بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التعليق على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا على مسألة الصيام في السفر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل، وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام وأفطر، وخير الصحابة بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله. فلو اتفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم، فهل لهم الفطر؟ في قولان أصحها دليلاً: أن لهم ذلك. وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق.
هنا نتكلم معلقاً رحمه الله تعالى عن الصوم في السفر، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سافر في رمضان في مثل ماذا؟ سفر النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، فتح مكة كلها كانت في رمضان، فالنبي صلى الله عليه وسلم صام وأفطر، ففي فتح مكة صام أول الأمر في سفر لفتح مكة، صام أول الأمر ثم أفطر بعد أيام.
وخیر الصحابة بين الأمرين، فلذلك الصحابة منهم الصائم ومنهم المفطر، ولم يعد بعضهم على بعض، فدل ذلك على جواز الأمرين. لا شك في جواز الفطر للمسافر في رمضان في الجملة، فإن العلماء مجمعون على ذلك. واختلفوا في الأفضل: الأفضل الصوم أو الأفضل الفطر، أو أنه خير مختلف. وأيضاً اختلفوا في بعض المسائل الجزئية، يعني مثلاً من العلماء من يقول: إذا كنت في أول النهار مقيماً فلا يجوز لك الفطر إذا سافرت في أثناء اليوم. وهذا قول أكثر أهل العلم، يعني فقط الحنابلة رحمهم الله تعالى هم الذين يقولون: من سافر في أثناء اليوم فله الفطر. ولذلك يعبرون بـ (له الفطر) يعني يباح له الفطر، نظراً إلى وجود الخلاف في هذه المسألة، فلم يقولوا بالاستحباب إذا سافر في أثناء النهار. أيضاً مثلاً في مسألة إذا علم أنه سيقدم في أثناء النهار هل يجوز الفطر أو لا؟ أقصد مسائل جزئية، لكن في الجملة متفقون على جواز الفطر للمسافر إذا سافر.
ذكر مسألة أخرى وهي الفطر لأجل الجهاد. إذا كان الجهاد في السفر هذا لا إشكال فيه مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا كان الجهاد في الحضر، فقال: فلو اتفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدو -يعني العدو الآن هو الذي هاجم المسلمين في بلدهم- فحصل عندهم: هل يجوز لهم الفطر من غير مسافرين أو لا؟ يقول: على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في شرح العمدة، ونقل ذلك عن الخلال في كتاب السير أن فيه قولين، أصحها دليلاً: جواز ذلك. وذكر صاحب اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله، الذي جمع اختياراته في الصيام، أنه لم يجد قولا للأئمة الثلاثة، وما وجد إلا عند الحنابله وعند شيخ الإسلام، فقد يعني أغلب من نقل عن الحنابلة، لكن من المتاخرين عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله في وقعة شقحب لما هاجم العدو هاجم المسلمين في دمشق، فكان شيخ الإسلام رحمه الله يفطر ويأمر بالفطر، وسيذكر أدلته على ذلك.
وحصل بينه وبين بعض الفقهاء نقاش فقال: نحن مقيمون فكيف نفطر؟ رد عليهم بماذا؟ تكرم هنا نعم. لمجرد السفر، فإباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بالجواز، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، لأن مشقة هذه أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر.
أحسنت، هذا الدليل الأول، وهو القياس الأولوي على الفطر للسفر، وذكر ثلاثة أمور: ذكر ثلاثة أمور يتقوى بها الجهاد على السفر مجرد السفر. الأول: القوة في الفرقة تصوير المسافر، أما القوة في المجاهد فهي له وللمسلمين. والامر الثاني: المشقة، المشقة في الجهاد أعظم من المشقة في السفر. والأمر الثالث: المصلحة، المصلحة الحاصله للمسافر تختص به، وأما المصلحة الحاصلة للمجاهد فله وللمسلمين. هذا الدليل الأول.
نعم، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء. الدليل الثاني، وهو أنه يتحقق به مقصود الجهاد من القوة، وهو مأمور بإعداد القوة، ولا يتم ولا يكمل ذلك إلا بالفطر، فكان ذلك سبباً، أو فكان شرعية ذلك محققة لمقصود الشارع من الجهاد. قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم»، وكانت رخصه. ثم نزلوا منزلاً آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا»، فكانت عزمة فأفطرنا. فعلل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي هي القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه ولم يذكره في تعليله ولا أشار إليه، فتعليله به اعتبار لما ألغاه الشارع. اعتبار. فالتعليل به اعتبار لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع.
أحسنت، هذا الدليل الثالث. يكون النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث علل في أمر يتعلق بالجهاد: «والفطر أقوى لكم»، «والفطر أقوى»، «إنكم مصبحو...»، هذا كله يتعلق بالجهاد. فلم يتطرق للسفر أبدا، فهذا الدليل على أنه يفطر للجهاد، وهذا سبب آخر مستقل عن السفر، لذلك قال: فالتعليل به، ولم يذكر في تعليله ولا أشار إليه، فالتعليل به -يعني التعليل بالسفر للسفر- اعتبار لما ألغاه الشارع في الثابت الخاص، كأننا عبرنا بشيء والشارع لم يذكر، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها باعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع. وعلل بالقوة و«الفطر أقوى لكم»، ولم يعلل بالسفر، فإذا عللنا بالسفر وتركنا التعليل بالجهاد كأننا عللنا بشيء لم يذكره الشارع وتركنا شيئاً ذكره الشارع.
والشيخ أيضاً، الشيخ ابن القيم رحمه الله ذكر هذه المسألة في الفطر بالجهاد في بدائع الفوائد، ونقل عن شيخ الإسلام رحمه الله قوله: ولا يشك فقيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر. ثم استدل بالحديث، حديث أبي سعيد. ثم قال ابن القيم، قال ابن القيم رحمه الله تعليقاً على فتوى الشيخ: إذا جاز الفطر... هذا أيضاً الدليل الرابع، نقول: دليل رابع، يعني القياس بالأولوية على فطر. يقول: إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يخلص الغريق -يعني كلهم هؤلاء يفطرون لمصلحة خاصة لشخص آخر- يقول: ففطر المقاتلين أولى بالجواز. قال: ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقط غالطه، بل هو أمر، بل هو أمر من باب قياس الأولى من دلالة النص وإمائه، ليس هو مصالح مرسلة -يعني لم يدل عليها دليل- لا، في أدلة قوية، في أدلة يعني ثابتة من الشارع المجاهد قياس أولوية. وهذا، كما قلنا، هذا اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وبالجمله، فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، كيف وقد أشار إلى العلة ونبه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها؟ ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم فتح مكة: «إنه يوم قتال فأفطروا». تابعه سعيد بن الربيع عن شعبة. فعلل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء. وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال، وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الفتح: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». التخيير في للمسافر في الفطر أو الصيام، فمن أحب حسن، فمن أخذ بها حسن فلا جناح عليه.
وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها، في غزوة بدر وفي غزوة الفتح. قال عمر بن الخطاب: غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما. وإنما روى الدارقطني وغيره عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان، فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت وقصر. روى أسند، فغلط: إما عليها وهو الأظهر، أو منها، واصابها فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط. وكذلك أيضاً عمره كلها في ذي القعدة، وما اعتمر، وما اعتمر في رمضان قط.
يقول: إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر في رمضان ويفطر، ثم ذكر ما جاء عن عائشة هذا الحديث، يقول: هذا غلط، إما عليها عن الرواة الذين رووا، أو من الرجال وثقات، لكن الغلط يعني جاء منها. فقالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان. هذا وجه الغلط، هذا وجه الغلط، يعني قولها هذا في تغليطها أن النبي صلى الله عليه وسلم كل عمره في ذي القعدة، وأيضاً هي يعني في الحديث الصحيح ردت على ابن عمر، قالت: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب؟ وابن عمر في عمرة كل في عمرة النبي صلى الله عليه وسلم كلياً كان معه، مع ذلك يعني يحصل الإنسان المذهول المده في تحديد الشهر، في تحديد السنة.
ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد، ولا صح عنهم في ذلك شيء. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وكان الصحابه حين ينشئون في الفطر في السفر: هل يسافر السفر مسافة؟ هنا قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقدر مسافة للسفر، لم ينقل عنه في ذلك الشيء، وأي مسألة خلافية السفر الذي يترخص فيه لابد فيه مسافة معينة أو ينظر بمجرد العرف؟ فإن قيل في العرف إنه سفر فهو السفر، وإن قيل في العرف ليس بسفر فليس بسفر، والمسألة طلب فيها الخلاف بين أهل العلم رحمه الله تعالى، وأكثر اهل العلم رحمهم الله على أن السفر مقدر بالمساحة، قدر بالمساحة. ومن أهل العلم من رأى أن السفر مقدر بالعرف، فالعرف أن هذا سفر فهو سفر، وهذا وهذا هو الذي ذكره هنا اختيار الشيخ وأيضاً قدامة رحمه الله في المغني حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم، كما قال عبيد بن جبير: ركبَتُ مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفره قال: اقترب.
قلت: ألا ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دنونا من مرساها، فلما دفعنا وهو الموجود في المسند، نعم، فلما دنونا من مرساها أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيبت، ما تغيبت... أن ما تغيرت عنا منازلنا بعد، ألا ترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: لا. قال: فقلت... قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا. وقال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب. قال الترمذي: حديث حسن. وقال القطني فيه: فأكل وقد تقارب غروب الشمس. وهذه الآثار صريحة في أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه.
هنا مسألة: متى يفطر؟ متى يفطر هنا؟ رحمه الله يميل إلى أنه يفطر متى عزم على السفر، حتى لو لم يعني يخرج من البلد، حتى لو لم يخرج من البلد. ونقل في ذلك عن أبي بصرة الغفاري وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. وأكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يفطر حتى يخرج من بلده، لأنه لذلك يعتبر مسافراً، فالسفر يعني سفرنا البروز، وإذا كان في بلده فإنه لم يبرز، فهم منشؤهم في هذا منشأ لغوي. رحمه الله استدل على ذلك بفعل الصحابة الذي فهموه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقال في النهاية: وهذا إلى آثار صريحة في أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه. ولا الذي قلنا لكم قبله أنه من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، والجمهور على أنه ليس له الفطر فيه.
وهنا أبدأ بفعل الصحابة، ويستدل على ذلك أيضاً لأنه تحقق فيه وصف العذر، وصف العذر، فجاز له الفطر.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان