دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع الحاضرين وعن جميع المؤمنين.

قال الإمام عبد الله بن محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي رحمه الله تعالى في كتابه في الصيام: لما كان المقصود من الصيام حبס النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وتقبل ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكثر الجوع والظماء من حدتها وثورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين.

وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال؛ فإن الصائم لا يفعل شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، وترك محبوبات النفس ومألوفاتها إيثاراً لمحبة الله ومُرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، أما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم.

طيب، هنا ذكر رحمه الله تعالى يتكلم عن الحكمة عن مشروعية الصيام، وأن في حبس النفس عن الشهوات وفطام المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لأن النفس فيها قوة شهوانية وقوة غضبية، فلا بد من أن تتعادل هذه القوة، فإذا غلب شيء منها فإن الإنسان يحيد عن الحق. فجاء هذا الصيام ليعدل من حكم تعديل هذه القوى، لكن لماذا قال لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها إلى آخره؟ يعني يقصد أنها أيضاً لتحقيق تقوى الله عز وجل المذكور في الآية.

ومما يحقق التقوى أيضاً أنه إذا انكسرت نفسه؛ فانه يتذكر الجائع، يتذكر اطلاع الله عليه، تذكر أموراً يتحقق بها تقواه لربه عز وجل. قوله هنا: وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال. هذا أخذ من الحديث قوله: لرب العالمين من بين سائر الأعمال. وهذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم، أو قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به».

اختلف العلماء: لماذا اختص الله عز وجل الصوم من بين سائر الأعمال؟ هنا ابن رقيم يقول: لأنه إنما يترك شهوته لأجل الله تعالى، فهو ترك وليس فعل، لا يفعل شيئاً وإنما يترك لأجل الله تعالى. وهناك معاني كثيرة ذكرت في سبب اختصاص الله عز وجل الصيام من بين سائر الأعمال. ابن رجب رحمه الله ذكر في الفتح عشرة معاني يرجع إليها، منها أنه لا يدخله الرياء، ومنها أنه لم يعبد بها غير الله تعالى، ومنها أنه لا يدخل في القصاص بين العبد وبين من ظلمه؛ بينما يقتصون من الصلاة والصدقة ونحوها، من الصيام لا.

قال رحمه الله: تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط بالمواد الفاسدة التي استولت عليها فأفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات؛ فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة». وامر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام. وجعله جاءً لهذه الشهوة. والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمه، شرع الله لعباده رحمة بهم وإحساناً إليهم وحمية لهم وجنة.

هنا ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جنة». وصوم جنة يستجن بها العبد من النار، كما جاء في بعض الروايات: من له قدرة فيؤمر بالنكاح، فاذا لم يكن له قدرة فيها روى الشباب فليتزوج، فإنه غض للبصر، أحصن، ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء -أي يقطع الشر-.

قوله: والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرع الله لعباده... هذا جواب الشرط، لما جاء في البداية: لما كان المقصود من الصيام... استطرد استطراداً، ثم قال: ثم قصد بذلك شرع الله لعباده رحمة به وإحساناً إليهم وحمية لهم وجنة. فشرعية الصيام رحمة من الله عز وجل لعباده، أنه يريد منهم الارتقاء في درجات المتقين، فشرع لهم هذه العباده العظيمه، فلم يشرعه لتجويعهم واتعابهم بذلك، وإنما شرعه رحمة بهم.

الله إليكم. قال رحمه الله: وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيلا للمقصود، وأسهله على النفوس، ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها من أشَق الأمور وأصعبها، تاخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج.

هنا ذكر تأخر فرضية الصيام، لماذا تأخر؟ ما فيه من حكم عظيمة، ومع ذلك تأخر فرضيته إلى ما بعد الهجرة. 13 سنة في مكة ما في صيام، ما في صيام واجب. فتاخرت فرضيته إلى بعد الهجرة، يقول: لأجل توطين النفوس على الشريعة، والا لو أمروا من أول الإسلام في الصوم ربما أحجموا عن الدخول للإسلام، لكن لما أسلموا يترسخ الإيمان في قلوبهم جاءت هذه الشرائع. ومثل أيضاً تحريم الخمر، ما شرع التحريم من أول الإسلام، وإنما صار بالتدريج لأجل أن توطن النفوس على تقبل أوامر الله تعالى. نعم.

قال رحمه الله: وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات، ففرض أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام فانهما يفطران ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم.

يقول: فرض في السنة الثانية من الهجرة، وهذا بالإجماع فرض السنة الثانية من الهجرة، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات (من السنة الثانية إلى السنة العاشرة صام رمضان)، هذا بالإجماع. قال: فرض أولاً على وجه التخيير بينه وبين الإطعام. الآية التي دلت على هذا ما هي؟ ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. جاء في تفسيرها: أن كان من أراد أن يفطر ويفتدي فله ذلك، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، هذا على أحد التفسيرات للآية، فقالوا: إن هذا أول الأمر كان محمولاً، كان الأمر بالصيام على التخيير، ثم جاءت بعدها نسختها فجاء الصوم متحتماً. وبقي التخيير أو بقيت الفدية خاصة بالكبير والمرأة الذين لم يطيقا الصيام؛ لم يطيقا الصيام يعني أنهما يستطيعان الصيام لكن مشقة شديدة، مشقة شديدة، فهؤلاء يطعمون عن كل يوم مسكيناً. فبقي الإطعام هنا.

قال: ورخص للمريض والمسافر يفطر ويقضيه من أيام أخر. طيب، الآية هل فيها تخيير؟ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، لكن في المريض والمسافر: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ جاءت السنة وبينتها. والعلماء يقولون: إن في الآية مقدماً؛ فمن كان مريضاً أو على سفر فافطر فعدة. وبهذا رده على من راى وجوب الصيام -وجوب الفطر في المرض والسفر-؛ ابن حزم الظاهري رحمه الله تمسك بظاهر هذه الآية فقال: إن الله لم يذكر في هذه الآية إلا الفطر. فيها مقدر: فافطر فعدة، التقدير في النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره.

طيب، قالوا: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك؛ يعني أنهما يفطران ويقضيان، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم. هذا ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما. على أن شهرت رحمه الله يناقش في التفريق للحامل والمرضع؛ إذا خافتا على أنفسهما إلى على ولديهما ولم تخافا، إذا كان خوف على أنفسهما فقط أو كان الخوف على أنفسهما... المشهور عند الأصحاب رحمه الله تعالى أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أنفسهما مع الولد فإنهما تقضين تفطران وتقضيان، فإن خافتا على الولد فقط فإنهما تفطران تقضيان وتطعم عن كل يوم شهراً. يكون أن المنقول عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أجوبته أنه لم يفرق، وأنه أوجب الإطعام مطلقاً، سواء خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما مع الولد أو على الولد فقط. لكن هذا هو الذي استقر عند الأصحاب رحمه الله، وهم اخذوه من القاضي أبي علي رحمه الله ومن بعده.

هنا ذكر: لماذا زادت مع القضاء طعاماً كل يوم مسكيناً؟ المرضى إذا خافتا على ولديهما يقول: فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة، فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح أول الإسلام. نقيس على فطرة الصحيح في أول الإسلام لما كان مخير من الفطر ما بين الصيام مع الفطر والاطعام، يقول: هي اما أن تصوم أو تفطر لكن على هذا. نعم.

الله إليكم قال رحمه الله: وكان للصوم رتب ثلاث؛ إحدى حجابه بوصف التخيير، والثانية تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب في الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبه الثالثة، وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.

نقول: من الصوم والفطر مع الإقامة ثانية تحتم الصوم، لكن كانوا إلى النوم يصوم؛ لكن إذا أفطر لهون ياكل إلى أن ينام خلاص، ثم جاءت الحالة الثالثة وهي أن له أن يفطر إلى الفجر. وذكر في نزولها ما حصل من بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه يعني جاء آخر النهار وكان مجهداً من العمل في بساتينهم، فكان مجاهداً فقالت زوجته: أنا ساجلب لك الإفطار. فذهبت ولما رجعت إليه وجدته نائماً خلاص إلى الغد لم يأكل شيء، فلما جاء من الغد في نصف النهار رمي عليه من، نزلت هذه الآية، ثم أتم الصيام إلى الليل، فلان: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. كان قبل أنه ياكلون إلى أن ينام. وهناك رتبة رابعة ذكر عن بعض العلماء وهي إيجاد يوم عاشوراء فقط، والعلماء مختلفون هل كان واجباً أو كان متأكداً.