفس البشرية في الوضع الطبيعي تريد ماذا؟ النفوس وأحضرت الأنفس الشح، النفس البشرية هي في الوضع الطبيعي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار بالخير لها أو تحسد الآخرين وتتمنى زوال النعمة عنه.
طيب الآن وإن لم يحصل فيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات، يعني أو تحسده اظن هي الفاصلة مكانها غلط صح؟ إذا بتوافقوني: أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه، وإن لم يحصل فيه يعني هي تحسد آخرين وتتمنى زوال النعمة، وإن لم يحصل فيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات تمام، يعني هي قد تتمنى زوال النعمة عن الآخرين وان لم ترد أن تختص بالشباب.
قال: فكيف إذا رأى الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها؟ نعم إذا فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه، يعني النفس البشرية بطبيعتها تريد الاستئثار بالخير، تريد العلو، هي النفس البشرية بطبعها تحب الاستئثار والاختصاص وتحب العلو في هذه الأمور. طب متى يزداد هذا الموضوع فيك شراسة في داخلك؟ إذا رايت غيرك على عليك واختصني، تحب الاستئثار والاختصاص وإن لم تر من علا عليك، وإن لم تر من علا عليك، طب فكيف إذا رأيت من علا عليك واختص عليك وزاد عليك؟ بصير الصراع النفسي عندك أكثر وأكثر.
إذا فكيف إذا رأى الغير قد استأثر عليها واختص بهذه اللذائذ دونها؟ فيصبح الدافع النفسي لمواجهة هذا الشخص أعلى وأعلى.
قال: فالمنهج المعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي، إذا فالإنسان المعتدل السوي نفسيا اللي بقول أنا برضى أنه نكون احنا زي بعض، صح؟ بس أنك تكون أعلى مني والله هذا رح أبلش أشعر بالغضب الداخلي.
نعم قال: وأما الآخر فظلوم حسود، وأما الآخر الذي لا يريد زوال النعمة عن إخوانه ولا يحب أن يشاركوه ويكونوا في نفس المستوى فهذا ظلوم حسود، وهذان يقعان في الأمور المباحة والامور المحرمة لحق الله، فما كان جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال.
إذا وهذا التنافس وهذا الحب أن يكون هو الأعلى والمستأثر يقع سواء في الأمور المباحة زي ما حكيت هذا عنده زوج هذا عنده أربع زوجات، ويكون في الأمور المحرمة هذا عنده ذنب ذاك عنده علاقات كثيره مثلا بس بطرق غير شرعيه، فهذا الحب للاستئثار والاختصاص مين قال فقط في الأمور المباحة؟ بل كما يقع في الأمور المباحة يقع في الأمور المحرمة هي شهوات.
نعم قال: فما كان جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب واموال، إذا وقع فيها الاختصاص حصل بسبب ذلك الظلم والبخل والحسد، وأصله وأصل ذلك كله شح النفس، شحيحة كل واحد يحب الخير له.
نعم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا». ولهذا قال الله تعالى في وصف الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9] أي من قبل المهاجرين ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ أي لا
هذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والظلم بأخذ مال الغير، ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد وهو كراهة ما اختص به الغير وتمني زواله.
فهذا هو الغبط الذي هو أدنى نوعي الحسد، فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل. ففي النفس من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أن تختص عن غيرها بالشهوات. يعني النفس في الحالة الطبيعية تحب الاختصاص، وإن لم يعلُ أحد عليها فكيف إذا علا أحد عليها؛ يصبح الدافع لمهاجمته وانتقاده وإسقاطه أعلى وأعلى.
تمام. قال: فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والظلم لأخذ ما للغير، ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد وهو كراهة ما اختص به الغير.
وحقيقة تحقيق الكتب هذه مسؤولية، يعني الإنسان لا يحقق كتاباً إلا إذا كنت عارفا بكل معاني يعني وتجلس، يعني لا تخرج كتاب للسوق وتحط اسمك عليه إلا يا أخي أنك تكون متأكد أنك قرأته مرتين وثلاث وأربع ووضعت الفواصل في أماكنها، وأن النص يقرأ بشكل صحيح. أما أنك تتعب نفسك وأخوانك، وآخر شيء نكتشف أن الفواصل في مكان خطأ والإشارات، يعني حقيقة، وبعد ذلك أنت مشكلتك أنك تتاجر بالكتاب، يعني هو مش الكتاب وقفي نقول والله جزاه الله خيرا. لا، خُذْ عمل مع، مو أنت أنت عم تكتسب وتتجرد، الأصل يكون في تقوى الله لدى المحققين والانتباه أنك إذا أردت تحقق وتكتسب يا أخي ما عندي مشكلة، عموماً لكن اتق الله في إخوانك وأخرج شيئاً صحيحاً حتى إذا أكلت مالاً بالجهد يكون مالاً شرعياً.
الآن قد يعفى عن الخطأ والخطين والثلاث والأربع مما يصعب الاحتراز منه للإنسان، لكن تكثر الأخطاء في بعض الكتب لدرجة أنه يصبح أن تقول هذا الرجل ما اتقى الله لما أخرج هذا الكتاب وأكل أموال الناس بالباطل. نعم.
قال: والحسد فيه بخل وظلم، فإنه بخل بما أعطيه عن غيره، وظلم بطلب زوال ذلك عنه. فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة فكيف بالمحرمة كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك؟ وإذا وقع اختصاص فإنه يصير فيها نوعان؛ أحدهما: بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم كما يقع في الأمور المباحة، والثاني: بغضها لما في ذلك من حق الله.
الآن شو بقول، دخل في الموضوع قال: بالتالي احنا عرفنا أن النفس لا تحب أن يختص غيرها عنها لا في الأمور المباحة ولا في الأمور حتى المحرمة، صح؟ فإذا أنا شفت أخي المسلم عنده اختصاص عني بس في أمور محرمة؛ تمام يعني أنت متزوج وهو عنده علاقات مع العديد من النساء لكن بغير طريقة الزواج، هسه هو يختص ويزيد في العلاقات بس بشكل محرم ولا مباح؟ محرم. قال: كثير من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تشتبك عليهم الأمور فيكون هو يبغض أخاه أو يريد أن ينكر عليه لبعدين مش لبعد واحد؛ هو يريد أن ينكر عليه أولا أنه مغيوظ منه ليش عنده اختصاص حتى بامور محرمة بس خلص ليش عنده اختصاص أكثر مني؟ ويريد أن ينكر عليه من جانب ماذا؟ المحرم الذي هو واقع فيه، اختلطت النوايا.
وهذا يحصل مثلاً بتشوف إنسان بيشتغل في دائرة حكومية ومسؤول وعنده أموال كثيرة وسيارات وكذا، وأنت عارف إنه يأخذها بالرواشي والأمور من تحت الطاولة وما شابه ذلك، بدك تيجي تنكر عليه بقول لك: أهد شوي، أنت لماذا بدك تنكر عليه؟ هل تأكدت من صفاء النية؟ لأنه أحياناً بيكون عندك بعدين في هذا الإنكار؛ جانب أنه حظ نفس، أنه أنت زعلان ليش هو أعلى منك معه سيارات وفيه، وأنت بدك تأكله أكل من أجل ماذا؟ تقدم وضع المادة عليك. ومن جانب الأمر الآخر وهو أنه ماذا يفعل محرمات رشاوي وما شابه ذلك.
فيقول الذين ينهون عن المنكر كثيراً ما يختلط عليهم هذا البعد بهذا البعد، وبالتالي يختار إنكار هذا المنكر مع أنه هناك منكر أعلى منه في الوجود؛ لأنه هذا المنكر ليش أنا اخترته؟ لأنه في حظ في النفس فيه، أنه هذا بدي أنكره لأنه يعني في في معه مال وكذا مش عندي بدي أضلني أبهدل فيه وكذا وكذا. يا أخي أنت تأخذ رشوة، أنت تفعل كذا كذا. طب شيخ بقول لك: في واحد أعلى مني بيعمل هيك أو في واحد مثلاً بيعمل منكر أسوأ من المنكر الذي أفعله؟ قال له: لا، أعطيني شغال فيك، لأنه هو الحقيقة أنه أنا عندي بعدين في إنكار هذا المنكر: بعد لله، وبعد لحظ النفس، أنه أنت ليش مختص عني بهذه السيارات أو بهذه الأموال؟ وقس على ذلك كثير.
قد تجد شيخاً كما قلنا شغالا في جماعة معينة عندها منكرات طول الوقت ينكر عليهم، هنا تجد أنه أحياناً يكون عنده بعدين في إنكار المنكر؛ فعلا في منكر عندهم بينكر، وثانياً أنه قد يرى أن هذا الشيخ الذي ينكر عليه عنده رئاسة وشهرة وجمهور أكثر منه، يعني تجد شيخ متصدر يقع منه بعض المنكرات وهو عنده أيضاً ماذا؟ هذه أيضاً شهوة، الشهوات مش ضروري تكون حسية، قد تكون شهوات أيضاً معنوية، ولكن عنده من الجمهور والمتابعين وكذا الآلاف المؤلفة، فأنت بتيجي أمام الناس بدك ايش تعمل حالك أنك بدك تنكر المنكر، وفعلاً بيكون الشيخ أخطأ وفعل منكراً فأنكرت المنكر، بس في بعدين؛ بعد أنه ليش أنت مختص عني بجمهور أو متابعين أكثر مني، والبعد الثاني أنه فعلاً أنت وقعت في منكر إحنا ما بنحلل هالأمور.
أو سبحان الله قد تجد هذا الشيء في نفسك بس بتسعى أنك تقول: لا لا لا مش قصدي، الأمر الثاني مش لأنه مختص عني بأكثر أنا بس لأنه فعل منكراً. وتكون الأمور متصارعة في الداخل، ولو أنك صادق؛ ولو أنك صادق لأنكرت أو لاشتغلت بمن يفعل المنكرات غير هذا الشيخ، يعني إذا كان شغلك الشاغل بمن يفعل المنكرات أفضع مما يفعل هذا الشيخ؛ ماشي، هذا الشيخ يوقع على المنكر بس في النهاية عنده آثار طيبة وأعمال خيرة صحيح، وهناك من الظالمين والمستبدين من يفعل الفجور وأنت حضرتك ما تنكر عليه؟ ليه؟ لأنه هون في حظ، بينما هناك ما في حظ، فهمت؟
فأنت تختار هذا المنكر لأنه في حظ للنفس في إنكاره، وتترك ذاك المنكر فلا تنشغل به لأنه لا حظ للنفس في إنكاره وإنما إنكاره فقط سيكون حظاً لله، شوف هذه المناطق التي تشتبك فيها النيات.
كمل قال: ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام؛ أحدها: ما فيه ظلم للناس كظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق والحسد ونحو ذلك، والثاني: ما فيه ظلم للنفس فقط كشرب الخمر والزنا إذا لم يتعد ضررهما، والثالث: ما يجتمع فيه الأمران مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزني بها ويشرب بها الخمر.
وهذا سبحان الله هذه قضية تكثر في النساء بسبب الغيرة اللي عندهم، تجد أخت تنكر على أختها في أبواب هي تنكر عليها غيره؛ يعني أن أختها حصلت من الخير ما لم تحصله هي وجارت ماذا منه؟ اه والله لله، يعني تختلط عندهم بس بعد الغيرة الموجود عند النساء، هذه الغيرة بتخليها تنكر أشياء عند أخواتها؛ شوفي فلانة، شفت فلانة شو سوت؟ شفت فلانة شو عملت؟ الله يهديها بتسوي كذا وكذا. طب أنت لما أنكرت هذا المنكر هل فعلاً لله ولا في جانب برضه شعورك أن هي اختصت عليك بشيء دونه؟ الغيرة اللي عند النساء تجعل كثير من إنكارهم للمنكرات مخلطة؛ مخلطة أنه أخت اختصت بشيء مش عندها مع وجود بعد المعصية والذنب.
نعم قال: مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزني بها ويشرب بها الخمر، ومثل أن يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم، كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان. نعم، هو يقصد أن بعض المسؤولين قد يتعلق بامراه ويصير بينه وبينها علاقة محرمة فيقع فيه ماذا؟ ظلم للنفس في الزنا بهذه المرأة، وظلم للناس أنه تصير هي عشيقته بده يعطيها منصب ويقدمها على غيرها، يجعل فيها وكذا وكذا، بتعرف أنه بدها تصير تلبي له طلباته وهي وهو يلبي لها طلباته فيقدم على الناس وبواسطة ويرفعها، فهو فيما ظلم للنفس وظلم للغير نتج بسبب علاقته بهذه المرأة أو علاقته بالمردان والعياذ بالله.
نعم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك. فيش معنى هذا الكلام؟ هذه قاعدة جميلة في فهم سياسة المجتمعات؛ يعني كيف قد يحصل استقرار في المجتمع؟ إيش بقول يا عبد الرحمن؟ قد يكون هناك آثام، لكن هناك عدل فستقيم الأمور، أما إذا كان هناك ظلم ولم يكن في موجود ما في معاصي بس في ظلم، لا تستقيم.
أحسنت، يعني قد يكون مجتمع يوزع عليهم شيء فيه نوع من الإثم، بس يوزع عليهم بالتساوي؛ أنت تحصل وهذا يحصل وهذا يحصل، هذا العدل الذي عم الجميع وإن كان في توزيعه سيوزع معه شيء من الآثام، لكن لأن هذه الآثام وزعت بالعدل يحصل استقرار في المجتمع أكثر من المجتمعات التي يحصل فيها ماذا؟ توزيع حقوق؛ ما فيش فيها إثم، بس ظلم شخص على حساب شخص آخر.
يعني الآن حتى أقرب لك الصورة، أنت بين أولادك أنت صاحب المال، صح؟ إذا خصيت واحد من أولادك بشيء من المال ولم تعطي الشخص الآخر، ستشعر أن أمور العائلة (الآن أنت ما ما فيش إثم، أنت ما وزعت إثم، أنت ايش وزعت؟ مال، مال حلال، مال الشخص الحلال الطيب) خصصت به أحد أولادي ولم أعطي الطرف الآخر. الآن هل المال هو معصية وإثم؟ لا، مال حلال عندي ما عندي في أي مشكلة، خصصت به بدون أي مبرر أحد أولادي وربت الآخرين، مباشرة ستشعر أن الأسرة ما رح تستقر، وستبدأ تشعر أن الغيرة تفعل وأن الحياة وصار زي ما حصلت مع كثير من الناس والعائلة.
لكن تخيل أنك عندك مال حرام، مش مال حلال، مال حرام وزعته على أولادك بالتساوي، الآن بتشعر أنه ايه؟ أنه الأسرة مستقرة وأن الجميع مبسوطين وحابين وكذا، وإن كان المال نفسه في ايش؟ في إثم، فهمت؟ إذا ما تقول لأنه مالي حلال خلص بستطيع أخصص واحد من أولادي، لا، قد يكون المال حرام فأنت آثم على كسبه لكنك لما عدلت في توزيعه على أبنائك حصلت فضيلة العدل، وإن كان عليك إثم المال، وأما مالك الحلال وإن كان حلالاً، لكن لما قسمت بشيء فيه تخصيص بدون مخصص أنت سببت عدم استقرار في الأسرة، وبالتالي ظلمت، وبالتالي لا يسرك أن يكون لك في البر سواء ما تتوقع استقرار.
نعم، قال: ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. لهذا قيل إن الله سبحانه يجعل الدولة العادلة تستمر في الحكم ولو كانت كافرة، والدولة الظالمة لا تستمر في الحكم ولو كانت مسلمة. فمثلاً قد تجد في الدول، بعض الدول؛ شوف نيوزيلندا، الدول البعيدة هاي، أموالهم أغلبها شو؟ فوائد ربوية وأموال لا ترضي الله زي ما حكينا، بس وزعوها يا أخي بشكل في تساوي، يا أخي بتشعر أن الكل مبسوط فالبلد تمام، فتشعر أن الدولة قائمة والحياة والامن تتبع، مع أنه إحنا عارفين أن عندهم ربا و و و، لكن في عدالة في توزيع الثروات.
لكن بتيجي على مجتمعات الأصلها مسلمة وأنه إحنا في عنا خمور ولا زنا ولا ربا وما شابه ذلك طب عند بعضهم، لكن في مسؤول بحط في جيبه وباعطي للباقيين، وفي مال يستأثر به جماعة دون آخرين، فيكون هذا السبب في ماذا في؟
الكره بين الراعي والرعية وعدم استتباب الأمن في المجتمع فتنهار الدولة ولو كانت مسلمة. فليس لأنك مسلم هذا يعني أن الدولة ستستقر، لأن قد تكون مسلمًا لكنك لست عادلاً، وليس لأن ذاك كافر لن تستمر دولته؛ قد يكون كافراً لكنه عادل، وذلك لما وصف النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي وكان كافراً قبل أن يسلم؛ ماذا قال؟ أن فيها يعني لا يظلم عنده أحد، صح؟ كان كافراً في البداية قبل أن يسلم بس كان عادل.
نعم، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام. سبحان الله، يقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر -الدنيا مش الآخرة، ركز يعني- المراد بالدنيا هنا الدول؛ يعني الدول تدوم مع العدل وإن كانت كافرة، ولا تدوم مع الإسلام إذا كانت ظالمة. نعم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم؛ فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة». وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.
فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له والتعدي عليه في حقه، وفيها داعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث؛ فهي قد تظلم من لا يظلمها وتؤثر هذه الشهوات وإن لم يفعلها غيرها، فهي قد تظلم من لا يظلمها تماماً، وهذا هو ظلمها. النفس فيها داعي الظلم لغيرها وفيها داعي الظلم لنفسه، فلما الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً، ظلم قد يكون للآخرين وقد يكون ظلمك لنفسك، فلذلك قال: فهي قد تظلم من لا يظلمها؛ يعني أنت قد تظلم شخصاً ما ظلمك لداعي الظلم وداعي الاستعلاء الذي عندك حتى لو كان هو ما إذاك تماماً.
وقد تؤثر هذه الشهوات وإن لم يفعلها غيرها، ليه؟ لأنها في الوضع الطبيعي عندها يعني في الطبع حب للشهوات، فكيف إذا وقع عليها الظلم من غيرها وكيف إذا رأت غيرها يختص بالشهوات؟ فسيكون ظلمها هنا ماذا؟ يعني هو الآن شوف كيف بترتب لك الأفكار؛ يقول لك الإنسان بطبعه ظلوم يظلم غيره وإن لم يباد غيره بالظلم، ويحب الشهوات فيحب الاختصاص بها وإن لم ير غيره قد اختص بها، مش هكذا الوضع الطبيعي؟ طب فكيف ستكون إذا غيرك ظلمك؟ سيكون حرصك على أن تظلمه أطول وأكثر، صح؟ وكيف إذا رأيت غيرك اختص بالشهوات؟ سيكون حرصك على أن تسقطه أكثر وأكثر.
فهمتم ايش بقول؟ لأن النفس بطبيعتها قد تظلم غيرها ولو لم يظلمها ذلك الغير، وتحب الاختصاص بالشهوات ولو لم تر أحداً اختص بها، هي تحب الاختصاص؛ فسيكون الداعي أعلى إذا شخص ظلمها، وهذا يحصل. هنا النقطة حتى تفهم نفسية الغلاة، أن هو الظلم هو جزء من طبيعة البشر، فلما يكون ذاك الشخص الذي عنده ابتلي بالغلو أصلاً في واحد ظلمه وسجنه وفعل فيه ما فعل، هنا يعني سيكبر العملاق الذي في داخله ويريد أن يوقع في ذاك الشخص وزبانيته ماذا؟ ظلم أعلى مما قد يكون وقع عليه، ويبدأ نفسية تتولد بعد ذلك تكبر بعبع التكفير، أنه هو هو نوع من أنواع الشعور بالثأر؛ فهمتم الشعور بأيه؟ بالثأر، أنه هذا ظلمني، الله أورجيكم فيه، تمام؟ تكفير وكذا. أنت بتفهم ما الذي حصل هنا؛ تحديد ابن تيمية عميق، هو وقع عليه ظلم 100% وقع عليه ظلم ربما على أهله، والإنسان بطبعه يظلم ولو لم يظلم يعني في إذا لم يرزق العدل، إذا لم يرزق العدل والاسلام يظلم غيره ولو لم يظلم، فكيف لو كان ظلم؟ فرح تتوقع أن ردة الفعل ستكون ماذا؟ عالية وحادة إذا لم تضبط بقواعد الإسلام، وهذه وظيفة العلم النافع أنه يهذب، يعطيك العدل، لأنه أنا صح ظلمني بس أنا ما راح أتعامل معه بالظلم.
الله عز وجل يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، اللي هي فكرة هي في بعض الم... يعني لما ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة، هل قابلهم النبي صلى الله عليه وسلم بالثأر ولا عاملهم في النهاية بالصفح والعفو؟ هنا نفسية الإسلام العالية التي تربيك أنه حتى لو ظلمك أنا بدي الأعلى عند الله، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ تمام، أنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، ثم قال ايش؟ لا، لا، الآية اللي بعديها: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]، يعني خليه نفسيتك أعلى شوي، يعني هذب نفسك أنه أنا مش نفسية انتقامية، هنا بيجي الإسلام يهذب النفوس.
إذاً هذه الفكرة، فكرة لما قال: فهي قد تظلم من لا يظلمها وتؤثر هذه الشهوات وإن لم يفعلها غيرها. إذاً اكتب عندها: فكيف إذا ظلمها غيرها؟ وكيف إذا رأت غيرها اختص بالشهوات؟ فسيكون الداعي لمهاجمة الغير أعلى وأعلى. نعم قال: فاذا رأت نظرائها قد ظلموا أو تناولوا هذه... اه، شايف هذه الفكرة؛ فإذا رأت نظرائها قد ظلموهم أو تناولوا هذه الشهوات دونهم، صار داعي هذه الشهوات أو الظلم أعظم بكثير، لأن هنا ستصبح أنت نوع من الانتقام وردة الفعل. نعم.
وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك. وقد تصبر يعني ممكن واحد يعني شد على نفسه لما يرى الناس تظلمه أو اختصت، قد يصبر لكن ماذا يهيج هذا في داخله؟ قد يصبر لكن يهيج هذا في داخله من بغضه لذاك الشخص بغض وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك، بدها تصير بتاكله أكل للمخالف.
نعم، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل وإيش ولها، وفي النهاية رح تضلك تحتاج لنفسك: أنا والله ما بكره إلا للمعاصي اللي هي فيه، أنا عارف إنه في شي آخر إنه هو أنت بدك تنتقم لأنه أنت ظلوم بدك تنتقم وتوقع فيه، لا أنت مش بس بدك تنكر عليه للمعاصي برضه لأنه أنت شايفه عنده أشياء مش عندك فانت بتحاول تبرر لنفسك هذا البغض لذاك الشخص بأنه إيه: يا اخي والله ظالم ومستبد، شفت شو عمل في الرشا؟ بتعرف الناس في كثره كلامها عن السلاطين بتشعر إنه أنت قاعد مع الأولياء الصالحين وينكر عليهم، بس خلي هذا نفسه يصير بكره سلطان، هو نفسه هذا شوف شو بسوي فيك؟ ليه؟ لأنه أكثر إنكار يلبس بلباس الدين، ها شوف كلام ابن تيمية.
قال: ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، في حجة أنه يا اخي هذا ظالم، آه بس أنت طيب، أنت شو أنت؟ ما أنا عارف إنه ظالم بس أنت ليش بدك تنكر عليه؟ هل لانه من جهة الدين ولا لأنه استأثر بدنيا أنت لم تستأثر بها وإلا لأنه... لذلك سبحان الله شوف بعض المشايخ الله يعافينا وإياكم، الله يعافينا وإياكم نقول: الله لا يبلانا اللي بيكون بينكر منكرات في صف دائماً في الدول، مش في ناس بيكون ضمن المعارضة روح الحاكم بيجز له من تحت الطاولة مليون، اليوم الثاني طالع على التلفزيون بيمدح إيه ما أنت مبارك كنت في صف المعارضة اليوم صرت في صف النظام؟ شو الفكرة؟ أنه كان في صف المعارضة ليه؟ لأنه معوش، فالحاكم فهم له إنه هذا هو لا ينكر عليه ديانة، شوف الحكام وأجلسة الاستخبارات عموماً لما تجلس مع الشخص بتشوف بتعرف هل هذا ديانة عم بينكر علينا ولا بس لأنه معوش؟ وبرر إنكاره أنه لا الدين انتم بتعملوا غلط فقيمه.
فإذا شافوا الشيخ بينكر ديانة وإيمان صلب والله بيهابوا، إذا شافوا هذا الشيخ بينكر علينا مش ديانة يعني الدين شماعة فقط، بس لأنه ما معه، بقولوا له شو رأيك سيدي نحطك حقيبة وزراعية تمام أو نحطك عين واللي بدك إياه، يعني كل شي بزبط يعني، آه والله يعني قرار جيد يعني الأمور طيبة يعني، هيك بنصير بصفي النظام، بنصير من المصفقين له. ترى هذا الذي يحصل مع كثير من الشيوخ في الكثير من الدول، أنه بعد أن كان في صف المعارضة وينكر يعني أصبح في صف النظام، أنت تستغرب؟ لا، ما تستغرب وهذا التحليل عم يقدم لك إياه ابن تيمية باحترافية، هو جعل الدين شماعة فقط لإنكار المنكر، لكن هو لا ينكر المنكر حقيقة لأنه ما معازمة مع ذاك الظالم، فالظالم يفهم له يقول لك هذا سهل أن أجعله في صفي من خلال أعطيه أعطان من الدنيا وأشاركه في جزء من دنياي، فبيحميني وما يعود يروج علي ويكون ضدي ويقف في الصفوف المخالفة لي.
يجب أن نفهم هذه الأمور حتى تفهم نفسك وتقراها قراءة صحيحة. نعم قال: ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، بيكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب، والجهاد على ذلك من الدين، الجهاد بالمعروف ظلم غيره والمسلمين. بس سيدي الشيخ لا برضه أنت لأنه معكش عشان هيك أنت زعلان.
نعم قال: والناس هنا ثلاثة أقسام؛ قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا يرضون إلا ما يعطون، فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، ولا يغضب إلا لما يحرم. نعم، فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال أو الحرام زal غضبه وحصل رضاه -حط هذه هي الفكرة؛ فإذا أعطي أحدهم حط تذكر ذاك الشخص الذي كان في المعارضة وصار مع النظام فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات سواء الشهوات الحلال أو الشهوات الحرام زال غضبه وحصل رضاه وما عنده أي مشكلة وبيقوم يقول له: اعمل اللي بدك إياه كمان-.
نعم قال: وصار الأمر الذي كان عنده منكراً ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه مرضياً عنده؛ كان يتكلم عن النظام واستبداده وظلمه وإسرافه في أكل المال العام، صار بالنسبة له لا، هذا حق ويجب وهي من السياسة الشرعية المتبعة ولا بد للدولة أن تجد مصاريفه، بشرع لك كل الظلم الذي كان هو ضده في يوم من الأيام.
نعم قال: وصار فاعلاً له وشريكاً فيه ومعاوناً لمن ينهى عنه؛ صار هو أحد عناصر النظام، بل فاعل وشريك ومعاون ومعاد لمن ينهى ويقف في وجه النظر. هذه هذه القصة باختصار يعني.
نعم قال: وهذا غالب في بني أدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه إلا الله -مش لحدي، الحمد لله سمعت ابن تيمية بقول لك يعني قال: أنا شفت من هذول كثير، بقول لك ابن تيمية-.
نعم قال: وسببه أن الإنسان ظلوم جهول، فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالماً في الحالين؛ يرى قوماً ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته -شايف نفس نفس المثال الذي أتيت به- أن الإنسان ظلوم جهول فلذلك ما عنده عدل، قضية العدل هي تحتاج إلى تربية علمية، متى أصل مرحلة الاعتدال النفسي؟ بالععلم النافع، ليش احنا بنقرا ونتعلم وبمحاول الإنسان؟ لأن العلم هو الذي بفتح عقلك وفهمك في نفسيتك.
قال: بربما كان ظالماً في الحالين؛ يرى قوماً ينكرون على الحاكم ظلمه لرعيته واعتدائه عليهم، فيرضي أولئك المنكرين -زي ما حكينا بالضبط- ببعض الشيء من منصب أو مال؛ تعال أنت شو مزارك كذا، خذ هي منصب هي مال، فينقلب أعواناً له! سبحان الله. وأحسن أحوالهم -يعني أحسن شيخ اللي ما بينقلب- بصير يعني مع النظام بس ايش؟ واسكت، يقول لك خلص ما بديش أنكر عليه ما هو زبطني.
نعم قال: وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه حينئذ صار عوناً له والعياذ بالله -يعني يرى إنسان على علاقات محرمة وكذا وكذا فبينكر عليه وكذا، بيجي بقول له: طب شو رايك يعني أضبطك في بعض العلاقات؟ وإذا والعياذ بالله كانت نفسه طرية لهذه الدرجة والعياذ بالله وأصلح له علاقات محرمة، خلص ما يعود ينكر عليه-.
نعم قال: وهؤلاء قد يعودون بإنكار إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره إلى ما هو دون أو نظيره.
قال: وقوم يقومون قومة ديانة صحيحة. إذاً الحالة الأولى إذاً من هم قوم الحي قال: والناس ثلاثة أقسام؛ الحالة الأولى ذكرها في صفحة 40: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم. طب الحالة الثانية وقوم قال: يقومون قومة ديانة صحيحة، الذين يقومون ديانة لله ما عندهم أهواء هنا.
نعم قال: يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه، ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، فهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا وهم غالب المؤمنين الذين ينكرون المنكر لله ولحظ في النفس. إذاً أول قاسمين هو هو المنكر ابتداء لحظ نفسه بس، فإن أعطي رضي؛ الثاني الذي لا يقوم إلا ديانة وليس له حظ في النفس هكذب نفسه؛ الثالث لا الذي نيته مخلطه وينكر المنكر لله ولحظ في النفس.
نعم فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة وهذا تارة. وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث أمارة ومطمئنة ولوامة؛ فالأول هم أهل الأنفس الأمارة التي تامرهم بالسوء، والأوسط هم أهل النفوس المطمئنة التي قال فيها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27].
ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.
والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الآخرون الذين يعني نيتهم مختلطة هم أصحاب النفس اللوامة نعم، التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتلوم تارة كذا وتارة كذا أو تخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهؤلاء يرجى أن يتوب عليهم إذا اعترفوا بذنوبهم كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102].
ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر الذين أمر المسلمون بالاقتداء بهما كما قال صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر»، أقرب عهداً بالرسالة وأعظم إيماناً وصلاحاً، وأئمتهم أقوى بالواجب وأثبت بطمأنينة لم تقع فتنة، إذ كانوا في حكم القسم الوسط.
القسم الوسط نعم، ولما كان في آخر حكم القسم الوسط إيش هو القسم الوسط؟ النفس المطمئنة الذين يقومون لله ديانة صحيحة نعم.
ولما كان في آخر خلافة عثمان وفي خلافة علي رضي الله عنهما كثر القسم الثالث، الذين ينكرون المنكر على الأئمة لحظ في النفس وديانة مش ديانة فقط، فصار فيهم شهوة وشبهة من الإيمان والدين، وصار ذلك في بعض الولاة وبعض الرعايا، ثم كثر ذلك بعد فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين واختلاطه بنوع من الهوى والعصبية في الطرفين، وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
لم عن جهة صف معاوية وصف علي رضي الله عنه أنه هنا في مشكلة وكان هنا في مشكلة يعني بغض النظر، وإن كان في النهاية أمر علي كان أعلى من أمر معاويه نعم قالوا إن معه الحق وإن معه الحق والعدل هو كان بده يقول لك إن الجماعة الذين كانوا مع علي لما كانوا ينكرون على معاوية رضي الله عنه لله ولحظ في النفس، والجماعة الذين كانوا مع معاوية رضي الله عنه لما كانوا ينكرون على علي لله ولحظ النفس، وإن كان يتفاوت حقيقة حجم مال الله ومال النفس عند هذه الطائفة هذه الطائفة نعم.
قال: ومع هذا التأويل نوع من الهوى شايف؟ ومع هذا التأويل في نوع من الهوى نعم، ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام وهي طائفة علي رضي الله عنه نعم.
فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله ويتوكل عليه بأن يقيم قلبه ولا يزيغ ويثبته على، أنت تحتاج إلى أن يثبتك الله وأن يعلمك الله وأن يفهمك الله لتقوم بالعدل ديانة صحيحه نعم كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: 15].
وهذا أيضاً حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين، فإنهم يحتاجون إلى شيئين إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظرائهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم، مع قيام المقتضي لها فإن معهم نفوساً وشياطين كما في غيرهم.
أه شوف هذا الكلام العظيم! قال: وهذه الأمور الآن بالتالي الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حقيقة هو في فتنة عظيمة ما هي؟ قال: وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين، فإنك فإنهم يحتاجون إلى شيئين يعني أنت الآن بدك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر صح، بس أنت تحتاج إلى شيئين ما هي؟ إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظرائهم سواء من فتنه الدنيا أو فتنة الدين بدك تدفعها عن نفسك مع المقتضي لها.
يعني أنت شفت شخص عنده علاقات محرمة أو عنده أموال محرمة، أنت قبل ما تفكر يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنت بدك تفكر تحمي نفسك أولاً، تحمي نفسك من ماذا؟ مما ابتلي به نظيرك من شهوة دين أو شهوة دنيا صح، لأن نفسك أصلاً تطلب ما عند أخيك، تطلب ما عنده من الأموال، تطلب ما عنده من الحرام، تطلب ما عنده من الشهوات.
فإذاً أول شيء أنت تدفع الفتنه التي ابتلي بها نظرائه (يعني إخوانك) سواء من فتنة الدين والرئاسة والشهرة، أو فتنة الدنيا والشهوات والأموال تدفعها عن نفسك مع قيام المقتضي لها، شو يعني قيام المقتضي لها؟ يعني أن النفس تريدها، النفس تطلبها، ماشو هذه الطباع؟ تريد ما عند أخي، الطباع تريد أموراً محرمة تمام.
قال: فإن معك نفس وشيطان، نفس أمارة بالسوء وشيطان، كما أنه مع أخوك نفس أمارة بالسوء والشيطان، يعني أنت لما تأمر بالمعروف بتفكر أنه آه خلص الشيطان مش معي، لا ما هو معي شيطان ومعي نفس أمارة بالسوء فيجب أن أطبعها وأن أحجم كما أنني أريد أن أعد لحال أخي اليس كذلك؟
وهذه محنة حقيقة تمام هذه محنة، يعني أنت ترى مثلاً شخصاً مشهوراً وقع في منكر، نرجع لذاك الداعي المشهور الذي بدك تنكر عليه لأنه وقع في منكر، بدك أنت تربي نفسك أولاً أنه أنا في معي شيطان ونفس أمارة بالسوء هي برضه عم تطلب اللي عند أخوي من الشهرة و و، فلما بدي أنكر على ذاك الشيخ أو ذاك الداعية بدي أكون أولاً مراقب نفسي هل أنا ربيْت نفسي وهذبتها وقصقصت أظفار الشيطان والنفس الأمارة بالسوء اللي هي تطلب أن يكون لي ما عنده مثلاً صحيح؟
فيقول لك هنا: انتبه أول شيء عليك أن تدفع الفتنة التي ابتلي بها نظيرك عن نفسك، لأنه لا تفكر نفسك نقي أو يعني نقي بمعنى ما عندك نفس أمارة بالسوء وشيطان، أنت عندك شيطان كما عنده شيطان، وأنت عندك نفس أمارة بالسوء كما عنده نفس أمارة بالسوء، فلا تزكوا أنفسكم، لا تظن أنه أنا أكيد ولي صالح وبدي أنكر على كل الناس باعتبار أنه أنا اللي ما عندي حاجة، لا أنت عندك زي ما أنت عنده بس أنت بدك تنتبه وتراقب.
قال: فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم كما هو الواقع، شايف فوجود ذلك من نظرائهم يعني لما تشوف أخوك عنده شهوات عنده ملذات ترى المقتضي عندك لهذه الشهوات عم بمرتفع مش عم بينزل صح؟
أنت بدك تنكر المنكر بس المنافسة على الدنيا مستواها عم إيش؟ عم بيطلع، أخوك والله صار معه مليون، الآن المقتضي عندك للمنافسة عم بيطلع، صار معه مليونين بصير عندك أيضاً مقتضي لهذه الأمور أكثر وأكثر.
فإذاً فمع وجود ذلك أي شهوات الدنيا والدين مع نظرائهم يقوى مقتضي الطبع عندك لذلك الشهوات كما هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه، ودواعي الخير كذلك.
إيش هو دواعي الخير؟ يعني دواعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير تمام قال: فكم من الناس لم يرد خيراً ولا شراً أو دواع الخلال عفواً عفواً ودواعي الخير كذلك فمن وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم كما هو الواقع فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه حط فاصلة حط فاصلة ودواعي الخير كذلك هي جملة معترضة بس استطرادية.
إيش يعني شيخ عبد الرحمن ودواعي الخير كذلك؟ أحسنت آه هذه لازم توضع الفاصلة هون ودواعي الخير كذلك يعني والعكس بالعكس، إذا رايت إخوانك وهذا شيء إيجابي عندهم من الخير والطاعة الشيء الكبير، أنت يرتفع عندك مقتضى أو ما يقتضي الخير والطاعة، وهذه وظيفة الرفقة الصالحة، هذه وظيفة الرفقة الصالحة لما ترى إخوانك في خير عظيم ويتنافسون في القرآن وحلق العلم و و، برضه مقتضي الخير عندك ماذا؟ وحب الخير يزداد، والنفس التي تميل للخير تقوى.
بس ها يعني ذكرها استطراداً هنا نعم مش موجودة بالنسخة الثانية مش موجودة آه، بس فائدة صحيحة حقيقة يعني كما أن دواعي الشر تزداد مع رؤية أصحاب الشر، فدواعي الخير في نفسك تزداد مع رؤية أهل الخير نعم.
قال: فكم من الناس لم يرد خيراً ولا شراً حتى راى غيره، شايف فكم من الناس لم يرد خيراً حتى راى أهل الخير، أو لم يرد شراً حتى راى أهل الشر نعم.
قال: لا سيما إن كان نظيره يفعله ففعله، فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعض شايف؟ فإن الناس كطيور القطا بتعرف طير القطا بيمشوا ورا بعض، كان الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض في الخير أو الشر نعم.
قال: ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تتبع من الأجر والوزر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً».
قال: وذلك لاشتراكهم في الحقيقة وأن حكم الشيء حكم نظيره وشبيه الشيء منجذب إليه، وشبيه الشيء منجذب إليه.
طيب قال: فاذا كان هذان داعيين قويين فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ إذاً ما هما الداعيان القويان في داعي الدين؟
الآن هذه الخلاصة الآن، أنه الآن أنا عندي في إنكار المنكر داعيين شو هن؟ داعي حظ النفس وداعي الدين صح؟ أنا بدي أنكر منكر في حظ للنفس وفي دين بخليني أنكر هذا الموضوع.
قال: فكيف إذا انضم أيضاً داعيان ثالث ورابع؟ ما هما؟ اقرأ قال: وذلك أن كثيراً من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة.
ركز فيها شوي شوي، كثير من أصحاب المنكرات يحبون من يوافقهم على منكر، فود الزاني لو أن كل الناس زنت، وود شارب الخمر أن كل الناس تشرب.
طيب لما تكون في مجلس وفي شخص بدخن، هذا الشخص بدخن تمنى لو كل اللي حواليه كلهم دخنوا زيه تمام؟ شاعر حاله غريب بينهم، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسده من موالاة كل دين لموافقه ومعاداته، فالنصارى يحبون النصارى، واليهود يحبون بعضهم.
طيب قال: وكذلك في أمر الدنيا والشهوات كثيراً ما يختار أهلها يؤثرون من يشاركهم في امورهم وشهواتهم، أما للمعاونة على ذلك كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق وح فلذلك عصابات الطريق والمافيا بحبوا جماعتهم، كذلك أصحاب الرياسة بحبوا عصابات الرياسات، لأنه بيعرف أنه هذا تفكيره زي تفكيري طريقته زي طريقتي في التفكير.
لذلك بتلاقيهم يعني عصابات سواء هذول أو هؤلاء بغض النظر نعم.
قال: وأما للتذلل بموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر مثلاً، فإنهم يحبون أن يشرب كل من حضر عنده.
إذاً هم لماذا يحبون بعضهم بعضاً؟ أما للتعاون بينهم على ذلك كما يكون في التعاون على تحصيل الرياسات في بلد معين أو تحصيل قطع الطريق، وأما مش إنه نتعاون، أما مجرد أننا نشترك في نفس اللذة!
انت بتشجع أي نادي؟ والله أنت مع النادي تبعي خلص احنا مع بعض، بصير بيننا هكذا رابطة نادي كذا، رابطة بصير القصص هي، لأنه طب أنت ما بتعاوني أنا ما معاونك، لكن هي إيش بس مطلق الاشتراك في اللذه، اللذة أننا بنتابع نفس النادي، بنشجع نفس الفريق.
طيب وأما لكراهية امتيازه عنهم بالخير، أما حسداً له على ذلك، واما لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، واما لئلا يكون له عليهم حجة، واما لخوفهم من معاقبتهم لهم بن واما لكراهية السبب الثالث أنه ايش؟ كراهتهم امتيازه عنهم بالخير، أما حسداً له، لأنه العصاة لما يروا أهل الخير والصلاح ترى هم عم يأكلوا بعضهم من جوا أن شايفين الإنسان متفوق عليهم في ضبط النفس.
وأما لكراهية امتيازه عنهم بالخير، أما حسداً له على ذلك، واما لئلا يعلو عليهم أمام الناس بأن يحمد هذا لخيره ويذمم لشرهم، واما لئلا يكون له لهذا الشخص الداعية أو المسع عليهم حجة، واما لخوفهم من معاقبتهم له بنفسه إذا كان هذا الصالح مسؤولاً أو له منصب أو بمن يرفع ذلك إليه من الحكام الصالحين، وإلا لا يكونوا تحت منته وحظره ونحو ذلك من الأسباب.
إذا هو عموماً عموماً أهل المنكرات يحبون من يوافقهم بغض النظر شو السبب، ويبغضون من يخالفهم بغض النظر شو السبب.
طيب قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ [البقرة: 109]، حسداً لأنه شافوا أنهم أنتم تفوقوهم في الخير وفي وجود النبي في نعم قال: من بعد ما تبين لهم الحق.
وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89].
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ودت الزانية لو زنى النساء كلهن.
طبعاً لأنه الزانية لما ترى في نفسها من النقص والعيب وانكشاف الحياء، بتضلها أمام النساء العفيفات شايفه حالها ايش؟ ناقصة صحيح، فتود يا ريت كل النساء تزني حتى تصبح هي ترى نفسها كنفسه نعم.
والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور اشتراك في شرب الخمر والكذب والاعتقاد الفاسد، وقد يختارونها في النوع كالزاني الذي يود أن غيره يزني، أو السارق الذي يود أن غيره يسرق، لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها.
أه طبعا قال: قد يحبون أن يشتركوا في نفس الشيء، وقد يحبون الاشتراك.
فيماذا؟ في نوعه؛ الاشتراك في نفس الشيء، أن تكون أنت شربت من كأس هو يجي يشرب منها، مثلاً في الخمور يحب أن يشاركه غيره في الشرب من نفس الكأس ممكن، وأما الزاني هو يحب أن يشاركه غيره فيماذا؟ في النوع وليس في نفس الفتاة؛ فالزاني إذا زنى بامرأة هو لا يحب أن غيره يزني بعينها، لكن يحب أن غيره يزني عموماً بأي فتاة أخرى، هذه مشاركة في النوع نعم.
قال: وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي إلى حد طان لأنه قال الآن في داعٍ إذاً هناك داعيان قويان، فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ طب الداعي الأول الثالث والرابع ماهما؟ الثالث أنه أهل المنكر يحبون من شاركهم ويبغضون من خالفهم.
طيب الداعي الرابع؟ نعم قال: وأما الداعي الثاني فقد يأمرنا الشخ الثاني طبعا رح يكون الرابع باعتبار هؤلاء طب قال: فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، فإن شاركهم إلا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي إلى الحق الشخص بمشاركتهم، إذاً هم لا يكتفون بمحبة من شاركهم وبغض من خالفهم، لا، ينتقلون لبعد أخير وهو ماذا؟ يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم فيه من المنكر، فإذا شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي إلى حد الإكراه أو قد لا ينتهي إلى حد الإكراه عاد أنت ونصيبك تماماً.
قال: ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرون بذلك ويستعينون به على ما يريدونه متى شركهم وعاونهم وأطاعه انتقصه واستخف به، طبعا بعد ما يدخلوك معاهم في الشبكة ويصير عنصر من عناصر العصابة، انتقصوه واستخفوا بك، شو كنت شيخ صرت زينا؟ هس ماشي أنت بتقعد معهم بس فاهمين أنك دنيء، كنت شيخ قلنا لك ادخل معنا صرت زينا، انتقصوه واستخفوا بك نعم.
قال: وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه وهذا حال إن لم يشاركهم عادوه أكيد، فالعصاة والظالمون يعادون الموحدين المؤمنين، وهذا حال غالب الظالمين القادرين، أما بخلوك معاهم، ودائماً الظالمين القادرين أصحاب النفوذ والسلطة لما تقعد معهم أنت بين أمرين تدخل معنا، وإذا دخلت معهم بصيروا ايش؟ وصرت تعطيهم وتعطيهم اللي بدهم إياه استخفوا فيك، ايش سيدنا الشيخ كنت زمن ضدنا اليوم صرت معنا وصرت تساعدنا زمان كنت تحكي علينا؟
فيستخرج عليه في أمور أخرى، يصير إذا هو قال لهم بعدين حرام عن شغلة ثانية: اسكت اسكت والله يا شيخ ما أنت كنت تحكي هيك حرام صرت هيك زينا تعمل ولا تجي تحكي عن هذيك حرام، تحليل دقيق من ابن تيمية ما الذي يحصل أنه إذا تفلسف في مسألة ثانية في وجهة نظرهم: والله يا شيخ هذيك ما كنت تحكي حرام مشتري ذمتك فيها هي كمان حرام خلص والله ما تسولف أنت إنسان أصلاً دنيء النفس، فهمت كيف؟ هم باللحظة التي يسقط فيها الشيخ في حبالهم سيسقط أخلاقياً وسلوكياً في كل شيء.
لذلك ليش كان السلف يقولون عموماً بعد انتهاء الحكام الصالحين: لا تقترب من جانب السلطان، لأنه إذا اشتراك في شغلة سيشترك في كل الشغلات، وتقول لا أنا بس وافقته في هاي، أنت وافقته في شي غلط لو كانت هاي صح ما عندنا مشكلة، إذا وافقته في منكر واحد من منكراته وأرضيته فيه انتهيت تماماً أخلاقياً، وستصبح كلما تعترض عليه ايش يقول لك: عليك بالصمت أنت وافقني في هذيك وأنت عارف أني أنا كنت ظالم فيها فلا تهن تعمل حالك شيخ على ه الجزئيه الثانية، تفهم هذا الملحظ كيف هم بس تمنوا منك الخطوة الأولى.
لذلك ماذا قال سبحانه لنبيه في سورة الإسرائيل: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 73-74] الكفار كانوا يرضوا من النبي عليه الصلاة والسلام ايش هو؟ بس التنازل الأول، بس اعطينا التنازل الأول ترى تفكروا إذا أعطاهم النبي عليه الصلاة والسلام التنازل الأول راح سيقف عند هذا السقف، بالعكس هو بداية الفشل في أي دعوة أن تعطي التنازل الأول، لأن التنازل الأول عن شيء صحيح هو معناه أنك أنت قابل للمساومة، أنت كشيخ قابل لايه؟ للمساومة لأنك تنازلت عن أول شيء أنت تعتقده أمام الله إذاً أنت رخيص صح؟
فلذلك الله عز وجل قال: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 74-75] بس على الشيء القليل؟ يا الله، نعم، لأنه هو الشيء القليل هذا هو بداية السقوط الأخلاقي والقيمي وبداية خلص ما عاد لك هيبة ولا وجود لأنك أعطيت أول تنازل، التنازل الأول يعطي المبرر لخصمك أن ينهيك تماماً أخلاقياً أمام الناس أن لا تردوا على هذا الشيخ ترى أعطانا أول شيء، ولذلك بدك تتبوا على القضية.
الغرب اليوم الاستخبارات العالمية أي إنسان متصدر في أمر سياسي أو اجتماعي أو نظامي أو شيء هم بيضلهم يضغطوا عليه يضغطوا عليه حتى يعطيهم أول تنازل، تمام؟ هذه بدك تنتبهوا لها في الحكم وفي السياسة الشرعية أي شخص يتولى الحكم من الإسلاميين أو من غيره أو يتولى رئاسة مشيخة أو وزارة أو منصب، طريقة تفكير الأجهزة الاستخباراتية العالمية ما هي؟ أنها بتضلها تضغط عليه تضغط عليه حتى يعطي أول تنازل، إذا أعطى أول تنازل سقط أخلاقياً أمام الناس، فهمتم؟ يعني هو ما بيجوا بحكوا له اكفر، يعني هذا الإسلامي إذا بده يمسك الحكم مش رح ييجوا يحكوا له اكفر أنتم عارفين أنه ما راح يصل لذا وهم ما بدهم هذا، من قال لك أنهم بدهم إياه يكفر؟
هم بدهم إياه يقدم أول تنازل؛ لأنهم يدركون بمجرد أن قدم أول تنازل عن ثابت من ثوابت الدين يمكن إسقاطه بسهولة أمام الناس من كل الجهات، وأنه ييجوا يقولوا أمام الناس: شايفين هذا الشيخ تبعكم أو هذا المسؤول تبعكم وهذا الإسلامي اللي بدكم يحكم بالإسلام هي تنازل، تنازل عن شيء من ثوابت الدين، تمام؟ شيء واضح عندكم وقال إن الخمر حلال مثلاً الخمر حلال هيك نص عليها تمام، هنا خلاص انتهت.
ولذلك يعني ترى ما في كثير أمور لا تعلمون يا إخواني، كثير من رؤساء مثلاً في جامعات شرعية وفي مقامات دينية يتم إسقاطهم في التنازل الأول، ثم بعد ذلك ثم بعد ذلك بعد أن يسقط في التنازل الأول بخلوه في مكانه ويتم ماذا تهديده: أوك تتكلم، أوك تطلع عن النص؛ لأنه إذا طلعت عن النص سنكشف أنك أنت تنازلت في أماكن معينة، وهذا سيهتك أخلاقياً وقيمياً.
ولذلك متى شاركه هذا الداعي أو الشيخ أو طالب العلم وعاونهم وأطاعه انتقصه واستخفوا به وجعلوا ذلك حجه عليه في أمور أخرى، هذا اللي جابنا لهذا الموضوع صحيح، وإن لم يشاركهم أه سعى بدك تتحمل أنه را ستؤذى ممكن تسجن ممكن يعني الله أعلم شو ممكن يصير معك، وهذا حاله غالب الظالمين والقادرين.
طيب قال: وهذا الموجود في المنكر موجود نظيره في المعروف وابلغ منه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165] فإن داعي الخير أقوى، فإن الانسان فيه داع يدعوه إلى الايمان والعلم والصدق والعدل وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر نعم.
وهكذا نفس الشيء في الخير أنه كمان أهل الخير هو قبل ايش قال؟ وذلك أن كثير من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويأمرون الشخص بمشاركته فيه، يقول هذا الموجود في المنكر موجود نظيره في ماذا؟ في المعروف وأبلغ منه، فإن داعي الخير أقوى من داع الشر، هلق بيقول: فإن الإنسان أيوه فيه داع بالله قال: فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم والصدق والعدل وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر ايش هو الداعي الآخر؟ أنه وجد من يفعل هذا الشيء تمام، فان داعي الخير أقوى فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الايمان والعلم الصادق والعدل، رجع للأربعة بس بده يطبق على حاله الخير.
آه بس عفواً بدي أرجع للأربعة السابقة لما يقال: فإذا كان هذان داعيين قويين للشر، فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ خلينا نرتب أمور دواعي الشر، أنا لبي قبل قليل ما رتبتها بالطريقة الصحيحة الكاملة، احنا قلنا شو الدواعي الأربعة الآن للشر؟ حظ النفس، حظ لا الدين أنا شايف أن خطا ذكره هون الدواعي الأربعة للشر ما هي؟ حظ النفس، اثنين وجود شخص امامك عم تعمل وهو مش عم تمله الاختصاص، ثالثاً أن هؤلاء الذين يفعلون المنكر يحبون من يوافقهم ويبغضون إذا لم توافقهم، رابعاً أنهم يأمرون بأن تصبح مثلهم وإلا سيؤذونك، الشر الأربعة دواعي الشر أربعة، الداعي الذي في الإنسان هاي هي دواعي الشر خلينا نكتبها بشكل صحيح الداعي الطبعي للإنسان أنه يحب شهواته وملذاته، اثنين أن ترى غيرك اختص عنك بهذا الشر وأنت لا تفعله، ثلاثة أن الذين يفعلون الشر يحبون أن تكون معهم ويبغضون إذا لم تكن معهم، أربعة أن الذين يفعلون الشر يأمرون أن توافقهم وإلا قد يؤذونك.
حول هذه للخير ايش نقول؟ شيخ أدي بدك تحولها للخير كيف بتصير؟ شو دواعي الخير الأربعة؟ بتكون إذا هي دواعي الشر الأربعة حولها للخير نفس الفكرة شو بتقول؟ نعم طبع النفس الذي يريد الخير ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] فطرة الخير، اثنين الاختصاص إذا وجدت غيرك يفعل هذا الخير تصبح تريد أن تفعل مثله، ثالثاً أنهم يحبون أن يشاركهم إخوانهم في هذا الخير، رابعاً يأمرون به وأن تصبح معهم وينهون عن مخالفتهم فيه، وهذه الأربعة التي تكون في جانب الخير دواعي الخير الأربعة كما أن دواعي الشر الأربعة هكذا يكون الكلام صحيح.
طيب قال: لا سيما إذا كان نظيره لا سيما مع مع المنافسة وهذا محمود حسن نعم؛ لأنه في منافسة برضه في الخير كما في منافسة في الشر نعم، قال: فان وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ومن يبغضه، فإذا لم يف إذا لم يفعل ذلك صار له داع ثالث، بس حقيقة هذه يعني يعني بدك تبحث عنها أنك تجد إخوان يحبون أن تكون معهم، يعني هذه صراحة مش يعني في الشر يعني الشر الزناة يحبون أن كل الناس زنوا، بس في الخير أنك تجد إخوان بدهم إياك تكون معهم ويحبونك إذا كنت معهم يعني بدها شوية محبشة زي ما يقول نعم خلص.
فإذا أمروه بذلك ووالوه وعادوه على تركه صار هذاك داعي رابع، إذاً دواعي الخير أربعة ودواعي الشر أربعة نعم، قال: ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين بفعل الحسنات وبترك السيئات مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه أربعة أنواع، ويؤمر أيضاً باصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم، وهو كما قال، فإن الله تعالى أخبر فيها أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمناً صالحاً ومع غيره موصياً بالحق وموصياً بالصبر.
قال: وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سبباً لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي بلاء أشد؟ أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة، وحينئذ فيحتاج من الصبر إلى ما لا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة في الدين كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
فلا بد من الصبر على فعل الحسن المامور وترك السيء المحظور، ويدخل في ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البطر عند النعم وغير ذلك من أنواع الصبر، ولا يمكن ولا يمكن ولا يمكن العبد ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له ويتنعم به ويغتدي به وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أيها الناس سلوا الله سلوا الله اليقين والعافية فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية».
فاسألوا الله بالتالي ما الذي يعينك على الصبر على ما يمكن أن يصيبك في هذا الطريق؟ اليقين بما أنت عليه واليقين بالعاقبة.
ما معنى هذه القاعدة؟ هذه القاعدة، وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته له على ذلك، أو نهيت غيرك عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحساناً يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه، هذه القاعدة في الأمر بالمعروف مهمة، آه يا عمر يعني هي تابعة لقضية الرفق؛ لأنه أحسنت هي تابعة لقضية الرفق، ايش معنى هذه القاعدة؟ يعني الإنسان في طبيعته لا يترك شيئاً إلا لشيء أحس الإنسان لا يترك شيئاً إلا مقابل تحصيل شيء آخر، طيب يعني فانت إذا نهيت عن منكر ربما تعوضه بشيء من.
المباح أو غيره. أحسنت، فإذا هو يقول لك: إذا أمرت غيرك بمعروف فيجب أن تعوضه هكذا بشيء مقابل انصياع لك، أو إذا نهيت غيرك عن منكر لابد أن تعوض هذا المنكر مقابل شيء حتى يستطيع أن يساعدك على ترك المنكر. فأنت مثلاً تأتي إلى إنسان تريد أن يترك سماع محرمات أو الاجتماع مع النساء أو ما شابه ذلك، بدك تعطيه بديل؛ أنه طيب شو رايك تجي معي على مجلس علم؟ شو رايك نطلع أنا وياك كذا هيك يوم على مسجد عند شيخ؟ ناخذ، يعني ما تقول له لا تفحدث مع، لا تفعل كذا، بعدين السلام عليكم، وهو لا يشعر أنك أعطيته بديل. لازم تحاول، طبعاً على قدر المستطاع؛ لأنه برضه هي فكرة البديل صارت من الأفكار المتعبة في واقعنا المعاصر. كثير من الناس بقول: يا أخي اترك المعازف، طيب يا شيخ شو البديل؟ اترك الدخان، يا شيخ شو البديل؟ اترك المحرمات 24 ساعة السوشيال ميديا، شو البديل؟ هسه ماشي، أنا صحيح من إتقاني لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن أحاول أن أعطيك بديل، لكن برضه أنت لا تحملني ما لا طاقة لي به، مش كل شيء سأجد لك فيه ماذا البديل من جنسه، لكن سأجد لك بديلاً نافعاً عاماً نعم، وهو أن البديل العام هو أن تنشغل بالطاعة وبالأعمال الصالحة وبالعلم النافع وتدبر القرآن وببراعة.
طيب، قال: وذلك قال، فيحتاج إذاً، إذا أمرت غيرك بحسن أو نهيته عن قبيح، تحتاج أن تحسن إلى ذلك الغير إحساناً يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه. يعني أنت إذا أمرت غيرك بالمعروف بدك تضيف على ذلك أن تحسن له في موقف معين أو تسمعه كلمة طيبة، أو ممكن تهديه عطر، ممكن تبل، بس يعني أحياناً ممكن تكون مهارة صغيرة تجعله يحب هذا الشيء الذي أنت أمرته به، أو يحب ترك المنكر الذي أنت نهيته عنه، من خلال البديل اللي أعيطته أو تصرف معين. ممكن يكون أنا من خلال ترى أحياناً مواقف رجولة؛ أنه هو مبتلى ببلاء في مالي أو كذا، أقول له: تفضل هي أنا بساعدك، يعني مش ضروري أنك دائماً تعطيه البديل حتى هو، لا، ممكن تعمل له إاحسان من جانب أنك تقف معه في كربة، تحل له مشكلة عائلية، يعني الباب أوسع. لكن هذا سيعينه، آه والله هذا الشيخ ساعدني في يوم من الأيام، والله وقف معي، سمعني كلمة طيبة، فعلا والله إنه كلامه شكله والصح، شايف طريق الاستقامة ما أحسنه! فهذا المعروف ساعده على تقبل أمرك وعلى تقبل نهيك.
نعم، ممكن كمان مثال، يعني كثير القصص مثل هيك، أن انسان يجد امرأة على سوء، يعني نعم يجد امرأة على سوء، طيب فيقول لها مثلاً: اتركي، وأنا بشغلك عندي في مكان مخيطة أو كذا، خوفاً أن يقول لها اتركي هذا الشيء ونحن مثلاً نجد لك فرصة عمل بديلة. تماماً، قد تكون المرأة عندها سوء أو تصرفات في البغاء أو علاقات محرمة من أجل تكسب لقمة العيش، فتقول لك ما عنديش لقمة عيش، فأنت تروح تجد لها عمل شريف يصون عرضها ويحمي لها عرضها فتشغلها في هذا المكان، فأنت فعلاً تعينها على قبول أمرك بالمعروف. نعم، قال: ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الصدقات. شوف هذا، آه شوف هذا الملظ؛ أصلًا لماذا الإسلام شرع قضية سهم المؤلفة قلوبهم؟ لأنه هو شخص زعيم، أنا بدي أساعده على أنه يصير مع أهل الإيمان، بس كيف بدي أساعده؟ ممكن أقدم له معروف دنيوي، أعطيه مثلاً مائة ناقة، مش كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه مائة ناقة؟ لأنه بعض الناس بالمعروف الدنيوي بيجي لدرب الخير، خلص طبيعته في ناس نكهم إلى ما في قلوبهم من الخير، وفي ناس لا، يحتاج إلى أن تدعم نفسياً أو مادياً أو يعني بأي طريقة من طرق الدعم حتى يقبل الخير الذي أنت تدل عليه. هذه ترى قاعدة مهمة من قواعد الأمر بالمعروف تماماً.
وقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] وقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]. فلا بد أن يصبر، وأن يرحم، فلابد أن يصبر ويرحم، الرحمة هي الخير اللي بتتقدمهم حتى يقبلوا، هذا هو الشجاعة والكرم. طيب، قال: ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة وهي الإحسان إلى الخلق، وبينها وبين الصبر تارة ولا بد من الثالثة، لابد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر، لا تقوم مصلحة المؤمن إلا بذلك. نعم، قال: إلا بذلك في صلاح نفوسهم واصلاح غيرهم لاسيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن الحاجة إلى ذلك تكون أشد، فحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا بهما. ولهذا فإن جميعهم يتمادون بالشجاعة والكرم، حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء الممدوحين في شعرهم، وكذلك يتزامنان بالبخل والجبن، لأن البخل نعم هو ضد الكرم والجبن ضد الشجاعة.
قال: والقضايا التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون إلا حقاً كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل وذم الكذب والظلم. إذاً وهذه يمكن قاعدة يستفاد منها في تأصيل الأخلاق؛ أن من الأخلاق نقول: ما اتفق العقلاء على مدحه فهو خلق كريم، وما اتفقوا العقلاء على ذمه فهو خلق قبيح. نعم، قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ساله الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة، إلى شجرة من شجر السمر قال: فتعلقت بردائه فالتفت إليهم وقال: «والذي نفسي بيده، لو أن عندي عدد هذه العضاة» العضاة هي شجرة الصحراء «نعماً لو عندي بعدد هذه الشجر من الأنعام لقسمته عليكم». طيب، بتعرفوا الأعراب كانوا قساة شوي على النبي عليه الصلاة والسلام، ويريدون مالاً ويريدون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: أنا عندي، يعني نعم لقسمته عليكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً. فنفى الكذب والجبن ونفى البخل.
نعم، قال: ولا كذوباً، قال: ولكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ومدح الشجاعة والسماحة في سبيل الله دون ما ليس في سبيله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني سلمة؟» فقالوا: الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل. فقال: «وأي داء أدوى من البخل؟» يعني ايش يعني؟ هذا أكثر شيء مصيبة فيه أنه بخيل. نعم قال: وفي رواية نزينه، يعني نصفه كأننا. نعم، قال: وفي رواية أن السيد لا يكون بخيلا، بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور. فالنبي صلى الله عليه وسلم غير لهم سيدهم.
نعم، قال: وكذلك في الصحيح قول جابر والجد بن قيس أصلاً هو كان عنده نفاق. نعم، قال: قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أما أن تعطيني وأما أن تبخل عني. فقال: تقول وأما أن تبخل عني! وأي داء أدوى من البخل؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض. وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال: قال عمر رضي الله عنه: أقسم النبي صلى الله عليه وسلم قسماً، فقلت يا رسول الله، والله لغير هؤلاء أحق به منهم. فقال: «إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني ولست ببخيل». إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش، يسألوني بطريقة فيها غلظة علي، أو أن يبخلوني، رفضت البخل وقلت: خلاص بعطيهم. نعم، يقول إنهم يسألوني مسألة لا تصلح، فإن أعطيتهم يسألوني مسألة لا تصلح يعني بطريقة فيها يعني غلظة وسوء أدب، يا بعطيهم يا ما بعطيهم لسوء أدبهم، إذا ما أعطيتهم راح يقول عني بخيل، لا بعطيهم وإن كانوا سيئي الأدب ولا أوصف بالبخل، مما يدل على أن البخل من شر الصفات التي يمكن يتصف بها الشخص.
قال: فقد خيروني بين أمرين مكروهين لا يتركون من أحدهما المسألة الفاحشة والتبخير. المسألة الفاحشة، انتبهوا حتى ما تشرحوا الحديث خاطئ، المسألة الفاحشة يعني أن يسألوني بطريقة غير مؤدبة. نعم، قال: والتبخير أشد، فادفع الأشد بإعطائه. سبحان الله، قال: والبخل جنس تحته أنواع كبائر، قد يكون كبيراً وقد يكون غير كبير. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 180]. الآن سياتي بالآيات الكثيرة التي ذم البخل، ثم ياتي بالآيات وكذلك ذمه للجبن في القرآن كثير، تمام؟ وبالتالي هذا يدل على أن أعظم الأخلاق ما هي الشجاعة، والشجاعة تمثل الصبر، وذم البخل، والبخل ضده الكرم، والكرم يعني العطاء، وبالتالي الأمر بالمعروف -يعني احنا شو اللي جابنا لهذا الموضوع؟- أن الأمر بالمعروف يحتاج إلى صبر وعطاء. الأمر بالمعروف يحتاج إلى أن تصبر وإيش؟ وبدك تعطي، مش قلت لك حتى يستجيب الطرف الآخر بدك تعطيه إما موقف حسب أو مال أو كذا، فيحتاج. إذاً الأمر بالمعروف يحتاج إلى الصبر وهو الشجاعة، ويحتاج إلى كرم حتى تجلب الناس إلى الخير؛ كرم من حيث الوقت، كرم من حيث المال، تكرم بجهدك، تكرم بجاهك، والكرم هو ضد البخل.
طيب، لذلك تكلم عن البخل والجبن أنهما صفات مناقضة لمن يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. نعم، قال: وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: 36]. طيب وما في القرآن من الحث على الجهاد والترغيب فيه وذم الكلين عنه وتاركين له كله ذم للجبن، نعم؛ لأن ترك الجهاد هو شكل من أشكال الجبن. نعم، ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عن إنفاق المال في سبيل الله أبدل الله بشخص يقوم بإنفاق المال في سبيل الله؛ لأن الجهاد يكون بالنفس وهذه شجاعة، وبالمال وهذا كرم. والجهاد هو أعظم أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً، ويحتاج إلى شجاعة وكرم.
نعم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أليماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39]. وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هؤلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. وبشجاعة جاهد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وملاك الشجاعة الصبر؛ لأنه الذي يتضمن قوة القلب وثباته، هذه أصلاً الشجاعة. والشجاعة ليست هي قوة البدن، فقد يكون الرجل أصلاً قوي البدن لكنه ضعيف القلب، تلاقيه ضخم جداً لكنه قلبه ضعيف. وقد تجد شخصاً والله عوده رقيق، لكن ما شاء الله ثابت. وإنما الشجاعة هي قوة القلب وثباته، فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم. ولهذا كان القوي الشديد هو من الذي يملك نفسه عند الغضب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح. فأما المغلوب حين غضبه فليس هو.
تقدم أن جماع ذلك هو الصبر؛ فانه لابد منه، يعني إذا هو ركز على الصبر باعتباره أحد خصال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأساسية. قال: والصبر صبران؛ صبر عند الغضب وصبر عند المصيبة. كما قال الحسن رحمه الله: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة. وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على على المؤلم، هذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن. ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز. سبحان الله! ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم، غور الدم يعني ذهاب الدم، انكماش الدم. نعم، ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قالوا: الرقوب الذي لا يولد، الرقوب عند العرب من هو؟ هو الذي لا يولد له، هو الذي لا يولد له ولد، ما عندش أولاد، وقيل: كل من ولد له ولد مات، لا يعيش له أولاد، هكذا قال البعض. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس ذلك بالرقوب. تعرف النبي عليه الصلاة والسلام لما قال من المفلس فيكم من لا درهم؟ قال المفلس من كذا، وهي نفس الشيء. قال: ليس ذاك بالقوي في الشرع، المفهوم الشرعي، ولكن الرقوب الرجل الذي لم يتقدم له ولد.
يقدم من ولده شيئا تمام الرقوب هو مش الذي ليس لا يولد له بل الرقوب هو الذي لم يمت له لم يقدم من ولده شيئا لم يمت له أولاد في الصغر. ولماذا ذكر ذلك؟ يعني يريد أن يقول لهم إن من مات له ولد فاحتسب عند الله هذا يعني ليس برقوب. قال: ليس ذاك الرقوب، لكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا، أما من قدم من ولده شيئا وكان فرطا له في الجنة فهذا ليس برقوب.
نعم شيخنا يمكن توسيع المعنى بمعنى أنه يقدم في سبيل الله. يعني حاولت مرة قديما يعني آتي بهذا المعنى لكن ما أجد في كتب الشرح الحديث يقصدون لم يقدم من ولده يعني لم يمت له ولد في الصغر، لن يجد أولاد صغار له يكونون شفعاء له عند الله.
قال: ثم قال: «ما تعودون الصرعة فيكم؟» قلنا: الذي لا يصرعه الرجال. فقال: «الصرعة الذي لا يصرعه الرجال»، أبطاي يعني كل بيقدر يصرع الجميع، فقال: «ليس هذا، ولكن الصرعة هو الشخص الذي يملك نفسه عند الغضب، بيعرف يضبط نفسه».
نعم قال: فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة وصبر عند الغضب. قال الله تعالى في المصيبة: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَة٨ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. وقال تعالى في الغضب: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]. وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر المصيبة وصبر النعمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَانَ مِنَّا رَحۡمَةً ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَئُوس كَفُور٨ * وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَاء بعد ضراء مسّته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَة٨ وَأَجْر كَبِير٨﴾ [هود: 9-11]. وقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم﴾ [الحديد: 23].
وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال: ليسوا مفاريش إن نالت رماحهم كثرا كثرا، وليسوا مجازيعا إذا نيلوا. وكذلك هم يصبرون عند إذا أصيبوا ولا يصيبهم بطر إذا هم انتصروا. وكذلك قال حسان بن ثابت في صفة الأنصار: لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم، وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع.
وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: يغلب فلا يبطر، إذا غلب لا يبطر لا يصيبه كبر واحتقار، وإذا غلب لا يضجر.
ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال لما قيل له، لما رأى إبراهيم في النزع أتبكي أو لم تنه عن البكاء؟ فقال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوة الجاهلية». فجمع بين الصوتين.
وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل الصوت الذي يكون عند الفرح نهي عنه، والصوت الذي يكون عند المصائب نهي عنه. فهذا جمع إذا بين عدم البطر عند الانتصار وعدم اليأس عند وقوع المصائب.
وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية». وقال: «أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة». وقال: «ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان». وقال: «إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم»، وأشار إلى لسانه. وقال: «من ينح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه». واشترط على النساء في البيعة ألا ينحن. وقال: «إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسرب من قطران».
وقال في الغلبة والمصائب والفرح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان». وقال: «لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا»، إلى غير ذلك مما أمر به الجهاد من العدل وترك العدوان، إتباعا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوۡاْۚ إِنَّ ٱلَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب والشرب في آنية الذهب والفضة وإطالة الثياب، إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم. وذم الذين يستحلون الخمر والحرير والمعازف وجعل فيهم الخسف والمسخ. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]. وقال عن قارون إذ قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76].
وهذه الأمور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب. وذلك أن الإنسان بينما يحبه ويشتهي وبينما يبغضه ويكرهه، فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته. وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسرورا، وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن. فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانه، وعند الغضب والنفرة أن يصبر عن عدوانه، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين: الصوت الذي يوجب الاعتداء في الفرح حتى وهو الغناء -نعم العزف- حتى يصير الإنسان فرحا فخورا، والصوت الذي يوجب الجزع عند الحزن حتى يصير هلعا عن جزع.
وأما الصوت الذي يثير الغضب لله كالأصوات التي تقال في الجهاد من الأشعار المنشده فتلك لم تكن بآلات. وكذلك أصوات لم تكن بآلات -يعني بعازف- الأناشيد التي فيها جهاد وحماس لم تكن بآلات وهي تثير إلى الأمور التي يحبها الله، فبالتالي هذه ما فيها مشكلة.
وكذلك أصوات إشهار الفرح بالأناشيد الطيبة في الأعراس التي تفعلها النساء والرجال، فهذه فرخص منها ما وردت فيه السنة من الضرب بالدف في الأعراس والأفراح للنساء والصبيان. وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام الأربعة، تمام يا للفرح يا للحزن وما شابه ذلك.
أشعار المحبة وهي النسيب، أشعار الغضب والحمية وهي الحماسة، أشعار المصائب وتسمى عند العرب بالمراتي، وأشعار النعم والفرح وتسمى عندهم المدائح. فشعر العرب يدور حول النسيب والحماسة والمراتي والمدائح، يعني حتى لو فتحت ديوان الحماسة لأبي تمام تجد أن هذه الأقسام الأساسية للشعر.
والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع كما قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 226-227]. وهذا أخبر أنهم يتابعهم الغاوون، والغاوي هو الذي يتبع هواه بغير علم، وهذا هو الغي وهو خلاف الرشد، كما أن الضال هو الذي لا يعلم مصلحته وهو خلاف المهتدي. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 1-2]. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنه الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
فهؤلاء تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة إذ كان عدم هذين مذموما على الإطلاق، واما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس على الإطلاق. لكن العاقبة في ذلك للمتقين، وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة أحسنت.
فبالتالي إذا المطلوب أن تحصل الشجاعة، أرجعنا لصفة الشجاعة وهي الصبر، والسماحة وهي البذل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما وجود هذين الخلقين ففيه تحصيل مقاصد النفوس، لكن هناك من يكون مقصده بالشجاعة والسماحة للآخرة فيعطيه الله ثواب المتقين، وهناك من يكون مقصده بالشجاعة والسماحة الثناء في الدنيا وأن يققال فلان شجاع أو سمح، فهذا حصل الأجر العاجلة لكن فاته ثواب الآخرة.
والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا، كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينه قال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]. وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194].
في الدنيا كما في الآخرة والفرقان نعم أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله، فإن الله تعالى هو الذي يحمد زين وذم وذمه شيء، فتحمد من الشجاعة ما حمده الله، ويحمد من السماحة ما حمده الله، ويذم ما ذمه الله. وأما ما مدحه الشعراء والخطباء من الشجاعة للعشيرة العصبية هذا لا يحمد عندنا في عرف الإسلام.
ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن حمدي زين وذمي شين. قال يعني إذا حمدت الشيء فحمد له يجعله زينا، قال: «لا، لست أنت من إذا حمدت الشيء يكون حمدك زينا، الذي إذا حمد الشيء فكان حمده زينا للشيء هو الله».
والله سبحانه وتعالى حمد الشجاعة والسماحة متى؟ إذا كانت في سبيله، كان رجل يقاتل شجاعة وحمية أي ذلك في سبيل الله وقادت حتى لتكون كلمة الله العليا. وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]. وذلك أن هذا هو المقصود الذي خلق الله الخلق له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فكل ما كان لأجل الغاية التي خلق لها الخلق كان محمودا عند الله، وهو الذي يبقى لصاحبه وينفعه الله به، وهذه الأعمال هي الباقيات الصالحات. ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وبسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة، ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة فهذا الذي ينتفع بذلك في الدنيا وليس له الآخرة من خلاق، ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك، ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة هذا المستوفي.
تماما، فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في اوقات المحن والفتن الشديدة، فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم. وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه، وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالأيمان والعمل الصالح وامرهم بدعوه الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41].
إذا هذا هو الداعي الثاني، وين الداعي الأول مر معنا تذكر خليني أرجع أنا وياكم عليه، نرجع نرجع الآن للصفحة قال فلا بد من شيئين، نرجع مين يجيب لي إياها لابد من شيئين: الأول أن يدفع عن نفسه -هي صفحة 44 صفحة 44- إذا وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين، فإنهم يحتاجون إلى شيئين: أولا إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظرائهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم ابتداء لوجود المقتضي فيها.
طب ما هو الشيء الثاني الآن في صفحة 44 قال: والشيء الثاني ما هو ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. فأنت إذا تحتاج في حياتك إلى شيئين باختصار: أن تحصن نفسك وتحمي نفسك، وتحصن غيرك وتحمي غيرك هيك بده أقول لك تمام. فذكر الشيء الأول واستطرد فيه، وهنا ذكر الشيء الثاني.
إذا فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في اوقات المحن والفتن الشديدة، فإنهم يحتاجون أولا إلى صلاح نفوسهم ودفع الفتن عن نفوسهم، أنت مش بتحمي غيرك وأنت مضيع نفسك، وهذا يحصل مع بعض الدعاة والشباب أنه قد ننشغل باصلاح أنفسنا -عفوا- قد ننشغل باصلاح غيرنا وننسى إصلاح أنفسنا، كثير من طلاب العلم والإنسان يعني يشعر أحيانا فعلا يجب أن يلاحظ هذا في نفسه أنك قد يكون شغلك الشغل إصلاح الآخرين وتنسى إصلاح نفسك. مع أن المقتضي في قيام الشهوة عند الآخرين ترى هو موجود عندك تمام. ولذلك ماذا قال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: 53]. يعني صحيح احنا المشكلة عند امرأة العزيز بس هذا مش معناه أنه أنا ما فيش في داع ومقتضي، ايش يعني أبرر نفسي أن أنا انسان في في مقتضي للشهوات ولا يجب علي أن أكافح؟ قبل أن يكون همي فقط إصلاح الناس يكون همي أيضا إصلاح نفسي.
فإذا أنت تحتاج إلى شيئين: إلى صلاح نفسك ودفع الذنوب عنها لقيام المقتضي في نفسك، والشيء الثاني ويحتاج أيضا إلى أمر غيره ونهيه بحسب قدرتهم -يعني بحسب قدرتك-. وكل من هذين الأمرين كل واحد فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه. فهمنا إذا ما هما الأمران؟
وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]. فالإيمان والعمل الصالح هذا حظك، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هذا ايش دعوة الآخرين. فهمت هذان الشيئان لذلك سورة العصر لماذا يجمع السور كما مر معنا إيمان.
وعمل صالح هذا شغلك لنفسك، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هذا أمرك للأخرين ونهيك عنهم. وكما قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].
لذلك قال: لما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رجعنا لفكرة أن الخصال هذه لما كانت تصعب على كثير من الناس، أصبح كثير من الناس يقول لك: خلاص أنا ما بدي أمر بالمعروف لأنه ما بدي أصبر، أو ما عندي جلد على الصبر مثلا، بأن يطلب السلامة من الفتنة. لكن الله عز وجل لما قال عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49] أنا ما عندي صبر على الجهاد، والجهاد أعظم أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]. وقد ذكروا في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالجهيز لغزو الروم فقال: هل لك في نساء بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إنّي رجل لا أصبر على النساء وإنّي أخاف الفتنة، فأذن له ألا يخرج في غزوة تبوك. وكان عدم خروجه هو سقوط في الفتنة حقيقة، وهذا الجد بن قيس هو الذي تخلف أيضا عن بيعة الرضوان وتخلف تحت الشجرة واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث أنه إنّ كلّهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر والعياذ بالله.
فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49] يقول إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهده نفسه عنه فيتعذر بذلك، أو يواقعه فيثمر الصور الجميلة وأحبها، فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشرع وإما للعجز عنها تعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل محظورا هلك. وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء، فهذا وجه قوله ولا تفتني. قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49] يقول إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوعه عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنه صغیره لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد اصابته. والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد. فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر.
نعم، إنّ الإنسان قد يترك الشيء من الطاعة بحجه خوف الفتنة فإذا به يسقط في ماذا؟ في فتنة أسوأ، وهي فتنة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأصلاح المجتمعات، ويؤدي ذلك إلى عدم قيامه بأمر الله. والناس فيه على قسمين: قسم يأمرون وينهون يقاتلون طلبا لإزالة الفتنة زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقاتل في الفتن الواقعة بين الأمة مثل الخوارج، يدعون أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويزعمون فيما يزعمون أنهم يريدون إقامة الدين ولكنهم يؤديان إلى فتنة. وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله فلا يجاهدون في سبيل الله لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالصورة الجميلة فإنها سبب نزول الآية. وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله العليا لئلا يفتنوا بجنس شهواتهم وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فرّوا منها.
وإنّما الواجب عليهم القيام بالواجب من الأمر والنهي وترك المحظور والاستعانة بالله، الواجب أنك تجمع بين كل شيء؛ أن تحمي نفسك من هذه الشهوات التي أنت خائف منها ولكن أثناء حمايتك نفسك من هذه الشهوات تبقى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتجاهد في سبيل الله هذا هو الواجب. ولو فرض أن فعل الواجب وترك المحظور وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا مثل كثير ممن يحب الرياسة أو المال أو شهوات الغير. بعض الناس بقول لك: يا بفعل الواجب وبفعل المحظور، يا بترك الواجب وبترك المحظور. هيك هيك بعض الناس! لا، احنا بنقول: بدك تفعل الواجب وتترك المحظور. بعض الناس زي الجد بن قيس، بدّه يترك الشغلتين، بترك الجهاد عشان أترك الشهوات. لا، أنت مش بتترك الجهاد عشان أترك الشهوات، بتترك الشهوات وتجاهد في سبيل الله. أو بقول لك: ماشي بس بجاهد وبصنع أعمل شهوات، بعض الناس بتعامل معك يا هيك يا هيك.
فيقول: وإنّما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوع إلا على فعل الأمرین معا الواجب والمحظور أو ترك الأمرین معا الواجب والمحظور مثل كثير ممن يحب الرياسة أو المال أو شهوات الغير، فانه إذا فعل ما وجب عليه مما أمره الله يفعل معه ما نهي عنه. فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة. شو معنى هذا الكلام؟ هي قاعدة عظيمة!
فلا بد أن يفعل معها شيئا، فالواجب عليه الآن: لو أنت الآن وجدت سلطانا أو قائدا بغض النظر من هو، بقول لك: شوف أنا بعمل اللي بدك إياه بجاهد وبعمل غزوة ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر زي ما بدك بس راح تعرف بعد ما أحصل ما أفعل هذا راح أفعل محظورات راح آخذ أراضي وأعمل كذا وأنت بتحتار طب أخليه يجاهد ولا ما أخليه؟ أخليه يقود الغزو ولا ما أخليه؟ شو بقول لك ابن تيمية؟ أنظر ما هو الأعلى، إذا كان الخير المرتقب أن يصنعه أعلى من المفسدة التي سيقع فيها بخليه يغزو على علمي أنه سيقع في منكر بعد ذلك، وإذا كان الشر الذي سيُعقِب أكثر من الخير الذي أرجوه منه بقول له: لا لا خلص شكرا لك لا تغزو ولا تجاهد ولا شيء لأنه أنت ستفعل مع ذلك منكر. فاترك الأمرين؛ يعني إذا كان هناك شخص إما سيفعل الأمرين أو يترك الأمرين، فأنا هل أجعله يفعل الأمرين مع إني عارف إنه راح يصير محذور ولا أخليه يترك الأمرين حتى ما يصير المنكر؟ هذه قاعدة مهمة.
قال: عليك أن تنظر في أغلب الأمرين، ايش الأهم؟ فإن كان حصول المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة. وأما إذا كان ترك المحظور المنكر أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء الثواب برجاء الثواب فعل الواجب يكون دون ذلك، يعني لا بخليه يترك المنكر وترك معه المعروف لأنه ترك المنكر هون أهم عندنا من فعل ذلك الواجب لأنّ فعل ذلك الواجب أقل فائدة من ذلك المنكر. فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا وتفصيل ذلك يطول. طبعا هاي القاعدة قد تطبقها على نفسك وقد تطبقها على الآخرين، يعني أنت نفسك ممكن أحيانا ترى أنك بدك تفعل شيئا أو تترك شيئا هيك أنت ماشي؛ إذا فعلت ستفعل شيء واجب وسيكون معه محظور، وإذا تركت ستترك شيء واجب وستترك معه محظور. طب ايش أقول لنفسي؟ أن تمضي ولا لا تمضي؟ أيضا بنفس الموازنة التي ذكرها.
وكل بشر على وجه الأرض لا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، أما بالمعروف وأما بالمنكر تامر نفسك حتى يعني نعم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]. فإن الأمر هو طلب الفعل وارادته والنهي طلب الترك وارادته، ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإنّ الإنسان حي يتحرك بإرادته. وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما أتمار بامر وتناهي عن أمر. ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين كما قيل لاثنان فما فوقهما جمعه، لكن لما كان ذلك اشتراكا في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام والآخر مأموم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه رضي الله عنهما: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما»، وكان متقربين في القراءة.
وأما في الأمور العادية ففي السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم». وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينهى عن المنكر الذي نهى عنه ورسوله، وإلا فلا بد من أن يأمر وينهى ويؤمر وينهى أما بما يضاد ذلك. نعم قال: أما أن يكون هذا يحصل في الخير أو في الشر. نعم قال: وأما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، إذا إما أن تؤمر بكل خير أو تؤمر بكل شر أو تؤمر بخليط ما بين الخير والشر. وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا ضالا باطلا، وهذا كما أن كل بشر فانه حي متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله وهو الباطل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]. وهذه الأعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39] وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
وقد أمر الله إذا هذه وهذه الأعمال التي قال فمن لم تكن نيته صالحة وعمله صالح وإلا كان عمله فاسد ولو ظن أنه يحسن صنعا، فهذه الأعمال التي اختلت فيها شروط قبول العمل كلها لا فائدة منها والله عز وجل يجعلونها هباء منثورا.
وأول الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس وينهون، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، طبعا هو يعلق على آية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. من هم أولوا الأمر؟ أصحاب الأمر وذووه. نعم فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والامراء.
قال: فاذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأحمس لما سألت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فانه من أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء... هم عادة من تميم إذا أطلق المشايخ هنا يقصد مشايخ العشائر المشايخ اللي هي الزعامات القبلية، هذا الذي يخص كلمة المشايخ.
نعم قال: وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى الله عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم فقال في خطبته: أيها الناس، القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
قال رحمه الله: فصل، وإذا كانت جميع الحسنات لابد فيها من شيئين؛ أن يراد بها وجه الله وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب والعمل الصالح، في الأمور العلمية والامور العملية العادية. ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أول ثلاث... نعم معروف حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار، فإن هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء والسماع في نصها هم بازاء الثلاثة الذين بعد النبي من الصديقين والشهداء والصالحين، فإنّ من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان صديقا، ومن قاتل لتكون كلمة الله العليا وقتل كان شهيدا، ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا. ولهذا يسال المفرط في ماله، يسال المفرط في ماله الرجعة وقت الموت كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أعطي مالا فلم يحج منه ولم... يسال المفرط في ماله الرجعة عند الموت فيقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10] هذا يقصد. نعم قال كما...
قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أعطي مالاً فلم يحج منه ولم يزكِ، سأل الرجعة وقت الموت، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ﴾ [المنافقون: 10]. الآية التي قرأها.
ففي هذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها أن يكون ما يخبر به عن الله واليوم الآخر وما كان وما سيكون حقاً وصواباً، وما يأمر به وما ينهى عنه كما جاءت به الرسل عن الله، فهذا هو الصواب الموافق للسنة.
ففي الأمور العلمية هذا الذي يريد أن يقوله، ومن الأمور العلمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أنت أيضاً تحتاج أن تقصد وجه الله وأن تكون موافقة للشريعه. يعني احنا مش نقول شرط قبول العمل أن يكون ايش خالصاً متابعاً؟ هل هذا فقط في الأمور العملية، والله أيضاً الأمور العلمية تدخل في ذلك؟ حتى الأمور العلمية تدخل في هذين القيدين؛ لابد أن تكون خالصة لوجه الله وأن تكون موافقة للشريعه.
لذلك هنا ماذا قال؟ ففي هذه الأمور العلمية يحتاج المخبر بها أن يكون ما يخبر به عن الله واليوم الآخر، وما كان في زمان، وما سيكون في المستقبل حقاً وصواباً، وما يأمر به من المعروف وينهى فيه عن المنكر أيضاً كما جاءت به الرسل عن الله، فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعه المتبع لكتاب الله وسنة رسوله.
كما أن العبادات التي يتعبد العباد بها إذا كانت مما شرعه الله وأمر الله به ورسوله، كانت حقاً وصواباً موافقاً لما بعث الله به رسله، وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة. كما أن العبادات اللي هي العملية يقصد، نعم، فيقول: فالعمل والعلم كلاهما يجب أن يكون بإخلاص واتباع، مش فقط العمل حتى العلم.
قال: وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة، هذا من البدع العلمية أو العملية وإن كان يسميه علوماً ومقولات، وإن كانوا هم يسمون مثلاً علم الكلام وأغلبه علم البدع فعلياً ليس علم الكلام، أو يسمون عباداتهم والله أذواق وهي بدع عملية.
ويحتاج أيضاً أن يؤمر بذلك لأمر الله به وينهى عنه لنهي الله عنه، ويخبر بما أخبر الله به لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل. كما تحتاج العبادة إلى أن يقصد بها وجه الله، فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية أو لإظهار العلم والفضيلة، فمن أخبر بامر علمي لهوى وحمية أو لإظهار العلم والفضيلة على الناس أو لطلب السمعة والرياء، كان بمنزله من يعمل شجاعة. وهو يقيس الأمور العلمية على الأمور العملية.
ومن الأمور العلمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أنت ممكن تحكي درس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنت في النهاية مرائي. هنا يتبين لك ما وقع في كثير من أهل العلم والمقال، وأهل العبادة والحال، وأهل الحرب والقتال، من لبس الحق بالباطل في كثير من الأصول؛ فكثيراً ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة أو ما يتضمن خلاف السنة، وكثيراً ما يتعبد هؤلاء القسم الآخر بعبادات لم يأمر الله بها أو نهى عنها، وكثيراً ما يقاتل هؤلاء أيضاً هكذا.
إذاً فالامور القتالية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمور العلمية والامور العبادية يقع فيها هذه الأمور.
ثم كل من الأقسام الثلاثة المامور به والمحظور والمتملق على الأمرين على الأمر والحظر الذي فيه حق وباطل، قد يكون لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا. فاذا هو ذكر أولاً حالة عدم الاتباع، إنسان إما أن يكون متبعا أو يكون مبتدعا أو مخلطاً، هذا من حيث الموافقة وعدم الموافقة. ومن حيث النية، قد تكون نيته صالحة قد تكون نيته طالحة قد تكون مخلطة، فكلا الاصلين من اصول قبول العمل فيه الأقسام الثلاثة.
فهذه تسعة اقسام في الأموال المنفقه عليها من الأموال السلطانية وغيرها، والاموال الموقوفه والاموال الموصى بها والاموال المنذورة وأنواع العطايا والصلات. وهذا كله من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح بآخر سيء، وقد يكون صاحبه مخطئاً أو ناسياً مغفوراً له كالمجتهد الذي له أجره وخطؤه مغفور له، وقد يكون صغيراً مكفراً باجتناب الكبائر، وقد يكون مغفوراً بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات، أو مكفرا بمصائب الدنيا ونحو ذلك.
إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله وحده بالعمل الصالح، وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد غيره، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَُّ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 18-19].
الإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد فلا يكون متكبراً، والثاني الإخلاص من قوله تعالى: «ورجلاً سلماً لرجل». والذي يظهر لي أنه قصد بالنفقات الأموال السلطانية والاموال الموقوفه أن هذه الأموال السلطانية أو الموقوفه أو الموصى بها أو المنذورة للاسف إما أن تنفق على شيء صواب خالص، وإما أن تنفق على شيء منكر خالص، وإما أن تنفق على شيء فيه هذا وهذا، وهو يخبر أنه كيف الأمور تنفق، مش دائماً الناس تنفق على صواب محض أو خطأ محض، كثيراً ما تنفق على هذا وهذا.
فلا يكون مشتركاً، وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 130-132].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161-163].
والإسلام يستعمل لازماً ومتعدياً بحرف اللام، يعني يستعمل لازماً لا ياخذ مفعولاً به، وأحياناً يستعمل متعدياً بحرف اللام مثل ما ذكر في هذه الآيات: «أسلمت لرب العالمين»، ومثل قوله تعالى: «وأسلمت مع سليمان لله» (طبعاً: أسلمت لله)، «وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له»، «وله أسلم من في السماوات والأرض»، ومثل قوله: قل وأمرنا لنُسلم لرب العالمين.
ويستعمل أحياناً متعدياً مقروناً بالإحسان، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]. أسلم وجهه هنا جاء متعدياً بدون حرف جر لكنه قرن بالإحسان. فقد أنكر الله أن يكون دين أحسن من هذا الدين، وهو إسلام الوجه لله مع الاحسان. وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه.
أثبت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة رداً لما زعمه من زعمه أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، لأنها جاءت بعد آية قول اليهود والنصارى: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: 111]. وهذان الوصفان، وهو من أسلم وجهه لله والإحسان، هم الأصلان المتقدمان اللذان هما النية الصالحة والاتباع، مش هي أصل قبول الأعمال؟ وهما كون القول والعمل خالصاً وهذا معنى اسلام الوجه لله، ومتبعاً للسنة وهو معنى قوله محسن. فالإخلاص لله هو الإسلام، وهو محسن هو الاتباع.
وذلك أن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص القصد والنية لله. وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ: إسلام الوجه، واقامة الوجه كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29] و﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: 30]، وتوجيه الوجه كما في قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: 79]، وكان يقول إذا أوا إلى فراشه: وجهت وجهي إليك.
الوجه يتناول المتوجه اسم فاعل والمتوجه إليه اسم مفعول، ويتناول هي التوجه نفسها، كما قال أي وجه تريد يعني أي جهة تقصد، وذلك أنهما متلازمان المتوجه والتوجه، فحيث توجه الإنسان توجه وجهه، ووجهه مستلزم لتوجهه، وهذا في باطنه وظاهره.
فالوجه لماذا يذكر الوجه ربنا سبحانه وجهت وجهي؟ لأن الوجه يتناول المتوجه كله، صح ولا لا؟ لماذا إذا الله عز وجل تكلم عن توجه شخص يتكلم عن وجهه؟ لأن الوجه يطلق ويراد الكل الشخص، صح؟ فالوجه يتناول المتوجه كله، والوجه أيضاً يتناول الجهة المتوجهة إليها تسمى وجهاً، والوجه أيضاً يطلق على عملية التوجه.
ولذلك قال: وذلك أنهما متلازمان، كيف؟ لأنه إذا توجهت بذاتك إلى شيء فانه وجهك راح يتوجه له، صح؟ فمن هنا ناسب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لذلك قال: فحيث توجه بدن الإنسان توجه وجهه، أي جهة تقصدها بذاتك فإن وجهك سيتجه، فلذلك ناسب أن يطلق الوجه على المتوجه كله من باب إطلاق الجزء على الكل، ووجهه مستلزم لتوجّهه وهي العملية الأصل. وهذا في باطنه وظاهره جميعاً، وهذا كما يكون في الظاهر يكون في الباطن، فكذلك قلبك حيثما توجه قلبك يكون توجهك.
فهي أربعة أمور: والباطن هو الأصل والظاهر هو الكمال. فإذا توجه قلبه إلى شيء، إذا قلبك توجه إلى شيء فإن وجهك الخارجي سيتبع قلبك الباطني؛ فإذا كان العبد قصده ومراده متجهاً إلى الله، فهذا صلاح إرادته وقصده. فإذا كان قلبك متجهاً إلى الله فإن وجهك من حيث الظاهر سيتجه إلى مجالس العلم، إلى الصلوات، راح تلاقي وجهك الخارجي متجه نحو هذه الاماكن. وإذا كان قلبك يتوجه إلى الشهوات راح تلاقي وجهك بما فيه من العين متجهاً نحو النظر إلى الحرام وإلى مضيعة الأوقات.
وكل هذا الفصل لتأكيد أن قبول الأعمال العلمية والعملية يحتاج إلى إخلاص ومتابعة، بس هنا ركز شوي على الإخلاص، خلص من الإخلاص انتقل: والعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات وهو ما أمر الله به. ما هي الحسنات؟ كل ما أمر الله به حسنة، والذي أمر الله به هو الذي شرعه وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله.
فقد أخبر الله تعالى أنه من أخلص قصده لله -فهذه خلاصة الآية- وكان محسناً في العمل، فهذا الذي يستحق الثواب وهذا الذي يسلم من عذاب الله. ولهذا كان أئمة السلف رحمه الله يجمعون دائماً هذين الأصلين؛ الإخلاص والمتابعة، وهذا يعني هو خلاصة ما يريد أن يقوله في ختام الرسالة، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخضعان لهذه القاعدة؛ لابد أن يكون خالصاً ولا بد أن تتبع فيه قواعد الشريعه، وإلا فلا يقبل أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.
وعاد قصة الفضيل بن عياض لما قال: أخلص صوابه، وقد رواها ابن شاهين في كتاب عقائد السلف واللالكائي عن سعيد بن جبير: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. وهو أتي بهذا الأثر لأنه ذكر في قضية القول: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول إلا بنية، لأنه عادة نحن بنرجع بنقول نحمل النيه والمتابعة على فقط الأمور العملية، وننسى أنه برضه هي شرط في الأمور العلمية القولية. ورواية عن الحسن البصري مثله، ولهذا ما روي عن الحسن: لا يصلح قول إلا بعمل، بدل لا يقبل قول إلا بعمل، وهذا فيه رد على الذين يجعلون مجرد القول كافياً، فأخبر أنه لابد من قول وعمل.
المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً ويقولون إنه لا يحتاج في الإيمان إلى عمل! الجواب: بل الإيمان يحتاج إلى قول وعمل، إذ الإيمان قول وعمل لابد من هذين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبين أن مجرد تصديق القلب ونطق اللسان مع البغض لله وشرائعه والاستكبار على الله وشرائعه لا يكون إيماناً باتفاق المؤمنين، حتى يقترن بتصديق القلب عمل صالح على الجوارح، وأصل العمل عمل القلب ويتفرع عنه عمل الجوارح وعمل اللسان.
القلب هو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قالوا ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، إذاً لا تحتاج أنت إلى النية وهذا ظاهر، فإن القول والعمل إذا لم يكونا خالصين لله لم يُقبلا. ثم قال: ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، فهذا يدل على الأصلين في قبول العمل: النية والاتباع.
ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، لأن السنة في علم العقيدة ليست هي السنة في علم أصول الفقه وليست هي السنة في علم الفقه. صح؟ السنة في العقيدة مقابل ايش؟ البدعة، فهي تشمل الاعتقادات والامور. السنة في اصول الفقه مقابل الكتاب، والسنة في الأحكام الفقهية مقابل الواجب، طيب وهكذا.
كقول ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء: اقتصاد في سنة، يعني أن تفعل شيئاً باعتدال لكن يكون موافقاً للسنة، خير من أن تفعل شيئاً باجتهاد وتتعب لكنك في بدعة. وهذا ختام تعليقنا على رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهاية مجلسنا اليوم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل