صيام يوم عاشوراء هذا جاء في الحديث أيضًا الأمر به. لكن ذكر ابن القيم رحمه الله ست إشكالات على هذا الحديث، ست إشكالات على هذا الحديث ثم ذكر جوابها.
الإشكال الأول في حديث ابن عباس يقول: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم متى قدم المدينة؟ في ربيع الأول. طيب، شلون قدم النبي في ربيع الأول وجدهم يصومون عاشوراء؟ طيب، هذا الإشكال الأول وسيجيب عنه.
نعم، الإشكال الثاني: قال وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه. نعم، هذا الإشكال الثاني.
الإشكال الثاني تعارض بين حديث عائشة وابن عباس. حديث عائشة النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه منذ أن كان في مكة، كان معروفًا عنده. حديث ابن عباس كأنه ما عرفه إلا في المدينة. فالآن سيذكر أيضًا الجواب عنه.
نعم، قال وإشكال آخر، وهو ما ثبت في الصحيحين أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد، ادنُ إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل رمضان تركه.
وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صام يوم عاشوراء أو أمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع». فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا فيه أن صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعام، وحديثه المتقدم فيه أن ذلك كان عند مقدمه المدينة. ثم ابن مسعود أخبر أن يوم عاشوراء ترك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عباس المذكور، ولا يمكن أن يقال: ترك فرضه؛ لأنه لم يفرض، لما قد ثبت في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر». ومعاوية إنما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.
هنا ذكر حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس وذكر فيها إشكالين، إشكال يتعلق بحديث ابن عباس، إشكال يتعلق بحديث ابن عباس مع حديثه الأول. حديثه الأول أن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حين قدم المدينة. حديثه الثاني كأنه لم يعلم إلا نهاية حياته صلى الله عليه وسلم.
والإشكال الثاني يقول: حديث ابن عباس نعم، حديث ابن مسعود يدل على أن صيام يوم عاشوراء ترك لما فرض صيام رمضان. حديث ابن عباس لا؛ لأن حديث ابن عباس اللي هو الأخير هذا يدل على أنه مشروع حتى يعني في نهاية حياته صلى الله عليه وسلم. قال: ولا يمكن أن يقال ترك فرضه. في حديث ابن عباس ابن مسعود لا يقال ترك فرضه بدليل حديث معاوية هذا. ومعاوية سمعه هذا من النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح.
الآن سيذكر الإشكال الرابع. قال وإشكال آخر، وهو أن مسلما روى في صحيحه عن عبد الله بن عباس أنه لما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا اليوم تعظمه اليهود والنصارى، قال: «إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». فلم يأت العام القابل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم روى مسلم في حديثه عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح التاسع صائماً. قلت: هكذا كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. أحسنت.
هذا الإشكال الرابع في تحديد المراد بصوم عاشوراء: هل هو التاسع ولا العاشر؟ فالمعروف أنه العاشر. أصومن التاسع يعني مع العاشر، لكن رواية ابن عباس هذه الثانية: فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، كأنه هو التاسع وليس العاشر. هذا الإشكال سيجيب عنه.
نعم، الإشكال الخامس: قال وإشكال آخر، وهو أن صومه إن كان مفروضاً في أول الإسلام فلم يأمرهم بقضائه وقد فاتت بيوت تبييت النية له من الليل. وإن لم يكن فرضا فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟ كما في المسند والسنن من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان طاعماً فيه أن يتم بقية يومه، وهذا إنما يكون في الواجب. وكيف يصح قول ابن مسعود: فلما فرض رمضان ترك عاشوراء، واستحبابه لم يترك؟
يعني يقول هنا: هذا الإشكال الخامس أن صومه لا يخلو من أن يكون واجب أو مستحب. إذا كان واجب فلماذا لم يأمرهم بالقضاء؟ مع أنهم لم يبيتوا النية من الليل، يعني بعض القصة الذي لم يعلم إلا أثناء النهار لم يبيت النية من الليل. وهذا اللي هو الـ و و يعني دل على أنه واجب أمرهم بالإمساك، فلو كان لم لم يكن واجبًا، فلو لم يكن واجبًا لم يأمرهم بالإمساك. لم يأمرهم بالإمساك، فكيف يأمرهم بالإمساك ومع ذلك لم يأمرهم بالقضاء ولم يأمرهم بتبييت النية من الليل؟
نعم، الإشكال السادس: وقال إشكال آخر، وهو أن ابن عباس جعل عاشوراء يوم التاسع وأخبر أن هكذا كان يصومه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله ويوماً بعده، ذكره أحمد. وهو الذي روى: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر، ذكره الترمذي.
نعم، هذا أنا نفس الإشكال الرابع في تحديد المراد بصوم عاشوراء، فهل هو التاسع أو العاشر؟
قال رحمه الله: والجواب على هذه الإشكالات بعون الله وتوفيقه وتأييده. أما الإشكال الأول، وهو أنه لما قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء، فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشر، ولكن أول علمه بذلك وقوع القصة في اليوم الذي كان في اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة، لم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولعل اللي عندنا يعني أولى، كان اللي عندكم فيه ركاكة.
صلى الله عليكم، وقوع القصة في العام الثاني كان بعد قدومه المدينة، العام الثاني في العام الثاني الذي كان في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، لم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية كما هو دينهم المعروف زال الإشكال بالكلية، ويكون اليوم الذي نجى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرم، فضبطه أهل الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع الأول.
وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصوم المسلمين إنما هو بالشهر الهلالي، وكذلك حجهم وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب ومستحب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منكم». فظاهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفي تعيينه، وهم أخطأوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فيه الأشهر.
يعني أجاب عن هذا الإشكال من وجهين. الإشكال هو النبي صلى الله عليه وسلم معروف أن مقدمه كان في اثني عشر من ربيع الأول. طيب، وحديث ابن عباس: لما قدم المدينة وجدهم يصومون. كيف يصومون وهو في ربيع الأول؟ يقول: عندنا جوابين، عندنا جوابين. الجواب الأول: أنه وجدهم يصومون في أول عاشوراء مر عليه وهو في العام الثاني. فهذا الجواب الأول، ليس من حين قدم وجدهم يصومون، لكن وجدهم يصومون في أول عاشوراء مر عليه.
الجواب الثاني: أنه صحيح وجدهم يصومون في ربيع الأول، لكن هم كانوا يحسبون بالسنة الشمسية اللي هو الميلادي، فحسبوا السنة الشمسية فوافق في ربيع الأول ما كان ما وافقه يوم عاشوراء في عهد موسى عليه السلام. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: نحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه فيما يوافق يوم نجاة موسى بالتاريخ الهجري. التاريخ الهجري يسير القمر، التاريخ الهجري لم يشرع لم يكن بعد لكن في سير القمر.
فـ فـ يعني كان فكان صوم أهل الكتاب في بما يوافق السنة الشمسية هو صوم المسلمين بما يوافق السنة القمرية. وقال: وبهذا ظهر قوله: نحن أحق وأولى بموسى منكم، أنهم أحق منهم يعني في كونهم يتبعون الدين الصحيح، وبكونهم أيضًا يتبعون التعيين الصحيح.
الآن سيذكر الجواب عن الإشكال الثاني. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله فصل. وأما الإشكال الثاني، وهو أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه لما رأى بأن قريشًا كانت تعظم هذا اليوم وكانوا يكسون الكعبة فيه وصومهم من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا يعدون بالأهلة، كان عندهم عاشر المحرم. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون. فقال: «نحن أحق بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه تقريراً لتعظيمه وتأكيداً، وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم وأمته أحق بموسى من اليهود.
فإذا صامه موسى شكرًا لله، كنا أحق أن نقتدي به من اليهود، ولا سيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا. فإن قيل: من أين لكم أن موسى صامه؟ قلنا: ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألهم عنه قالوا: يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه. فلما أقرهم على ذلك ولم يكذبهم، علم أن موسى صامه شكراً لله، فانضم هذا القدر إلى التعظيم الذي كان قبل الهجرة فازداد تأكيداً، حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في الأنصار: قومه وإمساك من كان أكل. والظاهر أنه حتم ذلك عليهم وأوجبه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
هنا الإشكال الثاني: إن حديث ابن عباس يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بصوم يوم عاشوراء لما هاجر للمدينة. حديث عائشة يدل على أنه كان يصومه في مكة. فيقول: نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه في مكة، وكان أهل الجاهلية يصومونه، يصومونه ولعل ذلك مما يعني علموه من من الديانات السابقة، فكانوا يصومونه، ولم يكن يعني لعله لم يكن يعلم أن أن هذا يوم نجاة موسى. لكن لما هاجر إلى المدينة ووجد اليهود أيضاً يصومونه، فسألهم عن ذلك، فسأل عن سبب صومه، فقالوا له: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق. فصامه النبي صلى الله عليه وسلم يعني كأنه أقر هذا الذي كان في الجاهلية وأكد على ذلك، ولذلك قال: بالصيام تقريراً لتعظيم وتأكيد، يعني ليس أمراً جديداً، وإنما قرر ما كان من قبل، نعم، صلى الله عليه وسلم هذا ما قصد.
وأما الإشكال الثالث، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرض رمضان تركه، فهذا لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضا قبل رمضان حينئذ، فيكون المتروك وجوب صيامه لا استحبابه. وجوب، الله أعلم، فيكون المتروك وجوب صيامه وجوب صومه لا استحبابه، ويتعين هذا ولا بد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال قبل وفاته بعام، وقد قيل له إن اليهود تصوم: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» أي معه، وقال: «خالف اليهود، صوموا يوماً قبله ويوماً بعده» أي معه. ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فعلم أن استحبابه لم ترك.
ويلزم من قال إن صومه لم يكن واجباً أحد أمرين: إما أن يقول ترك استحبابه فلم يبق مستحباً، أو يقول هذا قاله عبد الله بن مسعود برأيه وخفي عليه استحباب صومه. وهذا بعيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على صيامه وأخبر أن صومه يكفر السنة الماضية، واستمر الصحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يرد عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه. فعلم أن الذي ترك وجوبه لا استحبابه.
أحسنت، الإشكال الثالث ما ورد عن ابن مسعود: ترك فرضه أو نعم، فلما نزل رمضان تركه. فيقول: ما معنى تركه؟ يقول: هذا لا يمكن أن نتخلص منه بأن نقول أنه كان واجباً أول الإسلام أول الإسلام ثم ترك وجوبه وبقي مستحباً، لماذا؟ لأنه يقول: لو قلنا ترك كان مستحباً ف يلزم علينا أحد أمرين، إما أن نقول الآن ليس مستحباً، هذا لا يمكن لأنه ما زال مستحباً، والنبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر وفاته كان يقول إلى آخر حياته كان يقول ذلك، أو نقول أن ابن مسعود لما قال ترك صوم رمضان قال لهم ترى يعني ترك صوم عاشوراء قال لهم برأيه وأنه خفي عليه.
أن صوم عاشوراء ليس مستحباً، نعم خفي عليه أن صوم عاشوراء مستحب، يقول هذا بعيد. أيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم حثهم وإلى آخر حياته والصحابة رضي الله عنهم كانوا يصومونه ونحو ذلك، فلا يمكن أن نقول قول ابن مسعود ترك فرضه ترك صومه يعني ترك استحباب، فيتعين أنه يقال ترك صومه ترك فرضه نعم.
صلى الله عليه وسلم قيل حديث معاوية المتفق عليه صريح في عدم فرضيته وأنه لم يفرض قط، فالجواب أن حديث معاوية صريح في نفي استمراره. معاوية ماذا قال؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم»، ومعاوية سمعه بعد الفتح لو لم يسلم إلا بعد الفتح لأنه قال سمعت، الآن يقول هذا يدل على أنه لم يفرض. هذا يشكل على ما قرره ابن القيم أنه مفروض، فالجواب ذكر عدة أجوبة نعم.
الجواب قال فالجواب أن حديث معاوية صريح في نفي استمرار وجوبه وأنه الآن غير واجب، ولا ينفي وجوبًا متقدمًا منسوخًا، فإنه لا يمتنع أن يقول لما كان واجبًا ونسخ ونسخ وجوبه إن الله لم يكتبه علينا. نعم، هذا الجواب الأول أنه يقول إن الكلام عن الحاضر، لم يكتب الله عليكم الصيام يعني الآن، وهذا لا ينفي أنه كتب صيامه قبل ثم نسخ.
نعم الجواب الثاني. والجواب الثاني أن غايته أن يكون النفي عامًا في الزمان الماضي والحاضر، فيخصص بأدلة الوجوب في الماضي ويترك النفي على استمرار الوجوب. نعم يقول لو قلنا أنه عام لم يترك لم لم يوجب الله أو لم يكتب الله عليكم صيامه يعني في الزمان الماضي والواجب والمستقبل، أو الحاضر والمستقبل، يقول هذا عام فيخصص بالأدلة التي دلت على أنه فرض في الماضي.
وجواب ثالث وأنه صلى الله عليه وسلم إنما نفى أن يكون فرضه وجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ودل على هذا بقوله: إن الله لم يكتبه علينا، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده وهو ما أخبرهم به بأنه كتبه عليه كقوله كتب عليكم الصيام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صوم عاشوراء لم يدخل في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا قطعًا لتوهم من يتوهم أنه داخل فيما كتبه علينا، فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا بهذا الصيام المكتوب.
يوضح هذا أن معاوية إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة واستقرار فرض رمضان ونسخ وجوب عاشوراء به، والذين شهدوا أمره بصيامه والنداء بذلك وبالإمساك لمن أكل شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة، وفرض رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات، فمن شهد الأمر بصيامه شهده قبل نزول فرض رمضان، ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه شهده في آخر الأمر بعد فرض رمضان، وإن لم يسلك هذا المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت.
يعني يقول إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب الله عليكم صيامه يعني لم يكتبه في القرآن، هذا لا ينفي أنه شرع في السنة، يقول يعني الوارد في القرآن كتب عليكم الصيام يعني صيام رمضان، فلم يكتب الله عليكم صيامه يعني في القرآن. إذا ذكرت ثلاث أجوبة، الجواب الأول أنه نسخ، والجواب الثاني أنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على فرضيته، والجواب الثالث لم يكتب الله عليكم في القرآن.
طيب الآن سيذكر إشكالاً على القول بالوجوب، الوجوب صوم عاشوراء، لماذا لم يبيت النية من الليل؟ نعم، فكيف يكون فرض ولم يحصل تبييت النية من الليل وقد قال: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل. فالجواب أن هذا الحديث قد اختلف فيه هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول حفصة وعائشة؟ فأما حديث حفصة فأوقفه عليها معمر والزبيدي وسفيان بن عيينة.
طبعاً عندنا في طبعة الرسالة والزهري والأصوب الزبيدي نعم، ويونس بن يزيد الأيلي عن الزهري، ورفعه بعضهم وأكثر أهل الحديث يقولون الموقوف أصح، وقال الترمذي وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح، ومنهم من يصحح رفعه لثقة رافعه وعدالته، حديث عائشة أيضًا روي مرفوعًا وموقوفًا واختلف في تصحيح رفعه.
فإن لم يثبت رفعه فلا كلام، وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكم واجب وهو التبييت وليس ناسخًا لحكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل، ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت، فهذه طريقة.
الآن سيذكر الجواب عن هذا الحديث، الآن يقول على تقريره أن صوم عاشوراء فرض، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في أثناء النهار يعني قال لمن لم يصم من كان أكل فليمكث بقية يومه، إذن ما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، يقول الجواب عنه ذكر عدة أجوبة.
الجواب أول اللي هو أنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف على عائشة وحفصة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، طيب فإذا كان كذلك خلاص إذن ما في تعارض، وهذا الجواب فيه إشكال وهو أنه لو قلنا بالوقف فهو ثبت عنهم ولهم حكم الرفع لأنهم لا يقولونه عن اجتهاد، لا يظن صيام لا يكون من اجتهاد.
لكن الآن سيذكر الجواب عن القول بالرفع بصحته مرفوعًا، فيقول هذا الأمر قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد فرض رمضان فكان أثناء فرض عاشوراء لم يكن واجبًا التبييت من النية من الليل، إنما وجب تبييت النية من الليل بعد فرض رمضان، لذلك قال فالمعلوم أن هذا قاله بعد فرض رمضان وذلك متأخر عن أمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك يعني الأمر في الحديث اللي هو لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل تجديد حكم واجب وهو التبييت وليس نسخًا لحكم ثابت بخطاب.
يعني يقول أنه عندنا يعني يوم فرض رمضان جاء الأمر أيضًا لتبييت النية من الليل، لكن يوم في فرض عاشوراء لم يكن هناك أمر بتبييت النية من الليل، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرضية التبييت من الليل، ثم نسخ وجوبه وجوب صوم من رمضان وتجدد وجوب التبييت، يعني أنه كان عاشوراء فرضًا ولم يكن هناك إيجاب لتبييت النية من الليل، فلما فرض رمضان فرض إيجاب تبييت النية من الليل، ويقول هذه طريقة للجواب عن هذا الحديث.
الطريقة الثانية قال والطريقة الثانية وهي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب عاشوراء تضمن أمرين، وجوب صوم ذلك اليوم وإجزائه بنية من النهار، ثم نسخ تعيين الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ.
أحسنت، يقول طريقة ثانية وهي طريقة أصحاب أبي حنيفة، ومذهب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى يرى أنه لا يجب تبييت النية من الليل حتى في رمضان، لا يجب تبييت النية من الليل، لماذا؟ يقول كان تبييت النية من الليل واجب يعني عكس هذا يقول تبييت النية من الليل كان عاشوراء زين؟ يعني كان من الأصل متقدم، فنسخ فرض عاشوراء ونسخ معه تبييت النية من الليل، فأصبح تبييت النية من الليل منسوخ كما نسخ وجوب صوم عاشوراء، واضح؟ إيه يكون منسوخ، إيه حتى في رمضان يكون منسوخ.
يعني عندنا المذاهب الأربعة في إجزاء في وجوب تبييت النية من الليل، الحنابلة والشافعية يرون وجوب تبييت النية من الليل في صيام الفرض دون النفل، والمالكية مطلقًا صيام الفرض والنفل، والحنفية لا يجب، لا يجبون يرون أنه منسوخ وضعيف.
أحسن الله إليك، قال والطريقة الثالثة وهي أن الوجوب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما علم من النهار، وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنًا فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم به وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق وهو ممتنع، قالوا على هذا إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار أجزأ صومه بنية مقارنة للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء.
وهذه طريقة شيخنا وهي كما تراها أصح الطرق وأقربها إلى موافقة أصول الشرع وقواعده، وعليها تدل الأحاديث ويجتمع شملها الذي يظن تفرقه ويتخلص من دعوى النسخ بغير ضرورة، وغير هذه الطريقة لابد فيه من مخالفة قاعدة من قواعد الشرع أو مخالفة بعض الآثار.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل قباء بإعادة الصلاة التي صلوا بعضها إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصوم أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه لم يؤمر بالقضاء ولا يقال إنه ترك تبييت الواجب، إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب المبيت وهذا في غاية الظهور.
أحسنت، هذه الطريقة الثالثة يقولون الوجوب تابع للعلم، فيعني يقولون فالوجوب تبييت النية من الليل هذا كان واجب من قبل رمضان يعني مع صيام يوم عاشوراء، لكن قالوا إن الوجوب تابع للعلم فهم لما لم يعلموا في حكم الوجوب يعني يقصد من صاموا أثناء النهار في عاشوراء لما لم يعلموا في حكم الوجوب إلا أثناء النهار أجزأهم الصوم بنية من النهار، لأن الوجوب تابع للعلم فلو قلنا إن الوجوب سابق للعلم كنا كلفنا بما لا يطاق.
وبنى على هذا مسألة أخرى وهي لو قامت البينة في أثناء النهار على أن اليوم من رمضان جاء شخص في أثناء النهار وقال أنا رأيت الهلال البارحة لرمضان والناس مفطرين يوم ثلاثين شعبان، فيلزمهم الإمساك، هذا بالإجماع يلزمهم الإمساك. هل يلزمهم القضاء أو لا يلزمهم القضاء؟ الجمهور على أنه يلزمهم القضاء لأنهم لم يبيتوا النية من الليل، شيخ الإسلام على أنه لا يلزمهم القضاء، وهنا وافقه ابن القيم، لماذا؟ النية تابعة للعلم، هم لم يعلموا، لو علموا لنووا.
النية تابعة، وذكر لذلك نظيرًا أهل قباء لما صلوا إلى البيت المقدس بعد تحويل القبلة ما أمروا بإعادة الصلوات التي صلوها إلى القبلة المنسوخة بعد النسخ، كذلك مسجد القبلتين لما أخبروا في أثناء الصلاة لم يؤمروا بإعادة الصلاة من أولها، فيقولون النية تتبع العلم ولا يكلفون بما لم يعلموا.
وهذا كما قلنا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمه الله تعالى، لكنه مخالف لقول الجمهور أهل العلم، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يعني يقول قول شيخ الإسلام هنا في المسألة يقصد في إذا قامت البينة في أثنائها يقول قوي، لكن الإشكال في أنه مخالف لقول الجمهور، فيقول الشيخ قضاء يوم واحد أمر سهل والإنسان يخرج به من الاحتياط، يخرج به من الإشكال اللي ورد لا اللي هو يوم العيد اللي ورد في السنة يوم الأولى لو ورد هذا فيكون فيصل في النزاع.
الآن سلك الطريقة الرابعة، ولا ريب بأن هذه الطريقة أصح من طريقة فيمن يقول كان عاشوراء فرضًا وكان يجزي صيامه بنية من النهار، ثم نسخ الحكم بوجوبه فنسخت متعلقاته، وعندي مضبوطة بالكسر نعم بالفتح، فنسخت متعلقاته ومن متعلقاته إجزاء صيامه بنية من النهار، لأن متعلقاته تابعة له وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلقاته.
فإن إجزاء الصيام الواجب بنية من النهار لم يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم بل من متعلقات الصوم الواجب، والصوم الواجب لم يزل وإنما زال تعيينه فنقل من محل إلى محل، والإجزاء بنية من النهار وعدمه من توابع أصل الصوم لا تعيينه.
أحسنت، هذه الطريقة الرابعة يقولون أحسنت، كان يصوم كان يجوز صوم عاشوراء بنية من النهار، فلما نسخ وجوب عاشوراء نسخ جواز الصيام بنية من النهار، هذا الطريقة الرابعة. والطريقة الثانية طريقة أبي حنيفة قال نسخ وجوب عاشوراء فبقي الإجزاء بنية من النهار، الرابعة لا يقول نسخ فنسخت متعلقاته.
الطريقة من يقول إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجباً قط، لأنه قد ثبت الأمر به وتأكيد الأمر بالنداء العام وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكل هذا ظاهر قوي في الوجوب، ويقول ابن مسعود إنه لما فرض رمضان ترك عاشوراء، ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت وغيرها، فتعين أن يكون المتروك وجوبه.
فهذه خمس طرق للناس في ذلك، والله الموفق للصواب.
طيب الطريقة الخامسة نخرج من الإشكال ونقول أصلاً عاشوراء ليس واجباً، إنما مستحباً، وإنما هو مستحب فلا يشكل علينا أنه صاموا بنية من النهار، يقول هذه الطريقة فيها إشكال لماذا؟ قلنا ثبت الأمر به في أحاديث كثيرة، وأيضاً تأكيد الأمر بالنداء العام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى من يأمر الناس بمن كان صائماً فليتم صومه ومن كان مفطراً فليتم بقية يومه، وهذا يدل على أنه واجب، وهذا الذي يميل إليه ابن القيم، ابن حجر رحمه الله في الفتح اختلف كلامه في موضعين، ففي موضع.
ذكر أن الأدلة تدل على أنه واجب، وفي موضع آخر لا، ذكر أنه يعني الأقوال أنه مستحب. يقول: يشكل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح كان مفطراً فليتم صومه»، فلو قيل بنية من النهار لم يصلح؛ لأنه تناول في فترة أول النهار. هذا الإشكال لا يرد على ابن شيخ الإسلام، ابن شيخ الإسلام يرى أنه يجزئه ولو أكل.
ما الفرق بينه وبين أبي حنيفة؟ أبو حنيفة يقول: إذا لم يأكل أول النهار ما في إشكال، وإذا أكل لا، نقول: إنه يقف. ابن شيخ الإسلام لا، يقول: يجزئه ولو أكل. هذا الإشكال لا يرد على كلامه الذي رجحه ابن القيم رحمه الله تعالى.
قال رحمه الله: فصل الإشكال الرابع؛ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وأنه توفي قبل العام المقبل. قول ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع، ابن عباس روى هذا وهذا، وصح عنه هذا وهذا، ولا تنافي بينهما؛ إذ من الممكن أن يصوم التاسع ويخبر أنه إن بقي إلى العام القابل صامه، أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله مستنداً إلى ما عزم عليه ووعد به، فصح الإخبار عن ذلك مقيداً أي كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقاً إذا علم الحال، على كل واحد من الاحتمالين فلا تنافي بين الخبرين.
أحسنت، الإشكال الرابع يعني حديث ابن عباس أعدوا أسبوعكم تسعة صائمين فيه إشكال. الإشكال الرابع؛ هذا الإشكال ترون فيه الإشكال الرابع غير الإشكال السادس، الإشكال الرابع غير الإشكال السادس يعني لا. الإشكال الرابع في قول ابن عباس، في قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن عباس: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وأخبر ابن عباس لما قال: أعدوا أسبوعكم تسعة صائمين، قال: هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم؟ قال: نعم. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تاسعاً، مع أنه في آخر حياته قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، فلم يبق إلى قابل صلى الله عليه وسلم. يقول: لا تنافي بينهما، إذ من الممكن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع لكن لم يأمر به، هذا جواب.
الجواب الثاني يقول: إن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يعني التاسع، هذا بناءً على ما عزم عليه، بناءً على ما عزم عليه، فكأنه قال يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم سيصوم ذلك لو بقي. فإذن عنها جوابان: إما أن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع ولم يأمر به، أو أن نقول إن ابن عباس أخبر عما كان يعزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل الإشكال الخامس، فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية. الإشكال الخامس اللي هو تبييت النية؛ تبييت النية من الليل، وهل يجزئ صوم الواجب بنية من النهار؟ هذا تقدم الجواب في الإشكال الثالث.
فصل الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: أعددت في فضل وأصوم يوم التاسع صائماً. فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس أنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم يوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك وهو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي رواه يوماً قبله ويوماً بعده، وهو الذي رواه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء ويوم العاشر، وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضاً ويؤيد بعضها بعضاً.
هنا ذكر الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: لئن بقيت لأصومن التاسع صائماً، فهذه تخالف المشهور الناس صيامهم صيام عاشوراء هو العاشر، وأيضاً يخالف قول ابن عباس في الرواية الأخرى: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم العاشر يوم عاشوراء أو يوم عاشوراء اللي هو اليوم العاشر، فيقول الجواب عنه أن ابن عباس أرسل السائل إلى الطريقة المثلى أو الطريقة الأفضل في صوم يوم عاشوراء، وأنه يصام معه التاسع ولم يقصد أن يصام التاسع فقط، بل ترك التصريح بصوم العاشر لأنه معروف للسائل، فهو أراد أن يرشده إلى الأفضل فقال له: صم التاسع يعني معه، وقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم. هنا ذكر الجوابين الذي ذكره في الجواب الرابع؛ أنه إما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، أو أنه أمر به وعزم عليه في المستقبل.
قال رحمه الله: مراتب صومه ثلاثة؛ أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم، وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار وعدم تتبع ألفاظها وطرائقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله موفق للصواب.
أحسنت، مراتب صومه ثلاثة؛ أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، يعني يصوم الأيام الثلاثة التاسع والعاشر والحادي عشر، وهذه جاءت في بعض الروايات: صوموا يوماً قبله ويوماً بعده، لكن هذه الرواية لا تصح مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إنه لا يصح فيها حديث في صوم التاسع مع العاشر مع الحادي عشر. لكن من صامها لأجل يعني من صام الحادي عشر لأجل أنه من محرم، أو صامها لأجل استكمال الثلاثة أيام من الشهر، أو صامها لأجل أنها اثنين وخميس ونحو ذلك فلا بأس، لكن يصومها على أنها من مراتب صوم يوم عاشوراء فالحديث فيها لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثانية قال المرتبة الثانية: أنه صوم التاسع والعاشر، وهذه جاءت في الحديث الصحيح: «إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» مع العاشر، قالوا عليه أكثر الأحاديث. ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن يعزم على زيادة التاسع معه. ومن أفرد عاشوراء بالصوم فقد اختلف فيه أهل العلم هل هو مكروه أو مباح؟ والمذهب عندنا على أنه مباح، مباح إفراد العاشر بالصوم.
قال الحافظ ابن جرح: وقد سلك بعض أهل العلم مسلكاً آخر فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع، وإما بصيامهما معاً، فقوله: إذا كان العام المقبل صمنا التاسع يحتمل الأمرين، فتوفي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا مراده، فكان الاحتياط صوم اليومين معاً. والطريقة التي ذكرناها أصوب إن شاء الله، ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل؛ لأن قوله في حديث أحمد: «خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله ويوماً بعده»، وقوله في حديث الترمذي: أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر، يبين صحة الطريقة التي سلكناها، والله أعلم.
طيب، أحسنت، هنا يذكر أن بعض أهل العلم سلكوا مسلكاً آخر، وذكره أيضاً الحافظ ابن حجر في الفتح، أنهم ذكروا مسلكاً آخر، قال: ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة في صوم يوم عاشوراء مع الإتيان بهذه العبادة، وهذا يحصل بأحد أمرين: إما أن نصوم التاسع ولا نصوم العاشر، أو نصومهما معاً، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبين لنا مراده، فنسلك الأحوط وهو أن نصومهما معاً، هذا ذكره بعض أهل العلم يعني تأويل لحديث ابن عباس: «لئن عشت لأصومن التاسع صائماً».
ذكر الحافظ في الفتح أن ابن التين ذكر أمراً آخر في تأويل رواية ابن عباس وهي غير الرواية التي ذكرت هنا، إذا أصبحت التاسع فأصبح صائماً، يقول: إذا أصبحت التاسع خلاص أصبحت التاسع مفطراً فأصبح صائماً يعني في اليوم العاشر؛ لأنه سيكون نية من الليل فيصبح صائماً، فأول أيضاً أو تأويل أو أول حديث قول ابن عباس بذلك، وعلى كل ابن القيم رحمه الله يقول: لا يعني كوننا نجمع رواية ابن عباس لنستدل على مراده هذا أولى من أننا نقول مثل ما قال هذا أنه يصومها احتياطاً.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان